منهج ابن النجار في كتابه
" معونة أولي النُّهَى "
[ ٣١ ]
منهج ابن النجار في كتابه
" معونة أولي النُّهَى "
قال ابن بدران: " ان ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي ألف كتابه " المنتهى " بعد
أن حرر مسائله على الراجح من المذهب، واشتغل به عامة الطلبة في عصره واقتصروا عليه، ثم شرحه شرحًا مفيدًا في ثلاثة مجلدات ضخام. وغالب استمداده فيه من كتاب " الفروع " لابن مفلح، وبالجملة فقد كان منفردًا في علم المذهب " (^١) .
وقال الشيخ منصور البهوتي في مقدمة شرحه لـ " منتهى الإرادات ":
" وبعد: فان كتاب " المنتهى " لعَلَم الفضائل، وأوحد العلماء الأماثل " محمد
تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين بن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي تغمده
الله تعالى برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته: كتاب وحيد في بابه، فريد
في ترتيبه واستيعابه. سلك فيه منهاجًا بديعًا، ورصعه ببدائع الفوائد ترصيعا.
عُدّ ذلك الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب، وشرحه مصنفه
شرحًا غير شاف للعليل، فأطال في بعض المواضع وترك أخرى بلا دليل
ولا تعليل. وسألني بعض الفضلاء أن أشرحه شرحًا مختصرًا يسهل قراءته.
فأجبته لذلك. مع اعترافي بالقصور عن رتبة الخوض في هذه المسالك.
ولخصته من شرح مؤلفه وشرحي على " الإقناع " " (^٢) .
_________________
(١) " المدخل " ٤٤٠.
(٢) " شرح منتهى الإرادات " ٣: ١.
[ ٣٣ ]
وقد استوقفني كلام الشيخ منصور البهوتي كثيرًا، فجعلت أدرس هذا الشرح دراسة متأنية وافية، وأعقد المقارنات بينه وبين شرح البهوتي؛ لأتبين مواضع الإطالة والمواضع التي أشار البهوتي إلى ترك شرحها بلا دليل.
فتبين لي إطالة ابن النجار ﵀ في بعض المواضع، ولكن كان الحال يقتضي الإطالة فيه لتوضيح المسألة، وذلك بتأمل طالب العلم في مثل هذه المواضع. في حين اختصار الشيخ البهوتي غير شاف كما اتضح لي، فقد كان ينقل كثيرًا من النصوص من كتاب ابن النجار الحنبلي بأكملها. وهذا يدل على أن شرح ابن النجار كان الأساس والمعتمد لدى الشيخ البهوتي، ويؤكد ما أشار هو بنفسه في مقدمته من تلخيصه من شرحه مؤلفه.
وقد جاء شرح ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي مؤيدًا بالأحاديث النبوية الشريفة وأقوال السلف، موثقًا بذلك مسائله الفقهية. وقد عزا ذلك إلى مصادره. ويدل ذلك على أنه ﵀ له إلمام جيد بالحديث الشريف واختلافه وألفاظه وغريبه ورواياته. فهو بذلك لم يكن فقيهًا فقط. بل كان فقيهًا محدثًا.
وعن منهجه الفقهي، وتفسيره للمصطلحات التي أوردها في كتابه، فقد أفرد في خاتمة كتابه ما مقداره ثماني صفحات أوضح فيها المصطلحات العامة للفقه الحنبلي ومنهجه الذي سار عليه في شرحه لهذا الكتاب. ولكنه لم يضع عنوانا لهذه الصفحات. وقد رأيت أن أسردها كما هي في هذا الموضع. حيث ان المصطلحات الفقهية من حقها أن تكون في مقدمة الكتاب.
وقد حرصت على إبقائها كما هي في موضعها بنهاية الكتاب كما رأى ذلك المؤلف ﵀.
قال ابن النجار ﵀:
[ ٣٤ ]
[قاعدة في بيان معنى الروايات والأوجه]
ثم اعلم أن ما في هذا الشرح من قولي: على الأصح فهو من الروايتين أو
الروايات عن الإمام أحمد ﵁، ومن قولي: في الأصح فمن الوجهين، أو الأوجه للأصحاب.
