هذا (كتاب) يذكر فيه الأسباب الموجبة للديه، وما يتعلق بذلك.
ثم (الديات: جمع دية، وهي) أي: الدية: (المال المؤدى إلى مجني
عليه، أو وليه) أي: ولي مجني عليه، (بسبب جناية).
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب " فقوله ﷾: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢].
وأما السنة، فما روى أبو بكر عن محمد بن عمرو بن حزم: " أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: وفي النفس مائة من الإبل " (^١). رواه النسائي في"سننه " ومالك في" الموطأ ".
قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، ومعروف عند أهل
العلم، معرفة يستغنى بها عن الإسناد.
ولأنه (^٢) أشبه التواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها.
وأجميع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.
إذا علمت ذلك فإنه (من أتلف إنسأنا، أو) أتلف (جزءا منه، بمباشرة أو
سبب) كان عليه ديته (^٣)، سواء كان مسلما أو ذميا أو مستأمنا أو
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول وأخرجه مالك في" الموطًا " ٢: ٦٤٧ كتاب العقول، باب ذكر العقول.
(٢) في ب: لأنه.
(٣) في أ: دية.
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
مهادنا (^١)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: ٩٢].
وعبر عن الهدنة بالميثاق.
ثم القتل تارة يكون عمدا وتارة يكون غير عمد.
إذا تقرر هذا (فدية) قتل (عمد في ماله) أي: مال القاتل؛ لأن الأصل
يقتضي أن بدل المتلف يجب على متلفه. وأرش الجناية على الجانى. قال
النبي ﷺ: "لا يجني جان إلا على نفسه " (^٢) . و" قال لبعض أصحابه حين
رأى معه ولده: ابنك هذا؟ قال نعم. قال: إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " (^٣) .
ولأن موجب الجناية أثر فعل الجانى فيجب أن يختص بضررها كما يختص
بنفعها. وتكون في مال القاتل حالة؛ لأنه الأصل. وإنما خولف هذا الأصل في العاقلة؛ لكثرة الخطًا. فيكثر الواجب فيه ويعجز الخاطئ غالبا عن تحمله مع
قيام عذره، ووجوب الكفاره عليه؛ تخفيفا عنه ورفقا به. والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة.
(و) دية (غيره) أي: غير العمد وهو الخطًا وشبه العمد (على عاقلته)
فى الأصح في شبه العمد؛ لما روى أبو هريره قال: " اقتتلت. امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأه على عاقلتها " (^٤) . متفق عليه.
ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا. فوجبت الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
_________________
(١) في ج: معاهدا.
(٢) أخرجه الترمذي في" جامعه " (٢١٥٩) ٤: ٤٦١ كتاب الفتن، باب ما جاء في دماؤكم وأموالكم عليكم حرام.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٩٥) ٤: ١٦٨ كتاب الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه.
(٤) سبق تخريجه ص (٢٣٣).
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
وأما دية الخطأ فلا خلاف في كونها على العاقلة.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
والحكمة في ذلك ما تقدم من أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة،
فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة
على سبيل المواساة للقاتل: إذا كان معذورا بفعله.
(ولا تطلب دية طرف قبل برئه)، كما أنه ليس له أن يقتص منه قبل برئه.
وتقدم ذلك.
إذا علمت ذلك (فمن ألقى على آدمي أفعى) أي: حية خبيثة - قاله في
"القاموس "- فقتلته، (أو ألقاه عليها) أي: ألقى الآدمي على الأفعى (فقتلته،
أو طلبه) أي: طلب آدميا (بسيف، ونحوه)، كخنجر (مجرد فتلف) الآدمي
(في هربه ولو) كان الهارب (غير ضرير) ففيه الدية، سواء سقط من شاهق،
أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو لقيه سبع فافترسه، أو غرق في ماء،
أو احترق بنار. وسواء كان المطلوب صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، لأنه هلك بسبب عدوانه.
(أو روعه: بأن شهره في وجهه) أي: شهر السيف في وجه آدمي فمات
خوفا، (أو دلاه من شاهق فمات، أو ذهب عقله) خوفا، (أو حفر بئرا محرما
حفره، أو وضع حجرا (^١)، أو قشر بطيخ، أو صب ماء بفنائه أو طريق، أو بالت
بها) أي: بالطريق (دابته) أي: دابة من هي بيده، (ويده عليها، كراكب
وسائق وقائد، أو رمى) إنسان (من منزله) أو من غيره (حجرا أو غيره) مما
يمكن التلف به، (أو حمل) إنسان (بيده رمحا جعله بين يديه أو خلفه، لا) أن
جعله (قائما في الهواء وهو يمشي)، لعدم تعديه في هذه الحالة، (أو وقع)
إنسان (على نائم بفناء جدار، فأتلف إنسانا أو تلف به: فما مع قصد) للتعدي
من ذلك " كإلقاء الأفعى والإلقاء عليها، والترويع، والتدلية من شاهق: (شبه
_________________
(١) في: ب حجره
[ ١٠ / ٣٠١ ]
عمد، و) ما (بدونه) أي: دون قصد: (خطأ) يجب في كل قسم من ذلك ديته.
(ومن سلم على غيره) فمات، (أو امسك يده) أي: يد غيره (فمات،
ونحوه)، كما لو أجلسه أو أقامه فمات، (أو تلف واقع على نائم) بلا سبب من
غيره: (فهدر)؛ لعدم تعدي النائم.
وفي " الترغيب ": أن رش الطريق ليسكن الغبار فمصلحة عامة. كحفر بئر
في سابلة، وفيه روايتان.
(وإن حفر) إنسان (بئرا ووضع آخر حجرا أو نحوه) ولو كيسا فيه دراهم
(فعثر به إنسان فوقع في البئر: ضمن واضع) الحجر أو نحوه دون الحافر
على الأصح؛ لأن الحجر أو نحوه (كدافع إذا تعديا)؛ لأنه متى اجتمع الحافر
والدافع فالضمان على الدافع وحده في الأصح، لأن الحافر لم يقصد بذلك القتل
عادة لمعين. بخلاف المكره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن التعدي منهما جميعا: (ف) الضمان (على متعد
منهما) فقط. فلو كان الحافر هو المتعدي بحفره دون واضع الحجر، بأن كان
وضعه لمصلحة؛ كوضعه في وحل لتدوس عليه الناس كان الضمان جهة الحافر
دون واضع الحجر.
(ومن حفر بئرا قصيرة فعمقها آخر: فضمان تالف) بسقوطه فيها
(بينهما)؛ لأن السبب حصل منهما. (وإن وضع ثالث فيها) أي: في البئر
(سكينا) فوقع إنسان على السكين التي في البئر: (ف) الدية على عاقلة الثلاثة
(أثلاثا). نص على ذلك.
- (وإن حفرها) أي: حفر إنسان بئرا (بملكه، وسترها ليقع فيها احد، فمن
- دخل) ملك حافر البئر (بأذنه وتلف بها) أي: بالبئر: (فالقود) على حافر البئر في الأصح؛ لأنه تلف بسببه. فضمنه؛ كما لو قدم له طعاما مسموما فأكله. (وإلا) أي: بًان دخل بغير أذنه: (فلا) ضمان عليه، (كمكشوفة) يعني: كما لو تركها مكشوفة (بحيث يراها) الداخل وهو بصير يبصرها؛ لأن
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
الواقع فيها هو الذي أهلك نفسه. أشبه ما لو قدم إليه سكينا فقتل بها نفسه.
(ويقبل قوله) أي: قول حافر البئر في ملكه (في عدم أذنه) للداخل؛ لأنه
منكر والأصل عدمه، (لا في كشفها) يعني: لا قوله: في أن البئر كانت
مكشوفة بحيث يراها الداخل مع دعوى ولي الداخل أنها كانت مغطاة، لأن
الظاهر مع ولي الداخل، فإن الظاهر أنها لو كانت مكشوفة لم يسقط فيها. فيكون
القول قول الولي بيمينه في الأصح أنها كانت مغطاة، لأن الظاهر معه.
(وإن تلف أجير لحفرها) أي: لحفر البئر (بها) أي: بالبئر فهدر أي:
فلا شيء فيه، لأن صاحب البئر لم يحصل منه في ذلك مباشرة ولا سبب، (أو
دعا) إنسان (من يحفر له بداره) حفيرة (^١)، (أو) يحفر له (بمعدن) أي:
يستخرج له معدنا (فمات بهدم) عليه لم يلقه أحد: (فهدر). نص عليه، نقله
حرب.
(ومن قيد حرا مكلفا وغله) فتلف بحية أو صاعقه فالدية، (أو غصب
صغيرا، فتلف بحية أو صاعقة).
قال الجوهري: هي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد.
(فالدية) في الأصح فيهما.
والمراد بغصب الصغير هنا هو: حبسه عن أهله. فيكون متعديا بذلك؛
كما لو قيد الحر المكلف وغله.
ووجه إيجاب الدية: كونه هلك في حال تعديه بحبسه عن الهرب من
الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.
(لا أن مات) في هذه الحالة (بمرض أو) مات (فجأة) على الأصح. نقله
أبو الصقر.
_________________
(١) في ج: حفرة
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
[فصل: إذا تجاذبا حبلا فانقطع]
(فصل. وإن تجاذب حران مكلفان حبلا، أو نحوه)، كثوب (فانقطع) ما
تجاذباه (فسقطا، فماتا: فعلى عاقلة كل) منهما (دية الآخر)، سواء انكبا أو
استلقيا، أو انكب أحدهما واستلقى الآخر، (لكن نصف دية المنكب) على
عاقلة المستلقي (مغلظة، و) نصف دية (المستلقي) على عاقلة المنكب
(مخففة). قاله في " الرعاية ".
(وإن (^١) اصطدما- ولو) كانا (ضريرين، أو) كان (احدهما) ضريرا
والآخر بصيرا- (فماتا: ف) الحكم فيهما (كمتجاذبين)، على عاقلة كل
واحد منهما دية الآخر. يروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.
فإن كان المتصادمان امرأتين حاملين فهما كالرجلين. فإن أسقطت كل
واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها، ونصف- ضمان جنين صاحبتها، لأنهما اشتركا في قتله، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب:
واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتها في الجنينين. وإن أسقطت إحداهما
دون الأخرى اشتركتا في ضمانه. وعلى كل واحدة منهما عتق رقبتين.
(وإن اصطدما) أي: اصطدم (^٢) كل واحد من حرين مكنفين الاخر (عمدا،- و) كان هذا الاصطدام (يقتل غالبا- ف) هو (عمد: يلزم كلا) منهما (دية الآخر في ذمته، فيتقا صان) أن كانا متكافئين، بأن كانا ذكرين أو أنثيين، مسلمين أو كتأبيين أو مجوسيين.
(وإلا) أي: وإن لم يكن هذا الاصطدام يقتل غالبا: (ف) هو (شبه عمد)، فيه الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما.
_________________
(١) في ب: ولو
(٢) في أ: أصدم، وفي ج: صدم
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
(وإن كانا) يعني: المصطدمين (راكبين، أو) كان (احدهما) راكبا
والآخر ماشيا: (فما تلف من دابتيهما) أو دابة احدهما (فقيمته على الآخر)،
سواء كانت الدابتان (^١) جملين أو فرسين أو بغلين أو حمارين، أو كانت إحداهما
من غير جنس الأخرى، لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه. وإنما هو
قربها إلى محل الجناية. فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة. وإن نقصت
الدابتان (^٢) فعلى كل واحد منهما نقص دابة الآخر. وإن كان احدهما يسير بين
يدي الآخر فأدركه الآخر فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على
اللاحق، لأنه الصادم والآخر مصدوم.
(وإن كان احدهما) أي: احد المصطدمين (واقفا، أو) كان (قاعدا)
والآخر سائرا: (فضمان مالهما) أي: مال الواقف والقاعد (على سائر).
نص عليه احمد، لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه، (وديتهما)
أي: دية الواقف والقاعد (على عاقلته) أي: عاقلة السائر، لأن التلف حصل
بصدمه، (كما لو كانا) أي: السائر والواقف أو القاعد (بطريق ضيق مملوك
لهما) أي: للواقف والقاعد، لأنه إذا كان مملوكا للواقف أو القاعد لم يكن
متعديا بوقوفه أو قعوده فيه، ويكون السائر هو المتعدي بسلوكه في ملك غيره
بغير أذنه.
(لا أن كانا ب) طريق (ضيق غير مملوك) لهما، فإن السائر لا يضمن
للواقف فيه ولا للقاعد فيه شيئا، لأنه مفرط بوقوفه أو قعوده في الطريق الضيق
الذي لا يملكه. (ولا يضمنان) أي: الواقف والقاعد السائر شيئا)، لحصول
الصدم منه.
(وإن اصطدم قنان ماشيان، فماتا: ف) هما (هدر)، لأن قيمة كل واحد
منهما وجبت في رقبة الآخر، وقد تلف المحل الذي وجبت فيه فذهبا هدرا.
_________________
(١) في الأصول: الدابتين
(٢) في ب: الدبتان
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
(وإن مات احدهما: فقيمته) أي: قيمة الميت منهما واجبة (في رقبة الآخر؛
كسائر جناياته.
وإن كانا) أي (^١): المصطدمان (حرا وقنا، وماتا: فقيمة قن)، وقيل:
نصفها (في تركة حر) في الأصح. (وتجب دية الحر كاملة في تلك القيمة).
قال في " الفروع ": ويتوجه الوجه: أو نصفها وما هو ببعيد.
(ومن اركب صغيرين، لا ولاية له على واحد منهما، فاصطدما، فماتا:
فديتهما وما تلف لهما، من ماله) أي: مال المركب؛ لأنه متعد بذلك،
وتلفهما وتلف مالهما بسبب تعديه في الأصح.
وقيل: أن ديتهما على عاقلته.
(وإن اركبهما ولي لمصلحة، أو ركبا من عند أنفسهما: فـ) هما (كبالغين
مخطئين) يعني: فتكون دية كل منهما على عاقله الآخر.
(وإن اصطدم كبير وصغير، فمات الصغير) فقط: (ضمنه الكبير. وإن
مات الكبير) فقط: (ضمنه مركب الصغير).
ونقل حرب: أن حمل رجل صبيا على دابة فسقط ضمن، إلا أن يأمره أهله بحمله.
(ومن قرب صغيرا من هدف، فأصيب) بسهم: (ضمنه) من قربه دون
رامي السهم إذا لم يقصده؛ لأن المقرب هو الذي عرضه للتلف بتقريبه، والرامي
لم يوجد منه تفريط؛ لأن الرامي؛ كحافر البئر، والمقرب له؛ كالدافع.
فلذلك كان عليه الضمان دون الرامي، إلا أن يكون الرامي قصده برميه فإنه يكون الضمان عليه وحده؛ لأنه مباشر والمقرب متسبب، والضمان على المباشر دون المتسبب.
(ومن أرسله) أي: أرسل الصغير (لحاجة، فأتلف) في إرساله (نفسا،
أو مالا: فجنايته) أي: جناية الصغير على غيره (خطأ من مرسله) أي: مرسل.
_________________
(١) ساقط من أ
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
الصغير. (وإن جني عليه) أي: على الصغير: (ضمنه) المرسل له.
قال في " الفروع ": ذكر ذلك في " الأرشاد " وغيره. ونقله ابن منصور إلا
أنه قال: ما جنى فعلى الصبي. انتهى.
