هذا (كتاب) (^١) يذكر فيه مسائل من أحكام الحجر والفلس.
(الحجر) في اللغة: التضييق والمنع. ومنه سمي الحرام حجرا.
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]. أي: حرامًا محرما. ويسمى العقل حجرا. قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾] الفجر: ٥].
أي: عقل. سمى حجرا، لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته. وفي الشرع: (منع مالك من تصرفه في ماله. و) حد الحجر (لفلس: منع حاكم من) أي: إنسانا (عليه دين حال يعجز عنه، من تصرفه في ماله الموجود. مدة الحجر). أي: إلى أن يوفي الدين أو يحكم الحاكم بفك الحجر عنه. (والمفلس) لغه: (من لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته).
ولهذا لما قال النبى ﷺ لأصحابه: " أتدرون من المفلس؛ قالوا:
يا رسول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ليس ذلك المفلس. ولكن المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتى وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا. فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه، ثم صك له صك إلى النار" (^٢). أخرجه مسلم بمعناه.
فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس. وقول النبي ﷺ: " ليس ذلك المفلس ": لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد ان فلس الآخرة أشد وأعظم بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغني.
_________________
(١) في أ: باب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٨١) ٤: ١٩٩٧ كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
ونحو هذا قوله ﵊: " ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب " (^١) .
وإنما سمي هذا مفلسا؛ لأنه لا مال له إلا الفلولس. وهي أدنى أنواع المال.
(و) المفلس (عند الفقهاء) أي: في عرفهم: (من دينه أكثر من ماله). وسموه مفلسا وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه. فكأنه معدوم.
وقد دل عليه تفسير النبي ﷺ مفلس الآخرة. فإنه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال لكنها كانت دون ما عليه. فقسمت بين الغرماء وبقي لا شيء له.
قال في " المغني ": ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لما يؤول إليه من عدم
ماله بعد وفاء دينه. ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا يعيش إلا به؛ كالفلولس ونحوها. انتهى.
(والحجر) الذي هو منع مالك من تصرفه في ماله (على صربين):
الأول: الحجر (لحق الغير) أي: لحق غير المحجور عليه، وذلك (كـ) الحجر (على مفلس) لحق الغرماء، (وراهن) لحق المرتهن حيث لزم الرهن. (و) على (مريض) مرض الموت المخوف فيما زاد على الثلث من ماله؛ لحق الورثة.
(و) على (قن ومكاتب)؛ لحق السيد.
[(و) على (مرتد)؛ لحق المسلمين؛ لأن تركته فيء. فربما تصرف فيها تصرفا يقصد به إتلافها؛ ليفوتها على المسلمين] (^٢) .
(و) على (مشتر) في حالتين:
إحداهما: في المبيع إذا كان شقصا مشفوعا (بعد طلب شفيع) له؛ لحق الشفيع.
_________________
(١) أخر جه البخاري في " صحيحه " (٥٧٦٣) ٥: ٢٢٦٧ كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب.
(٢) ساقط من ب.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
الثانية: هي المشار إليها بقوله: (أو تسليمه المبيع) يعني: إذا سلم البائع للمشتري المبيع بثمن حال وامتنع المشتري من أداء الثمن، (وماله بالبلد أو قريب منه) فإنه يحجر على المشتري في ماله كله حتى يوفيه؛ لحق البائع.
وتقدم الكلام على بعض صور ذلك. وسيأتي على باقيها إن شاء الله تعالى. الضرب (الثاني): الحجر على الإنسان (لحظ نفسه)، وذلك (كـ) الحجر (على صغير ومجنون وسفيه).
والأصل في هذا الضرب قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].
وأضاف الأموال (^١) إلى الأولياء، لأنهم مدبروها.
وقوله تعالى: (وابتلوا اليتمى) أي: اختبروهم في حفظهم لأموالهم، ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي مبلغ الرجال والنساء، ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: أبصرتم وعلمتم منهم حفظا لأموالهم وصلاحا في تدبير معاشهم، ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [١١ لنساء: ٦].
وقول الفقهاء في هذا الضرب لحظ نفسه؛ لأن المصلحة تعود هنا على المحجور.
ثم الحجر على هؤلاء عام؛ لأنهم يمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم، ولا يصح إلا بإذن الولي؛ لأنه بدونه يفضي إلى ضياع مالهم. وفيه ضرر عليهم.
(ولا يطالب) مدين، (ولا يحجر) عليه (بدين لم يحل).
أما كونه لا يطالب؛ فلأن من شرط صحة المطالبة لزوم الأداء. وهو
لا يلزمه أداؤه قبل الأجل.
وأما كونه لا يحجر عليه من أجل ذلك؛ فلأن المطالبة إذا لم تستحق لم يستحق عليه حجر.
قال في " الفروع ": وفي إنظار المعسر فضل عظيم.
_________________
(١) في ب: المال.
[ ٥ / ٣٤٩ ]
وأبلغ الأخبار عن بريدة مرفوعا: " من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة
قبل أن يحل الدين. فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة. " (^١) رواه أحمد. حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا محمد بن جحادة عن سليمان بن بريدة عن أبيه فذكره. إسناد جيد.
(ولغريم من) خبر مقدم أي: ولغريم مدين (أراد سفرا) طويلا فوق مسافة قصر عند الموفق وولد أخيه وجماعة.
قا ل في " الإنصاف ": ولعله أولى.
(سوى) السفر في (جهاد متعين) على المدين " كالسفر في جهاد غير متعين وأمر مخوف؛ لأن في ذلك تعريضا لفوات النفس. فلا يؤمن من فوات الحق. (و) كذا (لو) كان السفر الطويل (غير مخوف، أو لا يحل) الدين (قبل مدته) أي: السفر، (وليس بدينه) أي: بدين الغريم الذي يريد مدينه السفر (رهن يحرز) أي: يوفى منه جميع الدين، (أو) ليس به (كفيل مليء: منعه) مبتدأ مؤخر أي: منع رب الدين المدين من السفر (حتى يوثقه بأحدهما) أي: برهن يحرز أو كفيل مليء، لأن عليه ضررا في تأخير حقه عن محله، وقدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر.
وفيما إذا لم يحل الدين قبل مدة السفر رواية.
و(لا) يملك رب الدين (تحليله) أي: المدين (إن أحرم)؛ لوجوب إتمامه لو كان نفلا. أشبه الواجب ابتداء. فإنه ليس له منعه من واجب.
قال الشيخ تقي الدين: وله منع عاجز حتى يقيم كفيلا ببدنه.
قا ل في " الفروع ": وهو متجه. انتهى.
ومعناه والله أعلم: أن لرب الدين إذا كان المدين عاجزا عن وفائه وأراد سفرا: منعه منه حتى يقيم كفيلا ببدنه، لأنه قد تحصل له ميسرة، ولا يتمكن من
_________________
(١) أخر جه أحمد في " مسنده " (٩٤ ٢٣٠) ٥: ٣٦٠.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
مطالبته لغيبته عن بلده إلا بطلبه من الكفيل.
(ويجب وفاء) دين (حال فورا على) مدين (قادر بطلب ربه) له؛ لقوله ﷺ: "مطل الغني ظلم " (^١) .
وبالطلب يتحقق المطل.
(فلا يترخص من سافر قبله).
وفيه وجه: أن قبل الطلب كبعده.
(و) حيث وجب الإيفاء (يمهل) المدين (بقدر ذلك).
قال في " الفروع ": اتفاقا؛ كأن يطالبه في المسجد أو بالسوق وماله بداره
أو مودع أو ببلد آخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه.
(ويحتاط إن خيف هروبه) أي: المدين (بملازمته) أي: بملازمة رب الدين للمدين إلى أن يوفي الدين.
(أو) يحتاط بـ (كفيل) والمراد مليء؛ لأنه لا فائدة في الكفيل المعسر.
(أو ترسيم) عليه. قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ".
وقال: (وكذا لو طلب تمكينه منه محبوس، أو يوكل فيه) أي: وكما يمهل غير المحبوس للحضور بما عليه من موضعه يمكن المحبوس عليه من الخروج ليحضر بالحق.
وكذا لو توكل إنسان في إيفاء الحق وطلب الإمهال ليحضر بالحق فإنه يمكن
من ذلك كما يمكن الموكل.
(وإن مطله) أي: مطل المدين رب الدين (حتى شكاه: وجب على حاكم) يعلم قدرته عليه أو يجهل حاله (أمره بوفائه بطلب غريمه) وجوبا على الحاكم؛ لتعينه عليه؛ لما فيه من فصل القضاء المننتصب له، (ولم يحجر
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٦٧ ٢) ٢: ٧٩٨ كتاب الحوالات، باب إذا أحال على ملي فليس له رد. وأخر جه مسلم في " صحيحه " (١٥٦٤) ٣: ١١٩٧ كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني. . .
[ ٥ / ٣٥١ ]
عليه)؛ لعدم الحاجة ويتمكن الغرماء من الطلب بحقهم في الحال.
ويقضى دين الغريم بمال له فيه شبهة. ذكره أبو طالب المكي وغيره
عن الإمام.
قال الشيخ تقي الدين: لأنه لا تتقى شبهة بترك واجب، وكل الخلق عليهم واجبات من نفقة نفسه ونفقة قريبه وقضاء دينهم وغير ذلك. فترك ذلك ظلم محقق وفعله بشبهة غيرمحقق. فكيف نتورع بظلم محتمل عن ظلم محقق. (وما غرم) رب الدين (بسببه) أي: بسبب مطل المدين المحجور لرب الدين إلى شكواه (فعلى مماطل). قاله الشيخ تقي الدين، وجزم به في " الفروع "؛ لأنه ظالم بتأخير حقه عنه. أشبه ما لو تعدى على مال لحمله أجرة، وحمله لبلد أخرى، وغاب ثم غرم مالكه أجرة حمله لعوده إلى محله الأول. فإنه يرجع به على المتعدي بنقله.
(وإن تغيب مضمون فغرم ضامن بسببه، أو) غرم (شخص لكذب) أي:
من أجل كذب (عليه) أي: الشخص (عند ولي الأمر: رجع) الغارم (به على مضمون وكاذب). قاله الشيخ تقي الدين أيضًا. ولعل المراد: أن يضمنه بإذنه، وإلا فلا فعل له في ذلك ولا تسبب.
(وإن أهمل شريك بناء حائط بستان) بين اثنين فأكثر، وقد (اتفقا) أي: الشريكان (عليه) أي: على البناء. (فما تلف من ثمرته) أي: البستان (بسبب ذلك) أي: بسبب إهماله بترك البناء مع شريكه: (ضمن حصة شريكه منه) أي: من التالف. ذكره الشيخ تقي الدين أيضًا، واقتصر عليه في " الفروع "؛ لأن بناء حصته مع شريكه واجب عليه وقد حصل التلف بسبب تفريطه بترك الواجب فضمنه.
(ولو) ادعى إنسان على آخر شيء لحمله مؤنة فألزمه الحاكم بإحضاره ليدعي على عينه فـ (أحضر) المدعى عليه (مدعى به، ولم يثبت لمدع: لزمه) أي: المدعي (مؤنة إحضاره و) مؤنة (رده)، وإلا لزما المنكر. قاله في " الرعاية "؛ لأنه هو الملجئ له على ذلك.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
(فإن أبى) أي: إذا أمر الحاكم من عليه الدين لوفائه بطلب غريمه فأبى: (حبسه)، لما روى عمرو بن الشريد (^١) عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
قال الإمام: قال وكيع: عرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه.
وقال في " المغني ": إذا امتنع الموسر من قضاء الدين فلغريمه ملازمته ومطالبته والإغلاظ عليه بالقول فيقول: يا ظالم يا متعدي ونحو ذلك. واستدل بالحديث المتقدم.
وبقوله: ﷺ: " مطل الغني ظلم " (^٣) .
وبقوله: " إن لصاحب الحق مقالا " (^٤) .
(وليس له) أي: للحاكم (أخراجه) من الحبس (حتى يتبين) له (أمره)،
لأن أمره بالحبس حكم لغيره فلم يكن له رفعه بغير رضى المحكوم له، أو يتبين (^٥) للحاكم عدم استحقاق المحبوس، لكونه معسرا أو نحو ذلك.
(وتجب تخليته) أي: المحبوس (إن بان) للحاكم كونه (معسرا) ولو لم يرض غريمه. فيخرجه الحاكم ولم يسعه حبسه. نقله حنبل.
(أو) حتى (يبرئه) غريمه من الدين أو من الحبس، بأن يقول للحاكم:
خل عنه، لأن الحق له في ذلك.
_________________
(١) في أوب: الشديد. وفي ج: الرشيد، وما أثبتناه من " السنن ".
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٢٨) ٣: ٣١٣ كتاب الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٦٩٠) ٧: ٣١٧ كتاب البيوع، مطل الغني. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٢٧) ٢: ٨١١ كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة. واخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٩٧٥) ٤: ٢٢٢
(٣) سبق تخريجه ص: ٣٦٩.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١٨٣) ٢: ٨٠٩ كتاب الوكالة، باب الوكالة في قضاء الديون.
(٥) في أ: بتبيين.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
(أو) حتى (يوفيه) أي: يوفي غريمه ما حبس عليه؛ لانتهاء غاية الحكم بإيفاء (^١) الحق.
(فإن أبى) دفع ما عليه بعد حبسه: (عزره) الحاكم. قاله في " الفصول " وغيره.
قال: (ويكرر) حبسه وتعزيره حتى يقضيه؛ كقولنا فيمن أسلم على أكثرمن أربع.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: نص عليه الأئمة من أصحابنا من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه نزاعا.
(ولا يزاد كل يوم على أكثر التعزير).
قال في " الفروع ": إن قيل: يتعزر.
(فإن أصر) مع ذلك على عدم قضاء الدين: (باع) الحاكم (ماله، وقضاه)؛ لما روى كعب بن ممالك " أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه " (^٢) . رواه الخلال والدارقطني من رواية إبراهيم بن معاوية. وقد ضعف. ورواه الحاكم وقال: على شرطهما.
وظاهره: يجب.
نقل حرب: إذا تقاعد بحقوق الناس يباع عليه ويقضى.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يلزم الحاكم ذلك.
وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع "، وقال فيه: ومن طلب منه دين حال يقدر عليه بلا سفر لم يترخص في الأصح. وإن لم يطلبه أو يحل في سفره فقيل: له السفر والقصر والترخص؛ لكيلا يحبس قبل طلبه؛ كحبس الحاكم.
وقيل: لا. إلا أن يوكل؛ لئلا يمنع به واجبا.
_________________
(١) في ب: بإبقاء.
(٢) أخرجه الدارقطنى في " سننه " (٩٥) ٤: ٠ ٢٣ كتاب في الأقضيه. وأخرجه الحاكم في مستدركه (٧٠٦٠) ٤: ١١٣ كتاب الأحكام.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
وقيل: إن سافر وكيل في القضاء قبله لم يترخص [اهـ].
وإلا عذر؛ لفوت رفقة ومرض ونحوه. ذكره في " الانتصار ".
(وتحرم مطالبة ذي عسرة بما عجز عنه وملازمته والحجر عليه)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
ولقول النبي ﷺ لغرماء الذي كثر دينه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " (^١) .
(فإن ادعاها) أي: ادعى المدين العسرة ولم يصدقه رب الدين (ودينه عن عوض؛ كثمن) عن مبيع أخذه، (و) كبدل (قرض، أو عرف له مال سابق والغالب بقاؤه، أو) كان الدين (عن غير عوض وأقر) المدين (أنه مليء) به: (حبس)؛ لأن الأصل بقاء المال.
ولأنه مؤأخذ بإقراره.
(إلا أن يقيم بينة به) أي: بما ادعاه من العسرة. (ويعتبر فيها) أي: في البينة التي تشهد بعسرته (أن تخبر باطن حاله)؛ لأن هذا من الأمور الباطنة التى لا يطلع عليها في الغالب إلا المخالط له.
فإن قيل: هذه شهادة على نفي. فلم تسمع؛ كالشهادة على أنه لا دين له؛ فالجواب: أن الشهادة على النفي لا ترد مطلقا. فإنه لو شهدت بينة أن هذا وارث هذا الميت لا وارث له سواه قبلت.
ولأن هذه وإن كانت تتضمن النفي فهي تثبت حالة تظهر وتقف عليها المشاهدة. بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له. فإن هذا مما لا يوقف (^٢) عليه ولا تشهد به حالة يتوصل بها إلى معرفته. بخلاف مسألتنا.
(ولا يحلف) المدين (معها) أي: مع البينة الشاهده بإعساره؛ لما فيه من تكذيب البينة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٥٦) ٣: ١١٩١ كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين.
(٢) في ب: يتوقف.
[ ٥ / ٣٥٥ ]
(أو) إلا أن (يدعي تلفا) لماله (ونحوه) أي: التلف، كنفاد ماله في النفقة أو غيرها، (ويقيم بينة به) أي: بما يدعيه من التلف أو النفاد. وتسمع سواء كانت ممن تخبر باطن حاله أو لا، لأن التلف والنفاد يطلع عليه من خبر باطن حاله وغيره.
(ويحلف معها) إن التمس ذلك منه رب الدين (^١)؛ لأن اليمين هنا على أمر محتمل غير ما شهدت به البينة.
وفي هذه وجه: لا يحلف. وفي التي قبلها وجه يحلف؛ لأنها تشتهد بالظاهر.
وفي "الترغيب ": إن حلف أنه قادر حبس، وإلا حلف المنكر عليهما وخلي. (ويكفي في الحالين أن تشهد بالتلف أو الإعسار)
قال الزركشي: هذا المحقق، وجزم به الموفق وصاحب " الفروع " وغيرهم.
وفي " التلخيص ": لا يكتفى في الشهادة بالإعسار، بل لا بد من الشهادة بالتلف والإعسار معا.
وفي " الرعايتين " و" الحاويين " و" الفائق ": تشهد بذهابه وإعساره، لا أنه لا يملك شيئا.
(وتسمع) البينة (قبل حبس كبعده) ولو بيوم، لأن كل بينة جاز سماعها
بعد مدة جاز سماعها في الحال، كسائر البينات.
(أو) إلا أن (يسأل سؤال مدع) عن علم حاله فتكون دعوى مستقلة، (ويصدقه) المدعي على عسرته: (فلا) يحبس في الصور الثلاث. وهي ما إذا اقام البينة على عسرته، أو على نفاد ماله، أو صدقه المدعي عليها.
(وإن أنكر) المدعي عسرته (وأقام بينة بقدرته) ليسقط عنه اليمين، (أو حلف بحسب جوابه)، كسائر الدعاوي: (حبس) المدعى عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن دينه عن عوض، ولم يعرف له مال سا، ولم
_________________
(١) في ج: الدين الحلف.
[ ٥ / ٣٥٦ ]
يقر أنه مليء، ولم يحلف مدع طلب يمينه أنه لا يعلم عسرته:) حلف مدين) أنه لا مال له، (وخلي) سبيله؛ لأن الأصل عدم المال.
قال ابن المنذر: الحبس عقوبة ولا نعلم له ذنبا يعاقب به.
وفي " الترغيب ": يحبس إلى ظهور إعساره.
وفي " البلغة ": إلى أن يثبت.
وظاهر الخرقي: أنه كمن عرف بمال.
وظاهره: أنه إذا نكل حبس. والله أعلم.
وإذا حبس زوج لحق زوجته فقال الشيخ تقي الدين: لم يسقط من حقوقه
عليها شيء قبل الحبس فيستحقها (^١) عليها بعد الحبس؛ كحبسه في دين غيرها. فله إلزامها ملازمة بيته، ولا تدخل إليه أحدا إلا بإذنه.
فإن خاف أن تخرج منه بلا إذنه فله أن يسكنها حيث لا يمكنها الخروج؛ كما
لو سافر عنها، أو حبسه غيرها.
ولا يجب حبسه في مكان معين، بل المقصود تعويقه عن التصرف حتى يؤدي ذلك. فيجب حبسه في دار ولو في دار نفسه بحيث [لا يمكن من الخروج. ويجوز أن يحبس وترسم هي عليه إذا حصل المقصود بذلك بحيث] (^٢) تمنعه
من الخروج. وهذا أشبه بالسنة.
فـ " إن النبي ﷺ أمر الغريم بملازمة غريمه وقال له: ما فعل أسيرك " (^٣) .
وإنما المرسم وكيل الغريم في الملازمة.
فإذا لم يكن للزوج من يحفظ امرأته غير نفسه وأمكن أن يحبسها في بيت
واحد فتمنعه هي من الخروج فعل ذلك. فإن له عليها أن يحبسها في منزله ولها
_________________
(١) في أب: يستحقها.
(٢) زبادة من ج.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٢٨) ٢: ٨١١ كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة.
[ ٥ / ٣٥٧ ]
عليه حبسه في دينها، وحقه عليها آكد. فإن حق نفسه في المبيت (^١) ثابت ظاهرا وباطنا. بخلاف حبسها له. فإنه بتقدير إعساره لا يكون حبسه مستحقا في نفس الأمر، إذ حبس العاجز لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
ولأن حبسها له عقوبة حتى يؤدي الواجب عليه، وحبسه لها حق ثبت بموجب العقد وليس بعقوبة، بل حقه عليها كحق المالك على المملوك. ولهذا كان النكاج بمنزلة الرق والأسر للمرأة.
قال عمر: " النكاج رق. فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ".
وقال زيد بن ثابت: " الزوج سيد في كتاب الله تعالى وقرا: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] ".
وقال ﷺ: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم " (^٢) .
والعاني الأسير.
وإذا كان كذلك ظهر أن ما يستحقه عليها من الحبس أعظم مما تستحقه عليه. إذ غاية الغريم أن يكون كالأسير.
ولأنه يملك مع حبسها في منزله الاستمتاع بها متى شاء. فحبسه لها دائما يستوفى في حبسها ما يستحقه عليها، وحبسها له عارض إلى أن يوفيها حقها، والحبس الذي يصلح لتوفية الحق مثل المالك لأمته. بخلاف الحبس إلى أن يستوفي الحق فإنه من حبس الحر للحر. ولهذا لا يملك الغريم منع المحبوس من تصرف يوفي به الحق ولا يمنعه من حوائجه إذا احتاج الخروج من الحبس مع ملازمته له.
(وليس على محبوس قبول ما يبذله غريمه مما عليه منة فيه). قاله الشيخ
تقي الدين.
_________________
(١) في أ: البيت.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٣ ١) ٣: ٤٦٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في حق المرأه على زوجها. ولفظه: " ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ".
[ ٥ / ٣٥٨ ]
وقال: وليس للزوجة أن تمنع من قبول ذلك من زوجها. وبهذا وغيره يتبين
أن له أن يلزمها ويمنعها من الخروج أكثر مما لها أن تلزمه وتمنعه من الخروج من حبسه. فإذا لم يكن له أن يلزمها من يقوم مقامه في ذلك لم يجز أن يمنع من ملازمتها وهذا حرام بلا ريب. إلى أن قال: ولو طلب منها الاستمتاع في الحبس فعليها أن توفيه ذلك؛ لأنه حق عليها. وإنما المقصود بالحبس أو الملازمة أن الغريم يلازمه حتى يوفيه حقه ولو لازمه في داره جاز (^١) .
فإن قيل: فهذا يفضي إلى أن يمطلها ولا يوفي؟
فالجواب: أن تعويقه عن التصرف هو الحبس. وهو كاف في (^٢) المقصود
إذا لم يظهر امتناعه عن أداء الواجبات. فإن ظهر أنه قادر وامتنع ظلما عوقب بأعظم من الحبس بضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي، إلى أن قال: ففي الجملة لا يجوز حبسها له، وتذهب هي حيث شاءت باتفاق العلماء، بل لا بد من الجمع بين الحقين ورعاية المصلحتين، لا سيما إذا كان ذهابها مظنة للفاحشة. فإن ذلك يصير حقا لله تعالى، يجب على ولي الأمر رعايته وإن لم يطلبه الزوج. انتهى. وإن قامت بينة بمعين (^٣) للمدين فأنكر ولم يقر به لأحد، أو قال لزيد فكذبه: قضي منه دينه. وإن صدقه فوجهان. وعليها لا يثبت الملك للمدين؛ لأنه لا يدعيه.
قال في " الفروع ": وظاهر هذا أن البينة هنا لا يعتبر لها تقدم دعوى، وإن
كان له بينة قدمت؛ لإقرار رب الدين.
وفي " المنتخب ": بينة المدعي؛ لأنها خارجة. انتهى.
(وحرم إنكار معسر، وحلفه)؛ أنه لا حق عليه (ولو تأول) نصا؛ لأنه يصير ظلما بذلك. فلم ينفعه التأويل.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: من.
(٣) في ج: بعين.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
وقال في " الإنصاف ": قلت: لو قيل بجوازه إذا تحقق ظلم رب الحق له وحبسه ومنعه من القيام على عياله لكان له وجه. انتهى.
ومن سئل عن غريب وظن إعساره شهد. قاله في " الفروع ". انتهى.
وعبارته في " الرعاية ": والغريب العاجز عن بينة إعساره يأمر الحاكم من
يسأل عنه. فإذا ظن السائل إعساره شهد به عنده (^١) .
(وإن سأل غرماء من) أي: مدين (له مال لا يفي بدينه) الحال، (أو)
سأل (بعضهم الحاكم الحجر عليه) أي: على المدين: (لزمه) أي: الحاكم (إجابتهم) أي: إجابة الغرماء أو بعضهم وحجر.
والأصل فى ذلك ما روى كعب بن مالك " أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ
[وباع ماله " (^٢) . رواه الخلال بإسناده.
وعن عبد الرحمن بن كعب قال: " كان معاذ] (^٣) بن جبل من أفضل شبان قومه، ولم يكن يمسك شيئا. فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين. فكلم النبي ﷺ غرماءه. فلو ترك أحد من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل النبي ﷺ. فباع لهم رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء " (^٤) .
قال بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء لمعاذ حين كلمهم النبي ﷺ؛
لأنهم كانوا يهودا.
وظاهر ما تقدم: أنه لا بد من سؤال من له حق الحاكم في الحجر وحكم الحاكم به. وهو المذهب.
_________________
(١) في أ: عنه.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٥٤) رقم (٢).
(٣) ساقط من أ.
(٤) وأخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (١٧٧ ٥ ١) ٨: ٢٦٨ كتاب البيوع، باب المفلس والمحجور عليه. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٤٨ كتاب التفليس، باب الحجر على المفلس وبيع ماله في ديونه.
[ ٥ / ٣٦٠ ]
وعنه: إن ضاق ماله عن ديونه صار محجورا عليه بغير سؤال ولا حاكم، واختارها الشيخ تقي الدين.
وقيل: إن طلب المفلس من الحاكم الحجر لزمه إجابته.
(وسن إظهار حجر سفه وفليس)؛ ليعلم الناس بحالهما. فلا يعاملوهما إلا
على بصيرة.
(والإشهاد عليه) أي: علل الحجر؛ لأنه ربما عزل الحاكم أو مات فيثبت
عند من قام مقامه فيمضيه (^١)، ولا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان.
***
_________________
(١) في أ: فيحضيه.
[ ٥ / ٣٦١ ]
[فصل: في أحكام الحجر]
(فصل. ويتعلق بحجره) أي: المفلس (أحكام) أربعة:
(أحدها: تعلق حق غرمائه بماله)؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر عليه فائدة.
ولأنه يباع في ديونهم. فكانت حقوقهم متعلقة به؛ كالرهن.
إذا ثبت هذا (فلا يصح أن يقر به) المفلس (عليهم) أي: على الغرماء، (أو) أن (يتصرف فيه بغير تدبير).
وفي " المستوعب ": وصدقة بيسير.
أما كونه يصح بالتدبير؛ فلأن تأثير ذلك بعد زوال الحجر بالموت.
قلت: وقياس التدبير الوصية. لكن إنما يظهر أثر صحة ذلك إذا مات عن
مال يخرج المدبر أو الموصى به من ثلثه بعد وفاء دينه. والله أعلم.
والمراد تصرفا مستأنفا؛ كالبيع والهبة والوقف والإصداق وجعله عوضا في طلاق أو خلع أو عتق ونحو ذلك.
أما كون المفلس لا يصح إقراره بماله؛ فلأنه محجور عليه فيه. أشبه الراهن
يقر بالرهن؛ لأن في ثبوته إبطالا لحق غير المقر له. فلم يقبل.
ولأنه متهم في ذلك. فيكون كالإقرار على غيره.
وإن أقر بعين قبل على نفسه.
ونقل موسى بن سعيد: إن تصرف قبل طلب رب العين بها جاز لا بعده.
ذكره في " الفروع ".
قال المجد في " شرج الهداية ": فإن أفاد مالا غير ما في يده فقال في التفريع: قضي من ذلك المال ما أقر به. وهذا بظاهره يشمل ما قبل ذلك الحجر
[ ٥ / ٣٦٢ ]
وبعده، وهو متوجه يحتمله مذهبنا (^١)؛ لأنه غير متهم بالنسبة إليه. وصرح به في "التهذيب " وبسط القول فيه. انتهى.
وأما كونه لا يصح تصرفه فيه؛ فلأنه محجور عليه بحكم حاكم. أشبه السفيه.
وأما كونه يصح إذا لم يكن مستأنفا؛ كما لو اشترى معيبا قبل الحجر ثم اطلع على عيبه بعده، واختار الفسخ، أو اشترى أو باع واشترط الخيار إلى وقت معين ثم حجر عليه قبل مضيه واختار إمضاء البيع أو فسخه؛ فلأن ذلك إتمام لتصرف سابق حجره. فلم يمنع منه؛ كاسترداد وديعة له أودعها قبل الحجر. ولا يتقيد هذا التصرف بالأحظ في أصح أو جهين. قاله في " البلغة ".
وأما كون تدبير المفلس صحيحا؛ فلأنه وصية ولا ضرر على الغرماء بذلك؛ لأن المدبر يصح بيعه فلا يفوت عليهم بذلك شيء.
وظاهر ما تقدم أن عتق المفلس لا ينفذ. وهو المذهب؛ لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء. فلم ينفذ عتقه؛ كالمريض الذي يستغرق دينه ماله.
وفيه رواية: ينفذ لقوته بسرايته إلى ملك الغير. بخلاف سائر التصرفات. وأجيب عن ذلك: بأن شرط السرايه: أن يكون المعتق موسرا ليأخذ منه
قيمة نصيب شريكه فلا يتضرر بذلك، ولو كان معسرا لم ينفذ إلا فيما يملك (^٢)؛ صيانة لحق الغير حفظا له عن الضياع. كذا هنا.
وعلم مما تقدم أن تصرفه في ماله قبل الحجر عليه صحيح. نص عليه؛ لأنه رشيد غير محجور عليه.
ولأن سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه.
وفيه وجه: لا ينفذ. واختاره الشيخ تقي الدين.
وعلى المذهب: يحرم إن أضر بغريمه. ذكره الآمدي البغدادي.
(ولا) يصح (أن يبيعه لغرمائه) أي: لا يصح أن يبيع المفلس ماله
_________________
(١) في ج: متجه يحمله متعينًا.
(٢) في ب: ملك.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
لغرمائه، (أو لبعضهم بكل الدين)؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه. فلم يصح بيعه؛ كما لو باعه بأقل من الدين.
ولأن الحاكم لم ينشئ الحجر إلا للمنع من التصرف. وفي القول بصحة البيع إبطال لذلك.
وفيه وجه: يصح؛ لأنه إنما منع من التصرف فيه لحق الغرماء، وإذا باعه بقدر جميع الدين فقد حصل الوفاء (^١) بثمنه. فكأنه لم يكن مفلسا. وأطلقهما في " الفروع ".
وإذا تصرف المفلس بإذن الغرماء في استيفاء دين أو المسامحة فيه أو نحو ذلك،
قال المجد في " شرحه " (^٢): فكلام القاضي وابن عقيل في كتابيهما يدل على صحته ونفوذه، والذي حكيناه عن القاضي قيل هذا ظاهره خلاف ذلك. انتهى.
(ويكفر هو وسفيه بصوم)؛ لأن إخراج الكفارة من مال المفلس يضر بغرمائه. ومن مال السفيه يضر به. وللمال (^٣) المكفر به بدل وهو الصوم. فرجع إليه؛ كما لو وجبت الكفارة على من لا مال له.
(إلا إن فك حجره وقدر) على المال (قبل تكفيره): فإنه يصير كموسر لم يحجر عليه قبل ذلك.
(وإن تصرف) المفلس المحجور عليه (في ذمته بشراء أو إقرار، ونحوهما)؛ كضمان: (صح)؛ لأنه أهل للتصرف، والحجر متعلق بماله لا بذمته. فوجب صحة تصرفه بذمته عملا بأهليته السالمة عن معارضة الحجر. (وتبع) بالبناء للمفعول المفلس المحجور عليه (به) أي: بثمن المبيع أو بالمقر به أو المضمون (بعد فكه) أي: الحجر؛ لأنه حق عليه. وإنما منعنا تعلقه بماله لحق الغرماء السابق على ذلك. فإذا استوفي (^٤) فقد زال العارض،
_________________
(١) في أ: الفرق.
(٢) في ج: " شرج الهداية ".
(٣) في أ: وللمالك.
(٤) في أ: وللمالك.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
وملك رب الحق المطالبه بحقه.
وعلم من ذلك: أنه ليس لأرباب هذه الحقوق مشاركة الغرماء؛ لأن من علم فلسه وعامله فقد رضي بالتأخير، ومن لم يعلم فقد فرط.
أما إن ثبت عليه بعد الحجر حق لزمه قبله شاوك صاحبه الغرماء؛ كما لو شهد به قبل الحجر.
(وإن جنى) المفلس المحجور عليه جنايه موجبة للمال أو للقصاص- وصولح عنها على مال: (شارك مجني عليه الغرماء)؛ لأن حقه ثبت على الجانى بغير اختيار من له الحق ولم يرض بتأخيره (^١)، كما قبل الحجر.
(وقدم) بالبناء للمفعول (من) أي: إنسان (جنى عليه قنه) أي: قن المفلس (به) أي: بالقن الجانى؛ لتعلق حقه بعينه، كما يقدم حق المرتهن بثمن الرهن على الغرماء.
الحكم (الثاني) من الأحكام المتعلقة بالحجر: (أن من وجد عين ما باعه) للمفلس (أو أقرضه) إياه (أو أعطاه) له حال كونه (رأس مال سلم، أو). وجد شيئا (أجره) للمفلس حتى (ولو) كان المؤجر للمفلس (نفسه)؛ أي: غريم المفلس (ولم يمض من مدتها) أي: الإجارة (شيء) أي: زمن له أجرة. فيما إذا أجره شيئا أو أجره نفسه؛ لأنه لا يمكن التحرز عن مضي جزء منها بحال. (أو نحو ذلك)؛ كما لو وجد شقصا أخذه المفلس منه بالشفعة.
