هذا (كتاب) يذكر فيه جملة من أحكام مناسك الحج. جمع منسك، بفتح
السين وكسرها. وهو التعبد. يقال: تنسك تعبّد.
وقال صاحب " المُطّلع ": المناسك مواضع متعبدات الحج. فالمناسك
إذًا: التعبدات كلها. وقد غلب إطلاقها على متعبدات الحج؛ لما يتضمنه من الذبائح المتقرب بها؛ لأن المنسك مأخوذ في الأصل من النسيكة وهي الذبيحة المتقرب بها؛ لما في ذلك من موافقة الفرع الأصل (^١).
ثم (الحج) بفتح الحاء لا بكسرها في الأشهر وعكسه شهر الحجة (فرضُ
كفاية كل عام).
فُرض سنة تسع من الهجرة في قول الأكثر، وقيل: سنة عشر، وقيل:
ست، وقيل: خمس.
والأصل في كونه فريضة؛ قوله ﷾: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وهو لغة: القصد إلى من يعظمه.
وقيل: كثرة القصد إليه.
(وهو) شرعًا: (قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص). وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(والعمرة) لغة: الزيارة، يقال: اعتمره (^٢) إذا زاره.
وقيل: القصد.
_________________
(١) في أ: الأصلي. .
(٢) في ب: أعمره.
[ ٤ / ٥ ]
وشرعًا: (زيارة البيت على وجه مخصوص). وسيأتي بيان ذلك إن شاء
الله تعالى.
وينبغي لمن أراد الحج: أن يبادر به، وليجتهد في رفيق حسن.
قال أحمد: كل شيء من الخير يبادر به.
قال ابو بكر الآجري وغيره: يصلي ركعتين، ثم يستخير في خروجه، ويبكر، ويكون يوم خميس، ويصلي في منزله ركعتين، ويقول إذا نزل منزلًا أو دخل بلدًا ما ورد.
وقال (^١) ابن الزاغوني وغيره: يصلي ركعتين ويدعو بعدهما بدعاء الاستخارة (^٢) . ثم يقول: اللهم لِلَّهِ هذا (^٣) ديني وأهلي ومالي وديعة عندك، اللهم لِلَّهِ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد. وأنه يخرج يوم خميس أو اثنين، ويستخير هل يحج العام أو غيره.
(ويجبان) أي: الحج والعمرة. يعني: أن العمرة واجبة كالحج على الأصح. نص على ذلك أحمد، واحتج بقوله ﷾: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال القاضي وغيره: أطلق أحمد وجوبها (^٤) في مواضع. فيدخل فيه المكي وغيره. قال: وهو قول شيخنا.
_________________
(١) في أ: قال.
(٢) حديث الاستخارة رواه جابر بن عبدالله ﵁ قال: " كان رسول الله -ﷺ- يُعلمنا الاستخارة في الأمور كما يُعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم! إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به. قال: ويسمي حاجته ". أخرجه البخاري في "صحيحه " (١١٠٩) ١: ٣٩١ أبواب التطوع، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: وجوبًا.
[ ٤ / ٦ ]
فدل على (^١) أن أحمد لم يصرح بوجوبها على (^٢) المكي.
وصرح في رواية: بأنها لا تجب على المكي وتجب على غيره.
وفرض العمرة قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، وفاقًا للشافعي في الجديد؛ لقول عائشة [رضي الله تعالى عنها] (^٣): " يا رسول الله! هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم. عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة " (^٤) . رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح.
وهذا صريح في وجوب العمرة على النساء، وإذا ثبت ذلك في النساء
فالرجال أولى.
وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: " إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمره ولا الظعن. فقال: حج عن أبيك واعتمر " (^٥) . إسناده جيد رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعنه: أن العمرة سنة؛ " لأن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: زعم رسولك أن علينا. . . فذكر الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت. فقال النبيﷺ -: صدق. فقال: والذي بعثك بالحق. لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال: لئن صدق ليدخلن الجنة " (^٦) . رواه مسلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: عن.
(٣) زيادة من أ.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١ ٢٩٠) ٢: ٩٦٨ كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء. وأخرجه أحمد في " سننه " (٢٥٣٦١) ٦: ١٦٥
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨١٠) ٢: ١٦٢ كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٣٠) ٣: ٢٦٩ كتاب الحج، باب منه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦٣٧) ٥: ١٧٧ كتاب مناسك الحج، العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٠٦) ٢: ٩٧٠ كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٢٢٦) ٤: ١٠
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢) ١: ٤١ كتاب الإيمان، باب السؤال عن اركان الإسلام.
[ ٤ / ٧ ]
وأجيب بأن اسم الحج يتناول العمرة، روى مسلم من حديث ابن عباس:
" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (^١) .
وفي كتاب النبي - ﷺإلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم: " وإن (^٢) العمرة الحج الأصغر " (^٣) .
وعن طلحة بن عبيدالله (^٤) مرفوعا: " الحج جهادٌ والعمرة تطوع " (^٥) .
وأجيب بأنه ضعيف. رواه ابن ماجه.
ورواه الشافعي عن أبي صالح الحنفي مرسلا (^٦) . وقال: ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع.
وقال ابن عبدالبر: روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة.
وعنه رواية ثالثة: تجب إلا على المكي. نقلها عبدالله والأثرم والميموني وبكر بن محمد، وتاولها القاضي على أنه نفى (^٧) عنهم دم التمتع.
قال في " الفروع ": كذا قال. وقد سأله عبدالله من أين يعتمر أهل مكة؟ قال: ليس عليهم (^٨) عمرة؛ لأن ذلك قول ابن عباس. لكنه من رواية إسماعيل ابن مسلم المكي وهو ضعيف. وقاله عطاء وطاووس؛ لأن معظمها الطواف وهم يفعلونه. وأجاب صاحب " المحرر " وغيره: بأنه لا يصح في حق من لم يطف، ومن طاف يجب ان لا يجزئه عنها كالآفاقي. انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٤١) ٢: ٩١١ كتاب الحج، باب جواز العمره في أشهر الحج.
(٢) في ب: إن.
(٣) أخرجه الييهقي في " السنن الكبرى " 4: 351 كتاب الحج، باب من قال بوجوب العمرة. . .
(٤) في أ: عبدالله.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (2989) 2: 995 كتاب المناسك، باب العمرة. قال في " الزوائد ": في إسناده ابن قيس المعروف بمندل، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهم، والحسن أيضًا ضعيف. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 4: 348 كتاب الحج، باب من قال: العمرة تطوع.
(٦) أخرجه الشافعي في " مسنده " (737) 1: 281 كتاب الحج، باب ما جاء في فرضه وشروطه.
(٧) في ب: وتاوله القاضى على أنه ينفى.
(٨) في ب. عليهن.
[ ٤ / ٨ ]
وإذا تقرر هذا فإنما يجبان (في العمر مرة) واحدة؛ لما روى أبوهريرة قال: " خطبنا رسول الله - ﷺفقال: يا أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحُجوا. فقال رجل: أَكُل عام يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال النبي - ﷺ -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " (^١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وروى ابن عباس قال: " خطبنا رسول الله - ﷺفقال: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس [فقال: أفي كل عام يا رسول الله! فقال: لو قلتُ نعم لوجبت ولو وجبت لم تعملوا ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة. فمن زاد فهو تطوع " (^٢) . رواه أحمد والنسائي بمعناه.
ولأبي داود وابن ماجه مختصرا: " أن الأقرع بن حابس] (^٣) سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: بل مرة واحدة. فمن زاد فهو تطوع " (^٤) .
وإنما يجب الحج والعمرة (بشروط) خمسة، (وهي) تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
* قسم يشترط للوجوب والصحة وهو: (إسلام، وعقل).
* وقسم يشترط للوجوب والإجزاء دون الصحة (و) هو: (بلوغ، وكمالُ حرية).
* وقسم يشترط للوجوب دون الإجزاء وهو: الإستطاعة. وسيأتي بيانها إن
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٧) ٢: ٩٧٥ كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦١٩) ٥: ١١٠ كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٠٦١٥) ٢: ٥٠٨
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٦٢٠) ٥: ١١١ كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٣٧) طبعه إحياء التراث.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٢١) ٢: ١٣٩ كتاب المناسك، باب فرض الحج. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٨٦) ٢: ٩٦٣ كتاب المناسك، باب فرض الحج.
[ ٤ / ٩ ]
شاء الله تعالى (^١) .
(ويجزيان) أي: الحج والعمرة (من) أي: يجزئ الحج كافرًا (أسلم) وهو مكلف حر ثم أحرم بحج وحصل بعرفة قبل دفع من عرفة، أو كان إسلامه بعد الدفع إن عاد إلى عرفة فوقف في وقت الوقوف.
(او أفاق ثم أحرم) يعني: أن المجنون إذا أفاق وهو حر بالغ ثم أحرم بالحج كما تقدم في صورة الكافر إذا أسلم فإنه يجزئه الحج.
(او بلَغ) الصغير وهو مسلم عاقل حر محرم بالحج قبل دفع من عرفة، او
بعد الدفع إن عاد فوقف في وقت الوقوف.
(او عتق) قن في حالة كونه (محرمًا) بالحج وهو مسلم بالغ عاقل (قبل
دفع من عرفة أو بعده) أي: بعد الدفع (إن عاد) إلى عرفة (فوقف في وقته) أي: وقت الوقوف. وهذه صور الإجزاء في الحج.
وأما إجزاء العمرة بأن يحصل الإسلام أو الإفاقة أو البلوغ أو الحرية قبل طواف العمرة، وإلى ذلك أشير بقوله:
(او قبل طواف عمرة) فإن ذلك يجزئه عن حجة الإسلام وعمرة الإسلام. ويكون الصغير إذا بلغ محرمًا والقن إذا عتق محرمًا؛ (كمن أحرم إذًا) أي: إذا بلغ أو عتق؛ لأنها حالة تصلح لتعيين الإحرام؛ كحالة ابتداء الإحرام. قال الموفق وغيره: (وإنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين إذًا) أي: في حالة البلوغ والعتق، (وإن ما قبله تطوع لم ينقلب فرضًا). وقدم في " التنقيح " ما قاله الموفق ومن تابعه.
ثم قال: وقال في " الخلاف " و" الانتصار " و" المجد " وغيرهم: وأشرت إلى هؤلاء المذكورين بقولي: (وقال جماعة: ينعقد إحرامه) أي: إحرام الصغير أو العبد (موقوفا. فإذا تغير حاله) أي: حال الصغير إلى البلوغ أو القن إلى الحرية (تبين فرضيتُه) أي: كون الإحرام فرضًا؛ كزكاة معجلة.
_________________
(١) ص: ٢٠.
[ ٤ / ١٠ ]
(ولا يجزئ مع سعي قن وصغير) [عن حجة الإسلام] (^١) (بعد طواف
القدوم، قبل وقوف، ولو أعاده) أي: أعاد الصغير أو القن السعي ثانيًا (بعد)
أي: بعد الوقوف في الأصح؛ لأن السعي لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره.
بخلاف الوقوف. فإن استدامته مشروعة ولا قدر له محدود.
ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق (^٢) في أثناء طوافها ولو أعاده فإنه لا أثر
لإعادته وفاقًا.
***
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: عتق.
[ ٤ / ١١ ]
[فصل: في حج الصغير]
(فصل. ويصحان) أي: الحج والعمرة (من صغير. ويُحرم ولي في مال عمن لم يميز ولو) كان وليه (محرمًا أو لم يحج)؛ كعقد النكاح له. ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلف. نص عليه.
(و) يُحرم (مميز بإذنه) أي: إذن الولي (عن نفسه)؛ لأنه يصح (^١) وضوؤه. فصح إحرامه؛ كالبالغ.
ولأن العبادات أحد نوعي العقود. فكان منه ما يعقده الولي للصبي؛ كعقود المعاملات.
وإذا صح منه وجب أن يصح على حكم البالغ في الضمان؛ كالنكاح.
ولأنه يجتنب الطيب ويؤمر به لأجل الإحرام. فصح إحرامه ولزم كالبالغ.
ولا خلاف في تجنبه الطيب، لكن عندنا بصفة الوجوب، وعند المخالف بصفة الاستحباب.
والأصل (^٢) في صحة حج الصغير ما روي عن ابن عباس: " أن امرأة رفعت
إلى النبي ﷺ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر " (^٣) . رواه مسلم. وقال السائب بن يزيد: " حُج بي مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين " (^٤) . رواه البخاري.
وقال ابن عباس: " أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيما
_________________
(١) في أ: لا يصح. وهو وهم.
(٢) في ج: والأصح.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٦) ٢: ٩٧٤ كتاب الحج، باب صحة حج الصبي.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٥٩) ٢: ٦٥٨ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب حج الصبيان.
[ ٤ / ١٢ ]
أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد أعتق فعليه حجة أخر ى " (^١) .
وانفرد محمد بن منهال برفعه وهو محتج به في " الصحيحين " وغيرهما وكان آية في الحفظ، ولهذا صححه جماعة منهم ابن حزم وأجاب بنسخه؛ لكون فيه الأعرابي.
وسئل أبو الوليد حسان بن محمد إمام أهل الحديث في عصره بخراسان عن قول النبي - ﷺ -: " أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعليه الحج إذا هاجر " قال: معناه قبل أن يسلم. فعبر باسم الهجرة عن الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا هاجروا، وفسر النبي - ﷺ - الإسلام باسم الهجرة.
وإنما سموا مهاجرين؛ لأنهم هجروا الكفار إجلالًا للإسلام.
(ويفعل ولي) عن المميز وغير المميز من أفعال الحج والعمرة (ما يُعجزُهما)، روي عن ابن عمر في الرمي.
وعن أبي بكر " أنه طاف بابن الزبير في خرقة " (^٢) . رواهما الأثرم.
وعن جابر قال: " حججنا مع النبي - ﷺومعنا النساء والصبيان. فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم " (^٣) . رواه أحمد وابن ماجه.
و" كانت عائشة تجرد الصبيان للإحرام ".
(لكن: لا يبدأ) الولي (في رمي) الجمرات (إلا بنفسه)؛ كالنيابة في الحج. فلو رمى ناويًا عن الصغير وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه.
(ولا يُعتد برمي حلال) لا عن نفسه ولا عن غيره.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٧٤٣) ١: ٢٨٣ كتاب الحج، باب فيما جاء في فرض الحج وشروطه. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٣٢٥ كتاب الحج، باب إثبات فرض الحج.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٩٠٢٦) ٥: ٧٠ كتاب المناسك، باب أي حين يكره الطواف. .
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٣٨ ٣) ٢: ١٠١٠ كتاب المناسك، باب الرمى عن الصبيان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٣٨١) ٣: ٣١٤
[ ٤ / ١٣ ]
وإن أمكن الصغير أن يناول النائب الحصى ناوله، وإلا استحب أن توضع الحصاة في كفه ثم تؤخذ منه وترمى عنه.
وإن وضعها النائب في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن.
(ويطاف به) أي: بالصغير (لعجز) عن أن يطوف بنفسه (راكبًا) على شيء أو محمولًا.
(وتعتبر) لصحة طواف (نية طائف به) أي: حامله، (وكونه) أي: كون طائف به (يصح أن يعقد له الإحرام)؛ لأن الطواف تعتبر له النية. فلما تعذرت من الصغير اعتبرت ممن له النيابة عنه بالشرع.
و(لا) يعتبر (كونه) أي: كون الحامل (طاف عن نفسه، ولا) كون الحامل (محرمًا)؛ لوجود الطواف من الصغير؛ كمحمول مريض. ولم يوجد من الحامل إلا النية؛ كحالة الإحرام.
(وكفارة حج) أي: حج الصغير في مال وليه؛ لأنه هو الذي أدخله في ذلك ولو تركه لم يتضرر بتركه.
(و) كذا (ما زاد على نفقة الحضر) من نفقة السفر فإنها تكون (في مال وليه، إن أنشأ) الولي (السفر به) أي: بالصغير (تمرينا على الطاعة)، إذ لا مضرة عليه بتركه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الأمر كذلك بأن سافر معه الصغير لتجارة أو خدمة، أو إلى مكة لاستيطانها، أو للإقامة بها لعلم أو غيره مما يباح له السفر به في وقت الحج وغيره ومع الإحرام وعدمه: (فلا) نفقة على الولي رواية واحدة، بل على الجهة الواجبة فيها بتقدير (^١) عدم الإحرام.
(وعمد صغير ومجنون) في محظور (خطأ: لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ مكلف، او) في (نسيانه).
قال المجد في " شرحه ": أو فعله به الولي لمصلحته؛ كتغطية رأسه لبرد،
_________________
(١) في أ: بتقديم.
[ ٤ / ١٤ ]
أو تطبيبه لمرض. فأما إن فعله الولي لا لعذر فكفارته عليه؛ كمن حلق رأس محرم بغير إذنه.
(وإن وجب في كفارة على ولي صوم: صام عنه) يعني: إنه متى وجبت على الولي كفارة بسبب الصبي ودخلها (^١) الصوم صام عنه؛ لوجوبها عليه ابتداءً، كصومه عن نفسه.
(ووطؤه) أي: ووطء الصغير عامدا أو ناسيا في الحج (كبالغ) أي: كوطء البالغ (ناسيًا: يمضي في فاسده، ويقضيه) أي: الحج الفاسد (إذا بلغ). ولا يصح قضاؤه قبل بلوغه. نص عليه؛ لأنه إفساد لإحرام لازم وذلك يقتضى وجوب القضاء.
وبُنية الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية؛ لضعفه عنها. ونظير ذلك وجود (^٢) الاحتلام أو الوطء من المجنون فإنه يوجب الغسل عليه؛ لوجود سببه، ولا يصح منه إلا بعد الإفاقة؛ لفقد أهليته للغسل في الحال.
_________________
(١) في أ: ودخولها.
(٢) في ج: وجوب.
[ ٤ / ١٥ ]
[فصل: في حج القن]
(فصل. ويصحان) أي: الحج والعمرة (من قن)، لعدم المانع. (ويلزمانه) أي: يلزم القن الحج والعمرة (بنذره) أي: بنذر القن الحج
والعمرة، كالحر.
(ولا يحرم) أي: ولا يجوز له أن يحرم بنفل، (ولا) أن تحرم (زوجة بنفل، إلا بإذن سيد وزوج)، لتفويت حقهما بالإحرام.
(فإن عقداه) أي: عقد القن والمرأة الإحرام بنفل بلا إذن سيد وزوج: (فلهما) أي: فللسيد والزوج (تحليلهما) أي: تحليل القن والزوجة على الأصح، لتفويت حقهما.
(ويكونان) أي: القن والزوجة (كمُحْصر). ويأتي حكم المحصر (^١) . (ويأثم من لم يمتثل) ما أمر به السيد أو الزوج من التحليل. وله أن يطأ زوجته وأمته اللتين أحرمتا بنفل بغير إذن السيد والزوج وأمرهما بالتحلل ولم يمتثلا.
و(لا) يجوز لسيد ولا زوج تحليل قن ولا زوجة (مع إذن) لهما في الإحرام على الأصح.
(ويصح) من السيد والزوج (رجوع فيه) أي: في إذنه (^٢) لهما بأن يحرما (قبل إحرام) أي: قبل أن يحرما، كالواهب يرجع فيما وهبه قبل قبض الموهوب له لا بعده.
وإن علم القن برجوع سيده عن إذنه. فكما لو لم يأذن.
(ولا) يجوز لسيد ولا زوج تحليل قن ولا زوجة أحرما (بنذر أذن) السيد
او الزوج (فيه لهما) أي: للقن والزوجة، (او لم يأذن فيه لها) يعني: أنه لا يجوز للزوج تحليل زوجته من إحرامها بنذر ولو لم يكن النذر بإذنه؛ لوجوبه
_________________
(١) ص: ٢٦١.
(٢) في أ: إذن.
[ ٤ / ١٦ ]
عليها (^١)، كما لو أحرمت بواجب بأصل الشرع.
(ولا يمنعها) يعني: أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته (عن حج فرض كملت شروطه)، كبقية الواجبات. (فلو لم تكمل) شروطه (وأحرمت به بلا إذنه لم يملك تحليلها) في الأصح؛ لوجوب إتمامه بشروعها فيه.
(ومن أحرمت بواجب فحلف زوجها ولو بالطلاق الثلاث لا تحج العام لم يجز أن تحل).
ونقل ابن منصور: هي بمنزلة المحصر، ورواه عن عطاء، واختاره
ابن أبي موسى، كما لو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها.
ونقل مهنا: وسئل (^٢) عن المسألة. فقال: قال عطاء: الطلاق هلاك. هي منزلة المحصر.
(وإن أفسد قن حجه بوطء، مضى) في فاسده (وقضى) ما أفسده.
(ويصح) منه (القضاء) وهو (في رقه) في الأصح، (وليس لسيده منعه)
من القضاء، (إن شرع فيما) أي: في الحج الذي (أفسده بإذنه) أي: بإذن السيد في الأصح؛ لأن إذنه فيه إذن في موجبه، [ومن موجبه] (^٣) قضاء ما أفسده على الفور.
(وإن عتق) القن (اوبلغ الحر في الحجة الفاسدة)، وكان العتق أو البلوغ (في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت) الحجة الفاسدة (صحيحة: مضى) فيها، (وأجزأته [حجة القضاء] عن حجة الإسلام و) عن حجة (القضاء) (^٤) . قال في " الإنصاف ": على الصحيح من " المذهب ". انتهى.
وقال ابن عقيل: عندي أنه لا يصح؛ لأنه ليس من حيث لو صحت أجزأت. يجب أن يكون قضاوهما كهى.
(وقن) أي: والقن إذا جنى في إحرامه فحكمه (في جنايته كحر معسر.
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: ونقل هاهنا أنه سئل.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٧ ]
وإن تحلل) القِنّ (بحَصْر، أو حلله سيده) في حال يملك تحليله فيه (لم يتحلل قبل الصوم. ولا يمنع منه) أي: من الصوم. نص عليه.
(وإن مات) القن (ولم يصم) أي: قبل أن يصوم، (فلسيده أن يطعم عنه). ذكره في " الفصول ".
(وإن أفسد). القنّ (حجه صام) عن البدنة الواجبة بالوطء، (وكذا إن تمتع
او قرن) يعني: إن أحرم متمتعًا أو قارنًا فإنه يصوم عن دم النسك الواجب على المتمتع والقارن، لأن الحج له دون سيده، كحج المرأة في الأصح.
(ومشتري المحرم كبائعه) يعني: أن العبد المحرم متى باعه سيده كان المشتري (في تحليله وعدمه) كبائعه. فإن كان في إحرام يملك البائع تحليله منه كان للمشتري تحليله، وإن كان في إحرام لا يملك البائع تحليله منه لم يكن للمشتري تحليله.
(وله) أي: وللمشتري (الفسخ) أي: فسخ البيع (إن لم يعلم) أن العبد محرم، (و) والحال أنه (^١) (لم يملك تحليله)؛ لأنه إذا كان في إحرام يملك المشتري تحليله، كان إبقاؤه على الإحرام كإذنه له فيه ابتداءً.
(ولكل من أبَوَي) حر (بالغ) مع حريتهما (منعُه) أي: منع ولدهما (من إحرام بنفل) من حج أو عمرة، (ك) نفل (جهاد).
قال الموفق في حج التطوع: إن للوالد منيع الولد من الخروج إليه؛ لأن له منعه من الغزو، وهو من فروض الكفايات. فالتطوع أولى.
وقال في مسًالة: لا يجاهد من أبواه مسلمان إلا بإذنهما يعني: تطوعًا، أن ذلك يروى عن عمر وعثمان، وأنه قول مالك والشافعي وسائر أهل العلم، واحتج بالأحاديث المشهورة في ذلك (^٢) .
_________________
(١) في أ: مع كونه.
(٢) منها ما رواه عبدالله بن عمرو ﵄ قال: " جاء رجل إلى النبي - ﷺفاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك، قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٤٢) ٣: ١٠٩٤ كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٤٩) ٤: ١٩٧٥ كتاب البر والصله والاداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به.
[ ٤ / ١٨ ]
قال: ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم. فإن تعين عليه الجهاد سقط إذنهما وكذلك كل فرائض الأعيان، وكذا كل ما وجب؛ كالحج، وصلاة الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب؛ لأنها فرض عين. فلم يعتبر إذن الأبوين فيهما؛ كالصلاة.
قال ابن مفلح في " الاداب ": وظاهر هذا التعليل أن في التطوع يعتبر (^١) إذن الوالدين كما نقوله في الجهاد وهو غريب، والمعروف اختصاص الجهاد بهذا الحكم. والمراد والله أعلم: أنه لا يسافر لمستحب إلا بإذنهما (^٢)؛ كسفر الجهاد. وأما ما يفعله في الحضر كالصلاة النافلة ونحو ذلك فلا يعتبر فيه إذنهما (^٣)، ولا أظن أحدًا يعتبره، ولا وجه له والعمل على خلافه. والله أعلم. (ولا يحللانه) أي: لا يحللان أبوا البالغ ابنهما إذا أحرم بحج أو عمرة. (ولا) يحلل (غريم مَدينًا) أحرم بحج أو عمرة؛ لوجوب إتمامهما بالشروع (^٤) . (وليس لولي سفيه مبذر منعُه من حج الفرض وعمرته، ولا تحليله) من أحدهما.
(وتُدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق. ويحلل بصوم إذا أحرم بنفل)؛ كمعسر؛ لأنه ممنوع من التصرف في ماله.
ومحل ملك (^٥) الولي تحليله: (إن زادت نفقته) أي: نفقة سفره (على نفقة الإقامة، ولم يكتسبها) في سفره؛ لأنه إذا اكتسب نفقة سفره فيه لم يكن في ذلك ضرر عليه في ماله.
_________________
(١) في أ: أن التطوع بغير.
(٢) في أ: بإذنه.
(٣) في أ: إذنه.
(٤) في أ: بالشرع.
(٥) في أ: ذلك.
[ ٤ / ١٩ ]
[فصل: في الاستطاعة]
(فصل) الشرط (الخامس) الذي هو شرط لوجوب الحج والعمرة دون الإجزاء: (الاستطاعة)، لقوله ﷾: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [ال عمران: ٩٧].
(ولا تبطل) الاستطاعة (بجنون) فيحج عنه.
(وهي) أي: الاستطاعة: (ملك زاد يحتاجه) فى سفره، (و) ملك (وعائه)، لأنه لابد منه.
(ولا يلزمه حمله) أي: حمل الزاد (إن وُجد بالمنازل) أي: منازل طريق الحاج (^١) .
(وملك راحلة) لركوبه (بآلة) لها (^٢) (يصلحان) أي: الراحلة وآلتها (لمثله). نص أحمد على أنه يشترط لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء.
قال أحمد: حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: " لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [ال عمران: ٩٧]، قال رجل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة " (^٣) .
فإن قيل: هو مرسل، أجيب: بأنه قد وافق مالك على أن المراسيل حجة. وروى الدارقطني بإسناده عن أنس " عن النبي - ﷺفي قوله ﷿: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [ال عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال:
_________________
(١) في ب: الحج.
(٢) في أ: بها.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٣٢٧ كتاب الحج، باب بيان السبيل. . . وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (١٣) ٢: ٢١٨ كتاب الحج.
[ ٤ / ٢٠ ]
الزاد والراحلة " (^١) .
ومحل من يشترط له الزاد والراحلة: إذا كان (في مسافة قصر) عن مكة.
(لا) إن كان (في دونها) أي: في دون مسافة قصر عن مكة، للقدرة على المشي فيها غالبًا.
ولأن مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها عطب على تقدير الانقطاع بها. بخلاف البعيدة، ولذلك خص الله ﷾ المكان البعيد بقوله ﷿:: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
(إلا لعاجز) عن المشى، كشيخ كبير لا يقدر على المشي في مسافة القصر
فما دون (^٢) فإنه يشترط له ملك الراحلة.
(ولا يلزمه) أن يسير إلى الحج (حبوًا ولو أمكنه). قاله في " الكافي "،
وهو مراد غيره. وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه. (او) ملك (ما يقدر به على تحصيل ذلك) من نقد أو عرض. والمشار إليه بذلك هو: الزاد والراحلة الصالحان لمثله وآلتهما (^٣) .
ويعتبر: أن يكون ذلك (فاضلًا عما يحتاجه: من كتب). فإن استغنى بإحدى نسختين من كتاب باع الأخرى.
(ومسكن) يصلح لمثله، (وخادم) لنفسه، (و) عن (ما لا بد منه) من لباس مثله وغطاء ووطاء. (لكن إن فضل عنه) المسكن، أو كان الخادم نفيسًا (وأمكن بيعه) أي: بيع المسكن أو الخادم، (و) أمكنه أيضًا (شراء ما يكفيه ويفضل ما يحج) به: (لزمه) ذلك.
(و) يعتبر أيضًا: أن يكون الزاد والراحلة وما يتبعهما فاضلًا عن (قضاء دين) عليه، حالًا كان أو مؤجلًا، لآدمي أو لله ﷾، كالزكوات،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٧٦) ٢: ٢١٦ كتاب الحج.
(٢) في أ: دونه.
(٣) في أ: وآلتها.
[ ٤ / ٢١ ]
والكفارات، والنذور؛ لتضرره (^١) ببقاء ذمته مشغولة وضياع ماله.
(و) أن يكون فاضلًا أيضًا عن (مؤنته ومؤنة عياله؛ لقول النبيﷺ -:
" كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت " (^٢) .
(على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة، ونحوها)، كعطاء من
الديوان (^٣) .
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة، وعليه أكثر الأصحاب. انتهى.
(ولا يصير) من لم يملك زادًا وراحلة (مستطيعا ببذل) [أي: ببذل] (^٤) غيره (له) زادً وراحلة، ولو كان الباذل له ذلك أبوه أو ابنه؛ لأنه لا يلزمه قبول ذلك، لما فيه من المنة، كبذل الرقبة في الكفارة.
وكذا لو بذل إنسان نفسه لمريض لا يرجى برؤه وليس له ما يستنيب به ليحج
عنه من غيرمقابل: لم يلزمه قبوله، لما فيه من المنة.
(ومنها) أي: ومن الاستطاعة على الأصح: (سعة وقت) أي: كون الوقت متسعًا يمكنه الخروج إليه فيه، والسير حيث ما جرت به العادة؛ لتعذر فعل الحج مع ضيق الوقت عنه، وكعدم الزاد والراحلة. فلو حج وقت وجوبه فمات في الطريق تبينا عدم وجوبه (^٥)، لعدم وجود الاستطاعة.
(و) من الاستطاعة أيضًا: (أمن طريق يمكن سلوكه) على الأصح، لأن
في إيجاب الحج مع عدم ذلك ضررًا وهو منتف شرعا ً.
_________________
(١) في أ: والنذر لضرورة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٩٢) ٢: ١٣٢ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٨١٩) ٢: ١٩٣
(٣) في أ: ديوان.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في أ: يلزم.
[ ٤ / ٢٢ ]
ولا يشترط اختصاص ذلك بالبر، ولا كون ذلك معتادًا. فمن (^١) أمكنه سلوك طريق آمن (ولو بحرًا أو غير معتاد) لزمه (^٢) .
أما كونه يجب عليه سلوك الطريق الآمن الذي تغلب فيه السلامة ولو بحرًا؛
فلما روي عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسولﷺ -: " لا يركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله ﷿ " (^٣) . رواه أبو داود وسعيد بن منصور في " سننهما ".
ولأن البحر مع غلبة السلامة فيه يجوز سلوكه للتجارة حتى بأموال اليتامى.
وما روي من النهى عن ركوب البحر فمحمول على ما إذا لم تغلب فيه السلامة، ومن ذلك ما رواه أحمد مرفوعًا: " من ركب البحر عند ارتجاجه فمات برئت منه الذمة " (^٤) .
وأما كونه يجب عليه سلوك الطريق غير المعتاد مع أمنه؛ فلأن قصاراه أنه مشق. وذلك لا يمنع الوجوب، كما لو كان بلده بعيدًا جدًا من سائر الطرق. لكن يشترط في الطريق: أن يكون (بلا خفارة)؛ لأنها رشوة ولا يتحقق الأمن ببذلها (^٥) .
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها.
وأن يكون الطريق (يوجد فيه الماء والعلف على) الأمر (المعتاد) في المنازل في الأسفار؛ لأنه لو كلف حمل مائه وعلف بهائمه من بلده إلى مكة لأدى ذلك إلى مشقة عظيمة.
_________________
(١) في ب: فمتى.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٤٨٩) ٣: ٦ كتاب الجهاد، باب في ركوب البحر في الغزو. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٩٣) ٢: ٥٢ ١ كتاب الجهاد، باب ما جاء في ركوب البحر.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٧٦٧) ٥: ٧٩ عن أبي عمران الجونى، عن بعض أصحاب النبىﷺ -.
(٥) في أ: بذلها.
[ ٤ / ٢٣ ]
وعلم من هذا: أنه يجب عليه حمل الماء من منهل إلى منهل، وحمل العلف من موضع إلى موضع؛ لأنه المعتاد (^١) .
(و) من الاستطاعة أيضًا: (دليل لجاهل) طريق مكة، (وقائد لأعمى)؛ لأن في إيجاب الحج على جاهل الطريق وعلى الأعمى مع عدم دليل وقائد ضررًا عظيمًا. وهو منتف شرعًا.
(ويلزمهما أجرة مِثلهِما)؛ لأنهما مما يتم به الواجب.
إذا تقرر هذا: (فمن كمل له ذلك) أي: ما تقدم من الشروط الخمسة المذكورة وما يعتبر فيها: (وجب السعي عليه) إلى الحج والعمرة (فورًا). نص عليه. فيأثم إن أخره بلا عذر، وفاقًا لإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف وداود. بناء على أن الأمر للفور.
ويختص الكلام في الحج هاهنا بما روى ابن عباس عن النبي - ﷺقال: " تعجلوا إلى الحج - يعني: الفريضة -. فإنّ أحدكم لا يدري ما يعرض له " (^٢) . رواه أحمد.
وعن عبدالرحمن بن سابط قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة. فليمت على أي حال (^٣) يهوديًا أو نصرانيًا " (^٤) . رواه سعيد بن منصور في "سننه ".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من أراد الحج فليتعجل " (^٥) .
رواه أبو داود.
وليس التعليق على الإرادة هنا تعليق تخيير. فإن الإجماع منعقد على أنه
_________________
(١) في أ: معتاد.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٨٦٩) ١: ٣١٤
(٣) في ب: حالة.
(٤) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ٤: ٣١٢
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٣٢) ٢: ١٤١ كتاب المناسك.
[ ٤ / ٢٤ ]
[لا يُخَيّر] (^١) بين الفعل والترك، بل لا يجوز تأخيره إلا بشرط العزم على الأداء، وهذا كقوله: " من أراد الجمعة فليغتسل " (^٢)، و" من أراد الصلاة فليتوضأ "، وقوله ﷾: (لمن شاء منكم أن يستقيم) [التكوير: ٢٨].
والغرض بذلك: أن الإرادة تميز بين القاصد والساهي. فإنّ الإرادة تحدث
عند حدوث الوجوب. فحينئذ يخاطب بالتعجيل، أو لأن الإرادة تكون واجبة ومستحبة فكذلك التعجيل المعلق عليها حكمه حكمها.
ولأن الحج والعمرة فرض العمر فأشبها الإيمان.
ولأن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة غالبًا. فأشبه الجهاد.
ولأنه أحد مبانى الإسلام. فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين؛ كبقية المبانى. بل أولى؛ لأن سائر المبانى يصح فعلها في كل وقت. ثم منها ما هو مضيق بالكلية؛ كالصوم، ومنها ما فيه توسعة يسيرة لا تفوت مصلحتها غالبًا؛ كالصلاة؛ لأنه إذا خيف من حدوث عائق، أمكن غالبًا تقدمه أو الاستدراك بالقضاء عقبه.
وأما الحج فمدته طويلة ومشقته كثيرة ولا يصح في السنة إلا مرة. فكان التحفظ منه أولى.
وأما تأخير النبي - ﷺوأصحابه فيحتمل أنه قبل نزول فرضه. فإنه قد قيل: أن
قوله ﷿: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ الاية [ال عمران: ٩٧] نزلت في سنة عشر.
وقيل: في سنة تسع في أواخرها.
ويحتمل أنه بعد (^٣) نزول فرضه. ويكون تأخيره إما لأن الله ﷾ أطلع نبيه على أنه لا يموت حتى يحج فكان على يقين من الإدراك. قاله أبو زيد الحنفى.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٤٤) ٢: ٥٧٩ كتاب الجمعة.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٥ ]
أو لاحتمال عدم الاستطاعة إما في حقه وحق الله ﷿؛ لخوفه على المدينة من المنافقين واليهود وغيرهم ومراسلتهم للروم الذين كانوا جمعوا له (^١) في قرية تبوك وهو قريب العهد لغزوهم، وإما لحاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه خوفًا عليه. فإن مقامه في جماعة ليس لهم منعة مدة غيبة الحاج عنه يخشى عليه من أعدائه كما سبق.
ويحتمل أن الله ﷾ كره له الحج مع المشركين عراة حول البيت وكونهم يشاركونه (^٢) ومعه أمته في حجتهم على عادتهم على شركهم، ولم يكن صرفهم بعد عن مكة، وكانت لهم عهود وعقود فيها ألا يُصدوا عن البيت، ولا يتعرض لهم في الشهر الحرام، وكان لقبائل عهود إلى مدة، وكانت السنة
التاسعة آخر سني (^٣) النسيء بحيث كان الحج فيها في ذي القعد ة، وكان الناس يقف الحُمُس منهم وهم قريش نهارًا في اليوم التاسع بمزدلفة لا بعرفات. بخلاف سائر القبائل. وكذا (^٤) فعل أبو بكر في حجته فاختار الله ﷿ التأخير لنبيه - ﷺوأمته حتى بعث أبا بكر في التاسعة فنادى: " أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك " (^٥) . وتليت الآيات التي فيها إبطال نسيء الجاهلية، وصارت حجة الرسول - ﷺفي ذي الحجة في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله تعالى السموات والأرض (^٦)، ووقف بأمته بعرفات من قريش وغيرهم، وتعلمت منه أمته المناسك التي استقر شرعه عليها. وبعض هذه المصالح عذر في التأخير. فمجموعها أولى.
(والعاجز) عن السعي إلى الحج (لكبر أو مرض لا يرجى برؤه)؛ كزمانة
_________________
(١) في ب: لهم.
(٢) في أ: يشاركونهم.
(٣) في ب: سنين.
(٤) في أ: وكذلك.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٣ ١) ٢: ٥٨٦ كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك.
(٦) ساقط من ب.
[ ٤ / ٢٦ ]
ونحوها، (أو ثِقَل) بحيث يصير (لا يَقدر معه) أي: مع الثقل (ركوب) على الراحلة أو في محمل (إلا بمشقة شديدة) غير محتملة، (أو لكونه) أي: كون القادر على الزاد والراحلة (نِضْوَ الخلقة، لا يقدر ثبوتا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة: يلزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه فورًا من بلده)؛ وذلك لقول ابن عباس: " أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه " (^١) . متفق عليه.
قال أحمد: أو كانت المرأة ثقيلة لا يقدر مثلها يركب إلا بمشقة شديدة. وأطلق أبو الخطاب وغيره عدم القدرة. ويسمى المعضوب.
ولأن الحج والعمرة عبادتان تجب الكفارة بإفسادهما. فجاز أن يقوم غيره فيهما؛ كالصوم.
وظاهر حديث ابن عباس أنه لا يشترط اتحاد النوع. فيصح أن تنوب المرأة
عن الرجل والرجل عن المراة.
وأما كونه يجب أن تكون الاستنابة فورًا ومن بلد المستنيب؛ لأنه وجب على
المستنيب كذلك.
(وأجزأ) حج النائب (عمن عُوفي) من مرض أو غيره أُبيح له من أجله الاستنابة؛ لأنه أتى بما أمر به. فخرج من عهدته؛ كما لو لم يبرأ.
والمعتبر لجواز الاستنابة الإياس ظاهرًا. ولو اعتدت من ارتفع حيضها لم تبطل عدتها بعوده.
قال صاحب " المحرر " وغيره: وهو نظير مسألتنا. ولا فرق في ذلك على الأصح بين أن يعافى بعد فراغ نائبه من النسك أو قبله بعد إحرامه؛ كالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤١٣٨) ٤: ١٥٩٨ كتاب المغازي، باب حجة الوداع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٥٦) ٢: ٦٥٧ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب حج المرأة عن الرجل.
[ ٤ / ٢٧ ]
(لا) إن عوفي (قبل إحرام نائبه) فإنه لا يجزئه اتفاقًا، للقدرة على المبدل
قبل الشروع في البدل.
وليس لمن يرجى زوال علته أن يستنيب. فإن فعل لم يجزئه وفاقًا.
(ويسقطان) أي: الحج والعمرة (عمن لم يجد نائبًا) من العاجز عن الحج والعمرة؛ لكبر أو مرض أو غيرهما ممن تجوز له الاستنابة فيهما؛ لعدم استطاعته بنفسه ونائبه.
(ومن لزمه) حج أو عمرة (فتُوفي) قبل أن يفعل شيئًا منهمًا. سواء كان
ذلك واجبًا بأصل الشرع أو بإيجاب نفسه فرط أو لا، وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولو قبل التمكن)، وخلّف مالًا: (أخرج عنه) أي: عن الميت (من جميع ماله حَجة وعمرة) أي: ما يفعل به حجة وعمرة (من حيث وجبا) على الميت. نص عليه؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء ولو لم يوص بذلك؛ وذلك (^١) لما روى ابن عباس " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قا ل: ثعم حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته (^٢) ٠ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " (^٣) . رواه البخاري.
ولأنه حق استقر على الميت. فلم يسقط بموته؛ كالدين.
(ويجزئ) الحج عن الميت الذي له وطنان (من أقرب وطنيه) لتخيير (^٤) المنوب عنه لو كان حيًا.
(و) من ببلده (من خارج بلده إلى دون مسافة قصر)، لأن ما دون مسافة القصر في حكم الحاضر.
(ويسقط) الحج عمن وجب عليه ومات قبله (بحج أجنبي عنه) بدون
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: قاضيتيه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٨٥) ٦: ٢٦٦٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين. . .
(٤) في أ: فتخيير.
[ ٤ / ٢٨ ]
مال، وبدون إذن الورثة، لحديث ابن عباس، وتشبيهه بالدين.
(لا عن حي بلا إذنه) يعني: أنه لو حج إنسان عن حي معذور بدون إذنه لم يسقط عنه فرض الحج، كما لو دفع أجنبي زكاة مال غيره بغير إذنه فإنها لا تسقط. بخلاف دين الآدمي، لأنه ليس بعبادة.
(ويقع) حج من حج عن حي بلا إذنه (عن نفسه) أي: نفس الحاج (ولو)
كان الحج (نفلًا) عن المحجوج عنه بغير إذنه، لعدم استئذانه مع إمكانه. (ومن) مات وقد وجب عليه الحج و(ضاق ماله) عن أن يحج به من بلد هـ، (أو) ضاق عن ذلك لكونه (لزمه دين) وتزاحموا: (أُخذ) من المال (لحج بحصته)؛ كما لو خلف مائة وعليه دين مثلها والحج يكفيه مائة. فيؤخذ له خمسون من ماله، (وحج به) أي: بما يوجد من المال بحصة الحج (من حيث بلغ). نص عليه، لقدرته على بعض المأمور به على الأصح.
وعنه: يقدم الدين؛ لتأكده.
(وإن مات) من وجب (^١) عليه الحج بطريق الحج، (أو) مات (نائبه بطريقه: حج عنه من حيث مات)، لأن الاستنابة من حيث وجب القضاء. ولم يلزم أن يحج عنه من وطنه، لأن المنوب عنه لم يكن عليه أن يرجع إلى محل وطنه ثم يعود إلى الحج. فيجب أن يستناب عنه (فيما بقي). نص عليه، (مسافة وفعلًا وقولًا) لفعله قبل موته بعض ما وجب وهو السعي إلى ذلك المحل الذي مات فيه.
(وإن صُدّ) في أثناء طريقه (فعل ما بقي) أيضًا؛ لأنه أسقط بعض الواجب. (وإن وصى) إنسان (بنفل) أي: بحج نفل (وأطلق) بأن لم يقل من محل كذا: (جاز) أن يحج عنه (من ميقاته) أي: من ميقات بلد الموصي. نص عليه. (ما لم تمنع قرينة) من ذلك؛ كما لو جعل لمن يحج عنه مالًا بقدر نفقة من يحج من بلده ونحو ذلك. فلا يجزئه إلا من محل وصيته، كحج واجب.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٤ / ٢٩ ]
فإن لم يف ثلثه بالحج من محل وصيته حُج به من حيث يبلغ أو يعان به في الحج. نص عليه.
(ولا يصح ممن لم يحجّ عن نفسه، حج عن غيره) فرض غيره، (ولا نذره، ولا نافلته)، حيًا كان المحجوج عنه أو ميتًا على الأصح، وفاقًا للشافعي.
(فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام)، لحديث عبدة بن سليمان عن ابن
أبي عروبة عن قتادة عن عزرة - بعين مهملة ثم بزاي فراء - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " أن النبي - ﷺسمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال (^١): حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة " (^٢) . إسناده جيد. احتج به أحمد في رواية صالح.
قال البيهقي: إسناده صحيح. ورواه أحمد وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وابن حبان، والطبرانى.
ولأنه حج عن غيره قبل حجه عن (^٣) نفسه. فلم يجز، كما لو كان صبيًا. وقوله: "حج عن نفسك " أي: استدمه (^٤)، كقولك للمؤمن: آمن. ولهذا روى الدارقطني من طريقين وفيهما ضعف: "هذه عنك وحج عن شبرمة" (^٥) . ولأن الإحرام ركن. فبقاؤه يمنع أداءه عن غيره؛ كطواف الزيارة.
وبه فرق (^٦) بينه وبين الزكاة. فإنه لا يطوف من لم يطف عن نفسه، وينوب
في الزكاة من بقي عليه بعضها.
_________________
(١) في ب: فقال.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨١١) ٢: ١٦٢ كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٠٣) ٢: ٩٦٩ كتاب المناسك، باب الحج عن الميت.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: استدامه.
(٥) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٤٣) ٢: ٢٦٨ كتاب الحج.
(٦) في ب: فرقا.
[ ٤ / ٣٠ ]
وقال أبو حفص العكبري: ينعقد عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
وعنه: يقع باطلًا؛ لتعيين (^١) النية لطواف الزيارة. وهذا لا يلزم منه بطلان
إحرامه.
وعنه: يجوز عن غيره ويقع عنه، جعلها القاضي ظاهر نقل محمد بن
ماهان: فيمن عليه دين ولا مال أيحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم،
وفاقًا لأبي حنيفة ومالك وداود.
(ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه حجة الإسلام: وقع) حجه (عنها) أي:
عن حجة الإسلام دون النذر والنفل على الأصح. نص عليه، وفاقًا للشافعي؛
لأنه قول ابن عمر وأنس.
فعلى هذا تبقى الحجة المنذورة في ذمته.
ونقل أبو طالب: تجزئ عن حجة الإسلام وعن المنذورة.
(والنائب كالمنوب عنه) في الصور المتقدمة. فلو أحرم بنذر أو نفل عمن
عليه حجة الإسلام وقع عنها على الأصح. ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه قضاء حجة فاسدة وقعت عن القضاء دون ما نواه على الأصح.
(ويصح أن يحج عن معضوب، و) عن (ميت) اثنان، (واحد في
فرضه، وآخر في نذره في عام) واحد.
(وأيهما) أي: أي النائبين (أحرم أولًا) أي: قبل الآخر (فعن حجة
الإسلام، ثم) الحجة (الأخرى) التي أحرم بها الثانى بعد إحرام الاول تكون (عن نذره ولو لم ينوه) أي: لم ينو الثانى أنها عن النذر؛ لأنه قد يعفى عن التعيين في باب الحج؛ لانعقاده مبهمًا ثم يعين.
(و) يصح (أن يجعل قارن) وهو من أحرم بالحج والعمرة معا ً، أو أحرم
بعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل شروعه في طواف العمرة: (الحج) الذي هو
_________________
(١) في أ: كتعيين.
[ ٤ / ٣١ ]
أحد نسكي القارن (عن شخص) استنابه في الحج، (و) أن يجعل (العمرة عن) شخص (آخر) استنابه للعمرة، لأن القران نسك مشروع. لكن لا يصح ذلك عنهما إلا (بإذنهما) أي: إذن الشخصين، وإن لم يأذنا في ذلك صحت الحجة والعمرة للمحرم، وضمن ما (^١) جعل له في الحجة والعمرة؛ كمن أمر بحج فاعتمر، أو أمر بعمرة فحج. ذكره القاضي وغيره.
وفي " المغني " و" الشرح ": يقع عنهما. فإن أذن أحدهما رد على غير الإذن نصف نفقته وحده؛ لأن المخالفة في صفته.
(و) يصح (أن يستنيب قادر) على الحج (وغيره) أي: غير القادر على الحج (في نفل حج، و) في (بعضه) أي: بعض نفل الحج على الأصح، خلافًا للشافعي؛ كالصدقة. والخلاف في عجز مرجو الزوال.
وأما حج النفل عن المعضوب والميت. فوافق عليها الأئمة الثلاثة.
ويصح حج النفل عن الميت ويقع عنه، لأن الميت إذا عزي إليه العبادة وقعت عنه، ويصير كأنه مهدى إليه ثوابها، وهو عاجز عن الكسب متعذر منه الإذن. بخلاف الحى.
ويستحب أن يحج عن أبويه، قال بعضهم: إن لم يحجا.
وقال بعضهم: وغيرهما. ويقدم أمه؛ لأنها أحق بالبر. ويقدم واجب
عليه على نفل أمه. نص عليهما.
نقل ابن إبراهيم: من حج ويريد الحج ولم يحج والداه يجعل (^٢) حجة التطوع عنهما،
عن كل واحد حجة.
نقل أبو طالب: يقدم دين أبيه على نفله لنفسه. فأمه أولى.
وقيل له في رواية أبي داود: أريد ان أحج عن أمي أترجو أن يكون لي أجر حجة أيضًا؟
قال نعم. تقضي عنها دينًا عليها.
_________________
(١) في ب: من.
(٢) في أ: جعل.
[ ٤ / ٣٢ ]
وقيل له: أحج (^١) عنها فأنفق من مالي وأنوي عنها أليس جائزًا؟ قال: نعم.
وعن زيد بن أرقم مرفوعًا: [" إذا حج الرجل عنه وعن والديه تقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برًا " (^٢) . في إسناده أبو أمية (^٣) الطرسوسي وابو سعمد البقال ضعيفان.
وعن ابن عباس مرفوعا] (^٤): " من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرمًا،
بعُث يوم القيامة مع (^٥) الأبرار " (^٦) . فيه صلة بن سليمان، متروك.
[وعن عثمان بن عبدالرحمن عن محمد بن عمرو البصري عن عطاء عن جابر مرفوعًا: " من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته (^٧)، وكان له فضل عشر حجج " (^٨) . ضعيف] (^٩) . رواهن (^١٠) الدارقطني.
(والنائب) في الحج (أمين فيما أعطيه) من مال (ليحج منه). فيركب
وينفق منه بالمعروف.
(ويضمن) النائب (ما زاد) أي: ما أنفقه زائدًا (على نفقة المعروف،
أو) ما أنفقه زائدًا بسبب سلوك طريق أبعد، مع إمكانه سلوك (طريق أقرب بلا ضرر) عليه في سلوك الطريق الأقرب.
قال الموفق: أو تعجل عجلة يمكنه تركها.
قال في "الفروع ": كذا قال. ونقل الأثرم: يضمن ما زاد على ما أمر بسلوكه.
_________________
(١) في أ: أحجج.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٠٩) ٢: ٢٥٩ كتاب الحج.
(٣) في ب: ابن أمية.
(٤) ساقط. من أ.
(٥) في أ: من.
(٦) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١١٠) ٢: ٢٦٠ كتاب الحج.
(٧) ساقط من ب.
(٨) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١١٢) الموضع السابق.
(٩) ساقط من أ.
(١٠) كذا في ج، وفي أ: رواهما، وفي ب: رواه.
[ ٤ / ٣٣ ]
(ويرد) أي: ويجب عليه أن يرد (ما فضل) عن نفقته بالمعروف. إلا أن يؤذن له أن يتصرف فيه بما شاء.
ووجه وجوب رد ما فضل، لأنه لم يُملّكه له المستنيب، وإنما أباح له أن ينفق على نفسه منه بالمعروف.
قال في " الفروع ": فيؤخذ منه لو أحرم ثم مات مستنيبه أخذه الورثة، وضمن ما أنفق بعد موته. وقاله الحنفية.
ويتوجه: لا؛ للزوم ما أذن فيه.
قال فى " الإرشاد " وغيره في: حُّجّ عني بهذا فما فضل فلك: ليس له أن يشتري به تجارة قبل حجه. وكذا قال الحنفية.
(ويحسب له) أي: للنائب (نفقة رجوعه) [بعد حجه] (^١)، خلافًا لما فى
" الرعاية الكبرى " (^٢) .
ولأبي يوسف: إلا أن يتخذها دارًا ولو ساعة. فلا؛ لسقوطها. فلم تعد إنفاقًا. (و) يحسب له أيضًا نفقة (خادمه إن لم يخدم نفسه مثله) أي: مثل النائب. قاله بعض الحنفية.
قال في " الفروع ": وهو متجه. وإن مات أو ضل أو صُدّ أو مرض أو تلف
بلا تفريط أو أعوز بعده: لم يضمن. ويتوجه من كلامهم: يُصدَّق إلا أن يدعي أمرًا ظاهرًا فيبينه.
(ويرجع) النائب (بما استدانه لعذر) على مستنيبه، (وبما أنفق عن (^٣) نفسه بنية رجوع)، وعند أكثر الحنفية: يرجع إن أنفق بحاكم.
(وما لزم نائبًا بمخالفته فمنه) أي: من النائب. فمن أُمر بحج فاعتمر لنفسه ثم حج فقال القاضي وغيره: يرد كل النفقة؛ لأنه لم يؤمر به، وفاقًا لأبي حنيفة.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: خلافًا ل"الرعاية الكبرى ".
(٣) في ب: على.
[ ٤ / ٣٤ ]
ونص أحمد واختاره الموفق وغيره: إن أحرم به من ميقات فلا، وفاقًا للشافعي. ومن مكة يرد من النفقة ما بينهما.
ومن أمر بحج فجاوز الميقات محلًا ثم رجع ليحرم ضمن نفقة تجاوزه ورجوعه.
وإن أقام بمكة فوق مدة قصر بلا عذر فمن ماله.
وهل الوحدة عذر إن قدر أن يخرج وحده؟
قال في "الفروع ": يتوجه خلاف كالحنفية. وظاهر كلام أصحابنا مختلف. والأولى أنه عذر. ومعناه في "الرعاية" وغيرها للنهي (^١)، وحمله على الخوف فيه نظر؛ لأنه من (^٢) المبيت وحده، وظهر من هذا: يضمن إن خرج. انتهى.
ونفقة الحج إن فسد على النائب، وكذا نفقة حجة القضاء، ويرد ما أخذ؛ لأن الحجة لم تقع عن مستنيبه؛ لجنايته وتفريطه.
والدماء الواجبة بفعل محظور على نائب. والمنصوص: ودم تمتع وقران كنهيه عنه، وعلى مستنيبه إن أذن.
ونقل ابن منصور: إن أمر مريض من يرمي عنه فنسي المأمور أساء والدم
على الامر.
قال في " الفروع ": ويتوجه أن ما سبق من نفقة تجاوزه ورجوعه والدم مع
عذر على مستنيبه؛ كما ذكروه في النفقة في فواته بلا تفريط. ولعله مرادهم.
وإن شرط أحدهما أن الدم الواجب عليه على (^٣) غيره: لم يصح شرطه؛ كأجنبي.
***
_________________
(١) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٠٧) ٣: ٣٦ كتاب الجهاد، باب في الرجل يسافر وحده.
(٢) في أ: لأن منه.
(٣) ساقط من ب.
[ ٤ / ٣٥ ]
[فصل: في المحرَم]
(فصل. وشُرط لوجوب) أي: وجوب الحج والعمرة (على أنثى محرم). نقله الجماعة عن أحمد، وأنه قال: المحرم من السبيل. فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها. هذا نص أحمد في رواية الأثرم وابن منصور (^١) وحرب وأبي داود. وصرح في رواية الميمونى وحرب بالتسوية بين الشابة والعجوز، وفاقًا للأئمة الثلاثة.
ولا فرق في ذلك بين طويل السفر وقصيره؛ وذلك لحديث ابن عباس:
" لاتسافر امرأة إلا مع محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. فقال رجل: يا رسول الله! إنى أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال: اخرج معها " (^٢) . رواه أحمد بإسناد صحيح.
وفي " الصحيحين ": " إن امرأتي خرجت حاجة وإنى اكتُتِبْتُ في غزوة كذا. قال (^٣): انطلق فحج معها " (^٤) .
وعن أبي سعيد أن النبي - ﷺقال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فضاعدًا، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها " (^٥) . رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.
_________________
(١) في أ: وأبي منصور.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٣٢٣١) ١: ٣٤٦
(٣) في ب: فقال.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه" (٢٨٤٤) ٣: ٤٨ كتاب الجهاد والسير، باب من اكتتب في جيش. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤١) ٢: ٩٧٨ كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤٠) ٢: ٩٧٧ كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٢٦) ٢: ١٤٠ كتاب المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم. وأخرجه الترمذى في " جامعه " (١١٦٩) ٣: ٤٧٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء فى كراهية أن تسافر المرأة وحدها.
[ ٤ / ٣٦ ]
وعن ابن عباس أن النبي - ﷺقال: " لا تحجّنّ امرأة الا ومعها ذو محرم " (^١) . رواه الدارقطني في " سننه "، وأبو بكر عبدالعزيز في " الشافي ".
ولا فرق في ذلك بين كون الحج فرضًا أو تطوعًا؛ لأن الرجل لما قال: "إن إمرأتي خرجت حاجّه ": أمره بإدراكها ولم يستفصله عن حجها. فرض أو تطوع. والوقت وقت حاجة إلى البيان. فعلم أن نهيه شامل للجميع، وأنها أنشأت سفرًا لم يصيرها إليه الخوف على نفسها بالبلد. فأشبه ما إذا سافرت لحج تطوع أو زيارة أو تجارة ونحوها.
وعن أحمد: أن المحرم شرط لزوم السعي إليه دون وجوب الحج في الذمة.
فعلى هذا يلزمها أن تستنيب فيه إذا كانت ممن لا تثبت على الرحل وأن توصي به.
وعنه رواية ثانية: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب إذا وجدت من تأمن بالخروج معه. وبهذا قال مالك والشافعي.
قال الأثرم: سمعت أحمد سُئل هل يكون الرجل محرمًا لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال في حجة الفريضه: فأرجو؛ لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا.
ووجه المذهب: أن اعتبار المحرم أولى؛ للنص عليه.
ولأن منعها من السفر وحدها قد منع مثه إجماعًا؛ لحفظها وصيانتها والذب عنها. وتعليق إدارة الحكم على حقائق الحكم لا تمكن، بل على الضوابط والمظانّ.
وإذا لم يكن بد من ضابط فكان جعل المحرم الذي جعله النبي - ﷺضابطًا
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٩٨) ٢: ٩٦٨ كتاب المناسك، باب المرأة تحج بغير ولي. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٥٣٣) ٣: ٥٤ أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٠) ٢: ٢٢٢ كتاب الحج.
[ ٤ / ٣٧ ]
وأجمعوا عليه في سفر التجارة والزيارة أولى، لأن من اشترط غير ذلك لا حجة معه عليه.
وقول النبي - ﷺلعدي بن حاتم في حديث متفق عليه: " يا عدي! إن طالت
بك حياة، لتَرَينَّ الظَّعينة ترتحل (^١) من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله " (^٢): لا حجة فيه للمخالف. فإن الحديث إنما دل على وقوع الخروج خاليا عن إخافة السبيل، لقوة الإسلام وظهور عدله.
(وفي أي موضع اعتبر) المحرم، (فلمن لعورتها حكم، وهي) أي: التي لعورتها حكم: (بنت سبع سنين فأكثر) على ما سبق في غسل الميت.
قال القاضي: اعتبر أحمد المحرم فيمن يخاف أن ينالها الرجال. فقيل له في رواية أحمد بن إبراهيم: متى لا يحل سفرها إلا بمحرم؟ قال: إذا صار لها سبع سنين، أو قال: تسعه. والله اعلم.
وعنه: لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر، وفاقًا لأبي حنيفة، كما لا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف وفاقًا.
والاول المذهب؛ لحديث ابن عباس: " لا تسافر امرأة إلا مع محرم " (^٣) .
وما روي من حديث ابن عمر مرفوعًا: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: ترحل.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٤٠٠) ٣: ١٣١٦ كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. وحديث عدي عند مسلم في الزكاة (١٠١٦) ٢: ٧٠٣ باب الحث على الصدقة ولو بشق تمره. ولكن بدون ذكر هذه الجملة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٦٣) ٢: ٦٥٨ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب حج النساء.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٠٣٧) ١: ٣٦٩ أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٨) ٢: ٩٧٥ كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.
[ ٤ / ٣٨ ]
وفي رواية: " ثلاثة أيام " (^١) .
وفي رواية " فوق ثلاث " (^٢) .
وفي البخاري في بعض طرقه: " ثلاثة أيام " (^٣) .
ولمسلم من حديث أبي سعيد: " يومين " (^٤) .
فالظاهر أن اختلاف الروايات لاختلاف السائلين فخرجت جوابًا لسؤالهم.
(وهو) أي: المحرم الذي لا يحل للمراة أن تسافر إلا وهو معها، (زوج). وسمي محرمًا مع كونها تحل له؛ لأن المقصود من سفر المحرم معها صيانتها وحفظها، مع إباحة الخلوة بها وهو موجود في الزوج.
(أو ذكر) فلا يكون الخنثى المشكل محرمًا.
(مسلم) فلا يكون الأب ونحوه من الكفار محرما لمسلمة. نص عليه؛ لأن الكافر لا يؤمن عليها؛ كالحضانة. وكالمجوسي؛ لاعتقاده حلها.
(مكلف) فلا يكون الصبي ولا المجنون محرمًا، لكن لا يشترط الحريه، وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولو عبدًا) وهو أبوها أو أخوها أو غيرهما ممن (تحرم عليه أبدا). فلا يكون العبد محرمًا لسيدته؛ لأنها لا تحرم عليه أبد أ. نقله الأثرم وغيره.
ولأنه لا يؤمن عليها. ولا يلزم من إباحة النظر المحرمية.
ويشترط كون تحريمها (لحرمتها)، ليخرج بذلك الملاعن؛ لأن تحريمها عليه أبدًا عقوبة عليه وتغليظًا.
ويشترط أيضًا: كون التحريم (بسبب مباح)، لتخرج المحرمة بسبب وطء
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤٠) ٢: ٩٧٧ الموضع السابق.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٨) ٢: ٩٧٥ الموضع السابق.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٠٣٦) ١: ٣٦٨ أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة. . .
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٢٧) ٢: ٩٧٥ الموضع السابق.
[ ٤ / ٣٩ ]
الشبهة ووطء الزنا. فلا يكون الواطئ بالشبهة محرمًا لأم الموطوءه بشبهة أو زنا، ولا لابنتها؛ لأن المحرمية نعمة. فاعتبر إباحة سببها؛ كسائر الرخص. قال في " الفروع ": والمراد والله أعلم (^١) بالشبهة ما جزم به جماعة: الوطء الحرام مع الشبهة؛ كالجارية المشتركة ونحوها، لكن ذكر في " الانتصار " وذكره شيخنا: أن الوطء في نكاح فاسد كالوطء بشبهة. انتهى.
ولما كان ما تقدم من الكلام شاملًا لأزواج النبي - ﷺلتحريمهن أبدًا على جميع الأمة بسبب مباح، احتيج إلى استثنائهن بقوله: (سوى نساء النبي ﷺ)، لأنهن أمهات المؤمنين في التحريم دون المحرمية.
وذكر بعضهم: أنه لا يحتاج إلى استثنائهن؛ لانقطاع حكمهن بموتهن.
ثم اعلم أن التحريم تارة يكون بسبب (او بنسب). ثم النسب قد يكون رضاعًا فإنه يحرم به ما يحرم بالنسب. وقد يكون وطءًا مباحا بنكاح؛ كأب الزوج وابنه وكزوج البنت وزوج الأم. وقد يكون وطءًا مباحا من غير نكاح كالوطء بملك اليمين. فإن سيد الأمة التي وطئها يكون محرمًا لأم سُرِّيته وبنتها من غيره، ويكون أبو واطئ سُرِّيته وابنه من غيرها محرمًا لها (^٢) .
والمحرم من النسب: أبو المرأة وإن علا، وابنها وإن سفل، وأخوها من كل جهة، وعمها من كل جهة، وكذا عم أبيها (^٣) وعم جدها وإن علا، وأبو أمها وجدتها وإن علت، وبنو بناتها وإن سفلن، وبنو إخوتها وأخواتها وبنو بناتهم (^٤) وإن سفلوا.
(ونفقته) أي: نفقة المحرم الذي يسافر معها لحجها (عليها) أي: على المسافرة للحج. نص على ذلك؛ لأنه من سبيلها. وذكره القدوري الحنفي.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: له.
(٣) في أ: ابنها.
(٤) في أ: بناتها.
[ ٤ / ٤٠ ]
(فيشترط لها) لوجوب السعي إلى الحج عليها (ملك زاد وراحلة لهما) أي: أن تملك المرأة زادًا وراحلة لها ولمحرمها صالحتين لهما.
(ولا يلزمه) أي: يلزم المحرم (مع بذلها ذلك) [أي: لا يلزم المحرم مع بذلها] (^١) له النفقة والزاد والراحلة: (سفر معها) على الأصح؛ للمشقة، كحجه عن مريضة.
وعنه: بلى؛ لأمره - ﷺللزوج في خبر ابن عباس أن يسافر مع زوجته (^٢) . وجوابه: أنه أمرٌ بعد حظر، أو أمر تخيير. وعلم - ﷺمن حاله أنه يعجبه أن يسافر معها.
(وتكون) المرأة مع امتناع محرمها من السفر معها (كمن لا محرم لها).
