هذا (كتاب الأيمان. واحدها يمين، وهي القسَم) بفتح السين المهملة، (و) هي أيضًا (الإيلاء، والحلف بألفاظ مخصوصة) تأتي أمثلتها.
وأصل اليمين يمين اليد. سمي بذلك الحلف؛ لأن الحالف يعطي يمينه فيه كما في العهد والمعاقدة.
(فاليمين) التي هي الحلف: (توكيد حُكم بذِكر معظَّم على وجه مخصوص).
وقيل: هي جمله خبرية تؤكد بها أخرى؛ لأن وضعها في الأصل؛ لتأكيد المحلوف عليه. قال الله ﷾: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
وقال ﷾: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
(وهي وجوابها كشرط وجزاء).
والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
وأما السنة؛ فمنها ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ:
" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (^١) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٤٣) ٦: ٢٤٧٢ كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٥٢) ٣: ١٢٧٣ كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينًا.
[ ١١ / ٧٨ ]
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين أن يمين المكلف على مستقبل ممكن تجب الكفارة بالحنث فيها.
ثم لما كان الحلف تارة يقع على مستقبل وتارة يقع على ماض أشير إلى ذلك بقوله:
(والحلف على مستقبل: إرادة تحقيق خبر فيه) أي: في المستقبل (ممكن، بقول يقصد به الحث على فعل الممكن، أو) الحث على (تركه) فالحث على الفعل نحو قوله: والله لأعتكفن (^١) غدًا، والحث على الترك نحو قوله: والله لا زنيت أبدًا.
(والحلف على) أمر (ماض: إما بَرٌ وهو: الصادق، أو غموس وهو: الكاذب، أو لَغوٌ. وهو: ما) أي: حلف (لا أجر فيه ولا إثم، ولا كفارة)؛لأن اللغو لا يترتب عليه حكم.
(واليمين الموجبة للكفارة بشرط الحنث هي): اليمين (التي) يحلف فيها (باسم الله تعالى الذي لا يسمَّى به غيره؛ كالله) يعني: كقوله: والله، (والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق) العالمين، (أو) و(رب العالمين والعالم بكل شيء)، ومالك يوم الدين، ورب السموات والأرضين. وفي الأصح: (والرحمن).
قال في " الإنصاف ": قال في " الفروع ": والرحمن يمين مطلقًا على الأصح.
قال الزركشي: هذا الصحيح وجزم به في " البلغة " و" المحرر"و" النظم"
و"الوجيز". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
ووجه ذلك: قوله ﷾: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
_________________
(١) في أ: لأعتقكن.
[ ١١ / ٧٩ ]
الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. فجعل لفظة: "الله" ولفظة: "الرحمن"سواء في الدعاء. فيكونان سواء في الحلف.
(أو) باسم الله الذي (يسمِّى به غيره - ولم ينو) الحالف (الغير- كالرحيم). قال الله ﷾: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(والعظيم) قال الله ﷾: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
(والقادر) لقولهم: فلان قادر على التكسب.
(والرب) قال الله ﷾: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢].
(والمولى)؛ لقولهم: المولى المعتق.
(والرازق) قال الله ﷾: ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨].
(والخالق) قال الله ﷾: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠].
(ونحوه) أي: ونحو ما تقدم؛ كقوله: والسيد. قال الله سبحانه وتعا لى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥].
وكقوله: والقوي. قال الله ﷾: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].
(أو) اليمين (بصفة له) سبحانه (كـ) قوله: و(وجه الله). نص عليه أحمد. قال الله ﷾: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧].
(وعظمته، وكبريائه، وجلاله، وعزته، وعهده، وميثاقه، وحقه، وأمانته، وإرادته، وقدرته، وعلمه) يعنى: كقوله (^١): وعظمة الله، وكبرياء الله، وجلال الله، وعزة الله، وعهد الله، وميثاق الله، وحق الله، وأمانة الله، وقدرة الله، وعلم الله، فإن كلًا من ذلك يمين.
_________________
(١) في ب: وكقوله.
[ ١١ / ٨٠ ]
قال في " الفروع ": والمنصوص ولو نوى مقدوره ومعلومه وكذا نية مراده.
ولهذا قلت: (ولو نوى: مراده، أو مقدوره، أو معلومه)؛لأن ذلك بإضافته إلى الله ﷾ صار يمينًا بذكر اسمه ﷾ معه.
(و) لهذا (إن لم يضفها) إلى اسم الله ﷾: (لم يكن يمينا، إلا أن ينوي بها صفته تعالى) وتقدَّس فيكون يمينا؛ لأن نية الإضافة كوجودها.
(وأما ما لا يُعد من أسمائه تعالى؛ كالشيء والموجود، أو) الذي (لا ينصرف إطلاقه إليه ويحتمله؛ كالحي والواحد والكريم، فإن نوى به الله) سبحانه و(تعالى: فـ) هو (يمين) في الأصح؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله.
فكان يمينًا؛ كقوله: والرحيم والقادر. (وإلا) أي: وإن لم ينو به الله ﷾: (فلا) يكون يمينًا؛ لأنه لم ينوه ولم ينصرف اللفظ إليه عند الإطلاق.
وقال القاضي: ليس ذلك بيمين بحال؛ لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة الاسم ومع الاشتراك لا يكون له حرمة. فلا يبقى إلا مجرد النية، ومجرد النية لا ينعقد بها يمين.
والأول أصح؛ لأنه يصح أن يقسم الإنسان بشيء يصح أن يراد به الله ﷾ قاصدًا به الحلف. فكان يمينًا مكفرة، كقوله: والمالك (^١) .
(وقوله) أي: قول الحالف: (وايم الله) يمين، (أو) قوله: (لعمر الله يمين).
أما قوله: وايم الله فهي كقوله: وايمن الله. وهمزته همزة وصل عند البصريين وقالوا: ايمن الله بضم الميم والنون مع كسر الهمزة وفتحها. وقال الكوفيون: ألفها ألف القطع وهي جمع يمين فكانوا يحلفون باليمين فيقولون: ويمين الله قاله أبو عبيد. وهو مشتق من اليمين بمعنى البركة.
وأما قوله: لعمر الله فهو كالحلف ببقاء الله ﷾؛ لقوله سبحانه
_________________
(١) في أوب: لقوله والملك.
[ ١١ / ٨١ ]
وتعالى] (^١): ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
وقال الشاعر:
إذا رضيت كرام بني قشير لعَمر الله أعجبني رضاها
إذ العَمر بفتح العين وضمها الحياة، واستعمل في القسم المفتوح خاصة، واللام للإبتداء وهو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبًا تقديره: قسمي.
(لا هاء الله) يعني: أن هاء الله لايكون يمينًا (إلا بنية).
قال في "الفروع": وهاء الله يمين بالنية وهي في "المستوعب " حرف قسم. (وأقسمت) بالله (أو أقسم) بالله، (وشهدت) بالله (أو أشهد) بالله، (وحلفت) بالله (أو أحلف) بالله، (وعزمت) بالله (أو أعزمُ) بالله، (وآليت) بالله (أو آلي) بالله، (وقسمًا) بالله، (وحلفًا) با لله، (وأليَّة) بالله، (وشهادة) بالله، (وعزيمة بالله: يمين)، سواء نوى بذلك اليمين أو أطلق في الأصح. ويشهد لذلك قوله ﷾: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) [فاطر: ٤٢]، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦].
ولأنه لو قال: بالله لأفعلن ولم يذكر الفعل الذي هو: " أقسم " ونحوه كان يمينًا. فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى وآكد.
(وإن نوى) بذلك (خبرًا فيما يحتمله) الخبر؛ كما لو قال: نويت بأقسمت بالله ونحوه الخبر عن قسم ماض، أو قال: نويت بأقسم بالله ونحوه الخبر عن قسم يأتي: دين وقبل ذلك منه في الحكم في الأصح. فلا يكون يمينًا.
(أو لم يذكر اسم الله تعالى عليه فيها كلها ولم ينو يمينًا: فلا) يكون يمينًا في الأصح؛ لأن قوله: أقسمت أو أقسم يحتمل القسم بالله ﷾ والقسم بغيره. فلم يكن يمينًا بغير نية تصرفه إلى القسم بالله ﷾.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٨٢ ]
(والحلف بكلام الله تعالى) سبحانه، (أو) بـ (المصحف، أو) بـ (القرآن، أو بسورة) منه، (أو) بـ (آية منه: يمين) لأن من حلف بكلام الله ﷿ أو بالقرآن أو بآية منه كان حالفًا بصفة الله ﷾. والحلف بصفة الله تعالى يمين، وكذا من حلف بالمصحف؛ لتضمنه القرآن الذي هو صفة الله ﷾. ولذلك أطلق النبي ﷺ على المصحف لفظة القرآن في قوله: " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو " (^١) .
