مَسْأَلَةٌ
" وَصِفَتُهُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِعَمَّارٍ: («إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ»)، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ جَازَ ".
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِئُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا يَحْصُلُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَتُرَابٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمْكَنَ غَسْلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ
[ ٤١١ ]
بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَسْحُ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ (مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِغُبَارٍ وَاحِدٍ)، فَإِذَا قِيلَ: غُبَارُ الضَّرْبَةِ الْأُولَى يَذْهَبُ بِمَسْحِ الْوَجْهِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا مَسَحَ الْوَجْهَ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ، فَيَبْقَى بَطْنُ الرَّاحَةِ لِلْيَدِ، أَوْ يَمْسَحُ الْوَجْهَ بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التُّرَابِ، وَيَبْقَى عَلَى الْيَدِ غُبَارٌ يَمْسَحُهَا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ غُبَارٌ لَزِمَهُ ضَرْبَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مَاءٌ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بَلَلٌ لِلْأُذُنِ.
وَالْيَدُ الْمُطْلَقَةُ فِي الشَّرْعِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، بِدَلِيلِ آيَةِ السَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: " «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ» "، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: " «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ ".»
وَلِأَنَّ الْيَدَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُشْتَرِكَةً بَيْنَ الْمَفَاصِلِ الثَّلَاثَةِ أَوْ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ مَجَازًا فِي الْبَعْضِ أَوْ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَوُجُوبُ الْمَسْحِ إِلَى الْكُوعِ مُتَيَقَّنٌ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْيَدِ إِلَى مَفْصِلِ الْكُوعِ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَجَازُ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَلَا يَنْعَكِسُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ نَعْنِ بِالْيَدِ مَا هُوَ إِلَى مَفْصِلِ الْإِبِطِ فِي خِطَابِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ إِلَى الْكُوعِ، وَلِأَنَّ الْيَدَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ خِلَافُهَا عِنْدَ التَّقْيِيدِ.
فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا أَقْصَى مَا يُسَمَّى يَدًا أَوْ أَقَلَّ مَا يُسَمَّى يَدًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي.
[ ٤١٢ ]
فَإِنْ قِيلَ: هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ بَدَلُ الْمُقَيَّدِ فَيَحْكِيهِ، قُلْنَا: إِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ، وَالْيَمِينِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] هِيَ مِنْ نَوْعِ الشَّهَادَةِ الْمُفَسَّرَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْمَسْحُ بِالتُّرَابِ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ قَدِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ، فَهَذَا فِي عُضْوَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةٍ، وَفِي الصِّفَةِ فَالْوُضُوءُ شُرِعَ فِي التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَالْوَجْهُ فِي الْوُضُوءِ يُغْسَلُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ (وَ) بَاطِنُ الْفَمِ وَبَاطِنُ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَيُخَلَّلُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُكْرَهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَهَذَا الْبَدَلُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَكَيْفَ يُلْحَقُ بِمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْبَاغِ، ثُمَّ الْبَدَلُ الَّذِي هُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ لَمْ يُحْكَ مُبْدَلُهُ فِي الِاسْتِيعَابِ مَعَ أَنَّهُ بِالْمَاءِ، فَأَنْ لَا يَحْكِيَهُ الْمَسْحُ بِالتُّرَابِ أَوْلَى، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا تَيَمَّمُوا إِلَى الْآبَاطِ لَمْ يَفْهَمُوا حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا، وَهُمْ أَهْلُ الْفَهْمِ لِلِّسَانِ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ مَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَتَمَعَّكْتُ فِي الصَّعِيدِ وَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» ".
[ ٤١٣ ]
وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ إِلَى الرُّسْغَيْنِ.
» وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الصَّعِيدَ مُفَرَّجَةً أَصَابِعُهُ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُسْرَى بِأَنْ يُمِرَّ الرَّاحَةَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْكُوعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ ظَاهِرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ مَسَحَ الْوَجْهَ بِجَمِيعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى جَازَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا غُبَارٌ وَاحْتَاجَ إِلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ، هَكَذَا ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " رَأَيْتُ أَحْمَدَ عَلَّمَ رَجُلًا التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَسْحًا خَفِيفًا، كَأَنَّهُ نَفَضَ مِنْهُمَا التُّرَابَ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ مَرَّةً، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ".
