الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد كنت أثناء تولي القضاء بالمحكمة الكبرى بمكة المكرمة كثير الرجوع إلى كتاب " شرح منتهى الإرادات " للإمام منصور البهوتي﵀-. وقد لفت انتباهي ما ورد في مقدمة المصنف، حيث قال: " ان كتاب " المنتهى " لعَلَم الفضائل وأوحد العلماء الأماثل، محمد تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي. تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته: كتاب وحيد في بابه، فريد في ترتيبه واستيعابه، سلك فيه منهاجًا بديعًا، ورصعه ببدائع الفوائد ترصيعًا. عُدّ ذلك الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب، وشرحه مصنفه. . . " (^١) .
فبدأت البحث عن الكتاب في المكتبات.
وأثناء زيارتي للقاهرة عام (١٤٠٩ هـ)، شاء الله أن أزور " المكتبة الأزهرية " وأتفقد ما بها من مخطوطات قيمة، فعثرت هناك على مخطوطة كتاب " معونة أولي النُّهَى شرح المنتهى " للإمام تقي الدين محمد بن أحمد الفُتُّوحِي الشهير ب " ابن النجار الفُتُّوحِي الحنبلي ". فتأملت الكتاب فألفيته عديم النظير في الباب.
_________________
(١) " شرح منتهى الإرادات " ١: ٣.
[ ٨ ]
ولم أزل أبحث عن مخطوطات أخرى لهذا الكتاب القيم، حتى وقفت على نسخ يأتى وصفها في مبحثها الخاص بها ان شاء الله (^١) .
وتأتي أهمية هذا الكتاب المبارك من أمور أربعة:
الأول: أن المصنف﵀- قد وثّق مسائل الكتاب بالأحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.
الثاني: كون متنه جامعًا لكتابين عظيمين هما " المقنع "لشيخ المذهب الإمام ابن قدامة، و" التنقيح " للإمام المرداوي- رحمهما الله-
الثالث: ما يتمتع به مصنف الكتاب الإمام ابن النجار عند علماء المذهب من مصداقية وقدم راسخة في الفقه: بوأته المكانة العلمية اللائقة بين علماء المذهب حتى شهد له بذلك القاصي والداني.
الرابع: أن العمل بالمحاكم الشرعية بالمملكة العربية السعودية يعتمد على المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل﵀-. وجاء في قرار هيئة المراقبة القضائية: أن المصادر المعتمدة في الفقه هي:
١ - " شرح منتهى الإرادات ". المتن للشيخ الفُتُّوحِي، والشرح للشيخ البهوتي.
٢ - شرح الإقناع: "كشاف القناع عن متن الإقناع "، المتن للشيخ الحجاوي، والشرح للشيخ البهوتي (^٢) . فما اتفق عليه هذان الشرحان، أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلفا فيه فالعمل بما في " المنتهي".
وقد أثنى ابن حميد على الإمام الفُتُّوحِي، فقال (^٣): ". . . انتهى إليه بعد
والده معرفة فقه الإمام أحمد﵁-. . . ألف مصنفه المشهور
المنعوت ب " منتهى الإرادات ". حرر مسائله على الراجح من المذهب.
_________________
(١) ص: (١٢٥).
(٢) مجموعة النظم الحكومية، قسم القضاء الشرعي ١٤.
(٣) " السحب الوابلة " لابن حميد ٢: ٨٥٤ - ٨٥٥.
[ ٩ ]
فاشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره، واقتصروا عليه. . . انتهت إليه الرياسة في مذهبه ". فاندرج تحت قول رسول الله ﷺ: " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (^١) .
وها أنا أقدم بين يدي المجلد الأول من هذا الكتاب دراسة تناولت حياة الإمام ابن النجار، وأهمية كتابه، والمنهج الذي رسمه المصنف لنفسه وسار عليه. فجاءت مسائل هذا الكتاب مؤيدة بالأحاديث النبوية، وأقوال السلف الصالح.
وأفرد المصنف في آخر هذا الكتاب مساحة للمصطلحات التي أوردها في كتابه وقواعد وتنبيهات قلّ أن تجدها مجتمعة في غير هذا الكتاب.
وأفردت مبحثًا خاصًا سجلت فيه الموارد التي اعتمد عليها ابن النجار في تصنيف كتابه هذا فبلغت (٢٠٠) موردًا.
لذا أحببت إخراج هذا السفر المبارك للناس ليعم النفع به.
هذا وأسأل الله جلت قدرته أن ينفعنا به والمسلمين، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم انه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش
عاشر شهر الله المحرم عام ١٤١٦ هـ
مكة المكرمة
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩٤٨) ٣: ١١٣٤ أبواب الخمس باب: قول الله تعالى: (فأن لله خُمُسَهُ وللرسول). وأخرجه الإمام مسلم في " صحيحه " (١٠٣٧) ٢: ٧١٨ كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة.
[ ١٠ ]