(فيها كفارة واحدة) على الأصح؛ لأنه لو تكررت اليمين بصفة من صفات الله ﷾ وجبت كفارة واحدة، ولم تتكرر الكفارة بتكرار اليمين. فإذا كانت اليمين واحدة كان أولى أن لا تتكرر الكفارة.
وعنه: إن حلف بأكثر من آية فعليه بكل آية كفارة.
(وكذا) الحلف (بالتوراة ونحوها: من كتب الله تعالى)؛كالإنجيل والزبور.
قال ابن نصر الله في " حواشيه ": لو حلف بالتوراة أو الإنجيل ونحوهما من كتب الله ﷾ (^٢) فلا نقل فيها والظاهر أنها يمين. انتهى.
وهو كما قال؛ لأن إطلاق اليمين إنما تنصرف للتوراة والإنجيل والزبور المنزل من عند الله دون المبدل، ولا تسقط حرمة شيء من ذلك كونه منسوخ الحكم بالقرآن. فغاية ذلك: أن يكون كالآية المنسوخ حكمها من القرآن، ولا تخرج بذلك عن كونها كلام الله. وإذا كانت كلامه فهي صفه من صفاته؛ كالقرآن.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٢٨) ٣: ١٠٩٣ كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.
(٢) زيادة من ب.
[ ١١ / ٨٣ ]
[فصل: في حروف القسم]
(فصل. وحروف القسم) ثلاثة: (باء) وهي الأصل؛ لأنها الحرف التي تصل بها الأفعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها. و(يليها) اسم (مظهر) نحو قوله: أقسم بالله لأفعلن، (و) اسم (مضمر) نحو قوله: الله أقسم به لأفعلن.
(و) الحرف الثانى (واو) وهي بدل من الباء. و(يليها) أي: يلي الواو (مظهر) أي: اسم ظاهر فقط نحو قوله: والله لأفعلن، وقوله: ورب الكعبة لأفعلن، وقوله: وعزة الله لأفعلن. وهي أكثر استعمالا من الباء.
(و) الحرف الثالث (تاء) وهي بدل من الواو (يليها اسم الله خاصة) فتقول: تالله لأفعلن، ولا تقول: تالرحمن ولا تالقران ولا نحو ذلك.
وقد جاء مما ذكرنا في كتاب الله ﷾. قال الله ﷾:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٢]،وقال ﷾: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]،وقال ﷾ ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم﴾ [يوسف: ٧٣].
إذا تقرر هذا فمن أقسم بأحد هذه الحروف في موضعه المستعمل فيه كانقسمًا منعقدًا؛ لأنه موضوع له. فإن ادعى أنه لم يرد القسم بذلك لم يُقبل منه في الأصح، وذلك لمجيء ذلك في كتاب الله العزيز وكلام العرب.
فمن قال: (بالله لأفعلن، يمين) يعني: أن من قال: بالله لأقومن، وقال: أردت أن قيامي بمعونة الله ولم أُرد عقد اليمين لم يقبل منه ذلك وكان قوله ذلك يمينًا.
وفي " الترغيب ": إن نوى بالله أثق ثم ابتدأ لأفعلن احتمل وجهين باطنا. انتهى.
[ ١١ / ٨٤ ]
(و) قول الإنسان لغيره: (أسألك بالله لتفعلنَّ، نيته) يعني: إن نوى بذلك اليمين انعقدت؛ كما لو لم يقل أسألك. (فإن أطلق) بأن لم ينو شيئا: (لم تنعقد)؛ كما لو نوى غير اليمين.
(ويصح قسم بغير حروفه) أي: بدون ذكر حرف القسم؛ (كـ) قوله (الله لأفعلن جرًا) أي: بجر الاسم الكريم (ونصبًا) أي: بنصب الاسم الكريم؛ لأن كلا من الجر والنصب بدون حرف القسم لغة صحيحة، وقد ورد به عرف الإستعمال في الشرع، فروى ابن مسعود: " أنه لما أخبر النبي ﷺ أنه قتل أبو جهل قال له النبي ﷺ: " إنك قتلته؟ قال: الله إني قتلته " (^١)
وقال النبي ﷺ لأسامة لما طلق إمرأته: " ألله ما أردت إلا واحدة " (^٢)
(فإن نصبه) أي: نصب الاسم الكريم (بواو) أي: مع الواو، (أو رفعه معها) أي: مع الواو (أو دونها: فيمين) أي: فذلك يمين منعقدة إذا لم يكن الحالف من أهل العربية؛ لأن من لا يحسن العربية لا يفرق بين الرفع والجر والنصب. فالظاهر مع اقتران الجواب به إرادة اليمين.
(إلا أن لا ينويها) أي: ينوي اليمين (عربي) أي: حالف من أهل العربية فلا تكون يمينًا؛ لأنه إذا قاله مرفوعًا لم ينصرف إلى اليمين؛ لأن المقسم به لا يكون مرفوعًا وإنما هو مبتدأ أو عطف على شيء تقدم، وكذلك النصب مع الواو، فإن الواو هنا لا تكون إلا عاطفة، إذ لو كانت واو القسم لجرت. فإذا كان من أهل العربية لم يكن ذلك يمينًا في حقه؛ لأن عدوله إلى الإعراب الذي يُعدل به اللفظ عن القسم دليل على أنه لم يرد اليمين. إلا إذا نوى اليمين فتنعقد اليمين؛ لأن اقتران الجواب به يدل على إرادة اليمين. وإنما لم يكن يمينًا منه إذا لم ينوه؛ لأن ظاهر حاله إرادة غيره. فإذا نوى اليمين فهو لاحن واللحن لا يقاوم النية فلا يرفعها؛ كما إذا لحن في القرآن فإن لحنه لا يخرجه عن كونه قرآنا.
_________________
(١) أخرجده أحمد في " مسنده " (٤٢٤٦) ١: ٤٤٤.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٧٧) ٣: ١٧ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجل يطلق إمرأته البتة.
[ ١١ / ٨٥ ]
(ويُجاب قسم في إيجاب بإن) بكسر الهمزة (خفيفة)؛ كقوله ﷾: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤].
(وثقيلة)؛ كقوله ﷾: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤].
(ولام).ومن أمثلة ذلك قوله ﷾: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
ولام (^١) (ونونَي توكيد) أي: في الفعل المضارع المبتدأ باللام مقرونًا بنونى التوكيد. فمثال اللام مع نون التوكيد الثقيلة: قوله ﷾: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
ومثال اللام مع نون التوكيد الخفيفة: والله لأقومًا.
وقد يتعاقب اللام ونون التوكيد.
(وقد) أي: ويجاب قسم في إيجاب بقد. ومن ذلك قوله ﷾: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] فإنه جواب لقوله ﷾: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) [الشمس: ١].
(و) يجاب القسم أيضًا في إيجاب (ببل عند الكوفيين) ومن وافقهم دون بقية النحاة. ومن أمثلة ذلك قوله ﷾: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (^٢) [ص: ١ - ٢]،وقوله ﷾: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١ - ٢] وعند البصريين أن جواب القسم فى المثالين محذوف وبينهم في تقديره خلاف.
(و) يجاب قسم (في نفي بما).قال الله ﷾: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. (وإنْ بمعناها) يعني: أنه يجاب القسم في النفي بإن بمعنى ما. قال الله ﷾: ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ [التوبه: ١٠٧]،وكقولك: والله إنْ أنا إلا شجاع.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) زيادة من ج.
[ ١١ / ٨٦ ]
(و) يُجاب أيضًا (بلا). ومنه قول الشاعر:
وآليت لا أرثي لها من كلالة ولامن جفى حتى تلاقي محمدًا
(وتحذف لا لفظا نحو: والله أفعل). ومن ذلك قوله ﷾: ﴿تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥].
(ويُكره حلفٌ بالأمانة)؛لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من حلف بالأمانة فليس منا " (^١) . رواه أبو داود.
و(كـ) الحلف بـ (عتق وطلاق). قيل لأحمد: يكره الحلف بعتق أو طلاق أو شيء؟ قال: سبحان الله! لمَ لا يُكره لا يُحلف إلا بالله.
(ويُحرم بذات غير الله تعالى و) غير (صفته) على الأصح؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت " (^٢) . متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا
إلا وأنتم صادقون " (^٣) . رواه النسائي.
فنهى عن الحلف بغير الله ﷿. ومخالفة النهي حرام فيكون محرمًا لذلك.
وقد روي أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: " لا والكعبة ". فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " (^٤) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٥٣) ٣: ٢٢٣ كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالأمانة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٢٧٠) ٦: ٢٤٤٩ كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٤٦) ٣: ١٢٦٧ كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٧٦٩) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالأمهات.