(قال ابن حمدان: أن تعذر تضمين الجاني) يعنى: على الصغير؛ لأن
الجاني مباشر والمرسل متسبب.
(وإن كان) المرسل في الحاجة من قبل مرسله (قنا: فكغصبه) يعني:
فحكمه حكم ما لو غصبه. وتقدم حكم المغصوب في الغصب.
(ومن ألقى حجرا، أو) ألقى (عدلا مملوءا بسفينة، فغرقت) السفينة
بسبب ذلك: (ضمن جميع ما فيها) في الأصح؛ لأنه تلف حصل بسبب فعله.
فكان عليه ضمانه؛ كما لو باشر الإتلاف.
(وإن رمى ثلاثة بمنجنيق، فقتل الحجر رابعا قصدوه) أي: قصده
الرماة (^١): (فعمد) يقاد فيه؛ لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبا. فكان فيه
القود؛ كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبا فمات.
(وإلا) أي: وإن لم يقصدوه: (فعلى عواقلهم ديته) أي: دية المقتول
برميهم (أثلاثا)، على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته؛ وذلك لأنهم أن لم
يقصدوا قتله فهو خطأ، ديته دية الخطأ.
(وإن قتل) الحجر (احدهم) أي: أحد الرماة: (سقط فعل نفسه وما
يترتب عليه) في الأصح؛ لأن ما قابل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد؛ لأنه مشارك في إتلاف حقه. فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو
عبده. (وعلى عاقلة صاحبيه) لورثته (ثلثا ديته).
وروي نحو ذلك عن علي في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: " وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن. فركبت إحداهن على عنق
أخرى. وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها
_________________
(١) في ب: قصده الرامي، وفي ج: قصدوا الرماة
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
فماتت. فرفع ذلك إلى علي رضي الله تعالى عنه فقضى بالدية أثلاثا على
عواقلهن ". وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل
نفسها.
ولأن المقتول شارك في القتل. فلم تكمل الدية على شريكه؛ كما لو قتلوا
واحدا من غيرهم.
(وإن زادوا) أي: زاد الرماة (على ثلاثة) وقد قتل الحجر برميهم إنسانا من
غيرهم: (فالدية حالة في أموالهم)، لأن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية.
(و) حيث تقرر هذا فإنه الا يضمن من وضع الحجر وأمسك الكفة) فقط ورمى غيره " (كمن أوتر) القوس (وقرب السهم) ولم يرم. وإنما يضمن:
من مد الحبال، ورمى الحجر؛ كمن أطلق السهم.
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
] فصل: فيمن جنى على نفسه [
(فصل. ومن اتلف نفسه، أو طرفه خطأ: فهدر) (^١) على الأصح؛
(كعمد) أي: كما لو اتلف نفسه عمدا فإنه لا دية له بالإجماع.
ووجه كونه لا دية له في الخطأ: ما روي: " أن عامر بن الأكوع يوم خيبر
رجع سيفه عليه فقتله " (^٢) . ولم ينقل أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو كانت واجبة لبينها النبي ﷺ، ولنقل نقلا ظاهرا.
ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحملها العاقلة لأجحف
به وجوب الدية لكثرة الخطأ، لأن وجوب الدية على العاقلة على خلاف الأصل
مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني هاهنا شيء يخفف عنه، ولا
يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه على غيره.
(ومن وقع في بئر أو) وقع في (حفرة، ثم) وقع (ثان، ثم) وقع
(ثالث، ثم) وقع (رابع- بعضهم على بعض- فماتوا) كلهم (أو) مات
(بعضهم) من غير أن يتدافعوا أو يتجاذبوا: (فدم الرابع هدر) " لأنه لم يسقط
عليه احد وإنما مات بسقوطه في الحفرة، فهو كما لو سقط على أرضها. (ودية
الثالث عليه) أي: على عاقلة الرابع، لأنه مات بسقوطه عليه. (ودية الثاني
عليهما) أي: على عاقلة الثالث والرابع، لأنه مات بسقوطهما عليه. (ودية
الأول عليهم) أي: على عاقلة الثاني والثالث والرابع " لأنه مات بسقوطهم
عليه.
_________________
(١) في ج: فهو هدر
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٦٠) ٤: ٥٣٧ ١ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٠٢) ٣: ١٤٢٧ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
(وإن) تجاذبوا بًان (جذب الأول الثاني، و) جذب (الثاني الثالث، و)
جذب (الثالث الرابع: فدية الرابع على) عاقلة (الثالث) في الأصح؛ لأنه
المباشر لجذبه دون غيره. (و) دية (الثالث على) عاقلة (الثاني) في
الأصح؛ لأنه هو الذي أتلفه بجذبه له. (و) دية (الثاني على) عاقلة (الأول
والثالث) في الأصح؛ لأن موته حصل بجذب الأول وسقوط الثالث عليه.
فكانت ديته على عاقلتهما نصفين. (ودية الأول على) عاقلة (الثاني والثالث
نصفين) في الأصح؛ لأنه حصل موته بسقوط الثاني والثالث عليه.
(وإن) كان الأول (هلك بوقعة الثالث: فضمان نصفه على عاقلة الثاني،
والباقي) من ديته (هدر) في الأصح في مقابله فعل نفسه.
(ولو لم يسقط بعضهم على بعض، بل ماتوا بسقوطهم) يعني: من غير أن
يسقط أحد منهم على أحد، (أو قتلهم أسد فيما وقعوا فيه- ولم يتجاذبوا-:
فدماؤهم) أي: دماء جميعهم (مهدرة)؛ لأنه ليس لواحد منهم فعل في تلف
الآخر. وإنما تلف بسبب آخر وهو نفس سقوطه؛ لعمق الحفرة، أو الحيوان
الذي قتله. فيكون هدرا لذلك؛ لأن متلفه غير ضامن.
(وإن تجاذبوا أو تدافع) جماعة عند حفره، (أو تزاحم جماعة عند حفرة،
فسقط فيها أربعة متجاذبين كما وصفنا)، بًان سقط منهم واحد فجذب آخر،
وجذب آخر ثالثا، وجذب الثالث رابعا، (فقتلهم أسد أو نحوه)؛ كالنمر
والحية: (فدم الأول) يعني: الذي لم يجذبه أحد (هدر)؛ لأنه سقط لا بفعل
غيره. (وعلى عاقلته دية الثاني)؛ لأن الأول هو الذي جذب الثاني. (وعلى
عاقلة الثاني دية الثالث)؛ لأن الثاني هو الذي جذب الثالث. (وعلى عاقلة
الثالث دية الرابع)؛ لأن الثالث هو الذي جذب الرابع. وهذا هو الأصح.
وتسمى هذه المسألة: مسًالة الزبية.
وفيها رواية عن أحمد أن الحكم فيها بما قضى به علي رضي الله تعالى عنه. وذلك ما رواه أحمد في " المسند " عن حنش بن المعتمر عن علي قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية أسد. فبينما هم كذلك
[ ١٠ / ٣١٠ ]
يتدافعون. إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر حتى صاروا فيها
أربعة فجرحهم الأسد. فانتدب له رجل بحربته فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم.
فقاموا (^١) أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا. فأتاهم علي
﵇ على تفيئة (^٢) ذلك. فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله ﷺ حي. إني أقضي بينكم بقضاء أن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض
حتى تًاتوا رسول الله ﷺ فيكون هو الذي يقضي بينكم. فمن عدا بعد ذلك فلا
حق له. فاجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع؛ لأنه هلك من فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية،
وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة. فأبوا أن يرضوا. فًاتوا النبي ﷺ
وهو عند مقام إبراهيم. فقصوا عليه القصة. فًا جازه رسول الله ص " (^٣)، ورواه بلفظ آخر نحو هذا (^٤) . فذهب أحمد إلى هذا في هذه الرواية، توقيفا على خلاف القياس.
وقد ذكر بعض أهل العلم: أن هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وانه
ضعيف، والقياس ما في المتن.
(ومن نام على سقف، فهوى به على قوم: لزمه المكث). كما قاله
المحققون فيمن ألقي في مركبه نار. (ويضمن ما تلف بدوام مكثه أو بانتقاله)؛ لحصول التلف بسببه.
و(لا) يضمن ما تلف (بسقوطه)؛ لأنه ملجأ لم يتسبب.
واختار ابن عقيل في التائب العاجز عن مفارقة المعصية في الحال، أو
العاجز عن إزالة أثرها؛ كمتوسط المكان المغصوب، ومتوسط الجرحى، تصح
توبته مع العزم والندم، وأنه ليس عاصيا بخروجه من الغصب. ومنه توبته بعد
_________________
(١) في أ: فقام
(٢) في الأصول: بقية. وما أثبتتاه من " المسند"
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده ") ٥٧٣) ١: ٧٧
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده ") ٠٦٣ ١) ١: ١٢٨
[ ١٠ / ٣١١ ]
رمي السهم أو الجرح، وتخليصه صيدا من الشرك، وحمله المغصوب لربه
يرتفع الإثم بالتوبة، والضمان باق. بخلاف ما لو كان ابتداء الفعل غير محرم؛ كخروج مستعير من دار انتقلت عن المعير، وخروج من أجنب بمسجد، ونزع
مجامع طلع عليه الفجر فإنه غير آثم اتفاقا.
قال في " الفروع ": ونظير المسًالة توبة مبتدع لم يتب من أصله، تصح.
وعنه: لا. اختاره ابن شاقلا.
وكذا توبة القاتل قد تشبه هذا، وتصح على الأصح.
وحق الآدمي لا يسقط إلا بالأداء إليه. وكلام ابن عقيل يقتضي ذلك: فإنه
شبهه بمن تاب من قتل أو إتلاف مع بقاء أثر ذلك، لكنه قال: أن توبته في هذه المواضع تمحو جميع ذلك، ثم ذكر أن الإثم واللائمة والمعتبة تزول عنه من
جهة الله ﷾ وجهة المالك، ولا يبقى إلا حق الضمان للمالك.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن التائب بعد
الجرح أو وجوب القود ليس كالمخطئ ابتداء. فرقت الشريعة بين المعذور ابتداء والتائب في أثنائه وأثره. وأبو الخطاب منع أن حركات الغاصب للخروج طاعة،
بل معصية، فعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما، والكذب لدفع قتل إنسان،
والقول الثالث هو الوسط. وكذا القول فيمن أضل غيره معتقدا أنه مضل، ومن
لا يرى أنه إضلال فكالكافر الداعية يتوب. ذكره شيخنا. وذكر جده أن الخارج
من الغصب ممتثل من كل وجه، أن جاز الوطء لمن قال: أن وطئتك فأنت طالق ثلاثا. وفيها روايتان. وإلا توجه لنا أنه عاص من وجه ممتثل من وجه. انتهى.
(ومن اضطر إلى طعام) إنسان (غير مضطر أو شرابه، فطلبه، فمنعه حتى
مات) ضمنه. نص عليه؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قضى بذلك.
ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده.
وخرج على ذلك أبو الخطاب: أن كل من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم
ينجه منها مع قدرته على ذلك-: أنه يضمنه.
[ ١٠ / ٣١٢ ]
ولنا: أن هذا لم يهلكه ولم يكن سببا لهلاكه؛ كما لو لم يعلم بحاله.
وعلم مما تقدم أنه أن لم يطلبه منه لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه
فعل يكون سببا لهلاكه.
(أو اخذ طعام غيره، أو) أخذ (شرابه) أي: شراب غيره (وهو) أي:
المأخوذ طعامه أو شرابه (عاجز) عن دفعه، (فتلف أو) تلفت (دابته) ضمن
ما تلف من ذلك؛ لأنه سبب هلاكه.
(أو أخذ منه) أي: اخذ إنسان من إنسان (ما يدفع به صائلا عليه: من
سبع، ونحوه)؛ كنمر وذئب وحية (فأهلكه) ذلك الصائل عليه: (ضمنه)
الآخذ لما كان يدفع به عن نفسه؛ لكون ذلك صار سببا لهلاكه.
(لا من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل) في الأصح؛ لأنه في المسألة الأولى منعه منعا كان سببا لهلاكه. فيضمنه بفعله الذي تعدى به، وهاهنا لم
يفعل شيئا يكون سببا.
(ومن أفزع) إنسانا ولو صغيرا، (أو ضرب) إنسانا (ولو صغيرا،
فأحدث بغائط، أو) أحدث ب (بول، أو) أحدث ب (ريح، ولم يدم: فعليه
ثلث ديته)؛ لما روي " أن عثمان رضي الله تعالى عنه قضى فيمن ضرب إنسانا حتى أحدث بثلث الدية ".
قال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه. وبه قال إسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى: انه لا شيء عليه. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لأن الدية إنما تجب لإتلاف عضو أو منفعة، أو إزالة جمال، وليس
هاهنا شيء من ذلك. وهذا هو القياس. وإنما ذهب من ذهب إلى إيجاب
الثلث؛ لقضية عثمان؛ لأنها في مظنة الشهرة، ولم ينقل خلافها فيكون
إجماعا.
ولأن قضاء الصحأبي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف.
[ ١٠ / ٣١٣ ]
قال في " شرح المقنع ": وسواء كان الحدث ببول أو غائط أو ريح.
قال القاضي: وكذلك لو أفزعه حتى أحدث. والأولى أن شاء الله تعالى
التفريق بين الريح وغيرها أن كان قضاء عثمان رضي الله تعالى عنه في الغائط أو البول؛ لأن ذلك أفحش فلا يقاس عليه. انتهى كلامه في " الشرح ".
وفي " الإنصاف ": ونقل ابن منصور: الإحداث بالريح كالإحداث بالبول
والغائط. وهذا المذهب ذكره (^١) القاضي وأصحابه. وجزم به في " الرعايتين " و" الحا و"الحاوي" " وناظم " المفردات " وهو منها.
(ويضمن أيضا) من ضرب أو أفزع (جنايته) أي: جناية من ضربه أو أفزعه
(على نفسه أو) على (غيره) بسبب ضربه أو إفزاعه.
قال في " الإنصاف ": لو مات من الإفزاع: فعلى الذي أفزعه الضمان.
تحمله العاقلة بشرطه، وكذا لو جنى الفزعان على نفسه أو غيره. جزم به ناظم " المفردات " وهو منها. انتهى.
_________________
(١) في أ: وذكره
[ ١٠ / ٣١٤ ]
] فصل: فيمن أدب ولده فتلف [
(فصل. ومن أدب ولده، أو) أدب (زوجته في نشوز، أو) أدب (معلم
صبيه، أو) أدب (سلطان رعيته ولم يسرف) أي: ولم يزد على الضرب المعتاد
في ذلك في العدد ولا في الشدة (فتلف) بذلك: (لم يضمنه). نص عليه.
قال في " الفروع " في أواخر (^١) باب الإجارة: لم يضمنه في ذلك كله في المنصوص. نقله أبو طالب وبكر.
قال ابن منجا: هذا المذهب. وجزم به في " الوجيز " وغيره.
ووجه ذلك: أنه فعل ما له فعله شرعا ولم يتعد فيه. فلم يضمن سرايته؛
كما لو كان له عليه قصاص فاقتص منه فسرى إلى نفسه، فإنه لا يضمن. كذلك هاهنا (^٢) .
(وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود) فتلف بسبب ذلك:
ضمنه، (أو ضرب من لا عقل له: من صبي) صغير، (أو غيره) ممن لا عقل
له من مجنون ومعتوه فتلف: (ضمن)، لتعديه في المسًالة الأولى بالإسراف،
وعدم الأذن من الشارع في تأديب من لا عقل له، لعدم حصول المقصود
بتأديبه.
