هذا (كتاب الجنايات، جمع جناية.
وهي) لغة: كل فعل وقع على وجه التعدي، سواء كان على النفس أو على
المال.
وهي شرعا: (التعدي على البدن بما يوجب قصاصا، أو) يوجب
(مالا).
وسمى أهل الشرع الجنايات على الأموال: غصبا ونهبا وسرقة وخيانة
وإتلا فا.
وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق. وسنده من الكتاب قوله
﷾: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
ومن السنة ما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يحل
دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (^١). متفق عليه. في آي
وأخبار كثيرة.
إذا تقرر هذا فمن قتل مسلما متعمدا فسق، وأمره إلى الله ﷾ إن
شاء عذبه وإن شاء غفر له. وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٨٤) ٦: ٢٥٢١ كتاب الديات، باب قول الله تعالى: أن النفس بالنفس ). وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (٦٧٦ ١) ٣: ١٣٠٢ كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
وخالف ابن عباس للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل لم ينسخها شيء.
وحجة الأكثر قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]. فجعله داخلا في المشيئة. فتكون الآية محمولة
على من قتله مستحلا ولم يتب، أو على أن هذا جزأوه إن جازاه وله العفو إن
شاء.
فإن قيل: لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار لا يدخلها النسخ؟
قلنا: يدخلها التخصيص والتأويل.
(والقتل) وهو: فعل ما يكون سببا لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح
البدن (ثلاثة أضرب) أي: ثلاثة أصناف:
أحدها: (عمد يختص القود به).
والقود: قتل القاتل بمن قتله، مأخوذ من قائد الدابة، لأنه يقاد إلى القتل
بمن قتله.
(و) الضرب الثانى: (شبه عمد.
و) الضرب الثالث: (خطأ).
وهذا تقسيم أكثر أهل العلم. وروي عن عمر وعلى رضي الله تعالى عنهما.
وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، [فأما
شبه العمد فلا يعمل به عندنا] (^١)، وجعل شبه العمد من قسم العمد.
وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب، لما روى عبد الله بن عمرو بن
العاص أن النبي ﷺ قال: " ألا إن دية الخطأً شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها " (^٢) . رواه أبو داود.
وهذا نص في ثبوت شبه العمد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٨٨) ٤: ١٩٥ كتاب الديات، باب في ديه الخطأ شبه العمد.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
وقسمه الموفق في" المقنع " إلى أربعة أقسام فزاد: ما أجري مجرى
الخطأ. وهو: أن ينقلب النائم على شخص فيقتله، ومن يقتل بالسبب، كحفر
البئر ونحوه. وهذه الصور عند أكثر أهل العلم من قسم الخطأ.
إذا تقرر هذا (فالعمد) الذي يختصى به القود: (أن يقصد) الجانى (من
يعلفه آدميا معصوما فيقتله بما) أي: بشيء (يغلب على الظن موته به). فلا
قصاص بما لا يقتل غالبا، لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقا لسبب أوجب الموت غيره، وإلا لما تخلف عنه الموت في غير تلك الحال
على الأكثر، وعدم القصد ظاهر فيه. فالقصاص لا يمكن، لأنه لا يمكن القتل
للقاتل بغير قصد لذلك كفعله.
(وله) أي: وللعمد الذي يختص القود به (تسع صور:
إحداها) أي: إحدى الصور: (أن يجرحه بما له نفوذ في البدن، من
حديد، كسكين) وسيف وحربة (ومسلة، أو) من (غيره) أي: غير الحديد،
(كشوكة) وكل ما يحدد من غير الحديد؛ كنحاس وذهب وفضة وزجاج
وخشب وقصب وعظم. فهذا كله إذا جرحه به جرحا كبيرا فمات به فهو قتل عمد
لا خلاف فيه. وفي الأصح (ولو) كان جرحه (صغيرا؛ كشرط حجام، أو)
كان الجراج (في غير مقتل)، كالأطراف، لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن
في حصول القتل به، بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات.
ولأنه لما لم يمكن إدارة (^١) الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه
محددا. ولا يعتبر (^٢) ظهور الحكمة (^٣) في آحاد صور المظنة، بل يكفي احتمال
الحكمة. ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي، مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد
الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه.
ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وقود. فأشبه الجرح الكبير.
_________________
(١) في ج: إرادة.
(٢) في أزياده: به فيما إذا بقي مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد. وسوف تأتي هذه العبارة بعد سطرين.
(٣) في ج: الحكم.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
(أو) كان جرحه (بـ) شيء (صغير، كغرزه بإبرة، ونحوها)، كشوكة
صغيرة (في مقتل؛ كالفؤاد) وهو القلب، (و) كـ (الخصيتين، أو في غيره)
أي: في غير مقتل، (كفخذ ويد فتطول علته) من ذلك.
(أو يصير ضمنا) بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم. أي: متألما إلى أن
يموت. وفي الأصح (ولو لم يداو مجروج قادر) على أن يداوي (جرحه حتى
يموت، أو يموت في الحال) ففي ذلك كله القود، لأن الظاهر أنه مات بفعل
الجانى.
(ومن قطع) أي: أبان سلعة (^١) خطرة من آدمي مكلف بلا إذنه فمات، (أو
بط) أي: شرط (سلعة خطرة) ليخرج ما فيها من القيح أو نحوه (من مكلف،
بلا إذنه فمات) من ذلك في الصورتين: (فعليه القود)، لأنه جرحه بغير إذنه
جرحا لا يجوز له. فكان عليه القود حيث تعمده كغيره.
(لا) أن قطعها أو بطها (ولي، من مجنون وصغير، لمصلحة) لمن به
السلعة من الصغير والمجنون، سواء كان الولي أبا أو وصيه أو حاكما، لأن له
فعل ذلك، كما لو ختنه فمات.
الصورة (الثانية: أن يضربه بمثقل) كبير (فوق عمود الفسطاط، لا)
بمثقل (كهو) أي: كعمود الفسطاط. نص عليه. (وهو: الخشبة التي يقوم
عليها بيت الشعر)، " لأن النبي ﷺ لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها. قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها " (^٢) .
والعاقلة: لا تحمل العمد، فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس
بعمد.
_________________
(١) السلعة: خراج كهيئة الغده. " المصباح المنير"، مادة: سلع.
(٢) أخرجه البخاري فى" صحيحه " (١ ١ ٦٥) ٦: ٢٥٣٢ كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
ولأن العمد يكون بما فوقه، لما يأتي من الدليل على ذلك.
(أو) يضربه (بما يغلب على الظن موته به (لثقله:) من كوذين، وهو:
ما يدق به الدقاق الثياب، و) من (لت) بضم اللام وتشديد المثناة من فوق وهو
معروف من السلام، (وسندان) وهو معروف، (وحجر كبير، ولو) كان
ضربه بما ذكر في (غير مقتل) فيموت، لأن هذا مما يقتل غالبا فيكون عمدا
موجبا للقصاص. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: لا قود إلا أن يكون قتله بالنار.
وعنه: في مثقل الحديد روايتان. واحتج بقول النبي ﷺ: " ألا إن في قتيل
عمد الخطًا قتيل عمد السوط والعصا والحجر مائة من الإبل " (^١) .
فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص.
ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه
بما يقتل غالبا، لحصول العمد بدونه في الجرج الصغير. فوجب ضبطه
بالجرج.
ولنا: قول الله ﷾: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وهذا مقتول ظلما.
وقوله ﷾] (^٢): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وروى أنس: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله
رسول الله ﷺ " (^٣) . متفق عليه.
وروى أبو هريرة قال: " قام رسول الله ﷺ فقال: ومن قتل له قتيل فهو
_________________
(١) أخرجه النسائي في"سننه " (٤٧٩٩) ٨: ٤٢ كتاب القسامه، ذكر الأختلاف على خالد الحذاء.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٨٥) ٦: ٢٥٢٢ كتاب الديات، باب من أقاد بالحجر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٧٢) ٣: ١٢٩٩ كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
بخير النظرين، إما أن يودى وإما أن يقاد " (^١) . متفق عليه.
ولأن المثقل الكبير يقتل غالبا. فًاشبه المحدد.
وأما المحدد فمحمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط وقرن
به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبههما.
(أو) يضربه (في مقتل) بمثقل دون ما تقدم ذكره، (أو) في (حال ضعف
قوة: من مرض، أو صغر أو كبر، أو حر أو برد، ونحوه)؛ كحالة إعياء
(بدون ذلك)؛ كحجر صغير فيموت، (أو يعيده به) أي: يعيد الضرب بما
لا يقتل غالبا؛ كالعصا والحجر الصغير حتى يموت، (أو يلقي عليه حائطا أو
سقفا ونحوهما) مما يقتل غالبا فيموت، (أو يلقيه من شاهق فيموت) فيكون
في هذا كله القود؛ لأنه يقتل غالبا.
(وإن) قال الجانى: (لم أقصد قتله، لم يصدق) في ذلك؛ لأن الظاهر
خلافه.
الصورة (الثالثه: أن يلقيه بزبية) [أي: جحر] (^٢) (أسد، ونحوها)؛
كزبية نمر، (أو) يلقيه (مكتوفا بعضا بحضرة ذلك) أي: بحضرة الأسد أو
نحوه، (أو) يلقيه (في مضيق بحضرة حية) فيقتله الأسد أو الحية، (أو
ينهشه) بضم الياء المثناة من أسفل (كلبا أو حية، أو لسعه) بضم الياء المثناة
من أسفل (عقربا من) العقارب (القواتل غالبا) فيموت (فيقتل به).
ومحل ذلك: إذا فعل به الأسد ونحوه فعلا يقتل مثله؛ لأن السبع صار
كالالة للادمي؛ لأن هذا مما يقتل غالبا.
الصورة (الرابعة: أن يلقيه في ماء يغرقه، أو) في (نار ولا يمكنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٨٦) ٦: ٢٥٢٢ كتاب الديا j، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٥) ٢: ٩٨٨ كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها.
(٢) زيادة من ج.
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
التخلص) منهما؛ إما لكثره الماء أو النار، أو لعجزه عن التخلص لمرض، أو
كبر أو صغر، أو لكونه مربوطا، أو يلقيه في حفرة لا يقدر على الصعود منها (فيموت) فيقتل به.
(وإن أمكنه) التخلص (فيهما) فتركه حتى مات: (فهدر) لا شيء فيه؛
لأنه إنما حصل موته بلبثه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره.
الصوره (الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره) فيموت من ذلك. وهو
نوعان:
أحدهما: أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في شيء مرتفع عن الأرض
فيختنق ويموت فهذا عمد، سواء مات في الحال أو بقي زمانا؛ لأن هذا
أوحى (^١) أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله في اللصوص وأشباههم.
الثانى: أن يخنقه بيديه (^٢) وهوعلى الأرض.
(أو يسد فمه وأنفه) زمنا يموت في مثله غالبا، (أو يعصر خصيتيه) (^٣)
ويستمر العصر (زمنا يموت في مثله غالبا فيموت) فيقتل به. وأن مات في زمن
لا يموت الإنسان في مثله غالبا فهو شبه عمد يضمن بالدية، إلا أن يكون ذلك
يسيرا في الغاية بحيب لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضمانا؛ لأنه بمنزلة لمسه. الصورة (السادسه: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعا وعطشا
لزمن يموت فيه من ذلك غالبا). وهذا يختلف بأختلاف الناس والزمان
والأحوال. فماذا عطشه في شدة الحر مات في الزمن القليل، وإذا كان ذلك في
البرد أو في الزمن المعتدل لم يمت إلا في الزمن الطويل. فإذا مات في مدة
يموت في مثلها غالبا أقيد به (بشرط تعذر الطلب علية.
وإلا) أي: وأن لم يتعذر عليه الطلب: (فلا) قود ولا (دية)؛ نه إنما
_________________
(١) أي: أسرع.
(٢) في ب: بيده.
(٣) في أوب: خصيته.
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
حصل موته بتركه الطلب وهو فعل نفسه. فلا يضمنه غيره" (كتركه شد
فصده)، لأنه بترك الطلب وتركه شد فصده هو المتسبب في قتل نفسه.
الصورة (السابعة: أن يسقيه سما) يقتل غالبا (لا يعلم به) شاربه، (أو
يخلطه بطعام ويطعمه، أو) يخلطه (بطعام آكله فيأكله جهلا) بالسم،
(فيموت) فيقاد به.
(فإن علم به) أي: بالسم الذي يقتل غالبا (آكل مكلف، أو خلطه)
الخالط (بطعام نفسه، فأكله أحد بلا إذنه) أي: إذن خالطه: (فهدر) أي:
فلا يضمن ذلك أحد، لعدم المباشرة والتسبب.
الصورة (الثامنة: أن يقتله بسحر يقتل غالبا) فيقاد به، لأنه قتله بما يقتل
غالبا. أشبه ما لو قتله بآلة غير السحر.] وأن كان السم أو السحر مما لا يقتل
غالبا فقتل ففيه الدية دون القصاص، لأنه عمد الخطأ. فأشبه قتيل السوط
والعصا] (^١) .
(ومتى ادعى قاتل بسم أو) قاتل بـ (سحر عدم علمه أنه) أي: أن السم أو
السحر (قاتل): لم يقبل منه ذلك في الأصح، لأن السم والسحر من جنس ما
يقتل. أشبه ما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت من الجرح.
(أو) ادعى (جهل. مرض) من ضرب مريضا بمثقل لا يقتله مثله لو كان
صحيحا: (لم يقبل) منه ذلك في الأصح.
الصورة (التاسعة: أن يشهد رجلان على شخص بقتل عمد، أو بردة حيث
امتنعت توبته)؛ كما لو شهدا أنه سب الله ﷾ أو رسوله، (أو)
يشهد (أربعة بزنا محصن فيقتل) بمقتضى الشهاده، (ثم ترجع البينة وتقول:
عمدنا قتله، أو يقول الحاكم): علمت كذبهما، أو علمت كذبهم وعمدت
قتله، (أو) يقول (الولي: علمت كذبهما، وعمدت قتله. فيقاد بذلك كله
وشبهه، بشرطه)؛ وذلك لما روي القاسم بن عبدالرحمن " أن رجلين شهدا
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
عند علي ابن أبي طالب على رجل أنه سرق فقطعه. ثم رجعا عن شهادتهما
فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما. وغرمهما دية يده" (^١) .
ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا.
والحكم في الحاكم والولي في القود بذلك حكم الشاهدين أو الشهود.
(ولا قود على بينة ولا) على (حاكم، مع مباشرة ولي) للقتل؛ لأنه باشر
القتل عمدا عدوانا. فينبغي أن لايجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون
والمباشرة تبطل حكم التسبب؛ كالدافع مع الحافر.
ومحل هذا (^٢): ما إذا قال الولي: علمت كذب الشهود أو علمت فساد
الحكم بالقتل وعمدت قتله.
ويفارق هذا ما إذا لم يقر الولي؛ لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه
ظلما. فكان وجوده كعدمه، ويكون القصاص على الشهود والحاكم؛ لأن
الجميع متسببون. فلو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل، وإنما وكل فيه
فأقر الوكيل بالعلم وبتعمد القتل ظلما فهو القاتل وحده؛ لأنه مباشر للقتل عمدا
ظلما من غير إكراه. فتعلق الحكم به؛ كما لو قتل في غير هذه الصورة. وإن لم يعرف الوكيل بذلك فالحكم متعلق بالولي؛ كما لو باشره.
(ويختص به) أي: بالقصاص (مباشر عالم) بأن القتل على وجه الظلم،
(فولي) عالم بذلك، (فبينة وحاكم) علموا ذلك.
(ومتى لزمت حاكما وبينة دية: فعلى عددهم) في الأصح.
(ولو قال واحد من) شهداء (ثلاثة فأكثر: عمدنا، و) قال (آخر)
منهم: (أخطأنا فلا قود) على أحد منهم. (وعلى من قال) منهم: (عمدنا
حصته من الدية المغلظة، و) على (الآخر) حصته (من) الدية (المخففة.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في" السنن الكبرى " ١٠: ٢٥١ كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة. عن الشعبي.
(٢) في ب: ذلك.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
و) لو قال واحد من (اثنين): عمدت، وقال الآخر: أخطأت: (لزم
المقر بعمد القود والآخر نصف الدية.
ولو قال كل) من اثنين: (عمدت واخطأ شريكي، فعليهما القود) في
الأصح، لاعتراف كل واحد منهما بأنه متعمد.
(ولو رجع ولي وبينة: ضمنه ولي) وحده في الأصح.
وقال القاضي وأصحابه: يضمنه الولي والبينة معا كمشترك.
(ومن جعل في حلق من) أي: إنسان قائم (تحته حجر، أو نحوه) أي:
نحو الحجر (خراطة) أي: حبلا أو نحوه، (وشدها) أي: شد الخراطة (بـ)
شيء (عال، ثم أزال ما تحته) من الحجر أو نحوه شخص (آخر) أي: غير
الذي جعل في حلقة الخراطة، (عمدا) أي: متعمدا لإزالة ذلك من تحته
(فمات، فإن. جهلها) أي: جهل الخراطة (مزيل وداه) أي: ديته لمستحقها
(من ماله).
قال في" الإنصاف ": على الصحيح.
