هذا (كتاب الخلع). سمي الخلع خلعًا، لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما يُخلع اللباس من البدن.
قال الله ﷾: (هن لباسٌ لكم وأنتم لباس لهن) [البقرة: ١٨٧].
(وهو) أي: والخلع شرعًا: (فراق زوجته) أي: فراق الزوج زوجته (بعوض، بألفاظ مخصوصة) تأتي في المتن.
(ويباح) الخلع (لسوء عشرة) بين الزوجين، بأن يصير كل منهما كارهًا
[للآخر] (^١) ولا يحسن صحبته.
(ولمبغضة) لزوجها: (تخشى أن لا تقيم حدود الله تعالى في حقه)، لما روى ابن عباس قال: " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! ما أعتب عليه من خلق ولا دين. ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " (^٢). رواه البخاري والنسائي. ولو لم يكن مباحًا لما أمره النبي ﷺ بذلك.
وبهذا قال عمر وعثمان وعلي. ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة.
_________________
(١) زيادة لتتمة المعنى.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٧١) ٥: ٢٠٢١ كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٦٣) ٦: ١٦٩ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع. كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
(وتُسن إجابتها) أي: إجابة زوجته إذا سألته الخلع على عوض: (حيث أبيح) الخلع، (إلا مع محبته لها) أي: محبة الزوج لزوجته: (فيسن صبرُها) عليه، (وعدم افتدائها).
قال أحمد: ينبغي لها أن لا تختلع منه وأن تصبر.
قال القاضي: قول أحمد: ينبغي لها أن تصبر على سبيل الاستحباب والاختيار ولم يرد بهذه الكراهة؛ لأنه قد نص على جوازه في غير موضع. انتهى. ولا يفتقر صحة الخلع إلى حاكم. نص عليه أحمد، فقال: يجوز الخلع دون السلطان.
وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان (^١)، وبه قال مالك والشافعي.
ولأنه إن قيل: إنه عقد معاوضة كان كالبيع، أو قيل: إنه قطع عقد بالتراضي كان كالإقالة، وكل منهما لا يفتقر إلى حاكم.
(ويكره) الخلع، (ويصح مع استقامة) أي: مع استقامة حال الزوجين على الأصح؛ كمن يفعل ذلك بطرًا وطلبا للتخلي عنها.
أما كونه يكره؛ فلأن ثوبان روى أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " (^٢) . رواه الخمسة إلا النسائي.
ولأنه عبث فيكون مكروهًا.
وأما كونه يصح على الأصح؛ فلقوله ﷾: (فإن طبن لكم عن
شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)] النساء: ٤].
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ٥: ٢٥٢١ كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣٦) ٢: ٢٦٨ تفريع أبواب الطلاق، باب في الخلع. وأخرجه الترمذي في (جامعه " (١١٨٧) ٣: ٤٩٣ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في المختلعات. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٥٥) ١: ٦٦٢ كتاب الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٤٩٣) ٥: ٣٨٣.
[ ٩ / ٣٠٨ ]
(ويحرم) الخلع (ولا يصح: إن عضَلها) الزوج (لتختلع) منه، بأن ضربها، أو ضيّق عليها، أو منعها حقها من نفقة أو كسوة أو قسم ونحو ذلك " لقول الله (^١) ﷾: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله)] البقرة: ٢٢٩].
ولقوله ﷾: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)] النساء: ١٩].
ولأن ما تفتدى به نفسها مع ذلك عوض أكرهت على بذله بغير حق. فلم يستحق أخذه منها، للنهي عنه. والنهي يقتضى الفساد.
(ويقع) عليه الطلاق (رجعيًا) إن أجابها (بلفظ: طلاق، أو) بلفظ الخلع مع (نيته) أي: نية الطلاق. وإنما لم تبن منه؛ لفساد العوض.
(ويباح ذلك) يعني: أنه يباح للزوج أن يعضلها لتفتدي نفسها منه (مع زناها). نص عليه؛ لقول الله سبحانه وتدالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)] النساء: ١٩ [والاستثناء من النهي إباحة. ولأنه لا يأمن أن تلحق به ولدًا من غيره.
(وإن أدبها لنشوزها، أو تركها فرضا) من صلاة أو صيام أو غيرهما
(فخالعته لذلك: صح) الخلع ولم يحرم، لأنه ضربها بحق.
قال في " الإنصاف ": الحال التاسع: أن يضربها ويؤذيها لتركها فرضًا أو لنشوز فتخالعه لذلك، فقال فى " الكافي ": يجوز.
قال الشيخ تقي الدين: تعليل القاضي وأبي محمد- يعني: به المصنف- يقتضي أنها لو نشزت عليه: جاز له أن يضربها لتفتدي نفسها منه. وهذا صحيح. انتهى.
(ويصح) الخلع (ويلزم ممن يقع طلاقه)، مسلمًا كان أو ذميًا، حرًا كان
_________________
(١) في ب: لقوله.
[ ٩ / ٣٠٩ ]
أو عبدًا، كبيرًا كان أو صغيرًا يعقله؛ لأنه إذا ملك الطلاق وهو مجرد إسقاط من غير تحصيل شيء. فلأن يملكه محصلًا للعوض أولى.
(و) يصح (بذل عوضه) أي: عوض الخلع (ممن) أي: من كل من (يصح تبرعه)، لأنه بذل مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة. فصار كالتبرع من هذا الوجه وإذا أشبه التبرع اعتبر فيمن يبذله ما يعتبر في المتبرع من البلوغ والعقل وعدم الحجر.
ولا فرق في ذلك بين كون البذل من زوجة أو من أجنبي (ولو ممن شهدا بطلاقها) أي: طلاق الزوجة (ورُدَّا) أي: ردت شهادتهما بطلاقها لمانع من قبولها في الأصح إن سمي العوض وهو منه، أو سمي منها وضمنه الأجنبي؟ (كـ) بذل أجنبي عوضًا (في افتداء أسير)، لا كالفسخ والإقالة.
(فيصح) أن يقول الأجنبي لزوج المرأة: (اخلعها على كذا عليَّ) لك، (أو) أن يقول الأجنبي: اخلعها على كذا (عليها وانا ضامن). ويلزم الأجنبي المال المسؤول عليه الخلع في الصورتين، (ولا يلزمها) أي: ولا يلزم المرأة: (إن لم تأذن) للأجنبي شيء مما اختلعها الأجنبي عليه من المال. (ويصح سؤالها) أي: سؤال المرأة زوجها الخلع (على مال أجنبي بإذنه)، فتصير كأنها وكيلة عن الأجنبي في مخالعة زوجها بمال الأجنبي، (وبدونه) أي: وبدون إذنه: (إن ضمنته) مثل أن تقول هي: خالعتك على عبد فلان وأنا ضامنة. فإن لم تضمنه لم يصح الخلع، لأنها بذلت مال غيرها. فلم يصح البذل؛ كما لو بذل الأجنبي مالها بدون إذنها. فأما مع الضمان فتكون باذلة للبدل ويقع مال الغير لاغيًا.
(ويقبضه) أي: يقبض عوض الخلع (زوج ولو) كان (صغيرًا) حيث صح الخلع منه، (أو) كان (سفيهًا، أو) كان (قِنا). قاله القاضي ونص عليه أحمد في العبد فقال: ما ملكه العبد من خلع فهو لسيده وإن استهلكه لم يرجع على الواهب. والمختلعة بشيء والمحجور عليه في معنى العبد.
[ ٩ / ٣١٠ ]
قال في " الفروع ": ومن صح خلعه قبض عوضه عند القاضي. وقاله أحمد
في العبد. انتهى.
وصححه الناظم وجزم به في " المنور " وقدمه في " المجرد " و" تجريد العناية " و"التنقيح ".
(كمحجور عليه لفلس ومكاتَب).
ثم قال (المنقح: وقال الأكثر: ولي وسيد وهو أصح. انتهى).