ثم اعلم أيضًا أن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لم يؤلف كتابًا مستقلًا في
الفقه كما فعله بعض الأئمة، وانما أخذ أصحابه مذهبه من أجوبته عما يُسأل
عنه، ومن بعض تأليفه في غير الفقه، ومن أقواله وأفعاله. فان ألفاظه
إما صريحة في الحكم بما لا يحتمل غيره، أو ظاهرة فيه مع احتمال غيره، أو
محتملة لشيئين فأكثر على السواء. ثم كلامه قد يكون صريحًا، وقد يكون تنبيهًا
كقولنا أومأ إليه، أو أشار إليه، أو نحو ذلك.
فمذهبه ما قاله بدليل ومات قائلًا به. قاله في " الرعاية ".
وقال ابن مفلح في " أصوله ": مذهب الانسان ما قاله أو جرى مجراه من
تنبيه أو غيره (^١) ٠ انتهى.
وان قال قولًا بدليل ثم آخر بدليل يخالف الأول، فالثاني مذهبه دون
الأول. [قال في " الإنصاف ": على الصحيح] (^٢) ٠ اختاره في " التمهيد "
و" الروضة " و" العمد ة " وغيرهن. وقدمه في " الرعا ية " وغيرها.
فان نقل عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه قولان صريحان مختلفان في
_________________
(١) في ج: تنبيه ونحوه.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣٥ ]
وقتين وتعذر الجمع بينهما: فان علم التاريخ فالثاني فقط مذهبه في (^١) الأصح.
فيحمل (^٢) عام كلامه في (^٣) خاصه ومطلقه على مقيده، فيكون كل (^٤) واحد منهما مذهبه؛ لإمكان الجمع بينهما. وهذا في الأصح فيعمل بكل واحد منهما في
محله وفاقًا باللفظ. وان جهل التاريخ فمذهبه أقربهما من الكتاب والسنة [أو
الإجماع] (^٥) والأثر، ومن قواعده [أو عوائده] (^٦) أو مقاصده أو أدلته.
قال في " الفروع ": فان جهل أي التاريخ فمذهبه أقربهما من الأدلة وقواعده
انتهى. [وان تساويا نقلًا ودليلًا فالوقف أولى. قاله في " الرعاية "] (^٧) .
فان وافق أحد قوليه مذهب غيره فهل الأولى ما وافقه أو ما خالفه؟ يحتمل
وجهين. قاله في " الرعاية ".
قال في " الإنصاف ": قلت: الأولى ما وافقه. انتهى.
وان علم تاريخ (^٨) أحد القولين دون الآخر فكما لو جهل تاريخهما في
الأصح.
ويخص عام كلامه بخاصة في مسألة واحدة في أصح الوجهين. قاله في
" الفروع " (^٩) .
والمقيس على كلامه مذهبه في الأصح.
قال في " الفروع ": مذهبه في الأشهر. وهو مذهب الأثرم والخرقي
_________________
(١) في ج: على.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: على.
(٤) فى أ: على.
(٥) ساقط من أ.
(٦) ساقط من أ.
(٧) ساقط من أ.
(٨) في ج: التاريخ.
(٩) في ج " الرعاية ".
[ ٣٦ ]
وغيرهما. قاله ابن حامد في " تهذيب الأجوبة ". [وقيل: لا يكون مذهبه.
قال ابن حامد: عامة شيوخنا مثل الخلال وأبى بكر عبد العزيز وأبي [علي]
وإبراهيم وسائر من شاهدناه أنه لا يجوز نسبته إليه. وأنكروا على الخرقي
ما رسمه في كتابه من حيث انه [قاس] على قوله [٠ انتهى.
وأطلقهما ابن مفلح في " أصوله "،. قاله ابن حامد.
والمأخوذ أن يفصل: فما كان من جواب له في أصل يحتوي [على] مسائل
خرج جوابه على بعضها، فانه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك الأصل من
حيث القياس. وصوّر له صورًا كثيرة.
فأما أن يبتدئ بالقياس في مسائل لا شبه لها في أصوله، ولا يأخذ غير
منصوص يبني عليه فذلك غير جائز] (^١) .
وان أفتى في مسألتين متشابهتين في حكمين (^٢) فى وقتين: فقيل واختاره
كثير من الأصحاب: أنه يجوز. نقله الحكم، ويخرجه من كل واحدة إلى الأخرى [بشرط أنه لا يفضي إلى خرق إجماع.
