هذا (كتاب الحدود. وهي: جمع حد).
والحد لغة: المنع. وحدود الله ﷾ محارمه؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقره: ١٨٧]. وهي: ما حده ﷾ وقدره فلا يجوز أن يتعدى؛ كتزويج الأربع ونحوه. وما حده الشرع فلا تجوز فيه الزيادة والنقصان.
(وهو) أي: والحد في عرف أهل الشرع: (عقوبة مقدرة شرعا) أي:
بالشرع (في معصية؛ لتمنع) هذه العقوبة (من. الوقوع في مثلها) أي: مثل تلك المعصية. فيجوز أن تكون سميت بذلك من المنع، لأنها تمنع من الوقوع في
مثل تلك المعصية. وأن تكون سميت الحدود من الحدود التي هي المحارم،
لكونها زواجر عنها.
(ولا يجب) الحد (إلا على مكلف) وهو البالغ العاقل، لأنه إذا سقط عن
غير البالغ العاقل التكليف في العبادات والإثم في المعاصي، فالحد المبني على
الدرء بالشبهات أولى. لكن إن كان المجنون يفيق في وقت فأقر فيه أنه زنى في
حال إفاقته أخذ بما أقر به وحد. أما لو أقر في إفاقته أنه زنى ولم يضفه إلى حال،
أو شهدت عليه بينة أنه زنى ولم تضفه إلى حال إفاقته فلا حد؛ للاحتمال. وكذا
لا يجب على نائم ونائمة؛ لقول النبي ﷺ: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " (^١).رواه
أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٥٣) ٤ ١٤١ كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٢٣) ٤: ٣٢ كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد.
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
ولا يجب الحد أيضا إلا على (ملتزم) أحكام المسلمين، ليخرج الحربي
والمستأمن. وأما الذمي فهو داخل في ذلك.
ولا يجب أيضا إلا على (عالم بالتحريم).
قال عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم: لا حد إلا على من علمه.
ولا فرق في ذلك بين جهله تحريم الزنا وتحريم عين المرأة. مثل: أن يزف
إليه غير امرأته فيظنها زوجته فيطؤها، أو يدفع إليه جارية غيره فيتركها مع جواريه ثم يطؤها ظانا أنها من جواريه التى يملكهن. فلا يجب عليه حد بذلك.
(وإقامته) أي: إقامة الحد (لإمام ونائبه مطلقا) أي: سواء كان الحد لله
﷾ " كحد الزنى، أو لآدمي " كحد القذف، لأنه استيفاء حق يفتقر
إلى الاجتهاد، ولا يؤمن من استيفائه الحيف. فوجب تفويضه إلى نائب الله
﷾ في خلقه.
ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه من بعده، ويقوم نائب
الإمام في ذلك مقامه، لأن النبي ﷺ قال: " واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأه هذا فإن اعترفت فارجمها " (^١) .
و"أمر برجم ماعز ولم يحضره " (^٢) .
و" أتى بسارق فمال رسول الله ﷺ: اذهبوا به فاقطعوه " (^٣) .
(وتحرم شفاعة وقبولها، في حد لله) سبحانه و(تعالى، بعد أن يبلغ
الإمام).
قال في "المستوعب ": ولا يجوز للإمام أن يقبل شفاعة فيما هو حق لله
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٥٧٥) ٢: ٩٧١ كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحد ود.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٣٨) ٦: ٢ ٠ ٢٥ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب هل يقول الإمام للصقر: لعلك لمست أو غمزت.
(٣) أخرجه النسائي في " سنته " (٤٨٧٧) ٨: ٦٧ كتاب قطع السارق، تلقين السارق.
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
﷾ (^١) من الحدود. ولا يعفو عنه؛ لقول النبي ﷺ: " فهلا قيل أن تأتيني به " (^٢) . انتهى.
وحرمة الشفاعة لكونها طلب فعل محرم على من طلبه منه.
(ولسيد حر مكلف عالم به) أي: بإقامة الحد (وبشروطه) (^٣) أي: شروط
الحد- (ولو) كان السيد (فاسقا) في الأصح؛ لأنه ولاية استفادها بالملك.
فلا ينافيها الفسق؛ كبيع رقيقه، (أو) كان (امراة) في الأصح؛ لأنها مالكة
تامة الملك. فملكت إقامة الحد على رقيقها؛ كالرجل- (إقامته) أي: إقامة
الحد (^٤) (بجلد، وإقامة تعزير على رقيق كله له).
أما كون السيد لا يملك إقامة الحد على رقيقه بغير الجلد؛ فلأن الأصل
تفويض إقامة الحد إلى الإمام. وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة؛ لأنه
تأديب، والصيد يملك تأديب رقيقه وضربه على الذنب وهذا من جنسه. والخبر الوارد في حد السيد رقيقه [إنما جاء في الزنا خاصة وقسنا عليه ما يشبهه من
الجلد.
وقوله ﷺ: " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (^٥)] (^٦): إنما جاء في
سياق الحد في الزنا، فإن أولى الحديث عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
" أخبر النبي ﷺ بأمة لهم فجرت. فأرسلني إليها فقال: اجلدها الحد. قال: فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها. فرجعت إليه. فقال: افرغت؟ فقلت:
وجدتها لم تجف من دمها. قال: إذا جفت من دمها فاجلدها الحد، وأقيموا
الحدود على ما ملكت ايمانكم " (^٧) .
_________________
(١) في أ: حق لله تعالى.
(٢) سيأتى ذكره وتخريجه ص (٤٨٠) رقم (٢).
(٣) في ب: بشروطه.
(٤) ساقط من ب.
(٥) أخرجه احمد في " مسنده " (١٢٣٠) ١: ١٤٥
(٦) ساقط من أ.
(٧) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٧٣) ٤: ١٦١ كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض.
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
فالظاهر: أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه.
وأما كونه لا يملكه إلا على رقيق كله له؛ لأن الجزء الحر أو الجزء المملوك
لشريكه ليس بمملوك له. فلا يكون رقيقه ولا مملوك يمينه.
أما إذا كان يملك الرقيق كله (ولو) كان (مكاتبا أو مرهونا أو مستأجرا)
فإنه يملك إقامة الحد عليه بالجلد في الأصح فيهن؛ لعموم الخبر.
ولأن ملكه تام عليهم. أشبه ما لو لم يكاتبهم أو يرهنهم أو يؤجرهم.
(لا) أمة (مزوجة) فإنه ليس لسيدها إقامة الحد عليها ما دامت مزوجة؛
لما روى ابن عمر أنه قال: " إذا كانت الأمة ذات زوج رفعت إلى السلطان. فإن
لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ". ولا يعرف له مخالف
من الصحابة في عصره.
ولأن منفعتها مملوكة لغيره ملكا غير مقيد بوقت. أشبهت المشتركة.
ولأن المشترك إنما منع من إقامه الحد عليه؛ لأنه يقيمه في غير ملكه. وهذه
تشبهه؛ لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه. والخبر مخصوص بالقن المشترك وهذه تشبهه.
(وما ثبت) مما يوجب الحد على رقيقه بالجلد (بعلمه) أي: علم السيد
(أو إقرار) أي: إقرار الرفيق (كـ) الثابت (ببينة) على الأصح؛ لأنه يملك
تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب. ويفارق الحاكم؛ لأن الحاكم
متهم ولا يملك محل إقامته. وهذا بخلافه.
(وليس له) أي: لسيد الرفيق إذا ارتد أو سرق (قتل في ردة، و) لا (قطع
في سرقة) على الأصح؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بالجلد فلا يثبت في غيره.
ولأن في الجلد سترا على رقيقه؛ لئلا يفتضح بإقامة الإمام الحد عليه فتنقص
قيمته وذلك منتف فيهما.
(وتجب إقامة الحد، ولو كان من يميمه) أي: الذي يقيم الحد (شريكا أو
عونا لمن يميمه) أي: يقيم الحد (عليه في) تلك (المعصية). قاله الشيخ
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
تقي الدين، واحتج بما ذكره العلماء من أصحابنا وغيرهم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى ولا يجمع بين
معصيتين.
(وتحرم إقامته) أي: إقامة الحد (بمسجد)، لما روى حكيم بن حزام
" أن رسول الله ﷺ نهى أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد الأشعار، وان تقام فيه الحدود " (^١) .
ولأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شيئا يتلوث به المسجد.
فإن أقيم فيه لم يعد، لحصول المقصود بإقامته وهو الزجر.
(و) يحرم أيضا (أن يقيمه) أي: يقيم الحد (إمام أو نائبه بعلمه) أي:
من غير بينة على الأصح، لقول الله ﷾: ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
وقال ﷾: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به. ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد
القذف. فلم تجز إقامة الحد به، كقول غيره.
ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى.
(أو) أن يقيم الحد (وصي على رقيق موليه) في الأصح، (كأجنبي)
أي: كما لا يجوز للأجنبي إقامة الحد على رقيق غيره.
(ولا يضمن من) أقام حدا على من (لا له إقامته) عليه، (فيما حده:
الإتلاف).
قال في " الفروع ": تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه. واختار شيخنا إلا
لقرينة، كتطلب الإمام له ليقتله. وعلى الأول: لا ضمان نص عليه. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (" ٤٤٩) ٤: ١٦٧ كتاب الحدود، باب في إقامة الحد في المسجد
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
وقال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو خالف وفعل لم يضمنه. نص
عليه. انتهى.
(ويضرب الرجل) الحد حال كونه (قائما) على الأصح؛ لأن قيامه وسيلة
إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب.
(بسوط). قال في " شرح المهذب " للحنفية: السوط فوق القضيب ودون
العصا.
وقال في "الرعاية ": من عنده حجم السوط بين القضيب والعصا، أو
بقضيب بين اليابس والرطب.
وقال في " المبدع ": ومن المختار لهم بسوط لا ثمرة له فيتعين أن. يكون من
غير الجلد. انتهى.
(لاخلق) ذلك السوط. نص عليه بفتح اللام، (ولاجديد).
قال في " شرح المقنع ": إذا ثبت هذا فإن السوط يكون وسطا لا جديدا
فيجرج ولا خلقا فلا يؤلم، لما روي " أن رجلا اعترف عند النبي ﷺ. فأتي بسوط مكسور. فقال: فوق هذا. فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته. فقال:
بين هذين " (^١) . رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا.
وروي عن أبي هريرة مسندا.
وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " ضرب بين ضربين،
وسوط بين سوطين ". يعني: وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع.
(بلا مد، ولا ربط، ولا تجريد). يعني: أن المجلود في الحد لا يمد ولا
يربط ولا يجرد (^٢) .
قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " (١٢) ٢: ٦٢٩ كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا
(٢) في ب زيادة: عن ثيابه.
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
وجلد أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا
تجريد، بل يكون عليه القميص والقميصان. وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت، لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب.
قال أحمد: لو تركب عليه ثياب الشتاء لم يبال بالضوب.
(ولا يبالغ في ضرب) بحيث يشق الجلد، لأن المقصود أدبه لا إهلاكه.
(ولا يبدي ضارب إبطه في رفع يد) للضرب. نص عليه.
(وسن تفريقه) أي: تفريق الضرب (على الأعضاء) أي: أعضاء
المضروب؛ ليأخذ كل عضو منه حظه، لأن توالي الضرب على عضو واحد
يؤدي إلى القتل وهو مأمور بعدمه.
قال في "شرح المقنع": ويكثر منه في مواضع اللحم، كالإليتين
والفخذ ين.
(ويضرب من جالس ظهره وما قاربه) أي: قارب ظهره.
(ويجب) في الجلد (اتقاء وجه، و) اتقاء (رأس، و) اتقاء (فرج، و)
اتقاء (مقتل)؛ كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدى ضربه في شيء من هذه
الأعضاء إلى قتله أو ذهاب منفعته. والمقصود أدبه لا غيره.
(وامرأة) في ذلك (كرجل، إلا أنها تضرب جالسة)، لقول علي
رضي الله تعالى عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائما ".
(وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها)؛ لئلا تنكشف، لأن المرأة عورة
وفعل ذلك بها أستر لها.
(ويجزئ) الضرب في الحد (بسوط مغصوب) على خلاف مقتضى
النهي؛ للإجماع. ذكره في " التمهيد ".
(وتعتبر) لإقامة الحد (نية).
قال ابن عقيل في "الفصول" قبيل فصول التعزير: يحتاج عند إقامته إلى نية
الإمام أنه يضرب لله ولما وضع الله ذلك. وكذلك الحدود، إلا ان الإمام إذا
[ ١٠ / ٤٠١ ]
تولى وأمر عبدا أعجميا يضرب لا علم له بالنية أجزأت نيته، والعبد كالآلة.
قال: ويحتمل أن تعتبر نيته كما تقول في غسل الميت تعتبر نية غاسله. واحتج
في "منتهى الغاية " لاعتبار نية الزكاة بأن الصرف إلى الفقير له جهات. فلا بد من نية التمييز؛ كالجلد في الحدود.
وفي بعض نسخ "الفروع ": وتعتبر له النية فلو حده للتشفي أثم ويعيده.
ذكره في " المنثور" عن القاضي. وظاهر كلام (^١) جماعة: لا. وهو أظهر.
قال الشيخ تقي الدين: فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق
والإحسان إليهم. وهذا هو الرحمة التي بعث بها سيدنا محمد ﷺ في قوله
﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٠٧ ا] للاحتياج إلى دفع الظلم شرعت العقوبات. وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان كما
يقصد الوالد بعقوبة الولد، والطبيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو
نفع للعباد وعلى المؤمن أن يقصد ذلك. انتهى.
(لا موالاة) يعني: أنه لا تعتبر الموالاة في الجلد في الحد. ذكره القاضي
وغيره في موالاة الوضوء؛ لزيادة العقوبة ولسقوطه بالشبهة.
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: فيه نظر.
(وأشده) أي: أشد الجلد في الحدود (جلد زنا، فـ) جلد (قذف،
ف) جلد (شرب). نص على ذلك، (فـ) جلد (تعزير)؛ لأن الله سبحانه
وتعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله ﷾: ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. فاقتضى مزيد تأكيد. ولا يمكن ذلك في العدد فيكون في
الصفة.
ولأن ما دونه أخف منه في العدد. فلا يجوز أن تزيد عليه في إيلامه
ووجعه. وهذا دليل على أن ما خف في عدده كان أخف في صفته.
(وإن رأى إمام أو نائبه الضرب في حد شرب، بجريد أو) بـ (نعال- وقال
_________________
(١) في أ: كلامه.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
جمع: و) بـ (أيد)، قال (المنقح: وهو أظهر- فله ذلك)، لما روى
أبو داود من حديث أبي هريرة " أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه. وقال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه، والضارب
بيده" (^١) .
(ولا يؤخر حد) أي: استيفاؤه (لمرض ولو رجي زواله)، " لأن عمر
رضي الله تعالى عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره " (^٢) . وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان كالإجماع.
ولأن إقامة الحد واجبة على الفور. فلم يؤخر ما أوجبه الله ﷾
بغيرحجة.
(ولا) يؤخر أيضا (لحر أو برد أو ضعف)، لما تقدم.
(فإن كان) الحد (جلدا، وخيف) على المجلود (من السوط: لم
يتعين، فيقام) عليه الحد (بطرف ثوب وعثكول نخل)، والعثكول: على وزن عصفور هو (^٣) الضغث بالضاد والغين المعجمتين والثاء المثلثة. فإذا اخذ ضغثا
به مائة شمراخ فضربه به ضربة واحدة أجزأ. ويدل لذلك ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ: " أن رجلا اشتكى حتى ضنى فدخلت عليه امرأة. فهش لها فوقع عليها. فسئل له رسول الله ﷺ. فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة " (^٤) .رواه أبو داود والنسائي، لكن قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٧٧) ٤: ١٦٢ كتاب الحدود، باب الحد في الخمر.
(٢) أخرجه البيهقى في"السنن الكبرى " ٨: ٣١٦ كتاب الأشربة، باب من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران.
(٣) في أ: وهو.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٧٢) ٤: ١٦١ كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٧٤) ٢: ٨٥٩ كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد. ولم أجده في النسائي.
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
ولأنه لا يخلو من أن يقام (^١) عليه الحد كما ذكرنا، أو لا يقام عليه أصلا،
أو يضرب ضربا كاملا. لا يجوز تركه بالكلية؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة.
ولا أن يجلد جلدا تاما؛ لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرنا (^٢) .
(ويؤخر) الحد (^٣) (لسكر) يعني: لشرب مسكر مع وجود سكر (حتى
يصحو). نص عليه. (فلو خالف) الذي يقيم الحد وأقامه عليه في حال
سكره: (سقط) عنه (إن أحس) بألم الضرب؛ كما لو لم يكن سكرانا (^٤) .
(وإلا) بًان لم يحس بألم الضرب: (فلا) يسقط؛ لأنه لم يوجد ما
يزجره.
(ويؤخر قطع) أي: قطع اليد أو الرجل في السرقة: (خوف تلف) أي:
موت المحدود بالقطع المذكور
(ويحرم بعد) إقامة (حد حبس، وإيذاء ٢ بكلام) أي: أن يحبس
المحدود. نص عليه، أو يؤذى بالكلام كالتعبير على كلام القاضي وابن
الجوزي؛ لنسخه بمشروعية الحد؛ كنسخ حبس المرأة.
(ومن مات) بجلد (في تعزير، أو) مات في (حد بقطع أو جلد، و)
الحال أنه (لم يلزم تأخيره) أي: تأخير الجلد: (فهدر) أي: فإنه لا شيء
فيه؛ لأنه قد أتى به على الوجه المشروع بأمر الله ﷾ وأمر رسوله ﷺ فلا يؤاخذ به.
ولأن الإمام نائب عن الله ﷾ وعن رسوله. فصار كأن التلف
منسوب إلى الله ﷾ ﷿ (^٥) .
(ومن زاد) فى عدد الضرب (ولو) كان الزائد (جلدة) واحدة، (أو) زاد
_________________
(١) في ب: من إيقام.
(٢) في ب: فيتعين ما ذكرناه
(٣) في ج: الجلد.
(٤) في ب: مسكرا.
(٥) في أ: سبحانه جل وعز، وفي ب: جل وعز.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
(في السوط) الذي ضرب به، (أو اعتمد في ضربه) فتلف بذلك، (أو) ضربه (بسوط لا يحتملة) المضروب، (فتلف) أي: مات المضروب بسبب ذلك:
(ضمنه) الضارب (بديته) كامله على الأصح؛ لأنه تلف حصل بعدوانه.
ولأنه قتل حصل من جهة الله ﷾ وعدوان الضارب. فكان
الضمان على الضارب؛ كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به.
ولأنه تلف حصل بعدوان وغيره. فضمنه؛ كما لو ألقى حجرا على سفينة
موقرة فغرقها.
(ومن أمر) من الجلادين من قبل المقيم الحد (بزيادة) على الجلد الواجب
في الحد (فزاد جهلا) بعدد الجلد الواجب فمات المضروب: (ضمنه آمر)؛
لأن الجلاد معذور بالجهل.
(وإلا) أي: وإن لم يحصل ذلك: (فـ) إنه يضمنه (ضارب) في
الأصح؛ كما لو أمر السلطان بقتل إنسان يعلم المأمور بأن القتل ظلما وقتله.
(وإن تعمده) أي: تعمد الزائد (العاد فقط) أي: دون الآمر والضارب
ضمنه العاد؛ لحصول التلف بسبب تعمده، (او أخطأ) العاد (وادعى ضارب
الجهل) فقوله بيمينه، و(ضمنه العاد)؛ لحصرل الملف بسبب خطئه.
(وتعمد إمام لزياده: شبه عمد، تحمله عاقلته) على الأصح؛ لأنها
وجبت بخطئه. فكانت على عاقلته؛ كما لو رمى صيدا فقتل آدميا.
(ولا يحفر لـ) حد (رجم ولو) كان الرجم (لأنثى، وثبت) عليها (ببينة)
على الأصح؛ لأن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية (^١) ولا لليهوديين، إلا أن المرأة تشد عليها ثيابها لئلا تنكشف؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين. قال: " فأمر بها النبى ﷺ فشدت عليها ثيابها " (^٢) .
_________________
(١) في ج: للجهينيه.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه " (٤٤٤١) ٤: ١٥٢ كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي صصص برجمها من جهينة.
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
(ويجب في) إقامة (حد زنا حضور إمام أو نائبه) على الأصح.
قال في "الإنصاف ": ويجب حضوره هو أو من يقوم مقامه على الصحيح
من المذهب. انتهى.
(و) يجب أيضا في حد الزنا حضور (طائفة من المؤمنين ولو واحدا).
قال في " الإنصاف": يجب حضور طائفة في حد الزنا. والطائفة واحد
فأكثر على الصحيح من المذهب. انتهى.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
(وسن حضور من شهد) بالزنا الموجب للحد.
(و) سن أيضا (بداءتهم برجم. فلو ثبت بإقرار سن بداءة إمام، أو من
يقيمه) الإمام مقامه.
قال في " شرح المقنع ": السنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان
الزنا ثبت ببينة استحب أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام
أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وقد روى سعيد بإسناده عن
علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " الرجم رجمان: فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ".
ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. انتهى.
(ومتى رجع مقر به) أي: بالزنا عن إقراره، (أو) رجع مقر (بسرقة) عن
إقراره، (أو) رجع مقر بحد (شرب قبله) أي: قبل إقامة الحد عليه بما أقر به
(ولو بعد الشهادة على إقراره: لم يقم) عليه. (وإن رجع في أثنائه) أي: أثناء
الحد، (أو هرب: ترك)، لأن ماعزا هرب فذكر للنبي ﷺ فقال: " هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " (^١) .
_________________
(١) سيأتي تخريجه في الحديث الآتي.
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ويعمر بن هزال
ونصر بن دهر وغيرهم: أن ماعزا لما هرب فقال لهم: ردوني إلى
رسول الله ﷺ. قال: " فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " (^١) .ففي هذا
أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه.
ولأن رجوع المقر شبهة والحد يدرأ (^٢) بالشبهات.
ولأن الإقرار أحد سببي إقامة الحد فسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل
إقامة الحد. وفارق سائر الحقوق فإنها لا تدرأ بالشبهات.
(فإن تمم) الحد عليه بعد رجوعه: (فلا قود) فيه، (وضمن راجع)
أي: مصرح بالرجوع؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه. (لا هارب) يعني:
أن الهارب في أثناء الحد لا يضمن بإتمام الحد عليه؛ لأن هربه ليس صريحا في الرجوع. وحيث ضمن المصرح بالرجوع فإنه يكون ضمانه (بالدية) دون
القصاص؛ لأن العلماء اختلفوا في صحة رجوعه. فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص.
ولأن صحة الرجوع مما يخفى حكمها فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب
القصاص.
(وإن ثبت) على مكلف الزنا (ببينة على الفعل) أي: فعل الزنا،
(فهرب: لم يترك)؛ لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه. فلا يؤثر
رجوعه ولا هربه.
(ومن أتى حدا: ستر نفسه، ولم يجب- ولم يسن- أن يقر به عند
حاكم). نقل مهنا: رجل زنا يذهب يقر؛ قال: بل يستر نفسه. واستحب
القاضى إن شاع رفعه إلى حاكم؛ ليقيمه عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٤٤٢٠) ٤: ١٤٥ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.
(٢) في ب: والحدود تدرأ.
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
قال ابن حامد: إن تعلقت التوبة بظاهر؛ كصلاة وزكاه أظهرها للحاكم،
وإلا أسر.
(ومن قال لحاكم: أصبت حدا). فقط، (لم يلزمه شيء) ما (^١) لم يبينه.
نقله الأثرم.
ويحد من زنا هزيلا ولو بعد سمنه.
وكذا عقوبة الاخرة؛ كمن قطعت يده ثم زنا أعيدت بعد بعثه وعوقب. ذكره
في " الفنون".
(والحد) المقدر في ذنب (كفارة لذلك الذنب)؛ للخبر (^٢) . نص عليه.
_________________
(١) في أوب: لما.
(٢) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: " بايعت رسول الله صصص في رهط، فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصونى في معروف، فمن وقى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفاره له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفرله ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤١٦) ٦: ٢٤١٦ كتاب الحدود، باب توبة السارق.
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
[فصل: إذا اجتمعت الحدود]
(فصل. وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنس) واحد،: (بأن زنى) مرارا ً، (أو سرق) مرارا ً، (أو شرب مرارًا تداخَلت: فلا يحد سوى مرة). قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ وذلك لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد؛ لأن الواجب هنا من جنس واحد. فوجب التداخل؛ كالكفارات من جنس واحد.
(و) إن اجتمعت حدود لله ﷾ (من أجناس وفيها قتل). مثل: أن يسرق ويزنى وهو محصن، ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة: (استُوفي) القتل (وحده)؛ لما روى سعيد بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إذا اجتمع حدان أحدهما القتل، أحاط القتل بذلك ".
وروي عن إبراهيم النخعي والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشر في عصر الصحابة والتابعين ولم يظهر لهم مخالف.
ولأنها حدود لله ﷾ فيها قتل. فسقط ما دونه؛ كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فإنه يكتفى بقتله.
ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر، ومع القتل فلا حاجة إلى زجره؛ لأنه
لا فائدة فيه فلا يشرع. ويفارق القصاص فإن فيه غرض التشفي والانتقام، ولا يقصد فيه مجرد الزجر.
إذا ثبت هذا فإنه إذا وجد فيه ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة، أو القتل للردة، أو القتل لترك الصلاة فينبغي ان يقتل للمحاربة ويسقط غيره؛ لأن في
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
القتل للمحاربة حق آدمي. في القصاص. وإنما أثرت المحاربة بتحتمه (^١)، وحق الآدمي يجب تقديمه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها قتل وهي من أجناس؛ كمن زنى وهو غير
محصن، وشرب الخمر وسرق: (وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف). فيحد للشرب أولا، ثم يحد للزنا، ثم يحد بالقطع للسرقة.
(وتستوفى حقوق آدمي كلها)، سواء كان فيها قتل أو لم يكن، (ويبدأ بغير
قتل الأخف فالأخف وجوبا). فلو اجتمع على إنسان حد قذف وقطع عضو وقتل استوفيت كلها منه (^٢)؛ لأنها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها كلها. فوجب؛ كسائر الحقوق؛ لأن ما دون القتل حق لآدمي. فلا يسقط بالقتل؛ كديونهم. وفارق حق الله ﷾ فإنه مبني على المسامحة. فيحد للقذف، ثم يقطع منه نظير ما قطعه تعديا ثم يقتل.
(وكذا لو اجتمعت) على إنسان حقوق آدمي (مع حدود الله) سبحانه و(تعالى.
ويُبدأ بحق آدمي. فلو زنى وشرب وقذف وقطع يدا: قطع) أي: قطعت
يده أولا؛ لأنه محض (^٣) حق آدمي بدليل سقوطه بإسقاطه، (ثم حد لقذف)؛ لأنه مختلف في كونه حق لآدمي (^٤)، (ثم لشرب، ثم لزنا.
لكن: لو قتل) من يكافئه عمدًا (وارتد، أو سرق) ما يجب فيه القطع (وقطع يدا: قتل) لهما (أو قطع لهما) في الأصح؛ لأن محل الحقين واحد فتداخلا.
(ولا يستوفى حد حتى يبرأ ما قبله)؛ لئلا يؤدي توالي الحدود عليه إلى تلفه.
_________________
(١) في أ: تحتمه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في ب: آدمي.
[ ١٠ / ٤١٠ ]
[فصل: فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه]
(فصل. ومن قتل أو أتى حدا خارج) حرم (مكة ثم لجأ، أو) لجأ (حربي، أو) لجأ (مرتد إليه: حرم أن يؤاخذ، حتى بدون قتل، فيه) أي: في الحرم على الأصح؛ لقوله ﷾: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: فأمنوه؛ لأنه خبر أريد به الأمر.
و«لأنه ﷺ حرم سفك الدم بمكة» (^١) .
ولقوله ﷺ: «فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (^٢) .
ولقوله ﷺ: «إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم» (^٣) رواه أحمد.
من حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي شريح.
وقال ابن عمر: «لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته (^٤)) رواه أحمد.
(لكن: لا يبايع ولا يشارى). وفي «المستوعب» و«الرعاية» ونقله
أبو طالب: (ولا يكلم). وزاد في «الروضة»: ولا يؤاكل ولا يشارب (حتى يخرج) منه، (فيقام عليه). وإنما كان كذلك؛ لأنه لو لم يمنع من ذلك لتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه.
_________________
(١) عن عمرو بن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله صصص: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما». أخرجه البخاري في «صحيحه» " (٤٠٤٤) ٤: ١٥٦٣ كتاب المغازي، باب منزل النبي صصص يوم الفتح. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١٣٥٤) كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها.
(٢) ر. تخريج الحديب السابق.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٨١) ٢: ١٧٩ عن عبد الله بن عمرو.
(٤) في ب: هجمته
[ ١٠ / ٤١١ ]
(ومن فعله) أي: قتل أو أتى حدا (فيه) أي: في الحرم: (أخذ) بالبناء للمفعول (به) أي: بالذي فعله (فيه) أي: في الحرم؛ لما روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث من شيء».
(ومن قوتل فيه) أي: في الحرم: (دفع عن نفسه فقط)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فأباح قتلهم عن قتالهم في الحرم.
ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله ﷾ في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لابد منها.
ولأن الجانى في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض لتحريم دمه وصيانته، بمنزلة الجانى في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك.
(ولا تعصم الأشهر الحرم شيئا: من الحدود والجنايات). [ويباح القتال
في الشهر الحرام دفعا عما (^١) له الدفع عنه] (^٢) .
(وإذا أتى غاز حدا أو) أتى (قودا) وهو (بأرض العدو: لم يؤخذ به) أي: بما أتاه مما ذكر (حتى يرجع إلى دار الإسلام)؛ لأنه ربما تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار.
والأصل في ذلك ما روى بشير بن أرطأة «أنه أتي برجل في الغزاه قد سرق بختية. فقال: لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك " (^٣) . أخرجه أبو داود وغيره.
_________________
(١) في ج: مما.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٠٨) ٤: ١٤٢ كتاب الحدود، باب في الرجل يسرق في الغزو أيقطع.
[ ١٠ / ٤١٢ ]
ولأنه إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فروى سعيد بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه «أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا» (^١) .
وعن أبي الدرداء مثل ذلك (^٢) .
فأما إذا رجع فإنه يقام عليه الحد؛ لعموم الايات والأخبار. وإنما أخر لعارض
فإن زال أٌقيم الحد؛ لوجود مقتضيه وانتفاء معارضته. ولهذا قال عمر: «حتى يقطع الدرب قافلًا».
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٥٠٠) ٢: ١٩٦ كتاب الجهاد، باب كراهية إقامة الحدود في أرض العدو.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٩٩) الموضع السابق.
[ ١٠ / ٤١٣ ]
[باب: حد الزنا]
هذا (باب حد الزنا. وهو: فعل الفاحشة في قُبُل أو) فى (دُبُر). وهو من
أكبر الكبائر.
وقد أجمع المسلمون علي تحريمه؛ لقول الله ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
وقد كان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للنساء والأذى بالكلام. وهو المذكور في قوله ﷾: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
قال بعض أهل العلم المراد بقوله: ﴿مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ الثيب؛ لأن قوله:
﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ولا فائدة في إضافته هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة.
ولأنه قد ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للبكر؛ كالرجم والجلد.
ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «خذوا عني
خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام،
[ ١٠ / ٤١٤ ]
والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (^١) . رواه مسلم.
فإن قيل: كيف ينسخ القرآن بالسنة؟
قلنا: قد ذهب أصحابنا إلى جوازه، لأن الكل من عند الله ﷾
وإن اختلف طريقه، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخًا إنما هو تفسير للقرآن وتبيين له، لأن النسخ رفع حكم ظاهر الإطلاق، فًا ما ما كان مشروطا بشرط وزال الشرط لا يكون نسخا، وهاهنا شرط الله ﷾ حبسهن إلى أن يجعل الله ﷾ لهن سبيلًا، فبينت السنة السبيل، فكان بيانا لا نسخًا. إذا تقرر هذا فإنه (إذا زنى) مكلًفُ (مُحصنُ وجب رجمه حتى يموت)،
لأنه فد ثبت عن رسول الله ﷺ الرجم بقوله وفعله في أخبار كثيرة، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ. وقد أنزل الله ﷾ في كتابه، وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن الله تعالى بعب محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب. فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها. رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله ﷾ فيضل بترك فريضة أنزلها الله ﷾. فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. وقد قرأتها: الشيخ (^٢) والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم» (^٣) . متفق عليه.
(ولا يُجلَد قبله) مائة على الأصح. نقله الأكثر عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، كالردة. واختاره الأثرم والجوزجانى وابن حامد وأبو الخطاب وغيرهم. وجزم به في «التنقيح».
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٠) ٣: ١٣١٦ كتاب الحدود، باب حد الزنى.
(٢) في ج: والشيخ.
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦٤٤٢) ٦: ٢٥٠٣ كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩١) ٣: ١٤١٧ كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
وعنه: يجلد مائة قبل الرجم. اختاره الخرقي والقاضي وجماعة.
قال أبو يعلى الصغير: اختاره شيوخ المذهب.
وقال ابن شهاب: اختاره الأكثر.
(ولا ينُفى) أيضا.
واستدل من قال بالجلد قبل الرجم بحديث عبادة (^١) .
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة: أنه أول حد نزل،
وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله ﷺ ولم يجلده، وعمر رضي الله تعالى عنه رجم ولم يجلد. ونقل عنه إسماعيل نحو هذا.
ولأن عدم الجلد آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فيجب تقديمه.
ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل فالحد الواحد أولى. (والمحصَن: من وطئ زوجته بنكاح صحيح، ولو كتابية، في قٌبُلها ولو
في حيض، أو صوم، أو إحرام، ونحوه)؛ كوطئها في النفاس والمسجد (وهما) أي: والزوجان (مكلفان حُرَان، ولو) كان الزوجان (ذمِيين أو مستأمنَين) حال الوطء. ويحد المستأمن إذا زنى وهو مسلم أو ذمي (^٢) .
إذا علمت ذلك فيشترط للإحصان شروط سبعة:
أحدها: الوطء في القبل. ولا خلاف في اشتراطه، ولا في أن النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر؛ لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبًا ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام، وبمقتضى الخبر.
الثاني: ان يكون الوطء في نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصانا؛ بدليل
قول الله ﷾: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤] يعني:
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤١٥) رقم (١)
(٢) في ب: كالمسلم والذمي.
[ ١٠ / ٤١٦ ]
المتزوجات. ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنا؛ كوطء التسري.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا، وفاقًا لمالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه وطء في غير ملك. فلم يحصل به الإحصان؛ كوطء الشبهة.
الرابع: الحرية؛ لقول الله ﷾. في حق الأرقاء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل. فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ
أو عقل لم يكن محصنًا؛ لقول النبي ﷺ " والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (^١) فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله. ويفارق الإحصان الإحلال؛ لأن اعتبار الوطء في حق المكلف يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره؛ لأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس، فاعتبره الشرع زجرًا له عن الطلاق الثلاث. وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون. بخلاف الإحصان فإنه اعتبر لكمال النعمة، فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبه. والنعمة في العاقل البالغ أكمل.
الشرط السابع على الأصح: أن يوجد الكمال في الزوجين حال الوطء بأن يطأ الزوج العاقل الحر زوجته العاقلة الحرة، وأما الإسلام فليس بشرط للإحصان على الأصح. فلو وطئ المسلم زوجته الذمية وهما حال الوطء بالغان عاقلان حران صارا محصنين؛ كما لو كانا ذميين. وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا وامرأة منهم زنيا. . . وذكر الحديث. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤١٥) رقم (١)
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (١ ٦٩٠) ٦: ٢٦٧٢ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر النبي صصص وحض على اتفاق أهل العلم.
[ ١٠ / ٤١٧ ]
(ولا يسقط) إحصان الكافرين إذا أحصنا وهما كافران (بإسلام).
قال في «المحرر»: نص عليه.
(وتصير هي) أي: الموطوءة (أيضا مُحصَنة) حيث كانا حال الوطء متصفين بالصفات المتقدمة.
(ولا إحصان لواحد منهما) أي: من الواطئ والموطوءة، (مع فَقْدِ شيء
مما ذكر) من الشروط المذكورة.
(ويثبت) إحصانه (بقوله) أي: قول الرجل عن زوجته: (وطِئتُها أو جامعتُها) والأشهَر: (أو دخلتُ بها)، لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة.
وأما إذا قال: جامعتها أو باضعتها، فقال في «شرح المقنع»: لا نعلم خلافًا في ثبوت الإحصان. قال: وكذلك ينبغي إذا قال: وطئتها، وإن قالت: باشرها أو أصابها أوأتاها فينبغي أن لا يثبت به الإحصان، لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرًا فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال.
و(لا) يثبت الإحصان (بولده منها) أي: بوجود ولد الزانى من امرأة (مع إنكار وطئها)، لأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء. فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى به في الإمكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة. وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها كذلك.
وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنًا رجم، لما روى جابر «أن رجلًا
زنى بامرأة فأ مر به رسول الله ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم» (^١) . رواه أبو داود.
ولأنه إن وجب الجمع بينهما فقد أتي ببعض الواجب فيجب إتمامه، وإلا
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٩) ٣: ١٣٢٦ كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى. أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٤٣٨) ٤: ١٥١ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.
[ ١٠ / ٤١٨ ]
فقد تبين أنه لم يأت بالحد الواجب فيجب أن يأتي به.
ويكفن المحدود بالرجم ويغسل ويصلى عليه إن كان مسلما، خلافًا لبعض
أهل العلم في الصلاة عليه.
قال الإمام أحمد: سئل علي رضي الله تعالى عنه عن شراحة وكان رجمها فقال:
«اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي رضي الله تعالى عنه عليها» (^١) . ووجه ذلك: ما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهنية «فًامر بها النبي ﷺ فرجمت. ثم أمرهم فصلوا عليها. فقال عمر: يا رسول الله! نصلي عليها وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها» (^٢) . رواه الترمذي. وفيه: «فرجمت وصلى عليها» وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صُلي عليه. فيصلى عليه بعده؛ كالسارق.
(وإن زنا حر غير محصن: جُلد مائة) جلدة بلا خلاف، (وغُرِب عامًا) على الأصح، (ولو) كان الزانى (أنثى) على الأصح. سواء كان الزانى مسلمًا أو كافرًا؛ لأنه حد ترتب على الزنا. فوجب على الكافر؛ كوجوب القود في القتل والقطع في السرقة.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وجاءت الأحاديث موافقة لما في القرآن.
فروى ابن عمر «أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب،
وأن عمر ضرب وغرب» (^٣) . رواه الترمذي.
_________________
(١) أخرجه البيهقى في «السنن الكبرى» ٤: ١٩ كتاب الجنائز، باب الصلاة على من قتلته الحدود.
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» (١٤٣٥) ٤: ٤٢ كتاب الحدود، باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع.
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (١٤٣٨) ٤: ٤٤ كتاب الحدود، باب ما جاء في النفي.
[ ١٠ / ٤١٩ ]
ويكون تغريب الأنثى (بمحْرم باذلٍ) نفسه معها (وجوبًا، وعليها أجرته) أي: أجرة المحرم في الأصح. (فإن تعذرت) أجرته (منها: ف) إنها تكون (من بيت المال.
فإن أبى) المحرم الخروج معها، (أو تعذر) المحرم بأن لم يكن لها محرم: (ف) إنها تنفى (وحدها إلى مسافة قصر) على الأصح كالرجل؛ كسفر الهجرة وكالحج إذا مات المحرم في الطريق.
(ويغرب غريب) زنى في غير بلده (ومغرب) زنى في زمن تغريبه، (إلى
غير وطنهما)؛ لوجوب التغريب على كل حر زنى وهو غير محصن.
قال في «الإنصاف»: [لو زنى] (^١) حال التغريب غرب من بلد الزنا. فإن
عاد إليه قبل الحول منع. وإن زنى في الآخر غرب إلى غيره. انتهى.
(وإن زنى قن) أي: كامل الرق: (جلد خمسين) جلدة؛ لقوله ﷾: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير. فينصرف التنصيف إليه دون غيره. بدليل أنه لا يتصرف إلى تنصيف الرجم؛ لتعذر تنصيفه.
(ولا يغرب)؛ لأن التغريب في حق القن عقوبة لسيده دونه. فلم يجب في
الزنا؛ كا لتغريم.
بيان ذلك: أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته، والخطر يخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجانى.
(ولا يعير)؛ لقول النبي ﷺ: «فليجلدها ولا يثرب بها» (^٢) .
قال في «القاموس»: وثربه وعليه وأثربه: لامه، وعيره بذنبه. انتهى.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢١١٩) ٢: ٧٧٧ كتاب البيوع، باب بيع المدبر.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
(ويجلد ويغرب مبعض) زنى (بحسابه). فإن كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة، ويغرب نصف عام. نص أحمد على ذلك، ويكون زمن التغريب محسوبا على المبعض من نصيبه الحر. وإن كان ثلثه حرا فمقتضى ما تقدم: أنه يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان ويسقط الكسر؛ لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط. والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد؛ لأنه رقيق كله.
(وإن زنا محصن ببكر: فلكل) من المحصن والبكر (حده)؛ لما روى
أبو هريرة وزيد بن خالد «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ. فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة. فسألت رجالأ من اهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، والرجم على امرأة هذا. فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وامر أنسا الأسلمي يأتي امرأة الآخر. فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها» (^١) . متفق عليه.
(وزان بدات محرم) مثل: أخته وبنت أخيه (كـ) زان (بغيرها) على الأصح.
وعنه: فيمن وطئ ذأت محارمه يقتل بكل حال.
والأول المذهب؛ لأنه أولج فرجه في فرج امرأة لا تحل له حالتئذ (^٢) .
(ولوطي- ناعل ومفعول به- كزان) على الأصح. يعني: أنه إن كان محصنا فحده الرجم، وإن لم يكن محصمنا جلد مائة وغرب عاما؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صمحيحه» (٢٥٧٥) ٢: ٩٧١ كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحدود. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٧) ٣: ١٣٢٥ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.
(٢) فى ج: حينئذ.
(٣) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ٨: ٢٣٣ كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع. فوجب فيه الحد؛ كفرج المرأة.
(ومملوكه كأجنبي) يعني: أن حكم من لاط بمملوكه حكم من لاط بأجنبي؛ لأن الذكر ليس بمحل الوطء. فلا يؤثر ملكه له.
(ودبر اجنبية كلواط) في الأصح. ذكره في «الترغيب».
وقيل: كز نا.
وعلى القولين: لو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان ذلك محرما ولا
حد فيه؛ لأن المرأة محل للوطء في الجملة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد. بخلاف. التلوط.
(ومن أتى بهيمه) ولو سمكة: (عزر) فقط على (^١) الأصح. روي ذلك
عن ابن عباس. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه لم يصح فيه نص.
ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمة له والنفوس تعافه. (وقتلت) البهيمة المأتية على الأصح، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة،
(لكن) لا تقبل إلا (بالشهادة على فعله بها) إن لم يكن يملكها؛ لأن إقراره بذلك إقرار على ملك غيره. فلم يقبل؛ كما لو أقر على غير (^٢) مالكها.
(ويكفي إقراره: إن ملكها)؛ لأن ذلك إقرار على نفسه فيؤخذ به.
(ويحرم أكلها) يعني: ان إتيانه إياها يحرم أكلها إن كانت مما يؤكل في الأصح؛ لأن لحمها لحم حيوان وجب قتله لحق الله ﷾. فحرم أكله؛ كسائر المقتولات لحق الله ﷾: (فيضمنها) آتيها بقيمتها كاملة؛ لأنها أتلفت بسببه (^٣) . اشبه ما لو قتلها.
_________________
(١) في ج: في.
(٢) في ب: أقر لغير.
(٣) في ب: بسبب.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
[فصل: في شروط حد الزنا]
(فصل. وشروطه) أي: شروط حد الزنا الموجبة له (ثلاثة):
أحدها: (تغييب حشفة أصلية، ولو) كانت الحشفة (من خصي) أي: مقطوع الخصيتين، (أو) تغييب (قدرها) اي: قدر الحشفة (لعدم) أي: لعدم وجود الحشفة (في فرج أصلي) أي: بأن يكون تغييب الحشفة في فرج أصلي، (من آدمي حي، ولو) كان الفرج المغيب فيه (دبرا).
فقوله: تغييب احتراز ممن لم يغيب؛ كمن أصاب بذكره باب الفرج.
وقوله: حشفة احتراز ممن غيب بعض الحشفة، فإن ذلك لا يسمى زنا، إذ اللواط لا يتم بدون تغييب جميع الحشفة؛ لأنه القدر الذي تثبت به أحكام الوطء في القبل وغيره.
وقوله: ولو دبرا ليدخل اللواط ووطء المرأة في الدبر؛ لأنه فاحشة.
وعلم مما تقدم: أن من وطئ أجنبية لا تحل له دون الفرج لم يلزمه حد؛
لما روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إنى وجدت امرأة في البستان فًا صبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها. فافعل بي ما شئت. فقرأ عليه النبي ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (^١) رواه النسائي.
ويعزر؛ لأنها معصية ليس فيها حد ولا كفارة. لكن ظاهر الحديث يدل على
أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائبا؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٤٦٨) ٤: ١٦٠ كتاب الحدود، باب في الرجل يصيب من المرأه دون الجماع فيتوب قبل أن يًاخذه الإمام. ولم أره في النسائي. واخرجه أحمد في «مسنده» (٤٢٩٠) ١: ٤٤٩.
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
وعلم أيضا مما تقدم أن المرأه إذا اتت المرأة لم تحد واحدة منهما؛ لأن
ذلك لا يتضمن إيلاجا. أشبه المباشرة دون الفرج.
الشرط (الثاني) من شروط حد الزنا: (انتفاء الشبهة)؛ لقوله ﷺ:
«ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» (^١) .
(فـ) يتفرع على ذلك (لو وطئ زوجته في حيض أو نفاس أو) في (دبر) أي: دبرها فلا حد عليه ولا عليها؛ لأن وطئه صادف ملكا فكان شبهة يدرأ بها الحد. أشبه ما لو وطئ أمته قبل استبرائها.
(أو) وطئ (أمته المحرمة أبدا برضاع أو غيره)؛ كما لو كانت أم زوجته،
او كانت موطوءة أبيه أو ابنه، (أو) وطئ أمته (المزوجة، أو) أمته (المعتدة، أو المرتدة، او) أمته (المجوسيه، أو) وطئ (أمة له) فيها شرك، (أو لولده) فيها: شرك، (أو) لى (مكاتبه) فيها شرك، (أو لبيت المال فيها شرك) فلا حد في ذلك على الأصح؛ لشبهة ملك الواطئ أو ملك ولده؛ لتمكن الشبهة في ملك ولده؛ لقول النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك» (^٢) . فأضاف مال ولده إليه وجعله له. فإذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة، وكشبهة ملك مكاتب الواطئ، أو كانت الأمة لبيت المال وكان الواطئ حزا مسلما؛ لأن (^٣) له حقا في بيت المال.
والأصل في ذلك كله ما روى أبو هريرة رضي الله تعالي عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا» (^٤) . رواه ابن ماجه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادرأوا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨: ٢٣٨ كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. عن عروه عن عائشة مرفوعا، وروي موقوفا علي عائشة.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده.
(٣) في ج: لأنه.
(٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٥٤٥) ٢: ٨٥٠ كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
الحدود عن المسلمين ما استطعتم. فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام أن يخطى في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (^١) . رواه الترمذي.
(أو) تكون الشبهة قول بعض العلماء بحل الوطء، كالوطء (في نكاح) مختلف فيه، (أو) في (ملك مختلف فيه) وهو (يعتقد تحريمه) أي: تحريم النكاح: (كـ) نكاح (متعة، أو) نكاح (بلا ولي، أو) في (شراء فاسد بعد قبضه) أي: قبض المبيع، لأن البائع بإقباضه الأمة (^٢) صار كأنه أذن له في فعل ما يملكه بالبيع الصحيح ومنه الوطء.
وقيل: لا يحد ولو قبل القبض.
(أو) شراء (بعقد فضولي ولو قبل الإجازة) فإنه لا حد في ذلك على الأصح،
لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: «إذا اشتبه عليك الحدود فادرأ ما استطعت» (^٣) . ولأن تمحض الحد يستدعي تمحض الجناية. فإذا دخلتها الإباحة من وجه
كان ذلك مسقطا للحد، لأنه لم تكمل (^٤) الجناية فيه.
(أو) يكون للواطئ شبهة الملك في الموطوءة ظنا؛ كمن وطئ (امرأة) وجدها (على فراشه أو في منزله ظنها زوجته أو أمته، أو ظن أن له) فيها شرك، (أو) ظن أن (لولده فيها شرك)، أو دعى الضرير امرأته أو أمته فأجابه غيرها فوطئها فإنه لا حد في ذلك؛ لأنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه. فأشبه من نكح وأتي له بامرأة فقيل له: هذه زوجتك فوطئها.
(أو) يكون الزانى ممن (جهل (^٥) تحريمه) أي. تحريم الزنا: (لقرب إسلامه، أو نشوئه ببادية بعيدة) من القرى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (١٤٢٤) ٤: ٣٢ كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود.
(٢) في ج: للأمة.
(٣) أخرجه الدارقطنى في «سننه» (١٠) ٣: ٨٤ كتاب الحدود.
(٤) في ب: تملك.
(٥) في ب: يجهل.
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
(أو) جهل (تحريم نكاح باطل إجماعا) وطئ فيه وادعى جهل التحريم (ومثله يجهله)، لأن عمر رضى الله تعالى عنه قبل قول مدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، فإنه لا حد على من لم يعلم التحريم مع إمكان جهله. أما من نشأ بين المسلمين وادعى الجهل بالتحريم لا يقبل منه؛ لأن ذلك لا يخفى على من هو كذلك.
(أو) يكون الواطئ (ادعى انها) أي: الموطوءة (زوجته وانكرت) زوجيته: (فلا حد) عليه؛ لأن دعواه بذلك شبهة تدرأ الحد عنه لاحتمال صدقه. (ثم إن أقرت) الموطوءة (أربعا) أي: أربع مرات (بأنه) أي: أن وطأه إياها وهي مطاوعة عالمة بالتحريم (زنى: حدت) وحدها.
نقل مهنا: لا حد ولا مهر بقوله: إنها امرأته وأنكرت هي وقد أقرت على
نفسها بالزنا.
(و) أما (إن وطئ) مكلف امرأة (في نكاج باطل إجماعا مع علمه) بكون النكاح محرما بالإجماع؛ (كنكاح مزوجة أو معتدة) من غير زنا؛ لأن في نكاح المعتدة من زنا خلافا في صحته، (أو خامسة، أو ذات محرم من نسب أو رضاع) حد؛ لأنه وطء لم يصادف ملكا ولا شبهة ملك. فأوجب الحد؛ عملا بالمقتضى.
وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: «أنه رفع له امرأة تزوجت في عدتها. فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا. فقال: لو علمتما لرجمتكما» (^١) . رواه أبو نصر المروذي.
(أو زنا بحربية مستأمنة، أو بمن استأجرها لزنا أو غيره) حد؛ لأن الأمان والاستئجار سببان لا يستباح بهما البضع. فيكون واطئا وطئا محرما في فرج لا يباح له. فيجب بذلك الحد؛ كغيرهما من الزنا.
(أو) زنى مكلف (بمن) أي: بامرأة (له عليها قود) حد لأنه وطئ في
_________________
(١) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن قتادة قال: «قلت لسعيد بن المسيب: إن تزوجها في عدتها عمدا؟ قال: يقام عيها الحد» (٢٨٥٤٥) ٥: ٥١٢ كتاب الحدود، في المرأة تزوج في عدتها أعليها حد؟
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
غير ملك من غير شبهة. فوجب عليه الحد؛ كما لو وطئ من له عليها دين.
(أو) زنى (بامرأة ثم تزوجها، أو) زنى بأمة ثم (ملكها) حد؛ لأن الحد وجب بوطئها وهي أجنبية. فلا يسقط بتغير حالها؛ كما لو ماتت.
(أو أقر عليها) أي: على امرأة بأنه زنى بها، بأن قال: زنيت بفلانة وهي حاضرة (فسكتت) بأن لم تصدقه ولم تكذبه، (أو جحدت) بأن كذبته حد، خلافا لأبي حنيفة فيما إذا جحدت.
(أو) زنى مكلف (بمجنونة، أو صغيرة يوطأ مثلها) وهي: من تم لها تسع سنين حد؛ لأن سبب السقوط في الموطوءه غير موجود في الواطئ. فوجب أن يثبت الحكم في الواطئ دون الموطوءة؛ لعدم المسقط.
(أو) وفى المكلف (أمته المحرمة بنسب) حد؛ لأنها تعتق عليه بمجرد الملك فتصير أجنبية منه.
قال في «شرح المقنع»: لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة.
(أو) زنى رجل مكلف حال كونه (مكرها) على الزنا حد على الأصح.
واختاره الأكثر؛ لأن وطئ الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه. فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه. فيلزمه الحد؛ كما لو أكره على غير الزنا فزنى. وعنه: لا يحد؛ كامرأة مكرهة وغلام.
(أو) زنى مكلف (جاهلا بوجوب العقوبة) على الزنا مع العلم بتحريمه: (حد).
قال في «الفروع»: ولا يسقط الحد بجهل العقوبة إذا علم التحريم لقضيه ماعز. انتهى.
ووجه ذلك والله أعلم (^١): أنه أقدم على محرم يعتقد تحريمه. فوجب عليه
ما قدره الشارع في ذلك المحرم من العقوبة.
_________________
(١) في أ: والله ﷾ أعلم، وفي ب: والله تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
(وإن مكنت مكلفة- من نفسها- مجنونا، أو) صغيرا (مميزا، أو من) أي: إنسانا (يجهله) أي: يجهل تحريم الزنا، (أو) أمكنت من نفسها (حربيا، أو مستأمنا) فوطئها أحد هؤلاء، (أو استدخلت) في فرجها أو دبرها (ذكر نائم: حدت)، لأن سقوط الحد عن الواطئ لا يكون شبهة في سقوط الحد عنها، لوجود المسقط فيه دونها.
(لا: إن أكرهت) مكلفة على الزنا، (أو) أكره (ملوط به) على اللواط (بإلجاء)، وهو: أن يغلب الواطئ المزنى بها على نفسها، أو يغلب الملوط به على نفسه، (أو) بـ (تهديد) بقتل أو ضرب أو نحوهما، (أو) بـ (منع طعام، أو) منع (شراب مع اضطرار ونحوه فيهما) أي: في المزنى بها وفي الملوط به. نص على ذلك أحمد في راع جاءته امرأه قد عطشت فسألته أن يسقيها. فقال لها: أمكنيني من نفسك. قال: هذه مضطرة.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «أن امرأة استسقت راعيا. فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. ففعلت. فرفع ذلك إلى عمر، فقال لعلي: ما ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة. فأعطاها عمر شيئا وتركها». الشرط (الثالث) من الشروط الموجبة لحد الزنا: (ثبوته) أي: ثبوت
الز نا، (وله) أي: ولثبوته (صورتان:
إحداهما) أي: إحدى الصورتين: (أن يقر به مكلف- ولو) كان المكلف (قنا) أو مبعضا- (أربع مرات)؛ لما في حديث ماعز المروي من طرق عن ابن عباس وجابر وبريدة وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. قال: «كنت جالسا عند النبي ﷺ فجاء ماعز بن مالك. فاعترف عنده مرة فرده. ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فقلت له: إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك. فاعترف الرابعة فحبسه. ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا. قال: فمر برجمه» (^١) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٥) ٣: ١٣٢٣ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى عن بريدة. وأخرجه أبو داود في «سننه» (٤٤٢٦) ٤: ١٤٧ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك عن ابن عباس. وفي (٤٤٢٢) ٤: ١٤٦ عن جابر بن سمره.
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
حتى (ولو) كان الاعتراف (في مجالس)؛ لأن ماعزا أقر عنده أربعا في مجلس واحد، والعامرية أقرت عنده بذلك في مجالس. فروى بريدة: «أن النبي ﷺ جاءته امرأة من بني عامر من الأزد. فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك ترددنى كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما زال حتى قالت: إني حبلى. قال: فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي ﷺ. فقال: قد وضعت العامرية. فقال: إذا لا نرجمها وندع (^١) ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار. فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها» (^٢) . رواه مسلم والدارقطني وقال: حديث حسن صحيح.
وفي لفظ قال: «جاءت العامرية (^٣) . فقالت: يا رسول الله! إنى قد زنيت فطهرنى. وإنها ردها فلما كان الغد. قالت: يا رسول الله! ترددنى كما رددت ماعزا فوالله إنى لحبلى. قال: فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت (^٤) أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز. فقالت (^٥): يا نبي الله! هذا قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها (^٦) وأمر الناس فرجموها. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت» (^٧) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود
_________________
(١) في أوب: ترجمها وتدع.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٥) ٣: ١٣٢٢ كتاب الحدود، باب من اعترف نفسه بالزني. وأخرجه الدارقطني في «سننه» (٣٩) ٣: ٩١ كماب الحدود.
(٣) في ب: الغامدية.
(٤) في ج: وضعت.
(٥) في ب: فقال.
(٦) في ج: فحفر لها حفرة.
(٧) وأخرجه أبو داود في «سننه» (٤٤٤٢) ٤: ١٥٢ كتاب المحدود، باب المرأة التي أمر النبي صصص برجمها من جهينة. وأخرجه أحمد في «مسنده» (٢٢٩٩٩) ٥: ٣٤٨.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
(ويعتبر أن يصرح) المقر (بذكر حقيقة الوطء)؛ لأن ابن عباس قال:
" لما أتى ماعزا بن مالك النبي ﷺ. قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال: لا. يا رسول الله! قال: أنكتها؛ لا يكني قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه " (^١) . رواه البخاري وأبو دا ود.
وفي حديث أبي هريرة: " قال للأسلمي: أنكتها؛ قال: نعم. قال: كما
يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنا؛ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا. قال: فما تريد بهذا القول؛ قال: أريد أن تطهرنى قال: فأمر به فرجم " (^٢) . رواه أبوداود
والدارقطني.
ولأنه إقرار يوجب ما يدرأ بالشبهة. فلم يحتمل الكناية؛ لأن الكناية تحتمل
ما لا يوجب الحد فيكون ذلك الاحتمال سببا في سقوط الحد. فلم يثبت الإقرار بالكناية لذلك.
و(لا) يعتبر أن يصرح (بمن زنى) بها. فلو أقر أنه زنى بفلانة فكذبته فعليه الحد دونها؛ لما روى أبو داود بإسناده عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ: " أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها. فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك. فأنكرت أن تكون زنت. فجلده الحد وتركها " (^٣) .
ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل إقراره؛ كما لو سكتت، أو كما لو لم
تسأل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٣٨) ٦: ٠٢ ٢٥ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٢٦) ٤: ١٤٧ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.
(٢) أخرجه أبو داود فى "سننه " (٤٤٢٨) ٤: ١٤٨ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك عن أبي هريرة. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (١٣٢) ٣: ١٢١ كتاب الحدود والديات وغيره. نحوه عن ابن عباس، ولم أره عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٣٧) ٤: ٠ ٥ ١ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، عن أبي حازم عن سهل بن سعد.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
(و) يعتبر (أن لا يرجع) المقر عن إقراره (حتى يتم الحد)، لأن من شرط إقامة الحد بالإقرار: البقاء عليه إلى تمام الحد. (فلو) رجع عن إقراره أو هرب كف عنه. وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك والشافعي.
ولو (شهد أربعة على إقراره به) أي: بالزنا (أربعا) أي: أربع مرات، (فأنكر، أو صدقهم دون أربع) اي: دون أربع مرات: (فلا حد عليه) على الأصح، (ولا على من شهد).
أما كونه لا حد عليه، فلأن إنكاره وتصديقه دون أربع مرات رجوع عن إقراره.
وأما كون الشهود لا يحدون، فلأن نصاب شهود الزنا كامل فيهم، بدليل أنه
لو صدقهم أربع مرات حد ما لم يرجع عن إقراره.
الصورة (الثانية): ثبوت الزنا بالشهاده على الفعل. ويشترط في ثبوته بالشهادة عليه خمس شروط تضمنها قوله: (أن يشهد عليه) أي: على الزانى (في مجلس) واحد، (أربعة رجال، عدول ولو جاؤا متفرقين) أي: واحدا بعد واحد، (أو صدقهم بزنا واحد ويصفونه) الشهود.
الشرط الأول: أن يكون الشهود أربعة. وهذا إجماع (^١) لا خلاف فيه بين
أهل العلم، لقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
و" قال سعد بن عباده لرسول الله ﷺ: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؛ فقال النبي ﷺ: نعم " (^٢) . رواه مالك في " الموطأ " وأبو داود.
الشرط الثانى: أن يكونوا رجالا كلهم، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد
الذكور.
_________________
(١) في ج: الشرط.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٣٣) ٤: ١٨١ كتاب الديات، باب في من وجد ميع أهله رجلا أيقتله؛ وأخرجه مالك في الموطأ (١٧) ٢: ٥٦٦ كتاب الأقضيه، باب القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلا.
[ ١٠ / ٤٣١ ]
ولأن في شهادة النساء شبهة؛ لتطرق الضلال إليهن. قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والحدود تدرأ بالشبهات.
الشرط الثالث: أن يكونوا عدولا. ولا خلاف في اشتراط العدالة هنا. فلا
تقبل شهادة مستور الحال؛ لجواز أن يكون فاسقا.
الشرط الرابع: أن يشهدوا في مجلس واحد؛ لأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن
سعيد شهدوا. عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد زياد فحد الثلاثة (^١) . ولو لم يكن اتحاد المجلس شرطا لجاز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأن تخلف بعض الشهود (^٢) عن مجلس الشهادة وهم عدم اتفاقهم على الشهادة. فيصير ذلك شبهة في كذبهم؛ كما لو كانوا ثلاثة لارابع لهم. والمشترط اجتماعهم عند الشهادة، لكن لو جاؤا [واحدا بعد واحد ولم يؤدوا الشهادة إلا بعد كمالهم واجتماعهم صح. ولذلك قلت: ولو جاؤا] (^٣) متفرقين. فإنه يتعذر إتيان الجميع دفعة واحدة. وفي حديث قصة المغيرة أنهم جاوا واحدا بعد واحد ولم يمنع ذلك من استماع شهادتهم.
الشرط الخامس: أن يصف الشهود صورة الزنا فيقولون رأينا ذكره في
فرجها؛ كالمرود في المكحلة، والرشا في البئر، لأن النبي ﷺ لما أقر عنده ماعز قال له: " أنكتها؛ لا يكني. قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم " (^٤) . وإذا اعتبر الصريح في الإقرار فالشهادة أولى؛ لأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا أمكن أن يكون المشهود به أمرا لا يوجب الحد فلا يثبت الزنا بذلك، فلذلك وجب وصفه صريحا.
وقد روى أبو داود بإسناده عن جابر قال: " جاءت اليهود برجل منهم وامرأة
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨ ٠ ٢٣٤ كتاب الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة.
(٢) في ب: الشروط. وهو تصحيف.
(٣) ساقط من أ.
(٤) سبق تخريجه ص: ٤٥٦.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
زنيا. فقال النبي ﷺ: ائتونى بأعلم رجلين منكم. فتوا بابني صوريا. فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؛ قالا: نجد في التوراه أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: فما يمنعكم
أن ترجموهما؟ قالا (^١): ذهب سلطاننا وكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة. فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.
فأمر النبى ﷺ برجمهما " (^٢) .
لكن لو شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى؛ لأن التشبيه إنما هو
تأكيد.
قال بعض أهل العلم: ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك عيانا (^٣) من
الزانيين؛ لإقامة الشهادة عليهما ليحصل الردع.
ولا فرق في ذلك بين أن يصدقهم المشهود عليه أو لا؛ لأن البينة إنما يحتاج
إليها عند الإنكار. فلو اشترط تصديق المشهود عليه كان الحكم مستندا للإقرار
فلا يكون للبينة فائدة، لأنه لا يعمل بها حتى يصدقها. فيكون وجود البينة كعدمها. ولا يشترط في الشهود الحرية على المذهب.
إذا تقرر هذا (فإن شهدوا في مجلسين فأكثر)، بأن جاء بعضهم فشهد، ثم
لم يأت البعض الباقي حتى قام الحاكم من مجلسه فشهدوا عنده في مجلس آخر أو
أكثر حد الجميع للقذف. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وخالف الشافعي " لكون المجلس لم يذكر في القرآن.
ولأن كل شهادة مقبولة في مجلس تكون مقبولة إذا كانت في مجالس كباقي
الشهادات.
ولنا. أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بالزنا
_________________
(١) في أ: قال.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٥٢) ٤: ١٥٦ كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين.
(٣) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
ولم يشهد زياد فحد الثلاثة (^١) . ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم الحاكم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته. ولولا اشتراط المجلس لكملت. وبهذا تفارق سائر الشهادات.
وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكر فيها العدالة ولا صفة الزنا. ولأن قوله ﷾: ثُمَّ لَمْ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]،
لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا؛ لأن ذلك يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يمكن أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنيع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا. وإذا ثبت أنه مقيد فيكون بالمجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه الخيار للمتبايعين واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر فيه القبض (او امتنع بعضهم) أي: بعض الشهود من أداء الشهادة، (أو لم يكملها) أي: لم يكمل الشهادة بعض الشهود حد من شهد منهم للقذف على الأصح وفاقا ل لآية الثلاثة؛ لقول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وهذا
يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قاله أربعة.
ولأنه إجماع الصحابة [فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة] (^٢) فلم ينكره أحد.
(أو كانوا) أي: كان الشهود كلهم (أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه) أي:
في الزنا: (لعمى، أو فسق، أو لكون أحدهم زوجا حدوا (^٣) للقذف) على الأصح؛ لأنها شهادة لم تكمل. فوجب الحد على الشهود؛ كما لو يكمل العدد، و(كما لو بان مشهود عليه مجبوبا، أو) بانت مشهود عليها (رتقاء) فإنهم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٢٣٤ كتاب الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ب: حد.
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
يحدون، (لا زوج) إذا (لاعن) فإنه لا يحد، (أو كانوا) أربعة (مستوري الحال، أو مات أحدهم) أي: أحد الأربعة، سواء كانوا عدولا أو مستوري الحال (قبل وصفه) الزنا، (أو بانت) المشهود عليها (عذراء) فإنهم لا يحدون " لعدم الشرط الموجب لحد القذف وهو: عدم الإتيان بالشهداء الأربع.
(وإن عين اثنان) من الأربعة الشاهدين بالزنا (زاوية) صدر فيها الزنا (من
بيت صغير عرفا، و) عين (اثنان) منهم زاوية (أخرى منه) أي: من البيت الصغير كملت شهادتهم لإمكان صدقهم، لأنه إذا كان البيت صغيرا احتمل أن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين، لقربها من الأخرى. [فيجب قبول شهادتهم، كما لو اتفقوا. بخلاف ما إذا كان البيت كبيرا لتباعد كل من الزاويتين من الأخرى] (^١) فإنه يبعد أن يكون المشهود به فعلا واحدا (^٢) فلا تكمل شهادتهم.
(أو قال اثنان) في شهادتهما: إنه زنى بها وهو (في قميص ابيض، أو)
أنه زنى بها (قائمة، و) قال (اثنان) في شهادتهما: إنه زنا بها (في) قميص (أحمر، أو) زنى بها (نائمة: كملت شهادتهم)، لأنه لا منافاة بين قول الأولين وقول الآخرين " لاحتمال كونه كان في قميص أبيض تحته قميص أحمر، ثم خلعه قبل الفراغ فرآه من شهد بحاله الأول على ما رآه [ورآه من شهد بحاله الثانى على ما رآه] (^٣)، ولاحتمال كونه ابتدأ بها الفعل وهي قائمة ثم أكمله وهي نائمة. (وإن كان البيت كبيرا) وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية عيناها، وشهد
اثنان أنه زنى في زاوية غير الأولى بتعيينهما، (أو عين اثنان بيتا، أو) عينا (بلدا، أو) عينا (يوما. و) عين (اثنان) من الأربعة بيتا (آخر)، أو بلدا آخر، أو يوما آخر: (فـ) الأربعة (قذفة)؛ لأن كل اثنين منهم يشهدان على أن الزنا الذي يشهدان به غير الآخر. والشهادة لم تكمل في كل واحد منهما فيحدون
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
للقذف، (ولو اتفقوا على أن الزنا واحد)، للعلم بكذبهم.
(وإن قال اثنان) من أربعة: (زنى بها مطاوعة، وقال اثنان): زنى بها
(مكرهة لم تكمل) شهادتهم في الأصح، لاختلافهم،) وعلى شاهدي المطاوعة حدان)، حد لقذف (^١) الرجل، وحد لقذف (^٢) المرأة، (و) على (شاهدي الإكراه) حد (واحد، لقذف الرجل وحده)، لأنهما شهدا أنها كانت مكرهة.
(وإن قال اثنان) من شهداء أربعة: زنى بها (وهي بيضاء، وقال اثنان) منهم (غيره)، بأن قال: زنى بها وهي سمراء أو هي سوداء: (لم تقبل) شهادتهم " لأن الشهادة لم تجتمع على عين واحدة. بخلاف السرقة.
(وإن شهد أربعة) با لزنا، (فرجعوا أو) رجع (بعضهم قبل حد) أي: حد
من شهدوا عليه (ولو بعد حكم: حد الجميع) على الأصح.
أما كونهم يحدون مع رجوع جميعهم، فلأنهم مقرون بأنهم قذفة.
وأما كونهم يحدون مع رجوع بعضهم؛ لأنه نقص عدد الشهود. فلزمهم الحد، كما لو كانوا ثلاثة.
(و) إن رجع بعضهم (بعد حد) فإنه (يحد راجع فقط) أي: دون من لم يرجع؛ لأن إقامة الحد كحكم الحاكم فلا ينتقض (^٣) برجوع الشهود أو بعضهم. لكن يلزم من رجع حكم رجوعه وهو مقر بالقذف فيلزمه حده إذا كان الحد جلدا وطالبه المشهود عليه به. وكذا إن كان رجما وطالبه الورثة به (إن ورث حد قذف) ويورث إن طالب به المقذوف قبل موته. وإلا فلا.
(وإن شهد أربعة بزناه) أي: بزنا فلان (بفلانة، فشهد أربعة آخرون: أن الشهود) الأربعة (هم الزناة بها) دون من شهدوا عليه لم يحد الرجل المشهود عليه؛ لأن الشهود الآخرين قدحوا فيمن شهد عليه، ولهذا قلنا) حد الأولون
_________________
(١) في ج: لقذفه.
(٢) في ج: لقذفه.
(٣) في أ: ينقض.
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
فقط) أي: دون من شهدوا عليهما من فلان وفلانة: (للقذف وللزنا) على الأصح؛ لأن الزنا ثبت عليهم بشهاده الآخرين. فوجب الحد عليهم لذلك، ويجب عليهم حد القذف؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت.
ومتى كملت بينة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمتنع إقامة الحد بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم بها في غيبتهم وبعد موتهم؛ كسائر الشهادات. واحتمال رجوعهم ليس بشبهة يدرأ بها الحد.
(وإن حملت من) أي: امرأة (لا لها زوج ولا سيد: لم تحد بذلك) أي: بحملها في هذه الحاله، (بمجرده)، لكنها تسأل. ولا يجب أن تسأل؛ لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة للفاحشة. وذلك منهي عنه. فإن أدعت انها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا: لم تحد.
وقد روى سعيد قال: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا أبو هاشم: " أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر. فقالت: إنى امرأة ثقيلة الرأس. وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت. حتى فرغ. فدرأ عنها الحد ".
وروي عن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: " إذا كان في الحد " لعل وعسى " فهو معطل ".
وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالوا: " إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت " (^١) .
ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هاهنا.
***
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٠ ١) ٣: ٨٤ كتاب الحدود.
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
[باب: القذف]
هذا (باب القذف. وهو: الرمي بزنا، أو لواط، أو شهادة بأحدهما) أي: بالزنا أو اللواط (ولم تكمل البينة) بواحد من الزنا أو اللواط.
والقذف محرم بالإجماع. والأصل في تحريمه الكتاب والسنة.
أما الكتاب " فقوله سبحاله وتعالى (^١): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقوله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وأما السنة " فقول النبي ﷺ: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وماهن
يا رسول الله! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (^٢) . متفق عليه.
إذا تقرر هذا فإنه (من قذف وهو) أي: القاذف (مكلف مختار) أي: بالغ عاقل غير مكره (ولو) كان القاذف (أخرس) وكان القذف (بإشارة) من الأخرس إنسانا (محصنا). وسيأتي تعريف المحصن في هذا الباب (ولو) كان المقذوف (مجبو با) أي: مقطوع الذكر، (أو) كانت المقذوفة (ذات محرم) من القاذف، (أو) كانت المقذوفة (رتقاء) أى: مسدودة الفرج؛ لعموم
_________________
(١) في ب: فقوله تعالى.
(٢) أخرجه البخاري في " صحمحه " (٦٤٦٥) ٦: ٢٥١٥ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رمي المحصنات. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٩) ١: ٩٢ كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
الآيات والأحاديث: (حد) قاذف (حر ثمانين) جلدة، (و) حد قاذف (قن ولو عتق عقب قذف)؛ لأنه حين القذف كان قنا (أربعين) جلدة، (ومبعض) أي: وحد قاذف بعضه حر وبعضه رقيق (بحسابه)، فيحد من نصفه حر ونصفه رقيق ستين جلدة وهكذا. وهذا (^١) الصحيح من المذهب؛ لأنه حد يتبعض. فكان العبد فيه على النصف والمبعض بحسابه؛ كحد الزنا. وهذا يخمى عموم الآية.
(ويجب) حد القذف (بقذف) لقريب للقاذف؛ كما لو قذف أخته لو (على وجه الغيرة) بفتح الغين المعجمة؛ كأجنبى، (لا على أبوين- وإن علوا- لولد وإن سفل) يعني: أنه لا يجب حد قذف على من قذف ولده، أو ولد ولده، أو ولد بنته، أو بنت بنته وإن سفل أو سفلت (كقود) يعني: كما أن الإنسان لا يجب له على أحد من أبويه أو على أبوي أبويه وإن علوا قود.
إذا علمت ذلك (فلا يرثه) أي: يرث الولد وإن سفل حد القذف (عليهما) أي: على أبويه وإن علوا (وإن ورثه اخوه) أي: أخو ولده الأمه) بقذف أمه وبمطالبتها بذلك قبل موتها، (وحد له) أي: لقذفه أمه بطلب أخيه لأمه؛ التبعضه) يعني: لملك بعض الورثة طلبه كاملا مع عفو باقيهم إذا طالب به مورثهم قبل موته؛ للحوق العار بكل واحد من الورثة على انفراده.
(والحق في حده) أي: حد القذف (للآدمي) على الأصح: (فلا يقام بلا طلبه) أي: طلب المقذوف فلا يجوز أن (^٢) يعرض له إلا بطلب. وذكره الشيخ تقي الدين إجماعا ١ (لكن: لا يستوفيه) المقذوف (بنفسه) وأنه لو فعل لم يعتد به. وعلله القاضي بأنه يعتبر نية الإمام أنه حد.
(ويسقط) الحد (بعفوه) أي: عفو المقذوف (ولو بعد طلب)؛ كما لو
عفا قبل طلبه، (لا عن بعضه)؛ كما لو كان المقذوف جماعة بكلمة فإن عليه
_________________
(١) في ب: وهذا هو.
(٢) في ج: فلا يجب أن.
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
لجميعهم حدا واحدا (^١) . ولكل واحد منهم حق في طلب إقامته. فلو كانوا خمسة مثلا وعفا أحدهم عن حقه: لم يسقط حق الأربعة الباقين. فلو طلب أحدهم حقه فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن باقي الحد لم يسقط حق الثلاثة الباقين من تتمته. فلو طلبها أحد الثلاثة الباقين فلما جلد عشرين أخرى، قال: عفوت عن باقي الحد (^٢): لم يسقط حق الاثنين الباقيين من تتمة الحد. فلو طلبها أحدهما فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن تتمته (^٣): لم يسقط حق الواحد الباقي، فله طلب جلد العشرين الباقية من الثمانين. ولهذا لا يسقط بالمصالحة عليه ولا عن بعضه بمال. وهذا بخلاف عفو بعض مستحقي القود عن حقه فإنه يسقط بذلك حق باقيهم؛ لتعذر استيفائه خلا حق العافي فلم يتبعض. بخلاف حد القذف؛ لأنه ليس كقود فيسقط، ولا يسموفى ناقصا؛ كباقي الحدود.
(ومن قذف غير محصن ولو قنه) أي: ولو كان المقذوف رقيقا للقاذف:
(عزر)؛ لأنه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب. التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين، وكفا له عن إيذائهم.
(والمحصن هنا) أي: في باب القذف هو: (الحر، المسلم، العاقل، العفيف عن الزنا ظاهرا) أي: في ظاهر حاله (ولو) كان المقذوف (تائبا منه) أي: من الزنا، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(وملاعنة) في ذلك (وولدها، وولد زنا كغيرهم). نص عليه. فيحد
بقذف كل من أولئك.
(ويشترط كون مثله) أي: مثل المقذوف (يطأ أو يوطأ، لا بلوغه) على الأصح.
فعلى هذا: يشترط أن يكون الغلام: ابن عشر، وأن تكون الجارية بنت تسع.
(ولا يحد قاذف غير بالع) أي: من لم يبلغ، (حتى يبلغ) المقذوف
_________________
(١) في أ: حد واحد.
(٢) في ج: عن تتمته.
(٣) في ج: باقيه.
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
ويطالب به بعد بلوغه؛ لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد؛ لعدم اعتبار كلامه. وليس لوليه المطالبة عنه؛ لأنه حق شرعي ثبت للتشفي. فلم يقم غيره مقامه في استيفائه؛ كالقصاص. فإذا بلع وطالب أقيم حينئذ.
(وكذا لو جن) المقذوف (أو أغمي عليه قبل طلبه)؛ فلأنه لا يستوفى حتى يعقل أو يفيق ويطالب به بعد عقله وإفاقته. (و) إن كان قد جن أو أغمي عليه (بعده) أي: بعد طلبه فإنه (يقام) أي: يجوز أن يقام حد القذف عليه؛ لوجود شرطه وعدم المانع.
(ومن قذف) محصنا (غائبا: لم يحد) القاذف (حتى يثبت طلبه) اي: طلب المقذوف الغائب (في غيبته بشرطه) في الأصح، (أو يحضر ويطلب) بنفسه.
(ومن قال لمحصنة: زنيت وأنت صغيرة، فإن فسره بدون تسع) أي: تسع سنين، (أو قاله لذكر) أي: قال لمحصن: زنيت وأنت صغير (وفسره بدون عشر) أي: عشر سنين: (عزر)؛ لما تقدم من أن قذف من دون هذا السن يوجب التعزير.
(وإلا) أي: وإن لم يفسره بدون ما ذكر (حد)؛ لأنه لا يشترط في المقذوف أن يكون بالغا.
(وإن قال) لمحصنة زنيت (وأنت كافرة، أو) وأنت (أمة، أو) وأنت
(مجنونة، ولم يثبت كونها كذلك) [أي: أنها كانت كافرة، أو كانت أمة، أو كانت مجنونة: (حد) على الأصح؛ لأن الأصل عدم الكفر وعدم الرق وعدم الجنون؛ (كما لو قذف مجهولة النسب، وادعى رقها، فأنكرته) فإنه يحد؛ لأن الأصل كونها حرة الأصل.
(وإن ثبت كونها كلذلك) [(^١) أي: أنها كانت كافرة أو أمة أو مجنونة: (لم يحد)؛ لأنه أضاف الزنا إلى حالة لا يجب الحد بالقذف فيها، حتى (ولو قالت:
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٤٤١ ]
أردت قذفي في الحال، وانكرها)؛ لأن اختلافهما في نيته، والقاذف أعلم بها. وقوله: وأنت كافرة مبتدأ وخبر وهو حال لقوله: زنيت وكذا الباقي.
قال الله ﷾: ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢].
(ويصدق قاذف) لمحصن: (أن قذفه) كان (حال صغر مقذوف)؛ لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد. (فإن أقاما بينتين، وكانتا مطلقتين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه وهو صغير، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه وهو كبير، (أو) كانتا (مؤرختين تاريخين مختلفين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه (^١) مثلا في سنة عشرين، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه في سنة ثلاثين: (فهما) أي: فالذي به البينتان (قذفان، موجب أحدهما: الحد، و) موجب (الآخر: التعزير) إعمالا للبينتين (^٢) .
(وإن أرختا تاريخا واحدا، وقالت إحداهما: وهو) حين ذاك (صغير،
و) قالت (الأخرى: وهو) حين ذاك (كبير تعارضتا وسقطتا)، لتعارضهما. (وكذا: لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف) ورجعنا (^٣) إلى
قول القاذف: أن القذف كان حال صغر المقذوف.
(ومن قال لابن عشرين) سنة: (زنيت من ثلاثين سنة: لم يحد)؛ للعلم بكذبه. (ولا يسقط) حد القذف (بردة مقذوف بعد طلب أو زوال إحصانه، ولو لم يحكم بوجوبه) أي: بموجب الحد "؛لأن الحدود تعتبر بوقت وجوبهما.
ولأن الحد قد وجب وتم بشروطه. فلم يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما
لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو بامرأة ثم تزوجها، أوسرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها، أو لاعن ذمي أو مرتد ثم لحق بدار الحرب ثم عاد، لأنه حد وجب. فلم يسقط بدخول دار الحرب؛ كما لو كان مسلما ودخل بأمان.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: بالبينتين.
(٣) في ج: ورجعا.
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
[فصل: ويحرم القذف إلا في موضعين]
(فصل. ويحرم) القذف (إلا في موضعين:
أحدهما: أن يرى زوجته تزني في ظهر لم يطأ) ها (فيه، فيعتزلها، ثم تلد
ما) أي: ولدا (يمكن كونه من الزانى. فيلزمه قذفها ونفيه) أي: نفي الولد؛ لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزانى؛ لكونها أتت به لسته أشهر من حين الوطء.
ولأنه إذا لم ينف الولد لحقه وورثه وورث أقاربه وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وليس ذلك بجائز فيجب نفيه؛ لإزالة ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم] فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والاخرين " (^١) . رواه أبو داود.
وقوله: " وهو ينظر إليه " يعني: يرى الولد منه. فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم [(^٢) فالرجل مثلها. وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها، فهو كما لو رآها تزنى.
(وكذا: إن وطئها) زوجها (في ظهر زنت فيه، وقوي في ظنه) أي: ظن الزوج: (ان الولد (^٣) من الزانى؛ لشبهه به) أي: لكون الولد يشبه الزاني، (ونحوه)؛ ككون الزوج عقيما؛ لأن الشبه مع تحقق (^٤) الزنا يدل على أن الولد
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٦٣) ٢: ٢٧٩ تفريع أبواب الطلاق، باب في التغليظ في الانتفاء.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: الوالد. وهو تصحيف.
(٤) في ج: لأن الشبهة مع تحقيق.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
من الزانى.] وكذا إن علم من نفسه أنه عقيم، لأن ولادتها مع ذلك ومع تحقق زناها قرين تدل على أن الولد من الزانى] (^١) .
ولأن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق (^٢) فيما لا يمكن تحقيقه قطعا.
الموضع (الثاني) الذي لا يحرم فيه القذف أيضا: (أن يراها تزني ولم تلد
ما) أي: ولدا (يلزمه نفيه)، أو تلد ولدا لا يغلب على الظن أنه من الزانى، فإنها إذا لم تلد لم يكن في زناها ضرر على أحد فإنه لا يلزمه قذفها ويباح. وفراقها أولى، لأنه أستر.
(أو يستفيض زناها) في الناس، (أو يخبره به ثقة) غير متهم لعداوة (^٣)
بينها وبين المخبر أو نحو ذلك، (أو يرى) إنسانا (معروفا به) أي: بالزنا (عندها. فيباح قذفها به) أي: بالرجل المعروف بالزنا، لأن ذلك كله مما يغلب لحى الظن زناها؛ لما تقدم من أن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق فيما لا يمكن تحقيقه. (وفراقها) مع وجود ذلك (أولى)؛ لأنه أستر.
ولأن قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبا، أو تقر فتفتضح.
وقد علم مما تقدم أنه لا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق به؛ لأنه غير مأمون
على الكذب عليها، ولا برويته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها؛ لأنه يجوز أن يكون دخل سارقا، أو لحاجة، أو لغرض فاسد.
(وإن أتت) زوجة إنسان (بولد يخالف لونه لونهما)؛ كمن ولدت أسود والزوجان أبيضان: (لم يبح) للزوج (نفيه بذلك) في الأصح؛ لما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل حن بني فزارة إلى النبي ﷺ. فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود. يعرض بنفيه. فقال له النبي ﷺ: هل لك من إبل؛ قال: نعم. قال: فما ألوانها؛ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؛ قال: إن فيها
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: التحقق.
(٣) في ب: بعداوة.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
لورقا. قال فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزع عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق. قال: ولم يرخص له رسول الله ﷺ في الانتفاء منه " (^١) . متفق عليه.
ولأن الناس كلهم من آدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة، ولولا مخالفتهم
شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة.
ولأن دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية، فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف.
ومحل ذلك: إذا أراد نفيه (بلا قرينة)، بأن يكون رأى عندها رجلا يشبه الولد الذي أتت به، فإن ذلك يغلب على الظن مع الشبه أن الولد من الرجل الذي رآه عندها. فيباح له نفيه مع ما ذكر.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٨٤) ٦: ٢٦٦٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلا معلومابأصل مبين وقد يين النبي صصص وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠٠) ٢: ١٣٧ ١ كتاب اللعان.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
[فصل: في الفاظ القذف]
(فصل) والقذف تنقسم ألفاظه إلى صريح وكناية.
(وصريحه) أي: وصريح القذف للمرأة: (يا منيوكة إن لم يفسره) القاذف (بفعل زوج) أو سيد. فإن فسره بذلك لم يكن قذفا.
وللذكر: (يا منيوك، يا زانى، يا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك، ونحوه)؛ كقوله: رأيتك تزني.
وأصل العهر: أن يأتي الرجل المرأة ليلا للفجور بها. ثم غلب على الزنا
فأطلق العاهر على الزاني، سواء جاءها للفجور أوجاءته هي ليلا أو نهارا.
أو قال له: (يا معفوج) (^١) بالفاء والجيم كان ذلك صريحا نصا.
قال أحمد: يحد (^٢)؛ وذلك لأن الناس استعملوه بمعنى الوطء في الدبر. وأصله الضرب (^٣) .
وقيل: كناية.
(أو) قال له: (يا لوطي) كان ذلك صريحا على الأصح؛ لأن المستعمل
بين الناس أن اللوطي من يأتي الذكران؛ لأنه عمل قوم لوط.
(فـ) على المذهب: (إن قال: أردت) بقولي: يا زانى (زاني العين،
أو) أردت بقولي: يا عاهر (عاهر اليد، أو) قال: أردت بقولي: يا عاهر (أنك من قوم لوط، أو) أنك (تعمل عملهم غير إتيان الذكور: لم يقبل)؛
_________________
(١) العفج: أن يفعل الرجل بالغلام فعل قوم لوط ﵇، وربما يكنى به عن الجماع. ر. " لسان العرب " ٢: ٣٢٥ ما دة (عفج).
(٢) ساقط من ب.
(٣) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
لأن القذف بما تقدم صريح على الأصح. فلا يقبل تفسيره بما (^١) يخالف ظاهره؛ لأنه لا دليل عليه.
(و) قول المكلف لغيره: (لست لأبيك، أو) لست (بولد فلان) الذي هو منسوب إليه (قذف لأمه) اي: أم المقول له ذلك؛ لأنه إذا ولد على فراش إنسان ونفى أن يكون منه فقد أثبت الزنا على أمه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون من أبيه أو من غيره. فإذا نفاه عن أبيه فقد أثبته لغيره، والغير لا يمكن أن يحبلها في زوجية أبيه إلا من زنا فيكون قاذفا لها بذلك. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا منفيا بلعان) يعني: إلا أن يكون المقول له ذلك منفيا بلعان: (لم يستلحقه ملاعن) بعد نفيه، (ولم يفسره) القائل له ذلك (بزنا أمه) فإن ذلك لا يكون قذفا.
(وكذا) أي: وكنفيه إنسانا عن أبيه: (إن نفاه عن قبيلته)؛ لما روى الأشعث بن قيس عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلاجلدته " (^٢) .
وعن ابن مسعود أنه قال: " لا جلد إلا في اثنتين: رجل قذف محصنة، أو
نفى رجلا عن أبيه " (^٣) . وهذا لا يقوله ابن مسعود إلا توقيفا. وهذا على الأصح. وقال الموفق: والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته؛ لأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا. فأشبه ما لو قال للأعجمي: إنك عربي. انتهى. (و) قول الإنسان لآخر: (ما أنت ابن فلانة، ليس بقذف مطلقا) أي: سواء أراد بذلك قذفه أولا.
(و) من قال لولده: (لست بولدي) فالأصح أن ذلك (كناية في قذف أمه) أي: أم الولد وليس بصريح. نص على ذلك؛ لأنه قد استفاض بين
_________________
(١) في أ: فلا يقبل ما.
(٢) أخرجه أحمد فى " مسنده " (٢١٥٩١) ٥: ٢١١.
(٣) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٨: ٢٥٢ كتاب الحدود، باب من قال: لا حد إلا في القذف الصريح. عن القاسم بن عبدالرحمن.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
الناس: أن الأب إذا أنكر شيئا من أحوال الولد أن يقول: لست بولدي مريدا بذلك أنه لا يشبهه، لا أنه ليس مخلوقا من مائه. وإذا احتمل هذا لا يكون قذفا للأم إلا مع قصده؛ لأنه ليس منه؛ لقيام الاحتمال فيه. بخلاف الأجنبي.
(و) قول الإنسان لغيره: (أنت أزنى الناس، أو) أنت أزنى (من فلانة)، أو من فلان، (أو قال له) أي: للرجل: (يا زانية، أو) قال (لها) أي: للمرأة: (يا زان صريح في المخاطب بذلك) فقط في الأصح؛ لأن لفظة أفعل تستعمل للمنفرد بالفعلى؛ لقوله ﷾: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١].
ولأن موضوع اللفظ يقتضي في بقية الأمثلة أن يكون صريحا في حق المخاطب.
ولأن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر؛ (كفتح التاء وكسرها لهما) أي: للذكر والأنثى (في) قوله: (زنيت).
ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا. ولذلك لو قال لامرأة: يا شخصا زانيا، أو لرجل: يا نسمة زانية كان ذلك قذفا بغير خلاف. (وليس) القائل: أنت أزنى من فلانة (بقاذف لفلانة) في الأصح؛ لقول لوط ﵊: (بناتى هن أطهر) [. هود: ٧٨] أي: من أدبار الذكور ولا طهارة فيهم.
(ومن قال عن اثنين: أحدهما زان، فقال أحدهما) له: (أنا؛ فقال)
له: (لا. فـ) ذلك (قذف للآخر)؛ لتعينه بنفيه عن الآخر.
(و) من قال لغيره: (زنأت مهموزا) فهو (صريح) في القذف في الأصح. (ولو زاد: في الجبل أو عرف العربيه) في الأصح؛ لأن عامة الناس لا يفقهون من ذلك إلا القذف. فكان صريحا؛ كما لو قال له: زنيت من غير همز.
***
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
(فصل) في كناية القذف
والتعريض به وما يلحق بذلك.
(وكنايته والتعريض) به ما سيذكر.
ومن أمثلة الكناية قول الإنسان لغيره: (زنت يداك، أو) زنت (رجلاك،
أو) زنت (يدك، أو) زنت (رجلك، أو) زنى (بدنك) في الأصح؛ لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحد؛ بدليل قول النبى ﷺ: " العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " (^١) .
(و) من الكنايات أيضا قوله: (يا خنيث بالنون) وذكر بعضهم بالباء،
(يا نظيف، يا عفيف، ويا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة.
ولزوجة شخص: قد فضحته، وغطيت) رأسه، (أو نكست رأسه، وجعلت له قرونا، وعلقت عليه أولادأ من غيره، وأفسدت فراشه.
و) قوله (لعربي: يا نبطي)، أو (يا فارسي)، أو (يا رومي، و) قوله
(لأحدهم) أي: للفارسي والنبطي والرومي: (يا عربي.
و) قول الإنسان (لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال، ما يعرفك الناس بالزنا) في الأصح.
ومن التعريض ما أشير إليه بقوله: (أو ما أنا بزان، أو ما أمى بزانية.
أو يسمع من) أي: يسمع إنسان إنسانا (يقذف شخضا، فيقول) له: (صدمت، أو) يقول له: (صدقت فيما قلت.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده (٩٣٢٠) ٢: ٤١١
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
او أخبرني) فلان أنك زنيت، (أو أشهدنى فلان أنك زنيت وكذبه فلان)
على الأصح.
وفي " الرعاية " قوله: لم أجدك عذراء كناية.
قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صر بالقذف والشتمة.
(فـ) على هذا (إن فسره بمحتمل غير قذف)؛ كما لو قال: أردت بالنبطى
نبط اللسان، وبالفارسي فارسي الطبع، وبقولي: يا رومي رومي الخلقة، وبقولى لها: أفسدت فراشه أي: حرقته أو أتلفته (^١)، وبقولي: علقت عليه أولادا من غيره (^٢) أي: التقطت ولدا وذكرت أنه ولده، وبقوله (^٣): مخنث
أن (^٤) فيه طباع التخنيث (^٥) أي: طباع التأنيث وهو التشبه (^٦) بالنساء ونحو ذلك، وبقوله: يا قحبة أنها تستعد لذلك أي: المتصنعة للفجور فإطلاق ذلك عليها. لا يوجب إضافة الزنا إليها، لأنها قد تتصنع في نفسها من غير فجور: (قبل وعزر). نقله حنبل.
(كـ) ما أنه يعزربـ (قوله: يا كافر، يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا. تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن، أو) يا خبيث (الفرج، يا عدو الله، يا ظالم، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث). نص على ذلك، (يا قرنان، يا قواد، ونحوهما) مثل قوله: (يا ديوث، يا كشحان،
يا قرطبان).
قا ل إبراهيم الحربي: الديوث: الذي يدخل الرجال على امرأته.
وقال ثعلب: القرطبان: الذي يرضى أن يدخل الرجال على نسائه.
_________________
(١) في ج: أتلفتيه.
(٢) في ج: غيري.
(٣) في ب: وبقولي.
(٤) في ب: أي.
(٥) في ج: المخنثين.
(٦) في ب: التشبيه.
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
وقال: القرنان والكشحان لم أرهما في كلام العرب. ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه. والقواد عند العامة: السمسار في الزنا.
ومثل ذلك في الحكم قوله: (يا علق). وعند الشيخ تقي الدين أن قوله:
يا علق تعريض.
(ومأبون) يعني: وقول إنسان لآخر: يا مأبون (كمخنث عرفا) أي: كقوله له: يا مخنث في العرف. وعبارته في " التنقيح " كعبارة المتن.
وعبارته في " الفروع ": ويتوجه في مأبون كمخنث.
وفي " الفنون ": هو لغة العيب. يقولون: عود مأبون. والأبن: الجنون، والأبنة: العيب. ذكره ابن الأنباري في " كتاب الزاهر ". فإن كان عرف بين الناس في الفعل به أو الفعل منه فليس بصريح؛ لأن الأبنة المشار إليها لا تعطي أنه يفعل بمقتضاها إلا بقول آخر يدل على الفعل؛ كقوله للمرأة: يا شبقة، يا مغتلمة. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وإن قذف) إنسان (أهل بلدة، أو) قذف (جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة) عزر؛ لأنه لا عار على المقذوف بذلك؛ للقطع (^١) بكذب القاذف، (أو اختلفا) أي: بأن قال أحد اثنين: الأمر كذا، فقال الآخر: بل كذا، (فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية عزر ولا حد) عليه. نص عليه وما أشبهه؛ لعدم تعين الكاذب.
ولا على من قذف أهل بلدة أو جماعة لايتصور الزنا منهم في العادة (كقوله: من رمانى) بالزنا (فهو ابن الزانية).
قال في " الفروع ": لم يحد إجماعا. ثم قال بعد يسير: وظاهر كلامهم ويعزر؛ لأنه محرم. لكن يتوجه أنه لحق الله ﷾. فدل على ذلك تحريم غيبة أهل قرية خلافا لأبي حنيفة. لا أحد هؤلاء، أو وصف رجلا بمكروه
_________________
(١) في أ: القطع.
[ ١٠ / ٤٥١ ]
كمن لا يعرفه؛ لأنه لا يتأذى غير المعين؛ كقوله في العالم: من يزني ونحوه. إلا أن يعرف بعد البحث. انتهى.
(ومن قال لمكلف أو غيره: اقذفني فقذفه لم يحد) في الأصح؛ (لأنه حق
له) أى (^١): للذى قال: اقذفني، (وعزر)، لأن ذلك محرم.
(ومن قال لآمراته: يا زانية، قالت: بك زنيت سقط حقها، بتصديقها،
ولم تقذفه). نص عليه؛ لأنه ليس بقذف صريح من جهتها؛ لأن الإقرار بالزنا إذا كان مضافا إلى معين لا يكون قذفا له؛ كما لو قال: زنيت بفلانة. فإنه لا يكون قذفا لها.
(ويحدان) أي: القائل والمقول له (في) ما إذا قال مكلف لمكلف: (زنى بك فلان، قالت: بل أنت زنى بك، أو) قال لامرأة: (يا زانية، قالت) له: (بل انت زان)، لوجود القذف من كل منهما للاخر.
(وليس لولد محصن قذف مطالبة) على قاذف والده (^٢) (ما دام) والده المقذوف (حيا)، لأن صاحب الحق موجود فليس لغيره المطالبة به بدون توكيله كسائر حقوقه.
(فإن مات) المقذوف (ولم يطالب) القاذف (به) أي: بحد قذفه: (سقط)؛ كالشفييع إذا مات قبل مطالبته بالشفعة فإنها تسقط.
(وإلا) أي: وإن لم يمت قبل مطالبته بحد القذف بأن طالب به قبل موته: (فلا) يسقط؛ لأنه بمطالبة الميت قبل موته علم أنه قائم على حقه فقام وارثه مقامه في ذلك.
(وهو) أي: وحد القذف حق (لجميع الورثة) حتى الزوج أو الزوجة في الأصح؛ لأنه حق ورث عن الميت. فاشترك فيه جميع الورثة؛ كسائر الحقوق. وقيل: سوى الزوجين.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: ولده.
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
وفي " المغني ": للعصبة.
(فلو عفا بعضهم) أي: بعض الورثة (حد للباقي) من الورثة الذي لم يعف
حدا (كاملا)؛ للحوق العار بكل واحد منهم على انفراده.
ولأن حد القذف حق لا يسقط إلى بدل فإذا عفا بعض من هو له لم يسقط؛
لأنه لا يملك إسقاط حق غيره. فوجب لمن لم يعف كاملا؛ كما لو استوفاه المقذوف قبل موته.
[(ومن قذف) إنسانا (ميتا ولو) كان المقذوف (غير محصن) والوارث له محصن: (حد) القاذف (بطلب وارث محصن خاصة) للميت فى الأصح؛ لأنه حق ثبت للوارث لما يلحقه فيه من العار. فاعتبر إحصانه؛ كما لو كان هو المقذوف؛ وذلك لأن حد القذف شرع للتشفي بسبب الطعن والفرية، وكما يلحق العار بقذفه كذلك يلحق وارث الميت العار بقذف مورثه؛ لأنه طعن في أصله الذي يستند إليه. فثبت له الحق؛ رفعا للعار عنه] (^١) .
(ومن قذف نبيا) ولو غير نبينا، (أو أمه) يعنى: أو أم نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (كفر، وقتل حتى ولو تاب) المسلم؛ لعدم قبول توبته إلا فيما بينه وبين الله ﷾ على الأصح.
(أو كان) القاذف في الصورتين (كافرا فأسلم) بعد القذف على الأصح.
أما كونه لا تقبل توبته؛ فإن القتل هنا حد للقذف، وحد القذف لا يسقط بالتوبة؛ كقذف غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقذف أمهاتهم.
ولأنه لو قبلت توبته لسقط حده الذي هو القتل. فيصير أخف حكما من قذف آحاد الناس؛ لأن حد غيرهم لا يسقط بالتوبة ويستوفى منه الحد مع توبته.
وأما كونه يقتل ولو قذف وهو كافر ثم أسلم؛ فلأن القتل هو حد قذف الأنبياء وأمهاتهم. فلا يسقط بالإسلام؛ كقذف غيرهم.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
(ولا يكفر من قذف أباه) أي: أبا إنسان (إلى أدم) نصا.
قال في " الفروع ": وسأله حرب رجل افترى على رجل، فقال: يا ابن كذا
وكذا إلى آدم وحوى. فعظمه جدا وقال عن الحد: لم يبلغني فيه شيء. وذهب إلى حد واحد. انتهى.
(ومن قذف جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة) واحدة " بأن قال: هؤلاء
زناة، (فطالبوه) جميعهم (أو) طا لبه (احدهم: فـ) عليه (حد) واحد على الأصح؛ لقول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ولم يفرق بين القذف لواحد أو لجماعة.
ولأنه قذف واحد. فلم يجب به أكثر من حد واحد.
ولأن الحد إنما" شرع لإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد
يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فيجب أن يكتفى بحد واحد. بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في القذف الآخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين على انفراده بحده للآخر.
إذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوا جملة حد لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد؛ لأن
الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طلب استوفى وسقط الحد عنه لغير المستوفي. وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة واستيفاوه " لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه.
(و) إن قذفهم (بكلمات) كل واحد بكلمة (فـ) عليه (لكل واحد حد)؛
لأنه قد تعدد القذف وتعدد محله. فتعدد الحد بتعددهما؛ كما لو قذف كل واحد منهم من غير أن يقذف غيره.
(ومن حد لقذف ثم أعاده) أي: أعاد القذف بعد أن حد له، (أو) أعاد الملاعن القذف (بعد لعانه: عزر) فقط على الأصح، (ولا لعان) اي: ولا يعاد اللعان، لأنه قذف واحد حد عينه مرة، أو لاعن عليه مرة، لكون القاذف زوجا للمقذوفة. فلا يجب مرة أخرى؛ كما لو أعاده قبل الحد أو قبل اللعان.
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
(و) إن قذفه (بزنا آخر) أي: غير الذي حد له: (حد) أيضا (مع طول الزمن) في الأصح؛ لأن حرمة المقذوف لا تسقط بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يتمكن من قذفه بكل حال بحده مرة.
(وإلا) أي: وإن لم يطل الزمن (فلا) يعاد عليه الحد في الأصح.
(ومن قذف مقرا بزنا ولو) كان إقرار المقذوف بزناه (دون أربع) أي: أربع مرات: (عزر) فقط؛ لأن المقذوف مقر بالزنا. فلم يظهر كذب القاذف، والمقرة على المقذوف بإقراره لا بسبب القذف.
وأما كونه يعزر؛ فلأنه ارتكب محرما.
قال في " الفروع ": ولا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه. وحرمه القاضي وعبد القادر.
ونقل مهنا: لا ينبغي أن يعلمه.
قال شيخنا: [والأشبه انه يختلف.
وعنه: يشترط.
وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفرولم يعلمه. وذكره شيخنا] (^١) عن أكثر العلماء.
قال: وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف لو سأله فيعرض ولو
مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته.
ومن جوز التصريح في الكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبة وإحسان تعريضه كذب، ويمينه غموس.
قال: واختار أصحابنا: لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته.
قال: وزناه بزوجة غيره كغيبته.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
وذكر (^١) في " الغنية ": إن تأذى بمعرفته كزناه بجاريته وأهله وغيبته بعيب
خفي يعظم أذاه به، فهنا لاطريق له إلا أن يستحله ويبقى له عليه مظلمة ما، فيجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب.
وذكر ابن عقيل: في زناه بزوجة غيره احتمالا لبعضهم: لا يصح إحلاله؛
لأنه مما لا يستباح بإباحته ابتداء، قال: وعندي يبرا وإن لم يملك إباحتها
ابتداء؛ كالدم والقذف. قال: وينبغي استحلاله فإنه (^٢) حق آدمي فدل أنه لو أصبح فتصدق بعرضه على الناس لم يملكه ولم يبح، وإسقاط الحق قبل وجود سببه لا يصح، وإذنه في عرضه كإذنه في قذفه وهي كإذنه في دمه وماله. انتهى كلامه في " الفروع ".
***
_________________
(١) في ب وذكره.
(٢) في أ: فلأنه.
[ ١٠ / ٤٥٦ ]
[باب: حد المسكر]
هذا (باب حد المسكر) يعني: الذي ينشأ عنه السكر. والسكر: اختلاط العقل.
والأصل في تحريم المسكر قوله ﷾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وهذه الآية نص في التحريم من وجوه:
أحدها: أنه سماه رجسا، والرجس النجس، واستعمال النجس محرم. الثانى: أنه قال: (من عمل الشيطان) وأعمال الشيطان تكون محرمة؛ لأنها
تقع على خلاف أوامر الله ﷾.
الثالث: أنه قال: (فاجتنبوه) فأمر باجتنابه ولا معنى للتحريم إلا ذلك.
وروى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا أيها الناس إن الله يعرض في الخمر. ولعل الله سيعرض فيها أمرا. فمن كان عنده فيها شيء فليبعه ولينتفع به. فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال ﷺ: إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها " (^١) . رواه مسلم.
وأجمع المسلمون على تحريم الخمر، إلا أن الخلاف فيما يقع عليه اسم الخمر.
إذا تقرر هذا فالمذهب أنه: (كل مسكر خمر، يحرم شرب قليله وكثيره). نقل ذلك الجماعة عن أحمد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٧) ٣: ٠٥ ١٢ كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر.
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
(مطلقا)، لقول النبي ﷺ: " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " (^١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول ﷺ يقول: " كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " (^٢) . روه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا.
وقد روى ابن عمر [عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام " (^٣) . رواه أحمد] (^٤) وابن ماجه والدارقطني وصححه.
ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله من حديث جابر (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣ ٠ ٠ ٢) ٣: ٥٨٨ ١ كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٧٩) ٣: ٣٢٧ كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٨٦١) ٤: ٢٩٠ كتاب الأشربه، باب ما جاء في شارب الخمر. وأخرجه النسائي فى " سننه " (٥٧٠١) ٨: ٣٢٤ كتاب الأشربه، ذكر الأخبار التي اعتل بها من اباج شراب السكر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٣٩٠) ٢: ١٢٤ ١ كتاب الأشربة، باب كل مسكر حرام. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٨٣٠) ٢: ٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٨٧) ٣: ٩ ٣٢ كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٨٦٦) ٤: ٢٩٣ كتاب الأشربه، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٣٩٤) ٢: ٥ ٢ ١ ١ كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٨ ٦٥) ٢: ٦٧ ١. وأخرجه الدارقطني قي " سننه " (٨٣) ٤: ٢٦٢ كتاب الأشربة.
(٤) ساقط من ب.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٨١) ٣: ٣٢٧ كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٨٦٥) ٤: ٢٩٢ كتاب الأشربة، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام
[ ١٠ / ٤٥٨ ]
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: " نزل تحريم الخمر وهي: من العنب والتمر والعسل والبر والشعير. والخمر ما خامر العقل " (^١) . متفق عليه.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ وذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب: إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلالى إلا ما بلغ السكر. فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقييع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب " (^٢) .
ولنا: ما تقدم من الأحاديث، وأن حديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر (^٣) عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس أنه قال: " والمسكر من كل شراب ".
ولأن التحريم إنما شرع لما فيه من السكر الذي يضل به العقل ويحصل منه المحذور بالوقوع في المحظورات وارتكاب المنهيات كما اشار ﷾ إلى ذلك في آية التحريم بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة:؟؟].
والقدر الذي يكون به السكر لا حد له، فإن في الناس من يسكره القليل. وكذلك تختلف الأشربة. فوجب أن يمنع من استعمال ما فيه هذه القوة المسكرة قليله وكثيره؛ ليندفع هذا المحذور بيقين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٢٦٦) ٥: ٢١٢٢ كضاب الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٠٣٢) ٤: ٢٣٢٢ كضاب التفسير، باب في نزول تحريم الخمر.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٢١٢ كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الأشربة. عن ابن عباس مو قوفا.
(٣) في ج: مسعود.
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
إذا تقرر هذا فإنه لا يحل شرب قليله (ولو لعطش. بخلاف ماء نجس)؛
لما فيه من البرد والرطوبة. بخلاف المسكر؛ لأن المسكر لا يحصل به ري؛ لأن ما فيه من الحرارة يزيد العطش، أو لتداو؛ لأن المتداوي به ليس بواثق من الشفاء به فإنه لا يمكن القطع بذلك فليس استعماله بضروري للصحة، وحصول البرء به موهوم فلا يباح به المحرم يقينا.
ويستثنى من إطلاق تحريم استعماله صورة واحدة أشيرإليها بقوله:
(إلا لدفع لقمة غص بها، ولم يجد غيره، وخاف تلفا)؛ لأنه مضطر.
(ويقدم عليه) أي: على المسكر (بول)؛ لوجوب الحد باستعمال المسكر دون البول.
(و) يقدم (عليهما) أي: على المسكر والبول (ماء نجس)؛ لأن الماء مطعوم. بخلاف البول. وإنما منع من حل استعماله نجاسته.
إذا تقرر هذا (فإذا شربه) أي: شرب المسكر، (أو) شرب (ما خلط به) اي: بالمسكر (ولم يستهلك فيه) أي: يستهلك المسكر في الماء؛ لأن المسكر إذا استهلك في الماء لم يسلب عنه اسم الماء، (أو استعط) بالمسكر (أو احتقن به، أو أكل عجينا لت به) اي: بالمسكر (مسلم مكلف) نيم ح الصغير والمجنون، حال كون مستعمله (عالما أن كثيره يسكر. ويصدق إن قال: لم أعلم) أن كثيره يسكر، وحال كونه (مختارا) لشربه؛ لأنه إذا لم يكون، مختارا لشربه لا إثم عليه (لحله) أي: حل شرب المسكر (لمكره) على شرب. على الأصح، سواء أكره بالوعيد أو بالضرب، أو ألجى إلى شرب المسكر بأن يفتح إنسان فاه ويصبه فيه، فإن النبي ﷺ قال: " رفع عن أمتي الخطًا والنسيان وما استكرهوا عليه " (^١) .
(وصبره) أي: وصبر المكره على شرب المسكر (على الأذى) أي: على
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٣ ٠ ٢) ١: ٦٥٩ كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
أذى مكرهه (^١) لعدم طواعيته (أفضل) من شربها مكرها. نص عليه. وكذا كل ما جاز فعله للمكره. ذكره القاضي وغيره.
(أو وجد) إنسان (سكران، أو) وجد إنسان (تقايأها) أي: تقيأ الخمر على الأصح في الصورتين، لأنه لم يسكر أو يتقيأها إلا وقد شربها: (حد حر) شربها، أو استعط بها، أو احتقن بها، أو أكل عجينا لت بها، أو وجد سكران، أو تقيأها وهو مسلم مكلف عالم بتحريمها (ثمانين) جلدة على الأصح. وفاقا لمالك وأبي حنيفة.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
ووجه ذلك: إجماع الصحابة عليه، فإنه روي أن؛ عمر استشار الناس في
حد الخمر. فقال عبدالرحمن: اجعله كأخف الحدود ثمانين. فضرب عمر ثمانين. وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام " (^٢) .
وروي أن عليا قال في المشورة: " أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري " (^٣) . روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
(و) حد (رقيق) فيما يحد فيه الحر (نصفها) اي: نصف الثمانين. وذلك أربعون جلدة. ويستوي في ذلك العبد والأمة.
فيقام الحد على كل من الحر والرقيق (ولو ادعى جهل وجوب الحذ) عليه حيث (^٤) كان عالما بالتحريم.
قال ابن حمدان: ولا يقبل دعوى الجهل بالحد. انتهى.
(ويعزر من وجد منه رائحتها) اي: رائحة الخمر. ولا يحد على الأصح،
_________________
(١) في ب: مكره.
(٢) أخرجه أبو داود في " سنته " (٤٤٧٩) ٤: ١٦٣ كتاب الحدود، باب الحد في الخمر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٤٣) ٤: ٤٨ كتاب الحدود، باب ما جاء في حد السكران. كلاهما عن أنس بن مالك، ولم يذكر فيهما القصة الأخيرة وكتب به. . .
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٢٣) ٣: ١٥٧ كتاب الحدود.
(٤) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٤٦١ ]
لاحتمال أنه تمضمض بها، أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها ونحو ذلك. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات.
ويعزر أيضا من أشير إليه بقوله: (او حضر شربها)؛ لما روى عبد الله بن
عمر أن النبي ﷺ قال: " لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة (^١) إليه (^٢) . رواه أبوداود.
(لا شارب) يعني: أنه لا يحد ولا يعزر شارب خمرا (جهل التحريم) أي: تحريم الخمر؛ لأن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما قالا: " لا حد إلا على من علم التحريم ".
ولأن غير العالم بالتحريم. أشبه من شربها غير عالم أنها خمر.
(ولا تقبل دعوى الجهل) بالتحريم (ممن نشأ بين المسلمين)؛ لأن هذا
لا يكاد يخفى على مثله فلا يقبل دعواه فيه. أما من كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن البلدان فإنه يقبل منه ذلك؛ لاحتمال صدقه.
(ولا حد على كافر لشرب) أي: شرب مسكر على الأصح؛ لأنه يعتقد حله. فلم يحد بفعله؛ كنكاح المجوس ذوات محارمهم.
ولأن الله ﷾ إنما خاطب المؤمنين بالتحريم دون الكفار. وأهل الذمة إنما التزموا الجزية ودخلوا في ذمة المسلمين على إقرارهم على دينهم فيكونوا مقرين على إباحه الخمر لهم، فلا يجب عليهم الحد بشربها.
(ويثبت) شرب المسكر (بإقرار مرة) واحدة في قول عامة أهل العلم (كقذف) يعني: كإقرار بقذف؛ لأن كلا من ذلك لا يتضمن إتلافا، (أو) بـ (شهادة عدلين) على الشرب أو على الإقرار به. (ولو لم يقولا: مختارا عالما تحريمه) في الأصح اعتمادا على الأصل. ومتى رجيع عن إقراره قبل منه؛ لأنه حد لله ﷾. فقبل رجوعه؛ كباقي حدود الله ﷾.
_________________
(١) في ب: والمحتملة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٧٤) ٣: ٣٢٦ كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
(ويحرم عصير غلى) يعني: كغليان القدر بأن قذف بزبده. نص عليه في رواية الجماعة.
ولا فرق بين كون العصير من عنب أو قصب أو رمان أو غير ذلك. وظاهره: ولو
لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه وهي توجد بوجود الغليان، فإذا غلا حرم؛ لوجود علته. وقد روي عن أبي هريرة قال: " علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء. ثم أتيته به فإذا هو ينش. فقال: اضرب بهذا الحائط. فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر " (^١) . رواه أبو داود والنسائي. (أو أتى عليه) اي: على العصير (ثلاثة أيام بلياليهن) يعني: فإنه يحرم
وإن لم يغل. نص على ذلك.
قال في " الفروع ": والمنصوص يحرم ما تم له ثلاثة أيام. انتهى.
وذلك لما روى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " اشربوا العصير
ثلاثا ما لم يغل ".
وروي أيضا عن ابن عمر " أنه قال في العصير: اشربه ما لم يأخذه شيطانه.
قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؛ قال: في ثلاث ". حكاه أحمد وغيره.
ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا. وهي خفية تحتاج إلى ضابط، والثلاث تصلح لذلك. فوجب اعتبارها بها.
وروي أيضا عن ابن عباس " أنه كان ينقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد
وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة. ثم يؤمر به فيسقى ذلك الخدم أو يهراق " (^٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧١٦) ٣: ٣٣٦ كتاب الأشربة، باب في النبيذ إذا غلى. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤ ٥٧٠) ٨: ٣٢٥ كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباج شراب السكر.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠٤ ٠ ٢) ٣: ١٥٨٩ كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧١٣) ٣: ٣٣٥ كتاب الأشربة، باب في صفة النبيذ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٦٣) ١: ٢٢٤.
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
وقوله: إلى مساء الليلة الثالثة يكون قبل تمام الثلاث بقليل فيسقى ذلك
الخدم إن شاؤا شربه أو يهراق قبل أن تتم عليه الثلاث لينبذ غيره في وعائه.
(وإن طبخ) العصير) قبل تحريم) يعني: قبل أن يغلي أو تتم له ثلاثه أيام
(حل: إن ذهب ثلثاه) وبقي ثلثه. نص على ذلك.
وذكر أبو بكر أنه إجماع من المسلمين؛ " لأن أبا موسى كان يشرب من
الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه " (^١) . رواه النسائي.
وله مثله عن عمر وأبي الدرداء (^٢) .
ولأن العصير إنما يغلي؛ لما فيه من الرطوبة والحراره التي تطبخه، فإذا
أغلي على النارحتى ذهب ثلثاه فقد ذهب أكثر رطوبته فلا يكاد يغلي، وإذا لم يغل لم تحصل فيه الشدة؛ لأنه يصير كالرب (^٣) . ولهذا قال أحمد حين سأله أبو داود إنهم يقولون: إنه يسكر، فقال: لو كان يسكر ما أحله عمر.
(ووضع زبيب في خردل كعصير) يعني: أنه يحرم إذا [غلا أو] (^٤) أتت عليه
ثلاثة أيام. صرح به في " المستوعب ".
(وإن صب عليه خل: أكل).
قال في " الإنصاف " فائدة: جعل الإمام أحمد وضع زبيب في خردل كعصير، وأنه إن صب فيه خل أكل. انتهى.
(ويكره الخليطان كنبذ تمر مع زبيب)، أو نبذ بسر مع تمر، أو مع رطب.
(وكذا) نبذ (مذنب) وهو ما نصفه بسر ونصفه رطب (وحده)؛ لأنه نبذ بسر مع رطب. وذلك على الأ صح.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٥٧٢١) ٨: ٣٣٠ كتاب الأشربة، ذكر ما يجوز شربه من الطلاء وما لا يجوز.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٠ ٥٧٢) ٨: ١٣٢٩ لموضع السابق. عن أبي الدرداء.
(٣) هو دبس الرطب إذا طبخ. " المصباج المنير "، ماده: رب.
(٤) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
لأن جابر روى " أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن
ينبذ الرطب والبسر جميعا " (^١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
وعن أبي (^٢) سعيد قال: " نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بسرا بتمر، وزبيبا ببسر. وقال: من شربه منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا " (^٣) . رواه مسلم والنسائي.
وعن أبي قتادة قال: " نهى النبي ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب. ولينتبذ كل واحد منهما على حدة " (^٤) . متفق عليه.
ولأن نبذ الخليطين يسرع إلى الإسكار المحرم فنهي عنه لذلك.
وما رواه ابن ماجه بسنده إلى عائشة قالت: " كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء. فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما فيه، ونصب عليه الماء.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٥٢٨٠) ٥: ٢١٥٨ كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٨٦) ٣: ١٥٧٤ كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٠٣ ٣٧) ٣: ٣٣٣ كتاب الأشربة، باب فى الخليطين. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٨٧٦) ٤: ٩٨ ٢ كتاب الأشربة، باب ما جاء في خليط البسر والتمر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٥٥٦٠) ٨: ٢٩١ كتاب الأشربة، خليط التمر والزبيب. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٣٩٥) ٢: ١١٢٥ كتاب الأشربة، باب النهي عن الخليطين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٩٦٠ ١) ٣: ٣٦٣.
(٢) في ب: ابن.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٧ ١) ٥٧٥ ١: ٣ كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين. وأخرجه النسائي في " سننه " (٥٥٦٨) ٨: ٢٩٣ كتاب الأشربة، الترخص في انتباذ التمر وحده.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٢٨٠) ٥: ٢١٥٨ كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٨٧) ٣: ٥٧٤ ١ كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين.
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذ عشية فيشربه غدوة " (^١) فمحمول على نسخه؛ لعدم إمكان الجميع بغير ذلك.
(لا وضع تمر) وحده، (أو) وضع (زبيب) وحده، (أو) وضع (نحوهما)؛ كمشمش وحده أو عناب وحده (في ماء لتحليته) أي: تحلية الماء فإن ذلك لا يكره؛ لأنه مفهوم أحاديث النهي عن الخليطين: (ما لم يشتد أو تتم له ثلاث) فيحرم؛ لما تقدم من الأحاديث.
(ولا) يكره أيضا (فقاع)؛ لأنه نبيذ لم يأت عليه ثلاثة أيام ولا هو مشتد وليس المقصود منه الإسكار، وإنما يتخذ لهضم الطعام وصدق الشهوة، فلا وجه لتحريمه.
ولا يكره أيضا (انتباذ في دباء) وهي: القرعة، (و) لا في (حنتم) وهي: الجرار الخضر، (و) لا في (نقير) وهو: ما حفر من الخشب، (و) لا في (مزفت) وهو: ما لطخ بالزفت، ومثله المقير على الأصح؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه مرة ثم رخص فيه. فروى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا " (^٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
(وإن غلا عنب- وهو عنب-: فلا بأس به) نصا. نقله أبو داود.
(ومن تشبه بالشراب) أي: شراب الخمر بتشديد الشين المعجمة وضمها جمع شارب (في مجلسه وآنيته، وحاضر من حاضره بمحاضر الشراب: حرم وعزر. قاله في " الرعاية "). والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٣٩٨) ٢: ١١٢٦ كتاب الأشربه، باب صفة النبيذ وشربه.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٧) ٣: ١٥٨٥ كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والختم والنقير. . . وأخرجه أبو دا ود في " سننه " (٣٦٩٨) ٣: ٣٣٢ كتاب الأشربه، باب في الأوعية. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٤٢٩) ٧: ٢٣٤ كتاب الضحايا، الإذن في ذلك. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٠٥٣) ٥: ٣٥٥.
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
[باب: التعزير]
هذا (باب التعزير). وأصله المنع، ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه يمنع المعادي له والمعاند له من إيذائه، وهاهنا يمنع المعزر بتشديد الزاي وفتحها مما لا يجوز له فعله.
(وهو) في اصطلاح الفقهاء: (التأديب. ويجب) التعزير على (^١) كل مكلف على الأصح. نص عليه في سب صحابي كحد وحق آدمي طلبه.
نقل الميمونى فيمن زنى صغيرا لم ير عليه شيئا.
ونقل ابن منصور في صبي قال لرجل: يا زانى ليس قوله شيئا.
وقال الشيخ تقي الدين في " رده على الرافضي ": لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيرا بليغا.
(في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كمباشرة دون فرج، و) مباشرة (امرأة لامرأة، وسرقة لا قطع فيها)، كمن غير حرز أو دون نصاب، (وجناية لا قود فيها)، كصفع ووكز وهو الدفع والضرب بجميع (^٢) الكف، (وقذف غير ولد بغير زنا)؛ كقوله: يا حرامي، يا شاهد زور، ونحو ذلك، (و) كـ (لعنة. وليس لمن لعن ردها) على من لعنه.
(وكدعاء عليه) بغير فرية، (و) كـ (شتمه بغير فرية، وكذا) قوله لغير ولده: (الله أكبر عليك، ونحو ذلك)؛ كقوله: خصمك الله.
(قال بعض الأصحاب) وذلك البعض هم القاضي ومن تبعه: (إلا إذا شتم نفسه أو سبها).
_________________
(١) في أ: ويجب على.
(٢) في أ: بجمع.
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
قال القاضي: وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد، ولا يعزر أيضا؛
كما لو شتم نفسه أو سبها. انتهى.
وقوله في المتن: ولا كفارة ليخرج بذلك، الظهار والقتل شبه العمد ونحوهما؛ لأن كلا من ذلك معصية لكن فيها كفارة، ولا تعزير في معصية فيها كفارة.
(ولا يحتاج) في إقامة التعزير (^١) (إلى مطالبة)؛ لأنه مشروع للتأديب،
فللإمام التعزير إذا رآه، (فيعزر من سب صحابيا، ولو كان له وارث ولم يطالب) بتعزيره.
وأما سقوط التعزير بعفو المجني عليه ففيه خلاف.
قال القاضي في " الأحكام السلطانية ": ويسقط بعفو آدمي حقه وحق السلطنة. وديه احتمال: لا للتهذيب والتقويم.
وفي "الانتصار" في قذف مسلم كافرا: التعزير لله فلا يسقط بإسقاطه. انتهى. (ويعزر- بعشرين سوطا- بشرب مسكر في نهار رمضان مع الحد)؛ لما
روى أحمد بإسناده " أن عليا رضي الله تعالى عنه أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان " (^٢) .
(ومن وطئ أمة امرأته حد: ما لم تكن أحلتها له) أي: أحلت أمتها لزوجها.
(فيجلد مائة إن علم التحريم فيهما) أي: في صورة ما إذا شرب مسكرا في رمضان، وفي (^٣) صورة ما إذا وطئ أمة امرأته التي أحلتها له؛ وذلك لما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم: " أن رجلا يقال له عبدالرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته. فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٣٢١ كتاب الأشربة، باب ما جاء في عدد حد الخمر.
(٣) في أ: في.
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة. فوجدوها أحلتها له فجلده مائة" (^١) . (وإن ولدت) منه ولدا: (لم يلحقه نسبه) على الأصح؛ لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك. أشبه زنا المحصن.
(ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع) [وهي ما إذا أحلتها له] (^٢) .
(ومن وطئ أمة- له فيها شرك- عزر بمائة) أي: بمائة سوط (إلا سوطا) على الأصح. نقله الجماعة عن أحمد لينقص عن حد الزنى.
(وله) أي: للحاكم (نقصه) عن ذلك بحسب اجتهاده (^٣) .
(ولا يزاد في جلد) في تعزير (على عشر) أي: عشر جلدات، (في غير
ما تقدم) ذكره على الأصح. نص الإمام أحمد على ذلك في مواضع. وهو قول إسحاق؛ لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " (^٤) . متفق عليه.
وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأن النبي ﷺ قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع
فيه إلى اجتهاد الحاكم فيعمل بما يراه وما يقتضيه حال الشخص. ويشهر لمصلحة. نقله عبد الله في شاهد زور.
(ويحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح)؛ لما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية ".
(و) يحرم أيضا التعزير بـ (أخذ مال أو إتلافه).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٥٨) ٤: ١٥٧ كتاب الحدود، باب في الرجل يزنى بجارية امرأته.
(٢) ساقط من ب.
(٣) وردت هذه المسألة والتي قبلها في أبتقديم وتأخير وسقط.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٥٨) ٦: ٢٥١٢ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب كم التعزيز والأدب. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٧٠٨) ٣: ١٣٣٢ كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير، كلاهما عن أبي بردة الأنصاري.
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه
ولا أخذ شيء من ماله.
قال في "الفروع ": فيتوجه أن إتلافه أولى مع أن ظاهر كلامهم لا يجوز. انتهى.
ولأن (^١) الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به.
(لا بتسويد وجه) يعني: أنه لا يحرم التعزير بتسويد وجه في الأصح، (ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه).
قال الإمام أحمد في شاهد الزور: ورد فيه عن عمر يضرب- ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطاف به ويطال حبسه.
(ومن قال لذمي: يا حاج) أدب، لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله ﷾. وفيه تعظيم لذلك فإنه بمنزلة من يشبه أعيادهم بأعياد المسلمين وتعظيمهم.
(أو لعنه بغير موجب: أدب).
قال في " الفروع ": أدبا خفيفا، لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك. انتهى.
(ومن عرف بأذى الناس- حتى بعينه- حبس حتى يموت) قاله في " الرعاية "، (أو يتوب).
وقال في " الأحكام السلطانية ": للوالي فعله لا للقاضي ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره.
وفي " الترغيب " في العائن: للإمام حبسه.
ومن المكتوب على باب سجن بالعراق: هاهنا تلين الصعاب، وتختبر الأحباب. وعلى باب سجن آخر: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
_________________
(١) في ب: لأن.
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
وقال (المنقح: لا يبعد ان يقتل العائن: إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه. انتهى) كلامه في " التنقيح ".
وقال ابن القيم في " شرح منازل السائرين ": فإن قيل: فهل تقيدون منه إذا
قتل بعينه؛ قيل: إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء كما عان هوالمقتول.
وأما قتله بالسيف قصاصا فلا، لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية. قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؛ فقال: للولي
أن يقتله بالحال كما قتل به. وفرق ابن القيم بين العائن والساحر من وجهين. ذكرهما في المشاهد في المشهد الثانى، وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس لكفار وفاقا لمالك. وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه. وتوقف فيه أحمد. (ومن استمنى- من رجل أو امرأة- لغير حاجة: حرم وعزر) على الأصح؛ لأنه معصية.
(وإن فعله خوفا من الزنا: فلا شيء عليه)؛ لأنه لو فعل ذلك خوفا على بدنه لم يكن عليه شيء. ففعله خوفا على دينه أولى.
(فلا يباح إلا إذا لم يقدر على نكاح ولو لأمة)، لأنه لو فعل ذلك إنما يباح لضرورة الخوف من الزنا وهي مندفعة بما ذكر.
(ولو اضطر إلى جماع- وليس) بموجود (من يباح وطؤها-: حرم الوطء). بخلاف أكله في المخمصة ما لا يباح في غيرها، لأن عدم الأكل لا تبقى معه الحياة. بخلاف الوطء.
[ ١٠ / ٤٧١ ]
[باب: القطع في السرقة]
هذا (باب القطع في السرقة) وهو ثابت بالإجماع.
وسنده قوله ﷾: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا]
[المائدة: ٣٨].
ولقوله ﷺ في حديث عائشة: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا " (^١)، إلى غيرذلك من النصوص.
(وشروطه) أي: شروط وجوب القطع في السرقة (ثمانية:
أحدها: السَّرقة)، لأن الله ﷾ أوجب القطع على السارق.
فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقًا.
(وهي) أي: السر قة: (أخذُ مال محترم لغيره) أي: غير سارقه، (على
وجه الاختفاء، من مالكه أو) من (نائبه) أي: نائب ذلك المال. ومن ذلك:
استراق السميع، ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.
إذا تقرر هذا (فـ) إنه (يُقطع الطَّرَّار) على الأصح، (وهو: من يبطُّ جيبًا
أو كمًّا أو غيرهما)؛ كالصفن (ويأخذ منه أو بعد سقوطه)؛ لأنه سرق من
حرز، بشرط أن يكون المسروق (نصابًا.
وكذا) يقطع (جاحد عارية) على الأصح (قيمتها نصاب)؛ لما روى ابن
عمر قال: " كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي ﷺ بقطع يدها " (^٢) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٠٧) ٦: ٢٤٩٢ كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فا قطعوا أيديهما). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٨٤) ٣: ١٣١٣ كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٩٥) ٤: ١٣٩ كتاب الحدود، باب في القطع في العارية إذا =
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
[وهذا فيما يمكن جحده وخفاؤه؛ لأن قوله: " كانت مخزومية تستعير
المتاع وتجحده " يخرج بذلك مستعير الأماكن وكل ما لا يمكن خفاؤه؛ لأن
ذلك لا يسمى متاعًا] (^١) .
وعن عائشة مثله. وقالت فيه: " فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم
النبي ﷺ. فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب. فقال: يا أيها الناس لِلَّهِ إنما ضل مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لِلَّهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " (^٢) . رواه أحمد ومسلم والنسانى.
قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه.
وقال في رواية الميمونى: هو حكم من النبي ﷺ ليس يدفعه شيء.
(لا) جاحد (وديعة) فلا يقطع.
(ولا) يقطع (منتهب) وهو: الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة؛ لما
روى جابر مرفوعًا قال: " ليس على المنتهب قطع " (^٣) رواه أبو داود.
(و) لا (مختلس). وهو: الذي يختطف الشيء ويمر به.
(و) لا (غاصب، و) لا (خائن) وهو: الذي يؤتمن على الشيء فيخفيه
أو يجحده. وأصله من التخون وهو: التنقيص من مودَع ونحوه من الأمناء؛
_________________
(١) = جحدت. وأخرجه النسائى في " سننه " (٤٨٨٨) ٨: ٧٠ كتاب قطع السارق، ما يكون حرزًا وما لا يكون. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٣٨٣) ٢: ١٥١.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم في " صححيحه " (١٦٨٨) ٣: ١٣١٥ كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدودء وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٩٤) ٨: ٧٢ كتاب قطع السارق، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٣٣٦) ٦: ١٦٢.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٩١) ٤: ١٣٨ كتاب الحدود، باب القطع في الخلسة. والخيانة.
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
لقول النبي ﷺ: " ليس على الخائن والمختلس قطع " (^١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: لم يسمعه ابن جريج من ابن (^٢) الزبير.
قال أبو داود: وبلغني عن أحمد بن حنبل: أن ابن جريج إنما سمعه من
ياسين الزيات.
ولأن الاختلاس نوع من (^٣) النهب. وإذا لم يقطع الخائن والمختلس
فالغاصب أولى.
الشرط (الثاني: كون سارق مكلَّفًا)؛ لأن غير المكلف لا تناله الأحكام، (مختارًا)؛ لأن المكرَه مرفوع عنه القلم ومعذور، (عالمًا بمسروق) أي: بأنه
أخذ المسروق، (و) عالمًا (بتحريمه) أي: تحريم المسروق عليه بسرقته.
إذا علمت ذلك (فلا قطع على صغير) لم يبلغ، (و) لا على (مجنون،
و) لا على (مكره) على السرقة، (ولا بسرقة منديل بطرَفه نِصاب مشدود لم
يعلمه) السارق، (ولا بجوهر يظن قيمته دون نصاب) فبانت نصابا فًا كثر؛ لأن
ذلك لا يعرفه إلا خواص الناس، (ولا على جاهل تحريم) أي: تحريم
السرقة. ولا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بالقرى بين المسلمين.
الشرط (الثالث: كون مسروق (^٤) مالا)؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له.
فلم يجب به قطع، والأحاديث دالة على ذلك. مع أن غير المال لا يساوي المال
فلا يلحق به. لا يقال الآية مطلقة؛ لأن الأخبار مقيدة لها.
فعلى هذا: لا يقطع بسرقة كلب وإن كان مُعلمًا؛ لأنه ليس بمال، ولا
بسرقة حر.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٩٣) الموضع السابق. وأخرجه الترمذي فى " جامعه " (١٤٤٨) ٤: ٥٢ كتاب الحدود، باب ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب. كلاهما عن جابر بن عبد الله.
(٢) في أوب: أبي.
(٣) في ب: من نوع.
(٤) في ج: المسروق.
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
(محترمًا)؛ لأنه إذا لم يكن محترمًا؛ كمال الحربي تجوز سرقته بكل
طريق، وجواز الأخذ منه ينفي وجوب القطع.
(ولو) كان المال المسروق (من غلة وقف، وليس) السارق (من
مستحقِّيه) أي: مستحقي الوقف؛ لأنه سرق مالًا محترمًا لغيره لا شبهة له فيه. أشبه ما لو لم تكن غلة وقف.
(لا) إن لم يكن محترمًا؛ كمن سرق (من سارق، أو) سرق من (غاصب
ما سرقه) السارق (أو غصبه) الغاصب؛ لأن ذلك ليس بمحترم فلا يقطع به.
(وثمين؛ كجوهر، وما يُسرع فساده؛ كفاكهة) يقطع به؛ لعموم قوله
﷾: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨].
ولقوله ﷺ في التمر: " من سرق منه شيئًا فبلغ ثمن المجن ففيه القطع " (^١)
رواه أحمد وأبو داود والنسائي. من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وروى مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرة بنت
عبدالرحمن " أن سارقًا سرق أُتْرُجّة في زمن عثمان بن عفان. فأمر عثمان أن تُقوم فقوّمت بثلاثة دراهم، من صرف اثني عشر بدينار. فقطع عثمان يده " (^٢).
ورواه الشافعي عن مالك (^٣). وقال: هي الأترجة التي يأكلها الناس.
ولأن هذا مال يُتمول عادة ويُرغب فيه. فيقطع سارقه؛ كالمجن.
(وما أصله الإباحة؛ كملح، وتراب، وحجر، ولبن، وكلأ، وثلج،
وصيد كغيره) الذي ليس أصله الإباحة في القطع بسرقته إذا بلغت قيمته
ربع دينار.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧١٠) ٢: ١٣٦ كتاب اللقطة، باب في الشح. وأخرجه النسائي في " ستنه " (٤٩٥٨) ٨: ٨٥ كتاب قطع السارق، الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين. وأخرجه أحمد فى " مسنده (٦٦٨٣) ٢: ١٨٠.
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢٣) ٢: ٦٣٤ كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع.
(٣) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٧٣ ٢) ٢: ٨٣ كتاب الحدود، حد السرقة.
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
(سوى ماء) في الأصح، لأنه لا يتمول عاده، (و) سوى (سِرْجين
نحس)؛ لأنه ليس بمال.
(ويقطع بسرقة إناء نقد) أي: من ذهب أو فضة، (و) بسرقة (دنانير أو
دراهم فيها تماثيل)؛ لأن ما فيها من الصنعة المحرمة لا يخرجها عن كونها مالًا محترمًا.
(و) يقطع أيضًا بسرقة (كتب علم) يعني: العلم المباح. بدليل ما يأتي
في المتن؛ لأنها مال حقيقة ولثرعا.
(و) يقطع بسرقة (قِنٍّ نائم، أو) قن (أعجمي ولو) كانا (كبيرين)؛ لأن
الكبير غير النائم، والأعجمي لا يُسرق وإنما يخدع.
(و) لهذا يقطع بسرقة قن (صغير ومجنون)؛ لأن كلًا منهما مال مملوك
تبلغ قيمته نصابًا. فوجب القطع فيه؛ كسائر الحيوانات.
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة " أن رسول الله ﷺ أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى. فأمر رسول الله بيده فقطعت " (^١) . رواه الدارقطني.
(لا مكاتب) يعني: أنه لا قطع بسرقة المكاتب، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن
ملك سيده ليس بتمام عليه؛ لكونه لا يملك منافعه، ولا استخدامه، ولا أخذ
أرش الجناية عليه. ولا يقال يقطع سارقه لأجل ملك المكاتب في نفسه؛ لأن
الإنسان لا يملك نفسه. فأشبه الحر.
(و) لا قطع بسرقة (أم ولدٍ) في الأصح؛ لأنها لا يحل بيعها ولا نَقل
الملك فيها. فأشبهت الحرة.
(ولا) بسرقة (حر ولو صغيرًا) على الأصح؛ لأنه ليس بمال. فلا يقطع بسرقته؛ كالكبير النائم.
_________________
(١) أخرجه الدارقطنى في " سننه " (٣٥٩) ٣: ٢٠٢ كتاب الحدود.
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
(ولا) بسرقة (مصحف) في الأصح؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله
﷾ وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه.
(ولابـ) سرقه (ما عليهما) أي: على الحر والمصحف: (من حلي،
ونحوه) كثوب الصغير، وكيس المصحف إذا بلغت قيمته نصابًا في الأصح؛
لأن ذلك تابع لما لا يقطع بسرقته.
(ولا) قطع أيضًا (بـ) سرقة (كتب بدع، و) كتب (تصاوير)؛ لأنها
واجبة الإتلاف.
(ولابـ) سرقة (آلة لهو)؛ كالطنبور والمزمار ولو بلغت قيمته مكسورًا
نصابًا؛ لأنه للمعصية بالإجماع. فلم يقطع بسرقته؛ كالخمر.
ولأن للسارق حقًا في أخذها لكسرها. فكان ذلك شبهة مانعة من القطع؛ كاستحقاقه مال ولده. حتى ولو كانت عليه حلية تبلغ نصابًا في الأصح؛ لأنها
متصلة بما لا قطع فيه. أشبهت الخشب والأوتار.
(ولا) قطع (بـ) سرقة (صليب) نقد، (أو صنم نقد)، ذهب أو فضة
في الأصح تبعًا للصناعة. أشبهت الأوتار التي بالطنبور، (ولا بآنيه فيها خمر
أو) فيها (ماء) في الأصح؛ لأنها متصلة بما لا قطع فيه. فأشبه ما لو سرق شيئًا مشتركًا بينه وبين غيره.
قال ابن شاقلا: لو سرق إداوة فيها ماء لم يقطع؛ لاتصالها بما لا قطع فيه.
الشرط (الرابع) من شروط وجوب القطع في السرقة: (كونه) أي: كون المسروق (نصابًا، وهو) أي: والنصاب الموجب للمطع في السرقة: (ثلاثة
دراهم خالصة، أو) ثلاثة دراهم (تخلُص من) دراهم فضة (مغشوشة) بنحاس
أو نحوه، (أو ربع دينار) من الذهب على الأصح. فيكفى الوزن من الفضة
الخالصة أو التبر الخالص. (ولو لم يُضرَبا) في الأصح.
فلا يجب القطع بسرقة دون ذلك في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن وداود وابن
بنت الشافعي والخوارج فإنهم قالوا: يقطع (^١) في الكثير والقليل؛ لعموم الآية.
_________________
(١) في خ: القطع.
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لعن الله السارق يسرق الحبل
فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده " (^١) . متفق عليه.
ولأنه سارق من حرز فيقطع كسارق الكثير.
ولنا: قول النبي ﷺ: " لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا " (^٢) . روى
ذلك أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: " اقطعوا في ربع
دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك. وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم
والدينار اثنا عشر درهما " (^٣) . رواه أحمد.
وهذان يخصان عموم الآية. والحبل يحتمل أن يساوي ذلك وكذلك البيضة
يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك.
(ويُكمَّل أحدهما بالاخر) يعني: أنه لو سرق درهمًا ونصف درهم من
خالص الفضة وثمن دينار من خالص التبر كمل نصاب أحدهما من الآخر وقطع سارقهما معًا.
(أو) سرق (ما يبلغ قيمة أحدهما) أي: أحد نصاب الفضة والذهب (من غيرهما) (^٤) أي: غير الذهب والفضة؛ كما لو سرق ثوبًا مثلا قيمته ثلاثة دراهم
من الفضة أو قيمته ربع دينار من الذهب قطع؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤١٤) ٦: ٢٤٩٣ كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). وأخرجه مسلم في (صحيحه " (٦٨٧ ١) ٣: ١٣١٤ كتاب الحدود، باب حد السرقه ونصابها.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٨٤) ٣: ١٣١٣ كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٩١٨) ٨: ٧٨ كتاب قطع السارق، ذكر الاختلاف على الزهري. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٨٥) ٢: ٨٦٢ كتاب الحدود، باب حد السارق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤١٢٥) ٦: ٣٦.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٥٥٩) ٦: ٨١.
(٤) في أ: أو غيرهما.
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
قطع يد سارق سرق (^١) برنسًا من صفة النساء قيمته ثلاثة دراهم " (^٢) . رواه احمد وأبو داود والنسائي.
وعن ابن عمر أيضًا " أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم " (^٣) . رواه الجماعة.
وفي لفظ بعضهم: " قيمته ثلاثة دراهم " (^٤) .
وفي رواية " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار " (^٥) . رواه النسائي.
_________________
(١) في أ: وسرق.
(٢) أخرجه أبو داود في " سنته (٤٣٨٦") ٤: ١٣٦ كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه السارق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٩٠٩) ٨: ٧٦ كتاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٣١٧) ٢: ١٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤١٣) ٦: ٢٤٩٣ كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فا قطعوا أيديهما). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٨٧ ١) ٣: ٤ ١٣١ كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٨٥) ٤: ١٣٦ كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه السارق. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٤٦) ٤: ٥٠ كتاب الحدود، باب ما جاء في كم تقطع يد السارق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٩٠٧) ٨: ٧٦ كتاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٨٤) ٢: ٨٦٢ كتاب الحدود، باب حد السارق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٥٠٣) ٢: ٦.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٤٦) ٤: ٥٠ كتاب الحدود، باب ماجاء فى كم تقطع يد السارق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٩١٠) ٨: ٧٧ كحاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٢٥٨٤) ٢: ٨٦٢ كتاب الحدود، باب حد السارق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٢٩٣) ٢: ١٤٣.
(٥) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٩٣١) ٨: ٨٠ كتاب قطع السارق، ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة في هذا.
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
وهذا يدل على أن كل واحد من النقدين أصل. وهو المذهب " لأن ثمن
المجن قُوم تارة بربع دينار، وتارة بثلاثة دراهم. فلو كانت الدراهم هي الأصل
لا اختص التقويم بها دون الذهب.
(وتعتبر القيمة) أي: تقويم المسروق إذا لم يكن ذهبًا أو فضة بأحدهما
(حال إخراجه من الحرز)، لأن الاعتبار بحال السرقة هو وقت الوجوب؛
لوجود السبب فيه وهو السرقة، فلا يعتبر ما حدث بعده.
إذا تقرر هذا (فلو نقصت) قيمة المسروق (بعد إخراجه: قُطع) ولم يكن
ذلك مسقطًا للقطع، لأن النقصان وجد في العين بعد سرقتها. أشبه ما لو نقصت
قيمتها باستعماله إياها.
(لا إن أتلفه) أي: أتلف المسروق (فيه) أي: في الحرز (بأكل أو
غيره)؛ كما لو كان مائعًا فأراقه، (أو نقصه بذبح)؛ كما لو ذبح شاة قيمتها
نصاب فنقصت بالذبح ثم أخرجها وقيمها دون نصاب لم يقطع؛ لأن من شرط (^١) وجوب القطع: أن يخرج المسروق من الحرز وقيمته حين إخراجه نصاب
فأكثر، (أو غيره) أي: نقصه بغير الذبح بأن شق ثوبًا قيمته نصاب فنقص بشقه
عن النصاب، (ثم أخرجه) فلا قطع؛ لأنه لم يخرج من الحرز شيئًا قيمته نصاب.
(وإن ملكه) أي: ملك (سارق) النصاب بعد إخراجه من الحرز (ببيع أو
هبة أو غيرهما) من أسباب الملك (لم يسقُط القطع) الواجب بعد الترافع إلى
الحاكم. وليس للمسروق منه العفو عن السارق. نص عليه وعليه الأصحاب؛ وذلك لما روى الزهري عن ابن صفوان بن أمية عن أبيه " أنه نام على ردائه في المسجد. فأُخذ من تحت رأسه. فجاء بسارقه إلى النبي ﷺ. فأمر بقطعه. فقال صفوان: يا رسول الله لِلَّهِ لم أرد هذا ردائي صدقة. فقال رسول الله ﷺ: فهلا قبل أن تأتيني به " (^٢) . رواه ابن ماجه والجوزجاني.
_________________
(١) فى ج: شروط.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٩٥ ٢) ٢: ٥ ٨٦ كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
وفي لفظ قال: " فأتيته. فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما. أنا أبيعه
وأنسئه ثمنها. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به " (^١) . رواه الأثرم وأبو داود.
فهذا يدل على أنه لو وجد ذلك قبل رفعه إليه لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه.
وأما مطالبة المسروق منه فشرط للحكم (^٢) لا للقطع. بدليل أنه لو استرد
العين لم يسقط القطع وقد زالت المطالبة.
(وإن سرق فَْرد خُفٍ قيمة كلٍّ) أي: كل فرد (منفردًا درهمان، ومعًا)
أي: وقيمته مع الفرد الآخر (عشرة) أي: عشرة دراهم وتعذر رده: (لم
يُقطع)؛ لأنه لم يسرق نصابًا؛ لعدم المشروط عند عدم شرطه، (وعليه)
أي: على أخذ الفرد (ثمانية) أي: ثمانية دراهم (قيمة) الفرد (المتلف)
درهمان، (ونقص التفرقة) ستة دراهم.
(وكذا) الحكم لو أن المسروق (جزء من كتاب) ونقص بالتفرقة. ذكره
في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفر وع " وزاد: ونظائره.
(ويضمق) متعد (ما في وثيقة) من دين أو نحوه إذا (أتلفها إن تعذَّر)
الوصول إلى ما فيها بدون إحضارها.
وقوله: أتلفها يفهم منه أنها لو تلفت في يده بغير تعد ولا تفريط أنه لا يضمن شيئًا مما فيها إذا كانت يده عليها يد أمانة.
(وإن اشترك جماعة في) سرقة (نصاب: قُطعوا) كلهم؛ لأن النصاب أحد
شرطي القطع (^٣) . فإذا اشترك فيه الجماعة كانوا كالواحد؛ كما في هتك الحرز.
ولأن سرقه النصاب فعل موجب للقطع. فاستوى فيه الواحد والجماعة؛ كالقتل.
(حتى من لم يُخرج) منهم (نصابًا) كاملًا. نص على ذلك؛ لأنهم اشتركوا في
هتك الحرز وإخراج النصاب. فلزمهم القطيع؛ كما لو كان ثقيلًا فحملوه
_________________
(١) أخرجه أبو داود قي " سننه " (٤٣٩٤) ٤: ١٣٨ كتاب الحدود، باب من سرق من حرز.
(٢) في ج: للحاكم.
(٣) في ج: لأن النصاب فعل موجب للقطع.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
(ولو لم يُقطع بعضهم لشبهة أو غيرها)، كما لو كان الشريك أبًا لرب
المال، أو عبدًا له، أو كان غير مكلف، كالصغير والمجنون: (قُطع الباقي)
في الأصح؛ لأنه لا يلزم من سقوط القطع عن الشريك لمعنى غير موجود في غيره سقوط القطع عن الغير؛ كما قلنا في شريك الأب في القصاص.
(ويُقطع سارق نصاب لجماعة)؛ لأن السرقة والنصاب شرطان للقطع وقد
وجدا. فوجب القطع؛ كما لو كان رب المال واحدًا.
(وإن هتك اثنان حِرْزًا، ودخلاه فأخرج أحدهما المال) دون الآخر قطعًا.
نص على ذلك؛ لأن المخرِج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته، (أو دخل أحدهما)
أي: أحد اللذين هتكا الحرز (فقربه) أي: قرب النصاب المسروق (من النَّقْب
وأدخل الآخر يده فأخرجه) أي: أخرج النصاب من النقب قطعًا؛ لأنهما اشتركا
في هتك الحرز وإخراج المتاع؛ كما لو حملاه وأخرجاه، (أو) دخل أحدهما
فـ (وضعه) أي: وضع النصاب (وسط النَّقْب فأخذه الخارج) منهما:
(قُطعا)؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراجه منه.
(وإن رماه) أي: رمى النصاب من دخل الحرز منهما (إلى) رفيقه
(الخارج) من الحرز، (أو ناوله) النصاب إلى خارج الحرز (فأخذه) منه رفيقه، (أو لا) يعني: أو لم يأخذه منه، (أو أعاده فيه) أي: أعاد النصاب
في الحرز (أحدهما: قُطع الداخل وحده)؛ لأن الداخل هو المخرج للنصاب
وحده فاختص القطع به. لا يقال كيف ذلك وقد اشتركا في هتك الحرز؟ لأن
شرط القطع عليهما أن يشتركا في الهتك والإخراج ولم يوجد الثانى فانتفى القطع (^١)، لانتفاء شرطه.
(وإن هتكه) أي: هتك الحرز (أحدهما) فقط، (ودخل الآخر فأخرج
المال: فلا قطع عليهما) أي: على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق والثانى
لم يهتك الحرز، (ولو تواطئا) على ذلك في الأصح؛ لأن التواطئ على السرقة
_________________
(١) في أزيادة: به لا يقال كيف ذلك وقد اشتركا في هتك الحرز. وقد سبق ذكر هذه العبارة قبل قليل.
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
لا أثر له؛ لأنه لا فعل لواحد منهما في الذي فعل الآخر فلم يبق إلا القصد، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتب عليه حكم. فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه.
(ومن نقَب ودخل) الحرز (فابتلع) فيه (جواهر أو ذهبًا) أو نحوهما
(وخرج به) قطع. أشبه ما لو أخرجه في كمه.
(أو ترك المتاع) في الحرز (على بهيمة فخرجت به) البهيمة ولو من غير
سوقها في الأصح قطع؛ لأن العادة مشي البهيمة بما يوضع عليها.
(أو) ترك المتاع (في ماء جار) فًا خرجه الماء قطع؛ لأن البهيمة والماء
لا إرادة لهما في الإخراج فكان القطع على من أراد إخراجه بذلك.
(أو أمر) من هتك الحرز (غير مكلَّف)؛ كصغير أو مجنون (بإخراجه)
أي: إخراج النصاب (فأخرجه) غير المكلف قطع الآمر؛ لأن غير المكلف
لا حكم لفعله فهو في معنى البهيمة.
(أو) ترك هاتك الحرز المتاع (على جدار) داخل الحرز (فأخرجتْه ريح)
قطع في الأصح؛ لأنه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح.
(أو) هتك الحرز و(رمى به) أي: بالمتاع (خارجًا) عن الحرز قطع؛
لأنه أخرجه.
(أو) هتك الحرز و(جذبه) أي: جذب المتاع (بشيء) وهو خارج
الحرز. فأخرجه بجذبه قطع؛ لأنه المباشر لإخراجه.
(أو) هتك الحرز وأخرج منه شاة و(استتبع) هاتك الحرز (سَخْل شاة)
بًان فعل ما يقتضي أن يتبعها السخل، وكانت الشاة لا تساوي نصابًا، وكانت
قيمتها مع السخل تساوي نصابًا قطع، لا إن تبع السخل الشاة من غير أن يستتبعه
في الأصح؛ لأن ذلك ليس من فعله.
(أو) هتك الحرز و(تطيَّب فيه) بطيب كان فيه وخرج به من الحرز، (و)
كان ما تطيب به (لو اجتمع بلغ) قدرا تساوي قيمته (نصابًا) قطع في الأصح؛
لأنه هتك الحرز وأخرج متاعًا قيمته نصابًا. أشبه ما لو كان غير طيب.
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
(أو هتك الحرز) في وقت (وأخذ المال وقتًا آخر) قطع، كما لو أخذ
النصاب عقب هتك الحرز.
(أو) هتك الحرز ثم (أخذ بعضه) أي: بعض النصاب في وقت (ثم أخذ
بقيته) أي: بقية النصاب في وقت آخر (وقَرُب ما بينهما) من الزمن قطع، لأنها سرقة واحدة.
ولأنه إذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه إذا سرقا نصابًا فبناء فعل
الواحد بعضه على بعض أولى.
لا إن بعد ما بينهما في الأصح مثل إن كانا في ليلتين؛ لأن كل سرقة منهما
لا تبلغ نصابًا.
وإن علم المالك بهتك الحرز وأهمله فلا قطع أيضًا، لأن سرقته الثانيه من
غير حرز.
(أو) هتك الحرز و(فتح أسفل كُوَّارة فخوج العسل شيئًا فشيئًا)، أو
أخرجه شيئًا فشيئًا حتى بلغت قيمه ماأخرجه نصابًا قطع، لأنه لم يهمل الأخذ.
أشبه ما لو وجده مجموعًا فأخرجه.
(أو أخرجه) أي: أخرج السارق المتاع الذي قيمته نصاب (إلى ساحة دار
من بيت مغلق منها) أي: من الدار (ولو أن بابها) أي: باب الدار التي فيها
البيت (مغلق: قُطع) على الأصح، لأنه هتك الحرز وأخرج منه نصابًا فقطع
به، كما لو لم يكن على الدار باب آخر. فأما إن كان باب الدار مفتوحًا فإنه يقطع رواية واحدة؛ كما لو كان باب البيت خارج الدار.
(ولو عّلم) إنسان (قردًا السرقة) فسرق قليلًا أو كثيرًا: (فالغرم) أي:
فعلى معلمه غرم ما يسرقه القرد (فقط) أي: دون القطع. ذكره ابن عقيل وابن
الزاغو نى.
الشرط (الخامس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (إخراجُه) أي: إخراج النصاب (من حِرْز) على الأصح في قول أكثر أهل العلم منهم مالك
والشا فعي واصحاب الرأى.
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
وعنه: لايشترط الحرز؛ لما روى سعيد أنه ذَكر لعائشة قول من قال:
" لا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من الحرز. فقالت عائشة: لو لم أجد
إلا شفرة لخرزت بها يده ". لكن قال ابن المنذر: ليس فيه خبر ثابت.
وحكي عن داود: أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها.
وجوابه: أن الآية مخصَّصة بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
" أن رجلًا من مزينة سأل رسول الله ﷺ عن الثمار. فقال: ما أُخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجران ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " (^١) . روه أبو داود وابن ماجه.
كما خصصت في اعتبار النصاب.
إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (من غير حرز) مثل: أن يجد حرزًا مهتوكًا
أو بابًا مفتوحًا فيأخذ منه ما يبلغ قيمته (^٢) نصابًا أو لا (فلا قطع) عليه؛ لفوات
شرطه؛ كما لو أتلفه داخل الحرز بًا كل أو غيره، إلا أن عليه ضمانه.
(ومن أخرج بعض ثوب قيمته) أي: قيمة ذلك البعض المخرج (نصا.
قُطع به) أي: بذلك البعض المخرج (إن قطعه) أي: فصله من باقيه؛ لأنه
بذلك تحقق إخراجه من الحرز، (وإلا) أي: وإن لم يقطع بعص الثوب:
(فلا) قطع عليه؛ كما لو أخرج بعض خشبة وباقيها داخل الحرز من غير أن
يقطعها.
ومن هتك الحرز ودخله فاحتلب لبنًا من ماشية وأخرجه وكان بحيث لو أبيع
بلغ ثمنه نصابًا قطع. وإن شربه في الحرز أو أخرج ما دون ذلك فلا قطع؛ لأنه
لم يخرج من حوز نصابًا.
(وحرز كل مال) يقطع السارق بسرقته منه: (ما حُفظ فيه) ذلك المال
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٩٠) ٤: ١٣٧ كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه. وأخرجه ابن ماجه فى ٩ سننه " (٢٥٩٦) ٢: ٨٦٥ كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.
(٢) زيا دة من ج.
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
(عادة) أي: في العادة؛ لأن الحرز معناه الحفظ، ومنه قولك: احترز أي:
تحفظ. ولما ثبت اعتبار الحرز بالشرع في موضع اعتبره فيه من غير صفه له ولا تقدير لصفت (^١) ولا فيه عرف لغوي يتقرر به: علم أن المرجع فيه إلى العرف بين الناس؛ كما رجع (^٢) في العرف إلى معرفة القبض والفرقة في البييع وأشباه ذلك.
(ويختلف) الحرز (باختلاف جنس) أي: جنس ذلك المال، (و)
باختلاف (بلد) أي: البلد الذي فيها المال. فإن البلد إذا كان واسع الأقطار
غلظت أحرازه؛ لأنه لا يؤمن عليه إن سرق منه أحد أنه لا يظهر لسعة رقعة البلد وكثرة أهله. وإن كان صغيرًا لم يحتج إلى ذلك؛ لأن السارق يُعرف فيه فلا
يحتاج إلى زيادة كلفة في منعه عن السرقه.
(و) يختلف الحرز أيضًا باختلاف (عدلِ سلطان وقوَّته، وضدِّهما) وهما
جور السلطان وضعفه. فإن السلطان إن كان عادلًا يقيم (^٣) الحدود كانت الأحراز أخف؛ لأن السارق غير آمن أن يُرفع إلى السلطان فيقطعه فلا يحتاج إلى زيادة
حفظ، وإن كان جائرًا يشارك من التجأ إليه من الذعّار ويذب عنهم احتيج إلى
تثقيل الأحراز؛ لأنه إذا لم يمنع السلطان السارق منع بجهة أخرى وهي تثقيل
الحرز. ومتى كان السلطان قويًا على أهل الريب والسراق كانت الأحراز أخف؛ لأن الحفظ بالسلطان أقوى من الحفظ بالتثقيل، ومتى كان السلطان ضعيفًا احتاج
أن يكون الحرز أغلظ.
إذا تقرر هذا (فحرز جوهر ونقد) من ذهب وفضة (وقماش في العمران)
أي: في الأبنية الحصينة في المحال المسكونة من البلد (بدار ودكان: وراء غَلَق وثيق). والغلق: اسم للقفل، خشبًا كان أو حديدًا.
(وصندوق بسوق- وثَم حارس) بالسوق- (حرز) لما بالصندوق. فمن
أخذ منه نصابًا قطع.
_________________
(١) في أوب: ولا تقرير لنعته.
(٢) في ج: يرجع.
(٣) في أ: لايقيم.
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
(وحِرز بَقل وقُدُور باقلاء و) قدور (طبيخ، و) حرز (خزف وثَم حارس:
وراء الشرائج)، واحدها (^١) شريجة. وهي شيء يعمل من قصب أو نحوه يضم بعضه إلى بعض نخيل أو غيره؛ لأن العادة جرت بإحراز ذلك كما ذكر.
(وحِرز خشب وحطب: الحظائر)، واحدتها حظيرة بالحاء المهملة والظاء المعجمة. وهي: ما يعمل للإبل والغنم من الشجر تأوي إليه فيعبر بعضه في
بعض ويربط بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة ليمنع السارق من السرقة. وأصل الحظر: المنع، وإن كانت بفندق مغلق كان ذلك أحرز.
(و) حرز (ماشية) من بقر وغنم (الصِّيَرُ)، واحدتها صيرة، وهي:
حظيرة الغنم.
(و) حرز ماشية (في مرعى: براع يراها غالبًا)؛ لأن العادة حرزها بذلك
فما غاب عن مشاهدته فقد خرج عن الحرز؛ لأن الماشية الراعية هكذا تحرز.
(و) حرز (سُفن في شطٍّ: بربطها) فيه؛ لأن العادة جارية بإحرازها
بذلك.
(و) حرز (إبل باركة معقولة: بحافظ حتى نائم)؛ لأن العادة أن صاحبها
يعقلها إذا نام. فإن لم تكن معقولة فحرزها بحافظ يقظان.
(و) حرز (حمولتها) أي: الإبل الحاملة: (بتقطيرها مع قائدٍ يراها) إذا
التفت، (ومع عدم تقطير) أي: تقطير الإبل الحاملة: (بسائق يراها).
والمقطرة مع السائق الذي يراها أولى بالحرز من القائد الذي يراها؛ لأن العادة جارية بإحراز ذلك كذلك. ومن سرق الحمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم
يقطع؛ لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه عليه قطع.
(و) حرز (بيوت) أي: الإبل الحاملة (في صحراء، و) حرز بيوت في
(بساتين: بملاحظ) يراها إن كانت مفتوحة، (فإن كانت مغلقة: فبنائم)
فيها. وإن لم يكن فيها أحد وليس هناك ملاحظ يراها فليست حرزًا، سواء كانت
_________________
(١) في ب: واحدتها.
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
مغلقة أو مفتوحه؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف
عنه لا يعد حافظًا له ولو أغلقه.
(وكذا) أي: وكالبيوت في الصحاري والبساتين (خيمة وخرْكاة،
ونحوهما)؛ كبيت الشعر إن كان فيها أحد، نائمًا كان أو منتبهًا فهي محرزة مع
ما فيها؛ لأنها هكذا تحرز في العادة، وإن لم يكن فيها أحد فإن كان عندها حافظ
فهى محرزة أيضًا، وإن لم يكن عندها حافظ وليس فيها أحد فلا قطع على سارقها
ولا على السارق منها؛ لأنها ليست بمحرزة في العاده.
(وحرز ثياب في حمام، و) حرز (اعدال) بسوق، (وغزل بسوق أو) في (خان).
(وما كان مشترَكًا في دخول)؛ كالفندق: (بحافظ) يراها؛ (كقعوده
على متاع) وتوسده؛ كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسده (^١) . وهذاعلى الأصح.
وعنه: لا يقطع السارق من الحمام.
(وإن فرَّط حافظ) أي: حافظ الحمام، أو السوق، أو المكان المشترك
الدخول؛ كالمضيفة والتكية والخانقاه (فنام أو اشسغل: فلا قطع) على السارق
في هذه الحالة؛ لأنه لم يسرق من حرز، (وضمن) المسروق (حافظ) مُعَد
للحفظ (وإن لم يُستحفظ) لتفريطه.
(وحرز كفن مشروع: بقبر) أي: ببقائه في القبر (على ميت). فلو نبش
قبرًا وأخذ منه الكفن أو بعضًا منه يساوي نصابًا قطع. وقد روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشًا (^٢) . وبهذا قال مالك والشافعي. وخالف أبو حنيفة والثوري.
ولنا: قول الله ﷾: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
[المائدة: ٣٨] وهذا سارق، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " سارق أمواتنا كسارق أحيائنا ".
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٩٥) ٢: ٨٦٥ كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٢٧٠ كتاب الحدود، باب النباش يقطيع.
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
(وهو ملك له) أي: والكفن ملك للميت؛ لأنه مالك له في حياته ولا
يزول إلا عن ما لا حاجة به إليه، (والخصم فيه: الووثة)؛ كقيام ولي صغير في الطلب بما له. (فإن عُدموا) أي: الورئة: (فـ) الخصم فيه (نائب الأمام).
وتقييد الكفن بالمشروع ليخرج غير المشروع. فلو كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف، أو المرأة في أكثر من خمس فسرق السارق الزائد عن ذلك، أو تُرك
الميت في تابوت فسرق السارق التابوت، أو تُرك معه طيب مجموع، أو غير
ذلك من ذهب أو فضة أو غيرهما لم يقطع بأخذ شيء من ذلك؛ لأن الزيادة على الكفن المشروع وترك غيره في القبر سفه وتضييع فلا يكون محوزأ بالقبر.
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يخرج الكفن من القبر؛ كما لو أخرجه من اللحد ووضعه في القبر أنه لا قطع عليه، لأنه لم يخرجه من الحرز. فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا فقال: " نعم البيت القبر ". وحكم من كفنه أجنبي من ماله حكم من كفن من مال الميت.
أشبه ما لو ملكه الكفن في حياته.
وعلم من قول المتن: على ميت أنه لو أكل الميت ضبع أو نحوه ثم سرق
الكفن سارق لم يقطع؛ لأنه لم يكن على الميت. أشبه ما لو زال نائم عن ردائه بمسجد أو نحوه ثم سرقه سارق يعد زواله عنه.
(وحرز باب: تركيبه بموضعه)، سواء كان مقتوحًا أو مغلقًا؛ لأنه هكلذا
يحفظ.
(و) حرز (حلقته) أي: حلقة الباب: (بتركيبها فيه)؛ لأنها بتركيبها فيه
صارت كأنها بعض. ولو أخذ من باب مركب بعضًا قيمته نصاب قطع.
(وتأزير) وهو: ما يجعل في أسفل الحائط من لباد أو دفوف أو نحو ذلك
في الحكم (وجدار وسقف كباب) يعني: أنه ما كان من ذلك موضوعًا في محله
كان محرزًا يقطع سارقه، وما كان منفكًا فليس بمحرز فلا يقطع سارقه. فمن
أخذ شيئًا من تأزير موكب بمحله، أو من جدار قائم، أو خشبة من سقف وبلغ
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
قيمة المأخوذ نصابًا قطع، وإن (^١) فك التأزير ولم يأخذه أو هدم الجدار ولم
يًاخذه أو فك خشبة من السقف ولم يأخذها: لم يقطع.
(ونوم على رداء، أو) على (مَجَرِّ فرس، ولم يزُل عنه) أي: عن الرداء
أو عن مجر الفرس حرز، (ونعل برجل حرزٌ)، لأن ما تقدم كذا يحرز.
إذا تقرر هذا (فمن نبش قبرًا، أو أخذ الكفن، أو سرق رِتاج الكعبة)
وهو: بابها العظيم، (أو باب مسجد، أو سقفه، أو تأزيره، أو سحب رداءه)
أي: رداء من هو نائم عليه من تحته، (أو) سحب (مجرَّ فرسه من تحته، أو)
سحب (نعلًا من رجل) أي: رجل من كان لابسه (وبلغ) المأخوذ من شيء مما
ذكر (نصابًا: قطع) في الأصح. فيما يتعلق بالمسجد؛ لأنه سرق نصابًا من
حرز مثله من غير ملك له أو لولده فيه. والمطالبة بما هو بالمسجد للإمام أو لمن يقوم مقامه.
(لا بستارة الكعبة) يعني: لا يقطع سارق ستارة الكعبة (الخارجة) نصًا.
(ولو) كانت (مَخيطة عليها) كغير المخيطة عليها؛ لأنها غير محرزة. وحمل
ابن حمدان النص على غير المخيطة عليها.
(ولا بـ) سرقة (قناديل مسجد وحُصِرِه، ونحوهما) مما جعل لنفع
المصلين؛ كالقفص المجعول لوضع نعالهم فيه في الأصح: (إن كان) السارق (مسلمًا)، كسرقته من بيت المال.
(ومن سرق ثمرًا أو طَلْعًا أو جُمَّارًا أو ماشية من غير حرز كمن شجرة ولو)
كانت الشجرة (ببستان مُحوَّط فيه حافظ: فلا قطع) في الأصح، لما روى
رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: " لا قطع في ثمر ولا كَثَر " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
_________________
(١) في ج: ومن.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٨٨) ٤: ١٣٦ كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٤٩) ٤: ٥٢ كتاب الحدود، باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٢٩٩) ٤: ١٤٠.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
وعلم من قوله في المتن: "ببستان" أنه لو كانت الشجرة بدار وهي محرزة قطع.
(وأُضعفت قيمته) أي: قيمة المسروق من الثمر على الشجر الذي بالبستان
وقيمة المسروق من الماشية من غير حرز. ومعنى تضعيف قيمته على السارق: أنه يضمن عوض ما يسرقه مرتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عبد الله بن عمرو قال: " سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق. فقال: من أصاب منه بغية من ذي حاجة غيرمتخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع " (^١) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له.
قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه.
وقال أكثر العلماء: لا يجب أكثر من مثله. واحتج أحمد " بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها ". رواه الأثرم.
ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعًا
له وزجرًا. بخلاف بقيه المواضع فإنها في العادة محروزة (^٢) فاليد لا تسرع
إليها. وقوله ﷺ " غير متخذ خبنة " (^٣) بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي: غير متخذ منه في حجزته.
(ولا تُضعف) قيمته (في غير ما ذكر)؛ لأن التضغيف على خلاف القياس
فلا يتجاوز به محل النص.
(ولا قطع) بسرقة (عام مجاعة غلاءٍ: إن لم يجد) السارق (ما يشتريه،
أو) لم يجد ما (يشتري به). نص عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ١٧١) ٢: ١٣٦ كتاب اللقطة، باب في الشح. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٩٥٨) ٨: ٨٥ كتاب قطع السارق، الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧٤٦) ٢: ١٨٦.
(٢) في ج: محرزة.
(٣) مضى آنفا.
[ ١٠ / ٤٩١ ]
قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال.
وفي " الترغيب ": ما يحيي به نفسه.
الشرط (السادس) من شروط وجوب القطع: (انتفاء الشبهة. فلا قطع
بسرقةٍ من) مال (عمودَي نسبه) أي: نسب السارق.
أما سرقته من مال ولده، فلقوله ﷺ: " أنت ومالك لأبيك " (^١) .
وأما سرقته من مال أبيه أو جده، أو من مال أمه أو جدته، أو من مال ابنة
ابنه أو ابن بنته علا الأب أو نزل الأبناء، فلأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهم
لواحد منهم. فلم يقطع بالسرقة منه؛ كالأب بالسرقة من مال ابنه.
ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظًا له. فلا يجوز إتلافه؛ حفظًا
للمال.
(ولا) قطع على إنسان بسرقةٍ (من مال له شِرك فيه، أو لأحد ممن
لا يقطع) السارق (بالسرقة منه) شِرك في ذلك المال المسروق؛ لقيام الشبهة
فيه بسرقة البعض الذي لا تجب بسرقته القطع.
(ولا) قطع أيضًا بسرقة (من غنيمة لأحد ممن ذكر) من عمودي نسب
السارق (فيها حق) وذلك قبل قسم الغنيمة. وكذا لو كان السارق من الغنيمة قنًا ولسيده في الغنيمة حق.
(ولا) قطع أيضًا بسرقة (مسلم من بيت المال)، لقول عمر وابن مسمعود:
" من سرق من بيت المال فلا قطع. ما من أحد إلا وله في هذا المال حق ".
وقال سعيد: حدثنا هشيم أنبأنا مغيرة عن الشعبي عن علي: " ليس على من سرق من بيت المال قطع " (^٢) .
قال في " التنقيح ": إلا العبد نصًا. قاله في " المحرر " وغيره. فلهذا
_________________
(١) أخرجه أين ماجه في " مسننه" (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٢٨٢ كتاب السرقه، باب من سرق من بيت المال شيئًا، عن طريق سعيد.
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
قلت: (إلا القنّ). قال (المنقح) بعد ذلك: (والصحيح: لا قطع. انتهى)
كلامه الذي نقلناه في المتن. وقال بعد ذلك: وهو ظاهر كلام الأكثر. وصرح
به ابن عقيل وغيره. وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى كلامه في " التنقيح ".
ووجه ما صححه في " التنقيج "؛ (لأنه) أي: القن (لا يُقطع بسرقة من
مالٍ لا يِقطع به سيده) لو سرق السيد.
قال في " الإنصاف ": وجعل في " المحرر " ومن تبعه سرقة عبد الوالد
والولد ونحوهما مثل: سرقة العبد من بيت المال في وجوب القطع.
قال في " القواعد الأصولية ": وكلام غيره يخالفه. انتهى.
(ولا) قطع أيضًا (بسرقة مكاتب من مكاتبه، وعكسه كقنه) والقن لا يقطع
بسرقة مال سيده. نص عليه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن
السائب بن يزيد عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي (^١) بغلام له. فقال: إن غلامي قد سرق. فاقطع يده. فقال عمر: خادمكم أخذ مالكم " (^٢) . وكان ذلك بمحضر من الصحابه ولم ينكر فكان
كالإجماع.
وقال ابن مسعود: " لا قطع. مالُك سرَق مالَك " (^٣) .
وروى ابن ماجه عن ابن عباس: " أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من
الخمس. فرفع إلى النبي ﷺ فلم يقطعه. وقال: مال الله سرق بعضه بعضا" (^٤) .
_________________
(١) في الأصول: ابن الحضرمي.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣١١) ٣ ا: ١٨٨ كتاب الحدود والديات. وأخرجه ابن أبي شيبه في "مصنفه " (٢٨٥٥٩) ٥: ٥١٤ كتاب الحدود، في العبد يسرق من مولاه ما عليه؟ وأخرجه الييهقي في "السنن الكبرى" ٨: ٢٨١ كتاب السرقة، باب العبد يسرق من مال امرأة سيده.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " (٢٨٥٦٠) الموضع السابق. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨: ٢٨١ كتاب السرقة، باب العبد يسرق من متاع سيده.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٩٠) ٢: ٨٦٤ كتاب الحدود، باب العبد يسرق.
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
(ولا) قطع أيضًا (بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر، ولو أُحرز عنه)
على الأصح. روى ذلك سعيد عن عمر بإسناد جيد.
ولأن كلًا من الزوجين يرث صاحبه بغير حجب وينبسط في ماله. أشبه الولد
مع الوالد، وكما لو منعها نفقتها.
(ولا) قطع أيضًا (بسرقة مسروق منه، أو) بسرقة (مغصوب منه، مال
سارق أو) مال (غاصب، من الحرز الذي فيه العين المسروقة، أو) من الحرز
الذي به العين (المغصوبة)؛ لأن لكل واحد من المسروق منه والمغصوب منه
شبهة في هتك الحرز من أجل أخذ ماله. فإذا هتك الحرز صار كأن المال
المسروق من ذلك الحرز أُخذ من غير حرز.
(وإن سرقه) أي: سرق المسروق (^١) منه ما ل السارق، أو سرق المغصوب
منه مال الغاصب (من حرز اخر) أي: غير الحرز الذي به مال المسروق أو مال المغصوب منه قطع؛ لأنه سرق نصابًا من حرز لا شبهة له فيه.
(أو) سرق (مال من له عليه دين) قطع؛ لأنه لا شبهة له في المال ولا
الحرز.
(لا) إن سرق من ماله (بقدره) أي: بقدر دَينه (لعجزه) عن استخلاصه
بالحاكم؛ لأن بعض العلماء أباح له الأخذ. فيكون (^٢) الاختلاف في إباحة الأخذ
شبهة دارئة للحد؛ كالوطء (^٣) في نكاح مختلف في صحته.
وعلم مما تقدم أنه متى سرق قدرًا زائدًا عن دينه يبلغ نصابًا أنه يقطع في
الأصح.
(أو) سرق (عينًا قُطع بها) أي: بسرقتها (في سرقة أخرى) أي: سرقة
متقدمة من حرزها الأول أو من غيره قطع، لأنه لم ينزجر بالقطع الأول. أشبه ما
_________________
(١) في ج: المغصوب.
(٢) في ج: فكان.
(٣) في ب: كما لو ظن، وفي ج: كما لو وطئ.
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
لو سرق غيرها. بخلاف حد القذف فإنه لا يعاد عليه بإعادة القذف؛ لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر.
(أو آجر) إنسان داره، (أو أعار داره ثم سرق منها مال مستأجر، أو)
سرق منها مال (مستعير) قطع؛ لأنه هتك حرز أو سرق نصابًا منه لا شبهة له فيه فقطع. أشبه ما لو سرقه من ملك المستعير أوالمستأجر.
(أو) سرق إنسان (من) مال (قرابة) له (غير عمودَي نسبه؛ كأخيه،
ونحوه)؛ كعمه وخاله قطع؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من أحدهما
على الآخر فلا تمنع القطع.
ولأن الآية والأخبار تعم كل سارق خرج منه عمودي النسب فبقي ما عداهما على الأصل.
(أو) سرق (مسلم من ذمي، أو) من (مستأمن، أو) سرق (أحدهما)
أي: سرق الذمي أو المستأمن (منه) أي: من المسلم: (قُطع) السارق في هذه الصور؛ لأن مال كل منهم معصوم. فقطع سارقه؛ كسرقة المسلم من المسلم.
(ومن سرق عينًا وادَّعى مِلْكَها أو بعضها) أي: ملك بعضها: لم يقطع علي الأصح.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر. وسماه الشافعي: السارق الظريف؛
لأن ما ادعاه محتمل فيكون شبهة في درء الحد.
(أو) ادعى من سرق نصابًا من حرزٍ (الإذن) من صاحب الحرز (في دخول الحرز: لم يقطع) على الأصح.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب في المسألة التي قبلها أنه
لا يقطع مثل ذلك خلافًا ومذهبًا: لو (^١) ادعى أنه أذن له في دخوله. وقطع في
" المحرر " هنا بالقطع.
(و) حيث تقرر أنه لا قطع فإن العين المسروقة (يأخذها) من السارق
_________________
(١) في ب: أو.
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
المدعي ملكها أو ملك بعضها (مسروق منه بيمينه) أنها ملكه، وليس للسارق
فيها ملك.
الشرط (السابع) من شروط وجوب القطع: (ثبوتها) أي: ثبوت السرقة
(بشهادة عدلين)، لقو له ﷾: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
[البقرة: ٢٨٢]. وكأن القياس قبول الاثنين في كل شهادة،
لكن خولف فيما عدا
ذلك للنص فيه فبقي فيما عداه على عمومه.
(يصفانها) أي: يصفان السرقة في شهادتهما، وإلا لم يقطع.
(ولا تسمع) شهادتهما (قبل الدعوى) من مالك المسروق، أو ممن يقوم
مقامه، (أو) بـ (إقرار) السارق (مرتين)، لأنه إقرار يتضمن إتلافًا. فكان
من شرطه التكرار؛ كحد الزنا، أو يقال: إن الإقرار أحد حجتي القطع. فيعتبر
فيه التكرار؛ كالشهادة.
وقد روى القاسم بن عبدالرحمن أن عليًا قال: " لا تقطع يد السارق حتى
يشهد على نفسه مرتين ". حكاها أحمد في رواية مهنا واحتج به.
(ويصفُها) أي: يصف السارق السرقة في كل مرة؛ لاحتمال ظنه وجوب القطع
عليه مع فوات شرط من شروطه. فيكون هذا الاحتمال شبهة في درء الحد عنه.
(ولا يَنزع) أي: يرجع عن إقراره (حتى يُقطَع.
ولا بأس بتلقينه) أي: أن يلقن الحاكم (الإنكار) لمن أقر بالسرقة؛ لما
روي عن أبي أمية المخزومي " أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف. فقال: ما إخالك سرقت. قال: بلى. فأعاد عليه مرتين. قال: بلى. فأمر به
فقطع " (^١) . رواه أبو داود.
الشرط (الثامن) من شروط وجوب قطع السارق على الأصح: (مطالبة
مسروق منه، أو) مطالبة (وكيله أو وليه) إن كان صغيرًا أو مجنونًا سارقًا
بالنصاب المسروق؛ لأن المال مما يباح بالبذل والإباحة. فيحتمل إباحة مالكه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٨٠) ٤: ١٣٤ كتاب الحدود، باب في التلقين في الحد.
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
إياه أو إذنه له في دخول الحرز وغير ذلك مما يسقط به القطع. فإذا طالب رب
المال به زال هذا الاحتمال وانتفت الشبهة.
إذا تقرر هذا (فلو أقرَّ) سارق (بسرقة من غائب، أو قامت بها) أي:
بالسرقة من غائب (بينة انتُظر حضوره) أي: حضور الغائب (ودعواه) أي: ومطالبته للسارق لتكمل شروط القطع. ولكن لا يخلى سبيله، (فيُحبس) إلى
قدوم الغائب ثم يطالبه إذا قدم، (وتُعاد) إقامة البينة الشاهدة في غيبته؛ لأنه
لا يكتفى بإقامتها قبل المطالبة.
(وإن كذَّب مدَّعٍ نفسه) في شيء مما يوجب القطع: (سقط القطع)؛
لفوات شرطه.
ولا بد في السارق أن يكون مختارًا على الأصح؛ لأن الإكراه شبهة في جواز
السرقة. فدرئ عنه الحد؛ كما لو أكره على القذف.
* * *
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
[فصل: في صفة القطع]
(فصل. وإذا وجب القطع: قُطعت يده اليمنى)، لأن في قراءة عبد الله بن مسعود: " فاقطعوا أيمانهما ". وهذا إما أن يكون قراءة أو تفسيرًا سمعه من
النبى ﷺ فإنه لا يظن بمثله أن يثبب في القرآن شيئًا لم يسمعه من النبي ﷺ.
ولأنه قول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ولا مخالف لهما من
الصحابة فيكون إجماعًا.
ولأن الغالب من الناس إنما يعمل الأعمال بيمينه. فكان الأنسب قطعها،
لأن السرقة جنايتها في الغالب دون اليسرى.
ويكون القطع (من مفصل كفِّه)، لأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما
قالا: " تقطع يمين السارق من الكوع ". ولا مخالف لهما من الصحابة فكان
إجماعًا.
ولأن اليد تطلق عليها إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب. وإرادة الأول
متيقنة وما سواها مشكوك فيه، ولا يجب القطع مع الشك.
(وحُسِمت وجوبًا) في الأصح. وحسمها: (بغمسها في زيت مُغلَّى)؛
لقوله ﷺ في سارق: " اقطعوه واحسموه " (^١) .
قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قطع فغمس في ذلك الزيت المغلى
استدت أفواه العروق فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى
موته.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٧١) ٣: ١٠٢ كتاب الحدود والديات. عن أبي هريرة.
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
(وسُن تعليقها) أي: تعليق يد السارق المقطوعة (في عنقه). زاد في
" البلغة " و" الرعايتين " و" الحاوي ": (ثلاثة أيام إن رآه الإمام)؛ ليتعظ
بذلك اللصوص.
(فإن عاد) إلى السرقة مَن قطعت يده اليمنى: (قُطعت رجله اليسرى من
مَفصل كعبه، بترك عقبه). نص عليه، لما يروى عن علي " أنه كان يقطع من شطر القدم ويترك له عقبًا يمشي عليها " (^١) .
والأصل في قطع الرجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: " إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ".
ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة فيكون كالإجماع.
وإنما كانت الرجل اليسرى هي التي تقطع؛ لقول الله ﷾: (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) [المائدة: ٣٣].
وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياسًا عليها.
ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل
وأمكن له من اليسرى ويبعد في العادة من أن يتمكن المشي عليها. فوجب
ذلك؛ لئلا تتعطل به منفعة بلا ضرورة.
(وحُسمت) أيضًا، للحكمة المذكورة في قطع اليد.
وينبغي في قطع السارق: أن يقطع بأسهل ما يمكن بأن يجلس ويضبط، لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتُشد يده بحبل وتجر حتى يتيقن المفصل ثم توضع
السكين وتجر بقوة ليقطع في مرة واحدة.
(فإن عاد) فسرق بعد قطع يده ورجله: (حُبس حتى يتوب، ويُحرم أن
يُقطع) على الأصح؛ لما روى أبو سعيد المصري عن أبيه قال: " حضرت
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٢٧١، كتاب السرقة، باب السارق يسرق. بلفظ مقارب عن الشعبى عن علي.
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
فقال لأصحابه: ما ترون فى هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين لِلَّهِ قال: أقتله إذًا وما عليه القتل. بأي شيء يأكل الطعام، بأي شيء يتوضأ للصلاة، بًاي شيء يغتسل من جنابته، بأي شيء يقوم إلى حاجته. فرده إلى السجن أيامًا. ثم
أخرجه فاستشار أصحابه. فقالوا مثل قولهم الأول. وقال لهم مثل ما قال أول
مرة. فجلده جلدًا شديدًا ثم أرسله ". رواه سعيد.
ولأن في قطع يده الأخرى تفويتًا لمنفعة جنس اليد، فإنه إذا لم ييق له يد
ذهب بطشه بالكلية فذلك بمنزلة الهلاك ولهذا وجبت الدية بتمامها بقطعهما.
وإلى ذلك أشار علي ﵇ بقوله: " بأي شيء يأكل الطعام. . . " إلى
آخره.
ولأنه جنى جناية لا توجب الحد. فوجب حبسه؛ كفًّا له عن السرقة،
وتعزيرًا له؛ لأنه القدر الممكن في ذلك.
إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (ويمينه) أي: ويده اليمنى (أو رجله
اليسرى ذاهبة: قطع الباقي منهما) أي: من يده اليمنى أو رجله اليسرى؛ لأن
منفعة الجنس لا تعطل بقطع اليد اليمنى ولا الرجل اليسرى. وليسا من شق واحد فيمنع منه.
(ولو كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى، لم يقطع) منه شيء؛
(لتعطيل منفعة الجنس، وذهاب عضوين من شِق) إن قطعت يده اليمنى أو رجله اليسرى.
(ولو كان) الذاهب (يديه أو يُسْراهما) أي: يسرى يديه: (لم تُقطع رجله
اليسرى) في الأصح؛ لذهاب عضوين من شق.
(ولو كان) الذاهب (رجليه أو يُمناهما) أي: يمنى رجليه، (قُطعت
يمنى يديه) فى الأصح؛ (لأنها الآلة ومحلُّ النص) يعني: لأن محل القطع
موجود لا يذهب بقطعه منفعة جنسه. فوجب قطعه لذلك.
(ولو ذهبت بعد سرقته يمنى) يديه، (أو يسرى يديه، أو) ذهبت يمنى
يديه (مع رجليه)، أو يسرى يديه مع رجليه، (أو) ذهبت يمنى يديه مع
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
(إحداهما) أي: إحدى رجليه، أو ذهب يسرى يديه مع إحدى رجليه: (سقط
القطع).
أما سقوطه بذهاب يمنى يديه؛ فلتعذر استيفاء الحد لتلف محله؛ كما لو
مات من عليه القود.
وأما سقوطه بتلف يسرى يديه في الأصح، لذهاب منفعة الجنس بقطع
يمناه. وإن ذهب مع ذلك رجلاه أو إحداهما كان أبعد من ثبوت القطع.
(لا إن كان الذاهب) من السارق بعد سرقته (يمنى) رجليه (أو يسرى
رجليه أو هما) يعني: أو كان الذاهب بعد سرقته رجليه يعني: فلا يسقط القطع
في الأصح؛ لبقاء منفعة جنس المقطوعة.
(و) اليد (الشَّلاء) والرجل الشلاء (ولو أُمِنَ تلفُه بقطعها) كمعدومة على
الأصح. (وما ذهب مُعْظَم نفعها) من يد ورجل؛ كما لو ذهب منها ثلاث
أصابع فًاكثر (كمعدومة) في الأصح؛ لأنه لا يحصل بقطع واحدة منهما مقصود القطع. (لا ما ذهب منها) أي: من اليد أو الرجل (خِنصر وبِنْصر) فقط،
(أو) ذهب من واحدةٍ من اليد أو الرجل (إصبع) واحدة (سواهما) أي: سوى
الخنصر والبنصر (ولو) كانت الأصبع الذاهبة فقط (الإبهام) يعني: فإنها
لا تكون كالمعدومة، وتقطع عند وجوب قطعها؛ كما لو لم يذهب منها شيء؛ لحصول مقصود القطع بقطعها.
(وإن وجب قطع يمناه) أي: يمنى السارق، (فقطع قاطع يُسراه بلا إذنه
عمدًا: فـ) عليه (القود)؛ لأنه قطع طرفًا معصمومًا. فأقيد به؛ كما لو لم يجب
قطع يمناه.
(وإلا) أن لم يتعمد: (فـ) عليه (الدية)؛ لأن ما أوجب عمده القود
أوجب خطأه الدية بدليل القتل. (ولا تُقطع يمنى السارق) بعد قطع يسراه؛ لأن قطعها يفضى إلى قطع يدي السارق وتفويت منفعة الجنس.
(وفي " التنقيح ": بلى). وعبارته: وإن قطع القاطع يسراه عمدًا أو خطأ
قطعت يمناه. انتهى.
[ ١٠ / ٥٠١ ]
وعبارته في " الفروع ": وإن وجب قطع يمينه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فالقود وإلا الدية. واختار الشيخ يعني الموفق: تجزئ ولا ضمان. وهو احتمال في " الانتصار ". وأنه يحتمل تضمينه نصف دية. انتهى.
(ويجتمع) على السارق (القطع والضمان) أي: ضمان ما سرقه. نقله
الجماعة عن أحمد؛ لأنهما حقان يجب لمستحقين. فجاز اجتماعهما؛
كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي إذا كان مملوكًا لآدمي، (فيردُّ ما سرقـ) ـه (^١) سارق (لمالكه) إن كان باقيًا؛ لأنه عين ماله.
(وإن تلف) المسروق: (فـ) على سارقه (مثل مثلي وقيمة غيره) أي:
غير المثلي كغير السارق من المتعدين.
(ويُعيد ما خرَّب من حرز)؛ لتعديه.
وفي " الانتصار ": يحتمل لا غرم؛ لهتك حرز وتخريبه.
والأول المذ هب.
(وعليه) أي: على السارق الذي وجب عليه القطع (أجرة قاطع، وثمن
زيت حَسْم) في ماله في الأصح.
أما أجرة القاطع؛ فلأن القطع حق وجب عليه الخروج منه. فكان مؤنته
عليه؛ كسائر الحقوق.
وأما ثمن زيت الحسم؛ فلأنه يلزمه حفظ نفسه وهذا منه فإنه إذا لم يحسم لم
يأمن على نفسه التلف. فوجب لذلك.
وقيل: هما في بيت المال؛ لأن بيت المال للمصالح العامة وهذا منها.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: سرق، وفي ج: يسرقه.
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
[باب: حد قطاع الطريق]
هذا (باب حَدِّ قُطَّاع الطَّريق، وهم: المكلَّفون الملتزمون ولو أنثى)؛
لأنها تحد في السرقة. فلزمها حكم المحاربة؛ كالرجل.
ولأنها مكلفة يلزمها القصاص. فلزمها الحد؛ كالرجل أو ذميين أو أرقاء.
(الذين يَعْرضون للناس بسلاح). وعلى (^١) الأصح (ولو) كان سلاحهم
(عصًا أو حجرًا في صحراء). وعلى الأصح (أو بنيان أو بحر، فيغصبون مالًا
محترمًا مجاهَرة).
والأصل في حدهم قول الله ﷾: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) [المائدة: ٣٣].
قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين؛
لقوله (^٢) ﷾ [بعد ذلك] (^٣): (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)
[المائدة: ٣٤].
والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، فلما خص الحكم بما قبل
القدرة علم أنه أراد المحاربين؛ لأن ذلك (^٤) الحكم يجب عليهم حدًا لا كفرًا،
والحد لا يسقط بالتوبة بعد وجوبه.
إذا علمت ذلك فقوله في المتن: المكلفون؛ ليخرج الصغير والمجنون.
_________________
(١) في ب: وفي.
(٢) في ب: لقول الله.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: ملك.
[ ١٠ / ٥٠٣ ]
وقوله: الملتزمون؛ ليخرج الحربي
وقوله: الذين يعرضون للناس؛ ليخرج من يعرض لصيد أو غيره.
وقوله: بسلاح؛ ليخرج من يعرض بغير سلاح؛ لأنهم لم يمنعوا ممن
يقصدهم.
وقوله: في صحراء أو بنيان أو بحر؛ لعموم الآية فيهم في جميع الأمكنة.
ولأن ضررهم في البنيان أعظم فكانوأ بالحد أولى.
وقوله: فيغصبون مالًا، ليخرج غاصب غير المال؛ كالكلب والسرجين
النجس.
وقوله. محترمًا؛ ليخرج مال الحربي وكل غاصب بحق.
وقوله: مجاهرة؛ ليخرج السارق؛ لأن المحارب إنما يعتصم بالقتال دون
الخفية. بخلاف السارق.
(ويُعتبر) لوجوب الحد على المحارب ثلاثة شروط:
الأول: (ثبوته) أي: ثبوت كونه محاربًا (ببينة أو إقرار مرتين)؛ كما
يعتبر ذلك في السرقة. ذكره القاضي وغيره.
(و) الثاني: (الحرز) بأن يغصب المال من يد محقه. فلو وجده مطروحًا
ليس بيد أحد، أو أخذه من يد من غصبه لم يكن محاربًا.
(و) الثالث: (النصاب) وهو: القدر الذي يقطع به السارق. وتقدم قدره
في الباب قبله.
ثم اعلم أن الله ﷾ ذكر في شأن المحاربين أربعة أنواع من
العقوبة، وهي: القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض. وعطف بعضهما على بعض بحرف " أو"، وهو حرف معناه إما
التخيير؛ كقولك: خذ إما هذا أو هذا، أو التشكيك؛ كقولك: جاء زيد أو
عمرو، أو الإبهام والترديد بين أمور لا يزاد عليها؛ كقولك: العدد أبدًا إما زوج
أو فرد، والشمس أبدًا إما طالعة أو غاربة. والتخيير لا معنى له في الجزاء؛
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
لاقتضاء التخيير تساوي الخصال المخير فيها، وهذه الخصال متفاوتة جدًا، لأن التفاوت بين القتل والنفي ليس باليسير وهذا ظاهر، وأما التشكيك فليس مرادًا بالإجماع؛ لأن التشكيك إنما يكون في أمور سبق وقوعها، لا في ابتداء حكم
وترتيب جزاء محلى جناية.
إذا تقرر هذا (فمن قُدر عليه) من المحاربين (وقد قَتل) إنسانًا في المحاربة
(ولو) كان ذلك الإنسان (مَن لا يقاد به) لو قتله في غير المحاربة؛ (كولده،
و) كـ (قن) يقتله حر، (و) كـ (ذمي) يقتله مسلم وكان قتل المحارب لكل
ممن ذكر وغيره (لقصد ماله)؛ لتحقق المحاربة (وأخذ مالًا: قُتل حتمًا)؛
لأنه قتل وجب لحق الله ﷾. فلم يخير الإمام فيه ولم يدخله عفو؛ كالقطع في السرقه، (ثم صُلِبَ قاتل من) أي: من قتل من (يُقاد به) لو قتله في
غيره المحاربة (حتى يَشتهر) أمره على الأصح، لأن الصلب إنما شرع، ليرتدع غيره ولا يكون ذلك إلا مع اشتهاره. (ولا يُقطع مع ذلك) أي: مع القتل
والصلب على الأصح؛ لأنه لم يذكر القتل في حديث ابن عباس. وهو ما روى الشافعي عن إبراهيم بن يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم
يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض " (^١) .
وروي نحوه مرفوعًا.
ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى فإن إتلاف البدن
يتضمن إتلاف اليد والرجل. فاكتفي بقتله؛ كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم
ضرب عنقه في الحال.
(ولو مات) من قتل من يكافئه في المحاربة، (أو قُتل قبل قتله للمحاربة:
لم يُصلَب) بعد ذلك في الأصح؛ لأنه لا فائدة في صلبه ميتًا، لأن الصلب إنما
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٢٨٢) ٢: ٨٦ كتاب الحدود، باب ما جاء في قطاع الطريق.
[ ١٠ / ٥٠٥ ]
وجب ليشتهر أمره في القتل في المحاربة وهذا لم يقتل في المحاربة.
(ولا يتحتَّم) على محارب (قود فيما دون نفس)؛ كما لو قطع في حال
المحاربه يدًا أو رجلًا أو نحو ذلك على الأصح؛ لأن القتل إنما يتحتم؛ لأنه حد المحارب إذا كان قاتلًا، فأما الطرف فإنما يستوفى هاهنا قصاصًا لا حدًا فيكون حكمه كما في غير المحارب، فإذا عفى ولي القود سقط لذلك ولا يسقط مع
تحتم قتل.
(ورِدْء) للمحارب وهو: المساعد والمغيث لصاحبه عند احتياجه إليه،
(وطَلِيع) وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها (كمباشر)؛
كما نقول في جيش المسلمين إذا دخلوا الحرب وباشر بعضهم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وكذا العَين الذي يرسله الإمام ليتعرف أخبار العدو، فيقال: حكم
يتعلق بأخذ المال على وجه المحاربة فيستوي فيه الردء (^١) والمباشر كالغنيمة.
إذا تقرر هذا (فرِدء غير مكلَّف كهو) أي: كالمباشر غير المكلف. فيضمن الردء المكلف ما باشر أخذه غير المكلف، ولا يقتل الردء المكلف إذا قتل
المباشر غير المكلف؛ لأن الردء تبع للمباشر فلا يبلغ به في الحكم ما لا يبلغه المتبوع. وتكون دية قتيل غير المكلف على عاقلته.
(ولو قَتل بعضهم) أي: بعض المحاربين المكلفين ولم يأخذ أحدٌ منهم
مالًا: (ثبت حكم القتل في حق جميعهم) أي: جميع المكلفين منهم في
الأصح. فإذا قدر عليهم قبل أن يتوبوا قتل مَن قتل ومن لم يقتل؛ لما تقدم من أن
حكم الردء حكم المباشر.
(وإن قَتل) منهم (بعضٌ، وأحذ المال بعضٌ) آخر: (تحتَّم قتلُ الجميع
وصلبُهم)؛ كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم.
(وإن قتل فقط لقصد المال: قُتل حتمًا، ولم يُصلب) يعني: أن
_________________
(١) في أ: الرداء
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
المحاربين إذا قتلوا في المحاربة لقصد المال ولم يأخذوا قتلوا حتمًا ولا يصلبون
على الأصح؛ لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ المال قتل
ولم يذكر صلبًا.
ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده. فيجب
أن تكون عقوبتهم أعلظ. ولو شرع الصلب هاهنا لاستويا.
(وإن لم يَقتل، وأخذ نصابًا لا شبهة له فيه) يعني: أن المحاربين إذا لم
يقتلوا وأخذوا نصابًا من غير شبهة لهم فيه من حرز، وهو: ما بين جمع القافلة
(لا من مفرد عن قافلة: قُطعت يده) أي: يد كل واحد من المحاربين (اليمنى ثم رجلُه اليسرى). وهذا معنى قوله سبحانه وتعالي: (مِنْ خِلافٍ) [المائدة: ٣٣]؛ ليكون أرفق به في إمكان مشيه
ولا ينتظر اندمال اليد بل يقطعان (في مقام واحد حتمًا)؛ لأن الله سبحانه
وتعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما، فيبدأ بيمينه فتقطع
وتحسم ثم برجله كذلك، (وحُسِمتا) وجوبًا، لقوله ﷺ: " اقطعوه واحسموه " (^١)
(وخُلِّيَ) أي: حال سبيله؛ لأن الحق الذي عليه قد استوفي. أشبه المدين
إذا أدّى ما عليه من الدين.
(فلو كانت يده اليسرى مفقودة، أو) كانت (يمينه شلاء، أو) كانت يمينه
(مقطوعة، أو) كانت يمينه (مستحقَّة في قود: قُطعت رجلُه اليسرى فقط) في
الأصح، لئلا تذهب منفعة جنس اليد.
(وإن عَدِمَ يُمنى يديه: لم تُقطع يمنى رجليه) في الأصح عن يمين يديه
وقطعت رجله اليسرى كما تقدم.
(وإن حارب) مرة (ثانية) وقد قطعت في المرة الأولى يمنى يديه ويسرى
رجليه: (لم يُقطع منه شيء) في الأصح؛ لأن قطع شيء زائد على ذلك يذهب بمنفعة الجنس، إما منفعة البطش أو المشي أوكليهما.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٩٨) رقم (١).
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
(وتتعيَّن دية لقود- لزم بعد محاربته- لتقديمها) أي: تقديم المحاربة.
(بسبقها، وكذا لو مات) من لزمه قود بعد محاربته (قبل قتله للمحاربة) فإنه
تتعين الدية لما لزمه من القود.
(وإن لم يقتُل) أحد من المحاربين أحدًا (ولا أخذ مالًا) يبلغ نصابًا: (نُفي
وشُرِّد ولو قنًا)؛ لقول الله ﷾: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ)
[المائدة: ٣٣]. ويروى عن ابن عباس: أن النفي يكون في هذا الحال.
ولأن المناسب أن يكون الأخف بإزاء الأخف. وأخف الجرائم في
المحاربة: أن يشهر السلاح، فيخاف السبيل بذلك من غير أن يأخذ المال ولا يقتل النفس. فيجب أن يرتب على ذلك الأخف من الجزاء وهو النفي من الأرض.
وعلى الأصح أن معنى النفي ما أشير إليه بقوله:
(فلا يُترك يأوي إلى بلد، حتى تظهر توبته).
وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه من ضربٍ وحبسٍ ونفيٍ.
(وتُنفى الجماعة متفرِّقة) فينفى كل وأحد منهم إلى جهة خشية أن يجتمعوا
على المحاربة ثانيًا.
(ومن تاب منهم) أي: من المحاربين (قَبل قدرةٍ عليه سقط عنه حق الله
تعالى: من صلب، وقطع، ونفي، وتحتُّم قتل). وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لقول الله ﷾: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (؟؟» [المائدة: ٣٤].
(وكذا) في الأصح (خارجيٌ وباغٍ ومرتدٌ محارب) تاب قبل القدرة عليه.
وعلم مما تقدم أن من تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ مما تقدم؛
لقول الله ﷾: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) [المائدة: ٣٤] فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدره. فمن عداهم يبقى على قضية
العموم.
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، والتوبة بعد القدره عليه
الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه.
ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبًا في توبته، والرجوع
عن محاربته وإفساده، فناسب ذلك الإسقاط عنه. وأما بعد القدرة عليه فلا
حاجة إلى ترغيبه، لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة.
(ويؤخذ غير حربي أسلم) من ذمي ومستأمن ومسلم محارب، (بحق الله)
﷾ (وحقِّ آدمي طَلَبَه) من قصاص في نفس أو دونها، وغرامة مال
ودية لما لا قصاص فيه، إلا أن يعفو مستحق ذلك عنه، لأن الله ﷾
إنما يغفر حقه دون حق غيره.
(ومن وجب عليه حدّ صرقة أو زنًا أو شرب، فتاب) منه (قبل ثبوته) عند الحاكم: (سقط) عنها بمجرَّد توبة قبل إصلاح عمل) على الأصح؛ لقول ألله
﷾. (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا)
[النساء: ١٦]. وذكر حد السارق ثم قال: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) [المائدة: ٣٩].
وقال النبي ﷺ: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " (^١) . ومن لا ذنب له لاحدعليه.
ولأن النبي ﷺ أعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربع مرات (^٢) .فلولم يسقط
عنه الحد بالتوبة قبل الثبوت لم يجز الإعراض عنه حتى يستفسره.
وفي حديث صفوان أنه لما وهب له ثمن الخميصة قال له النبي ﷺ: " فهلا
قبل أن تأتيني به " (^٣) .
ولو لم يسقط بذلك قبل أن يرفع إليه لم يقيل ذلك لأنه كان يجب أن يرفعه
إليه؛ ليقيم عليه الحد.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٢٥٠) ٢: ١٤١٩ كتاب الزهد، باب ذكر التوبة.
(٢) سبق ذكر حديث ماعز وتخريجه ص (٤٢٨) رقم (١).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٨٠) رقم (٢).
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يتب حتى ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة؛ لما
روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب " (^١) . رواه النسائي وأبو داود.
(كبموت) يعني: أن الحد يسقط [بالتوبة كما يسقط] (^٢) بالموت، لكن
سقوطه بالموت لفوات محله، كما يسقط غسل ما ذهب من أعضاء الطهارة.
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٧٦) ٤: ١٣٣ كتاب الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٨٦) ٨: ٧٠ كتاب قطع السارق، ما يكون حرزًا وما لا يكون. كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاصى.
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٥١٠ ]
] فصل: في الصائل]
(فصل. ومن أريدت نفسه، أو) أريدت (حرمته، أو) أريد (ماله) يعني: أنه لو قصد إنسان إنسانا يريد قتله، أو الزنا بحرمته من أمه وبنته وأخته وزوجته ونحو ذلك من أقاربه أو يريد أخذ ماله (ولو قل) المال الذي يريد أخذه، (أو لم يكاف) من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله (المريد) لشيء من ذلك: (فله دفعه) عن نفسه وحرمته وماله (بأسهل ما) أي: بأسهل شيء (يظن اندفاعه به)؛ لأنه لو منع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله.
ولأنه لو لم يجز له ذلك؛ لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى
الهرج والمرج.
ولأن الزائد عليه لا حاجة إليه كحصول الدفع بدونه.
والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل. فقال:
يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلنى. قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار " (^١) . رواه أحمد ومسلم.
ولأنه لا حق له فيه.
وفي لفظ لأحمد في حديث أبي هريرة: " أنه قال له أولًا: أنشده الله.
قال: فإن أبى علي. قال: قاتله (^٢) ".
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠) ١: ١٢٤ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه. ولم أره في أحمد.
(٢) في أوب: قاتل.
[ ١٠ / ٥١١ ]
ولأن الغرض من ذلك الدفع، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب، لعدم الحاجة إليه.
(فإن لم يندفع إلا بقتل: أبيح) قتله، (ولا شيء عليه) أي: على قاتله. (وإن قتل كان شهيدا)؛ لحديث أبي هريرة المتقدم.
ولما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: " من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد " (^١) . رواه الخلال بإسناده.
ومن يقاتل لا يخلو إما أن يقتل أو يُقتل، فإذا كان شهيدا إذا قتل دل ذلك على جواز القتال، إذ لو (^٢) لم يجز لكان مهلكا لنفسه. وإذا قتله فلا ضمان عليه في قتله؛ لأنه قتل لدفع شر الصائل. فلم يجب به شيء؛ كقتل العادل الباغي.
(ومع مزح) في قتل (يحرم قتل، ويقاد به).
قال في " الفروع ": ولا يجوز فى حال مزح. ذكره في " الانتصار ". ويقاد به. وذكره جماعة في التعريض بالقذف. انتهى.
(ولا يضمن بهيمة صالت عليه) إذا قتلها؛ كصغير ومجنون، لاشتراكهم
في المجوز لدفع وهو الصول.
(ولا) يضمن أيضا (من دخل منزله متلصصا) لكن لو أمره صاحب المنزل بالخروج فخرج لم يملك أن يفعل به شيئا؛ لأن المقصود إخراجه وقد خرج. فلو لم يخرج فله ضربه بأسهل ما يعلم أو يظن أنه يندفع به، فإن خرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد. وإن ولى هاربا لم يكن له قتله ولا اتباعه كالبغاة. وإن ضربه ضربة غليظة لم يكن له عليه أرش، لأنه كفي شره. وإن ضربه فقطيع يمينه فولى مدبرا فقطع رجله فالرجل مضمونة؛ لأنه في حال لا يحل له ضربه واليد غير مضمونة، فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية. وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الأخرى فاليدان غير مضمونتين.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٨٢٩) ٢: ١٩٤. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨: ١٨٧ كتاب قتال أهل البغي. باب من أريد ماله أو أهله.
(٢) ساقط من أوب.
[ ١٠ / ٥١٢ ]
(ويجب) على من أريدت حرمته الدفع (عن حرمته) في المنصوص. فمن " رأى مع امرأته أو ابنته أو أخته أو نحوهن رجلا يزني بها، أو رجلا يلوط بابنه أو نحوه وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه اجتمع فيه حق الله ﷾ وهو منعه من الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة هذه الحقوق. (وكذا) يجب على الإنسان الدفع (في غير فتنة عن نفسه ونفس غيره) على الأصح، لقول الله ﷾: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]. وكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتل نفسه.
ولأنه قدر على إحياء نفسه. فوجب عليه فعل ما تبقى معه الحياة " كالمضطر إذا وجد الميتة. وكذا عن نفس غيره، لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، وكإحيائه ببذل طعامه. ذكره القاضي وغيره.
(لا عن ماله) يعني: أنه لا يجب على إنسان دفع من أراد ماله على الأصح؛ لأنه ليس فيه من المحذور ما في النفس، فإن المال لا حرمة له كحرمة النفس، فلا يجب عليه أن يفعل بسبب المال ما فيه الخطر على نفسه، لأنه ربما لم يمكنه دفع الصائل بدون القتال ولا يأمن أن يقتله الصائل، فناسب ذلك عدم وجوبه عليه.
(و. لا يلزمه) أي: لا يلزم رب المال (حفظه عن الضياع والهلاك).
قال في " الفروع ": ولا يلزمه عن (^١) ماله على الأصح، كما لا يلزمه حفظه
من الضياع والهلاك. ذكره القاضي وغيره.
وفي " التبصرة ": في الثلاثة يلزمه في الأصح.
(وله بذله) أي: بذل ماله لمن أراده منه على وجه الظلم. وذكر القاضي أن
بذله أفضل من الدفع عنه، وأن حنبلا نقله عن أحمد ولفظه: أرى دفعه إليه ولا يأتي على نفسه (^٢)، لأنها لا عوض منها.
_________________
(١) في ب: غير.
(٢) في أ: تأتي لنفسه.
[ ١٠ / ٥١٣ ]
ونقل أبو الحارث: لا بأس.
قال المروذي وغيره: كان أبو عبد الله لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رجلا قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؛ قال: فأتت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار " (^١) .
فظاهر هذا الحديث أن الأفضل لرب المال أن لا يبذله لمريده.
(ويجب) على كل مكلف الدفع (عن حرمة غيره، وكذا ماله) يعني:
وكذا يجب عليه الدفع عن مال غيره؛ لئلا تذهب الأنفس أو الأموال أو تستباح الحرم. وإنما يجب الدفع عن حرمة غيره أو مال غيره (مع ظن سلامتهما) أي: سلامة الدافع والمدفوع عن حرمته أو ماله. (وإلا) أي: وإن لم تظن سلامتهما مع الدفع: (حرم) لإلقاء نفسه في التهلكة مع عدم ظنه سلامتهما مع الدفع. (ويسقط) وجوب الدفع عن حرمة غيره أو ماله (بإياسه) من فائدة دفعه،
(لا بظنه أنه) أي: أن دفعه (لا يفيد)، لأنه ظن لا يسقط به الواجب المتيقن. (ومن عض يد شخص- وحرم) أي: والحال أنه عض محرم لكونه متعديا، لأن العض لا يباح إلا أن لا يقدر العاض على التخلص إلا به- (فانتزعها) من فمه (ولو) كان نزعه (بعنف) أي: بشدة (فسقطت ثناياه) أي: ثنايا العاض: (فهدر) أي: فلا شيء عليه في ثنايا العاض. والأصل في ذلك ما روى عمران بن حصين " أن رجلا عض رجلا. فنزع يده من فيه. فوقعب ثنيتاه. فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك " (^٢) . رواه الجماعة إلا أبا داود
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥١١) رقم (٢).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٩٧) ٦: ٢٥٢٦ كتاب الديات، باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٧٣ ١) ٣: ١٣٠٠ كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، =
[ ١٠ / ٥١٤ ]
ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه. فلم يضمن، كما لو صال عليه
فلم يمكنه دفعه إلا بقطع يده.
(وكذا) أي: وكالعض في الحكم (ما في معنى العض. فإن عجز) إنسان
عن خلاص نفسه ممن لزمه: (دفعه كصائل) عليه. فله أن يعصرخصيتيه، فإن لم يمكنه فله أن يبعج بطنه.
وقد روي " أن جارية خرجت من المدينة تحتطب. فتبعها رجل فراودها عن نفسها. فرمته بنهر فقتلته. فرفع ذلك إلى عمر. فقال: هذا قتيل الله. والله!
لا يودى أبدا " (^١) .
ومعنى قتيل الله: أن الله أباح قتله.
ولأنه إتلاف بدفع أبيح. فوجب أن يسقط ضمانه؛ كالعادل إذا قتل الباغي.
(ومن نظر في بيت غيره، من خصاص باب مغلق) وخصاص الباب: الفروج والخلل الذي تكون فيه، (ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يمكن الاطلاع منه؛ كالفروج التي بالحائط أو ببيت الشعر (ولو لم يتعمد) الناظر الاطلاع على ما في البيت، (لكن: ظنه) رب البيت (متعمدا فخذف) بالخاء والذال المعجمتين (عينه أو نحوها، فتلفت) عينه أو نحوها، كحاجبه: (فهدر، ولا يتبعه)، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من اطلع في بيت قوم ففقؤا عينه
_________________
(١) = باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه فأتلف. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤١٦) ٤: ٢٧ كتاب الديات، باب ما جاء في القصاص. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٧٦٠) ٨: ٢٩ كتاب القسامة، القود من العضة وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عمران بن حصين. واخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٧٥) ٢: ٨٨٧ كتاب الديات، باب من عض رجلا فنزع يده فندر ثناياه. وأخرجه أحمد فيء مسنده " (٠ ١٩٧٤) ٤: ٤٢٧. أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨: ٣٣٧ كتاب الأشربة والحد فيها، باب الرجل يجد مع امرأته الرجل فيقتله.
[ ١٠ / ٥١٥ ]
فلا دية ولا قصاص " (^١) . رواه أحمد والنسائي.
وفي رواية: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا
عينه " (^٢) . رواه أحمد ومسلم.
وعن سهل بن سعد: " أن رجلا اطلع في حجرات رسول الله ﷺ. ومع رسول الله ﷺ مدرى يرجل به رأسه. فقال: لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك. إنما جعل الإذن من أجل البصر " (^٣) . متفق عليه.
والمدرى: الحديدة التي يدرى به الشعر أي: يسوى ويلوى وهي حديدة تشبه قرن الظبي.
ولأن المساكن حمى ساكنها ولهم منع غيرهم من دخولها إلا بإذنهم. والمقصود منها ستر عوراتهم عن الناس فإذا تطلع فيها غيرهم كان في حكم الصائل فلهم دفعه وإن أدى إلى التلف. والعين هي الآلة للنظر، فإذا دفع نظرها عنه بإتلافها لم يضمن، كما لا يضمن بإتلاف نفس الصائل.
وهذا (بخلاف مستمع وضع اذنه في خصاصه) أي: خصاص بابه فإنه ليس
له قصد أذنه بطعن أو نحوه (قبل إنذاره). قاله فى " الترغيب ". فينذره أولا قبل أن يطعنه في أذنه.
(و) بخلاف (ناظر من) باب (منفتح) في الأصح فيهما.
قال في " الإنصاف ": لو تسمع الأعمى على من في البيت: لم يجز طعن
_________________
(١) أخرجه النسائى في " سننه " (٤٨٦٠) ٨: ٦١ كتاب القسامة، باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٩٨٥) ٢: ٣٨٥.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٥٨) ٣: ١٦٩٩ كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٦٠٥) ٢: ٢٦٦.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٨٧) ٥: ٤ ٠ ٢٣ كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٥٦) ٣: ١٦٩٧ كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره.
[ ١٠ / ٥١٦ ]
أذنه على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. ثم قال: قال في " القواعد الأصولية ": هكذا ذكره الأصحاب الأعمى إذا تسمع وحكوا فيه القولين. قال: والذي يظهر أن تسمع البصير يلحق بالأعمى على قول ابن عقيل، سواء كان أعمى أو بصيرا. انتهى.
قلت: وهو الصواب. والذي يظهر أنه مرادهم.
وإنما لم يذكروه حملا على الغالب؛ لأن الغالب من البصير ينظر ولا يتسمع (^١) . والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في أ: يستمع.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
] باب: قتال أهل البغي]
هذا (باب قتال اهل البغي).
والأصل في ذلك قوله ﷾: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجر ات: ٩].
والبغي: الجور والظلم والعدول عن الحق. والبغي: بتشديد الياء: الفاجرة. وسموا بغاة؛ لأنهم يعدلون عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
وفي الآية خمس فوائد:
إحداها: أنه (^١) لم يخرجهم بالبغي عن الإيمان، وسماهم مؤمنين.
الثانية: أنه أوجب قتالهم؛ لأنه أمر به.
الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاؤا إلى أمر الله.
الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم.
الخامسة: أنها أفادت جواز قتال كل من يمنع حقا عليه.
وروى عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه " (^٢) . رواه أحمد ومسلم.
_________________
(١) في ب: أحدها أنهم.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٥٢) ٣: ١٤٨٠ كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع. واخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٧٦٦) طبعة إحياء التراث.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه. فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية " (^١) . متفق عليه. وأجمعت الصحابة على قتال البغاة، فإن عليا قاتل أهل النهروان ولم ينكره أحد.
(وهم) أي: والبغاة هم: (الخارجون على إمام- ولو غير عدل- بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم) شخص (مطاع) في الأصح.
(ومتى اختل شرط من ذلك) بأن. لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعا (^٢) يسيرا لا شوكة لهم: (فقطاع طريق) يعني: فحكمهم حكم قطاع الطريق.
(ونصب الإمام) على المسلمين (فرض كفاية) يخاطب بذلك طائفتان من الناس:
إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا.
والثانية: من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة.
أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط:
أحدها: العدالة.
والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة.
والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح.
وكون نصب الإمام فرض كفاية، لأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٦٤٦) ٦: ٢٥٨٨ كتاب الفتن، باب قول النبي صصص: " سترون بعدي أمورا تنكرونها ". واخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٤٩) ٣: ١٤٧٧ كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.
(٢) في ب: جميعا.
[ ١٠ / ٥١٩ ]
البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(ويثبت) نصب الإمام (بإجماع) أي: إجماع أهل الحل والعقد على اختيار إنسان موصوف بالأوصاف الآتي ذكرها. فإذا أجابهم إلى قبول الإمامة انعقدت الإمامة له (^١) ببيعتهم، ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته. (و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (نص) بأن يعهد الإمام بالإمامة إلى إنسان ينص عليه بعده. ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عهد إلى عمر رضي الله تعالى عنه بالإمامة ولم يحتج في ذلك إلى أحد.
(و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (اجتهاد)، لأن عمر رضي الله تعالى عنه
لما جعل أمر الإمامة شورى بين سته من الصحابة، وكان لا يجوز عقد الإمامة لأكثر من واحد احتاجوا إلى الاجتهاد في أن يُختار لها واحد من الستة حتى وقع اتفاقهم على عثمان رضي الله تعالى عنه (^٢) .
(و) يثبت أيضا نصب الإمام ب (قهر)، كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح
لها كل منهم فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته؛ لقول أحمد رضي الله تعالى عنه ورحمه في رواية أبي الحارث: في الإمام خرج عليه من يطلب الملك فتفتتن (^٣) الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؛ قال: مع من غلب. وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول.
وقال أيضا في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا. انتهى.
_________________
(١) في ج: بتعاطيهم له.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " بطوله (٣٤٩٧) ٣: ١٣٥٣ كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة.
(٣) في ج: يخرج عليه من يطالب الملك فتفتن.
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
وذلك لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها ودعوه إماما.
ولما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم.
ولدخول الخارج في عموم قوله ﷺ: " من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان " (^١) .
وإنما تثبت الإمامة في هذه الصور (لقرشي) أي: من قريش وهم بنوا النضر بن كنانة؛ لقول احمد في رواية مهنا: لا يكون من غير قريش خليفة. ولقول المهاجرين للأنصار: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم في ذلك الأخبار.
(حر) فلا يجوز أن يكون قنا أو مبعضا؛ لأن الإمام تكون له الولاية العامة.
فلا يجوز أن تكون عليه ولاية لأحد.
(ذكر)؛ لاشراط ذلك في القاضي، فهو في الإمامة العظمى أبلغ.
(عدل)؛ لاشراط ذلك في ولاية القضاء التي هي دون الإمامة العظمى.
(عالم) بالأحكام الشرعية؛ لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه.
(كاف ابتداء ودواما) يعني: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة. ثم إن كان به عارض في بدنه نظر، فإن كان يرجى زواله؛ كالإغماء فهذا لا يمنع عقدها ولا استدامتها؛ " لأن النبي ﷺ أغمي عليه في مرضه " (^٢) . وإن كان لا يرجى زواله؛ كالجنون والخبل
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٠٢٣) ٧: ٩٣ كتاب تحريم الدم، قتل من فارق الجماعة وذكر الاختلاف على زياد بن علاقة، عن عرفجة فيه.
(٢) عن سالم بن عبيد قال: " أغمي على رسول الله صصص في مرضه. ثم أفاق. فقال: أحضرت الصلاة؛ قالوا: نعم. قال: مر وا بلالا فليؤذن. ومروا أبا بكر فليصل بالناس ". أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٢٣٤) ١: ٣٩٠ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة رسول الله صصص في مرضه.
[ ١٠ / ٥٢١ ]
إذا لم يتخللهما إفاقة فهذا يمنع الابتداء والاستدامة. وإن تخللتهما إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة، وكان الجنون والخبل أكثر زمانه، فهو كما لو كان مطبقا.
وأما ضعف البصر فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة.
وأما فقد الشم أو الذوق الذي لا يفرق به بين المطعوم لم يؤثر ذلك في عقد الإمامة؛ لأنها لا مدخل لهما في الرأي والعمل.
وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء والاستدامة؛ لأن موسى كليم الله ﷾ لم تمنعه عقدة لسانه من النبوة فأولى أن لا تمنع الإمامة.
وأما قطع الذكر والأنثيين فلا يمنع من عقد الإمامة ولا استدامتها؛ لأن فقد
ذلك يؤثر في التناسل دون الرأي والحركة فجرى مجرى العنة. وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس أن يحيى بن زكريا صلى الله وسلم عليهما لم يكن له ذكر يغشى به النساء وكان كالنواة. فلما لم يمنع ذلك من النبوة أولى أن لا يمنع من الإمامة.
وأما ذهاب اليدين والرجلين فيمنع من ابتداء عقدها واستدامتها لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة من العمل باليد أو النهضة بالرجل. وأما إن قهره من أعوانه من يستبد بتدبير الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهدة بشقاق لم يمنع ذلك من استدامته ولا يقدح ذلك في ولايته، ثم ينظر في أفعال من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين جاز إقراره عليها؛ تنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف من العقود الدينية ما يعود بفساد على الأمة، وإن كانت خارجة عن حكم الدين لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض على يده ويزيل تغلبه.
(ويجبر) على الإمامة شخص (متعين لها)؛ لقول أحمد فى رواية المروذي: لا بد للمسلمين من حاكم. أتذهب حقوق الناس؟.
(وهو) أي: والإمام (وكيل) للمسلمين (فله عزل نفسه) مطلقا كسائر
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
الوكلاء. (ولهم) أي: وللمسلمين (عزله إن سألها) أي: سأل الإمامة. (وإلا: فلا) أي: وإن لم يسأل الإمامة فليس لهم عزله.
(ويحرم قتاله) أي: أن يقاتلوه.
(وإن تنازعها) أي: تنازع الإمامة (متكافئان) اي: اثنان كل منهما كاف ابتداء ودواما: (أقرع) بينهما. فيبايع من خرجت له القرعة بينهما.
وصفة العقد: أن يقول له كل من أهل الحل والعقد: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة. ولا يحتاج مع ذلك إلى صفقة. اليد.
(وإن بويعا) واحدا بعد واحد (فالإمام: الأول) اي: من بويع أولا. (و) إن بويعا (معا) أي: في وقت واحد (أو جهل السابق) أي: من بوييع أولا: (بطل العقد)؛ لأن العمل ببيعة أحدهما ترجيح من غير مرجح.
إذا تقرر هذا فمن ثبتب إمامته لزمه من أمور الأمة عشرة أشياء:
الأول: حفظ الدين على الأصول التي أجميع عليها سلف الأمة؛ فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأخذه بما يلزمه من الحقوق؛ ليكون الدين محروسا من الخلل.
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع ما بينهم من الخصومات.
الثالث: حماية البيضة، والذب عن الحوزة؛ لمتصرف الناس في معايشهم، ويسيروا في الأسفار آمنين.
الرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله ﷾ عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرما، أو يسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع بالنص أو الاجتهاد من غيرعسف.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير.
التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور (^١)، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بغير ذلك فقد يخون الأمين، ويغش الناصح.
وإذا قام الإمام بحقوق الأمه وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة.
(وتلزمه مراسلة بغاة)، لأن المراسلة طريق إلى الصلح، ووسيلة إلى رجوعهم إلى الحق. وقد روي أن علي بن أبي طالب راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل.
و" لما اعتزلته الحوورية بعث (^٢) إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله
ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف " (^٣) .
(و) تلزمه أيضا (إزالة شبههم) " لأن في كشف شبههم رجوع إلى الحق وذلك المطلوب منهم.
(و) تلزمه أيضا إزالة (ما يدعونه من مظلمة)، لأن ذلك واجب مع إفضاء
الأمر به إلى القتل والهرج. فلأن يجب في حال يؤدي إلى ذلك بطريق الأولى. وذلك لأن الله ﷾ أمر بالإصلاح أولا في قوله ﷾: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم، وكشف
شبهتهم، وإزالة ما يدعونه من مظلمة فإن كان ما ينفونه ممن لا يحل فعله أزاله،
_________________
(١) في ب: الأموال.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ١٧٩ كتاب قتال أهل البغي، باب لا يبدأ الخوارج بالقتال حتى يسألوا
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
وإن كان مما يحل فعله لكن يلبس عليهم الأمو فيه فاعتقدوا أنه مخالف للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه؛ فإن عليا ﵇ بعب ابن عباس إلى الخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم ليسألهم عن سببا خروجهم وبين لهم الشبهة التي تمسكوا وهي قصة مشهورة (^١) .
(فإن فاءوا) أي: رجعوا عما هم فيه من البغي وطلب القتال، (وإلا: لزم) إماما (قادرا قتالهم)؛. لقوله ﷾: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) [الحجرات: ٩].
(وعلى رعيته معونته) على قتالهم، لقول الله ﷾:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩].
ولقوله ﷺ: " من فارق الجماعه شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " (^٢) .
رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
وربقة الإسلام: بفتح الراء وكسرها: استعارة لما يلزم العنق من حدود
الإسلام وأحكامه.
(فإن استنظروه مدة) بأن قالوا: انظرنا حتى نرى رأينا وننظر في أمرنا، (ورجاء فيئتهم) في تلك المده: (أنظرهم) وجوبا، لأنهم لم يظهر منهم أمر يوجب قتالهم. فوجب تركهم، كما لو لم ينفردوا عن الناس. . وربما كان قولهم حقا فإن النظر في الأمور يحتاج إلى مهلة وفكر فإذا طلبوه لم يكونوا ملومين فيه، وفي إنظارهم مصلحة حفظ دماء المسلمين والكف عن القتال.
(وإن خاف مكيدة) بإنظارهم مثل: أن يخاف مددا يأتيهم، أو ان يتحيزوا
إلى فئة تمنعهم، أو يكثر بها جمعهم ونحو ذلك: (فلا) يجب عليه إنظارهم ولا يجوز؛ لأن ذلك يصير طريقا إلى قهر أهل الحق. ويحرم عليه أن يؤخر
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "مستدركه " بطوله (٢٦٥٦) ٢: ١٦٤ كتاب قتال أهل البغي. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨: ١٧٩ كتاب قتال أهل البغي، باب لا يبدأ الخوارج بالقتال.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٧٥٨) ٤: ٢٤١ كتاب السنة باب في الخوارج. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٦٠١) ٥: ١٨٠.
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
قتالهم (ولو أعطوه مالا أو رهنا) على تأخير القتال؛ لأنه يخلى سبيل الرهن إذا انقضت الحرب كما تخلى الأسارى ولا يجوز قتلهم. وإن سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن أهل العدل فإن قوي عليهم لم يجز إقرارهم على ذلك، وإلا جاز.
(ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه؛ كمنجنيق ونار) إلا لضرروة تدعو إلى ذلك
كما في دفع الصائل؛ لأن الرمي بذلك يتلف المقاتل وغير المقاتل ويتلف الأموال. وغير المقاتل لا يحل قتله كما لا يحل إتلاف أموالهم.
(و) يحرم (استعانة بكافر) في قتال البغاة؛ لئلا يكون مسلطا للكفار على دماء المسلمين. وقد قال الله ﷾: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا) [النساء: ١٤١].
(إلا لضرورة) مثل: أن يعجز أهل العدل عن البغاة لقلتهم فيجوز للحاجة،
و(كفعلهم إن لم نفعله)؛ كما لو رمونا بما يعم إتلافه إن لم نرمهم به، وكما لو استعانوا على أهل العدل بالكفار.
(و) يحرم أيضا (أخذ مالهم)؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة أموالهم تابعة لدينهم.
(و) يحرم أيضا أخذ (ذريتهم)؛ لأنهم لم يحصل منهم سبب أصلا يقتضي ذلك. بخلاف آبائهم فإنه قد وجد منهم البغي والقتال.
(و) يحرم أيضا (قتل مدبرهم، و) قتل (جريحهم)؛ لما روى مروان قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن " (^١) . رواه سعيد.
وعن عمار نحوه.
وكالصائل.
_________________
(١) أخرجه البيهقى في "السنن الكبرى" ٨: ١٨١ كتاب قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاؤا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم.
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
ولأن شرط حل قتالهم كونهم مقاتلين والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل، والجريح تمنعه جراحته عن القتال. والإجهاز- بالزاي- قتله فيكون ممنوعا منه، لأنه قتل من لم يقاتل.
(و) يحرم أيضا قتل (من ترك القتال)؛ لما تقدم من قول علي رضي الله تعالى عنه: " ومن القى السلاح فهو آمن ".
(و) إذا تقرر هذا فمن قتل من أهل العدل إنسانا من أهل البغي ممن يمنع من
قتله فإنه (لا قود) عليه (فيه) في الأصح للشبهة، (ويضمن) بالدية.
(ويكره) لكل من أهل العدل (قصد رحمه الباغي)؛ كأخيه وعمه ونحوهما الذين من أهل البغي (بقتل) في الأصح، لقول الله ﷾: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥].
قال الشافعي: كف النبي ﷺ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه.
وقال بعضهم: لا يحل. وذكره (^١) في " الفروع " احتمالا؛ لأنه يقال: أمر بمصاحبته بالمعروف.
(وتباح استعانة عليهم) أي: على أهل البغي (بسلاح أنفسهم وخيلهم، وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط) لا لغير ضرورة في الأصح، لأن الإسلام عصم أموالهم. وإنما أبيح قتالهم، لردهم إلى الطاعة. فيبقى المال على العصمة، كمال قاطع الطريق.
ولنا: جواز ذلك مع الضرورة فإنه مثل أكل مال الغير في المخمصة.
(ومن أسر منهم) أي: من أهل البغي (ولو) كان (صبيا أو) كان (أنثى: حبس حتى لا شوكة ولا حرب) يعني: حتى تنكسر شوكتهم وتنقضي حربهم، لأن في إطلاقهم قبل ذلك ضررا على أهل العدل؛ لأنه ربما تحصل منهم مساعده المقاتلة. وفي حبسهم كسر قلوب البغاة وإضعاف لها. فإذا انكسرت شوكتهم
_________________
(١) في ج: وذكروه.
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
وقضي حربهم زال المانع الذي حبسوا من أجله. فوجبت تخليتهم.
(وإذا انقضت) الحرب (فمن وجد منهم) أي: من أهل البغي (ماله بيد غيره) من أهل العدل أو البغي: (أخذه) منه، لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين فلا يجوز اغتنامها، لأن ملكهم لم يزل عنها بالبغي. وقد روي أن عليا ﵇ قال يوم الجمل: " من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه. فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب علي وهو يطبخ فيها. فسأله إمهاله حتى ينضج الطبيخ. فأبى وكبه وأخذها ".
(ولا يضمن بغاة ما أتلفوه) على أهل العدل (حال حرب) على الأصح؛ (كـ) ما أنه لا ضمان على (أهل عدل) فيما أتلفوه على أهل بغي حال حرب " لأن عليا رضي الله تعالى عنه لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال. فلم يطالبهم بدية مقتول، ولا بقيمة متاع متلف.
قال الزهري: " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن
لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه " (^١) . ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به.
ولأنه إتلاف من طائفة ممتنعه بتأويل سائغ. فلا يضمن به؛ كأهل العدل. (ويضمنان) أي: أهل العدل وأهل البغي (ما أتلفا) على غيرهما (في غير حرب) من نفس ومال؛ لأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع. فضمنت؛ كأموال غيرهم ونفوسهم.
(وما أخذوا) أهل البغي (حال امتناعهم) أي: حال كونهم في منعة عن
أهل العدل: (من زكاة، وخراج، وجزية: اعتد به) لمن دفعه لهم. فلا يجب عليه مرة ثانية إذا ظفر به أهل العدل، لأن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه أهل البغي.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ١٧٥ كتاب قتال أهل البغي، باب من قال لا تباعة في الجراح والدماء وما فات.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه
زكاتهم.
ولأن في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما على الناس فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة. فلو لم يحتسب بما (^١) أخذوه لأدى إلى فناء الأموال باستيفاء الصدقات وغيرها في تلك السنين كلها.
(ويقبل بلا يمين) ممن وجبت عليه زكاة (دعوى دفع زكاة إليهم) [أي:
إلى البغاة [(^٢)، لأنه لو ادعى دفعها إلى الفقراء قبل قوله بلا يمين، فكذلك إذا ادعى دفعها إلى غير الفقراء ممن يسقطها الدفع إليه فإنه يقبل قوله من غيريمين؛ لأن الزكاة حق لله ﷾. فلا يستحلف عليه " كالصلاة.
(لا) قول من عليه خراج من دفع (خراج) إليهم إلا ببينة، (ولا) قول من
عليه جزية في دفع (جزية) إليهم (إلا ببينة) في الأصح فيها " لأن كلا منهما عوض والأصل عدم الدفع.
(وهم) أي: وأهل البغي (في شهادتهم و) في (إمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل)، لأن التأويل الذي له مساغ في الشرع لا يوجب تفسيق قائله والذاهب إليه. أشبه المخطى من الفقهاء في فرع من الأحكام. فيقضى بشهادتهم إذا كانوا عدولا، ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا. وإذا كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه والعمل بمقتضاه، لأنه قاض ثابت القضاء.
ومحل ذلك: إذا كان أهلا للقضاء. فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا
على الإمام فلا تقبل لهم شهادة، ولا يجوز أن يكونوا قضاة، لأنهم فساق. (وإن استعانوا) أي: البغاة (بأهل ذمة، أو) أهل (عهد: انتقض عهدهم، وصاروا كأهل حرب) بإعانتهم أهل البغي على قتال أهل العدل، كما لو انفرد أهل الذمة بقتال المسلمين.
_________________
(١) في ب: ما.
(٢) زيادة من ج.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
ومحل ذلك: إن علموا الحكم في ذلك، (إلا إن ادعوا شبهة كـ) دعوى
ظن (وجوب إجابتهم) أي: إجابة أهل البغي، لأنهم من المسلمين ونحن لا نعلم البغاة من أهل العدل، أو ظننا أنهم هم أهل العدل وأنه يجب علينا القتال معهم فإنه يقبل منهم ذلك، لأنهم ادعوا ممكنا، والعهد لا ينتقض إلا مع تحقيق سببه.
(ويضمنون) أي: أهل الذمة (ما أتلفوه من نفس ومال) على المسلمين،
كما لو انفردوا به عن أهل البغي. وإنما لم يضمنه أهل البغي، لأن الله ﷾ أمر بالإصلاح بين المسلمين ولما كان التضمين منافيا للإصلاح؛ لما فيه من التنفير وجب ألا يضمن. بخلاف الكفار فإنا لم نؤمر بالإصلاح بينهم وبين المسلمن فإن عداوتهم قائمة ما داموا كفارا. فلم يكن في تضمينهم ضرر. فوجب لذلك.
(وإن استعانوا) أي: أهل البغي (بأهل حرب، وأمنوهم: فكعدمه) يعني: فإنه لا يصح أمانهم؛ لأنهم إنما عقدوا الأمان بينهم على قتالنا وهو محرم فلا يكون ذلك سببا لعصمتهم، فيباح قتلهم مقبلين ومدبرين، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم، (إلا أنهم في أمان، بالنسبة إلى بغاة)، لأنهم أمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم.
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
] فصل: في الخوارج]
(فصل. وإن أظهر قوم رأي الخوارج) مثل تكفير من ارتكب الكبيرة ونحو ذلك، (ولم يخرجوا عن قبضة الإمام) أي: ولم يجتمعوا لحرب: (لم يتعرض لهم)؛ لما روي " أن علي بن أبي طالب كان يخطب. فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا لله. تعريضا بالرد عليه فيما كان من تحكيمه. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال " (^١) .
(وتجري الأحكام علهيم كأهل العدل).
فعلى هذا: حكمهم حكم غيرهم في ضمان النفس والمال ووجوب الحد؛
لأن الإمام يلزمه الحكم بذلك على من في قبضته من المسلمين من غير اعتبار لاعتقاده فيه.
(وإن صرحوا بسب إمام، أو) بسب (عدل، أو عرضوا به) أي: بسب إمام أو عدل: (عزروا) في الأصح مع التعريض.
(ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين) وأموالهم (بتأويل: ف) هم (خوارج بغاة، فسقة). قدمه في " الفروع ". ثم قال: وعنه: كفار.
وفي " الترغيب " و" الرعاية ": هو أشهر. وذكر ابن حامد: أنه لا خلاف
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٣٧٩١٧) ٧: ٥٦١ كتاب الجمل، ما ذكر في الخوارج.
[ ١٠ / ٥٣١ ]
وذكر ابن عقيل في " الإرشاد " عن أصحابنا: تكفير من خالف في أصل؛
كخوارج، ورافضة، ومرجئه.
وذكر غيره روايتين فيمن قال: لم يخلق الله المعاصي، أو وقف فيمن
حكمنا بكفره، وفيمن سب صحابيا غير مستحل، وأن مستحله كافر.
وفي " المغني ": يخرج في كل محرم اسمحل بتأويل؛ كالخوارج ومن كفرهم فحكمهم عنده كمرتدين. قال في " المغني ": هذا مقتضى قوله.
وقال شيخنا: نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم. قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا، حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي. قال: ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفصيل بين النوع والعين.
ونقل محمد بن عوف الحمصي: من أهل البدع الذين أخرجهم النبي ﷺ من الإسلام القدرية، والمرجئة، والرافضة، والجهمية، فقال: لا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم.
ونقل محمد بن منصور الطوسي: من زعم أن في الصحابة خيرا من أبي بكر
فولاه النبي ﷺ فقد افترى عليه وكفر بأن زعم بأن الله ﷾ يقر المنكر من أنبيائه في الناس، فيكون ذلك سبب ضلالهم.
ونقل الجماعة: من قال: علم الله مخلوق كفر. انتهى كلامه في
" الفروع ".
(وعنه): أى: وعن الإمام أحمد رواية أن (^١) الذين كفروا أهل الحق والصحابة، واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو بغير تأويل: (كفار).
قال (المنقح: وهو أظهر) انتهى.
(وإن اقتتلت طائفتان لعصبية، أو) طلب (رياسة، فـ) هما (ظالمتان:
تضمن كل) من الطائفتين (ما أتلفت على الأخرى).
_________________
(١) في أزيادة: من.
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعلم
عين المتلف.
(وضمنتا سواء) أي: وضمن الطائفتان بالسوية (ما) أي: مالا (جهل
متلفه).
قال الشيخ تقي الدين: وإن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا
يعني: في ضمانه. قال: كمن جهل قدر المحرم بماله أخرج نصفه والباقي له. انتهى.
وما تقدم من ضمان الطائفتين بالسوية مالا جهل متلفه من كونه من أي الطائفتين؛ (كما لو قتل) إنسان (داخل بينهما لصلح (^١)، وجهل قاتله) من كونه من أي الطائفتين. وإن علم كون قاتله من هذه الطائفة وجهل عينه: ضمنته وحدها.
قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف؛ لأن الزحام
والطواف ليس فيهما تعد. بخلاف الأول. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: يصلح.
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
(باب: حكم المرتد)
وهو لغة: الراجع. قال الله ﷾: (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [المائدة: ٢١].
(وهو) شرعا: (من كفر ولو) كان (مميزا) بنطق أو اعتقاد أو شك أو
فعل (طوعا. ولو) كان (هازلا، بعد إسلامه ولو) كان إسلامه (كرها بحق)؛ كما لو استولى الحربيون على أم ولد لمسلم ثم أخذت منهم وقد أتت منهم بولد وامتنع من الإسلام، فإنه يضرب ويحبس حتى يسلم، فإذا أسلم بالضرب والحبس ثم ارتد كان كغيره من المرتدين؛ لأنه أكره بحق على الإسلام. وكذا عبدة الأوثان ونحوهم ممن ليس له كتاب ولا شبهة كتاب إذا قاتلناهم على الإسلام.
وقد اجمع المسلمون على وجوب قتل المرتد ما لم يتب. وسنده ما روى
ابن عباس (^١) عن النبي ﷺ أنه قال: " من بدل دينه فاقتلوه " (^٢) . رواه الجماعة إلامسلما.
وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل،
_________________
(١) في أ: ما روي عن ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٢٤) ٦: ٢٥٣٧ كتاب استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتده واستتابتهم. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٥١) ٤: ١٢٦ كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٥٨) ٤: ٥٩ كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٠٦٥) ٧: ١٠٥ كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٣٥) ٢: ٨٤٨ كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٥٢) ١: ٢٨٣.
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
وأبي موسى الأشعري، وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم (^١) .
ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء وفاقا لمالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجبر المرأة على الإسلام بالضرب والحبس ولا تقتل؛
لقول النبي ﷺ: " لا تقتل امرأة " (^٢) .
ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي. فلا تقتل بالطارئ، كالصغير.
ولنا: عموم قوله ﷺ: " من بدل دينه فا قتلوه " (^٣) . رواه البخاري وأبو داود.
وقوله ﷺ: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (^٤) . متفق عليه.
وروى الدارقطني: " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ
أمرها إلى النبي ﷺ. فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت " (^٥) .
ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل. فتقتل كالرجل.
وأما نهي النبي ﷺ عن قتل المرأة فالمراد بها الأصلية، فإنه قال ذلك حين
رأى المرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله صصص قال: " انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦١٤) ٣: ٣٧ أول كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٢٤) ٦: ٢٥٣٧ كتاب استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٥١) ٤: ١٢٦ كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٨٤) ٦: ٢٥٢١ كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس. . .). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٧٦) ٣: ١٣٠٢ كتاب القسسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم.
(٥) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٢٢) ٣: ١١٨ كتاب الحدود والديات.
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
وكذلك " نهى النبي ﷺ الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء " (^١)
ولم يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارئ بدليل أن الرجل الكافر الأصلي يقر عليه في بعض الصور؛ كالرهبان الذين بالصوامع، وكالمكافيف. ولا تجبر المرأة على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس والكفر الطارئ بخلافه والصغير غير المكلف. بخلاف المرأة.
إذا تقرر هذا (فمن ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب لله ﷾ في قوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠].
ولقول رسول الله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون (^٢) كلهم يزعم أنه رسول الله " (^٣) .
(أو أشرك بالله تعالى) كفر؛ لقوله ﷾: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ١١٦].
(أو سبه) أي: سب الله ﷾، (أو) سب (رسولا له) أي:
لله ﷾ كفر؛ لأنه لا يسب واحدا منهم إلا وهو جاحد به.
(أو جحد ربوبيته) أي: ربوبية الله ﷾، (أو) جحد (وحدانيته، أو) جحد (صفة) من صفاته اللازمة له؛ كالحياة والعلم، (أو) جحد (كتابا، أو) جحد (رسولا، أو ملكا له) أي: لله ﷾ من الرسل والملائكة الذين ثبت أنهم رسله أو ملائكته كفر؛ لثبوت ذلك في القرآن. ولأن جحد شيء من ذلك كجحده كله؛ لاشتراكهما في كون الكل من عند الله ﷾.
(أو) جحد (وجوب عبادة من) العبادات (الخمس) وهي: الصلاة،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٧٨ كتاب السير، باب قتل النساء والصبيان في التبييت والغارة من غير قصد.
(٢) في ج: كذابا.
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣: ٣٣٨ كتاب صلاه الخسوف، باب الخطبة بعد صلاة الكسوف.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
والزكاة، والصوم، والحج، (ومنها: الطهارة)؛ لثبوت أدلة وجوب هذه الخمس في القرآن.
ومن ذلك أيضا: جحده وجوب التيمم عند عدم الماء؛ لقوله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. . .) إلى آخر الآية] المائدة: ٦].
(أو) جحد (حكما ظاهرا) بين المسلمين (مجمعا عليه إجماعا قطعيا) يعني: لا شبهة فيه، و(كـ) ـجحد (^١) (تحريم زنا، أو) جحد تحريم (لحم خنزير، أو) جحد (حل خبز، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما لا خلاف فيه؛ كجحده حل لحم، (أو شك فيه) أي: في تحريم ذلك (ومثله لا يجهله، أو) كان (يجهله) مثله (وعرف) حكمه (وأصر) على جحده كفر، وكذا لو جحد حل بهيمة الأنعام، أو غيرها مما أجمع على حله من المطعومات وغيرها؛ لأنه لا يجحد ذلك مع ما ذكر إلا معاند للإسلام، ممتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته.
وقولنا: لا شبهة فيه ليخرج مثل استحلال الخوارج قتل المسلمين وأخذ أموالهم بالتأويل فإن كثيرا من الفقهاء لم يحكموا بكفرهم، لأنهم يدعون أنهم يتقربون إلى الله ﷾ بذلك. ولذلك لم يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه متقربا بذلك. ولا يكفر المادح له على ذلك، فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي بقوله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
فأما من استحل شيئا مما تقدم ذكره ونحوه بغير تأويل، (أو سجد لكوكب، أو نحوه)؛ كالشمس والقمر والصنم كفر؛ لأن ذلك إشراك وقد قال ﷾: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ١١٦].
_________________
(١) في ب: كجحد.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
(أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين) كفر، لقول الله ﷾: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (؟؟) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. قال في " المغني ": وينبغي أن لا يكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام
حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك. انتهى.
(أو امتهن القرآن) جل ذكره، (أو ادعى اختلافه، أو) ادعى (القدرة على مثله، أو أسقط حرمته: كفر)؛ لقول الله ﷾: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر: ٢١].
ولقوله ﷾: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: ٨٨].
ولقوله ﷾: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢].
و(لا) يكفر (من حكى كفرا سمعه و) هو (لا يعتقده).
قال في " الفروع ": ولعل هذا إجماع.
وروى ابن عساكر في ترجمة محمد بن سعيد بن هناد: سمعت يحيى بن خلف بن الربيع الطرسوسي قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس وأنا شاهد. فقال (^١): ما تقول في رجل يقول القرآن مخلوق؛ فقال: كافر زنديق، خذوه فاقتلوه. فقال الرجل: إنما أحكي كلاما سمعته. فقال: إنما سمعته منك. وفي " الانتصار ": من تزيا بزي كفر من لبس غيار، وشد زنار، وتعليق صليب بصدره حرم ولم يكفر. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وإن ترك) مكلف (عبادة من) العبادات (الخمس تهاونا) يعني: مع الإقرار بوجوبها، سواء عزم على أن لا يفعلها أبدا، أو على تأخيرها إلى زمن
_________________
(١) في ب: قال.
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه: (لم يكفر) على الأصح؛ لما روى معاذ عن النبي ﷺ قال: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال معاذ: يا رسول الله لِلَّهِ ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؛ قال: إذًا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما " (^١) . متفق عليه.
ومن ترك (^٢) العبادات مع الإسلام داخل في ذلك. فلو كفر لم يكن محرما على النار.
ولأن المرتد لا يكفن، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه من المسلمين. ولا يعرف في عصر من الأعصار أنه ترك غسل أحد من تاركي الصلاة أو الزكاة أو غيرهما من العبادات تهاونا، ولا دفن في غير مقابر المسلمين، ولا ورثه غير أقاربه المسلمين. ولا فرق بين زوجين لذلك مع كترة تاركي الصلاة والزكاة، ولولا اعتقاده أنه لا يكفر بذلك لأثبتوا عليه هذه الأحكام، أو حكم حاكم من حكام المسلمين ولو واحدا. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " (^٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٨) ١: ٥٩ كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٢) ١: ٦١ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.
(٢) في ج زيادة: من.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٢٠) ٢: ٦٢ كتاب الوتر، باب فيمن لم يوتر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٦١) ١: ٢٣٠ كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات الخمس. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٤٠١) ١: ٤٤٩ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في فر ض الصلوات الخمس والمحافظة عليها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٧٤٥) ٥: ٣١٦.
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر. لكن يستثنى
من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا بالصلاة، أو بشرط) لها، (أو ركن لها مجمع عليه) أي: على شرطيته أو ركنيته: (إذا دعي) أي: دعاه الإمام أو نائبه (إلى شيء من ذلك، وامتنع) منه؛ لأن في امتناعه بعد أن دعاه الإمام أو نائبه شبه بالخروج عن حوزة المسلمين. (ويستتاب كمرتد، فإن اصر: قتل) كفرا (بشرطه) وهو: أن لا يأتي بالصلاة زمن الاستتابة وأن يدعى كما تقدم، (ويقتل في غير ذلك) أي: في غير الصلاة إذا امتنع وقاتل على ذلك (حدا).
إذا تقور هذا (فمن ارتد) حال كونه (مكلفا مختارا ولو) كان (أنثى: دير) إلى الإسلام، (واستتيب ثلاثة أيام وجوبا) على الأصح.
وعنه: لا تجب استتابته وتستحب وهو أحد قولي الشافعي، ويروى عن الحسن البصري؛ لقول النبي ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه " (^١) . ولم يذكر استتابة. ولأنه يقتل لكفر. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي.
ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله ضمن.
ودليل المذهب " حديث أم مروان، وأن النبي ﷺ أمر أن تستتاب " (^٢) .
وروى مالك في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن
عبد القاري عن أبيه " أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه. فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا. فأطعمتموه كل يوم رغيفا. واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم! إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض، إذ (^٣) بلغني " (^٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٣٤) رقم (٢).
(٢) سبق تخريجه ص (٥٣٥) رقم (٥).
(٣) في ج: إذا.
(٤) أخرجه مالك في " موطئه " (١٦) ٢: ٥٦٥ كتاب الأقضية، باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام. =
[ ١٠ / ٥٤٠ ]
ولو لم تجب الاستتابة] لما برئ من فعلهم.
ولأنه أمكن استصلاحه. فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه.
وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة [(^١) . ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم.
وإنما كانت ثلاثة أيام لقول عمر: " فهلا حبستموه ثلاثا " (^٢) .
ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال. فوجب أن ينظروه يتروى فيها، وأولى ذلك ثلاثه أيام؛ للأثر.
(وينبغي أن يضيق عليه) فيها (ويحبس)؛ لقول عمر: " فهلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا " (^٣) .
ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه،
ولأنه إن لم يحبس لم يؤمن لحوقه بدار الحرب.
(فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعه إلى الإسلام: (لم يعزر)؛ لما في تعزيره من التنفير عن الإسلام، (وإن أصر) على ردته: (قتل بالسيف)؛ لأنه آلة القتل. ولا يحرق بالنار؛ لقول الني ﷺ: " من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله يعني ة النار " (^٤) . أخرجه البخاري وأبو داود.
وقال النبي ﷺ: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (^٥) .
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" ٨: ٢٠٦ كتاب المرتد، باب من قال: يحبس ثلاثة أيام. ساقط من أ.
(٢) ر. الحديث السابق.
(٣) ر. الحديث السابق.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٨٥٤) ٣: ١٠٩٨ كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٥١) ٤: ١٢٦ كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٥٥) ٣: ١٥٤٨ كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة.
[ ١٠ / ٥٤١ ]
(إلا رسول كفار) إذا أسلم ثم ارتد ولم يرجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل (بدليل رسولي مسيلمة). ذكره ابن القيم في " كتاب الهدي ".
(ولا يقتله) أي: يقتل المرتد (إلا الإمام أو نائبه)، سواء كان المرتد حرا
أو عبدا؛ لأنه قتل لحق الله ﷾. فكان إلى الإمام؛ كرجم الزانى، وكقتل الحر. ولا يعارض هذا قوله ﷺ: " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (^١)؛ لأن قتل المرتد لكفره، لا حدا في حقه.
(فإن قتله) أي: قتل المرتد (غيرهما) أي: غير الإمام أو نائبه (بلا إذن)
من واحد منهما: (أساء وعزر)؛ لافتياته على ولي الأمر. (ولا ضمان) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابة)؛ لأنه مهدر الدم في الجملة وردته مبيحة لدمه وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، (إلا أن يلحق) المرتد (بدار حرب) (^٢) قبل أن يتوب: (فـ) إن قتله لا يتعين كونه إلى الإمام بل جاز (لكل أحد قتله، وأخذ ما معه) من المال؛ لأنه صار حربيا.
(ومن أطلق الشارع كفره: كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا فصدقه بما
يقول فهو تشديد: لا يخرج به عن الإسلام) على الأصح.
قال في " الفروع ": ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى
عرافا فصدقه بما يقول، فقيل: كفر نعمة.
وقيل: قارب الكفر.
وذكر ابن حامد روايتين:
إحداهما: تشديد وتأكيد. نقل حنبل (^٣): كفر دون كفر لا يخرج عن
الإسلام.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٩ كتاب الحدود، باب لا يقام حد الجلد على الحبلى.
(٢) في ج: الحرب.
(٣) في ب: حرب.
[ ١٠ / ٥٤٢ ]
والثانية: يجب التوقف ولا نقطع بأنه لا ينقل عن الملة. نص عليه في رواية صالح وابن الحكم. انتهى.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: كفر نعمة. وقال به طوائف من العلماء من الفقهاء والمحدثين. وذكره ابن المحب في " شرح البخاري " عن جماعة. وروي عن أحمد.
والقول الثانى: قارب الكفر.
وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: " من أتى عرافا فقد كفر
بما أنزل على محمد " (^١) . أي: جحد تصديقه بكذبهم. وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي ﷺ لهم كفرا حقيقة. انتهى. والصواب رواية حنبل، وإنما إتى به تشديدا وتأكيدا. وقد بوب على ذلك البخاري في "صحيحه " بابا. ونص أن بعض الكفر دون بعض. ونص عليه أئمة الحديث.
قال ابن رجب في " شرح البخاري ": وللعلماء في هذه الأحاديث مسالك متعددة منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا له. منهم مالك وإسحاق. ومنهم: من حملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة. منهم
ابن عباس وعطاء.
قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن أحمد (^٢)، وقاله طاووس. وروي
عن أحمد إنكار من سمى شارب الخمر كافرا. ولذلك أنكر القاضي جواز إطلاق اسم كفر النعمة على أهل الكبائر. وحكى ابن حامد عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج من الملة. وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسير هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة. انتهى كلامه في " تصحيح الفروع "
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٢٥٢) طبعة إحياء التراث.
(٢) في أ: وقال أحمد.
[ ١٠ / ٥٤٣ ]
(ويصح إسلام مميز عقله) أي: عقل الإسلام من ذكر وأنثى على الأصح. ومعنى عقله الإسلام: أن يعلم أن الله ﷾ ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إلى الناس كافة، " لأن عليا ﵇ أسلم وهو ابن ثمان سنين " (^١) . أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير.
ولم يمتنع أحد، عن قوله: كان أول من أسلم من الصبيان علي فلولا صحة إسلامه لم يطلقوا عليه أنه أول من أسلم.
ومن قول على ﵇:
سبقتكمو إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلمي
ولأن الإسلام عبادة محضة. فصحت من الصبي؛ كالصلاة والحج.
ولأن الله ﷾ دعا عباده إلى دار الإسلام وجعل طريقها الإسلام
فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله وسلوك طريقها.
فإن قيل: إن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله ويوجب عليه نفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكافر.
قلنا: أما الزكاة فإنها نفع، لأنها سبب الزياده والنماء وتحصين المال
والثواب.
وأما الميراث والنفقة] فأمر متوهم [(^٢) وهو مجبور. بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار. ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة.
(و) تصح أيضا (ردته) على الأصح، لأن الردة هي الكفر بعد الإسلام. وعنه: يصح إسلامه دون ردته، لأن الإسلام محض نفيع ومصلحة فصح منه. بخلاف الردة.
_________________
(١) ذكره الترمذي معلقا في "جامعه " ٥: ٦٤٢ كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٥٤٤ ]
وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم من لم يرتد. فإن بلغ وأصر على الكفر صار مرتدا.
وعنه: لا يصح إسلامه ولا ردته حتى يبلغ، لأن كلا م k هما قول يترتب عليه أحكام. فلا يصح من الصغير؛ كالهبة والعتق.
والمذهب ما في المتن.
إذا تقرر هذا (فإن أسلم) الصغير الذي يصح إسلامه: (حيل بينه وبين الكفار) على الروايات كلها بم لأن أبا هريرة روى أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة. فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعة؟ ثم يقول أبو هريرة. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: ٣٠] " (^١) . متفق عليه.
وعن جابر قال: قال رسول الله: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا " (^٢) . رواه أحمد. وإذا كان مولودا على الفطرة وتكلم بالإسلام مع معرفته له وجب أن يحال بينه وبين أهل الكفر؛ لأنه صار كأولاد المسلمين استصحابا لأصل الفطرة.
(فإن قال بعد) أي: قال من يصح إسلامه بعد إسلامه: (لم أدر ما قلت،
فكما لو ارتد) يعني: أنه لم يبطل إسلامه بذلك، ولا يقبل قوله ذلك على الأصح، ويصير كالبالغ إذا أسلم ثم ارتد.
(و) لكن (لا يقتل هو) أي: الصغير الذي ارتد، (و) لا (سكران ارتد حتى يستتابا) أي: الصغير والسكران (بعد بلوغ) أي: بلوغ الصغير (وصحو) أي: صحو السكران (ثلاثة أيام) على الأصح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٩٣) ١: ٤٥٦ كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلي عليه. . . وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (٢٦٥٨) ٤: ٢٠٤٧ كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. . .
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٧٩٩) ٣: ٣٥٣ عن الحسن عن جابر.
[ ١٠ / ٥٤٥ ]
وعنه: أن أول الثلاثة أيام في السكران من وقت ردته.
والأول المذهب؛ لأن البلوغ والصحو أول زمن صارا فيه من أهل العقوبة. وإنما أخرا هذه المدة؛ لأن الصبي والسكران لا يقام الحد عليهما مع الصبا والسكر.
أما الصبي؛ فلأنه غير مكلف والعقوبة لاتجب مع عدم التكليف؛ لقوله ﷺ: " رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم " (^١) .
وأما السكران؛ فلأن الحد إنما شرع للزجر، والزجر لا يحصل في حال السكر. فوجب تأخيرهما إلى حين جواز العقوبة؛ لأن حكم الردة ثبت حينئذ. (وإن مات) من ارتد وهو سكران (في سكر) أي: قبل أن يصحو مات كافرا؛ لأنه هلك بعد ارتداده وقبل ثبوته. فلم ترثه أقاربه من المسلمين.
(أو) مات الصغير الذي صحت ردته (قبل بلوغ) وقبل توبة: (مات كافرا)؛ لأنه هلك وهو مرتد.
(ولا تقبل في الدنيا توبة زنديق. وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر) على الأصح؛ لقول الله ﷾: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)
] البقرة: ١٦٠].
والزنديق: لا يظهر منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته؛ لأن الزنديق لا يظهر
منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه فلا يكون ما قاله حكم، إذ الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك.
(ولا) تقبل توبة (من تكررت ردته) على الأصح؛ لقول الله ﷾: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا) [النساء: ١٣٧].
ولقوله ﷾: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٩٥) رقم (١)
[ ١٠ / ٥٤٦ ]
تَوْبَتُهُمْ) [آل عمران: ٩٠] والازدياد يقتضي كفرا متجددا، ولا بد من تقدم إيمان عليه.
ولأن تكرار الردة منه يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام.
(أو سب الله) سبحانه و(تعالى) سبا صريحا يعني: أنه لا تقبل توبة من سب الله ﷾ صريحا على الأصح؛ لأن ذنبه عظيم جدا يدل منه على فساد عقيدته واستخفافه بالله الواحد القهار.
(أو رسولا أو ملكا له) يعني: أنه لا تقبل توبة من سب رسولا لله ﷾ (صريحا أو تنقصه) على الأصح؛ لأن الاستخفاف بالرسول استخفاف بمرسله.
ولأن ذلك حق لادمي لم يعلم إسقاطه فيؤخذ به.
(ولا) تقبل توبة (ساحر مكفر بسحره)؛ لما روى جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: " حد الساحر ضربة بالسيف " (^١) . رواه الدارقطني. فسماه حدا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة.
ولأنه لا طريق لنا إلى إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به. فيكون إظهاره للإسلام والتوبة خوفا من القتل مع بقائه على تلك العقيدة الفاسدة. فيجب أن لا تقبل توبته " كالزنديق.
(ومن أظهر الخير) من نفسه (وأبطن الفسق فـ) هو في توبته عن الفسق، (كزنديق في توبته) عن الكفر؛ لأنه لم يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه من إظهار الخير.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١١٢) ٣: ١١٤ كتاب الحدود والديات.
[ ١٠ / ٥٤٧ ]
] فصل: في توبة المرتد]
(فصل. وتوبة مرتد و) توبة (كل كافر: إتيانه بالشهادتين). وهو قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله؛ لما روى ابن مسعود " أن النبي ﷺ دخل الكنيسه فإذا هو بيهود وإذا هو بيهودي يقرأ عليهم (^١) التوراة. فقرأ حتى إذا أتى على صفة النبي ﷺ وأمته. فقال: هذا صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ألله. فقال النبي ﷺ: لُوا أخاكم " (^٢) . رواه أحمد. فجعله أخا للمسلمين بمجرد إتيانه بالشهادتين.
ولقوله ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ﷿ " (^٣) . متفق عليه، من رواية ابن عمر.
وهذا يدل على أن العصمة تثبت بمجرد الإتيان بالشهادتين. وإذا ثبت بهذا إسلام الكافر الأ صلى فكذلك إسلام المرتد.
ومحل هذا: فيمن لم تكن ردته بجحد فرض، أو جحد تحليل حلال، أو جحد تحريم حرام، أو جحد نبي، أو جحد كتاب، أو جحد رسالة نبينا محمد ﷺ إلى غير العرب.
_________________
(١) في ج: عليه.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده" (٣٩٥١) ١: ٤١٦.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥) ١: ١٧ كتاب الإيمان، باب (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٢) ١: ٥٣ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. . .
[ ١٠ / ٥٤٨ ]
أما إن كانت ردته بجحد شيء من ذلك فلا بد أن يأتي بالشهادتين (مع إقرار جاحد لفرض، أو) جاحد (تحليل، أو) جاحد (تحر يم، أو) جاحد (نبى، أو) جاحد (كتاب) من كتب الله ﷾، (أو) جاحد (رسالة محمد ﷺ إلى غير العرب بما جحده) من ذلك؛ لأن من جحد شيئا يكفر بجحوده لا يكتفى منه بالإتيان بالشهادتين؛ لأنهما لا يتضمنان الإقرار بما جحده فكفره باقي. فلا بد مما يدل على رجوعه عن جحده، لأنه كذب الله ﷾ بما اعتقده؛ من الجحد فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده.
(أو قوله: أنا مسلم) يعنى: أن توبة المرتد وتوبة كل كافر إتيانه بالشهادتين، أو قوله: أنا مسلم على الأصح وإن لم يلفظ بالشهادتين؛ لأنه إذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما. وروى المقدأد أنه قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرايت إن لقيت رجلا من الكفار. فقاتلني فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها. ثم لاذ مني بشجرة. فقال: أسلمت. أفأقتله يا رسول الله لِلَّهِ بعد أن قالها؛ قال: لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها " (^١) .
وعن عمران بن حصين قال: " أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل. فأتوا
به النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنى مسلم. فقال رسول الله ﷺ: لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح " (^٢) . رواهما مسلم.
قال في " المغني ": ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الواحدانية، أما من كفره بجحد نبي، أو كتاب، أو فريضة ونحو هذا فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما اعتقدان الإسلام ما هو عليه. فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر. انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٥) ١: ٩٥ كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٤١) ٣: ١٢٦٢ كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولافيما لا يملك العبد.
[ ١٠ / ٥٤٩ ]
(ولا يغني قوله) أي: قول الكافر: (محمد رسول الله عن كلمة التوحيد) وهي: أشهد أن لا إله إلا الله (ولو من مقرٍّ به) أي: بالتوحيد على الأصح؛ لأن الشهادة برسالة نبينا محمد ﷺ لا تتضمن معنى التوحيد.
(ومن شهد عليه بردة ولو) شهد إبان ردته (بجحد فأتى بالشهادتين) من غير أن ينكر ما شهد به عليه من الردة، (لم يكشف عن شيء)؛ لأنه لا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته: (فلا يعتبر إقراره بما شهد عليه به) من الرد (لصحتهما) أي: الشهادتين (من مسلم ومنه) أي: ومن المرتد. ولا بد من إتيانه بالشهادتين. (بخلاف توبة (^١) من بدعة) يعني: فإنه يعتبر إقراره بالبدعة. قال في " الفروع ": ذكره فيها جماعة. ونقل المروذي في الرجل يشهد
عليه بالبدعة فيجحد: ليسب له توبة، إنما التوبة لمن اعترف، فأما من جحد فلا. انتهى.
(ويكفي جحده) أي: جحد من لم تقم عليه بينة بردة (لردة أقر بها) على نفسه في الأصح؛ كرجوعه عن إقراره بجحد، (لا إن شهد عليه بها) أي: بالردة فجحدها ولم يأت بالشهادتين فإنه يثبت في أحكام المرتدين، ويستتاب إن كانت الردة المشهود بها تقبل توبته منها، وإلا قتل في الحال؛ لأن جحد الردة تكذيب للبينة. فلم تقبل منه؛ كسائر الدعاوي.
(وإن شهد) أي: قامت بينة على مسلم (أنه كفر) من غير تفصيل في الشهادة، (فادعى الإكراه) على كفره: (قبل) ذلك منه (مع قرينة) تدل على صدقه (فقط) أي: من غير إقامه بينه على الإكراه؛ كما لو كان محبوسا أو مقيدا أو نحو ذلك؛ لأن ذلك ظاهر في الإكراه.
(ولو شهد عليه) أي: أقامت عليه بينة بأنه نطق (بكلمة كفر، فادعاه) أي: ادعى الإكراه على ذلك: (قبل مطلقا) أي: مع قرينة أو بدونها؛ لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة. ولم يصر كافرا بإتيانه بكلمة الكفر مع الإكراه؛
_________________
(١) في ج: توبته.
[ ١٠ / ٥٥٠ ]
لقول الله ﷾: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) [النحل: ١٥٦]. وروي " أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوه منه. ثم أتى
النبي ﷺ وهو يبكي فأخبره. فقال له النبي ﷺ: إن عادوا فعد " (^١) .
ولأنه قول اكره عليه بغير حق. فلم يثبت حكمه؛ كما لو اكره على الإقرار بالمال.
(وإن اكره ذمي على إقرار بإسلام: لم يصح) إسلامه، ولم يثبت له حكمه
حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا. مثل: أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه. فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفار لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام؛ وذلك لأنه إكراه على ما لا يجوز إكراهه عليه. فلم يثبت حكمه في حقه؛ كالمسلم إذا أكره على الكفر. والدليل على ذلك قوله ﷾: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)
] البقرة: ٢٥٦].
(وقول من شهد عليه) بردة: (أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام،
أو) قوله: (أنا مسلم توبة)؛ كما لو اعترف بأنه ارتد ثم قال ذلك.
(وإن كتب كافر الشهادتين: صار مسلما)؛ لأن الخط كاللفظ. فإذا تلفظ
كافر بالشهادتين أو كتبهما ثم قال: لم أرد الإسلام فقد صار مرتدا ويجبر على الإسلام. نص عليه أحمد في رواية جماعة؛ لأنه قد حكم بإسلامه. فيقتل إذا رجع؛ كما لو طالت مدته.
(ولو قال) كافر: (أسلمت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن صار مسلما) بهذا
القول وإن لم يتلفظ بالشهادتين. (فلو) عاد بعد ذلك و(قال: لم أرد الإسلام، أو) قال: (لم أعتقده) أي: لم أعتقد الإسلام لم يقبل منه ذلك، و(أجبر على الإسلام) ولا يخلى. نقله أبو طالب في اليهودي إذا قال: قد أسلمت وأنا مسلم يجبر عليه (قد علم ما يراد منه). انتهى.
وقاله القاضي وأبو يعلى وابن البنا وغيرهما من الأصحاب.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٢٠٨ كتاب المرتد، باب المكره على الردة.
[ ١٠ / ٥٥١ ]
(وإن قال: أنا مسلم، ولا أنطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه حتى يأتي
بالشهادتين).
قال في " الفروع ": وفي " مفردات أبي يعلى الصغير ": لا خلاف في أن الكافر لو قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة يقبل منه، ولا يحكم بإسلامه. انتهى. (و) من قال لكافر: (أسلم وخذ) مني (ألفا، أو نحوه)؛ كأسلم وخذ
لك فرسا، أو قال: بعيرا، أو قال: مائة، (فأسلم فلم يعطه، فأبى الإسلام: قتل) بالسيف. (وينبغي) لمن قال له ذلك (أن يفي) له بما وعده.
قال أحمد فيمن قال لكافر: أسلم وخذ ألفا فأسلم فلم يعطه فأبى الإسلام: يقتل، وينبغي أن يفي. انتهى.
قال الخطابي: ولم يشارط النبي ﷺ المؤلفة على أن يسلموا فيعطيهم جعلًا على الإسلام، وإنما أعطاهم عطايا بأنه يتألفهم.
(ومن أسلم على أقل من) الصلوات (الخمس)؛ كمن أسلم على صلاتين
أو ثلاثة.
قال أحمد: وإن أسلم على صلاتين: (قبل منه، وأمر بالخمس.
وإذا مات مرتد) ثبتت ردته، (فأقام وارثه) من المسلمين (بينة أنه صلى بعدها) أي: بعد ردته: (حكم بإسلامه) وأعطي حقه من تركته؛ لقوله ﷺ: " من صلى صلاتنا. . . " (^١) الخبر، سواء صلى في (^٢) جماعة أو منفردا في دار الحرب، أو في دار الإسلام؛ لأن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار الإسلام.
ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام. فحكم بإسلامه بها؛ كالشهادتين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٤١) ٣: ٤٤ كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٦٠٨) ٥: ٤ كتاب الإيمان، باب ما جاء في قول النبي صصص: " أمرت بقتالهم حى يقولوا: لا إله إلا الله. . . ".
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٥٥٢ ]
وأما بقية الأركان من الزكاة، والصيام، والحج فلا يحكم بإسلامه به، فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله ﷺ حتى منعهم النبي ﷺ فقال: " لا يحج بعد العام مشرك " (^١) .
والزكاة: صدقة وهم يتصدقون. وقد فرض على نصارى بنى تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين ولم يصيروا بذلك مسلمين.
وأما الصيام فلكل أهل دين صيام.
ولأن الصيام ليس بأفعال إنما هو إمساك من أفعال مخصوصة في وقت مخصوص. وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم، ولا عبرة بنية الصيام؛ لأنها أمر باطن لا علم لنا بها. بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الإسلام. ولا يثبت الإسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود، ولا يحصل بمجرد القيام؛ لأنهم يقومون في صلاتهم.
(ولا يبطل إحصان مرتد) بردته. فإذا زنى وهو محصن ثم ارتد لم يسقط
عنه الرجم؛ لأنه زنى بعد إحصان. وكذا لو زنى المحصن وهو مرتد ثم تاب فإنه يرجم، لأنه وطئ زوجته في نكاح صحيح وذلك لا يزول بردته. وكذلك لا يزول إحصان القذف، فإذا قذف قاذف وجب عليه الحد؛ لأنه حر عفيف عن الزنا وحكم إسلامه لم يزل عنه، لأنه لا يقر على كفره، فهو في ذلك كغير المرتد.
(ولا) تبطل أيضا (عبادة فعلها) المرتد (قبل ردته إذا تاب) منها، لأنه فعلها على وجهها وبرئت (^٢) ذمته منها. فلم تعد إلى ذمته، كدين الآدمي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤١٠٥) ٤: ١٥٨٦ كتاب المغازي، باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع.
(٢) في أ: أو برئت.
[ ١٠ / ٥٥٣ ]
] فصل: في أحكام المرتد]
(فصل. ومن ارتد لم يزل ملكه) عن ماله. يعني: أنه لا يحكم بزوال ملكه بمجرد ردته على الأصح؛ لأن الردة سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه بذلك؛ كزنى المحصن؛ لأن زوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك كالقاتل في المحاربة.
(ويملك بتملك) يعني: أنه لو ملكه إنسان شيئا قبل توبته ملكه. وهذا مبني على عدم زوال ملكه بردته.
قال في " الفروع ": ويملك بأسباب التملك إن بقي ملكه وإلا فلا. واحتج
به في " الفصول " على بقاء ملكه وأن الدوام أولى. انتهى.
(ويمنع) المرتد (التصرف في ماله) من البيع، والهبة، والوقف، والإجارة ونحو ذلك. قاله القاضي وأصحابه أبو الخطاب وأبو الحسين وأبو الفرج. وفي " الوسيلة": نص عليه.
ونقل ابن هانئ: يمنع منه.
(و) حيث تقرر أن ملك المرتد لم يزل عن ماله بردته فإنه (تقضى منه ديونه، و) تدفع منه (أروش جناياته ولو جناها بدار حرب، أو في فئة مرتدة ممتنعة) على الأصح؛ لأن المرتد تحت حكمنا. بخلاف البغاة.
(وينفق منه) أي: من مال المرتد (عليه وعلى من تلزمه نفقته)؛ لأن ذلك
حق واجب بإيجاب. الشرع. أشبه الدين.
(فإن أسلم) أي: فإن عاد المرتد إلى الإسلام نفذت تصرفاته في ماله، (وإلا) بأن مات مرتدا بقتل أو حتف أنفه: (صار) ماله (فيئا من حين موته مرتدا) على الأصح؛ لأن الردة لم يزل بها ملكه؛ كما لو قتل معصوما، فإذا
[ ١٠ / ٥٥٤ ]
مات انتقل ماله إلى بيت المال؛ لأنه لا وارث له من المسلمين ولا من غيرهم. (وإن لحق) المرتد (بدار حرب: فهو وما معه) من مال (كحربي) يعني: فيباح لمن قدر عليه قتله وأخذ ما معه، (و) أما (ما بدارنا) من ماله فهو (فيء من حين موته) على الأصح، وما دام حيا فملكه ثابت فيه يتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه؛ لأن حل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي. وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زالى العاصم له وهو دار الإسلام.
(ولو ارتد أهل بلد، وجرى فيه حكمهم) أي: حكم الكفار: (فدار حرب) يعني: أنهم صاروا حربيين، (يغنم مالهم، و) يغنم (ولد) لهم (حدث بعد الردة)، وعلى الإمام قتالهم. فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة (^١) .
ولأن الله ﷾ أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحق بالقتال من الكفار الأصليين " لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم. وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه منهم، ويتبع مدبرهم، ويجهز على جريحهم، وتغنم أموالهم.
(ويؤخذ مرتد بحد أتاه في ردته) وإن أسلم على الأصح. نص عليه؛ لأن إسلامه أوجب عليه التزام أحكامه وذلك واجب عليه.
ولأن الردة لا تزيده إلا تغليظا.
ولا فرق في ذلك بين كون الحد لله تعالى؛ كالزنا، أو لآدمى؛ كالقذف في الأصح.
(لا بقضاء ما ترك فيها) أي: في ردته (من عبادة)؛ كصلاة وصوم على الأصح؛ لقول الله ﷾: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، وكالحربي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٢٦) ٦: ٦٥٢٦ كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوا إلى الرده.
[ ١٠ / ٥٥٥ ]
ولأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يأمر المرتدين بقضاء ما فاتهم.
(وإن لحق زوجان مرتدان بدار حرب: لم يسترقا) ولا واحد منهما؛ لأنه
لا يقر على كفره؛ لقول رسول الله ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه " (^١) . ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه من بني حنيفة كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة.
(ولا) يسترق أيضا (من ولد لهما) أي: للزوجين اللذين ارتدا ولحقا بدار الحرب قبل ردته، (أو حمل) وجد (قبل ردة)؛ لأنهم محكوم بإسلامهم تبعا لأبويهم قبل الردة، ولا يتبعونهما في الردة؛ لأن الإسلام يعلو، وقد تبعوهم في الإسلام فلا يتبعوهم في الكفر. فلا يجوز استرقاقهم صغارا؛ لأنهم مسلمون ولا كبارا؛ لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كبرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون.
(ومن لم يسلم منهم: قتل) بالسيف بعد استتابته؛ كآبائهم.
(ويجوز استرقاق) الولد (الحادث فيها) أي: في ردة الزوجين اللذين
لحقا بدار الحرب للحكم بكفره؛ لأنه ولد بين أبوين كافرين وليس بمرتد. نص على ذلك.
(ويقر على كفر بجزية) على الأصح؛ كأولاد أهل الحرب وكالكافر الأصلي. والجامع بينهما اشتراكهما في جواز الاسترقاق.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٣٤) رقم (٢).
[ ١٠ / ٥٥٦ ]
(فصل) في السحر
وغيره
وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به من يسحر أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في
بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله من غير مباشرة له.
وله حقيقة. فمنه: ما يقتل، ومنه: ما يمرض، ومنه: ما يؤخذ الرجل
عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه: ما يفرق به بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما الى الآخر أو يحبه. وهذا قول الشافعي.
وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل؛ لأن الله ﷾ قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: ٦٦].
وقال أصحاب الحنفية: إن كان شيئا يصل الى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك. فأما (^١) أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك؛ لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء ﵈؛ لأن ذلك يخرق العادات فإذا جاء زمن غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم. ولنا: قول الله ﷾: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ؟ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؟ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ؟ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ؟) [الفلق: ١ - ٤] يعني: السواحر اللواتي
يعقدن في سحرهن وينفثن عليه. ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه.
وقال الله سبحانه ودتعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) إلى قوله ﷾: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [البقرة: ١٠٢].
_________________
(١) في ب: وأما.
[ ١٠ / ٥٥٧ ]
وروت عائشة " أن النبي ﷺ سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله " (^١) .
وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه.
وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا فإنه لا يبلغ ما يأتي الأنبياء ﵈، وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال (^٢) .
إذا ثبت هذا فإنه يحرم تعليم السحر وتعلمه.
(وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، ونحوه)؛ كالمدعي أن الكواكب تخاطبه: (كافر)؛ لقول الله ﷾: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) [البقرة: ١٠٢] أي: وما كان ساحرا كفر بسحره. وهو قوله سبحانة وتعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) [البقرة: ١٠٢] أي: لا نتعلمه فنكفر بذلك. وهذا يدل على أن متعلمه كافر.
(كمعتقد حله)؛ لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع على تحريمه.
(لا من يسحر بأدوية، وتدخين، وسقي شيء يضر) يعني: فلا يكفر ولا يقتل؛ لأن الله ﷾ وصف الساحرين الكافرين بأنهم يفرقون بين المرء وزوجه. فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من السحرة على أصل العصمة، (ويعزر) تعزيرا (بليغا).
قال في " الإنصاف ": بحيث لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب. وقيل: له تعزيره بالقتل. انتهى.
(ولا) يكفر أيضا في الأصح (من يعزم على الجن، ويزعم: أنه يجمعها وتطيعه). وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٣٣ ٥) ٥: ٢١٧٦ كتاب الطب، باب السحر.
(٢) في ب: والجبال.
[ ١٠ / ٥٥٨ ]
وأما من يحل السحر فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والإقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر فقد توقف أحمد عنه.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل لأبي عبد الله: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا. فنفض يده كالمنكر. وقال: لا أدري. وسيأتى الكلام على شيء من ذلك في المتن.
(ولا) يكفر (كاهن) وهو: الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار.
ولا يكفر (عراف) وهو: الذي يحدس ويتخرص
(و) لا يكفر (منجم) وهو: الذي ينظر في النجوم ويستدل بها على
الحوادث.
قال في " الفروع ": وفي " الترغيب ": الكاهن والمنجم كالساحر عند أصحابنا. وأن ابن عقيل فسقه فقط إن قال: أصبت بحدسي وفراهتي. فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد.
وقال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية
من السحر. قال: ويحرم إجماعا. وأقر أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه. انتهى.
قال في " المغني ": قال أحمد في رواية حنبل في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل. قيل له: يقتل؛ قال: لا. يحبس لعله يرجع. قال: والعراف طرف من السحر، والساحر أخبث " لأفي السحر شعبة من الكفر. وقال: الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما. وحديث عمر: " اقتلوا كل ساحر وكاهن " (^١) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٤٣) ٣: ١٦٨ كتاب الخراج والأمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس. ولفظه: " اقتلوا كل ساحر ". =
[ ١٠ / ٥٥٩ ]
وليس هو من أمر الإسلام. وهذا يدل على أن كل واحد منهما فيه روايتان: إحداهما: أنه لقتل إذا لم يتب.
والثانية: أنه (^١) لا يقتل " لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف
فيه. فهذا يدرأ القتل عنه أولى. انتهى كلامه في " المغني ".
(ولا يقتل ساحر كتابي) نص عليه، (أو نحوه)، كساحر مجوسي لكونه ساحرا، إلا أن يقتل بسحره ما يقتل به غالبا فيقتل قصاصا.
وقال أبو حنيفة: يقتل، لعموم الأخبار.
ولأن السحر جناية أوجبت قتل المسلم. فأوجبت قتل الذمي؛ كالقتل بالآلة.
ولنا: " أن لبيد ابن الأعصم سحر النبي ﷺ فلم يقتله " (^٢) .
ولأن الشرك أعظم من سحره ولم يقتل به. والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛ لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي.
وقياسهم ينتقض بزنا المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم.
(ومشعبذ، وقائل بزجر طير، وضارب بحصا، و) ضارب بـ (شعير،
و) ضارب بـ (قداح). زاد في " الرعاية ": والنظر في ألواح الأكتاف (إن لم يعتقد إباحته، و) لم يعتقد (أنه يعلم به الأمور المغيبة: عزر ويكف عنه.
وإلا) بأن اعتقد إباحته وأنه يعلم به الأمور المغيبة: (كفر) فيستتاب، فإن
تاب وإلا قتل.
(ويحرم طلسم) بغير العربي، (و) تحرم (رقية بغير العربي).
وقيل: يكره.
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٢٨ ٦) ٥: ٢٣٤٧ كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء.
[ ١٠ / ٥٦٠ ]
(ويجوز الحل بسحر ضرورة) أي: للضرورة إلى ذلك فى الأصح.
قال الموفق في " المغني ": توقف أحمد في الحل وهو إلى الجواز أميل.
وسأله مهنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها. قال: لا بأس.
قال الخلال: إنما كره فعاله ولا يرى به بأسا كما بينه مهنا. وهذا من
الضرورة التي تبيح فعلها.
(والكفار: أطفالهم ومن بلغ منهم) أي: من الكفار (مجنونا، معهم)
أي: مع أبويه الكافرين (في النار) على الأصح.
وعنه: الوقف. واختار ابن عقيل وابن الجوزي في الجنة كأطفال المسلمين، ومن بلغ من أطفال المسلمين مجنونا.
قال في " الفروع ": واختار شيخنا تكليفهم في القيامة للأخبار. ومثلهم من
بلغ منهم مجنونا. فإن جن بعد بلوغه فوجهان، فظاهره يتبع أبويه في الإسلام كصغير، فيعايا بها. انتهى.
(ومن ولد أعمى أبكم أصم، فـ) هو (مع أبويه كافرين) كانا (أو مسلمين
ولو) كانا كافرين ثم (أسلما بعد ما بلغ).
قال في " الفروع ": نقل ابن منصور فيمن ولد أعمى أبكم أصم وصار
رجلا: هو بمنزلة الميت هو مع أبويه. وإن كانا مشركين ثم أسلما بعد ما صار رجلا قال: هو معهما. ويتوجه مثلهما أي: مثل من بلغ مجنونا من أولاد الكفار ومثل من ولد أعمى أبكم أصم من لم تبلغه الدعوه. وقاله شيخنا.
وذكر في " الفنون " عن أصحابنا: لا يعاقب. قال: وإذا منع حافل البعد
شروط التكليف فأولى فيهما؛ لعدم جواز إرسال رسول إليهما. بخلاف أولئك. وقال بعد أسطر: وقال القاضي أبو يعلى في قوله ﷾:
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) [الإسراء: ١٥] في هذا دليل على
أن معرفة الله ﷾ لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل، وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. قالى: وقيل معناه: إنه
[ ١٠ / ٥٦١ ]
لا يعذب فيما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول. ولهذا قالوا:
لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوهما
لم يلزمه قضاء شيء منهما؛ لأنها لا تلزمه إلابعد قيام حجة السمع.
والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا (^١).
ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، قالوا: عليه القضاء؛
لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها. ذكر ذلك ابن الجوزي ولم يزد عليه، فدل على موافقته.
والمشهور في أصول الدين عن أصحابنا أن معرفة الله ﷾ وجبت
شرعا. نص عليه.
وقيل: عقلا. وهي أول واجب لنفسه، ويجب قبلها النظر لتوقفها عليه،
فهو أول واجب لغيره. ولا يقعان ضرورة.
وقيل: بلى. انتهى. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) عن ابن عمر ﵄: " بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء جاءٍ فقال: أنزل الله على النبي صصص قرآنا يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢١٨) ٤: ١٦٣٢ كتاب التفسير، باب قوله: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول).
[ ١٠ / ٥٦٢ ]