وإن أراد المحرم أجرة، قال في " الفروع: " فظاهر كلامهم لا يلزمها. ويتوجه: كنفقته، كما ذكروه في التغريب في الزنى، وفي قائد الأعمى. فدل ذلك كله على أنه لو تبرع لم يلزمها؛ للمنَّة.
ويتوجه: أن يجب للمحرم أجرة مثله. لا النفق؛ كقائد الأعمى.
ولا دليل يخص وجوب النفقة. انتهى.
(ومن أيستْ منه) أي: من المحرم (^٣) (استنابت) من يحج عنها على الأصح.
نقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد: في المرأة ليس لها محرم هل تدفع إلى رجل يحج عنها؟ فقال: إذا كانت قد يئست من المحرم فأرى أن تجهز رجلًا يحج عنها.
ونقل عنه ما يدل على المنع.
قال في رواية المروذي: في امرأة لها خمسون سنة وليس لها محرم:
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٦) رقم (٤).
(٣) في حاشية ب: بعد أن وُجد وفرطت. كذا بخط الموفق ولد المصنف.
[ ٤ / ٤١ ]
لا تخرج إلا مع ذي محرم، وأرجو أن ترزق بعلا تتزوج به.
قال في " شرح الهداية ": ويمكن حمل قوله على اختلاف حالين: فقوله بالمنع على ما إذا كان احتمال تزوجها لا يبعد عادة، ولهذا فرضه السائل في بنت خمسين سنة وليس تزوجها بعيدًا ولو بلغت الستين. ويحمل قوله بالجواز على من أيست منه ظاهرًا وعادة كبنت مائة سنة، أو ذات أسقام، أو أمراض، أو غير ذلك من الأمور العرفية التي يغلب على ظنها معها أنها لا تنكح. وهذا لأن الإياس المعتبر يكفي فيه الظهور دون القطع. ولهذا قلنا: أنه لو حج معه ثم عوفي منه أجزأه. ولو اعتبرناه قطعًا ويقينا لما تصورت العافية منه.
فعلى هذا: إن تزوجت بعد، كان حكمها حكم المعضوب. انتهى.
(وإن حجت) المرأة (بدونه) أي: بلا محرم (حرم) سفرها بدونه، (وأجزأ) حجها، وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ كمن حج وقد ترك حقا يلزمه من دين أو غيره. فإنه يحرم عليه ذلك، ويجزئه الحج.
(وإن) سافرت مع محرم ثم (مات بالطريق مضت في حجها)؛ لأنها لاتستفيد شيئًا بالرجوع؛ لكونه بغير محرم، (ولم تصر مُحصرة)؛ لأنها لا تستفيد بالتحلل زوال ما بها؛ كالمريض.
ويصح الحج من معضوب، وأجير خدمة بأجرة أو بدونها، وتاجر.
ولا إثم. نص على ذلك، وفاقًا للأئمة الثلاثة.
قال في " الفصول " و" المنتخب ": والثواب بحسب الإخلاص
قال أحمد: لو لم يكن معك تجارة كان أخلص. ورخص في التجارة والعمل في الغزو، ثم قال: ليس كمن لا يشوب غزوه بشيء من هذ ا. انتهى. والله ﷾ أعلم.
***
[ ٤ / ٤٢ ]
[باب: المواقيت]
هذا (باب) يذكر فيه مواضع الحج وأزمنته.
ثم (المواقيت) جمع ميقات، وهو لغة: الحد. واصطلاحًا: موضع العبادة وزمنها.
فالمواقيت اصطلاحًا: (مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة.
فميقات أهل المدينة: ذو الحُليَفة) بضم الحاء وفتح اللام، بينها وبين المدينة
ستة أميال أو سبعة. وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكه عشرة أيام.
(و) ميقات أهل (الشام ومصر والمغرب: الجُحْفة) بضم الجيم وسكون
الحاء المهملة. وهي قرية جامعة على طريق المدينة. وكان اسمها مَهْيَعة. فجحف السيل بأهلها فسميت الجحفة، وتلي ذا الحليفة في البعد. وبين الجحفة والمدينة ثمان (^١) مراحل.
(و) ميقات أهل (اليمن: يلملم)، بينها وبين مكة ليلتان. وفي " شرح البخاري " لابن حجر: مرحلتان ثلاثون ميلا.
(و) ميقات أهل (نجد الحجاز، و) أهل نجد (اليمن).
قال صاحب " المطلع ": هو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وكلها من
عمل اليمامة.
(و) أهل (الطائف: قرن) بسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل وقرن الثعالب. وهو على يوم وليلة من مكة.
(و) ميقات أهل (المشرق) وهم: أهل العراق، وأهل خراسان، وجميع الشرق: (ذات عرق). منزل معروف. سُمّي (^٢) بذلك، لأن فيه عرقًا وهو
_________________
(١) في ج: ثلاث.
(٢) في أ: يسمى.
[ ٤ / ٤٣ ]
الجبل الصغير. وقيل: العرق الأرض السبخة تنبت الطرفاء.
(وهذه) المواقيت (لأهلها) المذكورين، (ولمن مر عليها) من غير أهلها
[ممن أراد حجًا أو عمرة؛ كما لو مرَّ الشامي بذي الحليفه فإنه يحرم منها نصًا] (^١) .
(ومن منزله دونها) أي: دون هذه المواقيت من مكة (فمنه) أي: فميقاته
من منزله (لحج وعمرة).
والأصل في ذلك ما روى ابن عباس قال: " وقَّتَ رسول الله - ﷺلأهل المدينة ذا الحليفة (^٢)، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل (^٣)، ولأهل اليمن يلملم. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمحله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها " (^٤) . متفق عليه.
(ويحرم من بمكة لحج منها) أي: من مكه، لحديث ابن عباس.
(ويصح) لمن بمكة أن يحرم (من الحل، ولا دم عليه). نقله الأثرم وابن منصور، ونصره القاضي وأصحابه وفاقًا لمالك، كما لو خرج إلى الميقات الشرعي، وكالعمرة. ومنعوا وجوب إحرامه من الحرم ومكة.
وعنه: عليه دم.
(و) يُحرم مَن بمكة (لعمرة مِن الحل)، " لأن النبيﷺأمر عبدالرحمن ابن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم " (^٥) . متفق عليه.
ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم. فلم يكن بد من الحل؛ ليجمع في
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: ذي الحليفة.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٥٧) ٢: ٥٥٥ كتاب الحج، باب مهل أهل اليمن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٨١) ٢: ٨٣٨ كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٢٣) ٣: ١٠٨٩ كتاب الجهاد والسير، باب إرداف المرأه خلف أخيها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٢) ٢: ٨٨٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . . =
[ ٤ / ٤٤ ]
إحرامه بين الحل والحرم. بخلاف الحج. فإنه يخرج إلى عرفة فيحصل الجمع. (ويصح) الإحرام لعمرة (من مكة. وعليه) أي: على المحرم بعمرة من مكة (دم) لمخالفته بإحرامه من (^١) دون الميقات. أشبه ما لو تجاوز الميقات بغير إحرام.
(وتجزئه) العمرة التي أحرم بها من مكة عن عمرة الإسلام؛ لأن الإحرام من المحل المشروع له ليس شرطًا لصحة النسك. واشترط في " الفروع " تبعًا ل" المغني " أن يخرج إلى الحل قبل أن يحل منها. والمشهور خلافه.
قال الزركشي: فإن لم يخرج حتى أتم أفعالها فوجهان. والمشهور (^٢) الإجز اء. انتهى.
(ومن لم يمر بميقات) من المواقيت المذكورة (أحرم) بحج أو عمرة وجوبًا، (إذا علم أنه حاذى أقربها) أي: أقرب المواقيت (منه)؛ لقول عمر: " انظروا حذوها من قديد " (^٣) . رواه البخاري.
(وسُن) له (أن يحتاط)؛ لأن ذلك يعرف بالاجتهاد والتقدير؛ كالقبلة.
فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعد، إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام.
(فإن تساويا قربًا) منه (ف) إنه يحرم (من أبعدهما من مكة).
قال في " الرعاية " وكذا الشافعية: (فإن لم يحاذ ميقاتًا أحرم عن مكة بمرحلتين) أ: بقدر مرحلتين.
وذكر الحنفية مثله إن تعذر معرفة المحاذاة. قال في " الفروع ": وهذا متجه.
***
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: المشهور.
(٣) أخرجه اليخاري في " صحيحه " (١٤٥٨) ٢: ٥٥٦ كتاب الحج، باب ذات عرق لأهل العراق. ولفظه: " فانظروا حذوها من طريقكم ".
[ ٤ / ٤٥ ]
[فصل: الإحرام من الميقات]
(فصل. ولا يَحل لمكلف حر مسلم أراد مكة). نص عليه، (او) أراد (الحرم، او) أراد (نُسكًا: تجاوز ميقات بلا إحرام)؛ لأنه - ﷺوقَّت المواقيت (^١)، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز الميقات بغير إحرام.
وعنه: لا يلزم الإحرام من الميقات إلا من أراد نسكًا.
والمذهب الاول.
(إلا) من تجاوزه (لقتال مباح)؛ " لدخوله - ﷺيوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر" (^٢) .
ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرمًا ذلك اليوم.
(أو خوف) (^٣) أي: وإلا من تجاوزه خائفًا، (أو) مع (حاجة (^٤) تتكرر؛ كحطَّاب، ونحوه)؛ كالذي يحش الحشيش من الحل ويدخل به إلى مكة؛ لما روى حرب عن ابن عباس: " لا يدخل إنسان مكة إلا محرمًا، إلا الحمالين والحطابين وأصحاب منافعها ". احتج به أحمد.
(و) ك (مكي يتردد لقريته بالحل) إذ لو وجب عليه الإحرام كلما دخل
إلى (^٥) مكة، لأدى ذلك إلى مشقة وضرر عليه. وهو منتف شرعًا.
قال ابن عقيل: وكتحية المسجد في حق قيمه للمشقة.
_________________
(١) سبق تخريج حديث المواقيت عن ابن عباس ص (٤٤) رقم (٤).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٧٩) ٣: ١١٠٧ كتاب الجهاد والسير، باب قتل الأسير وقتل الصبر، عن أنس بن مالك.
(٣) في ب: أو لخوف.
(٤) في ب: (او) لحاجة.
(٥) ساقط من ب.
[ ٤ / ٤٦ ]
(ثم إن بدا له) أي: لمن لم يلزمه الإحرام ممن في ذكرنا أن يحرم، (أو) بدا
(لمن لم يرد الحرم أن يُحرم، أو لزم) الإحرام (من تجاوز الميقات) حال كونه (كافرًا أو غير مكلف)، كما لو تجاوزه وهو صغير أو مجنون. (أو) حال كونه (رقيقًا) فأسلم الكافر، وكلف من كان غير مكلف، وعتق الرقيق. (أو تجاوزها) أي: تجاوز المواقيت حال كونه (غير قاصد مكة ثم بدا له قصدها: فمن موضعه) يعني: فإنه يحرم من موضعه، لأنه قد حصل دون الميقات على وجه مباح. فكان له أن يحرم منه؛ كأهل ذلك المكان.
(ولا دم عليه)؛ لأن مَن منزله دون الميقات لو خرج إلى الميقات ثم عاد فأحرم من منزله لم يلزمه شيء.
وعنه: يلزم من تجاوز الميقات كافرًا أو غير مكلف أو رقيقًا دم إذا أحرم من
دون الميقات وقد صار مسلمًا مكلفًا حرًا.
وعنه: يلزم من أسلم فقط. نصره القاضي وأصحابه؛ لأنه حر بالغ عاقل؛ كالمسلم، وهو متمكن من زوال المانع.
(وأُبيحَ للنبي - ﷺوأصحابه، دخول مكة مُحلِّين، ساعة. وهي: من طلوع الشمس إلى صلاة العصر. لا قطعُ شجر)؛ " لأن النبي - ﷺ - قام الغد من يوم فتح مكة. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺفقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها كحرمتها. فليبلغ الشاهد منكم الغائب " (^١) .
(ومن جاوزه) أي: جاوز الميقات حال كونه (يريد نُسكًا أو كان) النسك (فرضه). حتى (ولو). كان (جاهلًا) أنه الميقات، (او) كان (ناسيًا) ولم يحرم من الميقات: (لزمه أن يرجع) إلى الميقات (فيحرم منه) حيث أمكنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٠٤) ١: ٥١ كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٤) ٢: ٩٨٧ كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها. . .
[ ٤ / ٤٧ ]
الرجوع؛ لأنه واجب أمكنه فعله. فلزمه؛ كسائر الواجبات.
ومحل ذلك: (إن لم يخف فوت حج أو غيره) أي: غير فوت الحج؛ كما
لو خاف على نفسه أو ماله لصًا أو نحوه.
(ويلزمه إن أحرم من موضعه دم)؛ لتركه واجبًا وهو الإحرام من الميقات.
وقد روى ابن عباس أن النبي - ﷺقال: " من ترك نسكًا فعليه دم " (^١) .
(ولا يسقط) الدم (إن أفسده) أي: أفسد ما أحرم به. نص عليه.
(أو رجع) إلى الميقات محرمًا. نص عليه؛ كدم محظور.
(وكُره إحرام قبل ميقات) وينعقد.
قال أحمد: هو أعجب إليَّ. وقاله القاضي وأصحابه و" المغني " و" المستوعب " وغيرهم.
وروى الحسن " أن عمران (^٢) بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله - ﷺأحرم من مصره ". وقال: " إن عبدالله بن عامر أحرم من خراسان. فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له " (^٣) . رواهما سعيد والأثرم.
وقال البخاري: " كرهَ عثمان أن يُحرَم من خُراسان أو كَرْمان " (^٤) .
وقال الشافعي: أنبأنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء " أن رسولاللهﷺلما وقَّتَ المواقيت قال: يستمتعُ المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٥٢ كتاب الحج، باب من ترك شيئًا من الرمي حتى يذهب أيام منى.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٣١ كتاب الحج، باب من استحب الإحرام من دويرة أهله.
(٤) ذكره البخاري في "صحيحه " تعليقًا ٢: ٥٦٥ كتاب الحج، باب قول الله تعالى: (ولكم فى القصاص).
(٥) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٧٥١) ١: ٢٨٧ كتاب الحج، باب في مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية.
[ ٤ / ٤٨ ]
وروى أبو يعلى الموصلي بإسناده عن أبي أيوب قال: قال رسول اللهﷺ -:
" يستمتع أحدكم بحله ما استطاع. فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه " (^١) . (و) كره أيضًا إحرام (بحج قبل أشهره) أي: أشهر الحج.
قال في " شرح المقنع الكبير ": بغير خلاف علمناه.
(وهي) أي: أشهر الحج: (شو ال، وذو القعدة، وعثسر من ذي الحجة)
منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر. [نص عليه] (^٢) . ووجه ذلك ما روى البخاري عن ابن عمر: " أن النبي - ﷺقال عن يوم النحر: يوم الحج الأكبر" (^٣) . قال القاضي والموفق وغيرهما: العرب تغلب التأنيث في العدد خاصة؛ لسبق الليالي فتقول: سرنا عشرًا.
وقوله: (فمن فَرَض فيهنَّ الحجّ) [البقرة: ١٩٧] أي: في أكثرهن. وإنما فات الحج بفجر يوم النحر؛ لفوات الوقوف. لا لخروج وقت الحج.
وقوله: (الحج أشهر) [البقرة: ١٩٧] أي: في بعضها؛ كقوله ﷾: (وجعل القمر فيهن نورا) [نوج: ١٦]. ثم الجمع يقع على اثنين وعلى اثنين وبعض آخر (^٤) .
ويصح في غير أشهر الحج إحرام بالحج (وينعقد).
نقل أبو طالب وسندي: يلزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة فله ذلك.
قال القاضي: بناء على أصله في فسخ الحج إلى العمرة.
وعن أحمد: تنعقد عمرة. ونقل عبدالله: يجعله عمرة. ذكره القاضي موافقًا للاول.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٣٠ كتاب الحج، باب من استحب الإحرام من دويرة أهله. ولم أره في " مسند أبي يعلى " الصغير المطبوع.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه البخاري في " صححيحه " (٣٠٠٦) ٣: ١١٦٠ أبواب الجزية والموادعة، باب كيف ينبذ إلى أهل العهد.
(٤) في أ: يقع على اثنين وعلى اثنين وبعض آخر، وفي ب: يقع على اثنين وعلى بعض آخر.
[ ٤ / ٤٩ ]
قال في " الفروع ": ولعله أراد إن صرفه إلى عمرة أخرى أجزأ عنها، وإلا تحلل بعملها، ولا يجزئ عنها.
وللشافعي قول: يتحلل بعملها، ولا يجزئ عنها.
ونقل ابن منصور: يكره.
قال القاضي: أراد كراهة تنزيه.
وذكر ابن شهاب العكبري رواية: لا يجوز.
وجه الاول: (يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج) [البقرة:
١٨٩]. وكلها مواقيت للناس فكذا الحج، وأحد الميقاتين كميقات المكان. وقوله: (الحج أشهر) [البقرة: ١٩٧] أي: مُعظَمُه فيها؛ كقوله: " الحج عرفة " (^١)، أو أراد حج المتمتع.
وإن أضمر الإحرام أضمرنا الفضيلة. والخصم يضمر الجواز، والمضمر لا يعم. وقول الخصم: الحج مجمل في القرآن بينه - ﷺبفعله. وقال: " خذوا عني مناسككم " (^٢) .
أجاب القاضي وغيره: بين ﵊ الواجب والمستحب، ويجب علينا أخذ المسنون منه، كالواجب.
وقول ابن عباس: " من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ": على
الاستحباب.
والإحرام تتراخى الأفعال عنه. فهو كالطهارة ونية الصوم. بخلاف الصلاة والصوم. انتهى.
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص (٢٥٤) رقم (١).
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٩٧) ٢: ٩٤٣ كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا. . . وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٧٠) ٢: ٢٠١ كتاب المناسك، باب في رمى الجمار. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٠٦٢) ٥: ٢٧٠ كتاب مناسك الحج، الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم.
[ ٤ / ٥٠ ]
[باب: الإحرام]
هذا (باب) يذكر فيه كيفية الإحرام، وما يسن له، وأنواعه.
ثم (الإحرام) لغة: نية الدخول في التحريم؛ لأنه يحرم على نفسه بنيته
ما كان مباحًا له قبل الإحرام.
ومن ذلك قوله - ﷺفي الصلاة: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (^١) .
قال ابن فارس: الإحرام هو: نية الدخول في التحريم؛ لأنه (^٢) يحرم على نفسه النكاح والطيب وأشياء من اللباس، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع.
وشرعًا هو: (نية النسك) أي: نية الدخول فيه لا نيته ليحج أو يعتمر.
(وسُن لمريده) أي: مريد الدخول في النسك من ذكر أو أنثى (غسل) ولو حائضًا ونفساء؛ " لأن النبي - ﷺأمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل " (^٣) . رواه مسلم.
و" أمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض " (^٤) .
(أو تيمم لعدم) أي: عدم الماء في الأصح.
(ولا يضر حدثه بين غسل وإحرام)؛ كما لا يضر حدث الجنب إذا توضأ لأكل أو نحوه قبله.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦١) ١: ١٦ كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٣) ١: ٨ أبواب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧٥) ١: ١٠١ كتاب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة: الطهور. كلهم عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) في أ: كأنه.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٠) ٢: ٨٦٩ كتاب الحج، باب إحرام النفساء. . .
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٣) ٢: ٨٨١ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. .
[ ٤ / ٥١ ]
(و) سُن له أيضًا (تنظف) بأخذ شعره وظفره، وقطع رائحة كريهة؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب. فسن له التنظف؛ كالجمعة.
ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وتقليم الأظفار. فاستحب فعله قبله؛ لئلا يحتاج إليه في إحرامه. فلا يتمكن منه فيه.
(و) يسن له أيضًا (تطيب في بدنه). ولا فرق بين ما تبقى عينه؛ كالمسك،
او أثره؛ كالبخور وماء الورد؛ لقول عائشة: " كنت أطيب رسول الله - ﷺلإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقالت: كأنى أنظر إلى وَبيصِ الطيب في مفارق رسول الله - ﷺوهو محرم " (^١) . متفق عليه. وهذا كان سنة عشر في حجة الوداع.
وما روي مخالفًا لذلك كان عام حنين بالجعرانة سنة ثمان (^٢) .
قال ابن عبدالبر: لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار: أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر. انتهى.
فعلى هذا يكون حديث عائشة ناسخًا لما قبله.
(وكره) لمن أراد الإحرام أن يتطيب (في ثوبه). وحرمه الآجري.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٧٩) ٥: ٢٢١٤ كتاب اللباس، باب الطيب في الرأس واللحية. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩١) ٢: ٨٤٩ كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام.
(٢) وهو ما روي عن صفوان بن يعلي بن أميه - يعني- عن أبيه: " أن رجلأ أتى النبي - ﷺوهو بالجعرانه وعليه جبة، وعليه أثر الخلوف، أو قال: صفرة. فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؛ فأنزل الله على النبي؛ فستر بثوب، ووددت أني قد رأيت النبي - ﷺوقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: تعال، أيسرك أن تنظر إلى النبي - ﷺوقد أنزل الله عليه الوحي؛ قلت: نعم. فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له عطيط - وأحسبه قال -: كغطيط البكر، فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفره، واصنع في عمرتك كما تصنيع في حجك ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٩٧) ٢: ٦٣٤ أبواب العمرة، باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٨٠) ٢: ٨٣٦ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. . .
[ ٤ / ٥٢ ]
وعلى المذهب: له استدامة لبسه في إحرامه ما لم ينزعه. فإن نزعه فليس له
أن يلبسه قبل غسل الطيب منه، لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة.
ومتى تعمد مس ما على بدنه (^١) من الطيب، أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه، أو نقله إلى موضع آخر: فدى؛ لأنه ابتداء للطيب. لا إن سأل بعرق أو شمس؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: " كنا نخرج مع رسول الله - ﷺإلى مكة فنُضمِّد جباهنا بالمسك عند الإحرام. فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي - ﷺفلا ينهاها " (^٢) . رواه أبو داود.
(و) يسن لمن يريد الإحرام أيضًا (لُبس) ثوبين (إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين)، لأن النبي ﷺ قال: " وليحرم أحدكم. في إزار ورداء ونعلين " (^٣) . رواه أحمد.
قال ابن المنذر: ثبت ذلك.
والمراد بالنعلين: التاسومة.
ولا يجوز له لبس السرموزة والجمجم. قاله في " الفروع ".
ويكون لبسه ذلك (بعد تجرد ذكر عن مَخيط) وهو: كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه؛ كالقميص والسراويل والقباء والبرنس؛ " لأنه - ﷺتجرد لإهلاله " (^٤) . رواه الترمذي.
(و) سن (إحرامُه عقب صلاة فرض أو ركعتين نفلًا). نص على ذلك،
_________________
(١) في ج: يديه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٣٠) ٢: ١٦٦ كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم. وفيه: " بالسّك " بدلًا من " بالمسك " وهو بضم السين المهملة وتشديد الكاف، نوع من الطيب معروف عندهم.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٨٩٩) ٢: ٣٤ عن ابن عمر.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٣٠) ٣: ١٩٣ كتاب الحج، باب ما جاء في الإغتسال عند الإحرام.
[ ٤ / ٥٣ ]
وحكاه ابن بطال عن جمهور العلماء؛ " لأنه - ﷺأهلّ في دبر صلاة " (^١) . رواه النسائي.
(ولا يركعهما) أي: ركعتي النفل (وقت نهي، ولا من عَدِمَ الماء والتراب. و) يسن له أيضًا: (أن يعيّن نسكًا) من عمرة أو حج أو قِران.
(ويلفظ به) فيقول: اللهم! إنى أريد نسك كذا. فيسره لي وتقبله مني.
ولم يذكروا مثل هذا في الصلاة؛ لقصر مدتها وتيسيرها في العادة.
(وأن يشترط) أيضًا (فيقول: اللهم! إني أريد النسك الفلاني. فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس. فمحِلِّي حيث حبستني)؛ ل " قوله - ﷺلضباعة بنت الزبير حين قالت له: إنى أريد الحج وأجدنى وجعة. فقال: حُجي واشترطي. وقولي: اللهم! محِلِّي حيثُ حَبستنَي " (^٢) . متفق عليه.
زاد النسائي في رواية إسنادها جيد: " فإن لك على ربك ما استثنيت " (^٣) . ولقول عائشة لعروة قل: " اللهم! إني أريد الحج. فإن تيسر وإلا فعمرة " (^٤) . ويستفيد بذلك قائله: أنه متى حُبس بمرض، أو عدو، أو خطأ في طريق (^٥)، أوغير ذلك: حل ولا شيء عليه. نص عليه.
قال في " المستوعب " وغيره: إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحره، ولو قال: فلي أن أحل خير.
قال في " الفروع ": واستحب شيخنا الاشتراط للخائف خاصة، جمعًا بين الأد لة.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٧٥٤) ٥: ١٦٢ كتاب مناسك الحج، العمل في الإهلال.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٠١) ٥: ١٩٥٧ كتاب النكاح، باب الاكفاء في الدين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٠٧) ٢: ٨٦٨ كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٧٦٦) ٥: ١٦٧ كتاب مناسك الحج، كيف يقول إذا اشترط.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٢٢٣ كتاب الحج، باب الاستثناء في الحج.
(٥) في ب: الطريق.
[ ٤ / ٥٤ ]
ونقل أبو داود: إن اشترط فلا بأس.
وعند أبي حنيفة ومالك: لا فائدة في الاشتراط.
(ولو شَرط ان يحل متى شاء، أو إن أفسده لم يقضه: لم يصح) هذا الشرط. ذكره القاضي وغيره، لأنه لا عذر له في ذلك.
وقيل: يصح اشتراطه بقلبه، لأنه تابع للإحرام.
(وينعقد) الإحرام (حال جماع). صرح به المجد؛ وذلك لأنه لا يبطله ولا يخرج منه به إن وقع في اثنائه. وإنما يفسد الحج ويلزم المضي في فاسده. (ويبطل) الإحرام (ويخرج منه) المحرم (ب) وجود (ردة) فيه، (لا بجنون وإغماء وسكر، كموت) يعني: أن الإحرام لا يبطل بالجنون والإغماء والسكر، كما أنه لا يبطل بالموت.
[(ولا ينعقد) الإحرام (مع وجود أحدها) أي: وجود الجنون أو الإغماء اوالسكر (^١)، لأن المتصف بأحد هؤلاء ليس له قصد صحيح] (^٢) .
(ويخيّر) من يريد الإحرام (بين) ثلاثة أشياء:
(تمتع. وهو أفضلها) أي: أفضل الثلاثة. نص عليه في رواية صالح وعبدالله. وقال: لأنه آخر ما أمر به النبي - ﷺ -. ففي " الصحيحين " " أنه - ﷺأمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هديًا " (^٣) . وثبت على إحرامه لسوقه الهدي. وتأسف بقوله - ﷺ -: " لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم " (^٤) .
_________________
(١) في ب: والإغماء والسكر.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٠٣٥) ١: ٣٦٨ أبواب تقصير الصلاة، باب كم أقام النبي - ﷺفي حجته. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٤٠) ٢: ٩١١ كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٦٩٣٣) ٦: ٢٦٨١ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنه، باب نهي النبى - ﷺعلى التحريم إلا ما تعرف إباحته. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -. كلاهما عن جابر بن عبدالله.
[ ٤ / ٥٥ ]
ولا يَنقل أصحابه إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه. ولا يقال أن أمرهم بالفسخ ليس لفضل (^١) التمتع، وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج؛ [لأنهم لم يعتقدوه.
ثم لو كان كذلك لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأنهم سواء في الاعتقاد.
ثم لو كان كذلك لم يتأسف هو؛ لأنه يعتقد جواز العمرة في أشهر الحج وجعل العلة فيه سوق الهدي.
ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج] (^٢) مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان أولى.
وأما القران فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وتدخل أفعال (^٣) العمرة فيه.
والمفرد: وإن اعتمر بعد حجه من أدنى الحل. فقد اختلف فى إجزاء عمرتهما عن عمرة الإسلام.
[وأما عمرة التمتع (^٤) فلا خلاف في إجزائها عن عمرة الإسلام] (^٥) فكان أولى.
(فإفراد فقران) يعني: أن من أراد الإحرام يخير بين التمتع والإفراد والقران.
وقد تقدم أن التمتع أفضلها، ويليه في الأفضلية الإفراد فالقران. وسيأتي كيفية الإحرام بكل من الثلاثة.
واختلف في حجة النبي ﷺ بحسب المذاهب. والأظهر قول أحمد:
لا أشك أنه كان قارنًا، والمتعة أحب إليّ.
واستدل من قال أنه كان متمتعًا؛ بما روى سالم عن ابن عمر عن أبيه قال:
_________________
(١) في أ: يفضل.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: فإنما يأتي فيه بأفعال الحج ويدخل مع أفعال.
(٤) في ج: المتمتع.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٥٦ ]
" تمتَّع رسول الله - ﷺفي حجة الوداع بالعمرة الى الحج وأهدى (^١) فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهلّ بالحج. وتمتع الناس معه بالعمرة إلى الحج. فكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد. فلما قدم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (^٢) .
وعن عروة عن عائشة مثله (^٣) .
و" أمر ابن عباس بالمتعة. وقال: سنة أبي القاسم " (^٤) . متفق عليهن (^٥) .
واستدل من قال أنه كان قارنًا بما روى أنس: " سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعًا. يقول: لبيك عمرة وحجة " (^٦) . متفق عليه.
و" فيهما " أن ابن عمر أنكره. وقال: " ما تعدونا إلا صبيانًا " (^٧) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٦٠٦) ٢: ٦٠٧ كتاب الحج، باب من ساق البدن معه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٢٧) ٢: ٩٠١ كتاب الحج، باب وجوب الدم على المتمتع. . .
(٣) أخرجه البخاري في الموضع السابق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٢٨) ٢: ٩٠٢ الموضع السابق.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٠٣) ٢: ٦٠٥ كتاب الحج، باب (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسرَ من الهَدى). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٤٢) ٢: ٩١١ كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج.
(٥) في أ: عليه.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٧٦) ٢: ٥٦٢ كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٥١) ٢: ٩١٥ كتاب الحج، باب إهلال النبي - ﷺوهديه.
(٧) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٠٩٦) ٤: ١٥٨٢ كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب ﵇. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٣٢) ٢: ٩٠٥ كتاب الحج، باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة.
[ ٤ / ٥٧ ]
ولمسلم: " أهلّ بهما جميعًا، لبيك عمرة وحجًا " (^١) .
وعن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصَيْقل عن أنس مرفوعًا: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة " (^٢) . أبو أسماء: تفرد عنه (^٣) أبو إسحاق.
وقال عمر: " سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي ﷿ فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة " (^٤) .
وفي رواية: " وقل عمرة وحجة " (^٥) . رواهما البخاري وغيره.
واستدل من قال إنه كان مفردًا؛ بما روي عن عائشة: " أنّ النبي ﷺ أفرد بالحج " (^٦) . رواه مسلم. وللشافعي والنسائي: " أهل بالحج " (^٧) .
ولمسلم والترمذي عن ابن عمر: " أن النبي ﷺ أهلَّ بالحجّ مفردًا " (^٨) .
وفي "الصحيحين" عن جابرقال: "أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحج " (^٩) .
_________________
(١) وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٥١) ٢: ٩١٥ كتاب الحج، باب إهلال النبي - ﷺوهديه.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٨٣٦) ٣: ٢٦٦
(٣) في ب: به.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٦١) ٢: ٥٥٦ كتاب الحج، باب قول النبي - ﷺ -: العقيق واد مبارك.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٩١١) ٦: ٢٦٧٣ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر النبيﷺوحض على اتفاق أهل العلم. . .
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٧٥ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
(٧) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٧١٦) ٥: ١٤٥ كتاب مناسك الحج، إفراد الحج. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٩٦٨) ١: ٣٧٦ كتاب الحج، باب الإفراد والقران والتمتع.
(٨) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٣١) ٢: ٩٠٤ كتاب الحج، باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة. وأخرجه الترمذي في " سننه " ٣: ١٨٣ كتاب الحج، باب ما جاء في إفراد الحج.
(٩) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٩٣) ٢: ٦٣٢ أبواب العمرة، باب عمرة التنعيم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٦) ٢: ٨٨٣ كتاب الحج، باب حجة النبيﷺ.
[ ٤ / ٥٨ ]
وهو " فيهما " عن ابن عباس (^١) .
وأجاب أحمد في رواية أبي طالب فقال: كان هذا في ابتداء إحرامه بالمدينة أحرم بالحج. فلما وصل إلى مكه فسخ على أصحابه، وتأسف على التمتع؛ لأجل سوق الهدي. فكان المتأخر أولى.
ثم أخبار التمتع أكثر وأصح وأصرح. فكانت أولى. على أن قول النبي - ص-
السابق لفعله أولى من فعله، لاحتمال اختصاص الفعل به.
قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأخبار، وأولى ما
يقال على ما فحصناه من كلامهم أنه أحرم مفردًا بالحج ثم أدخل عليه العمرة مواساة لأصحابه وتأنيسًا لهم في فعلها في أشهر الحج، لكونها (^٢) كانت منكرة عندهم فيها، ولم يمكنه التحلل بسبب الهدي واعتذر إليهم. فصار قارنًا آخر أمره. انتهى.
(والتمتع) أي: وكيفيته: (أن يحرم بعمرة في أشهر الحج). نص على ذلك؛
لأن العمرة عنده في الشهر الذي يهل بها فيه لا (^٣) الشهر الذي يحل منها فيه.
قال الأصحاب: ويفرغ منها.
قال في " المستوعب ": ويتحلل.
(ثم) يحرم (به) أي: بالحج (في عامه مطلقًا) أي: سواء أحرم به من مكة
او قربها، أو من بعيد منها، (بعد فراغه) أي: تحلله (منها) أي: من العمرة.
(والإفراد) أي: وكيفيته: (أن يحرم بحج، ثم) يحرم (بعمرة بعد فراغه
منه) أي: من الحج مطلقًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه (١٤٨٩) ٢: ٥٦٧ كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٢٤٠) ٢: ٩١٠ كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج.
(٢) في أ: لأنها.
(٣) في ب: لأن.
[ ٤ / ٥٩ ]
وقال جماعة: الإفراد أن يحرم بالحج من الميقات. فإذا فرغ منه أحرم بالعمرة من أدنى الحل. زاد بعضهم: وعنه: أنه يحرم بها من الميقات.
قال القاضي وغيره: ولو تحلل من الحج يوم النحر ثم أحرم فيه بعمرة فليس بمتمتع. في ظاهر مانقله ابن هانئ: ليس على معتمر بعد الحج هدي؛ لأنه في حكم ما ليس من أشهره. بدليل فوت الحج فيه.
وفي " الفصول ": الإفراد أن يحرم بالحج في أشهره. فإذا تحلل منه أحرم بالعمرة من أدنى الحل.
(والقران) أي: وكيفيته: (أن يحرم بهما) أي: بالعمرة والحج (معًا) أي (^١): في مرة واحدة.
قال جماعة: من الميقات.
(أو) يحرم (بها) أي: بالعمرة اولا، (ثم يدخله) أي: يدخل الحج (عليها) أي: على العمرة.
قال جماعة: من مكة أو قربها.
ويدل لصحة إدخال الحج على العمرة؛ ما روت عائشة قالت: " أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحجّ ".
وفي " الصحيحين ": " أن ابن عمر فعله، وقال: هكذا صنع رسول الله - ﷺ -" (^٢) .
وفي " الصحيحين " (^٣): " أنه أمر عائشة بذلك " (^٤) .
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٥٩) ٢: ٥٩١ كتاب الحج، باب طواف القارن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٣٠) ٢: ٩٠٤ كتاب الحج، باب بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران.
(٣) في أ: الصحيح.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٨٥) ٢: ٥٦٥ كتاب الحج، باب قول الله تعالى: (ولكم فى القصاص). وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٧٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
[ ٤ / ٦٠ ]
ويشترط لصحة إدخال الحج على العمرة: أن يكون ذلك (قبل شروع في طوافها) أي: طواف العمرة؛ كما لو أدخله بعد سعيها.
ولا يشترط لصحة إدخال الحج على العمرة كون ذلك في أشهر الحج، ولا
كون ذلك قبل طوافها وسعيها لمن معه هدي، وإلى ذلك أشير بقوله:
(ويصح) أي: إدخال الحج على العمرة (ممن معه هدي ولو بعد سعيها)
أي: سعي العمرة، ويصير قارنًا بناء (^١) على المذهب وهو: أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله.
(ومن أحرم به) أي: بالحج، (ثم أدخلها) أي: أدخل العمرة (عليه: لم يصح إحرامه بها) أي: بالعمرة؛ لأنه لم يَرد به أثرولم يستفد به فائدة. بخلاف ما سبق. فلا يصير قارنًا؛ لأنه لم يستفد به شيئًا.
وأما عمل القارن فهو كالمفرد. نقله الجماعة.
ويسقط ترتيب العمرة ويصير الترتيب للحج، كما يتأخر الحلاق إلى يوم النحر. فوطؤه قبل طوافه لا يفسد عمرته.
قالت عائشة: " وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدا " (^٢) . متفق عليه.
وقال لها النبي - ﷺ -: " يسعك طوافك لحجك وعمرتك. فأبت. فبعث بها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمر بعد الحج " (^٣) .
وفي لفظ: " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " (^٤) . رواهما مسلم.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٥٧) ٢: ٥٩٠ كتاب الحج، باب طواف القارن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٧٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٧٩ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٨٠ الموضح السابق.
[ ٤ / ٦١ ]
وعن ابن عمر مرفوعًا: " من قرن بين حج وعمرة أجزاه لهما طواف " (^١) .
إسناده جيد. رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ: " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد
عنهما، حتى يحل منهما جميعًا " (^٢) . إسناده جيد. رواه النسائي والترمذي
وقال: حسن غريب.
وعن أحمد رواية ثانية: على القارن طوافان وسعيان، وفاقًا لأبي حنيفة.
رواه سعيد والأثرم عن علي. وفي صحته نظر، مع أنه لا يرى إدخال العمرة على الحج.
فعلى هذه الرواية: يقدم القارن فعل العمرة على فعل الحج؛ كمتمتع ساق هديًا.
***
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٧٥) ٢: ٩٩٠ كتاب المناسك، باب طواف القارن. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٣٥٠) ٢: ٦٧
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٤٨) ٣: ٢٨٤ كتاب الحج، باب ما جاء أن القارن يطوف طوافًا واحدًا. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٩٣٢) ٥: ٢٢٥ كتاب المناسك، باب طواف القارن.
[ ٤ / ٦٢ ]
[فصل: دم المتمتع والقارن]
(فصل. ويجب على متمتع) إجماعًا، (و) على (قارن) في الأصح:
(دم نسك) لا دم جبران، لأن القارن ترفَّه بسقوط أحد السفرين؛ كالمتمتع بشروط سبعة لدم التمتع مع كون بعضها يشترط لدم القران أيضًا. فأشير لما هو شرط لهما بقوله:
(بشرط أن لا يكونا) أي: المتمتع والقارن (من حاضري المسجد الحرام)؛ لقوله ﷾: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) [البقرة: ١٩٦]. ثبت ذلك في التمتع، والقران مثله؛ لترفهه بًا حد السفرين.
(وهم: أهل الحرم، ومن) كان (منه دون مسافة قصر). نص عليه، لأن حاضر الشيء حل فيه أو قرب منه وجاوره. بدليل رخص السفر.
والبعيد يترخص. فأشبه من وراء الميقات إلينا.
(فلو استوطن أُفُقِّى مكة فحاضر) لا دم عليه.
(ومن دخلها) أي: دخل مكة من غير أهلها متمتعًا (ولو ناويًا لإقامة) بها، (أو) كان الداخل (مكيًا استوطن بلدًا بعيدًا) من مكة ثم عاد إليها (متمتعًا أو قارنًا: لزمه دم) ولو مع نية الإقامة بها في الأصح.
الشرط الثانى لوجوب دم التمتع دون القارن ما أشار إليه بقوله:
(ويشترط في دم متمتع وحده: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج). فإن أحرم بها في غير أشهر الحج لم يكن متمتعًا ولا يلزمه دم. سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيرها. نص عليه.
قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله: سئل عمن أهلَّ بعمرة في غير أشهر الحج
ثم قدم في شوال أيُحل من عمرته في شوال؟ أو يكون متمتعًا؟ قال: لا. يكون متمتعًا.
الشرط الثالث: ما أشير إليه بقوله:
[ ٤ / ٦٣ ]
(وأن يحج من عامه). فلو اعتمر في أشهر الحج ولم يحج في ذلك العام،
بل حج من العام القابل فليس بمتمتع؛ لقوله ﷾: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وهذا يقتضي الموالاة يينهما.
ولأنهم إذا اجتمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع فهذا أولى؛ لأن التباعد فيه أكثر.
الشرط الرابع: ما أشير إليه بقوله: (وأن لا يسافر بينهما) أي: بين العمرة والحج (مسافة قصر. فإن فعل) أي: فإن سافر (فأحرم فلا دم). نص عليه.؛ لما روي عن عمر أنه قال: " إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ورجع فليس بمتمتع ".
وعن ابن عمر نحو ذلك (^١) .
ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه. فإذا كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه. فلم يترفه بترك أحد السفرين. فلم يلزمه (^٢) دم. والاية تناولت المتمتع وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر وابنه.
الشرط الخامس: ما أشير إليه بقوله: (وأن يحل منها) أي: من العمرة (قبل إحرامه به) أي: بالحج.
(وإلا) أي: وإن لم يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج كما فعل النبي - ﷺ - (^٣)؛ (صار قارنًا). فلا يكون الدم دم تمتع وإنما يكون دم قران؛ لترفهه
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١٣٠٠٤) ٣: ١٥٢ كتاب الحج، في الرجل يعتمر في أشهر الحج ثم يرجع ثم يحج.
(٢) في أ: يلزم.
(٣) عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: " أهلَّ النبى - ﷺهو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي، غير النبي - ﷺوطلحة وقدم علي من اليمن ومعه هدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي - ﷺفأمر النبي - ﷺأصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا ألا من كان معه الهدي. فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي - ﷺفقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت. وحاضت عائشة ﵂، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله! تنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق =
[ ٤ / ٦٤ ]
بسقوط أحد السفرين.
الشرط السادس: ما أشير إليه بقوله:
(وأن يحرم بها) أي: بالعمرة (من ميقات أو مسافة قصر فأكثر من مكة).
فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة لم يكن عليه دم تمتع ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام. وإنما يكون عليه دم مجاوزة الميقات بغير إحرام. واختار الموفق وغيره: إن أحرم منه لزمه الدمان؛ لأنه لم يُقِم بالحرم، ولم ينو الإقامة به.
الشرط السابع: ما أشير إليه بقوله:
(وأن ينوي التمتع في ابتدائها) أي: ابتداء العمرة، (أو) في (أثنائها). ذكره القاضي وتبعه الأكثر، لظاهر الاية، وحصول الترفه.
(ولا يُعتبر) لوجوب دم التمتع (وقوعهما) أي: وقوع الحج والعمرة (عن) إنسان (واحد). فلو اعتمر عن واحد وحج عن آخر لم يسقط دم التمتع. (ولا) يعتبر أيضًا (هذه الشروط) [يعني: جميعها] (^١) (في كونه) أي: كون الآتى بالحج والعمرة (متمتعًا) في الأصح.
ومعنى كلام الموفق: يعتبر (^٢) به. وجزم به في " الرعاية " إلا الشرط السادس. فإن المتعة تصح من المكي كغيره.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن أحمد كالإفراد. ونقل المروذي: ليس لأهل مكة متعة. انتهى.
قال القاضي والموفق وغيرهما: معناه ليس عليهم دم متعة.
_________________
(١) = بحج؟ فأمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج ". أخرجه. البخاري في " صحيحه " (١٥٦٨) ٢: ٥٩٤ كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. . . ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٦٥ ]
(ويلزم الدم) أي: دم التمتع والقران (بطلوع فجر يوم النحر). جزم به في "الخلاف "، ورد ما نقل عن أحمد بخلافه إليه، وقدمه جماعة؛ لقوله ﷾: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]، أي: فليهد.
وحمله على أفعاله أولى من حمله على إحرامه؛ كقوله: " الحج عرفة " (^١)،
و" يوم النحر يوم الحج الأكبر " (^٢) .
ولأن ذلك الوقت وقت ذبحه. فكان وقت وجوبه.
ولأن إحرام الحج يتعلق به صحة التمتع. فلم يكن وقتًا للوجوب؛ كإحرام العمرة.
ولأن الهدي من جنس ما يقع به التحلل. فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف؛ كطواف ورمي وحلق.
وعنه: أنه يجب بإحرام الحج، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي؛ للآية.
ولأنه غاية. فكفى اوله؛ كأمره بإتمام الصيام إلى الى الليل.
وعنه: بوقوفه بعرفة، وفاقًا لمالك.
وعنه: بإحرام العمرة؛ لنيته التمتع حينئذ.
(ولا يسقط دم تمتع وقران بفساد نسكهما) على الأصح. نص عليه؛ لأن
ما وجب الإتيان به في الصحيح وجب في الفاسد؛ كالطواف وغيره.
وعنه: يسقط؛ لأنه لم يترفه بأحد السفرين.
(او فواته) يعني: أنه لا يسقط دم التمتع والقران بفوات نسكهما على الأصح؛ كما لوفسد.
(وإذا قضى القارن قارنًا: لزمه دمان)، دم لقرانه الاول، ودم لقرانه الثانى.
(و) إن قضى القارن (مفردًا لم يلزمه شيء) لقرانه الاول؛ لأنه أتى بنسك
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص (٢٥٤) رقم (١).
(٢) سبق تخريجه ص (٤٩) رقم (٣).
[ ٤ / ٦٦ ]
أفضل من نسكه. جزم به الموفق وغيره، وقدمه في " الفروع ".
وجزم غير واحد: يلزمه دم لقرانه الاول؛ لأن القضاء كالأداء.
قال في " الفروع ": وهو ممنوع.
(ويُحرم) القارن إذا قضى مفردًا (من الأبعد) أي: أبعد ميقاتيه، وهما الذي أحرم منه قارنًا، والذي أحرم منه مفردًا إن تفاوتا (بعمرة إذا فرغ) من حجه. (وإذا قضى) القارن (متمتعًا أحرم به) أي: بالحج (من الأبعد) أي: أبعد الميقاتين اللذين أحرم في أحدهما بالقران والآخر بالعمرة، (إذا فرغ منهم) أي: من العمرة.
(وسُن لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج) على الأصح. نص على ذلك؛ لأنه [صح " أن النبي] (^١) ﷺ أمر أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم
ويجعلوها عمرة، إلا من كان معه هدي " (^٢) . متفق عليه.
وقال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلاخصلة (^٣) واحدة. فقال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج. قال: كنت أرى أن لك عقلًا. عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك. وقال الخرقي: إذا طافا وسعيا. وتبعه الموفق والشارح وصاحب "الفائق ". وليس ذلك بشرط في استحباب الفسخ.
قال في " الإنصاف ": وقال في " الهداية " وتبعه في " المذهب "، و"مسبوك الذهب "، و"المستوعب " و" الخلاصة " و" الرعايتين " و" الحاويين " وغيرهم. وهو معنى كلام القاضي وغيره: للقارن والمفرد أن يفسخا نسكهما
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٦٨) ٢: ٥٩٤ كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -. كلاهما عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) في أ: خلة.
[ ٤ / ٦٧ ]
إلى العمرة، بشرط "أن لا يكونا وقفا بعرفة، ولا ساقا هديًا. فلم يفصحوا بوقت الفسخ، بل ظاهر كلامهم: جواز الفسخ. سواء طافا وسعيا أو لا، إذا لم يقفا بعرفة. انتهى.
وجواز فسخ الحج إلى العمرة من المفردات.
واحتج المخالف [بقوله ﷾: (ولا تبطلوا أعمالكم) [محمد: ٣٣].
ورد ذلك: بأن الفسخ نقل الإحرام بالحج إلى العمرة. لا إبطال الإحرام من أصله.
زاد القاضي: على أن الآية محمولة] (^١) على غير مسألتنا.
واحتج المخالف أيضًا بقوله ﷾: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
رد بأن الآية اقتضت الابتداء بهما (^٢) لا البناء.
قال المخالف: الحج (^٣) أحد النسكين كالعمرة.
رد بأن ذلك فاسد الاعتبار. ثم لا فائدة في فسخ العمرة. وهنا فائدة فضيلة التمتع.
فإن قيل: فهل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟
قيل: منعه ابن عقيل وغيره.
نقل ابن منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع.
ولأنه على الفور فلا يؤخره لو لم يحرم فكيف وقد أحرم.
واختلف كلام القاضي وقدم الصحة؛ لأن بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع.
ولأن العمرة لا تصير حجًا، والحج يصير عمرة لمن حصر عن عرفة أو فاته الحج.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٦٨ ]
(وينويان) أي: المفرد والقارن (بإحرامهما ذلك) الاول الذي هو الإفراد والقران (عمرة مفردة). فمن كان منهما قد طاف وسعى قصر وحل من إحرامه، وإن لم يكن طاف وسعى فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل من إحرامه. (فإذا حلا) من العمرة (أحرما به) أي: بالحج (ليصيرا) أي: المفرد والقارن (متمتعين). ومحل إحلالهما: (ما لم يسوقا هديًا، أو يقفا بعرفة)؛ لما روى ابن عمر: " أن النبيﷺلما قدم مكه قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل، ثم ليهل بالحج وليهد. ومن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (^١) . متفق عليه.
نقل أبو طالب: الهدي يمنعه من التحلل من جميع الأشياء في (^٢) العشر وغيره، وفاقًا لأبي حنيفة.
وأما كون الفسخ لا يجوز إذا وقفا؛ لأنه لم يرد به إباحه من الشرع، ولم يقع في زمنه، ولا يستفيد به فضيلة التمتع.
(وإن ساقه) أي: ساق الهدي (متمتع) أي: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج ليحج من عامه (لم يكن له أن يحل) من عمرته. (فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحليل بحلق) أو تقصير؛ لقول ابن عمر: " تمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج فقال: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه " (^٣) .
(فإذا ذبحه يوم النحر: حلّ منهما) أي: من إحرام العمرة والحج (معًا). نص على ذلك؛ لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج؛ كالقران.
وعنه: أن له أن يقصر من شعر رأسه خاصة. لا يقال: أنه صار قارنًا
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٧).
(٢) في ب: وفي.
(٣) سبق تخريجه ص (٥٧) رقم (٢).
[ ٤ / ٦٩ ]
بإدخاله الحج على العمرة؛ لأن القارن بإدخال الحج والعمره يجوز له التحلل من عمرته قبل إدخال الحج عليها. وهذا مضطر إلى إدخال الحج على عمرته؛ لعدم جواز تحلله منها بسوق الهدي فافترقا.
(والمتمتِّعة إن حاضت قبل طواف العمرة فخشيت) فوات الحج، (أو) خشي (غيرها فوات الحج: أحرمت به) أي: بالحج كغيرها إذا خشي فوات الحج، (وصارت قارنة). نص على ذلك؛ لما روى مسلم: " أن عائشة كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي - ﷺ -: أهلي بالحج " (^١) .
ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات. فمع خشيه الفوات أولى؛ لكونها ممنوعة من دخول المسجد.
(ولم تقض طواف القدوم)؛ لفوات محله، كتحية المسجد.
(ويجب على قارن وقف) بعرفة زمن الوقوف (قبل طواف وسعي: دمُ قران، وتسقط) عنه (العمرة). نص عليه؛ لأن الوقوف من أفعال الحج. ولا يلزمه بذلك رفض العمرة؛ لأنه لم يتعلق بالوقوف.
ولأن الإحرام لا يرتفض برفضه، ولا يتحلل منه بوطء مع تأكده. فالوقوف أولى.
***
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٣) ٢: ٨٨١ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
[ ٤ / ٧٠ ]
[فصل: إذا أحرم ولم يعين نسكًا]
(فصل. ومن أحرم مطلقًا) بأن نوى نفس الإحرام ولم يعين نسكًا: (صح)، وفاقًا للأئمة الثلاثة. (وصرفه لما شاء) من الأنساك. نص عليه بالنية لا باللفظ. (وما عمل) من إحرام مطلقًا (قبل) أي: قبل صرفه إلى واحد من الأنساك بالنية (فلغو) أي: لا يعتد به.
(و) إن أحرم (بما) أحرم به فلان، (أو) أحرم (بمثل ما أحرم به فلان، وعلم) ما أحرم به فلان قبل أن يحرم بمثل ما أحرم به فلان أو بعده: (انعقد) إحرامه (بمثله)؛ لأنه جعل نفسه تبعا؛ وذلك لما روى جابر: " أن عليًا قدم من اليمن فقال النبي - ﷺ -: بم (^١) أهللت؟ فقال: بما أهل به النبي - ﷺ -. قال: فاهد. وامكث حرامًا " (^٢) .
وعن أبي موسى نحوه (^٣) . متفق عليهما (^٤) .
(فإن تبين إطلاقه) أي: يتبين أن فلانًا أحرم مطلقًا: (فللثاني) وهو الذي أحرم بمثل فلان ثم تبين أن فلانا أحرم مطلقا (صرفه) أي: صرف إحرامه (إلى ما شاء) (^٥) من الأنساك، ولا يتعين صرفه إلى ما يصرفه إليه فلان، ولا إلى ما كان (^٦) صرفه إليه بعد أن أحرم مطلقًا.
_________________
(١) في أ: بما.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٠٩٥) ٤: ١٥٨٢ كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد ﵄. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٦) ٢: ٨٨٣ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٨٤) ٢: ٥٦٤ كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي - ﷺكإهلال النبي - ﷺ -. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٢١) ٢: ٨٩٤ كتاب الحج، باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
(٤) في ب: عليه.
(٥) في ج زيادة: أي ما شاء.
(٦) في أ: مكان.
[ ٤ / ٧١ ]
قال في " الفروع ": وظاهر كلام أصحابنا: يعمل بقوله لا بما وقع في نفسه. انتهى.
يعني: أنه يعمل بقول فلان لا بما وقع في نفس من أحرم (^١) بمثل ما أحرم به فلان.
(وإن جهل) من أحرم بمثل ما أحرم به فلان (إحرامه) أي: إحرام فلان: (فله جعله عمرة)؛ لأنها اليقين.
(ولو شك: هل أحرم الاول؟ فكما لو لم يحرم) يعني: أنه لوشك من أحرم بمثل ما أحرم به فلان: هل أحرم فلان أو لم يحرم؟ فكما لو تبين أن فلانًا لم يحرم (فينعقد) إحرامه (مطلقًا). فيصرفه إلى ما شاء.
(ولو كلان إحرام الاول) الذي هو فلان (^٢) (فاسدًا. فكنذره عبادة فاسدة) فينعقد بمثل ما أحرم به فلان من الأنساك. إلا أنه يكون على الوجه المشروع. (ويصح) وينعقد إحرام من قال: (أحرمت يومًا)؛ لأنه إذا صار محرمًا يومًا لم يصر حلالًا فيما بعده، ولو رف إحرامه؛ لأنه لا يرتفض.
(أو) من قال: أحرمت (بنصف نسك، ونحوهما)؛ كأحرمت بنصف يوم، أو بربع نسك؛ لأنه إذا دخل في نسك لزمه إتمامه شرعًا. فكأنه قال: أحرمت بنسك. ويكون كمن أحرم مطلقًا فيصرفه إلى ماشاء.
قال في " الفروع ": ولو قال أحرمت يومًا أو بنصف نسك ونحوهما فيتوجه خلاف (^٣)، أو يصح؛ كالشافعية. انتهى.
(لا إن أحرم زيد فأنا محرم) فإنه لا يصح إحرامه؛ لعدم جزمه بتعليقه على إحرام زيد.
ولا إن قال: إن كان زيد محرمًا فقد أحرمت. فلم يكن محرمًا؛ لعدم جزمه أيضًا.
_________________
(١) في أ: في نفسه من إحرام.
(٢) في أ: فاسد.
(٣) في ب: خلافًا.
[ ٤ / ٧٢ ]
(ومن أحرم بحجتين أو) أحرم ب (عمرتين، انعقد بإحداهما) يعني: أنه ينعقد إحرامه بحجة واحدة فيما إذا أحرم بحجتين، وبعمرة واحدة فيما إذا احرم بعمرتين؛ لأن الزمان لا يصلح لهما مجتمعتين. فيصح بواحدة منهما؛ كتفريق الصفقة. وقياسهم على تفريق الصفقة يدل على خلاف هنا؛ كالخلاف في الأصل المقيس عليه وهو: تفريق الصفقة، ولا ينعقد بهما معًا؛ كبقية أفعالهما. وكنذرهما في عام واحد فإنه يجب عليه إحداهما (^١) في ذلك العام؛ لأن الوقت لا يصلح لهما. قاله القاضي وغيره.
وكنية صومين في يوم.
قال في " الفروع ": ويتوجه الخلاف. يعني: في انعقاد الإحرام بهما، وكنية صومين في يوم، ولو فسدت هذه المنعقدة (^٢) لم يلزمه إلا قضاؤها.
(و) من أحرم (بنسك) من التمتع أو الإفراد أو القران، (او نذر ونسيه) أي: نسي ما أحرم به (قبل طواف: صرفه إلى عمرة) استحبابًا.
وقال القاضي: يصرفه إلى ما شاء.
(و) على الاول: فإنه (يجوز) صرف إحرامه (إلى غيرها) أي: غير العمرة. (ف) إن صرفه (إلى قران او) إلى (إفراد) فإنه (يصح حجًا فقط) أي: دون العمرة فيما إذا صرفه إلى قران، إذ من المحتمل أن يكون المنسي حجًا مفردًا وليس له إدخال العمرة على الحج. فتكون صحة العمرة مشكوكًا فيها فلا تسقط بالشك. (ولا دم) [عليه.
وقيل: وتصح عمرته. بناء على إدخال العمرة على الحج لحاجة. فيلزمه دم قران.
(و) إن صرفه] (^٣) (إلى تمتع فكفسخ حج إلى عمرة) يعني: أنه يكون
_________________
(١) في أ: أحدهما.
(٢) في أ: المعتقدة.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٧٣ ]
حكمه حكم فسخ الحج إلى العمرة (يلزمه) بذلك (دم متعة. ويجزئه) صرفه إلى التمتع (عنهما) أي: عن الحج والعمرة.
(و) لو كان النسيان (بعده) أي: بعد الطواف (ولا هدي معه) أي: مع الناسي (يتعين) صرفه (إليها) أي: إلى العمرة، لامتناع إدخال الحج إذًا لمن لا هدي معه.
(فإن حلق) بعد سعيه (مع بقاء وقت الوقوف، يُحرم بحج ويُتمّه) أي: يتم الحج.
(وعليه للحلق دم إن تبين أنه كان حاجًا) أي: أنه كان مفردًا أو قارنًا. (وإلا) أي: وإن لم يتبين أنه كان مفردًا أو قارنًا: (ف) يكون عليه (دم متعة) فقط. (ومع مخالفته) لما قلنا من أنه يتعين صرفه إلى عمرة إذا كان نسيانه بعد الطواف فخالف وصرفه (إلى حج) أي: إلى إفراد (او قران): فإنه (يتحلل بفعل حج) أي: بأن يفعل أفعال الحج. (ولم يجزئه) ذلك (عن واحد منهما) أي: من الحج والعمرة للشك؛ لأنه يحتمل أن يكون المنسي عمرة. فلا يصح إدخال الحج عليها بعد طوافها، ويحتمل أن يكون حج. فلا يصح إدخالها عليه.
(ولا دم) عليه (ولا قضاء)، للشك في سببهما.
(ومن) كان (معه هدي) وقد طاف ثم نسي ما أحرم به: (صرفه إلى الحج) وجوبًا، (وأجزأه) هذا الحج عن حجة الإسلام، ولم يجز له التحلل قبل إتمام الحج؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(وإن أحرم عن اثنين) استناباه في حج أو عمرة، (أو) عن (أحدهما لا بعينه: وقع عن نفسه) دونهما؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما أولى بوقوعه عنه [من الاخر] (^١) .
_________________
(١) زيادة من أ.
[ ٤ / ٧٤ ]
وإن أحرم عن نفسه وغيره معًا وقع عن نفسه فقط، لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها فمع نيته أولى.
(ومن أهلَّ لعامين حج من عامه، واعتمر من قابل)، لما روى أبو طالب عن أحمد قال: إذا قال لبيك العام وعام قابل فإن عطاء يقول: يحج العام ويعتمر قابل. انتهى.
(ومن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عامه) واحد (أُدِّب) بالبناء للمفعول، لفعله محرمًا. نص عليه.
(ومن استنابه اثنان بعام في نسك. فأحرم عن أحدهما بعينه، ولم ينسه صح، ولم يصح إحرامه للآخر بعده). نص عليه.
قال في " الإنصاف ": قلت: قد قيل إنه يمكن فعل حجتين في عام واحد،
بأن يقف بعرفة ثم يطوف للزيارة بعد نصف ليلة النحر بيسير، ثم يدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع فجر ليلة النحر. انتهى.
(وإن نسيه) أي: نسى من عينه بإحرامه من المستنيبين (وتعذَّر علمُه. فإن فرَّط) بأن كان تعذر علم من عينه بالإحرام بتفريط منه بأن كان يمكنه أن يكتب اسمه أو ما يتميز به ولم يفعل: (أعاد الحج عنهما) أي: عن المستنيبين " لأنه لا يكون عن أحدهما؛ لعدم الاولوية.
(وإن فرَّط موصى إليه) بأن كان تعذر علمه بتفريطه بأن كان لم يسمه للنائب: (غرم) الموصى إليه (ذلك) أي: نفقة الحج.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ذلك بتفريط النائب ولا الموصى إليه: (ف) يكون غرم ذلك (من تركة موصِيَيه) أي: اللذين اوصى كل منهما إلى الموصى إليه في عام واحد بأن يقيم من يحج عنه.
***
[ ٤ / ٧٥ ]
[فصل: في التلبية]
(فصل. وسن) لمن أحرم بنسك معين أو مطلقًا (من عقب إحرامه:
تلبية) في الأصح.
وقيل: إذا استوى على راحلته. وقطع به جماعة.
وقيل: إن التلبية واجبة.
والمذهب الاول؛ لأنها ذكر. فلم تجب في الحج؛ كسائر الأذكار.
ومما ورد في فضلها ما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما
من مسلم يُلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله، من حجر أو شجر أو مدر، حتى
تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا " (^١) . رواه الترمذي وابن ماجه (^٢) .
فتسن (حتى عن أخرس، و) حتى عن (مريض).
والمسنون أن تكون (كتلبية رسول الله - ص-) وهي: (" لبيك اللهم! لبيك.
لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك ").
روى ذلك ابن عمر عن رسول الله - ﷺفي حديث متفق عليه (^٣) .
وروى ذلك مسلم عن جابر (^٤) .
والتلبية مأخوذة من: ألب بالمكان إذا لزمه. فكأنه قال: أنا مقيم على
طاعتك وأمرك، ولا أنا خارج عن ذلك، ولا شارد عليك. وثَنَوها وكرورها؛
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٢٨) ٣: ١٨٩ كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٢١) ٢: ٩٧٤ كتاب المناسك، باب التلبية.
(٢) أوب: رواه ابن ماجه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٧١) ٥: ٢٢١٣ كتاب اللباس، باب التلبيد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٨٤) ٢: ٨٤١ كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -.
[ ٤ / ٧٦ ]
لأنهم أرادوا (^١) إقامة بعد إقامة، كما قالوا: حنانيك أي: رحمة بعد رحمة، أو رحمة مع رحمة، أو ما أشبه ذلك.
ولبيك: لفظ (^٢) مثنى، وليس بمثنى؛ لأنه لا واحد له من لفظه، ولم يقصد به إلا التكثير.
وقال جماعة من العلماء: معنى التلبية إجابة نداء إبراهيم ﵇ حين نادى بالحج. .
وروي عن ابن عباس قال: " لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل
له: أذن في الناس بالحج. قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فنادى إبراهيم ﵇: أيها الناس! كتب عليكم الحج. فسمعه ما بين السماء والأرض. أفلا ترى الناس يجيبون من أقطار الأرض يلبون " (^٣) .
وقوله: إن الحمد والنعمة لك: بكسر الهمزة. نص عليه أحمد، ويجوز بالفتح.
قال ثعلب: من قال بالكسر فقد عمَّ، ومن قال بالفتح فقد خص.
يعني: أن من كسر الهمزة فقد جعل الحمد لله على كل حال، ومن فتحها
فمعناه: لبيك؛ لأن الحمد لك أي: لهذا السبب.
ولا تكره زيادة على تلبية رسول الله - ﷺولا تستحب؛ لقول جابر: " فأهلَّ رسول الله - ﷺبالتوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك. وأهلَّ الناس بهذا الذين يهلونه. ولزم رسول الله - ﷺتلبيته " (^٤) .
وكان ابن عمر يزيد مع هذ ا: " لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: لفظة.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٧٦ كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -.
[ ٤ / ٧٧ ]
بيديك، والرغباء إليك والعمل " (^١) . متفق عليه.
وزاد عمر: " لبيك ذا النعماء والفضل، لبيك لبيك [مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك] (^٢) ". روى معنى هذا الأثرم.
وروي أن أنسًا كان يزيد: " لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا ".
ومعنى الإهلال: رفع الصوت، من قولهم: استهل الصبي إذا صاح.
والأصل فيه: أنهم كانوا إذا راوا الهلال صاحوا. فقيل لكل صائح: مستهل. والمراد هنا بالإهلال: رفع الصوت بالتلبية.
(و) سن أيضًا لمن يلبي (ذكر نسكه فيها) أي: في التلبية. (وبدء قارن بذكر العمرة)؛ لما روى أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺيقول: " لبيك عمرة وحجًا " (^٣) .
وقال جابر: " قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج " (^٤) .
وقال ابن عباس: " قدم رسول الله - ﷺوأصحابه وهم يلبون بالحج " (^٥) .
وقال ابن عمر: " بدأ رسول الله - ﷺفأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج " (^٦) . متفق على هذه الأحاديث.