(وإلا) أي. وإن لم يجهل المزيل لما تحته الخراطة التي بحلقه (قتل
به)، ولا شيء على جاعل الخراطة على الأصح، كالحافر مع الدافع.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
[فصل: في شبه العمد]
(فصل. وشبه العمد) وهو المسمى: بخطأ العمد.
وعمد الخطأ: (أن يقصد جناية لا تقتل غالبا، ولم يجرحه بها) أي: بهذه
الجناية؛ (كمن ضرب) غيره (بسوط أو عصا أو حجر صغير، أو لكز) غيره
بيده في غير مقتل، (أو لكم غيره في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليل، أو سحره
بما لا يقتل غالبا فمات، أو صاح بـ) إنسان (عاقل اغتفله) في حال غفلته
فمات، (أو) صاح (بصغير) على سطح فسقط فمات، (أو معتوه على سطح
فسقط فمات: ففيه) أي: ففي ذلك كله إن وجد واحد منها (الكفارة فيم مال
جان)؛ لقوله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. والخطأ: موجود في هذه
الصور؛ لكونه لم يقصد بفعله القتل.
(و) فيه (الدية على عاقلته) أي: عاقلة الجانى؛ لقوله ﷾:
﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فأوجب الدية في الخطأ مع تمحضه ففي
شبه العمد أولى أن تجب.
ولما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
الأخرى بحجر. فقتلتها وما في بطنها. فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها " (^١) . متفق عليه.
فًا وجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥١٢) ٦: ٢٥٣٢ كتاب الديات، باب جنين المرأة وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٨١) ٣: ١٣٠٩ كتاب القسامة والمحاريين والقصاص والديات، باب دية الجنين
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
[فصل: في أضرب الخطأ]
(فصل. والخطأ ضربان:
ضرب) منهما يكون الخطأ (في القصد، وهو) أي: وهذا الضرب
(نوعان:
أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدا) فيبين آدميا، (أو) يرمي من يظنه (مباح
الدم)؛ كالحربي ونحوه، (فيبين آدميا أو معصوما.
أو يفعل ما له فعله، فيقتل إنسانا)؛ كمن أراد قطع لحم أو غيره مما له فعله
فسقطت منه السكين على إنسان فقتلته.
(أو يتعمد القتل صغير أو) يتعمده (مجنون) فإنه لا قصد لهما، فلذلك
يكون قصدهما كقصد الخاطئ المكلف.
إذا تقرر هذا (فـ) يكون (في ماله) أي: مال المخطئ في القصد ومن قتل
بسبب فعل ما له فعله، وفي مال الصبى والمجنون (الكفارة، وعلى عاقلته
الدية)؛ لقوله ﷾: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]
(ومن قال: كنت يوم قتلت صغيرا، أو) قال: كنت يوم قتلت (مجنونا،
وأمكن) ذلك؛ كما لو كانت الدعوى بعد بلوغه بيسير، أو عهد له حال جنون:
(صدق بيمينه)؛ لأنه منكر والأصل عدم الموجب.
وقد علم من قوله: أو يفعل ما له فعله: أنه لو فعل ما ليس له فعله؛ كمن
قصد رمي آدمي معصوم أو بهيمة محترمة فقتل غير المقصود: أن ذلك لا يكون خطأ بل عمد.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
قال في" الإنصاف ": وهو منصوص الإمام أحمد. قاله القاضي في
روايته، وهو ظاهر كلام الخرقي.
ثم قال: وقدم في" المغني " أنه خطًا. وهو مقتضى كلامه في" المحرر" وغيره.
النوع (الثاني) من الضرب الأول من ضربي الخطًا: (أن يقتل بدار حرب)
من يظنه حربيا فيبين مسلما، (أو) يقتل بـ (صف كفار من يطنه حربيا فيبين
مسلما.
أو يرمي وجوبا) أي: حال كون الرمي واجبا (كفارا تترسوا بمسلم.
ويجب) رميهم إذا تترسوا بالمسلمين: (حيث خيف على المسلمين أن لم نرمهم فيقصدهم) أي: يقصد الكفار بالرمي (دونه) أي: دون المسلم، (فيقتله)
أي: يقتل المسلم من غير قصد.
(فـ) هذا (فيه الكفارة فقط) أي: دون الدية على الأصح، لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر دية. وترك ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله، وبعده ظاهرة أنها غير واجبة.
(الضرب الثاني) من ضربي الخطًا: خطًا (في الفعل (^١)، وهو: أن يرمي
صيدا أو هدفا، فيصيب آدميا) معصوما اعترضه (لم يقصده.
أو ينقلب (^٢) وهو نائم أو نحوه) أي: نحو النائم، كالمغمى عليه (على
إنسان فيموت. فـ) يكون عليه (الكفارة) في ماله، (وعلى عاقلته الدية)،
لأنه خطأ. وهذا حكم الخطأ.
(لكن: لو كان الرامي ذميا، فأسلم بين رمي وإصابة: ضمن المقتول في
ماله)، لأنه بإسلامه قد باين دين عاقلته، ولا يمكن ضياع دية المقتول فوجبت
في مال الجاني.
_________________
(١) في أزيادة: وهو أن يفعل فعلا فيتعدى إلى غير ما قصده.
(٢) في ج: انقلب.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
(ومن قتل بسبب؛ كحفر بئر، ونصب سكين أو حجر أو نحوه، تعديا إن
قصد جناية: فشبه عمد)؛ لأنه بالنظر إلى عدم المباشرة هو خطأ، وبالنظر إلى القصد كالعمد فلذلك كان شبه عمد.
(وإلا) أي: وإن لم يقصد جناية: (فخطأ)؛ لأنه لم يقصد به إتلاف
النفس، فهو كما لو رمى صيدا فاعترضه فأصيب به.
(وإمساك الحية محرم وجناية. فلو قتلت ممسكها: من مدعي مشيخة
ونحوه: فقاتل نفسه، ومع ظن أنها لا تقتل: شبه عمد، بمنزلة من أكل حتى
بشم). وليس على عاقلته لورثته شيء من ديته؛ لأن قاتل نفسه خطأ أو شبه
عمد، يضييع هدرا على الأصح.
وأما إذا قتل نفسه عمدا فبالإجماع. وسيأتي التصريح بذلك في المتن (^١) .
قال في" الفروع ": ومن أمسك الحية كمدعي المشيخة فقتلته فقاتل نفسه.
وإن قيل: إنه ظن أنها لا تقتل فشبه عمد، بمنزلة من أكل حتى بشم فإنه لم يقصد
قتل نفسه. وإمساك الحيات جناية فإنه محرم. ذكره شيخنا. انتهى.
(ومن أريد قتله قودا) ببينة بالقتل دون إقراره، (فقال شخص: أنا
القاتل، لا هذا فلا قود) على واحد منهما، (وعلى مقر الدية).
قال في " الفروع ": ونقل حنبل فيمن أريد قتله قودا؛ فقال رجل: أنا
القاتل لا هذا: أنه لا قود، والدية على مقر؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه:
" أحيا نفسا ". ذكره في " المنتخب ". وحمله أيضا على أن الولي صدقه بعد
قوله لا قاتل سوى الأول، ولزمته الدية لصحة بذلها منه.
وذكر فى القسامة: لو شهدا عليه بقتل فأقر به غيره، وذكر رواية حنبل.
(ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول: قتل الأول)؛ لعدم التهمة ومصادقته
الدعوى.
_________________
(١) في ب قلادة: كالحربي ونحو، وفي ج: كالحربي ونحوه.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
قال في " الفروع ": وفي " المغني " في القسامة: لا يلزم المقر الثانى
شيء، فإن صده الولي بطلت دعواه الأولى. وهل له طلبه؟ فيه وجهان. ثم
ذكر المنصوص وهو رواية حنبل، وأنه أصح، لقول عمر (^١): " أحيا نفسا ".
وذكر الخلال وصاحبه رواية حنبل. ثم رواية مهنا: ادعى على رجل أنه قتل
أخاه. فقدمه إلى السلطان فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق، أنا قتلته
فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ به.
قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن، فأعدت عليه
فقال: يؤخذ الذي أقر أنه قتله. انتهى.
_________________
(١) سبق وأن ذكر أن هذا قول علي.
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
[فصل: يقتل العدد بواحد]
(فصل. ويقتل العدد) وهو: ما فوق الواحد إذا ثبت عليهم القتل
(بواحد: أن صلح فعل كل) منهم (للقتل به). يعني: إذا كان فعل كل واحد
منهم لو انفرد بقتله أوجب القصاص عليه. وهذا على الأصح. وهو مذهب
مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وذلك لإجماع الصحابة. فروى سعيد بن
المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا. وقال: لو تمالأعليه أهل صنعاء لقتلتهم (^١) جميعا " (^٢) .
وعن علي رضي الله تعالى عنه: " أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا ".
وعن ابن عباس: " أنه قتل جماعة قتلوا واحدا ". ولم يعرف لهم في
عصرهم مخالف فكان إجماعا.
ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد. فوجب للواحد على
الجماعة؛ كحد القذف. ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض.
ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به. فيؤدي
إلى إسقاط حكمة الردع والزجر عن القتل.
(وإلا) أي: وإن لم يصلح فعل كل منهم للقتل به (ولا تواطؤ) أي: لم
يتواطؤا على ذلك لكي يسقط عنهم القصاص، كما لو ضربه كل واحد منهم
بحجر صغير حتى مات: (فلا) قصاص، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما
_________________
(١) في ب: لقتلهم به.
(٢) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ٦: ٢٥٢٧ كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم. وأخرجه الشافعى في " مسنده " (٣٣٣) ٢: ١٠٠ كتاب الديات.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
يوجب القود. (ولا يجب) على الجميع (مع عفو) عن القصاص (أكثر من
دية) واحدة على الأصح، لأن القتل واحد. فلا تلزمهم أكثر من دية، كما لو
قتلوه خطأ.
(وأن جرج واحد) من قاتلين (جرحا) واحدا وكان بحيث لو انفرد لقتل،
(و) جرحه (آخر مائة: فـ) ما (سواء) في القصاص أو الدية، لأن كل
واحد منهما فعل فعلا أزهق به نفس القتيل. فكان على كل واحد القود، كما لو
انفرد به. وكذلك في الدية، لأن زهوق نفسه حصل بفعل كل واحد منهما،
وزهوق النفس لا يتبعض ليقسم على الفعل فوجب تساويهما في موجبه.
(وإن قطع واحد) من قاتلين إنسانا (من كوع)، ثم قطعه (آخر من
مرفق. فإن كان) قطع الثانى بعد أن (قد برئ) القطع (الأول: فالقاتل الثانى)
وحده. فيكون عليه القود أو الدية كاملة إن عفي عن قتله. وله قطع يد الأول أو
نصف الدية.
(وإلا) بأن كان قطع الثاني قبل أن يبرأ القطع الأول (^١): (فهما) قاتلان،
لأنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص. فإذا
مات بعدهما وجب عليهما القصاص، كما لو كانا في يدين.
[ولأن القطع الثانى لا يمنع جناية بعده. فلا يسقط حكم ما قبله، كما لو
كانا في يدين] (^٢) . ويخالف ما لو كان قطع الثانى بعد اندمال قطع الأول، فإنه
لا يبقى معه الألم الذي حصل بالقطع الأول فافترقا.
(وإن فعل واحد) من جانبين (ما) أي: فعلا (لا تبقى معه حياة) في
العادة، (كقطع حشوته) أي: إبانة امعاه، (أو) قطع (مريئه) وهو مجرى
الطعام والشراب، (أو) قطع (ودجيه) وهما العرقان المستنبطان للرقبة (ثم
ذبحه آخر: فالقاتل) هو (الأول)، لأنه فعل به فعلا لا يمكن بقاء الحياة معه
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
شيئا من الزمان. (ويعزر الثاني، كلما لو جنى على ميت) فلذلك يكون على
الأول القود؛ لأنه هو القاتل وعلى الثانى التعزير بإبانة رأس الميت وترك
حرمته.
(ولا يصح تصرف فيه) أي: فيمن فعل به فعل لا تبقى الحياة معه: (لو
كان قنا) فلا يصح بيعه.
قال في" الفروع ": كذا جعلوا الضابط: يعيش مثله أو لا يعيش. وكذا
علل الخرقي في المسألتين، مع أنه قال في الذي لا يعيش: خرق بطنه وأخرج
حشوته فقطعها فأبانها منه. وهذا يقتضى أنه لو لم يبنها لم يكن حكمه (^١) كذلك،
مع أنه بقطعها لا يعيش فاعتبر الخرقي كونه لا يعيش في موضع خاص، فتعميم
الأصحاب لا سيما واحتج غير واحد منهم بكلام الخرقي وفيه نظر، وهذا معنى اختيار الشيخ وغيره في كلام الخرقي، فإنه احتج به في مسألة الذكاة فدل على تسأويهما عنده وعند الخرقي. ولهذا احتج في وصية عمر، ووجوب العباده
عليه في مسألة الذكاة، كما احتج هنا، ولا فرق. وقد قال ابن أبي موسى وغيره
في الذكاة كالقول هنا في أنه يعيش أو لا. ونص عليه أحمد أيضا. فهؤلاء أيضا
سووا بينهما، وكلام الأكثر على التفرقة، وفيه نظر. انتهى.
(وإن رماه) الجاني (الأول من شاهق، فتلقاه) الجاني (الثاني بمحدد
فقده) فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئس فيها من حياته.
فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به، أو ألقى
عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه، (أو شق الأول بطنه) ثم ذبحه الثانى، (أو قطع) الأول (طرفه، ثم ذبحه الثاني: فهو القاتل) في
الصورتين؛ لأن ما فعله الأول تبقى الحياة معه. بخلاف ما فعله الثانى، (وعلى
الأول موجب جراحته) أي: ما أوجبته جراحته؛ لتعديه.
(ومن رمي) بضم الراء (في لجة، فتلقاه حوت فابتلعه: فالقود على
_________________
(١) في أ: الحكم.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
راميه) مع كثرة الماء في الأصح، لأنه ألقاه في مهلكة هلك بها من غير واسطة
يمكن إحالة الحكم عليها. أشبه ما لو مات بالغرق، أو هلك بوقوعه على
صخرة، أوكما لو ألقاه في نار لا يمكنه التخلص منها.
(ومع قلة الماء إن علم) الرامي (بالحوت: فكذلك) أي: فكما ألقاه في
ماء كثير.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الرامي بالحوت مع قلة الماء، (أو القاه مكتوفا
بفضاء غير مسبع فمر (^١) به دابة فقتلته. فالدية)، لأنه هلك بفعله ولا قود؛ لأن
الذي فعله لا يقتل غالبا.
(ومن أكره مكلفا على قتل) شخص (معين) فقتله فعلى كل منهما القود،
(أو) أكرهه (على أن يكره عليه) أي: على قتل شخص معين (ففعل) ما
أكرهه عليه وقتله: (فعلى كل) من الثلاثه (القود).
والدليل على أن الامر قاتل: أنه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا.
فوجب عليه القصاص؛ كما لو أنهشه حية أو أسدا أو رماه بسهم.
ولأنه ألجأه إلى الهلاك. أشبه ما لو ألقاه عليه.
والدليل على أن القاتل غير مسلوب الاختيار، لأنه قصد استيفاء نفسه بقتل
هذا. وهذا يدل على قصده واختيار نفسه. ولا خلاف في أنه يأثم. ولو سلم أنه
مسلوب الأختيار لم يأثم كما أنه لا يأثم المجنون.
(و) قول قادر على ما يهدد به غيره: (اقتل نفسك، وإلا قتلتك، إكراه)
على القتل. جزم به في " التنقيح " وتبعته عليه.
(ومن أمر بالقتل) شخصا (مكلفا يجهل تحريمه) أي: تحريم القتل؛
كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، سواء كان المأمور أجنبيا أو عبدا للآمر فقتل لزم
الآمر القصاص؛ لأن المأمور إذا لم يكن عالما بخطير القتل فهو معتقد إباحته،
وذلك شبهة تمنع القصاص؛ كما لو اعتقده صيذا فرماه فقتل إنسانا.
_________________
(١) في ب: فمرت.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة.
وإذا لم يجب عليه قصاص وجب على الامر؛ لأن المأمور آلة (^١) له لا يمكنه
إيجاب القصاص عليه. فوجب على المتسبب به؛ كما لو أنهشه حية فقتلته.
ويفارق هذا: ما إذا علم خطر القتل فإن القصاص يكون على المأمور؛
لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له. فانقطع حكم الامر؛ كالدافع مع الحافر.
وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو صغيرا أو مجنونا) يعني: أنه من أمر بالقتل
صغيرا أو مجنونا فقتل. فحكمه حكم ما لو كان المأمور مكلفا جاهلا بتحريم
القتل من كون القصاص يلزم الامر دون المباشر.
[وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو امر به) أي: بالقتل (سلطان، ظلما، من
جهل ظلمه فيه) أي: في القتل: (لزم الآمر) القصاص دون المباشر] (^٢)؛ لأن
المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية. والظاهر: أن الإمام
لا يأمر إلا بالحق.
(وإن علم) المأمور (المكلف تحريمه) أي: تحريم القتل المأمور به:
(لزمه) القصاص؛ لأنه غير معذور في فعله. فإن النبي ص قال: " لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق " (^٣) .
وعنه أنه قال: "من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه " (^٤) .
فلزمه القصاص؛ كما لو أمره غير السلطان.
