[الجنائز] بفتح الجيم وهو جمع جِنازة بالكسر، والفتح: لغة. وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت. ويقال: عكسه. فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال. نعش ولا جنازة، وإنما يقال: سري. وهي مشتقة من جَنَزَ إذا ستر، يجنِز بكسر النون.
(يُسن الاستعداد للموت) بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم.
(والإكثار من ذكره)؛ لقول النبي ﷺ: " أكثروا من ذكر هاذم اللذات " «^١». هو بالذال المعجمة يعني: الموت.
(و) تسن (عيادة) مريض (مسلم)؛ لما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: " خمس تجب للمسلم على أخيه: ردَُ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوى، وعيادة المريض، واتباع الجنازة " (^٢).
وفي لفظ: " حق المسلم على المسلم ست. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله تعالى فشمّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه " (^٣). متفق على ذلك. إلا أن البخاري لم يذكر لفظ حديث الست، ولا ذكر فيه " النصيحة ". (غير مبتدع يجب هجره؛ كرافضي).
قال في " الإنصاف ": نص الإمام أحمد: أن المبتدع لا يعاد.
وقال في " النوادر ": تحرم عيادته.
وعنه: لا يعاد الداعية فقط.
_________________
(١) أخرجه الترمذى فى"جامعه" (٢٣٠٧) ٤: ٥٥٣ كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكرالموت
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه" (٥٠٣٠) ٤: ٠٧ ٣ كتاب الأدب، باب في العطاس.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١٨٣) ١: ٤١٨ كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (٢١٦٢) ٣: ١٧٠٥ كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام.
[ ٣ / ٥ ]
واعتبر الشيخ تقى الدين: المصلحة في ذلك.
(أو) إنسان (يسن) هجره؛ (كمتجاهر بمعصية) يعني: أنه يسن أن لا يعاد إذا مرض. بخلاف غير المتجاهر. نقل حنبل: إذا علم من رجل أنه يقيم على معصية لم يأثم إن هو جفاه (^١) حتى يرجع، وإلا كيف يبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرًا عليه ولا جفوة من صديق.
وتُكره عيادة رجل لامرأة غير محرم أو تعوده. قاله ابن الجوزي. قال في " الفروع ": وأطلق غيره عيادتها. انتهى.
والأولى: حمل من منع على خوف الفتنة، وحمل من لم يمنع على من لا يخاف منها فتنة؛ كالعجوز.
وتشرع العيادة في كل مرض على ظاهر كلام الأصحاب.
وقال أبو المعًالي: لا تشرع لوجع الضرس والدمل (^٢) والرمد. قال: ولايسمى صاحبها مريضا. واحتج بما رواه الدارقطني في " العلل " أنه ﵊ قال: " ثلاث لا يعادون: صاحب الضرس، وصاحب الرمد، وصاحب الدمل ". لكن هذا الحديث غير ثابت. قال الحافظ عبدالحق: يرويه مَسلمة ابن علي الخشني. وهو ضعيف.
على أنه قد ثبتت (^٣) العيادة في الرمد عن زيد بن أرقم. ولفظه: " أن النبي ﷺ عاده من وجع كان بعينه " (^٤) . أخرجه أبو داود وصححه الحاكم.
ويسن كون عيادة المريض (غِبًْا).
قال في " الفروع ": قال جماعة: ويغبٌ بها. وظاهر إطلاق جماعة
_________________
(١) فى أ: موجباته.
(٢) ذكره المتقي الهندي في " كنز العمال (٢٥١٥٨) ٩: ٩٧ كتاب الصحبة، حق عيادة المريض. ولم أره في القسم المطبوع من كتاب " العلل " للدارقطني.
(٣) في أ: ثبت
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٠٢) ٣: ٨٦ كتاب الجنائز، باب في العيادة من الرمد. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٢٦٥) ١: ٤٩٢ كتاب الجنائز. وقال الذهبي في " التلخيص ": على شرطهما.
[ ٣ / ٦ ]
خلافه. ويتوجه اختلافه باختلاف الناس، والعمل بالقرائن وظاهر الحال، ومرادهم في الجملة، وهي تشبه الزيارة.
وذكر ابن الصيرفي الحرانى في " نوادره ": الشعر المشهور وهو:
لا تُضجِرَنٌَ عليلاُ في مُساءلةٍ إن العيادة يومٌ بين يومَين
بل سَلْه عن حاله وادعُ الإله له واجلسْ بقدر فُوَاقٍ بين حَلُبَيْن (^١)
من زار غِبًا أخًا دامت مودتُه وكان ذاك صلاحًا للخليلََين
وتكون العيا دة (من أول المرض)، وتكون (بُكرةً وعشيًا)، وتكون (فى رمضان ليلاُ).
قال أحمد: يعود بكرة وعشيًا. وقال عن قرب وسط النهار: ليس هذا وقت عيادة.
وقال بعضهم: تكره إذًا. نص عليه.
قال صاحب " المحرر ": لا بأس آخر النهار؛ للخبر. ونص أحمد: العيادة في رمضان ليلاُ.
(و) يسن للعائد (تذكيره) أي: تذكير المريض (التوبة)؛ لأنها واجبة
على كل حال. والمريض أحوج إليها من غيره؛ لقول النبي ﷺ: " إن الله يقبلُ توبةَُ العبد ما لم يُغرغِر " (^٢) . أي: تبلغ روحه إلى حلقه.
(و) تذكيره أيضًا (الوصية)؛ لقول النبي ﷺ " ما حقُّّ امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (^٣) . متفق عليه من حديث ابن عمر.
(ويدعو) العائد للمريض (بالعافية والصلاح)؛ لقوله ﷺ " من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم
_________________
(١) في ج: فراق بين خلين.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٦١٦) ٢: ١٣٢
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨٧ ٥ ٢) ٣: ٥ ٠٠ ١ كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ: وصية الرجل مكتوبة عنده. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٢٧) ٣: ١٢٤٩ كتاب الوصية، باب العمرى.
[ ٣ / ٧ ]
أن يشفيك. إلا عافاه الله من ذلك المرض " (^١) . أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن، والحاكم وصححه.
ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، لقوله في الحديث الصحيح: " وما يدريك أنها رقية " (^٢) .
وأن يقرأ عنده سورة الإخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه ﷺ (^٣) .
وروى أبو داود أنه ﷺ قال: " إذا جاء رجل يعود مريضًا فليقل: اللهم لِلَّهِ اشف عبدك. يَنُكَأُ لك عدوًا ويمشي لك إلى صلاة " (^٤) .
وصح " أن جبريل ﵇ عاد النبي ﷺ فقال: بسم الله أرقيك. من كل شيء يؤذيك. من شر كل نفس أو عين حاسد. الله يشفيك. باسمه أرقيك " (^٥) . وأنه ﷺ كان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس. طهور إن شاء الله " (^٦) .
(و) يستحب أن العائد (لا يُطيل الجلوس) عند المريض؛ لما في إطاالة الجلوس عنده من إضجاره، ومنع بعض تصرفاته، والتضييق عليه.
وعنه: يستحب أن يكون الجلوس بقدر الجلسة بين الخطبتين.
(ولا بأس بوضع يده) أي: يد العائد (عليه) أي: على المريض؛ لما روي في " الصحيحين ": " أنه ﷺ كان يعود بعض أهله، ويمسح بيده اليمنى، ويقول: اللهم لِلَّهِ رب الناس، أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٣ ٠ ٢) ٤: ١٠ ٤ كتاب الطب. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٢٦٨) ١: ٤٩٣ كتاب الجنائز.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٦ ٢) ٢: ٧٩٥ كتاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١ ٢٢٠) ٤: ١٧٢٧ كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرةعلى الرقية بالقرآن والأذكار.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٤٢٤) ٥: ١٢٨.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٧ ٠ ٣١) ٣: ١٨٧ كتاب الجنائز باب الدعاء للمريض عند العيادة
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١٥٧٤) ٣: ٥٨.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٧٠٣٢) ٦: ٢٧١٧ كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ u ن! $ t±o- اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ $ ̧ J` خ=t م $ VJ ٩ إ ٣ ym﴾
[ ٣ / ٨ ]
شفاؤك، شفاء لا يغادرسقمًا " (^١) .
وفي " الفنون ": إن سألك وضع يدك على رأسه للتشفي (^٢) فجدد توبة لعله يتحقق ظنه فيك. وقبيحٌ تعاطيك ما ليس لك. وإهمال هذا وأمثاله يعمي القلوب ويخمر العيون ويعود بالرياء.
(و) لا بأس بـ (إخبار مريض بما يجد بلا شكوى)؛ لما ذكر القاضى أبو الحسين عن عبد الرحمن طبيب السنة قال: دخلت على أحمد بن حنبل أعوده. فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أنا بعين الله. ثم دخلت على بشر بن الحارث. فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أحمد الله إليك. أجد كذا، أجد كذا. فقلت: أما تخشى أن يكون هذا شكوى؟ فقال: حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان بن سعيد عن منصورعن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا: سمعنا عبدالله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ " إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك ". فدخلت على أحمد فحدثته. فكان إذا سًالته قال: أحمد الله إليك. أجد كذا، أجد كذا. (وينبغي) للمريض (إن يُحسن ظنٌه بالله تعالى)؛ لما في " الصحيحين " عن أبي هريرة مرفوعًا: " أنا عند ظن عبدي بي " (^٣) . زاد أحمد " إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله " (^٤) .
وقال ابن هبيرة في حديث أبي موسى: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " (^٥) . متفق عليه. قال: يدل على استحباب تحسين
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤١٠) ٥: ٢١٦٧ كتاب الطب، باب رقية النبى ﷺ. أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٩١) ٣: ١٧٢٢ كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض.
(٢) في ج: المتشفي.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٩٧٠) ٦: ٢٦٩٤ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه). وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (٢٦٧٥) ٤: ٢٠٦١ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٠٦٥) ٢: ٣٩١
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦١٤٣) ٥: ٢٣٨٧ كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
[ ٣ / ٩ ]
العبد ظنه عند إحساسه بلقاء الله؛ لئلا يكره أحد لقاء الله. يود أن لو كان الأمر على خلاف ما يكرهه، والراجي السرور يود (^١) ثبوت ما يرجو حصوله.
ويُغَلُب رجاه. قدمه في " الفروع ".
وفي " النصيحة ": يغلب الخوف لحمله على العمل وفاقًا للشافعية، وقاله الفضيل بن عياض وغيره، ونصه: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه وأحدًا، زاد في رواية: فأيهما غلب صاحبه هلك.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: وهذا هو العدل. ولهذا: من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط، إما في نفسه وإما في أمور الناس.
[ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف اوقعه في نوع من الأمن لمكر الله، إما في نفسه وإما في الناس] (^٢) .
والرجاء في (^٣) رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه؛ كما قال تعالى: " أنا عند حسن ظن عبدي بي. فليظن بي خيرًا " (^٤) .
وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعدْيه.
فإن الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب.
وعند الحنفية: يُغلب الشاب الرجاء، والشيخ الخوف.
(ويُكرهُ الأنين) على أصح الروايتين؛ لأنه يترجم عن الشكوى المنهى عنها. مالم يغلبه.
ويستحب للمريض الصبر على المرض والرضاء بقضاء الله سبحأنه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦ ا]، ولقوله تعالى:
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٨٦) ٤: ٢٠٦٧ كتاب الذكر والدعاء والتوبه والاستغفار، باب من أحب الله أحب الله لقاءه. . . () في او ج زيادة: زيادة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في او ج: بحسب
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٠٥٩) ٣: ٤٩١ ولفظه: " أنا عند ظن عبدي بي. فليظن بي ما شاء "
[ ٣ / ١٠ ]
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
واعلم أن الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها. فإنها (^١) ليست من كسبه، وإنما يثاب على كسبه، والصبر من كسبه، والرضى بالقضاء فوق الصبر، فأنه يوجب رضى الله سبحأنه وتعالى. وإن أخبر بما يجده على وجه الشكوى لربه الذي ابتلاه لا لأحد من خلقه لم يكن ذلك مذمومًا اتفاقًا، ولا منافيًا للصبر. بل هو مطلوب شرعًا.
ومنه قول أيوب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقال ابن عيينة: أن الشكوى للخلق مع الرضى بقضاء الله تعالى لا بأس بها. واحتج لذلك بقول النبي ﷺ في مرضه لجبريل ﵇: " أجدنىِ مغمومًا، أجدنى مكروبًا ".
ومنه قول موسى لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. فهذه الآية تدل على إباحة إظهار
مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب. ولا يكون مثل ذلك من الشكوى المذمومة إذا كان راضيًا بقضاء الله تعالى. وهذا هو اللائق بحال موسى ﵇.
(و) يكره أيضًا (تمني الموت) نزل به ضر أو لم ينزل على الصحيح. ويحمل قوله ﷺ فيما رواه الشيخان: " لا يتمنى أحدكم الموت من ضُرٍ أصابَه. فإن كان لابُدَّ فأعلا فليقل: اللهم لِلَّهِ أَحْيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي " (^٢): على الغالب من أحوال الناس. ويستثنى من ذلك حالتان لا يكره تمني الموت فيهما:
_________________
(١) في ج: لأنها.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٤٧) ٥: ٢١٤٦ كتاب المرضى، باب نهي تم المريض الموت. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٨.) ٤: ٢. ٦٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب تمنى كراهة الموت لضر نزل به.
[ ٣ / ١١ ]
الأولى: عند مخافة الفتنة في دينه؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مالك: " وإذا أردتَ بعبادك فتنة فاقْبِضْني إليك غير مَفْتُون (^١) .
الحالة الثانية: تمني الشهادة لا سيما عند حضور أسبابها فتستحب؛ لما روي في الصحيح: " من تمنى الشهادة خالصًا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء " (^٢) .
(و) يكره أيضًا (قطعُ الباسور) وهو داء معروف. (ومع خوفِ تلف بقطعه يحرم) قطعه؛ لما في ذلك من التعريض إلى أهلاك نفسه. (و) مع خوف التلف (بتركه) أي: بعدم قطعه (يباح) قطعه.
(ولا يجب التداو ي) من المرض (ولو ظُن نفعُه). لكن يجوز اتفاقًا، ولا ينافى التوكل. فإن الله سبحأنه وتعالى خلق الداء والدواء. [أخرج أبو داود عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: " إن الله أنزل الداء والدواء " (^٣)، وجعل لكل داء دواء. فتداووا ولا تتداووا بالحرام " (^٤) .
(وتركُه) أي: ترك التداوي (أفضل) من فعله. نص عليه؛ لأنه أقرب إلى التوكل.
وقيل: فعله أفضل.
وقيل: بل يجب؛ لظاهر الأمر.
(ويحرم) التداوي (بمحرم) من مأكول وغيره، حتى ولو بصوت آلة لهو؛ لعموم قوله ﷺ: " ولا تتداووا بالحرام " (^٥) .
ونقل الجماعة عن أحمد: تحريم التداوي بألبان الأُتن والترياق والخمر.
وجوّز في " الأيضًاح " التداوي بالترياق.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " (٤.) ١: ١٩. كتاب القرآن، باب العمل في الدعاء
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩. ٩) ٣: ١٥١٧ كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أبوداود فى " سننه " (٣٨٧٤) ٤: ٧ كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة.
(٥) سبق تخريجه قريبًا.
[ ٣ / ١٢ ]
وقيد التحريم في " البُلغة " بالأكل والشرب. فخرج الادهان ونحوه.
ويجوز ببول إبل في المنصوص، وكذا بول كل ما أُكل لحمه.
وفي الأصح: وكل ما فيه سمية من النبات، إن كان الغالب مع استعماله السلامة.
(ويباح كَتبُ قرآن) بإناء، (و) كتب (ذكر بإناء لحاملٍ لعسر الولادة، ومريض، ويُسقَيأنه) أي: الحامل والمريض. نص عليه؛ لقول ابن عباس.
(وإذا نزل به) أي: نزل الملك بالمريض لقبض (^١) روحه: (سن تعاهد) أرفق أهل المريض به وأتقاهم لربه: (بلُ حلقه) أي: حلق المريض (بماء اوشراب)، وتعاهد أيضًا (تنديَةِ شفتيه بقطنة)؛ لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة.
(و) سن أيضًا (تلقينُه) أي: تلقين المريض المنزول به قول: (لا إله إلا الله)؛ لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " (^٢) .
وأُطلق على المحتضر اسم الميت باعتبار ما هو واقع لا محالة.
وعن معاذ مرفوعًا: " من كان اخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " (^٣) . رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
واقتصر عليها؛ لأن إقراره بها إقرار بالأخرى.
قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال كما ذكر جماعة من الحنفية والشافعية: يلقن الشهادتين؛ لأن الثانية تبع. فلهذا اقتصر في الخبر على الأولى.
ويلقن (مرة). نقله مهنا وأبو طالب وفاقًا للأئمة الثلاثة، واختارالأكثر ثلاثًا. (ولم يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم) بعد الثلاث (فيُعيدُه) أي: يعيد
_________________
(١) في ج: لقلب
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩١٦) ٢: ٦٣١ كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى: لا إله إلا الله.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٨٦ ٢) ٥: ٢٣٣. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٨٤٢) ١: ٦٧٨ كتاب الدعاء والتكيبر والتهليل والتسبيح والذكر.
[ ٣ / ١٣ ]
التلقين (برفق).
وذكر أبو المعًالي: يكره التلقين من الورثة بلا عذر.
(و) سن أيضًا (قراءة الفاتحة، و) قراءة [(يس) عنده] أي: عند من نزل به. وهو المحتضر. نص عليهما؛ لقوله ﷺ: " اقراوا على موتاكم يس " (^١) . رواه أبو داود وصححه ابن حبان.
ولأحمد: " يس قلب القرآن. لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفرله. واقرؤوها على موتاكم " (^٢) .
ولأن قراءة ذلك يسهل خروج الروح.
وفي " المستوعب ": ويقرأ (تبارك) أيضًا.
(و) سن أيضًا (توجيههُ إلى القبلة على جنبه الأيمن)؛ لما روي " أن حذيفة أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه ".
وأخرج الحاكم والبيهقي من حديث أبي قتادة " أن النبي ﷺ قدم المدينة فسأل عن البراء بن معرور فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك، وأن يوجه إلى القبلة لما احتُضر، فقال ﷺ: أصاب الفطرة. وقد رددت ثلثه على ولده. ثم ذهب وصلى عليه " (^٣) . وصححه الحاكم. وقال: لا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره.
ولما روي: " أن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت لأم رافع: استقبلي بي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٢١) ٣: ١٩١ كتاب الجنائز، باب القراءة عند الميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٤٨) ١: ٤٦٦ كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٧٨٩ ١) طبعة إحياء التراث. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢٩٩١) ٥: ٣. كلهم من حديث معقل بن يسار ﵁.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٣٠١) ٥: ٢٦ من حديث معقل بن يسار ﵁.
(٣) أخرجه البيهقى في "السنن الكبرى " ٣: ٣٨٤ كتاب الجنائز، باب ما يستحب من توجيهه نحو القبلة. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٣٠٥) ١: ٥٠٥ كتاب الجنائز، وقال الذهبي في " التلخيص ": صحيح.
[ ٣ / ١٤ ]
القبلة. ثم قامت واغتسلت أحسن ما تغتسل، ولبست ثيابًا جددًا وقالت: إنى الآن مقبوضة، ثم استقبلت القبلة متوسدة يمينها " (^١) .
وهذا (مع سعة المكان، وإلا) أي: وإن لم يمكن توجيهه لضيق المكان (فعلى ظهره) أي: فيُلقى على قفاه وأخمصاه إلى القبلة؛ كالموضوع على المغتسَل. زاد جماعة: ويرفع رأسه قليلاُ؛ ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء.
(وينبغي) للمريض (إن يشتغلَ بنفسه) بًان يستحضر في نفسه: أنه حقيرمن مخلوقات الله تعالى، وأن الله سبحأنه وتعالى غني عن عباداته وطاعاته (^٢)، وأنه لا يُطلب الإحسان والعفو [إلا منه] (^٣)، وأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وأن يُكثر ما دام حاضر الذهن: من قراءة القرآن، وشكر الله سبحأنه وتعالى بقلبه ولسأنه، وأن يبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها، برد المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله من والد وزوجة وأولاد وغلمان وجيران وأصحاب (^٤)، وكل من كان بينه وبينه معًاملة أو تعلق في شيء، ويحافظ على (^٥) الصلوات واجتناب النجاسات، ويصبرعلى مشقة ذلك، ويحذر نفسه من التسأهل في ذلك. فإن من أقبح الأمور: أن يكون اخر عمره وخروجه من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة مفرطًا فيما وجب عليه أو ندب إليه، ولا يقبل قول من يخذله عن ذلك، بل يجتهد في ختم عمره بأًكمل الأحوال، وأن يتعاهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته؛ لحديب خبيب " أنه لما أراد كفار قريش قتله استعار موسى فاستحد بها " (^٦) .
(و) أن (يعتمد على الله تعالى فيمن يُحب) من بنيه وغيرهم، (ويوصي)
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٦٥٣) ٦: ٤٦٢.
(٢) في ج: وطاعته.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: وأ صحابه.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٨٠) ٣: ١١٠٨ كتاب الجهاد، باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأًسر، ومن ركع ركعتين عند القتل. ()
[ ٣ / ١٥ ]
؟
على غير البالغ الرشيد من أولاده (للأرجح في نظره) من قريب وأجنبي؛ لأن ذلك هي المصلحة المرئية في حق الموصى (^١) عليه. (فإذا مات: سن تغميضُه)؛ " لأنه ﷺ أغمض أبا سلمة وقال: أن الملائكة يؤّمنون على ما تقولون " (^٢) . رواه مسلم.
وعن شداد مرفوعًا: " إذا احتضر الميت فأغمضوا البصر. فإن البصر يتبع الروح (^٣) . وقولوا خيرًا. فأنه يؤمن على ما قال " (^٤) . رواه أحمد.
ولئلا يقبح منظره ويساء به الظن.
(ويُباح) تغميضُه (من محرَم ذكر أو) محرم (أُنثى. ويكره) تغميضه (من حائض و) من (جنب، أو أن يَقْرُباه) أي: يكره أن يقرب الميت جنب أو حائض.
(و) سن عند تغميضه (قول: بسم الله وعلى وفاة رسول الله). نص عليه؛ لما رواه البيهقي عن بكر بن عبد الله المزنى. ولفظه: " وعلى ملة رسول الله " (^٥) .
(و) سن أيضًا (شَدُّ لَحْيَيْه) بعصابة أو نحوها تأخذ جمع لََحييه. ويربطها فوق رأسه؛ لئلا يبقى فمه مفتوحًا فتدخله الهوام ويتشوه خَلْقه.
(و) سن أيضًا (تليينُ مفاصله) بأن يرد ذراعيه إلى عضديه ثم يردهما، ويرد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدهما. والمعني في التليين: سهولة الغسل. فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيها حرارة، فإن لينت المفاصل في تلك الحال، وإلا فلا يمكن تليينها بعد ذلك. ومن ثم سن فعل ذلك عقب الموت قبل قسوة الأعضاء ببرودة الميت.
(و) سن أيضًا (خلعُ ثيابه، وسترُه بثوب).
أما خلع ثيابه؛ فلئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير، وربما خرج
_________________
(١) في أ: الوصي.
(٢) () أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩١٩) ٢: ٦٣٣ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض والميت
(٣) في ج زيادة: أي لينظر أين تذهب.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧١٧٦) ٤: ١٢٥
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٨٥ كتاب الجنائز، باب ما يستحب من إغماض عينيه إذا مات.
[ ٣ / ١٦ ]
منه شيء فلوثها.
وأما ستره بثوب؛ فلما روت عائشة " أن النبي ﷺ حين توفي سجي بثوب حبرة وهو البرد " (^١)؛ لأن في ذلك احترامًا للميت، وصيانة له عن الهوام. وينبغي أن يُجعل أحد طرفيه تحت رأسه والآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف. (و) سن أيضًا (وضع حديدة)؛ كمرآة وسيف وسكين؛ لما روي " أنه مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس. فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدًا " (^٢) . أخرجه البيهقي.
(أو نحوها) أي: ونحو الحديدة من شيء ثقيل؛ كقطعة طين رطب (على بطنه)؛ لئلا تنتفخ بطنه فيقبح منظره. حكى ابن المنذر أن ذلك من السنة. وحكي عن بعض أهل العلم: أنه قدر زنة الموضوع بعشرين درهما، أو ما قارب ذلك. ويصان عنه المصحف إحترامًا له، وكذا كتب الفقه والحديث والعلم النافع. (و) سن أيضًا (وضعُه على سرير غُسله)؛ لأنه يبعد بذلك عن الهوام، ويرتفع عن نداو ة الأرض. حال كونه (متوجهًا) إلى القبلة (منحدرًا نحو رجليه) أي: بأن يكون رأسه أعلا من رجليه؛ لينصَب عنه ماء الغسل وما يخرج منه.
(و) سن أيضًا (إسراعُ تجهيزِه)؛ لقوله ﷺ: " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " (^٣) رواه أبو داود.
ولأنه أصون له وأحفظ من التغيْر.
ومحل ذلك: (إن مات غير فجأة). فإن مات فجأة أو شك فى موته، انتظر به حتى يعلم موت (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٧٧) ٥: ٢١٨٩ كتاب اللباس، باب البرود والحبرة والشملة ٠ وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤٢) ٢: ٦٥١ كتاب الجنائز، باب تسجية الميت ٠
(٢) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣: ٣٨٥ كتاب الجنائز، باب ما يستحب من وضع شيء على بطنه ٠٠٠
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٥٩) ٣: ٢٠٠ كتاب الجنائز، باب التعجيل بالجنازة وكراهية حبسها ٠
(٤) فى أوج زيادة: قال أحمد: من غدوة الى الليل. وقال القاضى: يترك يومين أو ثلاثة ما لم يخف فساده. أهـ. وسوف ياتى ذكرها بعد قليل عند قوله: وينتظر بمن مات فجأة
[ ٣ / ١٧ ]
(و) سن أيضًا إسراع (تفريق وصيته)؛ لما في ذلك من تعجيل الأجر.
(ويجب) الإسراع (في قضاء دينه) أي: ما على الميت من الدين. واقتضى ذلك تقديم الواجب الذي هو قضاء الدين على تفريق الوصية؛ لقول علي رضي لله عنه: " قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية " (^١) .
وإنما قدمت في القرآن بالذكر (^٢)؛ لأن في إخراجها مشقة على الوارث فقدمت حثا على إخراجها.
قال الزمخشري: ولذلك جيء بكلمة " أو " للتسوية أي: فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع لواحد منهما.
(ولا بأس ان يُنتظر به) أي: بالميت (من يحضُره من ولي أو غيره إن قرُب) المنتظر، (ولم يُخشَ عليه) أي: على الميت، (أو يَشُقُ) الانتظار (على الحاضرين). نص عليه.
(ويُنتظرُ بمن مات فجأة، أو شُك في موته حتى يُعلم) موته.
[قال أحمد: من غدوة إلى الليل.
وقال القاضي: يترك يومين أو ثلاثة ما لم يُخف فساده] (^٣) .
ويتيقن موته (بانخساف صُدغَيٍِِْه، وميلِِِِ أنفه. ويُعلمُ موتُ غيرهما) أي: غيرمن مات فجأًة أو شك في موته (بذلك) أي: بانخساف صدغيه وميل أنفه، (وبغيره؛ كانفصال كفيه) بأن ينخلعا عن ذراعيه؛ لأنه تسترخي عصبة اليد فتبقى كأنه امنفصلة في جلدها عن عظمة الزند، (واسترخاء رجليه) لأنه يحصل لهما ما يحصل لكفيه. فيرتخيان؛ كإمتداد جلدة وجهه، وتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة.
ويكره ترك الميت ليلاُ في بيت وحده (^٤)، بل يبيت معه أهله. قاله الآجري.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٠ ٩١) ١: ١٣١
(٢) وذلك قوله تعالى (مِنْ د ٠÷ èt/ ٧ p٩ د١ ur سإ"q م' بِهَا أَوْ Aû ّ ïy`): النساء ١١.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: واحدة.
[ ٣ / ١٨ ]
قال النخعي: كانوا لا يَدَعونه في بيت وحده يقولون: يتلاعب به الشيطان.
ولا يستحب النعي وهو الأعلا م بموته، خلافًا لمالك بل يكره. نص عليه خلافًا لأبي حنيفة. ونقل صالح: لا يعجبني.
وعنه: يكره إعلام غير قريب أو صديق. ونقل حنبل: أوجار. وعنه: أو أهل دين.
قال في " الفروع ": ويتوجه استحبابه، ولعله (^١) المراد " لى " إعلامه ﵊ أصحابه بالنجاشي " (^٢)، وقوله ﵊ عن الذي. يقم المسجد أي: يكنسه: " أفلا كنتم آذنتموني " (^٣) أي: أعلمتمونى.
ولا يلزم أعلا م قريب.
(ولا بأس بتقبيله والنظر إليه) أي: أن يقبل من يباح تقبيله للحى بعد موته
وان ينظرإليه، (ولو بعد تكفينه). نص عليه، لما روت عائشة قالت: " رأيت رسول الله ﷺ يقبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل " (^٤) .
ولما روى جابر قال: " لما قتل ابي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي.
والنبي ﷺ لا ينهانى " (^٥) .
قال في " شرح المقنع ": والحديثان صحيحان.
* * *
_________________
(١) في ج: وأ هله.
(٢) سيأ تى تخريجه ص (٦٦) رقم (٢ - ٤)
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٤٦) ١: ١٧٥ أبواب المساجد، باب كنس المسجد. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٦) ٢: ٦٥٩ كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر.
(٤) أخرجه أبو داود في " سنته " (٣١٦٣) ٣: ١ ٠ ٢ كتاب الجنائز، باب في تقبيل الميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٥٦) ١: ٤٦٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١: ٠ ٤٢ كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه.
[ ٣ / ١٩ ]
[فصل: في غسل الميت]
(فصل. وغُسله مرة) واحدة، (أو يُيَمَّمُ لعذر: فرض كفاية) إجماعًا عل كل من عرف به وأمكنه، لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه " (^١) . متفق عليه من حديث ابن عباس.
وهذا أمر. والأمر للوجوب.
فإن تركه أهل قرية عالمين به أثموا جمعًا. ولو لم يعلم به إلا واحد تعين عليه القيام به (^٢) . وهو من حقوق الله تعالى الواجبة للإنسان المسلم بعد موته، حتى لو وصى بإسقاطه مسلم لم يسقط.
وأما كون تيممه عند تعذر غسله فرض كفاية " فلأن غسل الميت طهارة بدني تجب بالماء مع وجوده. فوجب أن ينوب عنها التيمم عند عدمه " كطهارة الحي. وكذا إذا تعذر غسله للخوف عليه من التقطع والتهري بالغسل " كالمحترق والمسموم، قياسا على الحي إذا كان به قروح لا يستطيع معها الغسل.
قال في " التنقيح ": وغسله فرض كفاية. ويتعين مع جنابة أو حيض ويسقطان به. انتهى.
فإن حملنا ذلك على أنه يتعين غسله على كل من علم به لم يصح هذا الحمل؛ لسقوط فرض الغسل بفعل واحد منهم. وإن حملناه على أن الغسل تعين على الميت قبل موته ثم مات وهو في ذمته، وأن الذي يتولى غسله يقوم مقامه في ذلك، ويكون ثوابه كثوابه فصحيح. ولهذا قلت:
(وينتقل إلى ثواب فرض عين، مع) وجوب غسل (جنابة أو حيض) على
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه " (١٧٥٣) ٢: ٦٥٦ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا وأخرجه مسلم في (صحيحه " (١٢. ٦) ٢: ٨٦٦ كتاب الحج، باب ما يفعل يالمحرم إذا مات.
(٢) في ج: له.
[ ٣ / ٢٠ ]
الميت، (ويسقطان) أي: غسل الجنابة والحيض (به) أي: بغسل الميت. ويستثنى من كون غسل الميت أو تيممه فرض كفاية ما أشير إليه بقوله:
(سوى شهيد معركة). وهذا قول عامة أهل العلم، إلا ما يروى عن ابن المسيب والحسن أنهما قالا: يغسل، لأن كل ميت جنب.
وشهيد المعركة من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال. فلو مات لا بسبب من أسباب القتال في المعركة لم يثبت له هذا الحكم؛ لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ آل عمران: ١٦٩ [والحي: لا يغسل.
ولما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في شهداء أحد: " أنه أمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم " (^١) . ولا يقال إن ذلك خاص بهم؛ لأننا نقول: أن النبي ﷺ علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء. فروى جابر أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد: " لا تغسلوهم. فإن كل جرج، أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة. ولم يصل عليهم " (^٢) . رواه أحمد.
وعن عبدالله بن ثعلبة قال: قال النبي ﷺ: " زَمِّلُوهُم بدمائهم. فأنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ في الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك " (^٣) . رواه النسائي.
وهذه العلة توجد في غيرهم بدليل ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
" والذي نفسي بيده، لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٨ ١) ١: ٤ ٥ ٤ كتاب الجنائز، باب اللحد والشق في القبر.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٢٠٨) ٣: ٢٩٩.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٢ ٠٠ ٢) ٤: ٧٨ كتاب الجنائز، مواراة الشهيد في دمه.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٦٤٩) ٣:. ٣٢ ٠ ١ كتاب الجهاد، باب من يجرج في سبيل الله ﷿. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٧٦) ٣: ٤٩٦ ١ كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
[ ٣ / ٢١ ]
؟
وسمي شهيدًا، لأنه حي.
وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة.
وقيل: لأن الملائكة تشهده.
وقيل: لقيامه بشهادة الحق حتى قتل.
وقيل: لأنه يشهد ما أعد له من الكرامة بالقتل.
وقيل: لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل، كما شهد غيره بالقول.
وقيل: لسقوطه بالأرض، وهي الشاهدة.
وقيل: لأنه شهد له بوجوب الجنة.
وقيل: من اجل شاهده، وهو دمه.
وقيل: لأن عليه شاهدا بكونه شهيدًا.
وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل.
(و) سوى (مقتول ظلمًا)، كمن قتله اللصوص، أو أريد منه الكفر فقتل دونه، أو أريد على ماله أو نفسه أو حرمته فقاتل دون ذلك فقتل في أصح الروايتين في المقتول ظلما، لما روى سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "] (^١) من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، و[من فتل دون أهله فهو شهيد " (^٢) . رواه أبو داود والترمذي وصححه.
ولأنهم مقتولون بغير حق. أشبهوا قتلى الكفار. فلا يُغَسّلون.
(ولو) كان شهيد المعركة والمقتول ظلمًا (أُنَثيَيْن، أو) كانا (غير
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبوداود في " سننه " (٤٧٧٢) ٤: ٤٦ ٢ كتاب السنة، باب في قتال اللصوص. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٢١) ٤: ٣٠ كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد.
[ ٣ / ٢٢ ]
؟
مكلفَين) كما لو كانا صغيرين، لأن عمومات الأخبار تقتضي أن جراحة الشهيد تأتي يوم القيامة ريحها ريح المسك. فينبغي ألا تزال على الصغير كما لا تزال عن البالغ.
ولأن أحمد نص على أن (^١) الصبي إذا استشهد حكمه حكم البالغ. وبهذا قال مالك والشافعي وأبويوسف ومحمد.
(فـ) على المذهب: (يكره) غسل شهيد المعركة والمقتول ظلما.
وقيل: يحرم.
(ويغسلان) أي: شهيد المعركة والمقتول ظلما وجوبًا على الأصح (مع وجوب غسل عليهما قبل موت بجنابة، أو حيض، أو نفاس، أو إسلام)، لأنه غسل واجب لغير الموت. فلم يسقط بالموت، كغسل النجاسة. فوجب أن يغسلا (كغيرهما) ممن لم يمت شهيدا.
(وشُرط) بالبناء للمفعول لصحة الغسل: (طَهوريةُ ماء) " كسائر الطهارات (وإباحته) أي: إباحة الماء، كباقي الأغسال، (وإسلام غاسل) [في أصح الوجهين، لأن غسل الميت عبادة، والكافر ليس من أهلها. والمراد: (غير نائب عن مسلم نواه). فلو خص المسلم غسل الميت وباشره الكافر بأمر المسلم مع حضور المسلم صح غسله] (^٢) في أصح الوجهين " كمحدث نوى رفع حدثه وأمر كافرًا بغسل أعضائه.
ولا يشترط في الغاسل ولا الغاسلة الطهارة. فيصح من كل (^٣) منهما الغسل، (ولو) كان الغاسل أو الغاسلة (جنبًا، أو) كانت الغاسلة (حائضًا)، لأن كلًا منهما يصح منه الغسل لنفسه فكذا لغيره.
(وعقله ولو مميزًا) يعني: أنه يشترط في الغاسل العقل لا البلوغ لصحة غسل المميز لنفسه.
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) ساقط من أ
(٣) ساقط من أ
[ ٣ / ٢٣ ]
(والأفضل) أن يختار لتغسيل الميت (ثقة عارف بأحكام الغسل). ونقل حنبل: لا ينبغي إلا ذلك، واو جبه أبو المعالي.
(والأولى به) أي: بغسل الميت (وصيه العدل) " لأنه حق للميت. فقدم فيه وصيه على غيره.
و" لأن) (^١) أبو بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء " (^٢) .
و" أوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ".
(فأبوه) يعني: أن الأولى بغسل الميت بعد وصيه العدل أبوه؛ لاختصاصه بالحنو والشفقة.
ولأنه مقدم على الابن في ولاية النكاج فكذلك في الصلاة.
(وإن علا) يعني: أن الأولى بغسل الميت بعد أبيه أبو أبيه. فإن عدم فأبوه
وإن علا " لمشاركة الجد الأب في المعنى.
وعنه: يقدم الابن على الجد.
(ثم الأقرب فالأقرب من عصباته نسبا) أي: من النسب. فيقدم الابن ثم
ابنه وإن نزل، ثم الأخ من الأبوين ثم من الأب على ترتيب الميراث.
(ثم نعمة) يعني: أن الأحق بغسله بعد عصباته من النسب الأقرب فالأقرب
من جهة معتقه. فيقدم معتقه ثم ابنه وإن نزل، ثم أبوه وإن علا على ترتيب الميراث.
(ثم ذَوو أرحامه) أي: أرحام الميت، (كميراث الأحرار في الجمع)
أي: في العصبات من النسب والعصبات (^٣) من جهة النعمة.
(ثم) بعد من تقدم يلي غسله (الأجانب.
_________________
(١) في ج: وكان.
(٢) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٣: ٣٩٧ كتاب الجنائز، باب غسل المرأة زوجها. وأخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١٠٩٦٩) ٢: ٤٥٥ كتاب الجنائز، في المرأة تغسل زوجها ألها ذلك.
(٣) في أ: العصابة من النسب والعصابه.
[ ٣ / ٢٤ ]
و) الأولى (بـ) غسل (أُنثى وصيتُها) كما قلنا في الرجل. (فأمها وإن علت) يعني: ثم أم أمها، ثم أم أم امها. فإن لم يكن لها امهات (فبنتها وإن نزلت) يعني: ثم بنت بنتها، ثم بنت بنت بنتها، (ثم) إن لم يكن لها بنات فالأولى بغسلها من أقاربها (القربى فالقربى؛ كميراث. وعمة وخالة) لها سواء في القرابة (^١)، (أو بنتا أخ وأخت سواء) في القرابة (^٢) والمحرمية. أشبهتا العمتين والخالتين.
(وحكم تقديمهن كرجال) يعني: أنه يقدم منهن من يقدم من الرجال لو كن رجالًا.
(وأجنبي وأجنبية أولى من زوجة وزوج) يعني: إذا مات رجل وعنده أجنبي وزوجته فالأجنبي أولى بغسله من زوجته، وإذا ماتت امرأة وعندها أجنبية وزوجها فالأجنبية أولى بغسلها من زوجها.
(وزوج وزوجة أولى من سيد وام ولد) يعني: أنه إذا ماتت امرأة رقيقة ليس عندها إلا زوجها وسيدها فزوجها أولى بغسلها من سيدها، وإذا مات رجل وليس عنده إلا زوجته وام ولده فزوجته أولى بغسله من أم ولده.
أما كون الأجنبي والأجنبية أولى من الزوجة والزوج؛ فللخروج من الخلاف في تغسيل أحد الزوجين الآخر.
وأما كون الزوج أولى بالأمة من السيد؛ فلإباحة استمتاعه بها إلى حين موتها. بخلاف السيد.
وأما كون الزوجة أولى من أم ولد الزوج؛ فلباقي علق الزوجية من الإعتداد والإحداد. بخلاف أم الولد.
وعلم مما تقدم أنه يجوز أن يغسل كل من الزوجين الآخر وهو أصح الروايتين؛ لقول عائشة: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت. ما غسَل
_________________
(١) في ج: القربة.
(٢) مثل السابق.
[ ٣ / ٢٥ ]
؟
رسول الله ﷺ إلا نساؤه " (^١) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
و" أوصى أبو بكر الصديق زوجته أسماء أن تغسله. فغسلته " (^٢) .
و" غسل أبو موسى زوجته أم عبدالله " (^٣) . ذكرهما أحمد وابن المنذر.
و" اوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته " (^٤) .
و" اوصى عبدالرحمن بن الأسود امرأته أن تغسله " (^٥) . رواهما سعيد في " سننه ".
وعلى المذهب: لها تغسيله ولو كانت غير مدخول بها، أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا، أو انقضت عدتها بوضع عقب موته ما لم تتزوح. فلو وضعت عقب موته وتزوجت في الحال لم يجز أن تغسله، لأنها بالتزوج صارت صالحة بأن تغسل الثانى لو مات.
ولأنها لا يجوز أن تكون غاسلة لزوجين في وقت واحد.
وحيث جوزنا ان يغسل أحد الزوجين الآخر جاز أن يَنظُرَ كل (^٦) منهما إلى غير العورة من الآخر. ذكره الجماعة.
_________________
(١) () أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٤١) ٣: ١٩٦ كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٦٤) ١: ٠ ٤٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأه زوجها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٣٤٩) ٦: ٢٦٧ قال السدي: والحديث قد رواه أبو داود، ومع ذلك ذكره صاحب " الزوائد " أيضًا فقال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات؛ لأن محمد بن اسحاق هان كان مدلسًا. لكن قد جاء عنه التصريح بالتحديث في رواية الحاكم وغيره.
(٢) () سبق تخريجه ص (٢٤) رقم (٢).
(٣) أخرج ابن أبي شيبه في " مصنفه " عن إبراهيم بن مهاجر " أن أبا موسى غسلته امرأته ") ٩٧٦ ٠ ١) ٢: ٤٥٦ كتاب الجنائز، في المراة تغسل زوجها ألها ذلك.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٩٧ كتاب الجنائز، باب غسل المرأة زوجها. وأخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (٩٧١ ٠ ١) ٢: ٤٥٥ كتاب الجنائز، في المرأة تغسل زوجها ألها ذلك.
(٥) أخرجه البيهقى في الموضع السابق.
(٦) في أوج: كلًا.
[ ٣ / ٢٦ ]
قال في " الفروع ": وفاقًا لجمهور العلماء، وجوزه في " الانتصار " وغيره
بلا لذه واللمس والخلوة. ويتوجه: أنه ظاهر كلام أحمد، وظاهر كلام ابن شهاب. واختلف كلام القاضي في نظر الفرج، فتارة أجازه بلا لذة وتارة منع. (ولسيد غُسل امته) القن والمدبرة ولو كانتا مزوجتين، (وام ولده، ومكاتبته مطلقًا) أي: سواء شرط وطأها في عقد الكتابة أم لم يشترطه؛ لأنه يلزمه كفنها ومُؤْنة تجهيزها ودفنها.
(ولها تغسيله إن شرط وطأها)؛ لإباحتها له. لا إن لم يشترطه؛ لحرمتها عليه من قبل الموت.
(وليس لآثم) اسم فاعل من الإثم (بقتلٍ حقٌ في غُسل مقتول) ولو كان أبًا اوابنا للمقتول.
قال في " الفروع ": قال أبو المعًالي: والقاتل لا حق له في المقتول إن لم يرثه؛ لمبالغته في قطيعة الرحم. ولم أجد ذكره غيره، ولا يتجه (^١) في قتل. لا يأثم به. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ولا) أي: وليس الرجل غسل ابنة سبع) أي: سبع سن ين فأكثر في أصح الروايات؛ لأنها مأمورة بالصلاة، ولعورتها حكم. بخلاف من لم يتم لها سبع سن ين.
(ولا امراة) أي: وليس لامرأة (غسل ابن سبع) أي: سبع سن ين فأكثر؛ لما قلنا في ابنة سبع.
(ولهما) أي: وللرجل والمرأة (غسل من دون ذلك) أي: من لم يبلغ سبع سن ين من الذكور والإناث. نص على ذلك واختاره الأكثر؛ لأنه لا حكم لعورته بدليل " أن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء ".
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المرأة تغسل الصبي الصغير. فتغسله مجردًا من غير سترة، وتمس عورته وتنظر إليها.
_________________
(١) في ج: يتوجه.
[ ٣ / ٢٧ ]
ولأنه لا يؤمر بالصلاة، ولا يخيّر بين أبويه في الحضانة؛ لأنه طفل. بخلاف ابن سبع فإنه مميز.
(وإن مات رجل بين نساء لا يباح لهن غُسله) بأن لم يكنّ زوجاته ولا إماءه،
(أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوجها ولا سيدها، (أو) ماتت (خنثى مشكل) تم (^١) له سبع سن ين فأكثر (لم تحضُره امةٌ له) أي: للخنثى: (يُمْم) كل من الثلاثة المذكورين على الأصح؛ لما روى تمام في " فوائده " عن واثلة أن النبي ﷺ قال: " إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تُيمم كما يتيمم الرجال " (^٢) .
ولأنه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظيف ولا إزالة النجاسة، بل ربما كثرت.
(وحرم) أن يُيمم (بدون حائل على غير محرَم). فيلف غير المحرم على
يده خرقه عليها تراب فييممه بها؛ لئلا يمسه.
(ورجل) في التيمم (أولى بخنثى) من الأُنثى إذا مات الخنثى بين رجال ونساء.
قال في " شرح الهداية ": وظاهر كلام أحمد: أن مباشرة الرجال أولى؛ لأن الصنفين قد اشتركا في احتمال المحذور. وامتاز الرجل بفضيلة الذكورية. لكن إذا ماتت المرأة مع الرجال فيهم صبي لا شهوة له علموه الغسل وباشره. نص عليه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. وكذا الرجل يموت مع نسوة فيهن صغيرة تطيق الغسل.
قال في " شرح الهداية ": ولا أعلم في ذلك خلافًا.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٩٨ كتاب الجنائز، باب المرأة تموت مع الرجال ليس معهم امرأة، عن مكحول مرسلًا. وذكره المتقي الهندي فى كنز العمال (٤٢٢٣٢) ٥ ١: ٥٧٤ الباب الثانى في أمور قبل الدفن، الفصل الثانى في الغسل.
[ ٣ / ٢٨ ]
؟
(و) إذا ماتت جماعة دفعة بهدم أو حريق أو نحوهما فإنه (تُسن بُداءةً بـ) غسل (^١) (من يخاف عليه) بتأخيره (ثم بأبٍ، ثم بأقرب، ثم أفضل، ثم أسن، ثم قرعة) يعني: أنه يقرع بينهم مع التساوي فيما تقدم.
(ولا يغسّلُ مسلم كافرًا) سواء كان قريبًا أو أجنبيًا في أصح الروايتين؛ للنهي عن موالاة الكافر، وهو عام.
ولأن فيه تعظيمًا وتطهيرًا له. فلم يجز؛ كالصلاة عليه.
وما ذكر من الغسل في قصة أبي طالب فليس بثابت، ولذلك قال ابن المنذر: وليس في غسل المشرك سنة تتبع، وذكر حديث علي بالمواراة فقط. (ولا يكفْنه ولا يصلي عليه).
أما تكفينه فإنه تَوَلُّ. وقد قال سبحأنه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣].
أما الصلاة عليهم فهي شفاعة للميت، والكافر ليس من أهلها.
(ولا يَتْبَعُ جنازته)؛ لأن في ذلك تعظيمًا له.
[ولا يدفنه] (^٢) (بل يوارَى لعدم) أي: عدم من يواريه من الكفار، اقتداء برسول الله ﷺ في حق كفار أهل بدر حيث واراهم في القليب) (^٣) .
ولا فرق في ذلك بين الذمي والحربي والمرتد والمستأمن؛ لأن قي تركه تسبيًا إلى المثلة به، وهي ممنوعة في حقه. بدليل عمومات النهي عنها.
(وكذا كلُُّ صاحب بدعةٍ مكفُرة) يعني: أن حكم صاحب البدعة المكفرة
_________________
(١) في أ: تجهيز وغسل.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٨) ١: ١٩٤ أبواب سترة المصلى، باب المرأة تطوح عن المصلى شيئًا مئ الأذى. وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (١٧٩٤) ٣: ١٤١٨ كناب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين.
[ ٣ / ٢٩ ]
حكم الكافر الأصلي فيما تقدم.
(وإذا أخَذ) أي: شرع الغاسل (في غُسله سترَ عورتَه) أي: عورة الميت (وجوبًا) وهي: ما بين سرته وركبته، لقوله ﷺ لعلي: " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " (^١) . أخرجه أبو داود.
وهذا في ميت تم له سبع سنين. أما من دون سبع، فلا بأس بغسله مجردًا ومس عورته.
(وسُن تجريده) نص على ذلك في رواية الأثرم، لأن ذلك أمكن) (^٢) في تغسيله، وأبلغ في تطهيره، وأشبه بغسل الحي، وأصون له من التنجيس. إذ يحتمل خروجها منه، ولفعل الصحابة بدليل أنهم قال وا: " لا ندري لِلَّهِ أنجرد النبي ﷺ كما نجرد موتانا أو لا؟ " (^٣) .
(إلا النبي ﷺ) فإنهم " لما اختلفوا هل يجردونه أو لا؛ أوقع الله تعالى عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنُه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه.
فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه (^٤) بالقميص دون أيديهم " (^٥) . رواه أحمد وأبو داود.
ولأن فضلاته كلَّها طاهرةٌ. فلم يخش تنجيس قميصه.
(و) يسن أيضًا (ستره عن العيون تحت ستر) في خيمة أو بيت إن أمكن،
لأنه أستر له، وأمنع من التطلع) (^٦) عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤. ١٥) ٤: ٤. كتاب الحمام، باب النهى عن التعري.
(٢) في ج: أبلغ.
(٣) هو جزء من الحديث الاتي وسيأتي تخريجه.
(٤) في ج: ويدلكون.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٤١) ٣: ١٩٦ كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٣٤٩) ٦: ٢٦٧.
(٦) في ج: التطليع.
[ ٣ / ٣٠ ]
ولئلا يستقبل السماء بعورته، لأنها (^١) قد تبدو.
ولما روى أبو داود بإسناده " ان الضحاك أوصى أخاه سالمًا بأنه إذا غسله: أن يجعل حوله سترًا، وان يجعل بينه وبين السماء سترًا ".
و" كان ابن سيرين يستحب ان يكون البيت الذي يُغَسْل فيه الميت مظلمًا ". ذكره أحمد.
(وكُره حضورُ غير مُعين في غسله)، لأنه ربما كان في الميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته، وربما حدث منه عيب من شيء يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر فيه شيء هو في الظاهر منكر (^٢) فيتحدث به فيكون فضيحة، والحاجة غير داعية إلى حضوره. بخلاف من يعين الغاسل بصب ماء ونحوه.
(و) كره أيضًا (تغطيةُ وجهه).
قال في " الفروع ": ولا يغطْى وجهه. نقله الجماعة وفاقًا للأئمة الثلاثة. انتهى.
وقال أبو بكر: يسن.
والأول المذهب، لقول الصحابة: " ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا، أم نغسله في ثيابه؟ " (^٣)
وهذا ظاهر في كشف الوجه على كلا التقديرين.
(ثم) أول ما يبدأ به أنه (يَرفعُ رأس غير) أُنثى (حامل إلى قرب جلوسه)
بحيب يكون كالمحتضن في صدر غيره، (ويَعصرُ بطنه برفق) ليخرج ما هو للخروج، لئلا يخرج بعد الأخذ في الغسل. فتعظم النجاسة وتنتشر، (ويكون ثَم) بفتح المثلثة أي: بمكان يشم منه رائحة ما يخرج (بخُور) " لئلا يتًاذى
_________________
(١) في أ: ولأنها.
(٢) ساقط من أ.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٠) رقم (٥).
[ ٣ / ٣١ ]
؟
برائحة الخارج، (ويُكثرُ صبّ الماء حينئذ) أي: حين أن يخرج ما في بطنه
بالعصر؛ ليدفع الماء ما يخرج بالعصر.
وأما كون الحامل لا يعصر بطنها؛ فلئلا يتأذى الولد بالعصر.
ولما روت أم سليم قالت: قال رسول الله ﷺ " إذا توفيت (^١) المرأة فًارادوا
غسلها فليبدأ ببطنها، فلتمسح مسحًا رفيقًا إن لم تكن حبلى، وإن كانت حبلى
فلا تحركها " (^٢) . رواه الخلال.
(ثم يَلُف) الغاسل (على يده خِرقة فيُنجِّّيه) أي: يمسح مخرجه (بها)
أي: بالخرقة.
(ويجب غَسل نجاسة به) أي: بالميت؛ لأن المقصود بالغسل تطهيره
حسسب الإمكان.
(و) يجب (إن لا يمسَّ عورة من بلغ سبع سنين)؛ لأن التطهير يمكن بدون ذلك. فًا شبه حال الحياة.
وروي " أن علي بن ابي طالب حين غسل النبي ﷺ لفَّ على يده خرقة حين غسل فرجه ". ذكره المروذي عن أحمد.
ولأن اللمس أعظم من النظر. وهو محرم.
(وسن أن لا يمسَّ) الغاسل (سائره) أي: باقي بدن الميت (إلا بخرقة)؛ لفعل علي مع النبي ﷺ. فحينئذ يُعِدّ الغاسل خرقتين أحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية بدنه.
(ثم ينوي) الغاسل (غُسله) أي: غسل الميت؛ لأن غسله طهارة تعبدية. فاشترطت له النية؛ كغسل الجنابة.
وعنه: لا؛ لأن القصد التنظيف. أشبه غسل النجاسة.
(ويسمي) وجوبًا، وتسقط مع السهو؛ كغسل الجنابة.
_________________
(١) في ج: توفت.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٤ كتاب الجنائز، باب في غسل المرأة.
[ ٣ / ٣٢ ]
(وسُن أن يُدخلَ) الغاسل (إبهامَه وسبَّابته- عليهما خرقةٌ مبلولة بماء- بين شفتيه) أي: شفتي الميت (فيمسح) بها (^١) (أسنانه، و) يدخلهما أيضًا (في مَنْخِريه فينظفَهما). نص على ذلك. وعلى كون ذلك بعد أن يغسل الغاسل كفي الميت؛ لأن غسل ذلك تعذر؛ لما يخشى من تحريك النجاسة بدخول الماء إلى جوفه وقد أمكن المسح الذي يؤمن معه ذلك وهو بعض الغسل، وقد قال ﷺ: " إذا أمَرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^٢) .
(ثم يوضئه) وضوءه للصلاة؛ لما روت أم عطية أن النبي ﷺ قال في غسل ابنته: " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " (^٣) . رواه الجماعة.
ولأن البداءة بالوضوء تسن لغسل الجنابة. فكذلك غسل الميت.
(ولا يُدخل ماء في أنفه ولا فمه)؛ لما تقدم من خشية تحريك النجاسة.
(ثم يَضربُ سِدْرًا أو نحوه)؛ كخطمي (فيغسل برغوته رأسه ولحيته فقط) على الأشهر؛ لأن الرأس أشرف الأعضاء.
ولهذا جعل كشفه شعار الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة.
ولأن الرغوة تزيل الدرن ولا تتعلق بالشعر. فناسب أن تغسل بها اللحية؛
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسن ن رسول الله ﷺ. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦١٩) ٥: ١١٠ كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحح. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢) ١: ٣ المقدمة، باب اتباع سنة رسول الها ﷺ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٤٩٢) ٢: ٢٥٨.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٩٧ ١) ١: ٤٢٣ كتاب الجنائز، باب يبدأ بميامن الميت. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٩) ٢: ٦٤٨ كتاب الجنائز، باب في غسل الميت. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٤٥) ٣: ١٩٧ كماب الجنائز، باب كيف غسل الميت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٩٠) ٣: ٣١٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت. وأخرجه النسائي في " سننه ") ١٨٨٤) ٤: ٣٠ كتاب الجنائز، ميامن الميت ومواضع الوضوء منه. وأخرجه ابن ماجه في " سننه ") ١٤٥٩) ١: ٤٦٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ٢٧٣٤١) ٦: ٤٠٨.
[ ٣ / ٣٣ ]
لتزول الرغوة بمجرد جري الماء عليها. بخلاف تفل السدر.
(ثم يغسلُ شقَّه الأيمن ثم) شقه (الأيسر)؛ لقوله ﷺ: " ابدأن بميامنها " (^١) .
ولأن التيامن مسن ون في غسل الحي. فكذا في غسل الميت.
(ثم يُفيضُ الماء على جمع بدنه)؛ ليعمه بالغسل، (ويُثَلْثُ ذلك) يعني: أنه يكرر ذلك ثلاث مرات. (إلا الوصوء) فأنه يفعله مرة واحدة (يُمِرُّ في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه) أي: على بطن الميت برفق؛ لأن في ذلك إخراجًا لما تخلف، وأمنًا من فساد الغسل بما يخرج منه بعد.
(فإن لم يَنْقَ بثلاث) أي: بالغسلات الثلاث، (زاد) غسلة ثم أخرى (حتى ينقى ولو جاو ز السبع) مرات.
(وكُره اقتصار في غسل على مرة) واحدة (إن لم يخرج) منه (شئ)، وأما إن خرج منه شيء فأنه يحرم الاقتصار ما دام يخرج شيء على ما دون السبع مرات. (ولا يجب الفعل) أي: مباشرة الغسل.
(فلو تُرك) الميت (تحت مِيزابٍ ونحوه) أي: محل ينصب منه الماء، (وحضر من) أي: إنسان (يصلح لغسله) أي: يصلح (^٢) منه أن يغسل الميت (ونوى) غسل الميت، (ومضى زمن يمكن غسله فيه) أي: في ذلك الزمن (كفّى) ذلك وسقط به فرض الغسل.
(وسن قطع) أي: قطع عدد الغسلات (على وتر)؛ لقول النبي ﷺ في حديث أم عطيه في غسل ابنته: " اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن " (^٣) . متفق عليه.
(و) سن (جعلُ كافورٍ وسدرٍ في الغسلة الأخيرة). نص عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) في ا: يصح.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠٤) ١: ٤٢٥ كتاب الجنائز، باب) يلقي شعر المرأة خلفها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٩) ٢: ٣ ٦٤٨ كتاب الجنائز، باب فى غسل الميت.
[ ٣ / ٣٤ ]
قال في " الفروع ": ونقله الجماعة وعليه العمل. ذكره الخلال. انتهى. والحكمة في جعل الكافور في ماء الغسل: أنه يصلب الجسد ويبرده ويطيبه، ويطرد عنه الهوام برائحته.
ومحل جعل الكافور في غسل الميت: أن لم يكن محرما؛ لأنه من الطيب. اما إن كان محرما فأنه يجنبه؛ كالحي.
(و) سن (خِضابُ شعره) بحناء (وقصُ شارب غير محرِِم، وتقليم أظفاره إن طالا) أي: الشارب والأظفار، (واخذ شعر إبطيه) في المنصوص؛ لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو. أشبه إزالة الاوساخ والأدران. ويعضد ذلك العمومات في سن ن الفطرة.
(وجعلُه) أي: جعل المًا خوذ من شاربه وإبطه واظفاره (معه كعضو ساقط)؛ لما روى أحمد في " مسائل صالح " عن أم عطية قالت: " يغسل رأس الميتة. فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها ".
ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي. ففي حق الميت أولى.
(وحرم حلق رأس) في الأصح وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ لأن ذلك إنما يكون لزينة أو نسك، والميت لا نسك عليه (^١) ولا يزين.
(و) حرم أيضًا (اخذ) شعر (عانة)؛ لما فيه من لمس عورته، وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم. فلا يرتكب من أجل مندوب؛ (كخَتْن) أي: كما يحرم ختن الميت الأغلف بغير نزاع في المذهب؛ لأنه قطع لبعض عضو من الميت.
ولأن التعبد بذلك قد زال.
ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة وقد زال ذلك بموته.
(وكُره ماء حار) في غسل الميت؛ لأنه يرخي الجسد فيسرع إليه الفساد.
_________________
(١) في أ: فيه.
[ ٣ / ٣٥ ]
بخلاف البارد فأنه يصلبه ويبعده عن الفساد.
(و) كره أيضًا (خِلال واُشنان إن لم يحتج إليه) أي: إلى الماء الحار لشده البرد، وإلى الخلال بًان يكون بين أسن أنه شئ يحتاج إلى إخراجه به، وإلى الأُثشان بأن يكون على الميت وسخ كثير يحتاج إلى إخراجه به، وإلا فيكون من العبث المستغنى عنه.
(و) كره أيضًا (تسريحُ شعره) أي: شعر الرأس واللحية. نص على ذلك؛ لما في ذلك من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه.
ولما روي عن عائشة " أنه امرت بقوم يسرحون شعر ميت فنهتهم عن ذلك وقالت: علام (^١) تنصُون ميتكم " (^٢) .
واستحبه ابن حامد إذا كان خفيفًا.
(وسن ان يظَفَّّر شعر أُنثى ثلاثة قرون، وسدلُه) أي: إلقاؤه (وراءها). نص عليه؛ لقول أم عطية: " فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها " (^٣) . رواه البخاري.
وقال ى أبو بكر: أمامها.
(و) سن أيضًا (تنشيفٌ) لأثر ماء الغسل بثوب؛ لأنه هكذا فُعل بالنبي ﷺ (^٤) . ولئلأ يبتلّ كفنه فيفسد به.
(ثم إن خرج) من الميت (شيء بعد سبع) أي: سبع غسلات (حُشيَ) محل (^٥) الخارج (بقطن)؛ ليمنع الخارج كالمستحاضة. (فإن لم يستمسك)
_________________
(١) في ج: علم.
(٢) أخرجه أبو عبيد في " الغريب " ٢: ٣٥٢. وأخرجه عبدالرزاق في " مصنفه ") ٦٢٣٢) ٣: ٤٣٧ كتاب الجنائز، باب شعر الميت وأظفاره. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٩٠ كتاب الجنائز، باب المريض يأخذ من أظفاره وعانته. أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٣) ١: ٧٤ كتاب الطهاره، باب ما جاء في التمندل بعد الضوء.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠٤) ١: ٤٢٥ كتاب الجنائز، باب يلقي شعر المرأة خلفها.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠٤) ١: ٤٢٥ كتاب الجنائز، باب يلقي شعر المرأة خلفها.
(٥) في ج: مع.
[ ٣ / ٣٦ ]
الخارج بعد حشى محله (فـ إنه يحشى (بطين حُرّ) أي: خالص؛ لأن فيه قوة تمنع الخارج، (ثم يغسل المحل) الذي تنجس بخروج النجاسة،) ويوضَّا) الميت وجوبًا؛ كالجنب إذا أحدث بعد غسله؛ لتكون طهارته كاملة.
وعنه: لا يجب الوضوء.
(وإن خرج) منه شيء، قليل أو كثير (بعد تكفينه لم يُعْد الغسل)؛ لما في ذلك من المشقة بالاحتياج إلى إخراجه من الكفن، وإعادة غسله، وتطهير أكفأنه، وتجفيفها أو إبدالها، ثم لا يؤمن أن يخرج شيء بعد ذلك.
(ولا بأس بغسله) أي: غسل الميت (في حمام). نص عليه في رواية مهنا.
(ولا) بأس (بمخاطبة غاسل له) أي: للميت) حال غسله بـ: " انقلب يرحمك الله " ونحوه)، فقد قال الفضل بن عباس (^١) وهو محتضن للنبي (^٢) ﷺ: " أرحني فقد قطعت وتيني، إنى أجد شيئًا يتنزل عليَّ ".
و" قال على ﵇ لما لم يجد من النبي ﷺ ما يجده من سائر الموتى، يا رسول الله لِلَّهِ طبت حيًا وميتًا " (^٣) .
(ومُحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي) فيما يُمنع منه المحرم الحى: (يُغَسّل بماء وسدر) بلا كافور، (ولا يقربُ طيبًا) مطلقًا،) ولا يُلبسُ ذكرٌ المخيط) من قميص ولا غيره،) ولا يُغطَّى رأسُه) أي: رأس الذكر المحرم، (ولا) يُغطّى (وجهُ أُنثى) محرمة.
ولا يؤخذ شيء من شعره ولا أظفاره؛ لما فى " الصحيحين " من حديث ابن عباس: " أن النبي ﷺ قال في محرم مات: غسلوه بماء وسدر وكفنوه في
_________________
(١) في الأصول: عياض. وهو تصحيف.
(٢) في أ: وهو محتضر أن النبي.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٦٧ ١) ١: ٤٧١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل النبي ﷺ. قال في " الزوائد ": هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات. لأن فيه يحى بن خذام ذكره ابن حبان في الثقا ت، وصفوان بن عيسى احتج به مسلم. والباقي مشهورون.
[ ٣ / ٣٧ ]
ثوبيه، ولا تحنّطوه، ولا تخّمروا رأسه. فأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا " (^١) .
(ولا تُمنعُ معتَدةٌ) ميتة (من طيب)؛ لأن الأحدًاد يسقط بموتها.
(وتُزالُ اللصوق) وهي: الجبائر المانعة من إيصال الماء إلى الجسد (للغُسل الواجب) إن لم يسقط من جسد الميت شيء بإزالتها، (وإن سقط منه شيء) بإزالتها (بقيت، ومسح عليها)؛ كجبيرة حي.
(ويُزال خاتم ونحوه)؛ كخلخال وحلقة (^٢) (ولو ببرده) بالمبرد؛ لأن في تركه معه إضاعة للمال من غير غرض صحيح.
(لا أنف من ذهب) فأنه لا يزال؛ لما في إزالته من المثلة. (ويحطُّ ثمنه إن لم يؤخذ) يعني: بأن لم يكن بائعه أخذه من الميت. فأنه يحط (من تركة) خلفها الميت.
(فإن عُدمت) التركة بأن لم يكن الميت خلف شيئًا: (أُخذ) أي: أخذ (^٣) الأنفَ الذهب صاحبه (إذا بليّ الميت)؛ لأنه لا مانع له من أخذه حين ذلك.
(ويجب بقاء دم شهيد عليه)؛ " لأن النبي ﷺ أمر بدفن الشهداء بدمائهم " (^٤) . (إلا ان تخالطه نجاسة: فيغُسلا) على المذهب.