إذا وجد ذلك جميعه قبل الحجر. (و) كذا (لو) فعل ذلك (بعد حجره)
حال كون البائع أو المقرض أو المسلم أو المؤجر (جاهلأ به) أي: بالحجر. ومن نحو ما تقدم أيضًا لو أصدق امرأة عينا ثم انفسخ النكاج قبل الدخول على
وجه يسقط به المهر ثم حجر عليها والعين بيدها: (فهو) أي: واجد العين التي باعها أو أقرضها، أو أعطاها رأس مال سلم، أو أجرها بشرط ذلك المقدم ذكره، أو أخذها المفلس منه بالشفعه، أو أخذتها المفلسة صداقا وسقط (أحق بها).
_________________
(١) في أ: بتأخير.
[ ٥ / ٣٦٥ ]
والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أدرك متاعه عند إنسان فهو أحق به " (^١) متفق عليه.
وقال بذلك في الجملة عثمان، وعلي، وعروة بن الزبير، ومالك،
والأوزا عي، والليث، وعبدالله (^٢) بن الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال: لا نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ خالف عثمان وعليا.
وأما كون حكم من عامله بعد حجره جاهلا به حكم من عامله قبله في كونه أحق بعين ما أعطاه له على التفصيل المتقدم " فلأنه معذور بجهله الحجر، وليس بمقصر بعدم السؤال عنه " لأن الغالب على الناس عدم الحجر.
وقيل: ليس له ذلك.
وقيل: له ذلك ولو علم بحجره.
إذا ثبت هذا فإن لمن قلنا إنه أحق بعين ماله أخذها (ولو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها) نصا. نقله أبو الحارث.
(أو بذله) أي: ولو بذل له ثمنها (غريم) أي: من غرماء المفلس. نص عليه أيضًا.
(أو خرجت) أي: ولو خرجت عن ملك المفلس ببيع أو غيره (وعادت لملكه) بعقد أو فسخ أو غيرهما، كما لو وهبها لولده ثم رجع فيها " لأن الحديث ليس بمقيد بما عدا هذه الصور (^٣) فيتناولها إطلاقه.
وقيل: لا يكون أحق بها بعد خروجها عن ملك المفلس مطلقا.
وقيل: إن عادت إلى ملكه بفسخ كان أحق بها وإلا فلا.
(وقرع إن باعها) أي: باع السلعة المفلس (ثم اشتراها) من مشتريها أو غيره (بين البائعين). فأيهما قرع الآخر كان أحق بها " لأنه يصدق على كل
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٧
(٢) في أوب: وعبيدالله.
(٣) في أ: الصورة.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
منهما أنه أدرك متاعه الذي باعه عند من أفلس، وتقديم أحدهما به ترجيح من غير مرجح. فاحتجنا إلى تمييز المقدم بها بالقرعة.
وقيل: يقدم البائع الأول لسبقه.
فإن قيل: لم لا تقسم العين بينهما من غير قرعة؛ لتعلق استحقاق كل منهمابها؟
فالجواب: أنا لا نسلم أن كلا من البائعين تعلق استحقاقه بها؛ لأن ذلك
يفضي إلى إسقاط حق كل منهما. يوضح ذلك: أن المبيع لو كان أمة مثلا وباع المفلس نصفها ولم تعد إلى ملكه لم يكن البائع أحق بها؛ لأنه لم يدرك متاعه، وإنما أدرك بعضه. فكذا إذا قيل يتعلق حق البائع الثانى بأخذ نصفها. وإذا سقط حق البائع الأول وهو أسبق فأولى ان يسقط حق البائع الثانى إذا قيل إن البائع الأول حقه متعلق بالنصف الآخر، وإنما الأحق بأخذها أحدهما لا بعينه، لاشتراكهما في كون كل منهما أدرك متاعه الذي باعه عند من أفلس فاحتجنا إلى إخراجه بقرعة؛ لأنها تميز المبهمات. والله ﷾ أعلم.
إذا ثبت هذا فإن لمن قلنا إنه أحق بمتاعه الذي أدركه أن يترك حقه ويكون
أسوة الغرماء. لكن لو تركه أحد البائعين في المسألة التي تقدمت تعين الآخر ولا يحتاج إلى قرعة.
(وشرط) لملك الأخذ شروط ستة (^١):
الأول: (كون المفلس حيا إلى أخذها)؛ لما روى أبو بكر بن عبدالرحمن
ابن الحارث بن هشام أن النبي ﷺ قال: " أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء " (^٢) . رواه مالك وأبو داود مرسلا.
_________________
(١) في أب: ستة شروط.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٢٠) ٣: ٢٨٦ كتاب الاجارة، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده. وأخرجه مالك في " الموطأ " (٨٧) ٢: ٥٢٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في إفلاس الغريم.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
ورواه أبو داود مسندا من حديث إسماعيل بن عياش عن الزبيدي (^١) عن الزهري عن أبي بكر عن أبي هريرة (^٢) .
"قال أبو داود: وحديث مالك أصح (^٣) .
ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة. أشبه ما لو باعه.
وعنه: ليس ذلك بشرط؛ لحديث رواه أبو داود أيضا (^٤) .
والجواب عنه: بأنه مجهول الإسناد. قاله ابن المنذر.
(و) الشرط الثانى: (بقاء كل عوضها) أي: العين (في ذمته) أي: المفلس؛ للحديث المتقدم.
ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضا للصفقة (^٥) على المشتري وإضرارا؛ لكونه لا يرغب فيه كالرغبة كاملا. فيتضرر المفلس والغرماء بالنقص.
ولأنه سبب يفسخ به البيع. فلم يجز مع تشقيصه، كالرد بالعيب.
(و) الثالث: (كون كلها) أي: السلعة (في ملكة) أي: المفلس؛ لأنه
مع تلف بعضه أو وقفه أو بيعه وبقائه على ملك مشتريه، أو هبته وبقائه على ملك الموهوب له لم يدرك متاعه وإنما أدرك بعضه.
ولأنه إذا أدركه كله حصل له بأخذه فصل الخصومة وانقطاع ما بينهما من المعاملة. بخلاف ما إذا وجد بعضه.
ولا فرق بين أن يرضى بالباقي بجميع الثمن أو بقسطه منه؛ لأنه قد فات
_________________
(١) في أ: الزبير.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٢٢) ٣: ٢٨٧ كتاب الإجارة، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في أ: وأيضا. عن أبي المعتمر، عن عمر بن خلدة قال: " أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ: من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٢٣) الموضع السابق.
(٥) في أ: للصفة.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
شرط الرجوع. .
(إلا إذا جمع العقد عددا)؛ كما لو كان المبيع عن دين: (فيأخذ مع تعذر بعضه) أي. المبيع بتلف أحدهما أو بعضه؛ كما لو قطعت يده، (ما بقي) أي: العبد الذي بقي سالما. نص على نحو ذلك الإمام في رواية الحسن بن ثواب؛ لأن السالم من المبيع وجده البائع بعينه فيدخل في عموم قوله ﵊: " من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد (^١) أفلس فهو أحق به " (^٢) . وعنه: لا يرجع. نقلها أبو طالب.
(و) الشرط الرابع: أن تكون (السلعة بحالها) حتى انتقلت عنه. بأن لم تنقص ماليتها لذهاب صفة مع بقاء عينها؛ وذلك بأن (لم توطأ بكر) فتصير ثيبا، (ولم يجرح قن) جرحا تنقص به ماليته؛ لأنه قد ذهب من العين جزء له بدل وهو المهر والأرش. فمنع الرجوع؛ كما لو قطعت يده. وفيهما (^٣) وجه.
(و) بأن (لم تخلط بغير متميز) عنها؛ كما لوكانت زيتا فخلطت بزيت،
أو قمحا فخلطت بقمح ونحو ذلك؛ لأنه لم يجد عين ماله. فلم يكن له الرجوع؛ كما لو تلفت.
ولأن ما يأخذه من غير ماله إنما يأخذه عوضا عن ماله. فلم يختص به دون الغرماء.
وقول النبي ﷺ: " من أدرك متاعه بعينه " أي: من قدر عليه وتمكن من أخذه من المفلس. بدليل ما لو وجده بعد زوال ملك المفلس عنه، أو كان مسامير قد سمر بها بابا ونحو ذلك.
_________________
(١) في ج: فقد.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٧٢) ٢: ٨٤٥ كتاب الاستقراض. . .، باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٥٥٩) ٣: ١١٩٤ كتاب المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه.
(٣) في أ: وفيها.
[ ٥ / ٣٦٩ ]
(و) بأن (لم تتغير صفتها بما يزيل اسمها؛ كنسج غزل، وخبز دقيق، وجعل دهن صابونا)، وجعل شرط إبراء ونحو ذلك؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه. فلم يكن له الرجوع؛ كما لو تلف.
(و) الخامس: كون السلعة (لم يتعلق بها حق؛ كشفعة). وإنما منع تعلق الحق بالشفعة من الرجوع؛ لأن حق الشفيع أسبق؛ لكونه ثبت بالبيع، والبائع ثبت حقه بالحجر، وما كان أسبق فهو أولى.
وقال ابن حامد: للبائع أخذه؛ لعموم الخبر.
وفيه وجه ثالث: إن طالب بها فهو أحق (^١) لتأكد حقه بالمطالبه، وإلا فلا. (وجناية)؛ كما لو كان عبدا فجنى على المفلس أو غيره.
وإنما منع تعلق حق [الجناية من] (^٢) الرجوع؛ لأن الرهن يمنعه، وحق الجناية مقدم عليه فأولى أن يمنع. وفيه وجه.
(ورهن). وإنما منع تعلق حق المرتهن به من الرجوع؛ لأن المفلس عقد
قبل الفلس عقدا منع نفسه به من التصرف فيه. فلم يملك باذله الرجوع فيه؛ كما لو وهبه المفلس.
ولأن في الرجوع إضرارا بالمرتهن، والضرر لا يزال بمثله. فلو كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، بييع كله ورد باقي ثمنه على مال المفلس. فإن بييع بعضه ووفى الدين فباقيه بين الغرماء.
ولمحيه وجه: يرجع فيه باذله؛ لأنه عين ماله.
(وإن أسقطه) أي: الحق (ربه)؛ كالشفيع من الشفعة، وولي الجناية منها، والمرتهن من الرهن: (فكما لو لم يتعلق) بالعين حق من ذلك. ويملك مدركه الرجوع فيه؛ لأنه وجد متاعه بعينه خاليا من تعلق حق غيره به.
(و) الشرط السادس: كون السلعة (لم تزد زيادة متصلة؛ كسمن)،
_________________
(١) في ب: أحق بها.
(٢) في أ: البائيع فئ.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
وكبر، (وتعلم صنعة) تزيدها القيمة؛ ككتابة وحدادة (^١) وقصارة، (وتجدد حمل) في بهيمة.
ؤوجه ذلك: أنه فسخ بسبب حادث. فلم يملك به الرجوع في عين المال الزائد زيادة متصلة؛ كفسخ النكاج با لإعسار، أو الرضاع.
ولأنها زياده وجدت في ملك المفلس. فلم يستحق أخذها؛ كالمنفصلة، وكالحاصلة بفعله.
ولأن النماء لم يصل إليه من البائع. فلم يستحق أخذه منه؛ كغيره من أمواله. وعنه: أن الزيادة لا تمنع الرجوع؛ لأنه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة.
فلا تمنعه المتصلة؛ كالرد بالعيب.
ورد: بمفارقته الرد بالعيب لوجهين:
أحدهما: أن الفسخ (^٢) للعيب من المشتري فهو راض بإسقاط حقه من الزيادة. بخلاف مسألتنا.
والثاني: أن الفسخ للعيب لمعنى فارق العقد وهو العيب القديم، والفسخ
هنا لسبب (^٣) حادث. فهو بفسخ النكاج الذي لا يستحق به استرجاع العين الزائدة أشبه.
واحتج القائلون بأنها لا تمنع الرجوع أيضًا؛ بعموم الخبر.
ورد: بأنه محمول على من وجد متاعه على صفته ليس بزائد ولم يتعلق به حق آخر. وهاهنا قد تعلقت به حقوق الغرماء؛ لما فيه من الزيادة لما ذكرنا من الدليل. يحققه: أنه إذا كان تلف بعض المبيع مانعا من الرجوع من غير ضرر يلحق بالمفلس ولا بالغرماء. فلأن تمنع الزيادة فيه مع تفويتها بالرجوع عليهم أولى. ولأنه إذا رجع في الناقص فما رجع إلا فيما باعه وخرج منه. وإذا رجع في
_________________
(١) في أ: وحداد.
(٢) في ب: الرد.
(٣) في ج: بسبب.
[ ٥ / ٣٧١ ]
الزائد استرجع ما لم يخرج منه. فكان بالمنع أحق.
(لا إن ولدت) البهيمة عند المفلس. فإن ذلك لا يمنع من الرجوع، لأن
ذلك زيادة منفصلة؛ كما لو كانت السلعة نخلا فحصل منها تمر، أوعبدا ذا كسب (^١) فكسب بغير خلاف بين الأصحاب.
وسيأتى الكلام على ذلك في المتن.
(ويصح رجوعه) أي: رجوع المدرك متاعه عند المفلس بشرطه (بقول): كرجعت في متاعي، أو أخذته، أو استرجعته، أو فسحت البيع إذا كان مبيعا. (ولو متراخيا)، كالرجوع في الهبة.
وقيل: على الفور " كخيار الشفعة وهما مبنيان على الروايتين في الرد بالعيب.
(بلا حاكم)، لثبوته بالنص، كفسخ المعتقة.
وقيل: بلى (^٢) . بناء على تسويغ الاجتهاد.
(وهو) أي: رجوع من أدرك متاعه بعينه عند المفلس فيه (فسخ) أي: كالفسخ في الحكم، لأنه قد لا يكون هناك عقد يفسخ " كاسترجاع الزوج للصداق الذي انفسخ النكاج فيه فسخا يسقط الصداق قبل فلس المرأة.
ومحل ذلك: لو باعته ثم عاد إليها ونحو ذلك، وإلا فيرجع إلى ملكه قهرا حيب استمر في ملكها بصفته.
(لا يحتاج) الراجع (إلى معرفة) بالمرجوع فيه لو كان قد تولى العقد وكيله
أو نحو ذلك.
(ولا قدرة) من المفلس (على تسليم) له.
(فلو رجع فيمن أبق) من المفلس، كما لو كان عبدا: (صح) رجوعه، (وصار) الآبق ملكأ (له فإن قدر) عليه (أخذه، وإن) عجز عنه أو (تلف) بأن
_________________
(١) في أ: لكسب.
(٢) في أوب: بين.
[ ٥ / ٣٧٢ ]
مات بعد الرجوع فيه (فمن ماله) أي: مال الراجع؛ لدخوله في ملكه بالرجوع.
(وإن بان تلفه حين رجع)،بأن تبين أنه مات قبل رجوعه: (بطل استرجاعه)؛ لأنه تبين أنه لم يكن هناك ما يرجع فيه، وكان له أن يضرب مع الغرماء في الموجود من (^١) مال المفلس.
(وإن رجع في شيء اشتبه بغيره) بأن قال الراجع: هذا عين مالي، وقال المفلس: بل هذا: (قدم تعيين مفلس)؛ لإنكاره دعوى استحقاق الراجع، والأصل معه.
(ومن رجع فيما) أي: في مبيع (ثمنه مؤجل، أو في صيد وهو) أي: الراجع (محرم: لم يأخذه) أي: الذي ثمنه مؤجل (قبل حلوله، ولا) الصيد (حال إحرامه).
أما المسألة الأولى؛ فقد نص عليها الإمام في رواية الحسن بن ثواب: أنه يكون ماله موقوفا إلى أن يحل دينه فيختار الفسخ أو الترك؛ لأنه لا يباع في الديون الحالة؛ لأن حق هذا البائع تعلق بالعين. فقدم على غيره وإن كان مؤجلا؛ كالمرتهن والمجني عليه.
وأما الثانية وهي مسألة الصيد؛ فلأن الرجوع فيه تملك له، ولا يجوز ذلك
مع الإحرام؛ كشرائه له.
وإن كان البائع حلالا والمفلس محرما: لم يمنع من (^٢) أخذه؛ لأن المانع
غير موجود في حقه.
(ولا يمنعه) أي: لا يمنع الراجع الرجوع (نقص) في السلعة؛ (كهزال، ونسيان صنعة)، ومرض، وجنون، ونحو ذلك؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله.
_________________
(١) في أ: في.
(٢) في ب: من له.
[ ٥ / ٣٧٣ ]
لكن من قلنا إنه أحق به مخير بين أخذه ناقصا بجميع حقه، وبين أن يضرب
مع الغرماء بكمال ثمنه، لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن أو هزال
أو نحوهما. فيصير كنقصه لتغير الأسعار.
(ولا) يمنعه أيضًا (صبغ ثوب أو قصره)، ولا لت سويق بدهن.
أما كون باذل الثوب الذي صبغ، والسويق الذي لت يملك الرجوع فيهما؛
فلأن عين مالهما قائمة مشاهدة ما تغير اسمها. ويكون المفلس شريكا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما.
قال في " المغني ": ويحتمل أن لا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة؛ لأنه
اتصل بالمبيع زيادة للمفلس. فمنعت الرجوع " كما لو سمن العبد.
وقال ابن أبي موسى: إن صبغه صبغا لا ينقلع لم يكن له رجوع.
وأما كون باذل الثوب الذي قصره يملك الرجوع فيه، فلأنه وجد عين ماله لم
يتغير (^١) اسمها ولا ذهب عينها. فملك الرجوع فيها. ويكون المفلس شريكا له
بما زاد عن (^٢) قيمته.
قال في " المغني ": وعلى قياس قول الخرقي لا يملك الرجوع إن زادت
قيمته بالقصارة، لأن الثوب زاد زيادة لا تتميز زيادتها. فلم يملك الرجوع،
كبائع الصبغ إذا صبغ به، والزيت إذا لت به.
وعلم مما تقدم أن قيمة الثوب إذا لم تزد ولم تنقص بالصبغ أو القصارة، كان
له الرجوع بغير خلاف في المذهب.
ومحل ذلك الرجوع: (ما لم ينقص) الثوب (بهما) أي: بالصبغ والقصارة. قاله في " التنقيح " تبعا لصاحب " الفروع ".
قال في " الرعاية " في مسألة صبغ الثوب: إن نقصت قيمته لم يرجع في
الأقيس.
_________________
(١) في أ: يتعين.
(٢) في أ: على.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
وقال المجد في " شرحه ": وذكر القاضي وابن عقيل وجها فيما إذا نقص الثوب بالقصاره أنه يسقط الرجوع؛ لأنه نقص بفعله. فأشبه إتلاف البعض. ووجها: لا يسقط؛ كا لهزال. قا ل: وهو أصح. انتهى.
ويقال هذا التعليل أيضًا فيما إذا نقص بالصبغ.
ورد هذا التعليل في " المغني " بأن هذا النقص نقص صفة. فلا يمنع الرجوع؛ كنسيان صنعة وهزال العبد.
وحيث تقرر ثبوت الرجوع في الثوب الذي صبغ أو قصر فمتى زادت قيمة المصبوغ بقدر قيمة الصبغ شارك المفلس فيه بقدر قيمة صبغه. إلا أن يدفعها الراجع. فإن أبى دفعها أجبر على بيع حقه. وإن نقصت عن قيمة الصبغ فالنقص من المفلس، وإن زادت قيمتهما فالزيادة مع قيمة الصبغ له.
وقيل: يشتركان فيه بالنسبة.
وإن زادت قيمة المقصور فإن كانت القصارة بعمل المفلس أو بأجرة وفاها.
فهما شريكان في الثوب. فإن كانت قيمته غير مقصور خمسة فصار مقصورا يساوي سته: فللمفلس سدسه، وللراجع فيه خمسة أسداسه.
فإن اختار صاحبه دفع قيمة الزيادة للمفلس لزمه قبولها؛ لأنه يتخلص بذلك من ضرر الشركة من غير ضرريلحقه. فأشبه ما لو دفع الشفيع قيمة البناء إلى المشتري. وإن لم يختر: بيع وأخذ كل واحد من ثمنه بقدر حقه.
وإن كان العمل من صانع لم يستوف أجره فله حبس الثوب عليه. فإن كانت الزيادة بقدر الأجرة دفعت إليه، وإن كانت أقل فله حبس الثوب على استيفاء قدر الزيادة ويضرب مع الغرماء بما بقي.
وإن كانت أكثر، مثل: أن تكون الزيادة درهمين وأجرة مثله درهم فله قدر أجرته (^١) وما فضل للغرماء.
_________________
(١) في أوب: أجره.
[ ٥ / ٣٧٥ ]
وإن كان الذي أخذه المفلس صبغا فصبغ ثوبا، أو زيتا فلت به سويقا: سقط الوجوع فيهما.
ولو اشترى ثوبا وصبغا من شخص واحد فصبغ به الثوب ثم أفلس، ولم تزد
قيمة الثوب والصبغ، ولم تنقص: فللبائع أخذ الثوب بما له. قاله القاضي وابن عقيل. فقله عنهما المجد في " شرحه ".
قال: وعندي (^١): أن زيادة الثوب بالصبغ تبقى للمفلس؛ لأن الصبع المشترى لا بد وأن يتلف بعض أجزائه إذا صبغ به، ويضرب بثمنه مع الغرماء، ويكون الثوب نفسه له بثمنه. فإن كان الثوب بعشرة والصبغ بخمسة ثمنا وقيمة فلما صبغ به صار الثوب يساوي اثنا عشرة. فقال القاضي وابن عقيل والشافعية: يجعل النقصان أبدا من الصبغ؛ لأن الثوب بحاله. وإنما ذهب بعض عين الصبغ. فللبائع أخذ الثوب مصبوغا باثني عشر، ويضرب مع الغرماء ببدل التالف ثلاثة.
قال المجد: وعندي أن له خمسة أسداس الثوب بثمنه رجوعا فيه، والقدر الباقي فيه من الصبغ لا يختص به، بل هو أسوة مال المفلس. فيضرب بثمن جميع الصبغ مع الغرماء، قال: وما قالاه أي: القاضي وابن عقيل متناقض في المذهب لأنهما أجازا الوجوع مع تلف البعض، وجعلا الوجوع في البعض الباقي بقيمته لا بنسبته من الثمن. ولا نعلم به قائلا. انتهى.
ثم قال: فإن صار الثوب بالصبغ يساوي عشرين فقالا- أي: القاضي وابن عقيل-: هو كزيادة عين، تكون هذه الزيادة للمفلس وحده. فيكون له ربع الثوب، وللبائع ثلاثة أرباعه (^٢) .
ثم قال: فإن تعدد بائع الثوب والصبغ فجعلا- أي: القاضي وابن عقيل- الثوب
لهما في الفصل الأول، وهو: ما إذا لم تزد قيمه الثوب والصبغ ولم تنقص.
_________________
(١) في ب: وعنه.
(٢) في أ: أرباع.
[ ٥ / ٣٧٦ ]
وفي الثانى: وهو ما إذا نقصت قيمتهمما وصار بعد الصبغ يساوي اثني
عشر (^١)، جعلاه بينهما أسداسا.
وفي الثالث: وهو ما إذا زادت فصار يساوي عشرين، جعلا للمفلس ربعه، ولبائع الثوب نصفه، ولبائع الصبغ ربعه.
قال المجد: والصحيح أن بائع الصبع يضرب بماله، وتكون الزيادة بالصبغ للمفلس، سواء كانت ناقصة عن ثمنها أوزائدة. انتهى.
وقال في " المغني " بعد أن حكى القول بالرجوع فيما إذا اشترى ثوبا من شخص وصبغا من آخر، وصبغه به عن الشافعية، وأن القاضي ذكر مثل هذا في موضع: ولنا أنه لم يجد عين ماله. فلم يكن له الرجوع؛ كما لو تلف.
ولأن المشري شغله بغيره على وجه التبع. فلم يفلك بائعه الرجوع فيه؛
كما لو كان حجرابنى عليه، أو مسامير سمر بها بابًا.
ثم قال: ولو (^٢) اشترى ثوبًا وصبغا من واحد فصبغه به فقال أصحابنا:
لا فرق بين ذلك وبين كون الصبغ من غير صاحب الثوب. فعلى قولهم يرجع في الثوب وحده ويكون المفلس شريكا له بزيادة الصبغ ويضرب مع الغرماء بثمن الصبغ.
ويحتمل أن يرجع فيهما هاهنا؛ لأنه وجد عين ماله متميزا عن غيره. فكان
له الرجوع فيه؛ للخبر.
[ولأن المعنى في المحل الذي ثبت فيه الرجوع. موجود هاهنا. فيملك الرجوع به؛ كما يملكه] (^٣) ثم.
ولو أنه اشترى رفوفا ومسامير من واحد فسمرها بها رجع بائعهما فيهما كذلك. وكذلك ما يشبهه. انتهى.
_________________
(١) في ج: عشرة.
(٢) في أ: لو.
(٣) ساقط من أ.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
(ولا) تمنع رجوع بائع وجد عين ما باعه عند من أفلس، حيث وجدت
شروطه (زيادة منفصلة)؛ كولد وثمرة وكسب.
قال في " المغني ": بغير خلاف بين أصحابنا، وسواء نقص بها المبيع أو
لم ينقص إذا كان نقصه صفة، لأنه وجد عين ماله لم يتغير اسمها ولا نقص شيء
من عينها.
(وهي) أي: الزيادة (لبائع) نصا.
قال الإمام في رواية حنبل في ولد الجارية ونتاج الدابة: هو للبائع.
واختاره أبو بكر والقاضي في " الجامع " و" الخلاف " وابن عقيل. وجزم به
في " المنور " و" منتخب الآمدي ". وقدمه في " المستوعب " و" الخلاصة "
و" التلخيص " و" المحرر " و" الرعايتين " و" الحاويين " و" الفروع " و" الفائق ". وعنه: أن الزيادة للمفلس. اختاره ابن حامد والقاضي في روايتيه
و" المجرد " والشريف وأبو الخطاب وخلافيهما وابن عقيل في " الفصول" والموفق. وقال: إنه ظاهر كلام الخرقي، لأنه منع الرجوع بالزيادة المتصلة، لكونها للمفلس فالمنفصلة (^١) أولى.
قال في " المغني ": وهو الصحيح إن شاء الله تعالى وآخر هـ إلى أن قال: ولا
ينبغي أن يقع في هذا خلاف (^٢) لظهوره. وكلام أحمد في رواية حنبل يحمل على
أنه باعهما في حال حملهما. فيكونان مبيعين. ولهذا خص هذين بالذكر دون. بقية النماء. انتهى.
(وظهر في " التنقيح " رواية كونها) أي: كون الزيادة المنفصلة (لمفلس) وعبارته: وعنه: لمفلس وهو أظهر.
وقال الشارح: هذا أصح إن شاء الله تعالى. وجزم به في " الوجيز ".
فعلى هذا لو كانت الزياده ولد أمة أجبر البائع على بدل قيمته. فإن أبى سقط
رجوعه في وجه.
_________________
(١) في ج: فالمتصلة.
(٢) في أ: اختلاف.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
وفي آخر: يباعان ويصرف إليه ما خص الأم. قاله في " التلخيص ".
وقال في " الرعايتين " و" الحاويين " و" الفائق ": له أخذه بقيمته أو بيع
الأم معه، وله قيمتها ذات ولد بغير ولد.
(ولا) يمنع رجوعه أيضًا (غرس) وجد في (أرض) باعها، (أو بناء) حصل (فيها. فإن رجع قبل قلع) للغرس أو البناء [كان له ذلك] (^١)؛ لأنه أدرك متاعه بعينه. ومال الغارس أو البانى دخل على وجه التبع؛ كصبغ الثوب.
قال في " المغني ": ويحتمل أن لا يستحقه حتى يوجد القلع؛ لأنه قبل القلع لم يدرك متاعه إلا مشغولا بملك المشتري.
وحيث رجع (^٢) (واختاره) أي: اختار القلع (غريم: ضمن نقصا حصل
به) أي: بالقلع، وذلك أرش النقص الحاصل بالقلع. .
(ويسوي حفرا) حصلت بالقلع أيضًا.
قال في " الفروع ": والأصح له الرجوع. فيضمن غريم نقصا حصل به ويسوي حفرا.
وعبارة " الرعاية ": وللمفلس إلزام غرمائه القلع مع تسوية الحفر أو أرشه، ويشاركهم البائع به. فإن أبى البائع الشرى والمشتري القلع فلا رجوع. بخلاف ما إذا وجد البائع عين ماله ناقصة فرجع فيها. فإنه لا يرجع في النقص؛ لأن النقص كان في ملك (^٣) المفلس، وهاهنا حدث بعد رجوعه في العين. فلهذا ضمنوه ويضرب بالنقص مع الغرماء.
(ولمفلس مع الغرماء القلع، ومشاركلة أخذ بالنقص) الحاصل بالقلع. يعني: أن الراجع في الأرض يشارك غرماء المفلس بأرش نقص أرضه بسبب القلع؛ لأن الأخذ للأرض لا حق له في الغراس ولا البناء فرجع في أرضه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: ذلك.
[ ٥ / ٣٧٩ ]
ويضرب مع الغرماء بأرش نقصها، لأن ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس فكان عليه.
(فإن أبوه) أي: أبى المفلس والغرماء القلع لم يجبروا عليه، لأنه وضع بحق. ومفهوم قوله ﷺ: " ليس لعرق ظالم حق " (^١): أنه إذا لم يكن ظالما فله حق.
ومع ذلك (فلآخذ) للأرض (القلع) للبناء أو الغراس) وضمان نقصه، أو
أخذ غرس، أو بناء بقيمته)؛ لأن البناء والغراس حصل في ملكه لغيره بحق. فكان له فلعه، ويضمن نقصه أو أخذه بقيمته، كالشفيع إذا أخذ الأرض وفيها غراس (^٢) أو بناء للمشتري. وكالمعير إذا رجع في أرضه بعد غرس المستعير. وليس له في ذلك على قول من يقول: أنه ليس له الرجوع قبل القلع؛ لأن
بناء المفلس وغرسه في ملكه. فلم يجبر على قلعه ولا بذله بعوضه.
(فـ) على المذهب: (إن أباهما) أي: أبى الأخذ والقلع مع ضمان النقص وإن أبى أخذ غرس أو بناء بقيمته (أيضا) أي: مع إباء المفلس والغرماء القلع: (سقط) حقه في الرجوع؛ لأنه لم يدرك متاعه على وجه يمكنه أخذه منفردا عن غيره. فلم يكن له أخذه؛ كالحجر إذا بنى به، والمسامير إذا سمر بها ولم يقلعوا.
ولأن ذلك ضررا على المشتري والغرماء، ولا يزال بالضرر.
ولأنه لا يحصل بالرجوع هاهنا انقطاع نزاع وخصومة. بخلاف ما إذا وجدها
غير مشغولة بشيء.
وقيل: لا يسقط؛ لأن مال المشتري فيه على وجه التبع؛ كالثوب إذا صبغه المفلس.
ورد: بالفرق بين ذلك وبين الثوب من وجهين:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٠٧٣) ٣: ١٧٨ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٧٨) ٣: ٦٦٢ كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات.
(٢) في أب: غرس.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
أحدهما: أن الصبغ يتفرق في (^١) الثوب فيصير كالصفة فيه. بخلاف البناء والغراس (^٢) فإنهما أعيان متميزة وأصلان في أنفسهما.
والثانى: أن الثوب لا يراد للبقاء. بخلاف الأرض والبناء.
ولو كان المبيع غراسا وغرسه في أرضه ثم أفلس ولم يزد الغراس فلبائعه الرجوع فيه؛ لأنه أدرك متاعه بعينه.
وإذا رجع فعليه تسوية الأرض وأرش نقصها بقلعه؛ لأنه نقص حصل لتخليص ملكه من ملك غيره.
وإن بذل المفلس والغرماء له قيمته لمملكوه بذلك لم يجبر على قبولها (^٣)؛ لأنه إذا اختار أخذ ماله وتفريغ ملكهم، وإزالة ضرره عنهم لم يكن له منعه؛ كالمشتري إذا غرس في الأرض المشفوعة.
وإذا امتنع من القلع فبذلوا له القيمة ليملكه المفلس أو أرادوا قلعه وضمان النقص: فلهم ذلك.
وكذلك إن أرادوا قلعه من غير ضمان النقص؛ لأن المفلس إنما ابتاعه مقلوعا. فلم يجب إبقاوه في أرضه.
وقيل. ليس لهم قلعه من غير ضمان النقص؛ لأنه غرس بحق. فأشبه غرس المفلس في الأرض التي ابتاعها إذا رجع بائعها فيها.
والفرق ظاهر. فإن إبقاء الغراس في هذه الصورة حق عليه. فلم يجب عليه بفعله. وفي التي قبلها إبقاوه حق له. فوجب له بغراسه في ملكه.
فإن اختار بعضهم القلع وبعضهم التبقية قدم طالب القلع؛ لأن الإبقاء ضرر
غير واجب. فلم يلزم الممتنع منه الإجابة إليه.
وإن زاد الغراس في الأرض امتنع الرجوع؛ لأنها زيادة متصلة.
_________________
(١) في أ: من.
(٢) في ج: والغرس.
(٣) في ج: أخذها.
[ ٥ / ٣٨١ ]
وإن اشترى أرضا من شخص وغراسا من آخر فغرسه فيها ثم أفلس ولم يزد الشجر: فلكل منهما الرجوع في عين ماله، ولصاحب الأرض قلع الغراس من غير ضمان نقصه بالقلع، لأن البائع إنما باعه مقلوعا فلا يستحقه إلا كذلك.
وإن أراد بائعه قلعه فقلعه فعليه تسوية الحفر وضمان نقصها الحاصل به.
وإن بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لصاحبها ليملكها لم يجبر على ذلك "
لأن الأرض أصل فلا يجبر على بيعها.
وإن بذل صاحب الأرض قيمة الغراس ليملكه إذا امتنع من القلع: فله ذلك "
لأن غرسه حصل في ملك غيره بحق. فأشبه غرس المفلس في أرض البائع.
وإن اتفقا على إبقائهما كذلك وينتفع هذا بأرضه وهذا بغرسه جاز.
وإن اشترى شجرا ثم أفلس لم يخل من أربعة أحوال:
أحدها: إذا لم يزد ولم يثمر ولم يتلف بعضها فلبائع الرجوع فيها.
