هذا (كتاب) يذكر فيه جمل من أحكام الجهاد.
ثم (الجهاد) مصدر جاهد جهادا ومجاهدة. ومجاهد اسم فاعل من جَهِد
إذا بالغ في قتل عدوه. وعلى كل تصاريفه هو لغة: بذل الطاقة والوسع. وشرعا: (قتال الكفار) خاصة. وهو مشروع بالإجماع. وسنده قوله ﷾: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾] البقرة: ٢١٦]،
﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾] التوبة: ٤١].
ومن السنة قوله ﷺ: " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " (^١). رواه مسلم.
وغيره من الأحاديث الصحيحة.
والجهاد أفضل تطوع البدن؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:
" انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي: فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، او ارجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمه " (^٢). متفق عليه.
ولمسلم: " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم " (^٣).
وعن انس قال: قال رسول الله ﷺ: " غَذوةٌ في سبيل الله أو روحة خيرٌ من
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩١٠) ٣: ١٥١٧ كتاب الإماره، باب ذم من مات ولم يغز. . . عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه" (٣٦) ١: ٢٢ كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٧٦) ٣: ١٤٩٥ كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٧٨) ٣: ٤٩٨ ١ كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.
[ ٤ / ٣١٧ ]
الدنيا وما فيها " (^١) . رواه البخاري.
(وهو فرض كفاية) ومعنى فرض الكفاية: أنه (^٢) إذا قام به من يكفي سقط
عن سائر الناس، وإن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم. فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان ثم يختلفان بًان فرض الكفايه يسقط بفعل البعض، وفروض الأعيان لا تسقط عن أحد بفعل غيره.
ولنا: على انه فرض كفاية قوله ﷾: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾] النساء: ٩٥]. وهذا يدل على أن القاعدين غير اثمين مع جهاد غيرهم.
وقال ﷾: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾] التوبة: ١٢٢].
ولأن النبي (^٣) ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه.
فًا ما قوله ﷾: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ إلى
اخر الاية] التوبة: ٣٩ [: فقد قال ابن عباس: " نسخها قوله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾] التوبة:١٢٢ [(^٤) . رواه الأثرم وأبو داود. ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي ﷺ إلى غزوه تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم.
و" لذلك هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلفوا حتى تاب الله ﷾ عليهم " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦٤٣) ٣: ١٠٢٩ كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين. . .
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: رسول الله.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٠٥) ٣: ١١ أول كتاب الجهاد، باب في نسخ نفير العامة بالخاصة.
(٥) حديب قصة كعب بن مالك وأصحابه أخرجه البخاري بطوله في " صحيحه " (٤١٥٦) ٤: ١٦٠٣ كتاب المغازي، باب غزوة تبوك. . .
[ ٤ / ٣١٨ ]
ولذلك يجب الجهاد على من استنفره الإمام؛ لقول النبي ﷺ: " إذا استنفرتم فانفروا " (^١) متفق عليه.
ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إلى الجهاد قوم يكفُون في قتالهم: إما
أن يكونوا جندا لهم دواوين من اجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تبرعًا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم. ويكون (^٢) في الثغور من يدفع العدو عنها. ويبعث في كل سنة جيشا يغيرون على العدو في بلادهم.
(وسُن) الجهاد (بتأكد مع قيام من يكفي به) أي: بالجهاد؛ لما روى
أبو داود بإسناده عن انس قال: قال رسول الله ﷺ: " ثلاث من اصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل. والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل اخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والإيمان با لأقدار " (^٣) .
(ولا يجب) الجهاد (إلا على ذكر). فلا يجب على امراة، لما روت عائشة قالت: " قلب: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؛ فقال: جهاد لا قتال فيه. الحج والعمرة " (^٤) .
ولأنها ليست من اهل القتال لضعفها وخورها، ولذلك لا يسهم لها.
ولا يجب على خنثى مشكل، لأنه لا يعلم كونه ذكرا. فلا يجب مع الشك
في شرطه.
(مسلم) لأن الإسلام شرط لوجوب سائر الفروع.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦٣١) ٣: ٠٢٥ ١ كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٣) ٣: ٤٨٧ ١ كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير. . .
(٢) في أ: ويكونون.
(٣) أخرجه أبو داود في " سنته " (٢٥٣٢) ٣: ١٨ أول كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور.
(٤) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (١ ٢٩٠) ٢: ٩٦٨ كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء.
[ ٤ / ٣١٩ ]
(حرِّ) فلا يجب على عبد، لما روي " أن رسول الله ﷺ كان يبايع الحر
على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد " (^١) .
ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة. فلم تجب على العبد؛ كالحج.
(مكلف)، لأن التكليف شرط لوجوب سائر " الفروع ".
(صحيح) بأن يكون سليما من العمى والعرج والمرض؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾] الفتح: ١٧]. فيجب على الصحيح.
(ولو) كان (أعشى) اي: ضعيف البصر (او) كان (أعور.
ولا يُمنع الأعمى) إذا اراد الخروج.
ثم اعلم ان العرج الذي يَسقط به الوجوب هو الفاحش الذي يمنع المشي
الجيد والركوب.
أما العرج اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر معه شدة
العدو فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه يتمكن منه. فًا شبه الأعور.
وان المرض الذي يسقط به الوجوب هو المرض الشديد. فأما اليسير؛
كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب " كالعَوَر.
(واجد بملك، أو) واجد ب (بذل إمام ما يكفيه و) يكفي (اهلَه في غيبته)، لقول الله ﷾: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾] التوبة: ٩١].
ولأن الجهاد لا يُتمكن منه إلا بالة. فاعتبرت القدرة عليها.
(و) أن يجد (مع) كون محل الجهاد (مسافة قصر) فأكثر من بلده (ما
_________________
(١) أخرج مسلم في " صحيحه " من حديب جابر. قال: " جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة. ولم يشعر أنه عبد. فجاء سيده يريده. فقال له النبي ﷺ: بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: أعبد هو؟؛. (١٦٠٢) ٣: ١٢٢٥ كتاب المساقاة، باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
يحمله)؛ لقول الله (^١) ﷾: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾] التوبه: ٩٢].
(وسن تشييعُ غاز. لا تلقِّيه). نص عليه؛ " لأن عليا شيع رسول الله ﷺ
في غزوة تبوك ولم يتلقه ".
وروي عن ابي بكر الصديق؛ " انه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى
الشام ويزيد راكب وأبو بكر يمشي. فقال له: ما تريد يا خليفة رسول الله ﷺ؛
إما أن تركب وإما ان أنزل انا فأمشي معك. فقال: لا أركب ولا تنزل. انى
أحتسب خطاي هذه في سبيل الله تعالى (^٢) " (^٣) .
ولأن تلقيه تهنئة له بالسلامه من الشهادة.
قال في " الفروع ": ويتوجه مثله حج وانه يقصده للسلام. ونقل عنه في
حج: لا. إلا إن كان (^٤) قصده أو ذا علم أو هاشميا او يخاف شره.
وشيع احمد أمه لحج. ونقل ابناه انه قال لهما (^٥): اكتبا اسم من سلم علينا
ممن حج حتى إذا قدم سلمنا عليه.
قال القاضي: جعله مقابلة، ولم يستحب أن يبدأهم.
قال ابن عقيل: محمول على صيانة العلم لا على الكبر.
وفي " الفنون ": تحسن التهنئة بالقدوم للمسافر كالمرضى تحسن تهنئة كل
منهم بسلامته. انتهى.
(واقل ما يُفعل) الجهاد (مع قدرة) عليه (كل عام مرة)؛ لأن الجزية
_________________
(١) في أ: لقوله.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٨٩ كتاب السير، باب ترك قتل من لا قتال فيه من الرهبانروالكبير وغيرهما.
(٤) ساقط من أ.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٢١ ]
تجب على أهل الذمة كل عام مرة، وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهوالجهاد.
(إلا ان تدعو حاجة إلى تأخيره)، مثل: أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو منتظرين لمدد يستعينون به، أو يكون بالطريق إلى الكفار مانع، أو ليس فيها علف أو ماء، أو يعلم من العدو حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم مع تأخير قتالهم، ونحو ذلك مما تكون المصلحة معه في تأخير القتال. فيجوز تأخيره بهدنة وبغير هدنة، " فإن النبي ﷺ قد صالح قرشيا عشر سنين وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده " (^١) . وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة.
أما إن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة وجب " لأنه فرض كفاية. فوجب منه ما تدعو إليه الحاجة.
(ومن حضره) أي: حضر صف القتال، (او حصر، أو) حصر (بلده،
أو احتيج) في القتال (إليه) أي: إلى أن يقاتل، (او استنفرَه من) أي إنسان اله استنفاره: تعين) القتال (على من لا عذر له) في الصور المذكورة (ولو) كان كل ممن تقدم (عبدا).
أما وجوبه على من حضر الصف أو حصر بلده، فلقوله ﷾:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾] الأنفال: ٤٥].
ولقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾] الأنفال: ١٥].
ولأن من حُصر بلده تعين على أهله دفعهم وقتالهم، كحاضري الصف.
وأما وجوبه على من استنفره من له استنفاره، لقول الله (^٢) ﷾:
_________________
(١) حديب قصه الحديبية، أخرجه البخاري بطوله في " صحيحه " (٢٥١٨) ٢: ٩٧٤ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد. . . وأخرجه أبو دأود في " سننه " (٢٧٦٦) ٣: ٨٦ أول كتاب الجهاد، باب في صلح العدو.
(٢) في أ: لقوله.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾] التوبة: ٣٨].
ولقول النبي ﷺ: " وإذا استنفرتم فانفروا " (^١) . متفق عليه.
(ولا ينفر في) حال (خطبة الجمعة، ولا بعد الإقامة). نص عليهما.
ونقل أبو داود فيما إذا نفر بعد الإقامة: ينفر إن كان عليه وقت. قلت:
لا ندري نفير حق أم لا؛ قال: إذا نادوا بالنفير فهو حق. قلت: إن أكثر النفير لا يكون حقا. قال: ينفر. يكون يعرف مجيء عدوهم كيف هو.
(ولو نودي بالصلاة والنفير. والعدو بعيد: صلى ثم نفر.
ومع قربه) أي: قرب العدو (ينفر ويصلي راكبا: افضل). نص على ذلك.
(ولا ينفر لابق) أي: ولا ينادى بالنفير من أجل آبق من رقيق. لا يهلك الناس بسببه.
(ولو نودي: الصلاة جامعة، لحادثة يشاور فيها لم يتأخر احد بلا عذر)
له، لوجوب الجهاد بغاية ما يمكن من البدن والراي والتدبير. والحرب خدعة. (ومنع النبي ﷺ من نزع لأمة الحرب إذا لبسها، حتى يلقى العدو)، لحديث علقه البخاري وأسنده أحمد وحسنه البيهقي (^٢) . واللأمه تجمع على لأم؛ كتمرة وتمر، وعلى لؤم كصرد على غير قياس.
قال الجوهري: ولعله (^٣) جمع لُؤمة " كجمعة وجمع.
(و) مُنع ايضا ﷺ (من الرمز بالعين والإشارة بها)، لخبر: " ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " (^٤) . رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم.
_________________
(١) سيق تخريجه ص (٣١٩) رقم (١).
(٢) عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله ﷺ: " إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ". ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ٦: ٢٦٨٢ كتاب الاعتصام، باب قول الله تعالى: (وامرهم شورى بينهم). وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٧٨١) ٣: ٣٥١
(٣) في أ: وكأنه.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٥٩) ٤: ١٢٨ كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " (٤٣٦٠) ٣: ٤٧ كتاب المغازي والسرايا
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وهي الإيماء إلى مباح من نحو ضرب أو قتل. على خلاف ما هو ظاهر. وسمي خائنة الأعين " لشبهه بالخيانة بإخفائه.
ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
(و) منع ﷺ أيضا من (الشعر والخط وتعلُّمهِما) " لقوله ﷾: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾] العنكبوت: ٤٨]، ولقوله ﷾: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾] يس: ٦٩].
ومما منع منه أيضا ﷺ إعطاؤه العطايا مستكثرا؛ لقوله ﷾: ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾] المدثر: ٦] أي: لا تعط شيئا لتًا خذ اكثر منه.
(وافضل متطوَّع به) من العبادات (الجهاد) نصا.
قال أحمد: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض افضل من الجهاد. روي ذلك عن جماعة من الصحابه.
قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبدالله وذكر له أمر الغزو فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر افضل منه.
وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال. والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأيّ عمل أفضل منه؛ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم.
وروى أبو سعيد قال: " قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؛ قال (^١):
من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " (^٢) . متفق عليه.
ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وانثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه
_________________
(١) في أ: فقال.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦٣٤) ٣: ٠٢٦ ١ كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه ماله في سبيل الله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٨٨) ٣: ٠٣ ٥ ١ كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
وخطره. فلا يساويه في فضله.
(وغزو البحر أفضل) يعني: من غزو البر، لما روى أنس قال: " نام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك. قالت أم حرام. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله! قال: ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله. يركبون ثَبّج هذا البحر، ملوك على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة " (^١) . متفق عليه.
قال ابن عبدالبر: أم حرام بنت ملحان أخت أم لسليم، خالة رسول الله ﷺ
في الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة.
وروى ابن ماجه بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائل في البحر كالمتشحط في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواج إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين " (^٢) .
ولأن البحر اعظم خطرا ومشقة. فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق.
ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه. فكان غزوه افضل من غيره.
(وتكفر الشهادة) الذنوب (غير الدين).
فال في " الفروع ": قال (^٣) شيخنا: وغير مظالم العباد؛ كقتل وظلم وزكاة وحج أخرهما.
وقال شيخنا: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الصلاة والزكاة
فإنه يستتاب. فإن تاب وإلا قتل. ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٦٦٠) ٦: ٢٥٧٠ كتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩١٢) ٣: ١٥١٨ كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧٧٨) ٢: ٩٢٨ كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر.
(٣) في ب: وقال.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وقال الاجري بعد أن ذكر الخبر: إن الشهادة تكفر غير الدين، قال: هذا
إنما هو لمن تهاون بقضاء دينه، أما من استدان دينًا وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن الله يقضيه عنه، مات أو قتل.
وتكفر طهارة وصلاة ورمضان وعرفه وعاشوراء الصغائر فقط.
قال شيخنا: وكذا حج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه. ويتوجه وجه.
ونقل المروذي: بر الوالدين كفارة للكبائر.
وفي "الصحيحين " أو " الصحيح ": " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" (^١) .
قال ابن هبيرة: فيه إشارة إلى أن كبار الطاعات يكفر الله ما بينهما؛ لأنه لم
يقل كفارة لصغار ذنوبه، بل إطلاقه يتناول الصغائر والكبائر.
قال: وقوله: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " (^٢) أي: زادت قيمته. فلم يقاومه شيء من الدنيا.
وقوله: " فلم يرفث ولم يفسق " (^٣) أي: أيام الحج. فيرجع ولا ذنب له، وبقي حجه فاضلا له؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والمذهب: لا تذهب. انتهى.
(ويُغزَى مع كل برِّ وفاجر يحفظان المسلمين)؛ لما روى أبو هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ: " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًا كان أو فاجرًا " (^٤) . رواه أبو دا ود.
ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه وظهور الكفار على المسلمين
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٨٣) ٢: ٦٢٩ أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها. عن أبي هريرة
(٢) أخرجه البخاري في الموضع السابق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤٩) ٢: ٩٨٣ كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
(٣) أخرجه البخاري في " صمحيحه " (١٤٤٩) ٢: ٥٥٣ كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٣٣) ٣: ١٨ أول كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور. ٣٢٦
[ ٤ / ٣٢٦ ]
واستئصالهم، وظهرر كلمة الكفار. وفيه فساد عظيم.
قال الله ﷾: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾] البقرة: ٢٥١].
و(لا) يغزى (مع مُخذِّل ونحوه).
قال أحمد: لا يعجبني ان يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين.
(ويقدَّم اقواهما) اي: أقوى الأميرين ولو كان يعرف بشرب الخمر والغلول،
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (^١) . (وجهاد) العدو (المجاور متعين)، لقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
ولأن الاشتغال بالعدو البعيد يمكن القريب من انتهاز الفرصة في المسلمين " لاشتغالهم عنه.
(إلا لحاجة) إلى قتال الأبعد، لكونه أخوف، او لمصلحة في البداءة بالأبعد، لقوته، او لإمكان الفرصة منه، او لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع مانع من قتاله: فإنه لا بأس بالبداءة بقتال الأبعد للحاجة.
(ومع تساو) بين عدوين في القرب أو البعد، وأحدهما أهل كتاب (جهاد
أهل الكتاب افضل).
وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم. فقيل له في ذلك. فقال: إن هؤلاء يقاتلون عن دين.
وقد روي عن رسول الله ﷺ: " أنه قال لأم خلاد: إن ابنك له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله! قال: لأنه قتله اهل الكتاب " (^٢) . رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٩٧) ٣: ٤ ١ ١ ١ كتاب الجهاد والسير، باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٨٨) ٣: ٥ أول كتاب الجهاد، باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
(وسُن رباط) في سبيل الله. (وهو: لزوم ثغر لجهإد) مقويا للمسلمين (ولو) كان اللزوم (ساعة) نصا.
قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط.
والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. واصله من رباط الخيل "
لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه. فسمي المقام بالثغر رباطا، وإن لم يكن خيل.
وفيه فضل عظيم واجر كبير.
قال احمد: ليس يعدل الجهاد والرباط شيء. والرباط: دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. فالرباط عندي أصل الجهاد وفرعه، والجهاد افضل منه للعناء والتعب والمشقة.
وقد روي في فضل الرباط أخبار: منها ما روى سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه. فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان " (^١) . رواه مسلم.
وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتّان القبر " (^٢) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عثمان أنه قال على المنبر: " إني كنت كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ] كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي ان أحدثكموه ليختار امرو منكم
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحححه " (١٩١٣) ٣: ١٥٢٠ كتاب الإماره، باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿.
(٢) أخرجه أبو داود في " سنته " (٢٥٠٠) ٣: ٩ أول كتاب الجهاد، باب في فضل الرباط. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٢١) ٤: ١٦٥ كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في قضل من مات مرابطًا
[ ٤ / ٣٢٨ ]
لنفسه. سمعت رسول الله ﷺ [(^١) يقول: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل " (^٢) . رواه أبو داود والأثرم.
(وتمامه) أي: تمام الرباط (اربعون يومًا)؛ لما روى أبو الشيخ في
" كتاب الثواب " بإسناده عن النبي ﷺ انه قال: " تمام الرباط أربعون يوما " (^٣) . ولما روى سعيد بإسناده عن أبي هريرة قال: " رباط يوم في سبيل أحب إليَّ
من ان اوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ.
] ومن رابط ثلاثة أيام في سبيل الله فقد رابط [، ومن رابط اربعين يوما فقد استكمل
الرباط " (^٤) .
(وافضله) اي: افضل الرباط (بأشد خوف) اي: بأشد الثغور خوفا؛
لأنهم احوج ومقامه به أنفع.
قال أحمد: افضل الرباط اشد كلبا.
(وهو) أي: المقام بالثغر (افضل من مقام بمكة).
قال في " الفروع ": وذكره شيخنا إجماعا.
(والصلاة بها) أي: بمكة (افضل) من الصلاة بالثغر. نص على ذلك.
قال احمد: فأما فضل الصلاة هذا شيء خاصة فضل لهذه المساجد.
(وكره) لمن يريد ثغرا (نقل اهله إلى مخوف) من الثغور. نص على
ذلك؛ لما روى يزيد بن عبدالله قال: قال عمر: " لا تنزلوا المسلمين خيفةء البحر ". رواه الأثرم.
ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن من ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاوهم على
الذرية والنساء.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٣٩ كتاب الجهاد، باب ما يبدأ به من سد أطراف المسلمين بالرجال.
(٣) أخرجه الطبرانى في " المعجم الكبير " (٦ ٠ ٧٦) ٨: ١٥٧
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٤١٠) ٢: ١٥٩ كتاب الجهاد، باب ما جاء قي فضل الرياط، وما بين الحاصرتين من " السنن "
[ ٤ / ٣٢٩ ]
قيل لأبي عبدالله: فيخاف على المنتقل بعياله إلى الثغرالإثم؛ قال: كيف
لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الثغر مخوفًا (فلا) يكره نقل أهله إليه (كأهل الثغر) أي: كإقامة أهل الثغر بأهليهم. فإنه لا يكره لهم الإقامة بأهليهم؛ لأنه لا بد لهم من السكنى بأهليهم، ولولا إقامة أهل الثغور فيها بأهاليهم (^١) لخربت الثغور وتعطلت.
وفي الحرس في سبيل الله ثواب عظيم وفضل كبير.
قال ابن عباس: سمدت رسول الله ﷺ يقول: " عينان لا تمسهما النار:
عين بكت من خشية الله، وعين باتب تحرس في سبيل الله " (^٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وعن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها " (^٣) . رواه ابن سنجر.
(و) يجب (على عاجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم كفر، او) يغلب فيه حكم ب (بِدَع مُضلة)؛ كرفض واعتزال: (الهجرة). والهجرة: الخروج من دار أهل الكفر إلى دار أهل الإسلام. ويقاس على ذلك الخروج من دار أهل البدع إلى دار أهل السنة.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ الايات] النساء: ٩٧].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " أنا بريء من مسلم بين مشركين. لا تراءى
_________________
(١) في أ: بأهلمهم.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٣٩ ١) ٤: ١٧٥ كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٦٣) ١: ٦٥
[ ٤ / ٣٣٠ ]
ناراهما " (^١) . رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا اوقدت.
ولأن القيام بًا مر الدين واجب على القادر. والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومحل الوجوب: (إن قدر) العاجز عن إظهار دينه على الهجرة؛ لقوله ﷾: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ الاية [النساء: ٩٨]. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
(ولو) كانت (في عدة بلا راحلة و) بلا (محرَم). وهذا المذهب.
وقال في " الرعايتين " و" عيون المسائل " في مسًا لة الحج بمَحرم: إن أمنت على نفسها من الفتنة في دينها لم تهاجر إلا بمحرم.
وقال المجد في. " شرحه ": إن أمكنها إظهار دينها وأمنتهم على نفسها لم
يبح إلا بمحرم؛ كالحج، وإن لم تًا منهم جاز الخروج حتى وحدها. بخلاف الحج. انتهى.
(وسُنت) الهجرة (للقادر) على إظهار دينه وإقامته في دار الكفر؛ ليتخلص
من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ويتمكن من جهادهم، وإعانة المسلمين. ويحصل بهجرته تكثيرهم.
وذكر ابن الجوزي في قوله ﷾: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾
] النساء: ٨٨ [عن القاضي: أن الهجرة كانت فرضًا إلى أن فتحت مكة. كذا قال. وقد اختاره ذلك جماعة مستدلين بقوله ﷺ: " لا هجرة بعد الفتح " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٤٥) ٣: ٤٥ أول كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٠٤) ٤: ١٥٥ كتاب السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٧٨٠) ٨: ٣٦ كتاب القسامة، القود بغير حديدة. .
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٦٨٦) ٣: ١٤١٦ كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي ﷺ
[ ٤ / ٣٣١ ]
وبقوله ﷺ: " قد انقطعت الهجرة. ولكن جهاد ونية " (^١) .
ولنا على من يقول بانقطاع الهجرة ما روى معاوية قال: سمعت رسول الله
ﷺ يقول: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " (^٢) . رواه أبو داود.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد " (^٣) . رواه سعيد وغيره.
مع إطلاق الآيات والأخبار الدالة وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان.
وأما قوله ﷺ: " لا هجرة بعد الفتح " (^٤) . يعني: من مكة. ويلحق به كل بلد قد فتح، لأن الهجرة الخروج من بلاد الكفار. فإذا فتح لم ييق بلد الكفار فلا يبقى معه (^٥) هجرة.
(ولا يتطوع به) اي: بالجهاد (مَدين آدمي) أي: من عليه دين لادمي،
(لا وفاء له). سواء كان حالًا او مؤجلًا. (إلا مع إذن) من رب الدين، (أو) مع (رهن يُحرز) الدين بأن يمكن وفاؤه منه، (أو) مع (كفيل مليء) بقدر الدين، لأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها.
_________________
(١) = وأصحابه إلى المدينه. عن أبن عمر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٦٤) ٣: ١٤٨٨ كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير. . . عن عائشة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٩٠) ٤: ١٤٨ كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة. عن ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩١٤) ٣: ١١٢٠ كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح. موقوفا على عائشة. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ١٦ كتاب السير، باب الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن لا يخاف الفتنة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٧٩) ٣: ٣ أول كتاب الجهاد، باب فى الهجرة هل انقطعت.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٣٥٤) ٢: ١٣٨ كتاب الجهاد، باب من قال: انقطعت الهجرة.
(٥) سبق تخريجه ص (٣٣١) رقم (٢).
(٦) في أوب: منه.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وقد روي " أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبًا تكفر عني خطاياي؛ قال: نعم. إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك " (^١) .
وأما إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه؛ لأن الجهاد تعلق بعينه. فكان مقدما على ما في ذمته؛ كسائر فروض الأعيان. ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل من المبارزة والوقوف أول المقاتلة؛ لأن في ذلك تغريرًا بتفويت الحق.
وعلم مما تقدم انه إن ترك وفاء أو أقام كفيلا فله الغزو وبدون إذن غريمه.
نص عليه أحمد فيمن ترك وفاء؛ " لأن عبدالله بن عمرو بن حرام خرج إلى أحد وعليه دين كثير فاستشهد وقضاه عنه ابنه جابر بعلم النبي ﷺ، ولم يلمه النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه " (^٢) .
وقال: " ما زالت الملائكة تظله بًا جنحتها حتى رُفع " (^٣) .
وقال لابنه جابر: " أشعرتُ ان الله أحيا اباك وكلمه كِفاحا " (^٤) .
(ولا) يجوز ايضا أن يتطوع بالجهاد (مَن احد أبويه حر مسلم، إلا بإذنه)؛
لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أجاهد؛ قال: لك أبوان؛ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٣١٥٥) ٦: ٣٣ كتاب الجهاد، من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين.
(٢) عن جابر بن عبدالله ﵄: " أن أباه قتل يوم أُحُد! شهيدأ، وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم. فأتيت النبي ﷺ. فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبى فأبوا. فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي، وقال: سنغدو عليك. فغدا علينا حين اصبح قطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة. فجددتها فقضيتهم وبقي لنا من تمرها ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٦٥) ٢: ٨٤٣ كتاب الاستقراض، باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣١٥٥) ٦: ٣٣ كتاب الجهاد؛ من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠ ٢٨٠) ٢: ٩٣٦ كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٧١) ٤: ١٩١ كتاب الجهاد، باب ما جاء فيمن خرج في الغزو وترك أبويه.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وروى ابن عباس نحوه (^١) . قال الترمذي: هذا حديب حسن صحيح.
وفي رواية قال: " جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان. قال:
ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما " (^٢) .
وعن أبي سعيد: " أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ. فقال له رسول الله ﷺ: هل لك باليمن أحد؛ قال: نعم أبواي. قال: أذنا لك؛ قال: لا. قال: فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما " (^٣) . رواهما أبو داود. ولأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية. وفرض العين يقدم.
فًاما إن كانا غير مسلمين فلا إذن لهما؛ لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يجاهدون وفيهم من أبواه كافران ولم يستًاذنهما، منهم أبو بكر الصديق.
وأبو حذيفة بن عتبة كان مع النبي ﷺ يوم بدر وأبوه رئيس المشركين يومئذ.
وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد. فًا نزل الله ﷾: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية] المجادلة: ٢٢ [،
وهذا مخصص لعموم الأخبا ر.
وكذا إن كانا رقيقين على الأصح؛ لأنه لا ولاية لهما.
وكذا إن كانا مجنونين؛ لعدم اعتبار قولهما.
ومن خرج في جهاد تطوع بإذن أبويه ثم منعاه منه بعد سيره قبل تعينه عليه:
فعليه الرجوع؛ لأنه معنى لو وجد في الابتذاء منع. فمنع إذا وجد في أثنائه؛ كسائر الموانع. إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر من مرض أو نحوه. فإن أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش.
وإذا حضر الصف تعين عليه بحضوره وسقط إذنهما.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٢٨) ٣: ١٧ أول كتاب الجهاد، باب في الرجل يغزو وأبواه كاهان.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٣٠) الموضع السابق.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
ولو أذنا له في الجهاد وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط
شرطهما؛ لأنه صار واجبا. فلم يبق لهما في تركه طاعة.
(لا جَدّ وجَدّة) يعني: أن الجد والجدة لا يكون حكمهما حكم الأب والأم
في الاستئذان.
قال في " الفروع ": ذكره الأصحاب، ولا يحضرنى الآن عن أحمد.
ويتوجه تخريج واحتمال في الجد أب (^١) الأب. وقد قال ابن حزم: اتفقوا] أن بر الوالدين فرض، واتفقوا [(^٢) أن بر الجد فرض. انتهى.
(ولا في سفر لواجب) يعني: أنه لا يلتفت إلى إذن أحد من الأبوين ولا رب
دين لا وفاء له في سفرلواجب.
وفي " الروضة ": أو كان فرض كفاية.
- (ولا يحل للمسلمين فرارٌ من) كفار (مثليهم. ولو) كان الفار (^٣) (واحدًا
من اثنين) كافرين؛ لقول ابن عباس: " من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من
ثلاثة فما فر " (^٤) .
(او مع ظن تلف) يعني: ولو مع ظن المسلمين التلف إن لم يفروا.
(إلا مُتَحَرَّفين لقتال، او مُتَحيّزين إلى فئة وإن بعدت) الفئة؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾] الأنفال: ١٦].
وقد " عد النبي ﷺ الفرار يوم الزحف من الكبائر " (^٥) .
_________________
(١) في أ: أبو.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: الكفار.
(٤) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١١١٥١) ١١: ٩٣
(٥) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يا رسول الله! وما هن؛ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٨٧٤) ٣: ٥ ١ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
ومعنى التحرف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن؛ كما لو كان المسلمون مقابلين للشمس أو الريح (^١)، أو في مكان ينكشفون فيه. فينحرفون إلى غير تلك الجهة، أو يستندون إلى جبل او نحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب. قال عمر: " يا سارية بن ديثم! الجبل. ظلم الذئب من استرعاه الغنم. فأنكرها الناس. فقال علي: دعوه. فلما نزل سأله عما قال. فلم يعترف به. وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم. فلما قدم ذلك الجيش أَخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة فظهر عليهم فسمعوا صوت عمر. فانحازوا إليه فانتصروا على عدوهم "
ومعنى التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين؛ ليكون معهم فيقوى بهم على عدوه. وسواء بعدت الفئة أو قربت.
قال القاضي: لو كانب الفئة بخراسان والزحف بالحجاز جاز التحيز إليها؛
لما روى ابن عمر ان النبي ﷺ قال: " إنى فئة لكم " (^٢) . وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: " أنا فئة لكل مسلم " (^٣) . وكان بالمدينه وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد.
(وإن زادوا) اي: زاد الكفار على مثلي المسلمين (فلهم) اي: للمسلمين (الفرار. وهو) اي: الفرار مع زيادة الكفار على مثلي المسلمين (مع ظن تلف اولى) من الثبات.
قال في " الإنصاف ": فإن زاد الكفار فلهم الفرار. قال الجمهور: والفرار أولى والحالة هذه مع ظن التلف بتركه. انتهى.
(وسن الثبات مع عدم ظن التلف).
وقيل: يجب.
_________________
(١) في ب: للريح
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٥٣٩) ٢: ٠٩ ٢ كتاب الجهاد، باب من قال الإمام فئة كل مسلم
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٥٤٠) ٢: ٢١٠ الموضع السابق.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
والأول المذهب؛ لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم علق على مظنته وهو كونهم اقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا نصف عددهم فًا كثر. (والقتال مع ظنه) أي: ظن التلف (فيهما) اي: في الفرار والثبات (أولى من الفرار والأسر)؛ لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين. فيكونوا افضل من المولين.
ولأنه يجوز ان يغلبوا ايضا فقد قال الله ﷾: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾] البقرة:٢٤٩].
ومتى حصر العدو بلدًا للمسلمين فلأهله التحصن منهم وإن كانوا أكثر من نصفهم؛ ليلحقهم مدد او قوة. ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا. إنما التولي بعد اللقاء. وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى الحصن؛ لأنه بمنزلة التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة. وإن غزوا فذهبت دوابهم فليس ذلك عذرا في الفرار؛ لأن القتال ممكن للرجالة.
وإن تحيزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رجالة فلا بأس؛ لأنه تحرف للقتال.
وإن ذهب سلاحهم فتحيزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتستر بالشجر ونحوه، أو لهم في التحيز إليه فائدة جاز.
(وإن وقع في مركبهم) أي: مركب المسلمين (نار) فاشتعلت فيه (فعلوا
ما يرون)] اي: يظنون [(^١) (السلامة فيه: من مُقام، ووقوع في الماء)؛] لأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن كاليقين في أكثر الأحكام. فهاهنا كذلك.
(فإن شكوا) [(^٢) فيما فيه السلامة (او تيقَّنوا التلف فيهما) أي: في المقام والوقوع في الماء، (او ظنوا السلامة فيهما) أي: في المقام والوقوع في الماء (ظنا متساويًا: خُيِّروا) بين المقام وإلقاء نفوسهم في الماء؛ لأنه لا مزية لأحد الأمرين على الآخر.
***
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
] فصل: في تبييت الكفار [
(فصل. يجوز تبييتُ كفار ولو قُتل بلا قصد من يحرم قتله). ومعنى تبييت الكمار: كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارّون.
قال أحمد: لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات. قال: ولا نعلم أحدًا كره بيات العدو؛ وذلك لما روى الصعب بن جثّامة الليثي قال: " سمعت رسول الله ﷺ يسًال عن الديار من ديار المشركين يبّيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؛ فقال: هم منهم " (^١) . متفق عليه.
وقد قال سلمة بن الأكوع: " أمر رسول الله ﷺ أبا بكر فغزونا أناسا من المشركين فبيتناهم " (^٢) . رواه أبو داود.
فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والذرية؛
قلنا: هذا محمول على التعمد لقتلهم.
قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم فلا.
(و) يجوز أيضا (رميهم بمنجنيق). نص عليه؛ " لأن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف " (^٣) . رواه الترمذي مرسلا.
و" نصبه عمرو بن العاص على الاسكندرية " (^٤) .
ولأن القتال به معتاد. أشبه الرمي بالسهام. فظاهر كلام أحمد: جواز ذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٢٨٥) ٣: ٩٧ ٠ ١ كتاب الجهاد والسير، باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري. وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (١٧٤٥) ٣: ١٣٦٥ كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٣٨) ٣: ٤٣ أول كتاب الجهاد، باب فى البيات.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " ٥: ٩٤ كتاب الأدب، باب ما جاء في الأخذ من اللحية.