وقيل: لا؛ حذرا من إزالة أثر العبادة. ووجه ذلك: أن دفع المفاسد وهو غسل النجاسة أولى من جلب المصالح وهو إبقاء أثر العبادة. (و) يجب (دفنُه) أي: دفن الشهيد (في ثيابه التي قُتل فيها، بعد نزع لأمةِ حرب ونحو فروٍ وخف). نص على ذلك؛ لما روى ابن عباس " أن رسول الله ﷺ امر بقتلى أحد ان ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم " (^٥) . رواه أبو داود وابن ماجه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢.) رقم (١).
(٢) في أ: ونحوه.
(٣) () في ج: (أخذه). وسقط من ألفظي: أي أخذ.
(٤) سبق تخريجه ص (٢١) رقم (١).
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٣٤) ٣: ١٩٥ كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل.
[ ٣ / ٣٨ ]
وقيل: يجوز أن يكفن في غير ثيابه التي قتل فيها، لما روي " أن صفية أرسلت إلى النبى ﷺ ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر (^١) رجلًا اخر " (^٢) . رواه يعقوب بن شيبة. وقال: هو صالح الإسن اد. وأجيب عن ذلك بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت لما أخذت هند بنت عتبة كبده ولاكتها، أو أن الثوب ضم إلى ما كان عليه.
(وإن سقط) من حضر صف القتال (من شاهق أو دابة لا بفعل العدو، أو مات برفسةٍ أو حَتْفَ أنفِه، أو وُجد ميتًا ولا أثرَ به، أو عاد سهمُه عليه، أو حُمِل فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس أو طال بقاؤه عُرفًا: فـ) أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه (كغيره).
أما من مات بغير فعل العدو كمن سقط من شاهق، أو سقط من دابة، أو تردى من جبل، أو مات برفسة، أو حتف أنفه- يعني: كأنه سقط لأنفه فمات-، أو وجد ميتًا وليس به أثر بحال موته عليه، أوعاد سهمه أو سيفه عليه فإن المذهب: أن يغسل ويصلى عليه نصًا، فلأنه لم يمت بفعل العدو مباشرة ولا سبب. أشبه ما لو مات بمرض. ولأن الأصل وجوب الغسل والصلاة. فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه. وأما من فعل به العدو شيئًا وحمل بعده فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس أو طال بقاؤه عرفًا فإن المذهب: أن يغسل ويصلى عليه؛ لأن ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة، والأصل وجوب الغسل والصلاة.
(وسقْطٌ لأربعة أشهر) فًا كثر؛ (كمولود حيًا) يعني: أنه يغسل ويصلى عليه. نص على ذلك، لما روى المغيرة أن النبي ﷺ قال: " والسقط يصلى
_________________
(١) = أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥١٥) ١: ٤٨٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم. () في ج: الآخر ى.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦١٩٤) ٣: ٤٢٧ كتاب الجنائز، باب الكفن
[ ٣ / ٣٩ ]
عليه " (^١) . رواه أبو داود والترمذي.
وفي رواية الترمذي: " والطفل يصلى عليه " (^٢) . وقال: هذا حديث حسن صحيح. ذكره أحمد واحتج به.
(ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة). قاله القاضي وغيره.
ويستحب ظن الخير بالأخ المسلم. وقال: ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبة. وفي " نهاية المبتدئين ": حسن الظن بأهل الدين حسن.
وذكر المهدوي والقرطبي عن أكثر العلماء: أنه يحرم ظن السوء بمن ظاهره الخير، وأنه لا حرج بظن السوء لمن ظاهره الشر. وأما ما روي من حديث أبي هريره مرفوعًا: " أياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " (^٣)، فهو محمول والله أعلم على الظن المجرد الذي لم تعضده قرينة تدل على صدقه.
(ويجب على طبيب ونحوه)؛ كجرائحي (إن لا يحدّث بعيب) في بدن من يطبه.
(و) يجب (على غاسل سترُ شر)؛ لما في الخبر مرفوعًا: " ليغسل موتاكم المأمونون " (^٤) . رواه ابن ماجه.
وعن عائشة مرفوعًا: " من غسل ميتًا وأدى فيه الأمانة ولم يفش عيبه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (^٥) . رواه أحمد من رواية جابر الجعفي.
و(لا) يجب عليه (إظهارخير) في الميت؛ ليترحم عليه.
قال في " الفروع ": وقال جماعة: إلا على مشتهر بفجور أو بدعة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٨٠) ٣: ٢٠٥ كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٣١) ٣: ٣٤٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٤٥) ٦: ٢٤٧٤ كتاب الفرائض، باب تعليم الفرائض. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩١٧) ٤: ٢٨٠ كتاب الأدب، باب في الظن
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٦١) ١: ٤٦٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت. من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٩٥٤) ٦: ١٢٢.
[ ٣ / ٤٠ ]
فيستحب ظهور شره وستر خيره.
ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء. ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي صص ص. ذكره الأصحاب.
وقال شيخنا: أو اتفقت الأمة على الثناء أو الإساءة عليه، ولعل مراده الأكثر، وأنه الأكثر ديانة. وظاهر كلامه: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم، وإلا لم تكن علامة مستقلة. انتهى.
ومن جُهل إسلامه ووجد عليه علامة المسلمين وجب غسله والصلاة عليه،
ولو كان أقلف بدارنا لا بدار حرب ولا علامة. نص على ذلك، ونقل علي بن سعيد: يستدل بثياب وختان.
وعنه: أن لم يُدر صُلّيَ عليه لا يضره، ودفن معنا. وجزم به ابن عقيل في كتابه " المنثور فيمن بين دارنا ودار الحرب.
* * *
[ ٣ / ٤١ ]
؟
[فصل: في الكفن]
(فصل) في الكلام على الكفن.
(وتكفينُه) أي: تكفين الميت (فرض كفاية) على كل من علم به.
(ويجب لحق الله) سبحأنه و(تعالى. وحقه) أي: حق الميت (ثوب) واحد (لا يصف البشرة، يستر جمعه) أي: جمع الميت، (من ملبوس مثله) أي: مثل الميت. (ما لم يوص) الميت (بدونه) أي: دون ملبوس مثله.
(ويكره) أن يكفن في (أعلا) من ملبوس مثله.
(و) يجب أيضًا (مُؤْنة تجهيز بمعروف. ولا بأس بمسك فيه). نص عليه (من رأس ماله) يعني: أن الكفن ومُؤْنة التجهيز يجبان من رأس مال الميت. فيخرج من المال (مقدَّّمًا حتى على دين برهن، وأرش جناية ونحوهما)؛ لأن سترته واجبة في الحياة وكذلك بعد الموت.
ولأن حمزة ومصعبًا رضي الله تعالى عنهما لم يوجد لكل واحد منهما إلا ثوب فكفن فيه.
ولأن لباس المفلس مقدم على قضاء دينه فكذلك كفن الميت. ولا ينتقل إلى الورثة من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية. وهذا قول أكثر أهل العلم في الكفن.
وأما مُؤْنة تجهيزه ودفنه وما لا بد للميت منه؛ فقيس على الكفن.
وأما من أخرج فوق العادة فأكثر الطيب والحوائج، وأعطى المقربين بين يدي الجنازة، وأعطى الحَمالين والحفّارين زيادة على العادة على طريق المروءة لا بقدر الواجب فمتبرع. فإن كان من التركة فمن نصيبه. قاله في " الفصول ".
وأما كون الكفن يكره ان يكون أعلا من ملبوس مثله؛ فلما روى أبو داود بإسناد جيد عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: " لا تغالوا في الكفن. فإنه
[ ٣ / ٤٢ ]
؟
يسلبه سلبًا سريعًا " (^١) .
(فإن عدم) مال الميت بأن لم يخلّف تركة، أو تلفت قبل أن يجهز (فـ) الكفن ومُؤْنة تجهيزه (عمن تلزمه نفقته) أي: الذي يلزمه أن ينفق على الميت حال حياته؛ لأن ذلك يلزمه حال الحياة. فكذلك بعد الموت.
(إلا الزوج) فأنه لا يلزمه كفن امرأته ولا مُؤْنة تجهيزها. نص عليه.
وقيل: بلى. وحكي رواية؛ كسيد العبد.
ووجه المذهب: أن النفقة والكسوة وجبت في النكاج للتمكين من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت. فأشبهت الأجنبية. وفارقت العبد فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته.
فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقتها من أقاربها لو لم تكن مزوَجة.
(ثم) إن لم يكن للميت مال ولا أقارب تلزمهم نفقته. فأنه يجب أن يخرج كفنه ومُؤْنة تجهيزه (من بيت المال إن كان) الميت (مسلمًا). بخلاف الكافر ولو كانوا ذميين؛ لأن الذمة إنما أوجبت ان تعصمهم فلا نؤذيهم، أما إيجاب إرفاقهم فلا.
(ثم) إن لم يكن بيت مال، أو كان وتعذر إخراج ذلك منه فكفنه ومُؤْنة تجهيزه (على مسلم عالم به) أي: بالميت؛ كنفقة الحي وكسوته.
(وإن تبرع به بعض الورثة لم يلزم بقيتهم قبولُه)؛ لما في ذلك من المنة عليهم [وعلى الميت، وكذلك إن تبرع أجنبي بتكفين فأبى الورثة أو بعضهم] (^٢) .
(لكن ليس لهم) أي: لبقية الورثة (سلبُه) أي: سلب الكفن الذي تبرع به بعضهم (منه) أي: من الميت (بعد دفنه)، لأنه ليس في تبقيته (^٣) إسقاط حق لأحد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٥٤) ٣: ١٩٩ كتاب الجنائز، باب كراهية المغالاة في الكفن.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: بقيته.
[ ٣ / ٤٣ ]
(ومن نُبِش وسُرق كفنُه كفّن من تركته) في المنصوص (ثانيًا وثالثًا ولو قسمت) كما لو قسمت قبل تكفينه الأول. فأنه يؤخذ للكفن من كل وارث بنسبة حصته من التركة. (ما لم تُصرف) التركة (في دين أو وصية). ثم إن تبرع به أحد من الورثه أو غيرهم، وإلا ترك بحاله.
(وإن أكل) الميت بأن أكله سبع (ونحوه وبقي كفنه)؛ كما لو بلي دون كفنه (فما من ماله) أي: فالكفن الذي من مال الميت (تركة) يقسم بين ورثته على قدر انصابهم.
(وما تبرع به) يعني: إذا تبرع إنسان بكفن الميت ثم عدم الميت وبقي الكفن (فـ) هو (لمتبرع)؛ لأن تكفينه أياه ليس تمليك بل إباحه. بخلاف ما لو وهبه للورثة اولًا فكفنوه به ثم وجدوه. فأنه يكون لهم.
(وما فضل مما جُبِيَ) أي: من مال جبي لأجل كفن بعد صرف ما احتيج إليه (فلربه) إن عُلم ربّ الفاضل؛ لأنه دفعه ظنًا أنه محتاج فتبين أنه مستغن عنه فيرد إليه.
(فإن جهل) ربه بًان خلط ما جيء ولم يعلم رب الفاضل (فـ) أنه يصرف (في كفن اخر) إن أمكن. (فإن تعذر تصدق به).
قال في " الفروع ": وأطلق بعضهم أنه يصرف في التكفين مطلقًا. نص عليه.
وفي " المنتخب ": كزكاة في رقاب أو غرم. انتهى.
(ولا يُجْبَى كفن لعدم إن سُتر) أي: أن أمكن ستر الميت (بحشيش). ذكره في " الفنون " خلافًا لأبي حنيفة.
(وسن تكفين رجل في ثلاث لفائف بيضٍ من قطن)؛ لما روت عائشة قالت: " كُفّن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحُولية، جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجًا " (^١) . متفق عليه.
زاد مسلم في رواية: " وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٢١) ١: ٤٦٧ كتاب الجنائز، باب موت يوم الاثنين.
[ ٣ / ٤٤ ]
فيها. فتركت الحلة، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحُولية " (^١) .
قال أحمد رضي الله تعالى عنه: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة؛ لأنها أعلم من غيرها.
وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي ﷺ روايات (^٢) مختلفة، وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم (^٣) . انتهى كلام الترمذي.
(وكره) تكفين الرجل (في أكثر) من ثلاثة أثواب في أصح الوجهين؛ لما في ذلك من وضع المال في غير وجهه.
(و) كره (تعميمُه) أي: تعميم الميت.
قال في " تصحيح الفروع " بعد أن ذكر الخلاف: أن القول بالكراهة هو الصواب.
ثم إذا شرع في التكفين فأنه (تُبسطُ) اللفائف الثلاث (على بعضها) بأن تبسط واحدة، ثم أخرى فوقها، ثم أخرى فوقها؛ ليوضع الميت عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله ووضعه على واحدة بعد واحدة. (بغد تبخيرها) بعود أو نحوه، بعد رشها بماء الورد؛ لتعلق رائحة البخور بها. ومحل ذلك: حيث لم يكن الميت محرمًا.
(وتُجعل) اللفافة (الظاهرة) وهي السفلى من الثلاث المبسوطات (أحسنها)؛ لأن عادة الحي أن يجعل الظاهر من ثيابه أفخرها. فكذا الميت.
(و) يجعل (الحنوط وهو: أخلاط من طيب).
قال الأزهري: يدخل في الحنوط الكافور وذريرة القصب والصندل (^٤) الأحمر والأبيض. انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤١) ٢: ٦٤٩ كتاب الجنائز، باب في كفن الميت.
(٢) في ج: روايتان.
(٣) ر. " جامع الترمذي " ٣: ٣٢٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في كفن النبي ﷺ.
(٤) في ج: الصندالي.
[ ٣ / ٤٥ ]
؟
ولا يقال حنوط في غير طيب الميت.
(فيما بينها) يعني: أنه يذر بين الثلاث لفائف.
(ثم يوضع) الميت (عليها) أي: على اللفائف الثلاث المبسوطة (مستلقيا) (^١)، لأنه أمكن لادراجه.
(ويُحطُّ من قطن محنط) أي: فيه حنوط (بين إليتيه) أي: إليتي الميت، (وتشد فوقه) أي: فوق القطن المحنط (خرفة مشقوقة الطرف كالتُبَّان) وهو السرًاويل بلا أكمام، (تجمع إليتيه ومثانته) أي: مثانة الميت " ليكون ذلك مردًا لما يخرج، ومخفيًا لما يظهر من الروائح.
(ويجعل الباقي) أي: باقي القطن الذي جعل فيه الحنوط (على منافذ وجهه)، كعينيه وفمه وأنفه، ويلحق بذلك أذناه.
(و) يجعل منه أيضًا على (مواضع سجوده) وهي ركبتاه ويداه وجبهته وأطراف قدميه تشريفا لها؛ [لكونها مختصة] (^٢) بالسجود، وكذا مغابنه " كطي ركبتيه وتحت إبطيه، وكذا سرته؛ " لأن ابن عمر كان يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك " (^٣) .
(وإن طُيب كلّه) أي: كل الميت فحسن؛ " لأن أنسًا رضي الله تعالى عنه طلي بالمسك " (^٤) .
و" طلى ابن عمر ميتًا بالمسك " (^٥) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦١٤١) ٣: ٤١٤ كتاب الجنائز، باب الحناط
(٤) أخرج ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٠٣١) ٢: ٤٦٠ عن عبدالله بن مبارك عن حميد عن أنس " أنه جعل في حنوطه صرة من مسك أو مسك فيه شعر من شعر رسول الله ﷺ " كتاب الجنائز، في المسك في الحنوط من رخص فيه.
(٥) أخرجه ابن أبي شييه فى " مصنفه " (١١٠٣٨) ٢: ٤٦١ الموضع السابق. وأخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦١٤٠) الموضع السابق.
[ ٣ / ٤٦ ]
؟
وذكر السامري: أنه يستحب تطييب جمع بدنه بالصندل والكافور؛ لدفع الهوام.
(وكره) أن يطيب (داخل عينيه) في المنصو ص؛ لأنه يفسدهما.
(كـ) ما يكره أن يطيب (بوَرْس وزعفران).
قال أبو المعًالي: لأنه لم تجر العادة بالتطييب به، وإنما يستعمل في غذاء أو زينة.
(و) كره أيضًا (طليُه) أي: طلي الميت (بما يمسكه كصبِر) بكسر الموحدة ولا تسكن إلا في ضرورة الشعر (ما لم ينقل) أي: ما لم تدع الحاجة إلى نقل الميت من مكان إلى اخر. فيباح للحاجة.
(ثم يُردُ طرف) اللفافة (العليا من الجانب الأيسر) أي: جانب الميت الأيسر (على شقه الأيمن، ثم) يرد (طرفُها) أي: طرف اللفافة (الأيمن على) شق الميت (الأيسر، ثم الثانية) كذلك، (ثم الثالثة كذلك). فيدرجه فيها إدراجًا.
(ويُجعل أكثر الفاضل) عن الميت من اللفائف (مما عند رأسه)؛ لأن الرأس أحق بالستر من الرجلين؛ لشرفه. فكان الاحتياط بستره بتكثير ما عنده أولى.
(ثم يَعقدُها) لئلا ينتشر. (وتحل) العقد (في القبر)؛ لأن الميت إذا وضع في القبر أمن انتشاره.
قال ابن مسعود: " إذا أدخلتم الميت اللحد فحلوا العقد " (^١) . رواه الأثرم.
قال أبو المعًالي وغيره: فإن نسي الملحد أن يحلها نبش ولو كان بعد تسوية التراب عليه وحُلّت، لأن حلها سنة.
(وكره تخريقُها) أي: تخريق اللفائف؛ لما في ذلك من إفساد الكفن
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن مسعود. وقد أخرج ابن أبي شيبه في " مصنفه " عن إبراهيم قال: " إذا أدخل الميت القبر حل عنه العقد كلها " (١١٦٦٩) ٣: ١٧ كتاب الجنائز، ما قال وا في حل العقد عن الميت.
[ ٣ / ٤٧ ]
؟
وتقبيحه مع الأمر بتحسينه.
وجوزه أبو المعًالي خوف نبشه.
وقال أبو الوفاء: ولو خيف نبشه.
(لا تكفينُه) أي: تكفين الرجل (في قميص ومِئْزَر ولِفافة) فإن ذلك لايكره في أصح الوجهين؛ " لأن النبي ﷺ ألبس عبدالله بن أبيَ قميصه لما مات " (^١) . رواه البخاري.
وعن عمرو بن العاص: " إن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثه " (^٢) . وهذه عادة الحي.
و" أوصى عبدالله بن المغفل أن يكفن في قميص وبرد حبرة ". قاله ابن المنذر.
والمشروع فيما إذا كفن في قميص ومئزر ولفافة: أن يجعل المئزر مما يلي جسده كما يفعل بالحي، ثم يلبس القميص.
والمشروع: أن يكون كقميص الحي بكمين ودخاريص. نص عليه.
وهل الأفضل أن يزر أو لا يزر؟ فيه روايتان.
ثم تكون اللفافة فوق القميص؛ لتجمع للميت أثوابه.
ولا يحل الإزار في القبر. نص عليه.
ولا يكره تكفين الرجل في ثوبين؛ لقول النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته دابته: " كفنوه في ثوبين " (^٣) . رواه البخاري.
(و) الكفن (الجديد أفضل) من العتيق؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٤٦) ٣: ١٠٩٥ كتاب الجهاد والسير، باب الكسوة للأسارى.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦١٨٨) ٣: ٤٢٦ كتاب الجنائز، باب الكفن. وأخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٠٥٨) ٢: ٤٦٣ كتاب الجنائز، ما قالوا في كم يكفن الميت. كلاهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠٨) ١: ٤٢٦ كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم.
[ ٣ / ٤٨ ]
؟
" أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها " (^١) .
و" لأن النبي ﷺ كفن في ثلاث أثواب بيض جدد " (^٢) .
ولأن الجديد أحسن وليس فيه مغالاة، لأنه من ملبوس الحي المعتاد. فيدخل في ظاهر قوله ﵇: " إذا ولي أحدكم أخاه فليُحسن كفنه " (^٣) .
(وكُره رقيق) أي: أن يكون الكفن رقيقًا (يحكي الهيئة) أي: هيئة البدن من أجل دقته، ولو (^٤) لم يصف البشرة. نص عليه.
(و) كره كون الكفن (من شعر، و) من (صوف)؛ لأنه خلاف فعل السلف.
(و) كره كفن (مزعفَر ومعصفَر) ولو لامرأة؛ لأنه غير لائق بحال الميت.
(وحرُم) التكفين (بجلد)؛ " لأمر النبي ﷺ بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوا في ثيابهم " (^٥) .
(وجاز) تكفين الذكر والأُنثى (في حرير ومُذهَب لضرورة) أي: عند عدمٍ في ثوب واحد يستر جمعه؛ لوجوبه.
ولأن الضرورة تندفع به.
وحَرم تكفينهما عند عدم الضرورة في شيء من ذلك: أما في حق الذكر؛ فظاهر.
وأما في حق الأُنثى؛ فلأنه إنما أُبيح لها ذلك في حال الحياة؛ لأنها محل الزينة والشهوة، وقد زال ذلك بموتها.
_________________
(١) أخرجه أبوداود قي " سننه " (٣١١٤) ٣: ١٩٠ كتاب الجنائز، باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت.
(٢) سبق تخريجه ص (٤٤).
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٩٥) ٣: ٣٢٠ كتاب الجنائز، باب منه. من حديث أبي قتادة ﵁.
(٤) في أ: أي أن يكون رقيقًا (يحكى الهيئة) ولو.
(٥) سبق تخريجه ص (٣٨) رقم (٥).
[ ٣ / ٤٩ ]
؟
وعنه: أن ذلك في حق المرأة يكره ولا يحرم.
وقيل: يباح لها ذلك من غير كراهة.
(ومتى لم يوجد ما يستر) الميت (جمعه ستر عورته) مقدمة على
ما سواها (^١) من جسده.
(ثم) إن وجد ما يستر رأسه ستر (رأسه. و) متى لم يوجد غير ما يستر به عورته ورأسه (جُعل على باقيه) أي: باقي الميت (حشيش أو ورق)؛ لما روي " أن مُصعب قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة. فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه، وإذا وضعت على رجلاه خرج رأسه. فأمر النبي ﷺ أن يغطى رأسه ويجعل على رجليه الإذْخِر " (^٢) . رواه البخاري.
(وسن تغطيةُ نعش) ساتر؛ لأن المبالغة في ستر الميت وصيانته مطلوبة.
(وكره) أن يغطى (بغير أبيض)؛ لما روي " أن البياض من خير الثياب " (^٣) .
(وسن لأتتى وخنثى خمسة أثواب بيض من قطن) تكفن فيها. وهي: (إزار وخمار وقميص ولفافتان).
قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى: أن تكفن المرأة في خمسة أثو اب.
(ولصبي ثوب) واحد.
(ويباح) أن يكفن الصبي (في ثلاثة) من الثياب (ما لم يرثه غير مكلّف من صغير أو مجنون، فلا.
_________________
(١) في أ: سواهما.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٨٣ ٦) ٥: ٢٣٦٩ كتاب الرقاق، باب فضل الفقر.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٠٦١) ٤: ٥١ كتاب اللباس، باب في البياض. وأخرجه ابن ماجه في (سننه " (٣٥٦٦) ٢: ١٨١ ١ كتاب اللباس، باب البياض من الثياب. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٥٧٣) ١: ٢٠٧ كتاب الصلاة، باب في صلاة الجنائز وأحكامها.
[ ٣ / ٥٠ ]
؟
(و) يسن (لصغيرة قميص ولفافتان) نصًا.
قال المروذي: سألت أبا عبدالله في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ قال: في لفافتين وقميص، لا خمار فيه.
و" كَفن ابن سيرين بنتًا له قد أعصرت أو قاربت المحيض في قميص ولفافتين.
وروي " في نقير ولفافتين " (^١) .
قال أحمد: النقير: القميص الذي ليس (^٢) له كمان.
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١١٠٥) ٢: ٤٦٦ كتاب الجنائز، في الجارية في كم تكفن.
(٢) ساقط من ب وج.
[ ٣ / ٥١ ]
؟
(فصل) في الصلاة على الميت
(والصلاة على من) أي: على ميت (قلنا يغسل) أي: يشرع تغسيله (فرض كفاية)؛ لأمر النبي ﷺ بها في غير حديث؛ كقوله ﷺ: " صلوا على أطفالكم فأنهم أفراطكم " (^١)، وقوله في الغالّ: " صلوا على صاحبكم " (^٢)، وقوله " إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه " (^٣)، وقوله ﷺ: " صلوا على من قال: لا إله إلا الله " (^٤) . والأمر للوجوب.
وإنما تجب على العالم بالميت من المسلمين؛ لأن من لم يعلم معذور.
(وتسقط) فرض الصلاة على الميت (بـ) صلاة واحد (^٥) (مكلّف).
سواء كان ذكرًا أو أُنثى أو خنثى؛ لأن الصلاة على الميت فرض تعلق به. فسقط بالواحد؛ كغسله وتكفينه ودفنه.
(وتسن) الصلاة عليه (جماعة) كما كأن النبي ﷺ يفعلها هو وأصحابه. واستمر الناس على ذلك في جمع الأعصار.
(إلا على النبي ﷺ) فأنه م لم يصلوا عليه بإمام احترامًا وتعظيمًا لقدره.
قال ابن عباس: " دخل الناس على النبى ﷺ أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥٠٩) ١: ٤٨٣ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الطفل. من حديث أبي هريرة ﵁. قال في " الزوائد ": في إسناده البختري بن عبيد. قال فيه أبو نعيم الأصبهانى والحاكم والنقاش: روى عن أبيه موضوعات. وضعفه أبو حاتم وابن عدي وابن حبان والدارقطني. وكذبه الأزدي. وقال يعقوب بن شيبه: مجهول.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٢٧١) ٣: ٦٨ كتاب الجهاد، باب قي تعظيم الغلول. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٤٨) ٢: ٩٥٠ كتاب الجهاد، باب الغلول. كلاهما من حديث زيد ابن خالد الجهني ﵁.
(٣) سيأتي تخريجه ص (٦٦) رقم (٤).
(٤) أخرجه الدراقطني في " سننه " (٣) ٢: ٥٦ كتاب العيدين، باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه. من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) في أ: واحدة.
[ ٣ / ٥٢ ]
؟
فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد " (^١) . رواه ابن ماجه.
وفي البزار والطبرانى: " أن ذلك كان بوصية منه ﷺ ".
(و) يسن أيضًا (إن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة)؛ لما روي عن مالك بن " هبيرة: " أنه كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف. ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد اأوجبت " (^٢) . أخرجه جماعة منهم الترمذي وحسنه وقال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم.
قال أحمد: أحب إليّ إذا كان فيهم قلة ان يجعلهم ثلاث (^٣) صفوف. قيل له: فإن كان وراءه أربعة؟ قال: يجعلهم صفين في كل صف رجلين.
وكره أن يقف الرجل فيها صفًا وحده (^٤) . فلو فعل لم تصح صلاته، خلافًا لابن عقيل والقاضي في " التعليق ".
(والأولى بها) أي: بالصلاة على الميت (وصيُّه العدل) لإجماع الصحابة. فأنه م ما زالوا يوصون بذلك ويقدمون الوصي، فـ " أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب " (^٥) .
و" أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد " (^٦) .
؟
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٢٨) ١: ٥٢٠ كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٦٦) ٣: ٠٢ ٢ كتاب الجنائز، باب في الصفوف على الجنازة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٢٨ ١) ٣: ٣٤٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٩٠ ١) ١: ٤٧٨ كتاب الجنائز، باب ماجاء فيمن صلى عليه جماعةمن المسلمين. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٣٤١) ١: ٥١٦ كتاب الجنائز.
(٣) كذا في الأصول.
(٤) في ج: وأحدًا.
(٥) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج عبدالرزاق في " مصنفه " عن معمر عن الزهري قال: " صلى عمر على أبي بكر، وصلى صهيب على عمر " (٦٣٦٤) ٣: ٤٧١ كتاب الجنائز، باب من أحق بالصلاة على الميت.
(٦) () أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٢٩ كتاب الجنائز، باب من قال الوصى بالصلاة عليه أولى إن كان قد أوصى بها إليه.
[ ٣ / ٥٣ ]
و" أوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة ". حكى ذلك كله أحمد.
ولأنه ولاية تستفاد بالنسب. فصح الأيصاء بها " كالمال وتفرقته.
(وتصح الو صية بها) أي: بالصلاة عليه (لاثنين).
قال في " الفروع ": [ووصيته إلى اثنين] (^١): قيل: يصليان معًا، وقيل: منفردين.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: يصليان معًا صلاة واحدة. قدمه في " الرعاية ".
قال: وفيه نظر.
والقول الثاني: يصليان منفردين.
قلت: ويحتمل أن يقرع بينهما إن أوصى إليهما معًا، وأن الوصية إلى الثانى عزل للأول.
ويحتمل أيضًا: بطلان الوصية إذا أوصى إليهما معًا. والله أعلم. انتهى كلامه في " تصحيح الفروع ".
وحيث كان الميت رقيقًا (فسيد) أولى (برقيقه) أي: بأن يصلي عليه من غيره.
(فالسلطان) أي: فالأولى بعد وصي الميت وسيد الرقيق السلطان في أصح الروايتين، لعموم قوله ﷺ: " لا يُؤمُّنَّ الرجلُ في سُلطأنه، ولاْ يجلس على تكْرمَتِه إلا بإذنه " (^٢) . رواه مسلم وغيره.
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٢٩٩) ٢: ٤٨٢ كتاب الجنائز، ما قال وا فيمن أوصى أن يصلي عليه الرجل. () ساقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٧٣) ١: ٤٦٥ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق با لإمامة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٣٥) ١: ٥٨ ٤ أبواب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة.
[ ٣ / ٥٤ ]
؟
وخرج منه الوصي؛ لما تقدم. فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم.
ولأن النبي ﷺ وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى. ولم ينقل عن أحد منهم: أنه استأذن العصبة.
وعن أبي حازم قال: " شهدت حسيناأ حين مات الحسن، وهويدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة وهويقول: لولا السنة ما قدمتك " (^١) .
وهذا يقتضي أنها (^٢) سنة رسول الله ﷺ.
ولأنه اصلاة يسن لها الاجتماع. فإذا حضرها السلطان كان أولى بالتقديم " كالجمع والأعياد.
والمراد بالسلطان الإمام الأعظم بدليل قوله: (فنائبه الأمير) أي: أمير بلد الميت. فإن لم يحضر الأمير (فالحاكم) وهو القاضي.
فإن لم يحضر (فالأولى) بالصلاة من عصبة الميت الأولى (بغسل رجل) فكل من قلنا يقدم بغسله فأنه يقدم بالصلاة عليه، فيقدم أبو الميت وإن علا، ثم الأقرب فالأقرب على الترتيب المتقدم ذكره. (فزوج بعد ذوي الأرحام، ثم) الأولى بالصلاة (مع تساو)؛ كابنين وأخوين وعمين (الأولى بإمامة، ثم) مع تساويهما في كل شيء (يُقَرَع) بينهما.
(ومن قدَّّمه ولي) وكان من قدمه الولي ممن تصح مباشرته للإمامة فهو. بمنزلته، كولأية النكاح.
و(لا) يكون من قدمه (وصي بمنزلته) أي: بمنزلة الوصي؛ لتفويته على الموصي ما أَّمله في الوصي من الخير والديانة. فينتقل الحق إلى من بعد الوصي إن لم يصلّ هو.
_________________
(١) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه ") ٦٣٦٩) ٣: ٤٧١ كتاب الجنائز، باب من أحق بالصلاة على الميت. وأخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٤: ٢٨ كتاب الجنائز، باب من قال: الوالي أحق بالصلاة على الميت من الولى.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ٥٥ ]
(وتباح) الصلاة على الميت (في مسجد إن أُمن تلويثُه) أي: تلويث المسجد بانفجار الميت أو غير ذلك؛ لما روى مسلم " أن سعد بن أبي وقاص لما توفي طلب أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد (^١) ليصلين عليه. ففعلوا ووقفوا على حجرهن به فصلين عليه. فبلغهن أن الناس عأبوا ذلك. فقالت عائشة: ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به. عأبوا علينا أن نمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهل بن بيضاء إلا في جوف المسجد " (^٢) .
وفي رواية: " لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد " (^٣) .
وجاء: " أن أبا بكر وعمر صلي عليهما في المسجد " (^٤) .
وهذا كان بمحضر من الصحابة ولم ينكروا.
ولأنه اصلاة. فلم يمنع من فعلها بالمسجد، كسائر الصلوات.
(وسن قيام إمام) في صلاة جنازة (ومنفرد عند صدر رجل، ووسط امرأة). نص أحمد على ذلك في رواية صالح وأبي الحارث وأبي طالب وجعفر ومحمد بن القاسم وابن منصور وأبي الصقر وحنبل وحرب وسندي الخواتيمي، (وبين ذلك من خنثى) يعني: أنه يسن قيام الإمام والمنفرد فيما بين الصدر والوسط من الميتة الخنئى.
(و) يسن أيضًا (أن يليَ إمامًا) (^٥) من الموتى (من كل نوع أفضل) إفراد ذلك النوع؛ لأن الفضيلة يستحق بها التقدم في الإمامة. فكذا في تقديم جنازة إلى الإمام. يؤيد ذلك: " أنه كان ﷺ يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا " (^٦) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٣) ٢: ٦٦٨ كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٣) ٢: ٦٦٩ الموضع السابق.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٢ كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد. من عدة أوجه.