(٤) أخرجه الترمذي في "جامعه" (١٥٣٥) ٤: ١١٠ كتاب النذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله.
[ ١١ / ٨٧ ]
قال: وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله: " كفر أو أشرك " على التغليظ.
(سواء) في الحكم بين ما إذا (أضافه) أي: أضاف الحالف المحلوف به (إليه) أي: إلى الله سبحانه (وتعالى؛ كقوله: ومخلوق الله، ومقدوره، ومعلومه، وكعبته، ورسوله، أوْ لا) يعني: أو لم يضفه؛ (كقوله: والكعبة)، وكقوله: (وأبي)؛ لاشتراكهما في الحلف بغير الله ﷾.
قال ابن مسعود وغيره: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا.
قال الشيخ تقي الدين: لأن حسنة التوحيد من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، يشير إلى حديث ابن عمر المتقدم وهو قوله ﷺ: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " (^١) .
فعلى هذا اختار الشيخ تقي الدين: أنه يعزر لتحريمه. واختاره فيمن حلف بعتق أو طلاق، وحيث يخير بين أن يوقعه أو يكفر؛ كحلفه بالله ليوقعنه.
وذكر: أن الطلاق يلزمني ونحوه، يمين بالاتفاق. وخرجه على نصوص أحمد وهو خلاف صريحهما.
(ولا كفارة) في الحلف بغير الله ﷾ إذا حنث؛ لأن الكفارة وجبت في الحلف بالله ﷾ وصفاته؛ صيانة لاسمه الأعظم. وغيره لا يساويه في ذلك.
قال ابن حزم: اتفقوا أن من حلف بحق زيد أو عمرو أو بحق أبيه: أنه آثم ولا كفارة عليه. انتهى.
(وعند الأكثر) من أصحاب أحمد، ونص عليه فى رواية أبي طالب: أنه لا تجب كفارة في حلف بغير الله ﷾، (إلا) في حلفٍ (بـ) نبينا
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
[ ١١ / ٨٨ ]
(محمد ﷺ)؛لأنه أحد شرطي إحدى الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلمًا. أشبه الحلف باسم الله ﷾.
والتزم ابن عقيل: أن الحلف بغيره من الأنبياء كهو.
والأشهر: أنها لا تجب به وهو قول أكثر الفقهاء؛ لدخوله في عموم الأحاديث.
وينقسم حكم اليمين إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام أشير إلى الأول منها بقوله:
(ويجب الحلف لإنجاء معصومٍ من هلكة ولو نفسه) مثل: أن تتوجه أيمان القسامة عليه في دعوى القتل وهو بريء منه.
وأشير إلى الثاني منها بقوله:
(ويندب (^١) لمصلحة)؛كحلفٍ يحصل به إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم، أو دفع شر وهو صادق فيه.
وأشير إلى الثالث منها بقوله:
(ويباح على فعل مباح أو تركه)؛كمن حلف لايأكل سمكا مثلًا أو ليأكلنه، وكالحلف على الخبر بشئ وهو صادق فيه، أو يظن أنه صادق.
وأشير إلى الرابع بقوله:
(ويكره على فعل مكروه)؛كمن حلف ليصلين وهو حاقِن؛ (أو ترك مندوب)؛كمن حلف لا يزيد على قراءة الفاتحة في الصلاة.
وأشير إلى الخامس بقوله:
(ويحرم على فعل محرَّم)؛كمن حلف ليشربن خمرًا مثلا، (أو ترك واجب)؛كمن حلف لا يصوم رمضان مثلًا، (أو) يحلف (كاذبًا عالمًا) بكذبه.
_________________
(١) في ب: ومندوب.
[ ١١ / ٨٩ ]
(ومن حلف على فعل مكروه، أو) حلف على (ترك مندوب: سُن حنثه، وكره بره)؛ لما يترتب على بَرُّه من ترك المندوب دائمًا.
(و) من حلف (على فعل مندوب، أو ترك مكروه: كره حنثه، وسن بره)؛ لما يترتب على بره من الثواب الحاصل بفعل المندوب وتركه المكروه.
(و) من حلف (على فعل واجب، أو) حلف على (ترك محرم: حُرم حنثه)؛لما في حنثه من ترك الواجب أو فعل المحرم، (ووجب بَرُّه)؛لما تقدم.
(و) من حلف (على فعل محرم، أو) حلف على (ترك واجبٍ: وجب حنثه)؛لما في بره من الإثم بفعل المحرم أو ترك الواجب، (وحرم بَرُّه)؛لما تقدم.
(ويخيَّر) من كان حلفه (في مباح)، سواء حلف على فعله أو على تركه بين حِنثه وبرُّه، (وحفظها فيه) أي: وحفظ اليمين فيما إذا حلف على فعل مباح أو على تركه (أولى) من حنثه. قاله في " الرعاية "؛ (كافتداء محِقٍّ) في دعوى عليه (لـ) يمين (واجبة عليه عند حاكم) يعني: فإن افتداء يمينه يكون أولى من حلفه؛ وذلك لما روي "أن عثمان بن عفان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردَّها المقداد على عثمان. فقال عمر: لقد أنصفك. فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف. فقيل له في ذلك. فقال: خفت أن يوافق قدر بلاء. فيقال: يمين عثمان ".
وقيل: يكره حلفه عند الحاكم.
(ويباح) الحلف (عند غيره) أي: غير الحاكم.
قال في " الفروع ": وقيل يباح الحلف عند الحاكم. ونقله حنبل كعند غير الحاكم. ويتوجه فيه: يستحب لمصلحة؛ كزيادة طمأنينة وتوكيد الأمر وغيره.
ومنه: " قوله ﷺ لعمر عن صلاة العصر: والله ما صليتها " (^١)؛تطييبًا منه لقلبه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧١) ١: ٢١٤ كتاب مواقيت الصلاة، باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت.
[ ١١ / ٩٠ ]
وكذا قال بعض أصحابنا في " كتاب الهدي " عن قصة الحديبية فيها جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده. وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا. وأمره الله ﷾ بالحلف على تصديق ما أخبره في ثلاث مواضع من القرآن في سورة سبأ ويونس والتغابن. انتهى.
(ولا يلزم) من أقسم عليه أن يفعل شيئًا أو أن يتركه (إبرار قسم؛ كإجابة سؤال بالله تعالى).
قال في " الإنصاف ": لا يلزم إبرار القسم على الصحيح من المذهب؛ كإجابة سؤال بالله تعالى.
وقيل: يلزمه.
وقال الشيخ تقي الدين: إنما يجب على معين. فلا يجب إجابة سائل يقسم على الناس. انتهى.
(ويسنُّ) إبرار القسم، (لا تكرار حلف. فإن أفرَط) في التكرار (كُره) له ذلك؛ لقوله ﷾: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وهذا ذم له يقتضي كراهة الإكثار. فأما إن لم يخرج إلى حد الإكثار فلا يكره، إلا أن يقترن به ما يقتضي كراهته.
ونقل حنبل: لا تكثر الحلف فإنه مكروه.
* * *
[ ١١ / ٩١ ]
[فصل: في شروط الكفارة]
(فصل. ولوجوب الكفَّارة) أي: كفارة اليمين الواجبة على الحالف وليس على محنّث كفارة، (أربعة شروط) فلا كفارة مع فقد واحد منها:
(أحدها: قصد عقد اليمين)؛ لقوله ﷾: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
إذا تقرر هذا (فلا تنعقد) اليمين (لغوا: بأن سبقت) اليمين (على لسانه) أي: لسان الحالف (بلا قصد) منه لإيجابها؛ (كقوله: لا والله، وبلى والله في عَرَض حديثه). فلا تجب فيها كفارة على الأصح؛ لما روى عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله " (^١) . رواه أبو داود.
قال: ورواه الزهري وعبد الله بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا. وكذا رواه البخاري (^٢) .
وعُرض الشيء بضم العين: جانبه، وبفتحها: خلاف الطول.
(ولا) تنعقد اليمين أيضًا (من نائم وصغير) قبل بلوغ (ومجنون ونحوهم)؛كمغمى عليه ومعتوه؛ لأنهم لا قصد لهم.
الشرط (الثاني: كونها) أي: كون اليمين (على مستقبل ممكن)؛لأن شرط الانعقاد إمكان بره وحنثه وذلك في الماضي غير ممكن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٥٤) ٣: ٢٢٣ كتاب الأيمان والنذور، باب لغو اليمين.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٢٨٦) ٦: ٢٤٥٤ كتاب الأيمان، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
[ ١١ / ٩٢ ]
(فلا تنعقد) اليمين بحلف (على ماض كاذبًا عالمًا به) أي: بكذبه، (وهي): اليمين (المغموس). سميت بذلك؛ (لغمسه) أي: لغمس الحالف بها (في الإثم ثم في النار) وهذا الوزن للمبالغة مثل: كذوب وأكول، (أو) على ماض (ظانا صدق نفسه فيبين بخلافه) أي: فيبين الأمر. بخلاف ما حلف عليه فلا يلزمه كفارة. وحكاه ابن عبد البر إجماعا.