(٤) ذكره البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٨٤ كتاب السير، باب قطع الشجر وحرق المنازل.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
مع الحاجة وعدمها.
(و) يجوز أيضا رميهم (بنار، وقطع سابِلة) عنهم، (و) قطع (ماء) عنهم، (وفتحُه ليغرقهم، وهدم عامرهم) وإن تضمن ذلك إتلاف النساء والصبيان " لحديث الصعب بن جثامة في البيات. وهذا في معناه.
(و) يجوز (أخذ شهد، بحيب لا يُترك للنحل) منه (شيء) على الأصح " لأن الشهد من الطَّعام المباح.
ولأن هلاك النحل بأخذ جميع الشهد يحصل ضمنًا غير مقصود. فأشبه قتل النساء والذراري في البيات.
(لا حرقه) أي: حرق النحل، (او تفريقه) فإنه لا يجوز؛ لما روي عن
أبي بكر الصديق: " انه قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميرا على القتال بالشام: ولا تحرقن نحلًا ولا تفرقنه " (^١) .
ولأن ذلك إفساد. فيدخل في عموم قوله ﷾: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾] البقره: ٢٠٥].
ولأن النحل حيوان ذو روح. فلم يجز قتله ليغيظهم؛ كنسائهم وذراريهم.
(او عقرُ دابة) يعني: أنه لا يجوز ايضا عقر دابة (ولو لغير قتال) " كالبقر والغنم. (إلا لحاجة اكل). سواء خفنا أخذهم لها أولم نخف، لأن أبا بكر الصديق قالى في وصيته ليزيد حين بعثه أميرًا: " يا يزيد! لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شجرا مثمرأ، ولا دابة عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا ولا تفرقنه، ولا تغلل ولا تجبن " (^٢) .
و" أن النبي ﷺ نهى عن قتل شي. ء من الدواب صبرا " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطًا " (١٠) ٢: ٣٥٨ كتاب الجهاد، باب النهي عن قل النساء والولدان في الغزو. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٨٣) ٢: ٤٨ ١ باب ما يؤمر به الجيوش إذا خرجوا.
(٢) سبق تخريجه في الحديب السابق.
(٣) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٣١٨٨) ٢: ٠٦٤ ١ كتاب الذبائح، باب النهي عن صبر البهائم وعن المثلة. عن جابر بن عبدالله.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
ولأنه حيوان ذو حرمة. فأشبه النساء والصبيان.
وأما عقرها لحاجة الأكل فيباج؛ لأن الحاجة تبيح مال المعصوم. فمال الكفار أولى.
وأما إن لم تكن حاجة داعية وكان الحيوان لا يراد إلا للأكل؛ كالدجاج والحمام والصيود فحكمه حكم الطعام؛ لأنه لا يراد لغير الأكل وتقل قيمته.
] فأشبه الطعام [(^١) .
(ولا) يجوز أيضا (إتلاف شجر أو زرع يُضِرُّ) إتلافه (بنا). سواء كان الإتلاف بقطع أو حرق أو غيرهما على الأصح؛ لما في ذلك من الإضرار بالمسلمين. أما لو لم يقدر عليهم إلا به؛ كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم،
أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعه الطريق، أو كاثوا يفعلوه بنا. فإنه يجوز قطعه.
قال الموفق ومن تبعه: بغير خلاف نعلمه.
(ولا) لجوز (قتل صبي، و) لا (أنثى، و) لا (خنثى، و) لا (راهب، و) لا (شيخ فان، و) لا (زمن، و) لا (أعمى) لا) وأي لهم، ولم يقاتلوا، أو) لم (يحرضوا) على القتال؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان " (^٢) . متفق عليه.
ولأن الصبي يصير رقيقًا بنفس السبي ففي قتله إتلاف للمال، وإذا سبي منفردأ صار مسلمًا فإتلافه إتلاف من يمكن جعله مسلمًا.
وروي عن ابن عباس " في قوله سبحاته وتعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾] البقرة: ١٩٠ [يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير " (^٣) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٥٢) ٣: ٩٨ ٠ ١ كتاب الجهاد والسير، باب قتل النساء في الحرب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٤٤) ٣: ١٣٦٤ كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب.
(٣) ذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١: ٣٧٠ وعزاه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وروي عن ابي بكر الصديق: أنه أوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال:
" لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما " (^١) .
وعن عمر: " انه وصى سلمة بن قيس فقال: لا تقتلوا امرأة ولا صبيًا ولا شيخًا همًا (^٢) " (^٣) . رواهما سعيد.
واما كون الراهب لا يقتل؛ فلأن في حديث أبي بكر الصديق ﵁:
" وستمرون على اقوام في مواضع لهم احتبسوا أنفسهم فيها. فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم " (^٤) .
ولأن الراهب لا يقاتل بدنيَّا. فًا شبهوا من لا يقدر على القتال.
وعموم قوله ﷾: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾] التوبة: ٥].
وقوله ﷺ:
" اقتلوا شيوخ المشركين " (^٥): مخصوص بما تقدم من الأحاديب.
ولأن الهرم ليس من اهل القتال. فلا يقتل؛ كالمراة.
وقد أومأ النبي ﷺ إلى هذه العلة في المرأة فقال: " ما بالها قتلت وهي لاتقاتل " (^٦) .
وأما الزمن والأعمى فالعلة موجودة فيهما.
لكن يشترط أن يكون الشيخ الفانى والزمن والأعمى لا رأي لهم قي القتال،
اما إن كان لأحد منهم رأي في القتال جاز قتله؛ " لأن دريد بن الصمة قتل يوم
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٨٣) ٢: ٤٨ ١ كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به الجيوش إذا خرجوا.
(٢) في أ: هرمًا. وهما أي: فانيًا.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٣٤٧٦) ٢: ١٧٩ كتاب الجهاد، باب حديث السفطين.
(٤) سيق تخريجه في الحديب ما قبل السابق
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٧٠) ٣: ٥٤ أول كتاب الجهاد، باب في قتل النساء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٨٣) ٤: ١٤٥ كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحكم. كلاهما عن سمرة بن جندب.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٦٢٣) ٢: ٢٣٨ كتاب الجهاد، باب ما جاء في قتل النساء والولدان، بلفظ: " أكانت هذه تقاتل؟ "
[ ٤ / ٣٤١ ]
حنين وهو شيخ فان، وكانوا قد خرجوا به معهم يستعينون (^١) برأيه ". فلم ينكر النبي ﷺ قتله.
ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وربما كان أبلغ من (^٢) القتال؛
كما قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن القرنان
وقد جاء عن معاوية " أنه قال لمروان والأسود: أمددتما عليا بقيس بن سعد وبرأيه ومكايدته. فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية الاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك ".
ويشترط: أن لا يقاتل السبي ولا المرأة فإن قاتلا جاز أن يقتلا (^٣)، " لأن النبي ﷺ قتل يوم قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن سلمه ".
وروى ابن عباس " أن النبي ﷺ مرَّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من
قتل هذه؛ فقال رجل: أنا، نازعتني قائم سيفي. فسكت " (^٤) .
ويشترط: أن لا يحرض أحد ممن قلنا لا يقاتل على القتال. فإن حرَّض جاز
أن يُقتل. فإن تحريض النساء والذرية أبلغ من مباشرتهم القتال بأنفسهم.
وشمل عموم كلامهم المريض والقن والفلاج.
وقال في " المغني " و" شرح المقنع ": لا يقتل عبد ولا فلاح.
_________________
(١) في أ: يستعينوا.
(٢) في ب: في.
(٣) في ج: يقاتلا.
(٤) أخرجه أبو داود في " المراسيل " من حديث عكرمة " أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف، فقال: ألم أنهَ عن قتل النساء؛ من صاحب هذه المرأة المقتوله؛ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله! اردفتُها، فأرادت أن تصرعني، فتقتلنى. فأمر بها رسول الله ﷺ أن تُوارى ". ص: ١٨٣ كتاب الجهاد، باب في فضل الجهاد.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وفي " الإرشاد ": ولا حَبر إلا لرأي او قتال او تحريض.
(وإن تُتُرِّس) بالبناء للمفعول (بهم) يعني: أنه إذا تترس المقاتلة بالنساء والصبيان ومن قلنا لا يقتل: (رُمُوا) أي: جاز رميهم (بقصد المقاتِلة)؛ " لأن النبي ﷺ رمى الكفار بالمنجنيق وفيهم النساء والصبيان " (^١) .
ولأن ترك رميهم إذا فعلوا ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد.
ولأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم.
وسواء كانت الحرب ملتحمة حين ذاك أو لا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يتحين بالرمي حالة التحام الحرب.
وإن تترسوا (ومسلم لا يجوز) رميهم؛ لأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين.
مع أن لهم (^٢) مندوحة عنه؛ لكون الحرب غير قائمة. ولإمكان القدرة عليهم بغير الرمي.
(إلا إن خيف علينا) بترك رميهم: فيرموا. نص عليه للضرورة.
(ويقصد الكفار) بالرمي، لأنهم هم المقصودون بالذات. فلو لم يخف على المسلمين لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي لم يجز؛ لقوله ﷾ ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ الآية] الفتح: ٢٥].
(ويجب إتلاف كتبهم المبدَّلة). ذكره في " البلغة ".
(وكُره نقل راس) من بلد إلى بلد، والمثلة بالقتل؛ لما روى عقبة بن عامر: " أنه قدم على أبي بكر الصديق براس يناق البطريق. فًا نكر ذلك. فقال: يا خليفة رسول الله! فإنهم يفعلون ذلك بنا. قال: فاستِنان بفارس والروم؛ لا تحمل إلي رأس. فإنما يكفي الكتاب والخبر " (^٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٨) رقم (١).
(٢) في ب: لأن لهم.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه " (٢٦٤٩) ٢: ٢٤٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في حمل الرؤوس. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ١٣٢ كتاب السير، باب ما جاء في نقل الرؤوس.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
(ورميه بمنجنيق بلا مصلحة). ونقل ابن هانئ في رميه: لا يفعل ولا يحرقه.
قال أحمد: ولا ينبغي أن يعذبوه.
وعنه: إن مَثَّلوا ُمثل بهم. ذكره أبو بكر.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: المثلة حق لهم. فلهم فعلها للاستيفاء
وأخذ الثأر، ولهم تركها والصبر أفضل. وهذا حيب لا يكون في التمثيل بهم
زياده في الجهاد، ولا يكون نكالًا لهم عن نظيرها. فًا ما إذا كان في التمثيل السائغ دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان: فإنه هنا من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، ولم تكن القصه في أحد كذلك. فلهذا كان الصبر أفضل. فأما إذا كان المغلب حق الله فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث
لا يمكن الانتصار. ويحرم الجزع. هذا كلامه، وكذا قال الخطابي: إن مثَّل الكافر بالمقتول جاز أن يُمثَّل به. انتهى.
(وحرم أخذ مال) منهم (لندفعه إليهم) أي: إلى الكفار. ذكره في" الانتصار ".
وروى الترمذي وقال: غريب، وفي نسخة حسن. عن محمود بن غيلان
عن أبي أحمد الزبيري (^١) عن سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مِقسَم عن ابن عباس: " أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين. فأبى النبي ﷺ ان يبيعهم " (^٢) . قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحكم، رواه الحجاج أيضا عن الحكم.
قال غيره: ابن أبي ليلى ضعفه الأكثر.
وقال العجلي: جائز الحديث. وضعف عبدالحق وابن القطان هذا الخبر
من جهة ابن أبي ليلى.
_________________
(١) في أ: ابن الزبير
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧١٥) ٤: ٢١٤ كتاب الجهاد، باب ما جاء لا تفادى جيفة الأسير.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وقال: منقطع، لأن الحكم سمع من مقسم خمسة أحاديب ليس هذا منها.
ورواه أحمد، وعنده: " ادفعوا إليه جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية.
فلم يقبل منهم شيئا " (^١) .
وله في رواية: " فخلى بينهم وبينه " (^٢) .
(ومن اسر) منهم (أسيرًا، وقدر ان يأتي به) اي: بالأسير (الإمام) ولو بإكراهه على إتيانه إلى الإمام (بضرب اوغيره)؛ كسحبه ونحوه، (وليس) الأسير (بمريض: حرُم قتله) أي: قتل أسيره (قبله) أي: قبل ان يأتي به الإمام فيرى فيه رايه، لأنه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام.
وعلم مما تقدم انه متى امتنع من الانقياد معه ولم يمكنه إكراهه بضرب ولا غيره، أو كان مريضا او جريحا لا يمكنه المشي معه: أن له قتله؛ لأن في تركه حيا ضررا على المسلمين وتقوية للكفار. فتعين القتل، كحالة الابتداء، وكجريحهم إذا لم يأسره. وكذا له قتله إن خافه او خاف هربه.
(و) كذا يحرم على الإنسان قتل (اسير غيره). إلا ان يصير إلى حال يجوز
قتل أسير نفسه. فيجوز له حينئذ قتل اسير غيره.
(ولا شيء عليه) أي: على قاتل الأسير مع تحريم قتله. (إلا ان يكون) الأسير (مملوكًا) فيضمنه بقيمته لمالكه.
ولا فرق في ذلك بين قتله قبل أن يًا نى به الإمام وبين قتله بعده في الأصح؛
" لأن عبدالرحمن بن عوف اسر أمية بن خلف وابنه عليا يوم بدر. فراهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما " (^٣) . ولم يغرموا شيئا.
ولأنه اتلف ما ليس بمال. فلم يغرمه، كما لو أتلفه قبل ان يأتي به الإمام.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٣٠) ١: ٢٤٨
(٢) أخرجه أحمد في " مسمنده " (٢٤٤٢) ١: ٢٧١
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١٧٩) ٢: ٨٠٧ كتاب الوكاله، باب إذا وكل المسلم حربيا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
فأما إن قتل امرأة أو صبيًا غرمه بقيمته؛ لأنه صار رقيقًا بنفس السبي.
وإن ادعى الأسير أنه كان مسلمًا قبل الأسر لم يقبل قوله في ذلك بمجرده؛
لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه يتعلق به إسقاط حق تعلق برقبته.
فإن شهد له واحد بذلك حلف معه وخلى سبيله على الأصح.
قال في " الإنصاف ": جزم به ناظم " المفردات " وهو منها.
وعنه: لا يقبل إلا بشاهدين. انتهى.
ويدل للأول ما روى عبدالله بن مسعود أن النبي ﷺ قال يوم بدر: " لا يبقى منهم أحد إلا أن (^١) يفدي أو تضرب عنقه. فقال عبدالله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإنى سمعته يذكر الإسلام. فقال النبي ﷺ: إلا سهيل بن بيضاء " (^٢) . فقبل (^٣) شهادة عبدالله وحده.
(ويخير إمام في اسير حر مقاتل: بين قتل)؛ لعموم قوله سبحانه
وتعا لى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾] التوبة: ٥].
و" لأنه ﷺ قتل رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة " (^٤) .
و" قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث " (^٥) .
وفيه تقول أخته:
ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيظ المخنق
فقال ﷺ: لو سمعت شعرها ما قتلته ".
(و) بين (رق)؛ لقول أبي هريرة: " لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٣٦٣٢) ١: ٣٨٤
(٣) في ب: فتقبل.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٨٢) ٤: ١٤٤ كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحكم. وفيه: " وكانوا أربعمائة ".
(٥) أخرجه أبو داود في " المراسيل " من حديب سعيد بن جبير. ص:١٨٣
[ ٤ / ٣٤٦ ]
سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هم اشد امتي على الدجال. وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ: هذه صدقات قومنا. قالت: وكانت سبية منهم عند عائشة فقال النبي ﷺ: اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " (^١) . متفق عليه.
ولأنه يجوز إقرارهم. على كفرهم بالجزية فبالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صغارهم.
(و) بين (منِّ) عليهم، (وفداء بمسلم)؛ لقول الله ﷾: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾] محمد: ٤].
و" لأن النبي ﷺ من على ثُمامة بن أثال " (^٢) .
و" على ابي عَزَّة الشاعر " (^٣) .
و" على أبي العا ص بن الربيع " (^٤) .
و" لأن النبي ﷺ فدا رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل " (^٥) . رواه أحمد والترمذي وصححه.
(و) بين فداء (بمال) مطلقا على الأصح؛ "لأنه ﷺ فادى (^٦) أهل بدر بمال " (^٧) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤١٠٨) ٤: ١٥٨٧ كتاب المغازي، باب وفد بني تميم. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (٢٥٢٥) ٤: ١٩٥٧ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل غفار وأسلم. . .
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٨٣٢) ٢: ٥٢ ٤
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٣٢٠ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما جاء في من الإمام على من رأى من الرجال البالغين من أهل الحرب.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٤٠٥) ٦: ٢٧٦
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٦٨) ٤: ١٣٥ كتاب السير، باب ما جاء في قتل الأسارى وا لفد اء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٧٣٨ ١) ٤: ٤٢٧
(٦) في أ: فدى.
(٧) أخرجه أبو داود قي " سنة " (٢٦٩٠) ٣: ٦١ أول كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢١) ١: ٣٣
[ ٤ / ٣٤٧ ]
(ويجب) على الإمام (اختيار الأصلح) للمسلمين. يعني: ان هذا التخيير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة. فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز أن يختار غيرها؛ لأنه يتصرف للمسلمين على سبيل النظر لهم. فلم يجز له ترك ما فيه الحظ؛ كولي (^١) اليتيم؛ لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى. فإن منهم من له قوه ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له. مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يُرجى إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين بتخليصه أسراهم أو الدفع عنهم فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح.
(فإن تردِّدّ نظرُه) أي: نظر الإمام في الخصال المذكورة (فقتلٌ) أي: فقتل
الأسر ى (أولى).
قال مجاهد في اميرين أحدهما يقتل الأسرى: هو أفضل، وكذلك قال مالك، وكذا قال الموفق وشارح " المقنع " وصاحب " الفروع " وغيرهم.
ومتى رأى القتل فإنه يكون بضرب العنق بالسيف؛ لقول الله ﷾: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾] محمد: ٤].
و" لأن النبي ﷺ أمر بضرب أعناق الذين قتلهم ".
ولا يجوز التمثيل بأحد؛ لما روى بريدة " ان النبي ﷺ كان إذا أمر رجلا على جيش أو سرية قال: اغزوا بسم الله. قاتلوا من كفر بالله، ولا تعذبوا، ولا تمثلوا" (^٢) .
(ومن فيه نفع) من الأسرى، (ولا يقتل) اي: ولا يحل قتله؛ (كأعمى، وامرأة، وصبي، ومجنون، ونحوهم)؛ كخنثى: (ر قيقٌ بسبي)؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والولدان " (^٣) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: كون.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٣١) ٣: ١٣٥٧ كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث. . .
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٨٥٢) ٣: ٩٨ ٠ ١ كتاب الجهاد والسير، باب قتل النساء في الحرب. =
[ ٤ / ٣٤٨ ]
و" كان ﷺ يسترقهم إذا سباهم ".
(وعلى قاتلهم) اي: من قتل من ذكر، ومن قتل من حكم الإمام باسترقاقه (^١): (غرم الثمن) أي: غرم قيمته. ويكون الغرم (غنيمة)؛ لأنه مال تعلق به حق الغانمين. اشمبه إتلاف عروض الغنيمة.
(و) على قاتله أييضًا (العقوبة) أي: التعزير لقتله] من لا يحل قتله [(^٢) . (والقن غنيمة)؛ لأنه مال للكفار (^٣) استولي عليه. فكان للغانمين؛ كالبهيمة،
(ويُقتل) القن (لمصلحة) يراها الإمام؛ لأن مثل هذا لا قيمة له. اشبه المرتد.
(ويجوز استرقاق من لا تُقبل منه جزية) على الأصح. نص عليه في رواية
ابن الحكم؛ لأنه كافر اصلي. أشبه من تقبل منه الجزية.
(أو عليه ولاء لمسلم) يعنى: انه يجوز استرقاق من عليه ولاء لمسلم في الأصح. واختار أبو بكر: أنه لا يسترق من عليه ولاء لمسلم. بخلاف ولده الحربي؛ لبقاء نسبه.
) ولا يبطل استرقاقٌ حقا لمسلم).
قال في " الإنصاف ": قاله ابن عقيل، وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع ".
قال في " الانتصار ": لا عمل لسبي إلا في مال. فلا يسقط حق قود له أو عليه. وفي سقوط الدين من ذمته- لضعفها برقه- كذمة مريض: احتمالان.
وقال في " البلغة ": يُتبع به بعد عتقه. إلا ان يغنم بعد استرقاقه. فيقضى
_________________
(١) -- وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٤٤) ٣: ١٣٦٤ كاب الجهاد والسسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب. في أ: باسترقاقهم.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: للكافر.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
منه دينه. فيكون رقه كموته، وعليه يخرج حلوله برقه. وإن أُسر وأُخذ ماله معًا فالكل للغانمين، والدين باق في ذمته. انتهى.
(ويتعين رق بإسلام عند الأكثر) يعني: أنه متى أسلم الأسير صار رقيقا في الحال وزال التخيير فيه، وصار حكمه حكم النساء. وهذا إحدى الروايتين واختيار الأكثر، جزم به في " الوجيز " و" الهداية " و" المذهب " و" مسبوك الذهب " و" الخلاصة " و" تجريد العناية "، وقدمه في " المحرر " و" شرح المقنع " و" الرعايتين " و" الحاويين " و" الزركشي " وقال: عليه الأصحاب. (وعنه:) أي: والرواية الثانية: أن إسلامه إنما يحرم قتله فقط، و(يخير) الإمام فيه (بين رق) أي: بين استرقاقه، (ومنِّ) عليه، (وفداء). صححه الموفق وشارح " المقنع " وصاحب " البلغة "، وقاله في " الكافي " وقدمه في " الفروع ".
وقا ل (المنقح) في " التنقيح ": (وهو المذهب).
وقال في " الإنصاف ": وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة.
(فـ) على هذه الرواية التي ذكر المنقح أنها المذهب: (يجوز الفداء) أي: أن يفديه الإمام بمال يًا خذه " (ليتخلص من الرق). وله أن يمن عليه " لأنه إذا جاز المن عليه في حال كفره ففي حال إسلامه أولى، لأن الإسلام يقتضي إكرامه والإنعام عليه.
(ويحرم ردُّه) أي: رد من أسلم من الأسرى (^١) (إلى الكفار).
قال في " الفروع ": اطلقه بعضهم. وذكر الموفق: أن لا يكون له من يمنعه من الكفار من عشيرة أو نحوها.
(وإن بذلوا) أي: بذلوا الأسارى من أهل الكتاب (الجزية: قُبلت جوازًا) أي: على سبيل الجواز لا الوجوب. (ولم تُسترق) منهم (زوجة و) لا (ولد
_________________
(١) في أ: الأسارى.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
بالغ). وأما النساء غير المزوجات والصبيان منهم فإنهم صاروا غنيمة بنفس السبي.
وأما إذا امتنع الإمام من قبول الجزية منهم فتخييره فيهم باق " لأن ما بذلوه
من الجزية لا تجب إجابتهم إليه بعد أن صاروا في يد المسلمين بغير أمان " كما لو بذل ذلك عبدة الأوثان.
(ومن اسلم) من الكفار (قبل أسره ولو) كان إسلامه (لخوف فكأصلي) يعني: فهو كمسلم أصلي " لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين.
***
[ ٤ / ٣٥١ ]
] فصل: في سبي الصبي [
(فصل. والمسبي) من الكفار حال كونه (غير بالغ)، وحال كونه (منفردًا) عن أبويه، (او) كونه (مع احد ابويه) وسابيه (مسلم): فهو مسلم.
اما ما سباه مسلم من أطفال الكفار منفردا عن ابويه فإنه يصير مسلما إجماعا؛ لأن الدين إنما يثبت (^١) له] تبعًا. وقد انقطعت تبعيته لأبويه؛ لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام [(^٢) تبعا لسابيه المسلم. فكان تابعًا (^٣) له في دينه.
وأما ما سباه مسلم مع أحد ابويه فإنه يصير مسلما على الأصح؛ لقول النبي ﷺ: " كل مولود يولد على الفطرة فًا بواه يهودانه او ينصرانه أو يمجّسانه " (^٤) . رواه مسلم.
وفسر أحمد الفطرة فقال: الفطرة التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد.
قال القاضي: المراد به: - الدين (^٥) من كفر او إسلام. قال: وقد فسر أحمد
هذا في غير موضع.
وذكر الأثرم: معنى على الفطرة: على الإقرار بالوحدانية حين أخذهم من صلب ادم واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؛ قالوا: بلى، وبأن له صانعا
_________________
(١) في أ: ثبت.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: تبعا.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣١٩) ١: ٤٦٥ كماب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٥٨) ٤: ٢٠٤٧ كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.
(٥) ساقط من ب.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
ومدبرًا وإن عبد شيئا غيره وسماه بغير اسمه، وأنه ليس المراد على الإسلام؛ لأن اليهودي يرثه ولده الطفل إجماعا.
(ومعهما على دينهما) يعني: أن (^١) من سُبي من الأطفال مع ابويه فهو باق
على دينهما.
(ومسبي ذمي). من اولاد الحربيين (يتبعه) اي: يتبع سابيه الذمي في دينه.
قال في " الإنصاف ": لو سبى ذمي حربيًا تبع سابيه حيث يتبع المسلم،
على الصحيح من المذهب.
وعلم مما تقدم أن غير البالغ متى سبي مع أبويه كان على دينهما؛ لقوله ﷺ: " فًابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " (^٢) . وهما معه، ومُلك السابي له لا يمنع إتباعه لأبويه في الدين. بدليل ما لو ولده في ملكه من عبده وأمته الكافرين.
(وإن اسلم) أحد أبوي غير بالغ، (او مات) احد ابوي غير بالغ، (او
عُدم أحد أبوي غير بالغ بدارنا)؛ كزنا ذمية ولو بكافر فتأتي بولد فالولد مسلم نصًا؛ لحديث مسلم المتقدم (^٣) .
(أو اشتبه ولد مسلم بولد كلافر) فولد الكافر الذي اشتبه بولد المسلم مسلم نصا. ولا يقرع خشية ان يقع ولد المسلم للكافر.
(أو بلغ) ولد الكافر (مجنونًا فـ) هو (مسلم)؛ لعدم قبوله من أبويه التهود أو التنصر أو التمجس.
(وإن بلغ) ولد الكافر حال كونه (عاقلًا، ممسكًا عن إسلام و) عن (كفر: قُتل قاتله).
قال في " الفروع ": وفيه احتمال.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٣) ص (٣٥ ٢) رقم (٤).
[ ٤ / ٣٥٣ ]
وقيل: يقتل إن حكم بإسلامه بما تقدم، لا بالدار. ذكره أبو الخطاب
وغيره ١٠ نتهى.
(وينفسخ نكاج زوجة حربي بسبي) إن سبيت دون زوجها؛ لقوله ﷾: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾] النساء: ٢٤]. قال
المفسر ون: با لسبي.
وقد روى أبو سعيد الخدري قال. " أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في
قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾] النساء: ٢٤ [" (^١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ولأن السبي استيلاء على محل (^٢) حق الكافر. فزال عنه بملكه (^٣) بذلك.
(لا) إن سبيت (معه ولو استرقا) بأن اختار الإمام استرقاقه مع زوجته؛
لأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاج. فلا يقطع استدامته؛ كالعتق.
] لكن لا يحرم التفريق بينهما في قسمه ولا بيع؛ لأن الشرع لم يرد بذلك [(^٤) .
قال في " شرح المقنع ": ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان (^٥) .
(وتحل) المرأة المسبية السابيها) إذا سباها وحده.
وقد علم مما تقدم أن الرجل إذا سبي وحده لا ينفسخ نكاح زوجته التي بدار
الحرب؛ " لأن النبي ﷺ أسر سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضهم، ولم يحكم عليهم بفسخ انكحتهم ".
ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦ ٣٠) ٥: ٢٣٤ كتاب تفسير القران، باب ومن سوره النساء.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: ملكه عنه.
(٤) وردت هذه العبارة في أاخر المسألة التالية.
(٥) في أ: رجلين.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
حقه. فلئلا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء على محل حقه من باب اولى.
ولأنه لا نص فيه ولا قياس يقتضيه.
(ولا يصح بيع مُسترق منهم) اي: من الأسرى (لكافر) ولو كان المسترق كافرا على الأصح. نص على ذلك.
قال أحمد: ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون.
قال: وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار. هكذا (^١) حكى اهل الشام. انتهى.
ولأنه لم ينكر ما قاله عمر منكر. فكان كالإجماع.
ولأن فيه تفويتًا للإسلام الذي يظهر وجوده إذا بقي مخالطًا للمسلمين. بخلاف ما إذا كان رقيقا لكافر.
(ولا) يصح ايضا (مُفاداتُه) أي: مفاداة من استرق من الكفار لكافر (بمال) على الأصح.
قال في " الإنصاف ": حكم المفاداة بمال حكم بيعه، خلافًا ومذهبًا. (ويجوز) مفاداته (بمسلم).
قال في " الإنصاف ": وأما مفاداته بمسلم فالصحيح من المذهب جوازه. وعليه الأصحاب.
وعنه: المنع بصغير.
ونقل الأثرم ويعقوب: لا يرد صغير ولا نساء إلى الكفار. انتهى.
(ولا يُفرَّق) ببيع ولا هبة ولا غيرهما (بين ذوي رحم محرم)؛ كًاب وابن، وكًاخوين، وكالعم وابن اخيه، وكالخال وابن اخته ونحو ذلك. ولو بعدالبلوغ على الأصح.
اما التفريق بين الأم وولدها] الصغير فحرام بالإجماع؛ لما روى أبو ايوب
_________________
(١) في أ: فكذا.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من فرّق بين والدة وولدها [(^١) فرق الله بينه وببن أحبته يوم القيامة " (^٢) . قال الترمذي: حديث حسن غريب.
قالى أحمد: لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت. وذلك والله أعلم لما فيه
من الإضرار بالولد.
] ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير قلبها فتندم.
وأما التفريق [(^٣) بين الأب وولده فقال مالك والليث: يجوز؛ لأنه ليس من
أهل الحضانة بنفسه.
ولأنه لا نص فيه ولا في معنى المنصوص؛ لأن الأم أشفق منه.
ولنا على تحريم التفريق بين الأب وولده: أنه أحد الأبوين. أشبه الأم.
ولا نُسلّم أنه ليس من أهل الحضانة.
وأما تحريم التفريق بين الجدة وولد أولادها وبين الجد وولد أولاده؛ فلأن الجد والجدة يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة. فقاما مقامهما في تحريم التفريق. ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب ومن قبل الأم؛ لأن لهم ولادة ومحرمية فاستووا في ذلك؛ كاستوائهم في منع شهادة بعضهم على بعض.
وأما تحريم التفريق بين ذوي الرحم المحرم؛ كالإخوة والأخوات ونحوهما؛ فلما روي عن علي أنه قال: " وَهَب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين. فبعت أحدهما، فقال رسول الله ﷺ: ما فعل غلامك؛ فأخبرته فقال: رده رده (^٤) " (^٥) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
ولأن تحريم التفريق بين الوالدين والأولاد؛ لما بينهما من الرحم
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أحرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٦٦) ٤: ١٣٤ كتاب السير، باب في كراهيه التفريق بين السبي.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٨٤) ٣ ٠ ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية الفرق بين الاخوين أو بين الوالدة.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
المحرم (^١) . فقيس عليهما تحريم التفريق بين كل ذي رحم محرم.
فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهم؛ لعدم النص فيهم (^٢)، وامتناع قياسهم على المنصوص. ولذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها، والأخت من الرضاع وأخيها.
ولأن قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على الآخر ولا نفقة ولا ميراثًا.
فًاشبهت الصدقة.
إذا تقرر هذا فإنه يستثنى من عموم تحريم التفريق ثلاث صور:
اشير إلى الأولى منها (^٣) بقوله: (إلا بعتق).
وأشير إلى الثانية بقوله: (او افتداء اسير) إذا كان الأسير مسلمًا، والذي افتديناه به من ذوي الرحم (^٤) كافر. او هذا مراد من أطلق والسابق إلى الأذهان. وأشير إلى الثالثة بقوله: (او بيع فيما إذا ملك اختين، ونحوهما)؛ كامرأة وعمتها، او امرأة وخالتها. فإنه إذا وطئ إحداهما وأراد وطء الأخرى فإنه يجوز له أن يبيع الموطوءة ليباج له وطء الأخرى؛ لاضطراره حينئذ إلى بيعها.
(ومن اشترى منهم) أي: من الأسرى (^٥) (عددًا) أي: اثنين فًا كثر (في عقد يُظن ان بينهم) أي: بين الذين أبيعوا (اُخُوَّة) اي: يظن أنهم إخوة (او نحوها) أي: نحو الأُخوة؛ كالعمومة والخؤولة فباعهم الإمام جملة بدون ثمن مثلهم مع التفريق لتحريم التفريق بينهم؛ لوجود القرابة لو كانت. (فتبين عدمُها لا أي: عدم القرابة التي يحرم التفريق معها: (رُدَّ إلى المقسَم) من المشتري (الفضل الذي فيه) أي: في المبيع (بالتفرق) أي: بجواز (^٦) تفريق المبيع.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: فيه.
(٣) في أوب: منهما.
(٤) في ج: الأرحام.
(٥) في أ: الأسارى.
(٦) في أ: يجوز.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
وهذا إذا فات المبيع، وأما مع بقائه بيد مشتريه فللبائع فسخ البيع واسترجاعه
ليباع بقيمته متفرقًا.
(وإذا حضر إمام) أو نائبه الأمير (حصنًا: لزمه) فعل (^١) (الأصلح) أي:
أن يجتهد فيفعل ما يراه الأ صلح (^٢) (من مُصابرته) أي: مصابرة الحصن، (و) من (مُوادعته بمال، وهدنة بشرطها). نقله المروذي.
(ويحبان) الموادعة بمال والموادعة بغير ما ل (إن سألوهما) أي: سًا لهما
اهل الحصن (وثَم مصلحة) موجودة؛ لأن الغرض إعلاءُ كلمة الإسلام وصغار الكفرة. وهو حاصل بسؤالهم الموادعة. فيجب؛ كالمن عليهم مع وجود المصلحة فيه.
وله ايضا الانصراف عن الحصن بدون ما ذكر إذا رأى المصلحة في الانصراف. إما الضرر في الإقامه عليه (^٣) أو لليًاس منه؛ لما روي " أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا. فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؛ فقال رسول الله ﷺ: اغدوا على القتال فغدوا عليه فًاصابهم الجراج. فقال لهم رسول الله ﷺ: إنا قافلون غدا. فأعجبهم. فقفل رسول الله ﷺ من عليه " (^٤) .
وقيل: لا يجوز أن يوادعهم، إلا أن يعجز عنهم ويستضر بالمقام عليهم.