الثانية: أن يكون فيها ثمر ظاهر أو طلع مؤبر ويشترطه المشتري فيتصرف
فيه، أو يذهب بجائحة ثم يفلس: فهذا في حكم ما لو اشترى عينين فتلفت إحداهما ثم أفلس على ما تقدم.
وتلف بعضها كتلف جميعها.
وإن زادت أو بدا صلاحها: فهذه زيادة متصلة في إحدى العينين. وتقدم
ذكرها.
الثالثة: أن يشتري نخلا قد أطلعت ولم تؤبر أو شجرا فيها ثمرة لم تظهر:
فهذه الثمرة تدخل في البيع المطلق.
فإن أفلس بعد تلف الثمرة، أو تلف بعضها، أو الزيادة فيها، أو بدو صلاح:
فحكم ذلك حكم تلف بعض المبيع وزيادته المتصلة؛ لأن المبيع كان بمنزلة العين الواحدة، ولهذا دخل الثمر (^١) في مطلق المبيع (^٢) . بخلاف التي قبلها.
_________________
(١) في ب: الثمن.
(٢) في أ: البيع.
[ ٥ / ٣٨٢ ]
الرابعة: أن يشتري نخلا فيطلع أو شجرا فيثمر: فذلك على أربعة أضرب: أحدها: أن يفلس قبل تأبيرها: فالطلع زيادة متصلة تمنع الرجوع.
الضرب (^١) الثانى: أفلس بعد التأبير وظهور الثمرة: فلا يمنع الرجوع؛ لأن الثمرة لا تتبع في البيع الذي يكون بتراضيهما. ففي الفسخ الحاصل بغير رضى المشتري أولى.
ولو اشترى أرضا فارغة فزرعها ثم أفلس: فإن بائعها يرجع في الأرض دون الزرع وجها واحدا؛ لأن ذلك من فعل المشتري.
الضرب الثالث: أفلس فالطلع غير مؤبر. فلم يرجع حتى أبر: لم يكن له الرجوع؛ كما لو أفلس بعد تأبيرها؛ لأن العين لا تنتقل إلا باختياره لها، وهذا لم يخترها إلا بعد تأبيرها.
فإن ادعى البائع الرجوع قبل تأبيرها وأنكره المفلس. فالقول قوله بيمنه؛ لأن الأصل بقاء ملكه وعدم زواله.
وإن قال البائع: بعت بعد التأبير، وقال المفلس: بل قبله: فالقول قول البائع؛ لهذه العله.
فإن شهد الغرماء للمفلس لم تسمع شهادتهم للتهمة.
وإن شهدوا للبائع وهم عدول قبلوا؛ لعدم التهمة.
الضرب الرابع: أفلس بعد أخذ الثمرة أو تلفها: رجع البائع في الأصل.
والثمر ة (^٢) للمشتري. وفيهما وجه.
وكل موضع لا يتبع الثمر الشجر إذا رجع البائع فليس له مطالبة المفلس بقطع الثمرة قبل أوان الجذاذ.
وكذا إذا رجع في الأرض وفيها زرع للمفلس فليس له المطالبة بأخذه قبل
_________________
(١) في أ: والضرب.
(٢) في ب: الثمن.
[ ٥ / ٣٨٣ ]
أوان الحصاد، لأن المشتري زرع في أرضه زرعا تجب تبقيته فكأنه استوفى منفعة الأرض. فلم يكن عليه ضمان ذلك.
إذا ثبت هذا فإن اتفق المفلس والغرماء على التبقية أو القطع فلهم ذلك.
وإن طلب بعضهم قطعه وبعضهم تبقيته نظرنا فإن كان مما لا قيمة له مقطوعا
أو قيمته يسيرة لم يجب قطعه، لأنه سفه. وإن كانت كثيرة فأوجه:
أحدها: يقدم قول من طلب القطع؛ لأنه أحوط.
والثانى: ينظر ما فيه الأحظ فيعمل به. قال في " الإنصاف ": قلت: وهو
الصواب.
والثالث: إن كان الطالب للقطع الغرماء وجبت إجابتهم؛ لأن حقوقهم حالة. فلا يلزمهم تأخيرها مع إمكان إبقائها.
وإن كان الطالب له المفلس دونهم وكان التأخير أحظ: لم يقطع " لأنهم رضوا بتأخير حقوقهم لحظ يحصل لهم وللمفلس.
تنبيه: ظاهر ما تدم أن صاحب السلعة لو مات كان لوارثه الرجوع فيها كمورثه.
قال في " الإنصاف ": وهو صحيح، وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع "، وظاهر كلام أكثر الأصحاب.
قال الزركشي: وهو ظاهر كلام الشيخين المصنف والمجد؛ لعدم اشتراطهم ذلك.
وقال في " الترغيب " و" الرعاية الكبرى ": ولربه دون ورثته على الأصح أخذه، وقدمه في " الر عاية الصغرى " و" الفائق " والزركشي.
وقال في " التلخيص ": من (^١) الشروط: أن يكون البائع حيا، إذ لا رجوع للورثة؛ للحديث. وحكى أبو الحسن الآمدي رواية أخرى: أنهم يرجعون. انتهى.
_________________
(١) في أ: في.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
(وإن مات بائع) شيئا حال كون البائع (مدينًا: فمشتر) لذلك الشيء (أحق بمبيعه) من طعام وغيره (ولو قبل قبضه) نص عليه؛ لأنه ملكه ببيع من مالك غير محجور عليه. فلا يملك أحد منازعته فيه؛ كما لو لم. يمت بائعه مدينا. والله أعلم.
وإن باع سلعة فمات المشتري مفلسا والسلعة بعد في يد البائع، قال المجد
في "شرح الهداية": فهو أسوة الغرماء على قياس المذهب. وظاهر كلام أحمد. وقال القاضي في " تعليقه ": يكون أحق بها على معنى الرهن فتباع ويستوفى الدين من ثمنها، كما يستوفى من الرهن. قال: وهذا لا وجه له. إلا إذا قلنا بحبس المبيع على الثمن. انتهى.
الحكم (الثالث) من الأحكام المتعلقة بحجر المفلس: (أن يلزم الحاكم) مفعول مقدم (قسم ماله) فاعل يلزم أي: مال المفلس (الذي من جنس الدين) الذي عليه.
(و) أن يلزمه أيضًا (بيع ما ليس من جنسه) أي: الدين (في سوقه، أو غيره) أي: غير سوقه (بثمن مثله) أي: المبيع (المستقر في وقته أو أكثر) من ثمن المثل إن حصل راغب.
(وقسمه) أي: الثمن أو المال الذي من جنس الدين (فورا) حال من قسم وبيع.
أما كون الحاكم يلزمه قسم مال المفلس الذي من جنس الدين الذي عليه على غرمائه على الفور؛ فلأن هذا هو جل المقصود من الحجر الذي طلبه من الغرماء أوبعضهم.
وأما كونه يلزم ذلك على الفور؛ فلأن تأنجيره مطل، وفيه ظلم لهم.
وأما كونه يلزمه بيع ما ليس من جنس الدين وقسم ثمنه على غرمائه؛ فـ " إنه
ﷺ لما حجر على معاذ باع ماله في دينه، وقسم ثمنه بين غرمائه " (^١) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٦٠) رقم (٤).
[ ٥ / ٣٨٥ ]
ولفعل عمر ﵁ (^١) .
ولأنه محجورعليه محتاج إلى قضاء دينه. فجاز بيع ماله بغير رضاه؛ كالسفيه.
وأما كونه لا يبيعه إلا بثمن مثله المستقر أو أكثر منه؛ فلأنه محجور عليه في
ماله. فلا يتصرف فيه إلا بما فيه حظ؛ كالتصرف في مال السفيه.
(وسن إحضاره) أي: المفلس عند بيع ماله لفوائد:
منها: أن يضبط الثمن.
ومنها: أنه أعرف بالجيد من متاعه ليتكلم عليه.
ومنها: أنه أطيب لنفسه. ووكيله كهو. قاله في " البلغة ".
(مع غرمائه) أيضًا؛ لأنه أطيب لقلوبهم وأبعد للتهمة. وربما رغبوا في
شيء فزادوا في ثمنه، أو يجد أحدهم عين ماله فيأخذها.
(و) سن (بيع كل شيء في سوقه)؛ لأنه أحوط وأكثر لطلابه.
(و) سن (أن يبدأ) في المبيع (بأقله بقاء)؛ كالفاكهة ونحوها؛ لأن بقاءه يتلفه. .
(و) بـ (أكثره كلفة)؛ كالحيوان.
ولأنه يحتاج إلى مؤنة في بقائه وهو معرض للتلف.
(ويجب ترك) أي: أن يترك للمفلس (ما يحتاجه: من مسكن وخادم)
يصلح (لمثله) كل من المسكن والخادم؛ لأن ذلك مالا غنى عنه. فلم يبع
في دينه.
_________________
(١) عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه " أن رجلا من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي بها ثم يسرع البسير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج إلا أنه قد ادان معرضًا فأصبح وقد رين به. فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرمائه. وإياكم والدين فإن أوله هم وآخر هـ حرب ". أخر جه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٤٩ كتاب التفليس، باب الحجر على المفلس وبيع ماله في ديونه.
[ ٥ / ٣٨٦ ]
(ما لم يكونا) أي: المسكن والخادم (عين مال غريم) فإنه إن شاء أخذهما (ويشترى) للمفلس، (أو يترك له) من ماله (بدلهما)؛ لما تقرر من أن واجد عين ماله أحق بها بشرطه.
ولأن حقه تعلق بالعين. فكان أقوى سببا من المفلس.
(ويبدل أعلا) أي: لو كان في ماله ما هو محتاج إليه؛ كالمسكن والخادم والثوب وكان أعلا مما يصلح لمثله أبدل (بصالح) لمثله؛ لأن في ذلك نظرا بالأحظ في حق المفلس والغرماء الواجب على الحاكم فعله.
(و) يجب أن يترك المفلس أيضًا إن كان تاجرا (ما) أي: شيئا من ماله (يتجر به، وآلة محترف).
قال الإمام في رواية الميمونى: يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي.
ونقل عبدالله: يباع الكل إلا المسكن وما يواريه من ثياب وخادم وما يحتاجه. (ويجب له) أي: للمفلس (ولعياله أدنى نفقه مثلهم: من مأكل ومشرب وكسوة، وتجهيز ميت)؛ كما لو مات المفلس أو أحد ممن تلزمه نفقته غير زوجه (من ماله حتى يقسم)؛ لأن ملكه باق عليه قبل القسمة.
(وأجرة مناد، ونحوه)؛ كحمال وحافظ وكيال ووزان (لم يتبرع) أحد
منهم بالعمل (من المال)؛ لأن البيع (^١) وحق التوفية في المكيل والموزون ونحوه حق على المفلس؛ لكونه طريق وفاء دينه.
وقيل: من بيت المال؛ لأنه من المصالح. وعلى هذا: إن لم يكن فمن المال. وقيل: لا ينادى على عقار بل يعلم به أهل البلد.
(وإن عينا) أي: المفلس والغريم الواحد أو الجماعة (مناديا غير ثقة: رده حاكم. بخلاف بيع مرهون) إذا اتفق الراهن والمرتهن على أن يبيعه شخص معين غيرثقة.
_________________
(١) في ج: المبيع.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
والفرق: أن للحاكم في بيع مال المفلس نظرا واجتهادا فإنه قد يظهر غريم
آخر فيتعلق حقه به. بخلاف بيع المرهون فإنه لا نظر للحاكم فيه.
(فإن اختلف تعيينهما) بأن عين المفلس زيدا والغرماء عمرا وكل منهما
ثقة: (ضمنهما) الحاكم (إن تبرعا) بالعمل؛ لأن ذلك أسكن لقلب كل منهم
من غير ضرر على واحد منهم.
(وإلا) أي: وإن لم يتبرعا. والمراد: ولا واحد منهما: (قدم) الحاكم
(من شاء) منهما.
وظاهر ما تقدم أنه لو تطوع أحدهما دون الآخر قدم؛ لأنه أوفر. وصرح به
في "المغني ".
(وبدئ) بالبناء للمفعول أي: يبدأ الحاكم في قسمه (بمن جنى عليه) أو
جنى على قنه (قن المفلس)؛ لأن الحق متعلق بعين الجانى يفوت بفواتها. بخلاف من جنى عليه المفلس فإنه أسوة الغرماء؛ لتعلق حقه بذمته.
(فيعطى) بالبناء للمفعول ولي الجناية (الأقل من ثمنه) أي: ثمن الجانى
(أو) الأقل من (الأرش)؛ لأن الأقل إن كان ثمن الجانى فهو لا يستحق غيره؛
لأن حقه متعلق بعينه. وإن كان الأرش فهو لا يستحق إلا أرش الجناية.
فعلى هذا إذا فضل شيء من ثمن الجانى عن أرش الجناية قسم على بقية
الغرماء. قاله في " المبدع ".
(ثم بمن عنده رهن) من الغرماء. أي: لازم بقبضه أو؛ قبض ما اتفقا على
أن يكون بيده (فيخص) بالبناء للمفعول أي: يخصه الحاكم (بثمنه) بأن يبيعه (^١) ويعطيه ثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل؛ لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الرهن. بخلاف بقية الغرماء.
وعنه: أنه بعد موت المفلس أسوة الغرماء.
_________________
(١) في أ: يبيع.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
(فإن بقي) للمرتهن (دين) أي: بقية بعد أخذ ثمن الرهن (حاصص الغرماء) بتلك البقية؛ لأنه ساواهم في ذلك.
(وإن فضل عنه) أي: عن الدين شيء من ثمن الرهن: (رد على المال)؛
لأن الفاضل انفك من الرهن بالوفاء. فصار كسائر مال المفلس.
(ثم بمن له عين مال) اشتراها منه المفلس أو نحوه فيأخذها بالشروط المتقدمة.
(أو) كان (استأجر عينا)؛ كالدار والعبد (من مفلس) قبل ضرب الحجر عليه، (فيأخذها) ليستوفي نفعها مدة إجارته؛ لأن حقه متعلق بالعين والمنفعة، وهي مملوكة له في هذه المدة.
(وإن بطلت) الإجارة (في أثناء المدة) بأن انهدمت الدار أو مات العبد: (ضرب له بما بقي) له مما عجله من الأجرة مع الغرماء؛ كما لو استأجر دابته أو عبده لعمل معلوم في الذمة.
(ثم يقسم) الحاكم (الباقي) من المال بعد ما ذكر (على قدر ديون من بقي) من الغرماء؛ لأن في ذلك تسوية لهم، ومراعاة لكمية حقوقهم. فلو قضى الحاكم أو المفلس بعضهم لم يصح؛ لأنهم شركاؤه. فلم يجز اختصاصه دونهم. (ولا يلزمهم) أي: الغرماء الحاضرين (بيان أن لا غريم سواهم). بخلاف من اثبت بينة أنه وارث من أخ أو عم؛ لأنه مع كون الأصل عدم الغريم فإن الذي يقبضه كل غريم لا يحتمل أن يكون فوق حقه. بخلاف الوارث الخاص فإنه يحتمل أن يأخذ ملك غيره فاحتيط بزيادة استظهار.
(ثم إن ظهر) غريم (رب) دين (حال: رجع على كل غريم بقسطه) أي:
بقدر حصة من ظهر مما أخذه الحاضر؛ لأنه لو كان حاضر قاسمهم. فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم؛ كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله.
(ولم تنقض) القسمة؛ لعدم المقتضي لذلك؛ لأنهم لم يأخذوا قدرا زائدا
على حقهم، وإنما تبين مزاحمتهم فيما قبضوه من حقهم.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم يرجع على من أتلف ما قبضه بحصته.
وهو كما قال.
وقيل: لا. وذكر الأزجي: أنه ظاهر المذهب.
وفي " فتاوي الموفق ": لو وصل مال الغائب فأقام رجل بينه أن له عليه دينا وأقام آخر بينة: إن طالبا جميعا اشتركا. وإن طالب أحدهما اختص به؛ لاختصاصه بما يوجب التسليم وعدم تعلق الدين بماله.
قال صاحب " الفروع ": ومراده ولم يطالب أصلا وإلا شاركه ما لم يقبضه. (ومن دينه مؤجل) من الغرماء: (لا يحل) نصا. فلا يشارك ذوي الديون الحالة؛ لأن الآجل حق للمفلس. فلا يسقط بفلسه (^١)؛ كسائر حقوقه.
ولأنه لا يوجب حلول مال له. فلا يوجب حلول مال عليه؛ كالإغماء.
وعنه: يحل. ذكرها أبو الخطاب.
وعنه: لا يحل إذا وثق برهن أو كفيل مليء، وإلا حل. نقلها ابن منصور (^٢) .
(و) على المذهب: (لا يوقف له) أي: لمن دينه مؤجل شيء من مال المفلس، (ولا يرجع على الغرماء) بشيء (إذا حل)؛ لأنه لم يكن يملك المطالبة به حين القسمه.
" وأشير إلى حكم ما كان مؤجلا وحل قبل القسمة أو في أثنائها بقوله:) ويشارك من حل دينه قبل قسمة في الكل) أي: في كل مال المفلس، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته قبل القسمة.
(و) يشارك من حل دينه (في أثنائها) أي: القسمة (فيما بقي) من مال المفلس دون ما قسم.
(ويضرب له) أي: لمن حل دينه في أثناء القسمة فيما بقي (بكل دينه)
_________________
(١) في أوب: تفليسه.
(٢) في ب: أبي منصور.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
الذي حل؛ كما لو تجدد على المفلس دين بجناية (^١) في أثناء القسمة.
(و) يضرب (لغيره) وهو من أخذ شيئا قبل حلول المؤجل (ببقيته) أي:
بقية دينه فيما بقي من المال.
(ويشارك مجني عليه) أي: من جنى عليه المفلس (قبل حجره، وبعده)
قبل القسمة أو في أثنائها بجميع أرش الجناية؛ لأنه حق ثبت للمجني عليه بغير اختياره ولم يرض بتأخيره.
ولو كانت الجناية موجبة للقصا ص فعفى صاحبها عنه إلى مال، أو صالحه المفلس على مال: شارك أيضًا، لأن سببه ثبت بغير اختيار صاحبه. أشبه ما لو أوجب المال.
(ولا يحل) دين (مؤجل بجنون). وفيه وجه.
(ولا) يحل أيضا بـ (موت: إن وثق ورثته) باختيار منهم، (أو) وثق
(أجنبي) رب الدين (الأقل من الدين أو التركة).
أما كونه لا يحل بموت المدين؛ فلقول النبي ﷺ: " من ترك حقًا أو مالا فلورثته " (^٢) . والأجل حق للميت فينتقل إلى ورثته.
وأما كون ذلك مشروطا بالتوثق؛ فلأن الورثة قد لا يكونون أملياء ولم يرض
بهم الغريم. فيؤدي ذلك إلى فوات الحق.
وعنه: أنه يحل بالموت ولو قتله ربه.
وذكر القاضي: ان الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم من غير أن يشترط التزامهم له.
_________________
(١) في أ: بجنايته.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٥٠) ٦: ٢٤٧٦ كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: " من ترك مالًا فلأهله ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦١٩) ٣: ١٢٣٧ كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته. .
[ ٥ / ٣٩١ ]
قال في " المغني ": ولا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه (^١) ولم يتعاط سببه، ولو لزمهم ذلك بموت مورثهم للزمهم وإن لم يخلف وفاء. انتهى.
ولو مات إنسان وعليه دين حال ودين مؤجل والتركة بقدر الدين الحال أو اقل
منه فإن لم توثق الورثة رب المؤجل حل دينه وشارك أصحاب الحال؛ لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكلية. ولو وثقوه أو وثقه أجنبي لم يترك لرب الدين المؤجل شيء. (ويختص بها رب حال)، ويوفى رب المؤجل دينه إذا حل من التوثقة.
وقيل: على القول بعدم حلول المؤجل الذى هو المذهب: هل يترك لرب المؤجل حصته ليأخذها إذا حل دينه، أو يوفى الحال ويرجع عليه صاحب المؤجل بحصته إذا حل، أو لا يرجع؛ يحتمل أوجها.
(فإن تعذر توثق) حل؛ لما تقدم، (أو لم يكن) للميت (وارث) معين: (حل) أيضًا " لأن الأجل إنما ينتقل إلى الوارث المعين وقد عدم.
وقيل: ينتقل إلى بيت المال ويضمن الإمام الدين للغرماء.
(وليس لضامن) إذا مات مضمون عنه (مطالبة رب حق بقبضه) الدين المضمون (من تركة مضمون عنه)؛ ليبرأ الضامن.
(أو) أنه (يبرئه) أي: يبرئ الضامن، كما أنه ليس له ذلك لو لم يمت الأصيل.
وفي مسألة المتن وجه.
(ولا يمنع دين) على ميت، سواء كان محيطا بالتركة أو لا (انتقالها إلى) ملك (ورثة) نصا؛ لأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجانى والراهن والمفلس. فلم يمنع نقله.
وقال في " الفنون ": لو تعلق بالأعيان لما استحق لمن طرأ حقه بوقوعه في
بئر حفرها الميت حال الحياة كالرهن، ولما سقط الحق بالبراءة.
وعنه: يمنع.
_________________
(١) في أ: يلزمه.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
فعلى الأولى: لو تصرف الورثة في التركة ببيع أو نحوه صح تصرفهم ولزمهم اداء الدين. فإن تعذر وفاؤه فسخ العقد؛ كما لو باع السيد عبده الجانى أو النصاب الذي وجبت فيه الزكاة.
وعلى الثانية: لا يصح؛ لأنهم تصرفوا في غير ملكهم.
وعليهما (^١) يصح تصرف كل من الوارث والغريم بإذن الآخر؛ لأن الحق
لا يعدوهما.
(ويلزم) الحاكم (إجبار مفلس محترف) أي: ذي حرفة؛ ككاتب وحائك، (على إيجار نفسه) في تلك الحرفة التي لا يحسن غيرها لبقية دينه. وإن كان له صنائع فيكون الإجبار على إيجار نفسه (فيما يليق به) من تلك الصنائع (لبقية دينه) أي: ليوفي من (^٢) ذلك ما بقي علمه من الدين بعد قسم ماله الموجود.
وبالإجبار قال عمر بن عبد العزيز وسوار العنبري وإسحاق؛ " لأن النبي ﷺ
باع سرقا فى دينه. وكان سرق رجلا دخل المدينة وذكر ان وراءه مالا فداينه الناس وركبته ديون ولم يكن وراءه مال فسماه سرقا، وباعه بخمسة أبعرة " (^٣) . ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في صحة العقد عليها وتحريم أخذ الزكاة وثبوت الغنى بها فكذلك في وفاء الدين منها.
ولأن الإجارة عقد معاوضة. فجاز إجباره عليها؛ كبيع ماله.
ولأنها إجارة لما يملك إجارته. فيجبر عليها في وفاء دينه؛ (كـ) إجارة (وقف وام ولد يستغني عنهما).
ولأنه قادر على وفاء دينه. فلزمه؛ كمالك ما يقدر على الوفاء منه.
_________________
(١) في ب: وعليها.
(٢) في أ: في.
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه (٧٠٦٢) ٤: ١١٤ كتاب الأحكام.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
وعنه: لا يجبر؛ لقول الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)
[البقرة: ٢٨٠].
ولما روى أبو سعيد " أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه. فقال النبي ﷺ: تصدقوا عليه. فتصدقوا عليه. فلم يبلغ وفاء دينه. فقال النبي ﷺ: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " (^١) . رواه مسلم.
ولأن هذا تكسب للمال. فلم يجبر عليه؛ كقبول الهبة والصدقة.
وأجيب عن الاية: بأن هذا ليس بداخل (^٢) تحت عمومها؛ لأن هذا في حكم الأغنياء في حرمان الزكاه، وسقوط نفقته عن قريبه، ووجوب نفقة قريبه عليه. وعن حديث مسلم: بأنه قضية عين لا يثبت حكمها إلا في مثلها. ولم يثبت
أن لذلك الغريم حرفة يكتسب بها ما (^٣) يفضل عن قدر نفقته.
وأما التكسب بالحرفة فليس عليه فيه منة ولا ضرر. بخلاف قبول الهبة والصدقة.
فإن قيل: حديث سرّق منسوخ بدليل أن الحر لا يباع. والبيع وقع على رقبته. بدليل: أن في الحديث أن الغرماء قالوا لمشتريه: ما تصنع به؛ قال: أعتقه. قالوا: لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه.
فالجواب: أن هذا إثبات نسخ بالاحتمال ولا يجوز.
ولم يثبت أن بيع الحر كان جائزا في شريعتنا. وحمل لفظ بيعه على بيع منافعه أسهل من حمله على بيع رقبته المحرم. فإن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه شائع كثير في القرآن وفي كلام العرب. -
وكذلك قوله: أعتقه أي: من حقي عليه. ولذلك قال: فأعتقوه- يعني:
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٥٥) رقم (١).
(٢) في ج: داخلا.
(٣) في أ: يما.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
الغرماء- وهم لا يملكون إلا الدين الذي عليه.
إذا ثبت هذا فيكون (مع الحجر عليه) أي: على المؤجر نفسه أو وقفه أوأم ولده (لقضائها) أي: قضاء بقية دينه.
(لا) إجبار (امراة على نكاح) يعنى: لو كان المفلس امرأة يرغب في نكاحها وبقيت عليها بقية لم تجبر على أن تتزوج لتأخذ مهرها ليوفى منه دينها؛ لأنه يترتب عليها بالنكاح (^١) من الحقوق ما قد تعجز عنه (^٢) .
(ولا) يجبر (من لزمه حج أو كفارة) يعني: أن من وجب عليه حج أو كفارة وهو غير مفلس وله حرفة يمكنه ان يحصل منها ما يحج به حجة الفرض وما يخرجه عن كفارته لم يجبر على إيجار نفسه ليحج حجة الفرض، أو يخرج ما لزمه من كفارة من ذلك؛ لأن ماله لا يباع في ذلك، ولا تجري فيه المنافع مجرى الأعيان. (ويحرم) إجبار من بقيت عليه بقية من دينه (على قول هبة، و) قبول (صدقة، و) قبول (وصية)؛ لما في ذلك من الضرر عليه بتحمل المنة التي تأباها قلوب ذوي المروءات.
(و) كذا يحرم إجباره على (تزويج أم ولد) ليأخذ مهرها فيوفي منه الدين. وظاهره ولو لم يكن يطؤها؛ لما فيه من تحريمها عليه بالنكاح، وتعلق حق الزوج بها.
(و) يحرم إجباره أيضًا على (خلع) بأن يخالع زوجته على عوض يوفي منه بقية دينه؛ لما في ذلك من تحريم زوجته عليه. وقد يكون له إليها ميل.
ولأن وجود أم الولد والزوجة لا يثبت به غنى ولا يمنع أخذ الزكاة.
(و) لا يجبر أيضًا على (رد مبيع) مشروط له في عقد الخيار، (و) لا على. (إمضائه) ولو كان في ذلك حظ؛ لأن ذلك إتمام؛ كتصرف سابق على الحجر. فلم يجبر عليه فيه.
_________________
(١) في ج: وأتت بالنكاح.
(٢) ساقط من ب.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
(و) لا يجبر أيضًا على (أخذ دية عن قود) وجب له بجناية عليه أو على مورثه؛ لأن ذلك يفوت المعنى الذي وجب لأجله القصاص
ثم إن اقتص لم يجب للغرماء شيء، وإن عفى على مال ثبت وتعلقت حقوق الغرماء به.
(و) لا يجبر أيضًا على (نحوه) أي: نحو ما تقدم؛ كما لو بذلت له زوجته مالا على أن يطلقها فإنه لا يجبر على ذلك؛ كما لو بذلت له امرأة مالًا على ان يتزوجها.
وكما لو ادعى المفلس على إنسان بشيء فأنكره وبذل له مالا على أن لا يحلفه.
(وينفك حجره) أي: المفلس (بوفاء) لما عليه من الدين؛ لأن المعنى الذي شرع من أجله الحجر قد زال فيلزم أن يزول زواله.
(ويصح الحكم بفكه) أي: فك الحجر، (مع بقاء بعض) من الدين؛ لأن حكم الحاكم بفك الحجر مع بقاء بعض الدين لا يكون إلا بعد البحث عن فراغ ماله والنظر في الأصلح من بقاء الحجر أو فكه.
وعلم من ذلك أنه لا ينفك عنه الحجر مع بقاء بعض الدين إلا بحكم حاكم؛ لأن الحجر ثبت بحكم. فلا يزول إلا بحكم؛ كالمحجور عليه لسفه.
وقيل: ينفك بانقضاء قسم ماله.
(فـ) على المذهب (لو طلبوا) أي: غرماء من فك الحاكم الحجر عنه
(إعادته) عليه (لما بقي) لهم من الدين: (لم يجبهم)؛ لأنه ما فك عنه الحجر حتى لم ييق له شيء.
فإن ادعوا أن بيده مالا وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله فإن أنكر حلف
وخلي. وإن أقر وقال: هو لفلان وأنا وكيله أو عامله وفلان حاضر سأله (^١) الحاكم فإن صدقه فهو له، ويستحلف لجواز تواطئهما. وإن أنكره فكما لو أقر
_________________
(١) في أ: وسأله.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
المفلس أنه له. فيعاد الحجر إن طلب ذلك الغرماء، وإن كان المقر له. غائبًا أقر
بيد المفلس إلى أن يحضر فيسأل.
(وإن ادّان) من فك عنه الحجر وعليه بقية من الدين، (فحجر عليه) يطلب
أرباب الديون التي لزمته بعد فك الحجر (تشارك غرماء الحجر الأول و) الحجر (الثاني) في ماله الموجود إذا؛ لأنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته. فوجب أن يتساووا في المشاركة؛ كغرماء الميت. إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم والآخرين يضربون بجميعها.
(ومن فلس) بالبناء للمفعول (ثم ادان: لم يحبس)؛ لأن أمره قد وضح.
نقله حنبل.
(وإن أبى مفلس أو) أبى (وارث الحلف مع شاهد له) أي: للمفلس أو
للمورث (بحق: فليس لغرماء) المفلس أو الميت (الحلف)؛ لأنهم يثبتون
ملكا لغيرهم ليتعلق (^١) حقوقهم به بعد ثبوته. فلم يجز؛ كالمرأة تحلف لإثبات
ملك زوجها لتتعلق (^٢) نفقتها به.
وعلم مما تقدم أن المفلس والوارث لا يجبر أحد منهما على اليمين؛ لأنا لا
نعلم صدق الشاهد، وأنه إذا حلف ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء.
الحكم (الرابع) من الأحكام المتعلقة بالحجر: (انقطاع الطلب عنه)
أي: عن المفلس؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)
[البقرة: ٢٨٠].
ولأن قوله: (فنظر) خبر بمعنى الأمر أي: انظروه إلى يساره.
ولقوله ﷺ لغرماء معاذ: " خذوا ما وجدتم. ليس لكم إلا ذلك " (^٣) .
_________________
(١) في ج: لتعلق.
(٢) في ج: لتعلق.
(٣) لم أر هذا النص في حق غرماء معاذ. وقد سبق ذكر هذا النص في حق غرماء الرجل الذي أصيب في ثمار ابتاعها ر. ص (٣٩٤).
[ ٥ / ٣٩٧ ]
وروي: " لا سبيل لكم عليه ".
ولأن من لا يملك قبض دين بغيررضى من هو عليه لا يملك المطالبة به.
إذا ثبت هذا: (فمن أقرضه) أي: فمن أقرض المفلس شيئا (أو باعه شيئا: لم يملك طلبه) ببدل القرض ولا بثمن المبيع؛ لأنه هو الذي أتلف ماله " بمعاملة من لا شيء معه، (حتى ينفك حجره)؛ لتعلق حق الغرماء حالة الحجر بعين مال المفلس.
لكن إذا وجد البائع أو المقرض أعيان مالهما فهل لهما الرجوع فيهما؛ على وجهين:
أحدهما: له ذلك؛ للخبر.
والثانى: لا فسخ لهما؛ لأنهما دخلا على بصيرة بخراب ذمته؛ كمشتر لمعيب يعلم عيبه.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
[فصل: فيمن دفع مالا إلى صبي ونحوه]
(فصل. ومن دفع ماله بعقد)؛ كبيع وقرض (أو لا) بعقد؛ كعارية ووديعة (إلى محجور عليه لحظ نفسه) وهو الصغير والمجنون والسفيه: (رجع) الدافع لماله (في باقٍ) منه؛ لأنه عين ماله.
(وما تلف) منه بنفسه؛ كموت قن، أو بفعل الصبي أو المجنون أو السفيه؛ كقتله له: (فعلى مالكه) أي: فمن مال مالكه غير مضمون؛ لأنه سلطه عليه برضاه. وقيل: يضمن مجنون.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدافع لماله (علم بحجر) على المدفوع إليه
(أو لا) أي: أو لم يعلم لتفريطه؛ لأن الحجر في مظنه الشهرة.
وقيل: يضمن سفيه جهل حجره.
وقيل: يضمن الجميع ما ليس بعقد؛ كالعارية والوديعة.
(وتُضمن جناية) كل منهم على ما لم يدفع إليه؛ لأنه لا تفريط من المالك في ذلك.
(و) يضمن أيضًا (إتلاف ما لم يُدفع إليه)؛لاستواء الأهل وغيره في الإتلاف. (ومن أعطاه) أي: أعطى المحجور عليه لحظ نفسه غيره (مالًا) بلا أذن وليه في دفعه (^١): (ضمنه) أي: صار في ضمان أخذه؛ لتعديه بقبضه ممن لا يصح دفعه منه (حتى يأخذه) منه (وليه) أي: ولي الدافع؛ لأنه هو الذي يملك قبض مال الدافع شرعًا وحفظة.
(لا إن أخذه) أي: (لمال إنسان من المحجور عليه (ليحفظه) عن الضياع: فأنه لا يضمنه؛ (كآخذ مغصوبًا) من غاصبه (ليحفظه لربه) فأنه
_________________
(١) في أ: دفع.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
لا يضمنه، لأن في ذلك إعانة على رد الحق إلى مستحقه.
(و) محل ذلك: إن (لم يفرط) الآخذ، لأنه إن فرط ضمن لتفريطه.
وفي الأخذ من الحجور عليه وجه.
(ومن بلغ) من ذكر أو أنثى حال كونه (رشيدًا أو) بلغ (محنونا، ثم عقل ورشد:
انفك الحجر عنه).
أما كونه ينفك عن الأول؛ فلقوله تعالى-: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)
[النساء: ٦].
ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظًا له. وببلوغه رشيدًا يقدر على ذلك فيزول الحجر بزوال سببه.
