(يجب أن يصلي المريض قائمًا في فرض)، (لحديث عمران: " صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى
_________________
(١) باب صَلاة أهل الأعذار وهم أنواع كما يأتي، ولهم أحكام خاصة. (يجب أن يصلي المريض قائمًا في فرض) كما هو الأصل. ألصل القيام فيها، ولو كان مريضًا ما لم يصل مرضه إلى ما يأتي بيانه (لحديث عمران: " صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى
[ ١٣٤ ]
جنب " رواه البخاري)، (وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر)، (لحديث يعلى بن أمية)، (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم)،
_________________
(١) جنب" رواه البخاري) فإن لم يستطع صلى قاعدًا للأدلة المخصصة لعموم أدلة القيام، فإذا عجز عن القيام أو شق عليه القيام صلى قاعدًا. فإذا عجز أصلًا عن القعود بحيث لا يثبت جالسًا، إلا بممسك أو يستطيع أن يجلس لكن بمشقة لا تحتمل فيسقط عنه الجلوس ويصلي مضطجعًا، وتكون صلاته على جنبه. وعمران كان به مرض البواسير وهو الداء الذي يكون بالمقعدة فلا عَذَرَه بمطلق المرض، بل بيَّن له أحكام كا حالة. (وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر) كذلك. ويأتي دليله (لحديث يعلى بن أمية) . ويقال ابن منية ولفظه: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راجلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم، يعني إيماءً يجعلِ السجود أخفض من الركوع"، هذا عذر في الصلاة على الراحلة الفريضة وغيرها، وأن الجماعة بحالها لا تسقط، فيتقدم الإمام أمامهم، ويومون إيماءً، ويكون السجود أخفض من الركوع (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم) وهذا في الفريضة. وأما النافلة فتصح مطلقًا. ومثل المطر والطين في الأرض المرض، أو خوف يخشى على نفسه أو راحلتهم، بل أولى.
[ ١٣٥ ]
(والمسافر يقصر الرباعية خاصة)، (وله الفطر في رمضان)، (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم)، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبدًا)، (والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر)، (ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين)،
_________________
(١) (والمسافر يقصر الرباعية خاصة) هذا من الأعذار "السفر"، فعذره يخوله أن يصلي الرباعية ركعتين، هذا دلت عليه السنة. (وله الفطر في رمضان) وكذلك له أن يفطر، وله أن يصوم؛ لكن الفطر أفضل. (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم) متابعة لإمامه الواجبة عليه، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبدًا) بلا حد؛ بل حده انقضاء ما حبسه ومنعه، غلب على ظنه كثرة ذلك أول قلته، أو لم يغلب على ظنه بل غلب على ظنه قصر ذلك، أو استوى عنده الأمران؛ لأنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة. (والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر) والمسح معروفة أحكامه في بابه، والقصر والفطر تقدما، والجمع يأتي. (ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين) والجمع هو أحد عوارض السفر، كما أن من عوراض السفر القصر. والقصر عزيمة، والجمع رخصة. والجمع يكون تارة للسفر، وتارة يكون للمرض، وتارة يكون للمطر، وتارة يكون لغيرهما. وفعله في بعض الأحيان
[ ١٣٦ ]
(في وقت أحدهما)، (للمسافر)، (وتركه أفضل)، (غير جمعي عرفة ومزدلفة)،
_________________
(١) أفضل من تركه. والأكثر في موارده أن الترك أفضل. والجمع إنما هو بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وهما العشاءان، فلا جمع بين العصر والمغرب بحال، كما لا جمع بين الظهر والفجر بحال. إنما الجمع بين الوقتين الذين وقتهما واحد؛ فللعذر هو لهما وقت واحد. والأصل فيه السنة الثابتة عن النبي ﷺ من حديث أنس وغيره. (في وقت أحدهما) إما في وقت الظهر جمع تقديم، أو في وقت العصر جمع تأخير. (للمسافر) هذه أحد الحالات التي يجوز فيها الجمع. وحيث ساغ الجمع السفري ونحوه فإنه يجوز أن يجمع تقديمًا، ويجوز أن يجمع تأخيرًا. ولكن هنا أفضلية: تارة يكون الأفضل جمع تقديم، وتارة يكون يكون الأفضل جمع التأخير. وبعض الأحيان يكون لازمًا، وبعض الأحيان يكون ليس بلازم بل نظرا إلى ما هو الأرفق، وإذا استويا فالأولى جمع التأخير، لما فيه من الأحوطية. في سفر قصر. وحدّه: أنه أربعة برد. إلى أخره. وعند الشيخ تقي الدين: أنه ما يسمى سفرًا يحمل فيه الزاد والمزاد فهذا هو الذي يفطر فيه وهو الذي يقصر فيه وهو الذي يجمع فيه بين الصلاتين. هذا من ناحية المسافة. ويشترط أن لا يكون السفر منهيًا عنه. (وتركه أفضل) إذا كان نازلًا وليس نيته الارتحال بين الوقتين. (غير جمعي عرفة ومزدلفة) يستثنى من ذلك جمعان: أحدهما:
[ ١٣٧ ]
(ولمريض يلحقه بتركه مشقة)، (لأنه ﷺ جمع من غير خوف ولا سفر)، (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض)، (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر)، (وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل)،