(وأدب آمره) يعني: أنه متى وجب القصاص على المأمور فإنه يؤدب آمره
بما يراه الإمام من الضرب والحبس.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٣٠) ٦: ٢٦٤٩ كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاه والصوم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٤٠) ٣: ١٤٦٩ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعه الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٥٧ ١) ٣: ٦٧.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
(ومن دفع لغير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به) أي: بالقتل، (فقتل) بالآلة
إنسانا: (لم يلزم الدافع) له الالة (شيء)، لأن الدافع ليس بآمر ولا مباشر.
(ومن أمر قن غيره بقتل قن نفسه، أو أكرهه عليه) أي: على قتل قن
نفسه: (فلا شيء له) على قن غيره ولا على مالكه، كما لو أذن إنسأنا لآخر في إتلاف مال الآذن فأتلفه. بإذنه.
(و) من قال لغيره: (اقتلني) فقتله، (أو) قال لغيره: (اجرحني،
ففعل: فهدر). نص عليه. وقدمه في" الفروع "، لأن ذلك جناية أذن له
المجني عليه فيها. فسقط عنه ضمانها، كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر
ففعل.
وعنه: تلزم الدية.
وعنه: للنفس.
وعلى الأول هو: (كاقتلني وإلا قتلتك). وهو المذهب. وأطلق الخلاف
في " الفروع " وفي " تصحيح الفروع ".
قال (^١) في " الرعايتين "و" الحاوي الصغير": وإن قال: اقتلني وإلا قتلتك
فإكراه ولا قود إذا.
وعنه: ولا دية. زاد في"الرعايتين ": ويحتمل أن يقتل أو يغرم الدية إن
قلنا هي للورثة.
وقال في " الانتصار" في الصيام: لا إثم هنا ولا كفارة. انتهى.
(ولو قاله قن) أي: قال قن لغير سيده: اقتلني أو اجرحني، أو زاد: وإلا
قتلتلك فقتله: (ضمن لسيده (^٢) بقيمته)، لأن إذن القن في إتلاف نفسه
لا يسري على سيده.
_________________
(١) في ب: قاله.
(٢) في ب: لسيد.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
[فصل: إذا أمسك إنسانا لآخر فقتله]
(فصل. ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله، أو حتى قطع طرفه فمات، أو
فتح فمه) أي: فتح فم إنسان (حتى سقاه) آخر (سما) فمات من ذلك: (قتل
قاتل) بالفعل أو بإسقاء السم؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق، (وحبس
ممسك حتى يموت) على الأصح؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن
النبي ﷺ قال: " إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك " (^١) .
ولأنه حبسه إلى الموت. فيحبس الآخر إلى الموت؛ كما لو حبسه عن
الطعام والشراب حتى مات فإنا نفعل به كذلك (^٢) .
(ومن قطع طرف هارب من قتل، فحبس حتى أدركه قاتله) فقتله: (أقيد
منه) أي: من قاطع طرفه في الطرف (^٣)، سواء حبسه ليقتله الآخر أو لا،
(وهو) أي: وقاطع الطرف فيما يجب عليه (في النفس كممسك) إنسانا لآخر
حتى قتله؛ لأنه إذا حبسه للقتل صار كأنه أمسكه حتى قتل، وإن لم يقصد حبسه
فعليه القطع فقط؛ كمن أمسك إنسانا لآخر لا يعلم انه يقتله.
فإن قيل: فلم اعتبرتم قصد الإمساك للقتل وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في
الجارج؟
قلنا: إذا مات من الجرج فقد مات من سرايته وأثره فيعتبر قصد الجرح الذي
هو السبب دون قصد الأثر. وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له. فاعتبر قصده لذلك الفعل؛ كما لو أمسكه.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٧٦) ٣: ١٤٠ كتاب الحدود.
(٢) في ب: ذلك.
(٣) في ب: طرف.
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
(وأن اشترك عدد في قتل لا يقاد به البعض) المشارك (لو انفرد) بالقتل:
(كـ) اشتراك (حر وقن في قتل قن، و) كاشتراك (أب) وأجنبي في قتل ابن،
(أو) اشتراك (ولي مقتص) من جان (وأجنبي) لا حق له في القصاص، (و)
كاشتراك (خاطئ وعامد) في قتل أو قطع، (و) كاشتراك (مكلف وغير
مكلف) في قتل أو قطع، (أو) اشتراك مكلف (وسبع، أو) اشتراك مكلف
(ومقتول) في قتل نفسه: (فالقود على القن) شريك الحر؛ لأن القصاص إنما
امتنع عن الحر؛ لانتفاء مكافأة المقتول للحر وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل
شريكه. فلم يسقط القصاص عنه.
وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا، قال: أما
الحر فلا يقتل بالعبد، والعبد إن شاء سيده أسلمه، وإلا فداه بنصف قيمة
العبد.
وظاهر هذا: أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل هذا في كل قتل شارك فيه
من لايجب فيه القصاص.
والأول المذهب.
(و) القود أيضا على (شريك أب) في قتل ابنه على الأصح؛ لأنه شارك
في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله. فوجب عليه القصاص؛
كشريك الأجنبي.
ولأنه إنما امتنع القصاص في حق الأب لمعنى مختص بالمحل، لا لقصور
في السبب الموجب. فلا يمنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه.
(كـ) ما يجب القصاص على (مكره أبا على قتل ولده) فإن القود يكون
على المكره دون الأب.
(و) يكون (على شريك قن) مع حرية الشريك في قتل قن (نصف قيمة)
القن (المقتول)؛ لأنه شريك في إتلاف فلزمه منه بقسطه.
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
(و) يكون (على شريك غيرهما) أي: غير الأب وغير القن (في) قتل
(حر نصف ديته)؛ كالشريك في إتلاف مال.
(وفي) قتل (قن: نصف قيمته). وتقدم توجيه ذلك.
(ومن جرح) أي: جرحه إنسان (عمدا، فداواه) أي: داوى المجروح
جرحه (بسم) فمات، وكان السم مما يقتل غالبا في الحال فلا قود على جارحه
في الأصح. أشبه "ما لو ذبح نفسه بعد أن جرح، (أو خاطه) أي: خاط
المجروح جرحه (في اللحم الحي) فمات فكذلك، (أو فعل ذلك وليه) أي:
داوى المجروح وليه بسم أو خاط جرحه في اللحم الحي، (أو) فعل ذلك
(الحاكم فمات) من ذلك: (فلا قود على جارحه)؛ [لما تقدم] (^١) .
(لكن: إن أوجب الجرح قصاصا استوفي) أي: استوفاه وليه من جارحه
إن شاء؛ لأنه عمد موجب للقود. فيخير فيه الولي بين استيفائه وأخذ أرشه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الجرح موجبا للقصاص: (أخذ) أي: أخذ ولي
المقتول (أرشه) إن شاء، لأن الحق له في ذلك دون غيره.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
[باب: شروط القصاص]
هذا (باب شروط القصاص) أي: ما يشترط لوجوب القود. (وهي أربعة:
أحدها: تكليف قاتل). وهو: أن يكون بالغا عاقلا، لأن القصاص عقوبة
مغلظة. فلا تجب على صغير، ولا على زائل العقل، كالمجنون والمعتوه،
لأنهم ليس لهم قصد صحيح، كالقاتل خطًا.
ومتى قال الجانى: كنت صغيرا حال الجناية، وقال وليها: بل كنت بالغا
وأمكنا، وأقاما بذلك بينتين. تعارضتا.
(ثانيها) أي: الثاني من شروط القصاص: (عصمة مقتول، ولو) كان
(مستحقا دمه بقتل لغير قاتله)، لأنه لا سبب فيه يباح به دمه لقاتله.
إذا تقرر هذا (فالقاتل لحربي أو مرتد قبل توبة: أن قبلت) توبته (ظاهرا،
أو) القاتل (لزان محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم) إذا ثبت أنه زنى وهو محصن
بعد قتله، لأنه لا فرق في قتله قبل ثبوت ذلك ثم يثبت أو بعده، لأن الصفه التي
أباحت دمه موجودة (^١) فيه قبل الثبوت وبعده على السواء. وإنما يظهر ذلك
للحاكم بالبينة، فحينئذ (لا قود ولا دية عليه) أي: على قاتل واحد ممن ذكر،
(ولو أنه مثله) أي: ولو أن قاتل المرتد مرتدا مثله، أو أن قاتل الزاني المحصن
زان محصن مثله، أو أن قاتل واحد من هؤلاء ذمي، (ويعزر)، لافتيائه على
ولي الأمر، كمن قتل حربيا.
(ومن قطع طرف مرتد) فأسلم ثم مات، (أو) قطع طرف (حربي فأسلم
ثم مات، أو رماه) أي: رمى مرتدا أو حربيا (فأسلم) بعد أن رماه (ثم وقع به
_________________
(١) في ب: موجود.
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
المرمي) بعد إسلامه (فمات: فهدر) يعني: فلا قود ولا دية على راميه في
الأصح، لأنه بعد إسلامه لم يحدث من الجانى فعل. وإنما كان الموت أثر فعله
المتقدم، فلا اعتبار بما يحدث بعد الفعل.
(ومن قطع طرفا أو أكثر من) طرف (مسلم، فارتد ثم مات) مرتدا: (فلا
قود) في الأصح في النفس ولا في الطرف.
أما في النفس، فلأنها نفس مرتد غير معصوم.
وأما في الطرف؛ فلأنه قطع صار قتلا لم يجب به القتل. فلم يجب به
القطع، كما لو قطعه من غيرمفصل.
(وعليه) أي: على الجاني (الأقل من دية النفس أو) من دية (ما قطع)
منه في الأصح؛ لأنه لو لم يرتد لم يجب عليه أكثر من دية النفس فمع الردة أولى. ولأنه قطع صار قتلا. فلم يوجب أكثر من دية، كما لو لم يرتد.
إذا تقرر هذا فإن ما وجب من (^١) ذلك (يستوفيه الإمام) على الأصح؛ لأن
ماله فيء للمسلمين. فيكون استيفاؤه للإمام.
(وإن عاد إلى الإسلام ولو) كان عوده إلى الإسلام (بعد زمن تسري فيه
الجناية) في الأصح ثم مات مسلما: (فكما لو لم يرتد) وحينئذ فيجب
القصاص على قاتله. نص عليه في رواية محمد بن الحكم؛ لأنه مسلم حال
الجناية والموت. فوجب القصاص بقتله؛ كما لو لم يرتد.
واحتمال السراية حال الردة لا يمنع؛ لأنها غير معلومة، فلا يجوز ترك
السبب المعلوم باحتمال المانع فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو سبب آخر
وبالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت. وإن عفا وليه على الدية فإنها تجب كاملة في الأصح؛ لأنهما متكافئان في حال الجناية والسراية والموت. فأشبه ما لو لم
يرتد. وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال، لأنه فوت نفسا
معصومة. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في أوب: في.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
[فصل: في مكافأة القاتل للمقتول]
(فصل. الثالث) من شروط القصاص: (مكافأة مقتول) لقاتل (حال
جناية).
والمكافأة: (بأن لا يفضله) أي: لا (^١) يفضل المقتول (قاتله بإسلام.،
أو) يفضله بـ (حرية، أو) يفضله بـ (ملك).
إذا تقرر هذا (فيقتل مسلم حر) هو (أو عبد) بمثله.
(و) يقتل (ذمي) حر أو عبد بمثله، (و) يقتل (مستأمن حر أو عبد بمثله.
و) يقل (كتابي بمجوسي، و) يقتل (ذمي بمستأمن، و) كذا
(عكسهما) يعني: أنه يقتل المجوسي بالكتابي، ويقتل المستأمن بالذمي.
(و) يقتل (كافر غير حربي جنى) وهو حربي (ثم أسلم بمسلم.
و) يقتل (مرتد بذمي ومستأمن، ولو تاب) المرتد (وقبلت) توبته.
(وليست) توبة المرتد (بعد جرح) وقبل موت مانعة من القود، (أو) توبته
(بين رمي وإصابة مانعة من قود) أي: من أن لقتل المرتد التائب بعد الجرج،
أو بعد الرمي وقبل الإصابة، بالذمي أو المستأمن.
(و) يقتل (قن بحر وبقن، ولو) كان القن المقتول. (أقل قيمة منه) أي:
من القن القاتل على الأصح؛ لأن مفهوم قوله ﷾: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [الحفرة: ١٧٨]، أنه يجب القصاص بين العبدين، سواء تساوت قيمتهما أو
تفاضلت
ولأن العبد يساوي العبد في النفس والرق. فوجب القصاص وإن اختلفت
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
قيمتهما؛ لأن زياده قيمة العبد إنما هي في مقابلة الصفات النفسية في العبد. ولا
أثر لها في الحر، فإن الجميل يؤخذ بالذميم، والعالم يؤخذ بالجاهل. وإن لم
تكن معتبرة في الحر فأولى أن لا تعتبر في العبد.
(ولا أثر) أيضا (لكون أحدهما مكاتبا) والآخر غير مكاتب، أو كون
إحداهما (^١) مستولدة والأخرى غير مستولدة، (أو كونهما) أي: القاتل
والمقتول من الرقيق (لـ) مالك (واحد) أو لأكثر، (أو كون مقتول مسلم) من
الرقيق (لذمي) أو لمسلم في الأصح.
(و) يقتل (من بعضه حر بمثله، وبأكثر حرية) من القاتل.
(و) يقتل (مكلف) أي: البالغ العاقل (بغير مكلف) أي: بصغير (^٢)
ومجنون ومعتوه.
(و) يقتل (ذكر بخنثى و) بـ (أنثى)، ولا يعطى للذكر نصف دية القاتل
بالأنثى على الأصح. (وعكسهما) يعني: أنه يقتل الخنثى والأنثى بالذكر.
(لا مسلم) يعني: أنه لا يقتل مسلم (ولو ارتد) بعد أن قتل (بكافر)،
سواء كان كتابيا أو مجوسيا، وسواء كان ذميا أو معاهدا وفاقا لمالك والشافعي،
روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية. وبذلك قال عمر بن عبدالعزيز وعطاء والحسن. وعكرمة والزهري وابن شبرمة والثوري وإسحاق
وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر.
وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة.
قال الإمام أحمد: النخعي والشعبي قالا: دية المجوسي والنصراني مثل دية
المسلم وإن قتله يقتل به، سبحان الله! هذا عجيب! يصير المجوسي مثل
المسلم ما هذا القول؟ واستبشعه.
_________________
(١) في ب: أحدهما.
(٢) في ج بغيرصغير.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
وقال أحمد أيضا: النبي ﷺ يقول: " لا يقتل مسلم بكافر" (^١) . فأي شيء
أشد من هذا؟
واحتج من قال: يقتل المسلم بالكافر بعموم قوله ﷾:
(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥]، وقوله ﷾: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾
[البقرة: ١٧٨].
وبما روى ابن البيلمانى: " أن النبي ﷺ أقاد مسلما بذمي. وقال: أنا أحق
من وفى بذمته " (^٢) .
وبأنه معصوم عصمة مؤبدة. فيقتل به قاتله؛ كالمسلم.
ولنا: قول النبي ﷺ: " المسلمون تتكافئ دماؤهم ويسعى بذمتهم
أدناهم. لا يقتل مؤمن بكافر" (^٣) . [رواه أحمد وأبو داود.
وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر " (^٤) . رواه البخاري وابو داود.
وعن علي أنه قال: " من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر] (^٥) " (^٦) رواه الإمام
أحمد.
وما روى أبو جحيفة قال: " قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما
ليس في القرآن؟ فقال: لا. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١١) ١: ٥٣ كتاب العلم، باب كتابة العلم.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨: ٣١ كتاب الجنايات، باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر وما جاء عن الصحابه في ذلك.
(٣) أخرجه أبو داود في"سننه " (١ ٢٧٥) ٣: ٨٠ أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر. وأخرجه أحمد في" مسنده " (٩٥٩) ١: ١١٩.
(٤) أخرجه البخاري في" صحيحه " (١١١) ١: ٥٣ كتاب العلم، باب كتابة العلم. وأخرجه أبو دأود في " سننه " (٢٧٥١) ٣: ٨٠ أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه الدارقطني في" سننه " (١٦٠) ٣: ١٣٣ كتاب الحدود. ولم أره في أحمد.
[ ١٠ / ٢٥١ ]
رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما فى هذه الصحيفة. قال
العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر" (^١) . رواه الجماعة إلا مسلما
وابن ماجه.
والمرتد كالكافر الأصلى؛ لحديث ابن مسعود وقوله فيه: " والتارك لدينه
المفارق للجماعة " (^٢) .
ولأن القصاص يقتضي المساواة ولا مساواة بين الكافر والمسلم؛ لقوله
سبحانة وتعالي: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فنفى المسواة، ونفي المسواة في الصورة الإنسانية غير مراد. فدل
على عدم تساويهما حكما. والعمومات مخصوصات بحديثنا. وحديثهم ليس له
إسناد. قاله أحمد.
وقال الدارقطني: يرويه ابن البيلمانى وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا
أرسل.
(ولا) يقتل (حر بقن)؛ لما روى أحمد بإسناده عن علي انه قال: "من
السنة أن لا يقتل حر بعبد " (^٣) .
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا يقتل حر بعبد " (^٤) . رواه
الدارقطني.
ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة. فلا يقتل به؛ كالأب مع ابنه. ولأن العبد منقوص بالرق من حيث أنه مال فيكون في معنى البهيمه. فلا
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥١٧) ٦: ٢٥٣٤ كتاب الدياب، باب لا يقتل المسلم بالكافر. وأخرجه أبو داود في" سننه " (٤٥٣٠) ٤: ١٨٠ كتاب الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر؟. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤١٢) ٤: ٢٤ كتاب الديات، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤ ٤٧٤) ٨: ٢٣ كتاب القسامة، سقوط القود من المسلم للكافر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٩٩) ١: ٧٩.
(٢) سبق تخريجه ص: ٢٣٣.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٦٠) ٣: ١٣٣ كتاب الحدود.
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٥٨) ٣: ١٣٤ كتاب الحدود.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
يقتل بالحر؛ كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي، والعمومات مخصوصة بهذا فنقيس عليه. (ولا) يقتل حر (بمبعض)؛ لأنه منقوص بما فيه من الرق.
(ولا) يقتل (مكاتب بقنه)؛ لأنه مالك لرقبته. فلا يقتل به؛ كالحر،
حتى (ولو كان) عبدا لمكاتب (ذا رحم محرم له)؛ لأنه ملكه. فلا يقتل به؛
كغيره من عبيده في الأصح.
(وإن انتقض عهد ذمي بقتل مسلم) أي: بكونه قتل مسلما حرا أو عبدا
(فقتل لنقضه) عهده، (فعليه دية الحر) إن كان المقتول حرا، (أو قيمة القن)
إن كان المقتول قنا؛ لأنه لا يسقط لموجب جناية.
(وإن قتل) ذمي أو مرتد ذميا، (أو جرح ذمي أو مرتد ذميا، أو) قتل أو
جرج (قن قنا (^١)، ثم أسلم) الذمي القاتل أو الجارح، (أو عتق) القن القاتل
أو الجارج، حتى (ولو) كان (^٢) إسلام القاتل أو الجارح أو عتقه (قبل موت
مجروج: قتل به) على الأصح. نص عليه؛ وذلك لأن الجناية حصلت
بالجراحة في حال جريان القصاص بينهم. فوجب لذلك؛ (كما لو جن) جان
بعد الجناية في الأصح.
(ولو جرح مسلم ذميا، أو) جرح (حر قنا، فأسلم) المجروح، (أو عتق
مجروح، ثم مات: فلا قود) على الجارح؛ لأن الاعتبار بحال الجناية،
(وعليه) أي: على الجارح (دية حر مسلم) على الأصح؛ كما لو قتله بجرح
ثان (^٣)؛ لأن اعتبار الأرش بحال استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يدي رجل
ورجليه فسري إلى نفسه ففيه دية واحدة. ولهو اعتبرنا الأرش بحال الجناية لوجب ديتان.
(ويستحق دية من) أي: دية ذمي (أسلم) بعد الجرح وقبل الموت (وارثه
المسلم)؛ لأنه مات مسلما.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ج: حر ثان.
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
(و) يستحق دية (من عتق) بعد الجرج وقبل الموت (سيده)، إلا أن
تجاوز ديته أرش جنايته، (كـ) ما أنه مستحق (قيمته لو لم يعتق. فلو جاوزت
دية) أي: دية الحر المسلم (أرش جناية) على العبد: (فالزائد لورثته) أي:
ورثة العبد، لأن الزائد على أرش الجناية حصل بحريته، ولا حق للسيد فيما
حصل بها.
(ولو وجب بهذه الجناية قود: فطلبه لورثته) أي: ورثة المعتق، لأنه مات
حرا. فإذا اقتصوا فلا شيء للسيد، وإن عفوا على مال فللسيد منه ما ذكرنا.
(ومن جرح قن نفسه، فعتق ثم مات) العتيق: (فلا قود) عليه أي: على
السيد، (وعليه ديته لورثته) في الأ صح.
(وإن رمى مسلم ذميا عبدا، فلم تقع به الرمية حتى عتق) العبد (وأسلم،
فمات منها) أي: من الرمية: (فلا قود) على الرامي في الأ صح، لأن الاعتبار
بحال الجناية وهو وقت صدور الفعل من الجانى، (ولورثته) أي: ورثة
المقتول (- على رام- دية حر مسلم)؛ كما لو كان مسلما حال الرمي، لأن
وجوب المال معتبر بحال الإصابة، لأن المال يدل على المحل. فتعتبر حالة
المحل الذي فات بها، فتجب بقدره وقد فات به نفس حر مسلم (^١)، والقصاص
جزاء للفعل. فيعتبر الفعل فيه والإصابة معا، لأنهما طرفاه فلذلك لم يجب
القصاص بقتله.
(ومن قتل من يعرفه أو يظنه كافرا، أو قنا، أو قاتل أبيه فبأن تغير حاله)
الذي كان يعرفه، بأن أسلم الكافر وعتق القن، (أو) تبين (خلاف ظنه)، بأن
تبين أنه غير قاتل أبيه: (فعليه القود) في الأصح؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا
محضا بغير حق. أشبه ما لو علم حاله.
_________________
(١) في أوب: مسلم حر.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
[فصل: في قتل الولد]
(فصل. الرابع) من شروط القصاص: (كون مقتول ليس بولد وإن سفل)
لقاتل، (ولا بولد بنت وإن سفلت لقاتل).
إذا تقرر هذا (فيقتل ولد بأب وأم وجد وجدة) يعني: أنه يقتل الولد بقتل
أبيه وبقتل أمه وبأجداده ولو من قبل أمه وبجداته كذلك على الأصح؛ لقوله
﷾: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقره: ١٧٨] وهو عام في كل قتيل، سواء كان أبا أو ابنا أوغيرهما. وإنما خص منه صورتان بالنص وهو ما روى عمر وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقتل والد بولده " (^١) . أخرج النسائي حديث عمر. ورواهما ابن ماجه. وذكرهما ابن عبدالبر، وقال: هو
حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغني
بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته
تكلفا.
ولأن النبي ﷺ قال: " أنت ومالك لأبيك " (^٢) . وقضية هذه الإضافة
تمليكه إياه. فإذا لم تثبت حقيقة الملكية ثبتت الإضافة وهي شبهة في درء
القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات وبالقياس؛ لأنه سبب إيجاده. فلا ينبغي أن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٠٠) ٤: ١٨ عن عمر، و) ١٤٠١) ٤: ١٩ عن ابن عباس. كتاب الديات، باب ماجاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٦١) ٢: ٨٨٨ عن ابن عباس، و) ٢٦٦٢) ٢: ٨٨٨ عن عمر. كتاب الديات، باب لا يقتل الوالد بولده. ولم أره في النسائي.
(٢) أخرجه ابن ماجه في "- سننه " (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٩٠٢) ٢: ٢٠٤.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
يسلط بسببه على إعدامه. وما ذكرنا (^١) يخص العمومات، وإلى ذلك أشير
بقوله: (لا أحدهم) يعني: أنه لا يقتل أحد ممن تقدم من الآباء والأمهات
والأجداد والجدات (من نسب به) أي: بالولد أو ولد البنات وإن سفلا، حتى
(ولو أنه) أي: أن الولد أو ولد البنت (حر مسلم، والقاتل) من الآباء
والأمهات وإن علوا (كافر قن)؛ لعموم قوله ﷺ: "لا يقتل والد بولده" (^٢) .
ولانتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال.
(ويؤخذ حر) من كل من الأبوين وإن علوا إذا قتلا ولدهما أو ولد ولدهما
(بالدية).
قال ابن قندس في، حواشي المحرر" عند قوله: ولا يقتل الأبوان وإن علوا
بالولد وإن سفل: لكن تجب دية الولد على الوالد كما تجب على الأجنبي لقولهم
في الدية: كل من أتلف إنسان فعليه ديته فيدخل فيه الولد.
وقد ذكر الخرقي دية الجنين: إذا شربت المرأة دواء فأسقطت جنينها [أن
عليها غرة لا ترث منها شيئا. وهذا صريح في إيجاب الديه على الوالد بقتل الولد
في الجملة] (^٣) . ثم وجدت نصا بوجوب الدية، فقال في" الاختيارات" في باب
الهبة: ولو قتل ابنه عمدا لزمته الدية في ماله. ونص عليه الإمام أحمد. وكذا لو
جنى على طرفه لزمته ديته. انتهى.
وقال في" شرح المقنع" رادا على أكثر الأصحاب القائلين بتغليظ الديه
بالحرم والإحرام والأشهر الحرم: " ولأن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه لم يزد على مائة " (^٤) . انتهى.
_________________
(١) في ب: ذكرناه.
(٢) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٣) ساقط من ب.
(٤) عن عمرو بن شعيب " أن أبا قتادة، رجل من بني مدلج قتل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. فقال: أين أخو المقتول؛ سمعت رسول الله صصص يقول: ليس لقاتل ميراث ". أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٤٦) ٢: ٨٨٤ كتاب الديات، باب القاتل لا يرث.
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
(ومتى ورث قاتل أو ولده) أي: ولد القاتل (بعض دمه) أي: دم المقتول
بوجود واسطة بين القاتل والمقتول: (فلا قود)؛ لأن القصاص لا يتبعض.
إذا تقرر هذا (قلو قتل) إنسان (زوجته فورثها ولدهما) أي: ولده منها
سقط القصاص؛ لأنه لو وجب لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاص على
أبيه، لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه قصاص. فلئلا يجب عليه له قصاص
بالجناية على غيره أولى.
وسواء كان الولد ذكرا أو انثى، أو كان للمقتول ولد سواه أو من شاركه في
الميراث أو لم يكن، لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه،
وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصاركما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه.
(أو قتل اخاها) أي: أخا زوجته (فورثته، ثم ماتت) زوجته (فورثها
القاتل، أو) ورثها (ولده: سقط) القصاص، وسواء كان لها ولد من غيره
أولا؛ لسقوط القصاص فيما ورثه ولده منها فيسقط جمعه. أشبه ما لو عفا
بعض أولياء مقتول عن القود. وكذا لو قتلت المراة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لها أو لولدها، سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من ابنه أو من غيره. (ومن قتل أباه أو) قتل (أخاه، فورثه أخواه، ثم قتل أحدهما) أي: أحد
الأخوين (صاحبه: سقط القود عن) القاتل (الأولى؛ لأنه ورث بعض دم
نفسه).
ولو قتل إنسان أخاه فورثه ابن القاتل، أو ورث القاتل أحدا يرث ابنه شيئا
سقط القصاص؛ لما ذكرنا.
(وإن قتل أحد ابنين أباه وهو زوج لأمه) أي: أم القاتل، (ثم) قتل الابن
(الآخر أمه، فلا قود على قاتل أبيه) من الابنين المذكورين؛ (لإرثه ثمن أمه.
وعليه سبعة أثمان ديته) أي: ديه أبيه (لأخيه. وله) أي: ولقاتل أبيه (قتله)
أي: قتل أخيه بأمه (ويرثه)؛ لأن القتل قصاص لا يمنع، الميراث.
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
ومحل ذلك: حيب لم يكن من يحجبه عن ميراثه.
وإن عفا عنه إلى الدية وجبت وتقاصا بما بينهما، وما فضل لأحدهما فهو
على أخيه.
(وعليهما) أي: على القاتلين (مع عدم زوجيه) أي: عدم كون أبيهما
زوجا لأمهما (القود) لأخيه، لأن كل واحد منهما ورث الذي قتله أخوه وحده
دون قاتله. ولو بادر أحدهما فقتل أخاه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه،
لأنه يرث أخاه لكونه قتلا بحق فلا يمنع الميراث، إلا أن يكون للمقتول ابن وإن
سفل يحجب القاتل فيكون له قتل عمه ويرثه إن لم يكن له وارث سواه.
(ومن قتل من) أي: إنسانا (لا يعرف) بإسلام ولا حرية، (أو) إنسانا
(ملفوفا) لا يعرف هل هو حي أو ميت، (وادعى) القاتل (كفره) أي: كفر
من لم يعرف، (أو) ادعى (رقه) وأنكر وليه] فالقول قول الولي بيمينه] (^١)،
لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولهذا يحكم بإسلامه بالدار.
ولأن الأصل الحرية والرق طارئ.
(أو) ادعى قاتل (موته) أي: موت الملفوف (وأنكر وليه) فالقول قول
الولي بيمينه، لأن الأصل الحياة.
(أو) قتل إنسان (شخصا في داره) أي: دار القاتل، (وادعى) القاتل
(أنه دخل) داره (لقتله، أو أخذ ماله فقتله دفعا عن نفسه، وأنكر وليه) ذلك.
فالقول قول الولي بيمينه ووجب القصاص ما لم يأت ببينة تشهد بدعواه، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: " إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته " (^٢) .
ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى.
فأما إن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية " لما روي عن عمر
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البيهقي. في"السنن الكبرى" ٨: ٣٣٧ كتاب الأشربه، باب الرجل يجد مع امرأته الرجل فيقتله.
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
رضي الله تعالى عنه " أنه كان يوما يتغدى إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه. فجاء حتى جلس مع عمر. فجاء الآخرون.
فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما تقول؟
قال (^١): يا أمير المؤمنين! إنى ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد
قتلته. فقال عمر: ما تقولون؛ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف
فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه ".
رواه سعيد في " سننه ".
(أو تجارح اثنان، وادعى كل) من المتجارحين (الدفع عن نفسه:
فالقود) أي: فعلى كل واحد منهما للآخر القود إن وجب، (أو الدية، ويصدق
منكر) منهما (بيمينه)، لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر.
(ومتى صدق الولي) من ادعى شيئا من ذلك فيما يدعيه: (فلا قود ولا
دية) " لأن الخصم اعترف بما يبيح قتله. فسقط حقه، كما لو أقر بقتله قصاصا
أو في حد يوجب قتله.
(وإن اجتمع قوم بمحل) أي: مكان، (فقتل) بعض منهم بعضا،
(وجرح بعض) منهم (بعضا، وجهل الحال) أي: حال المقتولين
والمجروحين: (فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى) منهم، (يسقط منها)
أي: من الدية (أرش الجراح).
نقل أبو الصقر وحنبل عن أحمد في قوم اجتمعوا بدار فجرح وقتل بعضهم
بعضا وجهل الحال: أن على عاقلة المجروحين دية القتلى، يسقط منها أرش
الجراح.
قال أحمد: حدثنا إبراهيم حدثنا الشيبانى عن الشعبي قال: " أشهد على
علي أنه قضى به ".
قال في " الفروع ": وهل على من ليس به جرح من دية القتلى شيء؟ فيه
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
وجهان. قاله ابن حامد. انتهى.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: يشاركونهم. اخترته في " التصحيح
الكبير".
والوجه الثاني: لا دية عليهم. وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب. انتهى.
(ومن ادعى على آخر أنه قتل مورثه، فقال: إنما قتله زيد، فصدق زيد)
بأن قال زيد: صدق أنا قتلته: (أخذ) زيد (به).
نقل مهنا عن أحمد فيمن ادعى على رجل أنه قتل أخاه فقدمه إلى السلطان،
فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق أنا قتلته. فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ
به (^١) . قال مهنا: قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن،
فأعدت عليه فقال: يؤخذ الذى أقر أنه قتله. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
[باب: استيفاء القصاص]
هذا (باب استيفاء القصاص. وهو) أى: والقصاص: (فعل مجني عليه
أو وليه بجان، مثل فعله) أي: مثل فعل الجانى (أو شبهه) أي: شيبه. فعل
الجانى.
(وشروطه) أي: شروط استيفاء القصاص (ثلاثة:
أحدها: تكليف مستحق) على الأصح. (ومع صغره) أي: صغر
المستحق للقصاص (أو جنونه، يحبس جان لبلوغ) إن كان المستحق صغيرا،
(أو) إلى (إفاقة) إن كان المستحق مجنونا؛ كصغير أومجنون قتلت أمه
وليست زوجة لأبيه؛ "لأن معاوية حبس هدبة بن حشرم في قصاص حتى بلغ
ابن القتيل ". وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع.
و" بذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل! سبع ديات فلم
يقبلها).
ولأن في تخليته تضييعا للحق؛ لأنه لا يؤمن هربه.
والفرق بينه وبين المعسر: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس
بما لا يجب، والقصاص هنا واجب وإنما تعذر المستوقى.
والثانى: أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب؛ لقضاء دينه. فحبسه ضرر
من الجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلة.
والثالث: أنه هنا قد استحق تفويت نفسه اللازم منه تفويت نفعه. فإذا تعذر
تفويت نفعه لإمكانة.
(و) على هذا (لا يملك استيفاءه لهما) أي: للصيي والمجنون (أب)
كما لا يملكه عشر الأب؛ (كوصى وحاكم)؛ لأن القصاص إنما ثبت لولي
[ ١٠ / ٢٦١ ]
الدم، لما فيه من التشفي والانتقام، وذلك لا يحصل له باستيفاء غيره، كما لو
قتله أجنبي.
(فإن احتاجا) أي: الصبي والمجنون (لنفقة: فلولي مجنون لا) ولي
(صغير العفو إلى الدية) في الأصح، لأن المجنون ليست له حالة معتادة ينتظر
فيها لإفاقته ورجوع عقله. بخلاف الصغير.