(ومن أسقطت) جنينها (بـ) سبب (طلب سلطان، أو تهديده)، سواء
كان طلبها الحق الله تعالى، أو غيره) أي: لكشف حد لله ﷾ أو
تعزير، (أو ماتت ب) سبب (وضعها) من الفزع، (أو) ماتت من غير وضع
(فزعا، أو ذهب عقلها) فزعا، (أو استعدى إنسان) حاكما على امرأة
_________________
(١) في ب: آخر
(٢) في ب: هنا
[ ١٠ / ٣١٥ ]
فأسقطت أو ماتت أو ذهب عقلها فزعا: (ضمن السلطان ما كان) من ذلك (بطلبه
أي: طلب السلطان (ابتداء) أي: من غير استعداء أحد، (و) ضمن (المستعدي
ما كان بسببه) أي: بسبب استعدائه في المنصوص في المسًالتين. ثم لا يعتبر
في الضمان كون السبب معتادا، فإن الضربة والضربتين بالسوط ليس سببا معتادا. ومتى أفضت إلى الهلاك وجب الضمان. ويدل للأولى ما روي "أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى امرأة مغيبة (^١) كان رجل يدخل إليها. فقالت: يا ويلها، ما
لها ولعمر. فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدا فصاح
الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فًا شار بعضهم: أن ليس عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب. وصمت علي. فًا قبل عليه عمر.
فقال: ما تقول يا أبا الحسن؛ فقال: أن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطًا رأيهم،
وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك. أن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها
فألقته. فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك (^٢) .
ووافق الشافعي في ضمان الجنين. وقال: لا تضمن المرأة " لأن ذلك
ليس بسبب لهلاكها في العادة.
ولنا: أنها نفس هلكت بإرساله إليها. فضمنها؛ كجنينها، أو نفس هلكت
بسببه. فغرمها؛ كما لو ضربها فماتت.
وأما كون المستعدي يضمن ما كان بسبب استعدائه، لأنه الداعي إلى كون السلطان طلبها. فكان موتها أو موت جنينها بسببه فضمنها، (كإسقاطها) أي:
كإسقاط الأمة (بتأديب، أو قطع يد لم يأذن سيد فيهما، أو شرب دواء لمرض)
فتموت بسبب شيء من ذلك.
(ولو ماتت حامل، أو) (^٣) مات (حملها من ريح طعام، ونحوه)؛
كرائحة الكبريت: ضمن) ربه (إن علم ربه ذلك). أي: أن الحامل تموت
_________________
(١) في ب: مغنية. والمغيبة: من غاب عنها زوجها.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٠١٠) ٩: ٤٥٨ كتاب العقول، باب من أفزعه السلطان.
(٣) في ب: حاملا و. ٣١٦
[ ١٠ / ٣١٦ ]
أو يموت حملها من ذلك (عادة) أي: في العادة وأن الحامل هناك، وإلا فلا
إثم ولا ضمان.
(وإن سلم بالغ عاقل نفسه، أو) سلم (ولده إلى سابح حاذق ليعلمه)
السباحة (فغرق) لم يضمن الولد في الأصح، ولا من سلم نفسه قولا واحدا.
(أو أمر) مكلف أو غير مكلف (مكلفا ينزل بئرا أو يصعد شجرة، فهلك
به) أي: بنزوله البئر أو صعوده الشجرة: الم يضمنه) الآمر " لأنه لم يجن ولم
يتعد. أشبه ما لو أذن له ولم يأمره، حتى (ولو أن الآمر سلطان) في الأصح
كغير السلطان، و(كاستئجاره) لذلك، أقبضه الأجرة أو لا. (وإن لم يكن)
المأمور (مكلفا) " كما لو كان صغيرا أو مجنونا: (ضمنه) الآمر " لأنه تسبب إلى إتلافه.
(ومن وضع على سطحه جرة، أو نحوها)، كالإبريق والقصعة (ولو)
كان وضعها (متطرفة فسقطت بريح، أو نحوها)، كطائر وحيوان وغيره (على
آدمي، فتلف: لم يضمنه) واضع ذلك في الأصح، لأن سقوطه بغير فعله،
وزمن وضعه كان في ملكه.
(ومن دفعها حال سقوطها عن نفسه) أي: عن وصولها إليه فأتلفت شيئا،
(أو تدحرجت) على إنسان، (فدفعها عنه) فأتلفت شيئا: الم يضمن) دافعها
(ما تلف) بدفعه. ذكره في " الانتصار "، لأنه غير متعد بذلك.
[ ١٠ / ٣١٧ ]
[باب: مقادير ديات النفس]
(هذا باب مقادير ديات النفس). واحد المقادير مقدار، وهو مبلغ الشيء
وقدره.
(دية الحر المسلم: مائة بعير، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال
ذهبا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة).
قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل والذهب والورق
والبقر والغنم. ويدل لذلك ما روى عطاء عن جابر قال: فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل
الشاء (^١) ألفي شاة (^٢) رواه أبو داود.
وعن عكرمة عن ابن عباس: " أن رجلًا قتل. فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألف درهم (^٣) .
وفي كتاب عمرو بن حزم " وعلى أهل الذهب ألف دينار " (^٤) .
(وهذه الخمسة) المذكورات (فقط أصولها) أي: أصول الدية.
إذا علمت ذلك فإنه (إذا احضر من عليه دية احدها) أي: أحد هذه
الخمسة: الزم) ولي الجناية (قبوله) بغير خلاف في المذهب، سواء كان ولي
الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ
واحد منها. فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه؛ كخصال الكفارة. وليست
الحلل أصلا على الأصح؛ لأنها لا تنضبط.
_________________
(١) في ب: الشياء.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٤٣) ٤: ١٨٤ كتاب الديات، باب الدية كم هي.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٤٦) ٤: ١٨٥ الموضع السابق.
(٤) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
[ ١٠ / ٣١٨ ]
(ويجب من إبل في عمد وشبهه) أي: شبه العمد: (خمس وعشرون بنت
مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس
وعشرون جذعة) على الأصح.
وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون حقة في بطونها.
أولادها.
والأول المذهب؛ لأن الدية حق (^١) يتعلق بجنس الحيوان. فلا يعتبر فيه
الحمل؛ كالزكاة والأضحية.
(وتغلظ) دية عمد وشبه عمد (في طرف، كـ) ما تغلظ في (نفس)؛
لاتفاقهما في السبب الموجب، (لا في غير إبل) يعني: أنه لا تغلظ الدية في غير الإبل؛ لعدم وروده.
(وتجب) الدية (في خطا أخماسا: عشرون من كل من الأربعة
المذكورة). يعني: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون
حقة، وعشرون جذعة، (وعشرون ابن مخاض).
قال في " شرج المقنع ": لا يختلف المذهب: أن دية الخط! أخماس كما
ذكرنا. وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
(وتؤخذ) دية (في بقر مسنات واتبعة) نصفين، (و) تؤخذ الدية (في
غنم: ثنايا وأجذعة نصفين)؛ لأن دية الإبل من الأسنان المقدرة في الزكاة.
فكذلك البقر والغنم.
(وتعتبر السلامة من عيب) في كل نوع من الإبل والبقر والغنم؛ لأن
الإطلاق يقتضي السلامة.
الا أن تبلغ قيمتها دية نقد)؛ لقول النبي ﷺ: " في النفس المؤمنة مائة من
الإبل " (^٢) . وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه. فلم يجز إلا بدليل.
_________________
(١) ساقط من ب
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٦) ٨: ٥٩ كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
[ ١٠ / ٣١٩ ]
ولأنها كانت تؤخذ على عهد النبي ﷺ وقيمتها ثمانية آلاف.
وقول عمر رضي الله تعالى عنه في حديثه: " أن الإبل قد غلت، فقومها
على أهل الورق باثني عشر ألفا " (^١): دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة
من ذلك، وقد كانت تؤخذ في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمرمع رخصها وقلة قيمتها ونقص قيمة كل بعير عن (^٢) مائة وعشرين (^٣) يوما فإيجاب
ذلك فيها خلاف السنة.
(ودية أنثى بصفته) أي: صفة الذكر بًان كانت حرة مسلمة (^٤): (نصف ديته).
قال ابن المنذر وابن عبدالبر: أجمع على ذلك أهل العلم.
وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أن ديتها كدية الرجل " لقوله ﷺ:
" في النفس المؤمنة مائة من الإبل " (^٥) .
وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ﷺ، فإن كتاب عمرو بن حزم: " دية المرأة على النصف من دية الرجل " (^٦) . وهذا أخص مما ذكراه
فيكون ما ذكرناه مخصصا لما ذكراه.
(ويستويان) أي: الأنثى والذكر (في) قطع أو جرح (موجب دون ثلث
دية) على الأصح، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله ﷺ: " عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها " (^٧) . أخرجه النسائي. وهو نص يقدم على ما سواه.
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى " ٨: ١٠٠ كتاب الديات، باب دية أهل الذمة. أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٤٢) ٤: ١٨٤ كتاب الديات، باب الدية كم هي
(٢) في ب: ونقصها عن
(٣) في أ: وعشر ون
(٤) في ب: بان كانت مسلمة وهو مسلم، أو ذمية وهو ذمي، أو مجوسية وهو مجوسي.
(٥) سبق في الحديث ما قبل السابق.
(٦) أخرجه النسائي قي " سننه " (٤٨٤٣) ٨: ٤٧ الموضع السابق. وأخرجه مالك في الموطأ (١) ٢: ٦٤٧ كتاب العقول، باب ذكر العقول.
(٧) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٠٥) ٨: ٤٤ كتاب القسامة، عقل المرأة.
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: " كم في إصبع المرأة؛ قال:
عشر. قلت: ففي إصبعين. قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع.
قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع. قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظمت
مصيبتها قل عقلها. قال: هكذا السنة يا ابن أخي " (^١) . وهذا مقتضى سنة
رسول الله ﷺ. رواه سعيد بن منصور.
ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين] فإنه يستوي فيه
دية الذكر والأنثى] (^٢) .
وأما كونها لا يساوي جراحها جراح الرجل في الثلث؛ لقوله ﷺ: " حتى
يبلغ الثلث " (^٣) و" حتى " للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها؛
لقوله ﷾: (حتى يعطوا الجزية) [التوبة: ٢٩ [.
ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله ﷺ: " والثلث كثير " (^٤) .
ولأن العاقلة تحمله فدل على انه مخالف لما دونه.
(ودية خنثي مشكل بالصفة: نصف دية كل منهما) أي: من الذكر والأنثى
وذلك ثلاثة أرباع دية الذكر؛ لأنه محتمل الذكورية والأنوثية احتمالا واحدا وقد
يئسنا من انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما والعمل بكل من الاحتمالين.
(وكذا) أي. وكدية كله يكون (جراحه) ولو زاد على ثلث ديته.
(ودية كتأبي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن: نصف دية حر مسلم) على
الأصح؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " دية المعاهد نصف دية المسلم " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢: ٦٥٥ كتاب العقول، باب ما جاء في عقل الأصابع.
(٢) ساقط من ب.
(٣) سبق تخريجه قريبا.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٩١) ٣: ٦، ١٠ كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٦٢٨) ٣: ١٢٥٠ كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.
(٥) أخرجه أحمد (٦٦٩٢) ٢: ١٨٠ بلفظ: " دية الكافر نصف دية المسلم ".
[ ١٠ / ٣٢١ ]
وفي لفظ: " أن النبي ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين " (^١) رواه الإمام أحمد.
وفي لفظ: " دية المعاهد نصف دية الحر " (^٢) .
قال الخطأبي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده. وقد قال به أحمد.
(وكذا جراحُه) أي: جرح الكتابي يعني: فإنه يكون على نصف جراح المسلم.
(ودية مجوسي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، و) دية (حر، من عابد
وثَن وغيره) من المشركين، (مستأمن أو معاهد بدارنا: ثمانمائة درهم) في الأصح في المعاهد.
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى ما قلنا في دية المجوسي.
قال أحمد: ما أقل من اختلف في دية المجوسي.
وممن قال بقولنا: عمر وعثمان وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والحسن ومالك والشافعي.
ويروى عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " دية المجوسي نصف دية المسلم
كدية الكتابي "؛ لقول النبي ﷺ: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (^٣) .
وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم " لأنه آدمي حر
* معصوم. فأشبه المسلم.
ولنا: أن ما قلناه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما قوله ﷺ: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "، في حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧١٧) ٢: ١٨٣.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٨٣) ٤: ١٩٤ كتاب الديات، باب في ديه الذمي.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ١٨٩ كتاب الجزية، باب المجوس أهل كتاب والجزية تؤخذ منهم.
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
(وجراحُه) أي: جراح ما ذكر من المجوس وعابد الوثن وغيره (بالنسبة)
إلى ديته.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: جني على مجوس في عينه وفي يده، قال: يكون من حساب ديته، كما أن المسلم يؤخذ بالحساب فكذلك هذا. قيل: قطعت يده. قال: بالنصف من ديته.
(ومن لم تبلغه الدعوة) أي: دعوة الإسلام: (إن كان له أمان، فديته دية
أهل دينه فإن لم يعرف دينه: فكمجوسي)؛ لأنه اليقين والزيادة مشكوك فيها. (وإلا) أي: وإن لم يكن له أمان: (فلا شيء فيه) في الأصح.
(ودية أنثاهم) أي: أنثى من ذكر من الكفار (كنصف) دية (ذكرهم).
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافًا.
(وتغلظ دية قتل خطأ) بوقوعه (في كل: من حرم مكة، وإحرام، وشهر حرام) فقط (بثلث) أي: ثلث دية. وهذا على الأصح الذي نقله الجماعة عن الإمام أحمد. وهو من مفردات المذهب.
وقال أبو بكر: أنها تغلظ بقتل رحمه المحرم خطأ.
والأول المذهب.
(فمع اجتماع) حالات التغليظ (كلها)، وجب عليه (ديتان)؛ لأن القتل تجب به دية وقد تكرر التغليظ ثلاث مرات فكان الواجب ديتين.
واحتج من قال بالتغليظ بما روى ابن أبي نجيح " أن امرأة وطئت في الطواف. فقضى عثمان رضي الله تعالى عنه فيها بستة الاف، وألفين تغليظًا للحرم " (^١) . وعن ابن عباس: " أن رجلًا قتل رجلًا في الشهر الحرام وفي البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألف، وللشهر الحرام أربعة الاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف ". وهذا مما يظهر ويشتهر ولم ينكر.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٩٥ كتاب الديات، باب ما جاء في دية المرأة.
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
قال في " المقنع ": وظاهر كلام الخرقي: أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك. وهو ظاهر الآية والأخبار. يعني: لقوله ﷾: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتخرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) [النساء: ٩٢] وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وكل حال.
ولقوله ﷺ: " في النفس المؤمن مائة من الإبل " (^١)، لم يزد على ذلك وعلى أهل الذهب ألف مثقال.
وفي حديث أبي شريح أن النبي ﷺ قال: " وأنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل
من هذيل. وأنا والله عاقله (^٢) . فمن قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين: أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " (^٣) . وهذا القتيل كان بمكة في حرم الله ﷾، ولم يزد النبي ﷺ على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره. (وإن قتل مسلم كافرا) ذميًا أو معاهدًا (عمدًا: أضعفت ديته) أي: دية الكافر على المسلم؛ لإزالة القود، كما حكم عثمان رضي الله تعالى عنه. روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رجلًا قتل رجلًا من أهل الذمة. فرفع إلى عثمان. فلم يقتله، وغلظ عليه الدية ألف دينار " (^٤) . فذهب إليه أحمد رضي الله تعالى عنه.