(٥) في الأصول: إمام. وما أثبتناه من (منتهى الإرادات " ١: ١٥٩.
(٦) سيأتي تخريجه ص (١٠٨) رقم (٣).
[ ٣ / ٥٦ ]
؟
إذا تقرر هذا فيقدم إلى الإمام الحر المكلف، ثم العبد المكلف، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. نقله الجماعة؛ كالمكتوبة.
(فأسن فأسبق) فيما إذا استويا في الفضيلة، (ثم يُقرع) مع استوائهما في كل شيء.
(وجمعُهم) أي: جمع الموتى إذا تعددوا (بصلاة) واحدة (أفضل) من إفراد كل واحد بصلاة. (فيقدم من أوليائهم) في الصلاة على جمعهم (أولاهم بإمامة) كغيرها من الصلوات، (ثم يقرع) مع استوائهم في الصفات. (ولولي كل) من الموتى (أن ينفرد بالصلاة عليه) أي: على ميته.
(و) إذا صفت جنائز للصلاة فيها رجال ونساء فأنه (يجعل وسط أُنثى حذاءِ صدر رجل، وخنثى بينهما) ليقف الإمام أو المنفرد من كل واحد من الموتى موقفه، (ويسوَّى بين رؤوس كل نوع)؛ لأن موقف النوع واحد.
وصفة صلاة الجنازة: أنه ينويها وإن لم يذكر ذلك في المتن؛ لما علم من أن كل عبادة تشترط لها النية؛ لقوله ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات " (^١) .
الصلاة على هذا الميت أو على هؤلاء الموتى إذا كانوا جماعة عرف عددهم أولا. ولا يشترط معرفة كونهم رجالًا أو نساء.
وإن نوى الصلاة على هذا الرجل فبان امرأة أو عكسه فالقياس الإجزاء لقوة التعيين على الصفة في باب الأيمان وغيرها. ذكره أبو المعًالي.
قال في " الفروع ": وهو معنى كلام غيره.
(ثم يكبر أربعًا) أي: أربع تكبيرات (يُحرِمُ بالأولى، ويتعوّذ، ويسمي، ويقرأ الفاتحة) فيها، (ولا يستفتح) في أصح الروايتين؛ لأنها صلاة مبنية على التخفيف. ولذلك لا تشرع قراءة سورة فيها بعد االفاتحة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صص ص. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " إنما الأعمال بالنية. . . ".
[ ٣ / ٥٧ ]
(وفي) التكبيرة (الثانية: يصلي على النبي ﷺ) كما يصلي عليه (في تشهد)؛ " لأن النبي ﷺ لما سألوه كيف نصلي عليك علمهم ذلك " (^١) .
(ويدعو في) التكبيرة (الثالثة) مخلصًا في دعائه؛ لقوله ﷺ: " إذا صليتم على الميت فًاخلصوا له الدعاء " (^٢) . رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان.
لنفسه وللمسلمين وللميت (بأحسن ما يحضُره) من الدعاء، ولا توقيت فيه. نص عليه.
(وسن) أن يدعو (بما ورد. ومنه) أي: من الذي ورد: " اللهم لِلَّهِ اغفر لحيّنا وميّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا. إنك تعلم منقلَبَنا ومثْوانا وأنت على كل شيء قدير.
اللهم لِلَّهِ من أحييته منّا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفّيته منّا فتوفّه عليهما " (^٣) . روى ذلك أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
زاد ابن ماجه: " اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجره ولا تضلنا (^٤) بعده " (^٥) . وفيه ابن إسحاق.
قال الحاكم: حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين. لكن زاد فيه الموفق: وأنت على كل شيء قدير، ولفظ: والسنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٩٩٩) ٥: ٢٣٣٩ كتاب الدعوات، باب هل يُصلى على غير النبي ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٠٧) ١: ٣٠٦ كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبى ﷺ بعد التشهد. كلاهما من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٩٩) ٣: ٠ ٢١ كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٩٧ ١) ١: " ٤٨٠ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة. كلاهما من حديث أبي هريره ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٢٤ ١) ٣: ٣٤٣ كتاب الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٧٩٥) ٢: ٣٦٨.
(٤) في ج: تفتنا.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٩٨) ١: ٤٨٠ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة.
[ ٣ / ٥٨ ]
؟
" (اللهم لِلَّهِ اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله) - بضم الزأي وقد تسكن- (وأوسِعْ مدخله) - هو بفتح الميم موضع الدخول وبضمها الإدخال - (واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقّه من الذنوب والخطايا كلما ينقى الثوبُ الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعِذْْه من عذاب القبر وعذاب النار) " (^١) . روى ذلك مسلم من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت وفيه: " وأبدله أهلًا خيرًا من أهله وأدخله الجنه ". وزاد الموفق لفظ: " من الذنوب ". (وافسِحْ له في قبره، ونوَّر له فيه)؛ لأنه لائق بالمحل. واستحب المجد تبعًا للخرقي وابن عقيل وغيرهما أن يزيد على ذلك: اللهم لِلَّهِ أنه عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به. وهذا إن كان الميت رجلًا. وإن كانت امرأة قال: اللهم لِلَّهِ أنها أمتك بنت أمتك، نزلت بك وأنت خير منزول بها. وزاد الخرقي وابن عقيل وجماعة بعد قوله: " وأنت خير منزول به ": " ولانعلم إلا خيرًا "؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من مسلم يموت فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرأنه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت شهاده عبادي فيما علموا، وغفرت له ما أعلم " (^٢) . رواه أحمد.
قال ابن عقيل وغيره: ولا يقول ذلك إلا إن علم خيرًا. فإن لم يعلم أمسك عن ذكر الخير؛ لئلا يكون كاذبًا.
وروى أبو داود عن أبي هريرة أنه ﷺ قال في الصلاة على الجنازة: " اللهم لِلَّهِ أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعًا له. فاغفر له " (^٣) .
وروى أبو داود وابن ماجه عن واثلة أنه قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل فسمعته يقول: اللهم لِلَّهِ إن فلانًا ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِ فتنة
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٦٣) ٢: ٦٦٢ كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة.
(٢) () أخرجه أحمد في " مسنده " (٨٩٧٧) ٢: ٣٨٤.
(٣) () أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٠٠) ٣: ٢١٠ كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت.
[ ٣ / ٥٩ ]
؟
القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والمجد. اللهم لِلَّهِ اغفر له وارحمه. إنك أنت الغفور الرحيم " (^١) .
(وإن كان) الميت (صغيرًا، أو بلغ مجنونًا واستمرّ قال) من يصلي عليه بعد قوله: " ومن توفيته منا فتوفه عليهما ": (اللهم لِلَّهِ اجعله ذُخرًا لوالديه وفرطًا وأجرًا وشفيعًا مجابًا. اللهم لِلَّهِ ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقهِ برحمتك عذاب الجحيم)، لما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: " السّقْط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة " (^٢) .
وفي لفظ: " بالعافية والرحمة " (^٣) . رواهما أحمد.
وإنما لم يسن له الاستغفار، لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم. فلم يُستغفر له من ذنب، ولا سطر عليه شيء. فالعدول إلى الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له.
وقوله: " فرطًا: أي: سابقًا مهيئًا لمصالح والديه في الآخرة.
ولا فرق في هذا المعنى بين أن يموت في حياة أبويه أو بعد موتهما.
(وإن لم يعلم) المصلي (^٤) (إسلام والديه) أي: والدي الصغير، (دعا لمواليه).
ولا بأس بالإشارة بالإصبع أو غيره إلى الميت حالة دعائه له نصا. نقله الأثرم وغيره.
(ويؤنث الضمير) في الصلاة (على أُنثى) فيقول: اللهم لِلَّهِ اغفر لها وارحمها. . . إلى اخره.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٠٢) ٣: ٢١١ المو ضبع السابق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٩٩) ١: ٤٨٠ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨١٩٩) ٤: ٢٤٩.
(٣) () أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٢٠٦) ٤: ٢٤٩.
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ٦٠ ]
؟
(ويُشير) المصلي (بما يصلح لهما) أي: للذكر (^١) والأُنثى في الصلاة (على) ميت (خنثى) بًان يقول: اللهم لِلَّهِ اغفر لهذا الميت أو نحو ذلك. (ويقف بعد) تكبيرة (رابعة) زمنا (قليلاُ)؛ لما روى الجوزجانى عن زيد ابن أرقم " أن النبي ﷺ كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء الله. فكنت احسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف ".
(ولا يدعو) بعد الرابعة في أصح الروايتين.
(ويسلم) تسليمة (واحدة عن يمينه). نص عليه؛ لأن ذلك أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم.
(ويجوز) كونها (تلقاء وجهه) نص عليه. (و) يجوز أيضًا أن يسلم تسليمة (ثانية).
والمنصوص هنا: أنه لو قال: السلام عليكم: أنه يجزئه، ولو لم يقل: ورحمة الله؛ لما روى الخلال وحرب بإسنادهما عن علي " أنه صلى على زيد بن المكفف فسلم واحدة عن يمينه. السلام عليكم " (^٢) .
لكن ذكره (^٣) الرحمة أليق بالصلاة على الميت فكان أولى. ويحمل فعل علي على أنه مذهب له، أو على الجواز.
(وسُن وقوفه) أي: وقوف من يصلي على الجنازة (حتى تُرفَع). استحبه أحمد.
وروي عن مجاهد أنه قال: " إذا صليت- أي: على الجنازة- فلا تبرح " عن مصلاك حتى ترفع. وقال: رأيت عبدالله بن عمر لا يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال " (^٤)] (^٥) .
_________________
(١) في ج: الذكر.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٤٣ كتاب الجنائز، باب ما يروى في التحلل من صلاة الجنازة بتسليمه واحده.
(٣) في أ: ذكر.
(٤) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج عبدالرزاق في " مصنفه " عن عبدالله بن كثير أن مجاهدًا قال: " كان يقال: اذا ما صليتم على الجنازة فقوموا حتى ترفع. فحولها الناس فقال وا: قوموا حتى توضع " (٦٣٢٥): ٤٦٣ كتاب الجنائز، باب القيام حين ترى الجنازة.
(٥) ساقط من أ.
[ ٣ / ٦١ ]
؟
وروي عن أحمد (^١): أنه صلى ولم يقف.
(وواجبها) أي: والواجب في صلاة الجنازة ستة أشياء:
الأول (^٢): (قيامٌ) من قادر (في فرضها). فلا تصح من قاعد ولا من على راحلة إلا لعذر فيهما كبقية الصلوات المفروضة؛ لعموم قوله ﷺ: " صلَّ قائمًا. فإن لم تستطع فقاعدًا " (^٣) .
وعلم من قوله: في فرضها: أن الصلاة لو تكررت لم يجب القيام على من صلى على الجنازة بعد أن صلى عليها غيره؛ لسقوط الفرض بالصلاة الأولى على (^٤) المذهب من كون الثانية نفلًا؛ كبقية النوافل.
(و) الثانى: (تكبيرات) أربع؛ لما في " الصحيح " من حديث أنس وغيره: " أن النبي ﷺ كبر على الجنازة أربعًا " (^٥) .
وفي " صحيح مسلم ": " أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات " (^٦) .
و" فيه ": عن ابن عباس " أنه ﷺ صلى على قبر بعدما دفن، وكبر أربعًا " (^٧) . وقد ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (^٨) .
_________________
(١) في ج زيادة لفظ: أيضًا.
(٢) في ج: الأولى.
(٣) () أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٦ ٠ ١) ١: ٣٧٦ أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٩٥٢) ١: ٢٥٠ كتاب الصلاة، باب في صلاة القاعد. كلاهما من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٤) في أوج: وعلى
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٩٤) ٣: ٢٠٨ كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عيله.
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه لِلَّهِ (٩٥١) ٢: ٦٥٦ كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة.
(٧) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٤) ٢: ٦٥٨ كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه " (٦٠٥) ١: ٢٢٦ كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر. . .
[ ٣ / ٦٢ ]
؟
(فإن ترك) منها (غير مسبوق) ولو (^١) (تكبيرة) واحدة (عمدًا: بطلت) صلاته؛ لأنه ترك واجبًا في صلاته عمدًا. فبطلت؛ كسائر الصلوات.
(و) إن تركها (سهوا ً) فأنه (يكبرها) وجوبًا (ما لم يطل الفصل)،
وصحت صلاته على الصحيح من المذهب؛ كما لو نسي ركعة وأتى بها مع عدم طول الفصل؛ لأن هذا التكبير يقضى مفردًا فأشبه الركعات. وعكسه تكبير المكتوبة فأنه لا يشرع قضاؤه مفردًا. فحق حكم هذا التكبير.
(فإن طال) الفصل (أو وُجد منافٍ) للصلاة من كلام أو غيره (استأنف)
الصلاة أي: ابتدأها؛ لما روي عن قتادة: " أن أنسًا صلى على جنازة فكبر عليها ثلاثًا وتكلم. فقيل له: إنما كبرت ثلاثًا فرجع وكبر أربعًا " (^٢) . رواه حرب في " مسائله " والخلال في " جامعه ".
وعوده إلى ذلك لما أنكروه عليه دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع تكبيرات.
وعن حميد الطويل قال: " صلى بنا أنس فكبر ثلاثًا ثم سلم. فقيل له: أنت كبرت ثلاثًا. فاستقبل القبلة وكبر الرابعة " (^٣) . أخرجه البخاري.
فرواية حميد محمولة على عدم وجود المنافي، ورواية حرب والخلال
محمولة على وجود المنافي فإن فيها: " وتكلم ".
(و) الثالث من واجبات صلاة الجنازة: (قراءة الفاتحة) على الأصح؛
لعموم قوله ﷺ: " لا صلاه إلا بفاتحة الكتاب " (^٤) .
وعن أم شريك قالت: " أمرنا النبي ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب " (^٥) . رواه ابن ماجه.
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦٤١٧) ٣: ٤٨٦ كتاب الجنائز، باب السهو والصلاة على الجنائز. . .
(٣) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ١: ٤٤٧ كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعًا.
(٤) () أخرجه أحمد في " مسنده (٢٢٧٢٩) ٥: ٣١٤.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٩٦) ١: ٤٧٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في القراءة على الجنازة.
[ ٣ / ٦٣ ]
؟
وعن ابن عباس: " أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا
أنه من السنة " (^١) . رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه.
ولأنه اصلاة مفروضة. فوجبت القراءة فيها؛ كالمكتوبة.
(وسن إسرًارُها) أي: إسرًار قراءة الفاتحة (ولو) كان الوقت (ليلاُ)؛
لما روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل فال: " السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا والسلام " (^٢) .
وعن الزهري عن محمد بن سويد الدمشقي عن الضحاك بن قيس نحوه (^٣) .
رواهما النسائي.
ولأن المداومة على الإسرار نقلُ الخلف عن السلف فيتعين فعله، ولا يقاس
على المكتوبة؛ لأن المكتوبة مؤقتة وهذه غير مؤقتة. فأشبهت تحية المسجد
ونحوها.
(و) الرابع من واجب صلاة الجنازة: (الصلاة على رسول الله ﷺ)؛ لما
روى الشافعي والأثرم بإسنادهما عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ: " أن السنة في الصلاة على الجنازة: يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ،
ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأُ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه " (^٤) . زاد الأثرم: " والسنة ان يفعل من وراء الإمام مثل ما يفعل إمامهم ".
_________________
(١) () أخرجه البخاري قي " صحيحه " (١٢٧٠) ١: ٤٤٨ كتاب الجنائز، باب قراءه فاتحة الكتاب على الجنازة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٩٨) ٣: ٢١٠ كتاب الجنائز، باب ما يقرأ على الجنازة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٢٧ ١) ٣: ٣٤٦ كتاب الجنائز، باب ما جاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (١٩٨٩) ٤: ٧٥ كتاب الجنائز، الدعاء.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (١٩٩٠) الموضع السابق.
(٤) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٥٨١) ١: ٢١٠ كتاب الصلاة، صلاة الجنائز وأحكامها.
[ ٣ / ٦٤ ]
ولأن تقديمها على الدعاء أقرب إلى إجابته.
(و) الخامس من واجب صلاة الجنازة: (أدنى دعاء للميت)؛ لما روى مالك في " الموطأ " عن أبي هريرة قال (^١): " إذا وُضعت - يعنى: الجنازة- كبرت وحمدت الله وصليت على نبيه ﷺ ثم أقول: اللهم لِلَّهِ عبدك ابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا انت وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به. اللهم لِلَّهِ إن كان محسنًا فزد في إحسأنه، وإن كان مُسيئًا فتجاوز عن سيئاته (^٢) . اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده " (^٣) .
ولأن الدعاء للميت هو المقصود بالصلاة. فلا يجوز الإخلال به.
(و) السادس من واجب صلاة الجنازة وبه تتم: (السلام)؛ " لأنه ﷺ كان يسلم على الجنائز " (^٤) . وقد قال: " صلوا كما رأيتمونى أصلي " (^٥) .
(وشُرط) بالبناء للمفعول (لها) أي: لصلاة الجنازة (مع ما) شرط (لمكتوبة، إلا الوقت). فأنه مشروط للمكتوبة دون صلاة الجنازة شروط ثلاثة:
الأول. (حضور الميت بين يديه) أي (^٦): يدي المصلي. فلا تصح الصلاة على جنازة محمولة. صرح به جماعة في المسبوق وفاقًا؛ لأنها كإمام، ولهذا لا صلاة بدون الميت.
قال صاحب " المحرر " وغيره: قربها من الإمام مقصود كقرب المًاموم من الإمام؛ لأنه يسن الدنو منها. ولو صلى وهي من وراء جدار لم تصح.
_________________
(١) في ج: قال يعنى.
(٢) في أ: فتجاوز عنه.
(٣) () أخرجه مالك في " الموطأ " (١٧) ١: ١٩٨ كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة.
(٤) روى أبو هريرة ان رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا وسلم تسليمة. أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٤٣ كتاب الجنائز، باب ما روي في التحلل من صلاة الجنازة بتسليمة واحدة.
(٥) سبق تخريجه ص (٦٢) رقم (٨).
(٦) في ج زيادة: بين.
[ ٣ / ٦٥ ]
وفي كتاب " الخلاف " للقاضي: صلاة الصف الأخير جائزة، ولو حصل
بين الجنازة وبينه مسافة بعيدة، ولو وقف في موضع الصف الأخير بلا حاجة لم يجز.
(إلا) إذا صلى (على غائب عن البلد) على الأصح، (ولو) كان منها
(دون مسافة قصر، أو) كان البلد الذي مات به الميت (في غير قبلته) أي: قبلة المصلي ولو صار (^١) وراءه حال الصلاة. فتجوز صلاة الإمام والآحاد على الغائب بالنية. نص عليه؛ لما روى جابر " أن النبي ﷺ صلى على أصحمة بالصاد والحاء المهملتين- النجاشي، وكبر عليه أربعًا " (^٢) .
وفي لفظ قال: " قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلمّ فصلوا عليه. فصففنا فصلى النبي ﷺ ونحن صفوف " (^٣) . متفق عليهما.
وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: " إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه قال: فقمنا فصففنا عليه كما نصف على الميت، وصلينا عليه كما نصلي على الميت " (^٤) . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
فوجه الحجة من هذا: أنه أمرهم بالصلاة على الميت معللًا بكونه أخًا لهم
مات ببلد آخر، وهذه العلة موجودة في غيره. وقول المانع من صحة الصلاة على الغائب بأن الأرض زويت للنبي ﷺ وكشف له النجاشي حتى رآه حين صلاته عليه، لو كان له أصل لذكره لأصحابه ولنقل؛ لما فيه من المعجزة العظيمة كما أخبرهم بموته يوم مات.
_________________
(١) في ج: قدم.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٦٩) ١: ٤٤٧ كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعًا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٢) ٢: ٦٥٧ كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٥٧) ١: ٤٤٣ كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنازة. وأخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٤) () أخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٣٩ ١) ٣: ٣٥٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في صلاة النبي ﷺ على النجاشي. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٩٧٥) ٤: ٧٠ كتاب الجنائز، الصفوف على الجنازة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٨٤٨) ٤: ٤٣٩.
[ ٣ / ٦٦ ]
؟
(و) إلا إذا صلى (على غريق ونحوه)، كأسير. فأنه يسقط شرط الحضور للحاجة. وكذا غسل الغريق والأسير، لتعذره كالحريق (^١) . أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم.
إذا تقرر هذا (فـ) أنه (يصلى عليه) أي: على من ذكر (إلى شهر) من حين موته (بالنية)، لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاشٍ أكثر من ذلك.
وعلم مما تقدم: أنه لا تجوز الصلاة عليه مع عدم حضوره إذا كان في أحد جانبي البلد والمصلي في الجانب الآخر في أصح الوجهين، لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه، أو على قبره. أشبه ما لو كان المصلى والميت في جانب واحد.
(و) الشرط الثانى: (إسلامه) أي: إسلام الميت، لأن الصلاة على الميت شفاعة، والكافرلا تقبل فيه الشفاعة، ولا يستجاب فيه دعاء. وقد نهينا عن الاستغفار للكافرين.
(و) الشرط الثالث: (تطهيره) أي: تطهير الميت (ولو بتراب لعذر) مثل: فقد الماء، أو أن لايمكن غسله؛ كما لو خشى بصب الماء عليه تفريق أجزائه وتفسخه فإنه ييمم.
(فإن تعذر) أن يُيَمم لفقد التراب أو غير ذلك سقط تطهيره و(صلي عليه) بدونه؛ لأن فرض الطهارة لا يُسقط فرض الصلاة وفاقًا لمالك والشافعي، فإن فاقد الطهورين يجب عليه أن يصلي على حسب حاله. فكذا هنا.
(ويُتابَعُ) بالبناء للمفعول وجوبًا (إمام زاد على) تكبيرة (رابعة)؛ لعموم قوله ﷺ: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " (^٢)، (إلى سبع) أي: سبع تكبيرات (فقط).
قال الخلال: ثبت القول عن أبي عبدالله أنه يكبر مع الإمام إلى سبع ثم لا يزاد عليه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣ ٠ ١) ١: ٥ ٣٧ أبواب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد.
[ ٣ / ٦٧ ]
؟
قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه، " لأنه روي عن النبي ﷺ أنه كبر على حمزة سبعًا " (^١) . رواه ابن شاهين.
و" كبر على أبي قتادة سبعًا " (^٢) .
و" على سهل بن حنيف ستًا " (^٣) .
وقال أنه يروى: " أن عمر جمع الناس فاستشارهم. فقال بعضهم: كبر النبي ﷺ سبعًا، وقال بعضهم: أربعًا. فجمع الناس عمر على أربع تكبيرات. وقال: هو أطول الصلاة " (^٤) . يعني: أن كل تكبيرة على الجنازة مقام ركعة من الصلاة ذات الركوع. أطول المكتوبات أربع ركعات.
(ما لم تُظن بدعته) أي: بدعة الإمام (أو رفضُه) فلا يتابع في زيادة على أربع " لما في المتابعة من إظهار شعائرهم.
(وينبغي أن يسبّح به) أي: بالإمام إذا كبر (بعدها) أي: بعد الرابعة (^٥) . وقبلها لا يسبح به. قاله في " الفروع ".
(ولا يدعو) المًاموم (في متابعة) لإمامه (بعد) التكبيرة (الرابعة) في أصح الاحتمالًات. قدمه في " الفروع " و" الرعاية الكبرى "؛ لأن ما بعد التكبيرة الرابعة لا يجب في أصل صلاة الجنازة ولا يستحب.
(ولا تبطل) صلاة الجنازة (بمجاوزة سبع) من التكبير؛ لأنه زيادة قول مشروع في أصله داخل (^٦) الصلاة. أشبه تكرار الفاتحة والتشهد وسائر الأذكار.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٢ كتاب الجنائز، باب من زعم أن النبى ﷺ صلى على شهداء أحد.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٣٦ كتاب الجنائز، باب من ذهب في زيادة التكبير على الأربع إلى تخصيص أهل الفضل بها.
(٣) أخرجه البيهقي فى الموضع السابق.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٣٧ كتاب الجنائز، باب ما بستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع. . .
(٥) في ج: السابقة.
(٦) في أ: وأصل.
[ ٣ / ٦٨ ]
؟
أو نقول تكرار تكبيرة. فأشبه تكبير الصلوات. وعكسه زيادة الركعة؛ لأنها زيادة أفعال. ولهذا لو زاد ركوعًا أو سجودًا أبطل الصلاة. وإن كان لا يُقضى منفردًا لكونه فعلًا.
(وحرم) على المأموم (سلام قبله) أي: قبل إمامه الذي جاوز تكبيره سبعًا. نص على ذلك وفاقًا لمالك؛ لأنه زيادة ذكر لا يقطع الصلاة. فلا يقطع من أجله المتابعة؛ كما لو أطال الدعاء.
ولأن المتابعة واجبة يبطل تركها في الجملة. فكيف تترك لما لا يبطل.
(ويخيّر مسبوق) سلم إمامه (في قضاء) لما فاته، (و) في (سلام معه) أي: مع إمامه. ويستحب للمسبوق الإحرام بالصلاة خلف الإمام على أيّ حالة صادفه فيها، ولا ينتظر تكبيره في أصح الروايتين؛ لأنها صلاة أمر فيها باتباع الإمام. فاستحب للمأموم الإحرام بها على أيّ حالة صادف الإمام فيها " كغيرها من الصلوات.
وعنه: ينتظر تكبيره، لأن كل تكبيرة كركعة. فلا يشتغل بقضائها.
ورده الموفق بًان هذا ليس اشتغالًا بقضاء ما فاته وإنما يصلي معه ما أدركه.
(ولو كبّر) إمام أو منفرد على جنازة (فجيء بـ) جنازة (أخرى فكبر) تكبيرة (ونواها) أي: نوى التكبيرة (لهما) أي: للجنازتين (وقد بقي من تكبيره) السبع (أربع) كما لو كانت التكبيرة للتي جيء بها ثانية أو ثالثة أو رابعة: (جاز). نص عليه، لا إن جيء بجنازة بعد التكبيرة الرابعة. فأنه لا يجوز إدخالها في الصلاة؛ لئلا يؤدي إلى تنقيصها عن أربع، أو زيادة ما قبلها على سبع.
فإذا نوى بالتكبيرة الرابعة الجنازة التي جيء بها والجنازة السابقة لها (فـ) أنه (يقرأ) الفاتحة (في) تكبيرة (خامسة، ويصلي) على النبي ﷺ (في) تكبيرة (سادسة، ويدعو) للميت (في) تكبيرة (سابعة). هذا كلامه في " التنقيح " وتبعته عليه.
[ ٣ / ٦٩ ]
؟
وفي " الكافي ": يقرأ في التكبيرة الرابعة الفاتحة، وفي الخامسة يصلي على النبي، ويدعو لهم في السادسة؛ لتكمل الأركان لجمع الجنائز. انتهى.
وقيل: لا يعيد الفاتحة ولا الصلاة على النبي صص ص. بل يدعو عقب كل
تكبيرة.
قال في " شرح الهداية ": وهو أصح. واختاره القاضي في " الخلاف "؛ لأن هذا محل الدعاء للسابقة ومحل غيره للمسبوق. فغلب حكم من امتاز بالسبق.
(ويقضي مسوق) إذا سلم إمامه تكبيرات فاتته (على صفتها) في أصح الروايتين؛ لأن القضاء يحكي الأداء (^١)؛ كباقي الصلوات. فإذا أدرك الإمام في الدعاء تابعه فيه. فإذا سلم الإمام أتى بالحمد، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم كبر، ثم سلم.
وعنه: أنه يقضي التكبير متتابعًا.
ومحل [قضاء التكبيرات] (^٢) على صفتها: ما لم يخش رفع الجنازة. (فإن خشي رفعها تابع) التكبير رفعت أو لم ترفع. قدمه في " الفروع " وحكاه نصًا (^٣) .
(وإن سلم) المسبوق عقب سلام الإمام (ولم يقض) شيئًا: (صحت)
صلاته على أصح الروايتين؛ لما روي عن (^٤) عائشة: " أنها قالت: يا رسول الله لِلَّهِ إنى أصلي على الجنازة ويخفى عليّ بعض التكبير قال: ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاءعليك ".
وهذا صريح في عدم وجوب القضاء. لكن يستحب.
_________________
(١) في ج: القضاء.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: أيضًا.
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ٧٠ ]
؟
ولأنها تكبيرات متواليات حال القيام. فلم يجب قضاء ما فات منها؛ كتكبيرات العيد.
(ويجوز دخوله) أي: دخول المسبوق في صلاة الجنازة (بعد) تكبير) (^١) الإمام التكبيرة (الرابعة، ويقضي الثلاث) تكبيرات استحبابًا، وله أن يسلم معه.
(ويصلي على من قُبِر) بالبناء للمفعول أي: دفن في القبر (من فاتته) الصلاة (قبله) أي: قبل أن يقبر (إلى شهر من دفنه)؛ لما روى أبو هريره " أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابًا، ففقدها النبي ﷺ أو فقده، فسأل عنها أو عنه. فقالوا: ماتت أو مات. فقال: أفلا كنتم آذنتمونى؟ قال: فكأنه م صغّروا أمرها أو أمره. فقال: دلوني على قبرها أوعلى قبره، فدلوه فصلى عليها أو عليه " (^٢) .
وعن ابن عباس قال: " انتهى رسولُ الله ﷺ إلى قبرٍ رَطْبٍ فصلى عليه، وصفُّوا خلفه، وكبَّر أربعًا " (^٣) متفق عليهما.
قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان.
وتتقيد بشهر على المذهب؛ لما روى سعيد بن المسيب " أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب. فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر " (^٤) .
قال أحمد: أكثر ما سمعت أن النبي ﷺ صلى على أم سعد بن عبادة بعد شهر.
_________________
(١) في ج: تكبيرة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٤٦) ١: ١٧٥ أبواب المساجد، باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٦) ٢: ٦٥٩ كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر.
(٣) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (١٢٥٦) ١: ٤٤٣ كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنازة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٤) ٢: ٦٥٨ كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٣٨ ١) ٣: ٣٥٦ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على القبر.
[ ٣ / ٧١ ]
؟
ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها.
وقيل: تتقيد بسنة.
وقيل: بعدم بلائه.
(ولا تضر زيادة يسيرة) على الشهر.
قال القاضي: كاليوم واليومين.
(وتحرم) الصلاة (بعدها) أي: بعد الزيادة اليسيرة على الشهر. نص على ذلك؛ لأنه لم يتحقق بقاؤه بعد المدة المذكورة.
وإنما لم يجز أن يصلى على قبره ﷺ إجماعًا؛ لئلا يتخذ قبره (^١) مسجدًا.
والمسجد: ما اتُخِذَ للصلاة. ذكره في " الانتصار " وغيره.
[وقال صاحب " الخلاف " و" المحرر ": إنما لا يصلى عليه الآن؛ لئلا يتخذ قبره مسجدًا، وقد نهي عنه. أو للمنع من الصلاة على الميت بعد شهر] (^٢) .
(ويكون الميت) الذي يصلى على قبره (كإمام) يعني: أنه يجعل القبر بين الذي يصلى عليه وبين القبلة.
(وإن وُجد بعضُ ميت تحقيقًا) أي: بعض من تحقق موته، وكان بعض الميت الذي وجد (لم يصلَّ عليه) وهو (غير شعر وظفر وسن فـ) حكم ذلك (ككله) أي: كما لو وجد الميت كله. فيغسل ذلك البعض ويكفن ويصلى عليه في أصح الروايتين وجوبًا في الجمع إن لم يكن صلي عليه، وإن كان قد صلي عليه فيجب التغسيل والتكفين.
وتستحب الصلاة عليه؛ " لأن أبا أيوب صلى على رِجْل أنسان " (^٣) . قاله أحمد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٩٠١) ٣: ٤٠ كتاب الجنائز، في الصلاة على العظام وعلى الرؤوس.
[ ٣ / ٧٢ ]
؟
و" صلى عمر على عظام بالشام " (^١) .
و" صلى أبو عبيدة على رؤوس " (^٢) . رواهما عبدالله بن أحمد بإسناده.
وقال الشافعي: " ألقى طائر يدًا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. فصلى عليها أهل مكة " (^٣) . وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يعرف من الصحابة مخالفًا في ذلك.
ولأنه بعض من جملة ميت تجب الصلاة عليها. فيصلى على ذلك البعض؛ كما لو كان أكثر الجملة.
(وينوى بها) أي: بصلاته على البعض الموجود (ذلك البعض) الموجود (فقط). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وقيل: ينوي الجملة، واختاره في " التلخيص ". انتهى.
(وكذا إن وجُد الباقي) بعد دفن البعض الأول. يعني: أنه يفعل به كما يفعل في البعض الموجود قبله، (ويُدفن بجنبه) أي: إلى جانب القبر.
(وتُكره إعادة الصلاة) أي: يكره لمن صلى على جنازة أن (^٤) يعيد الصلاة عليها مرة ثانية.
وفي " الفصول ": لا يصليها مرتين؛ كالعيد.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه الأكثر، ونص عليه.
وقيل: يحرم. وذكره في " المنتخب " نصًا. انتهى.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٩٠٢) ٣: ٤١ الموضع السابق.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٨٩٩) ٣: ٤٠ الموضع السابق. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٨ كتاب الجنائز، باب ما ورد في غسل بعض الأعضاء إذا وجد مقتولًا في غير معركة الكفار والصلاة عليه.
(٣) أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٤) في ج: أي.