(وإن قالوا) اي: قال أهل الحصن للمسلمين:) ارحلوا عنا، وإلا قتلنا اسراكم) الذين (^٥) عندنا (فليرحلوا) اي: فيجب على المسلمين أن يرحلوا عنهم. . .
(ويحرز من أسلم منهم) أي: من أهل الحصن قبل إحرازنا إياه (دمه وماله
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) في أ: أصلح.
(٣) ساقط من ب.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٠٧ ٤) ٤: ٥٧٢ ١ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف.
(٥) في ب: الذي.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
حيث كان) أي: سواء كان معه في الحصن او خارجه. (ولو) كان ماله (منفعة إجارة)؛ لقوله ﷺ: " أمرت ان أقاتل الناس. . . " الحديث (^١) .
(و) يحرز ايضًا (اولاده الصغار، وحمل امرأته) للحكم بإسلامهم تبعا لإسلامه (لا هي) اي: لا امراته فإنه لا يحوزها؛ لأنها لا تتبعه في الإسلام، ويجوز استرقاقها؛ لأنها كافرة استولينا عليها بدون أمان. فجاز استرقاقها؛ كما لو لم تكن زوجة مسلم.
(ولا ينفسخ نكاحه) أي: نكاح زوجها الذي اسلم (برقها)؛ لأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال. بدليل أنها لا تضمن باليد، ولا يجوز أخذ العوض عنها.
(وإن نزلوا) اي: نزل أهل الحصن (على حكم) رجل (مسلم حر، مكلف عدل، مجتهد في الجهاد) من غير أن يُشترط أن يكون مجتهدا في جميع الأحكام. (ولو) كان (أعمى)؛ لأن المقصود رايه ومعرفة المصلحة في أحد أقسام الحكم. بخلاف القضاء، فإنه لا يستغنى عن البصر؛ ليميز المدعي من المدعى عليه، والشاهد من المشهود له والمشهود عليه، (او) كان الذي نزلوا على حكمه (متعددا)؛ كما لو كانوا رجلين فأكثر: (جاز)؛ " لأن النبي ﷺ لما حاصر بني قريظة رضوا بًان ينزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأجابهم لذلك " (^٢) .
ومتى نزلوا على حكم رجلين فًا كثر كان الحكم فيهم ما اجتمعا او اجتمعوا عليه من الأمر.
(ويلزمه) أي: يلزم من نزلوا على حكمه (الحكم بالأحظِّ لنا) من قتلهم او سبيهم أو فدائهم.
(ويلزم) العمل بحكمه (حتى) في الأصح (بمنِّ) عليهم.
_________________
(١) سيأنى تخريجه ص (٣٦١) رقم (١).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨٩٦) ٤: ١ ١٥١ كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
و" كان حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم.
فقال النبي ﷺ: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة " (^١) .
(وليس للإمام قتل من حَكم) من نزلوا على حكمه (برقه)؛ لأن (^٢) الإمام
إذا حكم برق إنسان ليس له أن يقتله بعد حكمه برقه.
ولأن القتل أشد من الرق، وفيه إتلاف القيمة على الغانمين.
(ولا رق من حَكم بقتله) يعني: انه ليس للإمام استرقاق شخص حكم من
نزلوا على حكمه بقتله؛ لأنه قد يكون ممن يخاف من بقائه النكاية في المسلمين، ودخول الضرر عليهم بذلك.
(ولا رق ولا قتل من حَكم بفدائه) يعني: أنه ليس للإمام أن يسترق ولا ان
يقتل شخصا حَكَم من نزلوا على حكمه بفدائه؛ لأنه ليس له (^٣) ذلك فيمن حكم هو بفدائه؛ لان القتل والرق أشد من الفداء. فلا يجاوز الأخف مما حكم به إلى الأثقل. ويكون ذلك نقضا للحكم بعد لزومه.
(وله) اي: للامام (المنُّ مطلقا) أي: على من حكم بقتله او رقه أو
فدائه؛ لأن المن أخفُّ من الثلاثة. فإذا راه الإمام مصلحة جاز له فعله؛ لأنه اتم نظرا، وكما لو راه ابتداء.
(و) للإمام أيضا (قبول فداءٍ ممن حَكم) من نزلوا على حكمه (بقتله أو
رقه)؛ لأنه نقض حكم برضى المحكوم له. فإذا رضي به جاز.
ولأن ذلك حق الإمام. فإذا رضي بتركه إلى غيره كان له ذلك.
(وإن أسلم من حَكم) من نزلوا على حكمه (بقتله أو سبيه عصم دمَه فقط)
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨٩٥) الموضع السابق. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٧٦٨) ٣: ١٣٨٨ كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد. . .
(٢) في أ. كما أن.
(٣) زيادة من ج.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
اي: دون ماله وذريته؛ لقول النبي ﷺ: " امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم " (^١) .
وقد وجد (^٢) منه قول: لا إله إلا الله فحرم قتله بذلك. وأما ماله وذريته. فإنهما صارا بالحكم ملكا للمسلمين. فلا يعودان إليه بإسلامه.
(ولا يُسترق) في الأصح؛ لأنه اسلم قبل الاسترقاق. فلم يجز استرقاقه؛
كما لو اسلم قبل القدرة عليه.
(وإن سألوا) أي: سأل أهل الحصن (ان يُنزلهم على حكم الله تعالى:
لزمه ان يُنزلهم. ويخير) فيهم (كأسرى) في يده في الأصح. جزم به في " الرعاية الكبرى " وقدمه في " الفروع ".
وقال في " الواضح ": يكوه.
وقال في " المبهج ": لا ينزلهم؛ لأنه كإنزالهم بحكمنا ولم يرضوا به.
(ولو كان به) أي: بالحصن (من لا جزية عليه. فبذلها لعقد الذمة عُقدت مجانا، وحُرم رقه)؛ لأن العقد معهم أمان لهم وإن لم يجب به مال.
(ولو خرج عبد) من دار (^٣) الحرب (إلينا بأمان، او نزل من حصن) إلينا بأمان: (فهو حر) نص على ذلك.
(ولو جاءنا) عبد (مسلما واسَر سيدَه، او) أسر (- غيره) أي: غير سيده: (فهو حر)، ولهذا لا نرده في هدنة. قاله في " الترغيب " وغيره. (والكل) اي: كل ماجاءبه (له) أي: للعبدالذي جاء مسلما.
(وإن أقام) العبد بعد ان أسلم (بدار حرب: فرقيق) أي: فهو باقٍ على رقه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥) ١: ١٧ كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٢) ١: ٥٣ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. . .
(٢) في أ: وجدوا.
(٣) في ج: أهل.
[ ٤ / ٣٦١ ]
(ولو جاء مولاه مسلمًا بعده) اي: بعد عبده الذي جاء قبله مسلمًا: (لم
يُرد إليه)؛ لتأخره عن الحكم بحرّية عبده حين جاء إلينا مسلما.
(ولو جاء) مولاه (قبله مسلما، ثم جاء هو) أي: عبده بعده (مسلمًا فهو) أي: فالعبد (له) أي: لمولاه؛ لعدم زوال ملكه عنه.
(وليس لقن غنيمة. فلو هرب إلى العدو ثم جاء) من العدو (بمال فهو) أي: فالعبد (لسيده والمال) الذي جاء به (لنا) غنيمة.
والله ﷾ اعلم.
***
[ ٤ / ٣٦٢ ]
] باب: ما يلزم الإمام والجيش [
هذا (باب ما يلزم الإمام) عند سيره بالجيش إلى الغزو او نائبه في ذلك وهو امير الجيش، (و) ما يلزم (الجيش) السائر معه.
(يلزم كل أحد إخلاص النية لله تعالى في الطاعات، وأن يجتهد في ذلك). ويستحب أن يدعو سرًا.
قال أبو داود: باب ما يدعو عند اللقاء. ثم روى باسناد جيد عن انس قال:
" كان رسول الله ﷺ إذا. غزا قال: اللهم! انت عضُدي ونصيري. بك أحولُ، وبك أصولُ، وبك أقاتل " (^١) . ورواه النسائي والترمذي وقال: حسن غريب. قال ابن الأنباري: الحول معناه في كلام العرب الحيله، يقال: ما للرجل حول، وما له محالة، قال: ومنه: لا حول ولا قوة إلا بالله. اي: لا حيلة في دفع سوء ولا قوه في درك خير إلا بالله. وفيه وجه آخر وهو: ان يكون معناه المنع والدفع. من قولك: حال بين الشيئين إذا منع احدهما عن الاخر، يقول: لا امنع ولا ادفع إلا بك.
قال في " الفروع ": وكان غير واحد منهم شيخنا يقول هذا عند قصد مجلس علم.
(وعلى الإمام عند المسير) أي: مسير الجيش، وقيل: يستحب له: (تعاهد الرجال والخيل) أي: رجال الجيش وخيلهم؛ لأن ذلك من مصالح الغزو. فلزمه فعله؛ كبقية المصالح.
(و) عليه أيضًا (منع من لا يصلحُ لحرب) من الرجال والخيل. فيمنع من الرجال الضعفاء والزمنى، ولا يدع فرسًا حَطِمًا وهو الكسير، ولا قَحمًا وهو
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٢٦٣٢) ٣: ٤٢ أول كتاب الجهاد، باب مايدعى عند اللقاء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٥٨٤) ٥: ٥٧٢ كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا. ولم اره عند النسائى
[ ٤ / ٣٦٣ ]
الكبير، ولا ضَرَعا وهو الصغير، ولا هزيلا.
(و) عليه أيضا منع (مُخذِّل) من الرجال. وهو: الذي يُفنّد الناس عن الغزو، ويزهدهم في القتال والخروج إليه، ومثل من يقول: الحر شديد، والبرد شديد، أو المشقة شديدة، او لا تؤمن هزيمة الجيش، ونحو هذا القول.
(و) عليه ايضا منع (مُرجف) مثل من يقول: هلكت سرية المسلمين،
وما لهم مدد، أو لا طاقة لهم بالكفار، أو الكفار (^١) قويون، أو لهم مدد، او لهم صبر، ولا يثبت لهم أحد ونحو ذلك.
(و) عليه أيضا منع (مُكاتِب) للكفار (بأخبارنا)؛ ليدل الكفار على عورات المسلمين.
(و) عليه أيضا منع (معروف بنفاق)؛ لقوله ﷾: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا﴾
] التو بة: ٨٣].
(و) عليه أيضا منع (رام بيننا) أي: بين المسلمين (بفتن)؛ لقوله ﷾: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾
] التوبة: ٤٧].
قيل معناه: لأوقعوا بينكم الاختلاف.
وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم.
ولأن في حضور هؤلاء ضررا على المسلمين. فيجب صيانتهم عنه.
(و) منع (صبي). سواء كان مميزا أو غير مميز. ومنع مجنون أيضا؛
لأن في دخولهما أرض العدو تعريضا للهلاك من غير فائدة.
(و) منع (نساء)؛ لأنهن لسن من اهل القتال. وقل ما ينتفع بهن فيه؛ لاستيلاء الجبن والخَوَر عليهن. ولا يؤمن عليهن ظفر العدو بهن فيستحلون ما
_________________
(١) في أ: والكفار.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
حرم (^١) الله منهن.
(إلا عجوزا لسقي) الماء، (ونحوه) أي: نحو سقي الماء؛ كمعالجة الجرحى؛ لما روي " أن أم سُليم ونسيبة بنت كعب كانتا تغزوان مع النبي ﷺ. فًاما نُسيبة فكانت تقاتل. وقُطعت يدها يوم اليمامة " (^٢) .
وقالت الرُّبَيع: " كنا (^٣) نغزو مع النبي ﷺ لسقي الماء ومعالجة الجرحى " (^٤) .
وقالط أنس: " كان رسولط الله ﷺ يغزو بًام سُليم ونسوة معها من الأنصار. يسقين الماء، ويعالجن ويداوين الجرحى " (^٥) . قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يُخرج معه من تخرج له القرعة من نسائه؛
قلنا: تلك امراة واحدة يًا خذها للحاجة إليها. ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته. ولا يرخص لسائر الرعية؛ لئلا يفضي إلى ما ذكرنا.
(وتحرم استعانة) في غزو (بكافر؛ إلا لضرورة) تدعو إلى ذلك؛ لما روت عائشة قالت: " خرج رسول الله ﷺ إلى بدر. حتى إذا كان بحرة الوبر أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأه ونجدة. فَسُر المسلمون به. فقال: يا رسول الله! جئت لأتبعك وأصيب معك. فقال رسول الله ﷺ: أتؤمن
_________________
(١) في أ: لهن فيستحلون محارم.
(٢) عن أم عطية الأنصارية قالت. " غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى ". أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨١٢) ٣: ١٤٤٧ كتاب الجهاد، باب النساء الغازيات يرضخ لهن. . . وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٥٦) ٢: ٩٥٢ كتاب الجهاد، باب العبيد والنساء يشهدون مع المسلمين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٣٣٩) ٦: ٠٧ ٤
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٠٦١) ٦: ٣٥٩
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٧٥) ٤: ١٣٩ كتاب السير، باب ما جاء في خروج النساء في الحرب.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
بالله ورسوله؛ قال: لا. قال: فارجع فلن نستعين بمشرك. ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل. فقال له رسول الله ﷺ: أتؤمن بالله ورسوله؛ قا ل: نعم. قا ل: فانطلق " (^١) . متفق عليه.
وأما كون ذلك يجوز عند الحاجة؛ فلما روى الزهري: " أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم " (^٢) . رواه سعيد.
وروي " أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ يوم حنين وهو على شركه ". فيُحمل غزو المشركين مع رسول الله ﷺ على الضرورة جمعا بين الأحاديث. ويشترط مع ذلك: أن يكون الكافر المستعان به عند الضرورة حسن الرأي
في المسلمين. فإن كان غير مًامون عليهم لم تجز الاستعانة به؛ لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين؛ كالمخذل والمرجف فالكافر أولى.
(و) يحرم ايضا استعانة (بأهل الأهواء في شيء من امور المسلمين)؛ لأن
في ذلك أعظم الضرر.
ولأنهم دعاه. واليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم. نص على ذلك.
قال (^٣) في " الفروع ": وظاهر كلام الأصحاب في أهل البدع والأهواء خلاف نص أحمد.
(و) يحرم (إعانتُهم) أي: إعانة أهل الأهواء على عدوهم (إلا خوفا) من شرهم.
ويستحب كون ابتداء خروج الأمير بالجيش يوم الخميس؛ لما روى كعب بن مالك قال: " قل ما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس " (^٤) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ١٨١٧) ٣: ١٤٥٠ كتاب الجهاد والسير، باب كراهة الإستعانة في الغزو بكافر. ولم أره عند البخاري.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٩٠) ٢: ٢٨٤ كتاب الجهاد، باب ما جاء في سهمان النساء.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٨٠) ٢: ١٤٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في اليوم الذي-
[ ٤ / ٣٦٦ ]
(ويسير) بالجيش (برفق) أي: مثل سير أضعفهم؛ لقول النبي ﷺ:
" أمير القوم أقطعهم ". أي: أقلهم سيرا؛ لئلا ينقطع منهم أحد.
(إلا لأمر يحدث) فيجوز له ان يجد بهم في السير.
نقل ابن منصور: اكره السير الشديد إلا لأمر يحدث؛ " لأنه ﷺ جد بهم في
السير حين بلغه قول عبدالله بن أُبيّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾] المنافقون: ٨ [ليشتغل الناس عن الخوض فيه " (^١) .
(ويُعد لهم) أي: لجيشه (الزاد)؛ لأنه لا بد من الزاد في الغزو وفي غيره؛ لأن به قوامهم.
(ويُحدثهم بأسباب النصر) أي: يُحدث الجيش بما يخيل إليهم من أسباب النصر. فيقول لهم: انتم أكثر عددا، وأشد أبدانا، وأقوى قلوبا، ونحو ذلك مما يطمعهم في عدوهم؛ لأن ذلك مما تستعين به النفوس على ألمصابرة، ومما
يبعثها على القتال.
(ويُعرِّف عليهم العرفاء) وهو: أن يجعل لكل جماعه من يكون كالمقدم عليهم. ينظر في حالهم ويتفقدهم؛ " لأنه ﷺ عرف يوم عام خيبر على كل عشرة عريفا "؛ لأن هذا أقرب لجمعهم.
وقد ورد: " العرافة حق " (^٢)؛ لأن فيها مصلحة للمسلمين.
(ويعقِد لهم الألوية. وهي) أي: الألوية: (العصابة تُعقد على قناة
ونحوها).
_________________
(١) - يستحب فيه الخروج. . . وفي لفظ أخرجه البخاري في " صحيحه " عن كعب بن مالك " أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك. وكان يحب أن يخرج يوم الخميس ". (٠ ٢٧٩) ٣: ٠٧٨ ١ كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها. ذكره السيوصي ب الدر المنثور ٨: ١٧٨ وعزاه إلى ابن ابي شيبة في " تفسيره " ٢ أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٣٦١ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب
(٢) ما جاء في كراهية العرافة
[ ٤ / ٣٦٧ ]
قال صاحب " المطالع ": اللواء راية لا يحملها إلا صاحب جيش الحرب،
] او صاحب دعوة الجيش [(^١) .
(و) يعقد لهم أيضا (الرايات وهي: اعلام مربعة). ويجعل لكل طائفة راية؛ لما روى ابن عباس " أن أبا سفيان حين أسلم. قال النبي ﷺ للعباس: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها. قال: فحبسته حيث أمرنى رسول الله ومرت به القبائل على راياتها ".
ولأن الملائكة إذا نزلت بالنصر نزلت مسومة بها. نقله حنبل.
ولأحمد عن عمار " أن النبي ﷺ كان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه " (^٢) .
ونادى بعض الصحابة فى اليمامة وغيرها: ويا لفلان (^٣) .
والأمير مخير في ألوان الرايات. لكن ينبغي أن يغاير بين ألوانها؛ ليعرف
كل قوم رايتهم.
(ويجعل لكل طائفة) من الجيش (شعارا يتداعون به عند الحرب)؛ لئلا
يقع بعضهم على بعض. وهي علامة بينهم يعرفونها؛ لما روى سلمة قال: "غزونا مع أبي بكر زمن رسول الله ﷺ وكان شعارنا أمت أمت " (^٤) . رواه أحمد.
وقد ورد أيضا: " حم لا ينصرون " (^٥) .
ولأن الإنسان ربما احتاج إلى نصرة صاحبه، وربما يهتدي بها إذا ضل.
(ويتخير) لجيشه (المنازل) فينزلهم في أصلحها لهم (^٦) . (ويحفظ مكامنها)؛ لئلا يؤتوا منها.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٨٣٣٩ ١) ٤: ٦٣ ٢
(٣) في ب: يا فلان.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٥٤٥) ٤: ٤٦
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٦٦٦) ٤: ٦٥
(٦) ساقط من ب.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
والمكامن: جمع مكمن، وهو: المكان الذي يختفي فيه العدو ليهجم على عدوه على حين غفلة.
(ويتعرف حال العدو، ويبعث العيون)] إليهم حتى لا يخفى عليه امرهم. فيتحرز منهم ويتمكن من الفرصة فيهم.
(ويمنع جيشه من محرَّم) [(^١) يعني: من الفساد والمعاصي؛ لأنها من أسباب الخذلان.
(و) يمنعهم أيضا من (تشاغل بتجارة) مانعة لهم من القتال.
(ويعد الصابر) أي: من يعلم منه الصبر في القتال (بأجر ونَفَل) ترغيبا له
في الجهاد.
ويخفي من امره ما أمكن إخفاؤه؛ اصلا يعلم به عدوه. فقد " كان النبي ﷺ
إذا أراد غزوة ورى بغيرها " (^٢) .
(ويشاور ذا رأي) من جيشه؛ لقول الله ﷾: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾] آل عمران: ١٥٩].
وكان النبي ﷺ أكثر الناس مشاورة لأصحابه.
ومن اصيبت فرسه من الجيش وكان مع الأمير فضل استحب له حمله ولم يجب. نص عليه. فإن خاف تلفه فقال القاضي: يجب عليه بذل فضل مركوبه لينجي به صاحبه، كما يلزمه بذل فضل طعامه للمضطر إليه وتخليصه من عدوه. (ويَصُمُّهم) اي: يصف الجيش؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾] الصف: ٤].
ولأن في ذلك ربط الجيش بعضه ببعض، وسدا لثغورهم. فيصيرون كالشيء الواحد. ويتراصون؛ لقوله ﷾: ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾] الصف: ٤ [
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٧٨٧) ٣: ٧٨ ٠ ١ كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها. . .
[ ٤ / ٣٦٩ ]
(ويجعل في كل جنبة) من الصف (كفءًا)؛ لما روى أبو هريرة قال:
" كنت مع النبي ﷺ فجعل خالدآعلى إحدى الجنبتين، والزبير على الأخرى، وأبا عبيدة على الساقة ".
ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو.
(ولا يميل) الأمير (مع قريبه، و) لا مع (ذي مذهبه) على غيره؛ لئلا تنكسر قلوبهم فيخذلوه عند الحاجة إليهم.
ولأن ذلك يفسد القلوب ويشِّتت الكلمة.
ويحرم قتال من لم تبلغه الدعوة قبلها.
وتسن دعوة من بلغته على الأصح؛ وذلك لما روى بريدة قال: " كان النبي
ﷺ اذا بعث أميرا (^١) على سرية أو جيش امره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين. وقال: إذا لقيت عدوك في المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال. فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم وكفَّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وك عنهم. فإن هم ابوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (^٢) . رواه مسلم.
وقد روي " أن النبي ﷺ أمر عليًا حين اعطاه الراية يوم خيبر وأمره بقتالهم أن يدعوهم " (^٣) . وهم ممن بلغته الدعوه. رواه البخاري.
ودعا خالد بن الوليد طُليحة حين ادعى النبوة فلم يرجع فأظهره الله ﷾ عليه.
(ويجوز أن يجعل) الأمير جُعلًا (معلوما) من مال المسلمين.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٣١) ٣: ١٣٥٧ كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث. . .
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٤٧) ٣: ٩٦ ٠ ١ كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
(ويجوز) إن كان (من مال الكفار): ان يكون (مجهولأ لمن يعمل ما) اي: شيئا (فيه غناء) اي: مصلحة للمسلمين، كنَقب سور، وصعود حصن، ونحو ذلك، (او يدل على طريق) سهل، (أو قلعة) يفتحها، (أو ماء) في مفازة، (ونحوه) أي: ونحو ذلك مما فيه نفع للمسلمين " كدلالة على مال يأخذه المسلمون، او عدو يغير عليه، او ثغرة يدخل منها إلى العدو. ويدل لصحة ذلك: أنه جعل في مصلحة. فجاز دفعه؛ كأجرة الدليل.
و" قد استأجر النبي ﷺ وأبو بكر في الهجرة من دلَّهم على الطريق ". ويستحق المجعول له الجعل بفعل ما جعل له عليه. لكن (بشرط: أن لا يُجاوز) الجعل المجهول الذي من مال الكفار (ثلث الغنيمة بعد الخمس)؛ " لأن النبي ﷺ جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه " (^١) . وهو مجهول؛ لأن الغنيمة كلها مجهولة.
ولأنه مما تدعو الحاجة إليه. والجُعالة إنما تجوز بحسب الحاجة.
(و) يجوز (ان يعطي) الأمير (ذلك بلا شرط) لمن فعل ما فيه مصلحة للمسلمين.
(ولو جَعل) الأمير (له) أي: لمن يفعل ما فيه مصلحة للمسلمين، (جارية) معينة على فتحه الحصن (منهم) أي: من الكفار الذين بالحصن (فماتت) قبل فتح الحصن (فلاشيء له)، لأن حقه تعلق بمعّين. وقد تلف بغير تفريط. فسقط حقه منه؛ كالوديعة إذا تلفت بلا تفريط.
(وإن أسلمت وهي أمة أخذها) مطلقا. سواء كان إسلامها قبل الفتح أو بعده؛ لأنه أمكن الوفاء بما شرطه. فوجب دفعه له، (كحرة أسلمت بعد فتح)؛ لأنها لم تسلم إلا بعد استرقاقها بالاستيلاء. فتدفع إليه، كما لو كانت أمة.
وعلم مما تقدم أن الحرة إذا أسلمت قبل الفتح لم تُدفع إليه؛ لأنها عصمت
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبا.
[ ٤ / ٣٧١ ]
نفسها بإسلامها قبل الاستيلاء عليها.
وكذا لو كان الجعل رجلا من الحصن فأسلم قبل الفتح.
(إلا أن يكون) المجعول له (كافرا فله قيمتها) أي: فيعطى قيمة التي (^١) جعلت له وأسلمت؛ (كـ) ما يعطى قيمة (حرة اسلمت)، أو قيمة حر أسلم (قبل فتح). وإنما لم تجب (^٢) له قيمته إذا ماتا وتجب له القيمة إذا أسلما؛ لأن تسليمهما ممكن إذا أسلما. لكن منع منه الشرع.
(وإن فُتحت) القلعة التي جعلت منها جارية معينة للدال عليها (صلحا، ولم يشترطوها) أي: يشترط المسلمون الجارية على أهل القلعة، (وابوها) أي: أبى أهل القلعة دفع الجاريه للمجعول له، (وأبى) المجعول له الجارية أن يأخذ (القيمة) عنها: (فُسخ) الصلح، لأنه قد تعذر إمضاؤه " لأن حق صاحب الجُعل سابق، ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح.
ولصاحب القلعة أن يحصنها مثل ما كانت من (^٣) غير زيادة.
(ولأمير في بُداءة) أي: في ابتداء دخول الحرب (ان يُنفّل) أي: أن يعطي زيادة على السهم المستحق (الربع فأقل بعد الخمس.
وفي رجعة) يعني: وأن يُنفل في رجوعه من دار الحرب (الثلب فأقل بعده) أي: بعد الخمس.
(و) صمورة (ذلك): أنه (إذا دخل) الأمير أرض العدو (بعث سرية تُغير) على العدو،) وإذا رجع) الأمير من أرض العدو (بعث) سرية (أخرى. فما اتت به) كل سرية (أخرج خمسه، وأعطى السرية ما وجب لها بجعلِه) أي: بجعل الأمير، (وقسَم الباقي) بعد الخمس وبعد ما جعله للسرية (في الكل) أي: في كل الجيش، أهل السرية وغيرهم في ذلك سواء.
_________________
(١) في ب: الذي.
(٢) في ب: تجعل.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
والأصل في ذلك ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال: " شهدت رسول الله
ﷺ نفل الربع في البَدأة، والثلث في الرجعة " (^١) .
وفي لفظ: " ان رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل " (^٢) . رواهما أبو داود.
وعن عباده بن الصامت: " أن رسول الله ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث " (^٣) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وإنما زيد في الرجعة على البدأة لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البدأة ردء
عن السريه. بخلاف الرجعة. فإن الجيش منصرف عنها والعدو مستيقظ يخافون كَلَبه.
قال أحمد: ولأنهم مشتاقون إلى أهليهم فيكون اكثر مشقة.
وعلم مما تقدم من قوله: ولأمير كذا أن ذلك مفوض إلى رأي الإمام، إن
شاء بعث السريتين وإن شاء بعث واحدة، وإن شاء لم يبعث شيئا.
ولا يعدل شيء عند أحمد الخروج في السرية عند (^٤) غلبة السلامة؛ لأنه
أنكى للعدو.
***
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٢٧٥) ٣: ٨٠ أول كتاب الجهاد، باب فيمن قال: الخمس قبل النفل.
(٢) أخرجه ابو داود في " سننه " (٢٧٤٩) الموضع السابق.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٦١) ٤: ١٣٠ كتاب السير، باب في النفل.
(٤) في أ: مع.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
] فصل: فيما يلزم الجيش [
(فصل. ويلزم الجيش الصبر) مع الأمير، (والنصح والطاعة) له؛ لقول
الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾] النساء: ٥٩].
ولقول النبي ﷺ: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني " (^١) . رواه النسائي.
إذا تقرر هذا (فلو أمرهم) الأمير (بالصلاة جماعة، وقت لقاء العدو. فأبو اعصَو ا)
قال الاجري: لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين.
قال أحمد: ولو قال الأمير: من عنده من رقيق الروم فليأت به السبي: ينبغي. ينتهون إلى ما يأمرهم.
قال ابن مسعود: الخلاف شرٌّ. ذكره ابن عبدالبر. وقال: كان يقال لا خير
مع الخلاف، ولا شر مع الائتلاف.
وفي " الصحيحين " عن ابن أبي أوفى مرفوعا: " لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتم فاصبروا " (^٢) .
وترجم عليه أبو داود بكراهة تمني لقاء العدو، وظاهر النهي التحريم.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤١٩٣) ٧: ١٥٤ كتاب البيعة، الترغيب في طاعة الإمام.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤ ٢٨٠) ٣: ٠٨٢ ١ كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٤٢) ٣: ١٣٦٢ كتاب الجهاد والسير، باب كراهه تمنى لقاء العدو. . .
[ ٤ / ٣٧٤ ]
نقل أبو داود: إذا جاء الخلاف جاء الخذلان.
ونقل المروذي: لا يخالفوه. يتشعب أمرهم. فإن كان يقول: سيروا وقت كذا ويدفع قبله دفعوا معه. نص عليه.
قال أحمد: الساقة يضاعف لهم الأجر، إنما يخرج فيهم أهل قوة وثبات. (وحرُم) على الجيش (بلا إذنه) اي: إذن الأمير (حَدَث) أي: إحداث شيء؛ (كتعلف واحتطاب، ونحوهما)؛ كخروج من العسكر، (و) كـ (تعجيل)؛ لقول الله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾] النور: ٦٢].
ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقربهم وبعدهم.
فإذا خرج أحد بغير إذن الأمير (^١) لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو أو طليعة لهم فيًا خذوه، او يرحل الأمير ويدعه فيهلك.
(ولا ينبغي) للأمير (ان يأذن) في شيء من ذلك (بموضع عَلِمَه مَخُوفا).
قاله أحمد.
ومتى احتاج أحد منهم إلى الخروج بعث معه من يحرسه.
(وكذا بِراز) يعني: أنه لا يجوز لأحد من الجيش مبارزة إلا بإذن الأمير؛
لأن الأمير اعلم بفرسانه وفرسان عدوه. فمتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه كان معرضا نفسه للهلاك. فتنكسر قلوب المسلمين. فينبغي ان يفوض ذلك إلى الأمير ليختار للمبارزة من يرضاه لها. فيكون أقرب إلى الظفر، وجبر قلوب المسلمين، وكسر قلوب الكافرين.
فإن قيل: فقد أجزتم لكل مجاهد الانغماس في الكفار بغير إذن الأمير مع
كون ذلك قد يكون سبب قتله؟؛
فالجواب: انه إذا كان مبارزا تعلق به قلوب الجيش وارتقبوا ظفره. فإن
ظفر جبر قلوبهم، وإن كان بالعكس انكسرت قلوبهم. والمنغمس بطلب
_________________
(١) في أ: الإمام.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
الشهادة لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة.
والبِراز بكسر الباء: عباره عن مخاصمة العدو، وبفتحها اسم للفضاء الواسع.
(فلو طلبه)] أي: طلب [(^١) البراز الذي هو مخاصمة العدو (كافر: سُن لمن يعلم) من نفسه (أنه كفؤه) أي: كفؤ الكافر الطالب للبراز (بِرازُه بإذن الأمير)؛ لما روي " أن حمزة وعليًا وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي ﷺ" (^٢) .
و" بارز علي عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق ".
و" بارز مرحبا يوم خيبر " (^٣) .
وقيل " بارزه محمد بن مسلمة " (^٤) .
و" بارز البراء بن مالك مُرزُبان الزأرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين الفا" (^٥) .
ولم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ ومن بعده، ولم ينكره منكر. فكان إجماعا.
ولأن في إجابة الكافر الداعي إلى البراز إظهارا لقوة المسلمين وجلدهم على الحرب.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٧٤٧) ٤: ١٤٥٨ كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٦٥) ٣: ٥٣٥٢ كتاب الجهاد، باب: فى المبارزة. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٩٥١) ط إحياء التراث.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٠٧٩) ٥: ٣٥٩
(٤) أخرجه أحمد فى " مسنده " (١٧٣ ٥ ١) ٣: ٣٨٥
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٣١١ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما جاء في تخميس السلب. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٠٨) ٢: ٢٦٣ كتاب الجهاد، باب ما يخمس في النفل.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وأما من لم يثق من نفسه بأنه كفؤ لطالب المبارزة (^١) . فإنه يكره الإجابة
إلى البراز؛ لأنه ربما يقتل. فتنكسر قلوب المسلمين بقتله.
(فإن شرَط) الكافر الداعي إلى البراز أن (^٢) لا يقاتله غير خصمه، (او كانت العادة ان لا يقاتله غير خصمه: لزم) ذلك.
أما مع الشرط؛ فلقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾] المائدة:١].
ولقول النبي ﷺ: " المؤمنون عند شروطهم " (^٣) .
واما إذا كانت العادة ذلك، فلأن العادة تجري مجرى الشرط.
ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة، لأنه كافر لا عهد له ولا امان. فأبيح قتله كغيره.
وأما دعوى المسلم الواثق من نفسه بالقوة والشجاعة إلى البراز ابتداء فتباح
ولا تستحب؛ لأنه لا حاجة إليها، ولا يأمن أن يقتل فتنكسر قلوب المسلمين. إلا انه لما كان شجاعا واثقا من نفسه بالقوة أبيحت (^٤) له، لأنه غالب (^٥) بحكم الظاهر.
(فإن انهزم المسلم) الداعي إلى البراز او المجيب إليه، (او اُثخِن) بالجراج: (فـ) إنه يجوز (لكل مسلم الدفع) عنه (والرمي) اي: رمي الكافر المبارز؛ لأن المسلم إذا صار في هذه الحالة فقد انقضى قتاله، والأمان إنما كان حال المبارزة وقد زال، " لأن حمزة وعليًا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة
_________________
(١) في أ: البراز.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح. عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٢) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس. عن كثير بن عبدالله بن عوف المزنى عن أبيه عن جده.
(٤) في أ: أبيح.
(٥) في ب: لا غالب.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
ابن ربيعة حين أثخن عبيدة " (^١) .
وإن أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه، ولا يقاتلوا المبارز، لأنه ليس بسبب من جهته. فإن كان قد استنجدهم أو عُلم منه الرضى بفعلهم انتقض امانه وجاز قتله.
(وإن قتَله) اي: قتل المسلم الكافر (او أثخَنه) بالجراج: (فله) اي: للمسلم (سَلَبُه) أي: سلب الكافر.
(وكذا) كل (من غرَّر بنفسه) في قتل كافر (ولو) كان المسلم القاتل (عبدا بإذن سيده، او) كان (امراة، او كافرا، أو صبيا بإذن)، لقول النبي ﷺ: " من قتل كافرا له سلبه " (^٢) . رواه جماعة عن النبي ﷺ، منهم أنس وسمرة بن جندب وغيرهما.
ولا يخمس السلب، لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد: " أن النبي
ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب " (^٣) . رواه أبو داود.