وأما كونه ينفك عن الثانى؛ فلأن الحجر عليه لجنونه. فإذا زال وجب زوال الحجر؛ لزوال علته.
(بلا حكم) من حاكم بفكه. نص عليه الإمام في الصبي في رواية مهنا.
وصرج بالتسوية بين الوصي والأب.
وسواء رشده الولي أو لا. قاله الشيخ تقي الدين؛ لأن الحجر عليهما
لا يفتقر إلى حكم فيزول بدونه.
وذكر القاضي وابن عقيل احتمالًا بافتقاره إلى الحكم.
وهو مردود بًامر الله تعالى بدفع أموالهم إليهم عند البلوغ وإيناس الرشد. فاشتراط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك بدون حكم الحاكم. وهو خلاف النص.
(وأعطي) من قلنا ينفك الحجر عنه (ماله)؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦].
(لا قبل ذلك بحال)؛ لأن الله تعالى لما امر بدفع أموال اليتامى بوجود شرطين وهما: البلوغ والرشد أقتضى ذلك أن لا يدفع إليهم أموالهم قبل
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وجودهما ولو صاروا شيوخًا.
(وبلوغ ذكر) يحصل (بإمناء) إجماعًا، وسنده قوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) [النور: ٥٩].
(أو تمام خمس عشرة سنة)، لما روى ابن عمر قال: " عُرضت على النبي
ﷺ يوم أحد وانا ابن أربع عشرة سنه فلم يجزنى، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازنى " (^١) . متفق عليه.
وفي رواية البيهقي بإسناد حسن " فلم يجزنى ولم يرنى بلغت " (^٢) .
وروى الشافعي رحمه الله تعالى: " أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى عماله أن
هذا فرق بين الذرية والمقاتلة " (^٣) .
(أو نبات شعر خَشِن). وهو الذي استحق أخذه بالموسى (حول قُبُله)،
" لأن النبي ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني فريظة حكم بأن يقتل مقاتلهم ويسبى ذراريهم، وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم. فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: لقد حكم بحكم الله تعالى من فوق سبعه أرقعة " (^٤) . متفق عليه.
و"كتب عمر إلى عامله أن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه الموسى" (^٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٢١) ٢: ٩٤٨ كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٦٨) ٣: ١٤٩٠ كتاب الإمارة، باب بيان سن البلوغ.
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج البيهقي نحوه في " السنن الكبرى ٦: ٥٥ كتاب الجهاد، باب البلوغ في السن. ولفظه: " فاستصغرنى وردنى مع الغلمان ".
(٣) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٤٢١) ٢: ١٢٨ كتاب الجهاد.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨٩٥) ٤: ١ ١٥١ كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٦٨) ٣: ١٣٨٨ كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد. . . وليس فيهما قوله: " وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت ألحقوه بالذرلة ".
(٥) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٩٣) ص: ٣٩ باب من تجب عليه الجزية ومن تسقط عنه من الرجال والنساء.
[ ٥ / ٤٠١ ]
وروى محمد بن يحيى بن حبان، " أن غلامًا من الأنصار شبب بامرأه في شِعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال: لو أنبت الشعر لحددتك ".
ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبًا ويستوي فيه الذكر والأنثى. فكان علمًا على
البلوغ، كالاحتلام.
(و) بلوغ (أنثى) يحصل (بذلك) الذي يحصل به البلوغ للذكر، (و) تزيد عليه (بحيض) " لقوله ﷺ: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (^١) . رواه الترمذي وحسنه.
وعنه: لا يحكم ببلوغها بغيره.
قال أبو بكر: هو (^٢) قول أول.
(وحملُها دليل إنزالها)، لأن الله ﷾ أجرى العادة بخلق الولد
من مائهما " لقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) [الطارق: ٥ - ٧]
(وقدره أقل مدة الحمل) فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر " لأنه اليقين.
(وإن طُلقت زمن إمكان بلوغ، وولدت لأربع سنين: أُلحق بمطلق، وحكم ببلوغها من قبل الطلاق).
قال في " التلخيص ": فإن كانت ممن لا توطئ، كإن طلقها زوجها وأتت بولد لأكثر مدة الحمل من حين طلاقها فيحكم ببلوغها قبل المفارقة.
(و) بلوغ (خنثى) يحصل بًا حد خمسة: (بسِنّ، أو نبات حول قُبُلَيْه).
فإن وجد حول أحدهما فلا. قاله القاضي وابن عقيل.
(أو إمناء من أحد فرجيه، أو حيض من قُبُل، أو هما) بًان يخرج المني والحيض) من مخرج) واحد. وهو باق في الصورة الأخيرة على إشكاله.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٧٧) ٢: ١٥ ٢ أبواب الصلاة، باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار.
(٢) في أج: هي.
[ ٥ / ٤٠٢ ]
ووجه ثبوت البلوغ مع بقاء كونه مشكلًا: أنه إن كان ذكرًا فقد أنى، وإن
كان أنثى فقد أمنت وحاضت. وكل واحد منهما يحصل به البلوغ.
(والرشد: إصلاح المال).
قال ابن عباس: في قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) يعني: صلاحًا في
أموالهم (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦].
وقال مجاهد: إذا كان عاقل ًا.
ولأن هذا إثبات في نكرة، ومن كان مصلحًا لماله فقد وجد منه رشد.
وعنه: والدِّ ين.
قال في " التلخيص ": نص عليه.
ورده صاحب " المغني " بًان العدالة لا تعتبر في الرشد على الدوام. فلا تعتبر في الابتداء، كالزهد في الدنيا.
وقولهم: أن الفاسق غير رشيد منتقض بالكافر فأنه غير رشيد في دينه ولم يحجر عليه من أجله.
(ولا يعطى) من بلغ رشيدًا في الظاهر (ماله حتى يختبر) بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله إليه.
(ومحله) أي: الاختبار (قبل بلوغ)؛ لقوله ئعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ) [النساء: ٦].
ووجه الاستدلال لذلك بهذه الاية من وجهين:
أحدهما: أنه سماهم يتامى، [وإنما يكونون يتامى] (^١) قبل البلوغ.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
والثانى: أنه مَدّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظه: "حتى ". فدل على أن الاختبار قبله.
ولأن تأخير الاختبار إلى البلوغ مؤد إلى الحجر على البالغ الرشيد؛ لأن الحجر يمتد إلى أن يختبر ويعلم رشده، واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك. لكن لا يختبر إلا من يعرف المصلحة من المفسدة. وتصرفه حالة الاختبار صحيح. وفي الاختبار رواية: أن محله بعد البلوغ.
(بلائق به) متعلق بيختبر أي: لا يعطى ماله حتى يختبر بلائق به. (و)
حتى (يؤنس رشده). ويختلف ذلك باختلاف الناس.
(فولد تاجر) يؤنس رشده: (بأن يتكرر بيعه وشراؤه. فلا يغبن غالبًا غبنًا فاحشًا.
وولد رئيس وكاتب) يؤنس رشده: (باستيفاء على وكيله) فيما وكله فيه.
(و) يؤنس رشد (أنثى: باشتراء قطن، واستجادته، ودفعه، و) دفع (أجرته للغزَّالات، واستيفاء عليهن) أي: على الغزالات.
(و) يشترط مع ما تقدم في إيناس الرشد (أن يحفظ كل ما في يده عن صرفه
فيما لا فائدة فيه)؛ كشراء نفط يحرقه للتفرج عليه ونحو ذلك.
(أو) صرفه في (حرام؛ كقمار وغناء، وشراء) شيء (محرم)؛ كخمر، ونحوه؛ كآلات اللهو؛ لأن من صرف ماله (^١) في ذلك عُدّ سفيهًا مبذرًا عُرفًا. فكذا شرعًا.
ولأن الشخص قد يحكم بسفهه بصرف ماله في المباح. فلأن يحكم بسفهه
في صرف ماله في المحرم بطريق الأولى.
ونقل أبو طالب: لا يدفع إلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج وتلد أو
_________________
(١) في أ: في صرف بماله.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
تقيم في بيت الزوج سنة.
وعلى هذه: إن لم تتزوج دفع إليها إذا عنست أو كبرت وبرزت للرجال.
(ومن نُوزع في رشده. فشهد به عدلان: ثبت)؛ لأنه قد يعلم با لاستفا ضة.
(وإلا) أي: وإن لم تقم به بينة (فادعى) المحجور عليه (علم وليه) رشده: (حلف) الولي أنه لا يعلم أنه رشيد؛ لاحتمال صدق المدعي.
(ومن تبرع في) حال (حجره فثبت كونه) أي: المتبرع (مكلفًا رشيدً: نَفَذ) تبرعه؛ لتبين عدم المانع.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
[فصل: في من له ولاية المملوك والصغير]
(فصل. وولاية مملوك لسيده)، لأنه ماله. (ولو) كان السيد (غير عدل)، لأن العدالة ليست بشرط لصحة تصرف الإنسان في ماله.
(و) ولايه (صغير وبالغ مجنون لأب بالغ)، لأن الولد قد يُلحق بمن لم
يثبت بلوغه، ومن لم يثبت بلوغه لم ينفك عنه الحجر فلا يكون وليًا. (رشيد)؛ لأن غير الرشيد محجور عليه.
(ثم) تكون الولاية (لوصيه) أي: وصي الأب إن عدم، لأنه نائب الأب. أشبه وكيله في الحياة.
وظاهره (ولو بجُعل وثَمَّ متبرع). ذكره في " الخلاف ".
وإنما قدم الأب على غيره " لكمال شفقته.
ولأنها ولاية. فقدم فيها الأب؛ كولاية النكاح.
(أو) كان الأب (كافرًا) فتثبت الولاية له (على) ولد (كافر). والمر اد
إذا كان عدلًا في دينه.
(ثم) بعد الأب ووصيه تكون الولاية على الصغير وعلى من بلغ مجنونًا أو عاقلًا ثم جُن (حاكم)، لأن الولاية انقطعت من جهة الأب. فتكون للحاكم، كولاية النكاح؛ لأنه ولي من لا ولي له.
(وتكفي العدالة ظاهرًا) في الولي. فلا يحتاج الحاكم إلى تعديل الأب أو وصيه في ثبوت ولايتهما.
وليست الحرية شرطًا. فتثبت الولاية للمكاتب على ولده الذي معه في الكتابة. لكن لا تثبت له الولاية على ابنه الحر.
(فإن عُدم) الحاكم (فأمين يقوم مقامه) أي: مقام الحاكم. اختاره الشيخ
[ ٥ / ٤٠٦ ]
تقي الدين، وقال في حاكم عاجز كالعدم.
نقل ابن الحكم: فيمن عنده مالى تطالبه الورثة فيخاف من أمره، ترى أن يخبر الحاكم ويدفعه إليه؟ قال: أما حكامنا اليوم هؤلاء فلا أرى أن يُتقدم إلى أحد منهم ولا يُدفع إليهم شيئًا.
والولاية بالنسب لا تقف على أذن الغير. ذكره المجد في " شرح الهداية "
عن القاضي واقتصر عليه.
وعُلم مما تقدم أن الجد والأم وباقي العصبات ليس لهم ولاية.
وعنه: للجد ولاية.
فعليها يقدم على الحاكم وعلى الوصي.
وذكر القاضي أن للأم ولاية.
وقيل: وسائر العصبة.
(وحرم تصرف ولي صغير و) ولي (مجنون. إلا بما فيه حظ) لهما؛
لقو له تعا لى: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء: ٣٤].
والمجنون في معناه.
ولقوله عليه والصلاة والسلام: " لا ضرر ولا ضرار " (^١) . رواه الإمام.
(فإن تبرع) الولي لهبة أو صدقة، (أو حابا) بأن اشترى لوليه بزيادة أو باع بنقصان، (أو زاد) في الانفاق عليهما (على نفقتهما) بالمعروف، (أو) زاد في الإنفاق على (من تلزمهما مؤنته بالمعروف: ضمن) الزائد؛ لأنه مفرط فيه، كتصرفه في مال غيرهما.
وللولي أن يعجل للمولى عليه نفقته مدة جرت بها عادة أهل بلده.
(وتدفع إن أفسدها يومًا بيوم. فإن أفسدها) المولى عليه بإتلافها أو دفعها
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١ ٢٣٤) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه مايضر بجاره. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٨٦٧) ١: ٣١٣
[ ٥ / ٤٠٧ ]
لغيره: (أطعمه) الولي (معاينة) أي: حال كونه معاينًا له. وإلا كان مفرطًا. (وإن أفسد كسوته: ستر عورته فقط في بيت، إن لم يمكن تحيل) على إبقائها عليه (ولو) كان التحيل (بتهديد).
ومتى أراه الناس ألبسه فإن أعاد نزعه عنه.
وسأله مهنا: المجنون يقيد بالحديد إذا خافوا عليه؟ قال: نعم.
(ولا يصح أن يبيع) ولي من مال صغير ومجنون تحت حجره شيئًا لنفسه،
(أو يشتري) شيئًا، (أو يرتهن من مالهما لنفسه) لمظنة التهمة. (غير أب)؛ لأنه يلي بنفسه فجاز أن يتولى طرفي العقد؛ كالنكاح. والتهمة بين الولد ووالده منتفية؛ إذ من طبعه الشفقة عليه والميل إليه، وترك حظ نفسه لحظه. وبهذا فارق الوصي والحاكم.
وفي الأب وجه: أنه لا يجوز له ذلك. ذكره المجد في " شرح الهداية ".
(وله) أي: للأب (ولغيره) أيضًا من الأولياء كالوصي والحاكم (مكاتبة قنهما) أي: قن الصغير والمجنون اللذين تحت حجره؛ لأن في ذلك تحصيلًا لمصلحة الدنيا والآخرة.
وقيدها بعض الأصحاب بما إذا كان فيها حظ.
(وعتقه على مال)؛ لأنه معاوضة فيها حظ. فملكها الولي؛ كالبيع.
وعنه: ومجانًا لمصلحة بأن تساوي أمة له مع ولدها مائة وبدونه مائتين
ولا يمكن إفرادها بالبيع فيعتق (^١) الولد لتكثر قيمة الأم. اختاره أبو بكر.
قال في " الإنصاف ": ولعل هذا كالمتفق عليه.
(وتزويجه) أي: وله تزويج قن موليه الصغير أو المجنون (لمصلحة) ولو بعضًا ببعض؛ لأن في ذلك إعفافًا عن الزنا، وإيجابًا لنفقة الإماء على أزواجهن.
_________________
(١) في أ: فيتعلق.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
وفي " الرعاية ": لا يزوج عبده بغير أمته.
(و) له أيضًا (أذنه في تجارة) يعني: أن للولي أن يأذن لعبد محجوره في التجارة بماله؛ كما للولي أن يتجر فيه بنفسه.
(و) له ايضًا (سفر بمالهما مع أمن) فإن كان لتجارة فقال في
" الإنصاف ": لا أعلم فيه خلافًا؛ وذلك لما روى عبدالله بن عمرو مرفوعًا: " من ولي يتيمًا له مال فليتجر به، ولا يتركه حى تأكله الصدقة " (^١) .
وروي موقوفًا على (^٢) عمر. وهو أصح.
ولأنه أحظ للمُولّى عليه؛ لكون نفقته من ربحه، كما يفعله البالغون العاقلون في أموالهم.
وإن كان لغيرها بأن عرض له سفر. فقال في " الإنصاف ": جاز على الصحيح من المذهب.
وقال في " الفروع ": وله السفر بماله، خلافا للـ" مجرد " و" المغني "
و" الكافي ".
(ومضاربته به ولمحجور ربحه كله) يعني: للولي المضاربة بمال محجوره
بأن يتجر فيه بنفسه؛ لما تقدم آنفًا.
ويكون جميع الربح لموليه؛ لأنه نماء ماله. فلا يستحقه غيره إلا بعقد. ولا يعقدها الولي لنفسه؛ للتهمة. وفيه وجه.
(و) للولي أيضًا (دفعه) أي: دفع مال موليه لغيره (مضاربة بجزء من ربحه) للعامل؛ " لأن عائشة رضي الله تعالى عنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر ".
ولأن الولي نائب عن محجوره في كل ما فيه مصلحة. وهذا فيه مصلحة
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٤١) ٣: ٣٢ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة مال اليتيم.
(٢) في ب: عن.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
وحينئذ فللعامل ما وافقه عليه الولي من الربح.
وقيل: أجرة مثله.
وقيل: الأقل منهما.
(و) للولي أيضًا (بيعه) أي: بيع مال المولّى عليه (نسَاء) أي: إلى
أجل، (وقرضه ولو بلا رهن لمصلحة) فيهما، بًان يكون الثمن المؤجل أكثر مما يباع به حالًا.
وأن يكون القرض لمليء يأمن جحوده خوفًا على المال من سفر أو غيره أو
نحو ذلك.
(وإن أمكنه) أي: الولي أخذ رهن أو ضمين به: (فا لأولى أخذه)؛ [لأنه
لا يأمن فلس المشتري أو المقترض فيضيع المال] (^١) .
(وإن تركه) أي: ترك الولي التوثق مع إمكأنه (فضاع المال: لم يضمنه)؛ لأن الظاهر السلامة.
قال في " المغني ": وهذا ظاهر كلام الإمام؛ لكونه لم يذكر الرهن.
وفيه وجه: يضمنه؛ لتفريطه. ولا يقرضه لمودة ومكافأة نصًا.
(و) له أيضًا (هبته بعوض)؛ لأنها في معنى البيع. فيقال فيها ما يقال فيه. (ورهنه لثقة لحاجة، وإيداعه) ولو مع إمكان قرضه لمصلحة.
وللأب أن يرتهن مالهما من نفسه ولا يجوز ذلك لولي غيره.
وفي " المغني " رواية: بجواز ذلك لغير الأب.
قال الزركشي: وفيها نظر.
(و) لوليهما من أب وغيره (شراء عقار) من مالهما؛ ليشتغل مع بقاء الأصل لهما، وإذا جازت المضاربة فيه فهذا أولى.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤١٠ ]
(وبناؤه) أي: العقار لهما من مالهما، لأنه في معنى الشراء. إلا أن يكون الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه. (بما جرت عادة اهل بلده) " لأنه العرف، ويتقيد ذلك بما إذا كان (لمصلحة)،لأن المصلحه إذا انتفت لم يكن قربانًا للمال بالتي هي أحسن.
ونقل في " المغني " عن الأصحاب: أن البناء يكون بالآجرّ " لأن اللبن إذا أنه دم فسد.
ورده بأن كل الأماكن لا يقدر فيها على الآجر، وإن وجد فبقيمة كثيرة. فلو
قيد البناء بذلك أفضى إلى فوات الحظ. فيحمل قول الأصحاب على من عادتهم البناء به " كالعراق ونحوها. ولا يصح حمله في حق غيرهم.
(و) له (شراء أضحية لموسر) تحت حجره نصًا.
وحمل النص فى " المغني " على يتيم يعقلها، لأنه يوم عيد وفرح " ليحصل بذلك جبر قلبه، وإلحاق بمن له أب، كالثياب الحسنة. مع استحباب التوسعه في هذا اليوم.
وعنه: لا يجوز ذلك، لأنها إخراج من ماله بغير عوض. أشبهت الهدية. (ومداواته) أي: مداواة محجوره ولو بأجرة لمصلحة في ذلك ولو بإذن حاكم نصًا.
وحمله بأجره ليشهد الجماعة. قاله في " المجرد " و" الفصول " واقتصر عليه في " الفروع ".
وأذنه في تصدقه بيسير. قاله في " المذهب " واقتصر عليه في " الفروع ".
(و) له أيضًا (ترلى صبي بمكتب)، ليتعلم الخط وما ينفعه (بأجرة)، لأن ذلك من مصالحه. أشبه ثمن مأكوله.
ومثل ذلك تركه في دكان ليتعلم صناعة. وأشار إلى معنى ذلك في "الشرح "،
(و) له أيضًا (شراء لعب غير مصورة لصغيرة) تحت حجره (من مالها) نصًا.
فرع: للولي خلط نفقة موليه بماله إذا كان أرفق له. قاله المجد.
[ ٥ / ٤١١ ]
وهو قول مالك والشافعي. ونص القرآن يدل عليه.
ولو مات من يتجر ليتيمة ولنفسه بماله وقد اشترى شيئًا ولم يعرف لمن هو،
قال الشيخ تقي الدين: لم يقسم بينهما ولم يوقف الأمر حتى يصطلحا، خلافًا للشافعي، بل مذهب أحمد: يقرع. فمن قرع حلف وأخذ.
(و) للولي على الصغير والمجنون (بيع عقارهما لمصلحة) نصًا؛ لكونه
في مكان لا غلة فيه أو فيه غلة يسيرة، أو لسوء الجار، أو ليعمر به عقاره الآخر، أو لمصلحة غير ذلك.
(ولو بلا ضرورة، أو زيادة على ثمن مثله).
وقيل: بل لضرورة أو غبطة.
وقيل: بزيادة الثلث فأكثر على (^١) ثمنه.
(ويجب) على وليهما (قول وصية لهما بمن يعتق عليهما) بقرابة.
ومحل ذلك: (إن لم تلزم نفقته) الصغير أو المجنون (لإعسار أو غيره)؛ كوجود أقرب من الموصى له وهو غني، أو قدرة الموصى به على التكسب؛ لأن في قبول الوصية إذًا مصلحة محضة.
" (وإلا) أي: وإن لم يكن الأمر كذلك (حرم) على الوصي قبولها؛ لما في ذلك من الضرر بتفويت مال الموصى له بالنفقة على الموصى به.
(وإن لم يمكنه) أي: الولي (تخليص حقهما) أي: الصغير والمجنون
(إلا برفع مَدين) أي: رفع من عليه الدين (لوال يظلمه: رفعه)؛ لأنه هو الذي جر الظلم إلى نفسه، (كما لو لم يمكن رد مغصوب) على مالكه (إلا بكلفة عظيمة) فإن ذلك يلزم الغاصب.
وفيه وجه: لا يرفعه؛ لما فيه من تسليط الوالي الظالم على ظلم غير مستحق، مضرته أكثر من منفعة عدله. ذكرهما الشيخ تقي الدين.
_________________
(١) في اب: في.
[ ٥ / ٤١٢ ]
[فصل: في حكم من سفه بعدفك حجره]
(فصل: ومن فُكَّ حجرُه) لتكليفه ورشده (فَسَفِهَ) أي: صار سفيها ًبعد ذلك: (أُعيد) عليه الحجر نظرًا إلى دوران الحكم مع العلة.
(ولا ينظر في ماله إلا حاكم)؛ لأن التبذير الذي هو سبب الحجر عليه ثانيًا يختلف فاحتاج إلى الاجتهاد. وما افتقر إلى الاجتهاد لم يثبت إلا بحكم الحاكم؛ [كالحجر على المفلس. فيلزم الحاكم إذا ثبت سفهه الحجر عليه. نقله الجماعة.
وقيل: ينظر في ماله الحاكم] (^١) أو أبوه.
وقيل: ينظر فيه وليه الأول؛ كما لو بلغ سفيهًا.
وقيل: إن زال الحجر بمجرد رشده بلا حكم عاد بالسفه.
وحكم من سفه (كمن جُنّ) بعد رشده.
قال في " الإنصاف ": لو جُن بعد رشده فوليه الحاكم، على الصحيح من المذهب.
وقيل: بل يليه الأب. ذكره في " الرعاية الكبرى ".
وقال في " الانتصار ": على أبويه المجنونين.
ونقل المروذي: أرى أن يحجر الإبن على الأب إذا أسرف، أو كان يضيعه
في الفساد.
(ولا ينفك) الحجر عمن سفه بعد رشده (إلا بحكمه) أي: الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بحكمه. فلا ينفك إلا به؛ كحجر المفلس.
وقيل: ينفك عنه بمجرد رشده.
_________________
(١) ساقط من أ
[ ٥ / ٤١٣ ]
(ويصح تزوُّجه) أي: السفيه (بلا أذن وليه لحاجة) تدعو من السفيه إليه. وظاهره يشمل الحاجة للمتعة والحاجة للخدمة، لأن النكاح لم يشرع لقصد المال، ومع الحاجة إليه يكون مصلحة محضة، حتى أنه يصح تزويج ولي السفيه له بغير أذنه إذًا. فلأن يصح من (^١) السفيه بغير أذن وليه إذًا من باب أولى.
وفيه وجه: لا يصح إلا بإذن الولي.
(لا عتقه) السفيه لرقيقه فلا يصح، لأنه تبرع. أشبه هبته ووقفه.
(و) يصح (تزويجه) أي: تزويج الولي السفيه (بلا أذنه لحاجة)، لما تقدم آنفًا.
وقيل: ليس له ذلك.
(وإجباره) أي: إجبار الولي السفيه على النكاح (لمصلحة) فيه، كما له
أن يجبره على ما سواه من المصالح.
و(كسفيهة) فإن لوليها إجبارها على النكاح لمصلحتها.
(وإن أذن) للسفيه وليه في التزويج: (لم يلزم) أي: لم يشترط (تعيين المرأة) في الأذن. وفيه وجه.
(ويتقيد) الأذن (بمهر المثل). فلو تزوج بزيادة عليه لم تلزم.
(وتلزم وليًا زيادة زَوّج بها) فيدفعها من ماله " لتعديه (لا زيادة أذن فيها)، لأن السفيه لما باشر النكاح لزمته.
وفي كل من المسًا لتين وجه مثل حكم الأخرى.
(وإن عضَلَه) أي: عضل الولي السفيه أن يتزوج (استقلَّ) به السفيه. فيصح بدون أذنه.
(فلو علمه) أي: علم السفيه أنه (يطلق) إذا زوَّجه (اشترى له أمة) يتسرى بها ولا ينفذ عتقه فيها.
_________________
(١) في ب: مع
[ ٥ / ٤١٤ ]
فإن قيل: لم أجيز طلاق السفيه دون عتقه وكل منهما إتلاف. بدليل ما لو شهد اثنان على رجل بطلاق قبل الدخول وأمضى الحاكم الحكم بشهادتهما ثم رجعا فأنه ما يغرمان نصف المسمى؟
فالجواب: أن الطلاق ليس بإتلاف؛ لأن الزوج لا ينفذ في زوجته بيعه إياها،
ولا هبته لها، ولا تورث عنه إذا مات فليست بمال. والرقيق بخلاف ذلك.
وغُرْمُ الشاهدين إنما هو لأجل تفويت الاستمتاع بما أوقعا من الحيلولة وإن
لم يتلفا مالًا؛ كما لو شهدا بما يوجب القود ثم بعد الاستيفاء قالوا: أخطًا نا. فأنه ما يغرمان الدية وإن لم يكن الحق مالًا.
وأيضًا فإن الطلاق يستفاد به قبل الدخول نصف المسمى وبعده سقوط النفقة. فلم يجز أن يمنع من هذه الفائدة ويجبر على التزام النفقة.
وأيضًا فالسفيه يدخل في عموم قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠].
وقوله ﷺ: " الطلاق لمن أخذ بالساق " (^١) .
ولأن السفيه أحسن حالًا من العبد؛ لحريته وثبوت ملكه فلما صح طلاق العبد بلا أذن سيده مع منعه في التصرف في المال. فأولى أن يصح طلاق السفيه.
(ويستقل) السفيه (بما) أي: بفعل (لا يتعلق بالمال مقصوده)؛ كالطلب بحد القذف ونحوه.
(وإن أقر بحد) أي: بما يوجب الحد؛ كالقذف والزنا، (أو) أقر بـ (نسب أو طلاق أو قصاص: أُخذ به في الحال).
قال ابن المنذر: هو إجماع من نحفظ عنه؛ لأنه غير متهم في نفسه. والحجر إنما يتعلق في ماله فيقبل على نفسه.
والطلاق ليس بتصرف في المال لما تقدم. فلا يمنع؛ كالإقرار بالحد.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٨١ ٢) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب طلاق العبد
[ ٥ / ٤١٥ ]
(ولا يجب) فيما إذا أقر بقصاص (مال عُفي) القصا ص (عليه)؛ لأن السفيه ومن أقر له قد يتواطآعلى ذلك. وفيه وجه.
(و) إن أقر (بمال)، كالقرض وجناية الخطًا والإتلاف: (فـ) لا يلزم إلا (بعد فكه) أي: فك الحجر عنه، لأنا لو قبلناه في الحال لزال معنى الحجر. وأما كونه يلزمه بعد حجره؛ فلأنه مكلف يلزمه ما أقر به؛ كالراهن إذا أقر بالرهن فأنه يلزمه بعد فك الرهن.
لكن إن علم الولي صحة ما أقر به السفيه لزمه أداؤه في الحال.
وفيما إذا لم يعلم الولي صحته وجه: أنه لا يلزمه مطلقًا.
(وتصرُّفُ وليه) أي: ولي السفيه في ماله في الحكم، (كـ) تصرف (ولي صغير ومجنون) على ما سلف؛ لأن ولايته على السفيه لحظه. أشبه ولي الصغير.
[ ٥ / ٤١٦ ]
[فصل: في حكم أكل الولي من مال موليه]
(فصل. ولولي) على صغير ومجنون وسفيه (غير حاكم وأمينه) أي:
امين الحاكم (الأكل لحاجة، من مال موليه)، لقوله تعالى) وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ٦].
ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال:
إني فقير وليس لي شيء، ولي يتيم. فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف " (^١) . رواه أبو بكر.
وروى ابن بطة عن الحسن العربي مرفوعًا معناه (^٢) .
وظاهره (^٣) أنه لا يحل له ان يأكل شيئًا مع غناه، لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) [النساء: ٦].
وعنه: بلى، كالعمل في الزكاة.
وعنه: لا يجوز للوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئًا.
وعلى المذهب: إنما يباج له أن يأكل (الأقل من أجرة مثله وكفايته) يعني: أنه لو كانت أجره مثله عشرة دراهم في كل شهر ويكفيه ثمانية، أو كانت
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٧٢) ٣: ٥ ١ ١ كتاب الوصايا، باب ما جاء فيما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٦٦٨) ٦: ٢٥٦ كتاب الوصايا، ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧١٨) ٢: ٩٠٧ كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف). وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٠٢٢) ٢: ٢١٦
(٢) في ب: بمعناه.
(٣) في أ: فظاهره.
[ ٥ / ٤١٧ ]
أجرة (^١) مثله ثماني ولا يكفيه إلا عشرة: ليس له أن يًا كل فى الصورتين إلا بثمانية (^٢)؛ لأنه إنما يباج له الأكل بالعمل والحاجة جميعًا. فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه.
وفي " الأيضاح ": إذا قدره حاكم.
(ولا يلزمه عوضه) أي: عوض ما أكله (بـ) وجود (يساره)؛ لأن ذلك جعل عوضًا عن عمله. فلم يلزمه عوضه مطلقًا؛ كالأجير والمضارب.
ولأنه تعالى أباح الأكل ولم يذكر عوضًا.
وعنه: بلى؛ لأنه استباحه بالحاجة من مال غيره. فلزمه عوضه؛ كالمضطر إلى طعام غيره.
وجوابه: أن العوض هناك (^٣) استقر في ذمته. بخلاف (^٤) هنا.
والروايتان في غير الأب. قاله في " المغني " و" الشرح ".
(و) للولي الأكل من مال الصغير والمجنون والسفيه (مع عدمها) أي:
عدم الحاجة مع فرض الحاكم له شيئًا من مال هؤلاء (ما فرضه له حاكم).
قال في " الإنصاف ": بغير خلاف. قاله في القاعدة الحادية والسبعين. وقال: هذا ظاهر كلام القاضي، ونص أحمد عليه في رواية البزراطي في الأم الحا ضنة. انتهى.
وقد علم من ذلك ان للحاكم الفرض في مال الصغير والمجنون والسفيه.
لكن ينبغي تقييد ذلك بوجود المصلحه.
(ولناظر وقف ولو لم يحتج: أكلٌ) منه (بمعروف). نص الإمام في رواية
أبي الحارث وحرب: على جواز الأكل منه بالمعروف.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أب: ثمانية.
(٣) في ب: هنا.
(٤) في أب: بخلافه.
[ ٥ / ٤١٨ ]
قال في " الفائق ": قلت: وإلحاقه بعامل الزكاة في الأكل مع الغنى أولى.
كيف وقد نص أحمد على أكله منه بالمعروف ولم يشترط فقرًا. ذكره الخلال. وعنه: يًا كل إذا اشترط ذلك. ومفهومه المنع من الأكل بدون الشرط.
[ومحل الخلاف: إذا لم يشرط له الواقف شيئًا. فإن شرط فله ما شرطه.
قال الشيخ تقي الدين: لا يقدم بمعلومه بلا شرط] (^١) إلا أن يأخذ أجرة عمله
مع فقره؛ كوصي اليتيم.
(ومن فُكَّ حجره) لرشده أو عقله، (فادعى على وليه تعديًا، أو) ادعى
إليه (موجب ضمان)؛ كتفريط، (ونحوه)؛ كدعواه عدم المصلحة في بناء عقاره أو نحو ذلك، (أو) ادعى (الولي وجود ضرورة، أو) وجود (غِبْطِة، أو) وجود (تلف، أو قدر نفقة أو كسوة: فقول ولي) في ذلك كله؛ لأنه أمين. أشبه المودَع.
ومحل ذلك: (ما لم يخالفه) أي: الولي (عادة وعرف، ويحلف) وليٌ
(غير حاكم).
وعنه: يقبل قوله بلا يمين.
وأما الحاكم فلا يحلف مطلقًا.
(لا) قول الولي (في دفع مال بعد رشد أو) بعد (عقل. إلا أن يكون)
الولي (متبرعًا).
أما كون غير المتبرع لا يقبل فوله في الدفع؛ لأنه في قبضه للمال مصلحة
تعود عليه. أشبه المستعير (^٢) .
وأما كون المتبرع يقبل قوله في الدفع؛ فلأنه لم يقبضه إلا لمصلحة المحجور. أشبه المودَع.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: المال المستعير.
[ ٥ / ٤١٩ ]
وقيل: لا يقبل قوله أيضًا إلا ببينة؛ لتفريطه بترك الإشهاد المًامور به بنص
القرآن.
وقيل: إنما ضمن لكون ائتمانه ليس من جهة المحجور عليه فهو كالأجنبي
معه.
(ولا) يقبل قول الولي أيضًا (في قدر زمن إنفاق). فلو قال من فك حجره: أنفقت عليّ من سنة. فقال الولي: بل من سنتين. لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم ذلك.
(وليس لزوج) حرة (رشيدة حجر عليها في تبرع زائد على ثلث مالها)؛
لقوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦].
والآية ظاهرة في فك الحجر عنهن، وإطلاقهن في التصرف. بدليل قوله
عليه الصلاه والسلام: " يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن " (^١) .