قال في " آداب المفتي ": ولدفع ما اتفق عليه الجمع الغفير من العلماء أو
عارضه نص كتاب أو سنة] (^٣) والصحيح من المذهب أنه لا يجوز كقول الشارع.
ذكره أبو الخطاب في " التمهيد " وغيره. وقدمه ابن مفلح فى " أصوله " والطوفي في " أصوله " وصاحب " الحاوي الكبير " وغيرهم. وجزم به الموفق
في " الروضة " كما لو فرق بينهما أو منع النقل والتخريج.
قال (^٤) في " الرعايتين " و" آداب المفتي ". أو قرب (^٥) الزمن بحيث يظن أنه
_________________
(١) ساقط من أ، وما بين الأقواس الداخلية زيادة من "كتاب الانصاف " ١٢: ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) في ج: محكيين.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: قاله.
(٥) في أ: وقرب.
[ ٣٧ ]
ذاكر حكم الأولة حين أفتى بالثانية.
وإذا توقف الإمام أحمد في مسألة تشبه مسألتين فأكثر (^١)، أحكامهما مختلفة
فهل تلحق بالأخف (^٢)، أو بالأثقل، أو يخير المقلد بينهما؟ فيه ثلاثة أوجه.
وأطلقهن في " الرعاية الكبرى " و" آداب المفتي والمستفتي " و" الحاوي
الكبير " و" الفروع ".
قال في " الرعاية " و" آداب المفتي " و" الحاوي ": الأولى العمل بكل
منهما لمن هو أصلح له. انتهى.
وان أشبهت مسألة واحدة جاز إلحاقها بها ان كان حكمها أرجح من غيره.
قاله في " الرعاية " و" الحاوي ".
وما انفرد به بعض الرواة وقوي دليله فهو مذهبه في الأصح. قدمه في
" الرعايتين " و" آداب المفتي ". واختاره ابن حامد، وقال: يجب تقديمها
على سائر الروايات، لأن الزيادة من العدل مقبولة في الحديث عن أحمد فكيف
والراوي عنه ثقة خبير بما رواه عنه. انتهى.
وما دل عليه كلامه فهو مذهبه [ان لم يعارضه ما هو أقوى منه. قاله في
" الرعايتين " و" الفروع " و" آداب المفتي "] (^٣) .
فقوله: لا ينبغي أوْ لا يصلح أو أستقبحه أو هو قبيح أو لا أراه: للتحريم.
قاله الأصحاب. [لكن ذكر صاحب " الفروع " مسائل أجاب فيها بـ: لا ينبغي وليست
محرمة] (^٤) .
وان قال: هذا حرام ثم قال: أكرهه أو لا يعجبني فحرام.
وقيل: بل يكره. قاله في " الرعاية ".
_________________
(١) في ج: وأكثر.
(٢) في أ: الأخف.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
[ ٣٨ ]
وقوله: أُحِبُّ كذا، أو يعجبني، أو هذا أعجب إلىّ: الندب في الأصح.
وقيل: للو جوب.
وقوله: لا بأس به، أو أرجو أن لا بأس: الإباحة (^١) .
وقوله: أخشى، أو أخاف أن يكون، أو أن لا يكون: ظاهر في المنع.
قاله في " الرعايتين " و" الحاوي " وقدماه واختاره ابن حامد والقاضي.
" قال في " آداب المفتي والمستفتي ": في " الفروع ": فهو كيجوز أو
لا يجوز. انتهى.
وان أجاب الإمام أحمد في مسألة في شيء، ثم قال في نحوه: هذا أهون،
أو أشد، أو هذا أشنع فقيل [هما عنده سواء. واختاره أبو بكر عبد العزيز والقاضي. وقيل: بالفرق.
قال] (^٢) في " الإنصاف " قلت: وهو الظاهر. واختاره ابن حامد في
" تهذيب الأجوبة ". وأطلقهما (^٣) في " الرعاية " و" الفروع ".
قال (^٤) في " الرعاية " قلت: ان اتحد المعنى وكثر التشابه فالتسوية أولى،
وإلا فلا.
وقيل: قوله: هذا أشنع عند الناس يقتضي المنع.
وقيل: لا.
وقول الإمام عن شيء: أجبن عنه للجواز قدمه في " الرعايتين ".
وقيل: يكره. اختاره في " الرعاية الصغرى " و" آداب المفتي ".