وفي " الكافي ": هو ظاهر المذهب لقوله ﷾: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ الآية [المائدة: ٨٩] وهذا منه.
ولأن ذلك يكثر فلو وجبت فيه الكفاره لشق وحصل به الضرر وهو منتف شرعًا.
(ولا) تنعقد اليمين إن علق الحنث فيها (على وجود فعل مستحيل لذاته؛ كشرب ماء الكوز)؛ كقوله: والله إن شربت ماء الكوز، أو والله لا شربت ماء الكوز، أو علي يمين إن شربت ماء الكوز. (و) الحال: أنه (لا ماء فيه) أي: في الكوز. وكذا لو قال: إن جمعت بين الضدين، أو لا جمعت بين الضدين، أو إن رددت أمس، أو لا رددت أمس ونحو ذلك.
(أو) علق حنثه على فعل مستحيل لـ (غيره) أي: لا لذاته وإنما هو مستحيل في العادة؛ (كقتل الميت وإحيائه)؛كقوله: والله إن قتلت (^١) فلانًا الميت، والله لا قتلت (^٢) فلانًا الميت، أو والله لا أحييت فلانا الميت، أو والله إن أحييت فلانًا الميت، أو والله إن طرت، أو والله لا طرت، أو والله إن صعدت السماء، أو والله لا صعدت السماء ونحو ذلك، وهذا كله في الأصح.
(وتنعقد) اليمين بتعليق حنث (بحلف على عدمه) أي: عدم المستحيل لذاته أو في العادة كقوله؛ والله لأشربن ماء الكوز ولا ماء فيه، أو علي يمين إن لم أشربه، أو وألله لأردن أمس، أو علي يمين إن لم أرده، أو والله لأجمعن بين
_________________
(١) في ج: قتلنا.
(٢) في ج: قتلنا.
[ ١١ / ٩٣ ]
الضدين، أو علي يمين إن لم أجمع بين الضدين، أو والله لأطيرن، أو إن لم أطر، أو والله لأقتلن فلانًا الميت، أو إن لم أقتله ونحو ذلك في الأصح.
(وتجب الكفارة) عليه بذلك (في الحال) في الأصح؛ لإستحالة البر في المستحيل لذاته أو في العادة.
(وكلُّ مكفِّرة) أي: وكل مقالة على قائلها بها كفارة؛ كحلفه بمحمد ﷺعلى قول الأكثر-، وقوله: هو بريء من الإسلام أو القرآن، أو هو يهودي أو كافر، أو زوجته عليه كظهر أمِه إن طار أو لم يطر ونحو ذلك، حكمها فيما تقدم (كيمين بالله) ﷾.
الشرط (الثالث) لوجوب الكفارة بالحلف: (كون حالف مختارًا) للحلف ذكره الأصحاب؛ لقوله ﷺ: " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما اُستكرهوا عليه " (^١) (فلا تنعقد من مكرَه عليها) على الأصح؛ لقوله ﷺ: "ليس على مقهور يمين " (^٢) . ولأنه قول أكره عليه بغير حق. فلم يصح؛ ككلمة الكفر.
الشرط (الرابع) لوجوب الكفارة بالحلف: (الحِنث) في يمينه؛ لأن من لم يحنث لا كفارة عليه؛ لأنه لم يهتك حرمة القسم. ويكون الحنث (بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله ولو) كان فعل ما حلف على تركه وترك ما حلف على فعله (محرَّمين)؛ لأنه لا وجود للحنث إلا مما ذكر.
(لا) إن حنث (مكرَها) بفعل الحالف أو فعل من حلف عليه في الأصح؛ كما لو قال: والله لا دخلت، أو لا دخلت زوجتي الدار، فدخل أو دخلت مكرهة؛ لأن فعله المكروه لا ينسب إليه. فلم تكن عليه كفارة؛ كما لو لم يفعله.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٤٣) ١: ٦٥٩ كتاب الطلاق، باب طلاق المكرَه والناسي.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٥) ٤: ١٧١ النذور.
[ ١١ / ٩٤ ]
(أو) حنث؛ (جاهلًا)؛ كما لو قال: والله لا دخلت دار فلان ثم دخلها جاهلًا أنها دار فلان يعني: أنه لا تجب عليه كفارة.
(أو) حنث (ناسيًا)؛ كما لو قال: والله لا كلمت زيدًا فكلَّمه ناسيًا ليمينه يعني: فإنه لا كفَّارة عليه؛ لأنه لا إثم عليه. وأما إن كلمه في حال جنونه فقال في " الإنصاف ": والفاعل في حال الجنون قيل: كالناسي. والمذهب عدم حِنثه مطلقًا. قال الزركشي: وهو الأصح. انتهى.
(ومن استثنى فيما يكفَّر) أي: في شيء تجب فيه كفارة؛ (كيمين بالله تعالى، و) كـ (نَذْر وظِهار، ونحوه) كقوله: هو يهودي، أو بريء من الإسلام أو نحو ذلك إن فعل كذا (بـ) قوله: (إن شاء الله، أو) بقوله: إن (أراد الله، أو) بقوله: (إلا أن يشاء الله، وقصد ذلك) أي: وقصد تعليق الفعل على مشيئة الله ﷾ لا (^١) إله سواه أو على إرادته؛ لاعتبار ذلك في الأصح ليخرج من سبق على لسانه من غير قصد، أو أتى به تبركًا، (واتصل) استثناوه بيمينه (لفظا) بأن لم ينقطع كلامه حتى انتهى الاستثناء، (أو) اتصل (حكما؛ كقطع) حصل (بتنفسٍ أو سعالٍ، ونحوه)؛كعطاس:
(لم يحنث) في يمينه هذا، سواء (فعل) ما حلف على فعله (أو ترك)؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث " (^٢) . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقال: " فله ثنياه ".
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " من حلف على يمين فقال: إن
شاء الله فلا حِنث عليه " (^٣) . رواه الخمسة إلا أبا داود.
_________________
(١) في أ: سبحانه لا.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٣٢) ٤: ١٠٩ كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٠٤) ١: ٦٨٠ كتاب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٠٧٤) ٢: ٣٠٩.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٣١) ٤: ١٠٨ كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين. =
[ ١١ / ٩٥ ]
ولأن الأشياء كلها إنما تحصل بمشيئة الله ﷾. فمن قال: لا أفعل وفعل علمنا أنه سبحانه تعالى لم يشأ تركه، وإذا قال: لأفعلن ولم يفعل علمنا أنه ﷾ لم يشأ فعله.
ولأنه حلف على الفعل على تقدير المشيئة ولم توجد. فلا يكون حانثًا؛ كما لو علقه على مشيئة غير الله ﷾ فلم يشأ.
وإنما اشترط اتصال ذلك باليمين؛ لقوله ﷺ: " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله " (^١) والفاء للتعقيب فيشترط أن يكون الاستثناء عقيب" (^٢) اليمين لذلك.
ولأن الاستثناء من تمام الكلام. فاعتبر إتصاله به؛ كالشرط وجوابه، وكالاستثناء بـ
" إلا " وأخواتها.
(ويُعتبر نطق غير مظلوم خائف) ونطقه بأن يتلفظ بالاستثناء. نص الإمام أحمد على ذلك. ولم يقل في " المستوعب " خائف؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول.
(و) يعتبر أيضًا (قصد استثناء قبل تمام مستثنى منه أو بعده) أي: بعد تمام مسشثنى منه (قبل فراغه) من كلامه.
(ومن شكَّ فيه) أي: شك هل استثنى في يمينه أولم يستثن: (فكمن لم يستثن) يعني: فالحكم فيه؛ كما لو تحقق أنه لم يستثن؛ لأن الأصل عدمه.
قال في " الفروع ": وكلام الأصحاب يقتضي أن رده أي: رد الاستثناء إلى يمينه لم ينفعه؛ لوقوعها، وتبين مشيئة الله ﷾. واحتج به الموقع - أي: من أوقع الطلاق- في قوله: أنت طالق إن شاء الله.
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في "سننه" (٣٨٣٠) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، الاستثناء. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢١٠٤) ١: ٦٨٠ كتاب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٦٤١٤) ٢: ١٥٣. أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٦١) ٣: ٢٢٥ كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين.
(٢) في ب: عقب.
[ ١١ / ٩٦ ]
(وإن حلف ليفعلنَّ شيئًا وعيَّن وقتًا) لفعله: (تعيَّن) ذلك الوقت لذلك الفعل؛ لأن النية تصرف ظاهر اللفظ إلى غير ظاهره. فلأن تصرفه إلى وقت آخر بطريق الأولى.