وقال أنس: " سمعتهم يصرخون بها صراخًا " (^٧) . رواه البخاري.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٨٤) ٢: ٨٤١ كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٥١) ٢: ٩١٥ كتاب الحج، باب إهلال النبي - ﷺوهديه. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٩٥) ٢: ١٥٧ كتاب المناسك، باب في الإقران.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٩٥) ٢: ٥٦٩ كتاب الحج، باب من لبى بالحج وسماه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٦) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب في المتعة بالحج والعمرة.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٠٣٥) ١: ٣٦٨ أبواب تقصير الصلاة، باب كم أقام النبي - ﷺفي حجته. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٤٠) ٢: ٩١١ كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج.
(٦) سبق تخريجه ص: ٦٠.
(٧) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٧٣) ٢: ٥٦١ كتاب الحج، باب رفع الصوت بالإهلال.
[ ٤ / ٧٨ ]
(و) سُن أيضًا له (إكثارُ تلبية)؛ لما روى ابن ماجه عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما من مسلم يضحي لله، يلبي (^١) حتى تغيب الشمس، إلا غابت بذنوبه. فعاد كما ولدته أمه " (^٢) .
(وتتأكد) التلبية (إذا علا نَشزًَا، أو هبط واديًا، أو صلى مكتوبة، أو أقبل ليل، او) أقبل (نهار، اوالتقت الرَِفاق، أو سمع ملبيًا، أو أتى محظورًا ناسيًا، أو ركب) دابته، (او نزل) عنها، (اورأى البيت) أي: الكعبة؛ لما روى جابر قال: " كان النبي - ﷺ - يلبي في حجته إذا لقي ركبًا، أو علا أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل " (^٣) .
وقال إبراهيم النخعى: " كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة،
وإذا هبط واديًا، وإذا علا نشزًا، وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته " (^٤) . وفي " المستوعب ": يستحب عند تنقل الأحوال به، وذكر ما سبق. وزاد: وإذا رأى البيت.
(و) سن أيضًا (جهر ذكر) أي: بالتلبية؛ لخبر السائب بن خلاد: " أتانى جبريل فأمرنى أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية " (^٥) . أسانيده جيدة رواه الخمسة وصححه الترمذي.
ولأحمد من رواية ابن إسحاق: " أن جبريل قال له: كن عجاجًا
_________________
(١) في ب: ثم يلبى.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٢٥) ٢: ٩٧٦ كتاب المناسك، باب الظلال للمحرم.
(٣) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج الشافعي في " مسنده " عن ابن عمر: " أنه كان يلبي راكبًا ونازلًا ومضطجعًا"٣٠٦: ١
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١٢٧٤٦) ٣: ١٢٩ كتاب الحج، من كان يستحب أن يحرم في دبر الصلاة.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨١٤) ٢: ١٦٢ كتاب المناسك، باب كيف التلبية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٢٩) ٣: ١٩١ كتاب الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبيية. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٧٥٣) ٥: ١٦٢ كتاب مناسك الحج، رفع الصوت بالإهلال. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٢٢) ٢: ٩٧٥ كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٦١٧) ٤: ٥٦
[ ٤ / ٧٩ ]
ثجّاجًا " (^١) . والعج: التلبية، والثج: نحر البدن.
وعن ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن
عبدالرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق: " أن النبي - ﷺسئل أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج " (^٢) .
وعبدالرحمن تفرد عنه ابن المنكدر. قال الترمذي: ولم يسمع منه. وقال: حديث غريب.
ومن رواه على غير ذلك فقد أخطأ عند أحمد والبخاري والترمذي.
قال أحمد وابن معين في رواية مهنا: أصل الحديث معروف، ويختلفون في إسنا ده.
لكن إنما يسن الجهر بالتلبية (فى غير مساجد الحِلّ وأمصاره) أي: أمصار الحل.
قال في " الفروع ": ذكره الأصحاب. والمنقول عن أحمد: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز؛ " لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون. إنما التلبية إذا برزت (^٣) ".
واحتج القاضي وأصحابه بأ ن إخفاء التطوع أولى خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة. بخلاف البراري وعرفات والحرم ومكة. انتهى.
(و) في غير (طواف القدوم والسعي بعده) يعنى: أنه لا يسن الجهر بالتلبية في طواف القدوم ولا في السعى الذي بعد طواف القدوم.
(وتشرع) التلبية (بالعربية لقادر) على إتيانها بالعربية.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر على الإتيان بها بالعربية: (ف) إنه يأتي بها
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٦١٥) ٤: ٥٦
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٢٧) ٣: ١٨٩ كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٢٤) ٢: ٩٧٥ كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية
(٣) إذا برزت، أي: إذا خرجت من العمران إلى البراز وهو ظاهر الارض.
[ ٤ / ٨٠ ]
(بلغته)؛ لأنها ذكر مشروع. فلا يشرع بغير العربية مع القدرة، كالأذان، والأذكار المشروعة في الصلاة.
(و) يسن أيضًا (دعاء) بعدها. فيسأل الله ﷾ الجنة، ويستعيذ به من النار، ويدعو بما أحب؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن خزيمة بن ثابت: " أن رسول الله - ﷺكان إذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار " (^١) .
(و) يسن أيضًا (صلاة على النبي - ﷺبعدها) أي: بعد التلبية؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله ﷾. فشرعت فيه الصلاة على رسوله - ﷺ -؛ كالصلاة، أو فشرع فيه ذكر رسولهﷺكالأذان.
(لا تكرارُها) أي: لا تكرار التلبية (في حالة واحدة) فإنها لا تسن. قاله أحمد.
وقال في " المستوعب " وغيره: وقال له الأثرم: ما شيء يفعله العامة يلبون
دبر الصلاة ثلاثًا؟ فتبسم وقال: لا أدري من أين جاؤوا به. قلت: أليس يجزئه مرة؟
قال: بلى؛ لأن المروي التلبية مطلقًا من غير تقييد. وذلك يحصل بمرة. (وكره
لأنثى جهر) بتلبية (بأكثر ما تسمع رفيقتها).
قال ابن عبدالبر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة: أن لا ترفع صوتها. انتهى.
وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة. وعدل بها عن التسبيح إلى التصفيق إذا نابها شيء في الصلاة مثل: سهو إمامها أو نحو هـ، لكن يعتبر أن تسمع نفسها بالتلبية وفاقًا.
(لا لحلال) يعني: أنه لا يكره لحلال (تلبية)؛ لأنها ذكر مستحب للمحرم (^٢) . فلم تكره لغيره؛ كسائر الأذكار.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١١) ٢: ٢٣٨ كتاب الحج، باب المواقيت.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٨١ ]
] باب: محظورات الإحرام]
هذا (باب) يذكر فيه ما يحرم على المحرم وغير ذلك مما له فعله.
(محظورات الإحرام). وهي: ما يمتنع على المحرم فعلها شرعًا (تسع):
الاول منها: (إزالة شعر) من جميع بدنه (ولو من أنف) له بلا عذر؛ لقوله ﷾: (ولاتحلقوا رءوسكم حتي يبلغ الهدى محله) [البقرة: ١٩٦]، ويقاس على الحلق: النتف والقلع.
(و) الثاني: (تقليم ظفر يد أو رجل) أو قصه (بلا عذر)؛ لأنه إزالة جزء من بدنه يترفه به. فأشبه الشعر.
وأما كون إزالة ذلك يباح للعذر؛ فلقوله ﷾: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولما روى كعب بن عجرة قال: " كان بي أذى من رأسي. فحُملت إلى رسول الله - ﷺوالقمل يتناثر على وجهى. فقال: ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى. أتجد شاة؟ قلت: لا. فنزلت: (ففدية من صيام أو صدقة اونسك) [البقرة: ١٩٦]. قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين " (^١) . متفق عليه.
ولمسلم: " أتى علي رسول الله - ﷺزمن الحديبية. فقال: كأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. فقال: فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصُع من تمر بين ستة مساكين " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٢١) ٢: ٦٤٥ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب الإطعام في الفدية نصف صاع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٠١) ٢: ٨٦١ كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى. . .
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
[ ٤ / ٨٢ ]
ومن صور العذر: (كما لو خرج بعينه شعر، أو كُسر ظفرُه فأزالهما) أي:
أزال الشعر الذي خرج بعينه، أو الظفر الذي انكسر فلا فدية عليه، لأنه أزال ذلك لأذاه. فلم يكن عليه فدية، كقتل الصيد الصائل عليه.
(او زالا) أي: الشعر والظفر (مع غيرهما)؛ كما لو قطع منه جلد عليه شعر، أو قطعت منه أنملة فيها ظفر (فلا يفدي لإزالتهما)؛ لأنهما زالا تبعًا لغيرهما، والتابع لا يضمن، كما لو قلع أشفار عيني إنسان. فإنه لا يضمن أهدابهما.
ومفهوم ما تقدم: أنه متى أزال الشعر أو الظفر لحصول التأذي بغيرهما: أن عليه الفدية، وإلى ذلك أشار بقوله:
(إلا إن حصل الأذى بغيرهما؛ كقرح، ونحوه)، كقمل، وشدة حر، وصداع. يعني: فإن له إزالة الشعر أو الظفر وعليه الفدية، كما لو احتاج إلى أكل صيد في حال المخمصة فإن له قتله وعليه جزاؤه.
(ومن طُيِّب) بالبناء للمفعول وهو محرم بإذنه، أو سكت ولم ينهه، (او حلق رأسه بإذنه، أو سكت ولم ينهه)، [أو حلق رأسه بغير إذنه فسكت] (^١)، (أو) حلق رأس نفسه (بيده كرهًا: فعليه) أي: على المحلوق رأسه (الفدية). دون الحالق رأس غيره ولو كان محرمًا، لأن الله ﷾ اوجب الفدية بحلق الرأس مع علمه أن غيره يحلقه.
وأما كون الفدية عليه إذا حلق رأسه وهو ساكت لم ينه الحالق على الأصح؛ فلأن الشعر أمانة عنده كوديعة، وقد فرط فيها بسكوته عمن أتلفها.
وأما كونه إذا حلق رأسه كرهًا عليه الفدية، فلأن ذلك إتلاف، وهو يستوي فيه مباشر (^٢) الإتلاف، طائعًا أو مكرهًا.
(و) من حلق رأسه (مكرهًا بيد غيره أو نائمًا. ف) الفدية (على حالق).
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: مباشرة.
[ ٤ / ٨٣ ]
نص عليه؛ لأنه أزال ما منع منه شرعًا؛ كحلق محرم رأس نفسه.
ولأنه لا (^١) صنع من المحلوق رأسه؛ كإتلاف أجنبي وديعة بيد مودع (^٢) .
(ولا فدية بحلق محرم) رأس حلال (أو تطييبه حلالًا) لإباحة ذلك للحلال.
قال في " الفروع ": وإن حلق محرم حلالًا فهدر. نص عليه، وفاقًا لمالك والشافعي؛ لإباحة إتلافه.
وفي " الفصول ": إحتمال لأن الإحرام للآدمي؛ كالحرم (^٣) للصيد.
وعند أبي حنيفة: يتصدق بشئ.
ومن طيَّب غيره وفي كلام بعضهم: اوألبسه فكالحلق. انتهى.
(ويباح) للمحرم (غسل شعره بسدْرٍ ونحوه)؛ كخطمي على الأصح.
قاله القاضى وغيره. واحتج في رواية أبي داود بالمحرم الذي وقصته راحلته (^٤) . وذكر جماعة: يكره؛ لتعرضه لقطع الشعر. وكرهه جابر بن عبد الله، واحتج القاضي وغيره بأن المقصود منه النظافة وإزالة الوسخ؛ كالأشنان والماء. ولا نسلم أنه يستلذ برائحته. ثم يبطل بالفاكهة والدهن يقصد به الترجيل وإزالة الشعر (^٥) . مع أنه ذكر عن أحمد: أنه كره المحلب والأشنان.
وعنه: يحرم ويفدي.
(وتجب الفدية لما) أي: لشعر (علم أنه بان بمشْطٍ أو تخليل).
قال في " الإنصاف ": يجوز له تخليل لحيته ولا فدية بقطعه بلا تعمد. نقله
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج زيادة: بفتح الدال. .
(٣) في أ: كالإحرام.
(٤) عن ابن عباس قال: " أُتى النبي - ﷺبرجل وقصته راحلته فمات وهو محرم، فقال: كفنوه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٣٨) ٣: ٢١٩ كتاب الجنائز، باب المحرم يموت كيف يصنع به.
(٥) في " الفروع " ٣: ٣٥٦: وإزالة الشعث.
[ ٤ / ٨٤ ]
ابن إبراهيم، وقدمه في " الفروع ".
والصحيح من المذهب: أنه إن بان بمشط أو تخليل: فدى.
قال الإمام أحمد: إن خللها فسقط شعر إن كان ميتًا فلا شيء عليه.
قال في " الفروع ": وجزم به المصنف - يعني: الموفق - والشارح - أي:
شارح " المقنع " وغيرهما. انتهى.
فمفهومه: أنه إن كان حيًا فعليه الفدية.
وقوله: لما علم أنه بان، مفهومه: أنه لو شك لم تجب الفدية. وهو المذهب.
(وهي) أي: الفدية (في كل فرد) من الشعر أو الأظفار، وهو (^١) الشعرة الواحدة والظفر الواحد، (او بعضه) أي: بعض الشعر أو بعض الظفر (من دون ثلاث من شعر أو ظفر)؛ كالشعرتين والظفرين: (إطعام مسكين) عن كل شعرة أو بعضها، وعن كل ظفر أو بعضه.
وأما الثلاث شعرات فأكثر والثلاثة أظفار فأكثر فيأتي حكمها في الباب الذي يلي هذا الباب (^٢) .
(وتستحب) الفدية (مع شك) في وجوبها، بأن خلل شعره وشك هل سقط منه شيء اولا؟ فإنه تستحب له الفدية.
قال في " الفروع ": وتستحب الفدية مع شكه. انتهى.
(الثالث) من أقسام المحظورات: (تغطية الرأس) إجماعًا؛ " لأنه - ﷺ -
نهى المحرم عن لبس العمائم والبرانس " (^٣) .
وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته: " ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم
_________________
(١) في ج: وهي.
(٢) باب الفدية ص (١٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٦٨) ٥: ٢١٨٧ كتاب اللباس، باب السراويل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٧٧) ٢: ٨٣٤ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج او عمرة. . .
[ ٤ / ٨٥ ]
القيامة ملبيًا " (^١) . متفق عليهما.
والأذنان من الرأس. نقله الجماعة.
وعنه: عضوًان مستقلان. ذكرها ابن عقيل.
والبياض الذي فوقهما دون الشعر من الرأس. ذكره القاضي وابن عقيل وجماعة.
ويدل عليه حكم الموضحة فيه، وهي لا تكون إلا في رأس أو وجه، وليس من الوجه.
وحيث علم أن تغطية الرأس من المحظورات، (فمتى غطاه) بلاصق معتاد؛ كعمامة، أو لاصق غير معتاد (ولو بقرطاس به دواء أو لا) دواء فيه، (او بطين، أو نورة، أو حناء، أو عصبه ولو بسير) (^٢) . قاله أحمد.
وذكر (^٣) القاضي أن النبي - ﷺقال: " إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها " (^٤) .
و" أنه - ﷺنهى أن يشد المحرم رأسه بالسير ". نقله في " شرح
المقنع الكبير".
(أو) ستره بغير لاصق، كما لو (استظل في محمل، ونحوه)؛ كمحفة.
(أو) استظل (بثوب، ونحوه)؛ كريش وخوص يعلو رأسه ولا يلاصقها (^٥) .
حال كونه (راكبًا أو لا) أي: ليس براكب: (حرم) عليه ذلك (بلا عذر، وفدى) أي: ولزمته الفدية على الأصح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠٩) ١: ٤٢٦ كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٠٦) ٢: ٨٦٦ كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات.
(٢) في أ: يسيرًا، وهو تصحيف.
(٣) في ب: وذكره.
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٦٠) ٢: ٢٩٤ كتاب الحج، باب المواقيت. من حديث ابن عمر.
(٥) في أ: ويلاصقها.
[ ٤ / ٨٦ ]
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر من الأصحاب، وفاقًا لمالك. روي عن
ابن عمر من طريق النهي عنه، واحتج به أحمد.
ولأنه قصده بما يقصد به الترفه؛ كتغطيته. أو يقال؛ لأنه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالبًا. أشبه ما لو ستره (^١) بشيء يلاقيه.
(لا إن حمل) المحرم (عليه) أي: على رأسه شيئًا، كطبق ومكتل، (أو نصب) المحرم (حِيالَه) أي: بإزائه وقبالته (شيئًا) يستظل به، لأن ذلك يشبه الاستظلال بالحائط، لأنه لا يقصد للاستدامة.
وكذا لو نزل تحت شجرة وطرح عليها شيئًا يستظل به.
(او استظل بخيمة أو شجرة أو بيت)، لقول جابر في حديث حجة النبي - ﷺ -: " وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة. [فأتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة] (^٢) . فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس " (^٣) . رواه مسلم.
يعني: أنه لا يحرم عليه ذلك، ولا فدية به عليه.
وعلى الأصح (او غطى) المحرم الذكر (وجهه)، لأنه لم يتعلق به سنة التقصير من الرجل. فلم يتعلق به سنة التخمير " كباقي بدنه.
(الرابع) من أقسام المحظورات: (لُبسُ المخيط) في بدنه أو بعضه مما عمل على قدره إجماعًا، ولو درعًا منسوجًا، أو لبدًا معقودًا ونحو ذلك.
(و) كذا لبس (الخفين. إلا أن لا يجد) المحرم (إزارًا) يتزر به، (فليلبس (^٤) سراويل، أو) لا يجد المحرم (نعلين فليلبس خفين أو نحوهما) أي: نحو الخفين؛ (كران).
والأصل في ذلك ما روي " أن النبي ﷺسئل: ما يلبس المحرم؟
فقال: لا يلبس القميص، ولا العمامه، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسه
_________________
(١) في ب: ستر رأسه.
(٢) زيادة من ج.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٩ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -.
(٤) في ب: فيلبس، وهو تحريف.
[ ٤ / ٨٧ ]
ورس أو زعفران، ولا الخفين. إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " (^١) . متفق عليه من حديث ابن عمر.
زاد البخاري: " ولا تتنقب المرأة، ولا تلبس القفازين " (^٢) .
قال جماعة: بما عمل على قدره وقصد به.
وقال القاضي وغيره: ولو كان غير معتاد؛ كجورب في كف، وخف في رأس، وكفرْوٍ في صيف.
وقليل اللبس وغيره سواء؛ لأنه استمتاع. فاعتبر فيه مجرد الفعل؛ كوطء في فرج أو محظور. فلا تتقدر فديته بزمن كغيره.
واللبس في العادة مختلف:
(ويحرم قطعهما) أي: الخفين على الأصح؛ لما روى ابن عباس قال: سمعت النبي - ﷺيخطب بعرفات يقول: " من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم " (^٣) . متفق عليه. رواه الأثبات، وليس فيه: " بعرفات ".
قال مسلم: لم يذكر أحد منهم بعرفات غير شعبة.
وقال البخاري: تابعه ابن عيينة عن عمرو، وذكر الدارقطنى: أنه تابعه سعيد بن زيد أخو حماد.
ولمسلم عن جابر مرفوعًا مثل حديث ابن عباس (^٤) . وليس فيه: " يخطب
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٤) ١: ٦٢ كتاب العلم، باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٧٧) ٢: ٨٣٥ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. . .
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه. " (١٧٤١) ٢: ٦٥٣ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٦٧) ٥: ٤٩ كتاب اللباس، باب السراويل. وأخرجه في " صحيحه " (١١٧٨) ٢: ٨٣٥ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. . .
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٧٩) ٢: ٨٣٦ الموضع السابق.
[ ٤ / ٨٨ ]
بعرفات "، ولم يذكر في هذين الحديثين: قطع الخفين. ولقول علي: " قطع الخفين
فساد ".
ولأن الخف ملبوس أُبيح لعدم غيره. أشبه (^١) لبس السراويل من غير فتق.
ولأن قطع الخف لا يخرجه عن حالة الحظر. فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين؛ كلبس الصحيح، وفيه إتلاف مالية الخف، وقد " نهى النبي - ﷺعن إضاعة المال " (^٢) .
وقال أبو الشعثاء لابن عباس: " لم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا " (^٣) . رواه أحمد.
و" طاف عبدالرحمن بن عوف بخفين فقال له عمر: والخفاف (^٤) مع القباء! قال (^٥): لبستهما مع من هو خير منك، يريد النبي - ﷺ -". رواه أبو حفص العكبري، ورواه أبو بكر النجاد.
وروي أيضًا عن عمر: " الخفان نعلان لمن لا نعل له ".
ومن رواية الحارث عن علي، وعن ابن عباس.
وأن المسور بن مخرمة لبسهما وهو محرم وقال: أمرتنا به عائشة.
ولأن في قطعهما ضررأ؛ كالسراويل. فإنه يمكنه فتقه ويستر عورته، ولا يلبسه على هيئته.
والجواب عن حديث ابن عمر: أن زيادة القطع لم يذكرها جماعة ممن روى الخبر عن نافع. ورواها عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر من قوله.
ورواها أبو القاسم بن بشران في " أماليه " بإسناد صحيح من قول نافع عن
_________________
(١) في ب: فأشبه.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦١٠٨) ٥: ٢٣٧٥ كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠١٤) ١: ٢٢٨
(٤) في ب: الخفاف.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٨٩ ]
حمزة بن محمد الدهقان عن العباس (^١) الدوري عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عنه.
ورواها مالك وأيوب وجماعة من الأئمة فرفعوها. فقد اختلف فيها. فإن صحت فهي بالمدينة؛ لرواية أحمد عن ابن عمر: سمعت النبي - ﷺ - يقول على هذا المنبر. وذكره. وخبر ابن عباس بعرفات. فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر أكثرهم أو كثير منهم كلامه بالمسجد في موضع البيان ووقت الحاجة. لا يقال: اكتفى بما سبق؛ لأنه يقال فلم ذكر لبسهما؟ والمفهوم من إطلاق لبسهما بلا قطع.
ويجاب عن قول المخالف: أن المقيد يقضي على المطلق، أن محله: إذا لم يمكن تأويله.
وعن قوله: بأن حديث ابن عمر فيه زيادة لفظ: بأن خبر ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم جواز اللبس بلا قطع. يعني: أن هذا الحكم لم يشرع بالمدينة. وهذا الجواب أولى من دعوى النسخ.
ويستمر لابسا للسراويل والخفين (^٢) (حتى يجد إزارًا أو نعلين. ولا فدية) عليه؛ لأن الشارع أمر بلبس الخف والسراويل ولم يذكر فدية.
ولأن لبس ذلك يختص بعدم غيره. فلم يجب به فدية؛ كالخفين المقطوعين.
ولو لبس خفًا مقطوعًا دون الكعبين مع وجود نعل حرم، وفدى. نص عليه.
وإن شق إزاره وشد كل نصف على ساق؛ فكسراويل.
(ولا يعقد) المحرم (عليه رداء ولا غيره) أي: غير الرداء؛ لقول ابن عمر لمحرم: " ولا تعقد عليك شيئا " (^٣) . رواه الشافعي.
_________________
(١) في أ: ابن عباس.
(٢) في الأصول: والنعلين. والصواب ما أثبتناه.
(٣) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٠٨) ١: ٣١١ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
[ ٤ / ٩٠ ]
وروى الأثرم أيضًا قول ابن عمر السابق.
وأن ابن عباس قال لمولاه: " يا أبا معبد لِلَّهِ زُرَّ علي طيلسانى. فقال له: كنت
تكره هذا (^١) . فقال: أريد أن أفتدي ".
قال أحمد في محرم حزم عمامة على وسطه: لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض.
ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا إزاره)؛ لأنه يحتاجه لستر عورته، (و) إلا (مِنطَقَة وهميانًا فيهما نفقة)، لاحتياجه لستر نفقته (مع حاجة لعقد) فيما ذكر. فمتى كان في هميانه نفقة فإن ثبت بغير عقد بأن أدخل السيور بعضها في بعض لم يعقده " لعدم الحاجة. وإلا جاز عقده. نص على ذلك.
ومتى لم يكن في المنطقة نفقة ولو كان لبسها لحاجة أو وجع افتدى. نص عليه. (ويتقلد) المحرم (بسيف لحاجة)، وفاقًا؛ لقصة صلح الحديبية (^٢) . رواه البخاري.
ولا يجوز بلا حاجة. نقل صالح: إذا خاف من عدو. وهو معنى قول (^٣) بعضهم: لا يتقلد بالسيف إلا من ضرورة.
قال الموفق: وإنما منع منه؛ لقول ابن عمر: " لا يحمل المحرم السلاح في الحرم " (^٤) .
قال: " والقياس إباحته؛ لأنه ليس في معنى اللبس.
(ويحمل) المحرم (جرابه) في عنقه.
سُئل أحمد عن المحرم يلقي جرابه في عنقه كهيئة القربة فقال:
أرجو لا بأس.
_________________
(١) في ب: ذلك.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٨١) ٢: ٩٧٤ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد. . .
(٣) فى ب: قوله.
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥: ١٥٤ كتاب الحج، باب كراهية حمل السلاح في أيام الحج. . .
[ ٤ / ٩١ ]
(و) يحمل المحرم أيضًا (قربة الماء في عنقه. لا) في (صدره). نقله صالح. يعني: أنه لا يدخل حبلها (^١) في صدره.
(وله) أي: وللمحرم (أن يتزر) بقميص بأن يجعله مكان الإزار.
(و) أن (يلتحف بقميص) بأن يتغطى به.
(و) أن (يرتدي به) أي: بالقميص بأن يجعله مكان الرداء؛ لأن ذلك كله ليس بلبس المخيط المصنوع لمثله.
(و) له أيضًا: أن يرتدي (برداء مو صل)؛ لأن الرداء لا يشترط كونه صحيحًا.
(وإن طرح) المحرم (على كتفيه قباء فدى) ولو لم يدخل يديه في كميه على الأصح.
وكذا ما يشبه القباء من اللباس؛ " لنهيه - ﷺعن لبسه للمحرم ". رواه ابن المنذر. ورواه النجاد (^٢) عن علي.
ولأنه مخيط لبسه عادة لبسه؛ كالقميص.
وعنه: إن أدخل يديه في كميه فدى وإلا فلا. اختاره الخرقي، ورجحه في
"المغني" وغيره.
والاول اختيار الأكثر.
(وإن غطى خنثى مشكل وجهه ورأسه) فدى؛ لأنه إن كان أنثى فدى؛ لتغطية وجهه، وإن كان ذكرًا فدى، لتغطية رأسه.
(او) غطى الخنثى المشكل (وجهه ولبس مخيطًا فدى)؛ لأنه إن كان أنثى فدى؛ لتغطية وجهه، وإن كان ذكرًا فدى؛ للبسه المخيط.
(لا إن لبسه) أي: لبس الخنثى المشكل المخيط فقط، (او غطى وجهه
_________________
(١) في أ: حلها، وفي ج: جلدها.
(٢) كذا في ج، وفي أوب: البخاري.
[ ٤ / ٩٢ ]
وجسده بلا لُبس) فإنه لا فدية عليه؛ للشك.
(الخامس) من أقسام المحظورات: (الطيب) بالإجماع؛ " لأنه - ﷺأمر يعلى بن أمية بغسل الطيب " (^١) .
وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: " لا تحنطوه " (^٢) . متفق عليهما. ولمسلم: " لا تمسوه بطيب " (^٣) .
(فمتى طيَّب محرم ثوبَه أو بدنَه) أو شيئًا من بدنه. نص عليه. أو شيئًا من ثوبه، (او استعمل) المحرم (في أكل أو شرب، أو ادهان، أو اكتحال، أو استعاطٍ، أو احتقان طيبًا يظهر طعمه أو ريحه) فيما أكله أو شربه أو ادهن به أو اكتحل به أو استعط به أو احتقن به.
(أو قصد) المحرم (شم دهن مطئب، أو) شم (مسك، أو) شم (كافور، أو عنبر، أو زعفران، أو ورس) وهو نبت أصفر يكون باليمن يتخذ منه الحمرة (^٤) للوجه. قاله الجوهري.
وفي " القاموس ": الورس: نبات كالسمسم، ليس إلا باليمن، يزرع فيبقى عشرين سنة نافع للكلف طلاء، والبهق شربًا. انتهى.
فإن جلس عند العطار، أو في موضع ليشم الطيب، (أو) قصد شم (بخور عود ونحوه)
ولو الكعبة حال تجميرها.
(أو) قصد شم (ما ينبته آدمي لطيب ويُتخذ منه) الطيب؛ (كورد وبنفسج) بفتح الموحدة والنون والسين معرب، (ومنثور) وهو الخيري، (ولْيَنَوْفر، وياسمين ونحوه)؛ كالبان والزئبق.
(وشمه أو مس ما يعلق به) أي: بالممسوس؛ (كماء ورد: حرُم) عليه
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص (١٣٦) رقم (٢). من حديث يعلى بن أمية.
(٢) سبق تخريجه ص (٨٦) رقم (١).
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٠٦) ٢: ٨٦٦ كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات.
(٤) في " الصحاح " للجوهري: الغُمْرَ ة.
[ ٤ / ٩٣ ]
ذلك كله (^١)، (وفدى). نص عليه، لأن الطيب شيء حرمه الإحرام. فلزمت الفدية به، كاللباس.
(لا إن شم) المحرم شيئًا من ذلك (بلا قصد)، لعسر التحرز عن ذلك،
(أو مس) من الطيب (ما لا يعلق) به، كقطع الكافور والعنبر. فلا فدية فيه " لأنه غير مستعمل للطيب.
(أو شم ولو قصدًا فواكه)، كالأترج والتفاح، (أو عودًا) " لأنه لا يتطيب به هكذا، وإنما يقصد منه التبخير.
(أو) شم (نبات صحراء، كشيح) بكسر الشين المعجمة، (ونحوه)، كالخزامى بالخاء المعجمة والزاي وهي: نبت له زهرة طيبة الرائحة، لها نور كنور البنفسج، الواحدة خزاماة، ومثلها (^٢) القيصوم (^٣) وهو صنفان أنثى وذكر، النافع منه أطرافه، وزهره مر جدًا، ويدلك البدن به للنافض فلا يقشعر إلا يسيرًا.
(أو ما ينبته آدمي لا بقصد طيب، كحناء وعصفر) بضم العين المهملة.
قال في " القاموس ": نبتٌ يُهرِّى اللحم الغليظ (^٤)، وبزره: القرطم. انتهى.
(وقرنفل) ويقال أيضًا: قرنفول (^٥) . وهو: ثمرة شجرة بسُفالة الهند، أفضل الأفاويه الحارة وأذكاها، (ودار صيني) ومن أنواعه القرفة، (ونحوها) أي: نحو هذه الأشياء، كالزرنب.
(أو) ينبته آدمي (لقصده) أي: لقصد الطيب (ولا يتخذ منه) الطيب " (كريحان فارسي وهو الحبَق).
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: ومثلهما.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في أ: أقرنفول.
[ ٤ / ٩٤ ]
قال في " القاموس ": نبات طيِّبُ الرائحة. فارسيّته: الفُوتَنج، يشبه الثُّمَام، وحَبَقُ الماء وحبق التمساح: الفوتنج النهري. انتهى.
(و) ك (نمَّام).
قال في "القاموس ": النَّمَّام: نبت طيب مُدِرَّ، يخرج الجنين الميت والدود.
(و) ك (بَرم. وهو: ثمر العِضَاه؛ كأم غَيْلان ونحوها، و) (نرجس) بفتح النون وكسرها، (و) ك (مَرْزَجُوش).
قال في " القاموس ": بالفتح المرْدَقوش، معرب مرزنكوش، وعربيته: السَّمسَق، نافع لعسر البول، والمغص، ولسعة العقرب. انتهى.
(ونحوها)، كالنسرين.
(أو ادهن) المحرم (ب) دهن (غير مطيِّب)، كزيت وشيرج. نص عليه.
(ولو في رأسه وبدنه) جميعًا. فإنه لا يحرم عليه ذلك، ولا فدية في ذلك ولا في الأدهان على الأصح؛ " لأن النبي - ﷺ - فعله " (^١) . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، من رواية فرقد (^٢) السبخي. وهو ضعيف عندهم، وذكره البخاري عن ابن عباس.
ولعدم (^٣) الدليل على وجوب الفدية.
(السادس) من أقسام المحظورات على المحرم: (قتل صيد البرِّ) إجماعًا " لقوله ﷾: (لا تقتلوا الصيد وانتم حرم) [المائدة: ٩٥]. (واصطياده) ولو لم يقتله أو يخرجه؛ لقوله ﷾: (وحرم عليكم صيد ابر مادمتم حرمًا) [المائدة: ٩٦].
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٦٢) ٣: ٢٩٤ كتاب الحج. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٨٣) ٢: ١٠٣٠ كتاب المناسك، باب ما يدهن به المحرم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٣٢٢) ٢: ١٤٥.
(٢) في ب: الفرقد.
(٣) في ب: ابن عباس وأحمد لعدم.
[ ٤ / ٩٥ ]
(و) صيد البر (هو): الحيوان (الوحشي المأكول، و) كذا (المتولِّد منه) أي: من المأكول (ومن غيره) تغليبًا؛ لتحريم قتله، كما غلبوا تحريم أكله.
(والاعتبار) في الوحشي والأهلي (بأصله. فحمام وبط) وهو الاوز (وحشي) ولو استأنس. فيجب الجزاء في وحشيه وأهليه.
وعنه: لا يضمن أهليه، وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأنه ألوف بأصل الخلقة. كذا علله الحنفية (^١) .
ولو توحش الأهلي من إبل أو بقر أو غيرهما لم يحرم قتله للأكل، ولاجزاء فيه.
قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها؛ لأن الأصل فيها الأنسية.
(فمن أتلفه) أي: أتلف صيد البر أو المتولد بين الصيد وغيره؛ كالسمع بكسر السين المهملة وهو (^٢): المتولد بين الضبع والذئب وهو محرم.
(او تلف بيده) كله (او بعضه بمباشرة، أو سبب. ولو) كان السبب (بجناية دابة متصرف فيها) المحرم، (او إشارة) من المحرم (لمريد صيدٍ، أو دلالته) أي: دلالة المحرم على الصيد من يريد صيده (إن لم يره.
او إعانته) أي: إعانة المحرم مريد صيده (ولو بمناولته آلته) أي: آلة الصيد. ومن الإعانة: إعارة المحرم الحلال آلة؛ كرمح وسكين بالقول؛ كأعرتك.
(ويحرم) على المحرم (ذلك) أي: ما تقدم من الإشارة إلى الصيد، والإعانة عليه، والدلالة عليه؛ لأن ذلك إعانة على محرّم. فحرمت. كالإعانة على قتل آدمي معصوم.
(لا دلالة) محرم (على طيب ولباس) فإن ذلك لا يحرم؛ لأن الدلالة على
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٩٦ ]
الطيب واللباس لا ضمان فيهما بالسبب، ولا يتعلق بهما حكم يختص بالدال عليهما، والدلالة على الصيد يتعلق بها حكم يختص بالدال وهو: تحريم الأكل منه، ووجوب الجزاء فيما إذا كان من دلّه (^١) المحرم حلالًا، لأنه إذا كان الصائد حلالًا، (فعليه) أي: على المحرم المشير إلى الصيد، أو الدال عليه، أو المعين عليه (الجزاء) أي: جزاء الصيد الذي قتله الحلال. نقله ابن منصور وابن إبراهيم وأبو الحارث في الدال.
ونقله عبدالله في المشير. ونقله أبو طالب فيه وشي الذي يعين. وروى النجاد الضمان عن علي وابن عباس في محرم أشار (^٢) .
وأما ما روي عن ابن عمر: لا جزاء على الدال: فقال القاضي: المعروف
عنه ما رواه النجاد: لا يدل المحرم على صيد ولا يشير إليه.
والأصل في ذلك ما في خبر أبي قتادة: " لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي - ﷺ -: هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا ". وفيه: " أبصروا حمارًا وحشيًا فلم يأذنونى وأحبوا لو أني أبصرته. فالتفت فأبصرته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح. فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. قالوا: والله! لا نُعينُك عليه ".
وفيه: " إذ أبصرت (^٣) بأصحابي يتراءون شيئًا. فنظرت فإذا حمار وحشي ".
وفيه: " فبينما أنا مع أصحابي فضحك بعضهم إلى بعض، إذ نظرت فإذا بحمار وحشي فحملت عليه فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني " (^٤) . متفق على ذلك كله.
_________________
(١) في ب: عن دلالة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: إذ بصرت.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٠٩١) ٥: ٢٠٦٤ كتاب الأطعمه، باب تعرق العضد، و(١٧٢٥ - ١٧٢٨) ٢: ٦٤٧ - ٦٤٩ أبواب الإحصار وجزاء الصيد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩٦) ٢: ٨٥١ - ٨٥٥ كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم.
[ ٤ / ٩٧ ]
(إلا أن يقتله) أي: يقتل الصيد (محرم) بسبب دلالة محرم: (ف) إن جزاؤه يكون (بينهما) أي: بين الدال والقاتل بالسوية على الأصح؛ لأنهما اشتركا في التحريم. فكذا في الجزاء.
(ولو دلَّ ونحوه) بأن أعان (حلال) محرمًا على صيد فقتله المحرم: (ضمنه محرم وحده) أي: دون أن يشاركه في ذلك الحلال؛ (كشركة غيره) أي: غير المحرم (معه) أي: مع المحرم في قتل الصيد؛ لأنه اشترك في قتله من يجب عليه الضمان ومن لا يجب. فاختص الجزاء بمن يجب عليه.
ولأنه اجتمع موجب ومسقط. فغلب الإيجاب؛ كما لو قتل صيدًا بعضه في الحرم وبعضه في الحل.
وكذا لو كان المشارك غيرآدمي بأن كان المشارك سبعًا أو نحوه.
وإن سبق حلال أو سبع إلى صيد فجرحه ثم قتله المحرم فعليه جزاؤه مجروحًا. وإن جرحه محرم ثم قتله حلال فعلى المحرم أرش جرحه فقط.
ولو جرحه محرم ثم قتله محرم فعلى الاول أرش جرحه وعلى الثانى تتمة الجزاء.
(ولو دلَّ حلال حلالًا على صيد بالحرم) فقتله المدلول: (فكدلالة محرم محرمًا)، ويكون جزاؤه عليهما. نص عليه.
وقيل: لا ضمان على دال في حل، بل على المدلول وحده؛ كحلال دل محرمًا.
(وإن نصب) حلال (شبكة، ونحوها)؛ كفخ (ثم أحرم، أو أحرم ثم حفر بئرًا بحق)؛ كما لو حفرها في داره أو للمسلمين في طريق واسع: (لم يضمن ما يحصل) من تلف صيد (بسببه) أي: بسبب نصب الشبكة وحفر البئر.
وإن لم يكن حفر البئر بحق ضمن ما تلف به؛ كالآدمي إذا تلف بذلك. .
وأطلق في " الانتصار " ضمانه.
ومراد من نفاه (إلا إن تحيَّل).
[ ٤ / ٩٨ ]
قال في " الفروع ": ومراد [من أطلق] (^١) من أصحابنا والله أعلم إذا لم يتحيل فالمذهب رواية واحدة، وإذا لم يتحيل فالخلاف وعدمه أشهر وأظهر. انتهى.
واحتج بعض الأصحاب في الفارِّ من الزكاة بنصب اليهود الشبك يوم الجمعة وأخذوا يوم الأحد ما سقط فيها، وأنه شرع لنا.
(وحُرم أكله) أي: أكل المحرم (من ذلك كله) وهو ما صاده، أو دل عليه، أو أشار إليه، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه مثل: أن يعير ما يذبحه به " لما روى أبو قتادة أن النبي - ﷺقال: " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ قالوا: لا. قال: كلوا ما بقي من لحمها " (^٢) . متفق عليه. (وكذا ما ذبح) من أجله (او صيد لأجله). نقله الجماعة، لما في " الصحيحين " من حديث الصعب بن جثامة " أنه أهدى للنبي - ﷺحمارأ وحشيًا فرده عليه. فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " (^٣) .
وروى الشافعي وأحمد من حديث جابر مرفوعًا: " لحم الصيد لكم (^٤) في الإحرام حلال (^٥)، ما لم تصيدوه أو يُصد لكم " (^٦) . فيه المطلب بن حنطب، قال الترمذي: لا يعرف له سماع من جابر.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٧٢٨) ٢: ٦٤٨ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب لا يشير المحرم إلى الصيد. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩٦) ٢: ٨٥٣ كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٢٩) ٢: ٦٤٩ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩٣) ٢: ٨٥٠ كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في أ: لحم الصيد للرجال. وهو وهم.
(٦) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٥١٩٧) ٣: ٣٨٧. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٣٩) ١: ٣٢٢ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
[ ٤ / ٩٩ ]
و[صح عن] (^١) عثمان: " أنه أُتي بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: ألا تأكل أنت؟ فقال: إنى لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي " (^٢) . رواه مالك والشافعي.
(ويلزمه) أي: يلزم المحرم (بأكله) أي: أكل ما ذبح أو صيد لأجله] (الجزاء) أي: جزاء ما ذبح وصيد لأجله] (^٣)؛ لأنه إتلاف منع منه بسبب الإحرام. فوجب عليه به الجزاء؛ كقتل الصيد. ولهذا يباح لغيره.
وإن قتل المحرم صيدًا ثم أكله ضمنه؛ لقتله. لا لأكله. نص عليه؛ لأنه مضمون بالجزاء. فلم يتكرر؛ كإتلافه بغير أكله، وكصيد الحرم إذا قتله حلال وأكله.
ولأنه ميتة وهي لا تضمن، ولهذا لا يضمنه بأكله محرم غيره.
(وما حرم عليه) أي: على المحرم (لدلالة) عليه، (أو إعانة) عليه،
(أو صيد له) أي: للمحرم: (لا يحرم على محرم غيره) أي: غير الدال أو المعين أو الذي صيد له (كحلال) أي: كما لا يحرم على حلال.
(وإن نقل) المحرم (بيض صيد) سليم (ففسد) بسبب النقل: ضمنه بقيمته مكانه؛ لأن فساده كتلفه. أشبه المباشرة (^٤) لتلفه.
(أو أتلف) المحرم بيض صيد (غير مَذّر، و) غير (ما فيه فرخ ميت.
إلا) ما كان (من بيض النعام؛ لأن لقشره) أي: قشر بيض النعام (قيمة.
أو حلب) المحرم (صيدًا) صاده في إحرامه ولو بعد حله، أو محل ما صاده بالحرم ولو بعد إخراجه إلى الحل.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه مالك في " الموطأ " (٨٤) ١: ٢٨٧ كتاب الحج، باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٤٣) ١: ٣٢٤ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: المباشر.
[ ٤ / ١٠٠ ]
(ضمنه) أي: ضمن البيض إن كان ما أتلفه بيضًا، أو ضمن اللبن الذي
حلبه من الصيد (بقيمته). نص عليه، (مكانه) أي: مكان الإتلاف؛ لقول ابن عباس: " في بيض النعام قيمته " (^١) .
ولأن البيض لا مثل له. فتجب فيه القيمة؛ كصغار الطير.
وإطلاق الثمن في الخبر الذي رواه ابن ماجه بسنده إلى أبي هريرة أن النبى
- ﷺوقال: " في بيض النعام قيمته " (^٢): يدل على وجوب القيمة. إذ غالب الأشياء يعدل ثمنها قيمتها.
وقد علم مما تقدم: أن المذر وما فيه فرخ ميت من غير بيض النعام لا شيء فيه؛ لأنه لا قيمة له، وأن ما كسر فخرج منه فرخ وعاش أنه لا شيء فيه على الأصح؛ لأنه لم يتلف شيئًا.
(ولا يملك) المحرم (صيدًا ابتداءً) أي: ملكًا متجددًا (بغير إرث) وفاقًا. فلا يملكه بشراء ولا اتهاب ولا اصطياد، ولو بنصب أحبولة قبل إحرامه فيقع فيها وهو محرم في الأصح؛ لخبر الصعب بن جثَّامة السابق (^٣)؛ لأن الصيد ليس محلًا للتمليك للمحرم؛ لأن الله حرم الصيد عليه؛ كالخمر.
وقيل: لا يملكه أيضًا بالإرث.
والاول المذهب؛ لأن الملك بالإرث لا فعل منه فيه، ويملك به الكافر المسلم فجرى مجرى الاستدامة.
(فلو قبضه) أي: قبض المحرم الصيد (هبة) له (او رهنًا) على دينه (^٤)
(أو بشراء: لزمه رده) إلى من أقبضه إياه. (وعليه) أي: على قابضه (إن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٢٠٨ كتاب الحج، باب بيض النعامة يصيبها المحرم. عن ابن عمر.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٨٦) ٢: ١٠٣١ كتاب المناسك، باب جزاء الصيد يصيبه المحرم.
(٣) ص (٩٩) رقم (٣).
(٤) في أ: دين.
[ ٤ / ١٠١ ]
تلف قبله) أي: قبل رده (الجزاء مع قيمته) لمالكه (في هبة وشراء) أي: في صورة الهبة والشراء.
ومتى تلف بيد من رده إليه لم يضمنه الراد، ويضمنه لمالكه بقيمته إن أرسله ولم يرده. ولا جزاء عليه.
(وإن أمسكه) أي: أمسك الصيد إنسان حال كونه (محرمًا) بالحل أو الحرم، (أو) أمسكه حال كونه (حلالًا بالحرم فذبحه) المحرم (ولو بعد حله) من إحرامه، (أو) ذبحه من أمسكه بالحرم ولو بعد (إخراجه من الحرم: ضمنه) بجزائه، لأنه تلف بسبب كان في إحرامه، أو في الحرم؛ كما لو جرحه فمات بعد حله، أو بعد خروجه من الحرم.
(وكان ما) ذبح (لغير حاجة أكله ميتة). نص عليه، وفاقًا.
قال في " المستوعب " وغيره: ولو قتله لصوله عليه؛ لأنه محرم عليه لمعنى فيه لحق الله ﷾؛ كذبيحة المجوسي. فساواه فيه وإن خالفه في غيره.
(وإن ذبح مُحِلّ صيدَ حَرَمٍ فكالمحرم) يعني: أنه يكون ما ذبح لغير حاجة أكله ميتة.
(وإن كسر المحرم بيض صيد: حَلّ لمحل) أن يأكله، وكذا لو حلب المحرم صيدًا فإنه لا يحرم على محل استعماله في الأصح فيهما، لأن حله للمحل لا يتوقف على الكسر ولا الحلب.
ولا يعتبر لواحد منهما أهلية. فلو كسره اوحلبه مجوسي أو بغير تسمية: حل.
وعلم من قوله: حل لمحل حرمتها على المحرم الذي باشر الكسر والحلب وغيره.
(ومن أحرم وبملكه صيد لم يزُل) ملكه عنه، (ولا) تزول أيضًا عنه (يده الحكمية)، مثل: أن يكون بغير مكان المحرم الذي يشاهده بأن يسافر ويتركه ببيته، أو يكون بيد نائبه بالمحل البعيد عنه.
[ ٤ / ١٠٢ ]
(ولا يضمنه معها) يعني: أن المحرم لا يضمن الصيد إذا تلف مع وجود يده الحكمية؛ لأنه لا تلزمه إزالتها، ولم يوجد منه سبب في تلفه. وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما في الأصح.
(ومن غصبه) من يده الحكمية (لزمه رده)؛ لاستدامة ملكه عليه.
(ومن) صاد صيدًا بالحل ثم (أدخله الحرم، او) صاد صيدًا وهو حلال ثم (أحرم وهو) أي: الصيد (بيده المشاهدة)؛ كما لو كان بخيمته، أو رحله، أو في قفص معه، أو مربوط بحبل معه: (لزمه إزالتها) أي: إزالة يده المشاهدة عنه (بإرساله)؛ لأن في عدم إزالة يده المشاهدة عنه إمساكًا للصيد، ولم يجز كحالة الابتداء بدليل اليمين. (وملكه باق) عليه بعد إرساله (فيرده آخذه) عليه إذا حل، (ويضمنه قاتله) بقيمته له؛ لأن ملكه كان عليه، وإزالة اليد لا تزيل الملك. بدليل الغصب والعارية.
فإن تلف في يده قبل إرساله بعد إمكانه ضمنه بالجزاء؛ لأنه تلف تحت يد عادية. فلزمه ضمانه.
(فإن لم يتمكن) من إرساله بأن نفره ليذهب (^١) فلم يذهب، (و) استمر مصاحبًا له حتى (تلف) بغير فعله: (لم يضمنه)؛ لأنه لم يوجد منه ما يقتضي ضمانه من تقصير ولا تعدٍّ
وحيث لم يرسله (ولا ضمان على مرسله من يده قهرًا)؛ لأنه فعل ما له فعله.
ولأن اليد المشاهدة قد زال حكمها وحرمتها بإحرامه.
ومتى استمر ممسكًا للصيد حتى حل من إحرامه فملكه باق عليه؛ لعدم زواله بالإحرام. فصار كالعصير يتخمر ثم يتخلل قبل إراقته.
(ومن قتل) وهو محرم (صيدًا صائلًا) عليه (دفعًا عن نفسه): لم يحل
ولم يضمنه كالآدمي الصائل.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٠٣ ]
ولأنه التحق بالمؤذيات طبعًا. فصار كالكلب العقور.
ولا فرق بين أن يخشى منه التلف، أو المضرة بجرحه، أو إتلاف ماله، أو بعض حيواناته.
(أو) قتل وهو محرم صيدًا (بتخليصه من سبع، أو شبكة ليُطلقه): لم يحل ولم يضمنه؛ لأنه فعل فعلًا أبيح لحاجة الحيوان. فلم يضمن ما تلف به. (أو قطع) محرم (منه) أي: من الصيد (عضوًا متآكلًا) فمات: (لم يحل، ولم يضمنه)؛ لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان. أشبه ما لو داوى ولي الصبي الصبي فمات بذلك، وهذا ليس بمتعمد. فلا تتناوله الآية.
(ولو أخذه) أي: أخذ المحرم الصيد الضعيف (ليداويه: فوديعة) أي: فحكمه حكم الوديعة. فمتى مات بيده من غير تقصير في حفظه ولا تعد عليه لم يضمنه.
(ولا تأثير لحرم وإحرام في تحريم) حيوان (إنسي)؛ كالدجاج، وبهيمة الأنعام؛ لأن ذلك ليس بصيد. وإنما حرم الله ﷾ الصيد. وقد كان النبي - ﷺيذبح البدن في إحرامه في الحرم يتقرب إلى الله ﷾ في ذلك، وقالﷺ -: " أفضل الحج العج والثج " (^١) . يعني: إسالة الدماء بالذبح والنحر.
(ولا) تأثير لحرم ولا إحرام أيضًا (في محرم الأكل)؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير. (إلا المتولد) بين الوحشي والأهلي، كما لو تولد حمار بين الحمر الوحشية والحمر الأهلية فإنه يغلب جانب التحريم. ويكون حكمه حكم الذي أبواه وحشيان.
وينقسم الحيوان الذي لا جزاء فيه إلى ثلاثة اقسام:
الاول: الفواسق الخمس التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم. وهي:
الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور. وإطلاق لفظ:
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٨٠) رقم (٢).
[ ٤ / ١٠٤ ]
الغراب شامل لما لا يحل أكله من الغربان؛ كغراب البين والأبقع.
والأصل في ذلك ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور " (^١) .
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن " (^٢) . وذكر مثل حديث عائشة. متفق عليهما.
القسم الثانى: ما كان طبعه الأذى وإن لم يوجد منه أذى؛ كالأسد والنمر
وما في معناهما مما فيه أذى للناس فى أنفسهم وأموالهم، من جوارح الطير والحشرات المؤذية؛ كالحية والزنبور والبق والقراد والبعوض والبراغيث.
القسم الثالث: ما لا يؤذي بطبعه، كالرخم والديدأن والبوم. فلا أثر للمحرم ولا للإحرام فيه؛ لأن الله ﷾ إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس شيء من ذلك بصيد.
(ويحرم بإحرام قتل قمل وصِئبأنه، ولو برميه) على الأصح؛ لما فيه من الترفه بإزالته فحرم؛ كقطع الشعر.
(ولا جزاء فيه) أي: في القمل، لأنه لا قيمة له. أشبه البعوض والبراغيث. ولأنه ليس بصيد.
(لا براغيث وقراد، ونحوهما)، كالدلم. فإنه لا يحرم على المحرم قتل
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٣٢) ٢: ٠ ٦٥ أبواب الإحصاء وجزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩٨) ٢: ٨٥٧ كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب. . .
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٣٧) ٣: ١٢٠٥ كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٩٩) ٢: ٨٥٨ الموضع السابق.
[ ٤ / ١٠٥ ]
شئ من ذلك.
ويروى عن ابن عمر: " أنه قرد بعيره بالسقيا " (^١) أي: نزع القراد عنه فرماه. وهذا قول ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء.
وقال مالك: لا يجوز.
ولنا: أنه قول من سمينا من الصحابة.
ولأنه مؤذٍ. فأبيح قتله؛ كغيره من الحشرات المؤذيات.
(ويسن مطلقًا) مع وجود أذى وبدونه (قتل كل مؤذ) من الحيوإن (غير آدمي).
قال في " الأنصاف ": يستحب قتل كل مؤذ من حيوإن وطير. جزم به في "المستوعب " وغيره، وقدمه في " الفر وع "، وقال: هو مراد من أباحه. انتهى. (ويباح) للمحرم وغيره (لا بالحرم) على الأصح (صيد ما يعيش في الماء)؛ كالسمك، (ولو عاش في بر أيضًا؛ كسلحفاة) وضفدع (وسرطأن)؛ لأن ما يعيش في البحر له حكم صيد البحر.
وأما كون صيد البحر يحرم بالحرم؛ لأن حرمة صيد الحرم للمكان. فلا
فرق فيه بين صيد البر وصيد البحر.
(و) أما (طير الماء) فهو (بري)؛ لأنه يبيض ويفرخ في البر. فيحرم على المحرم صيده، وفيه الجزاء.
(ويضمن جراد) أي: يضمن المحرم الجراد على الأصح؛ لأنه بري يشاهد طيرأنه في البر، ويهلكه الماء إذا وقع فيه. أشبه العصافير. (بقيمته)؛ لأنه متلف غير مثلي إذا قتله.
(ولو بمشي) من المحرم (على) جراد (مفترش بطريق). ولو لم يكن له طريق غير محل الجراد المفترش في الأصح؛ لأنه أتلفه لمنفعة نفسه بالمشي
_________________
(١) أخرج مالك في " الموطأ " عن ربيعة بن أبي عبدالله بن الهدير " أنه رأى عمر بن الخطاب يقرد بعيرًا له في طين بالسقيا وهو محرم " (٩٢) ١: ٢٨٩ كتاب الحج، باب ما يجوز للمحرم أن يفعله. والسقيا: قرية بين مكه والمدينة.
[ ٤ / ١٠٦ ]
عليه. أشبه ما لو اضطر إلى أكله فأكله.
(وكذا) أي: ومثل ضمان جراد أتلف بمشي عليه في الحكم (بيض طير أتلف) أي: أتلفه محرم الحاجة مشي) عليه. فيضمنه بقيمته.
(ولمحرمٍ احتاج إلى فعل محظور فعله، ويفدي)؛ لأن النبي ﷺ لما رأى كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه أباح له حلق رأسه وأوجب عليه الفدية (^١) . وباقي المحظورات في معنى الحلق.
ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد لبس وفدى. نص عليه.
(وكذا) وكالمحرم إذا احتاج إلى فعل محظور (لو اضطر) المحرم إلى ذبح صيد: فإن له ذبحه وأكله ويفدي؛ (كمن) اضطر (بالحرم إلى ذبح صيد). فإن له ذبحه وأكله ويفدي.
(وهو) أي: الصيد الذي ذبحه المضطر وهو محرم أو بالحرم (ميتة في حق غيره) أي: غير المضطر. (فلا يباح) أكلهأي: أكل الصيد الذي ذبحه المضطر (إلا لمن يباح له أكلها) أي: أكل الميتة.
(السابع) من أقسام المحظورات على المحرم: (عقد النكاح). فلو تزوج المحرم، أو زوج محرمة، أو كان وكيلًا أو وليًا في النكاح: لم يصح. نقله الجماعة عن أحمد، وفاقًا لمالك والشافعي، تعمد ذلك أو لم يتعمد؛ لما روى مسلم عن عثمان مرفوعًا: " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (^٢) . ولمالك والشافعي (^٣) وأبي داود: " أن عمر بن عبيدالله أرسل إلى أبأن بن عثمان، وأبأن يومئذ أمير الحاج وهما محرمًان: أنى أردت أن أنكح طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير وأردت أن تحضر. فأنكر ذلك عليه، وقال: سمعت
_________________
(١) سبق تخريجه (٨٢) رقم (١) و(٢).
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٩) ٢: ١٠٣١ كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته.
(٣) في أ: وللشافعي.
[ ٤ / ١٠٧ ]
عثمان يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (^١) . وعن ابن عمر أنه كان يقول: " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب على نفسه ولا على غيره " (^٢) . رواه مالك والشافعي ورفعه الدارقطني.
ولأحمد والدارقطني عنه: " أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة فقال: لا تتزوجها وإنت محرم. نهى رسول الله ﷺ عنه " (^٣) .
ولمالك والشافعي: " أن رجلًا تزوج امرأة وهو محرم. فرد عمر. نكاحه " (^٤) .
وعن علي وزيد معناه. رواهما أبو بكر النيسأبوري.
ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه. فمنع عقد النكاح؛ كالعدة.
ولأن العقد من دواعي الجماع. فمنعه الإحرام " كالطيب، أو يقال عقد
لا يتعقبه استمتاع، كالمعتدة.
وأجازه ابن عباس [وأبو حنيفة؛ لقول ابن عباس] (^٥): " تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم " (^٦) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه (١٨٤١) ٢: ١٦٩ كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج. وأخرجه مالك في " الموطأ " (٠ ٧) ١: ٢٨٣ كتاب الحج، باب نكاح المحرم. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٢١) ١: ٣١٦ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
(٢) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٢٢) ١: ٣١٦ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . . وأخرجه مالك في " الموطأ " (٧٢) ١: ٢٨٣ كتاب الحج، باب نكاح المحرم. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (٥٩) ٣: ٢٦١ باب المهر.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٥٩٥٨) ٢: ١١٥. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٥٨) ٣: ٢٦٠ باب المهر.
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " (٧١) ١: ٢٨٣ كتاب الحج، باب نكاح المحرم. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٢٥) ١: ٣١٦ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
(٥) ساقط من ب.
(٦) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٧٤٠) ٢: ٦٥٢ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب تزويج المحرم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤١٠) ٢: ١٠٣١ كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته.
[ ٤ / ١٠٨ ]
وللبخاري (^١): " وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف " (^٢) .
ولأحمد والنسائي: " وهما محرمًان " (^٣) .
والجواب بما روى مسلم عن يزيد بن الأصم عن ميمونة: " أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس " (^٤) .
ولأبي داود: " وتزوجني ونحن حلالًان بسرف " (^٥) .
وعن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع: " أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونه حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنت الرسول بينهما " (^٦) . إسناده جيد، رواه أحمد والترمذي وحسنه.
وقال ابن المسيب: " أن ابن عباس وَهلَ " (^٧) .
وقال أيضًا: " أوهم " (^٨) . رواهما الشافعي. أي: ذهب وهمه إلى ذلك. وللبخاري وأبي داود هذا المعنى عن ابن المسيب (^٩) .
قال في " الفروع ": وهذا يدل أن حديث ابن عباس خطأ. وكذا نقل أبوالحارث عن أحمد أنه خطأ. ثم قصة ميمونة مختلفة كما سبق فيتعارض
_________________
(١) في ب: رواه البخاري، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٠١١) ٤: ١٥٥٣ كتاب المغازي، باب عمرة القضاء.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٨٣٩) ٥: ١٩١ كتاب مناسك الحج، الرخصة في النكاح للمحرم. وأخرجه أحمد في مسنده) (٢٢٠٠) ١: ٣٤٥
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه (١٤١١) ٢: ١٠٣٢ كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٤٣) ٢: ١٦٩ كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج.
(٦) أخرجه الترمذي في " جامعه (٨٤١) ٣: ٢٠٠ كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٤ ٢٧٢) ٦: ٣٩٣
(٧) أخرجه الشافعي في مسنده " (٨٢٩) ١: ٣١٨ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . . وفي المسند: وهم.
(٨) أخرجه الشافعي في مسنده " (٨٢٩) ١: ٣١٨ الموضع السابق.
(٩) أخرجه أبو داود في " سننه ") ١٨٤٥) ٢: ١٦٩ كتاب الحج، باب المحرم يتزوج.
[ ٤ / ١٠٩ ]
ذلك، وما سبق لا معارض له. ثم. رواية الحل أول؛ لأنها أكثر، وفيها صاحب القصة والسفير فيها، ولا مطعن فيها ويوافقها ما سبق، وفيها زيادة مع صغر ابن عباس إذا.
ويمكن الجمع بأن ظهر تزويجها وهو محرم، أو فعله خاص به. انتهى.
فعلى هذا يكون من خصائصه. ولهذا قال في " التنقيح " وتبعته عليه:
(إلا في حق النبي ﷺ) يعني: فلا يكون في حقه محظورًا. وعلى كون فعل النبي ﷺ خاص به عمل الخلفاء الراشدين.
(و) مع كونه محظورًا (لا فدية فيه)؛ لأنه عقد فاسد لأجل الإحرام. فلم تجب به فدية؛ كشراء الصيد.
ولا فرق فيه بين الإحرام الصحيح والفاسد. قاله في " الشرح ".
(وتُعتَبر حالتُه) أي: حالة عقد النكاح. (فلو وكَّل) محرم (حلالًا:
صح عقده) أي: عقد الوكيل (بعد حل موكله)؛ لوقوع العقد حالة حل الوكيل والموكل.
(ولو وكَّله) أي: وكل الحلال في التزويج إنسان حالة كونه (حلالًا فأحرم) [أي: الموكل] (^١) (فعقده) الوكيل (حال إحرامه) أي: إحرام موكله: (لم يصح) العقد، (ولم ينعزل وكيله) في الأصحأي: وكيل من وكل في التزويج وهو حلال (بإحرامه. فإذا حل) الموكل (عقده) وكيله.
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب لو حل الموكل كان لوكيله عقده له في
الأقيس. قاله في " الرعاية " و" الفروع ". انتهى.
(ولو) اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقده وكيلك وإنت محرم، و(قال) الزوج: (عقد قبل إحرامي قُبِل) قول الزوج.
(وكذا إن عُكس) بأن قالت: عقد قبل إحرامك فقال: بل عقد وإنا
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ١١٠ ]
محرم. فإنه يقبل قوله أيضًا " لأنه يملك فسخه قبل إقراره به.
(لكن يلزمه نصف المهر) في صورة العكس.
(ويصح) النكاح (مع جهلهما) أي: جهل الزوجين (وقوعه) بأن جهلا: هل وقع وهو حلال، أو وهو محرم، لأن الظاهر من المسلمين تعاطي العقود الصحيحة.
(و) لو قا ل الزوج: (تزوجت) ك (وقد حللت، وقالت) هي: (بل)
كنت (محرمة: صدق) الزوج. (وتصدق هي في نظيرتها في العدة) يعني: أنه لو قال الزوج: تزوجتك بعد إنقضاء عدتك وقالت: بل قبله ولم تمكنه من نفسها صدقت " لأنها مؤتمنة على نفسها. ذكره ابن شهاب وغيره.
(ومتى أحرم الإمام الأعظم أو) أحرم (نائبه: امتنعت مباشرته) أي: مباشرة المحرم منهما (له) أي: لعقد النكاح ما دام محرمًا. لا لأقاربه من النسب، ولا بالولاية العامة (لا نوابه) أي: لا مباشرة نوابه للنكاح (بالولاية العامة) [في الأصح] (^١) للحرج.
(وتكره خطبة محرم) أي: أن يخطب امرأة، لما في حديث مسلم المتقدم
عن عثمان مرفوعًا: " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " (^٢) .
(ك) ما يكره له (خطبة عقده) أي: عقد النكاح، (وحضوره وشهادته
فيه) أي: في عقد النكاح في الأصح.
وقيل: يحرم ذلك " لتحريم دواعي الجماع.
(لا رجعته) أي: لا رجعة المحرم لمطلقته الرجعية على الأصح " لأنها إمساك.
ولأن الرجعية مباحة قبل الرجعة فلا إحلال. ولو قلنا تحرم لم يكن ذلك
مانعًا من رجعتها " كالتكفير للمظاهر.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه ص (١٠٨) رقم (١) و(٢).
[ ٤ / ١١١ ]
(و) لا (شراء أمة لوطء)؛ لورود عقد النكاح على منفعة البضع خاصة.
وعدم صحة النكاح على مجوسية وأخته ونحوها من رضاع، وعلى معتدة من غير الزوج. بخلاف شراء الأمة في هذه الأحوال.
ولأن الأمة تراد للوطء وغيره.
(الثامن) من أقسام المحظورات على المحرم: (وطء يوجب الغسل) وهو: تغييب الحشفة في الفرج، قبلًا كان أو دبرًا، [من آدمي] (^١) أو غيره؛ لقوله ﷾: " (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث) [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: هو الجماع " (^٢) . بدليل قوله ﷾: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يعني: الجماع.
ولا فرق في ذلك بين كونه عامدًا أو ساهيًا. نقله الجماعة عن أحمد، لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج ولم يستفصلوا. ولو اختلف الحال؛ لوجب الاستفسار.
ولأنه سبب يتعلق به وجوب القضاء. فاستويا، كالفوات.
والجأهل بالتحريم والمكره والناسي، كالعالم والمطيع والذاكر. نقله الجماعة.
(وهو) أي: الوطء (يفسد النسك قبل تحلل أول). حكاه ابن المنذر إجماعًا. ولو بعد الوقوف. نقله الجماعة عن أحمد، لأن ما سبق مطلق.
ولأنه صادف إحرامًا تامًا، كقبل الوقوف.
وقوله ﷺ عمن وقف بعرفة: " تم حجه " (^٣) يعني: قاربه، لبقاء طواف الزيارة. ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد. بدليل العمرة، وإدراك ركعة من الجمعة، ونية الصوم قبل الزوال.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبن أبي شيبة في " مصنفه " (١٣٢٢٤) ٣: ١٧٣ كتاب الحج، في قوله تعالى (فلارفث ولا فسوق).