قال في " الإنصاف " عن هذا القول: هذا المذهب. اختاره المصنف. يعني: الموفق والشارح.
قال أبو المعالي في "النهايه ": هذا أصح. واختاره ابن عبدوس في "تذكرته ".
وجزم به في " البلغة ". وقدمه في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و"الخلاصة " و" الرعايتين " و" شرح ابن منجا " وغيرهم. انتهى.
(و) لو قال أبو زوجة لزوجها: (طلق بنتي وانت بريء من مهرها، ففعل)
أي: فطلقها على ذلك: (فـ) هو (رجعي)؛ لخلوه عن العوض، (ولم يبرأ) من المهر، (ولم يرجع على الأب)، لأنه أبرأه مما ليس له الإبراء منه. فأشبه الأجنبي.
وقال الإمام أحمد: تبين زوجته بذلك ولم يبرأ من مهرها، ويرجع بنظيره
على الأب. وحمله القاضي وغيره على جهل الزوج، وإلا فخلع بلا عوض. (ولا تطلق) الزوجة (إن قال) الزوج لأبيها: (طلقتها إن برئت) يعني:
نفسه (منه) أي: من صداق ابنتك؛ لأنه لا يبرأ بذلك منه.
(ولو قال) الزوج لأبي زوجته: (إن أبرأتني أنت منه) أي: من مهر زوجتي (فهى طالق، فأبرأه) أبو الزوجة من مهر ابنته: (لم تطلق) زوجته في الأصح، لأن الطلاق معلق على براءته من مهرها ولم يبرأ منه بإبراء أبيها.
وقيل: تطلق إن أراد لفظ الإبراء.
ومن الحوادث من المسائل مما يقرب من ذلك، قال ابن نصر الله: فتوى.
[ ٩ / ٣١١ ]
حادثة: رجل قال لزوجته: إن أبرأتيني من حقوق الزوجية ومن العدة فأنت طالق فقالت: أبرأتك. فأفتيت في ذلك بعدم صحة البراءة وعدم وقوع الطلاق.
أما عدم صحة البراءة؛ فلأنها (^١) قصدت بها المعاوضة في الطلاق ولم يقع.
فلم تصح البراءة.
وأما عدم وقوع الطلاق؛ فلأنه علقه على الإبراء من العدة والمراد من
نفقتها. ولا تصح البراءة منها إلا بعد وجوبها، ولا تجب العدة إلا بالطلاق. فلا يتصور وقوع الطلاق ليوقفه على ما هو متوقف عليه فيدور. انتهى.
(وليس لأب صغيرة أن يخالع) زوجها (من مالها)، لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه الحظ لها. وليس في هذا حظ، بل فيه إسقاط حقها مما هو واجب لها. والأب وغيره من الأولياء في ذلك سواء.
(ولا لأب) زوج (صغير أو مجنون، أو سيدهما) أي: سيد الصغير والمجنون (أن يخلعا أو يطلقا عنهما) أي: عن الصغير والمجنون على الأصح. (وإن خالعت) زوجها (على شيء أمة بلا إذن سيد) لم يصح على الأصح؛
لأنه تصرف صدر من غير أهله، إذ الرقيق بدون إذن سيده ليس بأهل للتصرف.
فلا يصح منه؛ كالمجنون.
(أو) لو خالعت زوجها (محجورة لسفه أو صغر أو جنون: لم يصح) في
الأصح (ولو أذن فيه ولي).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب، سواء أذن لها الولى أو لا؛ لأنه
لا إذن له في التبرع. انتهى.
(ويقع) الخلع (بلفظ: طلاق، أو نيته رجعيا)؛ لأنه لم يستحق به عوضا.
(ولا يبطل إبراء من ادعت سفها حالته) أي: حالة الخلع، (بلا بينة)
تشهد بسفهها حالته.
_________________
(١) في ب: فإنها.
[ ٩ / ٣١٢ ]
قال في " الفروع ": ولا يبطل الإبراء بدعواها السفه.
وقال شيخنا: ولو مع بينة أنها سفيهة وليست تحت الحجر. ويتوجه: بلى
مع بينة.
وقال: ولو أبرأته وولدت عنده ومالها بيده يتصرف فيه لم يصدق أبوها أنها (^١) كانت سفيهة تحت حجره بلا بينة. انتهى.
(ويصح) الخلع (من) زوجة (محجورٍ عليها لفلس) على مال (في ذمتها)؛ لأن لها ذمة يصح تصرفها فيها. ويوجع عليها بالعوض إذا أيسرت وانفك الحجر عنها. وليس له مطالبتها في حال حجرها، كما لو استدانت من إنسان في ذمتها أوباعها شيئًا بثمن في ذمتها.
ومن قالت له امرأته: طلقني بألف على أن تطلق ضرَّتى، أو على أن
لا تطلق ضرتي فالخلع صحيح والشرط والبذل لازم؛ لأنها بذلت عوضًا في طلاقها أو طلاق ضرتها فصح؛ كما لو قالت: طلقني وضرتي بألف. فإن لم يف لها شرطها فعليه الأقل من المسمى، أو الألف الذي شرطته.
قال في " شرح المقنع ": ويحتمل أن لا يستحق شيئًا من العوض؛ لأنها
إنما بذلته بشرط لم يوجد. فلم يستحقه؛ كما لو طلقها بغير عوض. انتهى.
_________________
(١) في الأصول: إن. وما أثبتناه من " الفروع " ٥: ٣٤٤
[ ٩ / ٣١٣ ]
] فصل: الخلع طلاق او فسخ]
(فصل. وهو) أي: الخلع: (طلاق بائن، ما لم يقع بلفظ صريح في خلع، كفسخت، وخلعت، وفاديت، ولم ينو به طلاقا: فيكون فسخا لا ينقص به عدد طلاق) في الأصح، (ولو لم ينو) بذلك (خلعا).
وروي كونه فسخا لا ينقص به عدد الطلاق عن ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور. وهو أحد قولي الشافعي.
وعنه: أنه طلقة بائنة بكل حال.
وروي ذلك عن عثمان وعلي وابن مسعود. لكن ضعف أحمد الحديث عنهم. وقال: ليس لنا في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ. واحتج ابن عباس بقوله ﷾: (الطلاق مرتان)، ثم قال: (فلاجناح عليهما فيما افتدت به)، ثم قال: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)] البقرة: ٢٣٠ [فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدهما. فلو كان الخلع طلاقًا لكان رابعا.
ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته. فكان فسخًا؛ كسائر الفسوخ.
واما كون فسخت صريحًا في الخلع " فلأنه حقيقة فيه.
وأما خلعت، فلأنه ثبت له العرف.
وأما فاديت؛ فلأنه الوارد في قوله ﷾: (فلا جناح عليهما فيما
افتدت به)] البقر ة: ٢٢٩].
(وكناياته) أي: كنايات الخلع: (بارأتُك، وأبرأتك، وأبنتُك)، لأن الخلع أحد نوعي الفرقة. فكان له صريح وكناية، كالطلاق.
[ ٩ / ٣١٤ ]
(فمع سُؤال وبذل) أي: سؤال الخلع وبذل عوضه، (يصح) إن أجاب بصريح الخلع أو كنايته (بلا نية)، لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض صارفة إليه فأغنى عن النية فيه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن دلالة حال (فلا بد منها) أي: من النية (ممن
أتى بكناية) من كنايات الخلع.
(وتعتبر الصيغة منهما) أي: من المتخالعين على الأصح. فلا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوج.
وعنه: بلى؟ لأن إسحاق بن منصور روى قال: قلت لأحمد: كيف الخلع؟ قال: إذا أخذ المال فهي فرقة. وأفتى بذلك ابن شهاب بعكبرا. وروي عن علي: من قبل مالا على فراقٍ فهي تطليقة بائنة لا رجعة له فيها. واحتج بقول النبي ﷺ: " تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. ففرق رسول الله بينهما " (^١) . وقال: " خذ ما اعطيتها ولا تزدد " (^٢) . ولم يستدع منه لفظًا.