(وإلا) أي: وإن لم يعين للفعل وقتًا: (لم يحنث حتى يَيْئس من فعله)
الذي حلف عليه: (بتلفِ محلوف عليه، أو موت حالف، أو نحوهما) مما يحصل اليأس من البر به؛ لقول عمر: " يا رسول الله لِلَّهِ ألم تخبرنا أنا سنأتى البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك آتيه العام؟ قال: فإنك آتيه وتطوف به " (^١)
ولأن المحلوف على فعله لم يتوقت بوقت معين وفعله ممكن. فلم يحصل مخالفة ما حلف عليه، وذلك يوجب عدم الحنث؛ لأن شرط الحنث المخالفة.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٨١) ٢: ٩٧٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.
[ ١١ / ٩٧ ]
[فصل: فيمن حرم حلالًا]
(فصل. من حرَّم حلالًا سوى زوجته)؛لأن تحريم الزوجة ظهار يلزم فيه كفارة الظهار، سواءً كان الذي حرمه (من طعام أو أمة، أو لباس، أو غيره؛ كقوله: ما أحل الله علي حرام، ولا زوجة له، ونحوه)؛كقوله: ما يحصل من كسب فهو علي حرام، (أو) قال: (طعامي علي كالميتة والدم)، أو كلحم الخنزير، (أو علقه) أي: علق التحريم (بشرط؛ كـ) قوله عن طعام: (إن أكلته فهو علي حرام: لم يحرم) في الأصح؛ لأن الله ﷾ سمَّاه يمينًا بقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ -إلى قوله ﷾-: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. واليمين على الشيء لا يحرمه.
ولأنه لو حرم بذلك لتقدمت الكفارة عليه؛ كالظهار.
(وعليه كفارة يمين: إن فعله).نص عليه؛ لقوله ﷾: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] يعني: التكفير. وسبب نزولها أنه ﷺ قال: " لن أعود إلى شرب العسل " (^١) . متفق عليه.
وعن ابن عباس وابن عمر: " أن النبي ﷺ جعل تحريم الحلال يمينًا ". ومقتضاه: أنه إذا ترك ما حرمه على نفسه: أنه لا شيء عليه.
(ومن قال: هو يهودي، أو كافر، أو مجوسي، أو) هو (يعبد
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٦٦) ٥: ٢٠١٦ كتاب الطلاق، باب: (zO د ٩ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٧٤) ٢: ١١٠٠ كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق.
[ ١١ / ٩٨ ]
الصليب، أو) يعبد (^١) (غير الله، أو) هو (بريء من الله تعالى، أو من الإسلام، أو القرآن، أو) من (النبي ﷺ، أو) هو (يكفر بالله، أو لا يراه الله في موضع كذا) منجزًا كليفعلن كذا، أو معلقًا؛ كإن فعل كذا. وفي الأصح: (أو) قال: هو (يستحل الزنا، أو الخمر، أو أكل لحم الخنزير، أو ترك الصلاة، أو الصوم، أو الزكاة، أو الحج، أو الطهارة، منجزًا؛ كليفعلن كذا، أو معلقًا؛ كإن فعل كذا فقد فعل محرَّما)؛ لما روى سالم بن الضحاك أن النبي ﷺ قال " من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال " (^٢) . متفق عليه.
وعن بريدة مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: " من قال: إنه بريء من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالما " (^٣) . رواه أحمد والنسانى وابن ماجه بإسناد جيد.
(وعليه كفارة يمين: إن خالف) بأن فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله حيث يحنث. وهذا على الأصح؛ لحديث زيد بن ثابت " أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصرانى، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء؟ فقال: عليه كفارة يمين " (^٤) . رواه أبو بكر.
_________________
(١) في ج: هو.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٩٧) ١: ٤٥٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٠) ١: ١٠٥ كتاب الإيمان، باب غلظ قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٥٨) ٣: ٢٢٤ كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٧٧٢) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، الحلف بالبراءة من الإسلام. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٠٠) ١: ٦٧٩ كتاب الكفارات، باب من حلف بملة غيرالإسلام. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٠٥٦) ٥: ٣٥٥.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣٠ كتاب الأيمان، باب من حلف بغير الله ثم حنث.
[ ١١ / ٩٩ ]
لأن قوله هذه الأشياء توجب هتك الحرمة. فكان يمينًا؛ كالحلف بالله ﷾. بخلاف: هو فاسق إن فعل كذا؛ لإباحته في حال.
(وإن قال. عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرنى، أو محوتُ المصحف، او أدخله الله النار)، أو هو زان، أو شارب الخمر، (أو قطع الله يديه ورجليه، أو لعمره ليفعلن، أو لأفعل كذا، أو: إن فعله فعبد زيد حر، أو ماله) أي: مال زيد (صدقة، ونحوه)؛ كقوله: إن فعلت كذا فعلى زيد الحج، أو فيكون زيد بريئًا من الإسلام: (فلغو)؛ لأن هذه الأشياء كلها ليس فيها ما يوجب هتك الحرمة. فلم تكن يمينًا، فيبقى الحالف على البراءة الأصلية.
واختار في " المحرر " أنه إذا قال: عصيت الله في كل ما أمرنى أنه يمين؛ لدخول التوحيد فيه.
وقال ابن عقيل في: محوت المصحف: هو يمين؛ لأن الحالف لم يقصد بقوله: محوت إلا إسقاط حرمته. فصار كقوله: هو يهودى.
وعن الإمام أحمد: أن عليه كفارة إن حنث في قوله: إن فعلت كذا فعبد فلان حر؛ لأنه حلف بالعتق فيما لا يقع إلا بالحنث.
والأول أصح.
(ويلزم بحلفٍ بأيمان المسلمين، ظهار وطلاق وعتاق ونذر ويمين بالله) ﷾، (مع النية).
قال في " الفروع ": ففي اليمين بالله الوجهان. انتهى.
وألزم القاضي في " الخلاف " الحالف بكل ذلك ولو لم ينوه.
وقال في " الإنصاف " بعد قوله اذا نوى ذلك: على الصحيح من المذهب
عن المنقول عن القاضي في " الخلاف ". وجزم به في " الوجيز " و" المنور ". وهو ظاهر ما جزم به فى " تذكرة ابن عبدوس ". وصححه فى " النظم ". وقدمه في " المحرر" و"الرعايتين " و"الحاوي الصغير" وغيرهم.
[ ١١ / ١٠٠ ]
وقيل: لا يشمل اليمين بالله تعالى وإن نوى. انتهى.
(و) يلزم بحلف (بأيمان البَيْعة وهو يمينٌ رتَبها الحجَّاج) بن يوسف بن الحكم بن عقيل الثقفي، ولاه عبد الملك بن مروان قتال عبد الله بن الزبير فحاصره بمكة ثم قتله وصلبه، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة: (تتضمن اليمين بالله تعالى، والطلاق، والعتاق، وصدقة المال ما فيها) يعني: أنه يلزم الحالف بها.
ما فيها: (إن عرَفها) أي: عرف أيمان البيعة (ونواها)؛لأنها يمين. فتنعقد بالكتابة المنوية؛ كالطلاق والعتاق، وكما لو لفظ بكل يمين وحدها في الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم يكن عرفها ونواها: (فلغو) أي: فلا شيء عليه
فيها؛ لأن هذا اللفظ كناية عن هذه الأيمان والكناية يعتبر فيها النية، والنية لم توجد؛ لأنه إذا لم يعلم ما فيها لم توجد النية؛ لأن قصد الشيء فرع العلم به، وإذا لم توجد النية لم تنعقد الكناية.
(ومن حلف بإحداها) أي: إحدى (^١) ما تقدم من الأيمان؛ كما لو حلف إنسان بعتق أو طلاق أو ظهار أو نذر أو غير ذلك مما تقدم، (فقال) له (آخر: يميني في يمينك، أو عليها) يعني. لو قال له: يميني على يمينك، (أو مثلها) يعني: أو قال له آخر: يميني مثل يمينك. نص على ذلك، (أو) قال له آخر: (أنا معك في يمينك، يريد التزام مثلها: لزمه) مثلها في الأصح؛ لأن ذلك كناية عن اليمين بمثل ما حلف به وقد نواه. فوجب أن يلزمه؛ كسائر الكنايات.
(إلا في اليمين بالله تعالى) في الأصح؛ لأنه لا ينعقد بالكناية؛ لأن الكفارة إنما وجبت في اليمين؛ لما ذكر فيها من اسم الله ﷾ المعظم المحترم ولم يوجد ذلك في الكناية.
_________________
(١) في أ: أحد.