(٣) سيأتي تخريجه ص (٢٠٨) رقم (٣).
[ ٤ / ١١٢ ]
(وعليهما) أي: على الواطئ والموطوءة (المضيّ في فاسده) أي: في الحج الذي فسد بالوطء فيه، ولا يخرج منه بالوطء. روي ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس (^١) .
ويستمر حكمه كحكم الإحرام الصحيح. نقله الجمهور؛ لقوله ﷾: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦].
وقد روي مرفوعًا: أنه أمر المجامع بذلك (^٢) .
ولأنه معنى يجب به القضاء. فلم يخرج به منه؛ كالفوات.
ونقل ابن إبراهيم عن أحمد: أنه يعتمر من التنعيم، ومقتضاه: أنه يجعل الحج عمرة. وعليهما أيضًا القضاء؛ لما روى الدارقطني بإسناد جيد إلى عمرو ابن شعيب عن أبيه: " أن رجلًا أتى عبدالله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأة. فأشار إلى عبدالله بن عمر. فقال: اذهب إلى ذلك واسأله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل. فذهبت معه. فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك. فقال الرجل: افأقعد؟ قال: لا. بل تخرج مع الناس وتصنع ما يصنعون. فإذا أدركت قابلًا حج وأهدي. فرجع إلى عبدالله بن عمرو فأخبره. ثم قال: اذهب إلى ابن عباس فاسأله. قال شعيب: فذهبت معه فسأله. فقال له مثل ما قال [ابن عمر. فرجع إلى عبدالله بن عمرو فأخبره. ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا] (^٣) " (^٤) .
ورواه الأثرم وزاد: " وحل إذا حلوا. فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديًا هديًا. فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما". -
وعمرو بن شعيب حديثه حسن. قال البخاري: رأيت عليًا وأحمد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٦٧ كتاب الحج، باب ما يفسد الحج
(٢) سيأتي ذكر الحديث وتخريجه ص (١١٦) رقم (١).
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه (٢٠٩) ٣: ٥٠ كتاب البيوع.
[ ٤ / ١١٣ ]
والحميدي وإسحاق يحتجون به. قيل له: فمن تكلم فيه ماذا يقول؟ قال: يقولون أكثر عمرو بن شعيب ونحو هذا.
(و) حيث تقرر وجوب القضاء فإنه يستوي فيه الصغير والكبير. نص
عليه؛ لأن الصغير تلزمه البدنة والمضي (^١) في فاسده؟ كبالغ.
إذا علمت ذلك: فإنه (يقضي فورًا) كل من الواطئ والموطوءة؛ لما تقدم
في حديث عمرو بن شعيب من قوله: " فإذا أدركت قابلًا حج ".
(إن كان مكلفًا)؛ لأنه لا عذر له في التأخير مع القدرة على القضاء.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مكلفًا حالة فساد حجه. فإن بلغ قبل الوقوف في
هذه الحجة الفاسدة [فقد تقدم حكمه في أوائل كتاب الحج (^٢) . وإن لم يبلغ حتى انقضت الحجة الفاسدة: (ف) يقضي الحجة الفاسدة] (^٣) بعد تكليفه، و(بعد حجة الإسلام فورًا). سواء كان الحج الذي أفسده بالوطء من المكلف فرضًا أو نفلًا. نص عليه. وجزم به الأصحاب؛ لإطلاق ما سبق من السنة.
ولوجوب إتمامه بدخوله في الإحرام.
ولإيجاب (^٤) القضاء على غير المكلف وهو لا يكون منه إلا نفلًا.
ويكون الإحرام بحجة القضاء (من حيث أحرم أولًا) أي: من المكان الذي
أحرم منه بالحجة الذي فسدت، (إن كان) قد أحرم بها (قبل ميقات.
وإلا) أي: وإن لم يكن أحرم بها قبل ميقات (فمنه) أي: فإنه يحرم بحجة
القضاء من الميقات. فحأصله أنه يلزمه الإحرام بحجة القضاء من أبعد الموضعين: الميقات أو إحرامه الأول. نص عليه، وفاقًا للشافعي؛ لما سبق من السنة.
_________________
(١) في أ: والخبر.
(٢) ص ١٠.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في أ: ولا يجب.
[ ٤ / ١١٤ ]
ولأن القضاء يحكي الأداء. بدليل المسافة من الميقات إلى مكة، وكالصلاة. ولأن دخوله في النسك سبب لوجوبه. فتعلق بموضع الإيجاب؛ كالنذر.
قال القاضي: فإنه لو. نذر حجة من دويره أهله لم يجز أن يحرم من الميقات، ولزمه من دويرة أهله.
نقل أبو طالب: لا يجزئهما إلا من حيث أهلاّ. الحرمات قصاص.
(ومن أفسد القضاء) أي: حجة القضاء (قضى الواجب) الذي عليه بإفساد الحج الأول، (لا القضاء) أي: لا حجة القضاء؛ كما لو أفسد قضاء الصوم والصلاة.
ولأن الواجب لا يزداد (^١) بفواته، وإنما يبقى ما كان واجبًا في الذمة على ما كان عليه.
(ونفقة) حجة (قضاء مطاوعة) على الوطء (عليها)؛ لقول ابن عمر:
" واهديًا هديًا " (^٢) . أضاف الفعل إليهما.
وقول ابن عباس: " اهد ناقة ولتهد ناقة " (^٣) .
ولأنها بمطاوعتها أفسدت نسكها. فكانت النفقة عليها؛ كالرجل.
(و) نفقة حجة قضاء (مكرهة على مكره)؛ لأنه المفسد لنسكها. فكانت عليه نفقتها؛ كنفقة نسكه.
(وسن تفرقهما) أي: الواطئ والموطوءة في الأصح (في) حجة (قضاء)؛ لما روى ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب " أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان. فسأل النبي ﷺ. فقال لهما: أتما حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة آخرى من قابل. حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما (^٤) فأحرما
_________________
(١) في ب: يزاد.
(٢) أخرجه أبو داود في " المراسيل " (٧) ١٢٣ كتاب الحج، باب ما جاء في الحج
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٦٨ كتاب الحج، باب ما يفسد الحج.
(٤) في أب: أصبتها.
[ ٤ / ١١٥ ]
وتفرقًا، ولا يؤاكِل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما واهديًا " (^١) .
وروى سعيد والأثرم عن عمر وابن عباس معناه.
(من موضع وطء) إلى إنتهاء حجة القضاء، لأنه إذا بلغ موضع الوطء ربما تذكره فتتوق نفسه فيواقع المحظور.
(فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط) وهو البيت من الشعر، (و) لا في (نحوه)؛ كخيمة.
ويستمر تفرقهما (إلى أن يحلا) من إحرامهما.
(و) الوطء (بعده) أي: بعد التحلل الأول (لا يُفسد) النسك؛ لقوله ﷺ: " الحج عرفة " (^٢) .
ولقول ابن عباس " في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه الحج من قابل " (^٣) . رواه مالك.
ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
وقول أبو بكر في " التنبيه ": أن من وطئ في الحج قبل الطواف فسد حجه: محمول على ما قبل التحلل الأول.
قال في " المستوعب " عن كلام أبي بكر: يريد إذا لم يكن رمى جمرة العقبة. فلا يكون قبل التحلل الأول.
(وعليه) أي: على الواطئ بعد التحلل الأول (شاة)؛ لفساد إحرامه.
(و) عليه أيضًا (المضي للحل. فيحرم) منه، ليجمع (^٤) في إحرامه بين الحل والحرم، و(ليطوف) طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج، حال كونه (محرمًا).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في (المراسيل " (٣) ١٢٣ كتاب الحج. من حديث يزيد بن نعيم.
(٢) سيأتي تخريجه ص (٢٥٤) رقم (١).
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " (١٥٥) ١: ٣٠٩ كتاب الحج، باب من أصاب أهله قبل أن يفيض. وليس فيه: " وليس عليه الحج من قابل ".
(٤) في أ: فيجمع.
[ ٤ / ١١٦ ]
وإن لم يكن. سعى قبل ذلك سعى بعد طوافه ثم تحلل؛ لأن الإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج وهو محرم.
(وعمرة) في فسادها بالوطء (كحج. فيفسدها) الوطء (قبل تمام سعي. لا) الوطء فيها (بعده) أي: بعد السعي (وقبل حلق.
وعليه) لإفساد العمرة (شاة). نقله أبو طالب وعليه الأصحاب؛ لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخول أفعالها فيه إذا اجتمعت معه. والنقص يمنع كمال الكفارة، كبعد التحلل الأول.
وقال الحلوانى في " الموجز ": الأشبه بدنة، وفاقًا للشافعي؛ كالحج.
(ولا فدية على مكرهة) على الوطء.
(التاسع) من أقسام المحظورات على المحرم: (المباشرة) أي: مباشرة الرجل المرأة فيما (دون الفرج لشهوة)، لما في ذلك من اللذة، واستدعاء الشهوة المنافي ذلك للإحرام.
(ولا تفسد) المباشرة (النسك) ولو أنزل. على الأصح؟ لأن ذلك استمتاع
لا يجب بنوعه الحد. فلم يفسد به الحج؛ كما لولم ينزل.
ولأنه لا نص في ذلك ولا إجماع.
ولا يصح قياسه على المنصوص عليه؛ لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد.
ولا يفترق الحال فيه بين الإنزال وعدمه. بخلاف المباشرة.
ويأتي تفصيل الواجب في ذلك في باب الفدية (^١) .
_________________
(١) ص: ١٢٦.
[ ٤ / ١١٧ ]
[فصل: في إحرام المرأة [
(فصل) فيما يختص بإحرام المرأة وبعض ما تشارك فيه الرجل.
(والمرأة إحرامها في وجهها).
والأصل في ذلك ما روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: " ولا تتنقب المرأة، ولا تلبس القفازين " (^١) .
وروي. عن النبي ﷺ أنه قال: " إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" (^٢) .
(فتسدل) المرأة بأن تضع الثوب فوق رأسها وتسدله على وجهها (لحاجة)
إلى ذلك؛ كمرور الرجال قريبًا منها.
والأصل في ذلك ما روي عن عائشة قالت: " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ. فإذا حاذونا سدلت أحدًانا جلبابها على وجهها. فإذا جاوزونا كشفناه " (^٣) . رواه أبو داود والأثرم.
ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها. [فلم يحرم عليها ستره؛ كالإطلاق كالعورة.
قال الإمام أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها] (^٤) من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كان الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٤١) ٢: ٦٥٣ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.
(٢) سبق تخريجه ص (٨٦) رقم (٤).
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٣٣) ٢: ١٦٧ كتاب المناسك، باب في المحرمه تغطي وجهها.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ١١٨ ]
ولا يضر أن يمس الثوب المسدول بشرة وجهها في الأصح.
وقال القاضي: إن أصاب بشرة الوجه ولم ترفعه بسرعة مع القدرة افتدت
لأنها استدامت الستر.
وردّ ذلك الموفق بأن قال: لم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر،
مع أن الظاهر خلافه. فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة. فلو كان هذا شرطًا لبُيّن. وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما هو معد لستر الوجه.
(ويحرم تغطيته) يعني: أنه يجتمع في حق (^١) المحرمة تحريم تغطية الوجه ووجوب تغطية الرأس.
(ولا يمكنها تغطية جميع رأسها إلا ب) تغطية (جزء منه) أي: من الوجه،
(ولا كشف جميعه.) أي: جميع الوجه، (إلا بجزء من الرأس. ف) يكون (ستر الرأس كله أولى؛ لكونه) أي: الرأس (عورة. ولا يختص ستره بإحرام) وكشف الوجه بخلافه.
(ويحرم عليها) أي: على المرأة المحرمة (ما يحرم على رجل) محرم،
من قطع الشعر، وتقليم الأظفار، والطيب، وقتل الصيد، وباقي المحظورات. - (غير لباس) أي: لبس المخيط، (و) غير (تظليل محمل).
وإنما كان ذلك؛ لأن أمر النبي ﷺ المحرم بأمر وحكمه عليه يدخل فيه الرجال والنساء. وإنما استثني منه اللباس للحاجة إلى ستر المرأة؛ لكونها عورة إلا وجهها، وكذا تظليل (^٢) المحمل.
(ويباح لها) أي: للمرأة المحرمة (خلخال ونحوه من حلي) أي: أن تتحلى بالخلخال والسوار والدملج والقرط وغير ذلك على الأصح.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من ب.
[ ٤ / ١١٩ ]
قال أحمد في رواية حنبل: تلبس المحرمة الحلي والمعصفر.
والأصل في ذلك ما روى ابن عمر " أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفرأن من الثياب " (^١) . وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوإن الثياب، من معصفر أو خز أو حلي. (ويسن لها) أي: للمرأة (خضاب) بحناء (عند إحرام)؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: " من السنة أن تدلك المرأة يديها (^٢) في حناء ".
ولأنه من الزينة. فاستحب عند الإحرام؛ كالطيب.
(وكُره) الخضاب (بعده) أي: بعد الإحرام ما دامت محرمة؛ لكونه من الزينة. أشبه الكحل بالإثمد.
(فإن شدّت يديها بخرقة: فدت)؛ لأن ذلك ستر ليديها بما يختص بهما. أشبه القفازين.
وكما لو شد الرجل على جسده شيئًا.
وإن لفّتهما من غير شد فلا فدية؛ لأن المحرّم هو الشد. لا تغطيتهما؛ كبدن الرجل.
(ويحرُم عليهما) أي: على الرجل والمرأة (لبس قفازين، وهما) أي: القفازين (^٣): (شيء لعمل لليدين) يدخلها فيهما من خرق يسترهما من الحر، (كما يعمل للبزاة. ويفديان) أي: المرأة والرجل (بلبسهما)؛ لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا تتنقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين " (^٤) . رواه البخاري.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٢٧) ٢: ١٦٦ كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم.
(٢) في أ: بدنها.
(٣) في ج: القفا زان.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٤١) ٢: ٦٥٣ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.
[ ٤ / ١٢٠ ]
(وكُره لهما) أي: للرجل والمرأة (اكتحال بإثمد ونحوه) من كل كحل
أسود (لزينة)؛ لما روي عن عائشة " أنها قالت لامرأة محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت، غير الإثمد أو الأسود " (^١) .
و(لا) يكره (لغيرها) أي: لغير الزينة، كما لو اشتكت عينه أوعينها. (ولهما) أي: للمرأة والرجل المحرمين (لُبس مُعصفَر) وهو: الئوب المصبوغ بالعصفر، لأنه ليس بطيب. ولا بأس باستعماله وشمه.
(و) لبس ثوب (كحلي)، وكذا سائر المصبغات، سوى المورس والمزعفر (^٢)، لأن الأصل الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه أو كان في معناه. (و) للمحرم والمحرمة أيضًا (قطع رائحة كريهة بغير طيب)، لأن ذلك ليس من المحظورات، بل مطلوب فعله.
(و) لهما أيضًا (اتجار وعمل صنعة ما لم يَشغلا) أي: الاتجار وعمل الصنعة (عن) فعل (واجب أو) فعل (مستحب).
قال ابن عباس: " كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجأهلية. فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم) [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج " (^٣) . رواه البخاري.
ولأبي داود عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن علاء بن المسيب حدثنا
أبو أمامة التميمي قال: " كنت رجلًا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: - ليس لك حج. فلقيت ابن عمر فقلت: أنى أكري في هذا الوجه وإن ناسًا يقولون: ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: فإن لك حجًا. جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله مثل ما سألتني عنه. فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٦٣ كتاب الحج؛ باب المحرم يكتحل بما ليس بطيب.
(٢) في ب: الورس والزعفر.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٩٤٥) ٢: ٧٢٣ كتاب البيوع، باب ما جاء في قول الله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم).
[ ٤ / ١٢١ ]
حتى نزلت هذه الاية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقرأ عليه هذه الاية، وقال: لك حج " (^١) . إسناده جيد، ورواه الدارقطني وأحمد.
وعنده: " أنا نكري فهل لنا من حج؟ "، وفيه: " تحلقون رووسكم "، وفيه: " فقال: أنتم حجاج ".
(و) للمحرم والمحرمة أيضًا (نظر في مرآة لحاجة). والحاجة: (كإزالة شعربعين.
وكُره) نظرهما في المرآة (لزينة) في الأصح. ذكره الخرقي وغيره.
قال أحمد: لا بًاس. ولا يصلح شعثًا ولا ينفض عنه غبارًا. وقال: إذا
كان يريد زينة فلا يرى شعرة فيسويها.
روى أحمد من حديث أبى هريرة ومن حديث عبدالله بن عمر مرفوعًا: " إن الله سبحانه وتعا لى يباهي الملائكة بأهل عرفة: أنظروا إلى عبادي أتونى شعثًا غبرًا " (^٢) . قال في " الفروع ": ويتوجه أن لا يكره.
(وله) أي: للرجل المحرم (^٣) (لُبس خاتم) من فضة وعقيق وغيرهما مما يباح؛ لما روى (^٤) الدارقطني عن ابن عباس: " لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم " (^٥) .
وفي رواية: " رخص للمحرم الهميان والخاتم " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سننه " (١٧٣٣) ٢: ٤٢ ١ كتاب المناسك، باب الكري. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٤٣٤) ٢: ١٥٥. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٥٠) ٢: ٢٩٢ كتاب الحج، باب المواقيت.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٠٨٩) ٢: ٢٢٤
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: في.
(٥) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٧١) ٢: ٢٣٣ كتاب الحج.
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٦٨ كتاب الحج، باب المحرم يلبس المنطقة والهميان للنفقة والخاتم.
[ ٤ / ١٢٢ ]
(ويجتنبان) أي: للمحرم والمحرمة وجوبًا (الرفث)، وقد تقدم تفسيره
بالجماع، (والُفسوق) وهو: السباب. وقيل: المعاصي. (والجدال) وهو: المراء. روي ذلك عن جماعة منهم ابن عمر وعطاء وإبراهيم.
قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
قال الموفق: المحرم ممنوع من ذلك كله.
وقال في " الفصول ": يجب اجتناب الجدال وهو المماراة فيما لا يعني.
[وفي " المستوعب ": يحرم عليه الفسوق وهو: السباب، والجدال وهو: المماراة فيما لا يعني] (^١) .
وفي " الرعاية ": يكره له كل جدال ومراء فيما لا يعنيه، وكل سباب.
وقيل: يحرم كما يحرم على المحل، بل أولى. انتهى.
قال في " الفروع ": كذا قال. وفي " تفسير ابن الجوزي " وغيره عن أكثر المفسرين في قوله ﷾: (فلارفث ولا فسوق ولاجدال فى الحج) [البقرة: ١٩٧]: لا تمارينَّ أحدًا فيخرجه المراء إلى المماراة وفعل ما لا يليق في الحج.
وعن جماعة: لا شك في الحج ولا مراء. فإنه قد عرف وقته.
وفيه في قوله: (وجادلهم بالتى هى أحسن) [النحل: ١٢٥] قيل: بالقرآن والتوحيد.
وقيل: غير فظ ولا غليظ.
وقيل: أنه منسوخ بآية السيف. وهذا ضعيف.
وفيه في (^٢) قوله: (فلاينازعنك فى آلأمر) [الحج: ٦٧] أي: في الذبائح. . والمعنى: فلا تنازعهم، وهذا جائز في فعل لا يكون إلا من اثنين. فإذا
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٢٣ ]
قلت: لا يجادلنك فلأن. فهو بمنزلة لا تجادلنه. ولهذا قال في الاية:، (ووإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) [الحج: ٦٨ قال: وهذا أدب حسن، علمه الله ﷾ عباده؛ ليردوا به من جادل على سبيل التعنت ولا يجيبوه ولا يناظروه.
وفي " الروضة " وغيرها: يستحب أن يتوقى الكلام فيما لا ينفع، والجدال والمراء واللغو وغير ذلك مما لا حاجة به إليه.
ولأحمد عن عبدالله بن نمير عن حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعًا: " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: (ماضربوه لك إلا جدلًا) الزخرف: ٥٨ [" (^١) .
قال في " الفروع ": أبو غالب مختلف فيه. قال ابن معين: صالح الحديث، ووثقه الدارقطني.
وقال ابن عدي: لا بأس به.
وقال ابن سعد: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وضعفه النسائي، وبالغ ابن الجوزي فقال:
لا يلتفت إلى روايته.
ورواه ابن ماجه من حديث حجاج، وكذا الترمذي. وقال: حسن صحيح.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: " جدال في القرآن كفر " (^٢) . إسناده جيد، رواه أحمد.
وعن مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه مرفوعًا: " لا يؤمن العبد الأيمان
كله حتى يترك الكذب في المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقا " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٣ ٣٢) ٥: ٣٧٨ كتاب تفسير القران، باب ومن سورة الزخرف. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٨) ١: ١٩ المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٩١٧) ٥: ٢٥٢
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٥ " ٢ ٠ ١) ٢: ٤٧٨
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٨٧٥) ٢: ٣٦٤
[ ٤ / ١٢٤ ]
وعن أبي أمامة مرفوعًا: " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن
كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " (^١) . حديث حسن، رواه أبو داود.
(وتسن قلة كلامهما) أي: المحرم والمحرمة (إلا فيما) أي: في شيء (ينفع)؛ لما روى أبو هريوة مرفوعًا: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخرفليقل خيرًا أو ليصمت " (^٢) . متفق عليه.
وعنه مرفوعًا: " من حُسن إسلام الموء تركه ما لا يعنيه " (^٣) . حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.
ولأحمد من حديث الحسين بن علي مثله (^٤) .
وله أيضًا في لفظ: " قلة الكلام فيما لا يعنيه " [(^٥) .
وفي " الرعاية ": يكره له كثرة الكلام بلا نفع.
وقدم في " الفروع " الاستحباب. والله ﷾ أعلم. ***.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٤٨٠) ٤: ٢٥٣ كتاب الأدب، باب في حسن الخلق.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ١ ٦١) ٥: ٢٣٧٦ كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٧) ١: ٦٨ كتاب الإيمان، باب الحب على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير. . .
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٣١٧) ٤: ٥٥٨ كتاب الزهد.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٣٧ ١) ١: ١ ٠ ٢
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٢٥ ]
[باب: الفدية]
(باب) أي: هذا باب يذكر فيه أقسام الفدية وقدر ما يجب ومستحقه.
ثم (الفدية: ما يجب بسبب نسك) أي: إحرام، (أو) بسبب (حرم)
وهو الواجب بسبب صيد الحرم البري والبحري ونباته.
(وهي) أي: الفدية (ثلاثة أضرب) أي: ثلاثة أصناف:
(ضرب) من الثلاثة يجب (على التخيير. وهو) أي: الضرب الواجب
على التخيير (نوعان:
نوع) من النوعين (يخير فيه) المخرج (بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام،
أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين) منهم (مدّ بُر) فقط على الأصح، (أو
نصف صاع تمر، أو) نصف صاع (شعير.
وهي: فدية لبس، وطيب، وتغطية راس، وإزالة أكثر من شعرتين، أو)
أكثر من (ظفرين).
والأصل في ذلك قوله ﷾: (فمن كان منكم مريضاَ أوبه أذى من رأسه
ففدية من صيام أو صدقة أونسك) [البقرة: ١٩٦] ذكره بلفظ: " أو " وهي للتخيير.
وقال النبى ﷺ لكعب بن عجرة: " لعلك آذاك هوامّ رأسك؟ قال: نعم يا
رسول الله لِلَّهِ فقال رسول الله ﷺ: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام (^١)، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة " (^٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع تمر " (^٣) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه ص (٨٢) رقم (١).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٤٥) ٤: ١٦٤٢ كتاب التفسير، باب (فمن كان منكم مريضاَ أوبه أذى من رأسه).
[ ٤ / ١٢٦ ]
فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير بين الذبح والإطعام والصيام في حلق الرأس. وقسنا عليه تقليم الأظفار واللبس والطيب " لأنه حرم في الإحرام لأجل الترفه فأشبه حلق الرأس.
ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره على الأصح، لأن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا له، والتبع لا يخالف أصله.
ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه؛ كجزاء الصيد.
لا فرق بين قتله للضروره لأجل أكله أو لغير ذلك. وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير. والحديث إنما ذكر فيه التمر ويقاس عليه البر والشعير والزبيب " لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك؛ كالفطرة وكفارة اليمين.
وقد روى أبو داود في حديث كعب بن عجرة قال: " فدعانى رسول الله ﷺ فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو أنسك شاة " (^١) .
ومن أبيح له حلق رأسه جاز له تقديم الكفارة على الحلق. فعله علي رضي الله تعالى عنه.
ولأنها كفارة. فجاز تقديمها على وجوبها؛ ككفارة اليمين.
النوع (الثانى) من الضرب الذي على التخيير: (جزاء الصيد. يخير فيه)
من وجب عليه (بين) ذبح (مثل) للصيد من النعم، (أو تقويمه) أي: تقويم المثل (بمحل التلف) أي: تلف الصيد، (وبقربه) أي: بقرب محل تلف الصيد. نقله ابن القاسم وسندي.
(بدراهم) فضة (يشتري بها) أي: بالدراهم الذي قوم بها المثل (طعامًا). نص عليه، لأن كل متلف وجب مثله إذا قُوّم وجب قيمة مثله؛ كالمثلي من مال الآدمي.
ولا يجوز له أن يتصدق بالدراهم، لأن الله ﷾ إنما ذكر في الآية
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ١٨٦) ٢: ١٧٢ كتاب المناسك، باب في الفدية.
[ ٤ / ١٢٧ ]
التخيير بين ثلاثة أشياء وهذا ليس منها.
ويشترط: أن يكون الطعام (يجزئ) إخراجه (في فطرة؛ كواجب في فدية أذى، و) كواجب في (كفارة. فيطعم كل مسكين مُدّ بُر، أو) يطعم كل مسكين (نصف صاع من غيره) أي: غير البر، (أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا). والأصل في ذلك قوله ﷾: (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاؤ مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هيا بالغ الكعبة أوكفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) [المائدة: ٩٥].
ف (جزاءٌ): يقرأ في السبع بتنوينه وإضافته إلى مثل وهو مع التنوين مبتدأ خبره محذوف، و(مثل): صفة أو بدل، ومع إضافته يكون (مثل) في حكم الزائد كقولهم: مثلى لا يقول ذلكأي: أنا لا أقول ذلك (^١) . وقدّرنا؛ لأن الذي يجب به الجزاء الصيد المقتول لا مثله، و(من النعم): صفة الجزاء إذا نونتهأي: جزاء كائن من النعم. ويجوز جعله حالًا من الضمير في (قتل)؛ لأن المقتول يكون من النعم. و(يحكم به): صفة لجزاء إذا نونته، وإذا أضفته ففي موضع الحال (^٢) عاملها معنى الاستقدار المقدر في الخبر المحذوف.
ويدل للتخيير عطف هذه الخصال بعضها على بعض ب (أو). فكان مخيرًا في جميعها؛ كفدية الأذى.
(وإن بقي دونه) أي: دون طعام مسكين (صام يومًا) يعني أنه لو بقي
مالا يعدل تمام طعام مسكين صام عنه يومًا كاملًا؛ لأن الصوم لا يتبعض. فيجب تكميله.
ولا يجب التتابع في الصيام. ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم
عن بعض. نص عليه.
وبه قال الشافعى والثوري وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر؛ لأنها كفارة
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أت حال.
[ ٤ / ١٢٨ ]
واحدة. فلم يجز فيها ذلك؛ كسائر الكفارات.
(ويخير فيما) أي: في جزاء صيد (لا مثل له) من النعم (بين إطعام وصيام) فقط؛ لتعذر المثل.
وعنه: أن جزاء الصيد على الترتيب فيجب المثل. فإن لم يجد لزمه الإطعام. فإن لم يجده صام. والأول المذهب.
(الضرب الثاني) من أضرب الفدية: ما يجب (مرتبًا، وهو ثلاثة أنواع: أحدها) أي: أحد الأنواع الثلاثة الواجبة على الترتيب: (دم المتعة والقران. فيجب هدي)؛ لقوله ﷾: (فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى) [البقرة: ١٩٦]. والقارن بالقياس على المتمتع.
(فإن عدم) أي: عدم المتمتع والقارن الهدي، (أو) عدم (ثمنه ولو وجد من يقرضه). نص عليه، لأن الظاهر استمرار إعساره،: (صام) عشرة أيام (ثلاثة أيام) في الحج.
قيل: معناه في أشهر الحج.
وقيل: معناه في وقت الحج؛ لأنه لا بد في ذلك من إضمار، لأن الحج أفعال لا يصام فيها وإنما يصام في أشهرها أو في وقتها؛ وذلك كقوله ﷾: (الحج أشهر معلومات) [البقرة: ١٩٧] أي: في أشهر معلومات.
(والأفضل: كون آخرها) أي: آخرالثلاثة أيام (يوم عرفة). نص عليه. وإنما أحببنا له صوم عرفة هاهنا لموضع الحاجة. وعلى هذا: يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل ذلك؛ ليصرمها في الإحرام بالحج.
(وله تقديمها) أي: تقديم الثلاثة أيام بالصوم قبل إحرامه بالحج (في إحرام العمرة)؛ لأن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع. فجاز الصوم فيه؛ كفى الإحرام بالحج.
ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب وهو
[ ٤ / ١٢٩ ]
إحرامه بالعمرة في أشهر الحج؛ كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين، وتقديم كفارة القتل بعد الجرح وقبل زهوق النفس.
(ووقت وجوبها) أي: وجوب صوم الأيام التلاثة (ك) وقت وجوب (هدي).
ولا يجوز صومها قبل الإحرام بالعمرة على الأصح.
وعنه: بلى.
قال في " الفروع ": والمراد في أشهر الحج. ونقله الأثرم.
(و) صام (سبعة) أي: سبعة أيام (إذا رجع إلى أهله)؛ لقوله ﷾: (فمن لم يجد) يعني: هديًا (فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) [البقرة: ١٩٦].
(وإن صامها) أي: صام السبعة أيام (قبل) أي: قبل أن يرجع إلى أهله (بعد إحرام بحج، أجزأ) أي: أجزأه ذلك (لكن لا يصح) أن يصوم شيئًا من الأيام السبع (أيام منى). نص عليه؛ لبقاء أيام الحج. قالوا: لأن المراد بقوله: (إذا رجعتم) يعني: من عمل الحج؛ لأنه المذكور، ويجوز صومها بعد أيام التشريق.
قال القاضي: إذا كان قد طاف طواف الزيارة. يعني: أنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج.
ويصح أن يصوم الثلاثة في أيام منى؛ لأن الله ﷾ أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج إلا هذه (^١) الأيام فتعين فيها الصوم. فإذا صام هذه الأيام فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر على الأصح.
(ومن لم يصم الثلاثة أيام منى) أي: في أيام منى، (صام) بعدأي: بعد ذلك (عشرة) كاملة. (وعليه دم)؛ لأنه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته. فلزمه دم؛ كتأخير رمي الجمار عن أيام منى، (مطلقًا) أي: سواء كان
_________________
(١) في ج: عدة.
[ ٤ / ١٣٠ ]
تأخيره لعذر أو لغير عذر على الأصح.
(وكذا إن أخرالهدي) أي: نحوه (عن أيام النحر بلا عذر) يعني: فإنه
يلزمه دم بتأخير نحر الهدي عن أيام النحر بلا عذر للتأخير؛ لأن الهدي من مناسك الحج وقد أخره عن وقته.
(ولا يجب تتابع ولا تفريق في) صوم (الثلاثة، ولا) في صوم (السبعة)، ولا بين الثلاثة والسبعة (إذا قضا) ها أو قضى شيئًا منها نصًا؛ لأن الأمر ورد بها مطلقًا؛ لأن ذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا.
(ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صوم إنتقال عنه) أي: عن الصوم. (شرع فيه أو لا) أي: أو لم يشرع فيه على الأصح؛ لأن الصوم استقر في ذمته؛ لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم النهي.
وعلم من كونه: لا يلزمه أنه لم يمتنع عليه إخراج الهدي بعد وجوب الصوم.
النوع (الثانى) من الضرب الثانى من أضرب الفدية: (المحصر يلزمه هدي) ينحره بنية التحلل وجوبًا مكانه. ويجوز في الحل على الأصح.
والأصل في ذلك قوله ﷾: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى)
[البقرة: ١٩٦].
(فإن لم يجد) هديًا (صام عشرة أيام) بنية التحلل، (ثم حل) قياسًا على هدي التمتع. وليس له التحلل قبل ذلك.
النوع (الثالث) من الضرب الثاني من أضرب الفدية: (فدية الوطء. ويجب به) أي: بالوطء (في حج قبل التحلل الأول بدنة. فإن لم يجدها) أي: البدنة (صام عشرة أيام: ثلاثة فيه) أي: في الحج، (وسبعة إذا رجع) من أفعال الحج؛ كدم المتعة؛ لقضاء الصحابة.
وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرة. فإن لم يجد البقرة أخرج سبعًا
من الغنم. فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعامًا. فإن لم يجد صام عن كل مد يومًا.
[ ٤ / ١٣١ ]
وظاهر كلام الخرقي: أنه مخير في هذه الخمسة. فبأيها كفر أجزأه.
(و) يجب في الوطء (في عمرة شاة) في الأصح، وتقدم ذلك في الباب الذي قبل هذا (^١) .
(والمرأة) المطاوعة (كالرجل) في الحكم.
(الضرب الثالث) من أضرب الفدية: (دم وجب لفوات). وسيأتى حكم ذلك إن شاء الله تعالى في باب الفوات (^٢) .
(أو) دم وجب من أجل (ترك واجب). وسيأتي تفصيل واجبات الحج في أواخر باب صفة الحج (^٣) .
(أو) دم وجب من أجل (مباشرة دون فرج. فما أوجب) من ذلك (بدنة؛
كما لو باشر دون فرج) فأنزل، (أو كرر النظر) فأنزل، (أو قبل) فأنزل، (أو لمس لشهوة فأنزل، أو استمنى فأمنى: فحكمها) أي: فحكم البدنة الواجبة بما ذكر (كبدنة وطء) أي: كحكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج؛ لقضاء الصحابة بها. وما سوى ذلك مقيس عليه.
فالبدنة الواجبة بالمباشرة فيما دون الفرج مقيسة على الواجبة بالوطء في الفرج؛ لأنه دم وجب بسبب المباشرة. أشبه الواجب بالوطء في الفرج.
(و) كل (ما أوجب شاة كما لو مذى بذلك) أي: بما تقدم من المباشرة دون الفرج، وتكرار النظر والتقبيل واللمس لشهوة. (أو باشر ولم ينزل، أو أمنى بنظرة: فكفدية أذى)؛ لما في ذلك من الترفه. وقد قال ابن عباس " فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك ". رواه الأثرم.
(وخطأ في الكل) أي: في كل ما تقدم من المباشرة فيما دون الفرج، وتكرار النظر، والتقبيل، واللمس لشهوة (كعمد) في وجوب الفدية.
(وأنثى مع شهوة) فيما تقدم (كرجل) يعني: أنه يجب عليها في ذلك ما
_________________
(١) ص (١١٦).
(٢) ص (٢٦١).
(٣) ص (٢٥٥).
[ ٤ / ١٣٢ ]
يجب على الرجل على الأصح.
(وما وجب) من فدية (لفوات) أي: من أجل فوات (أو ترك واجب: فكمتعة) يعني: أنه يجب عليه دم كدم المتعة.
ويجب عليه عند عدم الدم بدله؛ كبدل دم التمتع، وهو صيام عشرة أيام. إلا أنه
لا يمكن أن يكون منها ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات ليلة النحر؛ لأنه ترك بعض ما اقتضى إحرامه. فصار كالمترفه بترك أحد السفرين.
فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإحصار فإنه أشبه به (^١)، إذ هو إحلال من إحرامه قبل إتمامه؛
قلنا: أما الهدي فقد استويا فيه، وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص
على البدل فيه، وإنما ثبت قياسًا، وقياسه على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإحصار في العدد، إلا أن صيام الإحصار يجب قبل الحل (^٢) وهذا يجوز قبل الحل وبعده.
(ولا شيء) أي: لا فدية (على من فكر فإنزل)؛ لقول النبي ﷺ: " عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم " (^٣) . متفق عليه.
ولأنه لا نص فيه ولا إجماع. ولا يصح قياسه على تكرار النظر؛ لأنه دونه
في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الأنزال. ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية (^٤)، أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة. فيبقى على الأصل. .
***
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: التحلل.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه" (٦٢٨٧) ٦: ٢٤٥٤ كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيأ في الأيمان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٧) ١: ١١٦ كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.
(٤) في أ: بأجنبي.
[ ٤ / ١٣٣ ]
[فصل: فيمن كرر محظورًا]
(فصل. ومن كرّر) في حالة إحرامه (محظورًا من جنس) واحد (غير قتل صيد: بأن حلق) شعره وأعاد الحلق، (أو قلّم) أظفاره وأعاد التقليم، (أو لبس) المخيط وأعاد اللبس بأن نزع ما لبسه وأعاد لبسه، أو لبس غيره مع بقاء الأول أو بعد نزعه.
أو تعدد السبب؛ كما لو لبس من أجل برد ئم نزع ما لبسه أو لم ينزعه، ولبس لأجل مرض ثم لبس من أجل تجمل (^١) أو نحوه.
(أو تطيب) ثم أعاده، (أو وطئ وأعاده) بأن وطئ من وطئها أولًا أو غيرها، (قبل التكفير) عن المرة الأولى في جميع ما ذكر: (ف) عليه لما تكرر فعله من ذلك كفارة (واحدة.
وإلا) بأن كان قد كفر عن المرة الأولى (لزمه) للمرة الثانية كفارة (أخرى).
ولا فرق فيما إذا كرر المحظور من جنس واحد بين أن يفعله متتابعًا أو متفرقًا؛ لأن الله ﷾ أوجب في حلق الرأس فدية [واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات.
وأما كونه إذا كفر عن المرة الأولى لزمته للمرة الثانية كفارة آخرى] (^٢) " لأن السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين الموجب للكفارة الأولى. أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر ثم حلف وحنث أيضًا. وكما لو فعل ما يوجب حدًا واستوفي ثم أعاد ما يوجب مثل ذلك فإنه
يستوفى منه مرة أخرى.
(و) إن كان المحظور المتعدد من المحرم (من أجناس)، كما لو حلق،
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٣٤ ]
وقلّم أظفاره، ولبس المخيط، وتطيب: (ف) عليه (لكل جنس فداء). سواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا " لأنها محظورًات مختلفة الأجناس. فلا يتداخل جزأوها؛ كالحدود المختلفة والأيمان المختلفة.
وعكسه إذا كانت من جنس واحد.
(و) يجب (في الصيود ولو قُتلت معًا جزاء بعددها)؛ لقول الله ﷾: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥]. ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما. (ويكفِّر) أي: ويلزم التكفير (من حلق) ناسيًا أو جأهلًا أو مكرهًا، (أو
قلَّم) أظفاره في حالة من ذلك، (أو وفى) في حالة من ذلك في الأصح؛ لأن ذلك إتلاف. فاستوى عمده وسهوه، كإتلاف مال الآدمي.
ولأن الله ﷾ أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور. فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور، ودليلًا على وجوبها على المعذور بنوع آخر؛ كالمحتجم يحلق موضع محاجمه.
(أو قتل صيدًا ناسيًا، أو جأهلًا أو مكرهًا) على الأصح.
قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة.
ولأنه ضمان إتلاف. فاستوى عمده وخطؤه " كمال الآدمي.
(لا من لبس) ناسيًا أو جأهلًا أو مكرهًا، (أو تطيّب) في حال من ذلك،
(أو غطى رأسه في حال من ذلك). فإنه لا فدية في ذلك على الأصح، لقوله ﷺ: " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (^١) .
قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده، والصيد
إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه فقد ذهب. فهذه الثلاثة
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٣ ٠ ٢) ١: ٦٥٩ كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي. عن أبي ذر ﵁.
[ ٤ / ١٣٥ ]
العمد والخطأ والنسيان فيه سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده مثل: ما (^١) إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر القاه عن رأسه وليس عليه شيء، أو لبس خفًا نزعه وليس عليه شيء. ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف. (ومتى زال عذره) المسقط للفدية بأن ذكر الناسي، أو علم الجأهل، أو زال الإكراه: (أزاله) أي: أزال استدامة ذلك المحظور بأن ينزع ما لبسه، أو يغسل الطيب، أو يزيل ما على رأسه (في الحال).
والأصل في ذلك ما روى يعلى بن أمية: " أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق، أو قال: أثر صفره. فقال: يا رسول الله! كيف تأمرنى أن أصنع في عمرتي؟ فقال: اخلع عنك هذه الجبة، [واغسل عنك أثر الخلوق، أو قال: أثر الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " (^٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " قال: يا رسول الله! أحرمت بالعمرة وعلي هذه الجبة " (^٣) [(^٤) .
فلم يأمره بالفدية مع سؤاله مسألته عما يصنع. وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. فدل ذلك على أنه عذره لجهله، والناسي في معناه.
ولأن الحج عبادة يجب بإفسادها الكفارة. فكان في محظوراته ما يفرق فيه
بين عمده وسهوه؛ كالصوم.
(ومن لم يجد ماء لغسل طيب، مسحه) أي: مسح الطيب بخرقة أو نحوها، (أو حكه بتراب أو نحوه) إن لم يجد ماء يمسحه به؛ لأن الذي عليه أن يزيله (حسب الإمكان)، والمستحب: أن يستعين في غسل الطيب بحلال؛
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٤٧٠) ٤: ١٩٠٦ كتاب فضائل القرآن، باب نزل القران بلسان قريش والعرب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٠ ١) ٢: ٨٣٧ كتاب الحج، باب ما يباح بحج أو عمرة. . .
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٠ ١) ٢: ٨٣٧ الموضع السابق.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٣٦ ]
لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه.
(وله غسله بيده)؛ لأن النبي ﷺ قال للذي رأى عليه طيبًا: " اغسل عنك الطيب " (^١) .
ولأنه تارك له.
(و) له غسله (بمائع) أيضًا، (فإن أخره) أي: أخرغسل الطيب عنه (بلا عذر فدى)؛ لأن ذلك استدامة محظور من غير عذر. فأشبه المبتدئ لذلك من غير عذر.
(ويفدي من رفض إحرامه ثم فعل محظورًا)؛ لأن التحلل مع الحج
لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بكمال أفعال، أو التحلل عند الحصر، أو بالعذر اذا شرط، وما عدا هذه فليس له أن يتحلل به ولو نوى التحلل لم يحل. ولا يفسد الإحرام برفضه؛ لأنها عبادة لا يخرج منها بالفساد. فلم يخرج منها برفضها. بخلاف سائر العبادات. ويكون الإحرام باقيًا في حقه يلزمه أحكامه، ويلزمه جزاء كل جناية جناها فيه.
وإن وطئ فسد حجه وعليه بدنة لذلك مع ما وجب عليه من الدماء. سواء
كان الوطء قبل الجنايات أو بعدها. فإن الجناية في الحج الفاسد؛ كالجناية في الحج الصحيح، وليس عليه لرفض الإحرام شيء؛ لأنه مجرد نية لم يؤثر شيئًا. قال في " الأنصاف ": وهو. ظاهر كلام كثير من الأصحاب. انتهى.
وقيل: يلزمه لرفضه دم. ذكره في " الترغيب " وغيره وقدمه في " الفروع ". (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه. فله استدامته فيه) يعني: أن للمحرم أن يستديم ما تطيب في بدنه قبل إحرامه؟ لقول عائشة: " كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم. وقالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٦٣) ٢: ٥٥٧ كتاب فضائل القرآن، باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٢) رقم (١).
[ ٤ / ١٣٧ ]
وفي لفظ للنسائي: " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ " (^١) .
وفي لفظ لأبي داود قالت: " كنا نخرج مع النبي ﷺ فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام. فإذا عرقت أحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلاينهاها " (^٢) .
(لا لبس) ثوب (مطيب بعده) أي: بعد الإحرام، لقول النبي ﷺ:
" لا تلبسوا من الثباب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس " (^٣) . متفق عليه.
(فإن فعل) بأن لبس ثوبًا مطيبًا بعد إحرامه، (أو استدام لبس مخيط أحرم
فيه ولو لحظة فوق) الوقت (المعتاد من خلعه: فدى)، لأنه لبس من غير عذر. أشبه المبتدئ به.
ولأن خلعه واجب، لأمر النبي ﷺ به.
(ولا يشقه)؛ لما تقدم من حديث يعلى بن أمية من قوله ﷺ: " اخلع عنك
هذه الجبه " (^٤) . ولو وجب عليه شقها أو وجبت عليه فدية بخلعها لأمره بذلك " لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
(وإن لبس) المحرم، (أو افترش ما) أي: ثوبًا أو فراشًا (كان مطيبًا وإنقطع ريحه) أي: ريح الطيب منه، (و) كان ريح الطيب (يفوح برشِّ ماء) على الذي كان مطيبًا وإنقطع ريح الطيب منه. (ولو) كان افتراشه (تحت حائل غير ثيابه)، و(لا يمنع) ذلك الحائل (ريحه و) لا (مباشرته: فدى) أي: لزمته فدية التطيب، لأنه مطيب. بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء، والماء
_________________
(١) أخرجه النسائي قي " سننه " (٢٦٩٩) ٥: ١٤٠ كتاب مناسك الحج، موضع الطيب. "
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٣٠) ٢: ١٦٦ كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٦٨ ١) ٢: ٥٥٩ كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٧ ١ ١) ٢: ٥ ٨٣ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. . .
(٤) سبق تخريجه ص (١٣٦) رقم (٢).
[ ٤ / ١٣٨ ]
لا رائحة له، وإنما هو من الطيب الذي فيه. فلزمته الفدية؛ كما لو ظهرت الرائحة بنفسها.
ولو مس المحرم طيبًا يظنه يابسًا فبان رطبًا ففي وجوب الفدية بذلك وجهان:
أحدهما: لا فدية عليه؛ لأنه جهل تحريمه. أشبه من جهل تحريم الطيب.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب، وقدمه في " الرعاية الكبرى "
في موضع. انتهى.
[ ٤ / ١٣٩ ]
[فصل: في مكان الهدي والإطعام]
(فصل. وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام، كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب أو فوات، أو بفعل محظور في حرم وهدي تمتع وقران ومنذور ونحوها): فهو لمساكين الحرم.
أما كون الهدي والإطعام لمساكين الحرم؛ فلقوله ﷾: (ثم محلها إلى البيت
العتيق) [الحج: ٣٣].
وأما كون جزاء الصيد لهم أيضًا؛ فلقوله ﷾: (هديًا بالغ الكعبة) [المائدة:
٩٥].
وذكر القاضي في قتل الصيد رواية: أنه يفدي حيث قتله؛ كحلق الرأس.
قال في " شرح المقنع ": وهذا يخالف نص الكتاب ومنصوص أحمد.
وأما كون ما وجب لترك واجب أو فوات. . . إلى آخره لهم أيضًا، لأنه
هدي وجب لترك نسك. أشبه دم القران.
وكل ما قلنا أنه يجب لمساكين الحرم فإنه (يلزم ذبحه في الحرم) وفاقًا.
ويجزئه الذبح في جميع الحرم.
قال أحمد: مكة ومنى وأحد.
وقال مالك: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة.
قال في " الفروع ": [وهو متجه] (^١) .
واحتج الأصحاب بما رُوي عن جابر مرفوعًا: " كل فجاج مكة طريق ومنحر " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود من رواية أسامة بن زيد الليثي، وهو مختلف
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٣٧ ١) ٢: ٩٣ ١ كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٥٣٨) ٣: ٣٢٦.
[ ٤ / ١٤٠ ]
فيه، وحديثه حسن أن شاء الله تعالى. روى له مسلم. لكنه في مسلم عنه مرفوعًا: " ومنى كلها منحر " (^١) .
وإنما أراد الحرم؛ لأنه كله طريق إليها. والفج: الطريق.
ولأن (^٢) نحره بالحرم؛ كمكة ومنى.
وقوله: (هديا بالغ الكعبة) [المائدة: ٩٥]، وقوله: (ثم محلها الى البيت العتيق) [الحج: ٣٣]: لا يمنع الذبح في غيرها، كما لم يمنعه بمنى.
(و) ما لزم ذبحه بالحرم يلزم (تفرقة لحمه) لمساكينه، (أو إطلاقه لمساكينه) أي: مساكين الحرم؛ لأن المعقول (^٣) من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه ولا يحصل بإعطاء غيرهم.
والطعام كالهدي؛ لقول ابن عباس: " الهدي والإطعام بمكة ".
ولأنه نسك ينفعهم؛ كالهدي.
فإن قيل: أن الله نكر المساكين ولم يخص الحرم في قوله ﷾: (هديا بالغ الكعبة لو كفارة طعام مساكين) [المائدة: ٩٥].
فالجواب: أنه عطف على الهدي. فصار تنكيرًا بعد تعريف، كقولنا: صدقة تبلع بها بلد (^٤) كذا لكذا كذا مسكينًا: رجع إلى مساكين ذلك البلد. (وهم) أي: ومساكين الحرم: (المقيم به) أي: با لحرم، (والمجتاز) بالحرم (من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة) فإن بان بعد دفعه إليه غنيًا فكالزكاة.
وما جاز تفريقه بغير الحرم لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة.
(والأفضل: نحر ما) وجب (بحج بمنى، و) ما وجب (بعمرة
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩٣ كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.
(٢) في أ: ولأنه.
(٣) في ب: المنقول.
(٤) ساقط من ب.
[ ٤ / ١٤١ ]
بالمروة)، للخروج من خلاف مالك ومن تبعه.
(وإن سلَّمه لهم) أي: سلم الهدي حيًا لمساكين الحرم (فنحروه أجزأ).
(وإلا) أي: وإ ن لم ينحروه (استرده) منهم (ونحره)، لوجوب نحره.
(فإن أبى) أن يسترده (أو عجز) عن استرداده (ضمنه) لمساكين الحرم. (والعاجز عن إيصاله) أي: إيصال ما وجب ذبحه في الحرم (إلى الحرم) بنفسه أو بمن يرسله معه (ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره)، لقوله سبحانه تعا لى: (لا يكلفالله نفسا الا وسعها) [البقرة: ٢٨٦].
(وتجزئ فدية أذى، و) فدية (لُبس، و) فدية (طيب، ونحوها)، كتغطية رأس، (و) كل (ما وجب بفعل محظور): فعله (خارج الحرم). يعني: أنه يجزئه أن يخرج فدية ذلك (به) أي: بالحرم كسائر الهدي. (ولو) فعل المحظور (لغير عذر) في الأصح.
(و) يجزئه أيضًا إخراج فدية ذلك (حيث وُجد) " لأنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية " (^١) . وهي من الحل.
و" اشتكى الحسين بن علي رأسه فحلقه عليّ، ونحر عنه جزورًا بالسُّقيا " (^٢) . رواه مالك والأثرم وغيرهما.
وعنه: لا يجزئه إلا بالحرم.
ووقت ذبح ما وجب بفعل محظور حين فعله. وله الذبح قبله لعذر؛ ككفارة
قتل الآدمي والظهار واليمين.
(و) يجزئ (دم إحصار حيث أُحصر) من حل أو حرم. نص على ذلك،
لأن النبي ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية " (^٣)، وهي من الحل.
_________________
(١) سبق تخريج حديث كعب ص (٨٢) رقم (٢).
(٢) أخرجه مالك في " الموطأ " (١٦٥) ١: ٣١١ كتاب الحج، باب جامع الهدي.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٨١) ٢: ٩٧٤ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد. . .
[ ٤ / ١٤٢ ]
وقد دل على ذلك قوله (^١) ﷾: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
ولأنه موضع حله. فكان موضع نحره؛ كالحرم.
(و) يجزئ (صوم وحلق بكل مكان)؛ لأن كلاًّ من الصوم والحلق لايتعدى نفعه إلى أحد. فلا معنى لتخصيصه بمكان. بخلاف الهدي والإطعام. ولعدم الدليل على التخصيص.
(والدم المطلق كأضحية) يعني: أنه حيث قيل يلزم دم ويطلق فإنه يجزئه
ما يجزى في الأضحية. فيجزئه (جَذع ضأن، أو ثني معز، أو سُبع بدنة، أو) سُبع (بقرة)؛ لقوله ﷾ في المتمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
قال ابن عباس: " شاة (^٢) أو شِرك في دم " (^٣) .
وقوله ﷾ في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفسره رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة (^٤) .
وما سوى هذين مقيس عليهما.
(فإن ذبح) من وجب عليه دم مطلق (إحداهما) أي: بدنة أو بقرة (فأفضل) أي: فذلك أفضل من جذع الضأن أو ثني المعز؛ لأنها أوفر لحمًا وأنفع للفقراء.
(وتجب كلها)؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه. فكان كله واجبًا؛ كما لو اختار الأعلى (^٥) من خصال الكفارة. .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٢٤ كتاب الحج، باب ما استيسر من الهدي.
(٤) سبق تخريجه ص (٨٢) رقم (٢).
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٤٣ ]
وقيل: يكون سُبعها واجبًا وباقيها تطوعًا. فيكون له التصرف فيه بالأكل
والهدية (^١) وغيرهما.
(وتجزئ عن بدنة وجبت) على إنسان (ولو) كانت جزاء (في صيد بقرة) فاعل تجزئ. يعنى: أنه (^٢) حيث قيل: من فعل كذا فعليه بدنة أجزأه ذبح بقرة؛ لما روى [أبو الزبير عن] (^٣) جابر قال: " كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقرة؛ فقال: وهل هي إلا من البُدْن " (^٤) . رواه مسلم.
(كعكسه) أي: كما تجزئ البدنة عمن وجبت عليه بقرة.
(و) تجزئ (عن سبع شياه بدنة أو بقرة مطلقًا) أي: سواء وجد الشياه أو عدمها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون فيذبحون البقرة عن سبعة. قال جابر: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر. كل سبعة منا في بدنة " (^٥) . رواه مسلم.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في أ: والهدي.
(٢) فى ب زيادة: من.
(٣) ساقط من ب. وذكر في أ: ابن الزبير، وهو تصحيف.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٨) ٢: ٩٥٥ كتاب الحج، باب الإشتراك في الهدي وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة.
(٥) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
[ ٤ / ١٤٤ ]
[باب: جزاء الصيد]
هذا (باب) يذكر فيه جزاء الصيد على التفصيل. و(جزاء الصيد: ما يستحق بدلُه) أي: بدل الصيد على متلِفه بالفعل أو السبب [(من مثله) أي مثل الصيد] (^١)، (ومقاربه وشبهه) أي: شبه الصيد.
(ويجتمع) على المتلف للصيد (ضمان) أي: ضمان قيمة، (وجزاء) أي: جزاء الصيد (في) صيد (مملوك) لآدمي: لمالكه قيمته، ولمساكين الحرم جزأوه؛ لأنه حيوإن مضمون بالكفارة. فجاز أن يجتمع التقويم والتكفير في ضمانه؛ كالعبد.
وليس على المحرم ولو كان قارنًا في غير الصيد المملوك سوى جزاء واحد. نص عليه.
(وهو) أي: جزاء الصيد (ضربان) أي: صنفإن:
(ما) أي: صنف لصيد (له مثل من النعم. فيجب فيه) ذلك المثل. نص عليه] (^٢)؛ لقوله ﷾: (فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥].
و" جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا " (^٣) .
(وهو) أي: الصيد الذي له مثل من النعم (نوعان: أحدهما) أي: أحد النوعين: ما (قضت فيه الصحابة). وفيه ما قضت. نص عليه.
نقل إسماعيل الشالنجي: هو على ماحكم الصحابة. زاد أبو النصر العجلى: لا يحتاج أن يحكم عليه مرة آخرى.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١ ٠ ٣٨) ٣: ٥ ٣٥ كتاب الأطعمة، باب في أكل الضبع. عن جابر بن عبدالله ﵄.
[ ٤ / ١٤٥ ]
ووافق الشافعي على ذلك؛ لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب. واحتج الموفق وغيره بقوله ﷺ " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " (^١) . وبقوله ﷺ: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (^٢) .
وعند مالك: يستأنف الحكم ولا يكتفى به؛ لقوله ﷾: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
واحتج به القاضي لنا. وقال لخصمه: لا يقتضى تكرار الحكم؛ كقوله:
لا تضرب زيدًا ومن ضربه فعليه دينار. لا يتكرر الدينار بضرب واحد، كذا مثل القاضي. وقاس المسألة على ما حكم فيه بمثله صحابيان في وقتهما.
(ومنه) أي: ومن قضاء الصحابة: (في النعامة بدنة). روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية (^٣)؛ لأنها تشبهها.
(وفي حمار الوحش) بقرة على الأصح. [روي ذلك عن عمر (^٤) . وبه قال الشافعي.
(و) في (بقرة) أي: بقر الوحش بقرة [(^٥) . روي ذلك عن ابن مسعود (^٦) . وبه قال الشافعي.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٣ ٢٣٢) ٥: ٣٨٢. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ١٥٣ كتاب قتال أهل البغى، باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلأ للخلافة بعده.
(٢) أخرجه الذهبي في ميزان الإعتدال ١: ٤١٣
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٨٢ كتاب الحج، باب فدية النعام وبقر الوحش وحمار الوحش. أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١٤٤١٧) ٣: ٢٨٩ كتاب الحج، في النعامة يصيبها المحرم. وأخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (٠٣ ٨٢) ٤: ٣٩٨ كتاب المناسك، باب النعامة يقتلها المحرم.
(٤) أخرجه البيهقي في الموضع السابق عن عبدالله بن مسعود، ولم أره عن عمر.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه البيهقي في الموضع السابق. وأخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٩ ٠ ٨٢) ٤: ٠ ٠ ٤ كتاب المناسك، باب حمار الوحش والبقرة والأروى.
[ ٤ / ١٤٦ ]
(و) في (أيّل) على وزن قنب وخلب وسيد بقرة (^١) . روي ذلك عن ابن عباس (^٢) .
(و) في (تَيْتَل) على وزن جعفر (^٣)، قال الجوهري: التيتل الوعل المسن، بقرة.
(و) في (وَعل بقرة) بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها تيس الجبل. فاله في القاموس.
وفي " صحاح الجوهري ": الوعل هي الأرْوى. يروى عن ابن عمر قال:
" في الأروى بقرة ".
(وفي الضبع كبش). فال الإمام: حكم فيها رسول الله ﷺ بكبش (^٤) .
(وفي غزال شاة). يروى ذلك عن علي وابن عمر (^٥) .
وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: " في الظبي شاة " (^٦) .
(وفي وَبْر) وهي (^٧) دويبة كحلاء دون السنور، لا ذنب لها.
وفال في " القاموس ": دويبة كالسِّنّور: جدي.
(و) في (ضب جدي). قضى به عمر وأربد (^٨) .
فال في " الفروع ": والوبر كالضب.
وقال القاضي: فيه جفرة، وفاقًا للشافعي.
_________________
(١) في ب: على وزن قلب وخلب بقرة.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٨٢ كتاب الحج، باب فدية النعام وبقر الوحش وحمار الوحش.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٥٤) ١: ٣٢٩ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
(٥) أخرجه مالك في " الموطأ " (٢٣٠) ١: ٣٣١ كتاب الحج، باب فدية ما أصيب من الطير والوحش. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٨٤ كتاب الحج، باب فدية الغزال. كلاهما عن عمر.
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٨٤ كتاب الحج، باب فدية اليربوع.
(٧) في ب: وهو.
(٨) سيأتي تخريج حديث أربد ص (١٥٠) رقم (١).
[ ٤ / ١٤٧ ]
والجدي: الذكر من أولًاد المعز.
(وفي يربوع جفرة لها أربعة أشهر) روي ذلك عن عمر وابن مسعود (^١) .
(وفي أرنب عناق) وهي: الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة. يروى عن عمر: أنه قضى بذلك (^٢) .
(وفي حمام) أي: في كل واحدة من حمام، (وهو) أي: الحمام (كل ما عَبَّ) الماء أي: وضع منقاره فيه وكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة (^٣)، كالدجاج والعصافير، (وهدر) أي: صوت. فيدخل في ذلك الفواخت والوراشين والقطا والقمري والدبسي وهو طائر بين السواد والحمرة يقرقر، والأنثى دبسه، والسّفانين جمع سيفنة بكسر السين وفتح الفاء والنون المشددة. قال في " القاموس ": طائر بمصر، لا يقع على شجرة إلا أكل جميع ورقها.
(شاة). نص على ذلك، وحكم به عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ونافع بن عبدالحارث في حمام الحرم (^٤) .
وقيس على ذلك حمام الإحرام. وروي عن ابن عباس أنه قضى بذلك في حمام الإحرام.
ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى. فضمنت بشاة؛ كحمامة الحرم.
ولأنها متى كانت الشاة مثلًا لها في الحرم فكذلك في الحل. فيجب ضمانها
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٥٧) ١: ٠ ٣٣ عن عمر. و(٨٥٨) ١: ٣٣١ عن ابن مسعود. كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . . وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٨٤ كتاب الحج، باب فدية الغزال. عن عمر.
(٢) أخرجه الشافعى في " مسنده " (٦ ٥ ٨) ١: ٠ ٣٣ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . . وأخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الشافعي في " مسنده " (١ ٨٦) ١: ٣٣٢ عن عمر وعثمان، و(٨٦٣) ١: ٣٣٤ عن ابن عباس، كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . . وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٢٠٦ كتاب الحج، باب ما جاء في جزاء الحمام وما في معناه، عن ابن عمر. و٥: ٢٠٥ عن عمر وعثمان وابن عباس ﵃.
[ ٤ / ١٤٨ ]
بها؛ لقول الله ﷾: (فجزاء مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥].
وقياس الحمام على جنسه أولى من قياسه على غيره.
وقال الكسائي: كل مطوق حمام يعني: وإن لم يعبّ كالحجل.
والمذهب خلاف ذلك.
(النوع الثاني: ما لم تقض فيه) الصحابة من الصيد الذي له مثل من النعم. (ويُرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين)؛ " لقول الله ﷾: (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]. فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة. لا من حيث القيمة. بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة. وتعتبر العدالة فيهما (^١) . لأنها منصوص عليها، والخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبره.
ولأن الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الأحكام.
لا أن يكون أحد العدلين فقيهًا؛ لأن ذلك زيادة على ما أمر الله ﷾ به.
وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الصيد ولم يسأل أهو فقيه أم لا.
(ويجوز كون القاتل) للصيد المحكوم فيه بالمثل (أحدهما) أي: أحد العدلين، (أو هما) يعني: أو يكون القاتلان هما الحاكمان بالمثل؛ لعموم قوله ﷾: (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]، والقاتل مع غيره والقاتلان ذوا عدل منّا.
وقد روى الشافعي في " مسنده " عن طارق بن شهاب قال: (خرجنا حجّاجًّا فأوطأ رجل منا يقال له: أربد ضبًا. فقرز ظهره فقدمنا على عمر. فسأله أربد فقال: احكم يا أربد فيه. قال: أنت خير منى يا أمير المؤمنين!. قال: إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد (^٢): أرى فيه جديًا. قد جمع
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٤٩ ]
الماء والشجر. فقال عمر: فذلك فيه " (^١) .
فأمره عمر أن يحكم وهو القاتل.
وأمر أيضًا كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم (^٢) .
ولأنه مال يخرج فيه حق الله ﷾. فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه؛ كالزكاة.
قال (ابن عقيل): إنما يحكم القاتل إذا قتل الصيد (خطأ، أو) قتله (لحاجة، أو) قتله (جأهلًا تحريمه)؛ لأنه لا إثم عليه في هذه الأحوال.
قال (المنقح: وهو) أي: ما ذكره ابن عقيل (قوي، ولعله) أي: لعل ما قاله ابن عقيل (مرادهم) أي: مراد الأصحاب؛ (لأن قتل العمد ينافي العدالة). وعلم مما تقدم: أن الجزاء واجب بكل حال.
(ويضمن صغير وكبير، وصحيح ومَعيب، وحامل وماخِض) وهي الحامل
من الصيد (بمثله) من النعم. فيضمن الصغير من الصيد بصغير من النعم، والكبير من الصيد بكبير من النعم، وصحيح من الصيد بصحيح من النعم، ومعيب من الصيد بمعيب من النعم، وماخِض من الصيد بماخض من النعم [وذكر من الصيد بذكر من النعم] (^٣)، وأنثى بأنثى.
وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: لا يجزئ إلا كبير صحيح؛ لأن الله ﷾ قال: (هديا بالغ الكعبة) [المائدة: ٩٥]. ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب.
ولأنها كفارة متعلقة بقتل حيوإن. فلم يختلف بصغيرة وكبيرة؛ كقتل الآدمي.
ولنا على ذلك: قوله ﷾: (فجزاؤ مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]، ومثل الصغير صغير، ومثل المعيب معيب.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٠ ٨٦) ١: ٣٣٢ كتاب الحج، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم. . .
(٢) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٤٨) ١: ٣٢٦ الموضع السابق.
(٣) ساقط من ب.
[ ٤ / ١٥٠ ]
ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر؛ كالبهيمة.
والهدي في الآية مقيد بالمثل.
وقد أجمع الصحابة [﵃] (^١) على إيجاب ما لا يصلح هديًا؛
كالجفرة، والعناق، والجدي.
وكفارة الآدمي ليست بدلًا عنه ولا تجري مجرى الضمان. بدليل أنها
لا تتبعض في أبعاضه، لكن إن فدى المعيب بصحيح كان أفضل.
(ويجوز فداء) صيد (أعور من عين) يمنى أو يسرى، (و) صيد (أعرج
من قائمة) يمنى أو يسرى: (ب) مثل من النعم (أعور) عن الأعور من الصيد. بخلاف العين التي الصيد أعور بها؛ كما لو كان الصيد أعور باليمنى. فيفديه بأعور باليسرى.
(و) أن يفدي أعرج من قائمة يمنى بمثل (أعرج من) قائمة (أخرى)؛
كما لو كان الصيد أعرج بيده اليمنى فيفديه بأعرج بيده اليسرى؛ لأن هذا الاختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنما اختلف محله.
(و) يجوز فداء (ذكر بأنثى، وعكسه) يعني: وفداء أنثى بذكر.
أما جواز فداء الذكر بالأنثى؛ فلأن لحمها أطيب وأرطب.