[ ٣ / ٧٣ ]
؟
ويستثنى من ذلك صور أشار إلى الأولى منها بقوله:
(إلا إذا وجد بعض ميت بشرطه) أي: بأن يكون غير شعر وظفر وسن (صُليَ على جملته) سوى هذا البعض الذي وجد (فـ) أنه (تسن) الصلاة عليه بعد تغسيله وتكفينه؛ (كـ) استحباب (صلاة من فاتته) الصلاة على الجنازة مع أول من صلى عليها، (ولو) كان الذي فاتتهم الصلاة (^١) (جماعة).
قال في " شرح المقنع ": وأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلي عليها. فعله علي وأنس وسليمان بن ربيعة
وأبو حمزة رضي الله تعالى عنهم.
وأشير إلى الصورة الثانية بقوله: (أو من صلي عليه بالنية إذا حضر).
قال في " الإنصاف ": لو حضر الغائب الذي كان قد صلي عليه استحب أن يصلى عليه ثانيًا. جزم به ابن تميم وابن حمدان واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: فيعايى بها، وهي مستثناة من قولهم: [لا تستحب] (^٢) إعادة الصلاة عليه على ما تقدم. انتهى.
وأشير إلى الصورة الثالثة بقوله: (أو صلي عليه بلا إذن الأوْلى بها) أي: بالإمامة عليه (مع حضوره) أي: حضور الأولى بها: (فتعاد) الصلاة عليه مع الأولى بالإمامة (تبعًا) له.
قال في " الفروع ": وإن بدر أجنبي وصلى فإن صلى الولي خلفه صار إذنًا. ويشبه تصرف الفضولي إذا أجيز، وإلا فله أن يعيد الصلاة؛ لأنه احقه. ذكره أبو المعالي.
وظاهره: ولا يعيد غير الولي. انتهى.
(ولا توضع) الجنازة (لصلاة) أي: من أجل أن يصلى عليها (بعد حملها) تحقيقًا للمبادرة إلى مواراة الميت.
(ولا يصلّى على مأكول) أي: على أنسان أكله سبع أو نحوه (ببطن آكل،
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ٧٤ ]
؟
و) لا على (مستحيل بإحراق) أي: بأن صار رمادًا في الأصح ولو مع مشاهدة الآكل؛ لأنه لم يبق منهما شيء يصلى عليه، (ونحوهما) أي: نحو المأكول والحريق كالواقع بالملاحة فيصير ملحًا.
(ولا) يصلى (على بعض حي)؛ كالعضو الساقط من حي بأكَلة أو نحوها، والمقطوع في سرقة أو قصاص (في وقت لو وُجدت فيه الجملة) أي: البقية (لم تغسَّل، ولم يصلَّ عليها) لبقاء حياتها؛ لأن الصلاة على الميت دعاء له وشفاعة ليخفف عنه. وهذا عضو لا حكم له في الثواب والعقاب. فلا حاجة إلى الصلاة عليه لذلك، وكذا إن شك في موت البقية في الأصح؛ لأن الأصلى والسبب غير متحقق.
(ولا يسن للإمام الأعظم و) لا (إمام كل قرية وهو واليها) أي. والي القرية (في القضاء الصلاة) أي: أن يصلي (على غالٍّ). وهو: من كتم شيئًا ممن غنمه ليختص به.
(و) لا على (قاتل نفسه عمدًا). نص على ذلك؛ لما روى زيد بن خالد الجهني قال: " توفي رجل من جهينة يوم خيبر. فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه القوم. فلما رأى ما بهم قال: إن صاحبكم غلً في سبيل الله. ففتشنا متاعه فوجدنا فيه حرزًا من حرز اليهود ما يساوي درهمين " (^١) . رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد.
فامتنع ﷺ من الصلاة عليه وهو الإمام وأمر غيره بالصلاة عليه.
وكذلك روى جابر بن سمرة " أن النبي ﷺ جاؤوه برجل قد قتلَ نفسه بمَشاقِص فلم يُصلَّ عليه " (^٢) . رواه مسلم وغيره.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٢٧١) ٣: ٦٨ كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٩٥٩) ٤: ٦٤ كتاب الجنائز، الصلاة على من غل. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٤٨) ٢: ٩٥٠ كتاب الجهاد، باب الغلول وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٠٧٢) ٤: ١١٤.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٨) ٢: ٦٧٢ كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على القاتل نفسه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٨ ٠ ١) ٣: ٠ ٣٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن قتل نفسه.
[ ٣ / ٧٥ ]
؟
والمشاقص: جمع مشقص.
قال في " القاموس ": والمِشْقَصُ، كمِنْبَر: نَصلّ عريض، أو سهمّ فيه
ذلك، والنصلُ الطويل، أو سهمّ فيه ذلك، يُرمى به الوحش. انتهى.
قال أحمد: وسئل عمن قتل نفسه يصلى عليه؟
قال: أما الإمام فلا يصلي عليه، وأما الناس فيصلون عليه. هكذا فعل
النبي ﷺ بالذي قتل نفسه فلم يصل عليه، وأمرهم أن يصلوا عليه. وكان رسول الله ﷺ هو الإمام فأُلحق به من ساواه في ذلك.
فإن قيل: هذا خاص بالنبي ﷺ؟
قلنا: ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل.
فإن قيل: فقد " ترك النبي ﷺ الصلاة على من مات وعليه دين لا وفاء له " (^١)، ولم يثبت ذلك في حق غيره؟
فالجواب: أن ذلك منسوخ بما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول: هل ترك لدينه من وفاء؟ فإن حَدث أنه ترك وفاء صلى عليه. وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فمن توفي من المؤمنين وترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته " (^٢) . أخرجه الترمذي وصححه.
ولم يثبت حكم نسخ الصلاة على الغالّ وقاتل نفسه.
(وإن اختلط) من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه، (أو اشتبه من يصلَّى عليه بغيره) ممن لم تجز الصلاة عليه؛ كما لو اختلط الأموات من المسلمين والكفار ولم يتميزوا، بًان أنه دم عليهم سقف، أو غرقت بهم سفينة ونحو ذلك: (صُلي
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في " سننه " (١٩٦٤) ٤: ٦٦ كتاب الجنائز، ترك الصلاة على من قتل نفسه. () أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٩ ٠ ١) ٣: ٣٨١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على المديون.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٧٠) ٣: ٣٨٢ الموضع السابق. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٣ / ٧٦ ]
على الجميع. يُنوى) بالصلاة (من يُصلَّى عليه) أي: من تجب عليه الصلاة منهم، (وغُسّلوا وكُفُّنوا) كلهم؛ لأن الصلاة على المسلمين واجبة. ولا طريق إليها هنا إلا بالصلاة على جمعهم.
ولا تصح الصلاة على الميت إلا بعد غسله وتكفينه مع القدرة على ذلك. فوجب أن يغسلوا ويكفنوا كلهم.
ولا فرق في ذلك بين دار الإسلام وغيرها، ولا بين أن يكثر المسلمون منهم أو يقلوا على المذهب المنصو ص.
وعنه: إن اختلطوا بدار الحرب فلا صلاة تغليبًا للدار.
وصفة الصلاة عليهم: أن يصفهم بين يديه ويصلي عليهم دفعة واحدة، وينوي بالصلاة المسلمين منهم.
(و) بعد الصلاة عليهم (إن أمكن عزلهم) عن مقابرنا دفنوا منفردين، (وإلا) أي: وإن لم يكن دفنهم منفردين (دفنوا معًا).
وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب. فإن لم تكن عليه علامات وكان في دار الإسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه. نص عليه أحمد " لأن الأصل أن من كان في دار فهوأهلها. يثبت له حكمهم، ما لم يقم على خلافه دليل.
ولو مات من نعهده ذميًا فشهد عدل أنه مات مسلما لم يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم، وحكم بها في الصلاة عليه، بناء على القول بثبوت هلال رمضان بشاهد واحد.
(وللمصلي) على الجنازة (قيراط) من الأجر. (وهو) أي: القيراط المذكور: (أمر معلوم عند) أهل (الله تعالى.
وله) أي: وللمصلي عليها (بتمام دفنها) أي: دفن الجنازة التي صلى عليها قيراط (آخر)، لقوله ﷺ: " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله
[ ٣ / ٧٧ ]
؟
قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؛ قال: مثل الجبلين العظيمين " (^١) .
ولمسلم: " أصغرهما مثل أحد " (^٢) .
وإنما يكون له قيراطان (بشرط: أن لا يفارقها من الصلاة حتى تُدفن)؛ لقوله ﷺ في حديث آخر: " فكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها " (^٣) . وذكر ابن عقيل في قوله ﷺ: " فله قيراط " أن نسبته من أجر صاحب المصيبة كنسبة. القيراط من الدرهم مثلًا. والله أعلم.
وسُئل أحمد عمن يذهب إلى مصلى الجنائز فيجلس فيه متصديًا للصلاة على من يحضر من الجنائز؛ فقال: لا بأس.
قال في " الفروع ": وكأنه رأى إذا تبعها من أهلها فهو أفضل
قال في حديث يحيى بن جعدة: " وتبعها من أهلها ". يعني: من صلى على جنازة فتبعها من أهلها فله قيراط. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٦١) ١: ٤٤٥ كتاب الجنائز، باب من انتظر حتى تدفن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤٥) ٢: ٦٥٣ كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠٣٩٦ ١) ٢: ٤٩٣.
[ ٣ / ٧٨ ]
[فصل: في حمل الجنازة]
(فصل. وحملُها) إلى محل دفنها) فرض كفاية) إجماعًا.
ويكره أخذ الأجرة عليه وعلى الغُسل ونحوه.
قال فى " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. انتهى.
وعنه: لا بأس.
وقيل: يحرم.
(وسن تربيعٌ فيه) أي: في حمل الجنازة. فيسن أن يحملها أربعة؛ لأن التربيع هو الأخذ بقوائم السرير الأربع. ويدل لكون التربيع سنة قول ابن مسعود: " إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربع، ثم ليتيطوع بعد أو ليذر " (^١) . رواه سعيد في " سننه ".
وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ.
وصفة التربيع على الأصح من الروايتين: (بأن يضع) مريدُه (قائمةَ السرير اليسرى المقدمة) في حالة اليسار وهي: التي تلي يمين الميت) على كتفه اليمنى، ثم) يدعها لغيره و(ينتقل إلى) قائمة السرير اليسرى (المؤخرة) فيضعها (^٢) على كتفه اليمنى أيضًا ثم يدعها لغيره، (ثم) يضع قائمة السرير (اليمنى المقدمة) وهي: التي تلي يسار الميت (على كتفه اليسرى، ثم) يدعها لغيره و(ينتقل إلى) قائمة السرير اليمنى (المؤخرة) فيضعها على كتفه اليسرى
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٧٨ ١) ١: ٤٧٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في شهود الجنائز. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٩ كتاب الجنازة، باب من حمل الجنازة فدار على جوانبها الأربع. قال في " الزوائد ": رجال الإسن اد ثقات. لكن الحديث موقوف. حكمه الرفع وأيضًا هو منقطع. فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ٧٩ ]
؟
أيضًا. فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والختام من الجانبين بالرجلين. وهذا المذهب الذي نقله الجماعة عن أحمد.
ونقل حنبل: أنه يبدأ بالرأس ويختم بالرأس. وإنما كانت الصفة الأولى التي في المتن هي المختارة لأكثر الأصحاب، لما فيها من الموافقة لكيفية غسله، حيث يبدأ بشقه الأيمن إلى رجله ثم بالأيسر كذلك. وإنما اختير في كلا (^١) الصفتين البداءة بالجانب الأيمن من الميت؛ لأن البداءة باليمين أمر مرغّب فيه شرعًا.
(ولا يكره حمل) الجنازة (بين العمودين، كل واحد) أي: كل عمود (على عاتق). نص على ذلك في رواية ابن منصور، وهي المختارة لأكثر الأصحاب.
وعنه: يكره.
والمذهب الأول؛ لما روي " أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن مالك بين العمودين " (^٢) .
و" أن سعد بن أبي وقاص حمل جنازة عبدالرحمن بن عوف بين العمودين " (^٣) .
[(والجمع بينهما) أي: بين حمل التربيع والحمل بين العمودين] (أولى).
قال في " الفروع ": والأولى الجمع بينهما. وزاد في " الرعاية ": إن حمل بين العمودين فمن عند رأسه ثم من عند رجليه.
وفي " المذهب ": من ناحية رجليه لا يصلح إلا التربيع.
_________________
(١) في ج: كلام وهو تصحيف.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٢٠ كتاب الجنازة، باب من حمل الجنازة فوضع السرير على كأهله بين العمودين المقدمين.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ٨٠ ]
؟
قال أبو حفص وغيره: يكره الازدحام عليه أيهم يحمله، وأنه يكره التربيع إذًا.
وكذا كره الآجري وغيره التربيع إن ازدحموا، وأن قول أبي داود: رأيت أحمد ما لا أحصي يتبعها ولا يحملها يحتمل: الزحام، وإلا فالتربيع أفضل عنده. انتهى.
تنبيه: قال بعض أصحابنا في كلام له على " المحرر ": ظاهر كلام المؤلف أن كيفية الحمل بين العمودين هو: أن يحمل الجنازة رجلان يضع أحدهما كأهله بين العمودين المتقدمين وهما القائمان، والآخر يضع كأهله بين العمودين المؤخرين.
وفي كون هذه الكيفية هي الجائزة في الحمل بين العمودين نظر؛ لأن الواحد المؤخر إن توسط (^١) بين العمودين لم ير ما بين قدميه.
فلا يهتدي إلى المشي. وإن وضع الميت على رأسه [لم يكن حاملًا بين العمودين، ويؤدي إلى ارتفاع مؤخرة النعش، وتنكيس الميت على رأسه] (^٢) .
فالصواب في كيفية الحمل بين العمودين ما ذكره بعض الفقهاء. وهو: أن يحمل السرير ثلاثة واحد من مقدمه، فيضع العمودين المقدمين على عاتقه ورأسه بينهما، والخشبة المعترضة على كأهله، واثنان من مؤخره، أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الجانب الأيسر، يضع كل منهما عمودًا على عاتقه، [فإن لم يستقل المتقدم بالحمل أعأنه رجلان خارج العمودين، يضع كل منهما عمودًا على عاتقه] (^٣) . فيصير النعش محمولًا على خمسة. انتهى.
(ولا) يكره حمل الجنازة (بأعمدة للحاجة)؛ كجنازة ابن عمر.
(ولا) يكره حملها أيضًا (على دابة لغرض صحيح)؛ كبُعد قبره في أصح الروايتين.
_________________
(١) في ج: يتو سط.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ٨١ ]
؟
(ولا) يكره أيضًا (حمل طفل على يديه).
قال في " الفروع ": وظاهر (^١) كلامهم: لا يحرم حملها على هيئة مزرية،
أُوهيئة يخاف معها سقوطها. ويتوجه احتمال وفاقًا للشافعي. انتهى.
ويستحب ستر نعش المرأة. ذكره جماعة.
قال في " المستوعب ": يستر بالمكبة، ومعناه في " الفصول ".
قال بعضهم: أول من اتُخذ له ذلك زينب أم المؤمنين، ماتت سنه عشرين.
وفي " التلخيص ": لا بأس بجعل المكبة عليها وفوقها ثوب.
قال ابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما: لا بأس بحملها في تأبوت، وكذا من لم يمكن تركه على نعش إلا بمثله؛ كحدب ونحوه.
قال في " الفصول ": المقطّع تلفق أعضاوه بطين حرّ ونفط حتى لا يتبين تشويهه. فإن ضاعت لم يعمل شكلها من طين.
وقال أيضًا: الواجب جمع أعضائه في كفن واحد وقبر واحد.
وقال أبو حفص وغيره: يستحب شد النعش بعمامة.
(وسن مع تعدد) أي: تعدد الموتى (تقديم الأفضل) منهم (أمامَها) أي: أمام الجنائز (في المسير)؛ لأن حق الأفضل أن يكون متبوعًا لا تابعًا.
(و) سن (الإسراع بها) أي: بالجنازة (^٢)، لقول النبي ﷺ: " أسرعوا بالجنازة. فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " (^٣) متفق عليه.
ويكون الإسراع بها (دون الخبب). نص عليه؛ لما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ: " أنه مُرّ عليه بجنازة تمخض مخضًا. فقال: عليكم بالقصد في
_________________
(١) في ج: فظاهر.
(٢) في ج: الجنازة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٥٢) ١: ٤٤٢ كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤٤) ٢: ٦٥٢ كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة.
[ ٣ / ٨٢ ]
؟
جنائزكم " (^١) . رواه الإمام أحمد في " المسند ".
ولأن الإسراف في الإسراع يمخضها ويؤذي حاملها ومتبعيها.
ومحل ذلك: (ما لم يخف عليه) أي: على الميت (منه) أي:
من الإسراع.
ويسن اتباع الجنائز؛ لقول البراء: " امرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز " (^٢) . متفق عليه.
(و) سن أيضًا (كون ماش) مع الجنازة (أمامَها)؛ لما روى ابن عمر قال: " رأيت النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة " (^٣) . رواه أبو داود والترمذي. وعن انس نحوه (^٤) . رواه ابن ماجه.
ولأنه م شفعاء. بدليل قوله ﷺ: " ما من ميت يُصلي عليه أُمَّة من المسلمين يبلغون مائة كُلهم يشفَعون له (^٥) إلا شُفِّعوا فيه " (^٦) . رواه مسلم. والشفيع: يتقدم المشفوع له.
(و) سن كون (راكب ولو) كان راكبًا (سفينة خلفها)، لما روى المغيرة ابن شعبة مرفوعًا: " الراكب خلف الجنازة " (^٧) . رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح.
ولأن سير الراكب أمامها يؤذي متبعها.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٥٦٢) ٤: ٤٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١٨٢) ١: ٤١٧ كتاب الجنائز، باب الأمر بإتباع الجنائز. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠٦٦) ٣: ١٦٣٥ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء. . . -
(٣) أخرجه أبو داود قي " سننه " (٣١٨٤) ٣: ٢٠٦ كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٧ ٠ ١) ٣: ٣٢٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي أمام الجنازة.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٨٣) ١: ٤٧٥ كتاب الجنائز، باب ما جاءفي المشي أمام الجنازة.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤٧) ٢: ٦٥٤ كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه.
(٧) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٣١) ٣: ٣٤٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال.
[ ٣ / ٨٣ ]
وقال المجد: يكره أمامها.
(وقربٌ) يعني: أن قرب متبع الجنازة (منها أفضل) من بعده عنها.
قال الخطابي في الراكب: لا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلفها " الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها " (^١) . رواه أبوداود والترمذي.
(وكره) لمتبع الجنازة (ركوب لغير حاجة)؛ كمرض، (و) لغير (عَوْد).
أما إباحة الركوب للحاجة؛ فظاهر.
وأما للعود؛ فلما روى جابر بن سمرة " أن النبي ﷺ تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا ورجع على فرس " (^٢) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
(و) كره (تقدُّمُها) أي: أن يتقدم الجنازة (إلى موضع الصلاة) عليها.
(لا) تقدمها (إلى المقبرة) فأنه لا يكره.
(و) كره (جلوس من يتبُعها حتى توضع بالأرض للدفن). نص عليه، ونقله الجماعة.
وعنه: للصلاة.
وعنه: في اللحد؛ لاختلاف الخبر.
وعنه: لا يكره.
والأول المذهب. وبه قال الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة وابن الزبير وأبو موسى الأشعري والنخعي والشعبي والأوزاعي وإسحاق.
ووجهه: ما روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٨٠) ٣: ٢٠٥ كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٣١) ٣: ٣٤٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤ ٠ ١) ٣: ٣٣٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في ذلك.
[ ٣ / ٨٤ ]
؟
" إذا اتبعتم الجنائز (^١) فلا تجلسوا حتى توضع " (^٢) .
قال أبو داود: وروى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريره قال فيه: " حتى توضع بالأرض " (^٣) .
وهذا الحكم لمن قرب من الجنازة. ولهذا قلت: (إلا لمن بَعُد)؛ لما في انتظار البعيد عنها قائما حتى تصل إليه من المشقة والحرج.
(و) يكره (قيام لها) أي: للجنازة (إن جاءت أو مرت به وهو جالس)؛
لأن الأمر بالقيام لها منسوخ، وتركه آخر الأمرين من النبي صص ص. بدليل ما روى مسعود بن الحكم عن علي قال: " رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا [تبعًا له]، وقعد فقعدنا [تبعا له]. يعني: في الجنازة " (^٤) . رواه مسلم وأحمد.
وعن ابن سيرين قال: " مُرَّ بجنازة على الحسن بن علي وابن عباس فقام الحسن ولم يقم ابن عباس. فقال الحسن لابن عباس: أما قام لها رسول الله ﷺ؛ قال ابن عباس: قام ثم قعد " (^٥) . رواه النسائي.
(و) كره أيضًا (رفع الصوت معها) أي: مع الجنازة (ولو) كان رفع الصوت (بقراءة).
قال في " الفروع ": اتفاقًا. قاله شيخنا، وحرمه جماعة من الحنفية وغيرهم. انتهى.
ثم قال: وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له ونحوه بدعة عند أحمد، وكرهه وحرمه أبو حف ص. نقل ابن منصور: ما يعجبني.
وروى سعيد " أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا (^٦) لقائل ذلك: لا غفر الله
_________________
(١) في أ: الجنازة.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥٩) ٢: ٦٦٠ كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة
(٣) أخرجه أبوداود في " سننه " (٣١٧٣) ٣: ٠٣ ٢ كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٦٢) ٢: ٦٦٢ كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٣١) ١: ٨٣ وما بين الأقواس سقط من أ.
(٥) أخرجه النسائي في " سننه " (١٩٢٥) ٤: ٤٦ كتاب الجنائز، الرخصة في ترك القيام.
(٦) في ج: جبيرة قال
[ ٣ / ٨٥ ]
؟
لك " (^١) . انتهى.
قال صاحب " المحرر ": ولم ينقك عن صحابي ولا تابعي خلافه.
وأما ما روي عن أنس " أنه شهد جنازة أنصاري فعرضوا له بالاستغفار فلم ينكره "، فلا يعأرض صريح القول بالكراهة؛ لما بين التصريح والتعريض من الفرق.
(و) كره أيضًا (أن تَتْبعها) أي: الجنازة (امرأة) على المذهب.
وقيل: يحرم.
ووجه المذهب: ما ثبت في " الصحيحين " عن أم عطية أنه اقالت: " نُهيناعن أتباع الجنائز، ولم يُعْزَمْ علينا " (^٢) . وهذه الصفة تقتضي رفعه للنبي لما تقرر في الأصول.
ومعنى: " ولم يُعْزَمْ علينا " أي: لم يحتم علينا ترك اتباعها، بل نهينا نهي تنزيه.
(وحرُم أن يتْبَِعها) أي: يتبع الجنازة (مع منكر) نحو: طبل، أو نَوح، أو لطم، أو تصفيق انسان (عاجز عن إزالته) على الصحيح من المذهب. نص عليه.
(ويلزم القادر) على أن يزيله إزالته. ولا يترك اتباعها من أجل المنكر.
***
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١٩٢ ١ ١) ٢: ٤٧٤ كتاب الجنائز، ما قالوا في الرجل يقول خلف الميت: استغفروا له يغفر الله لكم. عن سعيد بن جبير.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢١٩) ١: ٤٢٩ كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٨) ٢: ٦٤٦ كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز.
[ ٣ / ٨٦ ]
؟
[فصل: في دفن الميت]
(فصل. ودفنه فرض كفاية) وهو: إكرام الميت. فأنه لو ترك لأنتن، وتًاذى الناس بريحه، واستقذر، وربما أكلته الوحوش. وقد أرشد الله سبحأنه وتعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل، وأبان ذلك: ببعث غراب يبحث في الأرض؛ لتعريفه الدفن. قال الله سبحأنه وتعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ﴾ [المائده: ٣١].
وقال سبحأنه وتعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلًات: ٢٥ - ٢٦] أي: جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، والأموات في بطنها بالقبور. والكَفْت: الجمع.
وقال سبحأنه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه.
(ويسقط) دفن (وتكفين وحمل) الميت (بـ) فعل (كافر)؛ لأن فاعل كلُ من ذلك لا يختص بكونه من أهل القرية.
(ويقدَّم بتكفين من) قلنا: (يقدَّم بغسل) الميت. (ونائبْه) أي: نائب من يقوم بذلك (كهو) فيقدم النائب على من يقدم عليه مستنيبه.
(والأولى تولِّيه) أي: أن يتولى من هو مقدم بذلك الشيء (بنفسه) دون نائبه.
(و) يقدَّم (بدفن رجل من يقدم بغسله) " لأن النبي ﷺ ألحده العباس وعلي وأسامة " (^١) . رواه أبو داود.
وكانوا هم الذين تولوا غسله.
ولأن المقدم بغسله أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الاطلاع عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سنته " (٣٢٠٩) ٣: ٢١٣ كتاب الجنائز، باب كم يدخل القبر.
[ ٣ / ٨٧ ]
(ثم بعد الأجانب) يعني: أن المقدم بدفنه بعد المقدم بغسله الرجال
الأجانب. ثم يقدم بدفن الميت بعد الرجال الأجانب (محارمُه) أي: محارم
الميت (من النساء). فإن عدم محارمه من النساء (فالأجنبيات) للحاجة إلى دفنه وعدم غيرهن.
(و) يقدم (بدفن امرأة محارمها الرجال) الأقرب فالأقرب؛ " لأن امرأة
عمر لما توفيت قال لأهلها: أنتم (^١) أحق بها " (^٢) .
ولأن محرمها أولى الناس بولأيتها في الحياة. فكذلك بعد الموت.
فإن عُدموا (فزوج)؛ لأنه أشبه بمحرمها من النسب من الأجانب.
فإن عدم الزوج (فأجانب) أي: فالرجال الأجانب في أصح الروايتين؛
لأن النساء يضعفن عن إدخال الميت القبر.
و" لأن النبي ﷺ حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة فنزل في قبرها وهو أجنبي " (^٣) .
ومعلوم: أن محارمها كن هناك؛ كأختها فاطمة.
ولأن تولي النساء لذلك لو كان مشروعًا لفعل في عصر النبي ﷺ وعصر خلفاته.
ولأن الجنازة يحضرها جموع الرجال غالبًا. وفي نزول النساء القبر بين
أيديهن تعريض لهن بالتهتك والتكشف بحضرة الرجال.
فإن عدم الرجال (فمحارمُها) أي: محارم الميتة (النساء) الأقرب فالأقرب منهن كما قلنا في الرجال.
(ويقدم من رجال) أجانب (^٤) (خصي، فشيخ، فأفضل دينًا ومعر فة. ومن
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١٠٩٨٤) ٢: ٤٥٦ كتاب الجنائز، في الرجل يغسل امرأته. ولفظه: ". . . فأنتم أولى بها ".
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٢٥) ١: ٤٣٢ كتاب الجنائز، وما يرخص من البكاء في غير نوح.
(٤) في أ: الميتة.
[ ٣ / ٨٨ ]
بَعُد عهده بجماع أولى ممن قَرُب) عهده بالجماع.
ولا يكره للرجال الأجانب دفن امرأة مع حضور محرم لها. نص عليه.
قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال يحملها من المغتسل إلى النعش، ويسلمها إلى من في القبر، ويحل عقد الكفن. وقاله الشافعي في " الأم " وبعض أصحابه. انتهى.
(وكُره) دفن الموتى (عند طلوع الشمس وقيامها وغروبها)، لقول عقبة: " ثلاث ساعات كان النبى ﷺ ينهانا عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانًا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة [حتى تميل الشمس]، وحين " [تَضَيََّفُ الشُمس للغروب حتى تغرب " (^١) . رواه مسلم.
ومعنى: تضيّف أي: تجنح وتميل للغروب من قولك] (^٢): تضيفت فلانًا إذا ملت إليه.
فأما في غير هذه الأوقات فيباح الدفن ليلاُ ونهارًا.
قال أحمد في الدفن في الليل: لا بأس بذلك، " أبو بكر. دفن. ليلاُ " (^٣)، و" علي دفَنَ فاطمة ليلاُ " (^٤) .
وعنه: أنه يكره الدفن ليلاُ.
والأول المذهب.
ووجهه: ما ذكرنا من فعل الصحابة. وروى ابن عباس " أن النبي ﷺ دخل وأحدًا فأُسرج له سراج. فأُخذ من قبل القبلة وقال: رحمك الله لِلَّهِ إن كنت لأوَّاهًا تلاّءّ للقرآن " (^٥) . قال الترمذي: حديث حسن.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٣١) ٢: ٥٦٨ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها. وما بين الحاصرتين زيادة من " الصحيح "
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٣١ كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز ودفن الموتى. . .
(٤) أخرجه البيهقى في الموضع السابق.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٥٧) ٣: ٣٧٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدفن بالليل.
[ ٣ / ٨٩ ]
ولأن الليل أحد الزمانين. فجاز الدفن فيه؛ كالنهار.
وما روى مسلم من " أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلاُ. فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل، إلا أن يضطر أنسان إلى ذلك " (^١)، فمحمول على التأديب (^٢) .
والدفن بالنهار أولى؛ لأنه أسهل على متبعى الجنازة، وأكثر للمصلين
عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلحاده.
(ولَحد) أفضل من شِقّ وهو بفتح اللام، والضم لغة، وأصله الميل.
وصفته: أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت. والشِقّ: أن يحفر وسط القبر؛ كالنهر. ويبنى جانباه.
(وكونه) أي: اللحد (مما يلي القبلة) أفضل من كونه مما يقابل القبلة.
فالذي مما يلي القبلة يكون ظهره إلى جهة ملحده، والذي لا يلي (^٣) القبلة يكون وجهه إلى جهة ملحده؛ لأنه يكون في الحالتين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
(ونصبُ لَبِنٍ) وهو: ما ضرب من الطين مربعًا للبناء (عليه) أي: على اللحد (أفضل) من نصب الحجارة عليه.
ووجه كون اللحد أفضل من الشق: ما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: " الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليََّ اللبن نصبًا كما فعل برسول الله ﷺ " (^٤) .
(وكُره شقً بلا عذر) كما لو تعذر اللحد؛ لكون التراب ينهال (^٥)، ولا
يمكن دفع ذلك بنصب لَبِن أو حجارة. وإن أمكن أن يجعل فيها شبه اللحد من
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٤٣) ٢: ٦٥١ كتاب الجنائز، باب فى تحسين كفن الميت.
(٢) في ج؛ التأبيد.
(٣) في أ: والذي مما يقابل.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٦٦) ٢: ٦٦٥ كتاب الجنائز، باب في اللحد ونصب اللبن على الميت.
(٥) فى أ: ينهار.
[ ٣ / ٩٠ ]
الجنادل واللبن جعل. نص عليه، ولم يعدل إلى الشق.
قال أحمد: لا أحب الشق؛ لما روي في الحديث: " اللحد لنا والشق لغيرنا " (^١) . رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. لكنه ضعيف.
(و) كره أيضًا (إدخالُه) أي: إدخال القبر (خشبًا - إلا لضرورة- وما) أي: وشيئًا (مسته نار)؛ كالآجُر.
(ودفن في تابوت ولو امراة)؛ لقول إبراهيم النخعي: " كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب " (^٢) . ولا يستحبون الدفن في تابوت؛ لأنه خشب. ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا، والأرض أنشف لفضلاته. ومنع ما مسته النار تفاؤلًا أن لا يمس الميت نار.
(وسن أن يعمَّق ويوسَع قبر بلا حد)؛ لقوله ﷺ في قتلى أحد: " احفروا وأوسعوا (^٣) وعمقوا " (^٤) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ولأن تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي يستضر بها الأحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت.
وأعلم أن التوسيع هو: الزيادة في الطول والعرض؛ لما روى " أنه ﷺ قال لحفار: أوسع من قبل الرأس ومن قبل الرجلين " (^٥) .
وأما التعميق فهو: الزيادة في النزول، وهو بالعين المهملة كما قاله الجوهري. وكون ذلك بلا حد هو المذهب المنصوص نظراُ لظاهر الحديث.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٠٨) ٣: ٢١٣ كتاب الجنائز، باب في اللحد. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٤٥) ٣: ٣٦٣ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قول النبي ﷺ: " اللحد لنا والشق لغيرنا ". قال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٠٠٩) ٤: ٨٠ كتاب الجنائز، باب اللحد والشق.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٧٦٩) ٣: ٢٧ كخاب الجنائز، في تجصيص القبر والأجر يجعل له.
(٣) () في ج: وسعوا.
(٤) سيأتي تخريجه ص (١٠٨) رقم (٣).
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٤١٤ كتاب الجنائز، باب ما يستحب من اتساع القبر وإعماقه.
[ ٣ / ٩١ ]
وعنه: يسن إلى الصدر.
وعنه: قامة وبسطة. وهي بسط يده قائمة. واختاره الأكثر.
(ويكفي ما) أي: تعميق (يمنع السباع والرائحة). فمتى حصل ذلك فقد حصل المقصود، ولم يرد فيه عن النبي ﷺ تقدير. فيرجع فيه إلى ما يحصل المقصود. ولا فرق في ذلك بين قبر الرجل والمرأة.
(و) سن (إن يسجَّى) أي: يغطى القبر (لأتتى وختتى)، لأن المرأة عورة، والخنثى يحتمل كونه امرأة.
ولأنه لا يؤمن أن يبدو من المرأة شيء فيراه الحاضرون.
ولأن بناء أمرها على الستر، ولهذا يستحب ان يوضع على نعشها ما يسترها حال حملها، من مكبة، أو قبة، أو خيمة.
قال الموفق: لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافًا بين أهل العلم.