ولأحمد نظائر لذلك في مذهبه فإنه أوجب على الأعور إذا قلع عين صحيح مماثلة لعينه: دية كاملة؛ لما امتنع عنه القصاص. وأوجب على سارق الثمر المعلق مثلي قيمته؛ لما درأ عنه القطع.
والذي ذهب إليه جماهير العلماء: أن دية الذمي في العمد والخطأ واحد؛ لعموم الأخبار فيها، وكما لو قتل حر عبدًا عمدًا فإنها لا تضعف القيمة عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣١٩) رقم (٢).
(٢) في ب: عاقلته.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤ ٠ ٥ ٤) ٤: ١٧٢ كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٣٣ كتاب الجنايات، الروايات فيه عن عثمان ﵁.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
[فصل: في دية القن]
(فصل. ودية قن: قيمته)، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، مدبرًا
كان أو مكاتبًا أو أم ولد، عمدًا كان القتل أو خطأ، وسواء ضمن باليد أو بالجناية (ولو) كانت قيمته (فوق دية حر)؛ لأنه مال متقوم. فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت؛ كالفرس، أو نقول مضمون بقيمته. فكانت جميع القيمة؛ كما لو ضمن باليد. ويخالف الحر فإنه ليس مضمونا بالقيمة، وإنما يضمن بما قدره الشرع فلم يتجاوزه.
ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته.
وهذا ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فاختلفا.
(وفي جراحه) أي: جراح القن: (إن قُدّر من حر بقسطه من قيمته) أي
يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، سواء (نقص بجنايته أقل من ذلك أو أكثر) من ذلك على الأصح.
وما أوجب الدية في الحر؛ كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين والأذنين والخصيتين أوجب فيه قيمة العبد مع بقاء ملك السيد عليه. روي هذا عن علي بن أبي طالب. وروي نحوه عن سعيد بن المسيب. وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبدالعزيز والشافعي؛ لأن قيمته كدية الحر. وسيأتي صور من ذلك في المتن.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مقدرًا في الحر ما أوجبته الجناية؛ كالعصعص وخرزة الصلب: (ف) أن على الجانى ضمان (ما نقصه) بجنايته بعد التئام جرحه؛ لأن الواجب إنما وجب جبرًا لما فات بالجناية، ولا يتحرز إلا بإيجاب ما نقص من القيمة. فيجب ذلك؛ كما لو كانت الجنايات على غيره من
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
الحيوانات، ولا تجب زيادة على ذلك؛ لأن حق المجني عليه قد انجبر [فلا يجب] (^١) له زيادة على ما فوته الجانى عليه.
إذا تقرر هذا (فلو جني على رأسه) أي: رأس القن (أو وجهه دون موضحة: ضمن بما نقص، ولو أنه) أي: نقصه بالجناية (أكثر من أرش موضحة).
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافًا فيما ليس فيه مقدر شرعي.
(وفي منصّف) أي: وفيمن نصفه حر إذا قتل: (نصف دية حر، ونصف قيمته. وكذا جراحه). فلو كان القتل خطأ والقاتل حرًا كان عليه نصف (^٢) قيمته. في ماله، وعلى عاقلته نصف ديته، لأنها نصف دية حر. وكذا جراحه (^٣) إذا كان قدر الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية، مثل: أن يقطع أنفه أو يديه أو رجليه. وإن قطع إحدى يديه كان الجميع على الجاني، لأن نصف الدية ربع ديته. فلا تحملها العاقلة؛ لنقصها عن ثلث دية الحر.
(وليست أمة كحرة في رد أرش جراح، بلغ ثلث قيمتها أو أكثر، إلى نصفه) أي: نصف أرش جراحها؛ لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل؛ لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية، وأنه كلما زاد نقصها وضررها زاد في ضمانها. فإذا خولف الأصل في الحرة للحديث بقي في الأمة على وفق الأصل. (ومن قطع خصيتي عبد)، أو ذكره، (أو أنفه، أو أذنيه)، أو شفتيه،
ونحو ذلك مما لو قطع من حر وجبب فيه الدية كاملة: (لزمته قيمته) كاملة لسيده؛ لأن القيمه بدل من الدية، وملك سيده باق عليه؛ لأنه لم يوجد سبب يقتضي زوال الملك عنه. فوجب بقاؤه على ملكه عملًا باستصحاب الحال.
(وإن قطع ذكره، ثم خصاه: ف) إنه تجب (قيمته) صحيحا كاملة (لقطع
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: والقاتل حر فعليه نصف.
(٣) في ج: جرحه.
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
ذكره)، لأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة. فوجب عليه بقطعه قيمته كاملة، (و) تجب (قيمته) بقطع خصيتيه بعد قطع ذكره (مقطوعة) يعني: ناقصًا بقطع ذكره؛ لأنه لم يقطع خصيتيه إلا وقد نقصت قيمته بقطع الذكر. فوجبت عليه قيمته مقطوع الذكر. بخلاف ما لو أذهب سمعه وبصره بجناية واحدة فإنه يجب عليه بذلك قيمتاه؛ لأن (^١) في كل من ذلك من الحر دية كاملة. (وملك سيده باق عليه.)؛ لأن ما يأخذه من القيمة بدل المنفعة لا بدل النفس.
* * *
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
[فصل: في دية الجنين]
(فصل. ودية جنين). وهو: اسم للولد في البطن، مأخوذ من الأجنان وهو الستر؛ لأنه أجنّة بطن أمه. أي: ستره. ومن ذلك قوله ﷾: (وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاكتم) [النجم: ٣٢].
(حر مسلم ولو أنثى، أو ما تصير به) أمة (قن أمّ ولد أن ظهر) الجنين، (أو) ظهر (بعضه ميتا، ولو) كان ظهوره (بعد موت أمه بجناية عمدًا أو خطأ)، أو ما يقوم مقام الجناية؛ كما لو أسقطت فزعا من استعداء بطلبها إلى ذي سلطان، أو بسبب رائحة طعام بشرطها، (فسقط) الجنين بسبب ذلك في الحال، (أو بقيت) أمّه (متألمة حتى سقط) جنينها (ولو بفعلها)؛ كما لو شربت دواء فأجهضت جنينها بسببه، (أو كانت) أمّه (ذمية حاملًا من ذمي ومات) الذمي أبو الحمل قبل أن يسقط.
(ويُردّ قولها: حملت من مسلم) أن لم تقم به بينة؛ لأن قولها خلاف الظاهر، (أو) كانت أم الجنين (أمة وهو حر، ف) إنها (تقدر حرة).
وقوله: (غرة) خبر لقوله: ودية جنين.
وقوله: (عبد أو أمة) بدل من غرة. والغرة في الأصل الخيار. سمي بها العبد والأمة؛ لأنهما من أنفس الأموال.
والأصل في وجوب الغرة في الجنين ما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ. فقضى رسول الله أن دية جنينها عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معه " (^١) . متفق عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٣٣).
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
وما روي " أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة، وهو: أن ترمي ولدها
من بطنها، يقال: أملصت المرأة ولدها إذا أسقطته. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: لتأتيني بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن سلمة " (^١) . متفق عليه.
وقوله: (قيمتها: خمس من الإبل) صفة لقوله: غرة، وذلك نصف عشر الدية. روي ذلك عن عمر وزيد. وهو قول الجماعة؛ لأن ذلك أقل ما قدره الشارع في الجناية، وهو أرش الموضحة. فرددناه إليه، لا يقال: قد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وهو دون ذلك؛ لأن ذلك إنما وجب بالحساب من دية الإصبع.
وقوله: (موروثة عنه) أي: عن الجنين (كأنه سقط حيًا)؛ لأنها بدل عنه (^٢) .
ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثه عنه.
إذا تقرر هذا (فلا حق فيها لقاتل)؛ لأنه لا يرث المقتول، (ولا)
ل (كامل رق)؛ لقيام المانع من الإرث وهو الرق.
(ويرثها) أي: يرث الغرة (عصبة سيد قاتل جنين أمته الحر). يعني: لوضرب السيد بطن أم ولده فأسقطت جنينها منه كان عليه غرة يرثها عصبته دونه؛ لأنه قاتل.
(ولا يقبل فيها) أي: في الغرة عبد (خصي، ونحوه)؛ كخنثى؛ لأن النبي ﷺ فسر الغرة بعبد أو أمة (^٣) . والخنثى ليس بواحد منهما.
ولا مكاتب، (ولا معيب) عيبًا (يرد) به (في بيع)؛ لأن العبد والأمة المنصوص عليهما إنما ينصرفان إلى الصحيح منهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٩ " ٦٥) ٦: ٢٥٣١ كتاب الديات، باب جنين المرأة. وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (١٦٨٩) ٣: ١٣١١ كتاب القسامة، باب دية الجنين
(٢) في ب: لأنه بدل عنه. ولأنها دية عنه.
(٣) ر. الحديث السابق.
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
ولأنه حيوان وجب بالشرع. فلا يقبل فيه المعيب، كالزكاة.
(ولا من له دون سبع سنين)، لأن المقصود من العبد أو الأمة الخدمة
لا نفس المالية، إذ لو أريد نفس المالية لم تتعين في الغرة.
ومن له دون سبع سنين لا يحصل منه المقصود، بل يحتاج إلى من يكلفه ويخدمه فلا يقبل.
(وإن أعوزت) الغرة: (فالقيمة) أي: فالواجب قيمته (من أصل الدية) وهو الإبل. (وتعتبر) الغرة (سليمة مع سلامته) أي: سلامة الجنين (وعيب الأم) يعني: أنه إذا كان الجنين كامل الأعضاء وكانت أمه ناقصتها، أو كانت خرساء، أو عمياء، أو صماء، لم يؤثر ذلك في اعتبار سلامة الغرة؛ لأن ذلك لا أثر له في ذلك.
(وجنين مبعض) أي: من بعضه حر ومن بعضه رقيق لكون أمه كذلك (بحسابه) من الدية والقيمة. فلو كان نصفه حرًا ونصفه رقيقًا وجب فيه (^١) نصف غرة لورثته، ونصف عشر قيمة أمه لسيدها.
(وفي) جنين (قن ولو) كان الجنين (أنثى: عشر قيمة أمّه.
و) متى كانت أم الجنين القن حرة بأن أعتقها سيدها واستثنى حملها
ف (تقدر) أمه (الحرة أمة، ويؤخذ عشر قيمتها يوم جناية) عليها (نقدًا)؛ لأن الغرة إنما تجب في الجنين إذا كان حرًا وهذا رقيق.
(وإن ضرب) إنسان (بطن أمة فعتق جنينها) بان أعتقه سيدها دونها ويصح ذلك، (ثم سقط) من الضربة ففيه غرة على الأصح؛ لأن العبرة في الجنين بحالى السقوط وقد سقط وهو حر.
(أو) ضرب إنسان (بطن ميتة، أو) ضرب (عضوًا) منها (وخرج ميتًا وشوهد بالجوف) أي: بجوف الميتة بعد موتها (يتحرك: ففيه غرة) في الأصح؛ كما لو ضربها وهي حية ثم ماتت ثم خرج منه ميتًا.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
(وفي) جنين (محكوم بكفره)؛ كجنين الذمية من زوجها الذمي: (غرة قيمتها عشر دية أمه)؛ لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة.
(وإن كان أحد أبويه) أي: أبوي الجنين (أشرف دينا) من الآخر؛ (كمجوسية تحت كتابي، أو كتابية تحت مسلم: ف) الواجب في ذلك (غرة قيمتها عشر دية الأم لو كانت على ذلك الدين) في الأصح. فتقدر المجوسية تحت الكتابي كتابية، وتقدر الكتابية تحت المسلم مسلمة.
ومتى أسلم أحد أبوي الجنين الكافرين بعد الضرب وقبل الوضع ففيه غرة اعتبارًا بحال الاستقرار في الأصح.
(وإن سقط) الجنين (حيا لوقت يعيش لمثله وهو: نصف سنة فصاعدا ولو
لم يستهل) ثم مات: (ففيه ما فيه)، حال كونه (مولودًا) فيكون فيه دية حر أن كان حرا؛ لأنه حر مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل، ويكون فيه قيمته أن كان عبدًا؛ لأن قيمة العبد بمنزلة الدية في الحر.
(وإلا) أي: وإن لم يكن سقوطه لوقت يعيش في مثله ولو سقط حيا: (فكميّت) أي: فكما لو سقط ميتا؛ لأن من ولد قبل ذلك لم تجر العادة بأنه يعيش.
(وإن اختلفا) أي: اختلف الجانى وولي الجناية (في خروجه) أي: خروج الجنين (حيا)، بأن قال ولي الجناية: خرج حيًا ففيه دية، وقال الجاني: خرج ميتًا ففيه غرة، (ولا بينة) لواحد منهما بما يذكره: (فقول جان) بيمينه في ذلك في الأصح؛ لأنه منكر والأصل براءة ذمته من الدية الكاملة.
(وفي جنين دآبة: ما نقص أمه) على الأصح. نص عليه.
قال في " القواعد ": وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام.
ومتى ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب
[ ١٠ / ٣٣١ ]
فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل عدمه. وإن أقر بالضرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فالقول قوله أيضا بيمينه: أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البت " لأنها يمين على فعل الغير والأصل عدمه.
وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطته (^١) عقب الضرب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجوده عقيب (^٢) شيء يصلح أن يكون سببا له. وكذا أن أسقطته (^٣) بعده بأيام وكانت متألمة [إلى حين الإسقاط، وإن لم تكن متألمة] (^٤) فقوله بيمينه.
* * *
_________________
(١) في ج: أسقطت.
(٢) في ب: عقب.
(٣) في ج: أسقطت.
(٤) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
[فصل: في جناية القن]
(فصل. وإن جنى قن)، عبد أو أمة، (خطأ أو عمدًا لا قود) عليه أو (فيه، أو فيه قود واختير المال) أي: اختاره ولي الجنالة، (أو أتلف مالًا) تعديًا لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي. فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.
ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فالعبد أولى.
ولا يمكن تعلقها بذمة العبد؛ [لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد؛ لأنه لم يجن. فتعين تعلقها برقبة العيد] (^١)؛ لأن ذلك موجب (^٢) جنايته. فوجب أن يتعلق برقبته؛ كالقصاص.
وإذا تعلقت برقبته (خيّر سيده بين بيعه في الجناية وفدائه) على الأصح.
(ثم أن كانت) الجناية (بأمره) أي: أمر السيد (أو أذنه: فداه بأرشها) أي: أرش الجناية (كله)؛ لأنه فوت شيئًا بأمر سيده. فكان على سيده ضمانه؛ كما لو استدان بأمره.
قال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى، وإن كان أكثر من ثمنه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن الجناية بأمر سيده أو أذنه (ولو أعتقه) أي: أعتق العبد الجانى سيده (ولو) كان إعتاقه (بعد علمه بالجناية) على أصح: (ف) إنه يفديه؛ لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به. فلزمه غرامته؛ كما لو قتله. ويكون فداؤه (بالأقل منه) أي: من أرش الجناية (أو عن قيته)
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) فى ب: يوجب.
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
على الأصح؛ لأنه أن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه. فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن أدى قيمة العبد فقد أدى بدل المحل الذي تعلقت به الجناية وهو قيمة الجانى.