قال (^٥) في " الفروع ": وأجبن عنه مذهبه.
_________________
(١) في أ: أرجو ما لا بأس للإباحة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: وأطلقها.
(٤) في أ: قاله.
(٥) في أ: وقال.
[ ٣٩ ]
وما أجاب الإمام فيه بكتاب أو سنة أو إجماع أو قول بعض الصحابة فهو
مذهبه؛ لأن قول أحد الصحابة عنده (^١) حجة على الأصح.
وما رواه من سنة أو أثر وصححه أو حسنّه أو رضي سنده أو دوّنه في كتبه ولم
يرده ولم يفت بخلافه فهو مذهبه في الأصح. اختاره الأكثر.
وقيل: لا.
وأطلقهما في " آداب المفتي " و" الفروع " ".
وقال: فلهذا أذكر روايته للخبر وان كانت في " الصحيحين ". انتهى.
وان أفتى بحكم فاعتُرض عليه فسكت فليس رجوعًا في الأصح.
وان ذكر عن الصحابة قولين فمذهبه أقربهما من الكتاب والسنة أو الإجماع
سواء عللهما أو لا، إذا لم يرجح أحدهما ولم يختاره في الأصح.
وقيل: لا مذهب له منهما عَيْنًا، كما لو حكاهما عن التابعين فمن بعدهم.
ولا مزية (^٢) لأحدهما بما ذكر؛ لجواز إحداث قول ثالث يخالف الصحابة.
قال (^٣) في " الرعاية ": وان علل أحدهما واستحسن الآخر أو فعلهما في
أقوال التابعين فمن بعدهم فأيهما (^٤) مذهبه؟ فيه وجهان.
قال في " الإنصاف ": قلت الصواب أن الذي استحسنه مذهبه، ولا يلزم
من تعليله القول أن يكون قد أخذ به، ولا يدل عليه ثم وجدته في "آداب
المفتي " قدمه. وقال اختاره ابن حامد. وقال عن الثاني فيه بعد.
وان حسّن أحدهما أو علله فهو مذهبه قولًا واحدًا. جزم به في " الفروع "
وغيره.
_________________
(١) في أ: عنه.
(٢) في ج: مزيد.
(٣) في ج: قاله.
(٤) في ج: فانهما.
[ ٤٠ ]
وان أعاد (^١) ذكر أحدهما أو فرّع عليه فهو مذهبه قدمه في " آداب المفتي ".
وقيل: لا. انتهى.
وان نص في مسألة على حكم وعلله بعلة فوجدت تلك العلة في مسائل أُخَر
فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة.
قال في " الرعاية ": سواء قلنا بتخصيص العلة أو لا كما سبق.
وان نُقل عنه في مسألة في روايتان دليل إحداهما قول النبي ﷺ، ودليل
الأخرى قول صحابي وهو أخص، وقلنا هو حجة يخص به العموم فأيهما
مذهبه؟ فيه وجهان: أحدهما مذهبه ما كان دليله قول النبي ﷺ.
قال في " الإنصاف ": قلت وهو الصواب وقدمه في " تهذيب الأجوبة "
ونصره و" آداب المفتي ". انتهى.
وان كان قول النبي ﷺ أخصهما وأحوطهما تعين.
وان ذكر اختلاف الناس وحسّن بعضه فهو مذهبه ان سكت عن غيره.
وان سئل مرة فذكر الاختلاف، ثم سئل (^٢) مرة ثانية فتوقف، ثم سئل مرة
ثالثة فتوقف فيها (^٣): فالذي أفتى به مذهبه.
وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبًا له؟ على وجهين.
قال في " تهذيب الأجوبة ": عامة أصحابنا يقولون: ان فعله مذهبًا له.
وقدمه هو. ورد غيره.
لكن ان نص في مسألة على خلاف مفهوم كلامه في مسألة أخرى بطلت
المفهومية.
وصيغة الواحد من أصحابه ورواته في تفسير مذهبه، وإخبارهم عن رأيه:
_________________
(١) في الأصول: عاد، وما أثبتناه من " الانصاف ". ١٢: ٢٥٢.
(٢) في أ: سأله.
(٣) في أ: فأفتى فيهما.
[ ٤١ ]
كنصه في وجه. قاله (^١) في " الرعايتين ".
قال في " الفروع ": هو مذهبه في الأصح.