وكن يتصدقن ويقبل منهن ولم يستفصل.
ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه بلا أذن أحد؛ كالذكر.
وعنه: لز وجها.
وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا يجوز للمرأة عطيه من مالها إلا بإذن زوجها " (^٢) إذ هو مالك عصمتها رواه أبو داود. وجوابه: بأن شعيبًا لم يدرك عبد الله بن عمرو.
ولم يثبت ما يدل على تحديد المنع بالثلث.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩٧) ٢: ٥٣٣ كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٠٠٠) ٢: ٦٩٥ كتاب الزكاة، باب فضل النفقه والصدقة على الأقربين. . .
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٤٧) ٣: ٢٩٣ كتاب الإجارة، باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
وإن قاسوا ذلك على حقوق الورثة المتعلق بمال المريض: ففاسد؛ لأن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث. والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث. فهي أحد وصفي العلة. فلا يثبت الحكم بمجردها، كما لا يثبت لها الحجر على زوجها.
وعنه: له منعها مما دون الثلث. فلا تهب شيئًا ولا ينفذ عتقها إلا بإذنه.
(ولا لحاكم حجر على مقِّتر على نفسه وعياله)؛ لأن الحجر يفيد جمع المال وإمساكه لا إنفاقه.
واختار الأزجي من أصحابنا وابن شريح وأبو سعيد الاصطخرفي من أصحاب الشافعي: بلى.
وعلى هذا القول لا يمنع من عقوده ولا يُكفّ عن التصرف في ماله. لكن ينفق عليه جبرًا بالمعروف من ماله.
[ ٥ / ٤٢١ ]
[فصل: في أذن السيد والولي لموليه في التجارة]
(فصل) يذكر فيه حكم أذن الولي والسيد لموليه ورقيقه في التجارة، ومسائل من تصرفات الرقيق غير المًا ذون له.
(لولي مميز وسيده) إن كان قنًا (أن يأذن له) أي: لمحجوره أو قنه (أن يتجِّر)؛ لأنه عاقل محجور عليه. فصح تصرفه بإذن وليه وسيده؛ كالعبد الكبير والسفيه. وفيه وجه.
وعنه: لا يصح حتى يبلغ؛ لأنه غير مكلف؛ كغير المميز.
وعلى المذهب: لو تصرف بلا أذن لم يصح.
وقيل: بلى، ويوقف على الإجازة.
(وكذا) أي: وكما يصح الأذن للمميز أن يتجر يصح الأذن له في (أن يدعي) على خصم للسيد أو للولي أو للمًاذون له، (و) في أن (يقيم بينة) على الخصم، (وتحليف) أي: وفي أن يحلف الخصم إذا أنكر، (ونحوه)؛ كمخالعه ومقاسمة؛ لأن هذه كلها تصرفات متعلقة بالمال. أشبهت التجارة.
(ويتقيد فك) أي: إطلاق تصرف المأذون له (بقدر ونوع عُيِّنًا) أي: خصصهما الولي أو السيد؛ لأن كل واحد منهما يتصرف بالأذن من جهة آدمي. فوجب أن يتقيد بما أذن له فيه وأمره به دون غيره؛ (كوكيل ووصي في نوع) من التصرفات. فأنه ليس له أن يتجاوزه.
(و) كمن أذن له في (تزويج بـ) شخص (معين). فأنه ليس له أن يزوج
من غيره.
(و) كمن أذن له مالك في (بيع عين ماله). فأنه ليس له أن يبيع غير عين ملك الأذن
[ ٥ / ٤٢٢ ]
(و) (العقد الأول) فيما إذا أذن له في بيع عين فباعها الوكيل ثم عادت
إلى ملك الموكل. فإنه ليس له أن يعقد عليها مرة اخرى إلا بإذن متجدد.
قال في " الفروع ": وفي طريقة بعض أصحابنا منع فك حجره؛ لأنه لو
انفك لما تصور عوده، ولما اعتبر علم العبد بإذنه له؛ كما لو أعتقه، ولكان: فككت عنك، مطلقًا في التصرف؛ لأنه أتى بالمقتضى؛ كقوله: ملكتك، بدل: بعتك.
وفي " الانتصار " رواية: إن أذن لعبده في نوع ولم ينه عن غيره: ملكه.
أي: جاز له أن يتجر في غيره.
وينفك عنه الحجر مطلقًا؛ لأن إطلاق الأذن لا يتبعض؛ كبلوغ الصبي.
قال في " المبدع ": وجوابه: بأنه ينتقض بما إذا أذن له في شراء ثوب يلبسه ونحوه. والرق سبب الحجر وهو موجود.
(وهو) أي: الذي أذن له وليه أو سيده في التجارة (في بيع نسيئة وغيره؛ كمضارب).
قال في " الفروع ": أنه ظاهر كلام الأصحاب.
ولو كان العبد مشتركًا ولم يأذن له جميع الشركاء لا يجوز له التصرف بإذن البعض؛ لأن التصرف يقع بمجموع العبد.
(ولا يصح أن يؤجر) العبد البالغ المًاذون له في التجارة (نفسه، ولا) أن (يتوكل) لغيره؛ لأن كلًا منهما عقد على نفسه. فلا يملكه الا بالأذن فيه؛ كبيع نفسه وتزويجه.
ولأن ذلك يشغله عن التجارة المقصودة بالأذن.
حتى (ولو) كان الأذن له قي التجارة مطلقًا (لم يقيد عليه) فيه بشيء دون شيء.
وفي إيجار عبيده وبهائمه خلاف في " الانتصار ".
[ ٥ / ٤٢٣ ]
(وإن وكل) هو غيره (فـ) الحكم فيه (كوكيل). وسيًاتي حكمه في باب الوكالة إن شاء الله تعالى.
وقيل: ليس له أن يوكل مطلقًا إلا بإذن أو عرف.
(ومتى عزل سيد قنه) من الأذن في التجارة: (انعزل وكيله) أي: وكيل
القن؛ (كـ) ما ينعزل وكيل (وكيل) بعزله، وكما ينعزل وكيل (ومضارب) بفسخ رب المال للمضاربة؛ لأنه متصرف لغيره بإذنه، وتوكيله فرع إذنه. فإذا بطل الإذن بطل ما هو مبني عليه.
(لا كصبي) أذن (^١) له وليه في أن يتجر بمال نفسه فوكل ثم منعه من التجارة. فإنه لا يتعدى منعه للوكيل.
(و) لا (مكاتب) وكل ثم عزل السيد وكيل مكاتبه مع بقاء الكتابة.
(و) لا (مرتهن أذن لراهن في بيع) للرهن (^٢) . فوكل الراهن في بيعه ثم رجع المرتهن عن الأذن. فأنه في هذه الصور لا ينعزل الوكيل، لأن كلًا (^٣) من الثلاثة متصرف في ماله لنفسه. فلم ينعزل وكيله بتغير الحال.
(ويصح أن يشتري) القن المأذون له في التجارة (من) أي: قنًا (يعتق
على مالكه) أي: مالك المشتري (لرحم)، كًاخي سيده، (أو قول) كما لو اشترى من قال السيد عنه: إن ملكته فهو حر، (أو زوجًا له) أي: لسيده، سواء أكان رجلًا أو امرأة.
وفيه وجه: لا يصح شراؤه لأحد ممن ذكر، كما (لا) يصح أن يشتري شيئًا (من مالكه، ولا أن يبيعه)؛ كغير المأذون له.
وقيل: بلى.
وقيل: يصح شراوه من مالكه إذا كان عليه دين بقدر قيمته.
_________________
(١) في أ: وكل أذن.
(٢) في ج: المر تهن.
(٣) في أ: كل.
[ ٥ / ٤٢٤ ]
قال المجد في " شرح الهداية ": وليس له أن يسافر في مذهب الشافعي وكذلك يجب على أصلنا بلا خلاف. بخلاف المكاتب والمضارب؛ لأن ملك السيد في رقبته وماله أقوى.
وقال في موضع آخر: والبيع الفاسد لا يتناوله الأذن المطلق في التجارة عندنا.
(ومن رآه سيده أو وليه يتجر. فلم ينهه: لم يَصرْ مأذونًا له)؛كتزويجه وبيعه ماله؛ لأنه تصرفٌ يفتقر إلى الأذن. فلم يقم السكوت مقامه؛ كما لو تصرف أحد المتراهنين في الرهن والآخر ساكت، وكتصرف الأجانب.
(ويتعلق دين مأذون له) إذا استدانه للتجارة فيما أذن له فيه أو في غيره. نقله
أبو طالب؛ لأنه غر الناس بإذنه، أو اقترضه بإذن سيده: (بذمة سيد) في أصح الروايات؛ لأنه متصرف لغيره. ولهذا لسيده الحجر عليه، والتصرف في بيع خيار بفسخ وإمضاء، وثبوت الملك له.
وعنه: بر قبته.
[وعنه: بهما] (^١) .
وعنه: بذمة العبد.
وعلى المذهب: يكون التعلق بجميع الدين، كما هو ظاهر المتن. نقله الجماعة.
وعنه:. بقدر (^٢) قيمته. نقله مهنا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون المأذون له بيده مال أو لا. كما هو ظاهر المتن واختيار الأكثر.
وجعل ابن حمدان في " رعايتيه " محل الخلاف فيما إذا عجز ما بيده عن الدين.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: يقدر.
[ ٥ / ٤٢٥ ]
(و) يتعلق (دين غيره) أي: غير المأذون له في التجارة " كما إذا اشترى
في ذمته أو اقترض بغير أذن سيده وأتلف ما اشتراه أو اقترضه بيده أو يد سيده " لأن البائع أو المقرض له أخذ ما باعه أو أقر ضه مع بقائه لفساد العقد.
وسيأتي التنبيه على ذلك في المتن.
(برقبته) فيفديه سيده بالأقل من قيمته أو قدر الدين، أو (^١) يسلمه سيده لرب الدين ولا شيء عليه غيرذلك.
أما كونه إذا استدان بغير أذن سيده يكون الحكم فيه كما في المتن. فقد نص عليه الإمام في رواية الجماعة، وعليه الأكثر، وهو من المفردات.
وعنه: يتعلق بذمته يُتبع به بعد العتق.
وعنه: إن علم رب الدّين (^٢) أنه رقيق فلا شيء له.
وعنه: إن اختار السيد فداءه فداه بكل الحق بالغًا ما بلغ.
وهذا كله مبني على القول بعدم صحة تصرف العبد في ذمته بدون أذن سيده. وهو المذهب.
وفيه رواية: يصح.
(وإن اعتق) الرقيق الذي تعلق دينه برقبته-: (لزم سيده) ما عليه. نص عليه في رواية أبي طالب، واقتصر عليه في " الفروع " " لأنه فوّت رقبته على رب الحق بإعتاقها.
وظاهر النص: أنه لو تعلق برقبته مائة وقيمته خمسون: أن السيد تلزمه المائة بإعتاقه. وهو مشكل، لأنه لم يفوت إلا خمسين. والله أعلم.
(ومحله) أي: ومحل تعلق ما استدانه غير المًا ذون له برقبته: (إن تلف. وإلا) أي: وإن لم يتلف (أُخذ) أي: أخذه صاحبه (حيث أمكن) أخذه
له، إذ هو باقٍ على ملكه؛ لفساد العقد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أب: العين.
[ ٥ / ٤٢٦ ]
(ومتى اشتراه) أي: اشترى العبد (رب دين) وقد (تعلق) الدين (برقبته) أي: برقبة العبد: (تحول) الدين المتعلق برفبته (إلى ثمنه) أي: ثمن العبد الذي اشتراه به.
(و) إن كان الدين متعلقًا (بذمته) أي: بذمة العبد (فملكه) رب الدين المتعلق بذمته (مطلقًا) أي: بشراء أو غيره، (او) ملك رب الدين المتعلق بالرقبة (من تعلق برقبته) من الرقيق (بلا عوض)؛ كما لو ورثه أو وهب له: (سقط) الدين؛ لعدم البدل عن الرقبة الذي يتحول إليه الدين.
(ويصح أقرار مأذون) له (ولو) كان (صغيرًا في قدر ما أُذن فيه) فقط؛
لأن مقتضى الأقرار الصحة. ترك فيما لم يأذن له فيه سيده لحق السيد. فوجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
(وإن حجر عليه) أي: على المًا ذون له سيده بأن منعه من التصرف (وبيده) أي: العبد (مال، ثم أذن له فأقر به) أي: بالمال الذي بيده لشخص معين: (صح) أقراره به؛ لأن المانع من صحة إقر اره الحجر وقد زال با لأذن. ولأن تصرفه فيه صحيح. فصح إقراره به؛ كالحر.
قال القاضي في " التعليق ": وكذلك إذا أقر حال الحجر به أو بدين سابق على الحجر.
(ويبطل أذن) لرقيق في تجارة (بحجر على سيده)، جعله " في " الموجز "
و" التبصرة " مقيسًا عليه.
(وموته) أي: موت السيد، (وجنونه المطبَق). ذكرهما القاضي في
" خصاله ". ذكر ذلك عنه المجد في " شرح الهداية " واقتصر عليه؛ لأن كلًا من ذلك يمنع ابتداء الأذن. فمنع استدامته؛ كبقية العقود الجائزة.
و(لا) يبطل) بإباق يحصل من المأذون له. نص عليه؛ (و) لا (أسر) له، (و) لا (تدبير، وإيلاد) لو كان أنثى، (وكتا بة، وحرية، وحبس بدين وغصب) للمأذون له؛ لأن ذلك لا يمنع ابتداء الأذن له في التجارة. فلم يمنع استدامته.
[ ٥ / ٤٢٧ ]
وفيه مع الإباق والكتابة والحرية والأسر والإيلاد وجه: أنه يبطل.
(وتصح معاملة قن لم يثبت كونه مأذونًا له) خلافا للـ" نهاية "؛ لأن الأصل صحة التصرف.
(لا تبرع مأذون له) بما يتمول عادة؛ (بدراهم وكسوة، ونحوهما)؛ كفرس وحمار: فإنه لا يصح؛ لأن ذلك ليس من التجارة ولا يحتاج إليه. أشبه غير المًا ذون.
(وله) أي: للرقيق المأذون له (هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة، ونحوه)؛ كإعارة ثوبه (بلا إسراف) في الكل؛ " لأنه ﷺ كان يجيب دعوة المملوك " (^١) .
وروى أبو سعيد مولى أبي أسيد " أنه تزوج فحضر دعوته جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود وأبو حذيفة فأمّهم وهو يومئذ عبد ". رواه صالح في "مسائله ".
ولأنه مما جرت به عاده التجار فيما بينهم. فيدخل في عموم الأذن. وفيه وجه.
قال في " النهاية ": أنه الأظهر.
(ولى) رقيق (غير مأذون) له في التجارة (أن يتصدق من قوته بما لا يضر
به؛ كرغيف، ونحوه)؛ كبيضة؛ لأنه مما جرت العادة بالمسامحه. فيه: فجاز؛ كصدقة المرأة من بيت زوجها.
وعنه: ليس له ذلك؛ كالضيف.
(ولزوجة وكل متصرف في بيت) كًا جير، (الصدقة منه بلا أذن صاحبه بنحو ذلك)؛ لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: " إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٢٩٦) ٢: ٧٧٠ كتاب التجارات، باب ما للعبد أن يعطي ويتصدق.
[ ٥ / ٤٢٨ ]
ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك. لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا " (^١) . متفق عليه.
ولم تذكر أذنًا، إذ العادة السماح وطيب النفس به.
(إلا أن يمنع) الزوج من ذلك، (أو يضطرب عُرف، أو يكون بخيلًا، ويُشَِك في رضاه فيهما) أي: فيما إذا اضطرب عُرف أو كان بخيلًا: (فيحرم).
وعنه: ليس لها ولا لأجير ذلك. نقلها أبو طالب.
(كزوجة أطعمت بفرض ولم تعلم رضاه) أي: رضى زوجها بالصدقة.
قال في " الفروع ": ولم يفرق أحمد.
(ومن وجد بما اشترى من قن عيبًا. فقال) البائع: (أنا غير مأذون لي) في التجارة: (لم يقبل) منه.
، نقل مهنا: فيمن اشترى من عبد ثوبا فوجد به عيبا فقال العبد: أنا غير مأذون لي في التجارة، قال: لا يقبل منه، إنما أراد أن يدفع عن نفسه.
(ولو صدقه سيد) على عدم الأذن؛ لأن العلة التي ذكرها الإمام تتمشى في سيده أيضًا.
ونقل مهنا أيضًا فيمن قدم ومعه متاع يبيعه فاشتراه الناس منه. فقال: أنا غير مأذون لي في التجارة، قال: هو عليه في ثمنه، كان مأذونًا له أو غير ماذون. وقال الشيخ تقي الدين: إن علم السيد بتصرفه لم يقبل ولو قدر صدقه فتسليطه عدوان منه فيضمن (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٥٩) ٢: ٥١٧ كتاب الزكاة، باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٢٤) ٢: ٧١٠ كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين. . .
(٢) ساقط من ب.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
وفي طريقة بعض أصحابنا: التجار أتلفوا أموالهم لما لم يسًالوا الولي؛ إذ الأصل في حق العبد الحجر، وسكت بناء على الأصل وهو الحجر. فلم يغرهم، بل البائع اغتر لما أقدم ولم يسأل.
فإن قيل: يؤدي إلى تلف أموالهم لثبوتها في ذمته، ولهذا منعنا من ثبوت الحجر الخاص بعد الأذن الشائع؛ لأنه تغرير.
قيل: هذا نظر إلى الحكم والمصالح، والحكم إنما ينبني على الأسباب،
وإلا أدى إلى أطراحها، ويثبت الحجر الخاص وإن لم يعلم. نقل ذلك صاحب " الفروع ".
[ ٥ / ٤٣٠ ]
[باب: الو كا لة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الوكالة.
و(الوكالة) بفتح الواو وكسرها اسم مصدر بمعنى التوكيل.
وهو لغة: التفويض يقال: وكلت أمري إلى فلان أي: فوضته واكتفيت به.
وقد تطلق ويراد بها الحفظ. ومنه قوله تعالى: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا) [النساء
: ١٠٩] أي: حفيظا.
وقوله (^١): (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [ال عمران: ١٧٣] أي: الحفيظ.
وشرعًا: (استنابة) إنسان (جائز التصرف مثله) أي: إنسانًا جائز التصرف، (فيما) أي: في قول أو فعل (تدخله النيابة). فالقول؛ كالعقود، والفعل؛ كالإقباض والقبض ونحوهما.
وهي جائزة با لإجماع.
وسنده من الكتاب قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) [التوبة: ٦٠].
فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين.
وقوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) [الكهف: ١٩].
وقوله تعا لى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الاية [النساء: ٦].
ووجه الدلالة منها: أنه لما جاز نظر الأولياء، ونظرهم إنما يكون بوصية
أب أو تولية حاكم وهما لا يملكان: كان توكيل المالك في ملكه أجوز منه.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٥ / ٤٣١ ]
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها حديث عروة بن الجعد رضي الله تعالى عنه قال: " عرض للنبي ﷺ جلب فًاعطانى دينار. فقال: يا عروة! ائت الجلب فاشتري لنا شاة. قال: فًا تيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار. فجئت أسوقهما أو أقودهما. فلقيني رجل بالطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار. فًا تيت النبي ﷺ بالدينار وبالشاة. فقلت: يا رسول الله! هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ قال: فحدثته الحديث. قال: اللهم! بارك له في صفقه يمينه " (^١) رواه ابو داود وابن ماجه والأثرم. واللفظ له.
وروي " أنه ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبه " (^٢) .
و" أبا رافع في قبول نكاح ميمونة " (^٣) .
ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه. (وتصح) الوكالة (مؤقتة)؛ كًا نت وكيلي في شراء كذا. في وقت كذا، أوإلى انقضاء هذا الشهر ونحوه.
(ومعلقة) بشرط. نص عليه وقطع به الأكثر؛ كوصية وإباحة أكل وقضاء وإمارة؛ كقوله: إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام، وإذا دخل رمضان فقد وكلتك، أو فًا نت وكيلى في كذا ونحوه.
أما كونها تصح مؤقتة؛ فبلا خلاف.
واما المعلقة فقال الشافعي: لا تصح إلا أنه إن تصرف نفذ تصرفه.
قال المجد في " شرحه ": وتكون فائدة الخلاف أنه إن سمى له جُعلًا لم يثبت المسمى ووجب أجر المثل. وهذا خلاف لا يعود إلى هذه المسًا لة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٨٤) ٣: ٥٦ ٢ كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٥٨) ٣: ٥٥٩ كتاب البيوع، باب. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٠٢) ٢: ٨٠٣ كتاب الصدقات، باب الأمين يتجر فيه فيربح.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٣٩ كتاب النكاح، باب الوكالة في النكاح
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٤١) ٣: ٢٠٠ كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (" ٤ ٢٧٢) ٦: ٣٩٣
[ ٥ / ٤٣٢ ]
ووافقوا أنه إذا قال: وكلتك في طلاق امرأتي، أو بيع ثوبي بعد شهر صح؛ لأنه عقد الوكالة في الحال وعلق التصرف على الشرط.
قال في " المغني ": ولنا أن النبي ﷺ قال: " أميركم زيد. فإن قتل فجعفر. فإن قتل فعبدالله بن رواحة " (^١) . وهذا في معناه.
(و) تصح وكالة (بكل قول دلَّ على أذن). نص عليه؛ كبع عبدي هذا،
أو أعتقه، أو كاتبه، أو دبره، أو فوضت إليك امره، أو أقمتك مقامي، أو جعلتك نائبًا عني في ذلك، ونحو ذلك؛ لأنه لفظ دل (^٢) على الأذن. فى؛ كلفظها الصريح.
ونقل جعفر: إذا قال: بع هذا: ليس بشيء حتى يقول: وكلتك. وتأوّله القاضي على التأكيد.
قال ابن عقيل: هذا دأب شيخنا أن يحمل نادر كلام أحمد على أظهره ويصرفه عن ظاهره. والواجب ان يقال: كل لفظٍ رواية. ويصحح الصحيح. قال الأزجي: ينبغي أن يعول في المذهب على هذا؛ لئلا يصير المذهب
رواية واحدة.
قال في " الفروع ": ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال؛ كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصّار أو خياط، وهو أظهر كالقبول. انتهى.
(و) يصح (قبول بكل قول أو فعل دلَّ عليه)؛ لأن وكلاء النبي بهي لم ينقل
عنهم سوى امتثال أوامره.
ولأنه أذنٌ في التصرف. فجاز قبوله بالفعل؛ كًاكل الطعام.
(ولو) وقع ذلك حال كونه (متراخيًا) عن الأذن؛ نحو أن يبلغه أن فلانًا
وكله في بيع عبده منذ سنة فيقول: قبلت، أو يبيعه من غير قول؛ لأن قبول وكلاء النبي ﷺ لوكالته كان بفعلهم، وكان متراخيًا عن توكيه إياهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣، ٤) ٤: ٥٥٤ ١ كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٢) في أب: دال.
[ ٥ / ٤٣٣ ]
ولأن الأذن قائم ما لم يرجع عنه.
(وكذا) أي: وكالوكالة في ذلك (كل عقد جائز)؛ كمساقاة، ونحوها (^١) .
(وشُرط) لصحة الوكالة (تعيين وكيل). قاله القاضى وأصحابه، بأن يقول: وكلت فلانا في كذا.
وفي " الانتصار ": لو وكل زيدًا وهو لا يعرفه أو لم يعرف موكله لم يصح.
(لا علمه بها) أي: لا يشترط لصحة التصرف بالوكالة علم الوكيل بالوكاله. فلو باع إنسان عبد زيد على أنه فضولي فبان أن سيده وكله في بيعه قبل البيع صح؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف. وفيه وجه.
(وله) أي: للوكيل (التصرف) فيما وكل فيه (بخبر من ظن صدقه) بتوكيل زيد له فيما تصرف فيه.
(ويضمن) ما ترتب على تصرفه إن أنكر زيد التوكيل.
قال في " الفروع ": في ظاهر قوله. يعني: الإمام.
وقال الأزجي: إذا تصرف بناء على هذا الخبر فهل يضمن؟ فيه وجهان. ذكرهما القاضي في " الخلاف " بناء على صحة الوكالة وعدمها، وإسقاط التهمة في شهادته لنفسه.
والأ صل فى هذا قبول الهدية إذا ظن صدقه. وأذن الغلام في دخوله بناء على ظنه.
(ولو شهد بها) أي: بالوكاله (اثنان، ثم قال أحدهما: عَزَله و) الحال
أنه (لم يحكم بها) أي: بصحة الوكالة حاكم قبل قوله ذلك: (لم تثبت) الوكالة؛ لأنه رجوع عن الشهاة قبل الحكم.
قال في " الفروع ": ويتوجه بلى.
_________________
(١) في أوب: ونحوهما.
[ ٥ / ٤٣٤ ]
(وإن حُكم) بصحتها، ثم قال أحد الشاهدين: قد عزله، (أو قاله) إنسان (غيرهما) قبل الحكم أو بعده: (لم يقدح) ذلك فيها، لأن الحكم قد نفذ بالشهادة ولم يثبت العزل.
وإن قالا جميعًا: قد عزله: ثبت العزل؛ لأن الشهاده تمت به كما تمت
با لتوكيل؛
ولو شهد اثنان أن فلانًا الغائب وكّل؛ فلانًا الحاضر. فقال الوكيل: ما علمت
وأنا أتصرف عنه ثبتت الوكالة، لأن معنى ذلك أي: لم أعلم إلى الآن.
وقبول الوكالة يجوز متراخيًا.
وليس من شرط التوكيل حضور الوكيل ولا علمه. فلا يضر جهله به.
وإن قال: ما أعلم صدق الشاهدين لم تثبت؛ لقدحه في شهادتهما.
وإن قال: ما علمت وسكت، قيل له: فَسِّر. فإن فسر بالأول ثبتت وكالته، وإن فسر بالثاني لم تثبت. ذكره في " المغني " وملخصًا في " الفروع ".
(وإن أبى) وكيل (قولها) أي: الوكالة بًان قيل له: فلان وكلك في كذا. فقال: لا أقبل: (فكعزله نفسه) أي: يكون قوله: لا أقبل؛ كقوله: عزلت نفسي. ولعل هذا والله أعلم مًا خوذ من أقوال الأصحاب في الموصى له إذا قال: لا أقبل ولا أرد: أنه يحكم عليه بالرد.
وقال في " الإنصاف " بعد نقله المسًا لة عن " الرعاية الكبرى ": قلت: ويحتمل لا.
(ولا يصح توكيل) أي: أن يوكل إنسان (في شيء إلا) إن كان الموكِّل (ممن يصح تصرفه فيه) أي: في ذلك الشيء؛ لأن من لا يصح تصرفه بنفسه في شيء لا يصح أن يستنيب غيره فيه. فلا يصح من سفيه توكيل في عتق عبده ونحوه. (سوى أعمى) رشيد، (ونحوه)، كمن يريد شراء عقار وبيعه والعقار
ببلد لم يدخلها: فأنه يصح أن يوكل (عالمًا) بصيرًا (فيما يحتاج لرؤية). وإن لم يصح منه تولي ذلك بنفسه، لأن سلبهما القدرة على صحة التصرف لعجزهما
[ ٥ / ٤٣٥ ]
عن العلم بالمبيع لا لمعنى فيهما يقتضي منع التوكيل.
(ومثله) أي: مثل التوكيل في الحكم (توكل) عن غيره. (فلا يصح أن يوجب) عن غيره (نكاحًا من لا يصح منه) إيجابه (لموليته)، لأنه إذا لم يجز أن يتولاه بنفسه لم يجز أن يتوكل فيه، كالمرأة.
(ولا يقبله) أي: النكاح (من لا يصح منه لنفسه)، كالكافر يتوكل في قبول نكاح مسلمة لمسلم. (سوى) قبول (نكاح أخته، ونحوهما) " كخالته وعمته (لأجنبي.
و) سوى قبول (حر واجد الطَّوْل نكاح أمة لمن تباح له) الأمة.
(و) سوى توكل (^١) (غني في قبض زكاة لفقير).
وإنما صح التوكل (^٢) في هذه الصور وإن لم يصح ذلك من الوكيل " لأن المنع منه لنفسه إنما هو على سبيل التنزيه له، لا لمعنى فيه يقتضي منع التوكيل (^٣) .
(و) سوى (طلاق امرأة نفسها وغيرها بوكالة)؛ لأنه لما ملكت طلاق نفسها بجعله لها ملكت طلاق غيرها بالوكالة.
(ولا تصح) الوكالة (في بيع ما سيملكه، أو) في (طلاق من يتزوجها)؛
لأن ذلك لا يملكه الموكِّل حين التوكيل. ذكره الأزجي واقتصر عليه في "الفروع ". وإن قال: إن تزوجت هذه فقد وكلتك في طلاقها، وإن اشتريت هذا العبد
فقد وكلتك في عتقه: صح إن قلنا يصح تعليقهما على ملكهما، وإلا فلا. وقيل: بلى. قاله في " الفروع ".
وفي " المغني ": ليس للمكاتب أن يتوكل لغيره بغير جُعل إلا بإذن سيده؛
لأن منافعه كأعيان ماله. وليس له بذل عين ماله بغير عوض.
_________________
(١) في ج: توكيل.
(٢) في ج: التوكيل.
(٣) في أوب: التوكل.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
(ومن قال لوكيل غائب) في مطالبته: (احلف ان لك مطالبتي، أو أنه) أي: موكِّلك (ما عزلك: لم يُسمع) أي: لم يلتفت إلى قول المدعى عليه ذلك. (إلا أن يدعي علمه) أي: علم الوكيل (بذلك) أي: بالعزل (فيحلف)؛ لاحتمال صدق المدعى عليه ونكول المدعي فيمتنع الطلب.
(ولو قال) من ادعى عليه وكيل غائب (عن) دين (ثابت) في ذمة المدعى عليه: (موكلُك اخذ حقه) فهو مقر ماع وفاء: (لم يقبل) إلا ببينة.
(ولا يؤخَّر) (ي: لا يحكم على الوكيل بتأخير الطلب إلى أن يحضر موكل
(ليحلف موكل) أنه لم يأخذه منه؛ لكيلا يكون ذلك وسيلة إلى تأخير الحق المتيقن لشيء مشكوك فيه؛ كما لو كان المدعي رب الحق وذكر المدعى عليه أنه وفاه وله بينة غائبة عن البلد بذلك. فإن الحق لا يؤخر إلى حضورها.
[ ٥ / ٤٣٧ ]
(فصل): فيما يصح فيه التوكيل
وما لا يصح، وما للوكيل فعله وما يمتنع عليه.
وجملة الأعمال ثلاثة أقسام:
قسم يجوز فيه التوكيل مع العجز والقدرة.
وقسم لا يجوز التوكيل فيه مطلقًا.
وقسم مع العجز فقط.
فالأول نوعان:
أحدهما: حقوق الآدمي ين. وإليه أشير بقولي: (وتصح في كل حق آدمي) متعلق بمال أو ما يجري مجراه، (من عقد) متعلق (^١) بالمال؛ كالبيع والإجارة، أو متعلق بما يجري مجرى المال؛ كعقد النكاح.
(وفسخ وطلاق)؛ لأن التوكيل إذا جاز في عقد النكاح جاز في حَلِّه بطريق
الأولى.
(ورجعة)؛ لأن التوكيل حيثُ ملك به الأقوى وهو إنشاء النكاح ملك به الأضعف وهو تجديده بالرجعة من باب أولى.
(وتملُّكِ مباح) من (^٢) صيد وحشيش ونحوهما؛ لأن ذلك تملك مال
لا يتعين عليه. فجاز التوكيل فيه؛ كالابتياع والاتهاب.
وقيل: أن الوكيل في الاحتشاش والاحتطاب يملك ما احتشه واحتطبه. (وصلح) " لأنه عقد على مال. أشبه البيع.
_________________
(١) في ب: يتعلق.
(٢) في أ: في.
[ ٥ / ٤٣٨ ]
(وإقرار)؛ لأنه قول يلزم به الوكيل (^١) مال. أشبه التوكيل في الضمان.
(وليس توكيله فيه بإقرار)؛ كما لو وكله في وصية أو هبة فإن توكيله فيهما
ليس بوصية ولا بهبة.
وقال في "الرعاية الكبرى": وفي صحة التوكيل في الإقرار والصلح وجهان.
وقيل: التوكيل فى الإقرار إقرار.
وقيل: يقول جعلته مقرًا. انتهى.
ويصح التوكيل في الإقرار بالمجهول بًان يقول له: وكلتك في الإقرار لزيد
بمال أو بشيء، ويرجع في تفسيره إلى الموكل. نقله المجد في " شرح الهداية " عن الأصحاب.
وصفة التوكيل: أن يقول له: وكلتك في الإقرار. فلو قال له: أقر عنى لم
يكن ذلك وكالة. ذكره المجد أيضًا.
(و) يصح أيضًا التوكيل في (عتق وإبراء)؛لأنه ما من حقوق الآدمي المتعلقة بالمال.
(ولو لأنفسهما، إن عينا) بًان يقول السيد لرقيقه: وكلتك في أن تعتق. نفسك، أو رب الدين لغريمه: وكلتك في ان تبرئ نفسك.
وعلم مما تقدم أن السيد لو قال لأحد عبيده: وكلتك في إعتاق عبيدي، أو
قال رب الدين لأحد غرمائه: وكلتك في إبراء غرمائي: لم يكن للعبد عتق نفسه، ولا للغريم إبراء نفسه. وهو المذهب.
وقيل: يملك ذلك. وجزم به الأزجي.
وعلم من قوله:. وتصح في كل حق آدمي: جوازها في أشياء دخلت في
عموم هذا اللفظ ولم ينص عليها في المتن؛ كالحواله والرهن والكفالة والشركة
_________________
(١) في أوب: الموكل
[ ٥ / ٤٣٩ ]
والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والكتابة والتدبير والإعتاق (^١) والقسمة. وكذا في الوقف. ذكره الزركشي وابن رزين وحكى الإجماع في الجميع. والقسم الثانى وهو: ما لا يجوز التوكيل فيه مطلقًا وإليه أشير بقولي: (لا في ظهار، ولعان، ويمين، ونذر، وإيلاء، وقَسَامة، وقَسْم لزوجات، وشهادة، والتقاط، واغتنام، وجزية، ومعصية، ورضاع).
أما كون التوكيل لا يصح في الظهار؛ فلأنه قول منكر وزور يحرم. أشبه بقية المعاصي.