(وإن سلمه) أي: سلم السيد عبده الجانى لولي الجناية، (فأبى ولي قبوله، وقال) لسيده: (بعه أنت لم يلزمه) بيعه على الأصح؛ لأنه إذا سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به، (ويبيعه حاكم)؛ لأن له الولاية العامة، ولما في ذلك من إيصال حق ولي الجناية إليه.
(وله) أي: ولسيد الجانى (التصرف فيه) أي: في العبد الجانى بالبيع والهبة وغيرهما ولم يزل بذلك تعلق الجناية عن رقبته، (ك) ما أن ل (وارث) التصرف (في تركة) أي: تركة موروثه المديون. ثم أن وفّى رب الجناية ورب الدين الذي على الميت حقه فقد مضى التصرف، وإلا رد التصرف. ثم أن كان الواجب على الجانى قصاصًا وعلم به المشتري فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وينتقل الخيار إليه في فدائه وتسليمه كسيده الأول، وإن لم يعلم الحال فله الخيار بين إمساكه ورده، كسائر المعيبات.
(وإن جنى) عبد (عمدًا فعفا ولي قود على رقبته: لم يملكه بغير رضى سيده) على الأصح؛ لأنه إذا لم يملكه بالجناية. فلئلا يملكه بالعفو أولى.
ولأنه أحد من عليه القصاص (^١) . فلا يملك بالعفو؛ كالحر.
ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه إلى المال، فصار كالجاني جناية موجبة للمال.
(وإن جنى) عبد (على عدد) أي: على اثنين فأكثر (خطأ)، سواء كانت الجناية في وقت واحد أو بعضها بعد بعض: (زاحم كلٌ) من أولياء الجنايات (بحصته)؛ لأنهم تساووا في سبب تعلق الحق به. فتساووا في الاستحقاق؛ كما لو جنى عليهم دفعة واحدة.
_________________
(١) في أوب: قصاص.
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
(فلو عفى البعض) عن حقه، (أو كان) المجني عليه (واحدًا فمات وعفا بعض ورثته: تعلق حق الباقي) الذي لم يعف (بجميعه) أي: بجميع العبد الجانى في الأصح، لأن سبب استحقاقه موجود. وإنما امتنع ذلك بمزاحمة الاخر له وقد زال المزاحم. فثبت له الحق جميعه؛ لوجود المقتضي وزوال المانع، فهو كما لو (^١) جنى على إنسان ففداه سيده ثم جنى على آخر.
(وشراء ولي قود له) أي: للعبد الجانى جناية موجبة للقود: (عفو عنه). ذكره في " الفروع " ولم يذكر فيه خلافًا. وأما إذا دخل في ملكه بقبول هبة أو بإرث (^٢) فمسكوت عنه.
(وإن جرح) عبد (حرًا، فعفا) عن جراحته، (ثم مات) العافي (من جراحته ولا مال له) أي: ولم يترك العافي مالًا، ولم تجز الورثة عفوه، (واختار سيده) أي: سيد الجانى (فداه. فإن لزمته قيمته) أي: لزم السيد فداؤه بقيمته بأن كانت الجناية بغير أمر السيد أو أذنه (لو لم يعف) المجروح: (فداه) بعد عفوه وموته من الجراحة (بثلثيها) أي: ثلثي قيمته فقط؛ لأن ذلك جميع ماله وقد عفى عنه وهو مريض ولم تجزه الورثة. فيصح في ثلثه؛ كمحاباة غيره.
(وإن لزمته الدية) أي: لزم السيد فداه بجميع الدية، بأن كانت الجناية بأمر السيد أو أذنه: (زدت نصفها) أي: نصف الدية (على قيمته) أي: قيمة الجانى، (فيفديه) سيده (بنسبة القيمة من المبلغ). يعني: أن الطريق في هذا الباب في هذه المسائل: أن تزيد قيمة العبد على نصف دية المجنى عليه (^٣)، وتنسب قيمة العبد مما بلغا فما كان فهو الذي يفديه به سيده.
فلو كان المجني عليه ذكرًا حرًا كانت ديته ألف مثقال، فلو كانت قيمة العبد
مثلا مائة مثقال وزدت نصف الدية عليها صار المجموع ستمائة مثقال، ونسبة
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: إرب.
(٣) في ج: الجاني.
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
القيمة إلى ذلك السدس فيفديه بسدس دية المجني عليه. ولو كان المجني عليه امرأة حرة وزدت نصف ديتها على قيمة العبد صار المجموع ثلثمائة وخمسين مثقالًا، ونسبة القيمة إلى ذلك سبُعان، فيفديه بسبعي دية (^١) المجني عليها. (ويضمن معتق) أي: من كان قنًّا ثم أعتقه (ما تلف ببئر حفره)، حال كونه (قنًّا) اعتبارًا بحال التلف. والله ﷾ أعلم.
* * *
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
[باب: دية الأعضاء]
هذا (باب دية الأعضاء، و) دية (منافعها). يعني: أنه يذكر في هذا
الباب ديات الأعضاء إذا تلفت بالجناية عليها، وديات منافعها إذا بطلت بالجناية عليها.
ثم المنافع، وأحدها منفعة، وهي اسم مصدر: من نفعني كذا نفعًا.
(من أتلف ما في الإنسان منه) شيء (واحد، كأنف ولو مع عوجه).
صرح به في " الترغيب " إذا قُطع مع مارنه، وهو: ما لان منه ففيه دية نفسه. نص عليه. فإن كان من ذكر حر ففيه ألف مثقال، وإن كان من أنثى حرة ففيه خمسمائة مثقال، وإن كان من خنثى مشكل ففيه سبعمائة مثقال وخمسون مثقالًا.
(و) (ذكر ولو لصغير). نص عليه، (أو شيخ فان)؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: " وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية؛ (^١) رواه أحمد والنسائي. ولفظه له.
(و) ك (لسان ينطق به كبير أو يحركه صغير ببكاء)، لما تقدم من حديث
عمرو بن حزم: إذا أوعب قطعًا: (ف) يكون (فيه دية نفسه) أي: نفس من قطع منه؛ لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس، وإتلافها كإذهاب النفس في جميع ما ذكر.
(وما فيه) أي: في الإنسان (منه شيئان، ففيهما: الدية، وفي أحدهما: نصفها). نص عليه؛ (كعينين ولو مع حول أو عمش). صرح به في "الترغيب ". ويستوي في ذلك الصغيرتان والكبيرتان؛ لعموم حديث عمرو بن حزم.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ المواضح، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
(ومع بياض ينقص البصر، ينقص) الدية (بقدره) على الأصح.
(و) (أذنين) وفاقًا، (و) (شفتين) إذا استوعبتا (و) (لَحْيَين) وهما: العظمان اللذان فيهما الأسنان؛ لأن فيهما نفعًا وجمالًا وليس في البدن مثلهما.
(و) (ثَندوتَي رجل) بالثاء المثلثة، وهما له بمنزلة الثديين للمرأة إذا ضممت الأول همزت، وإذا فتحت لم تهمز، فواحدتهما مع الهمزة فعللة وبدونه فعلوة. (وأنثييه) أي: وكأنثيي الرجل يعني: فإن فيهما الدية، وفي كل واحد (^١) منهما نصف الدية.
(و) (ثدي أنثى، وإسكتيها) بكسر الهمزه وفتحها (وهما: شُفرَاها) وفيهما الدية؛ لأن فيهما منفعة وجمالًا وليس في البدن غيرهما من جنسهما. وإن أشلهما ففيهما الدية؛ كما لو جنى على شفتيه فأشلهما. ولا فرق في ذلك بين الرتقاء وغيرها. وهذا كله على الأصح.
وعنه: في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها. روي ذلك عن زيد؛
لأن نفع السفلى أعظم؛ لأنها هي التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام. لكن هذا القول معارض بقول أبي بكر وعلي.
(و) (يدين ورجلين)؛ لأن فى إتلافهما إذهاب منفعة الجنس فكان فيهما الدية. وفي أحدهما نصفها.
(وقدم) شخص (أعرج، ويد) شخص (أعْسَم) با لسين المهملة (وهو: أعوج الرسغ) بإسكان السين المهمله وضمها. وهو من الدواب: الموضع المستدق الذي بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوهما، وجمع الوظيف: أوظفة.
(و) يد (مرتعش) رجل (صحيح) ويد صحيح.
_________________
(١) في ب: واحدة.
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
(ومن له كفّان على ذراع) واحد، (أو) كان له (يدان وذراعان على عضد) واحد (وتساوتا في غير بطش) يعني: وكانا غير باطشتين (ففيهما حكومة) على المذهب. أو ثلث دية اليد على قول (^١) . ولا تجب دية اليد كاملة؛ لأنه لا نفع فيهما، فهما كاليد الشلاء. والحكم في القدمين على ساق كالحكم في الكفين على ذراع واحد. وإن كانت إحداهما أطول من الأخرى فقطع الطولى وأمكنه المشي على القصيرة فهي الأصلية وإلا فهي زائدة. قالي ذلك في " الكافي ".
(و) أن استوى اليدان (في بطش أيضا: ف) هما (يد) واحدة فتجب فيهما دية يد.
(وللزائدة حكومة) في الأصح. (وفي إحداهما: نصف دية يد وحكومة)
في الأصح. ولا قود، لاحتمال أن تكون المقطوعة هي الزائدة فلا تقطع الأصليه بها. (وفي إصبع إحداهما) أي: إحدى اليدين المتساويتين في البطش: (خمسة أبعرة). وذلك نصف دية الإصبع من اليد الأصلية.
(ولا يقادان، ولا إحداهما بيد) يعني: أنه لو قطع ذو اليد التي لها طرفان تبطش بهما يدا أصلية نظيرة (^٢) يده التي لها طرفان لم يقطعا في الأصح " لئلا تؤخذ يدان بيد واحدة. ولا تقطع إحداهما في الأصح أيضا، لأنا لا نعزف الأصلية فنأخذها بها، ولا تؤخذ زائدة بأصلية.
(وكذا حكم رجل) فيما ذكرناه.
(و) تجب (في أليتين وهما: ما علا على الظهر، وعن استواء الفخذين.
وإن لم يصل) القطع (إلى العظم) على الأصح: (الدية) كاملة.
(وفي منخرين: ثلثاها) أي: ثلثا الدية.
(وفي حاجز: ثلثها) على الأصح؛ لأن المارن يشمل ثلاثة اشياء:
_________________
(١) في أ: (ففيهما حكومة) أو ثلث دية اليد، وفي ج: على المذهب وثلث دية اليد على قولًا.
(٢) في ب: فنظيرة.
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
منخرين وحاجز. فوجب توزيع الدية على عددها؛ كسائر ما فيه عدد من الأصابع.
وعنه: في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة؛ لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث. وعلى الأصح لو قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز وجب في ذلك نصف الدية، وإن شق الحاجز بينهما (^١) ففيه حكومة.
(وفي الأجفان) الأربعة: (الدية، وفي أحدها) أي: أحد الأجفان: (ربعها)؛ لأنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل، فإنها تكن العين وتحفظها من الحر والبرد ولولا ذلك لقبح منظر العين ولو كانت الأجفان لعين الأعمى؛ لأن ذهاب البصر عيب في غير الأجفان.
(وفي أصابع اليدين) إذا قطعت، (أو) أصابع (الرجلين) إذا قطعت: (الدية) كاملة؛ لما روى الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعًا: " دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع " (^٢) .
وفي البخاري عنه مرفوعا قال: " هذه وهذه سواء يعني: الخنصر
والإبهام " (^٣) .
(وفي إصبع) (^٤) من اليد أو الرجل: (عشرها) أي: عشر الدية.
(وفي الأنملة) من الإصبع حتى (ولو) قطعت (مع ظفر) أن كانت (من إبهام: نصف عشر) أي: نصف عشر الدية؛ لأن الإبهام مفصلان (^٥) . فيكون في كل مفصل نصف عقل الإبهام.
(و) في الأنملة (من غيره) أي: من غير الإبهام: (ثلثه) أي: ثلث عشر الدية؛ لأن دية الأصبع وهي عشر الدية تقسم على الإصبع، كما قسمت دية اليد
_________________
(١) في ج: عليهما.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٩١) ٤: ١٣ كتاب الديات، باب ما جاء في دية الأصبع.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٦٥٠) ٦: ٢٥٢٦ كتاب الديات، باب دية الأصابع.
(٤) فى ب: الإصبع.
(٥) في ب: منفصلان. وهو تصحيف.
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
على الأصابع، والإصبع غير الإبهام ثلاث مفاصل فيكون في كل مفصل ثلث دية الإصبع غير الإبهام.
(و) يجب (في ظفر) واحد قلع و(لم يعد- أو عاد أسود- خمس دية أصبع) نص عليه؛ لأنه مروي عن ابن عباس. ذكره ابن المنذر في " كتاب الإشراف "، ولم يعرف له مخالف من الصحابة فيكون إجماعًا.
(و) يجب (في سن أو نابه أو ضرس قُلِع بسنخه) بالسين المهملة والخاء المعجمة أي: بأصله، (أو) قلع (الظاهر فقط ولو) كان قلعه (من صغير ولم يعد، أو عاد أسود واستمر) على الأصح، (أو) عاد (أبيض ثم أسود بلا علة) على الأصح: (خمس من الإبل). روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس. ولخبر عمرو بن حزم عن النبي ﷺ: " في السن خمس من الإبل " (^١) . رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ قال: " في الأسنان خمس خمس " (^٢) . رواه ابو دأود.
وأما كون الناب والضرس وغيرهما سواء؛ فلعموم قوله ﷺ: " في الأسنان خمس خمس " (^٣) . ولم يفصل.
ولما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " الأصابع سواء، والأسنان سواء: الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء " (^٤) .
وهذا نص فلا يعدل عنه فيكون في جميعها مائة وستون بعيرًا؛ لأنها اثنان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشر ون ضرسًا، في كل جانب عشرة، خمسة من فوق وخمسة من أسفل.
(و) تجب (في سنخ وحده) أي: بغير سن، (و) في (سن أو ظفر عاد
_________________
(١) أخرجه النسائى في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ المواضح، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٦٣) ٤: ١٨٩ كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.
(٣) ر. الحديث السابق.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩ ٥ ٥ ٤) ٤: ١٨٨ كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.
[ ١٠ / ٣٤١ ]
قصيرًا، أو) عاد (متغيرًا، أو) عاد (أبيض ثم أسود لعلة: حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة.
(وتجب دية يد و) دية (رجل، بقطع) أي: قطع يد (من كوع، و) قطع
رجل من (كعب)؛ لفوات المنفعة المقصودة منها بقطع ذلك بدليل قطعهما ممن سرق مرتين.
(ولا شيء في) قدر (زائد لو قطعا) أي: اليد والرجل (من فوق ذلك)؛
كما لو قطعت اليد من المنكب وقطعت الرجل من الساق على الأصح. نص عليه في رواية أبي طالب؛ لأن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله ﷾: (وأيديكم إلى المرافق) [المانده: ٦]. والرجل إلى الساق؛ لقوله ﷾: (وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦].
ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة إلى المناكب. فمن قطع إحداهما من
فوق ذلك لم يقطع إلا يدًا أو رجلًا فلا يلزمه أكثر من ديتها.