وأما جواز فداء الأنثى بالذكر؛ فلأن لحمه أوفر فتساويا.
وقيل: لا يجوز فداء الأنثى بالذكر.
(لا) فداء (أعور بأعرج، ونحو ذلك) مما يختلف فيه نوع العيب؛ لعدم المماثلة.
(الضرب الثانى) من الصيد: (ما لا مثل له) من النعم (وهو باقي الطير.
و) يجب (فيه ولو) كان (أكبر من الحمام) في الأصح (قيمته مكانه)
أي: في موضعه الذي أتلفه (^٢) فيه؛ كإتلاف مال الآدمي.
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) في ب: أيموضعه الذي أتلف.
[ ٤ / ١٥١ ]
[فصل: بعض أحكام الصيد]
(فصل. وإن أتلف) محرم أو من بحرم مكة (جزءًا من صيد. فاندمل) محل الجزء المتلف (وهو) أي: الصيد (ممتنع، و) كان الصيد المتلف مما (له مثل) من النعم: (ضمن) الجزء المتلف (بمثله، من مثله) من النعم (لحمًا) في الأصح؛ لضمان أصله بمثله من النعم. ولا مشقة فيه؛ لجواز عدوله إلى عدله من طعام أو صوم.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له مثل من النعم (ف) إنه يضمنه (بنقصه من قيمته)؛ لأن جملته مضمونة بالقيمة فكذلك أجزأوه.
(وإن جنى) محرم أو من بحرم مكة (على حامل فألقت) جنينًا (ميتًا ضمن فقصها) أي: نقص الأم (فقط؛ كلما لو جرحها)؛ لأن الحمل في البهائم زيادة. وإن ولدته حيًا ثم مات. فقال جماعة منهم الموفق في " الكافي " وصاحب " التخليص " و" الرعاية ": عليه جزأوه.
وقال جماعة: إن كان لوقت يعيش في مثله وإن كان لوقت لا يعيش في مثله فهو كالميت.
وجزم به في " المغني " و" شرح المقنع ".
(وما أمسك) من صيد (فتلف فرخه) ضمنه؛ لتلفه بسببه.
(أو نفر) من صيد (فتلف) حال نفوره، (أو نقص حال نفوره: ضمن)؛ لحصول التلف أو النقص بسببه.
(وإن جرحه) أي: جرح الصيد جرحًا (غير مُوح. فغاب ولم يعلم خبره): ضمن ما نقصه فقط في الأصح وذلك بأن يقوم الصيد صحيحًا ثم جريحًا غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله.
(أو وجده) أي: وجد جارحه الصيد الذي جرحه (ميتًا ولم يعلم موته بجنايته: قُوّم) الصيد (صحيحًا وجريحًا غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله)
[ ٤ / ١٥٢ ]
فإن كان ربعًا وجب إخراج [ربع مثله، ولو كان سدسًا وجب إخراج سدس مثله. وقيل: يجب إخراج] (^١) قيمة ذلك.
وإنما لم يجب عليه جزاء جميعه؛ لأنا لا نعلم هل مات بفعله أو لا.
وقيل: يجب عليه جزاء جميعه إحالة على السبب المعلوم.
(وإن وقع) الصيد الذي جرح (في ماء) يمكن موته به أو لا فمات، (أو تردى) من مكان عال (فمات: ضمنه) من جرحه؛ لتلفه بسببه.
(و) يجب (فيما اندمل) جرحه من الصيد حالة كونه (غير ممتنع) ممن يقصده، (أو جرح) جرحًا (مُوحيًا) أي: لا تبقى معه الحياة غالبًا: (جزاء جميعه) أي: جميع الصيد المجروح في الصورتين؛ لأنه مع عدم امتناعه ومع وجود الجرح الموحي صار في حكم الميت.
(وإن نتف) محرم أو من بالحرم (ريشة) أي: ريش الصيد، (أو شعره، أو وبره. فعاد:
فلا شيء فيه) إن صار محفوظًا حتى عاد كما كان؛ لزوال النقص الحأصل بذلك.
(وإن صار) الصيد بذلك (غير ممتنع. فكجرح) أي: فكما لو جرحه جرحًا صار به غيرممتنع.
وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره فعليه مانقصه.
(وكلما قتل) المحرم أو من بالحرم (صيدًا، حكم عليه) على الأصح.
وعنه: لا يجب عليه إلا في المرة الأولى؛ لأن الله ﷾ قال:
(ومن عاد فينتقم ألله منه) [المائدة: ٩٥]. ولم يوجب جزاء.
ودليل المذهب: أن الجزاء كفارة عن قتل. فاستوى فيه المبتدئ والعائد؛ كقتل الآدمى.
ولأن الجزاء بدل متلف يجب به المثل أو القيمة. فأشبه بدل مال الادمى.
قال أحمد: روي عن عمر وغيره: أنهم حكمبوا في الخطأ وفيمن قتل ولم
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٥٣ ]
يسألوه: هل كان قتل قبل هذا أو لا؛ والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها. وذكر العقوبة في الثانى لا يمنع الوجوب.
(وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد) واحد (جزاء واحد) على الأصح. وعنه: على كل واحد جزاء.
وعنه: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة.
ويدل على الأول قوله ﷾: (فجزاؤ مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]. والجماعة إنما قتلوا صيدًا وأحدًا. فلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل. فلا يجب. ومتى ثبت اتحاد الجزاء في المثل وجب اتحاده في الصيام، لأن الله ﷾ قال: (أو عدل ذلك صياما) [المائدة: ٩٥]. والاتفاق حأصل على أن الصوم معدول بقيمة الصيد أو قيمة مثله. فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص. وأما (^١) إن كان شريك المحرم حلالًا أو سبعًا فالجزاء كله على المحرم في الأصح.
وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمي فالجزاء بينهما نصفين؛ لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما. ولا يزداد (^٢) الواجب على المحرم باجتماع حرمة (^٣) الإحرام والحرم.
ويجوز إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته. نص عليه أحمد؛ لأنها كفارة قتل. فجاز تقديمها على الموت، ككفارة قتل الآدمي.
ولأنها كفارة (^٤) . فأشبهت كفاره الظهار واليمين.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب وج: أما.
(٢) في أ: يزاد.
(٣) في ب: وحرمة.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٥٤ ]
[باب: صيد الحرمين]
هذا (باب) حكم (صيد الحرمين) يعني: حرم مكة وحرم المدينة، (و)
حكم (نباتهما) أي: نبات الحرمين.
(وحُكم صيد حرم مكة: حكم صيد الإحرام) فيحرم حتى على المحل إجماعًا.
وسنده خبر ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمه الله إلى يوم القيامة.
وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. ولا يُخْتلى خلاها، ولا يُعضد شوكها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها. فقال العباس: يا رسول الله لِلَّهِ إلا الإذخر فإنه لقيّنهم وبيوتهم. قال: إلا الإذخر " (^١) .
وفي خبر أبي هريرة (^٢) وأبي شريح الخزاعي (^٣): نحوه.
وفي خبر أبي هريرة: " وإنها ساعتي هذه حرام "، وفيه: " لا يختلى
شوكها "، وفيه: " ولا يعضد شجرها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ". متفق عليهن.
القين: الحداد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٣٦) ٢: ١ ٦٥ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب لا ينفر صيد الحرم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٣) ٢: ٩٨٦ كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢ ٠ ٢٣) ٢: ٨٥٧ كتاب في اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٥ ١٣٥) ٢: ٩٨٨ الموضع السابق.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥ ٧٣ ١) ٢: ١ ٥ ٦ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب لا يعضد شجر الحرم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٤) ٢: ٩٨٧ الموضع السابق.
[ ٤ / ١٥٥ ]
وللأثرم في خبر أبي هريرة: " ولا يحتش حشيشها ".
ومكة وما حولها كانت حرامًا قبل إبراهيم ﵇. في ظاهر كلام أحمد.
قال في رواية الأثرم عن مكة: كانت حرامًا لم تزل. ذكره القاضي في
" الأحكام السلطانية "، وعليه أكثر العلماء، لما تقدم من الأحاديث.
وعلى هذا يكون ما أخبر به في " الصحيحين " من غير وجه: " أن إبراهيم حرم مكة " (^١): أي: أظهر تحريمها وبينه.
وقال بعض العلماء: إنما حرمت؛ لسؤال إبراهيم.
قال في " الفروع ": والأول أظهر.
وفي صيد الحرم البري الجزاء. نص عليه، وفاقًا؛ كصيد الإحرام؛ لما
سبق عن الصحابة، ولا مخالف منهم.
ولأنه مُنع منه لحق الله تعالى؛ كصيد الإحرام، والحرمتان تساوتا في المنع منه.
وعن داود: لا يضمنه، لبراءة الذمة.
وعند أبي حنيفة: لا يضمنه صغير وكافر. ولا مدخل للصوم فيه.
وله في إجزاء الهدي فيه روايتان.
ولنا: أنه يضمن بالهدي والإطعام. فدخله الصوم؛ كصيد الإحرام.
ولأن الحرمة عامة. فضمنه الصغير والكافر، كغيرهما.
قال القاضي وغيره: ولأن ضمانه كالمال، وهما يضمنانه.
وقال بعض أصحابنا وغيرهم: هو آكد من المال؛ لأن حرمة الحرم مؤبدة.
فلزم الجزاء. بخلاف الإحرام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٩ ٥١) ٥: ٢٠٦٩ كتاب الأطعمة، باب الحيس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٧) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة. . .
[ ٤ / ١٥٦ ]
ولأنهما ليسا من أهل العبادة.
وحكم صيده حكم صيد الإحرام مطلقًا. نص عليه، (حتى في تملكه).
نقله الأثرم وغيره، وذكره القاضي وغيره.
ولا يلزم المحرم جزاآن. نص عليه.
وقيل: يلزمانه.
وتزيد حرمة الحرم على حرمة الإحرام بكونه لا يباح صيد البحر فيه. لكئه
لا جزاء فيه، وإلى ذلك أشير. بقوله:
(إلا أنه) أي: الحرم (يحرم صيد بحر به) (^١) أي: بالحرم. (ولا جزاء فيه) أي: في صيد البحر إذا اصطاده في الحرم. وتقدم التنبيه على ذلك في محظوراات الإحرام (^٢) .
(وإن قتل فحل) أي: غير محرم (من الحل صيدًا) والصيد (في الحرم
كُلّه أو جزؤه. لا) إن كان بالحرم (غير قوائمه) أى قوائم الصيد حال كونه (قائمًا) كرأسه أو ذنبه، لأنه إذا كانت قوائمه الأربع بالحل وهو قائم لم يكن من صيد الحرم. أشبه الشجرة إذا كان أصلها بالحل وأغصانها في هواء الحرم.
أما لو كان رأسه أو ذنبه بالحرم وهو نائم فقتله أو غيره من صيود الحرم محل
أو محرم (بسهم أو كلب) أو غيرهما، (أو قتله) أي: قتل الصيد وهو (على غصن في الحرم ولو أن أصله بالحل، أو أمسكه) أي: أمسك الصيد (بالحل فهلك فرخه) أي: فرخ الصيد بالحرم، (أو) هلك (ولده بالحرم: ضمنه) أي: ضمن القاتل أو المتسبب ما قتله أو هلك بسببه في الصور المتقدمة.
وعنه: إذا قتل الحلال من الحل صيدًا في الحرم بسهمه أو كلبه لم يضمنه. والأول المذهب، لقوله ﷺ: " ولا ينفر صيدها " (^٣) . ولم يفرق بين من
_________________
(١) كذا في ج. وفي أوب: بحرفيه.
(٢) ر. ص: ٩٥.
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٥) رقم (١).
[ ٤ / ١٥٧ ]
هو في الحل أو في الحرم.
وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم وهذا من صيده.
ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم. فلا يختص تحريمه بمن في
الحرم، كالملتجئ.
ولا يضمن أم صيد هلك ولدها في الحرم إذا كان الصائد حلالًا؛ لأنها من صيد الحل وصائدها حلال.
(وإن قتله) أي: قتل الصيد (في الحل محل) كائن (بالحرم، ولو) كان الصيد (على غصن) في هواء الحل و(أصله) أي: أصل الغصن (بالحرم). سواء كان القتل (بسهم أوكلب) أوغيرهما.
(أو امسكه) أي: أمسك الصيد حلال (بالحرم فهلك فرخه، أو) هلك (ولده بالحل.
أو أرسل) حلال (كلبه من الحل على صيد به) أي: بالحل (فقتله) أي:
قتل الصيد الذي كان بالحل في الحرم.
(أو) قتل (غيره) أي: غير الصيد الذي أرسل عليه الكلب (في الحرم.
أو فعل ذلك بسهمه بأن) رمى مُحلّ صيدًا في الحل [ف (شطح) سهمه (فقتل) صيدًا (في الحرم.
أو دخل (^١) سهمه) أي: سهم مخل رمى صيدًا في الحل] (^٢)، (أو كلبه الحرم ثم خرج) من الحل (فقتل) الصيد.
(أو جرحه بالحل) ثم دخل الصيد الحرم (فمات في الحرم: لم يضمن) الصيد في هذه الصور، وفي بعضها خلاف.
والأصح ما في المتن، لأن الأصل حل الصيد. حرم صيد الحرم بالنص
_________________
(١) في ب: أدخل.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٥٨ ]
والإجماع فبقي ما عداه على الأصل.
ولأن ذلك صيد حِلّ أصابه حلال. فلم يحرم، كما لو كان الصائد والصيد
في الحل.
وأما ما رمي أو أرسل عليه الكلب في الحل، لأنه لم يرم ولم يرسل الكلب على صيد في الحرم، وإنما دخل الكلب باختيار نفسه. أشبه ما لو استرسل بنفسه، وكذا السهم إذا شطح بغير اختياره.
وأما عدم (^١) ضمان ما جرح بالحل ومات بالحرم؛ فلأن الذكاة (^٢) وجدت بالحل. فلم يضمنه؛ (كما لو جرحه) أي: جرح صيدًا (ثم أحرم ثم مات) الصيد بعد إحرامه.
(ولا يحل ما) أي: صيدًا (وُجد سبب موته بالحرم)، كصيد وجد سبب موته في الإحرام، لأنه ميتة.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: الزكاة.
[ ٤ / ١٥٩ ]
[فصل: شجر الحرم]
(فصل. ويحرُم قلعُ شجره) أي: شجر الحرم الذي لم يزرعه آدمي إجماعًا " لقوله ﷺ: " ولا يعضد شجرها " (^١) .
(وحشيشه) أي: حشيش الحرم، لقوله ﷺ: " ولا يحتش حشيشها ".
(حتى الشوك)، لقوله ﷺ: " لا يختلى شوكها " (^٢)، (ولو ضر) الشوك، لتناول اللفظ له (^٣) .
(و) حتى (السواك ونحوه، والورق) لتناول لفظ الشجر له.
(إلا اليابس) من الشجر والحشيش. " لأنه كميت.
وفيه احتمال؛ لظاهر الخبر.
(و) إلا (الإذْخر) وهو: نبت معروف بمكة.
قال في " القاموس ": حشيش طيب الريح.
(و) إلا (الكمأة والفقع)، لأنهما لا أصل لهما.
(و) إلا (الثمرة)؛ لأنها تستخلف.
(و) إلا (ما زرعه آدمي) من بقل ورياحين وزرع إجماعًا. نص أحمد على الجميع.
(حتى) لو كان ما زرعه آدمي (من الشجر). نقل ابن ابراهيم والمروذي وأبو طالب وقد سُئل عن الريحان (^٤) والبقول في الحرم فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٥٦) رقم (١).
(٢) سبق تخريجه ص (١٥٥) رقم (٢).
(٣) ساقط من ب.
(٤) في ب: الرياحين.
[ ٤ / ١٦٠ ]
قال القاضي وغيره: فظاهره له أخذ جميع ما يزرعه. وجزم القاضي وأصحابه بهذا في كتب الخلاف؛ لأنه أنبته آدمي، كزرع وعوسج.
ولأنه مملوك الأصل؛ كالأنعام.
وقيل: فيه الجزاء، وفاقًا للشا فعي؛ للنهي عن قطع شجرها، وكالذي نبت بنفسه. وأجيب: بأن النهي عن شجر الحرم وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه. فلا يعمه الخبر.
(ويباح رعي حشيشه) أي: حشيش الحرم على الأصح؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه. ولم ينقل عن أحد أنه سد أفواهها.
ولأن الحاجة تدعو إلى الرعي. أشبه قطع الإذخر.
(و) يباح أيضًا (إنتفاع بما زال) من شجر الحرم (أو انكسر) منه (بغير فعل آدمي). نص عليه، (ولو لم يبن) من أصله؛ لأنه قد تلف بكسره فهو بمنزلة الظفر المنكسر. لا أن ينتفع بما يقلعه.
قال أحمد في الدوحة: تقلع من شبهة بالصيد لم ينتفع بحطبها؛ لأنه ممنوع
من إتلافه لحرمة الحرم. فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به؛ كالصيد يذبحه المحرم.
(وتُضمن شجرة صغيرة عُرفًا) إن قلعت أو كسرت (بشاة.
و) تضمن (ما فوقها) أي: فوق الشجرة الصغيرة من الوسطى والكبرى (ببقرة)؛ لما روي عن (^١) ابن عباس أنه قال: " في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة ". قال: والدوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة. ونحوه عن عطاء.
ولأنه ممنوع من قلع ذلك؛ لحرمة الحرم. فضمن؛ كالصيد.
(ويخير بين ذلك) أي: بين إخراج الشاة أو البقرة (وبين تقويمه) أي: تقويم الواجب من ذلك بدراهم. (ويفعل بقيمته كجزاء الصيد) بأن يشتري بالقيمة طعامًا يجزئ في الفطرة. فيطعم كل مسكين مُد بُرّ أو نصف صاع من غيره.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٦١ ]
(و) يضمن (حشيش وورق بقيمته). نص على ذلك، لأن الأصل في
تلف غير المثلي وجوب قيمته، يفعل بها كما تقدم.
(و) يضمن (غصن بما نقص)، كأعضاء الحيوإن.
ولأنه نقص بفعله. فوجب فيه ما نقصه؛ كما لو جنى على مال آدمي فنقص.
(فإن استخلف شيء منها) أي: من الأشياء الذي وجب الضمان بإزالتها (سقط ضمانه) في الأصح؛ كما لو نتف ريش صيد ثم عاد، و(كرد شجرة فنبتت، ويضمن نقصها) أي: نقص الشجرة التي قلعها ثم ردها فتنبت أن نقصت. (ولو) قلع شجرة من الحرم ثم (غرسها في الحل، وتعذّر ردُّها أو يبست: ضمنها،)؛ لأنه أتلفها.
(فلو قلعها) أي: قلع الشجرة التي نقلت من الحرم إلى الحل (غيره)
أي: غير الذي غرسها في الحل: (ضمنها) أي: ضمنها القالع (وحده)؛ لأنه الذي أتلفها.
(ويضمن منفِّر صيدًا) من الحرم إلى الحل إذا (قتل بالحل) دون قاتله بالحل؛ لتفويت المنفر حرمته بإخراجه إلى الحل.
(وكذا مخرجه) أي: مخرج صيد الحرم إلى الحل فيقتل بالحل. لا مع
بقائه (إن لم يرده) إلى الحرم.
(فلو فداه) لكونه أخرجه (ثم ولد) الصيد ثم قتل ولده (لم يضمن). المخرج (ولده) أي: ولد الصيد، لأن الولد ليس من صيد الحرم.
(ويضمن غصن) قطع وهو كائن (في هواء الحل) إذا كان (أصله) أي:
أصل ذلك الغصن (أو بعض أصله) كائنًا (بالحرم)، لأنه من شجر الحرم؛ لأن الغصن تابع لأصله.
(لا ما) قطعه من غصن (بهواء الحرم وأصله) كائن (بالحل) في الأصح؛ لأن الغصن تابع لأصله. وإن كان في الحرم فلا يضمنه، قياسًا على المسألة التي (^١) قبل هذه.
_________________
(١) ساقط من ج.
[ ٤ / ١٦٢ ]
(وكُره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحل). نص على ذلك.
قال الإمام أحمد: لا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل من الحل، كذلك
قال ابن عمر وابن عباس، ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والخروج أشد. يعني: في الكراهة.
قال في " الفروع ": واقتصر بعض أصحابنا على كراهة إخراجه. وجزم في مكان آخر بكراهتهما.
وقال بعضهم: يكره إخراجه إلى الحل، وفي إدخاله إلى الحرم روايتان.
(لا ماء زمزم) يعني: فإنه لا يكره إخراجه من الحرم؛ لما روي عن عائشة: " أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله " (^١) . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
ولأنه يستخلف كالثمرة.
وسئل أحمد عن ذلك فقال: أخرجه كعب، ولم يزد على ذلك.
(ولا وضع الحصى بالمساجد) يعني: أنه لا يكره، كما في مسجده فى
زمنه ﷺ وبعده.
(ويحرُم إخراج ترابها) أي: تراب المساجد (وطيبها) في الحل والحرم للتبرك وغيره على الأ صح. ولهذا قال أحمد: فإن (^٢) أراد أن يستشفي بطيب الكعبة لم يأخذ منه شيئًا ويلزق عليها طيبًا من عنده ثم يأخذه.
وفي أخذ تراب المسجد، إنتفاع بالموقوف في غير جهته.
قال في " الفروع ": وذكر جماعه: يكره للتبرك وغيره، ولعل
مرادهم: يحرم.
وفي " فنون " ابن عقيل: أن أحمد كرهه في مسألة الحل والحرم؛ لأنه قد
كره الناس إخراج تراب المسجد تعظيمًا لشأنه. فكذا هنا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٦٣) ٣: ٢٩٥ كتاب الحج، باب ما جاء في حمل ماء زمزم.
(٢) في ب: فإذا.
[ ٤ / ١٦٣ ]
[فصل: في حدود حرم مكة]
(فصل. وحدُّ حرم مكة من طريق المدينة: ثلاثة أميال عند بيوت السقيا) ويقال لها: بيوت نِفار بالنون مكسورة وبالفاء وهي: دون التنعيم،
(و) حده (من اليمن: سبعة) أي: سبعة أميال (عند أضاةِ لِبن) أما أضاةِ فبالضاد المعجمة على وزن قناة. ولِبن بكسر اللام وسكون الباء الموحدة.
قال في " الفروع ": وهذا هو المعروف. انتهى.
وفي " الهداية ": عند إضاحة لبن.
(و) حده (من العراق كذلك) أي: سبعة أميال (على ثنية رِجْل) بكسر الراء وسكون الجيم وهو: (جبل بالمنقطع.
و) حده (من الطائف وبطن نمرة كذلك) أي: سبعة أميال (عند طرف عرفة.
و) حده (من) طريق (الجعرانة: تسعة) أي: تسعة أميال (في شعب عبدالله بن خالد.
و) حده (من) طريق (جُدة: عشرة) أي: عشرة أميال (عند مُنقطع الأعشاش) بشينين معجمتين. جمع عُش بضم العين المهملة.
(و) حده (من) طريق (بطن عُرَنة: أحد عشر) ميلًا.
(وحكم) صيد (وَجٍ) وهو (^١) (واد بالطائف) وشجره وحشيشه (كغيره)
أي: غير وج (من الحل) لا يحرم ولا ضمان فيه. خلافًا للشافعي في أحد قوليه.
ودليله: ما روى أحمد وأبو داود عن محمد بن عبدالله بن سفيان عن أبيه عن
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٦٤ ]
عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعًا: " أن صيد وَجِ وعضاهه حرم محرم لله. وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفاَ " (^١) .
وجوابه: أن الخبر ضعفه أحمد.
وقال أبو حاتم في محمد: ليس بقوي. في حديثه نظر.
وقال البخاري: لا يتابع عليه. وتفرد عن أبيه عبدالله. فلهذا قال ابن القطان وغيره: لا يعرف.
وقال ابن حبان والأزدي: لم يصح حديثه.
وحمل القاضي ذلك على الاستحباب؛ للخروج من الخلاف.
(وتُستحَب المجاورة بمكة. وهي أفضل من المدينة)؛ وذلك لما روى الزهري عن أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء: " أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو واقف بالحزْوَرَة في سوق مكة: والله إنك لخيرُ أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله. ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت " (^٢) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. وهو كما قال.
وأرسله ابن عيينة عن الزهري، ورواه الأكثر كما سبق. ورواه يعقوب بن
عطاء ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. واختلف عن يونس فرواه ابن أخي الزهري عن عمه عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبدالله بن عدي، ورواه حماد بن سلمة، ورواه أبو ضمرة (^٣) عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواه إسماعيل بن جعفر عن أبي سلمة مرسلًا. والصحيح الأول. ذكر ذلك الدارقطني.
وللترمذي من حديث ابن عباس: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤١٦) ١: ١٦٥.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٩٢٥) ٥: ٧٢٢ كتاب المناقب، باب في فضل مكة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٨ ٣١) ٢: ١٠٣٧ كتاب المناسك، باب فضل مكة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٧١١) ٤: ٣٠٥ ولم أقف عليه عند النسائي.
(٣) في ج: صخرة.
[ ٤ / ١٦٥ ]
قومي أخرجونى منك ما سكنت غيرك " (^١) . وقال: حسن صحيح غريب. واحتج القاضي وابن البنا وابن عقيل وغيرهم بمضاعفة الصلاة فيه أكثر.
قال القاضي: وهو نص. إلا أنه أخبر أن العمل فيها أفضل.
وقيل: إن المدينة أفضل من ذلك. واستدل القائل بذلك بأنه قد روي عن
رافع مرفوعًا: " المدينة خير من مكة " (^٢) .
ورد ذلك بأن هذا الحديث لم يصح. وعلى تقدير صحته فهو محمول على
كون مكة دار حرب، أو على الوقت الذى كان فيها، والشرع يؤخذ منه.
واستدل أيضًا بأنه رُوي أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لِلَّهِ إنهم أخرجونى من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك " (^٣) .
ورد أيضًا بأن ذلك الحديث لا يعرف. وعلى تقدير صحته فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة.
ولمالك عن يحيى بن سعيد مرفوعًا: " ما على الأرض بقعه أحب إلي أن يكون قبري بها منها ثلاث مرات " (^٤) .
وله وللبخاري أن عمر قال: " اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتى في بلد رسولك " (^٥) .
والجواب عن ذلك: أنهما هاجرا من مكة فأحبا الموت في أفضل البقاع بعد مكة.
ولهذا عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا دخل مكة قال: " اللهم!
لا تجعل منايانا بها حتى تخرجنا منها " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٩٢٦) ٥: ٧٢٣ كتاب المناقب، باب في فضل مكة.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٤٤٥٠) ٤: ٢٨٨.
(٣) أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٤٢٦١) ٣: ٤ كتاب الهجرة.
(٤) أخرجه مالك فى " الموطأ " (٣٣) ٢: ٣٦٨ كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٩١) ٢: ٦٦٨ أبواب فضائل المدينة، باب كراهية النبي ﷺ أن تُعرى المدينة. وأخرجه مالك في "الموطأ" (٣٤) ٢: ٣٦٩ كتاب الجهاد، باب ما تكون فيه الشهادة.
(٦) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤١٦) ١: ١٦٥.
[ ٤ / ١٦٦ ]
والأخبار الصحيحة إنما تدل على فضلها. لا أفضليتها على مكة.
واستدل القائل بأفضلية المدينة أيضًا بأنه ﷺ خلق منها، وهو خير بشر، وتربته خير الترب.
وأجابه القاضي: بأن فضل الخلقة لا يدل على فضل التربة " لأن أحد الخلفاء الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل أن تربته أفضل. وكذا قال غير القاضي. قال ابن عقيل في "الفنون ": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة. فأما والنبي ﷺ فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة؛ لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح.
قال في " الفروع ": فدل كلام الأصحاب على أن التربة على الخلاف.
قال شيخنا: لم أعلم أحدًا فضّل التربة على الكعبة غير القاضي عياض، ولم يسبقه أحد، ولا وافقه أحد.
وفي " الإرشاد " وغيره: الخلاف في المجاورة فقط. وجزموا بأفضلية الصلاة وغيرها، واختاره شيخنا وغيره، وهو أظهر. وقال: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان.
ومعنى ما جزم به في " المغني " وغيره: أن مكة أفضل، وإن المجاورة بالمدينة أفضل. وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر المسلمين.
وقال النبي ﷺ: " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة " (^١) . وهذا الخبر رواه مسلم من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث سعد، وفيهن: " أو شهيدًا ".
وفي حديث سعد: " ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٧٧) عن ابن عمر، و(٠ ١٣٧٨) عن أبي هريرة ٢: ٤ ٠ ٠ ١ و(١٣٧٤) ٢: ٢ ٠ ٠ ١ عن أبي سعيد، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها. و(١٣٦٣) ٢: ٩٩٢ عن سعد، كتاب الحج، باب فضل المدينة. . .
[ ٤ / ١٦٧ ]
منه، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء " (^١) .
وعن ابن عمر مرفوعًا: " من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل. فإنى أشفع
لمن مات بها " (^٢) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
(وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان) فاضل (وزمان فاضل). ذكره القاضي وغيره.
وسئل أحمد في رواية ابن منصور: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال:
لا. إلا بمكة؛ لتعظيم البلد. ولو أن رجلًا بعدن وهمَّ أن يقتل (^٣) عند البيت: أذاقه الله من العذاب الأليم.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) أخرجه الترمذي فى " جامعه " (٣٩١٧) ٥: ٧١٩ كتاب المناقب، باب في فضل المدينة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١١٢) ٢: ١٠٣٩ كتاب المناسك، باب فضل المدينة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٤٣٧) ٢: ٧٤.
(٣) في أ: وهم بقتل.
[ ٤ / ١٦٨ ]
[فصل: في حرم المدينة]
(فصل. ويحرم صيدُ حرم المدينة)، وقد تواتر عن النبي ﷺ تسمية بلده بالمدينة.
قال قوم: سميت مدينة؛ لأنها مأخوذةمن الدين، والدين الطاعة. ويقام بها طاعة وإليها.
وقال آخرون: لأنها دين أهلها أي: ملكوا. يقال: دان فلان بني فلان أي: ملكهم، وفلان في دين فلان: في طاعته.
وفي "الصحيحين " من حديث أبي حميد أن النبي ﷺ قال: " هذه طابة " (^١) .
وعن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: " أن الله سمى المدينة طابة " (^٢) .
وعن زيد بن ثابت مرفوعًا: " أنها طَيبَة يعني: المدينة. وإنها تنفي الخبث
كما تنفي النار خبث الفضة " (^٣) . رواهما مسلم.
سميت بذلك؛ لأنها طهرت من الشرك.
وتحريم صيد حرم المدينة: يدل على أنه لا يصح ذكاته. قاله القاضي.
(وشجره وحشيشه) يعني: أنه يحرم قلع شجر حرم المدينة وحشيشه؛
لخبر عليّ أن النبي ﷺ قال: " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا " (^٤) .
وفي لفظ: " حرم من عير إلى كذا " (^٥) . رواهما البخاري.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤١٦٠) ٤: ١٦١٠ كتاب المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٩٢) ٢: ١١ ١٠ كتاب الحج، باب أُحد جبل يحبنا ونحبه.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٨٥) ٢: ٠٧ ٠ ١ كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٨٤) ٢: ٦ ٠ ٠ ١ الموضع السابق.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٧١) ٢: ٦٦١ أبواب فضائل المدينة، باب حرم المدينة.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٦٨٧) ٦: ٢٦٦٢ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق. . .
[ ٤ / ١٦٩ ]
ولمسلم: " حرم ما بين عائر إلى ثور " (^١) .
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: " المدينة حرم من كذا إلى كذا. لا يقطع شجرها " (^٢) . رواه البخاري ومسلم.
وفي لفظ: " لا يختلى خلاها. فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (^٣) .
ولهما عنه مرفوعًا: " اللهم لِلَّهِ إجعل بالمدينة ضعْفَي ما بمكة من البركة " (^٤) .
وعن عبدالله بن زيد بن عاصم أن النبي ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدِّها، بمثْلَي ما دعا إبراهيم لأهل مكة " (^٥) . متفق عليه.
إذا تقرر هذا: فإنه يستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله:
(إلا لحاجة المساند والحرث والرَّحل) من الشجر.
(و) إلا (العلف) من الحشيش (ونحوها) أي: ونحو ما ذكر مما تدعو الحاجة إليه.
وذلك لما روى أحمد عن جابر بن عبدالله: " أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله لِلَّهِ إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند. فأما غير
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٧٠) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة. .
(٢) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٦٨٧٦) ٦: ٢٦٦٥ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إثم من أوى محدثًا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٦) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة.
(٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٨٦) ٢: ٦٦٦ أبواب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٩) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٠٢٢) ٢: ٧٤٩ كتاب البيوع، باب بركة صاع النبيّ ﷺ ومدهم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٠) ٢: ٩٩١ كتاب الحج، باب فضل المدينة.
[ ٤ / ١٧٠ ]
ذلك فلا يعضد ولايخبط منها شيء ".
والمسند: عود البكرة.
فاستثنى الشارع ذلك وجعله مباحًا؛ كاستثناء الإذخر بمكة.
وعن عليّ عن النبيّ ﷺ قال: " المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور. لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا يصلح أن يقطع منها (^١) شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره " (^٢) . رواه أبو داود.
لأن المدينة يقرب منها شجر وزرع. فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر. بخلاف مكة.
(ومن أدخلها) أي: أدخل المدينة (صيدًا فله إمساكه وذبحه). نص على ذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: " يا أبا عمير! ما فعل النغير- بالغين المعجمة- وهو طائر صغير كان يلعب به " (^٣) . متفق عليه.
(ولا جزاء فيما حرم من ذلك) يعني: أنه لا جزاء في صيد حرم المدينة،
ولا في شجره، ولا في حشيشه على الأصح.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النسك، ولا لذبح الهدايا. فكانت كغيرها من البلدان.
ولا يلزم من الحرمة الضمان، ولا من عدمها عدمه.
(وحرَمُها: بريد في بريد). نص أحمد على ذلك وهو: ما (بين ثور)
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٣٤) ٢: ٢١٦ كتاب المناسك، باب في تحريم المدينة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٥٠) ٥: ٢٢٩١ كتاب الأدب، باب الكنية للصبي قبل أن يولد للرجل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٥٠) ٣: ١٦٩٢ كتاب الآداب باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته. . .
[ ٤ / ١٧١ ]
وهو (جبل صغير) لونه يضرب (إلى الحمرة بتدوير) (^١) فيه. يعني: ليس بالمستطيل. وهو: (خلف أُحد من جهة الشمال)؛ لما روى عليّ أن النبيّ ﷺ قال: " حرم المدينة ما بين ثور إلى عير " (^٢) . متفق عليه.
وقد أنكر جماعة من العلماء أن يكون بالمدينة جبل يسمى ثورًا، واعتقدوا
أن ذكر ثور خطأ من بعض رواة الحديث.
قال في " المطلع " (^٣): وهذا لأنهم لا يعرفون ثورًا بالمدينة. وقد أخبرنا العلامة عفيف [الدين] عبد السلام بن مزروع البصري قال: صحبت طائفة من العرب من بني هاشم (^٤) قال: وكنت إذا صحبت العرب أسألهم عما أراه من جبل أو واد أو غير ذلك. فمررنا بجبل خلف أحد. فقلت: ما يقال لهذا الجبل؟ فقال: هذا جبل ثور. فقلت: ما تقولون؟ قالوا: هذا ثور (^٥)، معروف من (^٦) زمن آبائنا وأجدادنا. فنزلتُ وصليت [عنده] ركعتين. انتهى.
وقال العلامة ابن حجر في " شرح البخاري ": وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في " مختصره لأخبار المدينة ": أن خلَف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم: أن خلف أحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير، يسمى ثورًا، قال: وقد تحققته بالمشاهدة. انتهى.
(و) ما بين (عَيْر جبل مشهور بها) أي: بالمدينة.
قال في " المطلع ": وقد أنكره بعضهم. انتهى.
قال القاضي عياض: أكثر الرواة في البخاري ذكروا عيرًا. فأما ثور فمنهم (^٧)
_________________
(١) في ب: بتدويرة.
(٢) سبق تخريجه ص (١٦٩) رقم (٤) و(٥).
(٣) ص (١٨٥) وما بين الأقواس زيادة من " المطلع ".
(٤) كذا في " المطلع ". وفي أج: هيثم، وفي ب: هشيم.
(٥) ساقط من أ.
(٦) في أ: في.
(٧) في ب: فمنه.
[ ٤ / ١٧٢ ]
من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ لأنهم اعتقدوا ذكر ثور خطأ. (وذلك) أي: وحَدّ المدينة المذكور الذي هو: ما بين ثور إلى عير هو:
(ما بين لابتيها)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ما بين لابتيها حرام " (^١) . متفق عليه.
واللابه: الحرة. وهي أرض تركبها حجارة سود.
قال أحمد: ما بين لابتيها حرام بريد في بريد. كذا فسره مالك بن أنس. (وجعل النبي ﷺ حول المدينة، اثني عشر ميلًا حمى). روى ذلك مسلم من رواية أبي هريرة (^٢) .
والله ﷾ اعلم.
***
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٧٧٤) ٢: ٦٦٢ أبواب فضائل المدينة، باب لابتى المدينة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٧٢) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة. . .
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٧٢) ٢: ٠ ٠ ٠ ١ كتاب الحج، باب فضل المدينة. . .
[ ٤ / ١٧٣ ]
[باب: دخول مكة]
هذا (باب) يذكر فيه (دخول مكة)، ومسائل من أحكام الطواف والسعي وغير ذلك.
(يسن) لمن أراد دخول مكة أن يدخلها (نهارًا).
قال في " الفروع ": وقيل: وليلًا.
نقل ابن هانئ: لا بأس به. وإنما كرهه من السُّرَّاق.
(من أعلاها) أي: أعلا مكة: (من ثنية كداء) بفتح الكاف والدال ممدودة مهموز، مصروف وغير مصروف. كل ذلك عن صاحب " المطلع ". والثنية في الأ صل: الطريق بين جبلين.
(و) يُسن لمن أراد أن يخرج من مكة (خروج من أسفلها) أي: أسفل مكة
(من ثنيّة كُدى) بضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طوى، بقرب شعب الشافعيين. وأما كدي مصغرًا فأباحه لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء.
ويدل لذلك شعر قيس الرقيات:
أقفرت بعدعبد شمس كداء فكدي فالركن فالبطحاء
فمنى فالجمارمن عبد شمس مقفرات فبلدح فحراء
(و) يُسن (دخول المسجد الحرام: من باب بني شيبة)؛ لما روى جابر:
" أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل " (^١) . رواه مسلم وغيره.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٩٥) ١: ٣٠٣ عن ابن عمر قال: " دخل رسول الله ﷺ ودخلنا معه من باب بني عبد مناف وهو الذي يسميه الناس باب بنى شيبة، وخرجنا معه إلى المدينة من باب الخرورة وهو باب الخياطين ". ولم أره في مسلم.
[ ٤ / ١٧٤ ]
ويُسن أن يقول عند دخوله: بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله. اللهم!
افتح لي أبواب فضلك. ذكره في " أسباب الهداية ".
(فإذا رأى البيت رفع يديه). نص عليه، لما روى الشافعي عن ابن جريج: " أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه " (^١) .
ولا يمنع من ذلك ما رواه النسائي بسنده إلى جابر بن عبدالله قال: " سُئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحدًا يفعل هذا إلا اليهود. حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله " (^٢) .
ورد بأن قول جابر عن ظنه، وخالفه ابن عمر وابن عباس.
ولأن الدعاء مستحب عند روية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء.
(و) إذا رفع يديه (قال: اللهم لِلَّهِ أنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام)، لى " أن عمر كان يقول ذلك " (^٣) . رواه الشافعي.
ومعنى السلام الأول: اسم الله تعالى.
والثانى: من أكرمته بالسلام.
والثالث: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات. ذكر ذلك الأزهري.
(اللهم لِلَّهِ زد هذا البيت تعظيمًا) أي: تبيجلًا، (وتشريفًا) أي: رفعة وإعلاء، (وتكريمًا) تفضيلًا، (ومهابةً) أي: توقيرًا وإجلالًا، (وبرًا) بكسر الباء. وهو: اسم جامع للخير. (وزد من عظَّمه وشرفَّه ممن حجَّه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًا) (^٤) . رواه الشافعي بإسناده عن ابن جريج.
(الحمد الله رب العالمين كثيرأ كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٧٤) ١: ٣٣٩ كتاب الحج، باب ما يلزم الحاج بعد دخول مكة. . .
(٢) أخرجه النسائى في " سننه " (٢٨٩٥) ٥: ٢١٢ كتاب مناسك الحج، ترك رفع اليدين عند رؤية البيت.
(٣) أخرجه الشافعي فى " مسنده " (٨٧٣) ١: ٣٣٨ كتاب الحج، باب ما يلزم الحاج بعد دخول مكة. . . ولكن من قول سعيد بن المسيب.
(٤) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٧٤) ١: ٣٣٩ الموضع السابق.
[ ٤ / ١٧٥ ]
وعِزِّ جلاله، والحمد لله الذي بلّغني بيته، ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال. اللهم لِلَّهِ إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام). سمي بذلك، لأن حرمته إنتشرت، وأريد بتحريم البيت سائر الحرم. قاله العلماء.
(وقد جئتك لذلك. اللهم! تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله. لا إله إلا أنت). ذكر ذلك الأثرم وإبراهيم الحربي.
قال في " الفر وع ": وقيل: ويكبر، وقيل: ويهلل.
وكان النبي ﷺ إذا رأى ما يحب قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال " (^١) ٠ انتهى.
(يرفع بذلك) أي: بالدعاء المتقدم (صوته)، جزم به (^٢) في " المحرر "
و" المقنع " و" الوجيز " وغيرهما؛ لأنه ذكر مشروع. فاستحب رفع الصوت به؛ كالتلبية. وحكاه في " الفروع " قولًا.
(ثم يطوف متمتع) أي: محرم بالعمرة (للعمرة) أي: طواف العمرة.
(و) يطوف (مفرد) أي: محرم بالحج وحده، (وقارن) أي: محرم بالحج والعمرة (للقدوم. وهو: الورود) يعني: أنه يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يبدأ بالطواف بالبيت؛ اقتداء برسول الله ﷺ فإن جابر قال في حديثه: " حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا " (^٣) . وعن عائشة: " أن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت " (^٤) . متفق عليه.
وُروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبدالله بن عمر وغيرهم.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٨٠٣) ٢: ١٢٥٠ كتاب الأدب، باب فضل الحامدين
(٢) في ب: ذلك.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه (١٥٦٠) ٢: ٥٩١ كتاب الحج، باب الطواف على وضوء. وأخرجه مسلم في " صححيحه " (١٢٣٥) ٢: ٩٠٦ كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى. . .
[ ٤ / ١٧٦ ]
ولأن الطواف تحية المسجد الحرام. فاستحب البداءة به؛ كما استحب لداخل غيره من المساجد البداءة بتحية المسجد بصلاة ركعتين.
(ويضْطَبع) استحبابًا (غير حامل معذور) يحمله بردائه (^١) (في كل أسبوعه) نص عليه.
وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر. مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان. افتعال منه، وكان أصله اضتبع بالتاء فقلبوا التاء طاء؛ لأن التاء متى وقعت بعد ضاد أوطاء ساكنة قلبت طاء.
والأصل في استحباب الاضطباع في طواف العمرة للمتمتع، وفي (^٢) طواف القدوم للمفرد والقارن ما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية " أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا " (^٣) .
ورويا عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة. فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى " (^٤) . فإذا فرغ من الطواف ازال الاضطباع.
(ويبتدؤه) أي: يبتدئ الطواف (من الحجر الأسود)؛ " لأنه ﷺ كان يبتدئ به " (^٥) .
(فيحاذيه) أي: يحاذي الطائف الحجر (أو بعضه) أي: بعض الحجر
_________________
(١) في ب: بحمل ردائه.
(٢) في أ: في.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٨٨٣ ١) ٢: ١٧٧ كتاب المناسك، باب الاضطباع في الطواف. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٥٩) ٣: ٢١٤ كتاب الحج، باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٥٤) ٢: ٩٨٤ كتاب المناسك، باب الاضطباع.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٨٤) ٢: ١٧٧ كتاب المناسك، باب الاضطباع في الطواف.
(٥) عن جابر بن عبدالله ﵁ " أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه. . . ". أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩٣ كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.
[ ٤ / ١٧٧ ]
(بكل بدنه) أي: بدن الطائف؛ لأن (^١) ما لزم استقباله لزم بجميع البدن " كالقبلة.
وقيل: يكفي محاذاته ببعض بدنه.
والأول المذهب.
(ويستلمه) أي: يمسح الحجر (بيده اليمنى)، لأن الاستلام افتعال من السلام وهو التحية، ولهذا يسمون أهل اليمن الحجر الأسود المحيا، لأن الناس يحيونه بالاستلام.
وقد ثبت عن النبي ﷺ " أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن " (^٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(ويقبله)، لما روى عمر " أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي. فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات " (^٣) . رواه ابن ماجه.
وفي " الصحيحين " أن أسلم قال: " رأيت عمر بن الخطاب قبّل الحجر وقال: إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك (^٤) ما قبلتك " (^٥) . نقله الأثرم.
(ويسجد عليه). فعله ابن عمر وابن عباس.
(فإن شقَّ) استلامه وتقبيله (لم يزاحم، واستلمه بيده وقبّلها). روي ذلك
عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس (^٦) .
_________________
(١) في ب: لأن كل.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٧٧) ٣: ٢٢٦ كتاب الحج، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٤٥) ٢: ٩٨٢ كتاب المناسك، باب استلام الحجر.
(٤) في ج: قبلك.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٢ ١) ٢: ٥٨٣ كتاب الحج، باب تقبيل الحجر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٧٠) ٢: ٩٢٥ كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطو اف.
(٦) روى ذلك عطاء عنهم. أخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٨٦) ١: ٣٤٣ كتاب الحج، باب ما يلزم=
[ ٤ / ١٧٨ ]
وذلك لما روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ استلمه وقبّل يده " (^١) . رواه فسلم.
(فإن شقّ ف) إنه يستلمه (بشيء وقبلّه) أي: قبّل ذلك الشيء الذي استلم الحجر به (^٢) . روي ذلك عن ابن عباس موقوفًا.
(فإن شق) أن يستلمه بيده أو بشيء (أشار إليه) أي: إلى الحجر (بيده أو بشيء) غيرها، لما روى البخاري عن ابن عباس قال: " طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر " (^٣) .
(ولا يقبله) أي: لا يقبل ما أشار به إليه.
(و) إذا أراد أن يشرع في الطواف (استقبله) أي: استقبل الحجر (بوجهه، وقال: بسم الله والله اكبر. اللهم! إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ)، يقول ذلك كل ما استلمه، لحديث عبدالله بن السائب: " أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه " (^٤) .
(ثم يجعل البيت عن يساره)، لأن النبي ﷺ طاف كذلك وقال: " خذوا
عني مناسككم " (^٥) .
فيقرب جانبه الأيسر إلى البيت.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى
_________________
(١) = الحاج بعد دخول مكة. . . أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٦٨) ٢: ٩٢٤ كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين. . . عن ابن عمر بمعناه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٢ ١) ٢: ٥٨٣ كتاب الحج، باب تقبيل الحجر.
(٤) قال ابن حجر: لم أجده هكذا، وقد ذكره صاحب "المهذب " من حديث جابر، وقد بيض له المنذري، والنووي، وأخرجه ابن عساكر من طريق ابن ناجيه بسند له ضعيف، ورواه الشافعي عن ابن أبي نجيح قال: " أُخبرت أن بعض أصحاب النبى ﷺ قال: يا رسول الله! كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: قولوا: بسم الله، والله أكبر إيمانًا بالله، وتصديقًا بما جاء به محمد ". " تلخيص الحبير "
(٥) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
[ ٤ / ١٧٩ ]
على اليسرى. فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمين (^١) . فأول ركن يمر به يسمى الشامي والعراقي، وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي والشامي، وهو جهة المغرب، ثم اليماني جهة اليمن.
(ويرمل) طائف (ماش غير حامل معذور، و) غير (نساء، و) غير (محرم من مكة أو) من (قربها).
وصفة الرمل ما أشير إليه بقوله: (فيسرع المشي ويقارب الخطى).
ويكون الرمل (في ثلاثة أشواط.
ثم) بعد أن يرمل الثلاثة (^٢) أشواط (يمشي أربعة) أي: أربعة أشواط مشيًا
من غير رمل؛ وذلك " لأن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعًا " (^٣) . روى ذلك جابر وابن عباس وابن عمر وأحاديثهم متفق عليها.
فإن قيل: إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه، لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى، إذ نفى الله ﷾ المشركين. فلم قلتم أن الحكم يبقى بعد زوال علته؟
قلنا: قد رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت
أنها سنة ثابتة.
وقال ابن عباس: " رمل النبي ﷺ في عُمَره كلها وفي حجه، وأبو بكو وعمر وعثمان والخلفاء من بعده " (^٤) . رواه أحمد في " المسند ".
وإذا ثبت أن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة. فإنه يرمل من الحجر الأسود
إلى الحجر الأسود لا يمشي في شيء منها، لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ
_________________
(١) في ب: لليمنى.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٢٧) ٢: ٥٨١ كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة عن ابن عمر. و(١٥٢٥) ٢: ٥٨١ كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل. عن ابن عباس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٦٢) ٢: ٩٢١ عن اين عمر. و(١٢٦٣) ٢: ٩٢١ عن جابر. و(١٢٦٦) ٢: ٩٢٣ عن ابن عباس. كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة. . .
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٧٢) ١: ٢٢٥
[ ٤ / ١٨٠ ]
رمل من الحجر الى الحجر " (^١) .
ومن رواية مسلم عن جابر قال: " رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر حتى انتهى إليه (^٢) " (^٣) .
(ولا يقضى فيها) أي: في الأربعة أشواط (رمل) فاته من الثلاثة أشواط السابقة؛ لأن الرمل هيئة فات موضعها. فسقطت؛ كالجهر في الركعتين الأولتين من المغرب والعشاء.
ولأن المشي هيئة في الأربعة أشواط المتأخرة، كما أن الرمل هيئة في الثلاثة الأول.
فإذا رمل في الأربعة الأخيرة كان تاركًا للهيئة في جميع طوافه.
فلو ترك الرمل في الشوط الأول أتى به في الثانى والثالث، وإن تركه من الأول والثاني أتى به في الثالث.
ومن ترك الرمل لم يكن عليه بتركه شيء؛ كالاضطباع.
(والرمل أولى من الدنو من البيت) يعني: أنه لو كان قرب البيت زحام لايتمكن من الرمل مع دنوه من البيت، وإذا طاف في حاشية الناس تمكن من الرمل كان طوافه في حاشية الناس برمل أولى من طوافه قرب البيت بدون الرمل. (والتأخير) أي: تأخير الطواف ليزول الزحام (له) أي: لأجل الرمل (أو للدنو) من البيت حتى يقدر على الرمل والدنو (أولى) من عدم الرمل ومن البعد عن البيت مع التعجيل.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(وكلما حأذى) الطائف (الحجر) الأسود (والركن اليماني استلمها) استحبابًا؛ لما روي عن ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢ ٦ ١٢) ٢: ٩٢١ كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمر ة. . .
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٦٣) الموضع السابق.
[ ٤ / ١٨١ ]
الركن اليمانى والحجر في طوافه. قال نافع: وكان ابن عمر يفعله " (^١) . رواه أبو داود.
قال ابن عبدالبر: جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والأسود لايختلفون في شيءمن ذلك.
واما الذي فرقوا بينهما التقبيل. فرأوا تقبيل الأسود ولم يروا تقبيل اليمانى.
وأما استلامهما فأمر مجمع عليه.
قال: وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: " رأيت رسول الله ﷺ إذا استلم
الركن قبله ووضيع خده الأيمن عليه " (^٢) . قال: وهذا لا يصح. وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده. انتهى.
(أو أشار إليهما) أي: إلى الحجر والركن اليماني إن شق استلامهما في كل شوط.
(لا) استلام الركن (الشامي وهو: أول ركن يمر به، ولا) استلام الركن (الغربي وهو: ما يلي) أي: يلي الشامي. نص على ذلك؛ لقول ابن عمر:
" أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا (^٣) الحجر والركن اليمانى " (^٤) .
وقال: " ما أراه - يعني: النبي ﷺ - لم يستلم الركنين (^٥) اللذين يليان الحجر. إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك " (^٦) .
وروى ابن عباس: " أن معاوية طاف فجعل يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن النبي ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٧٦) ٢: ١٧٦ كتاب المناسك، باب استلام الأركان.
(٢) أخرجه الحاكم في " مستدركه " (١٦٧٥) ١: ٦٢٦ كتاب المناسك.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣١ ١) ٢: ٥٨٣ كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦ ٥ ٠ ٥ ١) ٢: ٥٧٣ كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ليس شيء من البيت مهجورًا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة. فقال معاوية: صدقت " (^١) .
ولأنهما لم يتما على قواعد إبراهيم. فلم يسن استلامهما؛ كالحائط الذي على الحجر.
(ويقول) الطائف (كلما حاذى الحجر) الأسود: (الله اكبر)؛ لما روى البخاري بإسناده عن ابن عباس قال: " طاف النبي ﷺ على بعير، كلما أتى الركن أشار بيده وكبر " (^٢) .
(و) يقول (بين الركن اليمانى وبينه) أي: وبين الحجر الأسود: «ربنا ءاتنا فى الدنيا
حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»؛ لما روى أحمد في المناسك عن عبدالله بن
السائب: " أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: (
ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) " (^٣) .
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وكل الله به - يعني: الركن اليماني- سبعون الف ملك فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. (ربناءاتنا فى الدنياحسنة وفى الأخرة حسنة وقناعذاب النار) " (^٤) .
(و) يقول (في بقية طوافه: اللهم! اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. رب! اغفر وارحم، واهدنى السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم. وأنت الأعز الأكرم).
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: " رب قني شح نفسي ".
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٥٨) ٣: ٢١٣ كتاب الحج، باب ما جاء في استلام الحجر والركن اليمانى. . . وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٧٧ ١) ١: ٧ ١ ٢
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥ ٥٣ ١) ٢: ٨٣ ٥ كتاب الحج، باب التكبير عند الركن.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٥٤٣٦ ١) ٣: ١ ١ ٤
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٥٧) ٢: ٩٨٥ كتاب المناسك، باب فضل الطواف.
[ ٤ / ١٨٣ ]
وعن عروة: " كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت ".
(ويذكر ويدعو بما (٤))؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، [ففي حالة تلبسه بهذه العبادة أولى. ويصلي على النبي ﷺ. ويدع الحديث] (^١)، إلا ذكر الله، أو قراءة القرآن، وأمرًا بمعروف، أو نهيًا (^٢) عن منكر، أو ما لا بد منه؛ لقول النبي صص: "الطواف بالبيت صلاة. فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (^٣) . (وتسن القراءة فيه) أي: في الطواف. نص عليه، وقاله الاجري.
ونقل أبو داود: أيهما أحب إليك فيه؛ قال: كل.
وقال القاضي وغيره: ولأنه صلاة وفيها قراءة ودعاء. فيجب كونه مثلها. وعنه: تكره القراءة فيه.
قال في " الترغيب ": كتغليطه مصلين.
(ولا يسن رمل، ولا اضطباع في غير هذا الطواف) المتقدم ذكره؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك.
وذكر القاضى: أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة؛ لأنهما سنة امكن قضأوها. فتقضى؛ كسنن الصلاة.
قال في " شرح المقنع " عن قول القاضي: وليس بصحيح لما ذكرنا من أن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة، ولذلك من ترك الجهر في صلاة الفجر لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة آخرى.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: ونهيًا.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٦٠) ٣: ٢٩٣ كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٩٢٢) ٥: ٢٢٢ كتاب مناسك الحج، إباحة الكلام في الطواف.
[ ٤ / ١٨٤ ]
(ومن طاف راكبًا أو محمولًا لم يُجزئه، إلا) إن كان ركوبه أو حمله (لعذر).
أما كونه لا يصح مع عدم العذر على الأصح من الروايات؛ فلأن النبي ﷺ قال: " الطواف بالبيت صلاة " (^١) .
ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر؛ كالصلاة.
وأما كونه يصح مع العذر؛ فلأن [ابن عباس روى "أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن " (^٢) . والمحجن: عصا محنية الرأس. وعن أم سلمة قالت: " شكوت إلى النبي ﷺ أنى أشتكي. فقال: طوفي
من وراء الناس وأنت راكبة " (^٣) . متفق عليهما.
وإنما طاف النبي ﷺ راكبًا لعذر. فإن] (^٤) ابن عباس روى: " أن النبي ﷺ
كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. وكان النبي ﷺ لا يضرب الناس بين يديه. فلما كثروا عليه ركب " (^٥) . رواه مسلم.
(ولا يُجزئ) الطواف (عن حامله) أي: حامل المحمول؛ لأن المقصود
هنا الفعل وهو واحد. فلا يقع عن شخصين، ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه.
ولأن الطواف عبادة أدى بها الحامل فرض غيره. فلم تقع عن فرضه؛ كالصلاة.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٠ ١) ٢: ٥٨٢ كتاب الحج، باب استلام الركن بالمحجن. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٢٧٢) ٢: ٩٢٦ كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره. . .
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧٢ ٤) ٤: ١٨٣٩ كتاب التفسير، باب تفسير سورة (والطور). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٧٦) ٢: ٩٢٧ الموضع السابق.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه مسلم في، صحيحه " (١٢٦٤) ٢: ٩٢١ كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمر ة. . .
[ ٤ / ١٨٥ ]
وصحة أخذ الحامل من المحمول الأجرة يدل على أنه قصده به؛ لأنه لا يصح أخذها عما يفعله عن نفسه. ذكره القاضي وغيره.
(إلا إن نوى) (^١) الحامل الطواف (وحده) أي: دون المحمول، (أو نويا) أي: الحامل والمحمول (جميعًا) الطواف (عنه) أي: عن (^٢) الحامل. فيُجزئ عنه؛ لخلوص قصد كل منهما بالنية للحامل.
(وسعي راكبًا) أي: وحكم السعي راكبًا (كطواف) راكبًا. نص عليه،
وذكره الخرقي والقاضي وغيرهما، وذكر الموفق إجزاء السعي راكبًا لغير عذر. (وإن طاف) طائف (على سطح المسجد، أو قصد في طوافه غريمًا، وقصد معه طوافًا بنية حقيقية لا حكمية: توجه الإجزاء. قاله في " الفروع "). وعبارته: وإن طاف على سطح المسجد توجه الإجزاء؛ كصلاته إليها.
وإن قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنية حقيقية لا حكمية توجه الإجزاء في قياس قولهم. ويتوجه احتمال كعاطس قصد بحمده قراءة. .
وفي " الإجزاء " عن فرض القراءة: وجهان.
وفي " الإنتصار " في الضرورة: أفعال الحج لا تتبع إحرامه فتتراخى عنه، وتنفرد بمكان وزمن ونية. فلو مر بعرفة أو عدى حول البيت بنيه طلب غريم أو صيد لم يجزئه، وصححه في " الخلاف " وغيره في الوقوف فقط؛ لأنه لا يفتقر إلى نية.
[وقيل له في " الإنتصار " في مسألة نية المبيت بمزدلف، ورمي الجمار، وطواف الوداع: لا يفتقر إلى نية؛] (^٣) فقال: لا نسلم ذلك. فإنه لو عدى خلف غريمه، أو رجم إنسانًا بالحصى وهو على الجمرة، أو أكره على البيتوتة بمزدلف لم يجزئه ذلك في حجه، ولكن نية الحج تشتمل على جميع أفعاله، كما تشتمل
_________________
(١) في ب: إلا أن ينوي.
(٢) ساقط من ب.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٨٦ ]
نية الصلاة على جميع أركانها وواجباتها، وهذه من الواجبات وقد شملتها نية
الحج. وهذا بخلاف البدل عن ذلك وهو الهدي فإنه لم تشمله نية (^١) الحج.
وكذا ذكره القاضي وغيره: أن نية الحج تشمل أفعاله لا البدل وهو الهدي.
وذكر غير واحد في مسألة النية: أن الحج كالعبادات؛ لتعلقه بأماكن
وأزمان. فيفتقر كل جزء منه إلى نية. إنتهت عبارته في " الفروع ".
(ويجزئ) الطواف (في المسجد من وراء حائل)؛ كالقبة وغيرها.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر
الأصحاب، وقدمه في " الفروع " وغيره؛ لأنه في المسجد.
(لا) إن طاف (خارجه) أي: خارج المسجد فإنه لا يجزئه.
قال في " الأنصاف ": لو طاف حول المسجد لم يجزئه على الصحيح من
المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
لأنه لم يرد به الشرع، ولا يحنث به من حلف لا يطوف بالبيت العتيق.
(أو منكسًا) يعني: أنه لا يجزئ طواف من طاف منكسًا وهو: أن يجعل
البيت عن يمينه؛ لأنه ﷺ قال: " خذوا عني مناسككم " (^٢) . وقد جعل
البيت (^٣) في طوافه عن يساره.
ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت. فكان الترتيب شرطًا لصحتها؛ كالصلاة.
(ونحوه) يعني: أو طاف طوافًا نحو المنكس (^٤)، كما لو طاف متقهقرًا فإنه
لايجزئ؛ لماتقدم.
(أو) طاف (على جدار الحجر) بكسر الحاء المهملة يعني: أنه لا يجزئه؛
لأن الله ﷾ يقول: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩].
_________________
(١) في أ: تشتمله بنية.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: المنكوس.
[ ٤ / ١٨٧ ]
والحِجْر منه. فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه.
ويدل لكون الحجر من البيت ما روت عائشة قالت: " سألت رسول الله ﷺ
عن الحِجْر فقال: هو من البيت " (^١) .
وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: " أن قومك استقصروا من بنيان الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منها. فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا. فهلمي لأريك ما تركو امنها. فأراها قريبًا من سبعة أذرع " (^٢) . رواهما مسلم.
(أو) طاف على (شاذروان الكعبة) وهو: ما فضل من جدارها. يعني:
أنه لا يجزئه؛ لأن ذلك من البيت. فإذا لم يطف به لم يطف بكل البيت.
(أو) طاف طوافًا (ناقصًا ولو) نقصًا (يسيرًا) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأنه
لم يطف بجميع البيت.
و" قد طاف النبي ﷺ من وراء الحجر والشاذروان (^٣) من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ".
(أو) طاف (بلا نية) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فاشترط لها النية؛ كالصلاة.
ولأن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة" (^٤) . والصلاة لا تصح بدون النية.
(أو) طاف (عريانًا) يعني: أنه لا يجزئه؛ لما روى أبو هريرة: " أن ابا بكر
بعثه في الحجة التي أمر أبا بكر عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " (^٥) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٣ ١) ٢: ٩٧٣ كتاب الحج، باب جدر الكعبة وبابها.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٣) ٢: ١ ٩٧ كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبناؤها.
(٣) في أ: من وراء الشاذروان.
(٤) سبق تخريجه ص (١٨٤) رقم (٣).
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٣ ١) ٢: ٥٨٦ كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤٧) ٢: ٩٨٢ كتاب الحج، باب لا يحج بالبيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. . .
[ ٤ / ١٨٨ ]
(أو) طاف (محدثًا، أو) طاف (نجسًا) يعني: أنه لا يجزئه؛ لما روى
ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه " (^١) . رواه الترمذي والأثرم.
ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت. فكانت الطهارة والستارة فيها شرطًا؛ كالصلاة. وعكسه الوقوف بعرفة.
ولأن النبي ﷺ قال لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير أن
لا تطوفي بالبيت " (^٢) .
ويلزم الناس في الأصح. وجزم به (^٣) ابن شهاب إنتظار الحائض لأجل الحيض فقط إن أمكن.
ونقل المروذي في المريض ببلد الغزو: يقيمون عليه؛ قال: لا (^٤) ينبغي للوالي أن يقيم عليه.
ويسن فعل المناسك كلها على طهارة. نص عليه.
(و) إن طاف المحرم (فيما لا يحل لمحرم لبسه)، كما لو طاف وهو لابس للمخيط: فإنه (يصح) طوافه (ويفدي).
قال في " الإنصاف ": لو طاف فيما لا يجوز له لبسه: صح، ولزمته الفدية. ذكره الآجري، واقتصر عليه في " الفروع ".
(ويبتدئ) الطواف من أوله (ل) وجود (حدثٍ فيه) أي: في أثنائه،
(و) ل (قطع طويل) على الأصح فيهما.
اما كونه يبتدئه للحدث فيه بتعمد أو سبق؛ فلأن الطهارة شرط فيه. وإذا
_________________
(١) سيق تخريجه ص (١٨٤) رقم (٣).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٦٧) ٢: ٥٩٤ كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١ ١٢١) ٢: ٨٧٣ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام. . .
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من ب.
[ ٤ / ١٨٩ ]
وجد الحدث بطلت.
وأما كونه يبتدئه للقطع الطويل عرفًا؛ فلأن الموالاة شرط فيه، لموالاة النبي
ﷺ بين طوافه وقال: " خذوا عنى مناسككم " (^١) .
ولأنه صلاة. فاشترطت له الموالاة؛ كسائر الصلوات.
(وإن كان) القطع (يسيرًا، أو أقيمت صلاة) وهو في أثناء الطواف، (أو حضرت جنازة) وهو في الطواف: (صلى وبنى) على ما مضى من طوافه (من الحجر) الأسود.
أما (^٢) قطعه إذا أقيمت الصلاة؛ فلقوله ﷺ: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
إلا المكتوبة " (^٣) . والطواف (^٤) صلاة فتدخل. في عموم النص.
وأما قطعه إذا حضرت جنازة؛ فلأنها تفوت بالتشاغل عنها.
وأما كونه يبتدئ الشوط من الحجر؛ (ف) لأنه (لا يعتّد ببعض شوط قطع فيه). قاله أحمد.
وحكم السعي في ذلك حكم الطواف.
(فإذا تم) طوافه (تنفل بركعتين. والأفضل: كونهما خلف المقام، و)
كون القراءة فيهما (بالكافرون و) سورة (الإخلاص بعد الفاتحة)؛ لأن جابرًا روى في صفة حجة» النبي (^٥) ﷺ قال: " حتى أتينا البيت معه استلم الركن. فرمل ثلاثًا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: (واتخذوا من مقام غبراهيم مصلى) [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت. قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي ﷺ: كان يقرأ في الركعتين: (قل هو الله
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
(٢) في أ: فأما.