_________________
(١) جمع عرفة، والآخر: جمع مزدلة. فالأفضل فيهما الجمع: جمع عرفة تقديمًا، وجمع مزدلفة تأخيرًا، ليتوفر الوقت للدعاء فيكون من الظهر إلى المغرب كله وقوف. وفي التأخير لمزدلفة اتصال السير. فجمع عرفة أفضل مطلقًا، وكذلك جمع مزدلفة. (ولمريض يلحقه بتركه مشقة) هذا الشيء الثاني الذي يُسَوَّغُ الجمع، المريض الذي يلحقه بتركه مشقة (لأنه ﷺ جمع من غير خوف ولا سفر) فتعين أن يكون ذلك للمرض، فيكون هذا من أدلة جمع المريض بين الصلاتين (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض) فيكون أيضًا من أدلة الجمع للمرض. ونحوها من به سلس البول والقروح السيالة التي تسيل منها النجاسة كثيرًا فيعفى عنها، فإن الكل له الجمع. (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر) وقد ثبت الجمع للمطر والذي يلحق أصحاب هذه الأمور المرض ونحوه من المشقة أكثر مما يلحق في المطر، فدل على ثبوت الجمع للمرض والاستحاضة وما في معناها ممن به سلس البول أو سلس المذي الخ. بجامع المشقة. (وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل) تقد بيان أشياء تبيح ترك الجمعة والجماعة فما منها من شيء إلا ويبيح الجمع بين الصلاتين، وهذا مذهب أحمد، ومذهبه رحمة الله عليه أوسع
[ ١٣٨ ]
(وقال: صحت صلاة الخوف النبي ﷺ من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة)، (وأما حديث سهل فأنا أختاره)، (وهي صلاة ذات الرقاع)،
_________________
(١) المذاهب في ذلك، فإنه يرى الجمع للشغل. ومن هذا مثلًا حفر الآبار فيما تقدم حين كان السني على البهائم لو خرجوا لصلاة الظهر لتزايد الماء عليهم، فيجوز أن يجمعوا. ومثله من يبتلى بذود الجراد والدبا ونحو ذلك؛ بخلاف مطلق الأشغال فإنها ليست مرادة هنا؛ إذ الإنسان لا يخلو غالبًا من شغل، ولو قيل بذلك لكان الفرد يجمع كل يوم أو الجماعة يتفق لهم أشغال وهذا لا قائل به؛ بل المراد الشغل الذي يحصل بتفويته نقص. صلاة الخوف: (وقال: صحت صلاة الخوف النبي ﷺ من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة) الخوف عذر، كما أن السفر عذر، والمرض عذر، والمطر عذر. وصلاة الخوف جاءت بصفات عديدة كلها جائزة. والأصل في شرعيتها الكتاب العزيز والسنة المطهرة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [٤/١٠١] الآية، والآية بعدها، والسنة بذلك مستفيضة. (وأما حديث سهل فأنا أختاره) سهل بن أبي حثمة وإنما اختاره أحمد لأنه أوفق لما دل عليه القرآن، ولأنه أقل أفعالًا، الثالث قلة الأفعال المخالفة لأصل الصلاة: فيها وغير ذلك (وهي صلاة ذات الرقاع) وهي التي فعلها النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع غزوة
[ ١٣٩ ]
(طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه)، (وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي)، (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾)، (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه)،
_________________
(١) غطفان بأرض نجد. وسميت ذات الرقاع لأن الظَهْرَ قليل وإنما يمشون على أرجلهم حتى نقبت فكانوا يضعون الرقاع على أرجلهم. وصفتها أن النبي ﷺ قسم أصحابه طائفتين (طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه) فكانت له ركعتين، ولكل طائفة ركعتين. فهذه هي التي اختارها أحمد. (وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي) وهذه إحدى صفات صلاة الخوف: أنه ﷺ صلى بطائفة ركعتين وسلم بها، ثم ذهبوا يحرسون، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعتين، فصار للنبي أربع، ولكل طائفة ركعتين. وإذا لم يكن خوف لم تصح (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾) لهذه الآية الكريمة. ولا يثقله يكون شيئًا خفيفًا: فرد، خنجر، سكين. (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه) يعني لأن الله أمر
[ ١٤٠ ]
(لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [٤/١٠٢])، (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها)، (لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [٢/٢٣٩])، (يومون إيماء بقدر الطاقة)، (ويكون السجود أخفض من الركوع)، (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة) .
_________________
(١) بذلك، مراده أنه إن كان قاله أحد من أهل العلم فهو وجيه، وإن لم يكن أحد قال به فليس بوجيه ما قاله، يعني مسألة الوجوب. أما الاستحباب فظاهر (لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [٤/١٠٢]) . (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) صلاة الخوف التي لم يشتد فيها الخوف تشترط فيها الصلاة إلى القبلة. وإذا اشتد الخوف وهو أن يكون حال المسايفة فيسقط الاستقبال فيها والجماعة، ويفعلون ما يستطيعون من استقبال القبلة والقيان ونحو ذلك، (لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [٢/٢٣٩]) وكل من الصلاتين صلاة الخوف الشديد والخوف غير الشديد في القرآن الكريم. والصفات المروية عن النبي ﷺ التي قال أحمد أنها صحت عن النبي ﷺ هي في الخوف غير الشديد. (يومون إيماء بقدر الطاقة) كما تقدم أن عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون (ويكون السجود أخفض من الركوع) كما تقدم في صلاة المريض. (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة) فقد شُرط الإئتمام لأجل الخوف. ثم الهارب خوفًا من عدو أو سبع أو سيل يصلي إذا أدركه الوقت ويفعل ما يستطيعه ويسقط عنه ما لا يستطيعه، حكمه حكم الخائف الخوف الشديد.
[ ١٤١ ]