[ ١١ / ١٠١ ]
(ومن قال: عليَّ نذر أو يمين فقط) أي: ولم يقل: إن فعلت كذا، أو إذا فعلت كذا، (أو) قال: (عليَّ نذر أو يمين) إن فعلت كذا، (أو) قال: (علي عهد الله، أو) قال: علي (ميثاقه) أي: ميثاق الله (إن فعلت كذا وفعله)، أو لم يفعل شيئًا فيما إذا قال: عليَّ نذر أو يمين ولم يقل: إن فعلت كذا: (فعليه كفارة يمين)؛ لما روى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين " (^١) قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
ومن قال: مالي للمساكين وأراد به اليمين فعليه كفَّارة يمين. ذكره في" المستوعب " و" الرعاية ".
(ومن أخبر عن نفسه بحلف بالله تعالى، ولم يكن حلف فكذبة: لا كفارة. فيها) على الأصح. نص على ذلك.
وعنه: عليه كفارة يمين؛ لأنه أقّر على نفسه بشيء فيجب العمل بمقتضاه.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٢٨) ٤: ١٠٦ كتاب النذور، باب ما جاء في كفاره النذر إذا لم يسم.
[ ١١ / ١٠٢ ]
(فصل في كفَّارة اليمين)
(وتَجمعُ تخييرًا، ثم ترتيبًا).
والأصل في ذلك قوله ﷾: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) [المائدة: ٨٩].
ومن السنة قول النبي ﷺ: " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " (^١) .
وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله ﷾.
إذا تقرر هذا (فيُخيَّر من لزمته) كفارة يمين (بين ثلاثةٍ) أي: ثلاثة أشياء:
١ - (إطعام عشرة مساكين من جنس) واحد (أو أكثر) من جنسٍ؛ كإطعامه خمسة برًا، وخمسة تمرًا.
٢ - (أو كسوتِهم). وهي: (للرجل ثوب تجزئه صلاتُه) المفروضة (فيه، وللمراة دِرْع وخمار كذلك) أي: تجزئها صلاتها فيهما.
٣ - (أو عتق رقبة).
ويجوز أن يكسوهم من أي صنف شاء، سواء كان من القطن، أو الكتان،
أو الصوف، أو الشعر، أو الوبر، او الخز، أو يكسو النساء من الحرير؛ لأن الله ﷾ أمر بكسوتهم ولم يعّين جنسها، فأيّ جنس كساهم منه خرج به
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٣٤٣) ٦: ٢٤٧٢ كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده.
[ ١١ / ١٠٣ ]
عن العهدة؛ لوجود الكسوة المأمور بها. ويجوز أن يكسوهم جديدًا أو لبيسًا. (ويجزئ) اللَّبيس: (ما لم تذهب قوتُه)؛ لأنه إذا ذهبت قوته صار معيبًا. فلا يجزئه؛ كالحب المعيب في الإطعام، والرقبة إذا ذهبت قوتها في العتق.
والمساكين الذي تجزئ كسوتهم هم الذين يجزئ إطعامهم؛ لأن الله ﷾ قال: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة: ٨٩] فينصرف الضمير إليهم.
(فإن عجز) من وجبت عليه كفارة يمين عن العتق والإطعام والكسوة (كعجزٍ عن فطرة: صام ثلاثة أيام)، لقوله ﷾: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) [المائده: ٨٩] (متتابعة وجوبًا) على الأصح؛ لأن في قراءة أبيّ وابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعة ". والظاهر: أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ فيكون خبرًا.
ولأنه صوم في كفارة لا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن العتق. فوجب فيه التتابع؛ كصوم المظاهر.
ومحل وجوب التتابع: (إن لم يكن) له (عذر) في ترك التتابع من مرض
أو غيره.
(ويُجزئ) في الكفارة (أن يُطعم بعضًا) من المساكين (ويَكْسُوَ بعضًا) في الأصح. فلو أطعم خمسة وكسا خمسة، أو أطعم أقل أو أكثر من خمسة وكسا الباقي أجزأه؛ لأن الله ﷾ خيّر من وجبت عليه كفارة يمين بين الإطعام والكسوة فكان مرجعهما إلى اختياره في العشرة وفي بعضهم. بخلاف ما لم يخيره فيه. ولهذا (لا) يجزئه (تكميل عتق بإطعام أو كِسوَة). فلو عتق نصف رقبة وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه؛ لقوله ﷾: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة: ٨٩]؛ لأنه لم يحرّر رقبة.
(و) كذا (لا) يجزئه تكميل (إطعام) أو كسوة (بصوم)؛ لأنه لم. يصم
ثلاثة أيام، ولم يطعم عشرة مساكين، ولم يكس عشرة مساكين.
[ ١١ / ١٠٤ ]
وعدم إجزائه في هذه الصور في كفارة اليمين (كبقية الكفارات)، وكما
لا يجزئه في المسكين الواحد أن يطعمه بعض الطعام ويكسوه بعض الكسوة؛
لأنه لم يطعمه ولم يكسه.
(ومن مالُه غائب) ممن وجبت عليه كفارة يمين: (يَستدين) ويخرج (إن
قَدر) على الاستدانة.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر على الاستدانة: (صام) ثلاثة أيام متتابعة
وأجزأه ذلك.
(وتجب كفَّارة ونذر) أي: إخراجهما (فوْرًا بحنث). نص عليه؛
لوجوب ذلك في الذمه حالًا.
(وإخراجها) أي: إخراج الكفارة (قبله) أي: قبل الحنث (وبعده
سواء) في الفضيلة في الأصح، حتى ولو كان التكفير بالصوم؛ لما روى
عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا حلفت على يمين فرأيت
غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير " (^١) . رواه أبو داود.
وفي لفظ: " وائت الذي هو خير " (^٢) . رواه البخاري.
وروى أبوهريرة وأبو الدرداء وعدي بن حاتم عن النبي ﷺ نحو ذلك. رواه الأثرم.
وعن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: " إنى إن شاء الله لا أحلف على يمين
فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت عن
يميني " (^٣) رواه البخاري.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه" (٣٢٧٨) ٣: ٢٢٩ كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث. وأخرجه النسائي في"سننه" (٣٧٨٤) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، الكفارة قبل الحنث. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢٠٦٤٧) ٥: ٦٣.
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٣٤٣) ٦: ٢٤٧٢ كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده.
(٣) أخرحه البخاري في"صحيحه" (٦٣٤٠) ٦: ٢٤٧٠ كتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان.
[ ١١ / ١٠٥ ]
ولأنه كفّر بعد وجود السبب. فأجزأ؛ كما لو كفر كفارة القتل بعد الجرح
وقبل الزهوق. والسبب هو اليمين بدليل قوله ﷾: (واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم) [المائدة: ٨٩]، وقول الله ﷾: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) [التحريم: ٢].
وقول النبي ﷺ: " وكفرت يميني " (^١)، و" كفر عن يمينك " (^٢) وتسمية الكفارة كفارة يمين. وعلى هذا فالحنث شرط وليس سبب.
ولأن تعجيل حق الله ﷾ في المال بعد وجود سببه قبل وجود
شرطه جائز، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول.
قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من
غير أن يروا فيها مثل: هذه الآثار في تقديم الكفاراة، وأبَوا تقديم الكفارة هاهنا مع كثرة الرواية الواردة فيها، والحجة في السنة ومن خالفها فهو محجوج بها.
وقال ابن أبي موسى: إخراج الكفارة بعد الحنث أفضل وفاقًا لمالك. والشا فعي.
ولنا: أن الأحاديث الواردة فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية.
(ولا تجزئ) الكفارة إن أخرجها (قبل حلف) إجماعًا؛ لأنه تقديم للحكم
قبل سببه؛ كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب. ولا يلتفت إلى قول ابن حزم: أن العلماء اختلفوا في تقديمها على اليمين.
(ومن لزمته أيمان مُوجِبُها واحد ولو على أفعال) على الأصح، كقوله:
والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا أعطيت، والله لا أخذت، (قَبْل تكفيرٍ: فكفارة واحدة). نص على ذلك في رواية ابن منصرر.
_________________
(١) أخرجه أحمد في"مسنده" (١٩٤٨٧) ٤: ٣٩٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢١٠٩) ١: ٦٨١ كتاب الكفارات، باب من حلف على يمين فرأى غيره خيرًا منها.
[ ١١ / ١٠٦ ]
قال القاضي: هي الصحيحة.
وقال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد من أنه إن كانت اليمين على أفعالٍ فعليه لكل يمين كفارة قولٌ لأبي عبد الله. ومذهبه: أن كفارة واحدة تجزئه وهو قول إسحاق؛ لأنها كفارات من جنس واحد. فتداخلت؛ كالحدود من جنس، وإن اختلفت محالها مثل: أن يسرق من جماعة، أو يزنى بنساء.