فيستحق القاتل السلب، لعموم الخبر. ولو لم يشرطه (^٤) له الأمير على الأصح. لكن يشترط: أن يكون القاتل من أهل الجهاد، وإلى ذلك اشير بقوله: (لا مُخذلًا) يعني: لا إن كان القاتل مخذلا، (ومُرجفًا، وكل عاص) بسفره.
وقوله: حال الحرب: حال من فاعل غرر. يعني: وكذا من غرر بنفسه (حال الحرب فقَتل أو أثخَن كافرًا ممتنعًا، لا) كافرا (مشتغلا بأكل، ونحوه)، كشرب، (و) لا (منهزما): فإنه يستحق سلبه (ولو شرط) السلب الغيره) أي: لغير القاتل، لعموم الخبر.
_________________
(١) سيق تخريجه ص (٣٧٦) رقم (٢).
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧١٨) ٣: ٧١ أول كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٢١٥٢) ٣: ١١٤ كلاهما عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٢١) ٣: ٧٢ أول كتاب الجهاد، باب في السلب لا يخمس.
(٤) في ب: يشترطه.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
ولأن هذا (^١) من قضايا رسول الله ﷺ المشهورة التي قضى بها. وعمل بها الخلفاء من بعده.
وقد علم مما تقدم أنه متى كان المقتول ممن لا يجوز قتله؛ كالشيخ الفانى، والمرأة، والصبي، والزمن، ونحوهم ممن لا يقاتل: لا يستحق] القاتل سلبه [(^٢) .
قال بعض الأصحاب: لا نعلم في ذلك خلافا.
(وكذا لو قطَع) مسلم من اهل الجهاد (اربعتَه) اي: يدَي الكافر ورجلَيه
فإنه يستحق سلبه دون قاتله؛ لأن القاطع لأربعته هو الذي كفى المسلمين (^٣) شره.
و" لأن معاذ بن عمرو بن الجموج اثبت ابا جهل، ووقف عليه عبدالله بن مسعود فقضى النبى ﷺ بسلبه لمعاذ " (^٤) .
(وإن قطع) إنسان (يده ورجله وقتله آخر) فسلبه غنيمة. (او اسره) إنسان (فقتله الإمام) فسلبه غنيمة. (او قتله) أي: اشترك في قتله (اثنان فأكثر فـ) سلبه (غنيمة)؛ لأنه لم (^٥) يوجد انفراد بقتل مغررا فيه بنفسه.
وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره؛ لأن النبي ﷺ قال: " الحرب خدعة " (^٦) . وهو حديث حسن صحيح.
وروي: " أن عمرو بن عبد ود لما بارز عليا قال له علي: ما برزت لأُقاتل اثنين. فالتفت عمرو. فوثب عليه (^٧) علي فضربه. فقال عمرو: خدعتني.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أوب: المسلمون.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٧٤٥) ٤: ١٤٥٨ كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٠٠) ٣: ١٤٢٤ كتاب الجهاد والسير، باب: قتل أبي جهل.
(٥) في أ: لا.
(٦) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٧٥) ٤: ١٩٣ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب. عن جابر بن عبدالله ﵁. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٨٨٩) ٢: ٣١٧ كتاب الجهاد، باب " جامع " الشهادة.
(٧) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
فقال: الحرب خدعة ".
(والسلب: ما) كان (عليه) أي: على الكافر المقتول: (من ثياب وحليُّ وسلاح)، وعلى الأصح: (ودابته التي قاتل عليها، وما) أي: والذي (عليها). فيكون له ما كان لابسه من ثياب وعمامة (^١) وقلنسوة ومِنطقه ودرع ومِغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية؛ لأن المفهوم من السلب اللباس.
وكذلك السلاح من السيف والرمح واللمت والقوس والنشاب ونحو ذلك؛
لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس.
وكذا الدابة التي قاتل عليها؛ لأنه كان مستعينا بها في حربه. فًا شبهت السلاح.
وكذا ما على الدابة من جميع التها؛ لأنه تابع لها، ويستعان به في الحرب.
أشبه السلاح.
(فأما نفقته) أي. نفقة المقتول (ورحلُه، وخيمتُه، وجنيبُه) وهو: الدابة التي لم يكن راكبها حال القتال: (فغنيمة). وأما إن كان راكبا عليها فصرعه عنها ثم قتله بعد سقوطه إلى الأرض فهو من السلب.
ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة؛ لقول النبي ﷺ في قتيل سلمة بن الأكوع: " له سلبه اجمع " (^٢) .
وقال: " من قتل قتيلا فله سلبه " (^٣) . وهذا] يتناول جميعه [(^٤) .
(ويُكره التلثُّم في القتال على انفه). قاله أحمد.
(لا لُبس علامة؛ كريش نعام) فإنه لا يكره على الأصح. فتباج.
وعنه: يستحب لشجاع، وأنه يكره لغيره. وجزم به في " الفصول ".
_________________
(١) في ب: من عمامة وثياب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٥٤) ٣: ٤٩ أول كتاب الجهاد، باب فى الجاسوس المستأمن.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٧٤٩) ٦: ٢٦٢٢ كتاب الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم. عن أبي قتادة.
(٤) ساقط منأ.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
] فصل: في الغزو بغير إذن الأمير [
(فصل. ويحرم غزو بلا إذن الأمير)؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو
أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامنهم وكيدهم. فينبغي أن يُرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين.
(إلا أن يَفجَأهم عدو) من الكفار (يخافون كَلَبه) بفتح اللام. اي: شره وأذاه؛ لأن المصلحة تتعين في قتال العدو والخروج إليهم حينئذ؛ لتعين الفساد فى ترك القتال.
ولذلك " لما اغار الكفار على لقاح النبي ﷺ فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا عن المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن. فمدحه النبي ﷺ وقال: خير رجالنا سلمة بن الأكوع، وأعطاه سهم فارس وراجل " (^١) .
وكذلك إن عرضت لهم فرصة يخافون فوتها إن تركوها حتى يستأذنوا الأمير. فإن لهم الخروج بغير إذنه؛ لئلا تفوتهم.
ولأنه إذا حضر العدو يصير الجهاد عليهم فرض عين. فلا دجوز لأحد التخلف عنه. (فإن دخل قوم) لهم منعة أو لا منعة لهم (او واحد ولو عبدًا، دار حرب
بلا إذن) من الإمام فغنموا: (فغنيمتهم فيء) تصرف مصرف الفيء على الأصح؛ لأنهم عصاة بافتياتهم على الإمام لطلب الغنيمه. فناسب حرمانهم؛ كقتل الموروث.
قال أحمد: في عبد أبق إلى الروم ثم رجع ومعه متاع: العبد لمولاه، وما
معه من المال والمتاع فهو للمسلمين.
وعنه: أن ما غنموه يخمسه الإمام ويقسم الباقي بينهم.
وعنه: ان ما أتوا به كله لهم (^٢) ولا يخمس.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٥٨) ٤: ١٥٣٦ كتاب المغازي، باب غزوة ذات القرد.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٨١ ]
(ومن أخذ) من الجيش أو ممن مع الجيش (من دار حرب ركازًا، أو مباحًا
له قيمة: فـ) هو (غنيمة)، لما روى عاصم بن كليب عن أبي الجويرية الجرمي قال:" لقيت بأرض الروم (^١) جرَّة فيها ذهب في إمرِة معاوية وعلينا معن بن يزيد السلمي. فأتيته بها فقسمها بين المسلمين وأعطاني مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك، ثم أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت " (^٢) . أخرجه أبو داود.
(و) من أخذ (طعاما ولو سكَّرًا، ونحوه)، كحلوى ومعاجين.، (أو علَفًا ولو بلا إذن و) بلا (حاجة: فله اكله، و) له (إطعام سبي اشتراه، ونحوه)، كغلامه وعبده، (وعلف دابته ولو) كانت الدابة (لتجارة، لا لصيد)، كفهد وجارح، (ويَرُدُّ فاضلًا ولو) كان (يسيرا وثمن ما باع).
والأصل في ذلك ما روى عبدالله بن أبي أوفى قال: " أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف " (^٣) رواه سعيد وأبو داود. وروي: " أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر: إنا أصبنا أرضا كثيره الطعام والعلف (^٤) . وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك [إلا بأمرك]. فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويًاكلون. فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة] فليرده إلى غنائم المسلمين. فقد وجب [فيه (^٥) خمس الله وسهام المسلمين " (^٦) . رواه سعيد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٥٣) ٣: ٨١ أول كتاب الجهاد، باب في النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤ ٢٧٠) ٣: ٦٦ أول كتاب الجهاد، باب في النهي عن النهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٠ ٢٧٤) ٢: ٢٧٢ كتاب الجهاد، باب ما جاء في إباحة الطعام بًارض العدو.
(٤) في الأصول: والغلة. وما أثبتناه من " السنن ".
(٥) في الأصول: ففيه. وما أثبتناه من " السنن ".
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٥٠) ٢: ٢٧٤ كتاب الجهاد، باب ما بيع من متاع العدو من ذهب أو فضه. وما بين الأقواس زيادة من " السنن ".
[ ٤ / ٣٨٢ ]
(ويجوز القتال بسلاج من الغنيمة ويرده) لحاجة وغيرها.
وفي " البلغة ": لحاجة.
والأول المذهب؛ لقول ابن مسعود: " انتهيت إلى أبي جهل فوقع سيفه من
يده فأخذته فضربته به حتى برد " (^١) . رواه الأثرم.
ولأن الحاجة إليه أعظم من الطعام. وضرر استعماله أقل من ضرر أكل الطعام لعدم زوال عينه بالاستعمال ثم يرده بعد الحرب. لزوال الحاجة إليه.
(لا) ان يقاتل (على فرس) او نحوها من الغنيمة.
(ولا لبس ثوب منها) على الأصح؛ لما روى رويفع بن ثابت مرفوعا قال:
" من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده " (^٢) . رواه سعيد.
ولأن الدابه تتعرض للعطب غالبا وقيمتها كثيرة. بخلاف السلاح.
(ولا أخذ شيء) أي: ولا أن يأخذ إنسان شيئًا (مطلقا مما اُحرز) من الغنيمة.
قال في " الإنصاف ": محل جواز الأخذ والأكل: إذا لم يَحُزها الإمام.
أما إذا حازها الإمام ووكل من يحفظها: فإنه لا يجوز لأحد أخذ شيء منه إلا لضرورة على الصحيح من المذهب والمنصوص عنه، واختاره الشيخ، واختاره المصنف- يعني الموفق- وغيره، وقدمه الزركشى وغيره. وجوز القاضى في
" المجرد " الأكل منه في دار الحرب مطلقا. انتهى.
ووجه المذهب: أنه (^٣) إنما أبيح الأخذ قبل جمعه؛ لأنه لم يثبت فيه ملك
_________________
(١) أخرجه الطبرانى في " الكبير " (١٢١٢٣) ١١: ٣٩٩ عن ابن عباس قال: "انتهى عبدالله بن مسعود إلى أبي جهل يوم بدر وهو وقيذ فاستل سيفه فضرب عنقه فبدر رأسه. . . " وذكره الهيثمي في" مجمع الزوائد " وقال: فيه إسماعيل بن أبي إسحاق أبو إسرائيل الملائي وهو ضعيف. وقال أحمد: يكتب حديثه ٥٠: ٣٣١
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٢٢) ٢: ٢٦٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول.
(٣) ساقط من ب.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
للمسلمين بعد. فأشبه المباحات من الحطب والحشيش. فإذا جمعت ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت من حيز المباحات وصارت كسائر أملاكهم. فلم يجز الأكل منها إلا لضرورة وهو: أن لا يجد ما يًا كله فحينئذ يجوز له الأخذ لحفظ نفسه وحفظ دوابه. وسواء كان إحرازه في دار الإسلام أو في دار الحرب.
(ولا) تجوز (التضحية بشيء) مما يجب (فيه الخمس) من إبل او بقر او غنم.
(وله) أي: ولكل احد من المسلمين (لحاجة) أي: مع احتياجه (دَهنُ بدنه ودابته) بدهن من الغنيمة، (وشُرب شراب) منها مع الحاجة أيضًا. اما جواز الادهان، فلقول أحمد في زيت الروم: إذا كان من (^١) ضرورة أو صداع فلا بًاس. فأما التزين فلا يعجبني.
واما شرب الشراب مع الحاجة، فلأنه طعام احتيج إلى استعماله. فجاز له ذلك، كبقية الأطعمة.
(ومن اخذ) من إنسان (ما يستعين به في غزاة معينة. فالفاضل) منها (له. وإلا)
اي: وإن لم يكن اخذه لغزاة معينة فما فضل منه (^٢) (ففي الغزو).
اما كون الفاضل له إذا اخذ لغزوة معينة، فلأنه أعطي ذلك على سبيل المعاونة والنفقة، لا على سبيل الإجارة. فكان الفاضل له، كما لو أوصى أن يحج عنه فلان حجة بًالف.
وأما إن لم يعط ذلك لغزوة معينة بل لينفقه في سبيل الله أو في الغزو واطلق. ففضل منه فضل فإنه يصرف في غزوة اخرى، لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة. فلزمه إنفاق الجميع فيها، كما لو اوصى (^٣) أن يحج عنه بًا لف فإنه يصرف في حجة بعد اخرى حتى ينفد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب. منها.
(٣) في أ: وصى.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
(وإن اخذ دابة، غير عارية و) غير (حبيس لغزوه عليها ملكها به) أي: بالغزو عليها " لقول عمر: " حملت على فرس في سبيل الله فًاضاعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن اشتريه وظننت أنه بائعه برخص. فسًا لت رسول الله ﷺ
فقال: لا تشتره (^١)، ولا تعد في صدقتك وإن اعطاكه بدرهم. فإن (^٢) العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه " (^٣) . متفق عليه.
وهذا يدل على أنه ملكه لولا ذلك ما باعه، ويدلى على أنه ملكه بعد الغزو
لأنه اقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليًاخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال. فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه. ذكر احمد نحو هذا الكلام.
وسئل متى تطيب له الفرس؟ قال: إذا غزا عليه. قيل له: فإن العدو جاءنا فخرج (^٤) على هذا الفرس في الطلب إلى خمس فراسخ ثم رجع؟ قال: لا. حتى يكون غزوا.
(ومثلُها) أي: ومثل الدابة في الحكم (سلاح وغيره) أي: وغير السلاح
إذا اعطيه ليغزو به، كالترس. فإنه إذا غزى به ملكه. والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في ب: تشتروه.
(٢) في ب: لأن.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤١٩) ٢:؛ ٥٤٢ كتاب الزكاة، باب هل يشتري صدقته. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٦٢) ٣: ٢٣٩ ١ كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
] باب: قسمة الغنيمة [
هذا (باب قسمة الغنيمة. وهي) أي: والغنيمة: (ما أُخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما أُلحق به) أي: بالقتال؛ كالمأخوذ فدية، وما أهداه حربي لأمير الجيش أو غيره بدار الحرب، وما أخذ من مباح دار الحرب بقوة الجيش. والغنيمة فعيلة بمعنى مفعولة أي (^١): مغنومة، واشتقاقها من الغنم وهو الربح والفضل.
وخُمُسها لأهل الخمس، وباقيها للغانمين؛ لقوله ﷾: (* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ)] الأنفال: ٤١].فًاضافها إليهم، ثم جل خُمُسها
لله. فدل على أن أربعة أخماسها لهم. ثم قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾
] الأنفال: ٦٩].
ولأن النبي ﷺ قسم الغنائم كذلك.
ولم تكن الغنائم تحل لمن مضى بدليل قوله ﷺ: " أُعطيت خمسا لم يعطهن
نبي قبلي. فذكر منها: وأحلت لي الغنائم " (^٢) . متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لم تحل الغنائم لقوم (^٣) سود الرووس غيركم. كانت تنزل نار من السماء تًاكلها " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٧) ١: ١٦٨ أبواب المساجد، باب قول النبي ﷺ: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٥٢١) ١: ٣٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاه، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه
(٣) ساقط من أ
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩٥٦) ٣: ١١٣٦ أبواب الخمس، باب قول النبى ﷺ: " أحلت لكم الغنائم ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٤٧) ٣: ١٣٦٦ كتاب الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة. ولفظه: " فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ". وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٠٨٥) ٥: ٢٧١ كتاب تفسير القران، باب ومن سورة الأنفال. باللفظ الذي ساقه المصنف.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
ثم كانت في اول الإسلام لرسول الله ﷺ؛ لقوله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾] الأنفال: ١ [، ثم صار أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لمن ذكره الله ﷾.
(ويملك اهل حرب مالَنا بقهر) على الأصح؛ كأخذ بعضهم مال بعض قهرا.
قال في " شرح المقنع ": هذا قول مالك وابي حنيفة. والرواية الثانية:
لا يملكونها، وهو قول الشافعي. انتهى.
فعلى القول بملكهم. فإنهم يملكونها (ولو اعتقدوا تحريمه). ذكره في" الانتصار ".
قال في " الفروع ": وشيخنا. انتهى.
ووجه الرواية التي هي المذهب: أن القهر سبب يَملك به المسلم مال الكافر. فملك به الكافر مال المسلم؛ كالبيع.
وعلى هذا: يملكون مال المسلمين قبل حيازته إلى دارهم وهو قول مالك،
أو لا يملكونه إلا بالحيازة إلى دارهم وهو قول ابي حنيفة. في ذلك روايتان. والمنصوص: انهم لا يملكونه إلا بالحيازة إلى دارهم. ذكره في القاعدة السابعة عشر.
وعلى الأصح: أنهم يملكون (حتى ما شَرَدَ) إليهم من الدواب، (او أَبَقَ)
إليهم من الرقيق، (او ألقتُه ريح إليهم) من السفن، (و) حتى (ام ولد) لمسلم ومكاتب؛ لأنهما يضمنان بقيمتهما على متلفهما. فملكوهما؛ كالقن. وعنه: لا تملك
ام الولد. وفائدة الخلاف: ان من قال بثبوت الملك فيها قال: متى قسمت أو اشتراها إنسان لم يكن لسيدها أخذها إلا بالثمن. فلا ينفذ في رقيق استولوا عليه عتق، ولا يجب في نقد استولوا عليه زكاة.
وإذا ملك مسلم أختين فأبقت إحداهما إلى دار الحرب واستولوا عليها الكفار
جاز له وطء الثانية؛ لزوال ملكه عن أختها.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
(لا وقفًا) يعني: أنهم لا يملكون العبد ولا غيره إذا كان وقفا بالاستيلاء والحوز إلى دارهم.
(ويُعمل) بكونه وقفا (بَوسم على) دابة (حبيس؛ كقول مأسور) يعني:
كما يعمل بقول مأسور استولينا عليه من أيدي الكفار: (هو ملك فلان).
قيل لأحمد: أصيب غلام في بلاد الروم، قال: أنا لفلان رجل بمصر؟ قال: إذا عرف الرجل لم يُقسَم، ورد على صاحبه.
قيل له: اصبنا مركبا في بلاد الروم فيها النواتية قالوا: هذا لفلان وهذا لفلان؟ قال: هذا قد عرف صاحبه، لا يُقسم.
(ولا حرا ولو ذميًا) يعنى: أن الكفار لا يملكون حرًا باستيلاء، مسلما كان
أو ذميا؛ لأنه لا يضمن بالقيمة، ولا تثبت عليه اليد بحال.
وإذا قدر المسلمون على أهل الذمة بعد ذلك وجب ردهم إلى ذمتهم، ولم
يجز استرقاقهم؛ لأن ذمتهم باقية، ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها.
(ويلزم فداؤه) أي: فداء الذمي إذا استولوا عليه أهل الحرب؛ كما يلزم
فداء المسلم.
(ولا فداء) أي: لا يجوز أن يفدى من أيدي الكفار اسير (بِخَيل و) لا (سلاح)؛ لأن في ذلك إعانة لهم على المسلمين.
(و) لا (مكاتب و) لا (أم ولد) ولو كافرين؛ لما في ذلك من تفويت الحرية المنعقد سببها فيهما.
(وينفسخ به) أي: باستيلاء الكفار على أموال المسلمين (نكاح امه) مزوجة؛ لأنهم يملكون رقبتها ومنافعها. فيدخل فيه منفعة بضعها؛ كما ينفسخ نكاح كافرة سبيت وحدها.
(لا) نكاح (حرة) مزوجة.
(وإن اخذناها) أي: أخذنا الحرة المزوجة من أيدي الكفار، (او) أخذنا
منهم (ام ولد: ردت) الحرة (لزوج، و) ردت أم الولد إلى (سيد.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
ويلزم سيدا أخذها) اي: اخذ ام ولده قبل قسمة مجانا، (وبعد قسمة بثمنها)، ولا يدعها يستحل فر جها من لا تحل له. (وولدُهما) اي: ولد الحرة وأم الولد (منهم) أي: من الكـ ـار (كولد زنا.
وإن ابى) ولدهما (الإسلام ضُرب وحُبس حتى يُسلم)؛ لأنه لا يقر على الكفر.
(ولمشتر أسيرا) من كفار (رجوع بثمنه، بنيته) أي: بنية الرجوع على الأسير؛ لما روى سعيد حدثنا عثمان بنا مطر حدثنا أبو جرير عن الشعبي قال: " اغار أهل ماه واهل جلولاء على العرب. فأصابوا سبايا من سبايا العرب: فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم. فكتب عمر: أيما رجل اصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في يدي التجار بعد ما انقسم فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رووس أموالهم. فإن الحر لا يباع ولا يشترى " (^١) . فحكم للتجار برؤوس أموالهم.
ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من أيدي (^٢) الكفار. فإذا ناب
عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه؛ كما لو قضى عنه حقا امتنع من ادائه. فعلى هذا لو اختلفا في قدر الثمن فالقول قول الأسير؛ لأنه منكر للزيادة والقول قول المنكر.
ولأن الأصل براءة ذمته من الزيادة.
(وإن اُخذ منهم) أي: من الكفار (مال مسلم او معاهَد) مما استولوا عليه، وكان الأخذ منهم (مجانا) أي: بلا عوض وعلم ربه: (فلربه أخذُه) إذا أدركه قبل قسمة (مجانا)؛ لما روى ابن عمر: " أن غلاما له أبق إلى العدوّ.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٨٠٣) ٢: ٢٨٨ كتاب الجهاد، باب ما أحرزه المشركون من المسلمين ثم يفيئه الله على المسلمين.
(٢) في ب: حكم.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
فظهر عليه المسلمون. فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسم " (^١) .
وعنه قال: " ذهب فرس له. فأخذها العدو فظهر عليها المسلمون. فرد
عليه في زمن النبي ﷺ " (^٢) . رواهما أبو داود.
وعن رجاء بن حيوة " أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليهم بعد. قال: من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم " (^٣) . رواه سعيد والأثرم.
وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمة فقسمه وجب رده إلى ربه بغير شيء؛ لأن قسمته كانت باطلة من أصلها. فهو كما لو لم يقسم. ذكره في " شرح المقنع "
(و) إن أخذ من الكفار مال مسلم أو معاهد (بشراء، او) لم يدركه صاحبه
إلا (بعد قسمة): فلربه اخذه (بثمنه) على الأصح، لما روى ابن عباس " ان رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه فقال له النبي ﷺ: إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة ".
ولأنه إنما امتنع أخذه له بغير شيء كيلا يفضي إلى حرمان اخذه من الغنيمة،
أو يضيع الثمن على المشتري. وحقهما يجبر بالثمن. فرجوع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع.
وعنه: أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال.
(ولو باعه) أي: باع مال المسلم او المعاهد آخذه من الكفار، (او وهبه) لغيره، (أو وقفه أو اعتقه اخذُه، او) باعه أو وهبه أو وقفه أو أعتقه (من انتقل إليه) ذلك من اخذه: (لزم) بيعه وهبته ووقفه وإعتاقه؛ لأنه تصرف من مالك
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " ستنه " (٢٦٩٨) ٣: ٦٤ أول كتاب الجهاد، باب في المال يصيبه العدو من المسلمين. . .
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٩٩) الموضع السابق.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٩٩) ٢: ٢٨٧ كتاب الجهاد، باب ما أحرزه المشركون من المسلمين ثم يفيئه الله على المسلمين.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
فيما يملكه. فلزم؛ كما لو لم يؤخذ من الكفار.
(و) إن لم يقفه ولم يعتقه فإن (لربه اخذه كلما سبق) من انه إن كان أخذ من
الكفار مجانا فلربه اخذه مجانا، وإن كان بشراء أو بعد قسمة فبثمنه (من اخر
مشتر و) اخر (متَّهب)؛ كما لو كان بيد أول اخذ (^١) .
(وتُملك غنيمة باستيلاء) يعنى: أن الغنيمة تملك بمجرد الاستيلاء عليها
بدار إسلام أو (بدار حرب)؛ لأن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد. فإن
أيدينا قد ثبتت عليها حقيقة بنفينا أيديهم عنها قهرا، والاستيلاء يدل على ثبوت
الملك كما في المباحات (^٢) .
ولأن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين
حصلوا في الغنيمة. وإذا ثبت زوال ملكهم فإنه لم يزل إلى غير مالك إذ هي
ليست في هذه الحالة مباحة. فعلم ان ملكهم زال إلى الغانمين.
(كعتق عبد حربي، وإبانة زوجة أسلما ولحقا بنا) يعني: ويدل على زوال
ملك الحربي بالقهر ان عبد الحربي لما قهره (^٣) بإسلامه ولحوقه بنا صار حرًا،
وان زوجة الحربي لما قهرته بإسلامها ولحوقها ملكت نفسها وخلصت من حبال
ز وجها.
وملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب هو المنصوص عن احمد،
المختار لأكثر الأصحاب.
وقال في " الانتصار " و" عيون المسائل " وغيرهما: لا تملك إلا باستيلاء تام،
لا في فور الهزيمة؛ لألتباس الأمر هل هو حيلة او ضعف.
وقال القاضي: لا تملك إلا بقصد التملك، لا بملك الأرض.
والأول المذهب.
_________________
(١) في أ: آخذه.
(٢) في ج: الإباحات.
(٣) في ب: قهر.
[ ٤ / ٣٩١ ]
(وتجوز قسمتها) اي: قسمة الغنيمة (فيها) أي: في دار الحرب في الأصح
لما روى أبو إسحاق الفزاري قال: " قلت للأوزاعي: هل قسم رسول الله ﷺ شيئا الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه (^١) . إنما كان الناس يبيعون غنائمهم ويسمونها في أرض عدوهم. ولم يقفل رسول الله ﷺ عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة الا خمسه، وقسمه. من قبل أن يقفل. من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وحين ".
ولأن كل در صحت القسمة فيها جازت " كدار الإسلام.
ولأن الملك يثت (^٢) فيها بالقهر. فصحت قسمتها، كما لو أحرزت بدار الإسلام.
] (وبيعها) يعني: ويجوز بيع الغنيمة في دار الحرب أيضا لثبوت الملك فيها [(^٣) .
(فلو غلب عليها العدو) وهي (بمكانها). فأخذها (من مشتر فـ) ـهي (من ماله) أي: مال المشتري. سواء حصل أخذها من المشتري بتفريطه " كخروجه بما اشتراه من العسكر. أو بغير تفريطه على الأصح، لأنه مال مقبوض ابيح لمشتريه. فكان عليه ضمانه كما لو أحرزه إلى دار الإسلام.
ولأن أخذ العدو تلف. فلم يضمنه البائع، كسائر أنواع التلف.
ولأن نماءه للمشتري. فكان ضماله عليه، لقول النبي ﷺ: " الخراج بالضمان" (^٤) .
_________________
(١) في أ: اعلم.
(٢) في أ: ثبت.
(٣) ساقط من ب.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٣٥١) ٣: ٢٨٤ كتاب الإجارة، باب فيمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبًا. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٨٦) ٣: ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد فيه عيبا.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
(وشراءُ الأمير لنفسه منها) اي: من الغنيمه: (إن وكل من جُهل انه وكيله) اي: وكيل الأمير (صح) البيع.
(وإلا) بًان علم أنه وكيله (حرم) نص عليه. واحتج بأن عمر رد ما اشر،
ابن عمر في قصة جلولاء للمحاباة (^١) .
***
_________________
(١) - وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٤٩٠) ٧: ٢٥٤ كتاب البيوع، الخراج بالضمان عن عائشة. . سيق ذكره في قصة جلولاء ص (٣٨٩) رقم (١).
[ ٤ / ٣٩٣ ]
] فصل: في غنيمة سرايا الجيش [
(فصل. وتُضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمته) أي: غنيمة الجيش؛ لما روي " أن النبي ﷺ لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قِبَل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش ".
قال ابن المنذر: وروينا أن النبي ﷺ قال: " وترد سراياهم على قعدهم " (^١) .
و" في تنفيل النبي ﷺ في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث " (^٢): دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك؛ لأنهم لو اختصوا بما غنموه لم يكن ثلثه نفلًا.
ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه. فيشتركون " كما لو غنم
أحد جانبي الجيش دون الجانب الاخر.
وإن نفذ الإمام من بلد الإسلام جيشين (^٣) أو سريتين فكل واحدة تنفرد بما غنمته؛ لأن كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة. بخلاف ما إذا بعثهما الإمام من دار الحرب فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا بالغنيمة. (ويَبدأ في قَسم: بدفع سَلَب) إلى أهله.
وإن كان فيها مال لمسلم أو ذمي دفع إلى صاحبه؛ لأن صاحبه متعين.
ولأنه استحقه بسبب سابق.
(ثم بأجرة جمع) للغنيمة، (وحمل وحفظ) لها. (و) دفع (جُعل من
دَلّ على مصلحة) للمسلمين.
(ثم يُخمَّس الباقي) بعد ذلك. (ثم) يخمس (خُمُسَه على خمسة اسهم):
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٩٢) ٢: ١٨٠ عن عبدالله بن عمرو.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٧٣) رقم (١ - ٣).
(٣) في أ: جيش.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
منها (سهم لله تعالى ولرسوله ﷺ. مصرفُه كالفيء) يعني: يصرف في مصالح المسلمين على الأصح.
وعنه: يصرف في المقاتلة.
وعنه: في كراع وسلاح.
وعنه: في الثلاثة.
وفي " الانتصار " (^١): لمن يلي الخلافة بعد النبي ﷺ (^٢) .
وعن عمر بن عبدالعزيز: " انه جمع بني مروان حين استخلف. فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فَدَك. فكان ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منهم أيّمهم، وإن فاطمة سًالته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياته، ثم عمل فيها أبو بكر بذلك، ثم عمر، ثم (^٣) أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبدالعزيز. رأيت أمرا منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإنى أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت " (^٤) . حديث حسن رواه أبو داود. (وكان) النبي ﷺ (قد خُص) بضم الخاء أي: خصه الله ﷾ (من المغنم بالصَّفِيّ. وهو) أي: والصفي: (ما يختاره) رسول الله ﷺ (قبل قسمة) للغنيمة منها؛ (كجارية وثوب وسيف) ونحو ذلك. وانقطع ذلك بموت رسول الله ﷺ. نص أحمد على ذلك.
ووجه ذلك: ان الخلفاء الراشدين لم يأخذوه ولا من بعدهم. ولا يجمعون
إلا على الحق.
ويدل لثبوت الصفي للنبي ﷺ ما روى أبو داود بإسناده إلى النبي ﷺ:
" أنه
_________________
(١) في ب: وعنه في " الانتصار ".
(٢) في أ: رسول الله ﷺ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٩٧٢) ٣: ١٤٣ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
كتب إلى بني زهير بن أُقَيش: إنكم إن شهدتم ان لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، واتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي، إنكم امنون بًامان الله ورسوله " (^١) .
وفي حديث وفد عبدالقيس الذي رواه ابن عباس: " وأن تعطوا سهم النبي ﷺ والصفي " (^٢) .
وقالت عائشة: " كانت صفية من الصَّفي " (^٣) . رواه أبو داود.
(وسهم لذوي القربى، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب) أبناء عبد مناف.
دون غيرهم من بني عبد مناف، لما روى جبير بن مطعم قال: " لما قسم رسول الله ﷺ من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب أتيت أنا وعثمان بن عفان. فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم. فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين اصابعه " (^٤) . رواه أحمد والبخاري.
فرعى لهم النبي ﷺ نصرتهم وموافقتهم بني هاشم.
ولا يستحق من كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم، لأن النبي ﷺ لم يدفع إلى أقارب أمه. وهم (^٥) بنو زهرة شيئا.
ولم يدفع أيضا إلى بني عماته، كالزبير بن العوام، وعبدالله بن جحش ونحوهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٩٩٩) ٣: ١٥٣ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في سهم الصفي.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٣٠٣ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب سهم الصفى.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٩٩٤) ٣: ١٥٢ كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب ما جاء في سهم الصفي.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣١١) ٣: ١٢٩٠ كتاب المناقب، باب مناقب قريش. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٧٦٠) ٤: ٨١
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
فبنو هاشم وبنو المطلب يستحقون هذا السهم (حيث كانوا). فيقسم بينهم
(للذكر مثل حظ الأنثيين) على الأصح. (غنيُّهم وفقيرُهم فيه سواء) في الأصح؛ لعموم قوله ﷾: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾ الاية] الأنفال: ٤١].وهو عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل.
ولأن النبي ﷺ كان يعطي اقاربه كلهم وفيهم الغني؛ كالعباس وغيره.
ولأنه مال مستحق بالقرابة. فاستوى فيه الغني والفقير؛ كالميراث والوصية
للأقارب.
(وسهم لفقراء اليتامى. وهم) اي: واليتامى: (من لا اب له ولم يبلغ) الحلم؛ لقول النبي ﷺ: " لا يُتم بعد احتلام " (^١) .
واعتبر فيهم (^٢) الفقر؛ لأن ذا الأب لا يستحق. والمال أنفع من وجود الأب.
ولأن الصرف إليهم لحاجتهم. فإن اسم اليتيم يطلق عليهم في العرف للرحمة. ومن كان إعطاوه لذلك اعتبرت الحاجة فيه.
(وسهم للمساكين). وهم: أهل الحاجة. فيدخل في عمومهم الفقراء. فالفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد هاهنا وفي سائر الأحكام. ويعم به جميعهم في جميع البلاد؛ كسهم ذي القربى واليتامى. (وسهم لأبناء السبيل). وقد ذكر ابن السبيل في الباب الذي ذكرت فيه أهل الزكاة. (فيُعطَون كزكاة) أي: كما يعطون من الزكاة.
(بشرط إسلام الكل). فلا حق في الخمس لكافر؛ لأنه عطية من الله ﷾. فلم يكن لكافر (^٣) فيه حق؛ كالزكاة. ولا لقن؛ لأن ما يعطاه لسيده دونه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٧٣) ٣: ١٥ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم.
(٢) في أ: فيه.
(٣) في أ: للكافر.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
(ويعمُّ من جميع البلاد، حسب الطاقة)، لأنه سهم مستحق بوصف. فوجب دفعه إلى كل مستحقيه كالميراث.
فعلى هذا يبعب الإمام إلى عماله بالأقاليم وينظر كم حصل من ذلك. فإن استوت فرّق كل خمس فيمن قاربه، وإن اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه،
كالميراث.