فأما قطعها في السرقة من الكوع؛ فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض
الشيء يسمى قطعا له، كما يقال: قطع ثوبه إذا قطع جانبا منه. وقولهم: أن الدية تجب في قطعها من الكوع. قلنا: وكذلك تجب ديتها بقطع الأصابع
منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب بقطع الأصابع. والذكريجب بقطعه من أصله مثل ما يجب في قطع حشفته.
وأما إذا قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجب بالثاني حكومة؛ كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف، أوكما فعل ذلك قاطعان.
(و) يجب (فى) قطع (مارن أنف، وحشفة ذكر، وحلمة ثدي، وتسويد
سن، و) تسويد (ظفر، و) تسويد (أنف، و) تسويد (أذن بحيث لا يزول) التسويد، (و) في (شلل غير أنف و) غير (أذن؛) شلل (يد، و) كشلل (مثانة) وهي موضع البول، (أو إذهاب نفع عضو: ديته) يعني: أنه يجب بذلك دية ذلك العضو الذي سوده أو أشله أو أذهب نفعه (كاملة)؛ وذلك لأن
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
مارن الأنف وهو: ما لان منه هو الذي يحصل به الجمال، وحشفة الذكر وحلمة الثدي بمنزلة الأصابع من اليدين بهما؛ كمال المنفعة.
ولأن في تسويد ما ذكر إذهاب لجماله.
ولأن العضو الذي ينتفع بحركته أن شل بأن ذهب حركته صار كالمعدوم. فوجبت ديته (^١)؛ كما لو قطعه.
(و) يجب (في شفتين صارتا لا تنطبقان على أسنان، أو استرختا فلم ينفصلا عنها) أي: عن الأسنان: (ديتهما)؛ لأنه عطل نفعهما أو جمالهما. أشبه ما لو أشلهما أو قطعهما. وهذا في الأصح.
وفي " التبصرة " و" الترغيب ": في التقلص حكومة.
(و) يجب (في قطع) عضو (أشل ومخروم: من أذن) مثلا (وأنف) مخروم وهو المقطوع الوتر، (وأذن أصم، وأنف أخشم) الذي لا يجد رائحة شيء: (ديته) أي: دية ذلك العضو (كاملة)؛ لأنه إذا قطع الأذن الشلاء أو أذن الأصم فقد قطع أذنا فيها جمالها. فوجبت ديتها كاملة؛ كما لو قطع عينا حولاء أو عمشاء. وإذا قطع أنفًا مخرومًا أو أنف أخشم، لأنه أنف كامل يحصل به الجمال.
ولأن عدم وجود الرائحة عيب في غير الأنف، ومقطوع الوتر كالعضو المريض فتجب ديته كاملة.
(و) يجب (في) قطع (نصف ذكر بالطول: نصف ديته) في الأصح.
وقيل: تجب دية كاملة.
(و) تجب (في عين قائمة بمكانها صحيحة غير أنه ذهب نظرها، وعضو ذهب نفعه وبقيت صورته؛ كأشل من يد ورجل، وأصبع وثدي وذكر، ولسان أخرس أو طفل بلغ أن يحركه ببكاء ولم يحركه، وذكر خصي وعنين، وسني سوداء، وثدي بلا حلمة، وذكر بلا حشفة، وقصبة أنف، وشحمة أذن، وزائد
_________________
(١) في ب: ديته كاملة.
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
من يد ورجل وإصبع وسن، وشلل أنف وأذن، وتعويجهما) أي: تعويج الأنف والأذن: (حكومة) على الأصح.
وإن قطع قطعة من الذكر مما دون الحشفة فكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية. [وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية] (^١) أو الحكومة. وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة. قاله في " شرح المقنع ". (و) يجب (في ذكر وأنثيين قطعوا معا) أي: دفعة واحدة من غير تخلل زمن، (أو هو) يعني: أو قطع الذكر (ثم هما) أي: ثم الأنثيين: (ديتان) " لأن كلا من الذكر ومن الأنثيين لو انفرد لوجب في قطعه الدية فكذا لو اجتمع. (وإن قطعتا) أي: الخصيتين (ثم قطع) الذكر: (ففيهما) أي: الأنثيين (دية) كاملة، لأن قطعهما لم يصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما، (وفيه) أي: في الذكر الذي قطع بعد قطع الخصيتين (حكومة) على الأصح، لأنه ذكر خصي.
(ومن قطع أنفا أو) قطع (أذنين، فذهب الشم) بقطع الأنف (أو) ذهب
(السمع) بقطع الأذنين: (ف) أن الواجب عليه (ديتان) " لأن الشم من غير الأنف والسمع من غير الأذنين فلا تدخل فيه دية أحدهما في الآخر، كالبصر مع الأجفان والنطق مع الشفتين. فلو ذهب السمع من إحدى (^٢) الأذنيين دون الأخرى فنصف الدية، وإن نقص فقط ففيه حكومة.
(وتندرج دية نفع باقي الأعضاء في ديتها) أي: دية الأعضاء. فلو قلع شخص عيني شخص وجبت دية العينين دون دية البصر الذي هو نفع العينين، لأن البصر في العين وهو تابع لها يذهب بذهابها. فوجبت دية العين فقط. وكذا باقي الأعضاء غيرما ذكر، كما لو قتله لم تجب إلا ديته.
* * *
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: أحد.
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
(فصل: في دية المنافع)
لما تمم الكلام على دية الأعضاء؛ كالأنف والأذن واليد والرجل ونحو ذلك شرع يتكلم على (^١) دية المنافع وهي السمع والبصر والشم ونحوها فقال: (تجب) يعني: الدية (كاملة في كل حاسة). هكذا عبارة الأصحاب. يقال: حس وأحسّ أي: علم وأيقن، وبالألف أفصح، وبها جاء القرآن.
قال الجوهري: الحواس المشاعر الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
وقوله: (من سمع وبصر، وشم وذوق) بيان للحاسة.
أما وجوب الدية في السمع؛ فبغير خلاف. وسنده قوله ﷺ: " وفي السمع الدية " (^٢) .
و" لأن عمر ﵁ قضى في رجل ضرب رجلًا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي " (^٣) . ذكره أحمد في رواية أبي الحارث وابنه عبد الله. ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
ولأن كلاًّ مما ذكر حاسة تختص بنفع. فكان فيها الدية؛ كالسمع المنصوص عليه.
وخالف الموفق الأكثر في الذوق فقال: والصحيح أن شاء الله تعالى: أنه
لا دية فيه؛ لأن في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه على أنها
_________________
(١) في أ: في.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٨٥ كتاب الديات، باب السمع. بلفظ: " وفي السمع مائة من الإبل ".
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى ٨١: ٨٦ كتاب الديات، باب ذهاب العقل من الجناية.
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
لا تكمل في ذهاب الذوق بمفرده، لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه، كسائر الأعضاء. ولا تفريع على هذا القول.
(و) تجب الدية كاملة (في) ذهاب (كلام). فمن جنى على إنسان فخرس وجبت عليه ديته؛ لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته؛ كاليد.
(و) تجب أيضا في (عقل)، قال بعضهم: بالإجماع.
وسنده ما في كتاب عمرو بن حزم (^١) . وروي عن عمر وزيد رصي الله تعالى عنهما، لأنه أكبر المعانى قدرًا وأعظم الحواس نفعًا فإنه يتميز به الإنسان عن البهائم، ويعرف به صحة حقائق المعلومات، ويهتدي به إلى المصالح، ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات. فكان أولى من بقية الحواس.
[(و) تجب الدية كاملة أيضًا على الأصح في (حَدَب) بفتح المهملتين، مصدر حدب بكسر الدال: إذا صار أحدب؛ لأن بذلك تذهب المنفعة والجمال، لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه تشرف الآدمي على سائر الحيوانات] (^٢) .
(و) تجب الدية أيضا كاملة في (صَعَر) بفتح المهملتين. والصَعَر: (بأن يضرب) الإنسان (فيصير وجهه في جانب). نص عليه. وأصل الصعر: داء يأخذ البعير في عنقه. فيلتوي منه عنقه. قال تعالى: (ولاتصعر خدك للناس) [لقمان: ١٨] أي: لا تعرض عنهم بوجهك تكبرًا؛ لأن ذلك يذهب الجمال والمنفعة. فوجبت فيه الدية؛ كسائر المنافع.
(و) تجب الدية أيضًا (في تسويده) إذا ضربه فاسود بذلك وجهه (ولم يزل)؛ لأنه فوت الجمال على الكمال. فضمنه بديته؛ كما لو قطع أذنى
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٩٩) رقم (١).
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
الأصم. وإن صار الوجه أحمر أو أصفر فحكومة في الأصح. أو سود بعضه فحكومة؛ لأنه لم يذهب (^١) الجمال على الكمال.
(و) تجب الدية كاملة أيضا على الأصح في (صيرورته) أي: صيرورة المجني عليه (لا يستمسك غائطًا، أو) لا يستمسك (بولًا)؛ لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها. فإن نفع المثناة حبس البول، وحبس البطن الغائط. والضرر بفوات واحدة منهما عظيم. فكان في كل واحدة منهما الدية؛ كالسمع والبصر. فإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب ديتان.
(و) تجب دية كاملة أيضا في (منفعة مشي)؛ لأن منفعته مقصودة. أشبه الكلام.
(و) تجب أيضا كاملة في منفعة (نكاح) فإذا انكسر صلبه فذهب نكاحه
ففيه الدية كاملة. وروي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه؛ لأنه نفع مقصود. أشبه ذهاب المشي.
(و) تجب أيضًا كاملة في منفعة (أكل)؛ لأنه نفع مقصود؛ كالشم.
(و) تجب أيضًا كاملة في ذهاب منفعة (صوت، و) كذا في ذهاب منفعة (بطش)؛ لأن في كل منهما نفع مقصود إذا كان؛ كإذهاب واحد من ذلك بجناية عليه.
قال في " الإنصاف ": فائدة: تجب الدية في إذهاب منفعة الصوت، وكذا
في إذهاب منفعة البطش. انتهى.
وعبارة " الفروع ": وقال في " الترغيب " وغيره: ومنفعة الصوت ومنفعة البطش، فلكل واحد الدية.
وفي. " الفنون ": لو سقاه ذرق حمام فذهب صوته لزمه حكومة في إذهاب
الصوت. انتهى.
_________________
(١) في ب: يذهب به.
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
(و) يجب أيضا (في) ذهاب (بعض يُعلَم) قدره مما تقدم ذكره بجناية عليه من الدية (بقدره) أي: بقدر الذاهب، لأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره.
ومن صور ذهاب البعض المعلوم قدره، (كأن) صار (يجن يوما ويفيق)
يوما (آخر، أو يذهب ضوء عين) واحدة، (أو) يذهب (شم منخر) واحد، (أو) يذهب (سمع أذن) واحدة، (أو) يذهب (أحد المذاق الخمس، وهي: الحلاوة والمرارة والعذوبة والملوحة والحموضة). قاله في " الكا في "، لأن (^١) الذوق حاسة تشبه الشم.
(و) إذا تقرر ذلك فيكون (في كل واحدة) من المذاق الخمس: (خمس الدية)، وفي اثنتين منها خمساها وهكذا.
وقد تقدم انه يجب في ذهاب جميع الكلام الدية كاملة.
(و) على هذا يجب (في بعض الكلام بحسابه) من الدية، (ويقسم) الكلام (على ثمانية وعشرين حرفا)، لأن مخرج الألف في الألف مع اللام الموضوع قبل الياء في حروف الهجاء. ففي نقص حرف من الثمانية وعشرين ربع الدية، وفي نقص حرفين نصف سبعها، وفي نقص أربعة أحرف سبع الدية وهكذا. ولا فرق بين ما خف على اللسان وبين ما ثقل؛ لأن كل شيء وجب فيه مقدر لم يختلف باختلاف قدره، كالأصابع (^٢) . وهذا المذهب.
وقيل: سوى الشفوية، وهي الباء والفاء والميم والواو. وسوى الحلقية، وهي: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين.
والأول المذهب؛ لأن هذه الحروف ينطق بها اللسان، بدليل أن الأخرس لاينطق بشيءمنها.
(وإن) كان البعض الذاهب مما فيه الدية (لم يعلم قدره، كنقص سمع
_________________
(١) في ج: ولأن.
(٢) في ب: كالإصبع.
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
وبصر، و) كنقص (شم ومشي وانحناء قليلًا، أو بأن صار) المجني عليه (مدهوشًا، أو) صار (في كلامه تمتمة)، بأن صار تمتامًا يكرر التاء، أو فأفاء يكرر الفاء، (أو) صار في كلامه (عجلة أو ثقل، أو) صار (لا يلتفت، أو) صار لا (يبلع ريقه إلا بشدة، أو اسودّ) بالجناية عليه (بياض عينيه أو احمرّ، أو تقلصت شفته بعض التقلص، أو تحركت سنه) بجنايه عليها، (أو احمرّت أو اصفرّت أو اخضرّت أو كلّت) بأن ذهبت حدتها وصارت بحيث لا يمكنه أن يعض بها شيئا: (ف) تجب (حكومة)؛ لأن هذا لا يمكن تقديره فيجب ما تخرجه الحكومة؛ لأنه لا تقدير فيه.
(ومن صار الثغ) بسبب جناية عليه: (فله) على الجانى (دية الحرف الذاهب) فقط، لأن الضمان إنما يجب لما تلف. وإن ذهب حرف فابدل مكانه حرفًا؛ كما لو كان يقول " درهم " فصار يقول: دلهم أو دعهم أو دنهم. فعليه ضمان الحرف الذاهب؛ لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها. فلو جنى عليه أيضا فذهب البدل وجبت ديته أيضا؛ لأنه أصل.
(ولو أذهب كلام ألثَغ) من غير جناية فذهب بجناية عليه كلامه كله، (فإن
كان مأيوسًا من ذهاب لثغته: ففيه بقسط ما ذهب من الحروف.
وإلا) أي: بأن كان غير مأيوس من زوالها؛ (صغير: ف) فيه (الدية) كاملة؛ لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن زوال لثغته بالتعليم.
(وإن قطع بعض اللسان، فذهب بعض الكلام: اعتبر أكثرهما)؛ لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفردًا، ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء، أو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب في كل صورة نصف الدية. (فعلى من قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام: نصف الدية)؛ لأنه يجب بقطع ربع اللسان ربع الدية، ويبقى ربع الكلام لا متبوع له. فيجب فيه ربع الدية فيكمل عليه نصف الدية بذلك. (وعلى من قطع بقيته) أي: بقية اللسان الذي ذهب ربعه مع نصف الكلام فذهب بقطعه بقية الكلام: (تمتها) أي: تتمة الدية (مع حكومة لربع اللسان) في
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
الأصح " لأن السالم نصف اللسان بدليل أن الموجود نصف الكلام وباقيه أشل
ففيه حكومة.
(ولو قطع نصفه) أي: نصف اللسان (فذهب) بقطعه (ربع الكلام، ثم)
قطع (آخر بقيته) فذهب باقي الكلام: (فعلى) القاطع (الأول نصفها) أي: نصف الدية، (و) يجب (على الثانى ثلاثة أرباعها) أي: أرباع الدية في الأصح، لأنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام. فيجب عليه ثلاثة ارباع [ديته، كما لو ذهب ثلاثة أرباع] (^١) الكلام بقطيع نصف اللسان.
ولأنه لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمته ثلاثة أرباع الدية.
فلأن يجب بقطع نصف اللسان أولى. ولو لم يقطع الثانى نصف اللسان لكن جنى
عليه جناية أذهبت بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية وكان عليه ثلاثة أرباع الدية؛ كما لو جنى على صحيح فذهب ثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه.