وعلم مما تقدم أنهما إن لم يحتاجا إلى نفقة لم يكن لوليهما العفو على مال
في الأصح.
(وإن قتلا) أي: الصبي والمجنون (قاتل مورثهما، أو قطعا قاطعهما
قهرا) أي: من غير إذن من الجانى: (سقط حقهما) في الأصح، لأنه استيفاء
لما وجب لهما. قأسقط حقهما، كما لو كان في يده مال لهما فأخذاه منه قهرا
فأتلفاه، و(كما لو اقتصا ممن لاتحمل العاقلة ديته) كالعبد، فإنه يسقط
حقهما وجها واحدا، لأنه لا يمكن إيجاب ديته على العاقلة. فلم يكن إلا
سقوطه.
الشرط (الثاني) من شروط استيفاء القصاص: (اتفاق المشتركين فيه)
أي: في القصاص (على استيفائه) فليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، لأنه
يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه ولا ولاية له عليه. فأشبه الدين.
(وينتظر قدوم) حر (غائب، وبلوغ) أي: بلوغ وارث صغير، (وإفاقة)
أي: إفاقه وارث مضون في الأصح، لأنهم شركاء في القصاص.
ولأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين. فلم يجز لأحدهم الاستقلال
به، كما لو كان لحاضر وغائب.
ولأنه أحد بدلي النفس.
(فلا ينفرد به بعضهم، كدية) أى: كما أنهم شركاء في الدية إذا وجبت،
(و) كـ (قن مشترك. بخلاف) قتل بـ (محاربة، لتحتمه) أي: تحتم قتله،
(و) بخلاف (حد قذف، لوجوبه لكل واحد) من الورثة إذا طلبه (كاملا).
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
ولا ينتظر بقصاص من قتل من لا وارث له؛ لأنه ثبت لغير معينين.
ولأن استيفاء الإمام [بحكم الولاية لا] (^١) بحكم الإرث.
قال الأصحاب: وإنما قتل الحسن ابن ملجم حدا لكفره؛ لأن من اعتقد
إباحة ما حرم الله ﷾ كافر.
وقيل: لسعيه بالفساد في الأرض، ولذلك لم ينتظر الحسن قدوم غائب من
الورثة.
(ومن مات) من ورثة المقتول: (فوارثه) أي: وارث من مات (كهو)
أي: كمورثه. فيملك ما كان يملكه مورثه؛ لأنه حق للميت. فانتقل بموته إلى
وارثه؛ كسائر حقوقه.
(ومتى انفرد به) أي: بالقصاص (من منع) من الانفراد به: (عزر فقط)
يعني: لم يكن عليه إلا التعزير في الأصح؛ لافتياته بانفراده، ولم يكن عليه
قصاص؛ لأنه شريك في الاستحقاق. وإنما منع من استيفاء حقه؛ لعسر
التجزئ. فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا، وبقيت الجناية على بعض النفس.
فيتعذر فيه القصاص؛ لامتناع المماثلة فوجب سقوطه لذلك.
(ولشريك) أي: شريك المقتص (في تركة جان حقه) أي: حق الشريك
الذي لم يقتص (من الدية) بقسطه منها في الأصح.
فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل: امرأة قتلت رجلا له ابنان (^٢)
قتلها أحدهما بغير إذن الاخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة التي
قتلته.
(ويرجع وارث جان) أي: وارث المرأة (على مقتص) منها (بما فوق
حقه) وهو نصف ديتها فيما مثلها (^٣) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: اثنان.
(٣) في أوب: مثلنا
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
(وإن عفا بعضهم) أي: بعض مستحق القصاص (ولو) كان العافي
(زوجا أو زوجة، أو شهد) بعض مستحق القصاص (ولو مع فسقه بعفو
شريكه: سقط القود).
أما سقوطه بعفو (^١) بعضهم؛ فلعموم قوله ﷺ: " فأهله بين خيرتين" (^٢) .
وهذا عام في جميع أهله.
والمرأة ولو كانت زوجة من أهله بدليل قول النبي ﷺ: " من يعذرنى من
رجل بلغنى أذاه في أهلي. وما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا أن رجلا
ما علمت به (^٣) إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يريد عائشة. وقال
له أسامة: يا رسول الله! أهلك ولا نعلم إلا خيرا " (^٤) .
وروى زيد بن وهب: " أن عمر أتى برجل قتل قتيلا. فجاء ورثة المقتول
بيقتلوه فقال امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي. فقال
عمر: الله أكبر! عتق القتيل ". رواه أبو داود.
وفي رواية عن زيد قال: " دخل رجل على امرأته فوجد عندها (^٥) رجلا
فقتلها. فقال بعض إخوتها: قد تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية " (^٦) .
وأما سقوطه بشهادة بعضهم على شريكه بالعفو؛ فلكونه إقرار بأن نصيبه
سقط من القود. وحيث ثبت أن القصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعض مبناه على الدرء والإسقاط. فماذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتيق.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه ابو داود في " سننه " (٤٥٠٤) ٤: ١٧٢ كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٠٦) ٤: ٢١ كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو.
(٣) في ب: عليه.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩١٠) ٤: ١٥١٧ كتاب المغازي، باب حديث الافك.
(٥) في ج: معها.
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٥٨ كتاب الجنايات، باب عفو بعض الأولياء عن القصاص دون بعض.
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
(ولمن لم يعف) من الورثة (حقه من الدية على جان)، سواء عفا شريكه
مطلقا أو إلى الدية؛ وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه. فثبت (^١) له
البدل؛ كما لو ورث القاتل بعض دمه.
(ثم إن قتله عاف: قتل ولو ادعى نسيانه) أي: نسيان عفوه (أو جوازه)
أي: جواز القصاص بعد العفو، وسواء عفا مطلقا أو إلى مال؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة في تفسيرها: أي بعد أخذه الدية.
ولأنه قتل معصوما مكافئا. فوجب عليه القصاص؛ كما لو لم يكن قتل.
(وكذا شريك) أي: وكذا لو قتل الجانى شريك العافي (عالم بالعفو)
أي: بعفو شريكه، (و) علم بـ (سقوط القود به) أي: بعفو شريكه، وسواء
حكم بعفو شريكه حاكم أو لا إذا قتل من عفا عنه شريكه؛ وذلك لأنه قتل
معصوما مكافئا له عمدا يعلم أنه لا حق له فيه. فوجب القصاص؛ كما لو حكم
بالعفو حاكم.
والاختلاف لا يسقط القصاص فإنه لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف
في قتله. فأما إن قتله قبل العلم فلا قصاص عليه؛ لأنه معتقد ثبوت حقه فيه،
مع أن الأصل بقاؤه. فلم يلزمه قصاص؛ كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل
علمه بعفوه.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم يعفو شريكه وبسقوط القود به: (وداه) أي:
أدى ديته؛ لأنه قتل بغير حق. فوجب ضمانه؛ كسائر الخطًا شبه العمد.
(ويستحق كل وارث) من ورثة المقتول (القود بقدر إرثه من مال) أى: من
مال المقتول لو ترك مالا. يعني: أن كل من ورث المال ورث من القود على
ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام؛ لأن القصاص حق ثبت للوارث
على سبيل الإرب. فوجب له بقدر ميراثه من المال.
_________________
(١) في ب: فيثبت.
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
(وينتقل) حق القود (من مورثه) الذي هو المقتول (إليه) أي: إلى وارثه
على الأصح، لأن القود بدل عن نفس المقتول كالدية. وقد تقدم في الوصايا
صحة إيصائه بديته، وأنه يقضى منها ديونه، كسائر ماله.
(ومن لا وارث له) من المقتولين: (فالإمام وليه) أي: ولي الجناية
عليه، لأنه ولي من لا ولي، (له) إن رأى المصلحة في القصاص (أن
يقتص)، لأن عليه أن يفعل ما يرى فيه المصلحة للمسلمين، لأنه وكيلهم، (أو
يعفو إلى مال) أي: إلى الدية، (لا) على أقل من الدية، لأن الدية حق ثابت
للمسلمين فلم يكن له ترك شيء منه، كما لا يجوز له أن يعفو (مجانا)، لأن
كلا من ذلك لا حظ للمسلمين فيه.
الشرط (الثالث) من شروط استيفاء القصاص: (أن يؤمن في استيفاء)
للقود (تعديه) أي: أن يتعدى الاستيفاء (إلى غير جان)؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
إذا تقرر هذا (فلو لزم القود حاملا، أو) لزم (حائلا فحملت: لم تقتل
حتى تضع) حملها، لأن قتل الحامل إسراف في القتل، لأنه. يتعدى إلى
الجنين. فلا تقتل حتى تضعه (وتسقيه اللبأ)، لأن الولد يضره ترك ذلك.
ولأنه في الغالب لا يعيش إلا به.
وقد روى ابن ماجه بإسناده عن عبدالرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن
جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله تعالى
عنهم قالوا: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها أن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها. وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها " (^١) . وهذا نص.
ولأن النبي ﷺ قال للعامرية المقرة بالزنا: " ارجعي حتى تضعي ما في
بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في"سننه " (٢٦٩٤) ٢: ٨٩٨ كتاب الديات، باب الحامل يجب عليها القود.
(٢) أخرجه مسلم في"صحيحه " (١٦٩٥) ٣: ١٣٢١ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
(ثم إن وجد من يرضعه) أي: يرضع ولدها بعد أن تسقيه اللبأ أعطي لمن
يرضعه؛ لأن غيرها يقوم مقامها في إرضاع الولد وتربيته فلم ييق في ترك استيفاء القود منها ضرورة.
(وإلا) أي: وإن لم يوجد من يرضعه: (فـ) إنها تترك (حتى تفطمه
لحولين)؛ لما ذكرنا في الخبرين.
ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل. فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه
أولى.
(وكذا حد برجم)؛ لما تقدم في الحديث.
ولأن الحد بالرجم في معنى القصاص في النفس.
(وتقاد في طرف، وتحد بجلد بمجرد وضع) يعني: أن الحامل متى وجب
عليها قصاص في طرف؛ كقطع يد أو رجل، أو وجب عليها حد بجلد؛ كما لو
زنت وهي غير محصنة، أو وجب عليها جلد في حد قذف فإنه يستوفى منها
بمجرد وضع حملها في الأصح.
قال في"الإنصاف ": ولا يقتص منها في الطرف حال حملها بلا نزاع.
والصحيح من المذهب: أنه يقتص منها بالوضع. انتهى.
وعبارته (^١) في " الفروع ": وتقاد في طرفها بالوضع.
وفي " المغني ": وسقي اللبأ.
وفي "المستوعب" وغيره: ويفرغ نفاسها.
وفي " البلغة ": وهي فيه كمريض، وأنه إن تأثر لبنها بالجلد ولا مرض
آخر. والحد في ذلك كالقود. انتهى.
(ومتى ادعته) أي: ادعت المراة التي وجب عليها قود حملا، (وأمكن)
بأن كان لها زوج أو سيد يطأها: (قبل) قولها؛ لأن الحمل أمر لا يعلم إلا من
_________________
(١) في ا: وعبارتها.
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
جهتها وخاصة في ابتداء الحمل. فوجب قبول قولها؛ لأنه لا يؤمن الخطر
بتكذيبها، إذ من المحتمل أن تكون صادقة فيتعدى الضرر إلى حملها،
(وحبست لقود) فقط (ولو مع غيبة ولي مقتول) في الأصح؛ لأنا متى لم
نحبسها جاز أن تهرب فلا يمكن استيفاء الحق منها. (بخلاف حبس في مال
غائب)؛ لما في استيفاء القصاص من التشفي. بخلاف استيفاء المال، (لا
لحد). قاله في" الترغيب ".
يعني: أنه (^١) متى وجب على امرأه حد فادعت حملا تركت حتى يتبين أمرها
من غيرحبس. وهذا مع كون الحد لله ﷾؛ كالزنا وشرب الخمر
ظاهر؛ لأن الحد ليس لآدمي يخشى فوته عليه.
وأما إذا كان الحد لآدمى؛ كحد القذف فيتوجه حبسها؛ كحبسها للقود،
(حتى يتبين أمرها) من كونها حائلا أو حاملا فيعمل بمقتضى ما يتبين.
(ومن اقتص من حامل) في نفس أو في طرف فأجهضت جنينها: (ضمن)
المقتص (جنينها) في الأصح، سواء علم الحمل دون السلطان أو علمه مع
السلطان؛ لأنه جنى عليه بالقصاص من أمه حالة الحمل. فضمنه؛ كما لو
ضرب بطنها فألقته ميتا.
ولأن المقتص هو المباشر لتلف الجنين والسبب هنا غير ملجئ. فكان
الضمان عليه؛ كالدافع مع الحافر.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
[فصل: في حضور الإمام القصاص]
(فصل. ويحرم استيفاء قود بلا حضرة سلطان أو نائبه) في الأصح؛ لأنه
أمر يفتقر إلى اجتهاد. ويحرم الحيف فيه (^١) ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص.
(وله) أي: للإمام (تعزير مخالف) أي: من اقتص بغير حضور الإمام أو
نئبه؛ لافتياته بفعل ما منع من فعله، (ويقع) القصاص (الموقع)؛ لأن
المقتص استوفى حقه.
(وعليه) أي: على الإمام أو نائبه (تفقد آله استيفاء) أي: استيفاء القود؛
(ليمنع منه) أي: من القصاص (بـ) آلة (كآلة)؛ لحرمته بالآلة الكالة؛
لقول الله ﷾: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الاسراء: ٣٣].
والاستيفاء بالألة الكالة: إسراف في القتل؛ لأن فيه تعذيبا للمقتول وذلك
زيادة على القتل فيمنع منه.
(وينظر) السلطان أو نائبه (في الولي، فإن كان يقدر على استيفاء) لما
وجب له من القصاص (ويحسنه: مكنه منه)؛ لقول الله سبحانه وتعالي: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الاسراء: ٣٣].
ولقوله ﷺ: " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا
أخذوا الديه " (^٢) .
ولأنه حق للولي متميز. فكان له. استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه؛ كسائر
الحقوق.
_________________
(١) في أ: منه.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٦٤) رقم (٢).
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
(ويخير) الولي الذي يحسن الاستيفاء (بين أن يباشر) الاستيفاء (ولو في
طرف) بنفسه، (وبين أن يوكل) من يباشره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الولي [يحسن الاستيفاء بنفسه: (أمر) أي:
أمره السلطان أو نائبه (أن يوكل) في الاستيفاء؛ لأنه عاجز عن مباشرة استيفاء
حقه فيوكل من] (^١) يحسن استيفاؤه.
ومتى ادعى الولي أنه يحسن الاستيفاء فأمكنه السلطان منه فضرب عنقه فقد
استوفى حقه. وإن أصاب غير العنق وأقر بتعمد ذلك عزر، ومنع أن أراد
العود.
وأن قال: أخطأت وكانت الضربة قريبة من العنق قبل قوله؛ لجواز الخطأ
في مثل ذلك. وإن كانت الضربة بعيدة من العنق ككونها نازلة عن المنكب: لم
يقبل قوله.
(وإن احتاج) الوكيل (لأجرة: فمن) مال (جان) في الأصح؛ (كـ) أجرة
مستوفي (حد)؛ لأن ذلك أجرة لإيفاء الحق الذي عليه. فكانت عليه؛ كأجرة
كيال مكيل باعه.
(ومن له وليان فأكثر) وكل منهما يحسن الاستيفاء (وأراد كل) من الوليين
(مباشرته) أي: مباشرة استيفاء القصاص بنفسه: (قدم واحد) منهما أو منهم
(بقرعة)؛ لأن الحقوق إذا تساوت وعدم الترجيح صرنا إلى القرعة، (ووكله
من بقي). ولا يجوز الاستيفاء بغير إذنهم؛ لأن الحق لهم في ذلك، فإن لم
يتفقوا على توكيل واحد منهم منعوا من الاستيفاء حتى يوكلوا.
(ويجوز اقتصاص جان من نفسه برضى ولي) أي: ولي الجناية في
الأصح؛ لأنه متى جاز للولي أن يوكل غيره في استيفاء القصاص جاز أن يوكل الجانى في استيفاءالقصاص من نفسه.
(لا قطع نفسه في سرقة) يعني: أنه لا يجوز للسلطأن ولا لوليه أن يأذن
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
للسارق في قطع يد نفسه أو رجل نفسه في حد السرقة؛ لفوات ردع السارق بقطع غيره.
(ويسقط) يعني: ويقع الموقع بفعل ذلك في الأصح. (بخلافف حد)
جلد في (زنا، أو) حد (قذف بإذن) من حاكم في حد زنا، أو من مقذوف في
حد قذف. يعني: فإنه لا يقع الموقع في الأصح؛ لما بينهما من الفرق لحصول المقصود في القطع في السرقة وهو قطع العضو الواجب قطعه، وعدم حصول
الردع والزجر بجلده نفسه.
(وله) أي: ولمن يختن (ختن نفسه: أن قوي) على ذلك (وأحسنه).
نص عليه؛ لأنه يسير.
(ويحرم أن يستوفى) قصاص (في نفس إلا بسيف) في العنق على الأصح؛
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا قود إلا بالسيف " (^١) . رواه ابن ماجه.
ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن
هذا بضرب العنق. فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه؛ كما لو قتله بسيف كال،
و(كما لو قتله بـ) فعل (محرم في نفسه؛ كلواط، وتجريع خمر)، وكما لو
استمر الجانى بضرب المقتول بالسيف حتى مات؛ لأنه قاتل قبل استقرار
الجرح. فدخل أرش الجرح في أرش النفس؛ كما لو سرت الجراحة إلى
النفس.
(و) يحرم أن يستوفى القصاص (في طرف إلا بسكين ونحوها) من آلة
صغيرة؛ (لئلا يحيف) عند الاستيفاء.
(ومن قطع طرف شخص، ثم قتله قبل برئه: دخل قود طرفه في قود نفسه،
وكفى قتله) على الأصح.
قال في"الترغيب ": فائدته أي: فائدة الخلاف: لو عفا عن النفس سقط
القود في الطرف؛ لأن قطيع السراية كاندماله.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٦٧) ٢: ٨٨٩ كتاب الديات، باب لا قود إلا بالسيف.
[ ١٠ / ٢٧١ ]
(ومن فعل به) أي: بجان (ولي) أي: ولي جناية (كفعله) أي: كفعل
جان بالمقتول: (لم يضمنه) الولي بشيء، وإن قلنا لا يجوز للولي ذلك، لأنه
إساءة في الاقتصاص. فلم يوجب شيئا، كما لو قتله بآلة كالة.
(فلو عفا) الولي إلى الديه (وقد قطع) من الجاني (ما فيه دون دية)، كما
لو قطع يده أو قطع رجله: (فله) أي: فلولي الجناية (تمامها) أي: تمام
الديه. (وأن كان فيه) أي: فيما قطعه الولي من الجانى (دية) كاملة، كما لو
قطع ذكره أو أنفه: (فلا شيء له)، لأنه لم يبق له شيء. (وإن كان فيه) أي:
فيما قطع الولي من الجاني (أكثر) من دية، كما لو قطع أربعته وكان قد فعل
بالمجني عليه مثل ذلك تم عفا: (فلاشيء عليه) فما زاد على الدية.
(وإن زاد) الولي على ما فعله الجاني (أو. تعدى) الولي (بقطع طرفه)
أي: طرف الجانى: (فلا قود) على الولي في ذلك، لأنه لما استحق قتله في
الجناية صار ذلك شبهة في إسقاط القود عنه، (ويضمنه) أي: يضمن ما زاد
على ما فعله الجانى أو تعدى بقطعه من الجاني (بديته، عفا عنه) أي: عفا
الولي عن الجانى بعد ذلك (أؤ لا) يعني: أو لم يعف، لأن ذلك جناية عمد
عدوانا فأوجب الضمان على الجانى. وكان القياس أن تضمن بالقود، لكن لما
درأته الشبهة وجب المال وهو الدية؛ لئلا تذهب جنايته مجانا.
(وإن كان) الجاني (قطع يده) أي: يد المقتول، (فقطع) الولي
(رجله) أي: رجل الجاني: (فعليه) أي: على الولي للجانى (دية رجله)
في الأصح، لما تقدم.
(وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس، فلم يكن، وداواه أهله حتى برأ فإن
شاء الولي: دفع إليه دية فعله) الذي فعله به (وقتله، وإلا) أي: وإن لم يشًا
الولي ذلك: (تركه) يعنى: لم يتعرض له.
قال في" الفروع ". هذا رأي عمر وعلي ويعلي بن أمية. ذكره أحمد. انتهى.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
[فصل: إذا جنى أكثر من جناية]
(فصل. ومن قتل) عددا، (أو قطع عددا) يعني: اثنين فأكثر (في
وقت) واحد، (أو) في (أكثر) من وقت، (فرضي أولياء كل) من القتلى
(بقتله، أو) رضي (المقطوعون) أي: كل ممن قطع (بقطعه) فاقتص منه ما
رضوا به من قتل أو قطع: (اكتفي به) لجميعهم؛ لأن الجانى واحد ولا يمكن
توزيعه على الجنايات. فوجب أن يكتفى بذلك لجميعهم.
(وإن طلب ولي كل) (^١) للمقتولين أو كل مقطوع (قتله) أو قطعه (على
الكمال) يعني: أن يكون القصاص له دون غيره، (و) كانت (جنايته) على
الجميع (في وقت) واحد: (أقرع) بينهم، فمن خرجت له القرعة أقيد له،
لأنهم تساووا في حق لا يمكن توزيعه عليهم. فوجب تعيين المستحق بالقرعة.
(وإلا) أي: وإن لم تكن جنايته على الجميع في وقت واحد: (أقيد
للأول) أي: لمن جنى عليه أولا، لأن استحقاقه سبق غيره فوجب تقديمه
بذلك، (و) يكون (لمن بقى الدية)؛ لأن القصاص امتنع بفوته. فوجبت
الدية لهم، كما لو مات قبل القصاص، و(كما لو بادر غير ولي الأول) أو غير المقطوع أولا (واقتص)؛ لأن اقتصاصه يقع عما يستحقه، ويكون (^٢)؛ للباقين
الدية.
(وإن رضي ولي الأول بالدية: أعطيها)، لأن الخيرة بين القصاص والدية
إليه، (وقتل) الجانى أو قطع (لثان. وهلم) بتشديد الميم (جرا) بالجيم
وتشديد الراء. يعني: أنه متى رضي من جني عليه ثانيا بالديه أعطيها، وقتل أو
_________________
(١) في ب: كل ولي
(٢) في ب: فيكون.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
قطع لثالث. وهكذا إن زادوا على ثالث فأكثر؛ لأن له حقا مستقلا. فإذا أخذ
الدية من كان أحق منه بالقصاص صار القصاص له.
(وإن) كان الجانى (قتل) إنسانا (وقطع طرف آخر: قطع) لقطع
الطرف، (ثم قتل) بمن قتله (بعد اندمال)، سواء تقدم القتل أو تأخر؛ لأنهما
جنايتان على رجلين. فلم يتداخلا، كقطع يدي رجلين. فأما إن قطع يد رجل،
ثم قتل آخر، ثم سرى القتل إلى نفس المقطوع فمات فهو قاتل لهما. فإذا تشاحا
في المستوفي للقتل قتل بالذي قتله، لأن وجوب القتل عليه به أسبق، فإن القتل
بالذي قطعه إنما وجب عند السراية وهي متأخرة عن قتل الآخر.
(ولو قطع يد زيد، و) قطع (إصبع عمرو من يد نظيرتها) أي: نظير (^١) يد
زيد الذي قطعها (وزيد) قطع يده (اسبق) من قطع إصبع عمرو: (قدم) قطع
يد الجانى لزيد، (ولعمرو دية إصبعه) " لئلا تذهب جنايته مجانا.
(ومع سبق) قطع إصبع (عمرو يقاد لإصبعه) أي: لإصبع عمرو، (ثم)
يقاد (ليد زيد بلا أرش) في الأصح، لأنه لا يجمع في عضو واحد بين القصاص
والدية كالنفس. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: نظيره.
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
[باب: العفو عن القصاص]
هذا (باب العفو عن القصاص). وقد أجمع المسلمون على جوازه.
(ويجب بعمد) أي: بالجناية عمدا وعدوانا (القود أو الدية. فيخير
الولي) أي: ولي الجناية (بينهما) أي: بين القود والدية على الأصح؛ لما
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن
يفدا، وإما أن يقتل" (^١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
وعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أصيب
بدم أو خبل (^٢) - والخبل بالخاء المعجمة والباء الموحدة الجراح- فهو بالخيار بين
إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو. فإن أراد رابعة فخذوا
على يديه" (^٣) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١٢) ١: ٥٣ كتاب العلم، باب كتابة العلم. واخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٠٥) ٤: ١٧٢ كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٠٥) ٤: ٢١ كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو. وأخرجه النسانى في " سننه " (٤٧٨٦) ٨: ٣٨ كتاب القسأمة، هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٢٤) ٢: ٨٧٦ كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٧٢٤) ٢: ٢٣٨.
(٢) في ج: بخبل.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٩٦) ٤: ١٦٩ كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم. أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٢٣) ٢: ٨٧٦ كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٤١٣) ٤: ٣٢
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
ولأن الدية إحدى بدلي النفس، بدليل أنها تجب عينا في كل موضع لا يمكن
القصاص فيه. فكانت إحدى موجبى العمد لذلك.
(وعفوه) أي: عفو ولي الجناية (مجانا) أي: من غير أن يأخذ شيئا
(أفضل)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾] البقر ة: ٢٣٧].
ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله
بها عزا " (^١) . رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه.
وعن أنس قال: " ما رفع (^٢) إلى رسول الله ﷺ أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو " (^٣) . رواه الخمسه إلا الترمذي.
(ثم لا تعزير على جان) بعد العفو في الأصح، لأنه إنما عليه حق واحد.
وقد سقط، كعفو عن دية قاتل خطأ. ذكره الموفق وغيره.
(فإن اختار) ولي الجناية (القود، أو عفا عن الدية فقط) يعني: دون
القصاص: (فله) بعد ذلك (أخذها، والصلح على أكثر منها) أي: من
الدية.
أما كونه يملك أخذ الدية إذا اختار القود؛ فلأن القصاص أعلا فإذا أختاره لم
يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى، وتكون الدية بدلا من القصاص.
وأما كونه إذا عفا عن الدية دون القصاص له أخذ الدية والصلح على أكثر
منها؛ فلأنه لم يعف مطلقا. وهذا في أصح الصورتين. وليست هذه الدية التي
_________________
(١) أخرجه الترمذي في"جامعه " (٢٣٢٥) ٤: ٥٦٢ كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعه نفر. وأخرجه اأحمد في " مسنده " (٥ ٠ ٧٢) ٢: ٢٣٥ ولم أره في مسلم.
(٢) في الأصول: وقع. وما أثبتناه من السنن.
(٣) أخرجه أبو داود قي " سننه " (٤٤٩٧) ٤: ١٦٩ كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٧٨٤) ٨: ٣٧ كتاب القسامة، الامر بالعفو عن القصاص. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٩٢) ٢: ٨٩٨ كتاب الديات، باب العفو في القصاص. وأخرجه أحمد في"مسنده " (١٣٢٤٣) ٣: ٢١٣
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
وجبت بالقتل؛ لأن القصاص إنما يقع باختياره له فلذلك يجوز له العفو إلى الدية. (وإن اختارها). ابتداء: (تعينت. فلو قتله) ولي الجناية (بعد) أي: بعد
اختياره الدية: (قتل به) على الأصح.
قال أحمد: إذا أخذ الدية فقد عفا عن الدم فإن قتله بعد أخذها قتل به.
أما كونه إذا اختار الدية سقط القود، فلأنه إذأ اختار أحد الشيئين المخير بينهما
تعين ولم يملك طلبه بغير ذلك؛ لأنه حق أسقطها باختيار ما هو أدنى منه. فلم
يملك الأعلى؛ كما في سائر حقوقه إذا أسقطها. ولهذا إذا قتله بعد ذلك قتل به.
(وإن عفا مطلفا) بأن لم يقيده بقصاص ولا ديه فله الدية، (أو) عفا (على
غير مال) فله الدية، (أو) عفا (عن القود مطلقا ولو) كان العفو (عن يده)
أي: يد الجانى أو رجله أو نحوهما في الصور الثلاث: (فله الدية) على
الأصح، لانصراف ذلك إلى القصاص دون الدية، لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود حيث المقصود منه التشفي. والانتقام لا يحصل
بالمال. فإذا وجد (^١) لفظة: العفو وجب أن تنصرف إلى القود؛ لأنه في مقابلة
الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل دون المال. وإذا انصرف العفو إلى القود
بقيت الدية على أصلها، لأنها ثبتت في كل موضع امتنع فيه القود.
(ولو هلك جان: تعينت) الدية (في ماله)، لأنه قد تعذر استيفاء القود منه
من غير إسقاط. فوجبت الدية في تركته، (كتعذره) أي: كتعذر استيفاء
القصاص ممن قطع طرفا ثم مات (في طرفه)، وكمن قتل عمدا غير كافئ له
فإن ديته تجب في مال القاتل. ومتى هلك الجانى ولم يخلف تركة ضاع حقه؛
لتعذر استيفائه.
(ومن قطع طرفا عمدا، كإصبع فعفى عنه) المجني عليه، (ثم سرت)
الجنايه (إلى عضو آخر، كـ) ما لو سرت إلى (بقية اليد، أو) سرت (إلى
النفس. و) كان (العفو على مال، أو) كان (على كير مال: فله) أي:
_________________
(١) في ب: وجدت.
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
للمجني عليه (تمام دية ما سرت) الجناية (إليه) في الأصح، (ولو) كان ذلك
(مع موت جان). وذلك بأن تستثنى من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفى
عنه؛ لأن حق المجني عليه فيما سرت إليه الجناية لا فيما عفا عنه.
(وإن ادعى) الجانى أو وارثه (عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود
ومال، أو) ادعى الجانى عفو المجني عليه (عنها) أي: عن الجناية (وعن
سرايتها، فقال) المجني عليه في جواب دعوى الجانى العفو عن القود والمال:
(بل) عفوت (إلى مال، أو) قال في جواب دعوى الجانى أنه عفا عن الجناية
وعن سرايتها: بل عفوت عنها (دون سرايتها. فقول عاف) في ذلك
(بيمينه)، أو قول وليه إن كان الخلاف معه؛ لأن الأصل عدم العفو عن
الجميع. وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره فيكون القول قوله في عدم العفو فيما
سواه.
(ومتى قتله) أي: قتل العافي (جان قبل برء) الجرج الذي جرحه (و)
كان (قد عفا) المجني عليه (على مال: ف) الواجب بقتله العافي (القود، أو
الدية كاملة) فيخير الولي بينهما على الأصح؛ لأن القتل انفرد عن القطع. فعفوه
عن القطع لا يمنع ما وجب بالقتل؛ كما لو كان القاطع غيره.
(ومن وكل) غيره (في) استيفاء (قود، ثم عفا) الموكل عن القود الذي
وكل فيه، (ولم يعلم وكيله) بعفوه (حتى اقتص: فلا شيء عليهما) أي:
لا على الوكيل ولا على الموكل في الأصح.
أما الوكيل؛ فلأنه لا تفريط منه فإن العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل
استدراكه. فلم يلزمه ضمان؛ كما لو عفا بعد ما رماه.
وأما الموكل؛ فلأن عفوه إحسان فيقتضي عدم وجوب الضمان؛ لقوله
﷾: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
(وإن عفا مجروح)، سواء كان جارحه (عمدا أو خطأ عن قود نفسه، أو
ديتها) أي: دية نفسه: (صح) عفوه على الأصح؛ (كـ) عفو (وارثه)؛
لأنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه. فصح؛ كما لو أسقط الشفعة بعد بيع شريكه.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
ولأن الجناية عليه. فصح عفوه عنها؛ كسائر حقوقه.
(فـ) يتفرع على صحة العفو (لو قال) المجروج: (عفوت عن هذا
الجرج، أو) قال: عفوت عن هذه (الضربة فلا شيء في سرايتها، ولو لم
يقل: وما يحدث منها) على الأصح؛ لأنه أسقط حقه من موجب الجناية،
والسراية تبع للجناية، والجناية لم يجب بها شيء. فلئلا يجب شيء بسرايتها
بطريق الأولى.
(كما لو قال: عفوت عن الجناية) فإنه لا يكون في سرايتها شيء رواية
واحدة. ولو قال: إنما أردت بالجناية الجراحة نفسها دون سرايتها؛ لأن
لفظة (^١) الجناية تدخل فيها الجراحة وسرايتها؛ لأنها جراحة واحدة. (بخلاف
عفوه) أي: قوله: عفوت (على مال، أو) قوله: عفوت (عن قود فقط) فإنه
لا يبرأ من سراية ذلك الجرج أو تلك الضربة.
(ويصح قول مجروح) لجارحه: (أبراتك) من دمي، (وحللتك من
دمي، أو) أبرأتك من قتلي، وحللتك من (قتلي، أو وهبتك ذلك، ونحوه)؛
كجعلت دمي لك (معلقا بموته) فإذا مات من الجراحة فقد برئ منه؛ لأنه أبراه
من القود مطلقا.
(فلو عوفي بقي حقه) وهو إما القصاص أو الدية؛ لأن لفظه لم يتضمن
الجرح ولم يتعرض له، وإنما اقتضى موجب القتل لا غير فيبقى موجب الجرح
بحاله فله مطالبته به. وهذا (بخلاف: عفوت عنك، ونحوه)؛ كعفوت عن
جنايتك؛ لأن ذلك يتضمن الجناية وسرايتها.
(ولا يصح عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود شجة لا قود فيها)؛
ككسر العظام؛ لأنه عفو عما لم يجب ولا انعقد سبب وجوبه. فكان باطلا؛
كما لو أبرأه من الدين قبل وجوبه. وإذا بطل العفو (فلوليه) أي: ولي القصاص
(مع سرايتها) أي: سراية الشجة (القود أو الدية)؛ كما لو لم يعف.
_________________
(١) في ب: لفظ.
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
(وكل عفو صححناه من مجروج مجانا.، مما يوجب المال عينا، فإنه)
أي: العافي (إذا مات) العافي (يعتبر) ما عفا عنه (من الثلث) أي: ثلث
تركته. فإن خرج من ثلثه فقد نفذ وإلا كان له منه بقدر ما يخرج من الثلث؛
وذلك لأنه مال أبرأ منه بعد ثبوته في مرض اتصل به الموت. فاعتبر من الثلث؛ كما لو أبرأه من دينه.