(فإن لم تأخذ بنو هاشم وبنو المطلب: رُذَّ) سهمهما (في كُرَاع) وهو الخيل، (و) في (سلاح) عدة في سبيل الله ﷿ " كفعل أبي بكر وعمر. ذكره أبو بكر. ولا شيء لمواليهم.
(ومن فيه) من مستحقي الخمس (سببان فأكثر)، كابن سبيل مسكين من ذوي القربى: (اخذَ بهما (^١) أي: بما فيه من الأسباب، لأنها أسباب لأحكام. فوجب ان تثبت أحكامها، كما لو انفردت.
(ثم بنَفَل) بفتح الفاء. ثم يعطى النفل بعد ذلك. (وهو) أي: النفل هو القدر (الزائد على السهم لمصلحة)؛ لأنه حق ينفرد به بعض الغانمين. فقدم على القسمة كالأسلاب والنفل من أربعة أخماس الغنيمة.
(ويرضخ). وهو: العطاء من الغنيمة دون السهم لمن لا سهم له فيرضخ
(لمميز وقِنّ وخنثى وامرأة) من الغنيمة. (على ما يراه) الإمام فيفضل العبد المقاتل وذا البأس على من ليس مثله. وتفضل المرأة المقاتله والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى على من ليست مثلها.
(إلا أنه لا يبلغ به لراجل سهم الراجل، ولا لفارس سهم الفارس، ولمبعض بالحساب من رضخ وإسهام). كما أنه لا يبلغ بالتعزير الحد، ولا بالحكومة دية العضو.
(وإن غزا قِنّ على فرس سيده: رضخ له) أي: للعبد، (وقسم لها) أي: للفرس التي تحته، لأن مالكها يستحق سهمها. وكذا لو كان مع العبد
_________________
(١) في أوب: بها
[ ٤ / ٣٩٨ ]
فرس أخرى فإنه يقسم لها أيضًا؛ كما لو كانتا مع السيد. نص على ذلك أحمد. ومحل قسمه لما معه من فرس أو فرسين: (إن لم يكن مع سيده فرسان)؛
لأنه لا يسهم لأكثر من فرسين على ما يأتي (^١) .
وأما إن غزا الصبي على فرس له أو المرأة على فرس لها: رضخ للفرس ولراكبها من غير إسهام للفرس؛ لأنه لو أسهم للفرس كان سهمها لمالكها. فإذا لم يستحق مالكها السهم بحضوره للقتال فبفرسه أولى. بخلاف العبد إذا غزا على فرس سيده فإن سهمها لغير راكبها وهو سيده.
(ثم يَقسم) الإمام (الباقي) بعد ما ذكر (بين من شهد الوقعة) أي: وقعة
الحرب (لقصد قتال)، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأجرائهم الذين يستعدون للقتال.
وإنما كانت الغنيمة لمن شهد الوقعة وإن لم يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال:
" الغنيمة لمن شهد الوقعة " (^٢) .
ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل ومعين له. فشاركه؛ كردء المحارب.
ويسهم للخياط والخباز والبيطار ونحوهم إذا حضروا الوقعة. نص عليه أحمد.
(أو بُعث في سرية) يعني: أنه يقسم الباقي بين من شهد الوقعة وبين من بعثه الإمام في سرية. (أو) بعثه (لمصلحة؛ كرسول، ودليل، وجاسوس. و) كذا (من خلّفه الأمير ببلاد العدو وغزا، ولم يمرَّ به فرجع)؛ لأن الذي في مصلحة الجيش والمسلمين ممن ذكر أولى بالإسهام ممن شهد الوقعة ولم يقاتل. فيسهم لمن ذكر. (ولو مع منع غريم) له، (أو) منع (أب) له من الغزو
وغزا بدون إذن غريمه وابيه؛ لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف.
(لا من لا يمكنه قتال) لمرض، (ولا دابة لا يمكن) القتال (عليها
_________________
(١) ص (٤٠٠).
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٥٠ كتاب السير، باب الغنيمة لمن شهد الوقعة.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
لمرض) يعني: فإنه لا يسهم له ولا للفرس " لأن المرض لا يتمكن معه من القتال كالزمانة والشلل. فخرج (^١) به عن أهلية الجهاد. بخلاف الحمى اليسيرة والصداع ووجع الضرس ونحو ذلك. فإنه يسهم لمن قام به ذلك لأنه لم يخرج به عن أهلية الجهاد.
(ولا مخذِّل ومرجِف ونحوهما) ممن تعين منعه من الدخول لأنه ممنوع
من الدخول مع الجيش. أشبه الفرس العجيف.
(ولو ترك ذلك) أي: ترك التخذيل وا لإرجاف (وقاتل.
ولا يرضخ له) أي: للمخذل ولا للمرجف، (ولا لمن نهاه الأمير ان يحضر). فلم ينته، لأنهم عصاة.
(و) لا (كافر لم يستأذنه) اي: يستًاذن الأمير.
(و) لا (عبد لم يأذن) له (سيده) في الغزو.
(و) لا (طفل، و) لا (مجنون، و) لا (من فر من اثنين) كافرين.
ذكره في " الروضة " و" الروايتين " و" الحاويين ".
وكيفية القسم بين من شهد الوقعة: أن يكون (للرّاجل ولو) كان (كافرًا سهم،
و) أن يكون (للفارس على فرس عربي، ويسمى العتيق: ثلاثة) أي: ثلاثه أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه العتيق، لما روى ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له " (^٢) . متفق عليه.
وقال خالد الحذاء: " لا يُختلف فيه عن رسول الله ﷺ أنه اسهم هكذا (^٣): للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. وللراجل سهما " (^٤) .
_________________
(١) في أ: يخرج.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٨٨) ٤: ٥ ٤ ٥ ١ كتاب المغازي، باب غزوه خيبر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٦٢) ٣: ١٣٨٣ كتاب الجهاد، باب كيفية قسمة الغنيمه بين الحاضرين.
(٣) في أ: كذا.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٣٢٧ كتاب قسم الفيء والغنممة، باب ما جاء في سهم الراجل والفارس.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
(و) للفارس (على فرس هَجين. وهو: ما أبوه فقط عربي.
او) على فرس (مُقرِفٍ، عكس الهجين) وهو: ما أمه فقط عريبة (^١) .
(أو) على فرس (بِرذَون. وهو: ما ابواه نبطيان: سهمان) سهم له وسهم لفرسه على الأصح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه اكثر الأصحاب. انتهى.
ويدل لذلك ما روى مكحول: " أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين. واعطى الهجين سهمًا " (^٢) . رواه سعيد.
وروى سعيد أيضأ بإسناده عن أبي الأقمر قال: " أغارت الخيل على الشام. فأدركت العراب من يومها، وادركت الكوادن (^٣) ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبي حميصة. فقال: لا اجعل الذي ادرك من يومه مثل الذي لم يدرك. ففضّل الخيل العراب. فقال عمر: هبلت (^٤) الوادعيَّ امه. أمضوها على ما قال " (^٥) .
ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول.
(وإن غزا اثنان على فرسهما) اي: على فرس مشتركة بينهما (فلا بأس) بذلك، (وسهمه) اي: سهم الفرس الذي بينهما (لهما)، ويكون بينهما بقدر ما لكل واحد منهما من الفرس.
(وسهم) فرس (مغصوب) غزا عليه غاصبه أو غيره (لمالكه). نص أحمد على ذلك؛ لأنه فرس قاتل عليه من يستحق. السهم. فاستحق الفرس السهم؛ كما لو كان مع صاحبه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " المراسيل " ص: ١٧٠ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الجهاد.
(٣) جمع الكودن، هو: البرذون الهجين.
(٤) أي: نكلب.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٧٢) ٢: ٢٨٠ كتاب الجهاد، باب ما جاء في تفضيل الخيل على البراذين.
[ ٤ / ٤٠١ ]
وإذا ثبت أن للفرس سهما كان لمالكه؛ " لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما " (^١) .
وما كان للفرس كان لمالكه.
] ولأن سهم الفرس مستحق بنفعه ونفعه لمالكه. فوجب أن يكون ما يستحق
به لمالكه [(^٢) .
(و) سهم فرس (معار ومستأجر وحِبيس لراكبه) إن كان من أهل الإسهام؛ لأنه قاتل عليه من يستحق سهما وهو مستحق لنفع (^٣) الفرس. فاستحق سهمه، ولا يمنع من ذلك كونه حبيسا؛ لأنه إنما حبس على من يغزو عليه.
(ويُعطى) راكب الحبيس (نفقة الحبيس) من سهمه؛ لأنه نماؤه.
(ولا يُسهم لأكثر من فرسين) يعني: أنه إذا كان مع الرجل خيل كثيرة أسهم لفرسين منها. فيعطى صاحبه خمسة أسهم، سهم له وأربعه للفرسين. ولم يُزد على ذلك؛ لما روى الأوزاعي: " أن رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل. وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشره أفراس " (^٤) .
وعن أزهر بن عبدالله " أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراج:
أن يسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهم. فذلك خمسة أسهم. وما كان فوق الفرسين فهي جنائب " (^٥) . رواهما سعيد.
ولأن للمقاتل إلى الثانى حاجه. فإن إدامة ركوب فرس واحد يضعفه ويمنع
القتال عليه. فيسهم للثانى كالأول. بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٠٠) رقم (٢).
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: لمنفعة.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٧٤) ٢: ٢٨١ كتاب الجهاد، باب من قال: لا سهم لاكثر من فرسين.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٧٧٥) الموضع السابق.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
(ولا شيء) اي: لا سهم ولا رضخ (لغير الخيل) على الأصح.
قال في " الفروع ": ولا شيء لغير خيل.
وعنه: لراكب بغير سهم.
وعنه: عند عدم غيره.
واختار جماعة: يسهم له مطلقا. منهم أبو بكر والقاضي. وظاهر كلام بعضهم: كفرس.
وقيل: له ولفيل سهم هجين. انتهى.
ووجه المذهب: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ] انه اسهم [(^١) لغير الخيل من البهائم
وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا. ولم تخلُ غزاة من غزواته من الإبل، بل
هي غالب دوابهم. فلم ينقل أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل.
وكذا أصحاب النبي ﷺ من بعده لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه انه اسهم لبعير، ولو أسهموا له لم يَخفَ ذلك.
ولأنه لا يمكن صاحبه الكر والفر. فلم يسهم له؛ كالبغل.
***
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
] فصل: في أحكام الغنيمة [
(فصل. ومن أسقَط حقه) من الغانمين (ولو) كان (مفلسًا. لا) إن كان (سفيهًا: فـ) إن سهمه يكون (للباقي) من أهل الغنيمة؛ لأن المسقط حقه قد ملك التملك بالاستيلاءعلى الغنيمة (^١) .
ولأن اشتراك الغانمين في الغنيمة اشتراك تزاحم. فإذا أسقط أحدهم حقه كان للباقين.
(وإن أسقط الكل) حقهم من الغنيمة (فـ) هي (فيء) يعني: تصرف مصرف الفيء.
(وإذا لحق) بالجيش (مدد أو أسير) تفلّت قبل تقضّي الحرب، (أو صار الفارس راجلًا، أو عكسه) بأن صار الراجل فارسًا قبل تقضي الحرب، (أو أسلم) ممن شهد الوقعة كافرًا، (أو بلغ) صبي، (أو عتق) قن (قبل تقضّي الحرب: جُعلوا كمن كان فيها كلها كذلك) أي: على الحال الذي تقضّت الحرب وهم عليه؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وقد شهدوها.
ولأن من تغيّر حاله قبل تقضّي الحرب لم تنتقل الغنيمة إلى ملك المسلمين إلا وهم على الهيئة التي صاروا إليها. فجعلوا كما لو كانوا في أول الحرب كذلك.
(ولا قِسْمَ لمن مات أو انصرف أو أُسر قبل ذلك) أي: قبل تقضي الحرب؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهؤلاء لم يشهدوا إلا بعضها، ولم يكونوا عند انتقال ملك الغنيمة إلى المسلمين؛ لأن الغنيمة لا تملك إلا بالاستيلاء عليها عند تقضي الحرب، وهؤلاء لم يكونوا حضورًا عند ذلك.
(ويحرُم قول الإمام: من أخذ شيئًا فهو له) على الأصح.
_________________
(١) في أ: الغانمين.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
(و) من أخذ شيئًا بقول الإمام ذلك فإنه (لا يستحقه)؛لأن النبي ﷺ كان يقسم الغنائم، وكذا الخلفاء بعده.
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم.
ولأن الاغتنام سبب في استحقاقهم الغنيمة على سبيل التساوي. فلا يزول ذلك بقول الإمام.
وأما قول النبي ﷺ يوم بدر:" من أخذ شيئًا فهو له " (^١): فمنسوخ حكمه. فإنهم اختلفوا فيها فأنزل الله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ الأنفال: ١].
ويستثنى من ذلك صوره أشير إليها بقوله:
(إلا فيما تعذّر حملُه)؛ كالأحجار الكبار، والقدور الكبار والحطب ونحو ذلك (وتُرك فلم يُشتر) أي: فلم يرغب أحد في شرائه: فإنه يجوز للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا من ذلك فهو له.
(وللإمام أخذه) أي: أخذ ذلك (لنفسه، و) له (إحراقه) أي: إحر اق ما يحرق منه؛ كما لو كان حطبًا أو تبنًا ونحوهما (^٢) إنكاء للعدو؛ لئلا ينتفعون به.
(وإلا) أي: وإن لم يكن كما ذكر (حرُم) على الإمام أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له. وإنما جاز ذلك فيما ذكر؛ لأنه كالمرغوب عنه.
(ويصح تفضيل بعض الغانمين لمعنى فيه) بأن يرضخ له زيادة عن سهمه وقد تقدم.
(ويَخص إمام بكلب) يجوز اقتناؤه (من شاء) من الجيش. ولا يدخل في غنيمة.
(ويُكسر الصليب، ويُقتل الخنزير). قاله أحمد.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٦: ٣١٦ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب الوجه الثالث من النفل.
(٢) في أ: أو نحوهما.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
(ويُصب الخمر، ولا يُكسر الإناء). نقله أبو داود.
(ولا تصح الإجارة للجهاد) على الأصح.
وعليه: إن كان قد أخذ شيئًا من الأجرة رده.
(فيسهم له) أي: لمن استؤجر للجهاد؛ (كأجير الخدمة)؛ لأنه حضر الوقعة، وهو من أهل القتال. فيسهم له؛ كغير الأجير.
ولقول عمر: " الغنيمة لمن شهد الوقعة " (^١) .
ومن أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة أو حملها أو سوقها أو رعيها أبيح له أخذ الأجرة على ذلك، ولم يسقط من سهمه شيء؛ لأن ذلك من مؤنة الغنيمة. فهو كعلف الدواب وطعام السبي، يجوز للإمام بذله.
ويباح للأجير أخذ الأجره عليه؛ لأنه قد أجّر نفسه لفعلٍ للمسلمين إليه حاجة. فحلت له الأجرة؛ كالدليل على الطريق.
وتصح الإجارة على ذلك بدابة معينة من المغنم (^٢) .
(ومن مات بعد تقضَّي الحرب فسهمُه لوارثه)؛ لأنه مات بعد ثبوت ملكه عليها. فكان سهمه لورثته؛ كسائر أمواله. حتى ولو كان موته قبل إحراز الغنيمة. وبعد الاستيلاء عليها؛ لأنه أدركها في حال لو قسمت فيه صحت قسمتها، وكان له سهمه منها. فيجب أن يستحق سهمه فيها؛ كما لو مات بعد إحرازها في فى دار الإسلام.
(ومن وطئ جارية منها) أي: من الغنيمة، (وله) أي: للواطئ (فيها)
أي: في الغنيمة (حق، أو لولده) أي: ولد الواطئ فيها حق: (أُدِّب) الواطئ؛ لأنه فعل ما لا يحل. (ولم يبلغ به) أي: بتأديبه (الحد)؛ لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة. فيكون للواطئ حق في الجارية الموطوءة. وإن قلّ فيدرأ عنه الحد للشبهة؛ كوطء جارية له فيها شرك.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٩٩) رقم (٢).
(٢) في أ: الغنيمة.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
وعموم قوله ﷾: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢ [مخصوص بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه. فيقاس عليه وطء الجارية من الغنيمة.
(وعليه مهرُها) يطرح في المقسم. (إلا أن تلد منه فـ) تكون عليه (قيمتها) تطرح في المقسم؛ لأن استيلادها كإتلافها. (وتصيرُ أمَّ ولده)؛ لأنه وطء يلحق به النسب. أشبه الملك. فتصير به أم ولد؛ كوطء جارية ابنه.
(وولده حر) لا تلزمه قيمته على الأصح؛ لأنه ملكها حين علقت. ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال. فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئهما.
ولأنه يعتق عليه حين علوقها به ولا قيمة له حينئذ.
(وإن أعتق) بعض الغانمين (قِنًّا) من الغنيمة؛ (أو كان) في الغنيمة من الأسرى المسترقين من (يَعتِق عليه: عَتَق) ممن أعتقه، أو عتق عليه (قدر حقه، والباقي) منه حكمه (كعتقه شِقْصًا) من قِنّ مشترك يأتي حكمه.
وعلم مما تقدم أن بعض الغانمين لو عتق أسيرًا من الرجال قبل أن يخير الإمام فيهم، أو كان ممن يعتق على بعض الغانمين لو كان رقيقًا: لم يعتق؛ لأن العباس عم النبي ﷺ وعم علي وعقيل أخي علي كانا في أسرى بدر فلم يعتقا عليهما.
ولأن الرجل لا (^١) يصير رقيقًا بنفس السبي.
(والغالّ. وهو: من كتم ما غَنِمَ، أو) كتم (بعضه لا يُحْرَم سهمه) من الغنيمة على الأصح؛ لأن سبب الاستحقاق موجود. فيستحق كما لو لم يغلّ.
ولم يثبت حرمان سهمه في خبر ولا يدل عليه قياس. فبقي بحاله. ولا يحرق؛ لأنه ليس من رحله.
(ويجبُ حرق رحلِه كله وقتَ غُلوله) وبه قال الحسن، وفقهاء الشام، منهم مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
] و" قد أتي سعيد بن عبدالملك بغالّ. فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر فلم يعبه " (^١) .
وقال يزيد بن يزيد بن جابر [(^٢): " السُّنّة في الذي يغل أن يحرق رحله ".رواهما سعيد في "سننه".
وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي: لا يحرق؛" لأن النبي ﷺ لم يحرق " (^٣) .
فإن عبد الله بن عمرو روى:"أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس. فيجيئون بغنائمهم. فيخمسه ويقسمه. فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر. فقال: يا رسول الله! هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة. فقال: سمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؛ قال: نعم. قال: فما منعك أن] تجئ به؟ فاعتذر. فقال: إن أنت [(^٤) تجيءبه يوم القيامة فلن أقبله منك " (^٥) .أخرجه أبو داود.
ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد "نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٧٣١) ٢: ٢٧٠ كتاب الجهاد، باب ما جاء في عقوبة من غل.
(٢) ساقط من أ.
(٣) قال البخاري: إنما روى هذا-يعني حديث تحريق متاع الغال-صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد رُوي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه. ذكره عنه الترمذي فى"جامعه "٤: ٦١
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢٧١٢) ٣: ٦٨ أول كتاب الجهاد، باب في الغلول إذا كان يسيرًا يتركه الإمام ولا يحرق رحله.
(٦) روى المغيرة بن شعبه قال: قال رسول الله ﷺ:"إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال؛ إضاعة المال". أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٢٧٧) ٢: ٨٤٨ كتاب الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٥٩٣) ٣: ١٣٤١ كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. . .
[ ٤ / ٤٠٨ ]
ولنا: ما روى صالح بن محمد بن زائدة قال:" دخلت مع مسلمة أرض الروم. فأتي برجل قد غلّ. فسأل سالمًا عنه.] فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا. فسأل سالمًا عنه [(^١) .فقال: بعه وتصدق بثمنه " (^٢) . رواه سعيد وأبو داود والأثرم.
وأما حديثهم فلا حجة لهم فيه. فإن الرجل لم يعترف أنه غله، وإنما توانى في المجيء به معتذرًا عن توانيه. وليس الخلاف فيه.
وأما النهي عن إضاعة المال فمحله: إن لم يكن فيه مصلحة، وأما معها فلا بأس، ولا يعد تضييعًا؛ كإلقاء المتاع في البحر عند خوف الغرق، وكقطع يد العبد السارق. مع أن كل المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه. فأكله إتلافه وإنفاقه إذهابه. ولا يعد شيء من ذلك تضييعًا.
ومحل وجوب إحراقه: (ما لم يخرج عن ملكه).فإن إحراقه حينئذ يكون عقوبة لغير الجانى.
ومحله أيضًا: (إذا كان) الغالّ (حيًا). فإن مات قبل إحراقه لم يحرق. نص عليه، لأنه عقوبة. فتسقط بالموت، كالحدود.
ومحله أيضًا: إذا كان الغال (حرًا مكلفًا ملتزمًا).
أما مع كونه رقيقًا " فلأن المتاع لسيده، ولا يعاقب السيد بجناية عبده.
وأما مع كونه غير مكلف؛ فلأن الإحراق عقوبة، وليس يخير المكلف من أهلها.
وأما مع كونه غير ملتزم أحكام المسلمين؛ فإنه لا يعاقب على ما لا يعتقد تحريمه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢٧١٣) ٣: ٦٩ أول كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال. وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٧٢٩) ٢: ٢٦٩ كتاب الجهاد، باب ما جاء في عقوبة من غل.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
قال في"الفروع":والمر اد ملتزمًا. ذكره الآمدي البغدادي.
لكن لا تشترط ذكورية الغال ولا إسلامه. فيحرق رحله. (ولو) كان (أنثى، و) لو كان (ذميًا)؛لأنهما من أهل العقوبة، ولذلك يقطعان في السرقة.
ويستثنى من متاع الغال أشياء يحرم حرقها أشير إليها بقوله:
(إلا سلاحًا، ومصحفًا، وحيوانًا بآلته ونفقته، وكتب علم، وثيابه التي عليه، وما لا تأكله النار: فـ) يكون (له) أي: للغال في الأصح.
وقيل: يباع المصحف ويتصدق بثمنه.
(ويُعزّر) الغال من أجل غلوله، لأنه فعل شيئًا محرمًا.
(ولا يُنفى).نص عليه.
(ويؤخذُ ما غَلّ) من الغنيمة (للمغنَم) أي: للمقسم؛ لأنه حق للغانمين. فتعين رده إلى أهله.
(فإن تاب بعد قسم: أَعطى الإمام خمسه، وتَصدق ببقيته)؛لما روى سعيد بن منصور، عن عبدالله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن حوشب بن سيف. قال:" غزا الناس الروم وعليهم عبدالرحمن] بن خالد بن الوليد [(^١) .فغل رجل مائة دينار.] فلما قسمت الغنيمة وتفرق الناس ندم. فأتى عبد الرحمن فقال: قد غللت مائة دينار [(^٢) فاقبضها. فقال: قد تفرق الناس فلن أقبضها منك حتى توافي الله (^٣) بها يوم القيامة- يشير بذلك إلى قوله ﷾: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١ [-. فأتى معاوية فذكر ذلك له. فقال له مثل ذلك. فخرج وهو يبكي. فمر بعبدالله بن الشاعر السكسكي فقال: ما يبكيك؟ (^٤) فأخبره. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أمُطيعي
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في الأصول: الناس. وما أثبتناه من"السنن".
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤١٠ ]
انت يا عبدالله؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى معاوية فقل له: خُذ مني خمسك. فأعطه عشرين دينارًا وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش. فإن الله ﷾ يعلم أسماءهم ومكانهم. فإن (^١) الله يقبل التوبة عن عباده. فقال معاوية: أحسن. والله! لأن أكون أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شيء امتلكت " (^٢) .
وعن ابن مسعود: "أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ".
فقد قال به ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. فكان إجماعًا.
(وما أُخذ من فدية) أي: فديه أسرى الكفار فغنيمة. فـ " إن النبي ﷺ قسم فداء أسارى بدر (^٣) بين الغانمين ".
ولأنه مال حصل بقوة الجيش. أشبه الخيل والسلاح.
(أو أُهدي للأمير) أي: أمير الجيش، (أو) أهدي (لبعض قواده، أو) بعض (الغانمين بدار حرب: فغنيمة)؛لأن الظاهر أنهم لم يفعلوا ذلك إلا للخوف من المسلمين.
(و) ما أهدي (بدارنا فلمُهدى له). سواء كان الإمام أو غيره؛" لأن النبي ﷺ قبل هدية (^٤) المقوقس ". فكانت له دون غيره. والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في أ: وإن.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٧٣٢) ٢:٢٧٠ كتاب الجهاد، باب ما جاء فيمن غل وندم.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في ج: هبة.
[ ٤ / ٤١١ ]
] باب: في الأراضي المغنومة [
(باب. الأرَضُون المغنومة ثلاث) أي: ثلاثة أصناف:
الأول منها: (عَنوَة. وهي: ما أَجْلوا عنها) أهلها بالسيف. (ويخير إمام) فيها (بين قسمها) بين الغانمين (كمنقول).
قال في " شرح المقنع ": ولم نعلم أن شيئًا مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر. فـ " إن رسول الله ﷺ قسم نصفها " (^١) . فصار لأهله لا خراج عليه.
وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر رضى الله تعالى عنه ومن بعده؛ كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء. فروى أبو عبيد في " كتاب الأموال ": " أن عمر قدم الجابية. فأراد قسم الأرضين بين المسلمين. فقال له معاذ رضي الله تعالى عنه: والله! إذًا ليكونن ما تكره. إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم. ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة. ثم يأتى من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا، وهم لا يجدون شيئًا. فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم. فصار عمر إلى قول معاذ " (^٢) .
وروى أيضًا قال: قال الماجشون:" قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها. فقال عمر: لا. هذا عين المال. ولكني أحبسه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين. فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا. فقال عمر: اللهم! اكفني بلالًا وذويه. فما حال الحول ومنهم عين تطرف " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠١٠) ٣: ١٥٩ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في حكم أرض خيبر. عن سهل ابن أبي حثمة، قال:" قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفا لنوائبه وحاجته ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا ".
(٢) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٥٢) ص: ٦١ كتاب فتوح الأرضين صلحًا، باب فتح الأرض تؤخذ عنوة. . .
(٣) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٤٧) ص: ٥٩ الموضع السابق.
[ ٤ / ٤١٢ ]
(و) بين (وقفها لامسلمين بلفظ يحصل به) الوقف. (ويضرب عليها خراجًا) مستمرًا (يؤخذ ممن هي بيده، من مسلم وذمي) يكون أجرة لها في كل عام.
الصنف الثانى ما أشير إليه بقوله:
(الثانية: ما جَلَوا عنها خوفًا منا، وحكمُها كالأولى).فيخير الإمام فيها؛ كما تقدم على الأصح.
وعنه: أنها تصير وقفًا بنفس الاستيلاء عليها.
الصنف الثالث ما أشير إليه بقوله:
(الثالثة: المُصالَح عليها). وهي نوعان. أشير إلى الأولى بقوله:
(فما صُولحوا على أنها) أي: على أن الأرض (لنا) ونقرها معهم بالخراج: (فـ) هذه (كالعنوة) على الأصح، لا يسقط خراجها بإسلام.
وعنه: أنها تصير وقفًا بذلك.
النوع الثانى ما أشير إليه بقوله:
(وعلى أنها) أي: على أن الأرض (لهم، ولنا الخراج عنها: فهو) أي: فالخراج المأخوذ عنها (كجزية. إن أسلموا) سقط عنهم، (أو انتقلت إلى مسلم سقط) عنهم؛ كما تسقط الجزية بالإسلام.
وإن انتقلت إلى ذمي من غير (^١) أهل الصلح لم يسقط عنه الخراج في الأصح، وتبقى الأرض ملكًا لهم، وتسمى دار عهد، لا يمنعون فيها من إحداث كنيسة ولا بيعة.
(ويُقَرُّون فيها بلا جزية)؛لأنهم في غير الإسلام. (بخلاف ما قبل) أي: ما قبل ذلك من الأرضين المذكورة.
(وعلى إمام فعلُ الأصلح) للمسلمين فيما يفتحه من الأراضي، من وقف أو
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٤ / ٤١٣ ]
قسمة، (ويُرجع في) قدر (خَراج وجزية إلى تقديره) أي: تقدير الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده على الأصح.
قال في " شرح المقنع ": وهو اختيار الخلال وعامة شيوخنا؛ لأنه أجرة.
فلم تتقدر بمقدار لا يختلف؛ كأجرة المساكن.
وفيه رواية ثانية: أنه يرجع إلى ما ضربه عمر لا يزاد ولا ينقص؛ لأن اجتهاد عمر أولى من قول غيره.
وعنه رواية ثالثة: أن الزيادة تجوز دون النقص؛ لما روى عمرو بن ميمون:"أنه سمع عمر يقول لحذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف: لعلكما حمّلتما الأرض ما لا تطيق. فقال عثمان: والله! لو زدت عليهم فلا يجهدهم " (^١) .فدل على إباحة الزيادة ما لم يجهدهم.
وأشير إلى ما ضربه عمر وإن لم يكن المذهب ليعلم بقوله:
(ووضع عمر رضى الله تعالى عنه على كل جَريب درهمًا وقفيزًا وهو) أي: القفيز: (ثمانية أرطال. قيل: بالمكيّ).قدمه في"شرح المقنع"وقال: نص عليه، واختاره القاضي.
وقال أبو بكر: قيل: أن قدره ثلاثون رطلًا.
(وقيل بالعراقيّ، وهو نصف المكيّ)،وقدمه في "المحرر"و"الرعايتين"و"الحاويين" وقالوا: نص عليه.
] قال في"الإنصاف":هذا القفيز قفيز الحجاج. وهو صاع عمر. نص عليه. والقفيز الهاشمى: مكوكان. وهو ثلاثون رطلًا عراقية. انتهى.
قال أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام: أعلا وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون يعني:"أن عمر رضى الله تعالى عنه وضع على كل جريب درهمًا وقفيزًا" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٠٦) ص: ٤٣ باب فرض الجزية. . .
(٢) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٠٥) الموضع السابق.
[ ٤ / ٤١٤ ]
وقدر القفيز: ثمانية أرطال بالمكي. نص عليه أحمد [(^١)،واختاره القاضي.] فيكون ستة عشر رطلًا بالعراقي [(^٢) .
وقال أبو بكر: قد (^٣) قيل أن قدره،: ثلاثون رطلًا.
وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الأرض؛ لأنه روي عن عمر " أنه ضرب على الطعام درهمًا وقفيز حنطة، وعلى الشعير درهمًا وقفيز شعير " (^٤) .ويقاس عليه غيره من الحبوب.
(والجريب: عشر قَصَبات في مثلها) أي: في عشر قصبات. (والقصبة: ستة أذرع بذراع وسط)،لا أطول ذراع ولا أقصرها، (وقبضة وإبهام قائمة).وما بين الشجر من بياض الأرض تبع لها فليس فيه إلا خراج الأرض.
(والخراج على الأرض لها ماء تُسقى به ولو لم تُزرع، لا على مال يناله ماء ولو أمكن زرعه وإحياؤه ولم يفعل)؛لأن الخراج أجرة الأرض وما لا منفعة فيه لا أجرة له.
وعنه: يجب فيه الخراج إذا كان على صفة يمكن إحياؤه؛ ليحييه من هو في يده، أو يرفع يده عنه فيحييه غيره وينتفع به.
(وما لم ينبت) إلا عامًا بعد عام، (أو ينله) الماء (إلا عامًا) بعد عام: (فـ) يجب (نصف خراجه في كل عام)؛لأن نفع هذه الأرض على النصف. فكذلك الخراج؛ لكونه في مقابلة النفع.
(وهو) أي: الخراج (على المالك)؛لأن الخراج على رقبة الأرض دون المستأجر لها، كما تجب الفطرة على مالك العبد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرج أبو عبيد في "الأموال" عن محمد بن عببدالله الثقفي، قال:" وضع عمر بن الخطاب ﵀ على أهل السواد على كل جريب عامر أو الغامر درهما وقفيزًا" (١٧٤) ص: ٧٠ باب أرض العنوة تقر في أيدي أهلها. . .
[ ٤ / ٤١٥ ]
(و) هو أيضًا (كالدين، يُحبس به الموسر، ويُنظر المعسر)؛لأنه أجرة. أشبه أجره المساكن (^١) .
(ومن عجز عن عمارة أرضه أُجْبِرَ على إجارتها، أو رفع يده عنها) يعني: أن من كانت بيده أرض خراجية فهو أحق بها بالخراج كالمستأجر، وتنتقل إلى (^٢) وارثه بعده على الوجه التي كانت في يد مورثه. فإن آثر بها أحدًا صار الثانى أحق بها. فإن عجز من هي في يده عن عمارتها ودفع خراجها أجبر على رفع يده عنها بإجارة أو غيرها. ويدفعها إلى من يعمرها ويقوم بخراجها؛ لأن الأرض للمسلمين. فلا يجوز تعطيلها عليهم.
(ويجوز أن يُرشَى العامل ويُهْدَى له لدفع ظلم) عن المرشي أو المهدي؛ لأنه يتوصل بذلك إلى كف اليد العادية عنه. (لا ليدع خَراجًا) عن المرشي أو المهدي؛ لأن ذلك يتوصل به إلى إبطال حق. فحرمتا على الآخذ والمعطي؛ كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
(والهدية: الدفع) إلى المهدى إليه (ابتداء) من غير طلب، (والرشوة):الدفع للمرتشي (بعد الطلب) من دافع الرشوة. (وأخذهما) أي: الرشوة والهدية (حرام).
ويكره للمسلم أن يشتري من أرض الخراج المزارع (^٣)؛ لأن في إعطاء الخراج معنى المذلة. وبهذا وردت الأخبار عن عمر وغيره. ومعنى الشراء هاهنا: أن يقبل الأرض بما عليها من خراجها؛ لأن شراء رقبتها غير جائز.
(ولا خراج على مساكن مطلقًا) أي: سواء فتحت عنوة أو صلحًا.
وإنما كان أحمد يؤدي الخراج عن داره؛ لأن بغداد كانت مزارع وقت فتحها.
(ولا) خراج على (مزارع مكة) في الأصح؛ لأن الخراج جزية الأرض
_________________
(١) في ج: المساكين.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: الزارع.
[ ٤ / ٤١٦ ]
ولا يجوز إعطاؤها عن أرض.
وأجازه في "الانتصار"؛ كسائر أرض العنوة.
قال صاحب "المحرر": لا أعلم من أجاز ضرب الخراج عليها سواه؛ لأن النبي ﷺ علم يضرب عليها شيئًا.
(والحرم) كله (كهي) أي: كمكة. نص عليه.
(وليس لأحد البناء والانفراد به فيهما) أي: في مكة والحرم على الأصح.