ولنا: أن الخلع أحد نوعي الفرقة. فلم يصح بدون لفظ، كما لو سألته أن يطلقها بعوض.
ولأنه تصرف في البضع بعوض. فلم يصح بدون اللفظ؛ كالنكاح.
ولأن أخذ المال قبض لعوض. فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب؛ كقبض (^٣)
أحد العوضين في البيع.
ولأن الخلع أحد طرفي عقد النكاح. فاعتبر فيه اللفظ؛ كابتداء العقد.
واما حديث جميلة التي قال لها رسول الله ﷺ: " تردين عليه حديقته ".
فقد رواه البخاري " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " (^٤) . وهذا صريح في اعتبار اللفظ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٥٧) ١: ٦٦٣ كتاب الطلاق، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها.
(٢) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٧: ٣١٣ كتاب الخلع والطلاق، باب الوجه الذي تحل به الفدية.
(٣) في ب: كقرض.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٧١) ٥: ٢٠٢١ كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه.
[ ٩ / ٣١٥ ]
وفي رواية " فأمره ففارقها " (^١) . ومن لم يذكر الفرقة فإنما اقتصر على بعض القصة بدليل رواية من روى الفرقة والطلاق فإن القصة واحدة والزيادة مقبولة. ولعل الراوي استغنى بذكر العوض عن ذلك اللفظ، لأنه معلوم منه. وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة. ولذلك لم يذكروا من جانبها لفظا ولا دلالة حال ولا بد منه اتفاقا.
إذا تقرر هذا (فـ) تكون الصيغة (منه) أي: من الزوج: (خلعتك أو نحوه على كذا، و) تكون الصيغة (منها: رضيت أو نحوه)، وسواء قلنا الخلع فسخ أو قلنا إنه طلاق.
(ويصح) الخلع (بكل لغة من أهلها) أي: أهل تلك اللغة.
قال في " الرعاية ": يصح ترجمة الخلع بكل لغة من أهلها. انتهى.
وذلك كالقول في الطلاق.
(لا معلقًا) يعني: أنه لايصح تعليق الخلع على شرط؛ (كـ) قوله لزوجته: (إن بذلت لي كذا فقد خلعتك) إلحاقًا بعقود المعاوضات؛ لاشتراط العوض لصحته.
(ويلغو شرط رجعة) في خلع، كقوله: خالعتك على كذا على أن لي أن أراجعك ما دمت في العدة، أو متى شئت. (أو) شرط (خيار في خلع)؛ كقوله: خالعتك على كذا على أن لي الخيار، أو على أن لك الخيار إلى كذا، أو يطلقان، (دونه) أي: دون الخلع. يعني: فلا يفسد الخلع بذلك في الأصح. (ويستحق) الزوج العوض (المسمى فيه) في الأصح. وذلك، لأن الخلع لا يفسد بكون عوضه فاسدًا. فلا يفسد بالشرط الفاسد فيه؛ كالنكاح. وإنما استحق المسمى فيه دون غيره؛ لأنهما تراضيا به عوضا. فلم يجب غيره؛ كما لو خلا عن الشرط الفاسد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٧٣) ٥: ٢٠٢٢ الموضع السابق.
[ ٩ / ٣١٦ ]
(ولا يقع بمعتدَّة من خلع طلاق، ولو وُوجِهتْ به) أي: بالطلاق
وحكي عن أبي حنيفة: أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية. والطلاق المرسل. وهو: أن يقول كل امرأة لي طالق. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وجماعة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة ".
ولنا: على أنه لا يقع بها طلاق أنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما. وبذلك قال عكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي.
ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد. فلم يلحقها طلاقه؛ كالمطلقه قبل الدخول، أو التي انقضت عدتها.
ولأنه لا يملك بضعها. فلم يلحقها طلاقه؛ كالأجنبية.
وحديثهم لا يعرف له أصل، ولا ذكره أصحاب السنن.
(ومن خُولع جزءٌ منها) مشاعًا؛ (كنصفها، أو) معينًا؛ كـ (يدها: لم يصح الخلع).
قال الأزجي في " نهايته ": يتفرع على قولنا: الخلع فسخ أو طلاق مسألة ما
إذا قال: خالعت يدك أو رجلك على كذا فقبلت. فإن قلنا الخلع] فسخ [(^١) لا يصح ذلك. وإن قلنا هو طلاق صح؛ كما لو أضاف الطلاق إلى يدها أو رجلها.
_________________
(١) زيادة لتتمة المعنى.
[ ٩ / ٣١٧ ]
] فصل: في شروط الخلع]
(فصل. ولا يصح) الخلع (إلا بعوض) على الأصح.
روى مهنا عن أحمد: إذا قال لها: اخلعي نفسك، وقالت: خلعت نفسي
لم يكن خلعا إلا على شيء، إلا أن يكون نوى الطلاق فيكون ما نوى.
فعلى هذا يكون الطلاق رجعيًا إن لم يكن مكملًا لما يملكه من الطلاق؛ لأنه
يصلح كناية عن الطلاق، وإن لم ينو به طلاقا لم يكن شيئا؛ لأن الخلع إن كان
فسخا فلا يملك الزوج فسخ النكاح إلا لمقتض يملك به الفسخ. ولذلك لو
قال: فسخت النكاح من غير مقتض ولم ينو به طلاقا لم يقع شيء. بخلاف ما إذا
دخله العوض فإنه يصير معاوضة فلا يجتمع له العوض والمعوض.
فلو قالت: بعني عبدك هذا وطلقني بألف ففعل صح، وكان بيعًا وخلعًا
بعوض واحد، لأنهما عقدان يصح إفراد كل واحد منهما بعوض. فصح جمعهما؛ كبيع ثوبين.
(وكُره) للزوج مخالعة زوجته (بأكثر مما أعطاها) على الأصح. فلو
تراضيا على الخلع بأكثر من صداقها صح مع الكراهة. روي ذلك عن عثمان (^١) . ويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: " لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص رأسها كان ذلك جائزًا " (^٢) .
وروي عن علي بإسناد منقطع " أنه ليس للزوج أن يأخذ منها أكثر مما
_________________
(١) أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه " (١١٨٥٠) ٦: ٥٠٤ كتاب الطلاق، باب المفتدية بزيادة على صداقها. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٧: ٣١٥ كتاب الخلع والطلاق، باب الوجه الذي تحل به الفدية.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه " (١١٨٥٣) ٦: ٥٠٥ الموضع السابق. وأخرجه البيهقي في الموضع السابق.
[ ٩ / ٣١٨ ]
أعطاها ". واختار ذلك أبو بكر من أصحابنا وغيره. واحتجوا بما روي " أن جميلة أتت النبي ﷺ فقالت: والله! ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق .. ولكن أكره الكفر في الإسلام. لا أطيقه بُغضًا. فقال لها النبي ﷺ: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد " (^١) . رواه ابن ماجه.
ولأنه بذلٌ في مقابلة فسخ. فلم يزد على قدره في ابتداء العقد، كالعوض
في الإقالة.
ولنا: قول الله سبحا نه وتعالى: (فلاجناح عليهما فيما افتدت به)] البقرة: ٢٢٩].
ولأنه قول من سمينا من الصحابة.
قالت الربيع بنت معوذ: " اختلعت من زوجي بما دون عقاصى رأسي.
فأجاز ذلك علي ".
وأما كونه يكره له ذلك؛ فلقول النبي ﷺ في حديث جميلة: " ولا يزداد ".
وروي عن عطاء عن النبي ﷺ " أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما
أعطاها " (^٢) .. رواه أبو حفص بإسناده.
وهو صريح في الحكم، فيجمع بين الآية والخبر. فنقول الآية دالة على
الجواز والنهي عن الزيادة للكراهة.