وأما اليمين مطلقًا والنذر والإيلاء والقَسَامة؛ فلأن منها ما هو زجر، ومنها
ما يشبه التعبد وتتعلق بعين (^٢) الحالف والناذر. فلا تدخلها النيابة؛ كبقية العبادات البدنية.
وأما القَسْم بين الزوجات؛ فلأمر (^٣) يختص بالزوج لا يوجد في غيره.
وأما الشهاده؛ فلأنها تتعلق بعين الشاهد؛ لكونها خبرًا عما راه أو سمعه،
ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه. فإن استناب فيها كان النائب شاهدًا على شهادته؛ لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الأصل وليس بوكيل.
وأما الالتقاط؛ فلأن الملتقط أحق به من الآمر (^٤) .
وأما الاغتنام؛ فلأنه إنما يستحق بالحضور. فلا يملك غائب المطالبة به.
وأما التوكيل في دفع الجزية؛ فلفوات الواجب من الصَّغار على من وجبت عليه.
وأما الرضاع؛ فلأنه (^٥) يختص بالمرضعة، وهو إنبات لحم المرتضع
_________________
(١) في أوب: والإنفاق.
(٢) في ج: بيمين، وفي ب: بغير.
(٣) في ج: فلأنه.
(٤) في ج: الآخر.
(٥) في أ: فلأمر.
[ ٥ / ٤٤٠ ]
وإنشاز (^١) عظمه بلبنها.
(وتصح) الوكالة (في بيع ماله) أي: مال الموكل (كل هـ)؛ لأنه يعرف
ماله فلا غرر.
(أو) يوكله أن يبيع (ما شاء) الوكيل (منه) أي: من مال الموكِّل؛ لأن التوكيل إذا جاز في الجميع ففي بعضه أولى.
(و) كذا لو وكله في (المطالبة بحقوقه) كلها، (والإبراء منها كلها أو ما شاء منها).
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم في: بع من مالي ما شئت، له بيع كل ماله.
وذكر الأزجي في: " بع من عبيدي ما شئت ": أن " مِنْ " للتبعيض.
فلا يبيعهم إلا واحدًا ولا الكل، لاستعمال هذا في الأقل غالبًا، وقال: هذا ينبني على أصل وهو استثناء الأكثر. كذا قال. انتهى.
(لا) التوكيل (في) عقد (لمحاسد)، لأن الله تعالى لم يأذن فيه.
ولأن الموكِّل لا يملكه فوكيله في ذلك أولى.
(أو) في (كل قليل وكثير) فأنه لا يصح. ذكره الأزجي اتفاق الأصحاب؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وإعتاق رقيقه. فيعظم الغرر والضرر.
ولأن التوكيل لا بد وأن يكون في تصرف معلوم.
(ولا) يصح التوكيل إن قال: (اشتر ما شئت، أو عبدًا بما شئت)؛ لأن
ما يمكن شراؤه والشراء به يكثر فيكثر فيه الغرر فلا يصح، (حتى يُبين) بالبناء للمفعول للوكيل (نوع) يشتريه (وقدر ثمن) يشتري به.
قال الإمام في رواية ابن منصور فيمن قال لرجل: اشتري لي سلعة. ولم
_________________
(١) في ج: وانتشار.
[ ٥ / ٤٤١ ]
يصف له فاشترى بأقل أو بأكثر: فهذا لم يشتر له حتى يصف. فإذا وصف لم يضمن. إلا ان يشتري بأكثر. ذكرها في " التعليق ". نقلها (^١) المجد في " شرح الهد اية ".
واختار ذلك أبو الخطاب؛ لأن الغرر لا ينتفي إلا بذكر الشيئين.
واختار القاضي وابن عقيل: أن ذكر النوع أو الجنس والثمن كاف؛ لأنه إذا
بين له النوع فقد أذن في أغلاه ثمنًا، وإذا بين له الجنس والثمن فقد أذن (^٢) في جميع أنواع ذلك الجنس ميع تبيين الثمن فيقل الغرر.
وعن الإمام ما يدل على الصحه مع عدم ذكر النوع وقدر الثمن؛ فأنه روي
عنه فيمن قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا: أن هذا جائز وأعجبه. وهذا توكيل في شراء كل شيء.
(ووكيله) أي: الزوج (في خلع بمحرم، كهو) أي: كالزوج على ما
يأتى في كتاب الخلع. (فلو خالع بمباح: صح بقيمته). قاله في " الفروع ". قال في " الرعاية ": وإن قال: خالع زوجتى على محرم ففعل: صح الخلع مجانًا. ويُخرّج بطلانه. وإن خالعها على مباح صح الخلع وفسد العوض، وله قيمة العوض لا هو. انتهى.
والنوع الثانى مما يجوز فيه التوكيل مع العجز والقدرة هو المشار إليه (^٣) بقوله: (وتصح) الوكالة (في كل حق لله تعالى تدخله نيابة، من إثبات حد واستيفائه)؛ لقوله ﷺ: " واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. فاعترفت فأمر بها فرُجمت " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) في أب: نقله.
(٢) في ج: أذن له.
(٣) في أوب: إليها.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١٩٠) ٢: ٨١٣ كتاب الوكالة، باب الوكالة في الحدود. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٩٧) ٣: ١٣٢٥ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.
[ ٥ / ٤٤٢ ]
فقد وكله في الإثبات والاستيفاء معًا.
وقال أبو الخطاب: لا يجوز التوكيل في إثباتها؛ لأنها تسقط بالشبهات،
وقد أمرنا بدرئها. والتوكيل يوصل إلى الإيجاب.
وجوابه: الخبر. وبًان الحاكم إذا استناب دخل فيها الحدود. فإذا دخلت
في التوكيل بطريق العموم فالتخصيص بدخولها أولى.
والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات.
(و) من (عبادة) متعلقة بالمال؛ (كتفرقة صدقة، و) تفرقة (نذر، و) تفرقة (زكاة)؛ لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها.
وحديث معاذ شاهد بذلك (^١) .
(وتصح) الوكالة في إخراج الزكاة (بقوله) أي: الموكل لوكيله: (أخرج زكاة مالي من مالك)؛ لأنه اقتراض من مال الوكيل، وتوكيل في إخراج الزكاة. (و) تصح الوكالة أيضًا في تفرقة (كفارة) على الموكِّل؛ لأن ذلك كتفرقة الزكا ة.
وأما القسم الثالث من أعمال الذي يجوز فيه التوكيل مع العجز فهو المشار
إليه بقولي: (وفعل حج وعمرة). فإنه يجوز أن يستنيب من يفعلهما عنه بشرطه. (وتدخل ركعتا طواف تبعًا) لأركانهما، وإن كانت الصلاة مما لا تصح فيها الاستنابة.
و(لا) تصح الوكالة في عبادة (بدنية محضة) أي: لم تتعلق بمال.
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄ قال: " لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٩٣٧) ٦: ٢٦٨٥ كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله.
[ ٥ / ٤٤٣ ]
وهي: (كصلاة وصوم وطهارة من حدث)، لأنها متعلقة ببدن من هي عليه فلا يجوز التوكيل فيها.
(ونحوه) أي: ونحو ذلك، كالاعتكاف. فإن الثواب عليه لأمر يختص المعتكف، وهو لبث ذاته في المسجد. فلا تصح الاستنابة فيه.
وعلم من تقييد الطهارة بالحدث صحة الاستنابة في الطهارة من النجاسات "
لأنها من باب الترك. أشبهت الاستنابة في تنظيف الأوساخ.
(ويصح استيفاء) لما وكل فيه (بحضرة موكِّل وغيبته). نص عليه، لعموم الأدلة. (حتى في) استيفاء (قَوَد وحد قذف).
وفيهما لاحتمال العفو وجه.
ورد: بًان قضاة رسول الله ﷺ كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود مع احتمال النسخ.
ولأن الأصل عدم العفو، والظاهر أنه لو عفا لأعلم وكيله.
ثم شرع في ذكر ما للوكيل فعله وما يمتنع عليه (^١) فقال:
(ولوكيل توكيل فيما يعجزه) فعله (لكثرته ولو في جميعه)، لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل. فجاز في جميعه، كما لو أذن فيه لفظًا.
وعند القاضي: أنه لا يوكل إلا فيما زاد على ما يتمكن من فعله.
(و) في (ما لا يتولى مثله بنفسه)، كالأعمال البدنية في حق أشراف الناس المترفعين (^٢) عن فعلها في العادة، لأن الأذن إنما ينصرف إلى ما جرت به العادة.
(لا فيما يتولى مثله بنفسه) نص عليه في روايه ابن منصور، لأنه لم يأذن له
في التوكيل ولا تضمنه أذنه. فلم يجز، كما لو نهاه.
ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه. فلم يكن له أن يوليه لمن لا يًامنه
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أوب: المرتفعين.
[ ٥ / ٤٤٤ ]
عليه؛ كالوديعة.
وعنه: يجوز. نقلها حنبل.
(إلا بإذن) أي: إلا إذا أذن له أن يوكل فإنه يجوز بلا خلاف؛ لأنه عقد أذن
له فيه. فكان له فعله؛ كالتصرف المأذون فيه.
وقال في " الفروع " بعد ذكر المسألة: ولعل ظاهر ما سبق يستنيب نائب في الحج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.
(ويتعين أمين)؛ لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بًا مين. فيتقيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر.
(إلا مع تعيين موكل) بأن قال له: وكل عنك فلانًا. فيكون له توكيله وإن
لم يكن أمينًا؛ لأنه قطع نظره بتعيينه له.
وإن وكل (^١) أمينًا فصار خائنًا فعليه عزله؛ لأن تركه يتصرف تضييع وتفريط. (وكذا) أي: وكالوكيل في التفصيل المتقدم (وصي يوكّل، وحاكم يستنيب)؛ لأن كلًا متصرف في مال غيره بالأذن.
وقيل: يجوز لهما ذلك. وإن منعناه في الوكيل (^٢) .
(و) قول الموكل لوكيله: (وكّل عنك): فإن وكيله (وكيل وكيله) ينعزل بموت الوكيل الأول وعزله.
(و) وكل (عني أو يُطلّق) فوكل كان (وكيل موكله) لا ينعزل بموت الوكيل الأول ولا عزله.
ولا يملك الأول عزله؛ لأنه ليس بوكيله.
وإن مات الموكل الأول أو حصل منه ما يقتضي بطلان وكالته انعزلا (^٣)، سواء كان أحدهما فرع الاخر أو لا.
_________________
(١) في ا: يان كان.
(٢) في ا: التوكيل.
(٣) في ب: انعزل.
[ ٥ / ٤٤٥ ]
وقول الموكل لوكيله: وكل عني (كـ) قول الموصي لوصيه: (أوص إلى من يكون وصيًا لي). فيكون من أوصى إليه الوصي وصيًا للموصي الأول. ذكر ذلك في " الفروع ". ثم قال: وذكر الأزجي احتمالًا: لا يصح؛ لعدم أذن الموصي حين إمضاء الوصية.
(ولا يوصي وكيل مطلقًا) أي: سواء أذن له في التوكيل أو لا.
قال في " الفروع ": على ما في " التعليق " و" المغني " وغيرهما.
(ولا يعقد) الوكيل عقدًا وكل فيه (مع فقير أو قاطع طريق) إلا أن يأمره الموكل. وهو المراد بقولي بعد: إلا بإذن. . نقله الأثرم؛ لأن في ذلت مع عدم أذن الموكل تفريطًا.
(أو ينفرد من عدد) يعني: أن من وكل اثنين أو ثلاثة أو أكثر في بيع أو في غيره فليس لواحد منهما أو منهم أن ينفرد بالتصرف؛ لأن الموكل لم يرض بتصرفه منفردًا. بدليل إضافة الغير إليه.
فلو وكل اثنين في حفظ ماله حفظاه (^١) معًا في حرز لهما. فلو غاب أحدهما
لم يكن للآخر أن يتصرف، ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا (^٢) معا؛ لأن قول الموكل فعلًا يقتضي اجتماعهما على فعله.
ولو قال لاثنين: أيكما باع سلعتي فبيعه جائز صح.
وإن قال: قد وكلت ببيع سلعتي هذا أو هذا: لم تصح الوكالة. قاله ابن المنذر.
وقال أهل. الرأي: يجوز استحسانًا. فًا يهما باع جاز. نقل ذلك المجد في
" شرح الهدايه ".
(أويبيع نَساء أو) بغير نقد؛ (بمنفعة أوعرض).
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: ليتصرف.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
أما كونه لا يصح إذا باع نَساء؛ فلأن الموكل لو (^١) باع بنفسه (^٢) وأطلق انصرف إلى الحلول. فكذا إذا أطلق الوكالة.
وأما كونه لا يصح بمنفعة أو عرض؛ فلأن الإطلاق محمول على العرف، والعرف يقتضي أن الثمن إنما يكون من النقدين.
قال المجد في " شرحه ": فإن وكله أن يشتري له طعامًا لم يجز له غير شراء الحنطة حملًا على العرف. ذكره القاضي وابن عقيل في البيوع قبل السلم.
(إلا بإذن) من الموكل في جميع ذلك؛ لأنه إذا فعل شيئًا من ذلك بإذنه فقد فعل ما اقتضته الوكالة.
(أو) يبيع (بـ) نقد (غير نقد البلد، أو) بنقد غير (غالبه إن جمع) البلد (نقودًا، أو) بغير (الأصلح) من نقوده (إن تساوت) رواجًا. إلا إن عينه موكل. أما كونه لا يصح العقد منه إذا فعل شيئًا من ذلك مع الإطلاق؛ فلأن إطلاق الوكالة إنما يملك به الوكيل فعل الأحظ لموكله ومع التعيين فقد فعل ما أذن له فيه. قال في "المقنع ": ويحتمل أن يجوز كالمضارب. وهي روايه في "المحرر". وفرق الموفق بين الوكيل والمضارب، بأن المقصود من المضاربه الربح وهو في النَّساء أكثر.
ولأن استيفاء الثمن في المضاربة على المضارب فيعود ضرر التأخير في التقاضي عليه. بخلاف الوكالة فإن ضرر التقاضي (^٣) فيها يعود على الموكل. وعلم مما تقدم أن بيعه بالفلوس كبالعروض. وهذا (^٤) فيما يباع بالنقد " كالثوب والفرس. أما إذا كان ما وكل في بيعه يباع مثله بالفلوس، كالرغيف ونحوه: فإنه يصح بالفلوس دون عرض سواها، لأنه العرف.
_________________
(١) في ج: إذا.
(٢) في أ: نفسه.
(٣) في أ: القاضي.
(٤) في أ: فهذا.
[ ٥ / ٤٤٧ ]
(وإن وكل) إنسان (عبد غيره) فتارة يكون فيما يملك العبد فعله بدون أذن سيده، كالصدقة بالرغيف ونحوه والطلاق والرجعة، وتارة يكون التوكيل فيما لا يملك العبد فعله إلا بإذن سيده. وذلك قسمان:
أحدهما: إيجاب النكاح وقبوله. وفي كل واحد منهما بلا أذن سيده وجهان.
القسم الثانى: عقود المعاوضات كالبيع والشراء. وفي ذلك مع أذن السيد روايتان، والروايتان أيضًا فيما إذا وكله أجنبي في شراء نفسه أو عبد غيره من سيده.
والصحيح: أنه إن توكل في بيع أو إجارة أو نحوهما أو شراء (ولو في شراء نفسه) أو قن غيره (من سيده: صح) ذلك (إن أذن) فيه سيده.
(وإلا) أي: وإن لم يأذن له سيده في التوكل (فلا) يصح تصرفه.
ومحل ذلك: (فيما لا يملكه العبد).
أما ما يملك فعله لنفسه بدون أذن سيده، كالصدقة باليسير والطلاق والرجعة: فإنه يصح توكله فيه بدون أذن سيده.
ووجه المذهب: أن العبد محجور عليه لحق سيده. فإذا أذن له صار كمطلق التصرف.
وأما كونه يصح أن يشتري نفسه من سيده، فلأنه (^١) لماجاز له الشراء من غير سيده جاز له من (^٢) سيده، وإذا جاز له أن يشتري من سيده غيره جاز له أن يشتري نفسه، كما أن المرأة لما جاز لها التوكل في طلاق غيرها جاز في طلاق نفسها. وأما كونه لا يحتاج إلى أذن سيده في التوكل في الطلاق ونحوه، فلأن ما صح من العبد فعله لنفسه بدون إذن سيده فيه صح بطريق النيابة بدونه.
_________________
(١) في أب: فأنه.
(٢) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤٤٨ ]
فعلى صحة شراء العبد نفسه من سيده قال في " المغني ": إذا قال العبد اشتريت نفسي لزيد، وصدقه سيده وزيد: صح ولزم زيدًا الثمن.
وإن قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك عتق العبد بقوله وإقراره على نفسه بما يعتق به، ويلزم العبد الثمن في ذمته لسيده؛ لأن زيدًا لا يلزمه الثمن؛ لعدم حصول العبد له، وكون سيده لا يدعيه عليه. فلزم العبد؛ لأن الظاهر ممن باشر العقد أنه له.
وإن صدقه السيد (^١) وكذبه زيد نظرت في تكذيبه. فإن كذبه في الوكالة حلف وبرئ، وللسيد فسخ البيع واسترجاع عبده؛ لتعذر ثمنه. وإن صدقه في الوكالة وكذبه في أنك ما اشتريت نفسك لي: فالقول قول العبد؛ لأن الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه. انتهى.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
(فصل): في حكم عقد الوكالة
وما يبطل به، وانعزال الوكيل، وعزله، وحكم ما بيده بعده
والو كالة، والشر كة، والمضاربة، والمسا قاة، والمز ارعة، والود يعة، والجعالة: عقود جائزة من الطرفين)؛ لأن غاية ما في كل منها (^١) أذن وبذل نفع، وكلاهما جائز.
(لكل) من المتعاقدين (فسخها) أي: هذه العقود؛ كفسخ الأذن في أكل طعام.
(وتبطل بموت وجنون وحجر لسفه)؛ لأن كلًا من هذه العقود يعتمد الحياة والعقل وعدم الحجر. فإذا انتفى ذلك انتفت صحتها؛ لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف.
والمراد ببطلانه (بالحجر للسفه) حيث (عتبر) لها (رشد) بأن كانت في شيء لا يتصرف في مثله السفيه. أما إن كانت في شيء يسيريتصرف في مثله السفيه بدون إذن وليه، أو كانت الوكالة في طلاق أو رجعة، أو في تملك مباح؛ كاستقاء ماء واحتطاب والذي حجر عليه الموكل في هذه الصورة: فلا تنفسخ.
(وتبطل وكالة بسكر يُفسَّق به فيما ينافيه؛ كإيجاب نكاح، ونحوه)؛ كإثبات حد واستيفائه؛ لخروجه بالفسق عن أهلية التصرف في ذلك.
(و) تبطل الوكالة أيضًا (بفلس موكل فيما حجر عليه فيه) بأن كانت الوكاله
في أعيان ماله؛ [لانقطاع تصرفه فيها.
(وبردته) أي: تبطل الوكالة بردة الموكل؛ لامتناعه من التصرف في
_________________
(١) في أ: كلامهما.
[ ٥ / ٤٥٠ ]
ماله] (^١) ما دام مرتدًا.
ولا تبطل بردة وكيل إلا فيما ينافيها.
(و) تبطل الوكالة أيضًا (بتدبيره) أي: تدبير السيد، (أو كتابته قنًا وكل
في عتقه)؛ لدلالة ذلك على الرجوع عن الوكالة في العتق.
(لا بسكناه) أي: الموكل (أو بيعه) بيعًا (فاسدًا ما) أي: شيئًا (وكل
في بيعه)، لأن السكنى لا تختص بالملك. والبيع الفاسد لم ينقله.
(و) تبطل الوكالة (بوطئه) أي: الموكل، (لا قُبلتِه زوجة وكل في طلاقها)، لدلالة وطئه على رغبته فيها واختياره إمساكها. ولذلك لو وطئها بعد طلاقها رجعيًا كان ارتجاعًا لها. فإذا اقتضى رجعتها بعد طلاقها. فلأن يقتضي استبقائها على نكاحها من باب أولى.
قال في " المغني ": وإن باشرها دون الفرج أو قبًلها أو فعل بها ما يحرم
على غير الزوج فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين بناء على الخلاف في حصول الرجعة به.
(وكذا) أي: وكبطلانها بما إذا طرأ على موكل ما ينافيها يكون (وكيل فيما ينافيها). فتبطل بارتداد النائب في الحج قبل فعله، وارتداد الوكيل في قبول نكاح مسلمة ونحو ذلك.
(و) تبطل الوكالة أيضًا (بدلالة رجوع أحدهما) أي: الموكِّل والوكيل عنها. وتقدمت صور من دلالة رجوع الموكل.
ومن صور دلالة رجوع الوكيل ما إذا قبل الوكالة من مالك عبد في عتقه وكان
قد وكله إنسان في شرائه. فإن قبول الوكالة في عتقه يدل على رجوعه عن الوكالة الأولى في شرائه.
(وبإقراره) أي: الوكيل (على موكله بقبض ما) أي: شيء (وكل)
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤٥١ ]
الوكيل (فيه).
قال في " الفروع ": ولو كان وكيلًا في الخصومة.
ومراده: دون القبض. وإنما بطلت؛ لاعتراف الوكيل بذهاب محل الوكالة بالقبض.
(و) تبطل أيضًا (بتلف العين) التي وكل في التصرف فيها؛ لأن محل الوكالة ذهب.
وكذا لو وكل إنسانًا في نقل امرأته، أو بيع عبده، أو قبض داره من فلان فقامت البينة بطلاق الزوجة أو عتق العبد أو انتقال الدار عن الموكل: فإن الوكالة تبطل؛ لأنه إذا زال تصرف الموكِّل زالت وكالته.
(و) تبطل الوكالة بـ (دفع عوض لم يأمر به) الوكيل؛ كما لو أعطاه الموكل دينارين وقال: اشتر بهذا ثوبًا وبهذا شاة فتلف الدينار الذي أمر بًان يشتري به ثوبًا فاشترى ثوبًا بالدينار الذي أمر أن يشتري به شاة: فلا يصح هذا الشراء؛ لأنه لو صح للزم الموكل ثمن لم يلتزمه ولا رضي بلزومه.
(وإنفاق ما أمر به. ولو نوى اقتراضه) أي: اقتراض الوكيل دينارًا أو غيره
أمر بالشراء به بأن تصرف فيه ولو بخلطه على دنانير لا يتميز منها لتلفه. فتبطل الوكالة؛ لتعذر دفع ما استًا داه من الموكل ثمنًا فيما وكل في شرائه.
(و) لو أن الوكيل (عزل عوضه) أي: عوض الدينار الذي تصرف فيه؛
لأن ما عزله عوضه لا يصير للموكل حتى يقبضه.
(لا بتعد) يعني: أنه لو دفع إنسان إلى آخر ثوبًا أو نحوه ووكله في بيعه فتعدى الوكيل فيما وكل في بيعه، بأن لبس الثوب أو رهنه أو نحو ذلك: لم تبطل الوكالة؛ لأن الوكالة أذن في التصرف مع ائتمان. فإذا زال أحدهما لم يزل الآخر.
(ويضمن) أي: وتصير العين المتعدى عليها من ضمان الوكيل. (ثم إن تصرف) فيها (كلما أمر: برئ بقبضه العوض.).
فلو تلف في يده من غير تعد ولا تفريط لم يضمنه؛ لأنه لم يتعد في عينه.
[ ٥ / ٤٥٢ ]
ذكره (^١) في " التلخيص ".
قال في " القواعد ": ولا يزول الضمان عن عين ما وقع فيه التعدي بحال إلا
على طريقة ابن الزاغوني في الوديعة.
وقيل: تبطل الوكالة بتعدي الوكيل.
ومحل الخلاف: مع بقاء العين، أما إذا كان التعدي بإتلافها فإن الوكالة
تبطل قولًا واحدًا.
(ولا) تبطل الوكالة أيضًا (بإغماء) يحصل للموكل أو للوكيل؛ لأن (^٢)
المغمى عليه لا تثبت عليه الولاية بالإغماء. أشبه النوم.
(و) لا (عتق وكيل وبيعه وإباقه) يعني: أنه لو وكل عبده أو عبد غيره بإذنه
فعتق العبد أو انتقل الملك فيه أو أبق: لم تبطل وكالته.
أما إذا وكل عبد نفسه في شيء ثم أعتقه ففي بطلان وكالته بعتقه وجهان:
أصحهما: لا تبطل؛ لأن الحرية لا تمنع ابتداء الوكالة. فلا تقطع استدامتها.
والثانى: بلى؛ لأن توكيل عبده ليس بتوكيل في الحقيقة إنما هو استخدام
بحق الملك (^٣) . فيبطل بزواله.
وأما إذا وكل عبد غيره بإذنه ثم عتق لم تبطل الوكالة وجهًا واحدًا. قاله غير
واحد؛ لأن ما عللوا به الوجه الثانى فيما إذا كان الموكل سيده لا يتًا تى هاهنا.
وأما إذا وكل عبد نفسه أو وكله غيره بإذنه ثم انتقل الملك فيه ففي الصورتين
وجهان:
أصحهما: لا تبطل الوكالة فيهما، ولو كان انتقال الملك فيه للموكل لما
قلنا في العتق.
ولأن ملك الموكل له لا ينافي أذنه. لكن لا يتصرف وكيل انتقل الملك فيه
_________________
(١) في أ: ذكر.
(٢) في أ: لا.
(٣) في ج: الملك فيه.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
إلا بإذن سيده الثانى. قاله المجد في " شرحه " حاكيًا له عن ابن المنذر وأنه لم يحك فيه خلافًا
وفي " المغني ": إلا أن المشتري إن رضي ببقائه على الوكالة بقي وإن لم يرض بطلت.
وأما إذا أبق الوكيل ففي بطلان وكالته بذلك وجهان: أصحهما: لا تبطل؛
لما تقدم في العتق.
(و) لا تبطل الوكالة أيضًا فيما إذا وكل زوجته في شراء أو بيع أو غيرهما بـ (طلاق وكيلة)؛ لأن زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة. فلا يقطع استدامتها.
(و) لا بـ (جحود وكالة) يعني: لا تبطل الوكالة بجحود موكل أو وكيل إياها؛ لأن الجحود منهما ليس فيه شيء يدل على دفع الأذن السابق؛ كما لو أنكر زوجية امرأة ثم قامت بها البينة فإنه لا يكون طلاقًا.
وقيل: تبطل بالجحد (^١) .
(وينعزل) الوكيل (بموت مو كِّل وعزله) أي: عزل الموكِّل للوكيل.
وهذا بعد بلوغ الوكيل موت موكله أو عزله إياه. لا خلاف فيه على مقتضى
كلام الأصحاب وعلى أصح الروايتين.
(ولو لم يبلغه).
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر، وذكر شيخنا: أنه أشهر.
وقال في " الإنصاف ": وهو المذهب.
وقال القاضي: هذا (^٢) أشبه بأصول المذهب، وقياس لقولنا: إذا كان الخيار لهما كان لأحدهما الفسخ من غير حضور الاخر.
وجزم به في " الوجيز " و" المنور " و" نهاية ابن رزين ".
_________________
(١) في ج: بالحجة.
(٢) في ب: هو.
[ ٥ / ٤٥٤ ]
ووجهه: أن الوكالة عقد لو أراد أحد المتعاقدين أن يرفعه لم يفتقر إلى رضى الآخر. فلم يفتقر إلى علمه؛ كالطلاق.
والرواية الثانية: لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل أو عزله؛ لما فيه من الضرر المترتب على ذلك. فأنه ربما باع جارية ووطئها المشتري، أو طعامًا واكله المشتري أو غير ذلك ويتصرف فيه المشتري ويكون مضمونًا.
ولأنه متصرف بأمر الموكل. فلم يثبت حكم الرجوع في حقه قبل علمه؛ كالفسخ.
ورد: بما تقدم. وبالفرق بينه وبين الفسخ بأن أمر الشارع يتضمن المعصية بتركه، ولا يكون عاصيًا من غير علمه. وهذا يتضمن إبطال التصرف. فلا يمنع منه عدم العلم.
وقيل: ينعزل بالموت قبل بلوغه لا بالعزل حتى يبلغه. ذكره الشيخ تقي الدين.
ثم من الأصحاب من جعل محل الخلاف في نفس انفساخ الوكالة. قبل العلم، ومنهم من جعله في نفوذ التصرف.
قال الشيخ تقي الدين: والخلاف لفظي وينبني على الروايتين تضمينه وعدمه. فإن قلنا: ينعزل ضمن، وإلا فلا.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يضمن مطلقًا.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب؛ لأنه لم يفرط.
ووكيل فيما تقدم (كشريك ومضارب) في الأصح.
وقيل: لا ينفسخان بفسخ عامل وشريك حتى يعلم رب المال وشريكه؛
لأنه يؤدي إلى تعطيل المال عن الفوائد.
(لا مودَع) فإنه لا ينعزل قبل علمه في أصح الوجهين. فلا يضمن تلفها عنده بعد العزل من غير تفريط ولا تعد ولو نقلها من محل إلى آخر أو سافر بها مع عدم ربها ووكيله وكان السفر أحفظ لها أو نحو ذلك.
[ ٥ / ٤٥٥ ]
(ولا يقبل) قول موكِّل أنه عزل وكيله من حين كذا وقد تصرف الوكيل بعد ذلك الحين أو لا (بلا بينة) تشهد بالعزل من حينه؛ لأن الأصل بقاء الوكالة وبراءة ذمة الوكيل من ضمان تلف ما وكل فيه بعد الوقت الذي ادعى الموكل عزله فيه. قال الشيخ تقي الدين: لو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل. فلو
أقام به بينة ببلد آخر وحكم به حاكم فإن لم ينعزل قبل العلم صح تصرفه، وإلا كان حكمًا على غائب.
ولو حكم قبل هذا الحكم بالصحة حاكم لا يرى عزله قبل العلم فإن كان قد بلغه ذلك نفذ، والحكم (^١) الناقض له مردود، وإلا وجوده (^٢) كعدمه، والحاكم الثانى إن (^٣) لم يعلم بأن العزل قبل العلم أو علم ولم يره، أو رآه ولم ير نقض (^٤) الحكم المتقدم فحكمه كعدمه.
وقبض الثمن من وكيله دليل بقاء وكالته.
وأنه قول أكثر العلماء. نقله عنه في " الفروع " وقال: ويتوجه خلافه. (ويقبل) قول من وكل وكيلًا في إخراج زكاته (^٥): (أنه أخرج زكاته قبل
دفع وكيله للساير)؛ لأن الزكاة عبادة. والقول قول من وجبت عليه في أدائها وزمنه.
ولأنه انعزل من طريق الحكم بإخراج المالك زكاة نفسه.
(و) على هذا (تؤخذ) من الساعي (إن بقيت بيده)؛ لأنها عين مال اقتضى الشرع فساد قبضه مع بقائه. فتعين الرجوع فيه.
(و) يقبل (إقرار وكيل) على موكله (بعيب فيما باعه) عنه؛ لأنه أمين. فكان القول قوله في صفة المبيع؛ كقدر الثمن.
_________________
(١) في أ: والحاكم.
(٢) في أ: إلا جوده.
(٣) في أ: أنه.
(٤) في أ: ينقض.
(٥) في أ: زكاة
[ ٥ / ٤٥٦ ]
(وإن) ادعى المشتري على الوكيل بعيب فأنكره فالتمس يمينه فنكل
فـ (رد) عليه المبيع (بنكوله: رُد) بالبناء للمفعول (على موكل)؛ لأن حقوق العقد متعلقة بالموكل " كما لو باشره.
(و) يحصل (عزل) لوكيل (^١) (في) وكا لة (دوريَّه. وهي) أن يقول الموكل لمن يريد أن يوكله: (وكلتك، وكلما عزلتك فقد وكلتك ب) قوله له: (عزلتك، وكلما وكلتك فقد عزلتك) فقط.
وعلم من ذلك صحة الوكالة الدورية، وجزم بصحتها في " الرعايتين " و" الفائق ".
قال في "التلخيص ": وهي على أصلنا صحيحة في صحة التعليق.
(وهو) أي: عزل الوكيل في الدورية (فسخ معلق بشرط) وهو التوكيل.
قلت: فعلى هذا من قال لإنسان: كلما وكلتك فقد عزلتك، ثم قال له: وكلتك في كذا لم يصح تصرفه؛ لوجود العزل المعلق بوجود الوكالة. والله أعلم.
وقال الشيخ تقي الدين: لا تصح الوكالة الدورية؛ لأنه يؤدي إلى تصيير (^٢) العقود الجائزة لازمة، وذلك تغيير لقاعدة الشرع. وليس المقصود المعلق إيقاع الفسخ وإنما قصده الامتناع من التوكيل وحله قبل وقوعه، والعقود لا تنفسخ قبل " أنعقادها. انتهى.
(ومَن) أي: وأيّ مكلف رشيد (قيل له: اشتر كذا بيننا. فقال) القائل له ذلك: (نعم، ثم قالها) أي: قال نعم (لآخر) قال له بعد الأول مثل ما قال له الأول: (فقد عزل نفسه) من وكالة الأول؛ لأنه لما قال للثانى: لعم دل على رجوعه عن الشراء الأول.
_________________
(١) في أ: الوكيل.
(٢) في أ: تغير، وفي ب: تصير
[ ٥ / ٤٥٧ ]
(وتكون) العين المشتراة (له) أي: للمشتري، (وللثاني) أي: الذي
قال له ثانيًا: اشتر كذا بيننا، وقال له: نعم: نصفين؛ لأنه لا مقتضى لتفضيل أحدهما.
(وما بيده) أي: الوكيل وكذا كل أمين (بعد عزله أمانة)، وكذا الهبة إذا رجع فيها الأب وهي تحت يد الولد.
ومحل التضمين المبني على انعزال الوكيل: قبل علمه مع تصرفه. أما إذا
لم يتصرف ولم يتعدّ أو يفرّط فلا ضمان عليه.
وفيما تقدم ذكره وجه: أن الأمين إذا علم بعزل نفسه ولم يبادر بالدفع إلى المالك فحصل تلف ضمنه؛ كمن أطارت الريح إلى داره ثوبًا.
[ ٥ / ٤٥٨ ]
(فصل): في حكم عقود الوكيل
وما يمتنع عليه منها وما يترتب على تصرفه من ضمان.
(وحقوق العقد) سواء كان مما تجوز إضافته إلى الوكيل؛ كالإجارة، أو
لا؛ كالنكاح وصلح الدم: (متعلقة بموكل).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به كثيرمنهم.
قلت (^١): قوله كثير منهم يشعر بخلاف في المذهب ولم أقف عليه.
والله أعلم.