(وينقض) العفو (للدين المستغرق) للتركة؛ لأن العفو ينزل منزلة الوصيه
وهي لا تثبت مع الدين المستغرق.
(وإن) كان الجرج مما (أوجب قودا: نفذ من أصل التركة، ولو لم تكن)
البراءه (سوى دمه). نص عليه؛ لأن المال لم يتعين له فإذا أسقطه لم يلزمه
إثبات المال كما لا يلزمه قبول الهبة والوصية.
(ومثله) أي: ومثل ذلك: (العفو عن قود بلا مال من محجور عليه
لسفه، أو) محجور عليه لى (فلس، أو من الورثة، مع دين مستغرق) في
الأصح؛ لأن المال لم يتعين.
قال في"الفروع ": ومن صح عفوه مجانا فإن أوجب الجرح مالا عينا
فكوصية، وإلا فمن رأس المال لا من ثلثه على الأصح؛ لأن الدية لم تتعين.
قال في"المغني": ولذلك صح عفو المفلس مجانا مع أنه هو في غير
موضع. وجماعة لم يصححوه إن قيل يجب أحد شيئين. انتهى.
(ومن قال لمن له عليه قود في نفس، أو) قود في (طرف: عفوت عن
جنايتك، أو) عفوت (عنك برئ من قود ودية)؛ لأن عفوه يتناولهما.
(وإن أبرئ) بالبناء للمفعول (قاتل من دية واجبة على عاقلته) أي: عاقلة
القاتل، (أو) أبرئ (قن من جناية يتعلق أرشها برقبته) أي: رقبة القن: (لم
يصح) الإبراء؛ لأن الإبراء وقع من حق على غير من أبراه. فلم يصح؛ كما لو
أبرأ عمرا من دين على زيد.
(وإن أبرئت) بالبناء للمفعول (عاقلته) أي: عاقلة القاتل من دية واجبة
عليها، (أو) أبرئ (سيده) أي: سيد العبد الجانى جناية يتعلق أرشها برقبته،
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
(أو قال) المجنى عليه: (عفوت عن هذه الجناية، ولم يسم المبرأ) بأن لم
يذكر القاتل ولا العاقلة، أو لم يذكر العبد ولا السيد: (صح) الإبراء؛
لانصرافه إلى من عليه الحق.
(وإن وجب لقن قود، أو) وجب له (تعزير قذف: فله) أي: فللقن
(طلبه، و) له (إسقاطه)؛ لأنه مختص به دون سيده؛ لأنه ليس بحق له ما دام
القن حيا، (فإن مات: فـ) إن الحق ينتقل (لسيده)؛ لكونه أحق به ممن ليس
له فيه ملك. وصح عفوه عنه.
[ ١٠ / ٢٨١ ]
[باب: ما يوجب القصاصر فيما دون النفس]
هذا (باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس). وهو معقود لأحكام القود
فيما ليس بقتل من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك. وذلك هو المذكور في
قوله ﷾: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]
فدل ذلك على أن كل واحد من هذه الأعضاء يؤخذ بمثله. وقد بينه ﷺ منصصا عليه، فروى أنس" أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية. فطلبوا لها العفو. فأبوا. فعرض الأرش. فأبوا. فأتوا رسول الله صص فأبوا إلا القصاص. فأمر
رسول ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيع
لا والذي بعثك نبيا، لا تكسر ثنيتها. فقال النبي ﷺ: يا أنس! كتاب الله القصاص. فرضي القوم فعفو. فقال النبي ﷺ: إن من عباد الله لمن لو أقسم
على الله لأبره " (^١) . رواه الجماعة إلا مسلما والترمذي.
فنص رسول الله ﷺ أن كتاب الله في كسر السن القصاص، لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف، بدليل أن الكفارة تجب في النفس دون الطرف. وإذا
جرى القصاص في النفس مع تأكد حرمتها. فلأن يجري في الطرف أولى.
ويشترط لوجوب القصاص (^٢) فيما دون النفس الشروط المتقدمة في
القصاص في النفس، وإلى ذلك أشير بقوله:
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٥٦) ٢: ٩٦١ كتاب الصلح، باب الصلح في الدية. وأخرجه أبو دأود في " سننه " (٤٥٩٥) ٤: ١٩٧ كتاب الديات، باب القصاص من السن. وأخرجه النسائي في "سننه " (٤٧٥٧) ٨: ٢٧ كتاب القسأمة، القصاص من الثنية. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٤٩) ٢: ٨٨٤ كتاب الديات، باب القصاص في السن. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٧٢٧) ٣: ١٦٧
(٢) في ب: وبشترط للقصاص.
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
(من أخذ بغيره في نفس: أخذ به فيما دونها، ومن لا) يجري القصاص
بينهما في النفس: (فلا) يجري القصاص بينهما فيما دونها؛ كالأبوين مع
ابنهما، والحر مع العبد، والمسلم مع الكافر. فلا يقطع طرفه بطرفهم؛ لعدم
المكافأة. ويقطع كل من الحر المسلم والعبد والذمي بمثله. ويقطع الذكر
بالأنثى، والأنثى بالذكر، والناقص بالكامل؛ كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم؛
لأن من جرى القصاصر بينهما في النفس جرى في الطرف؛ كالحرين.
(وهو) أي: والقصاص فيما دون النفس يكون (في نوعين):
أحدهما: (أطراف، و) الآخر: (جر وح).
ويجب القصاصر في النوعين (بأربعة شروط:
أحدها) أي: أحد الشروط: (العمد المحض) كما لا يجب في النفس إلا
بذلك. وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن.
ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس
في وجوبه.
وعلم مما تقدم انه لا قصاص في الخطأ بالإجماع (^١)؛ لأنه لا يوجب
القصاص في النفس [وهي الأصل ففيما دونها أولنى، ولا في شبه العمد والآية مخصوصة بالخطأ فكذلك شبه العمد.
ولأنه لا يجب به القصاص في النفس] (^٢) فكذلك فيما دونها.
الشرط (الثاني) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (إمكان
الاستيفاء) أي: استيفاء القصاص فيما دون النفس (بلا حيف)، وذلك (بأن
يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد؛ كمارن الأنف، وهو: ما لان منه)
أي: من. الأنف دون القصبة؛ لأن ذلك حد ينتهي إليه، فهو كاليد يجب
القصار فيما انتهى إلى الكوع.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
إذا علمت ذلك (فلا قصاص في جائفة)، وهي: الجرح الواصل إلى باطن
الجوف، (ولا في كسر عظم غير سن، ونحوه)؛ كالضرس، (ولا أن قطع
القصبة) أي: قصبة الأنف، (أو) قطع (بعض ساعد، أو) قطع بعض
(ساق، أو) بعض (عضد، أو) بعض (ورك) في الأصح، لأنه لا يمكن
استيفاع من ذلك بلا حيف فإنه ربما يؤخذ أكثر من الفائت، أو يسري إلى عضو
آخر، أو إلى النفس فلم يجز؛ لأن الواجب الأخذ بقدر التلف لا أكثر منه. فإذا
أفضى الاستيفاء إلى الحيف منع منه، لتعذره. ولو قطع يده من الكوع ثم تأكلت
إلى نصف الذراع فلا قود له أيضا اعتبارا بالاستقرار. قاله القاضي وغيره. وقدمه في " الرعايتين " وصححه الناظم.
وقال المجد: يقتص هنا من الكوع.
(وأما الأمن من الحيف، فشرط لجوازه) أي: جواز الاستيفاء، لأن
القصاص في نفس الأمر (^١) واجب، إذ لا مانع منه، لوجود شرطه، وهو:
العدوان على من يكافئه عمدا في محل مساو له (^٢) في الاسم والصحة والكمال،
لكن الاستيفاء غير ممكن، لخوف العدوان على الجانى؛ لأنه المفروض.
وفائدة ذلك: أنا إذا قلنا: إنه شرط للوجوب تعينت الدية إذا لم يوجد
الشرط، وإذا قلنا: شرط للاستيفاء دون الوجوب انبنى على أصل وهو أن
الواجب ماذا؟ فإن قلنا: القصاص عينا لم يجب بذلك شيء، إلا أن المحني
عليه إذا عفا يكون قد عفا عن حق يحصل له ثوابه، وإن قلنا: موجب العمد أحد شيئين انتقل الوجوب إلى الدية كغيره.
إذا تقرر هذا (فيقتص من منكب: ما لم يخف جائفة) بلا نزاع. (فإن خيف)
إن اقتص من منكب جائفة، وهو: الجرح الذي يصل إلى الجوف فيفسد بدخول
الهواء فيه: (فله أن يقتص من مرفقه) في الأصح؛ لأنه أخذ ما أمكن من حقه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) فى الأصول: مساواته. ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
(ومن أوضح) إنسانا، (أو شج إنسانا دون موضحة، أو لطمه فذهب ضوء
عينه، أو) لطمه فذهب (شمه، أو) لطمه فذهب (سمعه: فعل به كما فعل)
في الأصح فيوضحه المجني عليه مثل موضحته، أو يشجه مثل شجته، أو يلطمه المجني عليه مثل لطمته. (فبأن ذهب) ما أذهبه الجانى بذلك فقد استوفى حقه،
(وإلا) أي: وإن لم يذهب: (فعل) به (ما يذهبه من غير جناية على حدقة أو
أنف أو أذن) بضرب على ذلك العضو أو نحوه. (فإن لم يمكن) ذهابه (إلا
بذلك) أي: إلا بالجناية على العضو بالضرب أو القطع أو نحوهما: (سقط)
القود (إلى الدية)، ويكون في مال الجانى؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد.
(ومن قطعت يده من مرفق، فأراد القطع) من يد الجانى (من كوع: منع).
قال في"المحرر": قولا واحدا؛ وذلك لأن للجناية (^١) عليه محلا يمكن
الاقتصاص منه، وهو مفصل المرفق. فلا يقتص من غيره، لاعتبار المساواة في المحل حيث لا مانع.
الشرط (الثالث) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (المساواة
في الاسم)؛ كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن
بالسن؛ لأن القصاص يقتضي المساواة. والاختلاف في الاسم فى دليل الاختلاف
في المعنى.
(و) المساواة أيضا في) (لموضع) فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار
بيمين، ولا تؤخذ جراحة قي الوجه بجراحة فى الرأس، ولا جراحة في مقدم
الرأس بجراحه قي مؤخر: الرأس؛ اعتبارا للمماثلة.
إذا تقرر هذا (فيؤخذ كل من أنف، وذكر مختون أو لا) يعني: أو غير
مختون بذكر مختون [أو غير مختون] (^٢)؛ لأن الختان أو عدمه لا أثر له؛
لمساواتهما، في الصحة واالكمال.
_________________
(١) في ج: الجنابه.
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
ولأن القلفة زيادة مستحقة الإزالة. فوجودها كعدمها.
ويستوي في ذلك ذكر الصغير والكبير، والصحيح والمريض، والذكر
الكبير والصغير؛ لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لا يختلف بهذه
المعانى.
(و) يؤخذ كل من (إصبع وكف ومرفق) بمثله، (و) كل (يمنى ويسرى
من عين وأذن مثقوبة أو لا، و) من (يد ورجل وخصية وإلية) بمثلها في
الموضع، (وشفر أبين) أي: قطع بمثله، (وعليا وسفلى من شفة، ويمنى
ويسرى وعليا وسفلى من سن مربوطة أو لا) يعني: أو غير مربوطة بمثلها في الموضع، (وجفن بمثله) في الموضع.
وعلم مما تقدم جريان القصاص في الإلية والشفر. وهو الأصح من
الوجهين؛ لقو له ﷾: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].
ولأن لهما حدا ينتهيان إليه. فجرى القصاص فيهما؛ كالذكر، وكالخصية
إذا قال أهل الخبرة أنه يمكن أخذها مع سلامة الأخرى.
(ولو قطع) إنسان (صحيح أنملة عليا من شخص، و) قطع الصحيح أيضا
أنملة (وسطى من إصبع نظيرتها من) شخص (آخر ليس له) أنملة (عليا: خير
رب) الأنملة (الوسطى بين أخذ عقلها) أي: عقل أنملته الوسطى (الآن- ولا
قصاص له بعد) أي: بعد أخذ عقل أنملته الوسطى- (وصبر) يعني: وبين
صبر عن أخذ عقل أنملته (حتى تذهب عليا قاطع) أي: أنملة قاطع العليا (بقود
أو غيره) بأن يتعدى عليه إنسان فيقطعها أو غير ذلك، (ثم يقتص) بقطع الأنملة
من قاطع نظيرتها من المقتص لاستيفاء حقه بذلك. (ولا أرش له الآن) يعني:
إذا اختار أن يصبر حتى تذهب عليا قاطع. وهذا (بخلاف غصب مال) لسد مال
مسد مال. يعني: أنه متى تعذر رد عين مغصوبة مع بقائها فلمالكها طلب قيمتها
الآن، فإذا ردها بعد ذلك أخذ ما دفعه (^١) من قيمتها.
_________________
(١) في ب: دفعها
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
(ويؤخذ) عضو (زائد بمثله) أي: بعضو زائد مثله (موضعا وخلقة)
أي: في الموضع والخلقة، بأن لا يكون أحدهما في مكان والآخر في غيره.
بأن يكون لأحدهما إصبع زائده في الكف من جهة الإبهام والآخر من جهة
الخنصر. واستوائهما في الخلقة، بأن لا يكون أحد الإصبعين بصورة الإبهام
والأخرى بصورة الخنصر. ومع استواء الزائدين في الموضع والخلقة يؤخذ كل
منهما بالآخر (ولو تفاوتا قدرا) أي: في القدر كالأصلي بالأصلي إذا تفاوتا في
القدر واتفقا في الموضع والخلقة.
(لا أصلي بزائد أو عكسه) يعني: أنه لا يؤخذ الأصلي بالزائد ولا الزائد
بالأصلي، (ولو تراضيا عليه) أي: على أخذ أحدهما بالآخر؛ لعدم المساواة
في المكان والمنفعة. فإن الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه. بخلاف الزائد
فإنه لا منفعة فيه.
(ولا) يؤخذ (شيء) من الأعضاء (بما) أي: بعضو (يخالفه) في
الموضع. فلا يؤخذ يمين بيسار، ولا تؤخذ يسار بيمين " لعدم تساويها في
الموضع فلا تحصل المقامة بأخذ إحداهما بالأخرى. وكذا الشفة العليا
بالسفلى، والجفن الأعلى بالأسفل وعكسه، لعدم التساوي في الموضع. ولا
يجوز ذلك ولو تراضيا عليه، لعدم المقاصة. وقد قال الله ﷾: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].
(فإن فعلا، فقطع يسار جان من) أي: إنسان (له قود في يمينه بها) أي:
بيمينه (بتراضيهما) أجزأت ولا ضمان على المقتص، (أو قال) من له قود في
يمين جان للجانى: (اخرج يمينك، فأخرج) الجانى (يساره عمدا أو غلطا،
أو ظنا أنها تجزئ، فقطعها: أجزات، ولا ضمان) في الأصح، لأن القطع أتى
على عضو مثل عضوه في الاسم والصورة والقدر. فوجب أن يجزئ عنه، كما لو كانت عينه ناقصة فرضيا على قطعها.
(وإن كان) الجانى (مجنونا) حين القطع، بأن جنى وهو عاقل ثم صار
مجنونا حين القطع (فعلى المقتص القود: إن علم أنها) أي: أن اليد المقطوعة
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
(اليسار، وأنها لا تجزئ. وإن جهل أحدهما) أي: أنها اليسار أو أنها
لا تجزئ: (فعليه الدية) دون القود، لأن جهله بذلك يكون شبهة في سقوط
القود عنه، وإذا سقط القود وجبت الدية.
(وإن كان المقتص مجنونا و) كان (الجاني عاقلا: ذهبت) يده (هدرا)،
لأن استيفاء المجنون لا أثر له وهو الذي أعانه بإخراج يده ليقطعها. فتكون
هدرا، كما لو قال عاقل لمجنون: اقتلني فقتله فأن دمه يذهب هدرا.
الشرط (الرابع) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (مراعاة
الصحة والكمال.
فلا تؤخذ) يد أو رجل (كاملة أصابع أو) كاملة (أظفار بناقصتها، رضي
الجانى أو لا) يعني: أو لم يرض، لأن ذهاب بعض الأصابع والأظفار نقص في
اليد أو الرجل ولا تؤخذ بها الكاملة، لزيادة المأخوذ على المفوت فلا يكون
مقاصة. (بل) تؤخذ ذات أظفار سليمة (مع) ذات (اظفار معيبة) أي: بذات
أظفار معيبة، لحصول المقاصة.
(ولا) تؤخذ (عين صحيحة بقائمة) أي: بعين قائمة، وهي: التي
بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها. قاله (^١) الأزهري" لأن منفعتها ناقصة فلا تؤخذ بها الكاملة المنفعة.
(ولا) يؤخذ (لسان ناطق بـ) لسان (أخرس)؛ لنقصه.
(ولا) يؤخذ عضو (صحيح بـ) عضو (أشل: من يد، ورجل، وإصبع،
وذكر. ولو شل) ذلك العضو بعد أن جنى على نظيره من غيره وهو صحيح،
(أو) كان العضو (ببعضه) فقط (شلل؛ كان ملة يد).
