(وهم ثمانية)، (لا يجوز صرفها إلى غيرهم)، (للآية)، (الأول والثاني: ﴿الفقراء والمساكين﴾)، (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه)، (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،
ــ
بابُ أهلِ الزّكاة
(وهم ثمانية) المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٩/٦٠] (لا يجوز صرفها إلى غيرهم) إلى غير هؤلاء الثمانية (للآية) المتقدم ذكرها (الأول والثاني: ﴿الفقراء والمساكين﴾)
الأول: الفقراء من لا يجدون بعض الكفاية. الثاني: المساكين الذين يجدون بعضها كنصفها أو أقل فيعطون كفايتهم سنة (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه) للأحاديث التي فيها الوعيد الشديد في سؤال الناس أموالهم وعنده ما يكفيه٢ (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،
_________________
(١) ٢ ومنها حديث أبي مسعود مرفوعا: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من ذهب" أخرجه أصحاب السنن. وحديث: "من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا فليستقل، أو ليستكثر" أخرجه مسلم. وحديث: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" متفق عليه.
[ ٢١٣ ]
والاستقراض)، (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير)، (الثالث: ﴿العاملون عليها﴾: كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال)، (ولا يجوز من ذوي القربى)، (الرابع: ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه)، (أو مسلم)، (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
ــ
والاستقراض) هذه الأمور لا تدخل في المسألة المذمومة (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير) إذا علم جائع من المسلمين فإطعامه فرض كفاية، وكذلك العاري يجب كسوته إذا علم، وكذلك الأسير يجب فكه من أسره. فإذا علموا يذلك ولم يفعلوا أثموا.
(الثالث: ﴿العاملون عليها﴾: كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال) لكن نعرف أن العمال الذين يخرصون الآن ما يدخلون في العاملين عليها؛ فإن العمال الذين يقبضون ويكتبون ويحسبون هم العمال. أما هؤلاء الخراص فلهم أجرة على أهل الزرع، وإن بذلت من بيت المال جاز. (ولا يجوز من ذوي القربى) ولا يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى لما يأتي (وإن شاء الإمام أرسله من غير عقد وإن شاء معلومًا) ١.
(الرابع) من أهل الزكاة (﴿المؤلفة قلوبهم﴾ وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه) يعطيه الإمام، (أو مسلم) ولكن في إيمانه ضعف (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
_________________
(١) ١ في الفروع جـ٢/٦٠٩: ويخير الإمام إن شاء نفل العامل من غير عقد ولا تسمية شيء، وإن شاء عقد له إجازة. اهـ.
[ ٢١٤ ]
إسلام نظيره، أو نصحه)، (أو كف شره كرشوة)، (الخامس: ﴿الرقاب﴾ وهم المكاتبون)، (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة)، (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب")، (السادس: ﴿الغارمون﴾ وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين)، (وهو من تحمل مالًا لتسكين فتنة)، (الثاني: من استدان لنفسه في مباح)، (السابع: ﴿في سبيل الله﴾ وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم
_________________
(١) إسلام نظيره، أو نصحه) أو يعطي لأجل جباية الزكاة من عشيرته، أو نحو ذلك. (أو كف شره كرشوة) أو يعطي ليدفع شره. (الخامس: ﴿الرقاب﴾ وهم المكاتبون) يشترون أنفسهم من ساداتهم فيفك من الزكاة (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة) فيدخل في عموم فك الرقاب. (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب") لقول ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعق الرقبة من الزكاة. (السادس: ﴿الغارمون﴾ وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين) فهذا يجوز ويستحق أن يدفع له لأجل دَيْنِه (وهو من تحمل مالًا لتسكين فتنة) كأن تكون ثائرة بين طائفتين فيعطى لفك المشكل وإطفاء تلك الثائرة ترغيبًا للرؤساء في إطفاء الفتن وإخماد الشر (الثاني: من استدان لنفسه في مباح) والآية تشملها. (السابع: ﴿في سبيل الله﴾ وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم
[ ٢١٥ ]
ولو مع غناهم)، (والحج في سبيل الله)، (الثامن: ﴿ابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده)، (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده)، (وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله)، (وإن كان جلدًا)، (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه)، (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)، (وإن كان