(وكُره) تغطية القبر (لرجل إلا لعذر) من مطر أو نحوه. نص عليه؛ لما روي عن علي " أنه مرَّ بقوم وقد دفنوا ميتًا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء " (^١) .
ولأن مبنى حال الرجال على الانكشاف.
ولأن كشفه أبعد من التشبه بالنساء، مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله ﷺ.
(و) سن (إن يُدْخَلَه) أي: يدخل القبر (ميت من عند رجليه) [أي: رجلي القبر] (^٢) . وذلك: أن توضع الجنازة آخر القبر، ليكون رأس الميت عند الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل الواقف في القبر الميت [سلًا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٤ كتاب الجنائز، باب ما روي في ستر القبر بثوب.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ٩٢ ]
رفيقًا فيوضع في اللحد. وهذا المذهب؛ لما روي " أن النبي ﷺ سُلَّ] (^١) من قبل رأسه " (^٢) . أخرجه الشافعي في " الأم " والبيهقي بإسناد صحيح.
وعن عبدالله بن زيد الأنصاري " أنه صلى على جنازة، ثم أدخله القبر من عند رجل القبر وقال: هذا من السنة " (^٣) . رواه أبو داود والبيهقي وصححه.
ومحل استحباب ذلك: (إن كان أسهل) إذ المقصود الرفق بالميت.
(وإلا) أي: وإن لم يكن إدخال الميت القبر من عند رجله أسهل (فـ) يدخله (من حيث) أي: من أيّ محل (سهُل) إدخاله منه، (ثم) إن استوت الكيفيات في السهولة فـ (سواء) أي: فلا تترجح إحدى الكيفيات على الأخرى.
(ومن مات بسفينة) فأنه (يُلقى في البحر سَلاَّ؛ كإدخاله القبر) بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه، وبعدما يُثقّلونه بشيء؛ ليستقر في قرار البحر. نص عليه.
ومحل ذلك: إن لم يكونوا بقرب الساحل. فإن كانوا بقرب الساحل وأمكنهم دفنه فيه وجب.
(و) سن (قول مُدخِله) أي: يسن لمن يدخل الميت القبر أن يقول: (بسم الله، وعلى ملة رسول الله)، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ (^٤) " (^٥) . رواه أحمد.
وفي لفظ: " كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله وعلى سنة (^٦) رسول الله " (^٧) . رواه الخمسة إلا النسائي.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) () أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٤ كتاب الجنائز، باب من قال: يسل الميت من قبل رجل القبر.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢١١) ٣: ٢١٣ كتاب الجنائز، باب في الميت يدخل من قبل رجليه. وأخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٤) زيادة من أ.
(٥) أخرجه أحمد فى " مسنده " (٤٨١٢) ٢: ٢٧.
(٦) في ج ملة.
(٧) أخرجه أبو داود في " سننه؟ (٣٢١٣) ٣: ٢١٤ كتاب الجنائز، باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره.
[ ٣ / ٩٣ ]
؟
ومهما أتى به من ذكر أو دعاء عند وضعه وإلحاده وتسوية اللبن عليه مما يليق بالحال، فلا بأس به.
قال سعيد بن المسيب: " حضرتُ ابن عمر في جنازة. فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله. فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم لِلَّهِ أجِرْها من الشيطان ومن عذابِ القبرِ. اللهم لِلَّهِ جافِ الأرض عن جَنبيها، وصعّد روحَها، ولقِّها منكَ رضوانًا. وقال ابن عمر: سمعته من رسول الله ﷺ " (^١) . رواه ابن ماجه.
وعن بلال: " أنه دخل مع أبي بكر في قبر. فلما خرج قيل لبلال: ما قال؛ قال: أسلَمَه إليك الأهل والمال والعشيرة. والذنب العظيم وأنت غفور رحيم، فاغفر له " (^٢) . رواه سعيد.
(و) سن (أن يُلحِدَه على شقه الأيمن)؛ لأنه يشبه النائم، والنائم سن ته النوم على جنبه الأيمن؛ لقول النبي ﷺ للبراء: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ ثم اضطجع على جنبك الأيمن " (^٣) .
(و) سن أيضًا أن يجعل (تحت رأسه) [أي: الميت] (^٤) (لَبِنة). فإن لم
_________________
(١) = وأخر جه الترمذي في " جامعه " (١٠٤٦) ٣: ٣٦٤ كتاب الجنائز، باب ما يقول إذا أدخل الميت القبر. وأخرجه ابن ماجه. في " سننه " (١٥٥٠) ١: ٤٩٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في إدخال الميت القبر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٢٣٣) ٢: ٩ ٥. () أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥٥٣) ١: ٤٩٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في إدخال الميت القبر. قال في " الزوائد ": في إسناده حماد بن عبدالرحمن، وهو متفق على تضعيفه.
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج عبدالرزاق في " مصنفه " " أن عمر إذا سوى على الميت قبره قال: اللهم لِلَّهِ أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم فاغفر له " (٦٥٠٥) ٣: ٥٠٩ كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت حين يفرغ منه. وأخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١١٦٩٦) ٣: ٢٠ كتاب الجنائز، ما قالوا إذا وضع الميت في قبره. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٦ كتاب الجنائز، باب ما يقال يعد الدفن.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٠٤٦) ٤: ٣١١ كتاب الأدب، باب ما يقال عند النوم.
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ٩٤ ]
توجد وُضع حجر، فإن عدم وُضع تحت رأسه قليل من تراب؛ لأن هيئته بوضع ذلك أحسن من أن يكون رأسه مائلا.
ولأن في ذلك شبها " (^١) بالمخدّة للحي.
وعلم مما تقدم: أنه لا يوضع تحت رأسه آجرة؛ لأنها (^٢) مما مسته النار. ويُفضى بخده الأيمن إلى الأرض بًان يزال الكفن عنه (^٣)، ويلصق بالأرض؛ لأنه أبلغ في الاستكانة والتضرع؛ لقول عمر: " إذا أنا مت فأفضوا بخدي إلى الأرض ".
(ومموه مخدة) أي: يكره ان يجعل تحت رأسه مخدة. نص أحمد على ذلك؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف.
(و) تكره (مضرَّبة وقطيفة تحته).
قال أحمد: أحب. أن تجعلوا في الأرض مضربة.
ولأنه روي عن ابن عباس " أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شيء " (^٤) . ذكره الترمذي.
وعن أبي موسى قال: " لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا ".
" والقطيفة التي وضعت تحت رسول الله ﷺ إنما وضعها شقران " (^٥)، ولم يكن ذلك باتفاق (^٦) من الصحابة.
(أو أن يُجعل فيه) أي: في القبر (حديد) أو نحوه، (ولو أن الأرض؟
_________________
(١) في ج: شبه.
(٢) في ج: لأنه.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ذكره الترمذي في " جامعه " تعليقًا ٣: ٣٦٦ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٤٧ ١٠) ٣: ٣٦٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر. قال الترمذي: حديث حسن غريب.
(٦) في أ: عن اتفاق.
[ ٣ / ٩٥ ]
رخوة) يعني: أنه كما يكره أن يجعل فى القبر مضربة أو قطيفة يكره أن يجعل تحت الميت حديد أو رصا ص أو غيرهما.
وعنه: لا بأس بالقطيفة ونحوها من علة.
وعنه: مطلقًا.
وقيل: تستحب القطيفة؛ لفعل شقران.
(ويجب أن يُستقبل به) أي: بالميت (القبلة)؛ لقول النبي ﷺ في الكعبة: " قبلتكم أحياء وأمواتًا " (^١) .
ولأن ذلك طريقة (^٢) المسلمين بنقل الخلف عن السلف.
ولأن النبي ﷺ هكذا دفن.
وما في المتن هو المذهب.
وعند صاحب " الخلاصة " و" المحرر ": يستحب كجنبه الأيمن.
وينبغي أن يدنى من الحائط؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسن د من وراءه بتراب؛ لئلا ينقلب.
ثم يشرح اللحد باللبن؛ لقول سعد: " انصبوا عليَّ اللبن كما صُنع برسول الله ﷺ " (^٣) .
ويتعاهد خلال اللبن بسدّه بالمدر ونحوه، ثم يطين فوق ذلك؛ لئلا ينتخل عليه التراب. وقد روي عن أبي أمامة قال: " لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في اللحد قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. فلما بنى عليها لحدها، طفق يطرح إليهم الحبوب ويقول: سدوا خلال اللبن. ثم قال: ليس هذا بشيء، ولكنه يطيب نفس الحى " (^٤) . رواه أحمد فى " مسنده ".
والحبوب، جمع حبوبة وهي: المدر.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥ ٧ ٢٨) ٣: ١١٥ كتاب الوصأيا، باب ما جاء في التشديد فى أكل مال اليتيم.
(٢) في ج: طريق.
(٣) سبق تخريجه ص (٩٠) رقم (٤).
(٤) أخرجه أحمد فى " مسنده ") ٢٢٢٤١) ٥: ٢٥٤.
[ ٣ / ٩٦ ]
وعن جابر بن عبدالله " أن النبي ﷺ رأى في قبر ابنه حجرًا فأمر بسله، ثم قال: أنه لا ينفع الميت ولكن يسلي بنفس المصاب ". رواه الخلال في " جامعه ". (وسن حثو التراب عليه) أي: على الميت (ثلاثًا) أي: ثلاث حثيات (باليد، ثم يُهال) عليه التراب، لما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا " (^١) . رواه ابن ماجه. وعن عامر بن ربيعة " أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن مظعون فكبر عليه أربعًا وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم عند رأسه " (^٢) . روأه الدارقطني.
ولأن مواراته فرض (^٣)، وبالحثي يصير ممن شارك فيها. وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار فاستحب لذلك.
(و) سن أيضًا (تلقينُه) أي: تلقين الميت عند الأكثر، لما روى أبو أمامة البأهلي قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب. فليقم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة. فأنه يسمع ولا يجيب، ثم لمقل: يا فلان ابن (^٤) فلانة ثانية. فأنه يستوي قاعدًا، ثم ليقل: يا فلان ابن (^٥) فلانة فأنه يقول: أرشدنا يرحمك الله. ولكن لا تسمعون فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًاُ. فإن منكرًا ونكيرًا يقولان: ما يُقعدنا عنده (^٦) وقد لقن حجته. فقال رجل: يا رسول الله لِلَّهِ فإن لم يعرف اسم أمه؛ قال: فلينسبه إلى حواء " (^٧) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥٦٥) ١: ٤٩٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في حثو التراب في القبر.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١) ٢: ٧٦ كتاب الجنائز، باب حثي التراب على الميت.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: يا ابن.
(٥) مثل السابق.
(٦) في أ: عند هذا.
(٧) أخرجه الطبرانى قي الكيير (٧٩٧٩) ٨: ٩٨ ٢.
[ ٣ / ٩٧ ]
قال أبو الخطاب: هذا الحديث رواه أبو بكر عبدالعزيز في " الشافي ". وقال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه: شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ما رأيت أحدًا نقل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، جاء أنسًا فقال ذاك. وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم: أنه م كانوا يفعلونه.
قال في " شرح الهداية ": وممن يرى (^١) تلقين الميت كأصحابنا. أصحاب الشافعي فيما ذكر بعض المتأخرين منهم فقال: يجوز تلقين الميت في لحده، وعند احتضاره عندنا خلافًا للمعتزلة فإنهم لم يجوزوه بعد الموت. وأحتج عليهم بقول النبي ﷺ: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " (^٢) . وهذا اللفظ يتناول حقيقة من قد مات دون من سيموت. فيحمل عليهما أو على الحقيقة. أما على المجاز وحده فعلى خلاف الظاهر.
فإذا تقرر هذا فهل يلقن الصغير؟ قال أبو حكيم النهروانى: يلقن، لعموم الخبر.
ولأنه محكوم بإسلامه، فأشبه المكلف. وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب.
وقال ابن عقيل: إنما يلقن إذا كان كبيرًا، لأن ظاهر الأخبار في مُسائلة منكر ونكير أنها تختص بالمكلفين. وهذا قياس قول القاضي، لأنه ذكر: أن الصبيان والمجانين آمنون من مسائلة منكر ونكير. انتهى كلامه في " شرح الهداية ". (و) يسن أيضًا (الدعاء له) أي: للميت (بعد الدفن عند القبر). نص عليه وقال: قد فعله علي والأحنف بن قيس (^٣)، وذلك لما روي عن عثمان بن عفان قال: " كان النبى ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وأسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " (^٤) . رواه أبو داود.
_________________
(١) في ج: ير وي.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩١٦) ٢: ٦٣١ كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى: لا إله إلا الله.
(٣) زياده لفظ: انتهى من أ.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٢١) ٣: ٢١٥ كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف.
[ ٣ / ٩٨ ]
؟
وعن ابن مسعود " أن النبي ﷺ كان يقف على القبر بعدما يسوى عليه فيقول: اللهم لِلَّهِ نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره. اللهم لِلَّهِ ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به ". رواه سعيد في " سننه ".
والأخبار بنحو ذلك كثيرة.
وقال أكثر المفسرين في قوله سبحأنه وتعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] معناه: بالدعاء له والاستغفار بعد الفراغ من
دفنه. فيدل على (^١) أن ذلك كان عادة النبي ﷺ في المسلمين.
ونقل محمد بن حبيب النجار (^٢) قال: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي فقمنا ناحية. فلما فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن جاء إلى القبر وأخذ بيدي، وجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم لِلَّهِ إنك (^٣) قلت في كتابك: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * [فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ]﴾ (^٤) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] وقرأ إلى آخر السورة ثم قال: اللهم لِلَّهِ إنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك. اللهم لِلَّهِ فاقبل شهادتنا له. ودعا له وانصرف.
(و) سن أيضًا (رشُه) أي: رشزب القبر (بماء)؛ لما روى جعفر بن محمد عن أبيه " أن النبي ﷺ رَشَّ على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حَصْباء " (^٥) . رواه الشافعي.
ولأن الرش أثبت له وأبعد لدروسه، ووضع الحصباء أمنع لترابه من أن تذهبه الرياح. والحصباء: صغار الحصى.
(و) سن (رفعُه) أي: رفع القبر عن (^٦) الأرض (قدر شبر)؛ ليعرف أنه
_________________
(١) في ب: عليه.
(٢) ساقط من أ. () في أ: التمار.
(٣) زيادة لفظ: قد من أ.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٥٩٩) ١: ٢١٥ كتاب الصلاة، باب في صلاة الجنائز وأحكامها.
(٦) في ج: على.
[ ٣ / ٩٩ ]
قبر فيتوقى، ويترحم على صاحبه.
وقد روى الشافعي عن جابر: " أن النبي ﷺ رُفع قبره عن الأرض قدر شبر " (^١) .
وروى القاسم بن محمد قال: " قلت لعائشة: يا أُمَّهْ لِلَّهِ اكشفي لي عن قبر رسول الله وصاحبيه. فكشفت لى عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئَة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " (^٢) . رواه أبو داود.
(وكره) رفعه (فوقُه) أي: فوق الشبر؛ لقول النبي ﷺ لعلي: " لا تدعْ تمثالًا إلا طَمَسْتَه، ولا وأحدًا مُشْرفًا إلا سوَيته " (^٣) . (^٤) رواه مسلم وغيره.
والمُشْرف: ما رفع كثيرًا؛ بدليل قول القاسم في صفة قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه رضي الله تعالى عنهما: " لا مُشْرفَة ولا لاطِئة ".
(و) كره أيضًا (زيادة ترابه) أي: تراب القبر من غيره. نص عليه؛ لما روى جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يُبنى على القبر أو يزاد عليه " (^٥) . رواه النسائي وأبو داود.
وعن عقبة بن عامر قال: " لا يجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه حين حفر ". رواه أحمد بإسناده في رواية ابنه عبدالله.
ولأن العادة أن يفضل من التراب عن مساواة الأرض لمكان الميت من القبر ما يكفي لسن هـ التسن يم. فلا حاجة إلى الزيادة.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٤١٠ كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكث مرن ترابه لئلا يرتفع جدًا.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٢٠) ٣: ٢١٥ كتاب الجنائز، باب في تسوية القبر.
(٣) في ج: ساويته.
(٤) () أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٦٩) ٢: ٦٦٦ كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر. وأخرجه أبو داود في " سن ئه " (٣٢١٨) ٣: ٢١٥ كتاب الجنائز، باب فى تسوية القبر. وأخرجه الترمذى قي " جامعه " (١٠٤٩) ٣: ٣٦٦ كتاب الجنائز، باب ما جاء في تسوية القبور.
(٥) أخرجه أبو داود قي " سننه " (٣٢٢٦) ٣: ٢١٦ كتاب الجتائز، باب في البناء على القبر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٧ ٠ ٢) ٤: ٨٦ كتاب الجنائز، الزيادة على القبر.
[ ٣ / ١٠٠ ]
(و) كره أيضًا (تزويقُه) أي: تزويق القبر، (وتخليقُه ونحوه) كدهنه؛ لأن ذلك كله بدعة لم (^١) يرد بها الشرع.
(و) كره أيضًا (تجصيصُه) وهو: تبييضه (^٢) بالجص، (واتكاء عليه، ومبيت) عنده، (وحديث في أمر الدنيا، وتبسّْم عنده، وضحكٌ أشد) من التبسم، (وكتابة) على القبر، (وجلوس ووطء وبناء) عليه؛ لما روى جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه " (^٣) . رواه مسلم والترمذي. وزاد: " وأن يكتب عليه " (^٤) . وقال: حديث حسن صحيح.
وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " (^٥) . رواه مسلم.
وروي " أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد اتكًا على قبر فقال: لا تؤذ (^٦) صاحب القبر " (^٧) .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لأن يجلس احدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر مسلم " (^٨) . رواه مسلم.
_________________
(١) في أ: ولم.
(٢) في ج: تبيضه.
(٣) () أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٠) ٢: ٦٦٧ كتاب الجنائز، النهى عن تجصيص القبر والبناء عليه.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٢ ٠ ١) ٣: ٣٦٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٢) ٢: ٦٦٨ كتاب الجنائز، النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه.
(٦) في ج: تؤذوا.
(٧) أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٢٠ ٦٥) ٣: ١ ٦٨ كتاب معرفة الصحابه، ذكر عمارة بن حزم الأنصاري ﵁.
(٨) أخرجه مسلم قى " صحيحه " (١ ٩٧) ٢: ٦٦٧ كتاب الجنائز، النهى عن الجلوس على القبر والصلاة عليه.
[ ٣ / ١٠١ ]
(و) يكره (مشيٌ عليه) أي: على القبر (بنعل حتى بالتُمُشْكِ بضم التاء والميم وسكون الشين)، نوع من النعال وجمعه: تمشكات.
قال الخطابي: ثبت أن النبي ﷺ نهى أن توطأ القبور.
(وسن خلعُه) أي: خلع النعل إذا احتاج إلى المشي على القبور (^١) . (إلا خوف نجاسة، و) خوف (شوك ونحوه) مما يتأذى به؛ كسخونة الأرض وحروريتها؛ لما روى بشير بن الخصَاصِية قال: " بينما أنا أُماشي رسول الله ﷺ إذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان. فقال له: يا صاحب السَّبِتيَّتين ألق سِبْتيتِيَّك. فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما " (^٢) . رواه أبو داود. وقال أحمد: إسناده جيد.
ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يكره مع خوف النجاسة أو الشوك ونحو ذلك؛ لأن ذلك عذر والعذر يمنع الوجوب في بعض الأحوال. فهنا أولى.
ولا يدخل في ذلك نزع الخفاف؛ لأنه يشق.
وقد روي عن أحمد: أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه.
(ولا بأس بتطيينه) أي: تطيين القبر فيباح في الأصح؛ لما روى عبدالعزيز ابن محمد الدراوردي (^٣) عن جعفر بن محمد عن أبيه: " أن النبي ﷺ رُفع قبره عن الأرض شبرًا، وَطُيِّنَ بطين أحمر من العرصة، وجعل عليه من الحصباء " (^٤) . ولأن زينة التطيين دون زينة التجصيص.
_________________
(١) في ج: قبور.
(٢) أخرجه أبو داود فى "سننه" (٣٢٣٠) ٣:٢١٧ كتاب الجنائز، باب المشى فى النعل بين القبور. وأخرجه أحمد فى "مسنده" (٢٠٨٠٥) ٨٤:٥.
(٣) في ج: الداراوردي
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٤١١ كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكثر من ترابه لئلا يرتفع جدًا.
[ ٣ / ١٠٢ ]
(و) لا بأس بـ (تعليمه بحجر أو خشبة ونحوهما، وبلوح). نص أحمد على إباحة تعليم القبر؛ لما روى أبو داود بإسناد عن المطلب قال: " لما مات عثمان بن مظعون أُخْرج بجنازته فدفن. أمر النبي ﷺ أن نأيته بحجر فلم نستطع حمله. فقام رسول الله ﷺ فحسر عن ذراعيه فحملها فوضعها عند رأسه وقال: أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي " (^١) . ورواه ابن ماجه عنه ﵇ من رواية أنس (^٢) .
(وتَسنيمٌ أفضل) يعني: أن تسن يم القبر أفضل من تسطيحه؛ لما روى سفيان التمار أنه قال: " رأيتُ قبرَ النبي ﷺ مُسَنَّمًا " (^٣) . رواه البخاري، وعن الحسن مثله.
ولأن التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا.
(إلا) من مات (بدار حرب: أن تعذر نقله) من دار الحرب (فتسويتُه) أي: تسوية قبره بالأرض (وإخفاؤه) أولى من تسن يمه وإظهاره؛ خوفا من أن ينبش فيمثل به.
(ويحرم إسراجُها) أي: إسراج القبور؛ لقول النبي ﷺ: " لعن الله زوّارات القبور، والمتخذات عليهن المساجد والسرج " (^٤) . رواه أبو داود والنسائي بمعناه.
ولو أبيح لم يلعن النبي ﷺ من فعله.
ولأن في ذلك تضييعًا للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الأموات يشبه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦ ٠ ٣٢) ٣: ١٢ ٢ كتاب الجنائز، باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥٦١) ١: ٤٩٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء قي العلامة في القبر.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٢٥) ١: ٤٦٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٣٦) ٣: ١٨ ٢ كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٣ ٠ ٢) ٤: ٩٤ كتاب الجنائز، التغليظ قي اتخاذ السرج على القبور.
[ ٣ / ١٠٣ ]
تعظيم الأصنام.
(و) يحرم أيضًا (التخلّي) عليها (^١)؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ: " لأن أطأ على جمرة أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم. ولا ابالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق " (^٢) . رواه الخلال وابن ماجه. (و) يحرم أيضًا (جعل مسجد عليها) أي: على القبور، (وبينها) أي: بين القبور؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (^٣) متفق عليه.
وعن جندب بن عبدالله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهويقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا لِلَّهِ فلا تتخذوا القبور مساجد. فإنى أنهاكم عن ذلك " (^٤) . رواه مسلم.
(ودفن بصحراء أفضل) من الدفن بالعمران؛ لأنه أقل ضررًا على الأحياء من الورثة، فأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه.
ولم تزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحاري.
(سوى النبي ﷺ) فإنه إنما قبر في بيته. قالت عائشة: " لئلا يتخذ قبره مسجدًا " (^٥) . رواه البخاري.
ولأنه روي: " يدفن الأنبياء حيث يموتون " (^٦) . مع أنه ﷺ كان يَدفن
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٥٦٧) ١: ٤٩٩ كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٦) ١: ١٦٨ أبواب المساجد، باب الصلاة في البيعة. وأخرجه مسلم في (صحيحه " (٠ ٥٣) ١: ٣٧٧ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن بناء المساجد على القبور. . .
(٤) أخرجه مسلم قي " صحيحه " (٥٣٢) الموضع السابق.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٢٤) ١: ٤٦٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر ﵄.
(٦) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦٥٣٤) ٣: ٥١٦ كتاب الجنائز، باب لا ينقل الرجل من حيث يموت.
[ ٣ / ١٠٤ ]
أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره. وإنما أصحابه راو اتخصيصه بذلك؛ صيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن غيره ﷺ.
(واختار صاحباه) أبو بكر وعمر ﵄ (الدفن عنده: تشرُّفًا وتبرُّكًا. ولم يُزَد) عليهما؛ (لأن الخرق) بدفن غيرهما (يتسع والمكان ضيق. وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع).
ويكره أن يُتخذ على القبور خيمة أو فسطاط. نص على ذلك؛ " لأن أبا هريرة أوصى حين حضره الموت: أن لا تضربوا علي فسطاطاُ " (^١) . رواه أحمد في " مسنده ".
قال البخاري في " صحيحه ": " ورأى ابن عمر فسطاطاُ على قبر عبدالر حمن فقال: انزعهُ يا غلام. فإنما يُظُِلُّه عمله " (^٢) .
ولأن الخيام بيوت أهل البر. فكرهت؛ كما كرهت بيوت أهل المدن.
(ومن وصّى بدفنه بدار) في ملكه (أو أرض في ملكه، دفن مع المسلمين)؛ لأنه يضر الورثة. قاله أحمد.
(و) قال أحمد أيضًا: (لا بأس بشرائه) أي: بأن يشتري الإنسان (موضعَ قبره، ويوصي بدفنه فيه). فعله عثمان وعائشة.
قال في " الفروع ": فلهذا حمل صاحب " المحرر " الأول على أنه لم يخرج من ثلثه. وما قاله متجه، وبعّده بعضهم.
وفي " الوسيلة ": فإن أذنوا كره دفنه فيه. نص عليه. انتهى.
ومراد صاحب " الفروع " بالأول: ما إذا أوصى بدفنه في ملكه. والله أعلم. (ويصح بيع) أي: أن يبيع الورثة (ما دُفن فيه) الميت (من ملكه، ما لم يجعل) أي: يصير (مقبرة) نص عليه. ومنع ابن عقيل بيع موضع القبر مع بقاء رمته.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٩٠١) ٢: ٢٩٢.
(٢) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ً ١: ٤٥٧ كتاب الجنائز، باب الجريد على القبر.
[ ٣ / ١٠٥ ]
قال في " الفنون ": لأنها ما لم تَستحِلْ ترابًا فهي محترمة. قال: وإن نقلت العظام وجب الرد؛ لتعيينه لها.
قال جماعة: وله (^١) حرثها إذا بلي العظام.
(ويُستحب جمع الأقارب) الموتى في المقبرة الواحدة؛ لأنه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم.
ويعضد ذلك قول النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون وعلم قبره: " أدفن إليه من مات من أهلي " (^٢) .
(و) يستحب (البقاع الشريفة) أي: الدفن فيها؛ لما في حديث أبي هريرة مرفوعًا: " ان موسى لما حضره الموت سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر. قال النبي ﷺ: لو كنت ثَّمَّ لأريتكم قبره عند الكثيبِ الأحمر " (^٣) . وقال عمر: " اللهم لِلَّهِ ارزْقْني شهادةً في سبيلَكَ، واجعلْ موْتى في بلدِ رسولك " (^٤) . متفق عليهما.
ويستحب أيضًا ما كثر فيه الصالحون من البقاع؛ لتناله بركتهم. ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وسًال عائشه حتى أذنت له.
(ويُدفن) الميت في (مُسَبَّلةٍ ولو بقول بعض الورثة) يعني: أنه متى أرادَ بعض ورثة الميت دفنه في مقبرة مُسبّلة وأراد الباقون دفنه في مكان خلفه دفن في المسبَّلة؛ لأن دفنه فيها أفضل، وأقل ضررًا، ولا منّة فيه. [بخلاف ما إذا طلب بعضهم أن يكفن من أكفان المسلمين لم يلتفت إليه؛ لأن فيه] (^٥) منّة على الميت والورثة.
_________________
(١) في ج: له.
(٢) سبق تخريجه ص (١٠٣) رقم (١).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٢٢٦) ٣: ١٢٥٠ كتاب الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٧٢) ٤: ١٨٤٢ كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﷺ.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٩١) ٢: ٦٦٨ أبواب فضائل المدينة، باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة.
(٥) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٠٦ ]
(ويقدَّم فيها) أي: في المقبرة المسبلة (بسبق) يعني: أنه لو لم يكن في المقبرة المسبلة إلا ما يسع قبرًا وأحدًا وأتي بميتين أحدهما أسبق من الآخر، قدَّم السابق على المتأخر منهما، لأن السابق إلى مباح مقدّم بسبقه، (ثم) إن استويا قدّم احدهما بـ (قرعة)، لأن القرعة وضعت لتمييز ما أُبهم.
(ويحرم الحفر فيها) أي: في المقبره المسبّلة (قبل الحاجة) إلى الحفر.
قال في " الفروع ": ذكره ابن الجوزي. وإن ثبت قو لّ بجواز بناء بيت ونحوه فهاهنا كذلك وأولى، ويتوجه هنا ما سبق في المصلى المفروش. انتهى.
(ويحرُم دفن غيره عليه) أي: دفن ميت على آخر (حتى يُظنّ أنه) أي: أن المدفون اولًا (صار ترابًا). فيجوز نبشه مع ظن أنه صار ترابًا في أصح الوجهين. ويختلف ذلك باختلاف البلاد والهواء، وهو في بعض البلاد الحارة أسرع منه في الباردة، ويُرجع فيه إلى أهل الخبرة. وكذا يجوز نبشه إذا ظُن أنه صار ترابًا؛ لزرع وغرس. قاله أبو المعالي. والمراد: ما لم يخالف شرط واقف في تعيينه الأرض للدفن، ثم إن وجد فيه عظام عند نبشه لم يجز دفن ميت آخرعليه نصًا.
وعنه: تبقى العظام مكانها ويدفن بإزائها. نقلها (^١) أبو طالب (^٢)، واختارها الخلال.
وتحرم عمارة القبر الدائر الذي غلب على الظن بلاء صاحبه، وتسوية التراب عليه في المقبرة المسبّلة، لئلا يتصور بصورة الجديد. فيمتنع من الدفن فيه، قياسًا على تحريم الحفر (^٣) فيها قبل الحاجة إليه.
(و) يحرم أيضًا: أن يدفن (معه) أي: مع الميت ميت آخر فأكثر في أصح الروايات. يعني: أنه يحرم أن يدفن في القبر الواحد ميتان فأكثر، (إلا لضرورة أو حاجة).
_________________
(١) في أ: نقله.
(٢) في ج: أبو الخطاب.
(٣) في ج: الد فن.
[ ٣ / ١٠٧ ]
أما كونه لا يدفن مع الميت ميت آخر من غير حاجة " فـ " لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت واحد في قبر ".
وسُئل أحمد عن الاثنين والثلاثة يدفنون في قبر واحد قال: أما في مصر فلا، ولكن في بلاد الروم يكثر القتلى. انتهى.
وإنما قال ذلك، لأن الإفراد لا يتعذر غالبًا في مصر، ويتعذر غالبًا في موضع تقع الحرب فيه. أما إذا وجدت الحاجة في مصر أو غيره فأنه يجوز دفن الاثنين فأكثر في قبر واحد.
(وسن حجزّ بينهما بتراب) أي: أن يُجعل بين كل اثنين حاجزًا من التراب، (وأن يُقدَّمَ إلى القبلة من يقدمََّ إلى الإمام) إن (^١) اجتمع جنازتان فًا كثر للصلاة عليهم " وذلك لما روى هشام بن عامر قال: " شُكِيَ إلى رسول الله كثرة الجراحات يوم أحد فقال: احفروا وأوسعوا (^٢) وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والتلاثة في قبر واحد، وقدّمُوا أكثرهم قرآنًا " (^٣) . رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
وإنما يسن أن يُجعل بين كل اثنين حاجز من التراب؛ لأن الكفن حائل غير حصين.
قال أحمد: ولو حُفر لهم شبه النهر وجُعل رأس أحدهم عند رجل الآخر وجُعل بينهما حاجز من تراب لم يكن به بأس.
(و) الميت (المتعذَّر إخراجه من بئر إلا متقطّعًا ونحوه وثََمْ حاجة إليها) أي: إلى البئر (أخرج) متقطعًا " لأن الضرر الحاصل بمُثلة الميت أخف ضررًا من الضرر الحاصل بالحاجة إلى البئر.
_________________
(١) في أ: إذا.
(٢) في ج: ووسعو ا.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢١٥) ٣: ٢١٤ كتاب الجنائز، باب في تعميق القبر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧١٣) ٤: ٢١٣ كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن الشهداء. وأخرجه النسانى قي " سننه " (٥ ١. ٢) ٤: ٨٣ كتاب الجنائز، دفن الجماعة في القير الواحد.
[ ٣ / ١٠٨ ]
(وإلا) أي: وإن لم تدع الحاجة إلى البئر (طُمُّتْ) على الميت. فتصير
قبره، لأنه لا ضرورة إلى إخراجه متقطعًا.
وعلم مما تقدم: أنه إن لم يتعذر إخراجه وأمكن معالجة البئر بالأكسية (^١) المبلولة تدار فيها حتى يجتذب البخار، ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه بكلاليب ونحوها من غير مثلة: وجب ذلك؛ لتأدية فرض غسله. ويُمتحن زوال البخار إذا شك فيها بسراج ونحوه. فإن انطفأ فهو باق، وإلا فقد زال. فإن العادة أن النار لا تبقى إلا فيما يعيش فيه الحيوان.
(ويحرُم دفن بمسجد ونحوه)، كرباط، (ويُنْبَشُ) من دفن، ويخرج نصًا.