(ولا) يجوز لأحد (تفرقة خراج عليه بنفسه)؛لافتقاره إلى اجتهاد؛ لعدم تعيين مصرفه.
ولأن الخراج والغنيمة لمصالح المملكة؛ لأن بها تجتمع الجند على باب السلطان فينفذ أوامر الشرع، ويحمي البيضة، ويمنع القوي من الضعيف. فلو فرقه غيره تفرقوا وزالت حشمته وطمع فيه. فجرّ ذلك إلى الفساد.
(ومصرفه) أي: مصرف الخراج (كفيء) أي: كمصرف الفيء.
(وإن راى الإمام المصلحة في إسقاطه) أي: إسقاط الخراج (عمن) أي: عن إنسان (له) أي: للإمام (وضعه) أي: وضع الخراج (فيه) أي: في ذلك الإنسان، بأن كان ممن له حق الفيء: (جاز)؛لأنه لا فائدة في أخذه منه ثم رده إليه.
ولأنه لو أخذ الخراج وصار في يده جاز له أن يخص به شخصًا إذا رأى المصلحة فيه. فجاز له تركه بطريق الأولى.
(ولا يُحتسب بما ظُلم في خراجه من عُشْر) عليه في حب أو ثمر على الأصح.
قال الإمام أحمد: لأنه غصب.
وعنه: بلى، اختاره أبو بكر.
***
[ ٤ / ٤١٧ ]
] باب: الفيء [
هذا (باب) يذكر فيه أموال الفيء ومصرفها.
وأصل الفيء الرجوع. يقال: فاء الظل إذا رجع نحو المشرق. وسمي المال الحاصل من الكفار على ما يأتي تفصيله فيئًا؛ لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين.
والأصل فيه قوله ﷾: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦ [،وقوله ﷾: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الآية] الحشر:٧].
ثم (الفيء) هنا: (ما أُخذ من مال كافر بحق بلا قتال؛ كجزية، وخراج، وعُشر تجارة) من حربي، (ونصفه) أي: ونصف عشر تجارة من ذمي، (وما تُرك) أي: وما تركه الكفار للمسلمين (فزعًا) من المسلمين، (أو) ترك (عن ميت ولا وارث) له.
(ومصرفه) أي: مصرف ما ذكر من المال (و) مصرف (خُمس خُمس الغنيمة: المصالح) أي: مصالح المسلمين في الأصح؛ لقول عمر:"ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب، إلا العبيد فليس لهم فيه شيء، وقرأ عمر: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ - حتى بلغ- ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:٧ - ١٠ [فقال: هذه استوعبت المسلمين عامة" (^١) .
ولأن المصالح نفعها عام، والحاجة داعية إلى فعلها تحصيلًا لها.
وذكر أحمد الفيء. فقال فيه: لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"٦: ٣٥١ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما جاء في قول أمير المؤمنين عمر ﵁.
[ ٤ / ٤١٨ ]
قال القاضي: ومعنى كلام أحمد أنه بين الغني والفقير يعني: الغني الذي فيه مصلحة للمسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء. قال: ويحتمل أن يكون معنى كلامه أن لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال؛ لكونه يصرف إلى من يعود نفعه إلى جمييع المسلمين. انتهى.
والمذهب: أنه لا يختص بالمقاتلة.
قال في"الإنصاف": وقيل: يختص بالمقاتلة. اختاره القاضي. انتهى.
(و) حيث تقرر صرفه في المصالح فإنه (يُبدأ بالأهم فالأهم: من سدّ ثغر، وكفاية أهله) أي: أهل الثغر، (وحاجة من يدفع عن المسلمين)؛ لأن أهم أمور المسلمين حفظ بلادهم، وأمنهم من عدوهم. فيعطى من يلي ذلك كفايته من مال الفيء. وسد الثغور عمارتها، وكفايتها بالخيل والسلاح.
(ثم) بـ (الأهم فالأهم من سد بَثْق) وهو: المكان المنفتح في جانبي النهر. وسده هو: جرف الجسور؛ لحصول النفع بعلو الماء بسبب ذلك.
(و) من (كَرْيِ نهر) أي: تعزيل ما يعيق ماء النهر عن جريانه، (وعمل قنطرة، ورزق قضاة، وغير ذلك)؛ كعمارة المساجد، وإصلاح الطرق، وأرزاق الأئمة والمؤذنين والفقهاء، وكل ما يعود نفعه على المسلمين.
(ولا يخمَّس) الفيء. نص أحمد على ذلك في رواية أبي طالب، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأن الله ﷾ أضافه إلى أهل الخمس، كما أضاف إليهم خمس الغنيمة. فإيجاب الخمس فيه لأهله دون باقيه منع لما جعله الله ﷾ لهم بغير دليل، ولو أريد الخمس منه لذكره الله ﷾ كما ذكره في خمس الغنيمة. فلما لم يذكره ظهرت إرادة الاستيعاب.
(ويقسم فاضل) عما ذكر مما يعم نفعه المسلمين (بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم)؛لأنه مال فضل عن حاجتهم. فقسم بينهم؛ لأنهم استحقوه بمعنى مشترك. فاستووا فيه؛ كالميراث.
وهذا المذهب.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وعنه: يقدم المحتاج على غيره؛ لأن المصلحة في حقه أعظم منها في حق غيره.
واختار أبو حكيم والشيخ تقي الدين: أنه لا حظ للرافضة فيه. وذكره ابن القيم في "الهدي " عن مالك وأحمد.
(وتُسن) عند القسم (بِداءة بأولاد المهاجرين، الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ)، والمراد هنا بالمهاجرين: الذين هجروا أوطانهم وخرجوا إلى رسول الله ﷺ وهم جماعة مخصوصون.
والمراد بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ: القرشيون؛ لما روى أبو هريرة قال:"قدم على عمر ثمانية ألف درهم. فلما أصبح أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: قد جاء الناسَ مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ. قالوا: بك يا أمير المؤمنين! إنك ولي ذلك. قال: لا. ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب. فوضع الديوان على ذلك " (^١) .
إذا تقرر هذا فيبدأ ببني هاشم؛ لأنهم أقارب رسول الله ﷺ حيه لما ذكرنا من خبر
عمر.
ثم بني المطلب؛ لقول رسول الله ﷺ:" إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين أصابعه " (^٢) .
ثم بني عبد شمس؛ لأنه هو وهاشم أخوان لأب وأم.
ثم ببني نوفل؛ لأنه أخو هاشم لأبيه.
ثم ببني عبدالعزى وبني عبد الدار. ويقدم بني عبدالعزى؛ لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة منهم. ثم الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٦: ٣٦٤ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب إعطاء الفيء على الديوان ومن يقع به البداية.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٩٦) رقم (٤).
[ ٤ / ٤٢٠ ]
(وقريش قيل):إنهم (بنو النضر بن كِنانَة، وقيل): إنهم (بنو فِهْر بن مالك بن النضر) بن كنانة.
(ثم بأولاد الأنصار). والأنصار هم: الحيان الأوس والخزرج. وقُدِّموا على غيرهم؛ لسابقتهم في الإسلام.
(فإن استوى اثنان) فيما تقدم: (فأسبق إسلام. فأسن. فأقدم هجرة وسابقة. ويفضَّل بينهم) أي: بين أهل العطاء (بسابقة) في الإسلام، (ونحوها) كلمعنى فيه على الأصح. نص على ذلك؛ لأن عمر قسم بينهم على السوابق، وقال: "لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه ".
ولأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلًا على قدر غنائهم. وهذا في معناه.
و" قد فضل عمر وعثمان " (^١)، و"لم يفضل أبو بكر وعلي " (^٢) .
(ولا يجب عطاء إلا لبالغ عاقل حر بصير صحيح، يُطيق القتال). ويتعرف قدر حاجة أهل العطاء وكفايتهم، ويزيد ذا الولد من أجل ولده، وذا الفرس من أجل فرسه. وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسب مُؤْنتهم في كفايته. وإن كانوا لزينة أو تجارة لم يحسب مُؤْنتهم. وينظر في أسعار بلادهم؛ لأن الأسعار تختلف، والغرض الكفاية. ولهذا تعتبر الذرية.
(ويُخرج من المقاتلة بمرض لا يُرجى زواله؛ كزمانة، ونحوها)؛ كقطع
_________________
(١) أخرج أبو عبيد في"الأموال" (٥٥٠) ص:٢١١ باب فرض الأعطية من الفيء. عن الشعبي قال: " لما افتتح عمر العراق والشام وجبى الخراج، جمع أصحاب النبي ﷺ فقال: إني قد رأيت أن أفرض العطاء لأهله الذين افتتحوه. فقالوا: نعم الرأي ما رأيت يا أمير المؤمنين! فقال: فمن نبدأ؛ قالوا: ومن أحق بذلك منك؛ ابدأ بنفسك. قال: لا. ولكني أبدأ بآل رسول الله ﷺ. فكتب عائشة أم المؤمنين في اثنى عشر ألفا. وكتب سائر أزواج النبي ﷺ في عشره آلاف، ثم فرض بعد أزواج النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب خمسة آلاف، ولمن شهد بدرًا من بني هاشم ".
(٢) أخرج أبو عبيد في "الأموال" (٦٤٨) ص:٢٤٤ باب التسوية بين الناس في الفيء. عن يزيد بن أبي حبيب" أن أبا بكر قسم بين الناس قسمًا واحدًا. فكان ذلك نصف دينار لكل إنسان ".
[ ٤ / ٤٢١ ]
يده، ويسقط سهمه بذلك. بخلاف المرض المرجو زواله؛ كالحمى والصداع ونحوهما؛ لأنه في حكم الصحيح؛ لأنه ليس له أن يستنيب في الحج مع وجود ذلك.
(وبيت المال ملك للمسلمين، يضمنه متلفه، ويحرُم أخذٌ منه بلا إذن إمام) لذلك الوقت؛ لأن تعيين مصارفه وترتيبها يرجع فيه إلى الإمام. فافتقر الأخذ منه إلى إذنه.
(ومن مات بعد حلول العطاء دفع لورثته حقه)؛لأنه مات؛ بعد الاستحقاق. فانتقل حقه إلى وارثه (^١)؛ كسائر حقوقه.
(ولامرأة جندي يموت، ولصغار أولاده كفايتهم) إلى أن يبلغوا؛ لما في ذلك من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم إذا علموا أن عيالهم يُكفون المؤْنة بعد موتهم توفروا للجهاد. وإذا علموا أن عيالهم خلاف ذلك توفروا على الكسب وآثروه؛ مخافة الضيعة على عيالهم.
(فإذا بلغ ذكرهم) أي: ذكر أولاد الجندي وكان (أهلًا للقتال: فرض له إن طلب) ذلك؛ لأن البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا على الواجب (^٢) عليه.
ولا شك أن دخوله في ديوان المقاتلة ليس بواجب عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يطلب ذلك (تُرك كالمرأة والبنات) أي: بنات الجندي (إذا تزوجن).
والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في ج: ورثته.
(٢) في ب: إلا الواجب.
[ ٤ / ٤٢٢ ]
] باب: الأمان [
(باب) يذكر فيه (الأمان). وهو: (ضد الخوف).
والأصل في مشروعيته قوله ﷾: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
(ويحرُم به) أي: بالأمان (قتل ورِق وأسر)، والتعرض لما معه من مال.
(وشُرط) لصحة الأمان: (كونه من مسلم).فلا يصح من كافر ولو كان ذميًا أو مستأمنا.
(عاقل) فلا يصح من مجنون.
(مختار) فلا يصح من مكره عليه.
(غير سكران)؛ لأن السكران لا يعرف المصلحة. أشبه النائم والمغمى عليه.
لا الحرية ولا الذكوزية ولا البلوغ.
فيصح الأمان من المسلم العاقل المختار غير السكران. (ولو كان قنًا أوأنثى أو مميزًا). على الأصح في المميز، (أو أسيرًا).نص عليه؛ لما روى علي عن النبي ﷺ أنه قال:" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا (^١) عدل".رواه البخاري.
وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف في صحة أمان العبد، إلا أن يكون مأذونًا له في القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٣٧٤) ٦: ٢٤٨٢ كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
وجوابهما: أنه إما أن يكون أدنى المسلمين فيصح أمانه بالحديث، أو يكون غيره أدنى منه فيصح أمانه بطريق التنبيه.
ولذلك يصح أمان الأجير والتاجر في دار الحرب؛ لدخول جميع من ذكرنا في عموم الخبر.
حتى (ولو) كان الأمان (لأسير)؛ لما روي عن أم هانئ "أنها قالت: يا رسول الله! إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم بابي، وإن ابن أمي أراد قتلهم. فقال لها رسول الله ﷺ: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. إنما يجير على المسلمين أدناهم " (^١) . رواه سعيد.
(و) شرط أيضًا لصحة الأمان (عدم ضرر) على المسلمين بتأمين الكفار، (وأن لا يزيد) زمن الأمان (على عشر سنين).
قال في " الفروع " عن " الترغيب ": ويشترط للأمان عدم الضرر علينا، وأن لا تزيد مدته على عشر سنين واقتصرعليه. وقاله في"الانتصار" (^٢) أيضًا عن"المستوعب". ثم قال: وقوله: وأن لا تزيد مدته عن عشر سنين، جزم به في "الرعايتين"و"الحاويين"و"تذكرة ابن عبدوس". انتهى.
(ويصح) الأمان (منجَّزًا) كقوله: أنت آمن، (ومعلقًا) بشرط كقوله:
من فعل كذا فهو آمن؛ لقوله ﷺ يوم فتح مكة:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (^٣) ".
ويصح الأمان (من إمام لجميع المشركين) وآحادهم؛ لأن ولايته عامة على جميع المسلمين.
(و) يصح (من أمير لأهل بلدة جُعل) الأمير (بإزائهم).فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين؛ لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في"سننه" (٢٦١٢) ٢: ٢٣٤ كتاب الجهاد، باب المرأة تجير على القوم.
(٢) في ب: "الأنصاف".
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٧٨٠) ٣: ١٤٠٦ كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
(و) يصح (من كل أحد) يصح أمانه (لقافلة وحصن صغيرين عُرفًا)،كمائة فأقل؛ لما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال:"جهز عمر بن الخطاب جيشًا فكنت فيه. فحصرنا موضعًا فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نُقبل ونروح، وبقي عبد منا. فراطنهم وراطنوه. فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب. فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم " (^١) . رواه سعيد.
ولا يصح الأمان من آحاد الرعية لأهل بلدة أو رستاق أو جميع كبير؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل (^٢) الجهاد والافتيات على الإمام.
ويحصل الأمان ويصح (بقول كـ: سلام) ممن يصح أمانه على حربي.
(و) كقوله: (أنت أو بعضك) آمن، (أو يدك) آمنة، (ونحوها) من الأعضاء؛ كرأسك (آمن.
وكـ) قوله: (لا بأس عليك، وَأَجَرْتُكَ، وِقفْ، وَأَلْق سلاحك، وقُم، ولا تَذْهَل، ومَتَرْس) ومعناه: لا تخف وهو بفتح الميم وسكون الراء وآخره سين مهملة.
وكذا قوله: لا تخف أو لا تخش ونحو ذلك؛ لما روي] عن عمر [(^٣) أنه قال:" إذا قلتم: لا بأس، أو لا تذهل أو مَتَرْس: فقد آمنتموهم. فإن الله تعالى يعلم الألسنة " (^٤) .
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه " (٢٦٠٨) ٢: ٢٣٣ كتاب الجهاد، باب ما جاء في أمان العبد.
(٢) في أ: لتعطيل.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ذكره البخاري في"صحيحه" تعليقًا ولفظه:" إذا قال مَتَرْس فقد آمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها ". ٣: ١١٥٨ كتاب الجزية، باب إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا. وأخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"موصولًا من حديث أبي وائل ٩: ٩٦ كتاب السير، باب كيف الأمان. وأخرجه سعيد بن منصور في"سننه" (٢٥٩٩ - ٢٦٠٠) ٢: ٢٣٠ كتاب الجهاد، باب الإشارة إلى=
[ ٤ / ٤٢٥ ]
والذي ورد به الشرع من ذلك لفظتان: أجرتك وأمنتك.
قال الله ﷾: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]. وقال النبي ﷺ: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " (^١) .
وفي معنى ذلك جميع ما ذكر.
(وكشرائه) يعني: أنه يحصل الأمان للحربي إذا شراه مسلم يصح أمانه.
قال الإمام أحمد: إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله؛ لأنه] إذا [(^٢) اشتراه فقد أمنه.
(و) يصح الأمان أيضًا (بإشارة تدل) عليه؛ (كإمرار يده) كلها (أو بعضها عليه، وبإشارة بسبابته إلى السماء)؛ لقول عمر: " لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك. فنزل إليه فقتله. لقتلته " (^٣) . رواه سعيد.
وقال أحمد: إذا أشير إليه بشيء غير الأمان فظنه أمانا فهو أمان. وكل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان.
فإن قلت: كيف صح الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق بخلاف البيع والطلاق ونحوهما؟
قلنا: تغليبًا لحقن الدماء، كما حقن دم من له شبهة كتاب تغليبًا لحقن دمه.
مع أن الحاجة داعية إلى الإشاره؛ لأن الغالب منهم عدم فهم الكلام العربي. (ويسري) الأمان (إلى من معه) أي: مع المستأمن (من أهل ومال. إلا أن يخصص) بالأمان بأن يقول له: أنت آمن دون أهلك ومالك. فلا يسري إليهما.
_________________
(١) = المشركين والوفاء بالعهد. وأخرجه عبدالرزاق في"مصنفه" (٩٤٢٩) ٥: ٢١٩ كتاب الجهاد، باب دعاء العدو. سبق تخريجه ص (٤٢٤) رقم (٣).
(٢) زيادة من " شرح البهوتي"١: ٦٥٣.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في"سننه" (٢٥٩٧) ٢: ٢٢٩ كتاب الجهاد، باب الإشارة إلى المشركين والوفاء بالعهد.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
(ويجب رد معتقد) شيئًا (غير الأمان أمانًا إلى مأمنه) أي: مأمن المعتقِد وجوبًا؛ لما تقدم من أن كل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان.
ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يُرد إلى مأمنه؛ لقول الله ﷾: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة.
(ويُقبل من عدل: إني أَّمنتُه) في الأصح؛ كإخبار اثنين أنهما أمناه؛ كالمرضعة على فعلها.
(وإن ادَّعاه) أي: ادعى الأمان (أسير) وأنكره من جاء به: (فقول منكر) على الأصح؛ لأن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان.
(ومن أسلم أو أُعطي أمانًا ليفتح حصنًا ففتحه، واشتبه) علينا فيهم: (حُرم قتلهم). نص عليه. (ورقهم)؛لأن كل واحد منهم إذا ادعى أنه الذي أمناه. فإنه يحتمل صدقه، وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه. فحرم الكل؛ كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة، أو أخته بأجنبيات، أو زانٍ محصن بمعصومين.
(ويتوجه مثلُه) أي: مثل من أعطى أمانًا واشتبه: (لو نُسي) بضم النون، (أو اشتَبه من لزمه قود) بمن لم يلزمه فإنه يحرم قتله. وأصل التوجيه لصاحب"الفروع"ولم أر من خالفه.
(وإن اشتبه ما أُخذ من كافر) بحق (بما أخذ من مسلم) بغير حق (فينبغي الكف) أي: أن يكف عنهما. قاله أحمد.
(ولا جزية مدة أمان) على الأصح. نص عليه.
وقال أيضًا: وذلك إذا أمنه الإمام؛ لأنه لم يلتزمها.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
(ويُعقد) الأمان (لرسول ومستأمن)؛"لأن النبي ﷺ كان يؤمن رسل المشركين (^١) ".
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا. فتفوت مصلحة المراسلة.
(ومن جاء بلا أمان، وادعى أنه رسول أو تاجر) ومعه ما يبيعه، (وصدَّقتْه عادة: قُبل) ما يدعيه من ذلك.
قال أحمد: إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم مركب (^٢) فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يتعرضوا لهم ولم يقاتلوهم. وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ولا يسأل عن شيء.
(وإلا) أي: لم تصدقه عادة، (أو كان جاسوسًا فكأسير) أي: فهو كالمأخوذ (^٣) في حالة الحرب، يخير الإمام فيه.
(ومن جاءت به ريح) من الكفار، (أو ضل الطريق) منهم، (أو أَبَقَ) إلينا من رقيقهم، (أو شَرَدَ إلينا) من دوابهم: (فلآخذه) أي: فهو لمن أخذه على الأصح؛ لأنه أخذ بغير قتال في دار الإسلام. فكان لآخذه؛ كالصيد والحشيش.
(ويبطل أمانٌ بردٍ) من المستأمن؛ لأنه إذا رد الأمان انتقض.
(و) يبطل الأمان أيضًا (بـ) وجود (خيانة)؛لأن خيانتهم غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر.
(وإن أودَع) مستأمن مسلمًا، (أو أقرَض مستأمن مسلمًا مالًا، أو تركه) ببلاد الإسلام (ثم عاد لدار حرب). فإن كان عوده لدار الحرب لحاجة أو رسولًا
_________________
(١) عن عبد الله أن النبي ﷺ قال لرجل:" لولا أنك رسول لقتلتك"أخرجه أحمد في "مسنده" (٣٨٥٥) ١: ٤٠٦
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: فكالمأخوذ.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
أو نحو ذلك فهو على أمانه في نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام. فأشبه الذمي إذا دخل لذلك.
وإن عاد إلى دار الحرب مستوطنًا أو محاربًا، (أو انتقض عهد ذمي):بطل الأمان في نفسه، و(بقي أمان ماله)،لأنه بدخول دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه. فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله؛ لاختصاص المبطل بنفسه. فيختص البطلان به. (ويُبعث) ماله إليه (إن طلبه)؛ لبقاء الأمان فيه.
وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه؛ لأنه ملكه.
(وإن مات) في دار الحرب (فـ) يكون المال (لوارثه)؛لأن الأمان حمتى لازم متعلق بالمال. فإذا مات ربه انتقل إلى الوارث بحقه؛ كسائر الحقوق من الرهن والضمان والشفعة.
(فإن عُدم) بأن لم يترك وارثًا (ففيء) يعني: فيكون فيئًا لبيت المال؛ كمال الذمي إذا مات ولم يترك وارثًا.
(وإن استُرق) رب المال (وُقفَ) الأمر في ماله حتى يحلم آخر أمره. (فإن عَتَقَ أخذه) يعني: كان له أخذه.
(وإن مات) حال كونه (قنًا ففيء) يعني: كان ماله فيئًا؛ لأن الرقيق لا يورث.
وإن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه؛ لأن ثبوت الأمان لماله (^١) لا يثبت الأمان لنفسه، كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب.
(وإن أُسر مسلم) أي: أسره الكفار، (فأُطلِقَ بشرط أن يُقيم عندهم مدة) معينة، (أو) أن يقيم عندهم (أبدًا) ورضي بإطلاقه على الشرط المذكور: لزمه الوفاء لهم بذلك، ولم يكن له أن يهرب. نص عليه، لقول النبي ﷺ:
_________________
(١) في أ: لمالكه. وهو تصحيف.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
" المؤمنون عند شروطهم " (^١) .
(أو) أطلقوه بشرط (أن يأتي) إلى بلاد الإسلام (ويرجع) إليهم، (أو) أن (يبعث) إليهم (مالًا، وإن عجز) عنه (عاد إليهم) ورضي: (لزم) عليه (الوفاء)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١].
ولما صالح النبي ﷺ أهل الحديبية على رد من جاء مسلما وفى لهم وقال:"إنا لا يصلح في ديننا الغدر " (^٢) .
ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم؛ لأنهم لا يؤمنون بعده. والحاجة داعية إليه. فيلزمه الوفاء؛ كما يلزم بعقد الهدنة.
ولأنه إذا عاهدهم على مال لزمه الوفاء به لهم (^٣)؛ كثمن المبيع.
وإن أكرهوه على ذلك ولو مع حلفه مكرهًا لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء، لقول النبي ﷺ:" عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (^٤) .
(إلا المرأة) الأسيرة إذا أطلقوها بشرط أن ترجع إليهم (فلا ترجع)،ولا يحل لها ذلك
"لقول الله ﷾: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠].
ولأن في رجوعها تسليطًا لهم على وطئها حرامًا، وقد منع الله ﷾ ورسوله (^٥) رد النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وفيها:
" فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن " (^٦) . رواه أبو داود وغيره.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٧٧) رقم (٣).
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٥٨١) ٢: ٩٧٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب. . .
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٠٤٣) ١: ٦٥٩ كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي. عن ابي ذر الغفاري ﵁.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه أبو داود في "سننه" (٢٧٦٥) ٣: ٨٥ أول كتاب الجهاد، باب في صلح العدو.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
(و) إن أطلق الكفار الأسير (بلا شرط، أو) شرطوا (كونه رقيقًا فإن أمَّنوه فله الهرب) منهم (فقط) ولو مع رضاه بالشرط؛ لأن كونه رقيقًا حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله.
(وإلا) أي: وإن لم يؤمنوه (فـ) يهرب و(يقتل ويسرق أيضًا) يعني: أن له أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمنهم ولم يؤمنوه.
(ولو جاء عِلْجٌ) من الكفار (بأسير) من المسلمين (على أن يُفادى) المسلم (بنفسه. فلم يجد)، قال الإمام أحمد: (لم يُردَّ، ويفديه المسلمون إن لم يُفْدَ من بيت المال).
قال أحمد: والخيل أهون من السلاح، ولا يبعث السلاح.
(ولو جاءنا حربي بأمان، ومعه مسلمة لم تُردَّ معه) إلى دار الحرب، (ويُرضَّى) على تركها ببلاد الإسلام.
(و) إن كان معه رجل ولم يرض بتركه فإنه (يرد الرجل).
ولو سبيت كافرة وجاء ابنها يطلبها وقال: إن عندي أسيرًا مسلمًا فأطلقوها حتى أحضره. فقال الإمام: أحضره فأحضره لزم إطلاقها؛ لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل. فإن قال الإمام: لم أرد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورُدَّ إلى مأمنه؛ لأن هذا يفهم منه الشرط. فوجب الوفاء به؛ كما لو صرح به.
ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه. فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة.
والله ﷾ أعلم.
***
[ ٤ / ٤٣١ ]
] باب: الهدنة [
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام الهدنة.
وهي لغة: الدَّعة والسكون.
ثم (الهدنة) شرعًا: (عقدُ إمام أو نائبه على ترك القتال) معِ الكفار (مدة معلومة، لازمة. وتسمى: مُهَاَدَنَة، ومُوادَعَة، ومعاهدة، ومسالمة).
والأصل في جوازها قوله ﷾: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
وقوله ﷾ (^١): ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
وما روى مروان والمسور بن مخرمة:" أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين " (^٢) .
ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف. فتكون المصلحة في مهادنة الكفار إلى أن يقوى المسلمون.
(ومتى زال مَن عقدها) بأن مات الإمام العاقد للهدنة مع الكفار أو عزل:
(لزم) الإمام (الثاني الوفاء) بما فعله الأول؛ لأن الإمام عقده باجتهاد. لم يجز نقضه باجتهاد غيره؛ كما لا يجوز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده.
(ولا تصح) الهدنة إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقد مع (^٣) جملة الكفار وليس ذلك لغيره.
_________________
(١) في أ: وقوله تعالى.
(٢) حديث قصة الحديبية، أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٥١٨) ٢: ٩٧٤ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد. . بطوله. ولكن دون ذكر المدة. وأخرجه أبو داود فى "سننه " (٢٧٦٦) ٨٦:٣ أول كتاب الجهاد، باب في صلح العدو.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
ولأن تجويز عقدها لغير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو بتلك الناحية التي هادن أهلها، وفي ذلك افتيات على الإمام.
ولا يصح أيضًا (إلا حيث جاز تأخير الجهاد)، للطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح.
(فمتى رآها) الإمام (مصلحة ولو بمال منا ضرورة) مثل: أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، (مدة معلومة)؛ لأن مهادنتهم مطلقًا يفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية؛ لكونها تقتضي التأبيد. فلم يجز ذلك. وإنما جازت مع طول المدة على الأصح؛ لما يراه الإمام من المصلحة في ذلك: (جاز وإن طالت) المدة؛ لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال. كذا هذا.
ولأن بذل المال وإن كان صَغارًا فإنه يجوز تحمله لدفع صَغار أعظم منه وهو القتل أو الأسر وسبي الذرية الذين (^١) يفضي سبيهم إلى كفرهم.
وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال: " أرسل رسول الله ﷺ
إلى عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب: أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان أو تخذل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة (^٢): إن جعلت الشطر فعلت " (^٣) .
ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي ﷺ.
(فإر زاد) الإمام (على) مدة (الحاجة) إلى الهدنة (بطلت الزيادة) فقط في الأصح، بناء على تفريق الصفقة.
(وإن أطلقت) المدة (أو عُلِّقت) الهدنة أو المدة (بمشيئة لم تصح).
أما إطلاق المدة، فلإفضاء الهدنة إلى التأبيد.
وأما تعليقها أو تعليق الهدنة بالمشيئة؛ فلأن الهدنة عقد. يشترط فيه معرفة
_________________
(١) في أ: الذي.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٩٧٣٧) ٥: ٣٦٧ كتاب المغازي، وقعة الأحزاب وبني قريظة.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
المعقود عليه، وانبرامه؛ كعقد الإجارة. فلو قال: هادنتكم ما شئتم أو شئنا أو شاء فلان لم تصح؛ لأن ذلك ينافي مقتضى العقد. فلم يصح؛ كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح.
(ومتى جاءوا) أي: الكفار (في) هدنة (فاسدة) بأن يتولى عقدها غير الإمام أو نحو ذلك، (معتقدين الأمان: رُدُّوا آمنين) إلى مأمنهم. ولا يقرون في دار الإسلام؛ لأن الأمان لم يصح.
(وإن شَرط فيها) أي: في الهدنة (أو) شرط (في عقد ذمة شرطًا فاسدًا؛ كرد امرأة) إلى الكفار، (أو) رد (صداقها، أو) رد (صبي، أو) رد (سلاح، أو) شرط (إدخالهم) أي: إدخال الكفا ر (الحرم: بطل) الشرط. أما كونه لا يجوز رد النساء المسلمات؛ فلقوله ﷾: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وقال النبي ﷺ: " إن الله منع الصلح في النساء ".
وذلك لأن المرأة تفارق الرجل من وجوه:
أحدها: أنه لا يؤمن أن تزوج بكافر يستحلها أو يكرهها من ينالها. وإلى ذلك أشار الله ﷾ بقوله: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠].
الثانى: أنها ربما فتنت عن دينها؛ لأنها أضعف قلبًا، وأقل معرفة من الرجل.
الثالث: أن المرأة لا يمكنها الهرب عادة. بخلاف الرجل.
وأما كونه لا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاؤوا مسلمين؛ فلأنهم بمنزلة المرأة في ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب.
أما الطفل الذي لا يصح إسلامه فيجوز شرط رده؛ أنه ليس بمسلم شرعًا.
وأما كونه لا يصح شرط إدخالهم الحرم؛ فلقول الله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وإذا بطل الشرط فإنه يبطل (دون عقد) في الأصح، بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
(وجاز) في عقد الهدنة (شرطُ ردِّ رجل جاء) منهم (مسلمًا للحاجة)؛"لأن النبي ﷺ شرط ذلك في صلح الحديبية، ووفى لهم به. فرد أبا جندل وأبا بصير " (^١) .
(و) جاز للإمام (أمرُه) أي: أن يأمر من جاءه مسلمًا (سرًا بقتالهم والفرار) منهم. (ولا يمنعهم أخذَه، ولا يُجبره عليه). فإن أبا بصير لما جاء إلى النبي ﷺ وجاء الكفار في طلبه قال له النبي ﷺ:" إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا.
فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له (^٢):
يا رسول الله! قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم وأنجانى الله منهم. فلم ينكر عليه النبى ﷺ ولم يلمه، بل قال: ويل أمه مُسَعِّر حرب لو كان معه رجال. فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل من معه من المستضعفين بمكة. فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها وأخذوها وقتلوا من معها. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدأ جاءه ففعل " (^٣) .
فيجوز إذا لمن أسلم من الكفار المهادنين أن يتحيزوا بناحية وأن يقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذون أموالهم، ولا يدخلون في الصلح. فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتال الكفار وأخذ أموالهم.
(ولو هرب منهم قن فأسلم لم يُردَّ) إليهم (وهو حر)؛لأنه ملك نفسه بإسلامه، y
_________________
(١) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه" (٢٥٨١) ٢: ٩٧٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب. . .
[ ٤ / ٤٣٥ ]
وإذا عقد الإمام الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلمًا أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك. سواء كان حرًا أو عبدًا، رجلًا أو امرأة. ولا يجب رد مهر المرأة (^١) .
(ويؤخذون) يعني: الكفار والمهاجرين زمن الهدنة (بجنايتهم على مسلم: من مال، وقود، وحد)؛ كقذف وسرقة في الأصح.
قال في"الإنصاف": وإن قتل مسلمًا لزمه القود، وإن قذفه حُد، وإن سرق ماله قطع، على الصحيح. انتهى.
ووجه ذلك: أن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض. فلزمهم ما يجب في ذلك. ولا يُحدون لحق الله ﷾؛ لأنهم ليسوا بملتزمين أحكامنا.
(ويجوز قتل رهائنهم: إن قتلوا رهائننا) على الأصح.
(وعلى الإمام حمايتهم) من المسلمين ومن أهل الذمة؛ لأنه أمّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده، كما أمّن من في قبضته وتحت يده منهم. فمن أتلف من المسلمين أو أهل الذمة على أهل الهدنة شيئًا فعليه ضمانه.
(إلا من أهل الحرب) فلا يلزم الإمام حمايتهم عنهم؛ لأن الهدنة التزام كف الإمام ومن في قبضته فقط عنهم.
(وإن سباهم كافر ولو) كان الكافر (منهم لم يصح لنا شراؤهم)؛ لأنهم في عهدنا. وليس علينا استنقاذهم؛ لأن السابي لهم ليس في قبضتنا.
(وإن سبى بعضُهم ولد بعض، وباعه أو ولد نفسه أو أهليه صح) في الأصح؛ (كحربي) باع ولده أو أهله. (لا ذمي).
قال في "الإنصاف":الصحيح من"المذهب":شراء أولاد الكفار المهادنين منهم وأهليهم؛ كحربي باع أهله وأولاده. جزم به ابن عبدوس في "تذكرته"، وقدمه في"الفروع"، وصححه في " النظم ".
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وعنه: يحرم شراؤهم، كذمي باعهم. انتهى.
(وإن خيف) من المهادنين (نقضُ عهدهم) أي: ما بيننا وبينهم من العهد (نُبذَ) بضم النون (إليهم) أي: نبذ الإمام إليهم العهد الذي بينه وبينهم. بأن يعلمهم بأنه لم ييق بينه وبينهم عهد، لقول الله ﷾: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال: ٥٨]. أي: أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم.
ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى تكون عن إمارة تدل عليه. ولا يفعل ذلك إلا الإمام؛ لأن نقضها لخوف الخيانة يحتاج إلى نظر واجتهاد. فافتقر إلى الحاكم.
ومتى نقضها وفي دارنا منهم أحد وجب رده إلى مأمنه؛ لأنه فى خل بأمان. فوجب رده إلى مأمنه؛ كما لو أفرده بالأمان.
وإن كان عليهم حق استوفي منهم.
ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد؛ للآية.
(بخلاف) عقد (ذمة). فإنه ليس له نبذه إذا خاف من أهل الذمة الخيانة. والفرق: أن عقد الذمة آكد من عقد الهدنة؛ لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه، وهو نوع معاوضة وعقده مؤبد. بخلاف الهدنة والأمان. ولهذا لو نقضه بعضهم لم ينتقض عهد الباقين. بخلاف الهدنة (^١) .
ولأن أهل الذمة في قبضة الإمام وتحت ولايته ولا يخشى منهم ضرر كثير. بخلاف أهل الهدنة. فإنه يخشى منهم الغارة والضرر الكثير (^٢) .
(ويجب إعلامهم) أي: إعلام أهل الهدنة بنبذ العهد الذي بيننا وبينهم
(قبل الإغارة) عليهم، للآية.
_________________
(١) في ب: بخلاف أهل الهدنة.
(٢) في أ: الكبير.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
(ويَنْتَقِضُ عهد نساء وذرية) أي: نساء أهل الهدنة وذريتهم (تبعًا) لرجالهم؛"لأن النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهدهم (^١)، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم " (^٢) .
ولما هادن قريشًا فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم.
ولأن الهدنة عقد مؤقت ينتهى بانقضاء مدته. فيزول بنقضه وفسخه؛ كعقد الإجارة. بخلاف عقد الذمة.
(وإن نقضها) أي: نقض الهدنة (بعضهم) أي: بعض المهادنين، (فأنكر الباقون) على الناقضين وكان إنكارهم (بقول أو فعل ظاهرًا، أو كاتبونا) أي: كاتبنا الذين لم ينقضوا بنقض الناقضين: (أُقِرُّوا) أي: أقر من لم ينقض (بتسليم من نَقَض) إن قدر على ذلك، (أو تمييزه) أي: تمييز من نقض (عنهم) أي: عمن لم ينقض.
(فإن أبَوْهما) أي: أبوا التسليم والتمييز حال كونهم (قادرين) على واحد منهما: (انتقض عهدُ الكل) بذلك.
***
_________________
(١) في أ: عهده.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠٠٥) ٣: ١٥٧ كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب في خبر النضير. عن ابن عمر.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
] باب: عقد الذمة [
هذا (باب عقد الذمة).
والذمة لغة: العهد والضمان والأمان؛ لقوله ﷺ: " يسعى بذمتهم أدناهم " (^١) . وهي فِعلة من أذمَّه يذمه: إذا جعل له عهدًا.
ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الله.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وما روى المغيرة بن شعبة: "أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية " (^٢) . رواه البخاري.
وعن بريدة قال:" كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ﷾ في خاصة نفسه ومن معه (^٣) من المسلمين خيرًا. وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث:
ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (^٤) .رواه مسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢٧٥١) ٣: ٨٠ أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٩٨٩) ٣: ١١٥٢ أبواب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب.
(٣) في أ: ومعه.
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٧٣١) ٣: ١٣٥٧ كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث. . .
[ ٤ / ٤٣٩ ]
(ويجب) عقد الذمة (إذا اجتمعت شروطُه). وستأتي في الباب.
ومحل وجوبه: (ما لم تُخَفْ غائلتهم) أي: ما لم يخف منهم الغدر بتمكينهم من الإقامة بعقد الذمة في بلاد الإسلام.
(ولا يصح) عقد الذمة (إلا من إمام أو نائبه) أي: نائب الإمام؛ لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة.
ولأنه عقد مؤبد. فلا يجوز أن يفتات به على الإمام.
(وصفتُه) أي: وصفة عقد الذمة أن يقول الإمام ونائبه: (أقررتكم بجزية واستسلام. أو يبذلون ذلك) من أنفسهم (فيقول: أقررتكم عليه، أو نحوهما) أي: نحو هاتين الصفتين؛ كقوله: عاهدتكم (^١) على أن تقيموا بدارنا بجزية.
ولا يعتبر في العقد ذكر قدر الجزية في الأصح.
(والجزية: مال يؤخذ منهم) أي: من الكفار (على وجه الصَّغار) بفتح الصاد المهملة أي: على وجه الذلة والامتهان، (كل عام) أي: عن كل عام، (بدلًا عن قتلهم و) عن (^٢) (إقامتهم بدارنا) فإنهم لو لم يبذلوها لم يكف عنهم.
(ولا تُعقَد) أي: ولا يصح عقد الذمة (إلا لأهل الكتاب) أعني: (اليهود والنصارى) على اختلاف طوائفهم. والمراد بكتاب اليهود: التوراة، وبكتاب النصارى: الإنجيل.
(و) كذا (من يَدين بالتوراة؛ كالسامِرَة) فإنهم يدينون بشريعة موسى. وإنما يخالفون اليهود في فروع من دينهم.
(او) يدين بـ (الإنجيل؛ كالفِرِنْج والصابئين) والروم والأرمن. وكذا كل من انتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته. فإنه من أهل الإنجيل.
_________________
(١) في ب وج: عاهدتم.
(٢) في أ: على.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
ونقل عن الإمام أحمد في الصابئين رواية: بلغني أنهم يُسبتون. فإذا سبتوا فهم من اليهود.
ونقل عنه حنبل: من ذهب (^١) مذهب عمر فإنه قال: هم يسبتون، جعلهم بمنزلة اليهود. انتهى.
(أو من له شُبهة كتاب) يعني: أنه يصح عقد الذمة أيضًا لمن له شبهة كتاب؛ (كالمجوس) فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع. فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم، وأخذ الجزية منهم، ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم. هذا قول أكثر أهل العلم.
ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساوهم؛ لما روي عن علي أنه قال: " أنا أعلم الناس بالمجوس. كان لهم علم يعلَمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على بنته أو أخته. فاطلع علية بعض أهل مملكته. فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم. ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته فأنا على دين آدم.
قال: فبايعه قوم، وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم. فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، ورفع العلم الذي في صدورهم. فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وأراه قال وعمر منهم الجزية " (^٢) . رواه الشافعي وسعيد وغيرهما.
ولأن النبي ﷺ قال: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (^٣) .
] ولنا على أنهم ليسوا من أهل الكتاب قوله ﷾] ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦ [والمجوس من غير الطائفتين.
وقول النبي ﷺ: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " [(^٤): يدل على أنهم غيرهم.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه الشافعي في"مسنده" (٤٣٢) ٢: ١٣١ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الجزية.
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"٩: ١٨٩ كتاب الجزية، باب المجوس أهل كتاب والجزية تؤحذ منهم.
(٤) زيادة من ب.
[ ٤ / ٤٤١ ]
وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال: "ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى حدَّثه عبدالرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر" (^١) .
ولو كانوا أهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم. مع أمر الله ﷾ بأخذ الجزية] من أهل الكتاب.
وما روي عن علي فقال أبو عبيد: لا أحسبه محفوظًا.
إذا تقرر هذا فإن أخذ الجزية [(^٢) من أهل الكتابين والمجوس إذا لم يكونوا من العرب ثابت بالإجماع.
(وإذا اختار كافر لا تعقد له) الجزية (دينًا من هؤلاء) الثلاثة، (أُقِرَّ وعقدت له) الذمة على أخذ الجزية.
(ونصارى العرب ويهودُهم ومَجُوسُهم من بئي تغلب وغيرهم)، كمن تنصر من تنوخ وبهزا، أو تهود من كنانة وحمير، أو تمجس من بني تميم: (لاجزية عليهم ولو بذلوها).
قال في " الإنصاف " عند قوله في " المقنع ": ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب: ظاهر كلام المصنف: أنها لا تؤخذ منهم ولو بذلوها، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقطعوا به.
وفي " المغني " ومن تابعه احتمال: تقبل إذا بذلوها.
والأصل في ذلك ما روي " أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبوا وأنِفوا وقالوا: نحن عرب. خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقه. فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرعة:
يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية. فلا تُعِن
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٩٨٧) ٣: ١١٥١ أبواب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
عليك عدوك بهم، خذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم فردهم وضَّعف عليهم من الإبل في كل خمس شاتان، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعان، ومن كل عشرين دينار (^١) دينارًا، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخممس، وفيما سقي بنضح أو دولاب أو عزب العشر " (^٢) .
فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعًا. فلا يكون لإمام بعد عمر نقض عهدهم أو تجديد الجزية عليهم.
قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب؛ لأن عقد الذمة مؤبد.
وقد عقده (^٣) عمر"معهم هكذا. وعليه أكثر الأصحاب. واختار ابن عقيل جواز ذلك؛ لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. انتهى.
(ويؤخذ عوضها) أي: عوض الجزية (زكاتان من أموالهم) يعني: مثلي ما يؤخذ من المسلمين (مما) تجب (فيه زكاة) على ما ذُكر من فعل عمر. (حتى) أننا نأخذها (ممن لا تلزمه جزية).فنأخذها من أموال نسائهم وصغارهم ومجانينهم. (ومصرفُها) أي: مصرف هذه الزكاة المضعفة (كجزية) أي: مصرف الجزية على الأصح؛ لقول أحمد في رواية محمد بن موسى: تضاعف عليهم الجزية.
وعنه: أن مصرفها الزكاة؛ لقول أحمد في رواية ابن القاسم: إنما هي الزكاة، الصغير والكبير سواء.
(ولا جزية على صبي وامرأة)؛لأن الجزية بدل من القتل. وقتل الصبي والمرأة ممتنع.
ولأنهما ليسا من أهل القتال؛] لقوله ﷾ [(^٤): [قَاتِلُوا [التوبة: ٢٩ [والمقاتلة إنما تكون بين اثنين.
_________________
(١) في ج: دينارًا.
(٢) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (٧١) ص: ٣٢ كتاب سنن الفيء، باب أخذ الجزية من عرب أهل الكتاب.
(٣) في ب: عقد.
(٤) ساقط من ب.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
و"كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان " (^١) . رواه سعيد.
(ولو بذلتها) أي: بذلت المرأة الجزية (لدخول دارنا) فلا نأخذها.
(وتمكن) من دخول دارنا (مجانًا) أي: من غير شيء.
وإن كانت أعطت شيئًا رُدّ عليها؛ لأن من أدى مالًا يظن أنه عليه. فتبين أن لا شيء عليه وجب رده على من أداه؛ لتبين فساد القبض.
وإن بذلتها امرأة من غير سبب أُخبرت أنه لا جزية عليها. فإن قالت: أنا أتبرع بها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض. فإن شرطت ذلك على نفسها تم رجعت فلها ذلك.
(و) لا جزية على (مجنون، و) لا (قِنّ، و) لا (زَمِن، و) لا (أعمى، و) لا (شيخ فان، و) لا (راهب بصومعة)؛ لأنهم لا يقتلون. فلا تجب عليهم الجزية؛ كالنساء والصبيان.
(ويؤخذ) من الراهب مما بيده من مال (ما زاد على بُلغته) بضم الباء الموحده. فلا يبقى بيده إلا بلغته فقط. قاله الشيخ تقي الدين.
قال: ويؤخذ منهم ما لنا؛ كالرزق الذي للذيورة والمزارع إجماعًا.
قال: ويجب ذلك.
قال: ومن في تجارة أو زراعة وهو مخالط لهم أو معاونهم على دينهم؛ كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه إجماعًا وحكمه حكمهم بلا نزاع. انتهى.
وقوله: بصومعه: يقتضي أنه لو لم يكن مقيمًا بصومعته بل يتردد بين الناس ويخالطهم كأحدهم ويبيع ويشتري ويتكسب: أنه تؤخذ منه الجزية. وبذلك أفتى القاضي محب الدين بن نصر الله في رهبان بالقدس بهذه الصفة.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٩٣) ص: ٣٩ كتاب سنن الفيء، باب من تجب عليهه الجزية ومن تسقط عنه من الرجال والنساء.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
] (و) لا جزية على (حنثى)؛لأن الأصل براءة ذمته منها. (فإن بان) الخنثى (رجلًا أخذ) منه (للمستقبل) من الزمان (فقط) أي: دون قسط الزمن الماضي.
قال في "الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وقطع به من ذكره منهم.
وقا ل في "الفروع": ويتوجه وللما ضي. انتهى [(^١) .
(ولا) جزية (على دقير غير مُعتَمِل يعجز عنها)؛ " لأن عمر جعل الجزية على ثلات طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل". فدل على أن (^٢) غير المعتمل لا شيء عليه.
ولأن الله ﷾ قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولأن الجزية مال يجب بحلول الحول. فلم يلزم الفقير العاجز؛ كالزكاة.
(والغني منهم) أي: ممن تجب عليه الجزية: (مَن عدَّه الناس غنيًا).وليس ذلك بمقد؛ لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا. فيرجع فيه إلى العادة والعرف.
(وتجب على معتَق ولو لمسلم) على الأصح؛ لأنه حر مكلف موسر من أهل القتل. فلم يقر في دارنا بغير جزية؛ كالحر الأصلي.
إذا ثبت هذا فإن حكمه فيما يستقبل من زمن حريته، حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم.
(و) تجب الجزية على (مبَّعض بحسابه) أي: بقدر ما فيه من الحرية؛ لأنه حكم يتجزأ، يختلف بالرق والحرية. فينقسم على قدر ما فيه؛ كالإرث.
(ومن صار أهلًا) لأن تؤخذ منه الجزية، بأن بلغ الصبي، أو أفاق الجنون، أو استغنى الفقير أو عتق العبد (بأثناء حول: أُخد منه) عند تمام الحول (بقسطه) ولم يترك حتى يتم حوله؛ لئلا يحتاج إلى إفراده بحول، وربما
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
أفضى ذلك إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد.
ويكون الأخذ منه (بالعقد الأول) في الأصح؛ لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه تجديد عقد لهؤلاء.
ولأن العقد يكون مع ساداتهم. فيدخل فيه سائرهم.
ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد. فلم يحتج إلى تجديده لهم عند تغير (^١) أحوالهم.
(ويلفَّق من إفاقة مجنون حول، ثم يؤخذ) منه لذلك الحول الملفق في الأصح؛ لأن أخذها قبل ذلك أخذ للجزية قبل كمال حولها، وليس ذلك بجائز (^٢) .
(ومتى بذلوا ما) وجب (عليهم) من الجزية: (لزم قبوله) منهم.
(و) لزم (دفع من قصدهم بأذى: إن لم يكونوا بدار حرب. وحرُم قتلُهم وأخذُ مالهم) حتى ولو كانوا منفردين ببلد.
قال في"الترغيب":والمنفردون ببلد غير متصل ببلدنا يجب ذب أهل الحرب عنهم على الأشبه، ولو شرطنا أن لا نذب عنهمو لم يصح. انتهى، واقتصر عليه في "الفروع ".
(ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه) الجزية. نص عليه. وأنه يدخل في قوله:"من أسلم على شيء فهو له"؛ لأنها عقوبة لا أجرة عن السكنى.
وفي "الفنون":أنها عقوبة، وأن بقاء النفس مع الذل ليس بقيمة عند العقلاء. ومن عدَّ الحياة مع الذل نعمة فقد أخطأ طريق الإصابة.
وفي " الفنون " أيضًا عن القول بأنها عوض عن كف الأذى: لا بأس به.
وفي " الإيضاح": لا تسقط بإسلام.
ويدل للمذهب قوله ﷾: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ
_________________
(١) في أ: تغيير.
(٢) في أ: يجزئ.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس على المسلم جزية " (^١) .
رواه الخلال.
وقد ذكر ان أحمد سُئل عنه قال: ليس يرويه غير جرير.
قال: وقد روي عن عمر أنه قال: " إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه ".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج يعني:
الجزية ".
وروي " أن ذميًا أسلم فطولب بالجزية وقيل: إنما أسلم تعوذًا. قال إن في الإسلام معاذًا. فرفع إلى عمر فقال: إن في الإسلام معاذًا، وكتب: أن لا تؤخذ منه الجزية" (^٢) . رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى.
ولأن الجزية صَغار. فلا تؤخذ من مسلم؛ كما لو أسلم قبل الحول.
(لا إن مات) من وجبت عليه الجزية (أو جُنَّ، ونحوه)؛ كما لو عمى وقد حال الحول قبل ذلك. فإنها لا تسقط بشيء من ذلك؛ لأن الجزية دَين وجب (^٣)
عليه قبل موته أو جنونه أوعماه. فلم يسقط بشيء من ذلك؛ كديون الآدميين.
وفارق ذلك الإسلام فإنه الأصل. والجزية بدل عنه. فإذا أتى بالأصل استغنى عن البدل؛ كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم.
وفارق سقوط الحد بالموت؛ لتعذر استيفائه بفوات محله.
إذا تقرر هذا (فتؤخذ) الجزية (من تركة ميت، ومال حي.
و) أما إذا طرأ المانع (في أثنائه) أي: أثناء الحول. فإن الجزية لذلك الحول (تسقط)؛ لأن الجزية لا تجب ولا تؤخذ قبل كمال حولها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠٥٣) ٣: ١٧١ كتاب الخراج، باب في الذمي يسلم في بعض السنة هل عليه جزية.
(٢) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٢٢) ص: ٥٠ باب الجزية على من أسلم من أهل الذمة. . .
(٣) في ب: وجبت.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
(وتؤخذ) الجزية (عند انقضاء كل سنة)؛ لأنها مال يتكرر وجوبه بتكرر السنين. فلم يؤخذ قبل مضي سنة؛ كالزكاة.
(فإن انقضت سنون) ولم تؤخذ (استوفيت كلها) ولم تتداخل؛ لأن الجزية حق يجب في آخر كل حول. فلم تتداخل؛ كالدية على العاقلة.
(ويُمْتَهنون) أي: الذين يعطون الجزية (عند أخذها) منهم، (ويُطال قيامُهم، وتُجّرُّ أيديهم) عند ذلك وجوبًا؛ لقول الله ﷾: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وقيل: إن الصغار: التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم.
(ولا يُقبل) ممن وجبت عليه الجزية (إرسالُها)؛ لزوال الصغار، بل يحضر الذمي بنفسه ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس.
(ولا يَتداخل الصَّغار) يعني: من اجتمعت (^١) عليه جزية سنين وأريد استيفاؤها منه. فإنه يمتهن عند استيفاء الأولى، ثم يعاد امتهانه عند دفعه عن السنه الثانية، ثم كذلك إلى أن تستوفى كلها. .
(ولا يصح شرط تعجيله) أي. تعجيل الامتهان (^٢)، (ولا يقتضيه الإطلاق).
قال في "الفروع": قال أصحابنا: لأنّا (^٣) لا نأمن نقض أمانه فيسقط حقه من العوض. وعند أبي الخطا ب وغيره: يصح (^٤)، ويقتضيه الإطلاق. انتهى.
ولا يعذبون في أخذها ولا يشتط عليهم." فإن عمر أتي بمال كثير قال أبو عبيد: أحسبه الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس. قالوا: لا.
والله! ما أخذنا إلا عفوًا صفوًا. قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال:
الحمد الله الذي لم يجعل دلك على يدي ولا في سلطاني " (^٥) . رواه أبو عبيد.
_________________
(١) في ب: يعني: أن من وجبت.
(٢) ساقط من ب وج.
(٣) ساقط من أ.
(٤) زيادة من "الفروع "٦: ٢٦٣
(٥) أخرجه أبو عبيد في "الأموال " (١١٤) ص: ٤٦ كتاب سنن الفيء، باب اجتباء الجزية والخراج. . .
[ ٤ / ٤٤٨ ]
(ويصح أن يّشرط عليهم) أي: على المقيمين بدارنا من الكفار تحت الجزية (ضيافة من يمر بهم من المسلمين، و) علف (دوابهم)؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس:" أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته " (^١) .
قال ابن المنذر: وروي عن عمر: " أنه قضى على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلف دوابهم وما يصلحهم ".
وروي " أن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة
نفس في كل سنة (^٢)، وأن يضيفوا مت يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام " (^٣) .
ولأن في هذا ضربًا من المصلحة؛ لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسملمين إضرارًا بهم. فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك (^٤) .
(و) يصح (أن يكتفى بها) أي: بالضيافة (عن الجزية) في الأصح.
قال في "الإنصاف":لو جعل الضيافة مكان الجزية صح على الصحيح من"المذهب ". اختاره القاضي، واقتصر عليه في "المغني"، وقدمه في "الشرح" ونصره. انتهى.
ووجه المذهب: ما روي " أن عمر كتب لراهب من أهل الشام: إنني إن وليت هذه الأرض أسقطت عنك خراجك. فلما قدم عمر (^٥) الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابه فعرفه. وقال: إنني جعلت لك ما ليس لي. ولكن اختر إن شئت أداء الخراج، وإن شئت أن تضيف المسملمين فاختار الضيافة ".
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" عن الأحنف بن قيس " أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يشترط على أهل الذمه ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا قناطر وإن قتل بينهم قتيل فعليهم ديته ". ٩: ١٩٦ كتاب الجزية، باب الضيافة في الصلح.
(٢) في أ: نفس.
(٣) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٩: ١٩٤ كتاب الجزية، باب كم الجزية.
(٤) في أ: أمن من ذلك.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
لكن يشترط: أن تكون الضيافة يبلغ قدرها ما يقابل ما يجب عليهم من الدراهم والدنانير (^١) .
(و) إذا ثبت صحة ذلك: فإنه (يعتبر بيان قدرها) أي: قدر الضيافة،
(و) قدر (أيامها، وعدد من يُضاف) من الرجالة والفرسان. فيقول: تضيفون في كل سنة مائة يوم. في كل يوم عشرة من المسلمين، من خبز كذا، وأدم كذا. وللفرس من الشعير كذا، ومن التبن كذا؛ لأن ذلك من الجزية. فاعتبر العلم به؛ كالنقود.
ويعتبر له أيضًا: بيان ما ينزلهم فيه، وما على الغني والفقير.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب في ذلك كله، اختاره القاضي. وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وقدمه في " الفروع " و"الرعاية الكبرى ".
وقيل: يجوز إطلاق ذلك كله، وقدمه في " الكافي " واختاره.
وقيل: تقسم الضيافة على قدر جزيتهم. ذكره في " الرعاية ". انتهى.
وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع. فـ " إن عمر صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوها ركبانًا" (^٢) .
فإن لم يجدوا مكانًا فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل.
وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه. والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده.
فإن امتنع بعضهم من القيام مما يجب عليه أجبر عليه. فإن امتنع الجميع أجبروا. فإن. لم يمكن إلا بالقتال قوتلوا، فإن قاتلوا انتقض عهدهم.
(ولا تجب) عليهم ضيافة (بلا شرط) في الأصح.
_________________
(١) في ب: أو الدنانير.
(٢) سيأتى تخريجه ص (٤٥٦) رقم (٣).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وقيل: تجب يوم وليلة.
(وإذا تولى إمام. فعرف) فدر (ما عليهم) أي: على أهل الذمة من جزية، (أو قامت به بينة، أو ظهر) ما عليهم وكان عقد الإمام الذي قبله صحيحًا: (أقرهم عليه) ولم يحتج إلى تجديد عقد؛ لأن الخلفاء أقروا عقد عمر ولم يجددوا عقدًا سواه.
ولأن عقد الذمة مؤبد.
وإن كان فاسدًا رده إلى الصحة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن يعرف ما عليهم ولم تقم به بينة ولم يكن أمره ظاهرًا: (رجع إلى قولهم) أي: قول أهل الذمة، (إن ساغ) أي: إن كان يصلح أن يكون جزية على مثلهم.
(وله تحليفُهم مع تهمة) أي: مع اتهامه إياهم فيما يذكرونه.
(فإن بان) لَه بعد ذلك (نقص) أي: أنهم أخبروه بنقص عما كانوا يؤدونه] للإمام الأول (أخذه) أي: رجع به عليهم.
وإن قالوا: كنا نؤدي كذا وكذا جزية وكذا هدية استحلفهم يمينًا واحدة؛ لأن الظاهر فيما يدفععونه [(^١) أنه كله جزية.
وإن قال (^٢) بعضهم: كنا نؤدي دينارًا، وقال بعضهم: كنا نؤدي دينارين: أخذ كل واحد منهم بما أقر به. ولا يقبل قول بعضهم على بعض؛ لأن أقوالهم غير مقبولة. وهذا المذهب.
واختار أبو الخطاب: أنه إذا تولى إمام يستأنف العقد معهم.
وما يذكر عن بعض أهل الذمة من أن معهم كتاب النبي ﷺ بإسقاط الجزية عنهم لايصح.
وسئل ابن شريح عن ذلك فقال: لم ينقل ذلك أحد من المسلمين.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: وقال.
[ ٤ / ٤٥١ ]
وروي: أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتابًا ذكروا أنه بخط علي بن أبي طالب كتبه عن النبي ﷺ، وأن فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية فوجد تاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية. فاستدل بذلك على بطلانه.
(وإذا عقدها) أي: عقد الإمام الذمة مع الكفار (كتب أسماءهم وأسماء آبائهم) فيكتب فلان بن فلان الفلانى، (وحُلاهم) جمع حلية. فيكتب طويل أو قصير أو رَبْعة، أو أسمر أو أخضر أو أبيض، مقرون الحاجبين أو مفروقهما، أدعج العين، أو أقنى الأنف، أو ضدهما. ونحو ذلك من الصفات اللازمة التي يتميز بها كل واحد عن الآخر.
(ودينهم) فيكتب يهودي أو نصرانى أو مجوسي.
(وجعل لكل طائفة عريفًا) يجمعهم عند أداء الجزية، و(يكشف حال من تغير حاله) فيعلمنا بمن بلغ من غلمانهم، أو أفاق من مجانينهم، أو استغنى من فقرائهم، وبمن يسافر أو يموت أو يسلم منهم؛ لأن ذلك أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط. وبمن سقطت عنه الجزية؛ كعمى أو نحوه.
(أو نقَض العهد، أو خرَق شيئًا من الأحكام) أي: أحكام الذمة؛ ليفعل فيه الإمام ما يجب عليه.
ومن أُخذت منه الجزية فأراد أن يُكتب له براءة بذلك ليكون له حجة إذا احتاج إليها أجيب (^١) .
والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
] باب: أحكام أهل الذمة [
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام أهل الذمة.
(على الإمام) أي: يلزمه (أخذُهم) أي: أخذ أهل الذمة (بحكم الإسلام في) ضمان (نفس ومال وعرض، و) في (إقامة حد فيما يحرمونه) أي: يعتقدون تحريمه؛ (كزنى. لا فيما يحلونه) أي: يعتقدون حله؛ (كـ) شرب (خمر)؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بشرطين:
أحدهما: بذل الجزية.
والثانى: التزام أحكام مله الإسلام من حقوق الآدميين في العقود، والمعاملات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات.
فإن عقد على غير هذين الشرطين لم يصح؛ لقول الله ﷾: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قيل الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم.
فمن قتل أو قطع طرفًا، أو تعدى على مال، أو قذف، أو سب مسلمًا أو ذميًا: أخذ بذلك. وكذا لو زنى أو سرق مال مسلم أو ذمي: أقيم عليه الحد بشرطه؛ لما روى أنس"أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها. فقتله رسول الله ﷺ " (^١) .متفق عليه.
وروى ابن عمر"أن النبي ﷺ أتُي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٤٨٥) ٦: ٢٥٢٢ كتاب الديات، باب من أقاد بالحجر. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (١٦٧٢) ٣: ١٢٩٩ كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره. . .
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٤٥٠) ٦: ٢٥١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة؛ باب =
[ ٤ / ٤٥٣ ]
ولأن الزنا محرم في دينه، وقد التزم حكم الإسلام.
وأما ما يعتقدون حله؛ كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم للمجوس: فيقرون عليه، ولا حد عليهم فيه؛ لأنهم يعتقدون حله.
ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم جرمًا وإثمًا من ذلك. إلا أنهم يمنعون من إظهاره بين المسلمين؛ لأنهم يتأذون بذلك.
(ويلزمهم) أي: أهل الذمة (التميُّز عنا بقبورهم) تمييزًا ظاهرًا؛ كالحياة وأولى. ذكره الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في "الفروع". وذلك: بأن لا يدفنون أحدًا منهم في مقابرنا.
(و) يلزم التميز عنا أيضًا (بحلاهم. بحذف مقدَّم رؤوسهم) وهو: حذف الشعر عن مواضع التحذيف، وهو الشعر الذي بين العذار والنزعتين.
(لا كعادة الأشراف) وهو: أن يتخذوا شوابير.
(وأن لا يفرقوا شعورهم) وهو: أن تكون شعور رؤوسهم جمة. ولا يفرقوه؛ لأن الفرق من سنة المسلمين (^١) .
والأصل في ذلك ما رواه الخلال بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قال:"كتب أهل الجزية إلى عبدالرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا. على أنا شرطنا ذلك على أنفسنا: أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديرًا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نأوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا، وان لا نكتم أمر من غش المسلمين، وألا نضرب ناقوسًا إلا ضربًا خفيًا (^٢) في جوف
_________________
(١) = أحكام أهل الذمة وإحصانهم. . . وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٦٩٩) ٣: ١٣٢٦ كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى. في ج: المرسلين.
(٢) في أ: خفيفًا.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا،] ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، ولا نخرج صليبنا [(^١) ولا كتابنا في سوق المسلمين،] وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا [(^٢) مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركًا، ولا نُرغّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نتخذ شيئًا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، وأن لا (^٣) نمنع أحدًا من أقاربنا إذا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيب ما كنا،] وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم [(^٤)، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رووسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد بالسيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلمًا في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر (^٥) سبيل ثلاثه أيام، ونطعمه من أوسط ما نجد. ضمنّا على ذلك أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا. وإن نحن غيّرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه: فلا ذمة لنا. وقد حل لكم (^٦) منا (^٧) ما يحل لأهل المعاندة والشقاق. فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر ابن الخطاب. فكتب له (^٨) عمر: أن امض لهم ما سألوا، وألحق فيه حرفين
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في أ: ولا.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في الأصول: جائز. وما أثبتناه من " الشرح الكبير " ١٠: ٦١٤
(٦) في ب: لك.
(٧) ساقط من أ.
(٨) في أ: لهم.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومن ضرب مسلمًا فقد خلع عهده. فأنفذ عبدالرحمن بن غنم ذلك. وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط " (^١) .
فلهذا يلزمهم التميز (^٢) عن المسلمين في شعورهم، بحذف مقادم رووسهم، ويجزون شعورهم، ولا يفرقونها؛ " لأن النبي ﷺ فرق شعره " (^٣) .
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضًا (بكناهم وألقابهم. فيمنعون) من التكني بكنى المسلمين، (نحو: أبي القاسم)، وأبي عبدالله.
(و) من أن يتلقبوا بألقاب المسلمين نحو: (عز الدين)، وزين الدين.
ولا يمنعون الكنى بالكلية. فإن أحمد قال لطبيب: يا أبا إسحاق، وقال " أليس النبي ﷺ حين دخل على سعد بن عبادة قال: ألا ترى ما يقول أبو الحباب ".
وقال لأسقف نجران: " أسلم يا أبا الحارث ".
وقال عمر لنصراني: " يا أبا حسان أسلم تسلم ".
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضًا (بركوبهم عَرْضًا) رجلاه إلى جانب وظهره إلى جانب.
(بإكَاف على غير خيل)؛ لما روى الخلال " أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض " (^٤) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٩: ٢٠٢ كتاب الجزية، باب الإمام يكتب كتاب الصلح على الجزية.
(٢) في ج: التمييز.
(٣) روى ابن عباس ﵄" أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله ﷺ رأسه ". أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٣٦٥) ٣: ١٣٠٥ كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ.
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٣٧) ص: ٥٥ باب الجزية كيف تجتبى.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضًا (بلباس) ثوب (^١) (عسلي ليهود، و) لباس ثوب (أدكن وهو: الفاخِتيُّ لنصارى. وشدُّ خرق بقلانسهم وعمائمهم، و) شد (زُنَّار فوق ثياب نصراني وتحت ثيادب نصرانية.
ويُغاير نساء كل) من اليهود والنصارى (بين لونَي خُفٍ)؛ ليحصل التميز بذلك بين المسلم والذمي، وبين المسلمة والذمية.
ولا يمنعون فاخر الثياب ولا العمائم والطيلسان؛ لحصول التميز بالغيار والزنار.
(و) يلزمهم (لدخول حمامنا):أن يتميزوا بـ (جُلْجُل أو خاتم رصاص، ونحوه)؛ كخاتم حديد وطوق من نحو ما تقدم (برقابهم) يدخلون به الحمام. (ويحرُم قيام لهم) أي: لأهل الذمة (ولمبتدع يجب هجره، وتصديرُهم)
في المجالس على الأصح.
وعنه: يجوز ذلك لأهل الذمة لمصلحة راجحة؛ كرجاء إسلامهم. اختاره الشيخ تقي الدين، ومعناه اختيار الآجري، وأنه قول العلماء (^٢) يعاد ويعرض عليه الإسلام.
ونقل أبو داود " إن كان يريد يدعوه إلى الإسلام فنعم.
ويدعو بالبقاء وكثوه المال والولد. زاد جماعة: قاصدًا كثرة الجزية.
وقد كره أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه؛ لأنه شيء فرغ منه.
(و) يحرم أيضًا (بداءتهم بسلام، وبـ: كيف أصبحت، أو): كيف (أمسيت، أو): كيف (أنت، أو):كيف (حالك، وتهنئتُهم، وتعزيتُهم، وعيادتُهم، وشهادة أعيادهم)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:"لا تبدووا (^٣) اليهود والنصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في الطريق
_________________
(١) في أ: برد.
(٢) في أ: الإمام.
(٣) في أ: تبتدأوا.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
فاضطروهم إلى أضيقها " (^١) .أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله: تكره أن يقول الرجل للذمي: كيف أصبحت، أو كيف أنت، أو كيف حالك؛ قال: نعم أكرهه. هذا عندي أكبر من السلام.
وأما تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم فهي في معنى السلام.
(لا بيعنا لهم) شيئًا (فيها) أي: في أعيادهم؛ لأن ذلك ليس فيه تعظيم لهم.
(ومن سلَّم على ذمي) لا يعلم أنه ذمي، (ثم علمه) ذميًا (سُن قوله) له:
(رُدَّ عليَّ سلامي)؛لما روي عن ابن عمر" أنه مرَّ على رجل فسلم عليه. فقيل: إنه كافر. فقال: ردَّ عليَّ ما سلمت عليك. فرد عليه. فقال: أكثر الله مالك وولدك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أكثر للجزية ".
وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبدالله فقلت: نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون أنسلم عليهم؛ قال: نعم. تنوي السلام على المسلمين. وسُئل عن مصافحة أهل الذمة. فكرهه.
(وإن سلَّم ذمي) على مسلم (لزم ردُّه. فيقال) له: (وعليكم)؛لما روى أحمد بإسناده عن أنس أنه قال: " نهينا أو أمرنا ألا نزيد أهل الكتاب (^٢) على: وعليكم " (^٣) .
وعند الشيخ تقي الدين: يرد مثل تحيته فيقول: وعليك مثل تحيتك، وأنه يجوز أن يقال للذمي: أهلًا وسهلًا.
(وإن شمَّته كافر) أي: شمت الكافر مسلمًا عند عطاسه (أجابه) المسلم
بـ: يهديك الله.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "جامعه" (١٦٠٢) ٤: ١٥٤ كتاب السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب.
(٢) في ب: الذمة.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٢١٣٦) ٣:١١٣
[ ٤ / ٤٥٨ ]
وأما إن عطس الذمي فقد روي عن أبي موسى: " أن اليهود كانوا يتعاطسُون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحميهمُ الله. فكان يقول لهم: يهديكم الله ويصلحُ بالَكُم " (^١) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.
(وتُكره مصافحته) أي: يصافح المسلم ذميًا. وتقدم نص أحمد على كراهة ذلك.
***
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (٥٠٣٨) ٤: ٣٠٨ كتاب الأدب، باب كيف يشمت الذمي. وأخرجه الترمذي في "جامعه" (٢٧٣٩) ٥: ٧٥ كتاب الأدب، باب ما جاء كيف تشميت العاطس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٩٥١٠) ٤: ٤٠٠.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
[فصل: ما يمنع منه أهل الذمة]
(فصل. ويُمنعون) أي: يمنع أهل الذمة (من حمل سلاح، و) من (ثِقَاف، و) من (رمي ونحوها) أي: نحو هذه الأشياء، كلعب برمح ودبوس.
وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله ﷾.
قال مهنا: سألت أبا عبدالله: هل يكره للمسلم أن يعلم غلامًا مجوسيًا شيئًا من القرآن؟ قال: إن أسلم فنعم، وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه.
قلت: فنعلمه أن يصلي على النبي ﷺ قال: نعم.
(و) يمنعون أيضًا من (تعلية بناء فقط) على الأصح (على مسلم ولو رضي) جاره المسلم بتعليته عليه؛ لأنه لو قبل بسقوط الحق برضاه لسقط حق من يحدث بعده، وليس بجائز، لقولهم في شروطهم: " ولا نطلع عليهم في منازلهم " (^١) .
ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الإسلام يَعلو ولا يُعلى (^٢) " (^٣) .
ولأن في تعليه بنائهم تعلية رتبة على المسلمين. فمنعوا منه؛ كما منعوا التصدير في المجالس.
قال في "الفروع": لاصَقَه أو لا.
وفي " شرح المقنع ": إنما يمنع من تعليته على بناء المسلم المجاور له لا من تعليته على من ليس بمجاور له، لأن الضرر إنما يحصل على المجاور دون غيره.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٥٦) رقم (٣).
(٢) في أ: يعلى عليه.
(٣) ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا ١: ٤٥٤ كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه. . . وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٢٠٥ كتاب اللقطة، باب ذكر بعض من صار مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
وقولي: فقط يعني: أنه لا يمنع من مساواة بناء جاره المسلم على الأصح؛ لأن ذلك لا يفضي إلى علو الكفر.
(و) متى فعل فإنه (يجب نقضه)؛ لما في ذلك من حق الله ﷾؛ لقوله ﷺ: " الإسلام يعلو ولا يعلى " (^١) .
(ويضمن ما تلف به) أي: بالبناء المعلى (قبله) أي: قبل نقضه؛ لتعديه بالتعلية؛ لعدم إذن الشارع فيها.
(لا إن ملكوه) أي: لا إن ملكوا بناء عاليًا (من مسلم) فإنه لا يجب نقضه؛ لأنهم ملكوه على هذه الصفة، ولم تحصل منه تعلية.
(ولا يُعاد عاليًا) ما ملكوه من صعسلم عاليًا (لو انهدم)؛لأنه بعد انهدامه كان كأن لم يوجد.
(ولا) ينقض بناوهم (إن بنى) مسلم (دارًا عندهم) أي: في محلتهم (دون بنائهم) في الأصح؛ لأنهم لم يعلوا بناءهم على بناء المسلم.
(و) يمنعون أيضًا (من إحداث كنائس، وبيَع) جمع: بيعة، (ومجتمع) أي: ومحل يجتمعون فيه (لصلاة) في شيء من أرض المسملمين. سواء كانت مما مَصّره المسلمون؛ كالبصرة وبغداد وواسط، أو مما فتحه المسلمون عُنوة؛ كالشام ومصر.
ولا يجوز صلحهم على إحداث كنيسة بمكان من أرض المسلمين.
والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال:" أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا أن يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتخذوا فيه خنزيرًا " (^٢) . رواه الإمام أحمد واحتج به.
ولأن أراضي المسملمين ملك لهم. فلا يجوز أن يبنوا فيها مجامع للكفر.
_________________
(١) سبق قريبًا.
(٢) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٩: ٣٠١ كتاب الجزية، باب يشترط عليهم أن لا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسه ولا مجمعًا. . .
[ ٤ / ٤٦١ ]
وما وجد في هذه البلاد من الكنائس والبيع مثل: كنيسة الروم في بغداد.
فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه؛ وذلك لأن ما فتحه المسلمون من بلاد الكفار وفيه بيع أو كنيسة أو بيت نار لم يجب هدمه على الأصح؛ لأن الصحابة فتحوا كثيرًا من البلاد عنوة. فلم يهدموا شيئًا من ذلك.
ويشهد لصحة ذلك وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم أنهم لم يحدثوا شيئًا من ذلك. فيلزم أن تكون موجودة حين الفتح وأبقيت (^١) .
(و) كذا حكم إحداث (صومعة لراهب)؛لأن في حديث عبدالرحمن بن غنم:" وأن لا نحدث قلاية ولا صومعة لراهب " (^٢) .
(إلا إن شُرط) علينا أن يحدثوا ذلك أو شيئًا منه (فيما فُتح صلحًا على أنه) أي: أن البلد المفتوح (لنا) ونقره معهم بالخراج؛ لأنا لم نفتحها إلا على هذا الشرط. فوجب الوفاء به.
(و) يمنعون أيضًا (من بناء ما استُهدم أو هُدم ظلمًا منها) أي: مما منعوا من إحداثها (ولو) كان ما استهدم أو هدم ظلمًا (كلها) على الأصح؛ (كـ) ما يمنعون من (زيادتها) أي: زيادة ما منعوا من إحداثها؛ لأن في كتاب أهل الجزية لابن غنم: "ولا نجدد ما خرب من كنائسنا " (^٣) .
ولما روى كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: " لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها " (^٤) .
ولأن إعادتها بناءُ كنيسة أو بيعة في دار الإسلام. فلم يجز؛ كما لو ابتدأ بناوها.
(لا رَمِّ شعثها) يعني: أنهم لا يمنعون رم شعث الكنائس والبيع والصوامع القديمة؛ لأنهم لما ملكوا استدامتها ملكوا رم شعثها.
_________________
(١) في أ: وأثبتت.
(٢) سبق تخريجه ص (٤٥٦) رقم (٣).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٥٦) رقم (٣).
(٤) ذكره المتقي الهندي في"كنز العمال" (١١٢٨٧) ٤: ٤٣٥ وقال: رواه الديلمي عن ابن عمر.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
(و) يمنعون أيضًا (من إظهار مُنكر)، كنكاح المحارم.
(و) إظهار (عيد، و) إظهار (صليب، و) إظهار (أكل وشرب بـ) نهار (رمضان، و) إظهار (خمر وخنزير. فإن فعلوا) أي: أظهروهما (أتلفناهما. و) يمنعون أيضًا من (رفع صوت على ميت، وقراءة قرآن، و) إظهار (ضرب ناقوس، وجهر بكتابهم)؛ لأن في شروطهم لابن غنم: " وأن لا نضرب ناقوسًا إلا ضربا خفيًا (^١) في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبًا ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانين، ولا نرفيع أصواتنا مع موتانا، وأن لا نجاورهم بالخنازير (^٢)، ولا نظهر شركًا" (^٣) .
وقاس الشيخ تقي الدين على ذلك إظهار الأكل والشرب بنهار رمضان؛ لما فيه من المفاسد.
(وإن صُولحوا في بلادهم) أي: فيما فتح صلحًا على أن الأرض لهم (على جزية أو خَراج: لم يمنعوا شيئًا من ذلك) أي: من جميع ما قلنا أنهم يمنعون منه؛ لأنهم في بلادهم. أشبهوا أهل الحرب في زمن الهدنة.
(ويمنعون) أي: الكفار مطلقًا. سواء كانوا مستأمنين أو ذميين، (دخول حرم مكة)؛ لقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
والمراد به الحرم (^٤) بدليل قوله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].وإنما أسري به من بيت أم هانئ وهو خارج المسجد.
_________________
(١) في ب: خفيفًا.
(٢) في ب: بالجنائز.
(٣) سبق تخريجه ص (٤٥٦) رقم (٣).
(٤) في ب: الحرام.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
وإنما منع من الحرم دون الحجاز؛ لأن الحرم افضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها؛ لأنه محل النسك (^١) . فوجب أن يمنع منه من لا يؤمن به.
ولأن هذه الآية نزلت واليهود بالمدينة وخيبر، وغيوهما من أرض الحجاز ولم يمنعوا من الإقامة به.
وكان أول من أجلاهم من الحجاز عمر.
ولأن الحرم له شرف على غيره بتحريم شجره وصيده وأحترام الملتجئ إليه. فلا يصح قياس غيره عليه.
ولا يمكنون من دخوله (ولو بذلوا مالًا) على ذلك. يعني: أنه متى صالحهم الإمام على دخول الحرم بمال فالصلح باطل. لكنهم إن دخلوا إلى إنتهاء ما صولحوا على دخوله ملك عليهم جميع العوض المصالح به، ولا يرد عليهم منه شيء؛ لأنهم قد استوفوا ما صالحهم عليه. وإن لم يستوفوا دخولهم إلى الموضع الذي صالحوا عليه. (وما استوفي من الدخول ملك ما يقابله من المال) المصالح عليه في الأصح.
قال في " شرح المقنع ":ويحتمل أن يرد عليهم العوض بكل حال؛ لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض؛ لبطلانه.
(لا المدينة) يعني: فإن الكفار لا يمنعون من دخول حرمها؛ لأن الآية نزلت واليهود بالمدينة ولم يمنعهم النبي ﷺ ولم يأمرهم بخروجهم عند نزولها.
ويعم منع الكفار من دخول حرم مكة (حتى غير مكلف) من صغير ومجنون، (و) حتى (رسولهم) أي: رسول الكفار إذا جاء من عندهم إلى الإمام والإمام بالحرم.
(ويخرج إليه) الإمام إن أبى الرسول من أداء الرسالة إلا له. ولم يُمكّن من الدخول؛ للآية.
(ويعزَّر من دخل) حرم مكة من الكفار مع علمه بالمنع (لا جهلًا) ويهدد،
_________________
(١) في ب: للنسك.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
(ويخرج ولو) كان مريضًا أو (ميتًا. ويُنبش إن دفُن به) أي: بحرم مكة ويخرج منه (ما لم يَبْلَ)؛ لأنه إذا وجب إخراجه حيًا فإخراج جيفته أولى.
وإنما جاز دفنه بالحجاز سوى حرم مكة؛ لأن خروجه من حرم مكة إلى الحل سهل ممكن؛ لقرب الحل منه. وخروجه من أرض الحجاز إلى غيرها وهو مريض أو ميت صعب ممتنع؛ لبعد المسافة.
(و) يمنع الكفار أيضًا (من إقامة) أي: من أن يقيموا (بالحجاز؛ كالمدينة، واليمامة، وخيبر، واليَنبُع، وفَدَك) بفتح الفاء والدال المهملة، قرية بينها وبين المدينة يومان (ومَخَاليفها) وهي: القرى المجتمعة؛ كالرساتيق (^١) . واحدها مخلاف. وسمي الحجاز حجازًا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
قال في " الفروع ":وهو مكة والمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفَدَك ومخاليفها.
وقال شيخنا: منه تبوك ونحوها، وما دون المنحنى وهو عقبة الصوّان من الشام؛ كمعان. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع النبي ﷺ ويقول:
" لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلمًا" (^٢) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبن عباس قال:"أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه، وسكت عن الثالثة " (^٣) . رواه أبو داود.
_________________
(١) في ب: كالرستاق.
(٢) أخرجه الترمذي في"جامعه" (١٦٠٧) ٤: ١٥٦ كتاب السير، باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى مت جزيرة العرب.
(٣) أخرجه أبو داود في"سننه" (٣٠٢٩) ٣: ١٦٥ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إخراج اليهود من جريرة العرب.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وجزيرة العرب: ما (^١) بين الوادي إلى أقصى اليمن (^٢) . قاله سعيد بن عبد العزيز.
وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولًا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا.
وقال أبو عبيدة: هي حفر أبي موسى إلى اليمن طولًا، ومن رمل تبرين (^٣) إلى منقطع السماوة عرضًا.
وقال الخليل: إنما قيل لها جزيرة؛ لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها. ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها.
قال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها.] يعني: أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها] (^٤) .
وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن ولا من فَيد بفتح الفاء، وهي: قرية بشرقي سلمى أحد جبلي طيء.
(ولا يدخلونها) أي: الأماكن التي قلنا؛ لأنهم يمنعون من الإقامة بها (إلا بإذن الإمام).
قال في "الفروع": ولهم دخوله، والأصح بإذن إمام (^٥) .انتهى.
وذلك لأن دخولهم الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام، لا (^٦) يجوز إلا بإذن الإمام. فيأذن لهم إذا رأى المصلحة فيه. وقد كان الكفار يتّجرون إلى المدينة في زمن عمر.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: الوادي.
(٣) في ب: بيرين.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في أ: الإمام.
(٦) في أ: ولا.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
وقد روي"أنه أتاه شيخ بالمدينة فقال له: أنا الشيخ النصرانى وإن عاملك عشرنى مرتين. فقال له عمر: وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عفر: أن لا يعشروا في السنة إلا مرة" (^١) .
(ولا يُقيمون لتجارة بموضع واحد، أكثر من ثلاثة أيام) في الأصح.
وقيل: أربعة.
ووجه الأول: أنه المروي عن عمر.
(ويوكّلون في) المطالبة والقبض لدين (^٢) (مؤجل، ويُجبر من لهم عليه).
دين (حّال على وفائه) لهم. (فإن تعذر) وفاؤه لمطل أو تغيب أو نحوهما (جازت إقامتُهم له) أي: لاستيفاء دينهم؛ لأن التعدي من غيرهم وفي إخراجهم قبل استيفائه ذهاب مالهم.
(ومن مرض) من الكفار ببلد من بلاد الحجاز (لم يخرج) أي: لم يلزمه أن يخرج (حتى يبرأ) من مرضه؛ لمشقة الانتقال على المريض.
(وإن مات دُفن به) أي: بالبلد الذي مرض فيه من الحجاز؛ لأنه لما جازت له الإقامة مع المرض كان جواز دفنه فيه إذا مات أولى.
ولا يمنعون من الإقامة بتيماء وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.
(وليس لكافر دخول مسجد ولو أذن) له (مسلم) على الأصح؛"لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله. فقال له عمر: ادع الذي كتبه ليقرأه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: ولم لا يدخل؟ قال: إنه نصرانى. فانتهره عمر (^٣) ".
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٩: ٢١١ كتاب الجزية، باب لا يؤخذ منهم ذلك في السنة إلا مرة واحدة إلا أن يقع. وأخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٦٨٤) ص: ٤٧٩ باب ما يأخذ العاشر من صدقة المسلمين وعشور أهل الذمة والحرب.
(٢) في أ: وقبض الدين.
(٣) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٩: ٢٠٤ كتاب الجزية، باب لا يدخلون مسجدًا بغير إذن.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
وهذا يدل على اتفاق منهم على أن الكافر لا يدخل المسجد.
وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقريره عندهم.
ولأن حدث الحيض والجنابة يمنع الإقامة في المسجد فحدب الكفر أولى.
قال في "الفروع": وعنه: يجوز كاستئجاره لبنائه. ذكره شيخ المذهب.
ثم منهم من أطلقها، ومنهم من قال: لمصلحة، ومنهم من قال: بإذن مسلم، ومنهم من اعتبرهما، وكلام القاضي: يجوز ليسمعوا الذكر فترق قلوبهم ويرجى إسلامهم.
واحتج بما رواه أحمد وأبو داود والإسناد جيد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص: "أن وفد ثقيف قدموا على النبى ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، واشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا. فقال النبى ﷺ: لا يحشروا ولا يعشروا، ولا خير في دين لا ركوع فيه" (^١) . انتهى.
(ويجوز استئجاره) أي: استئجار الكافر (لبنائه) أي: لبناء المسجد.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(والذمي) التاجر (ولو أنثى صغيرة) من الذميين أو من لا تجب عليه الجزية لزمانة أو غيرها، (أو) كان (تغلبيًا) على الأصح (إن اتجر إلى غير بلده ثم عاد، ولم يؤخذ منه الواجب فيما سافر إليه من بلادنا: فعليه نصف العشر مما معه). سواء كان سفره إلى الحجاز أو غيره؛ لما روى أبو عبيد في "كتاب الأموال " بإسناده عن لاحق بن حميد: "أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها. في كل عشرين درهمًا درهًا" (^٢) . وهذا كان بالعراق واشتهر وعمل به الخلفاء بعده، ولم ينكر فكان إجماعًا.
وعلم مما تقدم: أن العاشر لا يأخذ منهم شيئًا من غير مال التجارة. فلو مر
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠٢٦) ٣: ١٦٣ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٩٤٢) ٤: ٢١٨.
(٢) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٦٥٤) ص: ٤٧٤ باب ذكر العاشر وصاحب المكس. . .
[ ٤ / ٤٦٨ ]
بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شيء نص عليه أحمد. إلا ان تكون الماشية للتجارة. فيؤخذ منها نصف العشر.
(ويمنعه) أي: يمنع وجوب نصف العشر (دين؛ كزكاة) يعني: كما يمنع الدين وجوب الزكاة.
ومحل ذلك: (إن ثبت) الدين (ببينة)؛لأنه لا يقبل قوله فيه فلا يصدق.
(ويصدَّق) في: (أن جارية معه أهله) أي: زوجته، (أو) أنها (بنته ونحوهما) على الأصح؛ لتعذر إقامة البينة على ذلك.
ولأن الأصل عدم ملكه لها. فلا يؤخذ منه نصف عشر قيمتها.
ما يؤخذ من التاجر الحربي (ويؤخذ مما مع حربى اتَّجر إلينا العشر)؛ " لأن عمر أخذ من أهل الحرب العشر " (^١) .
واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل بذلك الخلفاء بعده والأئمة في كل عصر من غير نكير فكان إجماعًا.
و(لا) يؤخذ العشر ولا نصفه (من أقل من عشرة دنانير معهما) أي: مع الذمي والحربي على الأصح.
وذللى لأن العشرة مالًا يبلغ واجبه نصف دينار. فوجب فيه؛ كالعشرين في حق المسلم.
ولأنه مال معشور. فوجب فيه العشرة منه؛ كمال الحربي.
(ولا) يؤخذ (أكثر من مرة كل عام). نص عليه أحمد؛ لما روي بإسناده قال:" جاء شيخ نصرانى إلى عمر فقال: إن عاملك عشرنى في السنة مرتين.
_________________
(١) أخرج البيهقي في "السنن الكبرى" عن أنس بن سيرين أخي محمد ين سيرين قال:" جعل عمر بن الخطاب ﵁ أنس بن مالك عى صدقة البصرة. فقال لي أنس بن مالك: أبعثك على ما بعثنى عليه عمر بن الخطاب رضي إدله عنه. فقلت: لا أعمل ذلك حتى تكتب لي عهد عمر بن الخطاب الذي عهد إليك. فكتب لي: أن خذ من أموال المسلمين ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة إذا اختلفوا للتجارة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب العشر " ٩: ٢١٠ كتاب الجزية، باب: ما يؤخذ من الذمي إذا اتجر في غير بلده، والحربي إذا دخل بلاد المسلمين بأمان.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
قال: ومن أنت (^١)؟ قال: أنا الشيخ النصرانى. قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. ثم كتب إلى عامله: أن لا يعشروا في السنة إلا مرة " (^٢) .
ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة. فكذلك هذا.
ومتى أخذ منهم ذلك مرة كتب لهم حجة بأدائهم؛ ليكون وثيقة لهم، وحجة على من يمرون عليه. فلا يعشرهم مرة ثانية. إلا أن يكون معه أكثر من المال الأول. فيأخذ من الزيادة؛ لأنها لم تعشر، وذلك لأن العشر حق يؤخذ من التجارة. فلا يؤخذ في السنة إلا مرة؛ كنصف العشر من الذمي.
(ولا يُعشَّر ثمن خمر و) لا ثمن (خنزير) على الأصح. نص عليه أحمد.
وبه قال عمر بن عبدالعزيز وأبو عبيد وأبو ثور.
قال عمر بن عبدالعزيز: " الخمر لا يعشرها مسلم " (^٣) .
قال أبو عبيد: ومعنى قول عمر: ولُّوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن: أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها. فأنكره عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها.
وروى بإسناده عن سويد بن غفلة: "أن بلالًا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج. فقال: لا تأخذوها، ولكن ولُّوهم بيعها وخذوا من الثمن " (^٤) .
(وعلى الإمام حفظُهم) أي: حفظ أهل الذمة، (ومنع من يؤذيهم) من المسلمين. ومن مثلهم من أهل الذمة ومن أهل الحرب؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم. ولهذا قال علي: " إنما بذلوا الجزية؛ ليكون دمائهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا ".
_________________
(١) في ج: أين أنت.
(٢) سبق تخريجه ص (٤٦٧) رقم (١).
(٣) أشار إلى قول عمر بن عبدالعزيز هذا أبو عبيد في"الأموال"ر."الأموال"ص: ٥٣.
(٤) أخرجه أبو عبيد في"الأموال" (١٢٩) ص: ٥٢ باب أخذ الجزية من الخمر والخنزير.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
وقال عمر في وصيته للخليفة بعده: " وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرًا: أن يوفي لهم بعهدهم، ويحاظر من ورائهم ".
(و) على الإمام أيضًا (فُك أسراهم). سواء كانوا في معرفتنا أو لم يكونوا؛ لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم. فلزمنا القتال من ورائهم والقيام دونهم. فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصمهم لزمنا، ولكن (بعد فك أسرانا)؛لأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد، وهو معرض للفتنة عن دين الحق. بخلاف أهل الذمة.
(وإن تحاكموا) أي: أهل الذمة (إلينا) بعضهم مع بعض، (أو) تحاكم إلينا (مستأمنان باِّتفاقهما، أو استعدى ذمي على) ذمي (آخر: فلنا الحكم و) لنا (الترك) أي: أننا بالخيار بين الحكم بينهم وبين ترك الحكم بينهم؛ لقول الله سبحانه وتعا لى: [فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ t [المائدة: ٤٢].
ولأنهما كافران. فلم يجب الحكم بينهم؛ كالمتشاحنين إن لم يتفقا على أن يتحاكما إلينا على الأصح.
وإذا اختار الحكم بينهم لم يحكم إلا بحكم الإسلام؛ لقول الله ﷾: [وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة: ٤٢].
(ويحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه) أي: تحريم السبت على اليهود (باق) عليهم. (فيستثنى) شرعًا (من عمل في إجارة) يعني: أنه متى أجر يهودي نفسه مدة لعمل لم يلزمه أن يعمل شيئًا في السبت.
قال في "الفروع": ولا يحضر يهوديًا يوم سبت. ذكره ابن عقيل. أي: لبقاء تحريمه عليه. وفيه وجهان. أو مطلقًا لضرره بإفساد سبته. ولهذا لا يُكره امرأته على إفساده مع تأكد حقه.
قال ابن عقيل: يحتمل أن السبت مستثنى من عمل في إجارة. انتهى.
والأصل في ذلك قوله ﷺ في أثناء حديث رواه النسائي والترمذي وصححه:
"وأنتم يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت " (^١) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٣١٤٤) ٥: ٣٠٥ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل.=
[ ٤ / ٤٧١ ]
(ويجب) الحكم (بين مسلم وذمي)؛ لما في ذلك من إنصاف الممسلم من غيره أو رده عن ظلمه. وذلك واجب.
ولأن في ترك هذا الواجب تضييعًا للحق. فيتعين فعله.
(ويلزمهم) أي: يلزم أهل الذمة (حكمُنا) فلا يملكون أن لا يقيلوه ولا نقضه.
(ولا يُفسخ بيع فاسد تقابضاه، ولو أسلموا، أو لم يحكم به) أي: بتبايعهم (حاكمهم)؛ لأنه عقد قديم قبل ترافعهم إلينا، أوقبل أن يسلموا على شيء يجوز ابتداء العقد عليه في ملتهم. فأقروا عليه ولم ينقض؛ كأنكحتهم.
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يتم بالتقابض فسخ. سواء كان قد حكم به حاكمهم أو لم يحكم؛ لأف عقد لم يتم. ولا يجوز الحكم بإتمامه؛ لكونه فاسدًا. فتعين نقضه وحكم حاكمهم به، وجوده كعدمه؛ لأن من شرط الحاكم النافذ الحكم بالإسلام ولم يوجد.
وسئل أحمد عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال بيده أيلزمه أن يخرج عنه؟ فقال: لا يلزمه أن يخرج منه شيئًا؛ لأن ذلك مضى في حال كفره. فأشبه نكاحه في الكفر إذا أسلم.
(ويُمنعون) أي: يمنع أهل الذمة (من شراء مصحف، و) من شراء كتب (حديث وفقه). فإن فعلوا فالشراء باطل؛ لأن القول بصحته يتضمن ابتذال (^١) ذلك بأيديهم.
ويمنعون أيضًا من أن يتبايعوا بربا في أسواقنا؛ لأن ذلك عائد بفساد نقدنا.
وكذا إن أظهروا بيع مأكول في نهار رمضان؛ كشراء. فإنهم يمنعون. ذكره القاضي واقتصر عليه في " الفروع ".
***
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في "سننه" (٤٠٧٨) ٧: ١١١ كتاب تحريم الدم، السحر. كلاهما عن صفوان بن عسال. في أ: إبذال.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
[فصل: إذا تهود نصراني]
(فصل. وإن تهوَّد نصراني أو تنصَّر يهودي: لم يُقَرَّ) على الأصح؛ لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه. فلم يقر عليه؛ كالمرتد ولا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه،] لأننا أقررناه عليه أولًا فنقره عليه ثانيًا.
(فإن أبى ما كان عليه و) أبى (الإسلام) أيضًا: (هُدِّد وحُبس وضُرب) حتى يسلم أو يرجع إلى الدين الذي كان عليه [(^١) على الأصح.
قال أحمد: إذا دخل اليهودي في النصرانية رددته إلى اليهودية. فقيل له: أنقتله؟ قال: لا. ولكن يضرب ويحبس؛ لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب. فلم يقتل؛ كالباقي على دينه.
ولأنه مختلف فيه. فلا يقتل للشبهة.
(وإن انتقلا) أي: اليهودي والنصرانى إلى غير دين أهل الكتاب، (أو) انتقل (مجوسي إلى غير دين أهل الكتاب: لم) يقر؛ لأنه انتقل إلى دين أدنى من دينه. فلم يقر؛ كالمسلم إذا ارتد. ولم (يقبل منه إلا الإسلام) على الأصح. نص عليه واختاره الخلال؛ لأن غير الإسلام أديان باطلة قد أقر ببطلانها. فلم يقر عليها؛ كالمرتد. فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام.
(فإن أباه قُتل بعد استتابته) ثلاثه أيام، كالمرتد.
(وإن انتقل غير كتابي) ولو مجوسيًا (إلى دين أهل الكتاب) بأن تهود أو تنصر أقر عليه على الأصح؛ لأنه انتقل إلى دين يقر عليه أهله، وأعلا من دينه الذي كان عليه. فأقر، كما لو كان ذلك أصل دينه.
(أو تمجَّس وثني) وهو أحد عباد الأوثان (أُقِرَّ) على المجوسية على
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
الأصح؛ لأنه انتقل إلى دين يقر عليه أهله. فأقر.
(وإن تزَنْدَقَ ذمي لم يُقتل) لأجل الجزية. نقله ابن هانئ عن أحمد.
(وإن كذَّب نصراني بموسى خرج من دينه) الذي هو دين النصرانية؛ لتكذيبه لنبيه عيسى في قوله ﷺ: ﴿مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف: ٦].
(ولم يقرَّ) على غير الإسلام. فإن أباه قتل بعد استتابته ثلاثًا.
(لا) إن كذب (يهودي بعيسى) فإنه لم يخرج من دينه ويبقى عليه؛ لأن ذلك ليس فيه تكذيب لنبيه موسى ﷺ.
(وينتقضُ عهد من أبى) من أهل الذمة (بذل جزية، أو) أبى (الصَّغار، أو) أبى (التزام حكمنا) إذا حكم عليه بشيء. سواء شرط عليهم (^١) ذلك أو لا؛ لقول الله ﷾: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [توبة: ٢٩].قيل الصغار: التزام أحكام المسلمين.
(أو قاتلنا) منفردًا أو مع أهل الحرب؛ لأن إطلاق الأمان يقتضي عدم القتال.
(أو لَحِقَ بدار حرب مقيمًا) بها؛ لأنه صار بذلك من جملة أهل الحرب.
(أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح) نصًا.
والأصل في ذلك ما روي عن عمر " أنه رُفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا. فقال: ما على هذا صالحناكم. وأمر به فصلب في بيت المقدس " (^٢) .
_________________
(١) في أ: عليه.
(٢) عن سويد بن غفلة قال:" كنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو أمير المؤمنين بالشام فأتاه نبطي مضروب مشجج مستعدي فغضب غضبًا شديدًا فقال لصهيب: انظر من صاحب هذا؟ فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي فقال له: إن أمير المؤمنين قد غضب غضبًا شديدًا قلو أتيت معاذ بن جبل فمشى معك إلى أمير المؤمنين فإني أخاف عليك بادرته فجاء معه معاذ فلما انصرف عمر من الصلاة قال أين صهيب؟ فقال: أنا هذا يا أمير المؤمنين قال: أجئت بالرجل الذي ضربه؟ قال: نعم. فقام إليه معاذ بن جبل فقال: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجل عليه. فقال له =
[ ٤ / ٤٧٤ ]
(أو قطع طريقًا)؛لأنه لم يف بمقتضى الذمة، وهو أمن جانبه. فانتقض عهده بذلك.
(أو تجسَّسَ، أو آوَى جاسوسًا)؛ لما في ذلك من الضرر على المسلمين.
أشبه الامتناع من بذل الجزية.
(أو ذكر الله) سبحانه و(تعالى، أو) ذكر (كتابه أو دينه) أي: دين الإسلام (أو رسوله) أي: رسول الله ﷺ (بسوء ونحوه) أي: نحو ذلك؛ لما روي" أنه قيل لابن عمر: إن راهبًا يشتم رسول الله ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته إنا لم نعط الأمان على هذا ".
(أو تعدَّى على مسلم بقتل أو فتنة عن دينه)؛لأن هذا ضرر يعم المسلمين. أشبه ما لو قاتلهم.
(لا بقذفه) يعني: أنه لا ينقض عهد أحد من أهل الذمة بقذفه مسلمًا،
(و) لا (إيذائه بسحر في تصرفه) نصًا؛ لأن ضرره لا يعم.
(ولا إن أظهر) الذمي (منكرًا، أو رفع صوته بكتابه) فإنه لا ينتقض عهده؛ لأن العقد لا يقتضي ذلك، ولا ضرر فيه على المسلمين.
(و) من قلنا ينتقض عهده فإنه (لا) ينتقض (^١) (عهد نسائه وأولاده) بنقض عهده نصًا. نقله عبدالله؛ لأن النقض وجد منه دونهم. فاختص حكمه به.
(و) من انتقض عهده فإنه (يخير الإمام فيه، ولو قال: تبت كأسير)
_________________
(١) = عمر: ما لك ولهذا؛ قال: يا أمير المؤمنين رأيته يسوق بامرأة مسلمة فنخس الحمار ليصرعها فلم تصرع ثم دفعها فخرب عن الحمار ثم تغشاها ففعلت ما ترى قال: ائتني بالمرأة لتصدقك فأتى عوف المرأة فذكر الذي قال له عمر ﵁ قال أبوها وزوجها: ما أردت بصاحبتنا فضحتها فقالت المرأة: والله لأذهبن معه إلى أمير المؤمنين فلما أجمعت على ذلك قال أبوها وزوجها: نحن نبلغ عنك أمير المؤمنين فأتيا فصدقا عوف بن مالك بما قال فقال عمر لليهودي: والله ما على هذا عاهدناكم فأمر به فصلب ثم قال: يا أيها الناس فوا بذمة محمد ﷺ فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له ". أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"٩: ٢٠١ كتاب الجزية، باب يشترط عليهم أن أحدًا من رجالهم إن أصاب مسلمًا بزنا. في أ: ينقض.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
حربي؛ "لأن عمر صلب الذي أراد استكراه المرأة المسلمة (^١) على الزنا ". ولأنه كافر لا أمان له قَدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولا عهد ولا شبه ذلك. فأشبه اللص الحربي.
(ومالُه فيء) في الأصح؛ لأن المال لا حرمة له في نفسه، إنما هو تابع لمالكه حقيقة، وقد انتقض عهد المالك في نفسه. فكذا في ماله.
(ويحرُم قتله إن أسلم)، حتى (ولو كان) نقض عهده إن (سبَّ النبي ﷺ).قطع به في "المغني" و"الشرح" و"شرح ابن رزين"وغيرهم، وقدمه في"الفروع"و
"الرعاية". وهو ظاهر كلام الأكثر.
(وكذا) لحرم (رقُّه، لا إن رُقَّ قبل) أي: قبل إسلامه فإنه يستمر رقيقًا.
وقيل: يقتل ساب النبي ﷺ بكل حال. اختاره ابن أبى موسى وابن البنا والسامري والشيخ تقي الدين وقال: هو الصحيح من المذهب.
وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع " في باب المرتد.
(ومن جاءنا بأمان. فحصل له ذرية، ثم نقض العهد فكذمي) يعني: فحكمه حكم الذمي إذا نقض العهد.
ذكره في " المنتخب " واقتصر عليه في " الفروع ".
وتخرج نصرانية لشراء الزنار، ولا يشتريه مسلم لها؛ لأنه من علامات الكفر.
والله ﷾ أعلم (^٢).
***
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: تم. يتلوه كتاب البيع.
[ ٤ / ٤٧٦ ]