(ومن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، أو كان) المقطوع لسانه (أخرس:
ف) على قاطعه (دية) واحدة، لأن الدية إذا وجبت عن العضو سقطت دية منفعته؛ لأنها تبع له.
(وإن ذهبا) أي: النطق والذوق بجناية (واللسان باق، أو كسر صلبه) بأن
جنى إنسان على إنسان بأن كسر صلبه (فذهب مشيه ونكاحه: فديتان) أي: فالواجب في ذلك ديتان على الأصح، لأن كل منفعة من النطق والذوق، وكل منفعة
من المشي والنكاح مستقلة بنفسها. فتجب فيها دية كاملة، كما لو ذهبت منفردة.
(وإن ذهب) بكسر صلبه (ماؤه، أو) ذهب بكسر صلبه (إحباله:
فالدية). ذكره في " الرعاية ". وكذا في " الروضة " إن ذهب نسله الدية.
(ولا يدخل أرش جناية، أذهبت عقله، في ديته) في المنصوص. قاله في
" الفروع ".
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
يعني: أن من جنى على إنسان جناية لها أرش فذهب بها عقله وجب عليه الدية للعقل مع أرش الجناية ولم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فذهب عقله فإنه يجب عليه الدية للعقل والأرش للموضحة؛ لأنهما جنايتان متغايرتان. فوجبت ديتهما، حتى ولو كانا بفعل إنسان واحد، كما لو ضربه على رأسه فأذهب سمعه وبصره.
(ويقبل قول مجني عليه) بيمينه: (في نقص بصر وسمع) يعني: في أن بصره نقص أو أن سمعه نقص؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة. وإن ادعى مجني عليه أن إحدى عينيه نقص ضوؤها عصبت المريضة التي ادعى نقص ضوؤها وأطلقت الصحيحة ونصب له شخص ويتباعد عنه، فكلما قال: قد رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى تنتهي رؤيته. فإذا انتهت علم موضعها ثم تشد الصحيحة وتطلق المريضة وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن كانا سواء فقد صدق وينظر كم بين مسافة رؤية العليلة والصحيحة. ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما. وإن اختلفت المسافتان فقد كذب.
والأصل في هذا قول ابن المنذر: أحسن ما قيل في ذلك قول عمر (^١) رضي الله تعالى عنه: " أمر بعينه فعصبت وأعطى رجلًا بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره. ثم أمره فخط عند ذلك. ثم أمر بعينه الأخرى فعصبت وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلًا بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك. ثم حول إلى مكان آخر ففعل مثل ذلك فوجدوه سواء، فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الاخر ".
(و) يقبل قول مجني عليه (في قدر ما أتلف) منه (كلّ من جانيين فأكثر)؛ لأن الجانيين اتفقا على الإتلاف في الجملة والمجني عليه غير متهم في
_________________
(١) في أ: علي.
[ ١٠ / ٣٥١ ]
الإخبار بقدر ما أتلف كل واحد. فقبل قوله فيه؛ لأنه أعلم به. وليس المجني عليه في هذه الصورة مدعيًا ولا منكرًا فيكون كالشاهد بينهما.
(وإن اختلفا) أي: الجانى والمجني عليه (في ذهاب بصر) أي: بصر
مجني عليه بفعل الجاني: (أُري) المجني عليه (أهل الخبرة) بذلك، (وامتُحن بتقريب شيء إلى عينيه وقت غفلته)؛ لأنه متى كان يبصر حركها؛ لأن طبع الآدمي الحذر على عينيه، وإن بقيت بحالها علمنا أنه لا يبصر بها.
(و) إن اختلف الجانى والمجني عليه (في ذهاب سمع، أو) ذهاب (شم، أو) ذهاب (ذوق). فإن كان اختلافهما في ذهاب السمع: (صيح به) أي: المجني عليه (وقت غفلته، و) إن كان في ذهاب الشم (أُتبع بمنتن، و) إن كان في ذهاب الذوق (أُطعم) الشيء (المرَّ. فإن فزع من الصائح، أو من) شيء (مقرب لعينيه، أو عبس للمنتن أو المرّ: سقطت دعواه)؛ لبيان كذبه. (وإلا) أي: وإن لم يظهر منه حركة لشيء مما ذكر: (صدق بيمينه)؛ لأن الظاهر صحة دعواه.
(ويُردُّ الدية آخذ) لها إذا (علم كذبه)؛ لأنا تبينا أنه قبضها بغير حق.
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
[فصل: في دية الشعر]
(فصل. وفي كل) أي: كل شعر (من الشعور الأربعه: الدية) كاملة على
الأصح، (وهي: شعر رأس، و) شعر (لحية، و) شعر (حاجبين، و)
شعر (أهداب عينين). وبهذا قال أبو حنيفة والثوري.
وروي عن علي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: في الشعر
الدية.
وقال مالك والشافعي: فيه حكومة؛ لأنه إتلاف جمال لا منفعة فيه. فلم
تجب فيه الدية؛ كاليد الشلاء والعين القائمة.
ولنا: أنه أذهب الجمال على الكمال. فوجب فيه دية كاملة؛ كأذنى الأصم
وأنف الأخشم.
وقولهم: لا منفعة فيه ممنوع فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه،
وهدب العين يرد عنها ما يضرها ويصونها فجرى مجرى أجفانها. وما ذكروه ينتقض بالأصل الذي قسنا عليه، واليد الشلاء ليس جمالها كاملا.
(وفي) كل (حاجب: نصف) أي: نصف الدية. وممن أوجب الدية في
الحاجبين سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة.
(وفي) كل (هدب: ربع) أي: ربع الدية.
(وفي بعض كل) من الشعور الأربعة (بقسطه) من الدية يقدر بالمساحة؛
كالأذنين.
ولا فرق بين هذه الشعور في كونها كثيفة أو خفيفة، جميلة أو قبيحة، أو
كونها من صغير أو كبير؛ لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
(وفي) شعر (شارب: حكومة). نص عليه. (وما عاد) من شعر أزيل
تعديا: (سقط ما فيه) من دية أو بعضها أو حكومة. وإن عاد بعد أخذ ما فيه
رده. والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر فيما يرجى عوده وما
لا يرجى.
(ومن) أزال شعرا من الشعور الأربعة و(ترك- من لحية أو غيرها- ما
لا جمال فيه) أي: فيما تركه: (فديته) أي: فالواجب ديته (كاملة) في
الأصح، لأنه أذهب المقصود منه كله. فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين.
ولأن جنايته ربما أحوجت إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على إذهاب
الكل. فتكون جنايته سببا لذهاب الكل. فأوجبت ديته،كما لو ذهب بسراية
الفعل، أو كما لو احتاج في ذهاب شجة الرأس إلى ما أذهب ضوء عينه. ولا قصاص في شيء من هذه الشعور، لأن إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها
وهو غير معلوم المقدار، ولا تمكن المساواة فيه فلا يجب القصاص فيه.
(وإن قلع جفنا بهدبه: فدية الجفن فقط)، لأن الشعر يزول تبعا لزوال
الأجفان. فلم يجب به شيء، كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه.
(وإن قطع لحيين بأسنانهما: فـ) الواجب في ذلك (دية الكل) أي: دية
اللحيين ودية الأسنان. ولا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين، كما تدخل دية
الأصابع في دية اليد لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن الأسنان ليست متصلة باللحيين وإنما هي مفرزة فيها. بخلاف
الأصابع.
الثانى: أن أحدهما ينفرد باسمه عن الآخر. بخلاف الأصابع مع الكف فإن
اسم اليد يشملهما.
الثالث: أن اللحيين يوجدان منفردين عن الأسنان فإنهما يوجدان قبل وجود
الأسنان ويبقيان بعد قلعها. بخلاف الكف مع الأصابع.
(وإن قطع كفا بأصابعه: لم تجب غير دية يد)، لدخول الجميع في مسمى
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
اليد، وكما لو قطع ذكرا بحشفته لم تجب دية الحشفة؛ لدخولها في مسمى
الذكر. (وإن كلان به) أي: بالكف (بعضها) أي: بعض الأصابع: (دخل في
دية الأصابع ما حاذاها) من الكف، (وعليه) أي: على القاطع للكف كله
(أرش بقية الكف) الذي لم تحاذ الأصابع؛ لأن الأصابع لو كانت سالمة كلها لدخل ارش الكف كله في دية الأصابع فكذلك ما حاذى الأصابع السالمة يدخل في ديتها، وما حاذى المقطوعات ليس له ما يدخل فى ديته. فوجب أرشه؛ كما لو كانت الأصابع كلها مقطوعة.
(و) يجب (في كف بلا اصابع، و) يجب في (ذراع بلا كف، و) يجب
في (عضد بلا ذراع: ثلب ديته) على الأصح. شبهه أحمد بعين قائمة. (وكذا) في الحكم (تفصيل رجل)؛ ففي قدم بلا أصابع وساق بلا قدم:
ثلب ديتها.
(و) يجب (في عين اعور: دية كلاملة). نص عليه. وبذلك قال مالك والزهري والليث وقتادة وإسحاق؛ " لأن عمر وعثمان وعليا وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قضوا في عين الأعور بالدية" (^١) . ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة.
ولأن قلع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله. فوجب جميع الدية؛ كما
لو أذهبه من العينين. ودليل ذلك: أنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بالعينين، فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصر. ويجوز أن يكون الأعور قاضيا، ويجزئ الأعور في الكفارة وفي الأضحية ما لم تكن العين مخسوفة فوجب في عينه دية كاملة.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغى أن لا يجب فى ذهاب إحدى العينين نصف الدية؛ لأن إبصاره لم ينقص.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٩٤ كتاب الديات، باب الصحيح يصيب عين الأعور والأعور يعيب عين الصحيح.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
قلنا: لا يلزم من وجوب شيء من دية العينين نقص دية الباقي بدليل ما لو
جنى عليهما فأحولتا أو عمشتا أو نقص ضووهما فإنه يجب أرش النقص ولا
تنقص ديتهما بذلك.
ولأن النقص الحاصل لم يؤثر في تنقيص أحكامه ولا هو مضبوط في تفويت
النفع. فلم يؤثر في تنقيص الدية.
وقال مسروق وعبد الله بن معقل والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي:
فيها نصف الدية، ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله: وفي العين الواحدة نصف
الدية ولم يفرق.
قال في " شرح المقنع ": قلت: ولولا ما روي عن الصحابة رضي الله
تعالى عنهم لكان القول الآخر أولى لظاهر النص، والقياس على سمع إحدى
الأذنين. وما ذكر (^١) من المعانى فهو موجود فيما إذا ذهب سمع إحدى الأذنين
ولم يوجبوا في الباقية دية كاملة. انتهى.
(وإن قلعها) أي: قلع عين الأعور (صحيح) أي: صحيح العينين:
(أقيد) أي: قلعت عينه (بشرطه)، بًان يكون القلع عمدا، وأن يكون الأعور مكافئا للصحيح؛ لقوله ﷾: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ﴾ [المائدة: ٤٥].
(وعليه معه) أي: وعلى الصحيح مع قلع نظيره عين الأعور منه (نصف
الدية)؛ لأنه لما ذهب بقلع عين الأعور جميع بصره ولم يمكن إذهاب بصر
القالع بقلع عينه الأخرى؛ لما فيه من أخذ عينين بعين واحدة فأخذنا عينه الواحدة بنظيرتها، وأخذنا نصف الدية؛ لذهاب جميع البصر بقلعه عين الأعور؛ لأن نصف البصر قد استوفاه تبعا لعينه بالقصاص وبقي النصف الذي لايمكن
القصاص فيه، لما تقدم. فوجبت ديته لذلك.
وقيل: لاشيء له مع القلع.
_________________
(١) في ب: ذكرنا.
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
والأول المذهب.
(وإن قلع الأعور ما يماثل صحيحته) أي: عينه الصحيحة، (من) شخص
(صحيح) أي: صحيح العينين،) عمدا: فـ) على الأعور (دية كاملة، ولا
قود) عليه؛ لأنه قول عمر وعثمان. ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. والقصاص يفضى إلى استيفاء جميع بصر الأعور، وهو إنما أذهب بعض بصر الصحيح فيكون المستوفى أكثر من جنايته وذلك لا يجوز. وإذا لم يجز القصاص وجبت الدية؛ لئلا تذهب الجناية مجانا. وكان الواجب ديه كاملة؛ لأنه بدل القصاص الذي أسقط عنه رفقا به ولو اقتص منه ذهب ما لو ذهب بالجناية لوجبت فيه دية كاملة. فوجبت الدية كاملة هاهنا؛ لأنها (^١) بدل الواجب. وهذا هو
المنصوص عن أحمد.
وقيل: تقلع عين الأعور ويعطى نصف الدية.
(و) إن قلع الأعور ما يماثل عينه الصحيحة (خطأ: فنصفها) أي: فيلزمه
نصف الدية [لا غير] (^٢)؛ كما لو قلعها ذوعينين.
(وإن قلع) الأعور (عيني صحيح عمدا: فالقود أو الدية فقط) في
الأصح. يعني: أنه يخير المجني عليه بين أخذ دية عينيه، وبين قلع الأعور بقلع عينيه من غير زيادة؛ لأنه أخذ جميع بصره بجميع بصره. فوجب أن يكتفى به لذلك.
وقيل: يجب على الأعور إذا اختير المال ديتان.
(و) يجب (في يد أقطع أو رجله) إذا قطعت يده الأخرى أو رجله الأخرى
(ولو عمدا) واختير المال، (أو مع ذهاب) اليد (الأولى) أو الرجل الأولى،
حال كون الذهاب (هدرا: نصف ديته) أي: نصف ديه الأقطع، ذكرا كان أو
أنثى، مسلما كان أو كافرا، (كبقية الاعضاء)؛ لأن في اليدين الدية، وفي
_________________
(١) في ب: لأنه.
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
إحداهما نصفها، وفي الرجلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وكما لو قلع أذن
من له أذن واحدة.
ولأن أحد العضوين اللذين يحصل بهما منفعة الجنس لا يقوم أحدهما
مقامهما وهذا على الأصح.
وعنه: فيها دية كاملة، قياسا على عين الأعور.
وعنه: إن ذهبت الأولى هدرا ففى الثانية دية كاملة، وإلا فنصفها.
(ولو قطع) الأقطع (يد صحيح: أقيد بشرطه) المذكور في باب شروط
القصاص؛ لأنه عضو أمكن القرد في مثله مع انتفاء المانع. فكان الواجب فيه. القصاص. والله ﷾ أعلم.
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
] باب: الشجاج]
هذا (باب الشجاج) أي: باب يذكر فيه أروش الشجاج (وكسر العظام).
وأصل الشج: القطع. ومنه: شججت المفازة أي: قطعتها.
ثم (الشجة) واحدة الشجاج: (جرج الر أس، والوجه) خاصة. سميت
بذلك، لأنها قطع الجلد. فأما في غير الرأس والوجه فتسمى جرحا ولا تسمى
شجة.
(وهي) أي: والشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب (عشر) مرتبة،
(خمس) منها (فيها حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة في أواخر هذا الباب.
أول الخمس التي فيها حكومة:
١ - (الحارصة) بالحاء والصاد المهملتين. وهي: (التي تحرص الجلد
أي: تشقه ولا تدميه) أي: ولا يسيل منه دم. وأصل الحرص: الشق، يقال:
حرص القصار الثوب: إذا شقه قليلا. ويقال لباطن الجلد: الحرصات.