وَقَالَ الْقَاضِي: " لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ كَفَّيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التُّرَابُ الَّذِي عَلَى رَاحَتَيْهِ مُسْتَعْمَلًا، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ". وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا وَصَلَ إِلَى الْوَجْهِ، أَمَّا مَا يَبْقَى فِي الْيَدِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذَا فِي الْوُضُوءِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ مِنَ الصَّعِيدِ وَقَدْ حَصَلَ، كَمَا قُلْنَا فِي إِيصَالِ
[ ٤١٤ ]
الطَّهُورِ إِلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ، وَكَذَلِكَ إِنْ مَسَحَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا، لَكِنْ يُكْرَهُ أَنْ يَمْسَحَ زِيَادَةً عَلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ يَمْسَحَ بِثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهُمَا، فَأَمَّا الْمَسْحُ بِضَرْبَتَيْنِ فَهَذَا أَفْضَلُ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَمَا دُونَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ خِلَافًا ظَاهِرًا، وَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَالْأَسْلَعِ، قَوْلًا وَفِعْلًا، أَنَّ «التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، رَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرُوِيَ عَنْ
[ ٤١٥ ]
أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا، وَهِيَ وَإِنْ ضَعُفَتْ فَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا، وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ فِي الْفَضَائِلِ جَائِزٌ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ " كَانَ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ " وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السُّنَّةَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ: " ضَرْبَتَيْنِ " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: " إِنْ فَعَلَ لَا يَضُرُّهُ ".
وَهَكَذَا اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀؛ لِأَنَّ هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ الْمُفَسِّرُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَالْمُعَبِّرِ عَنْهُ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَحْكَامِ وَالْعُدُولُ عَنِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ بِمِثْلِهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ: " الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا " ثُمَّ هُوَ قَوْلٌ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِثْلَ: عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ هُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا
[ ٤١٦ ]
ذَكَرْنَا، فَإِنَّ التَّمَسُّحَ بِالتُّرَابِ لَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ فِيهِ وَلَا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَائَيْنِ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالرَّأْسِ وَالْأُذُنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَصْدِ وَأَبْعَدُ عَنِ السَّرَفِ، فَمَا أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا بِتُرَابٍ وَاحِدٍ أَوْلَى. وَإِذَا كَانَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالْمَاءِ، فَقِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالتُّرَابِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّمَسُّحَ بِالتُّرَابِ فِي الْأَصْلِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ مُلَوَّثٌ مُغَبَّرٌ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَوْرِدُ الْعِبَادَةِ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا مُقْتَضَى لَهُ. نَعَمْ أَجَزْنَا الضَّرْبَتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا أَجَزْنَا الْغَرْفَتَيْنِ وَالْمَائَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَتَيْنِ مَظِنَّةُ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِمَا؛ إِذْ قَدْ لَا يَكْفِي التُّرَابُ الْوَاحِدُ وَلَا يُمْكِنُ بِهِ، وَأَجَزْنَا الْمَسْحَ إِلَى الْمِرْفَقِ لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَحَلُّ الطَّهَارَةِ مَعَ مَا جَاءَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يُفِيدُ الْجَوَازَ لَا الْفَضِيلَةَ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّمَا يُفْعَلُ احْتِيَاطًا إِذَا لَمْ تُعْرَفِ السُّنَّةُ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، فَإِذَا زَالَتِ الشُّبْهَةُ وَتَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ، فَلَا مَعْنَى لِمَطْلَبِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ أَوْلَى مِنَ الْمَوْصُولَةِ، مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِمَا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ مَعَ الْخِلَافِ فِي كَرَاهَتِهَا، وَإِشْعَارُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ مَعَ الْخِلَافِ فِي كَرَاهَتِهِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ، وَفَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ أَوْلَى مِنَ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْخِلَافِ الشَّائِعِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ، وَتَرْكُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَأْمُومِ فِي صَلَاةِ
[ ٤١٧ ]
" الْجَهْرِ " أَفْضَلُ بَلْ قِرَاءَتُهَا لَهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مَعَ الْخِلَافِ فِي الْإِجْزَاءِ، (وَتَفْرِيقُ) قِيمَةِ صَدَقَتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ فِي الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمَأْثُورَةُ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي عَمَلٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ (مَشْرُوعٌ) فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا رُغِّبَ فِيهِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ لِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، عَمِلَ بِهِ، أَمَّا إِثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلَا، ثُمَّ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّمَا تُفِيدُ الْجَوَازَ فَقَطْ، إِذْ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ كِلَا الصُّورَتَيْنِ قَدْ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقَصْدِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَعَلَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْيَ شَرْعِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِرْفَقِ، فَإِنَّ الْيَدَ لَمَّا كَانَتْ مُطْلَقَةً وَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ مَسْحَهَا إِلَى الْإِبِطِ مَشْرُوعٌ، بَيَّنَ أَنَّ أَقْصَى مَا يُمْسَحُ مِنْهَا إِلَى الْمِرْفَقِ وَأَنَّ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ، فَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجُهُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطْهِيرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَنْفُضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٤١٨ ]
" فَأَمَّا لَا يَنْهَى عَنْهُ أَوْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ نُسِخَ إِلَى الْكُوعِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَنَهَاهُمْ عَمَّا يَقْبَلُ النَّهْيَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوُضُوءِ الْجَائِزِ ".
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ تَيَمَّمُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ» ".