ثم رأيت منقولًا عن الشيخ تقي الدين أنه قال: وذكر بعض أصحابنا رواية
عن أحمد أن حقوق العقد تتعلق بالوكيل.
وعنه: تتعلق به عهدة الثمن في الذمة إن كان مشتريًا. انتهى كلامه.
قال الإمام في رواية مهنا: إذا دفع إلى رجل ثوبًا ليبيعه ففعل فوهب له المشتري منديلًا (^٢): فالمنديل لصاحب الثوب.
قال في " المغني ": إنما قال ذلك؛ لأن هبة المنديل سببها البيع. فمن اشترى شيئًا بطريق الوكالة لم تدخل في ملك الوكيل.
(فلا يعتق من) اشتراه وكيل من أقاربه؛ كأخيه ونحوه ممن) يعتق على وكيل، وينتقل ملك من بائع (لموكل)؛ لأنه قَبل عقدًا لغيره. فوجب أن ينتقل الملك إليه؛ كالأب والوصي، وكما لو تزوج له.
(ويطالب) الموكل (بثمن) ما اشتراه له وكيله.
_________________
(١) في أ: قلنا.
(٢) في ج: منه منديلًا.
[ ٥ / ٤٥٩ ]
(ويبرأ منه بإبراء بائع وكيلًا لم يعلم) بائع (أنه وكيل)، ولم يكن للوكيل
أن يرجع على الموكل بشيء. ذكره القاضي في ضمن مسًالة الشفيع هل يحط عنه ما حط عن المشتري بما يشعر أنه إجماع. نقله عنه (^١) المجد في " شرحه ".
(ويرد) الموكل أي: له أن يرد ما اشتراه له وكيله (بعيب) يجده فيه، لأن
ذلك حق له. فملك طلبه " كسائر حقوقه.
(ويضمن) الموكل (العهدة) فيما باعه وكيله. عنه، كطلبه بالثمن فيما إذا
ظهر ماشتراه له وكيله مستحقًا.
(نحوه) أي: ونحو ذلك؛ كملك المشتري مطالبة البائع بقبض مبيع باعه
له وكيله.
لكن إن (^٢) باع الوكيل بثمن في الذمة فلكل من الوكيل وموكله المطالبة به، لصحة قبض كل منهما له.
وإن اشترى له بثمن في ذمة الوكيل فإنه يثبت في ذمة الموكل أصلًا وفي ذمة الوكيل تبعا " كالضامن. وللبائع مطالبة من شاء منهما. فإن أبرأ الوكيل لم يبرأ الموكل، وإن أبرأ الموكِّل برئ الوكيل أيضًا، كالضامن والمضمون عنه سواء. وهذا الذي هنا
فيما إذا علمت الوكالة وأن السلعة لغير الوكيل المباشر بإقراره
أو ببينة. قاله المجد. فيحمل ما نقله عن القاضى فيما تقدم على غير هذه الصورة، لئلا يكون مناقضًا له. والله أعلم.
(ويختص) وكيل (بخيار مجلس لم يحضْره موكِّل) في عقد يثبت فيه خيار المجلس، لأن ذلك من متعلق العاقد، كالإيجاب والقبول.
وفهم من قولي: لم يحضره (^٣) موكِّل أنه لو حضر كان الأمر له، إن شاء حجر
على الوكيل في ذلك، وإن شاء أبقاه له مع كونه يملكه، لأن حقيقة الخيار له.
_________________
(١) في أ: عن.
(٢) في أب: إذا.
(٣) في أ: يحضر.
[ ٥ / ٤٦٠ ]
(ولا يصح بيع وكيل) في بيع شيء مع الإطلاق (لنفسه) بأن يشتريه من نفسه لنفسه.
(ولا) للوكيل (^١) في شراء شيء (شراؤه منها) أي: من نفسه (لموكله)،
لأن العرف في البيع بيع الإنسان لغيره، وفي الشراء شراؤه من غيره.
فحملت الوكالة عليه؛ كما لو صرح به فقال: بعه من غيرك [أو اشتره من غيرك] (^٢)
ولأنه بًا حد هذين تلحقه التهمة ويتنافى الغرضان. فلم يصح، كما لو نهاه فقال: لا تبع من نفسك، أولا تشتر من نفسك.
(ألا إن أذن) الموكِّل لوكيله في الصررتيْن فأنه يجوز.
قال كثير من الأصحاب: رواية واحدة. نقله في القاعدة السبعين.
(فيصح) للوكيل (تولي طرفي عقد فيهما). .
وعنه: يجوز أن يبيع لنفسه بدون أذن الموكِّل إذا زاد على مبلغ ثمنه، أو
وكل من يبيع وكان هو أحد المشتريين. قاله في " المقنع "؛ لأن بذلك يحصل غرض الموكل من إلثمن. اشبه ما لو باعه لأجنبي.
وأما إن باع الوكيل لأجنبي واشترط عليه أن تركه فيه ففيه روايتان:
إحداهما: يجوز. نقلها أبو الحارث في الوكيل يبيع ويستثني لنفسه الشركة: أرجو أن لا يكون به بأس.
والثانية: يكره. نقلها ابن منصور في رجل يدفع إليه الثوب يبيعه فإذا باعه. قل: أشركني فيه، قال: أكره هذا. نقلهما ابن رجب في القاعدة السبعين. وتولي طرفي العقد جائز (كأب الصغير) يشتري له من نفسه أو يشتري لنفسه
من مال الصغير. . -
(و) (توكيله) أي: توكيل مالك شيء إنسانًا (في بيعه، وآخر) أي:
_________________
(١) في ج؛ الموكل. . .
(٢) ساقط من ب.
[ ٥ / ٤٦١ ]
وتوكيل إنسان آخر للذي وكل في بيعه (في شرائه.
ومثله) أي: مثل عقد المبيع (نكاح) بأن يوكله الولي في الإيجاب والزوج
في القبول.
(و) مثله أيضًا (دعوى) بًان يوكله المتداعيان في الدعوى عنهما والجواب، وإقامة الحجة لكل منهما. قاله الموفق والشارج وقدمه في "الفروع ". وقال الأزجي في الدعوى: الذي يقع الأعتماد عليه لا يصح؛ للتضاد. (وولده) أي: الوكيل (ووالده ومكاتبه ونحوهم) ممن لا تقبل شهادته
له؛ كزوجته، وولد بنته، وأبي أمه؛ (كنفسه) في أنه لا يجوز له البيع لأحد منهم، ولا الشراء منه مع إطلاق الموكل؛ لأنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن؛ كتهمته في حق نفسه.
وقيل: يجوز لموافقة العرف في بيعه لغيره.
وذكر الأزجي الخلاف في الإخوة والأقارب.
(وكذا) أي: وكالوكيل فيما تقدم (حاكم وأمينه، ووصي، وناظر
وقف، ومضا رب).
قال (المنقح: وشريك عِنَان ووجوه)؛ للعلة المذكورة في الوكيل.
(وإن باع وكيل) شيئًا مما هو موكل في بيعه (أو مضارب) شيئًا من مال المضاربة
(بزائد على) ثمن (مقدر) أي: قدّره له رب المال، (أو) بزائد على (ثمن مثل ولو) كان الزائد (من غير جنس ما أمرا) أي: الوكيل والمضارب ببيعه (به: صح) البيع؛ كما لو أذن (في بيع شيء) (^١) بمائة درهم فأبيع بمائة درهم وعشرة، أو وثوب؛ لأنه قد باع المأذون فيه وزيادة تنفعه ولا تضره.
ولأن من رضي بمائة لا يكره أن يزاد عليها ثوبًا، وكما لو باعه بالمائة ود ينا ر.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤٦٢ ]
قال (^١) القاضي: ويحتمل أن يبطل في الزيادة من غير الجنس بحصته من الثمن.
قال في " المغني ": وإن باعه بمائة دينار أو بتسعين درهمًا وعشرة دنانير وأشباه ذلك، أو بمائة ثوب، أو بثمانين درهمًا وعشرين ثوبًا: لم يصح. ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه (^٢) خالف موكله في الجنس. فأشبه ما لو باعه بثوب يساوي أكثر من مائة درهم.
ويحتمل أن يصح فيما إذا جعل مكان الدراهم دنانير أو مكان بعضها؛ لأنه
مًا ذون فيه عرفًا. فإن من رضي بدرهم رضي مكانه دينارًا. فجرى مجرى بيعه بمائة درهم ودينار.
وأما الثياب فلا يصح بيعه بها؛ لأنها من غير جنس الأثمان.
(وكذا) أي: وكما يصح فيما إذا باعا (^٣) بزائد على مقدر أو ثمن مثل يصح البيع والشراء أيضًا (إن باعا بأنقص) عن مقدار أو ثمن مثل، (أواشتريا بأزيد) عن مقدر أو ثمن مثل. نص الإمام على الصحه في المسألتين؛ لأن من صح بيعه أو شراؤه بثمن صح بأنقص منه وأزيد؛ كالمريض.
وبعدم الصحة في مسًالة البيع رواية.
وفي مسألة الشراء وجه.
(و) على المذهب (يضمنان) أي: الوكيل والمضارب (في شراء) بأزيد
عن مقدر أو ثمن مثل (الزائد) عنهما.
(و) يضمنان (في بيع) بأنقص عن مقدر أو ثمن مثل (كل النقص عن مقدر، وما لا يتغابن بمثله عادة)؛ كأن يعطي لوكيله ثوبًا ثمن مثله مائة درهم ليبيعه له ولم يقدر له الثمن فيبيعه بثمانين، والحال أن مثل الثوب قد يبيعه غيره
_________________
(١) في أ: وقال.
(٢) في أ: لا.
(٣) في ب: باعه.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
بخمسة وتسعين درهمًا. فهذه الخمسة التي نقصت عن ثمن مثله مما يتغابن الناس بمثله في العادة. فلو أن الوكيل باع بمثل (^١) هذا النقص لم يضمن شيئًا،
لأن التحرز عن مثل هذا عسر. لكنه باع بنقص لا يتغابن بمثله بين التجار وهو عشرون من مائة فيضمن جميع هذا النقص (عن ثمن مثل)، لأن البائع بمثل هذا النقص مفرط بترك الاحتياط لآذنه وطلب الحظ له.
ولأن في بقاء العقد مع تضمين المفرط جمعًا بين المصالح.
وقيل: إنما يضمن ما بين ما يتغابن به الناس وبين ما لا يتغابنون به.
وقدر ذلك في الصورة المتقدمة خمسة عشر درهمًا.
(ولا يضمن قن) أذن له سيده في شراء شيء فاشتراه بأكثر مما قدره له، أو
بأكثر من ثمن مثله، أو في بيع شيء فباعه بأنقص من ثمن مثله، أومما قدره شيئًا
من ذلك (لسيده) كما لو أتلف مال سيده.
(ولا) يضمن أيضًا (صغير) أذن له وليه في التجارة. فباع من مال نفسه
شيئًا بدون ثمن مثله، أو بدون ما قدر له وليه، أو اشترى بمال نفسه شيئًا بًا كثر
من ذلك (لنفسه)، كما لو أتلف مال نفسه.
(وإن) أراد وكيل بيع سلعة لموكله فـ (زيد) فيها (على ثمن مثل قبل بيع:
لم يجز) للوكيل أن يبيعها (به) أي: بثمن المثل، لأن عليه طلب الحظ لموكله، وبيعها بثمن المثل مع من يزيد ينافي ذلك.
(و) إن باعها بثمن مثلها ثم حضر من يزيد فيها (في مدة خيار: لم يلزم)
الوكيل (فسخ) العقد، لأن الزيادة منهي عنها إذًا. فلا يلزم الرجوع إليها.
ولأن المزايد قد لا يثبت على الزيادة. فلا يلزم الفسخ بالشك.
قال في " المغني ": ويحتمل أن يلزمه ذلك، لأنها زيادة في الثمن أمكن تحصيلها. فًا شبه ما لو جاءته قبل البيع، والنهي يتوجه إلى الذي زاد، لا إلى الوكيل.
_________________
(١) في أ: بمثله.
[ ٥ / ٤٦٤ ]
(و) من أعطى وكيله شيئًا وقال: (بعه بدرهم فباع به) أي: بالدرهم (وبعرض، أو) باعه (بدينار: صح) البيع في المسًا لتين؛ لأنه في المسًا لة الأولى باع بالمأذون فيه حقيقة وزيادة تنفع الموكِّل ولا تضره.
وفي المسالة الثانية: باع بمًاذون فيه عرفًا. فإن من رضي، بدرهم رضي مكانه بدينار. وفيه وجه.
(وكذا) أي: وكما يصح من الوكيل البيع في المسألتين المتقدمتين يصح
منه فيما إذا قال له الموكل: بعه (بألف نَسَاء. فباع به) أي: بالألف (حالًا ولو مع ضرر) يلحق الموكِّل بحفظ الثمن؛ لأنه زاده خيرًا.
وقيل: لا يصح مطلقًا.
وقيل: لا يصح إن استضر بحفظ الثمن في الحال، وإلا صح.
ومحل ذلك على المذهب: (ما لم ينهه) عن بيعه به حالًا لمخالفته؛
لأن كل تصرف كان الوكيل فيه مخالفًا لموكله. فحكمه فيه حكم تصرف الأجنبي. (و) من قال له موكله عن شيء: (بعه بدرهم. فباع بعضه بدون ثمن كله: لم يصح)؛ لأن على الموكل ضررًا في تبعيضه، ولم يوجد منه أذن في ذلك نطقًا (^١) ولا عرفًا.
ويفهم مما تقدم: أنه لو باع البعض بقدر ثمن الكل: أنه يصح، وهو المذهب؛ لأنه مأذون فيه من جهة العرف. فإن من رضي بمائة مثلا ثمنًا عن الكل رضي بها ثمنًا عن البعض.
ولأنه حصل له المائة وابقى له زيادة تنفعه ولا تضره.
وله بيع ما بقي منه بمقتضى الأذن. أشبه ما لو باعه صفقة بزياده على الثمن. وقيل: يصح بعضه بدون ثمن كله.
وقيل: لا يصح بيع بعضه بقدر ثمن كله.
_________________
(١) في أ: مطلقًا.
[ ٥ / ٤٦٥ ]
وقيل: ليس له بيع باقيه بعد بيع بعضه بدون إذن متجدد.
ومحل عدم الصحة فيما إذا باع بعضه بدون ثمن كله: (ما لم يبع باقيه، أو يكن) الموكل في بيعه (عبيدًا أو صبرة ونحوها) مما لا ينقصه التفريق: (فيصح) " لأنه إذا باع باقي ما يحصل الضرر بتشقيصه فقد زال التشقيص.
ولأن العبيد والصبرة ونحوهما يملك بمجرد التوكيل العقدَ عليهم جملة، وواحدًا بعد واحد باقتضاء العرف.
ولا ضرر على الموكل في الإفراد، لأنه لا نقص فيه ولا تشقيص.
ومحل ذلك: (ما لم يقل) الموكل لوكيله بع ذلك (صفقة)، لأن تنصيصه
على ذلك يدل على غرضه فيه. فلم يتناول أذنه سواه.
وحكم وكيل في بيع في (^١) هذا (كشراء). فلو قال: اشتر لي عشرين عبدًا، أو عشرين رطلًا من غزل، أو عشرين مدًا من بر: فأنه يصح أن يشتري ذلك له صفقة وشيئًا بعد شيء. ما لم يأمره بشرائه صفقة. فلو قال: اشتر (^٢) لي عبدين صفقة. فاشترى عبدين لاثنين مشتركين بينهما من وكيليهما أو من احدهما بإذن الآخر جاز.
وإن كان لكل واحد منهما عبد مفرد فاشتراهما من المالكين بأن أوجبا له البيع فيهما وقبل ذلك منهما بلفظ واحد. فقال في " المغني ": فقال القاضى: لا يلزم الموكل. وهو مذهب الشافعي، لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان. ويحتمل أن يلزمه؛ لأن القبول هو الشراء وهو متحد، والغرض لا يختلف.
وإن اشتراهما من وكيلهما وعين ثمن كل واحد منهما، مثل أن يقول: بعتك هذين العبدين، هذا بمائة وهذا بمائتين. فقال: قبلت: احتمل أيضًا وجهين.
(و) إن قال: (بعه بألف في سوق كذا. فباعه به) أي: بالألف (في)
_________________
(١) في أ: من.
(٢) في أ: اشتري.
[ ٥ / ٤٦٦ ]
سوق (آخر: صح) البيع حيثما كان السوق الذي باع فيه والذي نص له عليه متساويين لغرض الموكل؛ لأن القصد البيع بما قدره له، وتنصيصه على أحدهما مع استوائهما في الغرض أذن في الآخر؛ كما لو استأجر أو استعار أرضًا لزراعة شيء فأنه يكون أذنًا في زراعة مثله.
ومحل ذلك: (ما لم ينهه)؛ لما تقدم من أن تصرف الوكيل مع المخالفة؛ كالأجنبي.
(أو يكن له) أي: للموكل (فيه) أي: في السوق الذي نص عليه (غرض) صحيح؛ كحل نقده، أو صلاح أهله، أو مودة بينه وبينهم؛ لأنه قد نص على أمر له فيه غرض. فلم يجز تفويته.
(و) من قال لوكيله عن شيء: (اشتره بكذا) أي: بثمن قدره له.، (فاشتر اه) الوكيل (به) أي: بالثمن الذي قدره له موكله (مؤجلًا.
أو) قال له: اشتر لي (شاة بدينار فاشترى) له (شاتين تساويه) أي: الدينار (إحداهما، أو) اشترى له (شاة تساويه بأقل) من دينار: (صح) الشراء في المسائل الثلاثة.
أما في الأولى؛ فلأنه إذا اشتراه بما قدره له مؤجلًا فقد زاده خيرًا.
وقيل: إن لم يتضرر بذلك.
وقيل: لا يصح مطلقًا؛ للمخالفة.
وأما الثانية؛ فلحديث عروة بن الجعد البارقي المذكور أول الباب (^١) .
ولأنه حصل للموكل ما أذن فيه وزيادة من جنسه تنقع ولا تضر فوقع ذلك له.
وفي " المبهج " روا ية: أنه كفضولي.
وعلى المذهب: إن باع الوكيل إحدى الشاتين وجاء بالأخرى وهي تساوي دينارًا جاز ذلك. نص عليه في رواية حنبل؛ لحديث عروة المذكور.
_________________
(١) ص (٤٣٢) رقم (١).
[ ٥ / ٤٦٧ ]
ولأنه حصل له المقصود، والزيادة لو كانت غير شاة جاز فجاز له إبدالها بغيرها. -
وأما في الثالثة: وهي ما إذا أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاة تساوي دينارًا بأقل منه؛ فلأن من رضي شيئًا بدينار فقد رضي به بًا قل منه.
(وإلا فلا) أي: وإن لم تكن إحدى الشاتين في الثانية أو الشاة في الثالثة تساوي دينارا: لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه لم يحصل له المقصود. فلم يقع البيع له، لكونه غير مأذون فيه لفظًا ولا عرفًا.
وقيل: إن ساوت كل واحدة منهما نصف دينار صح للموكل.
وإن كانت كل واحدة منهما لا تساوي نصف دينار فروايتان:
إحداهما: يقف على إجازة الموكل " لخبر عروة.
وقيل: الزائد على الثمن والمثمن المقدرين للوكيل.
(و) من قال لوكيله: (اشتر عبدًا لم يصح) منه لموكله (شراء اثنين معًا)، لأنه لم يوجد منه أذن في ذلك نطقًا ولا عرفًا.
(ويصح شراء واحد ممن) أي: من عبدين (أُمر بهما) أي: بشرائهما.
قاله في " الانتصار " واقتصر عليه في " الفروع ".
ولعل مراده ما لم يقل: صفقة؛ لما تقدم.
(و) من أمر وكيله بشراء شيء موصوف، كفرس عربي، وعسل مصري:
فـ (ليس له شراء معيب) من ذلك، لأن الإطلاق يقتضي السلامة. ولذلك جاز الرد بالعيب.
(فإن) اشتراه وقد (علم) أنه معيب (لزمه) أي: الوكيل، لدخوله في العقد على العيب.
(ما لم يرضه) معيبًا (موكله) فلا يملك الوكيل أخذه لنفسه بغير رضى الموكل، لأن العقد منوي له.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
(وإن جهل) الوكيل العيب عند العقد صح وكان كشراء الموكل بنفسه؛ لأن التحرز عن مثل هذا يشق.
ثم إن رضي الموكل بالعيب فليس للوكيل رده؛ لان الحق للموكل.
وإن سخطه (^١)، أو كان غائبًا: (فله) أي: للوكيل (رده) على بائعه؛
لأنه قائم مقام الموكِّل.
(فإن ادعى بائع رضى موكله وهو) أي: الموكل (غائب: حلف) وكيل (أنه لا يعلم) أن موكله رضي بالعيب، (ورده) الوكيل.
(ثم إن حضر) موكل (فصدق بائعًا) على الرضى بالعيب أو قامت به بينة:
(لم يصح الرد)؛ لأن رضاه بالعيب عزل للوكيل عن الرد.
(وهو باق لموكِّل) فله استرجاعه ولو كانت دعوى الرضى من قبله.
وإن لم يدع البائع رضى موكله، وقال له: توقف حتى يحضر الموكل فربما رضي بالعيب لم يلزم الوكيل ذلك؛ لأنه لا يًامن فوات الرد بهرب البائع وفوات الثمن بتلفه.
ثم إن طاوعه وأخره فلم يرض به الموكل لم يسقط رده.
(ولا يرد) وكيل (ما) أي: شيئًا (عيّنه له موكل)؛ كما لو قال: اشتر لي
هذا العبد فبان معيبًا: فليس له رده (بعيب وجده) فيه (قبل إعلامه) أي: إعلام (^٢) الموكل؛ لأنه قطع نظر الوكيل بالتعيين فربما رضيه على جميع صفاته. وفيه وجه: له ذلك، وصححه في " الإنصاف ".
وإن علم الوكيل بعيب ما عينه له موكله قبل شرائه فهل له شراءه قبل إعلام الموكل؛
قال الموفق والشارح: يحتمل وجهين مبنيين على رده إذا علم عيبه بعد شرائه، إذا قلنا يملك رده فليس له شراؤه؛ لأن العيب إذا جاز به الرد بعد
_________________
(١) في أ: سخط.
(٢) في ب: إعلامه.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
العقد. فلأن يمنع من الشراء أولى.
وإن قلنا: لا يملك الرد ثم فله الشراء هاهنا " لأن تعيين الموكل قطع نظره واجتهاده في جواز الرد فكذلك في الشراء.
وخالفهما صاحب " الفروع "، وعبارته: فإن ملكه فله شراؤه إن علم عيبه
قبله أنتهى.
فيحتمل أنه اطلع على ما يخالفهما في كلام الأصحاب وقوي عنده فجزم به، ويحتمل أنه سبق قلم وهو أقر ب، لأنه لو لم يكن كذلك لذكر ما قالا وجهًا. والله أعلم.
وإن رضي الوكيل المعيب (^١) أو أمسكه إمساكًا ينقطع به الرد ثم حضر الموكل وأراد الرد فله ذلك إن صدق البائع ان الشراء له أو قامت به بينة.
(وإن أنكر بائع أن الشراء وقع لموكله) ولا بينة بذلك: (حلف، ولزم) العقد (الوكيل)، لأن الظاهر أن من اشترى شيئًا فهو له فيغرم الثمن.
(و) من قال لوكيله: (اشتر) لي كذا (بعين هذا) الثمن، (فاشترى) له (في ذمته) ثم نقد الثمن الذي عينه له موكله أو غيره: (لم يلزم) الشراء (موكلًا)، لأنه إذا تعين الثمن انفسخ العقد بتلفه أو كونه مغصوبًا، ولم يلزمه ثمن في ذمته، وهذا غرض صحيح للموكل. فلم تجز مخالفته، ويقع الشراء للوكيل.
قال في " المغني ": وهل يقف على إجازة الموكِّل؟ على روايتين.
(وعكسه) أي: عكس ما تقدم. وصورته أن يقول لوكيله: اشتر لي في ذمتك وانقد هذه الدراهم ثمنًا فإذا اشترى له بعينها فإنه (يصح) الشراء للموكل، (ويلزمه). نقله في " المغني " عن الأصحاب، لأنه أذن له في عقد يلزم به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها فكان إذنًا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائها.
_________________
(١) في ج: العيب.
[ ٥ / ٤٧٠ ]
وفيه وجه: لا يصح، وهو احتمال في " المغني ".
(وإن أطلق) القول فقال: اشتر (^١) لي بكذا ولم يقل بعينها ولا في الذمة: (جازا) أي: الشراء بالعين والشراء في الذمة، لأن الشراء يقع على هذين الوجهين. فإذا أطلق كان للوكيل فعل ما شاء منهما.
(و) من قال لوكيله عن شيء: (بعه لزيد. فباعه لغيره) أي: لغير زيد:
(لم يصح) البيع.
قال في " المغني ": بغير خلاف علمناه، سواء قدر له الثمن أو لم يقدره "
لأنه قد يكون له غرض في تمليكه إياه دون غيره.
إلا أن يعلم الوكيل بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري. وهذا الاستثناء للموفق وتبعه عليه في " الشرح ".
(ومن وُكّل) بالبناء للمفعول بًان وكله غيره (في بيع شيء: ملك) الإيجاب في عقد البيع و(تسليمه) أي: الشيء الموكل في بيعه لمشتريه؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضي التسليم، لأنه من تمام البيع.
(لا قبض ثمنه) أي: المبيع. يعني: أن الوكيل في البيع فقط لا يملك قبض الثمن (مطلقًا) أي: سواء دلت قرينة الحال على القبض؛ كأمره بالبيع في سوق غائب عن الموكل أو لا؛ لأنه قد يوكل (^٢) في البيع من لا يًاتمنه على قبض الثمن. وهذا أحد الأوجه في المسألة.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وقدمه في " الفروع " و" التنقيح "، واختاره الأكثر.
والوجه الثانى: يملكه مطلقًا؛ لأنه من موجب البيع. فملكه؛ كتسليم المبيع. والثالث: أنه إن دلت قرينة الحال على قبضه؛ كأمره ببيعه بموضع يضيع إن
لم يقبضه الوكيل ملك قبضه وكان ضامنًا له إن تركه، وإلا لم يكن له قبضه.
_________________
(١) في أ: اشتري.
(٢) في أ: يوكله.
[ ٥ / ٤٧١ ]
واختاره " الموفق " وقدمه في " المحرر " و" الرعايه الكبرى "، وقال عنه
في " الإنصاف ": وهو الصواب.
(فـ) على الأول (إن تعذر) على الموكل قبض الثمن: (لم يلزمه) أي: الوكيل؛ كظهور مبيعه مستحقًا أو معيبًا.
و(كحاكم وأمينه) يبيعان شيئًا على غائب أو صغير أو نحوهما ويتعذر قبض الثمن من مشتريه بهربه أو نحوه.
قال (المنقح: مما لم يفض) أي: ترك قبض ثمن المبيع (إلى ربا)، ومراده: ربا النسيئة.
(فإن أفضى)؛ كما لو أمره أن يبيع مدًا من تمر بمثله أو بزبيب فباع (ولم يحضر موكله) مجلس العقد: (ملك قبضه)؛ لأنه مًا ذون فيه شرعًا.
(وكذا) أي: وكالمبيع في كون الوكيل فيه لا يملك قبض العوض إلا بإذن صريح يكون (الشراء). فلا يملك الوكيل في الشراء تسليم المبيع إلا بإذن صريح. (وإن أخر تسليم ثمنه) أي: ما وكل في شرائه (بلا عذر) في التًا خير فهلك: (ضمنه)؛ لأنه مفرط.
وإن كان له عذر؛ كما لو أبى البائع قبضه أو نحو ذلك فلا ضمان. نص عليه؛ لعدم تفريطه.
ومن وكل في قسم شيء أو بيعه أو طلب شفعة فهل يملك بذلك تثبيت ما وكل فيه؟ لأنه طريق للتوصل إليه، أو لا؛ لإمكان أحدهما بدون الآخر؛ فيه وجهان مطلقًان في " المغني ".
(وليس لوكيل في بيع تقليبه) أي: المبيع (على مشتر. إلا بحضرة موكل)، والمراد بذلك- والله أعلم - تقليب يغيب به عن الوكيل؛ كما لو دفعه إليه ليريه أهله أو نحو ذلك؛ لأن الأذن في البيع لا يتناوله. ومع حضور الموكل يدل على رضاه به.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الموكل حاضرًا وتلف: (ضمن) الوكيل؛
[ ٥ / ٤٧٢ ]
لتعديه. ذكره في " النوادر ".
قال في " الفروع ": ويتوجه العرف.
وليس لوكيل في شراء أن شرط خيار البائع. قاله في " الرعاية ".
(ولا) لوكيل في بيع شيء (بيعه ببلد آخر).
قال في " الفروع ": في الأصح.
(فيضمن) تلفه قبل بيعه؛ لتعديه.
(ويصح) بيعه له؛ لأن الوكالة لا تبطل بتعد. وتقدم الكلام على ذلك.
(ومع مُؤْنة نقل) للمبيع (لا) يصح. ذكره في " الانتصار "، واقتصر عليه
في " الفروع ".
قلت: ولعل وجه ذلك: أن فيه دلالة على رجوعه عن التوكل؛ لأن مثل ذلك لا يفعله بغير أذن صريح إلا المتصرف لنفسه. والله أعلم.
(ومن أُمر) من قبل مالك (بدفع شيء)؛ كثوب (إلى) قصار أو خياط (معين) بتعيين الامر (ليصبغه) بأن يقصره أو يخيطه، (فدفع) المأمور الثوب إلى من أمر بدفعه له (ونسيه) فضاع الثوب (لم يضمن)؛ لأنه إنما. فعل ما أمر به ولم يتعد ولم يفرط.
(وإن أطلق ممالك) الأذن بأن دفعه إليه وقال: ادفعه إلى من يقصره أو يخيطه، (فدفعه) الوكيل (إلى من) أي: إلى إنسان (لا يعرت عينه)؛ كما لو ناوله إياه من وراء سترة، (ولا اسمه) بأن لم يسًال عنه، (ولا دكانه) بأن دفعه بمحل غير دكانه ولم يسًال عنه فضاع الثوب: (ضمنه) الوكيل؛ لتفريطه. ذكره ابن الزاغونى. نقله عنه في " الفروع "، ثم قال: واطلق أبو الخطاب: إذا دفعه إليه لم يضمن إذا اشتبه عليه.
(ومن وُكّل) بالبناء للمفعول (في قبض درهم أو) في قبض (دينار) ممن عليه للموكل دراهم أو دنانير: (لم يُصارِف) أي: لم يجز له مصارفة المدين
[ ٥ / ٤٧٣ ]
بًان يقبض عن الدنانير (^١) دراهم ولا عكسه.
قال في " المغني ": قال أحمد في رواية أبي الحارث: في رجل له على
أخر دراهم فبعث إليه رسولًا يقبضها فبعث إليه مع الرسول دينارًا فضاع مع الرسول: فهو من مال الباعث؛ لأنه لم يأمره بمصارفته.
وإنما كان من ضمان الباعث؛ لأنه دفع إلى الرسول غير ما أمره به المرسل.
فإن المرسل إنما أمره بقبض ما له في ذمته وهي الدراهم ولم يدفعها، وإنما دفع دينارًا عوضًا عن دراهم. وهذا صرف يفتقر إلى رضى صاحب الدين وأذنه ولم يأذن. فصار الرسول وكيلًا للباعث في تًا ديته إلى صاحب الدين ومصارفته به. فإذا تلف في يد وكيله كان من ضمانه.
لكن إن أخبر الرسول الغريم أن رب الدين أذن له في قبض الدينار عن الدراهم فيكون حينئذ من (^٢) ضمان الرسول؛ لأنه غره وأخذ الدينارعلى أنه وكيل للمرسل.
وإن قبض منه الدراهم التى أمر بقبضها فضاعت من الرسول فهي من ضمان صاحب الدين، لأنها تلفت من يد وكيله.
وقال في رواية مهنا: في رجل له عند آخر دنانير وثياب فبعث إليه رسولًا وقال: خذ (^٣) دينارًا وثوبًا فًا خذ دينارين وثوبين فضاعت: فالضمان على الباعث. يعني: الذي أعطاه الدينارين والثوبين. ويرجع به على الرسول. يعني: عليه ضمان الدينار والثوب الزائدين. إنما جعل عليه الضمان " لأنه دفعهما إلى من لم يؤمر بدفعهما إليه فيرجع بهما على الرسول؛ لأنه غره وحصل التلف بيده. فاستقر الضمان عليه.
وللموكل تضمين الوكيل " لأنه تعدى بقبض ما لم يؤمر بقبضه.
_________________
(١) في أوب: الدينار.
(٢) في أ: في.
(٣) في أ: أخذ.
[ ٥ / ٤٧٤ ]
فإذا ضمنه لم يرجع على أحد، لأن التلف حصل في يده. فاستقر الضمان عليه. .
(وإن) أمره رب الدين بالقبض فـ (أخذ) من المدين (رهنًا: أساء، ولم يضمنه) أي: الر هن.
قال في " المغني ": قال أحمد في رجل وكل وكيلًا في اقتضاء دينه وغاب فأخذ الوكيل به رهنا فتلف الرهن في يد الوكيل فقال: أساء الوكيل في أخذ الرهن، ولا ضمان عليه.
إنما لم يضمنه الراهن (^١)، لأنه رهن فاسد. والقبض في العقد الفاسد، كالقبض في الصحيح. فما كان القبض في صحيحه مضمونا كان مضمونًا في فاسده، وما كان غير مضمون في صحيحه كان غير مضمون في فاسده.
ونقل البغوي عن أحمد: في رجل أعطى آخر دراهم يشتري له بها شاة فخلطها مع دراهمه فضاعا (^٢): فلا شيء عليه.
وإن ضاع أحدهما أيهما ضاع غرمه، قال القاضي: هذا محمول على أنه خلطها بما يتميز منها. ويحتمل أنه أذن له في خلطها.
أما إن خلطها بما لا يتميز منه بغير أذنه ضمنها " كالوديعة.
وإنما لزمه الضمان إذا ضاع أحدها، لأنه لا يعلم أن الضائع دراهم الموكل. والأصل بقا ؤها.
ومعنى الضمان هاهنا: أنه يحسب الضائع من دراهم نفسه.
فأما على المحمل الآخر وهو ما (^٣) إذا خلطها بما يتميز منه، فإذا ضاعت دراهم الموكل وحدها فلا ضمان عليه، لأنها ضاعت من غير تعد منه.
(ومن وكل) غيره (ولو) كان الوكيل (مودعًا في قضاء دين) على
_________________
(١) في أوب: الرهن.
(٢) في أ: دراهم فضاع.
(٣) قلادة من ج.
[ ٥ / ٤٧٥ ]
الموكل، (فقضاه ولم يشهد) بالقضاء، (وأنكر غريم) أي: رب الدين القضاء: لم يقبل قول الوكيل عليه بالدفع، لأنه ليس بأمينه؛ كما لو ادعاه الموكل.
و(ضمن) الوكيل لموكله ما أنكر رب الدين قضاءه؛ لأنه مفرط بترك
الإشهاد.
ولهذا إنما يضمن (ما ليس بحضرة موكل)؛ لأنه إذا حضر مع ترك الإشهاد
فقد رضي بما فعل وكيله؛ كما لو قال: اقضه ولا تُشهد عليه فأنه لا ضمان عليه في هذه الصورة إذا أنكره رب الدين، سواء حضر الموكل أو غاب؛ لأنه لم يفرط.
فإن قيل: إن الموكل في الصورة الأولى لم يًا مر (^١) وكيله بالإشهاد فكيف يكون مفرطًا بتركه؟
فالجواب: أن إطلاق الأمر بالقضاء يقتضي ذلك؛ لأنه إنما أذن في قضاء
مبر للموكل (^٢)، ولهذا يضمن ولو قال الموكل: أنا أعلم صدق وكيلي وكذب رب الدين.
وعنه: لا يضمن الوكيل لموكله ما أنكره رب الدين. إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل.
ثم التوكيل في قضاء الدين (بخلاف) التوكيل في (إيداع) على المذهب.
فأنه إذا وكل في إيداع شيء فًاودعه الوكيل ولم يشهد وأنكر المودع: لم يضمن الوكيل شيئًا. نقله في " المغني " عن الأصحاب؛ لأن المودع لما كان قوله مقبولًا في الرد والتلف لم يكن للموكل فائدة في الاستيثاق. بخلاف الدين.
فإن قال الوكيل: دفعت المال إلى المودع فقال: لم تدفعه: فالقول قول الوكيل؛ لأنه ما اختلفا في تصرفه وفيما وكل فيه فكان القول قوله فيه.
(وإن قال) الوكيل في قضاء الدين: (اشهدت) على رب الدين بالقضاء
_________________
(١) في أ: يامن.
(٢) في أ: للمولى.
[ ٥ / ٤٧٦ ]
شهودًا (فماتو ا) وأنكره الموكل.
(أو) قال له: (أذنت لي فيه) أي: في القضاء (بلا بينة) أي: بدون إشهاد وأنكره الموكل.
(أو) قال له: إنما (قضيت بحضرتك) قال: بل في غيبتي: (حلف موكل) في هذه الصور الثلاث، لإحتمال صدق الوكيل، وقضي له بالضمان " لأن الأصل معه.
(ومن وُكل) من قبل غيره (في قبض) لدين ممن هو عليه، أو لعين ممن
هي عنده: (كان) الوكيل بالتوكيل في القبض (وكيلًا في خصومة)، سواء كان رب الحق عالمًا ببذل الغريم ما عليه أو جحده أو مطله، لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات. فكان الأذن في القبض أذنًا فيه عرفًا.
(لا عكسه) يعني: أن الوكيل في الخصومة لا يكون وكيلًا في القبض؛ لأن الأذن لم يتناوله نطقًا ولا عرفًا.
ولأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض.
وفي كل من المسألتين وجه مثل حكم الأخرى.
وقد علم مما تقدم جواز التوكيل في الخصومة.
قال في " الفروع ": يروى عن علي. نقله حرب.
وليس لوكيل في خصومة إقرار على موكله مطلقًا. نص عليه، كإقراره عليه بقَوَد وقذف. وكالولي. ولهذا لا يصح منهما يمين.
(ويحتمل في) قول إنسان لأخر: (أجب خصمي عني، كخصومة) يعني: أنه يكون كقوله: وكلتك في خصومته (^١) .
(و) يحتمل (بطلانه) أي: بطلان الوكالة بهذا اللفظ. أطلق هذين الاحتمالين صاحب " الفروع " وقال: ولا تصح ممن علم ظلم موكله في الخصومة. قاله في " الفنون "
_________________
(١) في أ: خصومة.
[ ٥ / ٤٧٧ ]
فظاهره تصح إذا لم يعلم. فلو ظن ظلمه جاز ويتوجه المنع، ومع الشك يتوجه احتمالان. ولعل الجواز أولى كالظن. فإن الجواز فيه ظاهر وإن لم (^١) يجز الحكم مع الريبة في البينه.
وقال القاضي في قوله تعالى: (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: ١٠٥]:
يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقه أمره.
وكذا في " المغني ": في الصلح عن المنكر يشترط أن يعلم صدق المدعي. فلا تحل دعوى ما لم يعلم ثبوته. انتهى.
(و) من قال لوكيله: (اقبض حقي اليوم) أو الليلة، أو بع ثوبي اليوم أو الليلة:
(لم يملكه) أي: أن يفعل ما وكل فيه (غدًا) " لأنه لم يتناوله أذنه نطقًا ولا عرفًا.
ولأنه قد يؤثر التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره.
ولهذا لما عين الله تعالى لعبادته وقتًا لم يجز تقديمها عليه ولا تًاخيرها عنه. وإنما صح فعلها قضاء " لأن الذمة لما اشتغلت كان الفعل مطلوب القضاء.
(و) من قال لوكيله: اقبض حقي (من فلان: ملكه) أي: القبض من فلان و(من وكيله)، لأن وكيل فلان إذا أقبض بإذنه جرى مجرى إقباضه " لأنه قائم مقامه.
(لا من وارثه) أي: لا يملك القبض من وارث فلان، لأنه لم يؤمر بذلك،
ولا يقتضيه العرف " لأن الحق انتقل إلى الوارث واستحق الطلب عليه بطريق الأصالة. بخلاف الوكيل. ولهذا لو حلف لا يفعل شيئًا حنث بفعل وكيله. (وإن قال) له: اقبض حقي (الذي قَبِلَه) أي: قبل فلان أو الذي عليه: (ملكه) أي: القبض (من وارثه)؛ لأن الوكالة اقتضت قبض حقه مطلقًا. فشمل القبض من الوارث، لأنه حقه.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٥ / ٤٧٨ ]
(فصل): في اختلاف الوكيل مع الموكل
وما يقبل قوله فيه وغير ذلك
(والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط)؛ لأنه نائب المالك في
اليد والتصرف. فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك؛ كالمودع.
وكذا حكم كل من بيده شيء لغيره على سبيل الأمانة؛ كالوصي ونحوه.
وكلامه شامل للوكيل المتبرع والوكيل بجُعل؛ لأنه لا فرق بين تلف العين الموكل فيها وبين تلف ثمنها؛ لأنه أمين.
وفهم من المتن: أنه يضمن مع التفريط وهو كذلك. ومع التعدي من باب أولى.
(ويصدق) وكيل (بيمينه في تلف) يدعيه للعين أو الثمن إذا قال موكله:
لم يتلف.
(و) كذا يقبل قوله في (نفي تفريط) لو قال موكله: فرطت؛ لأنه أمين.
ولا يكلف على ذلك ببينة؛ لأن هذا مما تتعذر إقامة البينة عليه.
ولأنه لو كلف ذلك لامتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إلى ذلك.
ومحل هذا: إذا ادعى التلف بسبب خفي؛ كالسرقة ونحوها.
وسيأتى في المتن إذا ادعى أحد من الأمناء التلف بسبب ظاهر (^١) .
(ويقبل إقراره) أي: الوكيل على موكله (في كل ما وُكّل فيه، ولو) كان الموكل فيه (نكاحًا)؛ لأنه يملك التصرف. فقبل قوله فيه؛ كما يقبل قول ولي المجبرة في النكاح.
وقال القاضي: لا يقبل فوله في النكاح؛ لأن الشهادة شرط فيه فلا تتعذر
_________________
(١) ص (٤٨٢).
[ ٥ / ٤٧٩ ]
البينة عليه. بخلاف سائر العقود.
وهذه قاعدة. وسيأتى الكلام على بعض أفرادها.
ومنها: لو قال وكيل في بيع شيء: بعته وقبضت ثمنه فتلف، وقال موكل: لم تقبضه: فإن إقراره على موكله بقبض الثمن لازم له.
ومنها: لو قال وكيل في شراء شيء: اشتريته بعشرة، وقال موكله: بل بخمسه. فإن إقراره ملزم (^١) لذمه موكله بالعشرة، لأنه أمين في التصرف. فكان القول قوله في وجوده وصفته.
لكن قال المجد في " شرح الهداية ": فصل: وإذا ادعى الوكيل (^٢) ما لا يشبه من قليل ثمن المبيع أو زيادة ثمن المشترى لم يصدق. انتهى.
ومنها: ما قال المجد أيضًا: وإذا وكلت رجلًا أن يسلف لك دراهم في طعام ففعل. ثم أتى المسلم إليه بدراهم زائفة يردها مدعيًا أنها التي أعطاها الوكيل فصدقه قبل قوله على موكله.
وإن قبلها الوكيل ولم يعرفها لزمته دون الموكل.
وإن لم يقبلها فللبائع بها عليه اليمين: أنه لا يعلم أنها تلك الدراهم.
وكذلك له على البائع اليمين كذلك. هذا مذهب مالك، وقياس نص
إما منا ٠ أنتهى.
ومنها: ما لو وكل بائع في بيع (^٣) ومشتر في شراء واتفق الوكيلان على الثمن واختلف فيه الموكلان؛ فقال القاضي: يتحالفان. وقال المجد: والأصح أن لا تحالف، وأنه يقبل قول الوكيلين.
(وإن اختلفا) أي: الوكيل والموكل (في رد عين) على الموكل، (أو في) دفع (ثمنها) له: (فقول وكيل) متبرع، (لا) وكيل (بجُعْل).
_________________
(١) في أب: يلزم.
(٢) في ج: وكيل.
(٣) في أوب: مبيع.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
وجملة الأمناء على ضربين:
أحدهما: من قبض المال لنفع مالكه لا غير؛ كالمودَع والوكيل المتبرع. فيقبل قوله في الرد؛ لأنه لو كلف البينه عليه لامتنع الناس من دخولهم في الأمانات مع الحاجة فيلحقهم الضرر بذلك.
الضرب الثانى: من (^١) ينتفع بقبض الأمانة؛ كالوكيل بجُعل والمضارب والمرتهن ونحوهم فلا يقبل قوله في الرد على الأصح. نص عليه الإمام في المضارب في رواية اين منصور؛ لأن في قبضه نفعًا لنفسه. فلا يقبل قوله في رده (^٢)؛كا لمستعير.
وفيه وجه: بلى؛ لأنه أمين.
وإن طالب موكل وكيلًا في بيع بثمن ما باعه فقال: لم أقبضه بعد. فأقام المشتري بينة عليه بقبضه: ألزم به الوكيل، ولا يقبل قوله في رد ولا تلف (^٣)؛ لأنه صار خائنًا بجحده. قاله المجد، وقال: وبهذا يقول (^٤) أهل الرأي وكذلك ابن المنذر. انتهى.
(ولا) يقبل قول وكيل في رد (إلى ورثة موكل). نقله في " التلخيص "؛ لأنهم لم يأتمنوه.
(أو) دفع (إلى غير من ائتمنه، ولو بإذنه) أي: الموكل؛ كما لو دفع إليه دينارًا وأذن له ان يقرضه لزيد، وقال الوكيل: دفعته لزيد وأنكر زيد فيكلف الوكيل البينة على ذلك، وإن عجز ضمن: فقيل لتفريطه بترك الإشهاد.
فعلى هذا لو صدقه الآمر على الدفع لم يسقط الضمان.
وقيل: لأنه ليس أمينًا للمًا مور بالدفع إليه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: الردة.
(٣) في أ: تكلف.
(٤) ساقط من أوب.
[ ٥ / ٤٨١ ]
وقيل: يقبل قوله بالدفع لزيد.
قال في " الفروع ": وإطلاقهم ولا في صرفه في وجوه عُيّنت له من، أجرة لزمته. وذكره الآدمي البغدادي. انتهى.
(ولا) يقبل قول (ورثة وكيل في دفع لموكل)؛ لأنه لم يأتمنهم.
(ولا) يقبل قول (أجير مشترك) كخياط ونحوه في رد ما خاطه، (و) لا
قول (مستأجر) لدابة ونحوها في ردها إلى مالكها؛ لأن في قبض الثوب والدابة نفعًا للأجير والمستًا جر. فلا يقبل قولهما في الرد؛ كالمستعير (^١) .
(ودعوى الكل) أي: الأمناء المقبول قولهم في الرد وغيرهم (تلفًا بحادث ظاهر)؛ كحريق ونهب وشبههما، (لا يقبل إلا ببينة تشهد بالحادث)؛ لأن وجود الأمر الظاهر لا يخفى. فلا تتعذر إقامة البينة عليه.
(ويقبل قوله) أي: المدعي للتلف بسبب هذا الأمر الظاهر (فيه) أي: في التلف به والمراد بيمينه؛ لأن تكليف الأمين بإقامة البينة بكون الوديعة أو الموكل فيه ونحوهما حرق أو نهب متعذر؛ كما لو حصل التلف بسبب خفي فقبل قوله فيه. (و) إن قال وكيل لموكله: (أذنت لي في البيع نَساء، أو) أذنت لي في البيع (بغير نقد البلد)، أو أذنت لي في البيع بعرض وأنكر الموكل.
(أو اختلفا) أي: الوكيل والموكل (في صفة الأذن) بًان قال الوكيل: وكلتني
في أن أشتري لك طعامًا بعشرة دراهم فقال: بل بخمسة، أو قال: وكلتني أن أشتري لك عبدًا فقال: بل أمة، أو قال: بل وكلتني في أن أبيع عبدك من زيد فقال: بل من عمرو، أو قال موكل في بيع بنسيئة: أمرتك أن تبع برهن أو كفيل وأنكر الوكيل ونحو ذلك: (فـ) المعتبر من قوليهما إن لم تكن بينة (قول وكيل كمضارب) فيما إذا اختلف هو ورب المال في مثل ذلك. نص عليه في المضارب؛ لأن كلًا منهما أمين في التصرف فكان القول قوله في صفة الأذن؛ كالخياط إذا قال: أذنت لي في تفصيله قَباء، وقال المالك: بل قميصًا.
_________________
(١) في أ: كمستعير.
[ ٥ / ٤٨٢ ]
وفيه وجه قوي: إن القول قول الموكل.
وقال في " المغني ": أنه أصح لوجهين:
أحدهما: أنهما اختلفا في التوكيل الذي يدعيه الوكيل. والأصل عدمه.
فكان القول قول من ينفيه.
والثانى: أنهما اختلفا في صفة قول الموكل. فكان القول قوله في صفة
كلامه.
وبنى على هذا الوجه مسائل يطول الكلام عليها فليراجعها من شاء.
وإن اختلف اثنان في أصل الوكالة فقال أحدهما: وكلتني في كذا وأنكر
الآخر: فالقول قول المنكر؛ لأن الأصل عدم الوكالة ولم يثبت أنه أمينه ليقبل قوله عليه.
ومثل ذلك لو قال أحدهما: وكلتك أن تشتري لي كذا بدينار ودفعته فقال
الآخر: لم توكلني ولم تدفع إليّ شيئًا، أو قال: وكلتني ولم تدفع إلي شيء: فالقول قول المنكر؛ لما تقدم.
ولو باع الوكيل السلعة وقال: بذلك أمرتني. فقال المالك: بل أمرتك
برهنها: صدق ربها (^١) . فاتت أو لم تفت؛ لأن الاختلاف هنا في جنس التصرف. (و) من فروع ذلك لو قال إنسان لآخر: (وكلتني أن أتزوج لك فلانة) بصداق كذا، (ففعلت) أي: فتزوجتها لك، (وصدقت) فلانة (الوكيل) أي: مدعي الوكالة على ما ذكره، (وأنكر) من يدعيان أنه (مُوكل) ما يدعيا نه: (فقوله) أي: المنكر (بلا يمين) نصًا.
قال الإمام: إن اقام البينة وإلا لم يلزم الآخر عقد النكاح ولا يستحلف.
أما كون القول قوله؛ فلأن الأصل عدم التوكيل.
وأما كونه بلا يمين فقال القاضي: لأن الوكيل يدعي حقًا لغيره.
_________________
(١) في أ: وبها.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
(ثم إن تزوجها) الموكل، (وإلا لزمه) أي: المدعى عليه (تطليقها).
قال في " المغني ": قال أحمد: ولا تتزوج المرأة حتى تطلق. لعله يكون
كاذبًا في إنكاره. قال: وظاهر هذا تحريم نكاحها قبل طلاقها؛ لأنها معترفة أنها زوجة له فتؤخذ بإقرارها وإنكاره ليس بطلاق. انتهى.
فيؤخذ من النص أن إلزامه بالطلاق لإزالة الاحتمال وإزاله الضرر عنها بما لا ضرر عليه فيه كالنكاح الفاسد.
وفيه وجه: لا يلزمه أن يطلقها؛ لأنه لم يثبت في حقه نكاح.
(ولا يلزم وكيلًا) أي: مدعي الوكالة (شيء) للمرأه من حقوق العقد؛
لأن دعواها على الموكل، وحقوق العقد لا تتعلق بالوكيل.
ونقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد: أن الوكيل يلزمه نصف الصداق؛ لأن الوكيل في الشراء ضامن للثمن. وللبائع مطالبته به. كذا هنا.
قال في " المغني ": والأول أولى؛ لما ذكرنا.
ويفارق الشراء؛ لأن الثمن مقصود للبائع، والعادة تعجيله وأخذه من المتولي للشراء، والنكاح يخالفه في هذا كله.
ولكن إن كان الوكيل ضمن المهر فلها الرجوع عليه بنصفه؛ لأنه ضمنه عن الموكل وهو مقر بًا نه في ذمته.
فروع:
قال المجد في " شرح الهداية ": فإن دفع إليه ألفًا وقال: أسلفها في طعام ففعل ثم اختلفا فقال الوكيل: عن نفسي أسلفت وقال الموكل: بل عني. فقال أصحابنا: القول قول الوكيل؛ لأن النية نيته. وهو أعلم.
وعندي في هذا نظر؛ لأن الوكيل يدعي عقدًا فاسدًا؛ لأنه متى عقد لنفسه
فقد حصل التقبيض من (^١) مال الغير بدون أذنه. فيبطل العقد؛ لفوات شرط
_________________
(١) في ج: التقابض في.
[ ٥ / ٤٨٤ ]
القبض. فكان قياس المذهب: أن يكون القول قول مدعي الصحة وهو
الموكل. أنتهى.
وقال في " المغني ": وإذا (^١) كان عبد بين رجلين فباعه أحدهما بأمر الآخر
بًا لف وقال: لم أقبض ثمنه، وادعى المشتري أنه قبضه وصدقه الذي لم يبع: برئ المشتري من نصف ثمنه؛ لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه؛ كما لو أقر أنه قبضه بنفسه. وتبقى الخصومة بين البائع وشريكه والمشتري. فإن خاصمه شريكه وادعى عليه أنك قبضت نصيبي من الثمن فانكر: فالقول قوله مع يمينه إن لم يعلم للمدعي بينة. وإن كانت له بينه قضي بها عليه. ولا تقبل شهادة المشتري له؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا.
وإن خاصم البائع المشتري فادعى المشتري أنه دفع إليه الثمن فأنكر البائع:
فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر. فإذا حلف أخذ من المشتري نصف الثمن، ولا يشاركه فيه شريكه، لأنه معترف أنه يأخذه ظلمًا فلا يستحق مشاركته فيه.
وإن كانت للمشتري بينة حكم بها.
ولاتقبل شهاده شريكه عليه؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا.
ومن شهد بشهادة لجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل.
ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها.
وإن ادعى المشتري أن شريك البائع قبض منه الثمن فصدقه البائع نظرت فإن
كان البائع أذن لشريكه في القبض فهي كالتي قبلها، وإن لم يأذن له في القبض لم تبرأ ذمة المشتري في (^٢) شيء من الثمن، لأن البائع لم يوكله في القبض فقبْضُه له لا يلزمه ولا يبرئ المشتري منه؛ كما لو دفعه إلى أجنبي. ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع؛ لأنه ينكره، ولبائع المطالبة بقدر نصيبه لا غير (^٣)؛ لأنه مقر أن شريكه قبض حقه، ويلزم المشتري دفع نصيبه إليه ولا يحتاج إلى
_________________
(١) في ب: إذا.
(٢) في: من.
(٣) في أ: يميز.
[ ٥ / ٤٨٥ ]
يمين؛ لأن المشتري مقر ببقاء حقه.
وإن دفعه إلى شريكه لم تبرأ ذمته. فإذا قبض حقه فلشريكه مشاركته فيما
قبض؛ لأن الدين لهما ثابت بسبب واحد. فما قبض منه يكون بينهما؛ كما لو كان ميراثًا.
وله أن يشاركه ويطالب المشتري بحقه كله.
ويحتمل أن لا يملك الشريك مشاركته فيما قبض؛ لأن كل واحد منهما
يستحق ثمن نصيبه الذي ينفرد به. فلم يكن لشريكه مشاركته فيما قبض من ثمنه؛ كما لو باع كل واحد منهما نصيبه في صفقة.
ويخالف الميراث؛ لأن سبب استحقاق الورثة لا يتبعض. فلم يكن للورثة تبعيضه، وهاهنا يتبعض؛ لأنه إذا كان البائع اثنين كان بمنزلة عقدين.
ولأن الوارث نائب عن الموروث فكان ما يقبضه للموروث يشترك فيه جميع الورثة. بخلاف مسألتنا فإن ما يقبضه لنفسه.
فإن قلنا: له مشاركته فيما قبض فعليه اليمين أنه لم يستوف حقه من المشتري، ويًاخذ من القابض نصف ما قبضه، ويطالب المشتري ببقية حقه إذا حلف له أيضًا: أنه ما قبض منه شيئًا. وليس للمقبوض منه أن ير. جع على المشتري بعوض ما أخذ منه؛ "لأنه مقر أن المشتري قد برئت ذمته من حق شريكه، وإنما أخذ منه ظلمًا فلا يرجع بما ظلمه على غيره.
وإن خاصم المشتري شريك البائع فادعى عليه أنه قبض الثمن منه فكانت له
بينة: حكم له بها.
وتقبل شهادة البائع له إذا كان عدلًا؛ لأنه لا يجر إلى نفسه نفعًا ولا يدفع
عنها (^١) ضررًا؛ لأنه إذا ثبت أن شريكه قبض الثمن لم يملك مطالبته بشيء؛ لأنه ليس بوكيل له في القبض فلايقع قبضه له.
_________________
(١) في أوب: عنه.
[ ٥ / ٤٨٦ ]
هكذا ذكر بعض أصحابنا. وعندي: لا تقبل شهادته له؛ لأنه يدفع عن نفسه ضرر مشاركة شريكه له فيما يقبضه من المشتري.
وإذا لم تكن بينة فحلف أخذ من المشتري نصف الثمن، وإن نكل أخذ المشتري نصفه. انتهى.
ولو ادعى إنسان أن فلانًا لغائب وكله في تزويج امرأة فتزوجها له ثم مات الغائب: لم ترثه المرأة. إلا أن يصدقه الورثة أو يثبت ببينة.
ولو غاب رجل فجاء إنسان إلى امراته فذكر لها أن زوجها طلقها بائنًا ووكله
في تجديد نكاحها بألف فأذنت في نكاحها وعقد عليها وضمن الوكيل الألف ثم جاء زوجها فأنكر هذا كله: فالقول قوله والنكاح الأولى بحاله.
قال في " المغنى ": وقياس ما ذكرنا أن المرأة إن صدّقت الوكيل لزمه الألف. إلا ان يبينها زوجها قبل دخوله بها، وحكي ذلك عن مالك وزفر.
وحكي عن أبي حنيفة والشافعي: أنه لا يلزم الضامن شيء؛ لأنه فرع على المضمون عنه، ولم يلزم المضمون عنه شيء فكذلك فرعه.
ولنا: أن الوكيل مقر بأن الحق في ذمة المضمون عنه وأنه ضامن عنه. فلزمه
ما أقر به؛ كما لو ادعى على رجل أنه ضمن له ألفا له على أجنبي فًا قر الضامن بالضمان وصمحته وثبوت الحى في ذمة المضمون عنه وأنكر المضمون عنه.
وكما لو ادعى شفعة على إنسان في شقص اشتراه فأقر البائع بالبيع وأنكره المشتري: فإن الشفيع يستحق الشفعة في أصح الوجهين.
وإن لم تدع المرأة صحة ما ذكره الوكيل فلا شيء عليه.
ويحتمل ان من أسقط عنه الضمان أسقطه في هذه الصورة ومن أوجبه أوجبه
في الصورة الأخرى. فلا يكون فيها اختلاف. والله أعلم. انتهى.
(ويصح التوكيل بلا جعل) للوكيل؛ لأنه ﷺ وكل أُنيسًا في إقامة الحد (^١)،
_________________
(١) سبق ذكر حديث أنيس وتخريجه ص (٤٤٢) رقم (٤).
[ ٥ / ٤٨٧ ]
وعروة في الشراء (^١) بغير جعل.
(و) يصح أيضًا (بـ) جعل (معلوم)؛ كدينار صفته كذا.
ويصح أن يجعل للوكيل في كل يوم كذا (أيامًا معلومة، أو يعيطه من الألف
شيئًا معلومًا)؛ كعشرة ونحوه.
ويدل لصحة الوكالة بالجعل أن النبي عييه كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم على ذلك جعلًا.
ولأن التوكيل تصرف لغيره فلا يلزمه فعله. فجاز أخذ الجُعل عليه؛ كرد الآبق.
و(لا) يصح أن يجعل له (من كل ثوب كذا، لم يصفه) أي: الثوب،
(ولم يقدر ثمنه) في ظاهر كلام الإمام. قاله في " الفروع "؛ لجهالة المسمى، وله أجر مثله.
(وإن عين الثياب المعينة في بيع أو شراء من) إنسان (معين)؛ كما لو قال
له: كل ثوب بعته لي من هذه الثياب بكذا فلك على بيعه كذا، ويعينه، أو كل ثوب اشتريته لي من فلان من هذه العشرة بكذا فلك على شرائه كذا، ويعينه: (صح) ما سماه؛ (كـ) ما لو قال: (بع ثوبي بكذا) ويُعيّنه (فما زاد فلك) فأنه يصح نصًا.
قال الإمام: هل هذا إلا كالمضاربة، واحتج بأنه يروى عن ابن عباس.
ووجه شبه هذا بالمضاربة: أنه عين تُنِّمى بالعمل عليها وهو البيع. فهو
كدفع المال مضاربة.
فعلى هذا: إن باع الوكيل الثوب بزيادة على ما عينه له الموكل ولو من غير جنس الثمن- قاله المجد في " شرحه "- فهي له، وإلا فلا شيء له؛ كما لو لم يربح المال في المضاربة.
_________________
(١) سبق ذكر حديث عروة وتخريجه ص (٤٣٢) رقم (٢)
[ ٥ / ٤٨٨ ]
(ويستحقه) أي: يستحق الوكيل في بيع شيء جعله (قبل تسليم ثمنه)؛
لأن الوكيل في البيع لا يلزمه استخلاص الثمن من المشتري. (إلا إن اشترطه) أي: إلا ان يشترط في استحقاق الوكيل الجعل ان يسلمه الثمن بأن يقول الموكل: إذا بعت الثوب وقبضت الثمن وسلمته إليّ فلك كذا. فأنه في هذه الصورة لا يستحق شيئًا حتى يسلم الثمن إلى الموكل. فإن فاته التسليم لم يستحق شيئًا؛ لفوات الشرط.
(ومن عليه حق) لآدمي، (فادعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه، أو وصيه) أي: وصي ربه بأن يدعي أنه مات وأنه وصيه وكان الحق دينًا أو عينًا، (أو) كان الحق (^١) دينًا فقط وادعى أنه (أُحيل به) من قبل رب الدين (فصدقه) أي: صدق مدعي الوكالة أو الوصية أو الحوالة: (لم يلزمه) أي: من عليه الحق (دفع إليه) أي: إلى من يدعي؛ لأنه لا يبرأ بهذا الدفع؛ لجواز أن ينكر رب الحق الوكالة أو الحوالة، أو يظهر حيًا في ممسًا لة دعوى الوصية فيرجع على الدا فع.
(وإن كذبه) أي: كذب من عليه الحق مدعي الوكالة أو الحوالة أو الوصية:
(لم يستحلف) له؛ لعدم فائدة استحلافه وهي الحكم عليه بالنكول. (وإن دفعه) أي: دفع من عليه الحق ما عليه إلى من ادعى وكالة صاحبه باختياره، (وأنكر صاحبه) أي: صاحب الحق (ذلك: حلف) أنه لم يوكل المدفوع إليه في ذلك ولا أحاله عليه؛ لاحتمال صدق المدعي الوكالة والحوالة فيها.
(ورجع على دافع) وحده (إن كان) المدفوع (دينًا)؛ لأن الحق في ذمته
ولم يبرأ منه بدفعه لغير ربه أو وكيله، ولم تثبت وكالة المدفوع إليه.
ولأن الذي أخذه مدعي الوكالة عين مال الدافع في زعم صاحب الحق فتعين رجوعه على الدافع.
_________________
(١) زيدة من ج.
[ ٥ / ٤٨٩ ]
(و) رجع (دافع على مدع) أي: مدعي الوكالة أو الحوالة أو الوصية بما
دفعه (مع بقائه) لا مع تلفه؛ لأن المدعي والدافع يزعمان أنه صار ملكًا لصاحب الحق وأنه ظالم للدافع بالأخذ منه. فيرجع الدافع فيما أخذ منه المدعي، ويكون قصاصًا مما اخذ منه صاحب الحق.
(أو) يبدله مع (تعديه) أي: تعدي المدفوع إليه (لمحي تلف) به؛ لأن. من وجب عليه رد شيء مع بقائه وجب عليه رد بدله مع إتلافه إياه.
وفهم من هذا: أنه إن تلف في يده من غير تعد ولا تفريط: لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه مقر بأنه أمين في دعواه الوكالة أو الوصية.
(و) أما (مع) دعوى (حوالة) يرجع عليه (مطلقًا) أي: سواء بقي في
يده أو تلف؛ لأن ما قبضه للمحتال على أنه محال به مضمون عليه؛ لأنه قبضه لنفسه.
(وإن كان) المدفوع إلى مدعي الوكالة (عينًا؛ كوديعة، ونحوها)؛ كعارية ومقبوض على وجه السوم ومغصوب، (ووجدها) ربها بيد مدعي الوكالة أو غيره: (أخذها) من هي بيده؛ لأنها عين حقه.
(وإلا) أي: وإن لم يجدها (ضمن) أي: طالب (أيهما شاء) من الدافع والمدفوع إليه بردها؛ لأن المدفوع إليه قبض ما لا يستحق قبضه، والدافع تعدى بالدفع إلى من لا يستحق. فتوجهت المطالبة على كل منهما.
(و) أيهما ضمنه المالك (لا يرجع بها على غير متلف أو مفرط)؛ لأن كل واحد منهما يدعي أن ما يأخذه المالك ظلم ويقر بأنه لم يوجد من صاحبه تعد. "فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره.
وما تقدم من التفصيل فهو فيما إذا صدق المدعى عليه المدعي.
(و) أما (مع عدم تصديقه) فإنه (يرجع) على المدفوع إليه بما دفعه (مطلقًا) أي: سواء بقي المدفوع بيد المدفوع إليه أو تلف.
قال في " المغني ": إلا أن يكون الدافع دفعها للوكيل من غير تصديقه فيما
[ ٥ / ٤٩٠ ]
ادعاه من الوكالة. فإن ضمن رجع على الوكيل؛ لكونه لم يقر بوكالته ولا تثبت ببينه، وإن ضمن الوكيل لم يرجع عليه وإن صدقه. لكن إن كان الوكيل تعدى فيها أو فرط: استقر الضمان عليه. فإن ضمن لم يرجع على أحد، وإن ضمن الدافع رجع عليه؛ لأنه وإن كان يقر أنه قبضه قبضًا صحيحًا. لكن لزمه الضمان بتفريطه وتعديه. فالدافع يقول: ظلمني المالك بالرجوع عليّ وله على الوكيل حق يعترف به الوكيل. فيأخذه فيستوفي حقه منه.
(وإن ادعى) المطا لب (موته) أي: موت رب الحق (وأنه وارثه: لزمه) أي: لزم من عليه الحق (دفعه) لمدعي الإرث لرب الحق (مع تصديق) منه على ذلك؛ لأنه مقر له بالحق وأنه يبرأ بهذا الدفع. فلزمه الدفع؛ كما لو طلبه مورثه.
(وحلفه) أي: ولزمه أن يحلف (مع إنكاره) كونه وارثه؛ لأن من لزمه الدفع مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار.
وصفتها: أن يحلف أنه لا يعلم صحة ما قال؛ لأن اليمين هنا على نفي فعل الغير. فكانت على نفي العلم.
(ومن قُبل قوله في رد)؛ كالمودع والوكيل المتبرع، (وطُلب منه) الرد:
(لزمه) فعله، (ولا يؤخره ليشهد) على رب الحق به لعدم الحاجة إليه؛ لأنه متى ادعى عليه به وثبت كان القول قوله في الرد.
(وكذا مستعيره ونحوه) ممن لا يقبل قوله في الرد؛ كمقترض وغاصب حيث
(لا حجة) أي: بينة (عليه)؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك. فأنه متى ادعى الحق على الدافع بعد ذلك قال: لا يستحق علي شيئًا وحلف كما أجاب. (وإلا) بأن كان عليه بينة بذلك: (أُخّر) الرد ليشهد عليه؛ لئلا ينكر القبض. ولا يقبل قول الدافع في الرد. وإن قال: لا يستحق علي شيئًا قامت عليه البينة.
[ ٥ / ٤٩١ ]
والحكم في هذا (^١) (كـ) الحكم في (دين بحجة.
ولا يلزمه) أي: رب الحق (دفعها) أي: دفع الحجة المكتوب فيها الحق
إلى من كان عليه؛ لأن الكتاب ملكه. فلا يلزمه تسليمه إلى غيره.
(بل) يلزم رب الحق (الإشهاد بأخذه)؛ لأن بينة الأخذ تسقط البينة الأولى،
(كحجة مما باعه) فأنه لا يلزمه تسليمها إلى المشتري؛ لما تقدم. والله ﷾ أعلم (^٢).
_________________
(١) في أ: ذلك.
(٢) في ب: والله أعلم.
[ ٥ / ٤٩٢ ]