والشلل: فساد العضو وذهاب حركته؛ لأن المقصود من اللسأان النطق،
ومن اليد والرجل البطش، ومن الإصبع إمكان العمل، ومن الذكر الجماع، فإذا
فسد العضو وذهبت منفعته لم يؤخذ به الصحيح، لزيادته عليه. فإن الصحيح
_________________
(١) في ب: وقال.
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
طرف منفعته موجودة فيه، فلا يؤخذ بما لامنفعة فيه؛ كعين البصير بعين
الأعمى.
(ولا) يؤخذ (ذكر فحل بذكر خصي، أو) ذكر (عنين) في الأصح؛ لأنه
لا منفعة فيهما. فإن ذكر العنين لا يوجد منه وطء ولا إنزال، والخصي هو
مقطوع الخصيتين لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء. فهما كالذكر الأشل.
(ويؤخذ مارن) الأنف (الأشم الصحيح بمارن الأخشم: الذي لا يجد
رائحة شيء)؛ لأن ذلك لعلة في الدماغ، والأنف صحيح.
[(و) يؤخذ مارن الأنف الصحيح (بـ) مارن الأنف (المخروم) (^١) وهو:
(الذي قطع وتر أنفه] (^٢) و) بـ (المستحشف: الرديء) في الأصح.
(و) يؤخذ (أذن سميع بإذن أصم شلاء) في الأصح.
(و) يؤخذ (معيب من ذلك كله بمثله: إن أمن تلف من قطع شلاء) وذلك
أن نسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه إذا قطع لم تنسد العروق ويدخل الهواء إلى
البدن فيفسد: سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفسه بطرف. وإن أمن فله
القصاص؛ لأن الشم والسمع ليس بنفس العضو، فإن المقطوع الأذن والمقطوع
الأنف يسمع ويشم. وإنما جعلها الله ﷾ زينة وجمالا؛ لئلا يبقى
موضع الأذن ثقبا مفتوحا فيقبح منظره، ولا يبقى له ما يرد الماء والهوام (^٣) عن الصماخ، ولئلا يبقى وضع الأنف مفتوحا فيدخل الهواء إلى الدماغ فيفسد به.
فجعل غطاء له كذلك.
(و) يؤخذ معيب مما ذكر (بصحيح بلا أرش) في الأصح؛ لأن الشلاء من
ذلك كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة فلم يكن له أرش.
(و) متى اختلف الجاني والمجني عليه بأن قال الجانى: كان العضو الذي
_________________
(١) في ب: المجذوم.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: والهواء.
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
قطعته أشل، وقال المجني عليه: بل كان صحيحا، فإنه (يصدق ولي الجناية
بيمينه- في صحة ما جني عليه) في الأصح؛ لأن الظاهر من الناس سلامه الأعضاء، وأن الله ﷾ خلقهم بصفة الكمال.
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
[فصل: إذا جنى في بعض عضو]
(فصل. ومن أذهب بعض لسان، أو) بعض (مارن، أو) بعض (شفة،
أو) بعض (حشفة، أو) بعض (أذن، أو) بعض) سن: أقيد منه مع أمن قلع
سنه، بقدره) أي: بقدر ذلك البعض الذي أذهبه بالجناية،) بنسبة الأجزاء) من ذلك العضو؛ (كنصف وثلث) وربع ونحو ذلك؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].وهذا في الأصح؛ لأنه يؤخذ (^١)
جميعه بجميعه فأخذ بعضه ببعضه؛ كالأنف والأذن. ولا يؤخذ بالمساحة؛ لأن
ذلك يفضي إلى أخذ لسأان الجانى جميعه ببعض لسان المجني عليه.
(ولا قود ولا دية لما رجي عوده) من شيء ذهب بالجناية (في مدة تقولها
أهل الخبرة، من) ذهاب (عين؛ كسن، ونحوها)؛ كضرس، (أو) ذهاب
(منفعة؛ كعدو) بأن صار بسبب الجناية لا يقدر أن يعدو، (ونحوه) بأن صار
لايقدر على الوطء؛ لأنه معرض (^٢) أن يعود فلا يجب فيه شيء وتسقط
المطالبة به. فوجب تأخيره؛ لأنه غير واجب في الحال لهذا الاحتمال. فإن عاد
على صفة فلاشيء للمجني عليه؛ لأن المتلف عاد. فلم يجب به شيء؛ كما لو
قطع شعره وعاد، وإن لم يعد في مدة تقولها أهل الخبرة وجب ضمانه كغيره مما
لا يرجى عوده.
(فلو مات) المجني عليه (فيها) أي: في المدة التي تقولها أهل الخبرة:
(تعينت دية الذاهب) بالجناية في الأصح؛ لأنه يئس من عوده بموت المجني
عليه. فوجبت ديته؛ كما لو انقضت المدة ولم يعد.
_________________
(١) في ب: وهذا في الأصل لم يؤخذ.
(٢) في ب: بفرض.
[ ١٠ / ٢٩١ ]
(وأن ادعى جان عوده) أي: عود ما أذهبه من عين أو منفعه: (حلف رب
الجناية) على عدم عوده؛ لأنه الأصل.
(ومتى عاد) الذاهب بالجناية (بحاله) أي: على صفته التي كانت قبل
ذهابه. (فلا أرش) على الجانى؛ كما لو قطع شعره وعاد، (و) إن عاد
(ناقصا في قدر)؛ كما لو عاد السن قصيرا، (أو) عاد ناقصا في (صفة)؛
كما لو عاد السن أخضر أو أسود: (فـ) على الجانى في ذلك (حكومة)؛ لأنه
نقص حدث بفعله. فوجب عليه ضمانه؛ كما لو ضربه فانكسر بعضه أو اسود
ونحوه.
(ثم إن كان) المجني عليه (أخذ) من الجانى (دية) لما أذهبه قبل أن يعود
ثم عاد: (ردها) إليه، (أو) كان المجني (اقتص) من الجانى نظير ما أذهبه
فم عاد ما أذهبه الجانى: (فلجان الدية) عما اقتص عما أذهبه ثم عاد؛ لأننا تبينا
أنه استوفى ذلك بغير حق. (ويردها) أي: ويرد الجانى ما أخذه دية عما اقتص
منه: (إن عاد) ما أخذ الجانى ديته بسبب عود ما جني عليه كما قلنا في المجني
عليه؛ لأنا تبينا أنه قد أخذ ذلك بغير حق، فكان عليه رده.
(ومن قلع سنه أو ظفره) تعديا، (أو قطع طرفه؛ كمارن وأذن ونحوهما)
مما يمكن إعادته والتحامه (فرده فالتحم: فله) أي: فللمجني عليه (أرش
نقصه) على الأصح. وذلك حكومة؛ لأنها أرش كل نقصان حصل بالجناية.
(وإن قلعه) أي: قلع ما قطع ثم رد فالتحم (قالع بعد ذلك: فعليه ديته)
فقط؛ لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة؛ لنقصه بالقطع الأول.
(ومن جعل مكان سن قلعت) بجناية (عظما أو سنا أخرى، ولو من
آدمي، فثبتت: لم تسقط دية) السن (المقلوعة) بالجناية؛ كما لو لم يجعل
مكانها شيء. (وعلى مبين ما ثبت) من ذلك (حكومة)؛ لنقصها بإبانتها قبل
ذلك.
ولأنه لا يجب بإتلاف العضو الواحد ديتان له.
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
(و) متى ادعى وارث مجني عليه على جان بدية طرف مورثه فادعى الجانى
التحام ما قطعه منه قبل موته، وأنه ليس عليه إلا أرش نقصه، فإنه (يقبل قول
ولي) الذي هو وارثه (بيمينه في عدم عوده والتحامه)؛ لأن الجناية ثابتة
والجانى يدعي ما يسقط ضمانها والأصل عدمه. فلم يقبل منه بدون البينة؛ كما
لو أقر بدين لإنسان وادعى أنه أبرأه منه أو وفاه.
(ولو كان التحامه) أي: التحام القطيع (من جان اقتص منه: أقيد ثانيا)
على الأصح. يعني: أنه متى اقتص من الجاني بقطع نظير ما قطعه من المجني
عليه فأعاده فالتحم فللمجني عليه إبانته ثانيا. نص عليه؛ لأنه أبان عضوا من
غيره دواما. فوجبت إبانته منه دواما؛ لتحقق المقاصة.
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
[فصل: في القصا صفي الجراج]
(فصل) قد تقدم أول الباب أن القصاص فيما دون النفس يجري في نوعين:
أحدهما: في الأطراف، وقد تقدم الكلام عليه.
(النوع الثانى: الجروح. ويشترط لجوازه فيها) أي: لجواز القصاص في
الجروج: (انتهاؤها) أي: أن تننهي (إلى عظم؛ كجرح عضد وساعد وفخذ
وساق وقدم، وكموضحة) في رأس أو وجه.
قال في" شرح المقنع ": ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة
خلافا. انتهى.
لقول الله ﷾: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥]. فلو لم
يجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم لسقط حكم الآية.
ولأنه أمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة؛ لكونه ينتهي إلى
عظم. فًاشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.
(ولمجروح) جرحا (أعظم منها) أي: من الموضحة؛- (كهاشمة،
ومنقلة، ومأمومة). وسيأتي تعريف كل من ذلك في المتن-: (أن يقتص
موضحة) بغير خلاف بين أصحابنا؛ لأنه يقتصر على بعض حقه ويقتص من محل جنايته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجانى؛ لأن سكين الجانى
وصلت إلى العظم ثم تجاوزته. بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في
الكوع.
(و) أن (يأخذ) إذا اقتص موضحة (ما بين ديتها) أي: دية الموضحة
(ودية تلك الشجة) التي هي أعظم من الموضحة في الأصح؛ لأنه تعذر
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
القصاص فيه. فانتقل إلى البدل، كما لو قطع إصبعيه. فلم يمكن الاستيفاء إلا
من واحدة.
إذا تقرر هذا (فيأخذ في هاشمة) أي: يأخذ من جرح هاشمة واقتص من
الجانى موضحة (خمسا من الإبل، و) يأخذ (في منقلة عشرا) من الإبل.
(ومن خالف) ممن جنى عليه، (واقتص مع خوف) أي: خوف تلف
الجانى بالقصاص (من منكب، أو) من يد أو رجل (شلاء، أو من قطع نصف
ساعده، ونحوه)؛ كمن قطع نصف ساقه، (أو) اقتص (من مأمومة أو) من
(جائفة مثل ذلك) يعني: ولم يزد عليها. فلم يشجه في المأمومة دامغة ولم
يصل في الجائفة إلى ما هو أكثر عورا من جناية الجانى، (ولم يسر) الجرج:
(وقع) القصاص (الموقع، ولم يلزمه شيء)؛ لأنه فعل كما فعل الجانى فقد
تساويا في ذلك. فلا يلزمه شيء، لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.
(ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم)؛ لأن حده العظم ولو روعي
ذلك (^١) لتعذر الاستيفاء؛ لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته. وهذا كما
يستوفى الطرف بمثله.
وصفة اعتبار الجرح بالمساحة: بأن يعمد إلى موضع الشجة من رأس
المشجوج فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج،
ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، ويًاخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في
أول الشجة ويجرها إلى اخرها فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا.
وإن اختلف رأس الشاج والمشجوج في الصغر والكبر والدقة والغلظ فإن
كان رأس الشاج والمشجوج سواء، استوفى قدر الشجة من الجانب الذي شجه
فيه، وإن كان رأس الشاج أصغر أو أكبر فقد أشير إلى ذلك في المتن بقوله:
(فمن أوضح بعض رأس- والبعض) الذي. أوضحه (كراسه) أي: رأس
الشاج (وأكبر) من رأسه: (أوضحه) المشجوج (في كله) أي: كل رأس
_________________
(١) في ب: لو روعي لذلك.
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
الشاج، (ولا أرش لزائد) في الأ صح؛ لئلا يجتمع قصاص ودية في جرح
واحد.
(ومن أوضحه كله) أي: أوضح إنسانا في كل رأسه- (ورأسه) أي:
رأس الشاج (أكبر) من رأس المشجوج-: (أوضحه قدر شجته من أي جانب
شاء المقتص) من رأس الجانى.
(ولو كانت) الشجة (بقدر بعض الرأس منهما) أي: من الجانى والمجني
عليه: (لم يعدل عن جانبها) أي: عن جانب الشجة (إلى غيره) أي: إلى غير
جانب الشجة من رأس الجانى.
(وأن (^١) اشترك عدد في قطع طرف، أو) اشترك عدد في (جرح موجب
لقود ولو) كان الجرح (موضحة، ولم تتميز أفعالهم؛ كأن وضعوا حديدة
على يد وتحاملو عليها) جميعا (حتى بانت: فعلى كل) من المتحاملين (القود)
على الأصح؛ وذلك لما روي عن علي" أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما
على الثاني وغرمهما دية يد الأول. وقال: لو علمت أنكما تعمدتما
لقطعتكما " (^٢) . فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد
واحد ة.
ولأنه أحد نوعي القصاص. فيؤخذ فيه الجماعة بالواحد كالأنفس (^٣) .
(ومع تفرق أفعالهم، أو قطع كل) من عدد (من جانب: لا قود على
أحد) رواية واحدة؛ لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد، ولم يشارك في قطع
جميعها.
(وتضمن سراية جناية ولو) بعد أن (اندمل جرح واقتص) من الجانى،
_________________
(١) في. ب: ولو
(٢) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" ٨: ٤١ كتاب الجنايات، باب الاثنين أو أكثر يقطعان يد رجل معا.
(٣) في ج: كالنفس.
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
(ثم انتقض) الجرح (فسوى)؛ لأنه تلف حصل بفعل الجانى. فضمنه؛ كما
لو باشره (بقود ودية، في نفس ودونها).
إذا تقرر هذا فمن أمثلة سرايتها إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف
مثل: أن يهشمه في رأسه فيسري إلى ذهاب ضوء عينه ثم يموت فإنه يقتص منه
في النفس ويؤخذ منه دية حاسة بصره.
(و) من أمثلة ذلك: سريانها (^١) إلى ما دون النفس: (لو قطع إصبعا
فتأكلت) إصبع (أخرى) إلى جانبها، (أو) تأكلت (اليد وسقطت من
مفصل: فـ) إن ما يسقط يجب فيه) القود، و(يجب) فيما يشل الأرش)؛
لأنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر إلى سقوط أخرى فكذا إذا سرت؛ كما لو باشر ما سرت إليه. فيجب القود في الإصبع؛ لإمكان القصاص فيه ووجب فيما
شل الأرش؛ لعدم إمكان القصاص في الشلل. فضمن بما يضمن به؛ كما لو لم
يكن معه قطع.
(وسراية القود هدر) يعني: أنها غير مضمونة؛ لأن عمر وعلئا قالا: " من
مات من حد أو قصاص لا دية له. الحق قتله ". رواه سعيد بمعناه.
ولأنه قطع بحق فكما أنه غير مضمون فكذلك سرايته؛ كقطع السارق.
(فلو قطع طرفا قودا، فسرى إلى النفس: فلا شيء على قاطع. لكن: لو
قطعه) أي: قطع ولي الجناية الجانى (قهرا) من غير إذن الإمام أو نائبه في حالة
لا يؤمن فيها الخوف من السراية؛ كقطعه) مع حر أو) مع (برد، أو) قطعه
(بآلة كالة، أو) بآله (مسمومة، ونحوه)؛ كحرق الطرف المقتص منه بنار.
فإذا مات الجانى بسبب ذلك: (لزمه) أي: لزم المقتص بذلك (بقية الدية)
يعني: أنه يضمن دية النفس منقوصا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه. فلو وجب له في يد كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها. وهكذا الحكم في غير ذلك.
_________________
(١) في ب: سرايتها.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
(ويحرم) القصاص (في طرف حتى يبرأ)؛ كما لا تطلب له دية حتى يبرأ
على الأصح؛ لما روى جابر: " أن رجلا جرح رجلا وأراد أن يستقيد. فنهى
النبي أن يقاد من الجارجح حتى يبرأ المجروح " (^١) . رواه الدارقطني.
(فإن اقتص قبل) أي: قبل برء جرحه: (فسرايتهما) أي: سراية جرح
الجاني وجرج المقتص منه (بعد) أي: بعد اقتصاصه قبل البرء (هدر)؛ لما
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا طعن بقرن في ركبته. فجاء
إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقالى: حتى تبرأ. ثم جاء إليه، فقال: أقدنى
فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله! عرجت. فقال: قد نهيتك
فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك. ثم نهى رسول الله أن يقتص من جرح
حتى يبرأ صاحبه " (^٢) . رواه أحمد والدارقطني.
فعلى هذا: إن اقتص قبل البرء بطل حقه من سراية الجناية؛ لأنه باقتصاصه
قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية. فبطل حقه منه؛ كما لو رضي
بترك القصاص. وأيهما سرت جراحته بعد ذلك فهدر.
أما الجانى؛ فلأنه سراية القصاص فلا يضمن بذلك.
وأما المجني عليه؛ فلأنه رضي بتركه. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٥) ٣: ٨٨ كتاب الحدود.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٤) الموضع السابق.
[ ١٠ / ٢٩٨ ]