(وكذا حلفُ بنُذُور مكرَّرة). نقل ابن منصور عن أحمد فيمن حلف نذورًا كثيرة مسماة إلى بيت الله: أن لا يكلم أباه أو أخاه: فعليه كفارة يمين.
وقال الشيخ تقي الدين فيمن قال الطلاق يلزمه: لا أفعل كذا وكرره: لم يقع أكثر من طلقة إذا لم ينو.
قال في " الفروع ": فيتوجه مثله: إن قمت فأنت طالق وكرره ثلاثًا. وسبق
فيما يخالف المدخول بها غيرها يقع بها ثلاث، وذكره الشيخ إجماعًا. وكان الفرق أنه يلزم (^١) من الشرط الجزاء، فيقع الثلاث معًا؛ للتلازم، ولا رابط في اليمين.
ولأنها للزجر والتطهير فهي كالحدود. بخلاف الطلاق. والأصل حمل اللفظ على فائدة أخرى ما لم يعارضه معارض. انتهى.
(وإن اختلف مُوجِبُها) أي: موجب الكفارة، (ك) كفارة (ظهار، و) كفارة (يمين بالله تعالى لزمتاه (^٢) ولم يتداخلا)؛ لعدم الاتحاد.
(ومن حلف يمينًا) واحدة (على أجناس) مختلفة مثل إن قال: والله
لا أكلت، ولا شربت، ولا لبست: (فكفارة واحدة)، سواء (حنث في الجميع أو في واحد وتًنْحلُّ في البقية)؛ لأن اليمين واحدة والحنث واحد. فإن حلف أيمانًا على أجناس مثل إن قال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، فحنث في واحدة منها فعليه كفارة. فإن أخرجها ثم حنث في يمين اخرى لزمته
_________________
(١) في أ: يلزمه.
(٢) في ب: لزمته. وهو تصحيف.
[ ١١ / ١٠٧ ]
كفاره أخرى؛ لأن الحنث في الثانية تجب به كفارة أخرى بعد أن كفّر عن الأولى. فأشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر، ثم وطئ مرة أخرى. وإن حنث في الجميع قبل التكفير أجزأته كفارة واحدة؛ لأنها من جنس واحد فتداخلت. (وليسن لقنٍ أن يُكفّر بغير صوم)؛ لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار وهو أحسن حالًا من العبد فإنه يملك في الجملة، (ولا لسيده منعُه منه ولا من نذرٍ) أي: من الصوم، سواء كان الحلف والحنث بإذن السيد أو بغير إذنه، وسواء أضرَّبه الصوم أوْ لا؛ لأنه صوم واجب لحق الله ﷾. فلم يكن لسيده منعه منه؛ كصوم رمضان وقضائه.
(ومن بعضُه حر) في وجوب الكفارة، وحكمها (كحر) كامل الحرية مع القدرة ومع العجز.
(ويُكفّر كافر) وجبت عليه كفارة- (ولو) كان (مرتدًا- بغير صوم)؛ لأن الصوم عبادة وهي لا تصح من كافر. والله ﷾ أعلم.
[ ١١ / ١٠٨ ]
[باب: جامع الأيمان]
هذا (باب جَامِع الأيمان). ومبناها ابتداءً على النية ف (يُرجع فيها إلى نية حالفٍ: ليس بها) أي: بنيته (ظالمًا). نص عليه، وسواءكان مظلومًا، أو لم يكن ظالمًا ولا مظلومًا (إدا احتملها) أي: احتمل نيته (لفظُه، كنيَّته بالسقف وبالبناء السماء، و) كنيته (بالفراش والبساط (^١) الأرض، و) كنيته (باللباس الليل)، وبالأخوّة أخوّة الإسلام، وما ذكرت (^٢) فلانًا أي: ما قطعت ذكره، وما رأيته أي: ما ضربت رئته، (و) كنيته (بنسائي طوالق أقاربه النساء، و) كنيته (بجوارِيَّ أحرارُ سفُنَه)، وكنيته بما كاتبت فلانًا مكاتبة الرقيق، وبما عرفته جعلته عريفًا، وبما أعلمته أي: جعلته أعلمًا، أي: شققت شفته، وبما سألته حاجة، أي: شجرة صغيرة، وكنيته بما أكلت له دجاجة الكبة من الغزل، ولا فروجة وهي الدراعة، ولا في بيتي فَرش وهي صغار الإبل، ولاحصير وهو الحبس، ولا بارئة، أي: السكين التي يبرأ بها، وما أشبه ذلك.
(و) حيث ادعى نية شيء من ذلك ولم يكن ظالمًا بيمينه فإنه (يُقبل) منه
ذلك (حُكمًا) أي: في الحكم (مع قُرب احتمالٍ من ظاهر) أي: من ظاهر. لفظه. (و) على الأصح: ومع (توسُّطه) أي: توسط الاحتمال من الظاهر بأن لم يكن قريبًا منه ولا بعيدًا.
أما ما لا يحتمله اللفظ أصلًا؛ كما لو حلف لا يأكل خبرًا ويدعي انه عنى
بذلك أن لا يدخل بيتًا (^٣) فإن يمينه لا تنصرف إلى ما يدعي (^٤) أنه عناه بغير
_________________
(١) في ج: وبالبساط.
(٢) في ب: ذكره.
(٣) في ج: إقليمًا.
(٤) في أ: إلى ما لا يدعى.
[ ١١ / ١٠٩ ]
خلاف؛ لأنها نية مجردة لا يحتملها لفظه. أشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين. (فيُقدَّم) ما يُقبل منه مما يدعي نيته (على عموم لفظه). فمن حلف لا يأكل لحمًا وأراد لحمًا بعينه تقيّد حلفه به، أو حلف على فعل شيء أو تركه ونوى فعله أو تركه في وقت معّين تقيّد به. وكذا من أراد بلفظه الخاص العام؛ كمن حلف لا يشرب لفلإن ماء من عطش يريد قطع منّته ونحو ذلك فإنه يحنث بكل ما فيه منّة عليه؛ كقبول هديته، واستعارة دابته، وكل ما فيه المنة. وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا عبرة بالنية فيما يخالف لفظه؛ لأن الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين واليمين لفظه. فلو أحنثناه على ما سواه لأحنثناه على ما نواه لا على ماحلف.
ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها.
ولنا: أنه نوى بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه. فتنصرف يمينه
إليه؛ كالمعارض. وبيان احتمال اللفظ له: أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام. قال الله ﷾: (ما يملكون من قطمير) [فاطر: ١٣]، (ولا تظلمون فتيلا) [النساء: ٧٧]، (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) [النساء: ٥٣]. والقِطْمير: لفافة النواة، والفتيل: ما في شقها. والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد ذلك بعينه، بل نفي كل شيء.
وقال الحطيئة يهجو بني العجلان:
ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولم يرد الحبة بعينها، إنما أراد لا يظلمونهم شيئًا.
وقد يذكر العام ويراد به الخاص؛ كقوله ﷾: (الذين قال لهم الناس) - أراد رجلًا واحدًا- (إن الناس قد جمعوا لكم) [ال عمران: ١٧٣] يعنى: أبا سفيان.
وقال ﷾: (تدمر كل شئ بأمر ربها) (^١) [الأحقاف: ٢٥] ولم
تدمر السماء والأرض ولا مساكنهم.
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ١١ / ١١٠ ]
وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه إذا نواه؛ لقول النبي ﷺ:
" وإنما لكل امرئ ما نوى " (^١)
ولأن كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره.
وقولهم: إن الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين.
قلنا: وهذا كذلك، لأن اليمين إنما انعقدت على ما نواه، ولفظه مصروف إليه، وليست هذه نية مجردة، بل لفظ منوي به ما يحتمله.
(ويجوز التعريض- في مخاطبة لغير ظالم- بلا حاجة).
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر.
وقيل: لا. ذكره شيخنا واختاره؛ لأنه تدليس كتدليس البيع. وقد كره أحمد التدليس، وقال: لا يعجبني. ونصه: لا يجوز التعريض مع اليمين. انتهى.
(فإن لم ينوِ شيئًا) يعني: فإن لم يكن للحالف نية: (ف) إنه يرجع (إلى سبب يمين وما هيَّجها)؛ لدلالة ذلك على النية.
(فمن حلف: ليقضينَّ زيذًا) حقه (غدًا، فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد عدم تجاوُزه، أو اقتضاه السبب)؛ لأن مقتضى اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد. فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرًا.
ولأن مبنى الأيمان على النية، ونية هذا بيمينه تعجيل القضاء قبل خروج الغد. فتعلقت يمينه بهذا المعنى؛ كما لو صرج به.