(و) يحرم (^٢) دفن الميت أيضا (^٣) (في ملك غيره ما لم يأذَن) رب الملك في دفنه. (وله) أي: لرب الملك مع عدم إذنه (نقلُه) أي: نقل ميت دفن في ملكه بغير إذنه. (والأولى) له (تركُه) أي: أن لا ينقله لهتك حرمته بنقله. وكرهه أبو المعالي لما ذكر.
(ويباح نبشُ قبر حربي لمصلحة)، لأن موضع مسجد النبي كان قبورًا للمشركين. فأمر بنبشها وجعلها مسجدًا.
(أو) من أجل (مال فيه) أي: في قبر الحربي؛ لما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال: " هذا قبر أبي رِغَال، وآية ذلك: أن معه غصنًا من ذهب، إن أنتم (^٤) نبشتم عنه أصبتموه معه. فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن " (^٥) .
قال في " الفروع ": ونقل المروذي فيمن أوصى ببناء داره مسجدًا فخرجت مقبرة، فإن كانوا مسلمين لم يخرجوا، وإلا أخرجت عظامهم. ثم قال:
_________________
(١) في ج: وأمن معالجة البئر إلا بالأكسية.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: ويحرم أيضًا دفن الميت.
(٤) في الأصول: رأيتم. وما أثبتناه من السنن.
(٥) أخرجه ائو داود في " سننه " (٣. ٨٨) ٣: ١٨١ كتاب الخراج والإمارة والقيء، باب تبش القبور العادية يكون فيها المال.
[ ٣ / ١٠٩ ]
ويتوجه يجوز نبش قبر الحربي لمال فيه، ولا تصريح بخلافه. بل هو ظاهر كلام من جوزه لمصلحة وفاقًا للشافعية والمالكية، واحتجت بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبشت قبر أبي رغال. وكرهه مالك. انتهى.
(لا مسلم) يعني: أنه لا يجوز نبش قبر مسلم (مع بقاء رمته، إلا لضرورة)؛ كما لو دفن في ملك غيره بغير إذنه.
(وإن كُفن بغصب) أي: في ثوب مغصوب نبش مع بقاء الكفن بحاله ويرد
إلى مالكه إن تعذر غرمه، وإلا لم ينبش؛ لهتك حرمته مع إمكان دفع الضرر بدونها.
(أو بلَع مال غيره) يعني: أن الميت متى كان قد بلع مال غيره (بلا إذنه) ثم مات، (و) الحال أن ما بلعه (يبقى) بأن كان ذهبًا أو نحوه، (وطلبَه ربّه وتعذر غرمُه) من التركة أو من غيرها: نبيش وشق جوفه، ودفع المال إلى ربه؛ لما في ذلك من تخليص الميت من الإثم، ورد المال إلى مالكه. وأما مع إذن مالكه في بلعه، فلا يؤخذ حتى يبلى الميت؛ لأن مالكه هو المسلط له على ماله بالإذن له.
(أو وقع ولو) كان وقوعه (بفعل ربه في القبر ما) أي: شيء (له قيمة عرفا نبش وأخذ)؛ لما روي: " أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه في قبر النبي ﷺ ثم قال: خاتمي، فدخل وأخذه. وكان يقول: أنا أقربكم عهدًا برسول الله ﷺ ". وقال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش. انتهى.
ولتعلق حق ربه بعينه ولا ضرر في أخذه. فوجب رده.
وعنه: المنع من نبشه إن بذل لربه عوضه.
(لا إن بلَع) قبل موته (مال نفسه ولم يبل) فأنه لا ينبش من أجل ذلك؛ لأن ذلك استهلاك لمال نفسه في حياته. أشبه ما لو اتلفه.
(إلا مع) وجود (دين) عليه فينبش ويشق جوفه فيخرج ويوفى دينه؛ لما في ذلك من المبادرة إلى تبرئة ذمته من الدين. وفيه وجه.
[ ٣ / ١١٠ ]
(ويجب نبشُ من دُفن بلا غسل) وقد (أمكن) تغسيله قبل دفنه، تداركًا لواجب غسله. فيخرج ويغسل، ما لم يخش تفسخه.
وقيل: ما لم يتغير.
وقيل: ولو تغير وخشي تفسخه.
وقيل: لا ينبش من دفن بلا غسل مطلقًا.
(أو صلاة) يعني: أنه يجب نبش (^١) من دفن قبل الصلاة عليه. فيخرج ويصلى عليه، ثم يرد إلى مضجعه. نص عليه أحمد، لأن مشاهدته حال الصلاة عليه مقصودة، ولهذا المعنى لو لم يدفن وصلي عليه مع وجود حائل لم يسقط فرض الصلاة. فوجب إخراجه تحصيلًا للمقصود.
ومحل ذلك: ما لم يخش تفسخه.
وقيل: لا ينبش بل يصلى على القبر.
وعنه: التخيير بين إخراجه والصلاة على قبره.
(أو كفن) يعني: أنه يجب نبش من دفن بلا كفن. فيخرج ويكفن. نص عليه " كما لو دفن بغير غسل استدراكًا للواجب وهو التكفين. ويصلى عليه، ولو كان قد صلي عليه، لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عريانًا " لما روى شريح بن عبيد الحضرمي: " أن رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا، ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه. فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره، ثم غسل وكفن وحنط وصُلُي عليه ". رواه سعيد في " سننه ".
ومحل ذلك أيضًا: ما لم يخش تفسخه.
وقيل: لا ينبش من دفن بلا كفن، لأن المقصود بالتكفين ستره واحترامه، وقد فات ذلك وستره التراب. فالاكتفاء بذلك أولى من هتك حرمته بالنبش.
والأول المذهب.
_________________
(١) في أ: يعني أنه ينبش
[ ٣ / ١١١ ]
(أو إلى غير القبلة) يعني: أنه يجب نبش من دفن موجهًا إلى غير القبلة؛ كما لو دفن من غير غسل، تداركًا لواجب التوجيه إلى القبلة. فينبش ويوجه إلى القبلة.
وقيل: يستحب نبشه لذلك.
وقيل: يحرم.
(ويجوز) نبش الميت (لغرض صحيح) في نبشه؛ (كتحسين كفن)؛
لما روى جابر قال: " أتى النبي ﷺ عبدالله بن أبي بعدما دفن فأخرجه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه " (^١) . أخرجه البخاري ومسلم.
(ونحوه) [أي: ونحو] (^٢) تحسين الكفن؛ كإفراد من دفن مع غيره؛ لما روى جابر قال: " دفن مع أبي رجل. فلم تطب نفسي حتى أخرجته. فجعلته فى قبر على حِدة " (^٣) .
وفي رواية: " كان أبي أول قتيل يعني يوم أحد فدفن معه آخر في قبره.
ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر. فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه " (^٤) . رواهما البخاري (^٥) .
(ونقله) يعني: ويجوز نبشه لنقله (لبقعة شريفة، ومجاورة صالح)؛ لما في " الموطأ " لمالك أنه سمع غير واحد يقول: " إن سعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة ودفنا بها " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢١١) ١: ٤٢٧ كتاب الجنائز، باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٧٣) ٤:. ١٤ ٢ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٨٧) ١: ٤٥٤ كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١٢٨٦) ١: ٤٥٣ الموضع السابق.
(٥) في ج: بغير أذنه. رواه البخاري.
(٦) أخرجه مالك في " الموطأ " (٣١) ١: ٢٠١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في دفن الميت.
[ ٣ / ١١٢ ]
وقال سفيان بن عيينه: " مات ابن عمر هاهنا، وأوصى أن لا يدفن هاهنا، وأن يدفن بسرف ". ذكره ابن المنذر.
وروى حرب في " مسائله " قال: حدثنا محمد. بن نصر قال: حدثنا حسان عن يونس بن زيد عن الزهري قال: " حُمل سعد بن أبي وقا ص من العقيق إلى المدينة " (^١) .
و" حُمل أسامة بن زيد من الجرف إلى المدينة " (^٢) .
قال حسان: " ورأيت ابنًا لهشام بن عروة حُمل من العقيق إلى المدينة فصلي عليه عند باب المسجد، ودفن بالمدينة بالبقيع في حياة هشام ".
وأما ما ينقل عن عائشة: " أنه لما مات عبدالرحمن بن أبي بكر بالحُبْْشِ وهو مكان بينه وبين المدينة نحو اثني عشر ميلًا ونُقل إلى مكة. أتت قبره وقالت: والله لِلَّهِ لو حضَرتُكَ ما دفنتك إلا حيث مُتَّ. ولو شَهِدْتُكَ ما زُرْتُك " (^٣) . رواه الترمذي.
فمحمول على أنها: لم تَر غرضًا صحيحًا في نقله، أو أنه تًا ذى به.
وما ذكره [ابن عبدالبر] (^٤) عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: " تدفن الأجساد حيث تقبض الأرواح " (^٥) فمحمول على الشهداء؛ لأن السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء وهم لم يقبضوا فيها.
(إلا شهيدًا دُفن بمصرعه) فأنه لا يجوز نقله. (ودفنه) أي: دفن الشهيد (به) أي: بمصرعه (سنة).
قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ﷺ قال: " ادفنوا القتلى
_________________
(١) () أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٧ كتاب الجنائز، باب من لم ير به باسًا.
(٢) () أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٥ ٠ ١) ٣: ٣٧١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زياره القبور.
(٤) في ج: ابن عبدالرحمن.
(٥) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٦٥٣٢) ٣: ٥١٦ كتاب الجتائز، باب يدفن في التربة التي منها خلق.
[ ٣ / ١١٣ ]
في مصارعهم " (^١) .
(فيردُّ) الشهيد (إليه) أي: إلى مصرعه (لو نثقل) منه موافقة للسنة.
(وإن ماتت) امرأة (^٢) (حامل) بمن ترجى حياته (حرُم شقُ بطنها) من أجل الحمل، مسلمة كانت أو ذميه على الأصح؛ لما في ذلك من هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة؛ لأن الغالب والظاهر: أن الولد لا يعيش. واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " (^٣) . رواه أبو داود، ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة وزاد: " في الإثم " (^٤) .
(وأخرج النساء من تُرجى حياته) وهو: ما إذا كان يتحرك حركة قوية وانتفخت المخارج، وله ستة أشهر فأكثر.
(فإن تعذر) عليهن إخراجه فالمذهب لا تشق بطنها، و(لم تُدفن حتى يموت) حملها، ولا يوضع عليه ما يموته، خلافًا لما جزم به بعض الشافعية.
ولو قدر أن يخرجه الرجال؛ لما فيه من هتك حرمتها، وبعد احتمال الحياة.
وعنه: أن الرجال يسطون عليه فيخرجونه.
(وإن خرج بعضه) أي: بعض الحمل (حيًا، شُق) بطنها (لـ) خروج (الباقي)؛ لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة.
(فلو مات) الحمل (قبله) أي: قبل أن تشق بطنها: لم تشق و(أُخرح.
فإن تعذر) إخراجه (غُسِّل ما خرج) منه، (ولا تيمم للباقي) الذي لم يخرج؛ لأن ما خرج منه له حكم السقط، وما لم يخرج منه له حكم الحمل.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٣١٩) ٣: ٣٠٨.
(٢) في أ: مسلمة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠٧ ٣٢) ٣: ١٢ ٢ كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦١٧) ١: ٥١٦ كتاب الجنائز، باب في النهي عن كسر عظام الميت. قال في " الزوائد ": في إسناده عبدالله بن زياد، مجهول. ولعله عبدالله بن زياد بن سمعان المدنى، أحد المتروكين.
[ ٣ / ١١٤ ]
وقيل: تيمم لما لم يخرح. وهو احتمال لابن الجوزي.
(وصُلي عليه) أي: على من خرج بعضه (معها) أي: مع أمه بأن ينوي المصلي الصلاة عليهما (بشرطه) وهو: أن يكون له أربعة أشهر فأكثر " لأن شرطه أن يخرج بعضه حيا ثم يمو ت، (وإلا) بأن لم يوجد شرط صحة الصلاة عليه (فـ) أنه ينوي الصلاة (عليها دونه) أي: دون حملها.
(وإن ماتت كافرة) ذمية أو غير ذمية (حامل بمسلم) أي: محكوم بإسلامه (لم يصلّ عليه) ما دام داخل بطنها، كمبلوع ببطن بالع، (ودَفَنها) أي: وتولى دفنها (مسلم) من أجل سنة الدفن التي يأتي ذكرها (مفردة) عن مقابر المسلمين وأهل الذمة. نص عليه أحمد، وحكاه عن واثلة بن الأسقع.
ومحل ذلك: (إن أمكن) إفرادها، (وإلا) أي: وإن لم يمكن إفرادها (فمعنا) أي: فمع المسلمين، لأن ذلك أولى من دفن المسلم الذي هو الجنين مع الكفار، وكما لو اشتبه ميت مسلم بكافر فإنهما يدفنان مع المسلمين.
ويكون دفنها (على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة)، ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
ويُصلى على مسلمة حامل مع حملها بعد مضي زمن تصويره (^١)،
وإلا فعليها دونه.
_________________
(١) فى ب: تصوره.
[ ٣ / ١١٥ ]
[فصل: في احكام التعزية]
(فصل) في أحكام المصاب والتعزية.
(ويسن لمصاب) بموت قريبه أو نحوه: (أن يسترجع) وفاقًا للأئمة الثلاث. (فيقول) أي: والاسترجاع أن يقول: (إنا لله) أي: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء، (وإنا إليه راجعون) أي: نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا. (اللهم لِلَّهِ أجرنى في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها).
وأجرنى: مقصور، وقيل: ممدود.
وأخلف: بقطع الهمزة وكسر اللام، يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك مثله، ومن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك أي: كان الله لك خليفة منه عليك.
قال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين.
قال في " الفروع ": وهو متجه. فعله ابن عباس وقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقره: ٤٥]، ولم يذكرها جماعة.
ولأحمد وأبي داود (^١) عن حذيفة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلمي إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلّى " (^٢) .
قال في " القاموس ": وحَزَبهُ الأمرُ: نابَهُ، واشتدَّ عليه أو ضَغَطَهُ، والاسم: الحُزَابَةُ بالضم، وأمرُ حازبٌ وحَزِيبٌ: شديد. انتهى.
ولمسلم عن أم سلمة مرفوعًا: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. فلما مات أبو سلمة قال: قولي:
_________________
(١) في ج: ولأبي داود.
(٢) أخرجه أبو داود في " سنة " (١٣١٩) ٢: ٣٤ كتاب التطوع، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٧٨٨) طبعة إحياء التراث.
[ ٣ / ١١٦ ]
اللهم لِلَّهِ اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة " (^١) .
(و) أن (يصبر) المصاب، والصبر الحبس. ويجب منه ما يمنعه عن محرم. وفي الصبر على موت الولد أجر كبير وردت به الآثار، ومن ذلك: ما روى النسائي أنه ﷺ قال: " ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهما الله تعالى بفضل رحمته أياهم الجنة. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فيقولون: حتى يدخل آباؤنا. فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم " (^٢) .
وفي " الصحيحين " أنه ﷺ قال: " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم " (^٣) . يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مر يم: ٧١]. والصحيح أن المراد به: المرور على الصراط.
وأخرج البخاري أنه ﷺ قال: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء، إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة " (^٤) .
وأخرج الترمذي أنه ﷺ قال: " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى: قبضتم ولد عبدي. فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده. فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؛ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعا لى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩١٩) ٢: ٦٣٣ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض والميت.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (١٨٧٦) ٤: ٥ ٢ كتاب الجنائز، من يتوفى له ثلاثة
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٢٨٠) ٦: ٢٤٥٢ كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٣٢) ٤: ٢٨ ٠ ٢ كتاب البر والصله والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٠٦٠) ٥: ٢٣٦١ كتاب الرقاق، باب العمل الذي يُبتغي به وجه الله.
(٥) () أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٢١) ٣: ٣٤١ كتاب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب.
[ ٣ / ١١٧ ]
فيستحب لأهل الميت اعتماد ذلك، وفعله رجاء؛ لما جاء من الوعد العظيم من الله الغفور الرحيم.
(ولا يلزم الرضى) أي: لا يجب على الإنسان أن يرضى (بمرض) يصيبه (وفقر وعاهة) وهي عرض مفسد لما أصابه. خلافًا لابن عقيل. فأنه يوجب الرضى بذلك.
(ويحرم) على الأنسان أن يرضى (بفعله المعصية). ذكره ابن عقيل إجماعًا.
قال في " الفروع ": وذكر شيخنا وجهًا: لا يرضى بذلك؛ لأنها من المقضي. قال: وقيل: يرضى من جهة كونها خلقًا لله، لا من جهة كونها فعلًا للعبد. قال: وكثير من النساك والصوفية ومن (^١) أهل الكلام حيث رأوا: أن الله خالق كل شيء وربه اعتقدوا أن ذلك يوجب الرضى والمحبة لكل ذلك، حتى وقعوا في قول المشركين ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وغفلوا عن كون الخالق نهى عن ذلك وأبغضه، وسبب ذلك اشتباه مسًالة الشرع والقدر، ويتمسكون بالإجماع على الرضى بقضاء الله. وهذا كلام مجمل يتمسك به القدرية المشركية. وأما القدرية المجوسية فتقول: أن الله قدره وقضاه. وإلا للزم الرضى به، والرضى بالكفر كفر بالإجماع. قال: والتحقيق: أنه ليس في الكتاب والسنة نص يأمر فيه بالرضى بكل مقضي، ولاقاله أحد من السلف.
وأما ما في كلام العلماء والاثار من الرضى بالقضاء فإنما أرادوا ما ليس من فعل العباد.
ولأنه إذا لم يجب الصبر على ذلك، بل تجب إزالته بحسب الإمكان. فالرضى أولى.
ثم ذكر شيخنا: أنه إذا نظر إلى أحدًاث الرب لذلك للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضى لله (^٢) بما رضيه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولًا مخلوقًا لله،
_________________
(١) () في ج: من.
(٢) في أوج: الله.
[ ٣ / ١١٨ ]
ويبغضه ويكرهه فعلًا للمذنب المخالف لأمر الله. وهذا كما نقول فيما (^١) خلقه من الأجسام الخبيثة. قال: فمن فهم هذا الموضع انكشف له حقيقة هذا الأمر الذي حارت فيه العقول. والله أعلم. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وكُره لمصاب تغييرُ حاله: من خلع رداء ونحوه)، كخلع نعل، (وتعطيل معاشه)، وغلق حانوته في الأصح، لما في ذلك من إظهار الجزع. قال ابن الجوزي في قوله سبحأنه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]: اعلم أنه من علم أن ما قضي لابد أن (^٢) يصيبه قلّ حزنه وفرحه.
وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء (^٣) من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يَتَهَنَّ بعيش.
(لا بكاؤه) أي: لا بكاء المصاب. فأنه لا يكره قبل الموت ولا بعده، لكثرة الأخبار. ذكر منها في " شرح الهداية " اثني عشر حديثًا، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة.
قال صاحب " المحرر ": أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه أيامًا كثيرة.
قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال: يحمل النهي بعد الموت على ترك الأولى. وقد قيل:
عجبت لمن يبكي على فقد غيره دموعًاو لم يبك (^٤) على فقده دمًا
وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيمًا وفي عينيه من عيبه عمى
قال جماعة: والصبر عنه أجمل. وذكر شيخنا: أنه يستحب رحمة للميت، وأنه أكمل من الفرح، كفرح الفضيل لما مات ابنه علي.
_________________
(١) في ج: فيمن.
(٢) في ج: وأن.
(٣) في أ: العلماء.
(٤) في أ: زمانًا ولا يبكي.
[ ٣ / ١١٩ ]
وفي " الصحيحين ": " لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته ونفسه تَقَعْقَعُ كأنها في شَنَّة، أي: لها صوت وحشرحة؛ كصوت ماء ألقي في قربة بالية. قال له سعد: ما هذا يا رسول الله؛ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " (^١) . انتهى.
(وجعلُ علامة عليه) يعني: أنه لا يكره جعل علامة على المصاب من ثوب، أو ريشة على رأسه، أو غيرهما (ليُعرفَ) بالعلامة (فيُعزَّى) " لتتيسر التعزية المسن ونة بذلك على كل أحد.
(وهجرُه) يعني: أنه لا يكره هجر المصاب للزينة، وحسن الثياب ثلاثة أيام).
قال صاحب " المحرر ": ولا بأس بهجر المصاب للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام، وجزم بذلك أيضًا ابن تميم وابن حمدان.
وسئل أحمد يوم مات بشر عن مسألة. فقال: ليس هذا يوم جواب، هذا يوم حزن.
(وحُرِم ندبٌ) وهو: تعداد محاسن الميت بلفظ النداء بالواو بزيادة الألف والهاء في آخره، كقولهم: واسيداه، واجبلاه، وانقطاع ظهراه.
(و) حرم أيضًا (نياحة). نص عليهما.
والنياحه: قيل: من رفع الصوت بالندب.
وقيل: هي ذكر محاسن الميت وأحواله.
(و) حرم أيضًا (شقُّ ثوب، ولطمُ خد، وصراخ، ونتفُ شَعر ونشرُه، ونحوه)؛ كتسويد الوجه وخمشه؛ لما في " الصحيحين " أن رسول الله ﷺ قال: " ليس منا من لطم الخدود وشقُ الجيوب ودعى بدعوى الجأهلية " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه اليخاري في " صحيحه " (١٢٢٤) ١: ٤٣١ كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٢٣) ٢: ٦٣٥ كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٣٢) ١: ٤٣٥ كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب.
[ ٣ / ١٢٠ ]
و" فيهما ": " أنه ﷺ برئ من الصَّالِقَة والحالِقَة والشَّاقَّّة (^١) " (^٢) .
فالصالقة (^٣): التي ترفع صوتها عند المصيبة، ويقال: السالقة بالسين المهملة. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.
والشاقة: التي تشق ثيابها عن المصيبة.
وفي " الصحيحين " عن ام عطية أنها قالت: " أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة أن لا ننوج " (^٤) .
وفي " صحيح مسلم ": " أنه ﷺ لعنَ النّاِئحةَ والمُسْتَمِعَة " (^٥) .
وتحريم ذلك كما في المتن هو الصحيح من المذهب؛ لما تقدم من الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك مع تأكيده بالتبرؤ من فاعله ولعنه وغير ذلك.
ولما فيه من عدم الرضا بقضاء الله سبحأنه وتعالى والسخط من فعله.
ولأن في (^٦) شق الجيوب إفسادًا للمال لغير (^٧) حاجة.
وعن أحمد رحمه الله تعالى: أنه إذا تجرد الندب والنياحة عن اللطم ونتف الشعر وذكر الميت بما ليس فيه ونحو ذلك: كره، ولم يحرم.
_________________
(١) = وأخرجه مسلم قي " صحيحه " (٠٣ ١) ١: ٩٩ كتاب الأيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجأهلية. () في ج: والشالقة. وهو تصحيف.
(٢) () أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٣٤) ١: ٤٣٦ كتاب الجنائز، باب ما ينهي من الحلق عند المصيبة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٤) ١: ١٠٠ الموضع السابق.
(٣) () في ج: فالشالقة. وهو تصحيف.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٤٤) ١: ٤٤٠ كتاب الجنائز، باب ما ينهى عن النوج والبكاء والزجر عن ذلك. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٦) ٢: ٦٤٥ كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة.
(٥) () أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١٢٨) ٣: ١٩٣ كتاب الجنائز، باب في النوح. ولم أره في " مسلم ".
(٦) () ساقط من أ.
(٧) في أ: إفساد لغير.
[ ٣ / ١٢١ ]
وأطلق بعضهم الكراهة؛ لـ " أنه نهى عن النياحه. فقالت ام عطية: إلا آل فلان. فإنهم كانوا أسعدونى في الجأهلية، فلا بد لي من ان أسعدهم. فقال: إلا آل فلان " (^١) . متفق عليه.
وهو خاص بها؛ لخبر أنس: " لا إسعاد في الإسلام " (^٢) . رواه أحمد.
ولأنه معتاد في النوح ما يحرم، ولم ينهها مع حداثتها بالإسلام، ومع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال في " الفروع ": وجاءت الأخبار المتفق على صحتها بتعذيب الميت بالنياحة والبكاء عليه (^٣)، فحمله ابن حامد على من اوصى (^٤) به؛ لأن عاده العرب الوصية بفعله فخرج على عادتهم، وفي " شرح مسلم ": هو قول الجمهور وهو ضعيف. فإن سياق الخبر يخالفه، ويأي في آخر الباب، وحمله الأثرم على من كذب به حين يموت.
وقيل: يتًاذى بذلك مطلقًا، واختاره (^٥) شيخنا.
وقيل: يعذب.
وقال في " التلخيص ": يتًاذى بذلك إن لم يوص بتركه، كما كان السلف يوصون. ولم يعتبر كون النياحه عادة أهله، واختار صاحب " المحرر ": أن من هو عادة أهله ولم يوص بتركه عذب، لأنه متى ظن وقوعه ولم يوص فقد رضي ولم ينه مع قدرته.
وما هيج المصيبة من وعظ وإثشاد شعر فمن النياحة. قاله شيخنا، ومعناه لابن عقيل في " الفنون ". فأنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ ْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٧٨٩) ٦: ٦٣٧ ٢ كتاب الأحكام، باب بيعة النساء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٦) ٢: ٦٤٦ كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٥٥ ١٣٠) ٣: ٩٧ ١.
(٣) سيأتي ذكره قريبًا.
(٤) في أ: وصى.
(٥) في ج: اختاره.
[ ٣ / ١٢٢ ]
قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] فبكى ابن عقيل وبكى الناس فقال للقارئ: يا هذا لِلَّهِ إن كان يهيج الحزن فهو نياحة بالقرآن، ولم ينزل للنوح بل لتسكين الأحزان. انتهى.
ولا بد من حمل حديث: " ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (^١) على (^٢) البكاء الذي معه ندب ونياحة ونحو هذا. قاله في " شرح المقنع ".
وأما عائشة ﵂ فأنكرت حمل ذلك على ظاهره ووافقها ابن عباس وقالت: " والله لِلَّهِ ما حدث رسول الله ﷺ: أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: أن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه " (^٣) . وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: " إنكم لتحدّثون عني غير كاذبين
ولا متهمين، ولكن السمعَ يخطى. وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] " (^٤) .
(وتُسن تعزيةُ مسلم) مصاب (ولو) كان (صغيرًا) قبل الدفن وبعده؛ لعموم ما روى عبدالله بن محمد بن أبي بكر عن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " ما من مُؤمن يُعزِي أخاهُ بمصيبةٍ إلا كساهْ الله ﷿ من حُلّلِ الكرامةِ يومَ القيامة " (^٥) . رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال: " من عزَّى مصابًا فله كمثل أجره " (^٦) رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: حديث غريب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٢٦) ١: ٤٣٢ كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٢٩) ٢: ٦٤٢ كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٢) () في ج: ببكاء أهله بل.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٢٦) ١: ٤٣٢ كتاب الجنائز، باب قول النبى ﷺ: يعذب الميت ببعض بكاءأهله.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٢٩) ٢: ٤١/ ٦٤٢ كتاب الجنائز، باب وأخرجه النسائي في " سننه " (١٨٥٨) ٤: ١٨ كتاب الجنائز، التياحة على الميت.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٠١) ١: ٥١١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا.
(٦) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٣ ٠ ١) ٣: ٥ ٣٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في أجر من عزى مصابًا. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٠٢) ١: ٥١١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا.
[ ٣ / ١٢٣ ]
(وتُكره) تعزية الرجل الشابة أجنبية) منه؛ مخافة الفتنة.
(إلى ثلاث) أي: تلاث ليال بأيامهن. فلا تعزية بعدها؛ لأن الشارع قد أذن في الأحدًاد فيها بقوله ﷺ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا (^١) " (^٢) .
وروت أسماء بنب عميس قالت: " لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت " (^٣) .
وفي لفظ: " دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا " (^٤) . رواهما أحمد.
وهذا محمول على اختصاص الثلاث بالمبالغة في الأحدًاد، لا بًاصله؛ لأنها زوجة والأحدًاد لازم لها مدة العدة. ويدل على أن ما يهجره المصاب من حسن الثياب والزينة لا بأس به مدة الثلاث.
وفوله: " تسلبي " أي: البسي ثوب الحداد وهو السلاب، والجمع: سلب. (فيقال) في التعزية (لـ) مسلم (مصاب بمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. و) لمسلم مصاب (بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك). وإنما كان كذلك؛ لأن الغرض من التعزية الدعاء للمصاب ولميته. إلا أنه إذا كان الميت كافرًا أمسك عن ذكره؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه.
(أو) يقال (غير ذلك)؛ لأن الدعاء الذي ذكر ليس بمتعين، بل تجوز التعزية بكل دعاء يقارب معنى ما ذكر.
وقد وردت الآثار به وبغيره فروى زرارة بن أبي (^٥) أوفى قال: " عزّى
_________________
(١) في ج: وشهرًا. وهو تصحيف.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٣٤٣) ٦: ٤٠٨
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠٦ ٢٧٥) ٦: ٤٣٨.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧١٢٨) ٦: ٣٦٩.
(٥) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٢٤ ]
النبي ﷺ رجلًا على ولده فقال: آجرك الله وأعظم لك الأجر ". رواه حرب في " مسائله ".
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: " لما توفى النبي ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عَزَاءٌ من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقُوا، وإياه فارجُوا. فإن المُصاب من حُرم الثواب " (^١) . رواه الشافعي.
وعن الأشعب بن رجاء قال: " كان عطاء يعزي بقول: عظَّم الله لكم الأجر، وأعقبكم عقبى نافعة، صلوات منه ورحمة، وجعلنا وأياكم من المهتدين " (^٢) . رواه أحمد.
(وكُره تكرارُها) أي: تكرار التعزية. نص عليه. فلا يعزي عند القبر (^٣) من عزى.
قال أحمد: أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم (^٤) يُعَزِ. فيعزي إذا دفن الميت أو قبله. وقال: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وإن شئب فلا. وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة عزاه ولم يترك حقا لباطل، وإن نهاه فحسن.
(و) كره أيضًا (جلوسٌ لها) يعني: أنه يكره للمصاب ان يجلس في مكان ليعزوه.
ويكره للمعزي: أن يجلس عند المصعاب للتعزية؛ لما في ذلك من استدامة الحزن.
قاله أحمد في رواية أبي داود: ما يعجبني. أن يقعد أولياء الميت في المسمجد يعزون، أخشى أن يكون تعظيما للموت أو قال: للميت.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٦٠٠) ١: ٢١٦ كتاب الصلاة، باب صلاة الجنائز وأحكامها.
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج أبن أبي شيبه فى " مصنفه " عن داود بن نافذ قال: قلت لعبدالله بن عبيد: كيف كانا هذا الشيخان يعزيان؛ يعني ابن الزبير وعبدالله بن عمر قال: كانا يقولان: " أعقبك الله عقبى المتقين؛ صلوات منه ورحمة، وجعلك من المهتدين، وأعقبك كما أعقب عباده الأنبياء والصالحين " (٧٣ ٠ ١٢) ٣: ٦١ كتاب الجتائز، في الرجل يعزي ما يقال له.
(٣) فى ج؛ قبر
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٢٥ ]
وقال في رواية أبي الحارث: ما أحب الجلوس مع أهل الميت والاختلاف إليهم بعد الدفن ثلاثة أيام، هذا تعظيم للموت.
وقال بعضهم: إنما المكروه البيتوتة عند أهل الميت، وأن يجلس إليهم من عزى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية.
(لا) جلوس المعزي (بقُرب دار الميت) خارجًا عنه (ليَتْبعَ الجنازة) إذا خرجت، (أو ليخرجَ وليُّه) أي: ولي الميت (فيعزيه) يعني: أنه لا يكره الجلوس عند دار الميت خارجًا عنها، أو في مسجد بقربها انتظارًا لجنازته حتى يتبعها، أو لوليه حتى يخرج فيعزيه. إلا أنه إن كان الجلوس خارج المسجد على باريّة (^١) أو بساط أخذه من المسجد كره. نص عليه في رواية المروذي وغيره، ونقل عنه عبدالله وأبو طالب جوازه، لأنه انتفاع بها في عبادة. أشبه ما لو قعدوا عليها داخله.
قال في " شرح الهداية ": والأول أصح، لأنه إنما وضعت ليصلى عليها وينتفيع بها فيه خاصة.
(ويردُ معزَّى) على من عزاه (بـ) قوله: (استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك) بهذا (^٢) القول رد أحمد على من عزاه: وكفى به قدوة ومتبعا.
(وسن ان يُصلّحَ لأهل الميت طعامٌ يُبعث إليهم) به (ثلاثًا) أي: ثلاث ليال بأيامهن. سواء كان الميت حاضرًا أو غائبًا وأتاهم نعيه؛ لما روى أبو داود فى والترمذي وحسنه عن عبدالله بن جعفر: " أنه لما جاء نعي جعفر حين قتل. قال النبى ﷺ: اصنعوا لآل جعفر طعامًا. فقد أتاهُم ما يَشغَلُهم " (^٣) .
_________________
(١) البارية: الحصير الخشن. " المصباح "، مادة: بري.
(٢) في ج: عند.
(٣) أخرجه أبوداود في " سننه " (١٣٢ ٣) ٣: ٩٥ ١ كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٩٨) ٣: ٣٢٣ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦١٠) ١: ٥١٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت.
[ ٣ / ١٢٦ ]
قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة رسول الله ﷺ إلى شعير فطحنته وأدمته بزيت جُعل عليه، وبعثت به إليهم.
ويروى عن عبدالله بن أبي بكر أنه قال: " فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها (^١) ".
ولأن أهل الميت ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يًا تي إليهم عن أصلًاح طعام لهم.