_________________
(١) ولو مع غناهم) يجوز أن يدفع إليهم في حال غزوهم فيأكلون إلى أن يرجعوا (والحج في سبيل الله) يدخل فيه الحج وطلب العلم فإنه يدخل في سبيل الله، وهو نوع من الجهاد. (الثامن: ﴿ابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده) ولو أنه في بلاده غني (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده) أما الذي يريده وهو في بلده فلا يعطى. (وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله) أما إذا كان معروفًا بالغني ثم ادعى فقرًا فلا بد من شهود ثلاثة كما في قصة قبيصة، (وإن كان جلدًا) يعني قوي البدن (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه) وكونه لجلادته ليس يكسب ما يكفيه فإنه لا يصح أن يعطى لقوله: "ولا لذي مرة سوي" (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) بهذين القيدين: إذا لم يعرف له كسب، وبعد إخباره بذلك؛ لقصة الرجلين الذين رفع فيهما النظر وخفضه فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". فأما من عرف أنه لا ينتفع بجلده فيعطى (وإن كان
[ ٢١٦ ]
الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد)، (ولا يحابي بها قريبًا)، (ولا يستخدم بها أحدًا)، (ولا يقي بها ماله)، (وصدقة التطوع مسنونة كل وقت)، (وسرًا أفضل)، (وكذلك في الصحة)، (وبطيب نفس)، (وفي رمضان)، (لفعله ﷺ)، (وفي أوقات الحاجة)، (لقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾)، (وهي على القريب صدقة
_________________
(١) الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد) فإذا كان موجود قريب وأجنبي أفقر منه فيعطي الأجنبي (ولا يحابي بها قريبًا) بل يبذلها على وجهها الشرعي. ويوجد في كثير من الناس المحاباة لكثير بأن يدفع إلى أقارب ليسوا محاويج فإن هذا لا يجوز ولا يجزي (ولا يستخدم بها أحدًا) كمن يوكلهم ونحو ذلك (ولا يقي بها ماله) فلا بد أن يصرفها في وجهها الشرعي. صدقة التطوع: (وصدقة التطوع مسنونة كل وقت) وفيها فضل عظيم قال ﷺ: " اتقوا النار ولو بشق تمرة" وأمر النساء بالصدقة وعلل ذلك بقوله: " إني رأيتكن أكثر أهل النار" "الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" (وسرًا أفضل) لحديث: "لا تعلم شماله ما تنفق يمسنه" (وكذلك في الصحة) كما في الحديث: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر" (وبطيب نفس): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً﴾ [٢/٢٦٢] (وفي رمضان) أفضل (لفعله ﷺ) فإنه أجود ما يكون في رمضان (وفي أوقات الحاجة) وكذلك في الحاجات (لقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾) فدل على أنها مع الحاجة أفضل (وهي على القريب صدقة
[ ٢١٧ ]
وصلة)، (ولا سيما مع العداوة)، (لقوله ﷺ: "وأن تصل من قطعك" ثم الجار)، (لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [٤/٣٦])، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [٩٠/١٦])، (ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته)، (ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه)، (حسن التوكل استحب، لقصة الصديق)، (وإلا لم يجز، ويحجر عليه)، (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة)،
_________________
(١) وصلة) فهي وإن كانت على قريب فإنها يجتمع فيها الصدقة والصلة (ولا سيما مع العداوة) لا سيما إن كان عدوًا، له، ففيها ثلاثة أمور: الصدقة، والصلة، وعصيان النفس والهوى، (لقوله ﷺ: "وأن تصل من قطعك" ثم الجار) الصدقة فيهم أولى ممن ليس بجار، له ميزة لأجل الجوار (لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [٤/٣٦])، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [٩٠/١٦]) . (ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته) غريمه ديانه، أو كفيله؛ لأن هذه الأشياء واجبة؛ فالتصدق بما يضر بالواجب لا يجوز. (ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه) الصبر و(حسن التوكل استحب، لقصة الصديق) وصدقته بجميع ماله. بشرط أن يعلم من نفسه إلى آخره (وإلا لم يجز، ويحجر عليه) في هذا التصرف (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) لأنها واجبة
[ ٢١٨ ]
(ويحرم المن في الصدقة)، (وهو كبيرة يبطل ثوابها)، (ومن أخرج شيئًا يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه)، (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعامًا لسائل فلم يجده عزله)، (ويتصدق بالجيد)، (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به)، (وأفضلها جهد المقل)، (ولا يعارضه خبر "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" المراد جهد المقل بعد حاجة عياله) .
_________________
(١) (ويحرم المن في الصدقة) للآية الكريمة، (وهو كبيرة يبطل ثوابها) قال تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [٢/٢٦٤] . (ومن أخرج شيئًا يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه) يستحب له إمضاؤه فإنه شيء طابت نفسه به لله. (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعامًا لسائل فلم يجده عزله) عن ماله (ويتصدق بالجيد) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) والخبيث الرديئ (وأفضلها جهد المقل) سئل ﷺ أي الصدقة أفضل؟ فقال: "جهد المقل " (ولا يعارضه خبر " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " المراد جهد المقل بعد حاجة عياله) فإن الجمع يعني بعد كفايته.
[ ٢١٩ ]