(٣) أخرجه مسلم فى " صحيحه " (٠ ٧١) ١: ٤٩٣ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في أ: حج.
[ ٤ / ١٩٠ ]
أحد)، و(قل يأها الكافرون) " (^١) .
ومهما قرأ فيهما وحيث ركعهما جاز.
(وتجزئ مكتوبة عنهما) يعني: أنه يجزئ عن الركعتين المشروعتين بعد الطواف صلاة المكتوبة، لأنهما ركعتان شرعتا للنسك. فأجزأت المكتوبة، كركعتي الإحرام.
(ويسن عودة) بعد الصلاة (إلى الحجر) الأسود (فيستلمه). نص عليه أحمد؛ " لأن النبي ﷺ فعل ذلك " (^٢) . ذكره جابر في صفة حجة (^٣) النبي ﷺ. (و) يسن (الإكثار من الطواف كل وقت)، وتقدم نص الإمام أحمد: أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة.
(وله) أي: ولمن أراد الطواف (جمع أسابيع: بركعتين لكل أسبوع منها) يعني: أنه إذا فرغ من الأسابيع ركع لكل أسبوع ركعتين.
وممن فعل ذلك عائشة والمسور بن مخرمة (^٤) .
وكره ذلك مالك وأبو حنيفة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
ولأن تأخير الركعتين عن طوافهما يخل بالموالاة بينهما.
ولنا: أن الطواف يجري مجرى الصلاة، والصلاة يجوز جمعها ويؤخر ما بينهما فيصليها بعدها كذلك هذا.
وكون النبي ﷺ لم يفعله لم يوجب كراهة. فإن النبي ﷺ لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة وذلك غير مكروه بالاتفاق.
والموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين بدليل: " أن عمر صلى الركعتين بذي طوى " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبى.
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٣) في ب: حج.
(٤) ذكره البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١١١ كتاب الحج، باب القرآن بين الأسابيع.
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٩١ كتاب الحج، باب من ركع ركعتي الطواف حيث كان.
[ ٤ / ١٩١ ]
و" أخّرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة بأمر رسول الله ﷺ " (^١) .
وإن ركع لكل أسبوع ركعتين عقيبه كان أولى.
(و) لمن أراد السعي بعد طوافه (تأخير سعيه عن طوافه بطواف وغيره)؛
لأنه لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي. روي ذلك عن الحسن وعطاء.
ولا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره، وفعله القاسم وسعيد بن جبير.
ولا يصح السعي إلا بعد الطواف؛ لأنه تبع له.
(وإن فرغ متمتع) من العمرة والحج (ثم علم أحد طوافيه) أي: طوافي
العمرة والحج أنه وقع (بلا طهارة، وجهله) أي: جهل هل هو طواف العمرة أو
طواف الحج: (لزمه الأشد) في حقه؛ لتبرأ ذمته بيقين.
(وهو) أي: الأشد والأحوط: (جعله) أي: جعل الطواف الذي بلا
طهارة (للعمرة)؛ لما يترتب على ذلك.
وإذا جعلنا كونه من العمرة (فلا يحل) منها (بحلق)؛ لأنا فرضنا أن
طوافها فاسد. فكأنه حلق قبل أن يطوف للعمرة.
(وعليه به) أي: بالحلق (دم)؛ لأنه فعل محظورًا في إحرامه.
(ويصير قارنًا)؛ لأنه أدخل الحج على العمرة.
(ويجزئه الطواف للحج) أي: طواف الإفاضة (عن النسكين) أي: عن
الحج والعمرة؛ كالقارن في ابتداء إحرامه.
(ويعيد السعي)؛ لأنه وجد (^٢) بعد طواف غير معتد به؛ لأنا قدرنا كونه
وقع بغير طهارة.
(وإن جعل) الطواف الذي قدرناه بلا طهارة (من الحج) بأن جعلناه طواف
الإفاضة: (فيلزمه طوافه وسعيه) فيعيد طواف الإفاضة والسعي بعده.
(و) يلزمه مع ذلك (دم)؛ لحله قبل تمام نسكه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨٥) رقم (٣).
(٢) في ج: وجده.
[ ٤ / ١٩٢ ]
(وإن كان وفى بعد حله من عمرته) وقد فرضنا طوافها بلا طهارة: (لم يصحا) أي: لم يصح الحج ولا العمرة؛ لأنه أدخل حجًّا على عمرة فاسدة بالوطء فيها. فلم يصح، ويلغو ما فعله من أفعال الحج.
(وتحلل بطوافه الذي نواه لحجه من عمرته الفاسدة. ولزمه) دمان: (دم لحلقه، ودم لوطئه في عمرته).
والله ﷾ أعلم.
[ ٤ / ١٩٣ ]
[فصل: في السعي]
(فصل. ثم يخرج للسعي من باب الصفا. فيرقى الصفا ليرى البيت) فيستقبله، (ويكبر ثلاثًا، ويقول) ثلاثًا: (الحمد لله على ما هدانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت (^١) وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحز اب وحده).
والأحزاب: هم الذين تحزبوا على النبي ﷺ يوم الخندق، وهم قريش وغطفان واليهود.
والأصل في ذلك ما روى جابر في صفة حجة (^٢) النبي ﷺ: " أنه رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعإئر الله) [البقرة: ١٥٨]. نبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبر. وقال: وذكر ما تقدم ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات " (^٣) . لكن ليس (^٤) في حديث جابر: " يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير ". واقتصر في "الفروع " على ما في الحديث.
قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. رواه إسماعيل عن أيوب عن نافع عن
ابن عمر: " أنه كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه. فيكبر سبع مرار ثلاثًا ثلاثًا ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو فيقول:
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: حج.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ١٩٤ ]
اللهم! اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك.
اللهم! جنبني حدودك.
اللهم! اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين.
اللهم! يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. اللهم! قلت: (ادعونى استجب لكم [غافر: ٦٠] وإنك لا تخلف الميعاد.
اللهم! إنك هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى توفاني (^١) على الإسلام.
اللهم لِلَّهِ لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن.
قال: ويدعو دعاء كثيرًا حتى أنه ليملنا ونحن لشباب ".
(ويدعو بما أحب)؛ لما روى أبو هريرة: " أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى (^٢) البيت ورفع يديه. فجعل يدعو بحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو " (^٣) . رواه مسلم.
(ولا يلبي)؟ لعدم نقله.
(ثم ينزل) من الصفا (فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم) وهو: الميل
الأخضر في ركن المسجد (^٤) (نحو ستة أذرع. فيسعى ماشي سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر) وهو: الميل الأخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس.
(ثم يمشي حتى يرقى المروة) وهي في الأصل الحجارة البراقة التي يقدح
منها النار ثم صارت علمًا على المكان المعروف بطرف المسعى.
_________________
(١) في ب: تتوفاني.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٨٠) ٣: ١٤٠٦ كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة.
(٤) في ج: البيت.
[ ٤ / ١٩٥ ]
ويستقبل القبلة (فيقول كما قال على الصفا) من التكبير والتهليل والدعاء. (ويجب استيعاب ما بينهما) أي: ما بين الصفا والمروة، (فيلصق عقبه بأصلهما) أي: أصل الصفا والمروة. فمن ترك مما بينهما شيئًا ولو دون ذراع لم يجزئه سعيه.
(ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه
إلى الصفا.
يفعله) أي: يفعل الساعي ذلك (سبعًا: ذهابه سعية، ورجوعه سعية) يفتتح بالصفا ويختم بالمروة.
(فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط).
ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك.
قال أبو عبدالله: " كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، وتجا وز (^١) عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم " (^٢) .
وقال النبي ﷺ: " إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله ﷿ " (^٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (ويشترط) للسعي (نيته). قاله في " المذهب " و" المحرر "؛ لأنه عبادة. فاشترط له النية؛ كبقية العبادات.
(و) يشترط له أيضًا (موالاته) على الأصح، قياسًا على الطواف. قاله القاضي.
(و) يشترط للسعي أيضًا (كونه بعد طواف ولو) كان الطواف (مسنونًا)؛
لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف وقد قال لنا: " خذوا عني مناسككم " (^٤) .
_________________
(١) في أ: واعف.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٩٥ كتاب الحج، باب الخروج إلى الصفا والمروة والسعى بينهما والذكر عليهما.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٠٢) ٣: ٢٤٦ كتاب الحج، باب ما جاء كيف ترمى الجمار.
(٤) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
[ ٤ / ١٩٦ ]
فعلى هذا: أن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف غير متطهر أعاد السعي.
وإن سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما سعي بعد ذلك.
(وتسن موالاته) أي: موالاة الطائف والساعي (^١) (بينهما) أي: بين الطواف والسعي.
(وطهارة وسترة) يعني: أنه لا يجزئه أن يسعى عريانًا جنبًا (لا اضطباع) يعني: أنه لا يسن الاضطباع في السعي. نص أحمد على ذلك.
(والمرأة لا ترقى) الصفا ولا المروة.
(ولا تسعى سعيًا شديدًا)؛ لأن القصد في ذلك إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حقهن.
ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي ذلك تعرض للإنكشاف.
(وتسن مبادرة معتمر بذلك) أي: بالطواف والسعي؛ لما روى أبو داود قال: سمعت أحمد سئل عمن دخل مكة معتمرًا فلم يقصر حتى كان يوم التروية عليه شيء؛ قال: هذا لم يحل حتى يقصر ثم يهل بالحج، وليس عليه شيء، وبئس ما صنع.
(و) سن أيضًا (تقصيره) أي: تقصير متمتع لم يكن معه هدي من شعره
(ليحلق للحج)، ولا يحل إن كان معه هدي.
(ويتحلل متمتع لم يسق هديًا ولو لبّد رأسه)، وذلك لما روى ابن عمر قال: " تمتع الناس مع رسول الله بالعمرة إلى الحج. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: الطواف والسعى.
(٢) سيق تخريجه ص (٥٧) رقم (٢).
[ ٤ / ١٩٧ ]
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافًا.
ومن كان معه هدي فإنه يدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا. نص عليه؛ لما روت حفصة: " أنها قالت: يا رسول الله لِلَّهِ ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال (^١): إنى لبَّدت رأسي، وقلّدت هدي. فلا أحل حتى أنحر " (^٢) . متفق عليه.
وهذا التفصيل المذكور في المتمتع.
وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل. سواء كان معه هدي أو لم يكن، وسواء كان في أشهر الحج أو غيرها؛ " لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته، بعضهن في ذي القعدة " (^٣) .
وقيل: كلهن، وكان يحل منها.
ومتى كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز؛ لأن النبي ﷺ قال: " كل فجاج مكة طريق ومنحر" (^٤) . رواه أبو داود.
ومن ترك التقصير أو الحلق في عمرته ووطئ قبله فعليه دم على الأصح، وعمرته صحيحة؛ لما روي عن ابن عباس: " أنه سئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن يقصر. قال: من ترك من مناسكه شيئًا أو نسيه فليهريق (^٥) دمًا. قيل: أنها موسرة قال: فلتنحر ناقة ".
ولأن التقصير ليس بركن. فلا يفسد النسك بتركه، ولا بالوطء قبله؛ كالرمي في الحج.
_________________
(١) في أ: فقال.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٧٢) ٥: ٢٢١٣ كتاب اللياس، باب التلبيد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٢٩) ٢: ٩٠٢ كتاب الحج، باب، بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٨٦) ٢: ٠ ١٨
(٤) سبق تخريجه ص (١٤٠) رقم (٢).
(٥) في أ: فليهرق.
[ ٤ / ١٩٨ ]
(ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف).
قال أبو عبدالله: يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وبهذا قال ابن عباس، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روي عن ابن عباس يرفعه قال: " كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر
ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر " (^٢) .
ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها، وإنما يتركها إذا شرع
فيما ينافيها وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي. فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل. فينبغي أن يقطع التلبية؛ كالحاج يقطعها إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لحصول التحلل بها.
(ولا بأس بها) أي: بالتلبية (في طواف القدوم). قاله الإمام أحمد. (سرًا). قال الأصحاب: لا يظهر التلبية فيه.
وقال في " المستوعب " وغيره: لا يستحب.
ومعنى كلام القاضي: يكره.
وفي " الرعاية " وجه: يسن. والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩١٩) ٣: ٢٦١ كتاب الحج، باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٨٦) ٢: ١٨٠
[ ٤ / ١٩٩ ]
[باب: صفة الحج]
هذا (باب صفة الحج) والعمرة.
(يسن لمحل) كائن (بمكة و) ب (قربها، و) ل (متمتع حل) من عمرته: (إحرام بحج في ثامن ذي الحجة وهو: يوم التروية). [نص على ذلك] (^١) .
سمي بذلك، لأن الناس كانوا يتروون (^٢) فيه الماء لما بعده.
وقيل: لأن إبراهيم أصبح يتروى في أمر الرؤيا.
وقيل: غير ذلك.
والأصل في ذلك ما في " صحيح مسلم " وغيره في حديث جابر في صفة حج
النبي ﷺ قال: " فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى. فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله ﷺ ولاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز رسول الله ﷺ حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة. قد ضربت له بنمرة. فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له. فأتى بطن الوادي. فخطب الناس وقال: إن دمائكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا. في شهركم هذا. في بلدكم هذا. ألا لِلَّهِ إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول (^٣) دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة (^٤) بن الحارث. كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية
_________________
(١) زياده من أ.
(٢) في أ: يتزودون.
(٣) في أ: وأول.
(٤) في الأصول: ابن أبي ربيعة، وما أثبتناه من " الصحيح ".
[ ٤ / ٢٠٠ ]
موضوع. وأول ربا أضع رِبانا ربا عباس بن عبدالمطلب. فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه. فإن فعلوا ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن (^١) تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: اللهم! اشهد. اللهم! اشهد. ثلاث مرات. ثم أذن، ثم أقام. فصلى الظهر، ثم أقام. فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا. ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف. فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات. وجعل حبل المشاة بين يديه. فاستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله (^٢) ويقول [بيده اليمنى] (^٣): أيها الناس! السكينة السكينة. كلما أتى حبلا من الحبال (^٤) أرخى لها قليلًا حتى تصعد. . حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئًا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة. فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا. فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس. وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا. فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين. فطفق الفضل (^٥) ينظر إليهن.
_________________
(١) في أ: أن.
(٢) في الأصول: رجله، وما أثبتناه من " الصحيح ".
(٣) ساقط من أ.
(٤) في الأصول: جبلًا من الجبال، وما أثبتناه من " الصحيح ". والحبال: جمع حبل. وهو التل اللطيف من الرمل الضخم.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٠١ ]
فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل. فحول وجهه إلى الشق الآخرينظر. فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخرعلى وجه الفضل. فصرف وجهه من الشق الآخرينظر. حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلًا. ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة. فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف. رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غَبَرَ وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة. فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: انزعوا بني عبدالمطلب فلولا أن يغلبكم (^١) الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوًا فشرب منه " (^٢) .
قال عطاء: كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف.
وقوله (^٣): " وجعل حبل المشاة بين يديه "أي: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهًا بحبل الرمل.
ويستثنى من استحباب الإحرام بالحج يوم التروية صورة أشير إليها بقوله:
(إلا من لم يجد هديًا) وكان متمتعًا (وصام) الثلاثة أيام الذي في الحج: (ف) يستحب (^٤) له أن يحرم (في سابعه) أي: سابع ذي الحجة، ليكون صيامها في إحرام الحج.
ويسن لمن يحرم بالحج من مكة أو قربها: أن يكون إحرامه (بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، و) بعد (طواف، وصلاة ركعتين.
_________________
(١) في أ: تغلب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨ ١ ٢ ١) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ.
(٣) في أ: قوله.
(٤) في أ: ويستحب.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
ولا يطوف بعده) أي: بعد إحرامه (لوداعه) على الأصح. نقله الأثرم.
فلو طاف وسعى بعده لم يجزئه عن السعي الواجب.
(والأفضل): أن يكون إحرامه من المسجد (من تحت الميزاب). ذكره
في " المنهج " (^١) و" الإيضاح ".
وكان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق مُهِلًا بالحج. .
(وجاز وصح) أن يحرم من كان بمكة (من خارج الحرم) ولا دم عليه على
الأصح. نقله الأثرم وابن منصور، ونصره القاضي وأصحابه، وقدمه في "الفروع ". (ثم يخرج إلى منى قبل الزوال) استحبابا، (فيصلي بها الظهر مع الإمام، ثم) يقيم بها (إلى الفجر) وهو يصلي مع الإمام. (فإذا طلعت الشمس) أي: شمس يوم عرفة (سار) من منى (فأقام بنمرة إلى الزوال. فيخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتحة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة. ثم يجمع من يجوز له) الجمع (حتى المنفرد) أي: حتى من يصلي منفردًا. نص عليه، (بين الظهر والعصر، ويعجل)؛ لما روي: " أن سالمًا قال للحجاج بن يوسف يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة. فقال ابن عمر: صدق " (^٢) . رواه البخاري.
ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال.
(ثم يأتي عرفة، و) هي (كلها موقف)؛ لأن النبي ﷺ قال: " قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف " (^٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
(إلا بطن عرنة)، لقول النبي ﷺ: " كل عرفة موقف. وارفعوا عن بطن عرنة " (^٤) . [رواه ابن ماجه.
_________________
(١) في ج: " المبهج ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٨٠) ٢: ٥٩٩ كتاب الحج، باب قصر الخطبة بعرفة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٣٦ ١) ٢: ٩٣ ١ كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠١٠) ٢: ١٠٠١ كتاب المناسك، باب الموقف بعرفات.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠١٢) ٢: ١٠٠٢ الموضع السابق.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
ولا يجزئه الوقوف في بطن عرنة] (^١)، لأنه لم يقف بعرفة. أشبه ما لو وقف بمزدلفة.
(وهي) أي: وحد عرفة: (من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر.
وسن وقوفه) أي: وقوف الحاج بعرفة (راكبًا)، كما فعل النبي ﷺ حيث وقف على راحلته (^٢) .
(بخلاف سائر المناسك) أي: بقية المناسك وهذا المذهب.
وقيل: الأفضل وقوفه راجلًا. واختاره ابن عقيل.
وقال: والنبي ﷺ ركب في المناسك؛ ليعلمهم ويروه. فرؤيته عبادة.
وقيل: الراكب والراجل سواء.
قال في " الفروع ": ويتوجه تخريج الحج عليها.
وفي " الإنتصار " و" مفردات أبي يعلى الصغير " أفضلية المشي، وقاله عطاء وإسحاق وداود، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في " مثير العزم الساكن " فإنه ذكر الأخبار في ذلك، وعن جماعة من العباد.
وإن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشيًا. وذكر غيره خمسًا وعشرين، والجنائب تقاد معه.
وقال في " أسباب الهداية ": فصل في فضل الماشي. عن ابن عباس مرفوعًا: " من حج من (^٣) مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة الف حسنة ".
قال: وعن عائشة مرفوعًا: " أن الملائكة لتصافح ركبان الحج وتعتنق
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ر حديث جابر السابق ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
المشاة ". كذا ذكر هذين الخبرين.
وسن أيضًا كون الواقف بعرفات (مستقبل القبلة)، وكون وقوفه (عند الصخرات وجبل الرحمة) واسمه إلال على وزن هلال.
وذلك لقول جابر: " أن النبي ﷺ جعل بطن (^١) ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة " (^٢) .
ويقال أيضًا لجبل الرحمة: جبل الدعاء.
(ولا يُشرع صعودُه).
قال الشيخ تقى الدين: إجماعًا.-
(ويرفع) الواقف بعرفات (يديه) استحبابًا، ولا يجاوز بهما رأسه، ولا يتكلف السجع في الدعاء.
(ويكثر الدعاء) والاستغفار والتضرع والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي " (^٣) . رواه البخاري ومسلم.
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " ما على الأرض مسلم يدعو
الله بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف من السوء مثلها. ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. فقال رجل من القوم: إذًا نُكثر. قال: الله أكثر " (^٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٩٨١) ٥: ٢٣٣٥ كتاب الدعواب، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٣٥) ٤: ٩٥ ٠ ٢ كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل
(٤) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٣٥٧٣) ٥: ٥٦٦ كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ورواه الحاكم في " المستدرك " من رواية أبي سعيد] وزاد فيه [(^١): " أو يدَّخر له من الأجر مثلها " (^٢) .
ويستحب أن يكرر كل دعاء (^٣) ثلاثا.
(و) يكثر (من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري)؛ لما رواه مالك في " الموطأ " بإسناده عن طلحة بن عبيدالله بن كَريز - بفتح الكاف وآخره زاى- أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الدعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له " (^٤) . ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير " (^٥) . رواه الترمذي.
وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال [(^٦): لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قيل له: هذا ثناء وليس بدعاء؛ فقال: أما سمعت قول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفانى حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
وما في المتن موافق لما في " المقنع " و" المحرر "، وهو مًا ثور عن علي، واقتصر في " الفروع " على ما في حديث عمرو بن شعيب.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه الحاكم في " مستدركه " (١٨١٦) ١: ٦٧٠ كتاب الدعاء.
(٣) في ب: يكرر الدعاء.
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " (٣٢) ١: ١٨٨ كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٥٨٥) ٥: ٥٧٢ كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة.
(٦) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
وفي " الوجيز ": يدعو بما ورد.
ومنه: ما روي عنه ﷺ أنه دعا فقال: " اللهم! إنك ترى مكانى، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري. أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسًالة المساكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته، وذُلّ لك جسده، وفاضت لك عيناه، ورغم لك أنفه ".
وكان عبدالله بن عمر يقول: " الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. اللهم! اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى ". ويرد يديه ويسكت قدر ما كان إنسان قارئًا فاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك. ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض.
قال في " شرح المقنع ": وروينا عن سفيان الثوري قال: سمعت أعرابيًا وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي! من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك، وقلمك فيَّ سابق، وأمرك بي محيط. أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك. فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتى، وبفقري إليك وغناك عني: أن تغفر لي وترحمني. إلهي! لم أُحسن حتى أعطيتني ولم أُسئ حتى قضيت علي. اللهم! أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك. فاغفر لي ما بينهما.
اللهم! أنت أنس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم. وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف. إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصبحت على الهموم لجًات إليك استجارة بك، علمًا بأن أزمة الأمور بيدك ومصدرها عن قضائك. (ووقته) أى: وقت الوقوف بعرفة الذي يصح الحج بالوقوف فيه: (من فجر يوم عرفة، إلى فجر يوم النحر).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
قال جابر: "لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال
أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؛ قال: نعم " (^١) .
وقال مالك والشافعي: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة. واختاره
أبو حفص العكبري، " لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال " (^٢) .
ولنا: ما روى عروة بن مضرس الطائي قال: " أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله! إنى جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؛ فقال النبى ﷺ: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه " (^٣) . رواه الخمسة وصححه الترمذي ولفظه له. ورواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث.
ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة لا من غيره. فكان وقتًا للوقوف؛ كما بعد الزوال. وترك الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتًا (^٤) للوقوف، كما بعد العشاء. وإنما وقف النبي وقت الفضيلة.
(فمن حصّل) من المسلمين المكلفين الأحرار (لا مع سكر أو إغماء فيه)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٧٤ كتاب الحج، باب إدراك الحج بإدراك عرفة
(٢) ر حديث جابر السابق ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٥٠) ٢: ١٩٦ كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٩١) ٣: ٢٣٨ كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٠٤٣) ٥: ٢٦٤ كتاب مناسك الحج، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة. وأخرجه ابن ماجه قي " سننه " (٣٠١٦) ٢: ١٠٠٤ كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٣٢٦) ٤: ١ ٢٦. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " (٠ ١٧٠) ١: ٦٣٤ كتاب المناسك.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
أى: في وقت الوقوف (بعرفه و) لو (لحظة) مختارًا، (وهو) أى: الذي حصل بعرفة لحظة (أهل) بأن يكون مسلمًا حرًا بالغًا عاقلًا محرمًا بالحج (ولو) كان (مارًا) بها راجلًا أو راكبًا، (أو) مر به (نائمًا، أو) مر بها (جاهلًا أنها عرفة: صح حجه)؛ لعموم قوله ﷺ: "وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا" (^١) . ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل. فأجزاه؛ كما لو علم. (وعكسه) أى: عكس الوقوف (إحرام وطواف وسعي)؛ لأن كلا من الإحرام والطواف والسعي لا يصح إلا بنية تخصه. فلا يقال من حصل في ميقات الإحرام صار محرمًا بدون نية الإحرام، ولا من دار حول البيت سبعًا صار طائفًا بدون نية الطواف، ولامن سعى بين الصفا والمروة صارساعيًا بدون نية السعي. بخلاف الوقوف فإن من حصل بعرفة في وقت الوقوف مختارًا وهو محرم أهلٌ: صار واقفًا بدون نية الوقوف.
(ومن وقف بها) أى: بعرفه (نهارًا، ودفع قبل الغروب ولم يعد) إليها
بعد الغروب من ليلة النحر، (أو عاد) إلى عرفة (قبله) أى: قبل الغروب (ولم يقع) الغر وب (وهو بها) أى: بعرفة: (فعليه دم) أى: شاة، لأنه ترك واجبًا لا يفسد الحج بتركه؛ كالإحرام من الميقات.
وعلم مما تقدم: أنه إن عاد إليها ليلًا لا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار. فلم يجب عليه دم؛ كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه .. (بخلاف واقف ليلًا فقط) بعرفة فإنه لا دم عليه.
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم فيه خلافًا؛ لقول النبي ﷺ: " من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج " (^٢) .
ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار. فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٨) رقم (٣).
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١١٤٩٦) ١١: ٢٠٢ عن ابن عباس.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
] فصل: في الدفع إلى مزدلفة [
(فصل. ثم يدفع بعد الغروب) من عرفة مع الإمام أو الوالي أمير الحج؛
لقول أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام على طريق المأْزِمَين؛ " لأنه روي أن النبي ﷺ سلكها ".
(إلى مزدلفة)، سميت به من الزلف وهو التقرب؛ لأن الحاج إذا أفاض (^١)
من عرفات ازدلفوا إليها أى: تقربوا ومضوا إليها.
وتسمى أيضًا جَمْعًا؛ لإجتماع الناس بها.
(وهي) أى: وحَدُّ مزدلفة: (ما بين المأْزِمَين ووادي مُحَسِّر) بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة.
وعبارة " الفروع ": ما بين الجبلين ووادي محسر.
ويسن كون دفعه (بسكينة)؛ لقول جابر في حديثه: " ودفع رسول الله
وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة السكينة " (^٢) .
(مستغفرًا). قاله أبو حكيم.
(يُسرع في الفُرجة)؛ لقول أسامة: "كان رسول الله يسير الَعَنَقَ فإذا وجد فَجوة نَصَّ (^٣) . أى: أسرع؛ لأن العنق انبساط السير، والنص: فوق العنق. (فإذا بلغها) أى: بلغ مزدلفة (جمع العشائين بها) يعني: أنه يسن لمن
دفع من عرفة: أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة فيجميع بين المغرب والعشاء من يجوزله الجمع.
_________________
(١) في ب: أفاضوا.
(٢) سبق تخرلجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨٣ ٥ ١) ٢: ٠ ٠ ٦ كتاب الحج، باب السير إذا دفع من عرفة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٢٣) ٢: ١٩١ كاب المناسك، باب الدفعة من عرفه.
[ ٤ / ٢١٠ ]
(قبل حطِّ رحله)؛ لما روى أسامه بن زيد قال: " دفع رسول الله ﷺ من عرفه حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضًا فقلت له: الصلاة يا رسول الله! فقال: الصلاة أمامك. فركب. فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء. ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب. ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله. ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما " (^١) . متفق عليه.
(وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزاه)؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما؛ كالظهر والعصر بعرفة. وفعل النبي ﷺ محمول على الأفضل.
(ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة: جمع وحده) وبذلك قال مالك والشافعي؛ لفعل ابن عمر.
(ثم يبيت بها) أى: بمزدلفة على سبيل الوجوب؛ لوجوب الدم بتركه؛
" لأن النبي ﷺ بات بها " (^٢)، وقال: " خذوا عني مناسككم " (^٣) .
وقال علقمة والنخعي والشعبي: من فاته جمع فاته الحج؛ لقول الله ﷾:
ْ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)] البقرة:١٩٨].
ولقول النبي ﷺ: " ومن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا. فقد تم حجه وقضى تَفَثُه " (^٤) .
ولنا قول النبي ﷺ: "الحج عرفة. فمن جاء قبل ليلة جَمْع فقد تم حجه " (^٥) . يعني: من جاءعرفة (^٦) .
_________________
(١) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٨٨ ٥ ١) ٢: ٦٠١ كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٢٨٠) ٢: ٩٣٥ كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة.
(٢) ر حديث جابرص (رقم (٢٠٢٢».
(٣) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
(٤) سبق تخريجه ص (٢٠٨) رقم (٣).
(٥) سيأتى تخريجه ص (٢٥٤) رقم (١).
(٦) في ب: من عرفة.
[ ٤ / ٢١١ ]
وما احتجوا به من الآية والخبر قال منطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعًا. فإنه لو بات بجَمْع ولم يذكر اسم (^١) الله ﷾ ولم يشهد الصلاة صح حجه. فما هو من ضرورة ذلك أولى.
ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله ﷾ وكذلك شهود صلاة الفجر. فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر أمكنه ذلك. فيتعين حمل ذلك على الأىجاب أو الفضيلة (^٢) والاستحباب.
(وله) أى: للحاج (الدفع) من مزدلفة (قبل الإمام وبعد نصف الليل)؛
لما ورد من الرخصة في ذلك.
فروى ابن عباس قال: " كنت فيمن قدّم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة
إلى منى " (^٣) . متفق عليه.
وعن عائشة قالت: " أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة
قبل الفجر ثم مضت فأفاضت " (^٤) . رواه ابو داود.
(وفيه) أى: في الدفع من مزدلفة (قبله) أى: قبل نصف الليل (على غير
رُعاة و) غير (سُقاة: دم). سواء كان عالمًا بالحكم أو جاهلًا، وسواء كان عامدًا أو ناسيًا؛ لأنه ترك نُسكًا واجبًا. والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم. لا في جعل المعدوم كالموجود.
وإنما لم يجب على (^٥) الرعاة والسقاة دم؛ " لأن النبي ﷺ رخص للرعاة في
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: والفضيلة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٩٤) ٢: ٦٠٣ كتاب الحج، باب من قدّم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٩٣) ٢: ٩٤١ كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٤٢) ٢: ١٩٤ كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع.
(٥) في ب: على غير.
[ ٤ / ٢١٢ ]
ترك البيتوتة " (^١) . في حديث عدي (^٢) .
و" رخص للعباس في ترك البيتوتة لأجل سقايته " (^٣) .
ولأن عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم، وسقي الحاج. فكان لهم ترك المبيت بمزدلفة؛ كليالي منى.
وعنه: أن المبيت بمزدلفة ليس بواجب.
والأول المذهب.
ومحل وجوب الدم على غير الرعاة والسقاة (ما لم يعد إليها) أى: إلى مزدلفة (قبل الفجر). نص عليه. فإنه لا دم عليه؛ (كمن لم يأتها) أى: يأت مزدلفة (إلا في النصف الثاني) من الليل؛ لأنه لم يدرك فيها جزءًا من النصف الأول. فلم يتعلق به حكمه؛ كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار.
(ومن أصبح بها) أى: بمزدلفة (صلى الصبح بغَلََس)؛ لقول جابر: " أن النبي ﷺ صلى الصبح بها حين تبين له الصبح بأذان وإقامة " (^٤)
وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام.
(ثم يأتي (^٥) المشعر الحرام). سمي بذلك؛ لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَج، وهو جبل صغير بالمزدلفة (فرقى عليه) إن أمكنه، (أو وقف عنده، وحمد الله) سبحانه و(تعالى،. وهلل وكبر)؛ لما في حديث جابر: "أن النبي ﷺ أتى المشعر الحرام فرقى (^٦) عليه فحمد الله وهلله وكبره " (^٧) .
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٦٩ ٠ ٣) ٥: ٢٧٣ كتاب مناسك الحج، رمي الرعاة.
(٢) في أ: علي، وهو تصحيف
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٥٥٣) ٢: ٥٨٩ كتاب الحج، باب سقاية الحاج. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٥) ٢: ٩٥٣ كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
(٤) سبق تخريجه (٢٠٢) رقم (٢).
(٥) في أ: أتى.
(٦) في أ: ورقى.
(٧) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
[ ٤ / ٢١٣ ]
(ودعا فقال: اللهم! كما وقفْتَنا فيه، وأريْتَنا إياه فوفِّقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) ويستحب قراءته (إلى (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)] البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
ويكرر ذلك إلى أن يسفر، لأن في حديث جابر: " أن النبي ﷺ لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا " (^١) .
(فإذا أسفر جدًا سار) قبل طلوع الشمس.
قال عمر: " كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. وإن رسول الله ﷺ خالفهم فًافاض قبل أن تطلع الشمس " (^٢) . رواه البخاري.
ويكون سيره (بسكينة)، لقول ابن عباس: " ثم أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس وقال: أيها الناس! إن البر ليس (^٣) بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة" (^٤) . (فإذا بلغ مُحسِّرًا، وهو: واد بين مزدلفة ومنى. سمي بذلك " لأنه يحسر سالكه: (أسرع رميةَ حجر) أى: قدر رمية حجر إن كان ماشيًا، وإن كان راكبًا حرك دابته " لأن جابر قال في وصف حج النبي ﷺ: " أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا " (^٥) .
ويروى " أن عمر رضي الله تعالى عنه (^٦) لما أتى محسرًا أسرع وقال:
إليك نعدو قلقًا وصينها مخالفًا دين النصارى دينها
معترضًا في بطنها جنينها " (^٧)
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٠٠) ٢: ٦٠٤ كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع.
(٣) في أ: ليس البر.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٩٢ ١) ٢: ٠ ٩ ١ كتاب المناسك، باب الدفعة من عرفه.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٦) في أ: ﵁.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١٥٦٤٠) ٣: ٤١١ كتاب الحج، في الإيضاع في وادي محسِّر
[ ٤ / ٢١٤ ]
(ويأخذ حَصى الجمار سبعين) حصاة. كل واحدة (أكبر من الحمص
ودون البندق؛ كحصى الخذْف) بالخاء والذال المعجمتين.
قال في " القاموس ": الخذف، كالضرْب: رَمْيُكَ بحصاةٍ أو نواةٍ؛ أو نحوهما، تأخُذَ بين سبَّابتيكَ تخذِفُ به.
(من حيث شاء)؛ لأن ابن عباس قال: " قال رسول الله ﷺ غداه العقبة
وهو على ناقته: القُط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف. فجعل يقبضهن (^١) في كفه. ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثم قال: أيها الناس! إياكم والغلو في الدين. فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (^٢) . رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى.
و" كان ابن عمر يأخذ الحصى من جَمْع " (^٣) .
وفعله سعيد بن جبير. وقال: كانوا يتزودون الحصى من جَمْع.
وإنما استحب أن يأخذ حصى الجمار قبل أن يصل منى؛ لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي؛ لأن الرمي تحية منى، كما أن الطواف تحية المسجد. فلا
يبدأ بشيء قبله.
(وكُره) أخذ الحصى (من الحرم، ومن الحَشِّ وتكسيرُه) أى: تكسير الحصى؛ لأنه لا يؤمن في التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه.
(ولا يسن غسله) على الأصح.
قال أحمد: لم يبلغنا ان النبي ﷺ فعله.
قال في " شرح المقنع ": وهذا الصحيح، وهو قول عطاء ومالك وكثير من
أهل العلم.
_________________
(١) في "السنن ": يمضهن.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٢٩) ٢: ١٠٠٨ كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي.
(٣) أخرجه البيهقى في السنن الكبرى " ٥: ١٢٨ كتاب الحج، باب أخذ الحصى لرمى جمرة العقبة وكيفيه ذلك.
[ ٤ / ٢١٥ ]
فإن النبي ﷺ لما لقطت له الحصى وهو راكب على بعيره جعل يقبضهن في يده، ولم يغسلهن، ولا أمر بغسلهن، ولا فيه معنى يقتضيه.
(وتجزئ حصاة نجسة، و) حصاة (في خاتم إن قصدها) بالرمي.
(و) تجزئ حصاة (غير معهودة، كـ) حصاة (من مِسَنٍ وبِرَاٍم ونحوهما)؛ كمرمر، وكدّان. وسواء كانت الحصاة بيضاء أو سوداء أو حمراء أو غير ذلك.
(لا) حصاة (صغيرة جداص أو كبيرة) يعني: أنها لا تجزئ؛ " لأن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف " (^١) .
فلا يتناول ما لا يسمى حصى. والكبيرة تسمى: حجرًا.
(أو ما) أى: حصاة (رُميَ بها) يعني: أنها لا تجزئ في المنصو ص؛ لأنها استعملت في عبادة. فلا تستعمل ثانيا؛ كماء الوضوء.
ولأخذه ﷺ الحصى من غير المرمى.
ولأنه لو جاز لما احتاج إلى أخذه من غير مكانه.
(أو) كان المرمى به (غير الحصى؛ كجوهر)، وفيروزج، وزبرجد،
ويا قوت، وبلخش، وزمرد.
وكالمعادن المنطبعة؛ كفضمة (وذهب، ونحوهما)؛ كنحاس، ورصا ص وحديد.
(فإذا وصل منى. وهي) أى: وحَدَّها: (ما بين وادي محسر وجمرة العقبة.
بدأ بها) أى: بجمرة العقبة (فرماها بسبع) من الحصى، واحدة بعد واحدة. (ويُشترط الرمي فلا يُجزئ الوضع) في الرمي.
(و) يشترط (كونه) أى: كون الرمي (واحدة بعد واحدة) أى: حصاة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٤٤) ٢: ١٩٥ كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع. عن جابر ابن عبدالله ﵄
[ ٤ / ٢١٦ ]
بعد حصاة. (فلو رمى) أكثر من واحدة (دفعة فواحدة) أى: كانب الدفعة كرمي حصاة واحدة؛ " لأن النبي ﷺ رمى سبع رميات " (^١)، وقال: " خذوا عني مناسككم " (^٢) .
(ويؤدب). نقله الأثرم.
(و) يشترط أيضًا (علم الحصول) أى: حصول الحصى الذي يرميه (بالمرْمى). فلا يكفي ظن الرامي حصوله في المرمى، لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته. فلا يزول بالظن.
وعنه: يكفي ظنه.
والأول المذهب.
(فلو وقعت) الحصاة (خارجه) أى: خارج المرمى (ثم تدحرجت فيه) أى: في المرمى، (أو) رماها فوقعت (على ثوب إنسان ثم صارت فيه) أى: في المرمى (ولو بنفض غيره) أى: غير الرامي: (أجزأته)؛ لأن الرامي انفرد برميها.
(ووقته) أى: أول وقت الرمي: (من نصف الليل) من ليلة النحر؛ لما روى أبو داود عن عائشة " أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت " (^٣) .
وروي " أنه أمرها أن تُعجِّل الإفاضه وتوافي مكة مع صلاة الفجر " (^٤) . احتج به أحمد.
ولأنه وقت للدفع من مزدلفة. فكان وقتًا للرمي؛ كبعد طلوع الشمس (^٥) . (ونُدب) الرمي (بعد الشروق)؛- لقول جابر: " رأيت رسول الله ﷺ يرمي
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٢) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٤٢) ٢: ١٩٤ كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٥٣٥) ٦: ٢٩١
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢١٧ ]
الجمرة ضحى يوم النحر وحده " (^١) . أخرجه مسلم.
وما روى أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " (^٢) . فمحمول على وقت الفضيلة.
(فإن غربت) شمس ذلك اليوم الذي كان الرمي فيه ولم يرم فيه شيئا: (فـ) إنه يرمي جمار ذلك اليوم (من غد) أى: غد ذلك اليوم (بعد الزوال)؛ لقول ابن عبدالبر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها (^٣)، وإن لم يكن ذلك مستحبًا.
ولقول ابن عمر: " من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد ".
(و) ندُب أيضًا (أن يكبر) الرامي (مع كل حصاة) رماها؛ لحديث جابر:
"أن النبي ﷺ رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة" (^٤) . رواه مسلم.
(و) أن (يقول) أيضًا: (اللهم! اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا)؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان ذلك (^٥) .
وروى حنبل بإسناده عن زيد بن أسلم قال: " رأيت سالم بن عبدالله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: اللهم! اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا. فسألته عما صنع. فقال: حدثني أبي: أن النبي ﷺ رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى مثل ما قلت (^٦) ".
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٩٩) ٢: ٩٤٥ كاب الحج، باب بيان وقت استحجاب الرمي.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٩٢) ١: ٣٤٣
(٣) في أ: رماها في نهار
(٤) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٠٥١) طبعة إحياء التراث. ولفظه: ". .. اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا " عن عبدالله.
(٦) في أ: مثل ما فات، وفي ج: مثل ذلك
[ ٤ / ٢١٨ ]
(و) ندب أيضًا: أن (يستبطن الوادي، و) أن (يستقبل القبلة، ويرمي على جانبه الأيمن)؛ لما روى عبدالرحمن بن يزيد (^١): " أنه مشى مع عبدالله وهو يرمي الجمرة. فلما كان في بطن الوادي اعترضها فرماها. فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها فقال: من هاهنا والذي لا إله غيره. رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة] رماها " (^٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " لما أتى عبدالله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على جانبه الأيمن. ثم رمى بسبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة [(^٣) " (^٤) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
(ويرفع يُمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه)؛ لأن في ذلك معونة على الرمي.
(ولا يقف) عندها؛ لما روى ابن عمر وابن عباس " أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف " (^٥) . رواه ابن ماجه.
وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر (^٦) .
ولضيق المكان.
(وله رميها) أى: رمي جمرة العقبة (من فوقها)؛ " لأن عمر جاء ليرمي
_________________
(١) في الأصول: عبدالله بن يزيد. وما أثبتناه من " الصحيحين ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٦٠) ٢: ٦٢٢ كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي. وأخرجه مسلم قي " صحيحه " (١٢٩٦) ٢: ٩٤٢ كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٠١) ٣: ٢٤٥ كتاب الحج، باب ما جاء كيف ترمى الجمار.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٣٢ ٣) عن ابن عمر، و(٠٣٣ ٣) ٢: ١٠٠٩ عن ابن عباس. كتاب المناسك، باب إذا رمى جمرة العقية لم يقف عندها.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٦٤) ٢: ٦٢٣ كتاب الحج، باب إذا رمى الجمرتين يقوم ويسهل مستقبل القبلة.
[ ٤ / ٢١٩ ]
والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها ".
(ويقطع التلبية بأول الرمي) في قول الجمهور؛ لما روى الفضل بن عباس: " أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة " (^١) . أخرجاه في "الصحيحين ".
وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره. وفعل النبي ﷺ مقدم (^٢) على ماخالفه.
ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ للخبر.
وفي بعض الفاظه: " حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة ". رواه حنبل في " المناسك ".
وهذا بيان يتعين الأخذ به.
وفي رواية من روى: " أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة " (^٣): دليل على
أنه لم يكن يلبي.
ولأنه يتحلل بالرمي. فإذا شرع فيه قطع التلبية؛ كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف.
(ثم ينحر هديًا) إن كان (معه)، واجبًا كان الهدي أو تطوعًا. فإن لم يكن
معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب وأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به.
وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ: " أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٦٩) ٢: ٥٥٩ كتاب الحج، باب الركوب والارتداف في الحج. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٨١) ٢: ٩٣١ كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر.
(٢) ساقط من ب.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وأشركه في هديه " (^١) .
وإذا نحر الهدي فرَّقه على مساكين الحرم؛ لما روى أنس " أن النبى ﷺ نحر خمس بدنات. ثم قال: من شاء اقتطع " (^٢) . رواه أبو داود.
وإن قسمها فهو أحسن وأفضل؛ لأن بقسمها يتيقن إيصالها إلى مستحقها. ويكتفي المساكين تعب النهب والزحام.
ويقسم جلودها وجلالها؛ لما روى علي قال: " أمرنى النبي ﷺ أن أقوم
على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا. وقال: نحن نعطيه من عندنا " (^٣) .
وإنما يلزم قسم جلالها؛ للخبر.
ولأنه ساقها لله على تلك الصفة. فلا يأخذ شيئا مما جعله لله.
قال في " شرح المقنع ". وقال أصحابنا: لا يلزمه إعطاء جلالها؛ لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما عليه.
(ثم يحلق. وسُن استقباله) أى: أن يستقبل القبلة؛ (وبداءة بشقه الأيمن)، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ " لأن ابن عمر كان يقول للحالق (^٤): ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية ".
وكان عطاء يقول: من السنه إذا حلق أن يبلغ العظمين.
(أو يُقصِّر من جميع شعره) نص عليه.
قال في " الفروع ": قال شيخنا (لا من كل شعرة بعينها).
قال في " الإنصاف ": قلت: هذا لا يعدل عنه ولا يسع الناس غيره،
_________________
(١) سبق تخريجه صر (٢٠٢) رقم (٢).
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه " (١٧٦٥) ٢: ١٤٨ كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ.
(٣) أخرجه البخاري في " صححيحه " (١٦٣٠) ٢: ٦١٣ كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي. وأخرجه مسلم في " صححيحه " (١٣١٧) ٢: ٩٥٤ كتاب الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدى وجلودها وجلالها.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٢١ ]
وتقصير كل الشعر بحيث لا يبقى ولا شعرة مشق جدًا (^١) .
قال الزركشي: ولا يجب التقصير من كل شعرة، لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه. والأصل في ذلك قوله ﷾: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)] الفتح: ٢٧ [وهذا عام في جميع شعر الرأس.
و" لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه " (^٢) . فكان ذلك تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير فيجب الرجوع إليه.
وعنه: يجزئ حلق بعضه، وكذا تقصيره.
قال في " الإنصاف ": وظاهر كلامه في "الفروع ": أن محل الخلاف في التقصير فقط. انتهى.
وحيث قلنا يجزئه بعض رأسه: فيجزئ ما نزل عن رأسه، لأنه من شعره. بخلاف المسح، لأنه ليس رأسًا. ذكره في " الفصول " و" الخلاف ".
قال: ولا يجزئ شعر الأذن على أنه إنما (^٣) لم يجز؛ لأنه يجب تقصير جميعه.
ومن لبّد شعر رأسه أو ظفره أو عقصه. فكغيره.
ونقل ابن منصور: فليحلق. يعني: وجب عليه.
قال في " الخلاف " وغيره: لأنه لا يمكنه التقصير من كله، لاجتماعه.
قال في " شرح المقنع ": وبأى شيء قصر الشعر أجزأه، وكذلك إن نتفه أو أزاله (^٤) بنورة؛ لأن القصد إزالته. ولكن السنة الحلق أو التقصير.
(والمرأة تقصر) من شعرها (كذلك) أى: كما قلنا في الرجل الذي يقصر، لكن تقصير المرأة (أنملة فأقل)، لما روى ابن عباس مرفوعًا: " ليس على النساء حلق. إنما على النساء التقصير " (^٥) رواه أبو داود.
_________________
(١) كذا في ج، وفي أوب: يشق جدًا.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٩ ١) ٢: ٦١٦ كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال
(٣) في ب: إذا.
(٤) في ب: زاله.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٨٥ ١) ٢: ٠٣ ٢ كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
ولأن الحلق في حقهن مثله فيهن.
فعلى هذا تقصر من كل قرن قدر الأنملة.
ونقل أبو داود: تجميع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة.
وفي " منسك ابن الزاغوني ": يجب أنملة.
وقال جماعة: السنة أنملة للرجل والمرأة، ويجوز أقل.
وقوله: (كعبد) يعني: أن العبد والمرأة حكمهما سواء. فيقصر، (ولا يحلق إلا بإذن سيده)، لنقص قيمته بالحلق.
(وسن) لمن حلق أو قصر (أخذ ظفر وشارب، ونحوه) " كًاخذ شعر إبطه وعانته.
قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلََّم أظفاره.
و" كان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره ".
وكان عطاء وطاووس والشافعي يستحبون لو أخذ من لحيته شيئًا.
(و) سن كونه (لا يشارط الحلاق على أجرة). قاله أبو حكيم.
وقال: ثم يصلي ركعتين.
(وسن إمرارُ الموسَى على من عدمه) أى: عدم الشعر. روي ذلك عن
ابن عمر. وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى.
وقال ابو حنيفة: يجب " لقول النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فًاتوا منه ما استطعتم " (^١) . وهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته بإمرار الموسى على رأسه. فإذا سقط أحدهما لتعذره بقي الآخر.
ولنا: أن الحلق محله الشعر. فسقط بعدمه " كما يسقط وجوب غسل
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
العضو في الوضوء بفقده.
ولأنه إمرارٌ لو فعله حال الإحرام لم يجب به دم. فلم يجب عند التحلل، كإمراره على الشعر من غير حلق.
(تم) إذا رمى وحلق أو قصر (قد حلّ له كل شيء) كان محظورا بالإحرام، (إلا النساء) على الأصح. نص عليه في رواية الجماعة.
وقوله: إلا النساء، يشمل الوطء في الفرج، والمباشرة فيما دونه، والقبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح؛ وذلك لما روت عائشة ان النبي ﷺ قال: " إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم الطيب والثياب وكل شيء، إلا النساء " (^١) . رواه سعيد.
وقالت عائشه: " طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (^٢) متفق عليه.
وعنه: يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها.
والأول المذهب.
(والحلق والتقصير) في حق من لم يحلق (نسك) في الحج والعمرة.
(في تركهما) جميعًا (دم).
وعنه: أن كلًا منهما إطلاق من محظور لا (^٣) شيء في تركه.
والأول المذهب، لقوله ﷾: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)] الفتح: ٢٧ [
فوصفهم وامتن عليهم بذلك. فدل أنه من العبادة مع قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)] الحج: ٢٩]. قيل المراد به: الحلق.
وقيل: بقايا أفعال الحج من الرمي ونحوه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥١٤٦) ٦: ١٤٣
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٦٥) ٢: ٥٥٨ كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٨٩) ٢: ٨٤٦ كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام.
(٣) ساقط من ج.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
ولأمره ﷺ بقوله (^١): " فليقصر ثم ليحلل " (^٢) .
ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه.
و" لأنه ﷺ دعا للمحلقين وللمقصرين وفاضل بينهم " (^٣) . فلولا أنه نسك
لما استحقوا لأجله الدعاء، ولما وقع التفاضل فيه، إذ لا مفاضلة في المباح.
لا إن حلق أو قصر بعد أيام منى فإنه لا دم عليه. وإلى ذلك أشير بقوله:
(لا إن أخرهما عن أيام منى) يعني: فإنه يباح له ذلك؛ لقوله ﷾: يو ولا تخلقوا رروسصئ بئلغ الهذى محلل!) أالبقرة: ١٩٦] فبين أول وقته ولم يبين آخره. فحيث أتى به أجزأ؛ كالطواف، لكن لا بد أن يًا تي به بنية كونه نسكًا؛ كالطواف.
(أو قدم الحلق على الرمي، أو) قدم الحلق (على النحر، أو نحر) قبل رميه، (أوطاف قبل رميه) يعني: انه لا شيء عليه في شيء من ذلك؛ لما روى عطاء أن النبي ﷺ قال له رجل: " أفضت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج ". وعنه: أن النبي ﷺ قال: " من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج " (^٤) . رواهما سعيد في "سننه ".
ولما روى عبدالله بن عمرو قال: " قال رجل: يا رسول الله! حلقت قبل أن اذبح. قال: اذبح ولا حرج. فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج " (^٥) متفق عليه.
وفي لفظ قال: " فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج وذكر الحديث. قال: فما سمعته يُسًال يومئذ عن أمر بما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها، إلا قال: افعلوا (^٦) ولا حرج " (^٧) . رواه مسلم.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٧٧٠) ٥: ١٦٩ كتاب مناسك الحج، ما يفعل من حس عن الحج ولم يكن اشترط. .
(٣) عن عبداله بن عمر ﵄ أن رسول الله غي قال: " اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: والمقصرين ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٤٠) ٢: ٦١٦ كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال.
(٤) أخرج نحوه أبو داود في " سننه " (٢٠١٥) ٢: ٢١١ كتاب المناسك، باب فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه. ولفظه: عن أسامة بن شريك قال: "خرجت مع النبي ﷺ حاجًا فكان الناس يأتونه فمن قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أوقدمت شيئا أو أخرت شيئا، فكان يقول: لا حرج لا حرج ".
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٤٩) ٢: ٦١٨ كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة.=
(٦) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٠٦) ٢: ٩٤٨ كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي. في أ: افعل.
(٧) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وعن ابن عباس (^١) معنا ٥ مرفوعًا (^٢) متفق عليه.
حتى (ولو) كان (عالمًا) على الأصح. وهو قول عطاء وإسحاق؛ لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبدالله بن عمرو من رواية سفيان بن عيينة.
وقول النبي ﷺ: " ولا حرج "، يدل على أنه لا شيء عليه ولا إثم.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافًا بينهم في أن مخالفة الترتيب
لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولا تمنيع (^٣) وقوعها موقعها. وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرناه.
(ويحصل التحلل الأول بإثنين: من رمي وحلق وطواف) على الأصح.
وعنه: يحصل بالرمي وحده.
وعنه: يحصل بالطواف وحده.
والأول المذهب.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٤٨) ٢: ٦١٨ كتاب الحج، باب إذا رمى بعد ما أمسى وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧؛ ١٣) ٢: ٩٥٠ كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٣) في ب: يقع.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
قال في " الفروع ": وهل يحصل التحلل الأول باثنين من رمي وحلق وطواف؟ اختاره الأكثر، أو بواحد من رمي وطواف والثانى بالباقي؟ فيه روايتان. فعلى المذهب: لو نحر وطا ثم واقع أهله ثم رجع إلى أهله ولم يرم فعليه
دم؛ لتركه الرمي، وحجه ﷺ؛ لقول ابن عباس: " من نسي أو ترك شيئًا
من نسكه فليهريق (^١) لذلك دما " (^٢) .
(و) يحصل التحلل (الثاني: بما بقي) من الثلاث (^٣) (مع سعي) من
متمتع، أو مع سعي من مفرد وقارن إن لم يكونا سعيًا مع طواف القدوم.
(ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها
النحر والإفاضة والرمي). نص على ذلك أحمد؛ لما روى ابن عباس " أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر. يعني: بمنى " (^٤) . أخرجه البخاري.
وعن رافع بن عمرو المزنى قال: " رأيتُ رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى
حتى ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد " (^٥) .
وقال أبو امامة: " سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر " (^٦) .
وقال عبد الرحمن بن معاذ: " خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى. ففُتِحَت أسماعنا حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا. فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار " (^٧) . رواه أبو داود غير حديث ابن عباس.
_________________
(١) في أ: فليهرق.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٥٢ كتاب الحج، باب من ترك شيئا من الرمي حتى يذهب أيام منى.
(٣) في أ: الثلاثة.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٥٢) ٢: ٦١٩ كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٥٦) ٢: ١٩٨ كتاب المناسك، باب أى وقت يخطب يوم النحر.
(٦) أخرجه أبو داود في " ستنه " (١٩٥٥) ٢: ١٩٨ كتاب المناسك، باب من قال: خطب يوم النحر.
(٧) أخرجه أبو داود في "سننه " (١٩٥٧) ٢: ١٩٨ كتاب المناسك، باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى
[ ٤ / ٢٢٧ ]
ولأنه يوم تكثر فيه أفعال الحج ويحتاج إلى تعليم الناس أحكام ذلك. فاحتيج إلى الخطبة من أجله؛ كيوم عرفة.
وأما يوم الحج الأكبر فهو يوم النحر. فإن النبي ﷺ قال في خطبة (^١) يوم النحر: " هذا يوم الحج الأكبر " (^٢) . رواه البخاري.
وسمي بذلك؛ لكثرة أفعال الحج فيه: [من الوقوف بالمشعر الحرام، والدفع منه إلى منى، والرمي، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، والرجوع إلى منى ليبيت بها. وليس في غيره مثله، وهو مع ذلك يوم عيد، ويوم يحل فيه [(^٣) من أفعال. الحج.
(ثم يفيض إلى مكة فيطوف مُفرد وقارن لم يدخلاها) أى: لم يدخلا مكة (قبل) أى: قبل أن يقفا بعرفة طوافًا (للقدوم) في المنصوص (برمل)، ثم يطوف للزيارة.
(و) يطوف (متمتع) للقدوم (بلا رمل، ثم) يطوف (للزيارة). نص على ذلك.
واحتج بما روت عائشة قالت: " فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلقوا ثم طافوا (^٤) طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمره فإنما طافوا طوافًا واحدًا " (^٥)
فحمل أحمد قول عائشة جملى أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم.
ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع. فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له " كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس (^٦) بصلاة الفرض.
_________________
(١) في ب: خطبته.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٥٥) ٢: ٦٢٠ كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في الأصول: طاف. وما أثبتناه من " الصحيح ".
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٨٧٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام
(٦) في أ: التلبيس.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
واختار ذلك الخرقي وأكثر الأصحاب وخالفهم الموفق وقال: لا اعلم أحدًا
وافق أبا عبدالله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقى، بل المشروع طواف واحد
للزيارة؛ كمن فى خل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها من تحية المسجد.
ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه اللذين تمتعوا معه في حجة الوداع.
ولا أمر به النبي ﷺ أحدًا.
وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: " طافوا طوافًا واحدًا بعد أن
رجعوا من منى لحجهم " (^١) . وهذا هو طواف الزياره،] ولم تذكر طوافًا آخر.
ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة [(^٢) الذي هو ركن الحج لا يتم إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه. وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا فمن أين يستدل على طوافين؟
(وهي) أى: الزيارة التي (^٣) يضاف الطواف إليها هي: (الإفاضة) يعني:
أن هذا الطواف يسمى طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى.
ويسمى أيضًا طواف الإفاضة، لكونه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة.
(ويعيّنه) أى: يعين كونه طواف الزيارة (بالنية)؛ لحديث: " إنما
الأعمال بالنيات " (^٤) .
و"لأن النبي ﷺ سمى الطواف صلاة" (^٥) والصلاة لا تصح إلا بنيتها اتفاقا.
_________________
(١) سبق قريبا.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قو له ﷺ: " إنما الأعمال بالنية".
(٥) سبق تخريجه ص (١٨٤) رقم (٣).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
(وهو) أى: طواف الزيارة: (ركن لا يتم حج إلا به) إجماعًا. قاله ابن عبدالبر؛ لقوله ﷾: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٢٩].
وعن عائشة قالت: " حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية. فًاراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول لِلَّهِ ﷺ إنها حائض قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد (^١) أفاضت يوم النحر قال: اخرجوا " (^٢) . متفق عليه.
فعلم من هذا أنها لو لم تكن أفاضت يوم النحر كانت حابستهم. فيكون الطواف المذكور حابسًا لمن لم يًات به.
(ووقته) أى: وأول وقته: (من نصف ليلة النحر، لمن وقف) قبل ذلك بعرفات.
(وإلا) أى: وإن لم يكن وقف قبل ذلك (فبعد الوقوف.
و) فعله (يوم النحر أفضل)؛ لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ يوم النحر: " فًافاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر " (^٣) .
وقال ابن عمر: " أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر " (^٤) . متفق عليهما.
ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي فيه ركعتين ويدعو الله
﷿.
قال ابن عمر: " دخل النبى ﷺ وبلال وأسامه بن زيد البيب. فقلت لبلال:
هل صلى فيه رسول الله؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤١٤٠) ٤: ١٥٩٨ كتاب المغازي، باب حجه الوداع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٩٦٥ كتاب الحج، باب ييان وجوه الإحرام.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٤) سبق تخريجه ص (٥٧) رقم (٢). واللفظ لمسلم.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى " (^١) متفق عليه.
(وإن أخَّره) أى: أخَّر طو اف الزيارة (عن أيام منى جاز)، لأن آخر وقته
غير محدود، (ولا شيء فيه) أى: في تأخير الطواف، (كالسعي) أى: كما أنه لا شيء. في تأخير السعي.
(ثم يسعى متمتع) بين الصفا والمروة، لأن السعي الذي سعاه المتمتع إنما
كان للعمرة. فيجب عليه أن يسعى للحج.
(و) كذا يجب أن يسعى (من لم يسع مع طواف القدوم) من مفرد وقارن،
لأن السعي لا يكون إلا بعد طواف.] فإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وجب عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة. وإن كان قد سعى بعد طواف [(^٢) القدوم لم يسع. فإنه لا يستحب التطوع بالسعي، كسائر الأنساك.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافًا.
فأما الطواف فيستحب التطوع به، لأنه صلاة.
فإذا فعل ذلك فقد حصل له (^٣) التحلل الثانى، وحل له كل شيء. فلو طاف
ولم يكن سعى لم يحل حتى يسعى في الأصح.
(ثم يشرب من ماء زمزم لما أحبَّ، ويتضلع) منه، (ويرشّ على بدنه وثوبه) " لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له " (^٤)
وعن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر قال: " كنت عند ابن عباس جالسًا فجاءه رجل فقال: من أين جئت؛ قال: من زمزم. قال: فشربت منها كما
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩ ٤) ٤: ٥٩٨ ١ كتاب المغازي، باب حجة الوداع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢٩) ٢: ٩٦٦ كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٦٢) ٢: ١٠١٨ كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم.
[ ٤ / ٢٣١ ]
ينبغي؛ قال: فكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا من زمزم، وتضلَّع منها. فإذا فرغت فأحمد الله. فإن رسول الله ﷺ قال: آية (^١) ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلَّعُون من زمزم " (^٢) . رواهما ابن ماجه.
(ويقول: بسم الله. اللهم! اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك).
زاد بعضهم: وحكمتك، لأن هذا الدعاء لائق بهذا الفعل وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة، ويرجى له حصوله.
وقد ورد عن ابن عباس أنه كان إذا شرب منه يقول: " اللهم! إنى أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء " (^٣) .
قال الحاكم: صحيح الإسناد إن سلم من الجارود.
_________________
(١) كذا في ج، وفي أوب: أنه.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٦١) ٢: ١٠١٧ الموضع السابق. قال في " الزوائد ": إسناده صحيح، رجاله موثقون.
(٣) أخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٧٣٩) ١: ٦٤٦ كتاب المناسك.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
] فصل: في الرجوع إلى منى [
(فصل. ثم يرجع) من أفاض إلى مكة فطاف طواف الزيارة وسعى السعي الواجب عليه إلى منى، (فيصلي ظهر يوم النحر بمنىّ) قضاء. نقله أبو طالب، وذلك لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" (^١) . متفق عليه.
(ويبيتُ بها) أى: بمنى (ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وليلتين إن تعجل في يومين.
(ويرمي الجمرات بها) أى: بمنى (أيام التشريق، كل جمرة بسبع حصيات) على الأصح.
(ولا يجزئ رمي غير سُقاة ورُعاة إلا نهارًا بعد الزوال). وسيأتي حكم السقاة والرعاة إن شاء الله تعالى. فيعيد الرمي من رمى ليلا] أو رمى [(^٢) قبل الزوال، لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال؛ لقول جابر: " رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس " (^٣) . وقد قال النبي ﷺ: " خذوا عني مناسككم " (^٤) .
وقال ابن عمر: " كنا نتحيّن إذا زالت الشمس رمينا " (^٥)
وأى وقت رمى بعد الزوال أجزاه، إلا أن المستحب المبادرة إليها حين
الزوال.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٠٨) ٢: ٠ ٩٥ كتاب الحج، باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٥٣) ٢: ١٠١٤ كتاب المناسك، باب رمي الجمار أيام التشريق.
(٤) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٥٩) ٢: ٦٢١ كتاب الحج، باب رمي الجمار.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
(وسن) كون الرمي (قبل الصلاة) أى: صلاة الظهر؛ لقول ابن عباس:
" كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر " (^١) . رواه ابن ماجه.
فإذا زالت الشمس من أول أيام التشريق فإنه (يُبْدأ بـ) الجمرة (الأولى) وهي: (أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخَيْف. فيجعلها عن يساره)، ويكون مستقبل القبلة، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة.
(ثم يتقدم) عنها (قليلًا) إلى مكان لا يصيبه الحصى، (فيقف يدعو ويطيل) رافعا يديه.
نقل حنبل: يستحب رفع يديه عند الجمار.
(ثم) يمشي حتى يًاتي الجمرة (الوسطى. فيجعلها عن يمينه)، ويكون مستقبل القبلة، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة.
(ويقف عندها فيدعو.
ثم) يمشي حتى يأتي (جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي)، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة.
(ولا يقف عندها ويستقبل القبلة في الكل) أى: كل الجمار عند رميها.
والأصل في ذلك ما روت عائشة قالت: " أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها " (^٢) . رواه أبو داود. وعن ابن عمر: " أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، يكبر على
إثر كل حصاة، ثم يتقدم ويبتهل ويقوم قيامًا طويلًا، ويرفع يديه. ثم يرمي الوسطى ويأخذ بذات الشمال ويبتهل، ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، ثم
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٥٤) ٢: ١٠١٤ كتاب المناسك، باب رمي الجمار أيام التشريق.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٧٣ ١) ٢: ١ ٠ ٧ كتاب المناسك، باب في رمي الجمار
[ ٤ / ٢٣٤ ]
يرفع يديه ويقوم طويلًا. ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيتُ رسول الله عيلًا يفعله " (^١) . رواه البخاري. وروى أبو داود: " أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة، ويزيد: وأصلح أو أتم لنا مناسكنا ".
وقال ابن المنذر: " كان ابن عمر (^٢) وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم! اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا " (^٣) .