قال في " تهذيب الأجوبة ": إذا بين أصحاب أبي عبد الله قولًا (^٢) بتفسير
جواب له أو نسبوا (^٣) إليه بيان حد في سؤال فهو منسوب إليه ومنوط به وإليه
يعزى. وهو (^٤) بمثابة نصه. ونصره.
قال في " آداب المفتي ": اختاره ابن حامد وغيره. وهو قياس قول الخرقي
وغيره.
قال ابن حامد: وخالفنا في ذلك طائفة من أصحابنا مثل الخلال وأبي بكر
عبد العزيز. انتهى.
_________________
(١) في أ: قال.
(٢) في ج: قواه.
(٣) في أ: تفسيرًا.
(٤) في أ: بغير أو هو.
[ ٤٢ ]
فصل [في الألفاظ الواردة عن الأصحاب]
هذا الذي تقدم ذكره هو الوارد عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه.
وأما الوارد عن الأصحاب: فهو أما وجه، وأما احتمال، وأما تخريج، وزاد
في " الفروع " التوجيه.
فأما الوجه فهو قول بعض الأصحاب وتخريجه، ان كان مأخوذًا من قواعد
الإمام أحمد أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوله.
وان كان مأخوذًا من نصوص أحمد ومخرجًا منها فذلك روايات مخرجة له
ومنقولة من نصوص إلى ما يشابهها من المسائل ان قلنا أن ما قيس على كلامه
مذهب له.
وان قلنا: لا. فهي أوجه لمن خرجها وقاسها.
فان خرج من نص ونقله إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها [صار
فيها] (^١) رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه إذا قلنا المخرج من نصه
مذهبه.
وان قلنا: لا. ففيها رواية أحمد ووجه لمن خرجه.
وان لم يكن فيها وجه يخالف القول المخرج من نصه في غيرها فهو وجه لمن
خرجه. فان خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها للمخرج ولمن خالفه في الحكم وجهان، وان جهلنا مستندها فليس لأحدهما (^٢)
قولًا مخرجًا للإمام ولا مذهبًا له.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: أحدهما.
[ ٤٣ ]
ومن قال من الأصحاب عن مسألة: فيها رواية واحدة: أراد نص الإمام،
ومن قال: فيها روايتان: فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر
له أو نص جُهل منكره.
ومن قال: فيها وجهان: أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أو
علمه. ولم يجعله مذهبًا لأحمد. فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما،
وسواء وقعا معًا أو لا، من واحد أو أكثر، سواء علم التاريخ (^١) أو جهل.
وأما الاحتمال الذي للأصحاب: فقد يكون (^٢) لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو دليل مساوٍ له (^٣) .
وأما التخريج فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشابهها والتسوية بينهما فيه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج زيادة: عبارة " الانصاف " وقد يكون.
(٣) في أ: مرجوحًا النسبة أي ما خالفه أو دليله مساو له.
[ ٤٤ ]
فصل [في أصناف المجتهدين]
ثم اعلم أن صاحب هذه الأوجه والاحتمالات والتخاريج لا يكون إلا مجتهدًا. وينقسم المجتهد إلى أربعة أقسام:
الأول: المجتهد المطلق وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد المذكورة
في كتاب القضاء إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية عن الأدلة الشرعية العامة
والخاصة وأحكام الحوادث منها ولا يتقيد بمذهب أحد.
قال في " آداب المفتي والمستفتي ": ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق
مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دُوّنا، وكذا
ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والاثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك. لكن
الهمم قاصرة والرغبات فاترة ونار الجد والحذو خامدة، وعين الخوف والخشية
جامدة، اكتفاء بالتقليد واستغناء عن التعب الوكيد، وهربا من الأثقال - وهو
فرض كفاية قد أهملوه وملوه ولم يعقلوه ليفعلوه. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قلنا قد ألحق جماعة من الأصحاب المتأخرين
بأصحاب هذا القسم: الشيخ تقي الدين بن تيمية، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه
تدل على ذلك.
القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه وإمام غيره. وأحواله أربعة:
الأولى: أن يكون غيز مقلد لإمامه (^١) في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه
في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله فوجده صوابًا
فأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
_________________
(١) في أ: الإمام.