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ حَدِيثُ عَمَّارٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ التُّرَابَ يُوَصَّلُ إِلَى مَحَلِّ الْمَاءِ وَأَنَّ الَّذِي عَمِلُوهُ أَوَّلًا هُوَ تَيَمُّمُ الْمُحْدِثِ، وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْجُنُبِ يَعُمُّ الْبَدَنَ كَمَا يَعُمُّهُ الْمَاءُ، فَتَمَعَّكَ بِالتُّرَابِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ صِفَةَ التَّيَمُّمِ.
[ ٤١٩ ]
وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ عَمَّارٌ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِذَا تَيَمَّمَ بِالضَّرْبَتَيْنِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ بِالضَّرْبَةِ الْأُولَى جَمِيعَ وَجْهِهِ بِهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَمِمَّا لَا يَشُقُّ، وَبِالثَّانِيَةِ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيُمِرُّهَا إِلَى ظَهْرِ الْكَفِّ، فَإِذَا بَلَغَ إِلَى الْكُوعِ قَبَضَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ عَلَى حَرْفِ الذِّرَاعَ وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ ذِرَاعِهِ وَيُمِرُّهُ عَلَيْهِ وَيَرْفَعُ الْإِبْهَامَ، فَإِذْ بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ الْإِبْهَامَ عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ، وَالْأَقْطَعُ مِنَ الْكُوعِ يَمْسَحُ بِالتُّرَابِ مَوْضِعَ الْقَطْعِ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ كَالْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً مِنَ الذِّرَاعِ مَسَحَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: " يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِسْبَاغِ فِي الْوُضُوءِ ".
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ مَحَلِّ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: («فَتَمْسَحُ بِهَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ»).
وَهَذَا يُزِيحُ مَا لَعَلَّهُ يُتَوَهَّمُ فِي الْبَاءِ مِنْ تَبْعِيضٍ، فَأَمَّا مَا يَشُقُّ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَيْهِ كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ، فَلَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ أَوْ بَعْضُ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَبِذَلِكَ لَا يَصِلُ التُّرَابُ إِلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَ الصَّعِيدَ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدِ فَإِنْ نَسَفَتْهُ الرِّيحُ بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَوَى وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَيْهِ وَيَدَيْهِ بِمَا عَلَيْهِمَا، لَمْ يُجْزِئْهُ، بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ الصَّعِيدَ، وَأَنْ يَمْسَحَ بِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ فِي الْوُضُوءِ إِلَّا بِالْمَسْحِ، فَإِنْ نَقَلَ مَا عَلَى الْوَجْهِ إِلَى الْيَدِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ وَمَسَحَ بِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَلَهُ
[ ٤٢٠ ]
بِيَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، كَمَا لَوْ نَقَلَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ صَمَدَ لِلرِّيحِ حَتَّى نَسَفَتْهُ كَانَ نَقْلًا فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ بِقَصْدِهِ انْتَقَلَ.
ثُمَّ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الطَّهُورَ إِلَى مَحَلِّهِ، كَمَا لَوْ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ كَمَا فَعَلَ عَمَّارٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا رَجَّحُوهُ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُغَبَّرَةَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ، أَوْ ذَرَّى التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَّا التَّمَرُّغُ فَإِنَّمَا يُجْزِئُ بِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِمْرَارِ مَحَلِّ التُّرَابِ عَلَى الْوَجْهِ أَوْ إِمْرَارِ الْوَجْهِ عَلَى مَحَلِّ التُّرَابِ، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التُّرَابِ فَعَلِقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ جَازَ.
وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَانِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُجِبْ هُنَا وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ جَائِزٌ، وَإِذَا مَسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ وَجْهِهِ، بَلْ لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ بَاطِنِ يَدَيْهِ وَبَقِيَ بِهِ غُبَارٌ يَكْفِي لِظَاهِرِهِمَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ الْبَاطِنِ بَعْدَ الْوَجْهِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي الْيَدِ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِهَا.
وَوَجْهُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ سَقَطَ فِي بَاطِنِ الْيَدِ ضَرُورَةً، فَإِنَّا إِنْ أَوْجَبْنَا مَسْحَهُ مَرَّتَيْنِ كَانَ خِلَافَ قَاعِدَةِ التَّيَمُّمِ فَيَجِبُ مِنَ التَّرْتِيبِ مَا يُمْكِنُ لِقَوْلِهِ: («إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»)، وَلِأَنَّ مَسْحَ بَاطِنِ الْيَدِ لَمَّا حَصَلَ تَبَعًا لِمَسْحِ الْوَجْهِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَمَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا أُدْخِلَتْ فِي الْغُسْلِ تَبَعًا، عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا فِي الْجَمِيعِ
[ ٤٢١ ]
عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ. فَأَمَّا التَّرْتِيبُ عَنِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ هُنَا اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، «وَلِأَنَّ عَمَّارًا لَمَّا تَمَعَّكَ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ: (إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ («ثُمَّ مَسَحَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبَتِهَا ثُمَّ بِهِمَا وَجْهَهُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.