(وهو) أي: والخلع (على محرَّم يعلمانه؛ كخمر وخنزير كبلا عوض)
فلا يستحق شيئا. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعي: له عليها مهر المثل؟ لأنه معاوضة بالبضع. فإذا كان
العوض محرما وجب مهر المثل، كالنكاح.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٥٦) ١: ٦٦٣ كتاب الطلاق، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها. عن عكرمه عن ابن عباس.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " ٣: ٢٥٥ باب المهر. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٧: ٣١٤ كتاب الخلع والطلاق، باب الوجه الذي تحل به الفدية.
[ ٩ / ٣١٩ ]
ولنا: أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم. فإذا رضي بغير عوض لم. يكن له شيء؛ كما لو نجز طلاقها أو علقه على فعله شيئا ففعلته. وفارق النكاح فإن دخول البضع في ملك الزوج متقوم ولا يلزم ذلك إذا خلعها على عبد فبان حرا؛ لأنه لم يرض بغير عوض متقوم فيرجع بحكم الغرور.
إذا تقرر هذا فإن خلعه يكون لغوًا ما لم ينو به طلاقا، (فيقع رجعيا بنية
طلاق).
أما كونه يقع به الطلاق؛ فلأن الخلع من كنايات الطلاق، فإذا نواه به وقع.
وأما كونه يقع رجعيا؛ فلخلوه عن العوض.
(وإن لم يعلماه) أي: وإن لم يعلما تحريمه؛ (كـ) ما لو خالعها (على
عبد فبان حرًا، أو) بان (مستحقًا: صح) الخلع، (وله) أي: وللزوج (بدله) أي: بدل العبد وبدل (^١) قيمته لو كان عبدًا. وهذا قول أكثر أهل العلم؛
لأن الخلع معاوضة بالبضع. فلا يفسد بفساد العوض؛ كالنكاح.
ولو خالعها على هذا الدن الخل فبان خمرًا رجع عليها بمثله خلا؛ لأن الخل
من ذوات الأمثال وقد دخل على أن هذا المعين خل. فكان له مثله؛ كما لو كان
خلا فتلف قبل قبضه؛ لأثه إنما وجب عليها مثله لوكان خلا، كما يجب له قيمة الحر بتقدير كونه عبدًا فإن الحر لا قيمة له.
(وإن بان) ما خالعها عليه (معيبًا: فله أرشه، أو قيمته ويرده). يعني:
فيخير الزوج بين أخذ أرشه وبين رده وأخذ قيمته؛ لأنه عوض في معاوضة. فيستحق فيه ذلك؛ كالبيع.
(وإن تخالع كافران بمحرَّم)؟ كخمر وخنزير، (ثم أسلما أو أحدهما قبل
قبضه) أي: قبض المحرم: (فلا شيء له) أي: للزوج المخالع؛ لأنه عوض
ثبت في ذمتها بالخلع فلم يكن له غيره بعد الإسلام، وقد سقط بإسلامهما. فلم
يجب له شيءفي الأصح.
_________________
(١) في أ: بدله العبد وبدله.
[ ٩ / ٣٢٠ ]
(ويصح) الخلع (على رَضاع ولده مطلقا) أي: من غير تقدير مدة،
(وينصرف) الرضاع (الى حولين) إن كان ذلك عند ولادته، (أو) إلى (تتمتهما) إن كان قد مضى منهما شيء. نص على ذلك أحمد.
قيل له: ويستقيم هذا الشرط رضاع ولدها ولا نقول: ترضعه سنتين؟ قال: نعم.
ووجه ذلك: أن الله ﷾ قيد الرضاع بالحولين فقال سبحانه
وتعا لى: (والوالدات يرضغن أولادهن حولين)] البقرة: ٢٣٣].
وقال ﷾: (وفصاله فى عامين)] لقمان: ١٤].
وقال ﷾: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)] الأحقاف: ٥ [. ولم
يبين مدة الحمل والفصال هاهنا فحمل على ما فصلته الآية الأخرى، وجعل الفصال عامين والحمل ستة أشهر.
وقال النبي ﷺ: " لا رضاع بعد فصال " (^١) . يعنى: بعد العامين، فحمل المطلق من كلام الآدمي على المطلق من كلام الله ﷾.
(و) لو خالعته (عليه) أي: على رضاع ولده مدة معينة، (أو) خالعته (على كفالته) مدة معينة، (أو) خالعته على (نفقته) أي: على الإنفاق على ولده مدة معينة، (أو) خالعته على (سكنى دارها مدة معينة) صح. (فلو لم تنته) المدة (حتى انهدمت) الدار، (أو جفَّ لبنُها) أي: لبن من خالعته على إرضاع ولده، (أو ماتت) من خالعته على إرضاع ولده أو كفالته أو الانفاق عليه، (أو) مات (الولد: رجع) الزوج (ببقية. حقه)، لأن ذلك عوض معين تلف قبل قبضه. فوجبت قيمته أومثله، كما لو خالعها على قفيز فهلك قبل قبضه، (يومًا فيومًا) في الأصح، لأنه ثبت مُنجَّمًا فلا يستحقه معجلًا، كما لو أسلم في خبز يأخذ منه كل يوم أرطالا معلومة فمات المستحق له.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٣١٩ كتاب الخلع والطلاق، باب الطلاق قبل النكاح. عن جابر مرفوعًا، وعن علي موقوفا ٧: ٤٦١.
[ ٩ / ٣٢١ ]
ولأن الحق لا يستحق بموت المستوفي؛ كما لو مات وكيل صاحب الحق. (ولا يلزمها) إن مات الولد (كفالة بدله أو إرضاعه) أي: إرضاع بدله؛
لأن ذلك عقد على فعل في عين. فينفسخ بتلفها؛ كما لو ماتت الدابة المستأجر ة.
ولأن ما يستوفيه من اللبن إنما يتقدر بحاجة الصبي، وحاجات الصبيان تختلف
ولا تنضبط. فلم يجز أن يقوم غيره مقامه؛ كما لو أرادا (^١) ذلك في حياة الولد. (ولا يعتبر) لصحة الخلع على الإنفاق لمدة معينة (تقدير نفقة ووصفها).
فلا يشترط ذكر قدر الطعام وجنسه، ولا قدر الأدم وجنسه؛ لقصة موسى ﵊ (^٢) .
وقول النبي ﷺ: "رحم الله أخي موسى آجر نفسه بطعام بطنه وعفة فرجه " (^٣) . ولأن نفقة الزوجة مستحقة بطريق المعاوضة وهي غير مقدرة. كذا هاهنا. وللوالد أن يأخذ منها ما يستحقه الولد من مؤنة وما يحتاج إليه؛ لأنه بدل ثبت له في ذمتها، فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره.
(و) إذا ثبت هذا فإنه (يرجع) فيه (لعرف وعادة)، وإن أذن لها والد الولد في إنفاقه على الولد جاز.
(ويصح) الخلع (على نفقة ماضية).
قال في " الفروع ": ويصح بنفقتها في المنصوص.
وقيل: إن وجبت بالعقد، وفيه روايتان. وجزم به في "الفصول "، وإلا فخليع معدوم (^٤) . انتهى.
_________________
(١) في ب: أراد.
(٢) وهو قوله ﷾: (قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج).
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٤) ٢: ٨١٧ كتاب الرهون، باب إجازة الأجير على طعام بطنه. عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح.
(٤) في " الفروع ": ٥: ٣٥٠ بمعدوم.
[ ٩ / ٣٢٢ ]
قال ابن نصر الله في " حواشيه ": لعل المراد بنفقة لها ماضية.
وإنما قال ابن نصر الله ذلك لقوله في " الفروع ": وقيل: إن وجبت بالعقد. والله أعلم.
(و) يصح الخلع (من حامل على نفقة حملها). نص عليه. حكي جواز
ذلك عن أحمد وأبي حنيفة. وذلك، لأنها مستحقه عليه بسبب موجود فصح الخلع بها وإن لم يعلم قدرها، كمسألة المتاع.
(ويسقطان) أي: النفقة الماضية ونفقة الحمل بالخلع عليهما " لأن ذلك
فائدة القول بصحة الخلع بينهما.
(ولو خالعها) أي: خالع الزوج زوجته الحامل (فأبرأته من نفقة حملها:
برئ) الزوج من نفقة حملها (إلى فطامه).
نقل المروذي: إذا أبرأته من مهرها ونفقتها ولها ولد فلها النفقة عليه إذا
فطمته " لأنها قد أبرأته مما يجب لها من النفقة فإذا فطمته فلها طلبه بنفقته، وكذا السكنى.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به
كثير منهم (^١)، منهم الخرقي.
وقال القاضي: إنما صحت المخالعة على نفقة الولد، وهي للولد دونها؛
لأنها في حكم المالكة لها. وبعد الوضع تأخذ أجرة رضاعها.
فأما النفقة الزائدة على هذا من كسوة الطفل ودهنه ونحوه فلا يصح أن تعاوض (^٢) به، لأنه ليس لها ولا في حكم ما هو لها.
قال الزركشي: وكأنه يخصص كلام الخرقي. انتهى.
(ويصح) الخلع (على ما لا يصح مهرًا، لجهالة أو غرر) في الأصح.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في الأصول: يعارض. وما أثبتناه من " الإنصاف " ٨: ٤٠٢.
[ ٩ / ٣٢٣ ]
وقال أبو بكر: لايصح الخلع ولا شيء له؛ لأنه معاوضة. فلا يصح
بالمجهول؛ كا لبيع.
ولنا: أن الطلاق معنى يجوز تعليقه بالشرط. فجاز أن يستحق به العوض
المجهول؛ كالوصية.
ولأن الخلع إسقاط لحقه من البضع وليس تمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة ولذلك جاز من غير عوض. بخلاف النكاح.
ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم، بدليل ما لو أخرجته من ملكه بردتها أو رضاعها لمن ينفسخ به نكاحها فإنه لم يجب عليها شيء. ولو قتلت نفسها أو قتلها أجنبي لم يجب] للزوج عوض عن بضعها. ولو وطئت بشبهة أو مكرهة لوجب لها المهر دون الزوج. ولو طاوعت لم يكن [(^١) للزوج شيء. وإنما يتقوم البضع على الزوج في النكاح خاصة. وأباح لها افتداء نفسها لحاجتها إلى ذلك فيكون الواجب ما رضيت ببدله. فأما إيجاب شيء لم ترض به فلا وجه له. إذا تقرر هذا (فلـ) ــزوج (مخالع على ما بيدها أو بيتها: من دراهم) في يدها، (أو) متاع في بيتها (ما) أي: الذي (بهما) أي: بيدها أو بيتها. (فإن لم يكن) في يدها (شيء) من الدراهم: (فله ثلاثة دراهم، أو) لم يكن في بيتها شيء من المتاع فله (ما يسمى متاعا)؛ كالوصية.
وعلم مما تقدم أنه لو كان بيدها دراهم دون الثلاث لم يكن له غيرها. وهو الأصح.
(و) لو خالعها (على ما تحمل شجرة، أو) ما تحمل (أمة، أو) على
(ما في بطنها) أي: بطن الأمة، أو على ما في بطن شاتها أو بقرتها أو ناقتها، ونحو (^٢) ذلك صح كالوصية بذلك، ويكون له (ما يحصل) من ذلك. (فإن لم يحصل) من ذلك (شيء: وجب فيه) أي: في هذا (وفيما) إذا خالعها على
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: أو نحو.
[ ٩ / ٣٢٤ ]
شيء (يُجهل مطلقًا؛ كثوب، ونحوه)؛ كعبد وجمل وبقرة وشاة (مطلق ما تناوله الاسم)؛ لأنها خالعته على مسمى مجهول. فكان له أقل ما يقع عليه الاسم من ثمرة وولد وثوب ونحو ذلك.
(و) لو خالعها (على هذا الثوب الهَرَويّ فبان مَرْويًا) أو بان معيبًا، أو خالعها على هذا العبد السندي فبان زنجيًا أو بان معيبًا: (ليمس له غيره) في الأصح؛ لوقوع الخلع على عينه.
وقيل: له الرد وأخذ القيمة بالصفة سليمًا.
وفي " الترغيب " في رجوعه بأرشه وجهان. وأنه لو بان مستحق الدم فقتل فأرش عيبه.
وقيل: قيمته.
(ويصح) الخلع (على) ثوب (هروي في الذمة) موصوف بصفات السلم، وعليها أن تعطيه إياه سليما لأن إطلاق ذلك يقتضي السلامة. (ويخير: إن أتته بـ) ثوب (مروي بين رده وإمساكه). وكذلك يخير إن أتته بهروى معيب أو ناقص عن الصفات المذكوره؛ لأنه إنما وجب في الذمة سليمًا تام الصفات.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
] فصل: في الطلاق المعلق بعوض]
(فصل. وطلاق معلّق بعوض؛ كـ) دفعه له (خلع في إبانة.
فلو قال) زوج لامرأته: (إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق، طلقت) منه (بائنًا
بأي عبد أعطته) له، (وملكه) أي: ملك الزوج العبد بإعطائها إياه. نص عليه؛ لأنه قد علق طلاقها بإعطاء عبد، فلما أعطته عبدًا وجد شرط الطلاق. فيجب أن يقع؛ كما لو قال: إن رأيت عبدا فأنت طالق. ولا يلزمها أكثر منه؛ لأنها لم تلتزم (^١) له شيئا فلا يلزمها شيء.
(و) إن قال لها: (إن أعطيتني هذا العبد) فأنت طالق، (أو) قال لها:
إن أعطيتني (هذا الثوب الهروي فأنت طالق فأعطته إياه) أي: أعطته العبد فيما إذا قال لها: إن أعطيتني هذا العبد، أو أعطته الثوب فيما إذا قال لها: إن أعطيتني هذا الثوب: (طلقت) بائنًا، (ولا شيء له) غيره (إن بان) العبد أو الثوب (معيبًا، أو) بان الثوب (مرويًا)؛ لأنه شرط لوقوع الطلاق. أشبه ما لو قال: إن ملكته فأنت طالق ثم ملكه.
(وإن بان) العبد (مستحق الدم، فقتل: فـ) إنه يكون له (أرش عيبه) ولا يرتفع الطلاق. قدمه في " الفروع ".
وقيل: يكون له قيمته.
(وإن خرج، الثوب أو بعضه مغصوبًا، أو خرج العبد (أو بعضه مغصوبًا،
أو) خرج العبد (حرًا) فيما إذا قال: إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق، وفيما إذا قال: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق: (لم تطلق)؛ لأن الإعطاء إنما يتناول
_________________
(١) في ب: لأنه لم يلتزم.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
ما يصح تمليكه منها، والحر أو المغصوب كله أو بعضه متعذر تمليكه منها فلا يكون إعطاوه إياها صحيحًا. فلا يقع الطلاق المعلق به.
(وإن علقه) أي: علق الزوج طلاقها (على خمر أو نحوه) تعطيه له، (فأعطته) إياه: (فرجعي) أي: فتطلق طلاقا رجعيًا؟ لأنه ليس على عوض شرعي.
(و) إن قال لها: (إن أعطيتني ثوبًا هرويًا فأنت طالق، فأعطته) ثوبًا (مرويًا، أو) أعطته ثوبًا (هرويًا مغصوبًا: لم تطلق)؛ لأن الصفة التي علق الطلاق عليها لم توجد.
(وإن أعطته) ثوبًا (هرويًا معيبًا: فله مطالبتها بسليم) وتطلق؛ لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق؛ لأن الاسم شامل للسليم والمعيب، والأعلى والأدنى.
وأما كونه له مطالبتها بهروي سليم والبينونة بحالها؛ لأن مقتضى العقد السلامة في العوض. فكان له مطالبتها بهروي سليم.
(و) إن قال زوج لزوجته: (إن) أعطيتني، أو إن أقبضتني ألفًا فأنت طالق، (أو) قال لها: (إذا) أعطيتني، أو إذا أقبضتني ألفًا فأنت طالق، (أو) قال لها: (متى أعطيتني أو) متى (أقبضتني ألفا، فأنت طالق، لزم) ذلك (من جهته) يعني: فلا يمكنه إبطاله؛ لأن المغلب في ذلك حكم التعليق بدليل صحة تعليقه على الشرط. ويقع الطلاق بوجود الشرط، سواء كان ذلك على الفور أو على التراخي؛ لأنه علق الطلاق بلفظ مقتضاه التراخي. فكان على التراخي؛ كما لو خلا عن العوض.
والدليل على أنه يقتضي التراخي، أنه يقتضيه إذا خلا عن العوض، ومقتضيات الألفاظ لا تختلف بالعوض وعدمه.
إذا تقرر هذا (فأي وقت أعطته) أي: أعطت الزوجة الزوج (على صفة يمكنه) أي: يمكن الزوج (القبض ألفًا فأكثر وازنة)، بأن كان الإعطاء (بإحضاره) أي: إحضار الألف للزوج (وإذنها) للزوج (في قبضه) أي:
[ ٩ / ٣٢٧ ]
قبض الألف " لأن الألف مذكر، (ولو) كان ذلك (مع نقص في العدد) اكتفاء بتمام وزنه: (بانت) بذلك، (وملكه) أي: ملك الزوج الألف (وإن لم يقبضه) أي: ولو لم يقبض الزوج الألف بيده، لأن ذلك إعطاء شرعي، يحنث به من حلف لا يعطي فلانًا شيئا بفعله ذلك معه.
(و) إن قالت امرأة لزوجها: (طلقني) بألف، أو على ألف، أو ولك ألف، (أو) قالت له: (اخلعني بألف، أو على ألف، أو ولك ألف، أو) قالت له: (إن طلقتني) فلك ألف، أو أنت بريء من الألف، (أو) قالت له: إن (خلعتني فلك ألف، أو أنت بريء منه) أي: من الألف، (فقال) لها: (طلقتك) جوابًا لقولها: طلقني أو إن طلقتني، (أو) قال لها: (خلعتك) جوابًا لقولها: اخلعنى أو إن خلعتني، (ولو لم يذكر الألف) مع قوله: طلقتك أو خلعتك (بانت) منه، (واستحقه) أي: استحق الألف (من غالب نقد البلد: إن أجابها على الفور)؛ لأن قوله: طلقتك أو خلعتك جواب لما استدعته منه والسؤال كالمعاد في الجواب. فأشبه ما لو قالت: بعني عبدك بألف، فقال: بعتكه ولم يذكر الألف.
(ولها) أي: وللزوجة (الرجوع) عما قالته لزوجها (قبل إجابته) إياها بقوله: طلقتك أو خلعتك؛ لأن قولها: طلقتني، أو اخلعني بألف، أو على ألف إنشاء على سبيل المعاوضة. فلها الرجوع قبل تمامه بالجواب " كالبيع. وكذا قولها: إن طلقتني فلك ألف؛ لأنه وإن كان بلفظ التعليق فهو تعليق لوجوب العوض لا للطلاق. بخلاف تعليق الزوج الطلاق على العوض فإنه لا يملك الرجوع فيه؛ كما لو علق الطلاق على دخول الدار.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
] فصل: فيمن سئل الخلع فطلق]
(فصل. من سُئل الخلع) أي: أن يخلع زوجته (على شيء) أي: عوض، (فطلق) أي: فأجاب من سأله الخلع بالطلاق: (لم يستحقه) أي: لم يستحق العوض المسؤول عليه في الأصح، لأنها استدعت منه فسخًا فلم يجبها إليه، وأوقع طلاقا لم تطلبه ولم تبذل فيه عوضًا، (ووقع) عليه الطلاق بذلك في الأصح، حال كون وقوعه (رجعيًا)، لأنه أوقعه مبتدءًا غير مبذول فيه عوض. فأشبه ما لو طلقها ابتداء.
(ومن سئل الطلاق) على عوض (فخلع: لم يصح) خلعه الذي هو فسخ؛ لأنه لم يجب له بذلك العوض الذي بذل له. وإذا لم يجب له العوض لم يصح الخلع؛ لأنه إنما خالعها معتقدًا لحصول العوض.
(و) من قالت لزوجها: (طلقني) بألف إلى شهر أو بعد شهر لم يستحق الألف إلا بطلاقها بعد الشهر.
قال في " الإنصاف ": لو قالت: طلقني بألف إلى شهر فطلقها قبله فلا شيءله. نص عليه. انتهى.
(أو طلقها) من غير أن تسأله (بألف إلى شهر، أو بعد شهر) وقبلت منه ذلك بالمجلس، (لم يستحقه) أي: يستحق الألف (إلا بطلاقها بعده) أي: بعد الشهر. وذلك؛ لأنه إذا طلقها قبل رأس الشهر فقد اختار إيقاع الطلاق من غير عوض فيقع رجعيًا. ولو أجاب من سألته الطلاق بألف إلى شهر أو بعد شهر بقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق استحق العوض ووقع الطلاق عند رأس الشهر بائنًا، لأنه بعوض.
(و) من قالت لزوجها: طلقني (من الآن إلى شهر) بألف، (لم يستحقه
[ ٩ / ٣٢٩ ]
إلا بطلاقها قبله) أي: قبل الشهر. ولا تضر الجهالة في وقت الطلاق؛ لأنه مما يصح تعليقه على الشرط. فصح بذل العوض فيه مع جهل الوقت؛ كالجعالة. (و) من قالت له زوجته: (طلقني به) أي: بالألف (على أن تطلق ضرتي، أو) قالت: طلقني بالألف (على أن لا تطلقها) أي: على أن لا تطلق ضرتي (صح الشرط والعوض. وإن لم يف) بما شرط عليه من طلاق الضرة أو من عدمه: (فله الأقل منه) أي: من الألف (ومن المسمى) للسائلة. وإنما استحق ذلك؛ لكونه لم يطلق إلا بعوض، فإذا لم يسلم له رجع إلى ما رضي بكونه عوضًا وهو المسمى إن كان أقل من الألف. وإن كان أكثر فله الألف فقط؛ لأنه رضي بكونه عوضًا عنها وعن شيء آخر. فإذا جعل كله عنها كان أحظ له. (و) من قالت له زوجته: (طلقني) طلقة (واحدة بألف، أو) طلقني واحدة (على ألف، أو) طلقني واحدة (ولك ألف، ونحوه)؛ كطلقني واحدة على أن أعطيك ألفًا، (فطلق أكثر) بأن قال لها: أنت طالق ثنتين، أو أنت طالق ثلاثا: (استحقه) أي: استحق الألف؟ لأنه أوقع ما استدعته وزيادة؛ لأن الثلاث واحدة وثنتان. ولذلك لو قال: طلقي نفسك ثلاثًا فطلقت نفسها واحدة وقع فيستحق العوض بالواحدة، وما حصل من الزيادة التي لم تبذل العوض فيها لم يستحق بها شيئًا.
(ولو أجاب) قولها (بـ) قوله: (أنت طالق وطالق وطالق، بانت) منه (بالأولى) ولم يقع ما بعدها.
(وإن ذكر الألف عقب الثانية) بأن قال لها: أنت طالق وطالق بألف: (بانت بها) أي: بالثانية، (و) الطلقة (الأولى) تقع (رجعيه، ولغت الثالثة. وإن ذكره) أي: ذكر الألف (عقبها) أي: عقب الثالثة بأن قال: أنت طالق وطالق وطالق بألف: (طلقت ثلاثًا). وإن لم يذكر الألف وقال: نويت أن الألف في مقابله الكل بانت بالأولى وحدها ولم يقع بها ما بعدها؛ لأن الأولى حصل في مقابلها عوض وهو قسطها من الألف فبانت بها. وله ثلث الألف؛ لأنه رضي بأن يوقعها بذلك، مثل أن تقول: طلقني بألف، فيقول: أنت طالق
[ ٩ / ٣٣٠ ]
بخمسمائة. هكذا ذكره القاضي. وإن لم ينو شيئًا استحق الألف بالأولى ولم يقع ما بعدها.
(و) من قالت له زوجته: (طلقني ثلاثا بألف، فطلق أقل) بأن قال: أنت طالق واحدة، أو طالق ثنتين: (لم يستحق شيئًا) من الألف في الأصح؛ لأنها بذلت العوض في مقابلة شيء لم يجبها إليها. فلم يستحق شيئًا؛ كما لو قال في المسابقة: من (^١) سبق إلى خمس إصابات (^٢) فله ألف فسبق إلى بعضها فإنه لايستحق شيئا.
(وإن لم يكن بقى من الثلاث إلا ما أوقعه ولو لم تعلم) هي بذلك في الأصح: (استحق الألف)؛ لأن هذه الواحدة كملت وحصلت ما يحصل بالثلاث من البينونة وتحريم العقد. فوجب بها العوض؛ كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا.
(ولو قال) لزوج (امرأتاه: طلقنا بألف، فطلق واحدة) منهما: (بانت بقسطها) من الألف. فيقسط الألف على مهور مثلهما.
(ولو قالته إحداهما) أي: قالت إحداهما: طلقنا بالف فطلق واحدة: (فرجعي) في الأصح، سواء كانت من طلقها السائلة أو ضرتها، (ولا شيء له)؛ لأنها جعلت الألف في مقابلة طلاقهما، وبطلاق واحدة منهما لم يحصل المطلوب. فلا يستحق شيئا؛ كما لو قيل لإنسان: بعني عبديك بألف فقال: بعتك أحدهما بخمسمائة.
(و) إن قال الزوج لهما ابتداء: (أنتما طالقتان بألف، فقبلت واحدة: طلقت بقسطها) من الألف.
(و) إن قال لهما: (أنتما طالقتان بألف إن شئتما، فقالتا: شئنا وإحداهما) أي: إحدى الزوجتين (غير رشيدة: وقع بها) أي: بغير الرشيدة الطلاق (رجعيًا، ولا شيء عليها) من الألف.
_________________
(١) فى ب: إن.
(٢) في ب: نصابات.
[ ٩ / ٣٣١ ]
أما وقوع الطلاق بها؛ لأن لها مشيئة، ولذلك يرجع إلى مشيئة المحجور عليها في النكاح.
وأما كون طلاقها يقع رجعيًا؛ لأنه لا يجب عليها شيء؛ لعدم نفوذ تصرفها
في مالها، وإذا لم يصح العوض وقع الطلاق رجعيًا.
(و) وقع الطلاق (بالرشيدة بائنًا بقسطها من الألف)؛ لأن مشيئة الرشيدة صحيحة وتصرفها في مالها صحيح. فيجب عليها بقسطها من الألف.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق وعليك ألف، أو) أنت طالق (على ألف، أو) أنت طالق (بألف، فقبلت) منه ذلك (بالمجلس: بانت) منه (واستحقه) أى: واستحق الزوج الألف؛ لأنه طلاق على عوض وقد التزم فيه العوض. فصح؛ كما لو كان ذلك بسؤالها.
(وإلا) أي: وإن لم تقبل ذلك بالمجلس: (وقع) الطلاق (رجعيًا) على المنصوص؛ لأنه طلاق شرط فيه العوض على من لم يلتزمه، فلغا الشرط ووقع الطلاق رجعيًا.
(ولا ينقلب) الطلاق (بائنًا إن بذلته) أي: بذلت الألف (به) أي: بالمجلس (بعد ردها) في الأصح؛ كما لو بذلته بعد المجلس.
(ويصح رجوعه) أي: رجوع الزوج الذي قال لزوجته: أنت طالق وعليك ألف، أو على ألف، أو بألف (قبل قبولها) أي: قبول زوجته ذلك منه فلا تبين.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
] فصل: إذا خالعته في مرض موتها]
(فصل. إذا خالعته) أي: خالعت الزوجة زوجها على عوض مسمى (في مرض موتها) فالخلع صحيح، لأنه عقد معاوضة. فيصح في المرض؛ كما يصح البيع. ومتى كان المسمى زائدًا على إرثه (فله الأقل من المسمى) أي: العوض المسمى في الخلع، (أو إرثه منها) على الأصح، لأنها متهمة في أنها قصدت الخلع لتوصل إليه شيئا من مالها بغير عوض على وجه لم تكن قادره عليه وهو وارث لها. فبطل الزائد، كما لو أوصت له أو أقرت له. وأما قدر الميراث فلا تهمه فيه فإنها لو لم تخالعه لورث ميراثه. وإن صحت من مرضها صح الخلع على جميع ما خالعها عليه، لأنا تبينا أن مرضها ليس بمرض الموت، والخلع في المرض غير مرض الموت كالخلع في الصحة.
(وإن طلقها) أي: طلق إنسان زوجته رجعيا أو بائنًا (في مرض موته، ثم وصى) لها بزائد عن إرثها، (أو أقر بزائد عن إرثها: لم تستحق الزائد) عن إرثها؛ لأنه متهم في أنه قصد إيصال زائد عن إرثها إليها (^١)؛ لأنه لم يكن له سبيل إلى إيصال ذلك إليها وهي في حباله، فطلقها ليوصل ذلك إليها. فمُنع منه؛ كما لو أوصى لوارث.
(وإن خالعها) فى مرض موته (وحاباها: فمن رأس المال)، لأنه لو طلقها بغير عوض لصح. فلأن يصح مع العوض أولى.
(ومن وكّل) وكيلًا (في خلع امرأته مطلقًا) يعني: ولم يسم له قدر عوض الخلع، (فخالع) الوكيل زوجة الموكِّل (بـ) ــعوض (أنقص من مهرها: ضمن) الوكيل (النقص) عن مهرها، وصح الخلع في الأصح " لأن الزوج إنما
_________________
(١) في ب: إليه.
[ ٩ / ٣٣٣ ]
أذن لوكيله في إزالة ملكه عن البضع بالعوض المقدر شرعًا وهو مهرها، فإذا أزاله (^١) بأقل منه ضمن النقص؛ كالوكيل المطلق في البيع إذا باع بدون ثمن المثل.
(وإن عيَّن) الزوج (له) أي: للوكيل (العوض) بأن قال له: اخلعها على عشرة، (فنقص منه) أي: عما عينه له بأن خلعها على تسعة: (لم يصح الخلع) في الأصح؛ لأنه إنما أذن له فيه بشرط ما قدره له من العوض، وإذا لم يوجد العوض المقدر لم يوجد الشرط. فيكون الخلع الواقع غير مأذون فيه فلا يصح. ويبقى النكاح بحاله لذلك.
(وإن زاد من وكَّلته) الزوجة في خلعها من زوجها (وأطلَقت) بأن لم تذكر
له قدر العوض، فخالع زوجها بزيادة (على مهرها، أو) خالع (من عينت له العوض) بزيادة (عليه: صح الخلع) في الصورتين في الأصح، (ولزمته الزيادة)؛ لأن الزوجة رضيت بدفع العوض الذي يملك الخلع به عند الإطلاق، وبالقدر المأذون له مع التقدير. والزياده لازمة للوكيل؛ لأنها عوض بذله في الخلع. فصح منه ولزمه؛ كما لو لم يكن وكيلًا.
(وإن خالف) الوكيل ما أمر بالخلع عليه (جنسًا، أو حلولًا، أو نقدًا لبلد)
بأن توكل في الخلع على نقد فخالع على عوض أو عكس، أو توكل في الخلع على مائة حالة فخالع على مائة مؤجلة، أو توكل في الخلع على مائة من غير تعيين فخالع على مائة من غير نقد البلد: (لم يصح) الخلع؛ لأن ما خالع به لم (^٢) يملكه الموكل؛ لأنه لم يأذن فيه. ولا الوكيل؛ لأنه لم يوجد السبب بالنسبة إليه.
(لا وكيلها حُلولًا) يعني: أن المرأة لو وكلت في مخالعة زوجها على ألف حالة فخالف وكيلها في الحلول وخالع على ألف مؤجلة صح الخلع؟ لأن وكيلها
_________________
(١) في ب: زاله.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
زادها خيرًا " لأن الأجل أحظ لمن عليه الدين، لأنه مهلة وتوسعة.
(ولا يسقط) بالخلع (ما بين متخالعين: من حقوق نكاحٍ أو غيره بسكوت عنها) على الأصح في حقوق النكاح. فيتراجعان بما بينهما من الحقوق فإن كان الخلع قبل الدخول فلها نصف المهر، فإن كانت قد قبضته ردت نصفه، وإن كانت مفوضة فلها المتعه، لأن المهر حق لا يسقط بلفظ الطلاق. فلا يسقط بلفظ الخلع، كسائر الديون.
(ولا) يسقط أيضًا ما بين متخالعين: من (نفقة عدة حامل، ولا) من (بقية ما خولع على بعضه)، كسائر الفسوخ غير الخلع، وكالفرقة بلفظ الطلاق.
قال في " الفروع ": وعنه تسقط. يعني: حقوق النكاح بالسكوت عنها،
إلا نفقة العدة وما خولع ببعضه. انتهى.
(ويحرُم الخلع حيلة لإسقاط يمين طلاق، ولا يصح) يعني: ولا يقع.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. جزم به ابن بطة في مصنف له في هذه المسألة. وذكره عن الاجري. وجزم به في " عيون المسائل "، والقاضي في "الخلاف "، وأبو الخطاب في " الانتصار ". وقال: هو محرم عند أصحابنا.
وكذا قال المصنف يعني: الموفق في " المغني ": هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق المعلق، والحيل خداع لا تحل ما حرم الله تعالى.
قال الشيخ تقي الدين: خلع الحيلة لا يصح على الأصح كما لا يصح نكاح المحلل، لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها كما في نكاح المحلل، والعقد لايقصد به نقيض مقصوده. وقدمه في " الفروع. ".
وقيل: يحرم، ويقع (^١) .
_________________
(١) في ب: ويصح.
[ ٩ / ٣٣٥ ]
قال في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير ": ويحرم الخلع حيلة، ويصح
في أصح الوجهين.
قال في " الفروع ": وشذَّ في " الرعاية "، فذكره. انتهى.
قال (المنقح) في " التنقيح ": (وغالبُ الناس واقع في ذلك). انتهى.
أي: في الخلع لإسقاط يمين الطلاق.
قال في " الفروع " بعد أن ذكر المسألة: ويتوجه أن هذه المسألة وقصد المحلل التحليل وقصد أحد المتعاقدين قصدًا محرمًا كبيع عصير ممن يتخذه خمرًا على حد واحد، فيقال في كل منهما ما قيل في الأخرى. وفي " واضح ابن عقيل ": يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن كان أهلًا للرخصة كطالب التخلص من الربا فيرده إلى من يرى التحلل للخلاص منه والخلع بعد وقوع الطلاق. انتهى.
[ ٩ / ٣٣٦ ]
] فصل: في حكم إنكاو الخلع]
(فصل. إذا قال) زوج لزوجته: (خالعتُك بألف، فأنكرته) أي: أنكرت الخلع: بانت بقوله؛ لأنه مقر بما يوجب بينونتها.
(أو) لم تنكو الخلع، لكن (قالت: إنما خالعت غيري: بانت) أيضًا؛
لأنه يلزمه حكم إقراره بالبينونة.
(وتحلف) الزوجة (لنفي العوضى) في الصورتين؛ لأنها منكرة. فيكون عليها اليمين؛ كسائر الدعاوي.
(وإن أقرت) بمخالعتها إياها (و) لكن (قالت: ضمنه) أي: ضمن الألف الذي خالعتك عليه (غيري، أو) قالت: (في ذمته) أي: ذمة غيري، (قال): بل (في ذمتك: لزمها) الألف؛ لأنها مقرة بالخلع مدعية على غيرها ضمان العوض. فلزمها العوض؛ لإقرارها به، ولا يسمع دعواها على الغير. (وإن اختلفا) أي: اختلف الزوجان المتخالعان (في قدر عوضه) أي: عوض الخلع، بأن قال الزوج: خالعتك بألف، فقالت: بل بخمسمائة.
(أو) في (عينه) أي: عين عوض الخلع، بأن قال الزوج: خالعتك على
هذا العبد، فقالت: بل (^١) على هذه الأمة.
(أو) اختلفا في (صفته) أي: صفة عوض الخلع، بأن قال: خالعتك
على ثوب هروي، فقالت: بل على ثوب مروي.
(أو) اختلفا في (تأجيله) أي: تأجيل عوض الخلع، بأن قال الزوج: خالعتك على ألف حالة، فقالت: بل على ألف مؤجلة (فقولها) أي: فالقول
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
قول المرأة في ذلك. نص عليه، لأن العوض أحد نوعي الخلع. فكان القول قول المرأة فيه " كالطلاق على مال إذا اختلفا في قدره.
ولأن المرأة منكرة للزائد في القدر والصف. فكان القول قولها؛ كسائر المنكرين.
قال في " شرح المقنع ": فإن قال: سألتني طلقة بألف، فقالت: بل سألتك ثلاثا بألف فطلقتني واحدة. بانت بإقراره، والقول قولها في سقوط العوض. وعند أكثر الفقهاء: يلزمها ثلث الألف بناء على أصلهم فيما إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلقها واحدة (^١) أنه يلزمها ثلث الألف. وإن خالعها على ألف فادعى أنها دنانير، وقالت: بل هي دراهم، فالقول قولها؛ لما ذكرنا في أول الفصل. وإن قال أحدهما: كانت دراهم راضية، وقال الآخر (^٢): مطلقة. فالقول قولها إلا على الرواية التي حكاها القاضي، فإن القول قول الزوج في هاتين المسألتين. وإن اتفقا على الإطلاق لزم من غالب نقد البلد. وإن اتفقا على أنهما أرادا دراهم راضيه لزمها ما اتفقت إرداتهما عليه. وإن اختلفا في الإرادة فإن حكمها المطلقة يرجع إلى غالب نقد البلد. انتهى.
(وإن علق) زوج (طلاقها) أي: طلاق زوجته (بصفة)، كما لو قال لها: إن كلمت أباك فأنت طالق، (ثم أبانها) بخلع أو طلقة أو ثلاث، (ثم تزوَّجها) بعد ذلك، (فوجدت) الصف بأن كلمت أباها وهي فى عصمته، أو معتدة ن طلاق رجعي: (طلقت). نص عليه أحمد، حتى (ولو كانت) الصف (وجدت حال بينونتها) على الأصح.
قال في " المقنع ": ويتخرج أن لا تطلق بناء على الرواية في العتق. واختاره أبو الحسن التميمي.
قال في " شرح المقنع ": وأكثر أهل العلم يرون أن الصف لا تعود إن أبانها بطلاق ثلاث. انتهى.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: وقالت الأخرى.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
والمذهب ما في المتن.
ووجهه: أن عقد الصفة وعودها وجد في النكاح. فيقع، كما لو لم تتخلله بينونة، أو كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك وأبي حنيفة وإن لم يفعل (^١) الصفة.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر هذه المسألة: وكذا الحكم لو قال: إن بِنْتِ مني ثم تزوجتك فأنت طالق فبانت ثم تزوجها. قاله في " الفروع ".
وقال: وفي " التعليق " احتمال: لا يقع، كتعليقه بالملك. انتهى.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: وقالت الأخرى.
[ ٩ / ٣٣٩ ]