[ ٤٥ ]
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدًا في مذهب إمامه مستقلًا بتقديره بالدليل،
لكن لا يتعدى أصوله وقواعده مع إتقانه للفقه وأصوله وأدلة مسائله [أي مسائل
الفقه] (^١) عالمًا بالقياس ونحوه، تام الرياضة قادرًا على التخريج والاستنباط،
وإلحاق الفروع بالأصول، والقواعد التي لإمامه. وهذا شأن أهل الأوجه
والطرق في المذاهب. وهو حال أكثر علماء الطوائف الان. فمن علم بفتيا هذا
فقد قلد إمامه دونه؛ لأنه مقر له على إضافة ما يقول إلى إمامه لعدم استقلاله
بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه. والظاهر أنه لا بد من معرفة ما يتعلق
بذلك من حديث ولغة ونحو. فالمجتهد في مذهب أحمد مثلًا إذا أحاط بقواعد
مذهبه وتدرب في قياسه وتصرفاته ينزل من إلحاق منصوصاته وقواعد مذهبه،
بمنزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما (^٢) نص عليه.
وهذا أقدر (^٣) على ذا من ذاك فانه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة وضوابط
مهذبة ما لم يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه. والحاصل أن المجتهد
في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله كما يتمكن المجتهد
المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط.
وليس على المجتهد أن يفتي في كل مسألة بل يجب عليه أن يكون على بصيرة
فيما يفتي به.
الحالة الثالتة: أن لا يبلغ باجتهاده رتبة أئمة المذاهب أصحاب الوجوه
والطرق غير أنه فقيه النفس حافظٌ لمذهب إمامه عارفٌ بأدلته قائمٌ بتقديره ونصرته، يصور ويحرر، ويمهد ويقرر، ويوقف ويرجح، لكنه قصر عن درجة
أولئك: أما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم.
وأما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه. على أنه لا يخلو مثله في
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: ما.
(٣) في ج: قوي.
[ ٤٦ ]
ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن أطرافٍ من قواعد أصول الفقه
ونحوه.
وأما لكونه مقصرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد
والحاصل لأصحاب الوجوه والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها وصنفوا فيها
تصانيف بها يشتغل الناس. وأما فتاويهم فكانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو
نحوه ويقيسون على المنقول نحو قياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى (^١)
عين ماله عند تعذر الثمن.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه. فهذا يعتمد نقله
وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه أو تفريعات
أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم.
وأما ما لا يجده منقولًا في مذهبه فان وجد في المنقول ما هذا في معناه
بحيث يدرك من غير فضل فكرٍ، وتأمله (^٢) أنه لا فارق بينهما كما في الأمة بالنسبة
إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك جاز له إلحاقه به والفتوى به.
وكذلك (^٣) ما يعلم اندراجه تحت ضابط ومنقول ممهد في المذهب. وما لم يكن
كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا به.
ثم ان هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس؛ لأن تصور المسائل على وجهها،
ونقل أحكامها لا يقوم به إلا فقيه النفس، ويكفيه استحضار أكثر المذهب مع
قدرته على استحضار بقيته قريبة.
القسم الثالث من المجتهدين: المجتهد في نوع من العلم. فمن عرف
القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف
_________________
(١) في أ: أي.
(٢) في ج: وتأمله.
(٣) في أ: كذلك.
[ ٤٧ ]
الفرائض فله أن يفتي فيها، وان جهل أحاديث النكاح وغيرها.
وعليه الأصحاب.
وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها.
وقيل: بالمنع فيهما. وهو بعيد ذكره في " آداب المفتي ".
القسم الرابع من المجتهدين: المجتهد في مسائل أو مسألة واحدة وليس له
الفتوى في غيرها، وأما فيها فالأظهر (^١) جوازه. ويحتمل المنع، لأنه مظنة
القصور والتقصير. قاله في " آداب المفتي والمستفتي ".
قال في " الإنصاف ": قلت: المذهب الأول.
قال ابن مفلح في " أصوله ": يتحرى الاجتهاد عند أصحابنا أوغيرهم.
وجزم به الآمدي خلافًا لبعضهم. وذكر بعض أصحابنا] (^٢) مثله. وذكر أيضًا
قولًا: يتحرى في بابٍ لا في مسألة. انتهى
هذا ما ذكره المصنف عن منهجه في هذا الكتاب.
_________________
(١) في أ: وما فيها قال أظهر.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤٨ ]