أهمية كتاب " معونة أولي النُّهَى "
[ ٢٣ ]
أهمية كتاب " معونة أولي النُّهَى "
تأتي أهمية كتاب " معونة أولي النُّهَى، من أهمية كتاب "منتهى الإرادات في
الجمع بين المقنع مع التنقيح وزيادات " للمؤلف نفسه ابن النجار الفُتُّوحِي
الحنبلي. حيث ان " المعونة " شرح لـ " منتهى الإرادات ".
وكتاب " منتهى الإرادات " جمع فيه مؤلفه بين كتاب " المقنع " لشيخ
المذهب عبد الله بن أحمد بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ)، و" التنقيح المشبع لتحرير
أحكام المقنع " للشيخ علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ).
وعن سبب تأليفه لكتابه " منتهى الإرادات ". . . . يقول ابن النجار (^١):
فـ " التنقيح". . . المقرر على مذهب الإمام أحمد قد كان المذهب محتاجًا
إلى مثله- أي التنقيح- لأنه صحح فيه ما أطلق في " المقنع " من الروايتين أو الروايات، أو من الوجهين أو الأوجه. وقيّد ما أخلّ به من الشروط، وفسّر
ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، أو استثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب،
حتى خصائص النبي ﷺ، وقيد ما يحتاج إليه مما فيه إطلاقه، ويحمل على
بعض فروعه ما هو مرتبط معها، وزاد مسائل محررة مصححة فصار تصحيحأ
لغالب كتب المذهب، إلا أنه أي " التنقيح " غير مستغن عن أصله الذي هو
" المقنع "؛ لأن ما قطع به في " المقنع " أو صححه، أو قدمه، أو ذكر أنه المذهب، وكان موافقًا للصحيح، ومفهومه مخالفًا لمنطوقه، لم يتعرض له
" التنقيح " غالبًا، فمن عنده " المقنع " يحتاج لل " تنقيح "، وبالعكس،
والجمع بينهما قد يشق.
فاستخرت الله تعالى، وما خاب من استخار أن أجمع مسائلهما في كتاب
_________________
(١) " منتهى الإرادات ": ١: ٦.
[ ٢٥ ]
واحد، مع ضم ما تيسر عقله أي تقييده من الفوائد الشوارد. . . وسميته:
" منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ". اهـ.
العلماء الذين ألفوا كتبًا على غرار كتاب " منتهى الإرادات ":
يجمع بين " المقنع " و" التنقيح ":
(١) الشيخ أحمد بن عبد الله بن أحمد العسكري الصالحي (ت ٩١٠ هـ).
قال الغَزِّيُّ: " وألف كتابًا في الفقه جمع فيه بين " المقنع " و" التنقيح " ومات
قبل أن يتمه " (^١) .
وقال ابن طولون الدمشقي: " وصنف كتابًا جمع فيه بين " المقنع " في الفقه
لابن قدامة و" التنقيح " لأبي الحسن علي المرداوي. وهو كتاب مفيد، ولكنه
اخترمته المنية قبل إتمامه. وقد بلغني أن صاحبنا الشهاب الشويكي تلميذه شرع
فى تكملته " (^٢) .
(٢) الشيخ أحمد بن أحمد الشويكي النابلسي الصالحي، شهاب الدين
أبو الفضل (ت ٩٤٨ هـ).
صنف كتاب " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح ". وزاد عليهما
أشياء مهمة، وقد سبقه إلى التأليف في هذا الجمع بين الكتابين شيخه المتقدم
ذكره الشيخ أحمد العسكري الذي اخترمته المنية قبل إتمامه (^٣) .
وأما عن سبب شرحه لكتاب " المنتهى " الذي هو " المعونة " فيقول
﵀ فى مقدمته (^٤):. . . وقد كتبت كتابًا على مذهب الإمام أحمد. . .
جمعت فيه بين " المقنع " و" التنقيح المشبع " الذي هو تصحيح عليه، وزدت
على مسائلهما ما ظهر لي أنه من المحتاج إليه، لكنني لما بالغت في اختصار
_________________
(١) " النعت الأكمل " ٨٧.
(٢) " مفاتيح الفقه الحنبلي " ٢: ١٨٧، هامش " الجوهر المنضد " تحقيق: د: عبد الرحمن العثيمين ١٥.
(٣) المرجع السابق: ٢: ١٨٩، و" المدخل للفقه الحنبلي " ٤٤٠.
(٤) ١: ١٤٥ - ١٤٦.
[ ٢٦ ]
ألفاظه- يقصد " كتاب المنتهى "- صارت ألفاظه على وجوه عرائس معانيه كالنقاب- أي صعبة مغلقة-. فاحتاجت إلى شرح يبرزها لمن يريد إبرازها من
الطلاب والخُطّاب. فتصديت لكتاب أشرحه شرحًا يبين حقائقه، ويوضح معانيه ودقائقه. راجيًا من الله تعالى جزيل الثواب في يوم المرجع والمآب. اهـ.
وكان هذا الشرح الذي أسماه " معونة أولي النُّهَى شرح المنتهى ".
وقد شُرح كتاب " المنتهى " عدة شروح لعدد من علماء المذهب نظرًا
لأهميته. فهو كتاب وحيد في بابه، فريد في ترتيبه واستيعابه. سلك فيه ابن
النجار ﵀ منهاجًا بديعًا، ورصّعه ببدإئع الفوائد ترصيعًا، فَعُدّ ذلك
الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب، واشتغل به عامة الطلبة في
عصره واقتصروا عليه.
ومن أهم هذه الشروح " معونة أولي النُّهَى ".
ومما يعطي لهذا الكتاب القيم " معونة أولي النُّهَى " أهمية أكبر أنه شرح من قِبَل مؤلف الأصل وهو " المنتهى ". فصاحب الكتاب أدرى بما فيه، وأكثر
خبرة ببيان مبهمه وغامضه ومشكله. ولذا جاء هذا الشرح متقنًا حاويًا شافيًا.
والمطلع على- هذا الشرح يجد أن صاحبه له إلمام كبير بالحديث وباختلاف
ألفاظه ورواياته، فهو فقيه محدث.
شُرّاح " المنتهى " وكُتّاب حواشيه:
ان من أشهر من اشتغلوا واهتموا بكتاب " المنتهى " الشيخ منصور بن
يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس البهوتي، شيخ
الحنابلة في عصره (ت ١٠٥١ هـ). فقد قام بشرح الكتاب في ثلاث مجلدات.
وهو كتاب مشهور مطبوع.
قال الشيخ عبد القادر بن بدران: " جَمَعَهُ من شرح مؤلف " المنتهى "
لكتابه، ومن شرحه نفسه على " الإقناع "، وهو شرح مشهور ومطبوع " (^١) .
_________________
(١) " المدخل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل " ٤٤٠.
[ ٢٧ ]
وللشيخ منصور البهوتي أيضًا حاشية على " شرح المنتهى " (^١) .
ولحفيد المصنف ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي الشيخ عثمان بن أحمد بن
القاضي تقي الدين محمد بن أحمد بن النجار الفُتُّوحِي القاهري (ت ١٠٦٤ هـ)
حاشية على " المنتهى ".
وللشيخ عثمان بن أحمد بن سعيد بن عثمان بن قائد النجدي (ت-١٠٦٧ هـ)
حاشية نفيسة ومفيدة، جردها من هوامش نسخته تلميذه ابن عوض النابلسي،
فجاءت في مجلد ضخم محررًا تحريرًا نفيسًا، فصار من أنفس كتب المذهب (^٢) .
وكتب الشيخ محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي المصري ابن
أخت الشيخ منصور البهوتي (ت ١٠٨٨ هـ) تحريرات على هامش نسخته متن
" المنتهى " فجردت بعد موته فبلغت أربعين كراسًا. وكان من الملازمين للشيخ
منصور (^٣) .
ولابن العماد الحنبلي: عبد الحي بن أحمد بن محمد، أبو الفلاح
العسكري (ت ١٠٨٩ هـ) صاحب " شذرات الذهب في أخبار من ذهب ". شرح
على " متن المنتهى " في الفقه على مذهب الإمام أحمد، حرره تحريرًا أنيقًا (^٤) .
وللشيخ إبراهيم بن أبي بكر إسماعيل الذنابي العوفي، الصالحي المصري
(ت ١٠٩٤ هـ) شرح على " منتهى الإرادات " في فقه المذهب في عدة مجلدات (^٥) .
وللشيخ عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن فيروز التميمي الإحسائي
_________________
(١) " المدخل إلى فقه الإمام ابن حنبل " ٤٤١.
(٢) " مفاتيح الفقه الحنبلي " ٢: ١٩٥.
(٣) " المدخل " ٤٤١.
(٤) " مفاتيح الفقه الحنبلي " ٢: ١٩٢.
(٥) المرجع السابق ٢: ١٩٣.
[ ٢٨ ]
(ت ١٢٠٥ هـ) حاشية على شرح الشيخ منصور البهوتي، وهى حاشية جليلة حقق فيها ووثق.
وللشيخ أبا بطين، عبد الله بن عبد الرحمن بن عيد العزيز بن عبد الرحمن
ابن عبد الله بن سلطان بن خميس (ت ١٢٨٢ هـ) حاشية على " شرح المنتهى لما
في مجلد ضخم، وقد جردها سبطه ابن مانع (^١) .
وللشيخ محمد بن عبد الله بن علي بن عثمان بن حميد الحنبلي النجدي
(ت ١٠٩٧) هـ حاشية على " متن المنتهى " غالب نقله منها من حواشي ابن فيروز الإحسائي (^٢) . قال ابن بدران:، (وهي حاشية نافعة تميل إلى التحقيق
والتد قيق " (^٣) .
وللشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي (ت ١٣٤٦ هـ) حاشية على " كتاب المنتهى " في مجلد ضخم، وصل فيها إلى باب السلم.
قال في " المدخل ": «ولقد كنت في حدود أربع عشرة وثلاث مئة بعد
الألف أقمت مدة في قصبة دوما دمشق، فأقرأت هذا الشرح، وكتبت عليه
حاشية وضعتها أثناء القراءة، وصلت فيها إلى باب السلم في مجلد ضخم، ثم
خرجت من دوما إلى دمشق، وهناك لم أجد أحدًا يطلب العلم من الحنابلة، بل
يندر وجود حنبلي بها، ففترت همتي عن إتمامها، وبقيت على ماهي
عليه " (^٤) .
ولابن عوض، أحمد بن محمد المرداوي النابلسي حاشية على " شرح
المنتهى".
كل هؤلاء إضافة إلى مؤلفنا ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي الذي ألف هذا
الكتاب الجليل " منتهى الإرادات ". حيث عكف عليه علماء المذهب، وقدموه
_________________
(١) " مفاتيح الفقه الحنبلي " ١: ٢١٤.
(٢) " مفاتيح الفقه الحنبلي " ٢: ٢١٧.
(٣) " المدخل ٤٤١.
(٤) " المدخل إلى فقه الإمام أحمد " ٤٤١.
[ ٢٩ ]
على غيره واعتمدوا عليه في الحفظ والتدريس والإفتاء والقضاء، وكتبوا عليه
عدة شروح.
وما اعتنى العلماء بهذا الكتاب إلا لما ظهر لهم من تحقيق مؤلفه، والمبالغة
في تحريره وبنائه على الراجح من المذهب المعوّل عليه في القضاء والإفتاء. ثم جاء شرحه لهذا الكتاب مبرزًا " لكتاب المنتهى "، مبينًا لحقائقه، موضحًا لمعانيه ودقائقه.
[ ٣٠ ]