(وترتيبها) أى: ترتيب الجمرات وهو كونه يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم يرمي بعدها الجمرة الوسطى، ثم يرمي بعدها جمرة العقبة: (شرط) لصحة الرمي. فلو عكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزئه إلا رمي الأولى وأعاد الوسطى والقصوى. نص عليه أحمد؛ " لأن النبي رتبها في الرمي " (^٤)، وقال: " خذوا عني مناسككم " (^٥) .
ولأنه نسك متكرر. فاشترط الترتيب فيه، كالسعي.
(كالعدد) يعني: كما أن العدد شرط؛ في صحة الرمي.
والأصح من الروايات: أن عدد كل جمرة سبع حصيات، لأن النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٦٥) ٢: ٦٢٣ كتاب الحج، باب رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى
(٢) في ج: كان عمر.
(٣) سبق تخريجه ص (٢١٨) رقم (٥).
(٤) عن الزهري " أن رسول الله كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى، يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانيه فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف، ولا يقف عندها ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٦٦) ٢: ٦٢٤ كتاب الحج، باب الدعاء عند الجمرتين.
(٥) سبق تخريجه ص (٥٠) رقم (٢).
[ ٤ / ٢٣٥ ]
رمى كل جمرة بسبع حصيات. وتقدمت الأحاديث بذلك (^١) .
(فإن أخلّ) الرمي (بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية) أى: التالية (^٢) التي أخل فيها بالحصاة، حتى يكمل الجمرة التي أخل فيها بحصاة أو اكثر؛ لإخلاله بالترتيب.
(فإن جهل) الرامي (من أيّها) أى: أىّ الجمار (تُركت) الحصاة: (بنى) الرامي (على اليقين)، ليتقين براءة ذمته.
(وإن أخَّر رمي يوم ولو) كان اليوم المؤخر رميه (يوم النحر إلى غده أو أكثر، أو) أخَّر رمي (الكل إلى آخر أيام التشريق: أجزأ) الر مي (أداء)، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي. فإذا أخره من أول وقته إلى آخره أجزأه، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.
(ويجب ترتيبه) أى: ترتيب الرمي (بالنية)، كالمجموعتين والفوائت من
الصلو ات.
(وفي تأخيره) أى: تأخير الرمي (عنها) أى. عن أيام التشريق كلها (دم)، لأنه ترك نسكًا واجبًا. فيجب عليه بتركه دم؛ لقول ابن عباس: " من ترك نسكًا أو نسيه فإنه يهريق دما " (^٣) .
ولأن آخر أيام التشريق آخر وقت الرمي. فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي.
(كتوك مبيب ليلة بمنى) يعني: انه يجب بترك المبيت بمنى ليلة من لياليها
دم على الأصح، كترك مبيت ليالي منى كلها، لأن المبيت بمنى لياليها من واجبات الحج.
(وفي ترك حصاة) واحدة (ما في) حلق (شعرة) واحدة، (وفي) ترك
_________________
(١) ر. ص (٢٣٣).
(٢) في أ: الثالثة.
(٣) سبق تخريجه ص (٤٨) رقم (١).
[ ٤ / ٢٣٦ ]
(حصاتين ما في) حلق (شعرتين)، وفي أكثر من ذلك دم.
ومن كان مريضًا أو محبوسًا أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه.
قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أم يكون
في رحله؟
قال: يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يُرمى عنه (^١) . قلت: فإن ضعف
عن ذلك أيكون في رحله ويبعب من يرمي عنه؟ قال: نعم.
وقال (^٢) القاضي: المستحب أن يضع الحصى (^٣) في يد النائب؛ ليكون له عمل في الرمي. وإن أغمي على المستنيب، لم تنقطع (^٤) النيابة، وللنائب الرمي عنه؛ كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه.
(ولا مبيت) بمنى (على سُقاة ورعاة)؛ لما روى ابن عمر: " أن العباس استأذن النبى ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته. فًاذن له " (^٥) . متفق عليه.
ولما روى مالك بإسناده عن أبي البداج بن عاصم عن أبيه قال: " رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما " (^٦) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: قال.
(٣) في أ: الحصاة.
(٤) في أ: تقطع.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٥٨) ٢: ٦٢١ كتاب الحج، باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكه ليالي منى. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٦) ٢: ٩٥٣ كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق
(٦) أخرجه مالك في " الموطأ " (٢١٨) ١: ٣٢٦ كتاب الحج، باب رمي الجمار. والنص الذي ساقه المصنف هو نص الترمذي، وسياتي تخريجه. ونصه عند مالك: " أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة. خارجين عن منى. يرمون يوم النحر. ثم يرمون الغد. ومن بعد الغد ليومين. ثم يرمون يوم النفر ".
[ ٤ / ٢٣٧ ]
قال مالك: " ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر " (^١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(فإن غربت) الشمس (وهم) أى: السقاة والرعاة (^٢) (بها) أى: بمنى
(لزم الرعاة فقط المبيت) بمنى دون أهل السقاية؛ لأن الرعاة (^٣) إنما رعيهم بالنهار فإذا غربت الشمس انقضى وقت الرعي (^٤) .
وأما أهل السقاية فيسقون بالليل. وصار الرعاء كالمريض الذي يسقط عنه حضور الجمعة لمرضه. فإذا حضرها تعينت عليه.
قال في " شرح المقنع ": وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له
مال يخاف ضياعه ونحوهم؛ كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي ﷺ رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم. فوجب إلحاقهم بهم؛ لوجود المعنى فيهم. انتهى-. (ويخطب الإمام) في (ثانى أيام التشريق خطبة، يُعلمهم) فيها (حكم التعجيل والتأخير، و) حكم (توديعهم)؛ لما روي عن رجلين من بني بكر قالا: " رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أواسط أيام التشريق ونحن عند راحلته " (^٥) رواه أبو دا ود.
ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيف يودعون.
(ولغير الإمام المقيم للمناسك التعجل فيه) أى: في اليوم الثانى من أيام التشريق بعد الزوال وقبل غروب الشمس؛ لقول الله ﷾: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)] البقرة: ٢٠٣].
قال عطاء: هي للناس عامة يعني: أهل مكة وغيرهم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي فى " جامعه " (٩٥٥) ٣: ٢٨٩ كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما.
(٢) في ب وج: والرعاء.
(٣) في ب وج: الرعاء.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢ ٥ ٩ ١) ٢: ٩٧ ١ كتاب المناسك، باب أى يوم يخطب بمنى
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وروى أبو داود وابن ماجه عن يحيى بن يعمر أن رسول الله ﷺ قال: " أيام
منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه " (^١) .
قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان.
ولأنه دفعٌ من مكان. فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم؛ كالدفع من مزدلفة وعر فة.
(فإن غربت) الشمس (وهو) أى: الذي يريد التعجل (بها) أى: بمنى
(لزمه المبيت والرمي من الغد)، لأن من أدركه الليل وهو بمنى لم يتعجل في يومين.
قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: " من أدركه المساء في اليوم الثانى فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس ".
(ويسقط رميُ اليوم الثالث عن متعجل). قاله الإمام أحمد.
(ويدفن حصاه) أى: حصى اليوم الثالث.
قال في " الفروع ": في الأشهر، زاد بعضهم: في الرمي.
وفي " منسك ابن الزاغونى ": أو يرمي بهن كفعله في اللواتي قبلهن. انتهى. (ولا يضر رجوعه) إلى منى بعد ذلك " لحصول الرخصة.
قال بعض الأصحاب: ويستحب لمن نفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبلين إلى المقبرة. فيصلي به الظهر والعصم والمغرب والعشاء، ثم يهجع يسيرًا، ثم يدخل مكة.
و" كان ابن عمر يرى التحصيب سنة " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٤٩) ٢: ١٩٦ كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠١٥) ٢: ١٠٠٣ كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليله جمع.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٣١) ٢: ٩٥١ كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
قال ابن المنذر: " كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء ". وكان كثير الاتباع لسنة رسول الله ﷺ.
وكان طاووس يحصب في شعب الجوز.
وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة.
قال ابن عباس: " التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزلٌ نَزَلهُ رسول الله
ﷺ " (^١) .
وعن عائشة " إن نزول الأبطح ليس بسنة. إنما نزله رسول الله ﷺ، ليكون أسمح بخروجه إذا خرج " (^٢) . متفق عليهما.
ومن استحب ذلك، فلإتباع رسول الله فإنه كان ينزله (^٣) .
قال نافع: " كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعه، ويذكر ذلك عن رسول الله ﷺ " (^٤) . متفق عليه.
وقال ابن عمر: " كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح " (^٥) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(فإذا أتى مكة) من دفع من منى من متعجل وغيره وأراد الخروج إلى بلده أو غيرها.
قال في " الفروع ": قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٧٧) ٢: ٦٢٦ كتاب الحج، باب المحصب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٢) ٢: ٩٥٢ الموضع السابق.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٧٦) ٢: ٦٢٦ كتاب الحج، باب المحصب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١١) ٢: ٩٥١ الموضع السابق.
(٣) في ج: منزله.
(٤) أخرجه البخاري في " صححيحه " (١٦٧٩) ٢: ٦٢٧ كتاب الحج، باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة واللفظ له. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٠) ٢: ٩٥١ كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٢١) ٣: ٢٦٢ كتاب الحج، باب ما جاء في نزول الأبطح.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
على الخروج، واحتج به شيخنا على انه ليس من الحج.
(لم يخرج) أى: لم يجز له أن يخرج من مكة (حتى يودِّع البيت بالطواف، إذا فرغ من جميع أموره) إن لم يقم بمكة أو حرمها.
وطواف الوداع واجب على المذهب يجب بتركه دم (^١) .
وقال بعض العلماء: لا يجب بتركه شيء؛ لأنه يسقط عن الحائض. فلم
يكن واجبًا؛ كطواف القدوم.
والأول المذهب؛ لما روى ابن عباس قال: " أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأه الحائض " (^٢) . متفق عليه.
ولمسلم قال: " كان الناسُ ينصرفون كل وجه. فقال رسول الله ﷺ:
لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (^٣) .
وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره؛ كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها. بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطًا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. ويسمى طواف الوداع؛ لأنه (^٤) لتوديع البيت.
ويسمى طواف الصدر؛ لأنه عند صدور الناس من مكة.
وإنما كان وقته بعد فراغ الحاج من جمع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت؛
كما جرب العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه، ولذلك قال النبي ﷺ: " حتى يكون آخر عهده بالبيت " (^٥) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٦٨) ٢: ٦٢٤ كتاب الحج، باب طواف الوداع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١١) ٢: ٩٦٥ كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢٧) الموضع السابق.
(٤) ساقط من أ.
(٥) سبق قريبا.
[ ٤ / ٢٤١ ]
(وسن بعده) أى: بعد طو اف الوداع (تقبيل الحجر) الأسود (وركعتان).
إذا تقررهذا: (فإن ودَّع ثم اشتغل بـ) شيء (غير شد رحل). نص عليه، (ونحوه) أى: نحو شد الرحل، كما لو قضى حاجة في طريقه، أو اشترى [دارًا، أو] (^١) شيئا لنفسه، (او أقام) بعد ذلك: (أعاده) أى: أعاد الوداع وجوبًا " لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت. ومن أخر طواف الزيارة ونصه أو القدوم فطافه عند الخروج: أجزأه عن طواف الوداع " لأن المأمور به أن يكون اخر عهده بالبيت وقد فعل.
ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه " كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة أيضًا عن ركعتي الطواف والركعتين للإحرام.
فًاما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة، لقوله ﷺ " وإنما
لكل امرئ ما نوى " (^٢)
(فإن خرج قبل الوداع رجع) إلى الوداع من غير إحرام إن لم يكن بعد عن
مكه " لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به. أشبه من رجع لطواف الزيارة.
(ويحرم بعمرة إن بعد) عن مكة. فيلزمه طواف وسعي لإحرامه بالعمرة (^٣) وطواف لوداعه.
(فإن شق) الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة قصر، (أو بعد) عنها (مسافة قصر) فأكثر (فعليه دم) ولا يلزمه الرجوع.
ولا فرق في ذلك بين من ترك الوداع عمدًا أو خطًا لعذر أو غيره " لأنه من واجبات الحج. فاستوى عمده وخطؤه. والمعذور وغيره " كسائر واجبات الحج.
_________________
(١) ساقط من أ. وفي ج: زادًا.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٢٩) رقم (٤).
(٣) في ب: بعمرة.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
ولا يسقط الدم عمن رجع إلى الوادع بعد أن بلغ مسافة القصر عن مكة؛ لأنه
قد استقر عليه ببلوغه مسافه القصر. فلم يسقط برجوعه؛ كمن تجاوز الميقات غيرمحرم فأحرم دونه ثم رجع إلى الميقات.
وإن رجع القريب فطاف للوداع فلا دم عليه. سواء كان ممن له عذر يسقط
عنه الرجوع أو لا " لأن الدم لم يستقر عليه؛ لكونه في حكم الحاضر.
(ولا وداع على حائض ونفساء، إلا أن تطهر) الحائض أو تطهر النفساء (قبل مفارقة البنيان) أى: بنيان مكة. فيجب (^١) عليها ان تطوف للوداع.
أما كون الوداع لا يجب على الحائض؛ فلحديث صفية حين " قالوا: يا رسول الله! إنها حائض. فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! ابها قد أفاضت يوم النحر. قال: فلتنفر إذا " (^٢) .
ولم يأمرها بفدية ولا غيرها.
ولحديث ابن عباس: " إلا أنه خفف عن المرأة الحائض " (^٣) .
وأما كونه لا يجب على النفساء، فلأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط.
وأما كون الوداع يجب على الحائض والنفساء إذا طهرتا قبل مفارقة البنيان فتغتسل وتطوف للوداع؛ لأن من لم يفارق البنيان في حكم المقيم. بدليل أنه لا يستبيح الرخص.
فإن لم يمكنها ذلك لعذر؛ كخوف فوت رفقة، أو مضت لغير عذر. فعليها
دم في الصورتين.
(ثم) يسن لمن فرغ من الوداع أنه (يقف في الملتَزَم)، وذرعه أربعة أذرع. وهو: (بين الركن) الذي به الحجر الأسود (والباب) أى: باب
_________________
(١) في أ: فوجب.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٣٠) رقم (٢).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٤١) رقم (٢).
[ ٤ / ٢٤٣ ]
الكعبه. حال كونه (ملصقًا به) أى: بالملتزم (جميعه) أى: جميع بدنه، بأن يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: " طفت مع عبدالله فلما جاء دبر الكعبة قلب: ألا تتعوذ؟ [قال: نعوذ] (^١) بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب. فوضع صدره وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطًا. وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل " (^٢) رواه أبو داود.
(ويقول) وهو في هذه الحالة: (اللهم! هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك
وابن أمتك، حملتني على ما سخَّرت لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي. فإن كنت رضيتَ عني فازدَدْ عني رضى، وإلا فمُنَّ الآن) الوجه فيه ضم الميم وتشديد النون على أنه صيغة أمر من مَنَّ يمن مقصود بها (^٣) الدعاء، ويجوز كسر الميم وفتح النون على أنها حرف جر " الابتداء الغاية. والآن هو الوقف وجمعه آونة " كزمان وأزمنة.
(قبل أن تنأى) أى: تبعد (عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي) أى: زمنه، (إن اذنت لي غير مستبدِلٍ بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم! فأصحِبني) بقطع الهمزة (العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة) وهي: منع الله ﷾ عبده (^٤) من المعاصي (في ديني، وأحسن) بقطع الهمزة (منقلبي، وارزقتي طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة. إنك على كل شيء قدير.
ويدعو) بعد ذلك (بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ.
و) ذكر أحمد: أنه (^٥) (يأتي الحطيم أيضًا. وهو: تحت الميزاب) فيدعو.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٩٩) ٢: ١٨١ كتاب المناسك، باب الملتزم.
(٣) في ج: به.
(٤) ساقط من ب.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وذكر الشيخ تقي الدين: (ثم يشرب من ماء زمزم، ويستلم الحجر)
الأسود، (ويقبّله) ثم يخرج.
قال أحمد: فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت. فإذا التفت رجع فودع (^١) .
يعني: استحبابًا.
قال في " شرح المقنع ": إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلًا.
وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم انظر إلى
الكعبة ثم قل: اللهم لِلَّهِ لا تجعله آخر العهد. انتهى.
وروى حنبل عن المهاجر قال: " قلت لجابر بن عبدالله؛ الرجل يطوف
بالبيت ويصلي (^٢) . فإذا انصرف خرج ثم استقبل القبلة فقام. فقال جابر: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصارى ".
قال ابو عبدالله: أكره ذلك.
(وتدعو حائض ونفساء من باب المسجد) أى: يسن لها ذلك.
(وسُن دخوله) أى: أن يدخل من حج (البيت) أى: الكعبة (بلا خُف،
و) بلا (نعل، و) بلا (سلاح). نص على ذلك. فيكبر في نواحيه، ويصلى فيه ركعتين، ويدعو الله ﷿.
قال ابن عمر: " دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل
صلى فيه رسول الله؟ قال: نعم. قلت. أين؛ قال: بين العمودين تلقاء. وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى " (^٣) .
وقال ابن عباس (^٤): أخبرنى أسامة: " أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا فى
نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج " (^٥) . متفق عليهما.
_________________
(١) في أ: وودع.
(٢) في ب: أو يصلي.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٣١) رقم (١).
(٤) في الأصول: ابن أسامة.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨٩) ١: ٥ ٥ ١ أبواب القبلة، باب قول الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ =
[ ٤ / ٢٤٥ ]
فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية أسامة؛ لأنه مثبت وأسامة نافٍ.
ولأن أسامة كان حديث السن. فيجوز أن يكون اشتغل بالنظر إلى ما في الكعبة عن صلاة النبي ﷺ.
وإن لم يدخل البيت فلا بًاس. فإن إسماعيل بن خالد قال: قلت لعبدالله بن
أبي أوفى: " أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؛ قال: لا " (^١) . متفق عليه.
وعن عائشة: " أن النبي ﷺ خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب. فقال: إنى دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها. إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي " (^٢) .
(و) يستحب له أيضًا (زيارة قبر النبي ﷺ، وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما)؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله و: " من حج فزار قبري بعد وفاتي. فكأنما زارني في حياتي " (^٣) .
وفي رواية: " من زار قبري وجبت له شفاعتي " (^٤) . رواه باللفظ الأول سعيد.
وقال أحمد في رواية عبدالله بن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما من أحد يُسَلِّم عليَّ عند قبريَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇ " (^٥) .
قال أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط يعني: من غير طريق الشام لا يأخذ
_________________
(١) = مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)] البقر ة: ١٢٥. [ وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٠) ٢: ٩٦٨ كتاب الحج، باب استحجاب دخول الكعبة للحاج وغيره أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٢٣ ١) ٢: ٥٨٠ كتا ب الحج، باب من لم يدخل الكعبة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣٢) الموضع السابق
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٢٩) ٢: ٢١٥ كتاب المناسك، باب في الحجر.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩٢) ٢: ٢٧٨ كتاب الحج، باب المواقيت.
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩٤) الموضع السابق.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠٨٢٧ ١) ٢: ٥٢٧
[ ٤ / ٢٤٦ ]
على طريق المدينة، لأني أخاف أن يحدث به حدث. فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق (^١) ولا يتشاغل بغيره.
ويروى عن العتبي قال: "كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال:
السلام عليك (^٢) يا رسول الله. سمعت الله يقول (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: ٦٤] وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي.
ثم أنشأ (^٣) يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي. فحملتني عينيّ. فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: ياعُتبي! ألحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له " (^٤) .
ثم إذا أتى الزائر إلى (^٥) قبر النبي ﷺ (فيسلم عليه مستقبلًا له) بأن يولي ظهره
القبلة، ويستقبل وسط القبر، ويقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه وعباده، اشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلَّغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين. فصلى الله عليك كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى.
اللهم! أجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه
مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والأخرون.
اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
_________________
(١) في ب: طريق.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: أنشد.
(٤) ذكره ابن كثير في " تفسيره " ١: ٥٥٢ - ٥٥٣ نقلأ عن كتاب " الشامل " لأبي منصور الصباغ.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
اللهم! إنك قلت وقولك الحق: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: ٦٤] وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي مستشفعًا بك إلى ربي فًا سألك يا ربّ أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته.
اللهم! اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين.
ثم يتقدم قليلًا ويقول:
السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبيَّ رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه. اللهم! اجزهما عن نبيهما وعن
الإسلام خيرًا. (سنم علتوا صحبزتم فنغم عفبى الدار).
اللهم! لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك محمد ﷺ، ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين.
(ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ويدعو) بما أحب.
(ويحرُم الطواف بها) أى: بالحجرة.
قال الشيخ تقي الدين: يحرم طوافه بغير البيب العتيق اتفاقًا.
(ويكره التمسُّح) بالحجرة.
قال الشيخ تقي الدين: واتفقوا أنه لا يقبله (^١) ولا يتمسح به. فإنه من الشرك. وقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر.
(و) يكره (رفع الصوت عندها) أى: عند الحجرة؛ لقول بعض العلماء: ولا ترفع الأصوات عند حجرته ﷺ، كما لا يرفع فوق صوته؛ لأنه في التوقير والحرمة كحياته.
قال في " الفروع ": رأيته في مسائل لبعض أصحابنا.
_________________
(١) في أ: يقبل.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وفي " الفنون ": قدم الشيخ أبو عمران المدينة. فرأى ابن الجوهري الواعظ المصري يعظ. فعلًا صوته. فصاح عليه الشيخ أبو عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، والنبي ﷺ في الحرمة والتوقير بعد موته كحال حياته.
فكما لا ترفع الأصوات بحضرته حيًا، ولا من وراء حجرته. فكذا بعد موته. انزل. فنزل أين الجوهري، وفزع الناس لكلام الشيخ أبي عمران.
(وإذا توجَّه) أى: قصد المسافر الوجه الذي جاء منه بًان بلغ غاية قصده وأدار وجهه إلى بلده (هلَّل) أى: قال لا إله إلا الله، (ثم قال: آيبون) أى: راجعون (تائبون، عابدون لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحز اب وحده).
قال في " المستوعب ": وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
(فصل): في العمرة
(من أراد العمرة وهو بالحرم خرج فأحرم من الحل) وكان ميقاتًا له. (والأفضل): أن يحرم (من التنعيم)؛ " لأن النبي ﷺ أمر عبدالرحمن
ابن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم " (^١) .
وقال ابن سيرين: بلغني " أن النبي ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم ".
] وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم.
ومن أى الحل أحرم جاز.
وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم [(^٢)؛ لأنه أقرب الحل إلى (^٣) مكة.
وقد روي عن أحمد-: في المكي: كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر. (قال جعرانة) يعني: أن الأفضل في العمرة بعد الإحرام من التنعيم الإحرام
من الجِعْرانه بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، وقد تكسر العين وتشدد الراء.
وقال الشافعي: والتشديد خطأ. وهي موضع بين مكة والطائف خارج من حدود الحرم يعتمر منه. سمي (^٤) بَريْطة بنت سعد، وكانت تلقب بالجعرانة. قال في " القاموس ": وهي المراد في قوله تعالى: (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)] النحل: ٩٢].
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٢٣) ٣: ٠٨٩ ١ كتاب الجهاد والسير، باب إرداف المرأة خلف أخيها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٢) ٢: ٨٨٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ب: من ..
(٤) في ب: يسمى ..
[ ٤ / ٢٥٠ ]
(فالحديبية) يعني: أن الأفضل في العمرة بعد الإحرام من الجعرانة الإحرام
من الحديبة على وزن] دويهية. وقد تشدد. بئر قرب مكة، أو شجرة حدباء كانت هنالك على الأ صح.
(فما بعد) يعني [(^١): أنه يلي ما تقدم في الأفضليه ما بعد عن مكة.
(وحرُم) الإحرام با لعمرة (من) د اخل (الحرم، وينعقد) إحرامه، (وعليه دم) لذلك. أشبه من أحرم دون الميقات بالحج.
(ثم يطوف ويسعى) لعمرته. (ولا يحل) منها (حتى يحلق أو يقصر) على الأ صح.
(ولا بأس بها) أى: بالعمرة (في السنة مرارًا). روي ذلك عن علي] وابن عمر [(^٢) وابن عباس وأنس وعائشة؛ " لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها " (^٣) .
ولأن النبي ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (^٤) . متفق عليه.
وقال علي: " في كل شهر مرة " (^٥)
و"كان أنس إذا جِّمم رأسه خرج واعتمر" (^٦) . رواهما الشافعي في " مسنده ". (و) العمرة (في غير أشهر الحج أفضل) منها في أشهر الحج. ذكره القاضي في " الخلاف "، ونقله الأثرم وابن إبراهيم عن أحمد، وقدمه في " الفروع ". وهذا الصحيح.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٢) ٢: ٨٨٠ كتاب الحج، باب بيان جوه الإحرام
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٨٣) ٢: ٦٢٩ أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٤٩) ٢: ٩٨٣ كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة
(٥) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٩٧٦) ١: ٣٧٩ كتاب الحج، باب ما جاء في العمرة.
(٦) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٩٧٥) الموضع السابق. وفي المسند: كان أنس إذا جمم رأيته، وهو تصحيف. ومعنى جمم رأسه: كثر شعر رأسه. ر. " القاموس " مادة جمم.
[ ٤ / ٢٥١ ]
وظاهر كلام جماعه التسوية.
واختار في " الهداية " (^١): أن العمرة في أشهر الحج أفضل.
(وكُره إكثارٌ منها) أى: من العمرة على الأصح والموالاة بينها.
قال في " الفروع ": باتفاق السلف، اختاره الشيخ وغيره.
قال أحمد: إن شاء كل شهر. وقال: لا بد، يحلق أو يقصر (^٢)، وفي عشرة أيام يمكن، واستحبه جماعة.
ومن كره الحلق أطلق. انتهى.
(وهو) أى: الإكثار (برمضان أفضل)؛ لما روى ابن- عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " عمرة في رمضان تعدل حجة " (^٣) . متفق عليه.
قال أحمد: من أدرك يوما من رمضان فقد ادرك عمرة رمضان.
قال إسحاق: معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي ﷺ: " من قرأ (قل
هو ابله أحد) فقد قرأ ثلث القران " (^٤) .
وقال أنس: " حج النبي ﷺ حجة واحدة واعتمر أربع عمر: واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسَّم غنائم حنين " (^٥) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: واختاره في الهدى.
(٢) في أ: بحلق أو تقصير.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٩٠) ٢: ٦٣١ أبواب العمرة، باب عمرة في رمضان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٥٦) ٢: ٩١٧ كتاب الحج، باب فضل العمره في رمضان.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٢٧) ٤: ١٩١٦ كتاب فضائل القران، باب فضل (قل هو الله أحد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨١٢) ١: ٥٥٧ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة (قل هو الله أحد
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٧ ١) ٢: ٦٣٠ أبواب العمرة، باب كم اعتمر النبي ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه (١٢٥٣) ٢: ٩١٦ كتاب الحج، باب عدد عمر النبي ﷺ
[ ٤ / ٢٥٢ ]
(ولا يكره إحرام بها) أى: با لعمرة (يوم عرفة، و) يوم (النحر، وأيام التشريق).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من " المذهب ".
نقل أبو الحارث: يعتمر متى شاء، وذكر بعض الأصحاب رواية: يكره. انتهى.
(وتجزئ عمرُة القارن) عن عمرة الإسلام.
(و) تجزئ العمرة (من التنعيم عن عمرة الإسلام) على الأصح.
وعنه: أن عمرة القارن لا تجزئ؛ " لأن النبي ﷺ أعمر عائشة من التنعيم حين حاضت " (^١) . ولو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها لما أعمرها بعدها. ووجه المذهب: قول الصبي بن معبد: " إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأهللت بهما. فقال عمر: هديت لسنة نبيد " (^٢) .
وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي ﷺ حين حلّت منهما: " قد (^٣) حَللتِ من حجك وعُمرتك " (^٤) .
وإنما أعمرها من التنعيم؛ قصدًا لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها؛
لا لأنها كانت واجبة عليها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٤) رقم (٥)
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٩٩) ٢: ١٥٨ كتاب المناسك، باب في الإقران.
(٣) في ج زيادة: قد حللت منهما.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٣) ٢: ٨٨١ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام
[ ٤ / ٢٥٣ ]
[فصل: في أركان الحج]
(فصل. أركان الحج) أربعة:
الأول: (الوقوف بعرفة)، وهذا بالإجماع. وسنده ما روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال: " أتيت النبي ﷺ بعرفة. فجاءه نفر من أهل نجد. فقال يا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع فقد تم حجه " (^١) رواه أبو داود. وقال (^٢) محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.
(و) الثانى: (طواف الزيارة).
قال ابن عبدالبر: هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء " لقول
الله ﷾: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٢٩].
(فلو تركه) من أتى بفرائض الحج (^٣) سوى طواف الزيارة: (رجع) إلى مكة (معتمرًا) فًاتى به.
قال في " الفروع،": نقله جماعة. وصل يعقوب فيمن طاف بالحِجْر (^٤) ورجع بغداد يرجع، لأنه على بقية إحرامه. فإن وطئ أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس، وعليه دم. ونقل غيره معناه. انتهى.
(و) الثالث من أركان الحج: (الإحرام) به على الأصح، لأن الإحرام عبارة عن نية الدخول في الحج. فلم يتم بدونهما، لقوله ﷺ " إنما الأعمال
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٥٠) ٢: ١٩٦ كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفه. وأخرجه النسانى في " سننه " (٣٠١٦) ٥: ٢٥٦ كتاب مناسك الحج، فرض الوقوف بعرفه.
(٢) في ر: قال.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: في الحج.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
بالنيات " (^١) . وكبقية العبادات.
(و) الرابع من أركان الحج: (السعي) بين الصفا والمروة على الأصح،
لما روي عن عائشة قالت: " طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون- يعني: بين الصفا والمروة-. فكانت سنة .. فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة " (^٢) . رواه مسلم ..
وعن حبيبة بنت (^٣) أبي تجزئة- إحدى نساء بني عبد الدائم- قالت: " دخلت
مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين (^٤) ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني اقول: لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " (^٥) رواه ابن ماجه. ولأن السعي نسك في الحج والعمرة. فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت. (وواجباته) أى: واجبات الحج ثمانية:
الأول: (الإحرام من الميقات) المعتبر له، إنشاءٌ ودوامًا.
قال في " التلخيص ": والإنشاء أولى، لأنه ﷺ ذكر المواقيت وقال: " هن لهن، ولمن مرَّ عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة " (^٦) .
(و) الثاني من واجبات الحج: (وقوف من وقف نهارًا) بعرفة (إلى الغروب) أى: غروب الشمس من يوم عرفة، لأن من أدرك عرفة نهارًا يجب عليه أن يجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل. ولو غلبه نوم بعرفة. نقله المروذي.
(و) الثالث من واجبات الحج: (المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل:
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٢٩) رقم (٤).
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٧٧) ٢: ٩٢٨ كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به.
(٣) في الأصول: عند. وما أثبتناه من " المسند ".
(٤) كذا في ج. وفي أوب: بني حسين.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٤٠٧) ٦: ٤٢١ ولم أره في ابن ماجه.
(٦) سبق تخريجه ص (٤٤) رقم (٤).
[ ٤ / ٢٥٥ ]
إن وافاها) أى: وافى مزدلفة (قبله) أى (^١): قبل النصف (^٢) على الأصح. وعنه: أنه سنة.
(و) الرابع من واجبات الحج: (المبيت بمنى) لياليها، لفعله وأمره ﷺ بذلك ..
(و) الخامس من واجبات الحج: (الرمي) أى: رمي الجمرات.
(و) السادس] من واجبات الحج [(^٣): (ترتيبه) أى: ترتيب رمي الجمرات على الأصح.
(و) السابع من واجبات الحج: (الحلق أو التقصير) على الأصح. فأى واحد فعل منهما فقد أتى بالواجب.
(و) الثامن من واجبات الحج: (طو اف الوداع وهو: الصدر) بفتح الدال المهملة. يعني: ويسمى طواف الصدر على الصحيح. وقدم الزركشي: أن طواف الصدر هو طواف الزيارة.
وكان طواف الوداع واجبًا، لقوله ﷺ: " لا ينفرن (^٤) أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت " (^٥) رواه مسلم.
وظاهره ولو (^٦) لم يكن بمكة.
قال الأزهري: يطوف متى أراد الخروج من مكة أو منى.
وقال في " المستوعب ": لا يجب على غير الحاج.
(وأركان العمره) ثلاثة:
الأول: (إحرام) بالعمرة، لما تقدم في الإحرام بالحج.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: قيل نصف الليل.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: ينفر.
(٥) سبق تخريجه ص (٢٤١) رقم (٣)
(٦) في ب: وإذا.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
(و) الثا نى: (طو اف.
و) الثالث: (سعي)؛ لأن كلا منهما نسك في الحج والعمرة. فكان ركنًا فيهما.
(وواجبها) أى: واجب العمرة شيء واحد وهو: (حلق (^١) أو تقصير)
فمتى أتى بواحد (^٢) منهما فقد أتى بالواجب.
إذا تقرر هذا: (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه). سواء كان النسك حجًا
أو عمرة.
(ومن ترك ركنًا غيره) أى: غير الإحرام، (أو) ترك (نيته) أى: نية
ركن غير الإحرام: (لم يتم نسكه إلا به) أى: بالإتيان بالركن بنيته.
(ومن ترك واجبًا) عمدًا أو سهوًا أو جهلًا (فعليه) بتركه (دم. فإن عَدِمه)
أى: عدم الدم (فكصوم متعة) يعني: أنه يصوم كما يصوم المتمتع إذا عدم الهدي، وكالإطعام عن دم المتعة.
وفي " الخلاف " للقاضي وغيره: الحل والتقصير لا ينوب عنه ولا يتحلل
إلا به على الأصح. انتهى.
(والمسنون) من افعال الحج (كالمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف
القدوم)، ومن أفعال الحج والعمرة؛ (والرمل، والاضطباع، ونحو ذلك)؛ كإستلام الركنين، وتقبيل الحجر، والمشي، والسعى في مواضعهما، والخطبة، والأذكار، والدعاء، والصعود على الصفا والمروة، والاغتسال، والتطيب في بدنه وصلاته قبل الإحرام، وصلاته عقب الطواف، واستقبال القبلة
عند رمي الجمرات ونحو ذلك: فإن المسنون كله (لا شيء في تركه).
قال في " الفروع ": ومن ترك سنه فهدر.
قال في " الفصول " وغيره: ولم يشرع الدم عنها؛ لأن جبران الصلاة
_________________
(١) في أ: واحد وحلق.
(٢) في أ: فمن أتى بالواجب وبواحد.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
أدخل. فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره. "
ويكره تسمية من لم يحج صرورة، لقوله ﷺ: " لا صَرُورةَ في الإسلام " (^١) .
ولأنه اسم جاهلي.
وأن يقال: حجة الوداع، لأنه اسم على أن لا يعود.
قال: وأن يقال شوط، بل طوفة وطوفتان.
وقال في " فنونه ": إنه لما حج صلى بين عمودي البيت إلى أربع جهات ". لتكون الموافقة داخلة.
وسلم على قبور الأنبياء كآدم وغيره، لما روي أن بمكة ألوفًا من الأنبياء.
ولم يرجم قبر أبي لهب، لما علم من كراهة النبي ﷺ ذلك في حق أهله.
ونزل عن الظهر منذ (^٢) لاحت مكة، احتراما وإعظاما لها.
واختفى في الطواف عن الناس وأبعد عنهم.
ولم يملأ عينه فيها، ولم يشتغل بذاتها، بل باستحضار الشرف.
ولما تعلق بستورها تعلق بالعتيق، لطول ملابسته لها.
وأذَّن في الحرم مدى صوته.
وأكثر المشي فيه والصلاة؛ ليصادف بقعة فيها أثر الصالحين.
ولم يدع بسعة الرزق. بل بالصلاح.
وسلم على النبي ﷺ وعلى الأصحاب (^٣)، واعتذر لهم بالعجز (^٤) عن النهضة، ونزل في الروضة، وصلى في موضع المحراب الأول (^٥) .
وتوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، وأشار إلى قبره حينئذ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٢٩) ٢: ١٤١ كتاب المناسك، باب لا صرورة في الإسلام.
(٢) في ب: حين.
(٣) في ج: أصحابه.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في ب: في المحراب الأولى.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
ولم يعظ في الحرم؛ لإغتنام الأوقات.
وليس من تمام الحج ضرب الجمالين. خلافًا للأعمش. وحمل ابن حزم
قوله على الفسقة منهم.
ويتوجه ان يمشي ناويًا بذلك الإحسان إلى الدابة وصاحبها، وأنه في سبيل الله.
وقد " كان ابن المبارك يمشي كثيرًا. فسًاله رجل: لم تمشي؟ فلم يُرد أن يخبره. فقبض على كمه. وقال: لا أدعك حتى تخبرني، قال: فدعني حتى أخبرك. فقال: [أليس يقال في حسن الصحبة؟ قلت: بلى. قال: فإن هذا من حسن الصحبة مع الجمال [(^١) . أليس يقال: من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار؟ قلت: بلى. قال: هذا (^٢) في سبيل الله ونحن نمشي فيه. أليس يقال: إدخال السرور على المسلم صدقة؟ قلت: بلى. قال: فإن هذا الجّمال كلما مشينا يسره. قلت: بلى. قال السائل: هذا أحب إليّ من ألف درهم ". رواه الحاكم في " تاريخه ".
ويعتبر في ولاية (^٣) تسيير الحجيج كونه مطاعًا ذا رأى وشجاعة وهداية، وعليه جمعهم وترتيبهم وحراستهم في المسير والنزول والرفق بهم والنصح (^٤) . ويلزمهم طاعته في ذلك. ويصلح بين الخصمين، ولا يحكم إلا أن يفوض إليه. فيعتبر كونه من أهله.
وقال الاجري: يلزمه علم خطب الحج والعمل بها.
قال شيخنا: ومن جرد معهم وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد.- وهذا كأخذ بعض
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: فهذا.
(٣) ساقط من ب
(٤) ساقط من ب
[ ٤ / ٢٥٩ ]
الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف، ويلزم المعطي بذل ما أمر به.
وشهر السلاح عند قدوم تبوك] بدعة. زاد شيخنا: محرمة. قال: وما يذكره الجهال من حصار تبوك [(^١) كذب. فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة. فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حنين، والطائف أنتهى.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
] باب: الفوات والإحصار [
هذا (باب الفوات و) باب (الإحصار.
الفوات): [مصدر فات يفوت فَوْتًا وفَواتًا. وهو: (سبقٌ لا يٌدرك. والإحصار) [(^١) مصدر أحصره إذا حبسه. وهو: (الحبس). وأصل الحصر: المنع، يقال: أحصره فهو محصر.
(من طلع عليه فجر يوم النحر، ولم يقف بعرفة لعذر) من (حصر أو غيره) أى: غير حصر لعذر، (أوْ لا) لعذر: (فاته الحج) أى: حج ذلك العام؛ لأن وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم. النحر؛ لقول جابر: " لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك قال: نعم " (^٢) رواه الأثرم.
ولقول النبي ﷺ: " الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليله جَمْع فقد
تم حجه " (^٣): فإنه يدل على فوات الحج بخروج ليلة جَمْع.
(وانقلب إحرامه) بالحج (إن لم يختر البقاء عليه) أى: على إحرامه بالحج، (ليحج من قابل) أى: من العام القابل من غير إحرام متجدد: (عمرة) أى: إلى عمرة على الأصح.
قال في " الإنصاف ": وهذه الرواية هي المذهب. نص عليه. انتهى.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر، قارنًا وغيره؛ لأن عمرة القارن لا تلزمه
أفعالها، وإنما يمنع من عمرة على عمره إذا لزمه المضي في كل منهما.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ١٧٤ كتاب الحج، باب إدراك الحج بدراك عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٨) رقم (١).
[ ٤ / ٢٦١ ]
ويدل لانقلابه إلى العمرة " قول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما
يصنع (^١) المعتمر. ثم قد حللت. فإن أدركتَ الحج قابلًا فحج، واهد ما استيسر من الهدي " (^٢) . رواه الشافعي.
وروى البخاري (^٣) بإسناده عن عطاء مرفوعًا نحوه.
ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات. فمع الفوات أولى.
(ولا تجزئ) هذه العمرة المنقلبة (عن عمرة الإسلام) في المنصو ص
لوجوبها؛ (كمنذورة).
وعنه: لا ينقلب إحرامه ويتحلل بعمرة. اختاره ابن حامد. ذكره القاضي.
فيدخل إحرام الحج على الأولة فقط.
(ؤعلى من لم يشترط أولًا) أى: عند ابتداء إحرامه بأن لم يقل حين (^٤) ذاك:
وإن حبسني حابس فمحلي حيثما حبستني: (قضاء) الحج الذي فاته (حتى النفل) أى: وحتى ولو لم تكن الحجة التي فاتته حجة الإسلام على الأصح (^٥) . وعنه: لا قضاء عليه. إلا إن كانت الحجة التي فاتته حجة الإسلام؛ لأن
النبي ﷺ لما سئل عن الحج هل عليه أكثر من مرة واحدة؛ قال: مرة واحدة (^٦)
ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة.
ولأنه معذور في ترك إتمام حجه. فلم يلزمه القضاء؛ كالمحصر.
ولأنها عبادة تطوع. فلم يجب قضاوها إذا فاتت؛ كسائر التطوعات.
والأول: المذهب.
_________________
(١) في ب: يصنعه.
(٢) أخرجه الشافعى في " مسنده " (٩٩٠) ١: ٣٨٤ كتاب الحج، باب أحكام المحصر.
(٣) كذا في الأصول. ولعل الصواب: النجاد.
(٤) في ج: عند.
(٥) في أ: الإسلام.
(٦) سبق تخريجه ص (٩) رقم (١).
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ووجهه ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:
" من فاته عرفات فقد فاته الحج، وليتحلل بعمره، وعليه الحج من قابل " (^١) . وعموم هذا شامل للفرض والنفل.
ولأن الحج يلزم بالشروع فيه. فيصير كالمنذور. بخلاف سائر التطوعات.
وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة، وهذه إنما وجبت بإيجابه لها بالشروع فيها. فهي كالمنذورة.
وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى التفريط. بخلاف من فاته الحج. على
أن في المحصر رواية بوجوب (^٢) القضاء عليه.
ولو كان "الذي فاته الحج قارنًا حلّ وعليه مثل ما أهل به من قابل. نص عليه؛ لأنه يجب القضاء على حسب الأداء في صورته ومعناه. فيجب أن يكون هنا كذلك.
(و) على من لم يشترط أيضًا (هدي من الفوات يؤخَّر إلى القضاء) على الأصح؛ لأنه حل من إحرامه قبل إتمامه. فلزمه هدي؛ كالمحصر، والمحصر لم يفت حجه؛ لأنه يحل قبل فواته، وسواء كان ساق هديًا ام لا. نص عليه. (فإن عَدِمه) أى: عدم الهدي (زمن الوجوب صار كمتمتع)؛ لما روى الأثرم بإسناده: " أن هبار بن الأسود حج من الشام. فقدم يوم النحر. فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم عرفة. قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعًا، وإن كانت معك هدي فانحرها، ثم إذا كان قابل فاحجج فإن وجدت سعة فاهد. فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاءالله " (^٣) .
والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة؛ لحديث عمر. وحكم المتمتع والمفرد
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٢) ٢: ٢٤١ كتاب الحج، باب المواقيت.
(٢) في أ: توجب.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكجرى " ٥: ١٧٤ كتاب الحج، باب ما يفعل من فاته الحج
[ ٤ / ٢٦٣ ]
والقارن والمكي وغيره في ذلك سواء.
(وإن وقف الكل) أى: كل الناس الثامن أو العاشر من ذي الحجة بعرفات خطأ، (أو) وقف الناس (إلا يسيرًا) منهم (الثامن أو العاشر خطأ: أجزاهم). نص عليهما، لما روى الدارقطني بإسناده عن عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ: " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " (^١) .
وقد روى ابو هريرة ان رسول الله س قال: " فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون " (^٢) رواه الد ارقطني وغيره.
ولأنه لا يؤمن مثل ذلك فيما إذا قيل بالقضاء.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: وهل هو يوم عرفة باطنًا؛ فيه خلاف في مذهب أحمد. بناء على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه. وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره.
وذكر في موضيع آخر: أن عن أحمد فيه روايتين. قال: والثانى هو الصواب. فيدل عليه (^٣) أنهم لو أخطؤوا لغلط في العدد أو في الطريق ونحوه فوقفوا العاشر لم يجزئهم إجماعًا. فلو اغتفر الخطأ للجميع لاغتفر لهم في غير هذه الصورة بتقدير وقوعها. فعلم أنه يوم عرفة باطنًا وظاهرًا. يوضحه أنه لو كان هنا خطأ وصواب لا يستحب الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله السلف. فعلم أنه لا خطأ.
ومن اعتبر كون الرائي من مكة دون مسافة قصر أو بمكان لا تختلف فيه المطالع: فقول (^٤) لم يقله أحد من السلف في الحج. فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور.
ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم. لا سيما من رآه.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٣) ٢: ٢٢٣ كتاب الحج.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٥) ٢: ٢٢٤ كتاب الحج.
(٣) في أ: عليهم.-
(٤) في أ: فقوله
[ ٤ / ٢٦٤ ]
وصرح جماعة إن أخطؤوا لغلط في العدد أو في الروية أو الاجتهاد مع
الإغماء أجزأ. وهو ظاهر كلام الإمام وغيره. انتهى.
وعلم مما تقدم أنه إن (^١) كان المخطى غير الأكثر فقد فاته الحج. وعبارة غالب الأصحاب: وإن اخطأ بعضهم فقد فاته الحج.
وقال في " الانتصار ": إن أخطأ عدد يسير.
وفي " التعليق ": فيما إذا أخطؤوا القبله، قال: العدد الواحد والاثنان.
وقال (^٢) في " الكافي " و" المحرر ": إن اخطأ نفر منهم.
قال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة.
(ومن مُنِعَ البيت) أى: منع من الوصول إلى الكعبة بحيب لم يمكنه التوصل إليها بوجه ولو بعيدًا (ولو) كان منعه (بعد الوقوف) بعرفة، (أو) كان المنع (في عمرة) أى: في الإحرام بعمرة: (ذبح هديا بنية التحلل وجوبًا)؛ لقو له سبحانه وتعا لى: وان أصرتم فا آشتيسر من اقذى مهو [البقرة: ١٩٦].
و" لأن النبي ﷺ أمر أصحابه حين حصروا في الحديثية ان ينحروا ويحلقوا ويحلوا " (^٣) .
قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية.
وأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه. فوجب الهدي في صورة ما لو حصر
بعد الوقوف. أشبه ما لو حصر قبله.
ولا فرق بين الحصر العام في حق كل الحاج وبين الحصر الخا ص] في حق شخص واحد؛ مثل: أن يحبس بغير حق أو تأخذه النصو ص؛ لعموم النص [(^٤) ووجود المعنى في الكل. فإن من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه. فلا يجوز
_________________
(١) في ج: لو.
(٢) في أ: قال.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٨١) ٢: ٩٧٤ كتاب الشر وط، باب الشروط فى الجهاد
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
له التحلل، لأنه ليس بمعذور. فإذا كان عاجزًا عن أدائه فحبس بغير حق فله التحلل كما ذكرنا.
(فإن لم يجد) هديا] بًان لم يكن معه ولا يقدر عليه [(^١) (صام عشرة أيام بالنية) أى: بنية التحلل، (و) قد (حلّ) بذلك. نقله الجماعة.
(ولا إطعام فيه) أى: في الاحصار على الأصح.
وقال الاجري: إن عدم الهدي مكان إحصاره قوّمه طعامًا، وصام عن كل مدّ يومًا، وحل، وأوجب أن لا يحل حتى يصوم إن قدر. فإن صعب عليه حل ثم صام.
وظاهر ما تقدم: أن الحلق والتقصير لا يجب هنا. ويحصل التحلل بدونه وهو أحد القولين، لعدم ذكره في الآية.
ولأنه مباجح ليس بنسك خارج الحرم، لأنه مع توابع الإحرام " كالرمي
والطو اف.
وقدم في " المحرر " عدم الوجوب، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقدمه ابن رزين في " شرحه ".
وقيل: فيه روايتان مبنيتان على أنه نسك أو إطلاق من محظور. وجزم بهذه الطريقة في " الكافي "، وقدم الوجوب في " الرعاية "، واختاره القاضي في " التعليق " وغيره، وأطلق الروايتين في " الفر وع ".
(ولو نوى) المحصر (التحلُّل قبل أحدهما) أى: قبل ذبح الهدي أو صوم
من عجز عن الهدي (لم يحل)، لأن التحلل لا يحصل إلا بذبح الهدي بنية التحلل او بالصوم بنية التحلل.
فإن قيل: فلم اعتبرتم النية هنا ولم تعتبروها في غير المحصر؟
قلنا: لأن من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل من النسك بإكمالها.
فلم يحتج إلى نية .. بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
فافتقر إلى نية.
ولأن الذبح قد يكون لغير التحلل .. فلا يتخصص إلا بقصده.
(ولزمه) أى: لزم من تحلل بغير الذبح أو الصوم (دم لتحلله) في (^١) الأصح، (و) دم
(لكل محظور بعده) أى: بعد تحلله.
(ويباج تحلل) من إحرام (لحاجة) في الدفع إلى (قتال، أو) لحاجة إلى (بذل مال) كثير أو يسير لكافر (لا) لحاجة إلى بذل مال (يسير لمسلم) في الأصح.
والقتال مع كفر العدو مستحب إن قوي الصبحلمون، وإلا فترك القتال أولى. (ولا قضاء على من) أى: على محصر (تحلل قبل فوت الحج)، ويلزمه
فعل الحج في ذلك العام إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلا قضاء عليه نصا. نقلها الجماعة.
(ومثله) في عدم وجوب القضاء (من جن أو أغمي عليه). قاله في
" الانتصار ".
(ومن حصر عن طواف الإفاضة فقط) يعني: وقد رمى وحلق: (لم يتحلل حتى يطوف) للإفاضة بفعل الطواف؛ لأن إحرامه إنما هو عن النساء. والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته. فلا يثبت الحكم بماليس مثله.
ومتى زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه.
(ومن حصر عن) فعل (و (٣) لم يتحلل) في الأصح، (وعليه دم)؛
لعدم فعله، كما لو تركه اختيارا، (وحجه صحيع)؛ لتمام أركانه.
(ومن صد عن عرفة) دون البيت (في حج، تحلل بعمرة مجانا) يعني:
ولو لم يكن عليه بذلك شيء؛ لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر. فمع الحصر أولى. فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض أو فاته الحج، تحلل
_________________
(١) في أ: أى في.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
بطواف وسعي اخرين؛ لأن الأولين لم يقصد بها طواف العمرة ولا سعيها (^١) . وليس عليه أن يجدد إحراما في الأصح.
(ومن أُحصر بمرض، أو) بمقتضى (ذهاب نفقة، أو ضلَّ الطريق: بقي محرمًا حتى يقدر على البيت) على الأصح.
وعنه: لمن مرض أو ذهبت نفقته التحلل بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة اخرى " (^٢) . رواه النسائي.
ولأنه محصور فيدخل في عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)] البقره: ١٩٦ [يحققه أن لفظ: الإحصار إنما هو للمرض ونحوه، يقال: أحصره المرض إحصارًا فهو محصر، وحصره العدو فهو محصور. فيعون اللفظ صريحًا في محل النزاع، وحصر العدو مقيس عليه.
ولأنه مصدود عن البيت. أشبه من صده العدو.
والأول المذهب؛ لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حالة إلى حالة خير منها، ولا التخلص من الأذى الذي به. بخلاف حصر العدو.
و" لأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير. فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني " (^٣) .
فلو كان المرض يبيح التحلل ما احتاجت إلى شرط.
وحديث: " من كسر أو عرج فقد حل " (^٤): متروك الظاهر. فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالًا. فإن حملوه على أنه يبيح له التحلل حملناه على] ما إذا اشترط الحل. على أن في الحديث كلامًا لإبن عباس يرويه ومذهبه بخلافه.
وأما [(^٥) من ضل الطريق؛ فبالقياس على من مرض أو ذهبت نفقته. ذكره
في " المستوعب ".
_________________
(١) لم في ب: سعيهما.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٨٦١) ٥: ١٩٨ كتاب مناسك الحج، فيمن أحصر بعدو
(٣) سبق تخريجه ص (٥٤) رقم (٣).
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
(٥) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
(فإن) لم يقدر على البيت حتى (فاته الحج تحلل بعمرة) على الأصح.
نقله الجماعة.
(ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرم). نص أحمد على التفرقه بين هذا وبين من حصره عدو فيبعث ما معه من الهدي فيذبح بالحرم.
ومثل المريض في الحكم حائض تعذر مقامها وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزياره، أو لعجزها عنه أو لذهاب الرفقة. والصغير والبالغ في صوره يجب فيها القضاء سواء. لكن لا يصح قضاء الصغير إلا بعد بلوغه. نص عليه.
والحج الصحيح والفاسد (^١) في ذلك سواء. فإن حل ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام.
قال الموفق وشارح " المقنع " وجماعة من الأصحاب: وليس يتصور القضاء
في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسأله.
(ومن شرط في ابتداء إحرامه: أن محلِّي حيثُ حبستني. فله التحلل مجانا
في الجميع)؛ لأن للشرط تأثيرًا في العبادات. بدليل أنه لو قال: إن شفا الله مريضي صمت شهرًا متتابعًا أو متفرقًا كان على شرطه.
وإنما لم يلزمه هدي ولا قضاء؛ لأنه إذا شرط شرطًا كان إحرامه الذي فعله
إلى حين وجود الشرط. فصار بمنزلة من أكمل افعال الحج. ثم ينظر فى صيغة الشرط فإن قال: إن مرضت فلي أن أحل، أو إن حبسني حابس فمِحلِّي حيب حبستني فإذا حبس كان بالخيار بين التحلل وبين البقاء على الإحرام.
وإن قال: إن (^٢) مرضت فًانا حلال. فمتى وجد الشرط حل بوجوده؛ لأنه شرط صحيح. فكان على ما شرط. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
] باب: الهدي والأضاحي [
هذا (باب الهدي والأضاحي) والعقيقة (^١) .
ثم (الهدي: ما يُهدى للحرم، من نَعَم وغيرها).
وقال ابن المنجى: هو ما يذبح بمنى. سمي بذلك؛ لأنه يهدى إلى الله ﷾.
(والأُضحية) بضم الهمزة وكسرها واحدة الأضاحي. وهي: (ما يذبح من
إبل وبقر وغنم أهليَّة، أيام النحر، بسبب العيد، تقرُبًا إلى الله تعالى) .. ويقال في الأضحية: ضحية، وجمعها ضحايا.
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها. وسند الإجماع قوله سبحانه وتعا لى (^٢): (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)] الكوثر: ٢].
قال جماعة من المفسرين: المراد بذلك: التضحية بعد صلاة العيد.
وما روي: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما " (^٣) . متفق عليه.
الأملح: الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر. قاله الكسائي.
وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض.
ويستحب لمن أتى مكة ان يهدي هديا؛ " لأن النبي ﷺ أهدى في حجته مائة بدنة" (^٤) .
_________________
(١) في أ: وباب العقيقه.
(٢) في أ: قوله تعالى.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٤٥ هـ) ٥: ٢١١٤ كتاب الأضاحي، باب التكبير عند الذبح. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٦٧) ٣: ١٥٥٧ كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل كلاهما من حديث أنس.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، عن جابر بن - عبد الله ﵄.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
وقد " كان ﷺ يبعث بالهدي إلى مكة ويقيم بالمدينة " (^١) .
(ولا تجزئ) الأضحية (من غيرهن) أى: من غير الإبل والبقر والغنم الأهلية.
(والأفضل) في الأضحية: (إبل فبقر فغنم إن أخرج كاملًا) أى: إن ضحى ببدنة أو بقرة كاملة. فتكون الشاة أفضل من شرك في بدنة أو بقرة؛ لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته كله. ثم يلي ذلك شرك في بدنة ثم شرك في بقرة؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من اغتسل يوم الجمة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " (^٢) . متفق عليه.
ولأن الأضحية ذبح يتقرب به إلى الله ﷾. فكانت البدنة فيه أفضل؛ كالهدي.
ولأنها أكثر ثمنًا ولحمًا، وأنفع (^٣) للفقراء.
و" لأن النبي ﷺ سُئل: أى: الرقاب أفضل؛ فقال: أغلاها ثمنًا، وانفسها عند أهلها " (^٤) .
والإبل أغلى ثمنًا وأنْفَس من الغنم والبقر.
(و) الأفضل (من كل جنس: أسمن. فأغلا ثمنا)؛ لقوله ﷾: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)] الحج: ٣٢].
قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦١١) ٢: ٦٠٨ كتاب الحج، باب قتل القلائد للبدن والبقر.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨٤١) ١: ٣٠١ كتاب الجمعه، باب فضل الجمعه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٥٠) ١: ٥٨٢ كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٣) في أ: ولأنها أنفع.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٢٣) ٢: ٨٤٣ كتاب العتق، باب العتق.
[ ٤ / ٢٧١ ]
ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر لنفعها.
(فأشهب) يعني: أن الأفضل في الألوان الأشهب، (وهو: الأملح وهو الأبيض أو ما بياضه أكثر من سواده)، لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت: قال رسول الله ﷺ: " دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين " (^١) . رواه أحمد بمعناه.
وقال أبو هريرة: " دم بيضاء (٤) إلىَّ الله من دم سوداوين ".
ولأنه لون أضحية النبي ﷺ.
(فأصفر فأسود) يعني: أن كل ما كان أحسن لونًا فهو أفضل.
(و) أفضل (من ثني معز: جذع ضأن) وهو: ما له ستة أشهر؛ لقول أحمد: لا تعجبني الأضحيه إلا بالضًان.
ولأن الجذع من الضًان أطيب لحمًا من ثني المعز.
(و) افضل (من سُبع بدنة أو) سُبع (بقرة: شاة) من المعز.
(و) أفضل (من إحداهما) أى: من البدنة أو البقرة: (سبع شياه.
و) أفضل (من المغالاة: تعدد في جنس) على الأصح.
سأله ابن منصور: بدنتان سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة؛ قال: بدنتان أعجب (^٢) إلى.
(وذكر كأنثى)، لأن الله ﷾ قال: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ)] الحج: ٣٤ [، وقال: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) [الحج: ٣٦ [، ولم يقل ذكرًا ولا أنثى.
وممن أجاز ذكران الإبل في الهدي ابن المسيب وعمر بن عبدالعزيز وعطاء ومالك والشافعي.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٣٩٣) ٢: ١٧ ٤ عن أبي هريرة. ولفظه: قال رسول الله ﷺ: " دم عفراء أحب إليَّ من دم سوداوين ".
(٢) في ج: أحب.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وقد ثبت: " أن النبي ﷺ أهدى جملًا كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة " (^١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
قال أحمد: الخصي أحب إلينا من النعجة؛ لأن لحمه أوفر وأطيب.
قال الموفق: والكبش في الأ صحية أفضل النعم؛ لأنها أضحية النبي ﷺ.
(ولا يجزئ) في الأضحية (دون جذع ضأن) وهو: (ما له ستة أشهر). ويدل لإجزائه (^٢) ما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: " يجزئ الجذع من الضأن أضحية " (^٣) . رواه ابن ماجه.
والهدي مثله.
وإنما يجزئ الجذع من الضأن ولا يجزئ من المعز؛ لأن الجذع من الضًان ينزو فيلقح. بخلاف الجذع من المعز. قاله إبراهيم الحربي.
ويُعرف ذلك بنوم الصوفة (^٤) على ظهره.
قال الخرقي: سمعت أبي يقول: سًالت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قالوا: لا تزال الصوفه قائمة على ظهره ما دام حملًا. فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع.
(و) لا يجزئ دون (ثني معز). وهو: (ما له سنة) كاملة؛ لأنه قبل ذلك لا يلقح.
(و) لا يجزئ دون (ثني بقر). وهو: (ما له سنتان).
(و) لا يجزئ دون (ثئي إبل). وهو: (ماله خمس سنين) كوامل.
قال الأصمعي وأبو زيد الكلابي وأبو زيد الأنصاري: إذا مضت السنة الخاممسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني، ونرى أنه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٤٩) ٢: ١٤٥ كتاب المناسك، باب في الهدي. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٠٠) ٢: ١٠٣٥ كتاب المناسك، باب الهدي من الإناث والذكور.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " ستنه " (٣١٣٩) ٢: ٠٤٩ ١ كتاب الأضاحي، باب ما تجزئ من الأضاحي.
(٤) في ب: الصوف
[ ٤ / ٢٧٣ ]
إنما سمي ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيته.
(وتجزئ شاة عن واحد، و) عن (أهل بيته وعياله). نص على ذلك.
قال صالح: قلت لأبي: يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم.
لا بًاس. قد " ذبح النبي ﷺ كبشين فقال: بسم الله. هذا عن محمد وأهل بيته. وقرَّب الآخر وقال: بسم الله. اللهم! هذا منك ولك عمَّن وحدَّك من أمتي " (^١) .
ويدل لذلك ما روى أبو أيوب قال: " كان الرجل فى عهد رسول الله يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته فيًاكلون ويطعمون " (^٢) .
قال في " شرح المقنع ": حديث صحيح.
(و) تجزئ (بدنة أو بقرة عن سبعة) في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك
عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة.
ويدل لذلك ما روى جابر قال: " نحرنا بالحديبية مع النبي عييه البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة " (^٣) .
وفي لفظ: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما " (^٤) .
وفي لفظ: " فنذبح البقرة عن سبعة. نشترك فيها " (^٥) . رواه مسلم.
(ويُعتبر ذبحها) أى: ذبح البدنة أو البقره (^٦) (عنهم). نص عليه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٢٢) ٢: ١٠٤٣ كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله ﷺ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٩٢٧) ٦: ٢٢٥
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٠٥) ٤: ٩١ كتاب الأضاحى، باب ما جاء أن الشاة الواحده تجزئ عن أهل البيت.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٨) ٢: ٩٥٥ كتاب الحج، باب الاشتراك فى الهدي
(٤) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣١٨) ٢: ٩٥٦ الموضع السابق.
(٦) في أ: والبقرة.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
ومحل ذلك: إذا أرادوا كلهم القربة.
وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم جاز. نص عليه، وإلى ذلك أشير بقوله: (وسواء أرادوا) كلهم (قُربة، أو بعضهم) قربة، (وبعضهم لحمًا، أو كان بعضهم ذميًا)؛ لأن الجزء المجزئ لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القربة، كما لو اختلفت جهات القُرَب بأن أراد بعضهم المتعة والآخر القران. ولأن القسمة هنا إفراز حق وليست بيعًا.
ولأن أمر النبي ﷺ بالإشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منهما دليل
على تجويز القسمة، إذ به يتمكن من الأكل، وكذلك الصدقه والهدية. (ويجزئ فيهما) أى: في الهدي والأضحية (جّماء) في الأصح، وهي:
التي (^١) لم يخلق لها قرن.
(و) يجزئ فيهما أيضًا (بتراء)، وهي: التي لا ذنب لها. سواء كان خلقة أو مقطوعًا.
والصمعاء بالصاد والعين المهملتين وهي: الصغيرة الأذن.
(وخصي) وهو (^٢): ما قطعت خصيتاه أو سُلَّتا.
(ومرضوض الخصيتين)؛ " لأن النبي ﷺ ضحى بكبش موجوئين " (^٣) .
والرجاء: رض الخصيتين.
ولأن الخصاء إذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويسمن.
قالط الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه.
(و) يجزئ أيضًا في الهدي والأضحية من الإبل والبقر والغنم (ما خُلق بلا أذن، أو ذهب نصف أليته. لا) العوراء التي هي (بينة العور، بأن انخسفت عينها) فإنها لا تجزئ في الهدي ولا الأضحية.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: وهي.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٧٦١) ٥: ١٩٦
[ ٤ / ٢٧٥ ]
(ولا قائمة العينين مع ذهاب إبصارهما)؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفقتها ويمنع مشاركتها في العلف.
ولأن في (^١) النهي عن العوراء تنبيه على العمياء.
(ولا عجفاء لا تَنْقى، وهي: الهزيلة التي لا مُخَّ فيها، ولاعَرْجاء لاتُطيق
مشيا مع صحيحة. ولا بيِّنة المرض).
والأصل في ذلك ما روى البراء بن عازب قال: " قام فينا رسول الله ﷺ فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلفها، والعجفاء التي لا تنقى " (^٢) . رواه أبو داود والنسائى.
ولأن العين عضو مستطاب. فانخسافها نقص.
أما لو كان على عينها بياض ولم تذهب لم يمنع ذلك إجزاءها؛ لأن عورها
ليس بين، ولا ينقص ذلك لحمها.
(ولا) تجزئ (جِدَاء. وهي: الجدباء، وهي: ما شاب ونَشِف ضَرْعها)؛ لأن هذا أبلغ من الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين.
(ولا هَتْماء. وهي: التي ذهبت ثناياها من أصلها). ذكره جماعة.
وقال " التلخيص ": هو قياس المذهب.
(ولا عَصْماء). وهي (ما انكسر غِلافُ قرنها). قاله في
" المستوعب " و" التلخيص ".
(ولا) يجزئ (خصي مجبوب). نص على ذلك. وجزم به في
" التلخيص "، وقدمه في " الرعاية الكبرى ".
قال في " المستوعب " و" الحاويين " و" الرعاية الصغرى " وغيرهم:
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢ ٢٨٠) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٣٦٩) ٧: ٢١٤ كتاب الضحايا، ما نهى عته من الأضاحى: العوراء.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
ويجزئ الخصي غير المجبوب.
(ولا عضْبَاء) وهي: (ما ذهب أكثرُ أُذنها أو) أكثر (قرنها)؛ لما روي
عن علي قال: " نهى النبي ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن. قال قتادة: ذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: العضب النصف أو أكثر من ذلك " (^١) . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وقال أحمد: العضباء ما ذهب أكثر أذنها أو قرنها. نقله حنبل وغيره؛ لأن الأكثر كالكل. وهذا المذهب.