ولأن في ذلك جبرًا لقلوبهم.
وينوي أهل الميت، (لا لمن يجتمع عندهم) أي: عند أهل الميت (فيُكره) للمساعدة على المكروه وهو: اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا. ولأحمد وغيره عن جرير وإسناده ثقات قال: " كُنا نَعُدُ الاجتماعَ إلى أهل الميت، وصَنْعَةَ الطعامِ بعد دفنه من النياحة " (^٢) .
(كفعلهم) يعني: أنه يكره ان يصنع الطعام لمن (^٣) يجتمع عند أهل الميت ككراهة فعلهم (ذلك للناس) الذين يجتمعون عندهم.
قال في " الفروع ": ويكره صنيع أهل الميت الطعام وفاقًا للشافعي. زاد الشيخ وغيره: إلا لحاجة.
وقيل: يحرم، وفاقًا لأبي حنيفة.
(وكذبح) أي: وكما يكره ذبح (عند قبر وأكل منه) أي: مما يذبح عند القبر.
قال في " الفروع ": وكره أحمد الذبح عند القبر وأكل ذلك؛ لخبر انس:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦١١) الموضع السابق.
(٢) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (١٦١٢) ١: ٥١٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام. قال في " الزوائد ": إسناده صحيح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٨٦٦) طبعة إحياء التراث.
(٣) في ج: من.
[ ٣ / ١٢٧ ]
" لا عًقْرَ في الإسلام " (^١) . حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود.
وقال عبدالرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة (^٢) .
وقال أحمد في رواية المروذي: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا، فنهى عن ذلك. وفسره غير واحد بعد ذلك بمعاقرة الأعراب: " يتبارى رجلان في الكرم فيعقر هذا ويعقر هذا، حتى يطلب أحدهما الآخر. فيكون مما أُهلّ لغير الله به " (^٣) . كذا قال ابن معين. ذكره البيهقي، وهذا غير هذا، جزم الأئمة بالتفرقة بينهما، وتبعهم أهل غريب الحديث.
وحديث النهي عن معاقرة الأعراب رواه أبو داود. حدثنا هارون بن عبدالله حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن أبي ريحانة عن ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب " (^٤) حديث حسن، وذكره في " المختارة ". قال أبو داود: وقفه غندر على ابن عباس.
ولأبي داود عن هارون بن زيد (^٥) بن (^٦) أبي الزرقاء، عن أبيه، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين " (^٧) . إسناد جيد.
قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس.
ورواه الطبرانى، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني نصر بن علي أنبأنا أبي عن هارون بن موسى عن الزبير عن عكرمه عن ابن عباس قال: " نهي عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٢٢) ٣: ٢١٦ كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٠٥٥) ٣: ١٩٧.
(٢) ذكره أبو داود في " سننه " ٣: ٢١٦ كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عتد القبر.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٣١٤ كتاب الضحايا، باب ما جاء في معاقره الأعراب وذبائح الجن.
(٤) () أخرجه أبو داود في " سننه " (" ٢٨٢) ٣: ١ ٠ ١ كتاب الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب.
(٥) في الأصول: يزيد. وما أثبتناه من السنن.
(٦) () في ج: عن.
(٧) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٥٤) ٣: ٣٤٤ كتاب الأطعمة، باب في طعام المتباريين.
[ ٣ / ١٢٨ ]
؟
طعام المتباريين " (^١)، ورواه في " المختارة ". وهو إسناد جيد.
ويأتي الذبح لغير الله في آخر الذكاة (^٢) .
قال جماعة: وفي معنى الذبح عند القبر الصدقة عنده، فأنه مُحدث وفيه رياء، ونقل أبو طالب فيها: لم اسمع فيه بشيء، وأكره أن أنهى عن الصدقة. وحرم شيخنا الذبح والتضحية عنده.
قيل لأحمد: عما يفرقه المجوس على الجيران مما يصنعونه لأهل ميتهم فقال: لا بأس به. انتهى.
***
_________________
(١) أخرجه الطبرانى في الكبير (١١٩٤٢) ١١: ٣٤٠.
(٢) في أ: الزكاة
[ ٣ / ١٢٩ ]
(فصل): في زيارة القبور
وأمور تتعلق بالميت.
(سن لرجل زيارة قبر مسلم) على الأصح. نص عليه، وكذا زيارة قبر مسلمة. وعنه:. تباج الزيارة دون أن تستحب.
وجه القول بالإباحة: ما روى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا " (^١) رواه مسلم وغيره.
فًا مر بزيارتها بعد نهيه. والغالب في الأمر بعد الحظر: أن يكون للإباحة.
لا سيما وقد قرنه بما هو مباج وهو إدخار لحوم الأضاحي، والانتباذ في كل سقاء. ويعضد ذلك ما وقع في رواية أحمد والنسائي عن بريده: " ونهيتكم عن زيارة القبور. فمن أراد أن يزور فليزر، ولا يقول (^٢): هُجْرا " (^٣) . وما علق على الإرادة فالأصل فيها الإباحة.
ووجه المذهب وهو القول بالاستحباب: قوله ﷺ: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور] (^٤) فزوروها. فإ نها تذكر الموت " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٩٧٧ ١) ٣: ٦٣ ٥ ١ كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. . . وأخرجه النسائي في " سننه " (٠ ٣٢ ٢) ٤: ٨٩ كتاب الجنائز، زيارة القبور.
(٢) () في ج: فليزور ولا يقل.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٣ ٠ ٢) ٤: ٨٩ كتاب الجنائز، زيارة القبور. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣١٠٠) ٥: ٣٦١.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرحه مسلم في " صحيحه " (٩٧٦) ٢: ٦٧١ كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زبارة قبر أمه.
[ ٣ / ١٣٠ ]
وللترمذي: " فإنها تذكر الآخرة " (^١) . فعلل ﷺ الأمر بزيارتها بأنها تذكر الموت والآخره، وهذا التعليل يرجح كون الأمر الوارد في ذلك بعد الحظر للاستحباب.
(و) سن (إن يقف زائر أمامه) أي: أمام القبر، (قريبًا منه) على الأصح.
وعنه: أن وقوفه وقعوده سواء.
وعنه: يقف الزائر حيث شاء. وأما لمس القبر باليد فيباح على المذهب. وعنه: يكره؛ لأن القُرَب تُتَلَقَّى من التوقيف ولم يرد به سنة.
ولأنه عادة أهل الكتاب.
وعنه: يستحب؛ لأنه يشبه مصافحة الحي، لا سيما ممن ترجى بركته. (وتباح) زيارة المسلم (لقبر كافر). ويباح الوقوف أيضًا عند قبر الكافر؛
" لزيارته ﷺ قبر أمه " (^٢) . وكان بعد الفتح.
وأما قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فإنما نزل بسبب
عبدالله بن أبي في آخر التاسعة. على أن المرادعند أكثر المفسرين من قوله: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، هو: القيام للدعاء والاستغفار.
(وتكره) زيارة القبور (لنساء) على الأصح من الروايات؛ لما روت أم عطية قالت: " نُهينا عن زيارة القبور ولم يُعْزَمْ علينا " (^٣) . متفق عليه.
وعنه: يحرم؛ لقول النبي ﷺ: " لعن الله زوارات القبور " (^٤) . رواه الخمسة
_________________
(١) () أخرجه الترمذي في " جامعه " (٤ ٥ ٠ ١) ٣: ٠ ٣٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧ ٠ ٢٣) ٥: ٣٥٧.
(٣) سبق تخريجه ص (٨٦) رقم (٢). ولفظه: " نهينها عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزَمْ علينا ".
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٣٦) ٣: ٢١٨ كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٢٠) ٢: ١٣٦ أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا.
[ ٣ / ١٣١ ]
إلا النسائي وصححه الترمذي.
وعنه: تباح، لما روى عبدالله بن أبي مليكة (^١): " أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر. فقلت لها: يا أم المؤمنين لِلَّهِ من أين أقبلت؛ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؛ قالت: نعم. كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها " (^٢) . رواه الأثرم في " سننه ". (وإن عَلمن) أي: النساء (أنه يقع منهن محرَّم حرُمت) زيارتهن القبور قولًا وأحدًا.
ويستثنى من القول بأن زيارة القبور للنساء مكروهة أو محرمة ما أشير إليه بقوله:
(إلا " لقبر النبي ﷺ، و) قبر (صاحبيه رضوان الله تعالى عليهما) فتسن للرجال والنساء.
(ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم). قاله الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في " الفروع ".
(وسن لمن زار قبور المسلمين، أو مر بها أن يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أو) يقول: السلام عليكم (أهل الديار من المؤمنين). ويقول عقب كل من السلامين: (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستاخرين. نسًال ألله لنا ولكم العافية. اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفْتِنا بعدهم، واغفِر لنا ولهم)، للأخبار الواردة بذلك. فمنها: ما رواه مسلم من
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٣ ٠ ٢) ٤: ٩٤ كتاب الجنائز، التغليظ في اتخاذ السرج على القبور. خلافًا لما قاله المصنف. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٧٦ ١) ١: ٢ ٠ ٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٤٣٣) ٢: ٣٣٧. () في أ: عبدالله بن مليكه، وفي ج: عبدالله ملكية. وما أثبتناه من " السنن ".
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٧٨ كتاب الجنائز، باب ما ورد في دخولهن في عموم قوله: فزوروها.
[ ٣ / ١٣٢ ]
حديث أبي هريرة وهو: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " (^١) .
قال في " شرح المقنع ": وفي حديث عائشة: " ويرحم الله المستقدمين منكم والمستاخرين " (^٢) .
وروى مسلم من حديث بريدة قال: " كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسًال الله لنا ولكم العافية " (^٣) . وقد دل هذا الحديث على أن اسم الدار يقع على المقابر، وإطلاق الأهل على ساكن المكان من حي وميت.
وروى أحمد من حديث عائشة: " اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم " (^٤) .
وروى الترمذي من حديث ابن عباس قال: " مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة. فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور لِلَّهِ يغفر الله لنا ولكم. أنتم سلفنا ونحن بالأثر " (^٥) . قال الترمذي: حديث غريب.
وقد روي أنه ﷺ دعا لأهل البقيع فقال: " اللهم لِلَّهِ اغفر لأهل بقيع الغرقد " (^٦) .
وبقيع الغرقد: اسم لمقبرة المدينة، وهو في الأصل: اسم للمكان المستنقع الذي يكون به شجرات، وأضيف إلى الغرقد وهو. ما عظم من شجر
_________________
(١) () أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٤٩) ١: ٢١٨ كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغره والتحجيل في الوضوء.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٤) ٢: ٠ ٦٧ كتاب- الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٩٧٥) ٢: ٦٧١ الموضع السابق.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده ") ٢٤٤٦٩) ٦: ٧١.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه (٠ ٥٣ ١) ٣: ٣٦٩ كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر.
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٧٨ كئاب الجنائز، باب ما يقول إذا دخل مقبره.
[ ٣ / ١٣٣ ]
العوسج؛ لأنها كانت مفروشة به.
قال الهروي: الغرقد من العضاة، وكل شجرة لها شوك.
وقوله: " دار قوم مؤمنين " منصوب إما على النداء أي: يا أهل دار، أو على الاختصاص.
وقوله: " إن شاء الله بكم للاحقون " فيه إشكال. فإن الموت محقق لا بد منه، وإنما يعلق بأن ما كان مشكوكًا في وجوده. فلا تقول: أن غربت الشمس فعلت كذا، بل تقول: إذا غربت لتحقق غروبها. بخلاف: إن جاء زيد.
وعليه أجوبة أصحها: أنه استثناء للتبرك؛ امتثالًا لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وكما في قوله سبحأنه وتعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]. (ويخيَّر فيه) أي: في السلام (على حي بين تعريف وتنكير)؛ لأن النصوص صحت بالأمرين فخيرنا بينهما.
(وهو) أي: السلام من منفرد (سنة) أي: سنة عين، (ومن جمع سنة كفاية). والأفضل: أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا.
ويكره في الحمام وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يصلي، أو يبول، أو يتغوط.
(وردُّه) أي: رد السلام ممن كان وحده فرض، وإذا كانوا أكثر من واحد (فرض كفاية). ومحل فرضيته: أن لم يكن ابتداء السلام مكروها، ورد السلام سلام حقيقة؛ لأنه يجوز بلفظ: سلام عليكم، ولا يسقط برد غير المسلم عليه؛ لأنه ليس من أهل الفرض، كما لا يسقط الأذان عن أهل بلد بأذان أهل بلد غيرها.
ولا يجب زيادة الواو [في الرد] (^١) بأن يقول الراد: وعليكم السلام.
وقيل: بلى.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٣٤ ]
ولا تسن الزيادة في الابتداء، ولا في الرد على قوله: ورحمة الله وبركاته. ويجزئ إن زاد الابتداء على لفظ الرد، أو الرد على لفظ الابتداء.
وقيل: تجب مساواة الرد للابتداء.
وذكر ابن عقيل وابن تميم وابن حمدان: أنه يسن أن يترك المبتدئ لفظة: ورحمة الله وبركاته؛ ليقوله الراد عليه. انتهى.
ويسن أن يأتي المبتدئ بلفظ الجمع فيقول: السلام عليكم، وإن كان المسلم عليه وأحدًا.
ولما كان بين رد السلام وتشيمت العاطس إذا حمد وإجابته للمشمت مناسبه من كون الشارع كلف كلًا منهما بالكلام لصاحبه بما أمره به قلت: (كتشميت عاطس حَمِدَ، وإجابته) أي: إجابة العاطس للمشمت بما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ولأن التشميت تحية. فكان حكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبدأ (^١) بالسلام.
قال ابن هبيرة: إذا عطس الإنسان استدل بذلك من نفسه على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته. فينبغي له: أن يحمد الله، ولذلك أمره رسول الله ﷺ أن يحمد الله. وفي " البخاري " أن النبي ﷺ قال: " إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب " (^٢)؛ لأن العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاو ب غالبًا؛ لثقل البدن وامتلائه واسترخائه، فيميل إلى الكسل. فأضافه إلى الشيطان؛ لأنه يرضيه، أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات.
وتشميت العاطس وجواب المشمت: فرض كفاية. قدمه ابن تميم وابن حمدان فيقال للعاطس إذا حمد الله: يرحمك الله، أو يرحمكم الله. ويجيب العاطس المشمت بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم. ذكره السامري،
_________________
(١) فى ج: يبتدأ
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٦٩) ٥: ٢٢٩٧ كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب.
[ ٣ / ١٣٥ ]
وزاد في " الرعاية ": ويدخلكم الجنة عرفها لكم، أو يقول: يغفر الله لنا ولكم. وقال أحمد في رواية أبي طالب: التشميت: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وقال في رواية حرب: هذا عن النبي ﷺ من وجوه.
وعلم من قوله: عاطس حَمِدَ: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يشمت؛ وذلك لما روى أبو موسى: " إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه " (^١) . رواه أحمد ومسلم.
وروى البخاري من حديث أبي هريرة: " فإذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له (^٢): يرحمك الله " (^٣) .
- فإن عطس أكثر من ثلاث مرات لم يشمت.
قال صالح ابن الإمام أحمد لأبيه: تشميت العاطس في مجلسه ثلاثًا؛ قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث.
وهذا كلام الأصحاب. على أن الاعتبار بفعل التشميت لا بعدد العطسات.
فلو عطس أكثر من ثلاث (^٤) متواليات فيشمت بعدها إذا لم يتقدم تشميت قولًا وأحدًا.
وإن عطس صغيرٌ عُلّم: الحمد لله. ثم قيل له: يرحمك الله، أو بورك فيك. ومن عطس فلما يحمد عقبه فلا بأس بتذكيره؛ لما روى المروذي: أن رجلًا عطس عند أحمد فلم يحمد الله. فانتظره ان يحمد الله فيشمته [فلم يحمد الله] (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٩٩٢) ٤: ٢٢٩٢ كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٦١٥) ٤: ٤١٢.
(٢) زيادة من ج.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٧٢) ٥: ٢٢٩٨ كتاب الأدب، باب إذا تثاوب فليضع يده على فيه
(٤) في أ: ثلاثة.
(٥) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٣٦ ]
فلما أراد ان يقوم قال له أبو عبدالله: كيف تقول إذا عطست؟ قال أقول: الحمد لله. فقال له أبو عبدالله: يرحمك الله.
(ويسمع الميت الكلام)؛ لأن في حديث بريدة في السلام على أهل المقابر (^١): دليل على أن الموتى يسمعون سلام (^٢) المسلم عليهم، وإلا لم يكن رسول الله ﷺ ليأمر بالسلام على قوم لا يسمعون.
ولأحمد من حديث سفيان عمن سمع أنسًا عنه مرفوعًا: " إن أعمَالكُم تُعرضُ على أقاربكُم وعشائركُم من الأموات. فإن كان خيرًا استبشَروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لِلَّهِ لا تُمِتْهُمْْ حتى تَهدِيَهُم كما هَدَيتَنا " (^٣) . وروا أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن جابر مرفوعًا، وهو ضعيف.
وقال ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": الذي يوجبه القرآن. والنظر: أن الميت لا يسمع ولا يحس. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ومعلوم أن آلات الحس قد فقدت.
وأجاب عما يخالف هذا مما يدل على سماعهم لكلام الأحياء كحديث بريدة وغيره بأنه محمول على رد الأرواح أي: إذا سلم المسلم مثلًا الميت رد الله عليه روحه فسمع كلامه، ولا يلزم أنه (^٤) يسمع كلام الحي في وقت. قال الشيخ تقي الدين: واستفاضت الاثار بمعرفة الميت بًاال أهلة وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الاثار بأنه يرى أيضًا، وبأنه يدري بما فعل عنده، ويُسر بما كان حسنا، ويتألم بما كان قبيحًا.
وكان أبو الدرداء يقول: " اللهم لِلَّهِ إنى أعوذ بك أن أعمل عملًا أخزي به عبد الرحمن بن رواحة. وكان ابن عمه ".
_________________
(١) () سبق تخريجه ص (١٣٣) رقم (٣).
(٢) في ج: لكلام.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٢٧٢) طبعة إحياء التراث. وأخرجه أبو داود الطيالسي في " مسنده " (١٧٩٤) ص: ٢٤٨
(٤) في ج: أن.
[ ٣ / ١٣٧ ]
و" لما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول: إنما كان أبي وزوجي، فأما عمر فأجنبي ".
(ويعرف) الميت (زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس). قاله أحمد.
وفي " الغنية ": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت لآكد.
(ويتأذّى بالمنكر عنده، وينتفع بالخير) عنده؛ لما تقدم من مجيء الاثار بذلك.
ويجب الأيمان بتعذيب الموتى في قبورهم، واختلف في كيفيته فقال القاضي: هو واقع على الروح (^١) والبدن بأن يخلق الله فيهما إدراكًا للتعذيب. وقال ابن عقيل وابن الجوزي: هو واقع على الروح فقط.
وقال ابن الجوزي أيضًا: ومن الجائز أن يجعل الله للبدن تعلقًا بالروح فتعذب في القبر.
(وسن) لزائر الميت فعل (ما يخفِّف عنه) أي: عن الميت، وظاهره (ولو بجعل جريدة رَطبةٍ في القبر)؛ للخبر، و" أوصى به بريدة " (^٢) . ذكره البخاري، وفي معناه: غرس غيرها، وأنكر ذلك جماعة من العلماء.
وكره الحنفية: قلع الحشيش الرطب منها قالوا: لأنه يُسبّح. فربما يأنس الميت بتسبيحه.
(و) لو بـ (ذكر وقراءةٍ عنده) أي: عند القبر.
قال في " شرح مسلم ": إن العلماء استحبوا القراءة عند القبر؛ لخبر الجريدة؛ لأنه إذا رجي التخفيف بتسبيحها فالقراءة أولى.
ولا تكره القراءة على القبر على الأصح من الروايتين.
وروي عنه: أنه رجع عن القول بالكراهة؛ وذلك لما روي " أن النبي ﷺ لما وضعت ابنته في اللحد تلا قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
_________________
(١) في ج زيادة لفظ: فقط، وهي غير مناسبة.
(٢) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ١: ٤٥٧ كتاب الجنائز، باب الجريد على القبر.
[ ٣ / ١٣٨ ]
تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] " (^١) .
وعن ابن عمر: " أنه كان يستحب إذا دفن الميت أن يقرأ عنده عند رأسه بفاتحة سورة البقره وخاتمتها " (^٢) . رواه اللالكائي.
ويعضده عموم قوله: " اقرؤوا يس على موتاكم " (^٣) . فإنه يشمل المحتضرين والموتى قبل الدفن وبعده.
وثبت عنه ﷺ: " أنه صلى على قبر بعد ما دفن " (^٤)، مع قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (^٥) .
وروت عائشة عن أبي بكر قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ". من زار قبر والديه في كل جمعة أو أحدهما، فقرأ عنده (يس)، غفر الله له بقد كل أية أو حرف " (^٦) . رواه أبو الشيخ (^٧) في " فضائل القرآن ".
ولأن المقبرة موضع لا يكره فيه السلام وذكر الله والدعاء والاستغفار والترحم. فلا تكره فيه القراءة؛ كغير المقبرة.
وما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر. فإن
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٩٤٠) ٥: ٢٥٤.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٥٦ كتاب الجنائز، باب ما ورد في قراءة القرآن عند القبر. وأخرجه الطبراني في الكبير مرفوعًا (١٣٦١٣) ١٢: ٤٤٤.
(٣) سبق تخريجه ص: ١٤.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٦٢) ١: ٢٢٤.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٧٢٣) ١: ٢٦٣ كتاب صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٩٤) ١: ٢٩٥ كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٧٢٩) ٥: ٣١٤.
(٦) ذكره الزبيدي في " إتحاف السادة المتقين " ١٤: ٢٧٢ كتاب ذكر المو ت، بيان زيارة القبور والدعاء للميت وما يتعلق به. وعزاه إلى أبي بكر الشيخ في " الثواب " والديلمي وابن النجار والرافعى
(٧) في ج: رواه الشيخ.
[ ٣ / ١٣٩ ]
الشيطان يفرُّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه " (^١) . رواه أحمد ومسلم. فمعناه: الحث على صلاة النفل في البيوت؛ لاشتمال الصلاة على القراءة، وأن تعطيلها من الصلاة يجعلها كالمقبرة إذا كانت لا يصلى فيها. (وكلُ قُربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت حصل له) ثوابها، (ولو جهله الجاعل) أي: جهل الجاعل من جعله له؛ كالدعاء إجماعًا، والاستغفار إجماعًا، وواجب تدخله النيابة إجماعًا، وصدقة التطوع إجماعًا، وكذا العتق. ذكره القاضي وأصحابه أصلًا، وذكره أبو المعالي والشيخ تقي الدين إجماعًا، وصاحب " المحرر " وفاقًا. وكذا حج التطوع خلافًا لما في " المحرر " من ان من حج نفلًا عن غيره وقع عمن حج؛ لعدم إذنه، وكذا القراءة والصلاة والصيام.
نقل الكحال: في الرجل يعمل شيئًا من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك ويجعل نصفه لأبيه أو أمه: أرجو.
وقال أيضًا: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاه أو غيره. والأصل في ذلك قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
و" دعاء النبى ﷺ لأبي سلمة حين مات " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " - (٧٨٠) ١: ٥٣٩ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاه النافلة في بيته وجوازها في المسجد. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٤٢٤) ٢: ٣٣٧.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ٩٢) ٢: ٦٣٤ كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر. ولفظه: عن أم سلمة قالت: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلمه على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: أن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير. فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه ".
[ ٣ / ١٤٠ ]
؟
وما روي عن عبد الله بن العاص بن وائل: " أن العاص نذر في الجأهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمر (^١) سًال النبي ﷺ. فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك " (^٢) . رواه أحمد.
وما روي عن ابن عباس: " أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أن أمي تُوفِّيت أينفعُها إن تصدقت عنها؛ قال: نعم. قال: فإن لي مَخْرَفًا أُشهدك أّنى تصدقت به عنها " (^٣) . رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي.
وماروي عن الحسنين: " أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته ". رواه أبو حفص.
و" أعتقت عائشة عن أخيها عبدالرحمن بعد موته ". ذكره ابن المنذر.
ونقل المروذي: إذا دخلتم المقابر فاقرووا أية الكرسي وثلاث مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قولوا: اللهم لِلَّهِ آت فضله لأهل المقابر. يعني: ثوابه.
وظاهر قوله (^٤): اللهم لِلَّهِ آت فضله لأهل المقابر: أنه لا يشترط في الإهداء إلى الميت أن يقول: اللهم لِلَّهِ إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، واشترط القاضى ذلك معللًا بأن الثواب قد يتخلف. فلا يحكم على الله.
_________________
(١) في أ: عمرًا.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٨٣) ٣: ١٨ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٦٥) طبعة إحياء التراث.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦١١) ٣: ١ ٠ ١٥ كتاب الوصايا، باب الإشهاد في الوقف والصد قة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٨٢) ٣: ١٨ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٩) ٣: ٥٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة عن الميت. قال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٦٥٥) ٦: ٥٢ ٢ كتاب الوصايا، فضل الصدقة عن الميت.
(٤) في ج: قوله ﷺ.
[ ٣ / ١٤١ ]
وقال المجد (^١): من سًا ل الثواب ثم أهداه كقوله: اللهم لِلَّهِ اثبني على عملي (^٢)
هذا أحسن الثواب واجعله لفلان كان أحسن. ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله من الثواب " لأنه يظنه ثقة بالوعد وحسنا للظن، ولا يستعمل الشك تحسينًا لظنه بربه. ولا يضر في الإهداء كون الثواب مجهولًا " لأن الله سبحأنه وتعالى يعلمه، كمن وكل إنسانًا في أن يتصدق عنه بشيء من ماله يعلمه الوكيل فقط فأنه يصح. ذكره القاضي.
وهل يشترط في إهداء القربة إلى الميت ان ينويه قبل فعلها؛ وبه جزم الحلوانى في " تبصرته "، أو وقت فعلها، أو يشترط حصول أحد الأمرين؛. وبه صرح ابن عقيل في " مفرداته ".
أقول: والأشبه على ما حرره في " الفروع ": أنه لا يشترط في الإهداء ونقل الثواب إلى الميت أن ينويه به ابتداء، لأن اشتراط ذلك للإهداء مخالف لكلام أحمد والأصحاب، ولا وجه له في أثر ولا نظر. وإنما المتجه حصول ثواب القربة للميت ابتداء بالنية له قبل الفعل، وسواء صرح بالإهداء له أو لا، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي حيث قال: ثواب القرآن يصل إلى الميت إذا نواه قبل الفعل ولم يعتبر الإهداء فظاهره عدمه.
وفي " الفنون " عن حنبل: يشترط تقدم النية، لأن ما تدخله النيابة (^٣) من الأعمال لا يحصل للمستنيب إلا بالنية من النائب قبل الفراغ.
وظاهره أيضًا: عدم اعتبار الإهداء في حصول الثواب مع تقدم النية قبل الفعل. والله تعالى أعلم (^٤) .
والمراد بالقرب التي يصح إهداؤها للميت: ما تطوع به من العبادات البدنية والمالية. فيخرج من ذلك ما لو صلى فرضا وأهدى ثوابه لميت. فإنه لا يصح
_________________
(١) في أ: على ذلك قال المجد.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: النية.
(٤) في ج: والله أعلم.
[ ٣ / ١٤٢ ]
في الأشهر.
وقال القاضي: يصح وبَعَّده بعضهم.
وحيث علمت حصول الثواب لمن جعل له فالأصح: أن ذلك مستحب.
فإن قيل: الإيثار بالدين والفضائل ليس بجائز عندكم فلم جوزتم بل استحببتم للمتقرب إيثار غيره بإهداء ثوابه له؟
فالجواب عن ذلك بما أشار إليه القاضي: حيث قيل له: لم قلتم بجواز ذلك وقد قال أحمد: ما يعجبني ان يخرج من الصف الأول ويقدم أباه، هو يقدر (^١) أن (^٢) يبره بغير هذا. فقال: وقد نقل عن أحمد أيضًا ما يدل على نفي الكراهة. فنقل أبو بكر بن حماد فيمن يأمره أبوه بتأخير الصلاة ليصلي به قال: يؤخرها. والوجه فيه: أنه قد أمر بطاعة أبيه في ترك صوم النفل وصلاة النفل. وقد نقل هارون: لا يعجبني أن يصوم إذا نهياه. وقد أجاب أبو المعالي أيضًا عن ذلك بنحو جواب القاضي.
قال في " الفروع ": وهذا منهما تسوية بين نقل الثواب بعد ثبوته له، وبين نقل سبب الثواب قبل فعله.
(وإهداءُ القُرَب مستحب).
قال في " الفنون ": ويستحب إهداؤها حتى للنبي ﷺ، وكذا قال صاحب " المحرر ".
وقال الشيخ تقي الدين: لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين، بل كانوا يدعون لهم. فلا ينبغي الخروج عنهم.
وذكر ان أقدم من بلغه أنه أهدى للنبي ﷺ: علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين من طبقة أحمد، وشيوخ الجنيد.
ويدل لما في المتن من كون الحي في ذلك كالميت ما رواه أحمد من حديث
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: لأن.
[ ٣ / ١٤٣ ]
أبي رافع: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فلما ذبح أحدهما قال: اللهم لِلَّهِ إن هذا عن أمتي جمعيًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ " (^١) .
وهذا يدل على أن أمته أحياءهم وأمواتهم قد نالهم الأجر والنفع بتضحيته، وإلا كان. ذلك عبثًا.
وظاهر هذا جواز الصدقة وإهداء الثواب عنهم ولهم إلى يوم القيامة.
وما تقدم كله فيمن يأتي بالقرب احتسابًا. فأما اكتراء من يقرأ ويهدي ثواب قراءته فقد قال الشيخ تقي الدين: ما علمت أحدًا ذكره، ولا ثواب له. فلا شيء للميت. قاله العلماء. انتهى.
واحتج من قال بأن ما عدا الواجبات والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه بقول الله سبحأنه وتعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
وبقول النبي ﷺ: " إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفعُ به من بعده، أو ولدٍ صالحٌ يدعو له " (^٢) .
ولأن نفعه لا يتعدى فاعله، ولا يتعداه ثوابه.
وقال بعضهم: إذا قرأ القرآن عند الميت وأهدى إليه ثوابه كان الثواب لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرها. فترجى له الرحمة.
وأجيب بما تقدم من الأدلة، وبأن الإجماع قائم على إهداء ثواب القراءة.
فأنه في كل عصر ومصر يجتمعون ويقروون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٢٣٩١) ٦: ٨.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٣١) ٣: ١٢٥٥ كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وأخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٢٨٨) ٣: ١٧ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء في الصدقة عن الميت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٧٦) ٣: ٠ ٦٦ كتاب الأحكام، باب في الوقف. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٦٥١) ٦: ٢٥١ كتاب الوصايا، فضل الصدقة عن الميت. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٨٨٣) ٢: ٣٧٢.
[ ٣ / ١٤٤ ]
غيرنكير.
ولأنه قد صح عن النبي " أن الميت يعذب ببكاء أهله " (^١) . والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب ثواب القربة عنه.
وأما الآية فمخصوصة بما سلمه الخصم من وصول ثواب الواجبات ؤالصدقة والدعاء والاستغفار. فيقاس عليه ما وقع الاختلاف فيه؛ لكونه في معناه. ولا حجة للمخالف في حديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله. . . " (^٢)؛ لأنه إنما دل على انقطاع عمله وليس هذا من عمله. فلا دلالة عليه فيه. ولو دل عليه كان ذلك مخصوصًا بما سلمه فيُعدى إلى ما منعه. وما ذكره (^٣) من أن النفع لا يتعدى [فاعله، ولا يتعداه ثوابه: غير صمحيح. فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع. ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحح. وليس] (^٤) له أصل يعتبر به. والله سبحأنه وتعالى أعلم.
خاتمة:
اختلفت الرواية عن أحمد في موت الفجاءة. والأخبار فيه مختلفة. فورد أنه ﷺ قال: " موت الفجاءة أخذةُ أَسِف " (^٥) . أخرجه أبو داود " ورواه أيضًا موقوفًا على عبيد بن خالد الضحاك.
والأسف: الغضب، ومنه قوله سبحأنه وتعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥].
وورد: " أنه ﷺ استعاذ من موت الفجاءة " (^٦) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٢٣) رقم (١).
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) في ج: ذكر.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣١١٠) ٣: ١٨٨ كتاب الجنائز، باب موت الفجأة. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٧٨ كتاب الجنائز، باب في موت الفجاءة.
(٦) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٥٩٤) ٢: ١٧١.
[ ٣ / ١٤٥ ]
وذكر المدائني: أن إبراهيم الخليل ﷺ وجماعة من الأنبياء ماتوا فجاءة قال: وهو موت الصالحين، وتخفيف على المؤمنين.
قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يقال: أنه رفق ولطف بأهل الاستعداد للموت المتيقظين، وأما من له تعلق يحتاج معه إلى الأيصاء والتوبة والاستحلال ممن بينه وبينه معاملة، فالفجاءة في حقه أخذه أسف.
وشاهد ذلك: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود وعائشة: " أن موت الفجاءة راحةٌ للمؤمن، وأخْذَةُ أَسِفٍ للفاجر " (^١) . ورواه مرفوعًا أيضًا.
والله سبحأنه وتعالى أعلم بالصواب.
*****
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٣: ٣٧٩ كتاب الجنائز، باب موت الفجاءة.
[ ٣ / ١٤٦ ]