(وكذا أكل شيء وبيعه وفعلُه غدًا) يعني: إذا حلف على ذلك يقصد عدم تجاوزه أو اقتضاه السبب؛ لأن السبب يدل على النية.
_________________
(١) أخرجه البخارى في"صحيحه" (١) ١: ٣ كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " إنما االأعمال بالنية".
[ ١١ / ١١١ ]
وإن لم ينو عدم تجاوز الغد ولا كان السبب يقتضيه، فقال في " شرح المقنع ": ظاهر كلام الخرقي: أنه لا يبرأ إلا بقضائه في الغد، ولا يبرأ بقضائه قبله.
وقال القاضي: يبرأ على كل حال؛ لأن اليمين للحنث على الفعل. فمتى عجله فقد أتى بالمقصود. فيبرأ؛ كما لو نوى ذلك.
والأول أصح إن شاء الله تعالى؛ لأنه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظًا ولم يصرفها عنه نية ولا سبب. فحنث؛ كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجب. انتهى.
وعبارته في " الإنصاف ": وإن حلف ليقضينه غدًا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد: أن لا يجاوزه قولًا واحدًا، وكذا لا يحنث أيضًا إذا كان السبب يقتضيه، وإلا حنث على الصحيح من المذهب.
(و) من حلف: (لأقضينَّه) غدًا، (أو لا قضيتُه غدًا، وقصد مَطْلَه، فقضاه قبله: حنث)؛ لأن اليمين إنما انعقدت على ما نواه وقد فعل بخلافه. (و) من حلف عن شيء: (لا يبيعه إلا بمائة، لم يحنث إلا إن باعه بأقلَّ)
من مائة. فلا يحنث إن باعه بمائة أو أكثر (^١)؛ لأن قرينة الحال تقتضي ذلك. (و) إن حلف: (لا يبيعه بها) أي: بالمائة، (حنث) ببيعه (بها) أي: بالمائة (وبأقلَّ) منها؛ لأن العرف في هذا أن لا يبيعه بالمائة ولا بأقل منها، بدليل أنه لو وكّل في بيعه إنسانًا وأمره أن لا يبيعه بمائة لم يكن له بيعه بأقل منها. ولأن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون المائة، والحكم يثبت بالتنبيه كثبوته باللفظ. فلو حلف من يريد شراءه: لأشترينه بمائة فاشتراه بأقل لم يحنث، وإن اشتراه بالمائة وبأكثر منها حنث؛ لما تقدم.
(و) من حلف: (لا يدخل دارًا، وقال: نويت اليوم قُبل) ذلك منه (حُكمًا) أي: في الحكم على الأصح؛ لأن ذلك لا يُعلم إلا من جهته، ولفظه
_________________
(١) في أوب: بأكثر.
[ ١١ / ١١٢ ]
يحتمله. (فلا يحنث بالدخول) أي: دخول الدار (في غيره) أي: غير ذلك اليوم الذى نواه؛ لأن قصده تعلق به. فاختص الحنث بالدخول فيه.
(ومن دُعي لغداء فحلف: لا يتغدَّى، لم يحنث) إذا تغدى (بغداء غيره إن قصده)؛ لاختصاص الحنث به.
(و) من حلف عن إنسان: (لا يشرب له الماء من عطش ونيَّتُه أو السببُ
قطع منَّته: حنث بأكل خبزه، واستعارة دابته، وكل ما فيه منَّة)؛ لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلا منه؛ لقول الله ﷾: (ولاتظلمون فتيلا) [النساء: ٧٧] يريد: لا تظلمون شيئًا.
قال في "الفروع ": وذكر ابن عقيل (لا أقلَّ؛ كقعوده في ضوء ناره). انتهى.
لأن ذلك لا منَّة فيه.
(و) من حلف على امرأته أو غيرها: (لا تخرُج لتعزيةٍ ولا تهنئةٍ ونوى أن
لا تخرج أصلًا فخرجت لغيرهما) [حنث؛ لمخالفة ما نواه] (^١) .
(أو) حلف: (لا يلبس ثوبًا من غزلها، قطعًا للمنَّة، فباعه واشترى بثمنه ثوبًا) ولبسه، (أو انتفع به) أي: بثمنه: (حنث)؛ لأن الأسباب معتبرة في الأيمان يتعدى الحكم بتعديها. فإذا امتن عليه بثوب فحلف: لا يلبسه قطعًا للمنة به: حنث بالانتفاع به في غير اللبس؛ لأنه نوع انتفاع تلحق المنّة به.
(لا إن انتفع بغيره).
قال في " الإنصاف " بعد ذكر هذه المسألة: ومفهومه أنه لو انتفع بشيء من مالها غير الغزل وثمنه: أنه لا يحنث. وهو صحيح وهو المذهب. جزم به في " المغني " و" الشرح" وقدمه في " الفروع ".
وقيل: يحنث بقدر منته فأزيد. جزم به في " الترغيب ". انتهى.
(و) من حلف (على شيء لاينتفع به، فانتفع به هو، أو) انتفع به (أحد
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ١١٣ ]
ممن في كنَفِه)؛ كزوجته ورقيقه وولده الصغير (حنث)؛ لأن من في كنفه حكمه كحكمه.
(و) من حلف على امرأته: (لا يأوي معها بدار سمَّاها، ينوي جفاءَها ولا سببَ) من جهة الدار هيّج يمينه (فآوَى معها) أي: مع زوجته (في) دار (غيرها) أي: غير التي سماها: (حنث)؛ وذلك لأنه لما قصد جفاءها بترك الأُوِيّ معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه، وكأنه حلف: لا يأوي معها. فإذا أوى معها في غيرها حنث؛ لمخالفته ما حلف على تركه، وصار هذا بمنزلة سؤال الأعرابي رسول الله ﷺ: " واقعت أهلي في نهار رمضان فقال: أعتق رقبة " (^١)؛ لأنه لما كان ذكر أهله لا أثر له في إيجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع، سواء كان للأهل أو لغيرهم. فإن كان للدار أثر في يمينه مثل: إن كان يكره سكناها، أو خوصم من أهلها، أو امتنّ عليه بها: لم يحنث إذا أوى معها في غيرها؛ لأنه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها. فلم يخالف ما حلف عليه. وإن عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الإيواء معها في تلك الدار بعينها؛ لأنه يجب اتباع لفظه إذا لم يكن سبب ولا نية تصرف اللفظ عن مقتضاه، أو تقتضي زيادة عليه.
ومعنى الإيواء: الدخول.
(وأقلُّ الإيواء: ساعة). فمتى حلف: لا يأوي معها فدخل معها الدار حنث، قليلًا كان لبثهما أو كثيرًا. قال الله ﷾ مخبرًا عن فتى موسى: (قال أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة) [الكهف: ٦٣]. قال كم كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله تعالى. يقال: أويت انا (^٢) وآويت غيري. قال الله ﷾: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) [الكهف: ١٠]، وقال ﷾: (وأويناهما إلى ربوة) [المؤمنون: ٥٠].
(و) لو حلف: (لا يأوي معها في هذا العيد، حَنِث بدخوله قبل صلاة
_________________
(١) أخرجه البخارى في "صحيحه" (٥٧٣٧) ٥: ٢٢٦٠ كتاب الأدب، باب التبسم والضحك.
(٢) ساقط من ب.
[ ١١ / ١١٤ ]
العيد، لا) بدخوله (بعدها)؛ لانقضائه بصلاته.
(وإن قال) في حلفه: والله لا أويت معك (أيام العيد، أُخذ) في يمينه (بالعُرف). فإن دخل معها في يوم اشتُهر في العرف أنه من أيام العيد حنث، وإلا فلا.
قال أحمد فيما إذا حلف لا يأوي مع زوجته هذا العيد في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا عيّد الناس دخل إليها. قلت: فإن (^١) قال أيام العيد. قال: على ما يعرفه الناس ويعهدون بينهم.
وقد روي عن ابن عباس قال: " حقُ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا حتى يفرغوا من عيدهم ". يعني: من صلاتهم.
(و) من حلف على امرأته عن دار بأن قال: والله (لا عدتُ رأيتُك تدخُلِينها ينوي منعها، فدخلتْها: حنث ولو لم يَرَها)؛ لمخالفتها نيته بعدم امتناعها. (و) من حلف على امرأة عن شيء: (لا تركتِ هذا يخرُج فأُفْلت فخرج،
أو قامت تصلّي) فخرج، (أو) قامت (لحاجة فخرج) ف (إن نوى) بحلفه (ان لا يخرُج: حنث) بخروجه، (وإن نوى أن لا تدَعه يخرُج: فلا) حنث؛ لأنها لم تدعه يخرج.
_________________
(١) في ب: فإذا.
[ ١١ / ١١٥ ]