ونقل أبو طالب: أن العضب ذهاب (^٢) النصف فأكثر من الأذن أو القرن.
(وتُكره مَعيبتَهما) أى: معيبة الأذن أو القرن (بخرق أو شق، أو قطع نصف) منهما (فأقل)؛ لما روى علي قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نَسْتَشْرِفَ العين والأذن، ولا نضحي بمقابَلَة، ولا مُدَابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن. قلت:. فما المدابرة؟ قال: تقطع من مؤخر الأذن. قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن. قلت: فما الخرقاء؟ قال: تُخَْرقُ أذنها للسمة " (^٣) . رواه أبو دا ود. وقا ل القاضي: الخرقاء: التي (^٤) انتقبت (^٥) أذنها. والشرقاء: التي تشق أذنها وتبقى كالشتاخين. وهذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها؛ لأن اشتراط السملامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله.
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٥ ٢٨٠) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٠٤) ٤: ٩٠ كتاب الأضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن. وأخرجه النسائي في! سننه " (٤٣٧٧) ٧: ١٧ ٢ كتاب الضحايا، العضباء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٤٥) ٢: ١٠٥١ كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (١١٥٨) ١: ١٣٧
(٢) في أ: ذاهب.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤ ٢٨٠) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا.
(٤) في أ: هي التي.
(٥) في ب: أنقبت.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
(وسُنّ نحر الإبل قائمة، معقولة يدُها اليسرى). وصفه نحرها: (بأن
يطعنها) بحربة أو نحوها (في الوَهْدة) وهي المحل الذي (بين أصل العنق والصدر) من الإبل؛ لما روى زياد بن جبير قال: " رأيت ابن عمر أتى على
رجل أناخ بدنة لينحرها. فقال: ابعثها قائمة مقيدة. سنة محمد ﷺ " (^١) . متفق عليه.
وروى أبو داود باسناده عن عبدالرحمن بن سابط: " أن النبي ﷺ وأصحابه
كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها " (^٢) .
وفي قول الله ﷾: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)] الحج: ٣٦ [: دليل على
أنها تنحر قائمة.
وقيل في تفسير قوله ﷾: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)] الحج:
٣٦ [أى: قيامًا. لكن إن خشي عليها تنفر أناخها.
(و) سُنّ (ذبح لقر وغنم على جنبها الأيسر، مُوجهة إلى القبلة). قال الله
سبحانه وتعا لى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)] البقرة: ٦٧].
وروى أنس: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين ذبحهما بيده " (^٣) .
فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح: جاز وأبيح-؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح.
ولأن النبي ﷺ قال: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " (^٤) .
وقد روي عن أحمد: أنه توقف في أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر.
والأول المذهب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٢٧) ٢: ٦١٢ كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٣٢) ٢: ٩٥٦ كتاب الحج، باب نحر البدن قيامًا مقيدة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٦٧) ٢: ١٤٩ كتاب الماسك، باب كيف تنحر البدن.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٧٠) رقم (٣).
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٥٦) ٢: ٨٨١ كتاب الشركة، باب قسمة الغنم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٦٨) ٣: ١٥٥٨ كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وكره ابن عمر وابن سيرين الأكل من الذبيحة إذا وجهت لغير القبلة.
والصحيح خلافه، لأنه لم يقم على وجوب ذلك دليل.
(ويسمي حين يحرِّك يده بالفعل) وجوبًا. وسيأتي حكم ما إذا نسي التسمية
في باب الذكاة.
(ويكبر) استحبابًا (ويقول: اللهم! هذا منك ولك)، لما روى ابن عمر:
" أن النبي ﷺ ذبح يوم العيد كبشين. ثم قال حين وجههما: وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. بسم الله والله أكبر. اللهم! هذا منك ولك " (^١) . رواه أبو داود.
فإن اقتصر على التسمية ترك الأفضل، وأجزأه.
(ولا بأس بقوله) أى: أن يقول: (اللهم! تقبل من فلان). نص عليه،
لما روي أن النبي ﷺ قال: " اللهم! تقبل من محمد وآل محمد، وأمة محمد. ثم ضحى " (^٢) . رواه مسلم.
قال في " الفروع ": وذكر بعضهم يقول: اللهم! تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، وقاله شيخنا. وأنه إذا ذبح قال: وجهت وجهي إلى قوله: وأنا من المسلمين.
(ويذبح واجبًا) من هدي وأضحية (قبل) ذبح (نفل) منهما.
(وسن إسلامُ ذابح)، لأن الأضحية قربة. فينبغي أن لا يًا تيها إلا أهل القربه. فإن استناب ذميا في ذبحها أجزأت مع الكراهية. وهذا المذهب-
وعن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم.
(وتولِّيه) أى: تولي المضحي الذبح (بنفسه أفضل). نص عليه، " لأن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٩٥) ٣: ٩٥ كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٦٧) ٣: ١٥٥٧ كتاب الأضاحي، باب استحباب الأضحية.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" (^١) .
"ونَحَرَ البدن التى أمسكها بيده، ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثًا
وستين بدنة بيده " (^٢) .
ولأن فعل الذبح قربة، وتولي القربه بنفسه أولى من الاستنابة فيها.
والاستنابة في ذلك جائزة. فإن النبي ﷺ استناب في نحر ما بقى من بدنه (^٣) . (ويحضر إن وكّل) يعني: أنه يسن له إن وكّل في الذبح أن يحضره؛ لأن
في حديث ابن عباس الطويل: " واحضروها إذا ذبحتم. فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها ".
وروي " أن النبي ﷺ قال لفاطمة: أحضري أضحيتك يغفر لك بًا ول قطرة
من دمها " (^٤) . نص. عليه.
(وتعتبر نيته) أى: نية الموكِّّل (إذًا) أى: عند التوكيل في الذبح. (إلا
مع التعيين) أى: تعيين الأضحية بًان تكون معينة. فلا تعتبر النية، كما (لا) تعتبر (تسمية المضحى عنه) اكتفاء بالنية.
(ووقت ذبح أضحية، وهدي نذر أو تطوع، و) هدي (متعة وقران: من
بعد اسبق صلاة العيد بالبلد) لمن صلى، (أو) من بعد (قدرها) أى: قدر الصلاة (لمن لم يصل) بعد حل الصلاة. يعني: أنه متى دخل وقت صلاة العيد على من بالقرى والأمصار. فدخول وقت الذبح على من فيها بتمام أسبق صلاة
بالبلد. ولا فرق في ذلك بين من شهدها مع من صلى ومن لم يشهدها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٧٠) رقم (٣).
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجه النبي ﷺ.
(٣) هو طرف من الحديث السابق.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٢٨٣ كتاب الضحايا، باب ما يستحب للمرء من ان يتولى ذبح نسكه أو يشهده. وأخرجه الحاكم في " المستد رك " (٧٥٢٥) ٤: ٢٤٧ كتاب الأضاحي.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
واما أهل البوادي من أصحاب الطنب والخركاوات ونحوهم ممن
لا يصلون. فدخول وقت الذبح في حقهم بمضي قدر ما تفعل فيه الصلاة بعد حلها. وليس لمن بالمصر أو بقرية يصلى فيها صلاة العيد أن يذبح قبل الصلاة حتى تزول الشمس.
(فإن فاتت) الصلاة (بالزوال ذبح) بعده.
والأصل في ذلك ما روى جندب بن عبدالله البجلي أن النبي ﷺ قال: " من
ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " (^١) .
وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: " من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " (^٢) . متفق عليه.
وقال الخرقي ومن تبعه: لا يدخل وقت الذبح إلا بمضي قدر الصلاة والخطبه.
قال في " الفروع ": ووقته بعد صلاة العيد وأسبقها بالبلد.
وعنه: والخطبة.
وقال الخر قي وغيره: قدرهما. وهو رواية.
وعنه: لا يجزئ قبل الإمام. قيل: لمن ببلده. وجزم به في " عيون المسائل ".
وإن فات العيد بالزوال ضَحّى إذًا.
وقال ابن عقيل: يتبع الصلاة قضاء، كما يتبع إذا ما لم يؤخر عن أيام الذبح. فيتبع الوقب ضروره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٨١) ٥: ٢٠٧١ كتاب الذبائح والصيد، باب قول النبي ﷺ: " فليذبح على اسم الله ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٩٤) ١: ٣٣٤ كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٦١) ٣: ١٥٥٣ كتاب الأضاحي، باب وقتها.
[ ٤ / ٢٨١ ]
والمقيم بموضع لا يلزمه قدر ذلك على الخلاف.
وفي " الترغيب ": هو كغيره في الأصح. انتهى.
ويستمر وقت الذبح (إلى آخر ثاني) أيام (التشريق). فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده.
قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ.
وفي رواية: قال: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ؛ " لأنه ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث " (^١) .
ويستحيل أن يباج ذبحها في وقت يحرم أكلها فيه.
ونسخ أحد الحكمين وهو الادخار لا يلزم منه رفع الآخر وهو إجزاء الذبح
فيما زاد على الثلاثة أيام.
وفي " الأيضاح ": إلى آخر أيام التشريق.
والأول المذهب.
(و) الأضحية (في أولها) أى: أول (^٢) أيام الذبح وهو يوم العيد (فما يليه) أى: يلي يوم العيد (أفضل).
قال في " الإنصاف ": قلت: وأفضل اليوم الأول عقيب الصلاة والخطبة وذبح الإمام إن كان. انتهى.
(ويجزئ) ذبح الأضحية (في ليلتيهما) أى: ليلتي اليوم الأول واليوم الثانى من أيام التشريق على الأصح؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، وداخل في مدة الذبح. فجاز فيه؛ كالأيام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٢٤٩) ٥: ٢١١٥ كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحى وما يتزود منها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٧٢) ٣: ١٥٦٢ كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
(فإن فات الوقت) أى: وقت الذبح على من عليه و (٣) لعدم ذبحه في وقته (قُضيَ الواجب) وفعل به (كالأداء) أى: كما يفعل به لو ذبحه في الوقت.
ولا يسقط ذبحه (^١) بفوات] الوقت؛ لأن الذبح أحد مقصودي الأضحية.
فلا يسقط بفوات [(^٢) وقته؛ كما لو ذبحها في الوقت ولم يفرقها حتى خرج الوقت.
(وسقط التطوع) بخروج وقت الذبح؛ لأن المحصل للفضيلة الزمان وقد فات. فلو ذبحه وتصدق به كان لحمًا تصدق به لا أضحية في الأصح. قاله في " التبصرة ".
(ووقت ذبح واجب) وجب (بفعل محظور من حينه) أى: من حين فعل المحظور.
(وإن فعله) أى: أراد فعل محظور (لعذر) في فعله: (فله ذبحه) أى:
ذبح ما يجب بفعل المحظور الذي يريد أن يفعله لعذر (قبله) أى: قبل فعل المحظور.
(وكذا ما) أى: وكذا دم (وجب لترك واجب) يعني: أنه يكون وقت ذبحه عند ترك الواجب.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
] فصل: في بيان ما يتعين به الهدي [
(فصل. ويتعين هَدي بـ: هذا هدي) أى بقوله: هذا هدي؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب. فوجب أن يترتب عليه مقتضاه.
(أو) بـ (تقليده) بنية الهدي، (أو) بـ (إشعاره بنيته) أى: نية الهدي؛
لأن الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ إذا كان الفعل يدل على المقصود؛ كمن بنى مسجدًا وأذن للناس فى الصلاة فيه.
(و) تتعين (أضحية بـ: هذه أضحية) أى بقوله: هذه أضحية. فتصير واجبة بذلك؛ كما يعتق العبد بقول سيده: هذا حر.
(أو) بمو له: هذه (لله، ونحوه)؛ كقو له: هذا (^١) صد قة (فيهما) أى:
في الهدي والأضحية.
(لا بنيته) يعني: أنه لا يصير الهدي بنية كونه هديًا (حال الشراء)؛ لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة. فلم تؤثر فيه النية المقارنة للشراء؛ كالعتق والو قف.
وقيل: بلى.
قال صاحب " المحرر ": وهو ظاهر كلام أحمد فيما نقله عنه الحسن بن
ثو اب (^٢) وأبو الحارب.
(ولا بسوْقه مع نيته) أى: مع نية كونه هديًا من غير تقليد أو إشعار؛ (كإخراجه) أى: كإخراج ذي مال (مالًا للصدقة به) فإن التصدق به لا يكون واجبًا للخبر فيه.
_________________
(١) في ج: هذه.
(٢) كذا في ج. وفي أوب: أيوب.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وقدم في " المستوعب ": لا تعيين إلا بقول. وكذا في " الرعاية " وقال: وقيل: أو بالنية فقط.
وقيل: مع تقليد وإشعار.
قال في " الفروع ": وهو سهو.
(وما تعين) من هدي وأضحية (ونقل الملك فيه وشراء خير منه) على الأصح نصًا. نقله الجماعة عن أحمد، واختاره الأكثر؛ " لأن النبي ﷺ ساق في حجته مائة بدنة، وقدم علي من اليمن فأشركه في بدنه " (^١) . رواه مسملم. والتشريك: نوع من البيع أو الهبة.
ولأنه يجوز إبدلها بخير منه. والإبدال نوع من البيع.
(لا بيعه في دين ولو بعد موت) ولو (^٢) لم يترك شيئًا غيره؛ لأنه قد تعين ذبحه. فلم يبع في دينه؛ كما لوكان حيًا.
إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون مقام مورثهم فيما له وعليه.
(وإن عُيّن) في هدي أو أضحية معيب (معلوم عيبُه تعيَّن.
وكذا) لو عين المعيب (عما في ذمته) وللزمه ذبحه، (ولا يجزئه) عما في ذمته من الواجب.
(ولملك) من عين معيبًا يجهل عيبه (رد ما علم عيبَه بعد تعيينه) فيخير بين
رده أو أخذ (^٣) أرشه.
(وإن أخذ الأرش فـ) حكمه (كالفاضل من قيمة) في الأصح.
(ولو باتت معينة) أى: التي عينها (مستحقة): بطل تعيينها، و(لزمه
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ، عن جابر بن عبدالله ﵁.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ب: وأخذ.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
بدلها) نصًا. نقله علي بن سعيد.
قال في " الفروع ": ويتو جه فيه كًارش.
(ويركب) أى: ويباج له أن يركب هديًا وأضحية معينين (لحاجة فقط بلا ضرر) على الأ صح.
قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة؛ لأن النبي ﷺ قال: " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا " (^١) . رواه أبو داود.
ولأنه تعلق بها حق المساكين. فلم يجز ركوبها من غير ضرورة؛ كملكهم. وإنما جوزناه عند الضرورة؛ للحديث.
(ويضمن النقص) إن حصل بركوبه نقص؛ لأنها تعلق بها حق غيره.
(وإن ولدت) أضحية معينة أو هدي معين (ذُبح) ولدها (معها). سواء
كان حملًا حين التعيين أو حدث بعده؛ لأن استحقاق المساكين الولد حكم ثبت بطريق السراية من الأم. فثبت للولد ما ثبت لأمه؛ كولد أم الولد (^٢)، وولد المدبرة الذي ولدته بعد تدبيرها.
ومحل ذلك: (إن إمكنه حملُه) أى: حمل الولد (أو سوقه) إلى المنحر، (وإلا) أى: وإن لم يمكن حمله على ظهرها أو ظهر غيرها، أو سوقه إلى المنحر، (فـ) يكون حكمه (كهدي عطب) على ما يًاتى حكمه. وكذا ولد المعينة عن واجب في الذمة إذا تعينت؛ لأنه تبع لها.
(ولا يشرب من لبنها) أى: لبن من معها ولدها (إلا ما فضل عنه). فإن
لم يفضل عن ولدها شيء، أو كان الحلب يضر بها أوينقص لحمها، لم يكن له أخذه (^٣)، وإلا فله أخذه والانتفاع به؛ لأن ذلك انتفاع لا يضر بها ولا بولدها. وإن حلبها مع الإضرار بها أو بولدها حرم وعليه الصدقة به، وإن شربه ضمنه؛
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٦١) ٢: ١٤٧ كتاب المناسك، باب في ركوب البدن.
(٢) في ب: كأم ولد الولد.
(٣) في ب: أخذها.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
لأنه تعدى بًا خذه.
(ويُجزُّ) أى: ويباج له أن يجز (صوفها) أى: صوف الأضحية المعينة، (ونحوه)، كوبرها (لمصلحة) مثل: أن تكون بزمن تخف أو تسمن بجزه. (ويتصدق به)، لأنه ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها وأجزائها.
وعلم مما تقدم انه لو كان بقاؤه أنفع لها، لكونه يقيها الحر أو البرد لم يجز
له جزه، كما لا يجوز أخذ بعض أعضائها.
(وله) أى: وللمضحي والمهدي (إعطاءُ الجازر منها هدية وصدقة. لا بأجرته) " لما روي عن علي قال: " أرنى رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا. وقال: نحن نعطيه من عندنا " (^١) . متفق عليه.
ولأن ما يدفعه إلى الجازر عن أجرته عوض عن عمله وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشيء منها. بخلاف ما يعطاه صدقه أو هدية فإنه فيه (^٢) كغيره، بل هو أولى " لأنه باشرها وتاقب نفسه إليها.
(ويتصدق) استحبابا (أو ينتفع بجلدها وجُلِّها).
قال في " شرح المقنع ": لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها؛
لأن الجلد جزء منها. فجاز للمضحى الانتفاع به، كاللحم.
و" كان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه ".
وعن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله! قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم يجْمِلون منها الوَدك ويتخذون منها الأسقية. قال: وما ذاك؟ قالت: نهيتَ عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال: إنما نهيتكم للدافة التي دفت. فكلوا وتزودوا وتصدقوا " (^٣) . حديث صحيح.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٢١) رقم (٣).
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٤٣١) ٧: ٢٣٥ كتاب الضحايا، الإدخار من الأضاحي. وأخرجه اخمد في " مسنده " (٢٤٢٩٤) ٦: ٥١
[ ٤ / ٢٨٧ ]
ولأنه انتفاع به. فجاز، كلحمها. انتهى.
(ويحرم بيع شيء منها) أى: من الأضحية (أو منهما) أى: من الجلد والجُلِّ.
ولا فرق في ذلك بين كون الأضحية واجبة أو تطوعًا، لأنها تعينت بالذبح، لقوله ﷺ في حديث قتادة بن النعمان: " ولا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها " (^١) .
قال أحمد: سبحان الله كيف نبيعها؟ وقد جعلها الله ﵎ أضحية.
قال الميموني: قال قالوا لأبي عبدالله: فجلد الأضحية نعطيه السلاخ؛ قال:
لا. وحكى (^٢) قول النبي ﷺ: " لا تعطى جزارها شيئًا (^٣) منها " (^٤) . قال: إسناد جيد.] وهذا المذهب.
وعنه: يجوز بييع الجلد ويتصدق بثمنه.
وعنه: ويشتري به الة البيت [(^٥) " كالغربال ونحوه. لا مًاكولًا (^٦) .
(وإن سُرق مذبوج من أضحية) معينة (أو هدي معين ابتداء، أو عن واجب
في ذمة ولو بنذر: فلا شيء فيه)؛ لأنها أمانة في يده. فلم يضمنها بتلفها من غير تعد ولا تقصير، كالوديعة.
(وإن لم يعين) ما سرق وهو مذبوج: (ضُمن)؛ لأنه غير متميز عن ماله. فكان من ضمانه؛ كبقية ماله.
(وإن ذبحها) أى: ذبح الأضحية (ذابح في وقتها) أى: وقت ذبح
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٢٥٣) ٤: ١٥
(٢) في ب: وذكر.
(٣) في أ: في جزارتها في شيء.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠٢ ٠ ١) ١: ١٢٣
(٥) ساقط من أ.
(٦) في أ: مأكول.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
الأضحية (بلا إذن. فإن) كان الذابح قد (نواها) بالذبح (عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير، أو فرَّق لحمها) مع علمه أنها أضحية الغير: (لم تجزئ) واحدًا منهما. (وضمن ما بين القيمتين) أى: ما بين قيمتها صحيحة وقيمتها مذبوحة (إن (^١) لم يفرق لحمها، و) ضمن (قيمتها) صحيحة (إن فرَّقه) أى: فردق لحمها. ويكون عدم الإجزاء والضمان لغصبه واستيلائه على مال الغير، وإتلافه إياه عدوانًا.
(وإلا) وإن لم يكن الذابح يعلم أنها أضحية الغير؛ لاشتباهها عليه
بًاضحيته: (أجزأت) عن مالكها، (ولا ضمان) على ذابحها.
ونص أحمد على الصورتين في رواية ابن القاسم وسندي مفرقًا بينهما.
وإنما لم يضمن إذا لم يعلم أنها أضحية الغير؛ لأن الذبح فعل لا يفتقر إلى النية. فإذا فعله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه؛ كغسل ثوبه من النجاسة.
ولأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها. فلا ضمان على ذابحها حيب لم يكن متعديا.
ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق الله ﷾. فلم يضمن مريقه؛ كقاتل المرتد بغير إذن الإمام.
ولأنه لو وجب أرش كان ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام متعينة
له، وما بينها (^٢) مذبوحة. ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين. فتعذر وجودا لأرش.
ولأن الأردش لو وجب لم يخلُ من أن يجب لمالكها أو للفقراء، ولا جائز أن يجب للفقراء؛ لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة، ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز، ولا جائز أن يجب له؛ لأنه بدل شيء منها. فلم يجز ان يأخذه؛ كبدل عضو من أعضائها.
_________________
(١) في ب: وإن.
(٢) في ب: بيهما.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
(وإن ضحى اثنان، كل) من المضحيين ضحى (بأضحية الآخرغلطًا (^١): كفتهما).؛ لوقوع كل واحدة موقعها بذبحه في وقتها.
(ولا ضمان) على واحد منهما لصاحبه استحسانًا. والقياس ضدهما.
ذكره القاضي وغيره.
ونقل الأثرم وغيره في اثنين ضحى هذا] بًا ضحية هذا [(^٢): يترادان اللحم ويجزئ. ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه لإذن الشرع في ذلك.
(وإن بقي اللحم) أى: لحم ما ذبحه كل منهما (ترادَّاه) أى: ترادا اللحم؛ لأنه أمكن كل منهما أن يفرق لحم أضحيته بنفسه. فكان أولى به من الذابح.
(وإن أتلفها) أى: أتلف الأضحية المعينة (أجنبي، أو) أتلفها (صاحبها: ضمنها) متلفها (بقيمتها يوم تلف)؛ لأنها من المتقومات. (تصرف في مثلها). وهذا المذهب؛ لأنه إتلاف أوجب القيمة. فلا يجب به أكثر منها. فلو كانت المتلفة شاة فرخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل: إن كانت قيمتها يوم إتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها خمسة فعليه عشرة. فإن شاء اشترى بها شاة تساوي عشره، وإن شاء اشترى بها شاتين. فإن اشترى واحدة وفضل من العشرة ما لا يجيء به أضحية اشترى به (^٣) شركًا في بدنة أو بقرة على ما يأتي تفصيله.
وقيل: يلزمه أكثر القيمتين من الإيجاب إلى التلف.
وقيل: منه إلى النحر.
وقيل: من التلف إلى وجوب النحر.
وذلك (بخلاف) إتلاف (قِنّ تعين لعتق)؛ كما لو قال: لله عليّ أن أعتق
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: بهما به.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
هذا العبد ثم أتلفه فإنه لا يجب صرف قيمته إذا أتلف في مثله؛ لأن القصد من العتق تكميل الأحكام. وهو حق للرقيق (^١) وقد هلك.
(ولو مرضت) الأضحية (فخاف عليها) صاحبها أن تموت من المرض (فذبحها: فعليه) بذ بحها (بدلها.
ولو تركها) بلا ذبح (فماتت: فلا) شيء عليه. قاله الإمام أحمد.
ولو فقًا عين أضحية أو هدي معينين لزمه أن يتصدق بأرش نقصه بذلك.
(وإن فضَل عن شراء المثْل شيء) في صورة وجوب القيمة ووجوب صرفها
في مثلها: (اشترى به) أى: بالشيء الذى فضل عن شراء المثل (شاة، أو) اشترى به (سبع بدنة او بقرة.
فإن لم يبلغ) الفاضل أن يشتري به شيء من ذلك (تصدَّق به) أى: بالشيء الفاضل، (أو) تصدق (بلحم يُشترى به) أى: بالشيء الفاضل؛ (كـ) ما يفعل هذا الفعل بـ (أرش جناية عليه) أى: على الهدي المعين أو الأضحية المعينة؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم؛ لكون الفاضل أو أرش الجناية لا يمكن أن يشترى به شاة أو سبع بدنة كان التصدق باللحم وثمنه سواء في الأصح.
(وإن عطبَ بطريق هدي واجب أو تطوع بنية دامت)، أو عجز الهدي عن المشي صحبة الرفاق (^٢) (ذبحه موضعه) وجوبا؛ لأنه لو لم ينحره حتى مات ضمنه بقيمته يوصلها إلى فقراء الحرم؛ لأنه لا. يتعذر عليه إيصالها إليهم. بخلاف ما عطب.
(وسُن غمسُ نعله في دمه، وضربُ صفحته بها) أى: بالنعل المغموسة في دمه؛
(ليأخذه الفقراء. وحرم أكله و) أكل (خاصَّتِه منه) أى: من الهدي الذي عطب.
_________________
(١) في أ: الرقيق.
(٢) في أ: الرفقة.
[ ٤ / ٢٩١ ]
والأصل في ذلك ما روى ابن عباس أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه: " أن
رسول الله ﷺ كان يبعب معه بالبدن. ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليها فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تطعمها
أنت ولا أحد من أهل (^١) رفقتك " (^٢) . رواه مسلم.
وفي لفظ: " ويخلها (^٣) والناس، ولا يًا كل منها هو ولا أحد من
أصحابه ". رواه الإمام أحمد.
وهذا صحيح متضمن للزيادة ومعنى خا ص. فيجب تقديمه على عموم ما خالفه. ولا يصح قياس رفقته على غيرهم؛ لأن الإنسان يشفق على رفقته، ويحب
التوسعة عليهم، وربما وسع عليهم من مُؤْنته. وإنما مُنع السائق ورفقته من الأكل منه؛ لئلا يُقّصَر في حفظه. فيعطبه ليًاكل هو ورفقته منه. فتلحقه التهمة
في عطبه لنفسه ورفقته. فحرموه لذلك.
(وإن تلف) الهدي (أو عاب بفعله أو تفريطه)، أو أكله او باعه، أو
أطعمه غنيًا أو أطعمه رفقته: (لزمه بدله؛ كأضحية)، وإيصال بدل الهدي إلى فقراء الحرم.
وإن أطعم من العاطب فقيرًا أو أمره بالأكل منه فلا ضمان عليه؛ لأنه أوصله
إلى مستحقه. فأشبه ما لو فعل ذلك بعد بلوغ الهدي محله (^٤) .
(وإلا) أى: وإن لم يتلف او يتعيب بفعله أو تفريطه: (أجزأ) من ذلك
(ذبح ما تعيَّبَ من واجب بالتعيين). نص عليه فيمن جر بقرة بقرنها إلى المنحر
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢٦) ٢: ٩٦٣ كتاب الحج، باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤ ٠ ٧٧ ١) ٤: ٨٧ ١
(٣) في ب: وخلها. وفي ج: وتخليها.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
فانقلع؛ (كتعيينه معيبًا فبرئ) من العيب.
والأصل. في ذلك ما روى أبو سعيد قال: " ابتعنا كبشا نضحي به فًاصاب الذئب من أليته. فسًالنا النبي ﷺ فًا مرنا ان نضحي به " (^١) . رواه ابن ماجه. ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة. فلم يمنع الإجزاء.
(وإن وجب قبل تعيين)؛ كما لو كان عليه دم واجب (كفدية) وهي: الدماء الواجبة من هدي تمتع وقران، وما وجب بترك واجب أو فعل محظور-، (و) كدم (منذور في الذمة) ثم عين ما في ذمته من الواجب صحيحًا فتعيب (فلا) يجزئه ذبحه عما في ذمته؛ لأن الواجب في ذمته دم صحيح. فلا يجزئ عنه دم معيب ويعود الوجوب إلى الذمة؛ كما لو كان لشخص على آخر دين فاشترى به مكيلًا ثم تلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمة من هو عليه. ولأن الذمة لم تبرأ من الواجب بالتعيين عنه؛ كالدين يضمنه ضامن أو يرهن
به رهنًا. فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين. فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقي الحق في الذمة بحاله.
ويحصل التعيين عما في ذمته بالقول.
(وعليه) أى: على من في ذمته دم وانجب (نظيرُه) أى: نظير ما تعيب، (ولو زاد) الذى عينه (عما) أى: عن الذي (في الذمة)؛ كما لو كان في ذمته شاة فعين عنها بقرة فتعيبت. فإنه يلزمه بقرة نظير التي تعيبت.
(وكذا لو سرق) المعين عما في الذمة (أو ضَلَّ ونحوه)؛ كما لو غصب.
فإنه يلزمه بدله. ويلزمه أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه.
قال أحمد: من ساق هديًا واجبًا فعطب أو مات فعليه بدله، وإن شاء باعه.
وإن نحره جاز (^٢) أكله منه ويطعم؛ لأن عليه البدل. قاله في " الفروع ".
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٤٦) ٢: ١٠٥١ كتاب الأضاحي، باب من اشترى أضحية صحيحة فأصابها عنده شيء.
(٢) في ب: وإن شاء نحره وجاز
[ ٤ / ٢٩٣ ]
(وليس له) أى: لمن نحر بدل ما عطب أو تعيب أو ضل أو سرق أو غصب (استرجاع عاطب ومَعيب وضال) ومسروق (وُجد، ونحره)، كما لو قدر على مغصوب على (^١) الأصح؛ لما روي عن عائشة: " أنها أهدت هديين فأضلتهما. فبعث إليها ابن الزبير بهديين (^٢) فنحرتهما. ثم عاد الضالان فنحرتهما. وقالت: هذه سنة الهدي " (^٣) . رواه الدارقطني.
وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ.
ولأنه تعلق حق الله ﷾ بهما (^٤) بإيجابهما على نفسه. فلم يسقط بذبح بدلهما.
_________________
(١) في ب: في.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٩) ٢: ٢٤٢ كتاب الحج، باب المواقيت.
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
] فصل: في نذر الهدي [
(فصل. ويجب هدي بنذر)؛ لقول النبي ﷺ: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (^١) .
- ولأنه نذر طاعة. فوجب الوفاء به؛ كبقية نذور الطاعات. ولا فرق بين كون النذر منجزًا أو معلقًا.
(ومنه) أى: من صور النذر لو قال إنسان: (إن لبستُ ثوبًا من غزلك فهو هدي) فوهبت له ثوبًا من غزلها (فلبسه) فإنه يصير هديًا واجبًا، يلزمه إيصاله إلى مساكين الحرم.
(ونحوه) أى: وكذا نحو الصورة.
ثم إن كان الهدي مما ينقل، بعثه إلى الحرم.
نقل المروذي فيمن جعل دراهم هديًا. فللحرم.
وإن كان غير منقول؛ كالعقار ونحوه باعه وبعث ثمنه؛ لتعذر إهدائه بعينه. فانصرف إلى بدله. يؤيده ما روي عن ابن عمر: " أن رجلا سأله عن امرأة نذرت أن تهدي دارًا قال: تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم ".
(وسُن سَوْقُ) هدي من (حيوان من الحل)؛ " لأن النبي ﷺ ساق في حجته مائة بدنة " (^٢)، و" كان يبعث بهديه وهو بالمدينة " (^٣) .
(و) سُن أيضًا (أن يَقِفَه بعرفة). روي استحباب ذلك عن ابن عباس. وبه
قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣١٨) ٦: ٢٤٦٣ كتاب الإيمان والنذور، باب النذر في الطاعة
(٢) سبق تخريجه ص (٢٨٥) رقم (١).
(٣) سبق تخريجه ص (٢٧١) رقم (١).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
و" كان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما وقفه بعرفة ".
ولنا: أن المراد من الهدي نحره ونفع المساكين بلحمه، وهذا لا يتوفف على وقوفه بعرفة، ولم يرد بذلك دليل يوجبه.
(و) سُن أيضًا (إشعارُبُدْن) بضم الباء جمع بدنة، (و) إشعار (بقر) أيضًا.
ويكون الإشعار: (بشقِّ صفحة اليمنى من سنام) بدنة، (أو) شق (محله) من بقرة، (حتى يسيل الدم.
و) سُن أيضًا (تقليدُهما) أى: البقر والبدن (مع) تقليد (غنم: النعل، وآذان) البقر (القِرَب والعُرَى) بضم العين، جمع عروة.
وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثله غير جائز؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن تعذيب
الحيوان " (^١) .
ولأنه أىلام. فهو كقطع عضو منه.
ولنا: ما روت عائشة قالت (^٢): " فتلتُ قلائد هدي رسول الله ﷺ، ثم أشعرها وقلدها " (^٣) . متفق عليه.
وفعله الصحابه أيضًا.
ولأنه إيلام لغرض صحيح. فجاز؛ كالكي والوسم والحجامة.
وفائدته: أن لا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها (^٤) اللص، ولا يحصل ذلك
_________________
(١) عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جُوْعًا، فدخلت فيها النار. قال: فقال والله أعلم: لا أنت أطعمتها ولا سقيتها حين حبستها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٣٦) ٢: ٨٣٤ كتاب المساقاه الشرب، باب فضل سقي الماء.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦١٢) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب إشعار البدن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢١) ٢: ٩٥٧ كتاب الحج، باب اشحباب بعب الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه
(٤) في أ: لا يتوقاها.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
بالتقليد بمفرده؛ لأنه يحتمل أن يحل ويذهب.
وأما كون الإشعار في صفحة السنام اليمنى؛ لما روى ابن عباس: " ان النبي ﷺ صلى بذي الحليفة، ئم دعى ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها بيده " (^١) . رواه مسلم.
وأما كون الغنم لا تشعر؛ فلأنها ضعيفة.
ولأن صوفها وشعرها يستر موضع إشعارها لو أشعرت.
ومن ساق الهدي من قبل الميقات (^٢) استحب إشعاره وتقليده إذا بلغ الميقات؛ لحديث ابن عباس.
وأما كون الغنم تقلد كما تقلد البدن والبقر؛ فلما روي عن عائشة قالت:
" كنب أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ " (^٣) . رواه البخاري.
ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع أنه يمكن تعويضها بالإشعار قال غنم أولى.
(وإن نذر هديًا وأطلق) يعني: أنه من نذر ان يهدي ولم يعين ما يهديه؛
كما لو قال: لله علي هديّ، (فأقلُّ مجزئ) عن نذرة (شاة، أو سُبع من بدنة، أو) سُبع من (بقرة)؛ لأن المطلق في النذر يحمل على المعهود الشرعي والهدي الواجب في الشرع من النعم] ما ذكر [(^٤)؛ لقوله ﷾: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)] البقرة: ١٩٦].
(وإن ذبح إحداهما) أى: بدنة أو بقرة (عنه) أى: عن نذره، (كانت) البدنة أو البقرة (كلها واجبه)؛ لتعينها عما في ذمته بذبحها عنه.
(وإن نذر بدنة أجزأته بقرة إن أطلق) البدنة، (وإلا) أى: وإن لم يطلق
بأن نوى كونها من الإبل (لزمه ما نواه)؛ كما لو نوى كونها من البقر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٤٣) ٢: ٩١٢ كتاب الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦١٦) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب تقليد الغنم.
(٤) ساقط من ب.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
(و) من نوى بنذره (معينًا أجزأه) ما عينه (ولو) كان (صغيرًا، و) لو
كان (معيبًا، او) كان (غير حيوان)، كثوب.
(وعليه) أى: على الناذر (إيصاله) إن كان مما ينقل (^١)، (و) إيصال (ثمن غير منقول لفقراء الحرم)، لقوله ﷾: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٣٣].
ولأن النذر يُحمل على المعهود شرعًا، والمعهود في الهدي الواجب بالشرع " كهدي المتعة وشبهه: إن ذبحه يكون بالحرم. فكذا يكون المنذور. (وكذا إن نذر سوقَ أضحية إلى مكة، أو قال: لله عليَّ ان أذبح بها) فإنه يلزمه ذلك.
(وإن عين) بنذره (شيئًا لى) مكان (غير الحرم، و) الحال أنه (لا معصية فيه) أى: في نذره لذلك المكان: (تعين) كونه فيه (ذبحًا وتفريقًا لفقرائه) أى: فقراء ذلك المكان، لما روى أبو داود: " أن رجلًا سًال النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أذبح بالأبواء قال: أبها صنم؛ قال: لا. قال: أوف بنذرك " (^٢) .
ولأنه قصد نفع أهل ذلك المكان. فكان عليه إيصاله إليهم، واحترز بقوله: ولا معصية عما لو كان بالمكان صنم أو شيء من أمور الكفر أو المعاصي، كبيوت النار والكنائس وأشباه ذلك.
(وسن أكلُه وتفرقُته) أى: أن يأكل المهدي ويفرق (من) لحم (هدي تطوع) أى: ما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه " لقوله سبحانه. وتعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا)] لحج: ٢٨ [وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
و" لأن النبي ﷺ أكل من بدنه " (^٣) .
_________________
(١) في ب: ينتقل.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه " (١٣ ٣٣) ٣: ٢٣٨ كتاب الإيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء بالنذر.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨ ١ ٢ ١) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وقال جابر: " كنا لا نأكل من بدننا] فوق ثلاث. فرخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا فًاكلنا وتزودنا [(^١) " (^٢) . رواه البخاري.
والمستحب أن يًاكل اليسير؛ لما روى جابر " أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة فجُعلت في قدر فًاكلنا منها وحسينا من مرقها " (^٣) .
ولأنه نسك. فاستحب الأكل منه؛ (كأضحية).
وله التزود والأكل كثيرًا، كما جاء في حديث جابر. وتجزئه الصدقة باليسير منها.-
(ولا يأكل من) هدي (واجب ولو) كان إيجابه (بنذر أو تعيين. غير دم متعة وقران). نص على ذلك؛ لأن سببهما غير محظور. فًا شبها هدي التطوع. وهذا قول أصحاب الرأى.
وعن أحمد: أنه يحرم الأكل من النذر وجزاء الصيد، ويًاكل مما سواهما. والأول المذهب؛ " لأن أزواج النبي ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة ثم ذبح عنهن النبي عي البقر فًاكلن من لحومها " (^٤) .
قال أحمد: قد أكل من البقر أزواج النبي صلى الله عليه وسلمفي حديث عائشة خاصة.
وقالت عائشة: " إن النبي ﷺ أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل. فدُخل علينا يوم النحر بلحم. فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي عن أزواجه " (^٥) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٢ ١) ٢: ٤ ١ ٦ كتاب الحج، باب ما يأكل من البدن وما يتصدق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٢ ١) ٣: ٥٦٢ ١ كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث
(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١ ١ ٢ ١) ٢: ٨٧٤ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٣ ١) ٢: ٤ ١ ٦ كتاب الحج، باب ما يأكل من البدن وما يتصدق.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وقال ابن عمر: " تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة " (^١) . متفق عليه.
وقد ثبت " أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعليّ من لحمها وشربا من مرقها " (^٢) . رواه. مسلم.
فإن أكل مما منع من أكله ضمنه بمثله لحمًا؛ لأن الجميع (^٣) مضمون عليه بمثله. فكذلك أبعاضه. وكذا إن أعطى الجزار بًاجرته شيئًا منها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٧) رقم (٢).
(٢) سبق تخريجه ص (٢٠٢) رقم (٢).
(٣) في أ: الجمع.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
] فصل: في التضحية [
(فصل. التضحية) وهي: ذبح الأضحية أيام النحر: (سنة مؤكدة، عن مسلم تام الملك)، وفي الأصح: (أو مكاتَب بإذن).
وعنه: أنها واجبة؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا " (^١) .
وعن مخنف بن سليم أن النبي ﷺ قال " يا أيها الناس لِلَّهِ إن على أهل كل بيت في كل عام أَضحاةً وعتيرة " (^٢) .
والأول المذهب؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس أن النبى قال: " ثلاث كتبت عليّ وهن لكم تطوع ". وفي رواية: " الوتر والنحر وركعتا الفجر" (^٣) .
ولأن النبي ﷺ قال: " من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئا " (^٤) . رواه مسلم.
فعلّقه على الإرادة، والواجب لا يُعلّق على الإرادة.
ولأن الأضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها. فلم تكن واجبة؛ كالعقيقة. والحديث الدال على الوجوب (^٥) قد ضعفه أصحاب الحديث. ثم نحمله
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٢٣) ٢: ١٠٤٤ كتاب الأضاحي، باب الأضاحي واجبه هي أم لا.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٢٢٤) ٧: ١٦٧ كتاب الفرع والعتيره. وأخرجه الحاكم قي " مستدركه " (١١١٩) ١: ٤٤١ كتاب الوتر.
(٣) أخرجه الدارقطني فى سننه " ٢: ٢١ كتاب الوتر.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٧ ١) ٣: ٥٦٥ ١ كتاب الأضاحي، باب نهى من دخل عليه عشر ذي الحجة. . .
(٥) في أ: الواجب.
[ ٤ / ٣٠١ ]
على تأكد الاستحباب، كما قال: " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " (^١) . وقال: " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا " (^٢) .
(و) الأضحية (عن ميت أفضل) منها عن حي.
(ويعمل بها) أي: بالأضحية عن الميت، (كعن حي) على ما يأتي. قاله الشيخ تقي الدين، وقال: كل ما ذبح بمكة يسمى هديا، ليس فيه ما يقال له أضحية.
(وتجب) الأضحية (بنذر)؛ كالهدي.
(وكانت) الأضحية (واجبة على النبي ﷺ)؛ كالوتر وقيام الليل.
(وذبحها و) ذبح (عقيقة أفضل من صدقة بثمنهما) (^٣) . يعني: أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها. نص عليه؛ لأن النبي ﷺ ضحى والخلفاء (^٤)، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها.
وروت عائشه أن النبي ﷺ قال: " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى
الله من إراقة دم، وإنه ليأتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله ﷿ بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا " (^٥) . رواه ابن ماجه.
ولأن إيثار الصدقه على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ.
وما روي عن عائشة من قولها: " لأن أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا ": فهو في الهدي لا في الأضحية.
وكذا ذبح العقيقة، فإنه أفضل من الصدقة بثمنها. نص عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٤١) ١: ٩٤ كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٨٢٧) ٣: ١ ٣٦ كتاب الأطعمه، باب في أكل الثوم.
(٣) في ب: بثمنها.
(٤) سبق ذكر حديث أنس ص (٢٧٠) رقم (٣).
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٢٦) ٢: ١٠٤٥ كتاب الأضاحي، باب ثواب الأضحيه.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
قال أحمد: العقيقة [(^١) سنة عن رسول الله ﷺ "قد عق عن الحسن والحسين " (^٢)، وفعله أصحابه.
وقال النبي ﷺ: " الغلام مرتهن بعقيقته " (^٣) . وهو إسناد جيد.
وقال: إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه، أحيى سنه.
قال ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل.
(وسن ان يأكل منها) أي: من الأضحية، (ويهدي، ويتصدق أثلاثا)
يعني: أنه يستحب للمضحي أن يأكل هو وأهل بيته من أضحيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث.
(حتى من) أضحيه (واجبة) بنذر، (و) حتى كون الإهداء (لكافر من) أضحية (تطوع).
قال احمد: نحن نذهب إلى حديث عبدالله: " يأكل هو الثلث، ويطعم من
اراد الثلث، ويتصدق بالثلث] على المساكين ".
قال علقمة: بعث معي عبدالله بهدية فأمرنى أن اكل ثلثا، وان أرسل إلى
أهل اخيه بثلث، وأن أتصدق بثلث [(^٤) .
والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس في صفة أضحيه النبي ﷺ قال:
" ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤّال بالثلث ". رواه الحافظ أبو موسى في " الوظائف " وقال: حديث حسن.
وهو قول ابن مسعود وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٤١) ٣: ١٠٧ كتاب الضحايا، باب في العقيقة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٢١٩) ٧: ١٦٥ كتاب العقيقة، كم يعق عن الجارية ". وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٠٥١) ٥: ٣٥٥
(٣) سيأتي تخريجه ص (٣١٠) رقم (٢).
(٤) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
ولأن الله ﷾ قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾] الحج: ٣٦ [والقانع: السائل، يقال
: قنع قنوعا، إذا سًال.
والمعتر: الذي يعتر لك. أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل. فذكر
ثلاثة اصناف. فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا.
وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها. ولا يجوز الصدقة بجميعها؛
للأمر به في قوله ﷾: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾] الحج: ٣٦].
ولنا على هذا القول: " أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات. وقال: من شاء فليقتطع " (^١) . ولم يأكل منهن شيئا.
ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله ﷾ (^٢) . فلم يجب الأكل منها؛ كالعقيقة،. فيكون الأمر للاستحباب أو للإباحة؛ كالأمر بالأكل من الثمار والزروع والنظر إليها.
وأما كونه يجوز ان يهدى للكافر من أضحية التطوع؛ فلأنها صدقة تطوع. فأشبهت سائر صدقة التطوع.
ولأنها طعام له اكله. فجاز إطعامه للذمي؛ كسائر طعامه.
فأما إذا كاتب واجبة فلا يجزئ دفعها إلى كافر؛ كما لا يجوز أن يدفع إليه. شيء من الزكاة ولا من الكفارات.
(لا مما ليتيم ومكاتب في إهداء وصدقة) يعني: أن ولي اليتيم إذا ضحى
عنه لا يهدي منها ولا يتصدق ويوفرها له؛ لأن الصدقة لا تحل بشيء من مال اليتيم تطوعا، وكذا المكاتب إذا ضحى بإذن سيده؛ لأنه ممنوع من التبرع بشيء من ماله، ولا يلزم من إذن سيده في التضحية أن يكون إذنا في التبرع.
(ويجوز قول مُضح ٍ) إذا ذبح أضحيته: (من شاء اقتطع) منها؛ لما تقدم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٦٥) ٢: ١٤٨ كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ.
(٢) في أ: إلى الله تعالى.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
من " أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات وقال: من شاء فليقتطع " (^١) .
(و) يجوز للمضحي أيضا (أكل أكثر) من الثلث من اضحيته؛ لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق.
(لا) أن يًا كلها (كلها)؛ للأمر بالإطعام منها.
(ويضمن) بأكلها كلها (اقل ما يقع عليه الاسم، بمثله لحما)؛ لأن ما
أبيح له اكله لا تلزمه غرامته، ويلزمه غرم ما وجبت الصدقه به؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه. فلزمته غرامته إذا أتلفه (^٢)؛ كالوديعة.
قال في "المبدع " في قوله: اقل ما يقع عليه الاسم بمثله لحما وهو
الأوقية.
وقيل: يضمن ما جرت العادة بالتصدق به.
وقيل: يضمن ثلثها. وكذا الهدي المستحب.
وقيل: يأكل منه اليسير.
(وما ملك) المضحي او المهدي (اكله فله هديته. وإلا) أي: وإن (^٣) لم يملك اكله فأهداه، (ضمنه بمثله) لحما؛ (كبيعه وإتلافه) يعني: كما لو باعه او اتلفه.
(ويضمنه اجنبي) أتلفه (بقيمته).
وفي " كتاب النصيحة ": وكذا هو يعني: أنه يضمنه بقيمته؛ كالأجنبي.
(وإن منع الفقراء منه) أي: مما لا يملك أكله (حتى أنتن: ضمن نقصه إن انتفُع به) أي: إن كان مما ينتفع به.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بقي فيه نفع: (ف) إنه يضمن (قيمته)؛ كما لو أعدمه.
_________________
(١) سبق تخريجه فى الحديث السابق.
(٢) في أ: إذا تلف.
(٣) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
(ونُسخ تحريم الادخار) أي: ادخار لحوم الأضاحي؛ لأن النبي ﷺ قال:
" كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم " (^١) . رواه مسلم.
وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: " إنما نهيتكم للدافة التي دفت. فكلوا
وتزودوا وتصدقو اوادخروا " (^٢) .
ولم يجز ذلك علي وابن عمر.
قال أحمد: فيه أسانيد صحاح. فأما علي وابن عمر فلم تبلغهما الرخصة،
وقد كانا سمعا النهي فرأوه على ما سمعوا.
قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال: لا في مجاعة؛ لأنه سبب تحريم
الادخار. انتهى.
وقوله ﷺ: " إنما نهيتكم للدافة التي دفت " أي: لورود قوم من الأعراب عليهم ليتوسعوا بلحوم الأضاحي؛ لأن الدافة هم القوم من الأعراب يردون المصر. والله ﷾ أعلم.
(ومن فرق نذرا) أي: منذورا من هدي أو أضحية (بلا إذن، لم يضمن)
منه شيئا؛. لأن تفرقة ذلك على الفقراء ليست بواجبه على الناذر، وإنما استحب في حقه. فإذا فرق ذلك غيره بغير إذنه لم يمنع ذلك من الإجزاء. فلا أثر لذلك في الضمان.
(ويُعتبر تمليك فقير. فلا يكفي إطعامه)؛ كالواجب في الكفارة.
(ومن مات بعد ذبحها) أي: بعد أن ذبحها (قام وارثه مقامه) في الأكل والإهداء والصدقة ولم تبيع في دينه.
(ويفعل) مالك (ما شاء) من أكل وبيع وهبة (بما ذبح قبل وقته)؛ لأنه لم
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٧٧) ٣: ١٥٦٣ كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي. . . عن بريدة.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٤٣١) ٧: ٢٣٥ كتاب الضحايا، الادخار من الأضاحي.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
يقع في محله. وعليه بدله إن كان واجبا.
(وإذا دخل العشر) أي: عشر ذى الحجة (حرم على من يضحًي أو يضحًى عنه) في ظاهر ما نقله الأثرم وغيره (^١): (اخذ شيء من شعره او ظفره او بشرته) من أول العشر (إلى الذبح) على الأصح؛ لما روت أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي " (^٢) . رواه مسلم.
وفي رواية: " ولا من بشره " (^٣) . رواه مسلم.
وظاهر هذا التحريم.
وقال القاضي وجماعة من أصحابنا: يكره. وبه قال مالك والشافعي؛
لقول عائشة: " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها. ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي " (^٤) . متفق عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يكره له الوطء واللباس. فلا يكره
له حلق الشعر وتقليم الأظافر؛ كما لو لم يرد أن يضحي.
ولنا: ظاهر حديث ام سلمة. وهو يرد القياس.
وحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص يجب تقديمه وتنزيله على ما
عدا ما تناوله الحديث الخاص.
ولأنه يجب حمل حديثهم على غير ما تناوله محل النزاع؛ لوجوه:
منها: أن أقل احوال النهي الكراهة، والنبي ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٧٧) ٣: ١٥٦٦ كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة. . .
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٧٧) ٣: ١٥٦٥ الموضع السابق. لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦١٣) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب من قلد القلائد بيده. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢١) ٢: كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وإن كان مكروها. قال الله ﷾ إخبارا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
ومنها: أن عائشة إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به من المباشرة، او ما يفعله دائمًا؛ كاللباس والطيب. اما قص الشعر وتقليم الأظافر مما لا يفعله في الأيام العشرة. فالظاهر أنها لم ترده بخبرها. فإن احتمل إرادته فهو احتمال بعيد، وما كان كذا فاحتمال تخصيصه قريب. فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل قوي. فكان أولى بالتخصيص.
ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة تخبر عن قوله، والقول مقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون خاصا به.
إذا ثبت هذا فمتى فعل شيئا من حلق شعر او غيره مما ثبت تحريمه قبل أن يضحي، قال (المنقح: ولو بواحدة لمن يضحي بأكثر) استغفر (^١) الله ﷾، ولا فدية عليه إجماعا. سواء فعله سهوا أو عمدا.
(وسُن حلقٌ بعده) أي: بعد أن يضحي على الأصح.
قال أحمد: على ما فعل ابن عمر تعظيم لذلك اليوم.
ووجهه: أنه كان ممنوعا من ذلك قبل أن يضحي. فاستحب له ذلك بعد أن يضحي؛ كالمحرم.
***
_________________
(١) في أزياده: فإن فعل.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
] فصل: في العقيقة [
(فصل: والعقيقة) الذبيحة التي تذبح عن المولود.
وقيل: هي الطعام الذى يصنع ويدعى إليه من أجل المولود.
قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها عقائق. ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه او ما يجاوره. ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية بحيث لا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة.
وقال ابن عبدالبر: أنكر احمد هذا التفسير وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه. " ووجهه: ان اصل العق القطع، ومنه: عق والديه إذا قطعهما. .
والذبح: قطع الحلقوم والمريء والودجين.
والعقيقة (سنة) مؤكدة في قول عامة أهل العلم على الأصح، (في حق اب ولو) كان (معسرا.
ويقترض) استحبابا.
وقال أصحاب الراي: ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية؛ لما روي:
" أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: إن الله لا يحب العقوق فكأنه كره الاسم. وقال: من ولد له مولود فأحب ان ينسك عنه فليفعل " (^١) . رواه مالك في " الموطأ ".
وعنه: أنها واجبة. اختاره أبو بكر وأبو إسحاق البرمكي وأبو الوفاء.
والأول: المذ هب.
قال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ " قد عق عن الحسن
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " ٠ ٢: ٣٩٩ كتاب العقيقة، باب ما جاء في العقيقة.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
والحسين " (^١) . وفعله أصحابه.
وقال النبي ﷺ: " الغلام مرتهن بعقيقته " (^٢) . وهو إسناد جيد يرويه
أبو هريرة عن النبي ﷺ.
ومن جعلها من أمر الجاهلية؛ فلأنه لم يبلغه ما رود فيها من الأحاديث.
(ف) إذا تقرر هذا فإنما تكون (عن الغلام شاتان متقاربتان سنا وشبها. فإن عدم) الشاتين (فواحدة. وعن الجارية شاة) واحدة؛ لما روت أم (^٣) كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة " (^٤) .
وفي لفظ: " عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة "». (^٥)
، وما روي مما ظاهره الوجوب فمحمول على تأكد الاستحباب جمعا بين الأحاديث. فإنه أولى من التعارض.
ولأنها ذبيحة لسرور حادث. فلم تكن و (٣) ة؛ كالوليمة.
(ولا تجزئ بدنة او بقرة) ذبحها عقيقة (إلا كاملة) نص عليه.
قال في " النهاية ": وأفضله شاة.
والسنة كون العقيقة: (تذبح في سابعه) أي: سابع المولود، (ويحلق فيه راس) مولود (ذكر، ويتصدق بوزنه ورقا)؛ لما روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: " كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣١٣) رقم (٢).
(٢) هذا لفظ حديث سمرة بن جندب وسوف يأنى تخريجه ص: ٣٢٧. واما حديث ابي هريرة فلفظه. أن النبي ﷺ قال: " إن اليهود تعق عن الغلام، ولا تعق عن الجاريه، فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٣٠٢ كتاب الضحايا، باب ما يعق عن الغلام وما يعق عن الجاريه.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٤١٠) ٦: ٤٢٢
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧١٨٦) ٦: ٣٨١
[ ٤ / ٣١٠ ]
ويحلق رأسه " (^١) .
وعن ابي هريرة مثله. قال احمد: إسناد جيد.
وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود.
وأما كونه يتصدق بوزن شعره فضة؛ فلما روي: " أن النبي ﷺ قال لفاطمة
لما ولدت الحسن: احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين والأوقاص يعني: أهل الصفة " (^٢) . رواه الإمام أحمد.
(وكُره لطخُه) اي: لطخ المولود (من دمها) أي: دم العقيقة على الأصح.
ونقل حنبل: أنه سنة؛ لما روي في حديث سمرة عن النبي ﷺ وأنه قال:
" الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويدمى " (^٣) . رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
والأول المذهب؛ لقول ابن عبدالبر: لا اعلم أحدا قال هذا إلا الحسن
وقتادة. وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه (^٤)؛ لأن النبي ﷺ قال: " مع الغلام عقيقة. فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى " (^٥) . رواه أبو داود.
وهذا يقتضي أن لا يمس بدم؛ لأنه أذى.
وروى يزيد بن عبد المزنى عن ابيه ان (^٦) النبي ﷺ قال: " يُعقُّ عن الغلام
ولا يمس راسه بدم " (^٧) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٣٨) ٣: ٦ ٠ ١ كتاب الضحايا، باب في العقيقة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠١٥١) ٥: ١٢
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٢٢٦) ٦: ٣٩١
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده ") ٢٠٢٠٦) ٥: ١٧
(٤) في أ: وكرهوا ا.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٣٩) ٣: ٦ ٠ ١ كتاب الضحايا، باب في العقيقة. عن سلمان بن عامر الضبي.
(٦) في ج: عن.
(٧) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣١٦٦) ٢: ١٠٥٧ كتاب الذبائح، باب العقيقة.
[ ٤ / ٣١١ ]
قال مهنا: ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال: ما اظرفه. رواه ابن ماجه.
ولم يقل عن أبيه.
ولأن هذا تنجيس له. فلا يشرع؛ كلطخه بغيره من النجاسات.
وقال بريدة: " كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ويلطخ رأسه بدمها. فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران " (^١) . رواه أبو داود.
وأما من روى: ويدمى فقال أبو داود: ويسمى- يعني مكان: يدمى-. هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغْفَل عن الحسن، ووهم همام فقال: ويدمى.
قال أحمد: قال فيه: ابن ابي عروبة: يُسمى. وقال همام: يدمى. وما
أراه إلا خطأ.
(و) يسن ان (يُسمى) المولود (فيه) أي: في سابعه؛ لحديب سمرة
على قول ابن أبي عروبة.
قال في " الفروع ": وقيل: أو قبله. انتهى.
ويستحب (^٢) أن يحسن اسمه؛ لأنه روي عن النبي ﷺ انه قال: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم واسماء ابائكم. فًا حسنوا أسمائكم " (^٣) . رواه أبو داود.
(وحرُم) ان يسمَّى (بمعبَّد لغير الله) ﷾؛ (كعبد الكعبة)،
وعبد شمس.
(و) حرم أيضا ان يسمَّى (بما يوازي أسماء الله تعالى، وما لا يليق إلا به) ﷾؛ كملك الملوك، وملك الأملاك، وشاهِ شاه؛ لما روى
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٤٣) ٣: ٠٧ ١ كتاب الضحايا، باب في العقيقه.
(٢) ب ج: وبسس.
(٣) أخرجه ابو داود في " سنته " (٤٩٤٨) ٤: ٢٨٧ كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء.
[ ٤ / ٣١٢ ]
أحمد: " اشتد غضب الله على رجل تسمى ملك الأملاك. لا ملك إلا لله " (^١) . وعلى قياس (^٢) ذلك: القدوس والبر والخالق والرحمن. وفي هذه قول: تكره.
(وكره) ان يسمى (بحرب، ويسار، ونحوهما)؛ كرباح ونجيح. والنهي عنهما في مسلم.
وقال ابن هبيرة في حديث سمرة: " لا تسم غلامك يسار ولا رباح
ولا نجيحا ولا افلح. فإنك تقول اثم هو؛ فلا يكون. فتقول: لا " (^٣) . فربما كان طريقا إلى التشاوم والتطير. فالنهي يتناول ما يطرق الطيرة.
إلا ان ذلك لا يحرم؛ لحديب عمر: "ان الاذن (^٤) على مشربة رسول الله ﷺ
عبد يقال له: رباح ".
و(لا) يكره أن يسمى (بأسماء الأنبياء والملائكة).
قال ابن عبدالبر: قال ابن فاسم: قال مالك: سمعت أهل مكة يقولون: ما
من اهل بيت فيهم اسم (^٥) محمد إلا رزقوا، ورزق خيرا.
اما اسماء الأنبياء؛ فلا يكره ان يسمى بها وفاقا.
واما أسماء الملائكة فكره مالك ان يسمى بجبريل وياسين.
والمذهب: لا يكره أن يسمى بمثل ذلك.
(واحبها) أي: (٤) الأسماء (عبدالله، وعبدالرحمن). قا له النبي ﷺ (^٦) .
رواه مسلم.
ويسن ان يغير الاسم القبيح.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠٣٨٩ ١) "٢: ٤٩٢
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٣٧ ٢) ٣: ١٦٨٥ كتاب الاداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة. . .
(٤) في أ: الاذان.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٣٢ ٢) ٣: ١٦٨٢ كتاب الاداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم. . .
[ ٤ / ٣١٣ ]
قال أبو داود: وغيّر النبي ﷺ اسم العاص، وعزيز، وعقدة (^١)، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب، وشهاب فسماه هشامًا، وسمى حربًا سلمًا، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضًا عَفِرَة سماها خَضِرَة، وشعب الضلالة شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بني الرَّشْدَة، وسمى بني مُغْوِيَة بني مرشدة. قال: وتركت أسانيدها للاختصار (^٢) .
(فإن فات) الذبح في اليوم السابع، (فـ) يسن أن يكون الذبح (في أربعة عشر.
فإن فات) الذبح في اليوم الرابع عشر، (فـ) يسن أن يكون الذبح (في أحد وعشرين) من ولادته. وهذا قول إسحاق؛ لأنه يروى عن عائشة، والظاهر: أنها لا تقول ذلك إلا توقيفًا.
(ولا تُعتبر الأسابيعُ بعد ذلك) في الأصح. فيعق في أي (^٣) يوم أراد؛ لأن
هذا قضاء دم فائت. فلم يتوقف على يوم؛ كقضاء الأضحية وغيرها. .
فإن لم يعق الأب فبلغ المولود لم يسن له أن يعق عن نفسه. نص عليه؛ لأن العقيقة مشروعة في حق الوالد. فلا يفعلها غيره؛ كالأجنبي.
(و) سن له أنه (ينزعُها اعضاء، ولا يكسر عظمَها)؛ لما روي عن عائشة
انها قالت: " السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة تطبخ جدولًا لا يكسر لها عظم " (^٤) . أي: عضوًا عضوًا، وهو: الجدل بدال مهملة، والأرب والشلو والعضو والوصل كله واحد.
_________________
(١) " السنن ": وعتلة.
(٢) ر. " سنن أبي داود " ٤: ٢٨٩ كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح. أظنه قال: ويطبخ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرج البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٣٠٢ كتاب العقيقة، باب من قال: لا تكسر عظام العقيقة وياأكل أهلها متها ويتصدقون ويهدون، عن أم كرز عن ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: " عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة ". قال: وكان عطاء يقول: تقطع جدولًا ولا يكسر لها عظم أظنه قال: ويطبخ.
[ ٤ / ٣١٤ ]
وإنما يفعل بها ذلك؛ لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود. فاستحب فيها ذلك؛ تفاؤلًا بالسلامة. لذلك قالت عائشة. وروي أيضا عن عطاء وابن جريج، وبه قال الشافعي.
(وطبخُها أفضل). نص عليه، (ويكون منه) أي: من الطبخ شيء (بحُلو).
قال في " المستوعب ": ويستحب ان يطبخ منها بطبيخ حلو تفاولًا بحلاوة أخلاقه. وجزم به في دا الرعايتين " و" الحاويين " و" تجريد العناية ".
وقال أبو بكر في " التنبيه ": يستحب أن تعطى القابلة فخذًا. يعني: من العقيقة.
(وحكمُها) اي: حكم العقيقة (كأُضحية). فلا يجزئ فيها إلا ما يجزئ
في الأضحية، ويستحب فيها من الصفة ما يستحب في الأضحية، ويكره فيها ما يكره في الأضحية. وكذا حكمها في الأكل والهدية والصدقة حكم الأضحية؛ لأنها نسيكة مشروعة. فأشبهت الأضحية في صفتها وسننها وشروطها ومصرفها. (لكن) العقيقة: (يباع جلدٌ ورأسٌ وسواقطُ) منها. (ويُتصدق بثمنه). بخلاف الأضحية؛ لأن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر. فأشبهت الهدي. والعقيقة ذبيحة (^١) شرعت عند سروز حادب، وتجدد نعمة. أشبهت الذبيحة في الوليمة.
ولأن العقيقة لم تخرج عن ملكه بذبحها. فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره. والصدقة بما يباع منها بمنزلة الصدفة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به. فكان له ذلك.
(وإن اتّفق وقت عقيقة وأضحية) بأن يكون يوم من أيام النحر سابع يوم الولادة، أو رابع عشرة، أو حادي عشريه (فعق) أجزأ عن الأضحية، (او ضحى اجزأ عن الأخرى) أي: عن العقيقة؛ كما لو وقع العيد يوم الجمعة واجتزأ بالعيد عن الجمعة، وكما لو ذبح المتمتع او القارن شاة يوم النحر فإنها
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٤ / ٣١٥ ]
تجزئ عن الهدي الواجب وعن الأضحية، وكما لو صلى عقب الطواف مكتوبة فإنها تجزئ عن ركعتي الطواف.
(ولا تسن فرعَةٌ) وتسمى أيضا: الفرع بفتح الراء فيها (^١) . وهي: (نحر
أول ولد الناقة.
ولا) تسن (العَتيرة) أيضا، وهي: (ذبيحة رجب).
ونقل حنبل عن احمد: تستحب العتيرة؛ لقول عائشة: " امرنا رسول الله
ﷺ بالفرعة من كل خمسين واحدة " (^٢) .
قال ابن المنذر: حديث ثابت.
والجواب: أن هذا الحديث منسوخ بما روى أبو هريرة ان النبي ﷺ قال:
" لا فرع ولا عتيرة " (^٣) . متفق عليه.
ويدل لنسخه امران:
أحدهما: ان رواية ابي هريرة متأخرة؛ لأن إسلامه متأخر، كان في سنة
فتح خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة.
الأمر الثاني: أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام. فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له.
(ولا يُكرهان)؛ لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة لا تحريم فعلهما ولا كراهة. فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، او ذبح أول ولد الناقة للصدقة به، أو لحاجته إلى ذلك لم يكن ذلك مكروها.
والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في ب: فيهما.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٣١٢ كتاب العقيقة، باب ما جاء في الفرع والعتيرة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧ ١٥) ٥: ٨٣ ٠ ٢ كتاب العقيقه، باب العتيرة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٧٦) ٣: ١٥٦٤ كتاب الأضاحي، باب الفرع والعتيرة.
[ ٤ / ٣١٦ ]