فسميت حارصة؛ لوصول الشق إليه. وتسمى أيضا: القاشرة والقشرة.
قال ابن هبيرة: تبعا للقاضي. وتسمى الملطاء.
٢ - (ثم) يليها (البازلة، الدامية، الدامعة). وهي: (التي تدميه) أي:
تدمي الجلد. سميت بازلة: من بزل الشيء إذا سال. وسميت دامية، لخروج
الدم منها. وسميت دامعة بالعين المهملة؛ لقلة سيلان الدم منها تشبيها له
بخروج الدمع من العين.
٣ - (ثم) يليها (الباضعة) وهي: (التي تبضع اللحم) أي: تشقه بعد
الجلد، ومنه سمي البضع.
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
٤ - (ثم) يليها (المتلاحمة) وهي: (الغائصة فيه) أي: في اللحم،
وهي مشتقة من اللحم، لغوصها فيه.
٥ - (ثم) يليها (السمحاق) وهي: (التي بينها وبين العظم قشرة) وهي
رقيقة تسمى السمحاق. سميت الجراحة الواصلة إليها بها (^١)، لأن هذه الجراحة
تأخذ في اللحم كله حتى يصل إلى هذه القشرة.
ووجوب الحكومة في هذه الخمس (^٢) على الأصح.
وعنه: أنه يجب في الدامية بعير، وفي الباضعة: بعيران، وفي المتلاحمة:
ثلاثة، وفي السمحاق: أربعة أبعرة، لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت.
والصحيح الأول، لأنه قول أكثر الفقهاء: مالك والأوزاعي والشافعي
وأصحاب الرأي.
ولأنها جراحات لم يرد فيها توقيف في الشرع. فكان الواجب فيها حكومة؛ كجراحات بقية البدن. ويروى عن مكحول أنه قال: " قضى النبي ﷺ في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها " (^٣)
ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف ولا له قياس يصح. فوجب الرجوع فيها
إلى الحكومة، كالحارصة.
ولما فرغ من الخمس التي لا مقدر فيها شرع في الخمس التي فيها مقدر
فقال:
(وخمس) يعني: من الشجاج (فيها مقدر):
١ - أولها: (الموضحة) وهي: (التي توضح العظم أي: تبرزه، ولو
بقدر إبرة) لمن ينظره. ذكره ابن القاسم والقاضي. والوضح البياض. يعني:
أبدت بياض العظم.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: الخمسة.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" ٨: ٨٢ كتاب الديات، باب المنقلة.
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
(وفيها نصف عشر الدية) أي: دية المسلم الحر، وذلك خمسة أبعرة؛
لأن في حديث عمرو بن حزم: " وفي الموضحة خمس من الإبل " (^١) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " في المواضح خمس خمس " (^٢) . رواه الخمسة.
ولا فرق في ذلك بين كون الموضحة في الرأس والوجه على الأصح؛ لعموم الأحاديث. ويروى ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وبه يقول
أبو حنيفة والشافعي.
وعن أحمد أيضا: أن في موضحة الوجه عشرة أبعرة.
والأول المذهب.
(وهي: إن عمت رأسا ونزلت إلى وجه موضحتان) في الأصح؛ لأنه
أوضحه في عضوين. فكان لكل واحد منهما حكم نفسه؛ كما لو أوضحه في
رأسه ونزل إلى القفا.
(وإن أوضحه ثنتين) أي: موضحتين (بينهما حاجز فعشرة) أي: فيلزمه
بذلك عشرة أبعرة؛ لأنهما موضحتان. (فإن ذهب) الحاجز (بفعل جان أو)
بسبب (سراية: صارا) موضحة (واحدة). يعني: أنه يصير كما لو أوضح
الكل من غير حاجز. فإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه أرش ثلاث
مواضح؛ لأنه استقر عليه أرش الأولتين با لاندمال، ثم لزمه أرش الثالثة.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٦٦) ٤: ١٩٠ كتاب الديات، باب ديات الأعضاء. بلفظ: عن عمرو بن شعبب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صصص قال: " في المواضح خمس". وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٩٠) ٤: ١٣ كتاب الديات، ياب ما جاء في الموضحة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٢) ٨: ٥٦ كتاب القسامة، المواضح. عن عمرو بن شعيب أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٥٥) ٢: ٨٨٦ كتاب الديات، باب الموضحة وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧٧٢) ٢: ١٨٩.
[ ١٠ / ٣٦١ ]
(وإن خرقه) أي: خرق الحاجز الذي بين الموضحتين (مجروج، أو)
خرقه (أجنبي: فثلاث) أي: فثلاث مواضح، (على الأول منها ثنتان) أي:
أرش موضحتين فقط، وعلى الأجنبي الذي خرق ما بينهما [أرش موضحة، لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته. وإن
كان الذي خرق ما بينهما] (^١) هو المجروح لم يسقط عن الأول شيء من أرش الموضحتين، لأن ما وجب عليه بجنايته لم يسقط عنه شيء بفعل غيره. وذلك
داخل في قولي: على الأول منها ثنتان.
(ويصدق مجروح بيمينه: فيمن خرقه على الجانى). فلو قال الجانى: أنا
خرقت ما بينهما فصارتا واحدة فيلزمني أرش موضحة واحده، وقال المجني
عليه: بل أنا الخارق لما بينهما، أو قال: بل الخارق لما بينهما غيرك كان القول قول المجني عليه بيمينه في الأصح، لأن سبب أرش موضحتين قد وجد والجانى يدعي زواله والمجروح ينكره والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.
(لا على الأجنبي) يعني: أنه لا يقبل قول المجروح على شخص معين أنه
خرق ما بين موضحتين بلا بينة.
(ومثله) أي: مثل الذي أوضح موضحتين بينهما حاجز، ثم خرق ما يبنهما
فصارا موضحة واحدة: (من قطع ثلاث أصابع) امرأة (حرة مسلمة) فإنه يكون (عليه ثلاثون) بعيرا إن لم يقطع غيرها.
(فلو قطع) إصبعا (رابعة قبل برء) أي: قبل (^٢) برء قطع الثلاث أصابع:
(ردت) الثلاثون بعيرا (إلى عشرين)، بناء على ما عندنا من كون ان جراج
المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث ديته، فإذا زادت على الثلث صارت على النصف.
(فإن اختلفا) أي: اختلف قاطع أصابع المرأة ومقطوعة الأصابع (في
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
قاطعها) أي: فيمن قطع الإصبع الرابعة بأن قال الجاني: أنا قطعتها فلا يلزمني
إلا عشرون بعيرا، وقالت هي: بل قطعها غيرك ويلزمك ثلاثون بعيرا
(صدقت) عليه بيمينها؛ لأن سبب أرش ثلاث أصابع قد وجد والجانى يدعي
زواله والمقطوعة تنكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.
(وإن خرق جان بين موضحتين باطنا) فقط، (أو) باطنا (مع ظاهر: فـ) هي موضحة (واحدة) في الأصح؛ لاتصالهما في الباطن. (وظاهرا فقط فثنتان)
أي: فموضحتان في الأصح.
٢ - (ثم) يلي الموضحة (الهاشمة) وهي: (التي توضح العظم) أي:
تبرزه، (وتهشمه) أي: تكسره. (وفيها عشرة أبعرة) روى ذلك قبيصة (^١) بن
ذؤيب عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. والظاهر أن قوله ذلك عن توقيف. ولأنه لا يعرف له مخالف [في عصره] (^٢) من الصحابة.
فإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون من الإبل على ما ذكرنا من
التفصيل في الموضحة. وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة؛ كالموضحة.
٣ - (ثم) يليها (المنقلة) وهي: (التي توضح) العظم، (وتهشم)
العظم، (وتنقل العظم. وفيها خمسة عشر بعيرا) بإجماع من أهل العلم. حكاه
ابن المنذر في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي ﷺ: " وفي المنقلة خمس عشرة (^٣) من الإبل " (^٤) . وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة على ما
مضى.
٤ - (ثم) يليها (المأمومة) وهي: الشجة (التي تصل إلى جلدة الدماغ،
وتسمى) المأمو مة: (الآمة) بالمد.
قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة.
_________________
(١) في ج: روي ذلك عن قبيصة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ب: عشر.
(٤) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
(و) تسمى أيضا (أم الدماغ).
قال النضر بن إسماعيل: أم الراس. الخريطة التي فيها الدماغ. سميت
بذلك؛ لأنها تحوط الدماغ وتجمعه. وفيها ثلث الدية؛ لقول النبى ﷺ في
كتاب عمرو بن حزم: " في المأمومة ثلث الدية " (^١) .
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك.
٥ - (ثم) يليها (الدامغة) وهي: الشجة (التي تخرق الجلدة) يعني:
جلدة الدماغ. (وفي كل منهما) أي: في المأمومة والدامغة (ثلث الدية).
وقد ذكرنا الدليل على ذلك في المأمومة وهذه أبلغ.
قال القاضي: لم يذكر أصحابنا الدامغه لمساواتها المأمومة في أرشها.
وقيل: فيها مع ذلك حكومة؛ لخرق جلد الدماغ. ويحتمل أنهم تركوا
ذكرها؛ لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب. انتهى.
(وإن شجه شجة بعضها هاشمة أو) بعضها (موضحة، وبقيتها دونها)
أي: دون الهاشمة أو دون الموضحة (فـ) عليه (دية هاشمة) إذا كان بعضها
هاشمة، (أو) دية (موضحة) إذا كان بعضها موضحة (فقط)؛ لأنه لو هشمه
كله أو أوضحه كله لم يلزمه فوق دية الهاشمه أو الموضحة.
ولأنه لو انفرد القدر المهشوم وجب أرشها فلا ينتقض ذلك بما زاد من أرش
غيرها (^٢) .
(وإن هشمه بمثقل ولم يوضحه) ففي ذلك حكومة في الأصح.
وقيل: يلزمه خمس من الإبل.
(أو طعنه في خده فوصل) ذلك (إلى فمه) ففيه حكومه في الأصح.
وقيل: يلزمه دية جائفة.
_________________
(١) ر. الحديث السابق.
(٢) فى ج: من الأرش في غيرها.
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
(أو نفذ) جان (أنفا أو ذكرا، أو) نفذ (جفنا إلى بيضة العين) ففيه
حكومة.
وقيل: يلزمه دية جائفة.
(أو أدخل) غير الزوج (^١) (إصبعه فرج بكر) فعليه حكومة، (أو) أدخل
إصبعه (داخل عظم فخذ: فـ) عليها حكومة)؛ لأنه لم يرد في ذلك تقدير من
الشارع. فوجب فيه حكومة لكل ما لم يرد فيه تقدير.
_________________
(١) في ج: زوج.
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
] فصل: في الجائفة]
(فصل. وفي الجائفة ثلث دية. وهي: ما) أي: الجراحة التي (تصل
باطن جوف) وهو: ما بطن منه مما لا يظهر للرائي، (كـ) داخل (بطن ولو لم
تخرق معا) داخل، (وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة وبين خصيتين، و)
داخل (فى بر)،لأن في كتاب عمرو بن حزم: " وفي الجائفة ثلث الدية " (^١) .
وليس في جراح البدن سوى الرأس والوجه شيء يقدر غير الجائفة، لأنه لم يأت
نص في غيرها وإنما يعتبر في المقدرات النص.
(وإن جرج جانبا، فخرج) السهم الذي جرج به أو نحوه (من) جانب
(آخر: فجائفتان). نص عليه أحمد.
وقيل: واحدة، لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف وهذه
الثانيه إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر.
ويدل للأول ما روى سعيد بن المسيب: " أن رجلا رمى رجلا بسهم
فأنفذه. فقضى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلثي الدية " (^٢) . ولم يعرف له
مخالف من الصحابة فكان كالإجماع. أخرجه سعيد بن منصور في" سننه ". وروي عمرو (^٣) بن شعيب عن أبيه عن جده " أن عمر رضي الله تعالى عنه
قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتين ".
ولأنه أنفذه من موضعين. فكانت جائفتين، كما لو أنفذه بضربتين.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٨٥ كتاب الديات، باب الجائفة.
(٣) في اوب: وروي عن عمرو.
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
ولأن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة
الفعل مع التساوي في المعنى.
وينتقض قول من قال: إنها جائفة واحدة بما لو أدخل إنسان يده في جائفة
إنسان فخرق بطنه من موضع آخر فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه. قاله
في "شرح المقنع ".
(وإن جرح وركه فوصل جوفه) أي: جرج إنسان إنسانا في وركه فوصل
الجرح إلى الجوف، (أو أوضحه) في رأسه (فوصل) جرح الموضحة (قفاه:
فـ) يلزم من جرح الورك (مع دية جائفة) حكومة، (أو) يلزم من أوضح إنسانا فوصل الجرح إلى قفاه مع دية (موضحة، حكومة بجرج قفاه أو) بجرج
(وركه)؛ لأن الجرح في غير موضع الجائفة وفي غير موضع الموضحة. فانفرد بالضمان؛ كما لو لم يكن معه جائفة أوموضحة.
(ومن وسع فقط جائفة) أجافها غيره (باطنا وظاهرا) فعلى موسعها دية
جائفة؛ لأن فعل كل واحدة منهما لو انفرد كان جائفة. فلا يسقط حكمه
بانضمامه إلى فعل غيره.
(أو فتق) إنسان (جائفة مندملة، أو) فتق (موضحة نبت شعرها:
فـ) الحكم في ذلك أنه (جائفة وموضحة)؛ لأن الجرح إذا التحم صار
كالصحيح؛ لأنه إذا برأ عاد إلى حالته الأولى فكأنه لم يكن. فإذا فتقه إنسان بعد
ذلك عادت الجائفة التي برأت جائفة متجددة، وصارت الموضحة التي نبت
شعرها موضحه متجددة.
(وإلا) أي: وإن لم تندمل الجائفة، أو ينبت شعر الموضحة، أو وسع
ظاهر الجائفة دون باطنها، أو وسع باطنها دون ظاهرها: (فـ) إنه يكون عليه (حكومة).
وإن وسع الطبيب الجائفة بإذن المجني عليه المكلف أو إذن ولي غير
المكلف للمصلحة فلاشيءعليه.
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
(ومن وطئ زوجة صغيرة) لا يوطأ مثلها، (أو) زوجة (نحيفة لا يوطأ
مثلها، فخرق) بوطئه (ما بين مخرج بول و) مخرج (مني، أو) خرق بوطئه
(ما بين السبيلين: فـ) عليه (الدية) كامله (إن لم يستمسك، بول) بسبب
ذلك؛ لأن للبول مكانا في البدن تجتمع فيه للخروج فعدم إمساك البول إبطال
لنفع ذلك المحل فتجب فيه الدية؛ كما لو لم يستمسك بالغائط.
(وإلا) بأن كان البول يستمسك: (فـ) هي (جائفة) فيها ثلث الدية؛ لما
روي عن عمر بن الخطاب " أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية ". ولم يعرف له من الصحابة مخالف.
ولأن هذه جناية بخرق الحاجز بين مخرج البول والمني. فكان موجبها؛
كالجائفة.
(وإن كانت) الزوجة (ممن يوطأ مثلها لمثله، أو) كانت الموطوءة
(أجنبية) أي: غير زوجة (كبيرة مطاوعة، ولا شبهة) للواطئ في وطئها،
(فوقع ذلك) بأن خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول ومني:
(فهدر)؛ لأنه ضرر حصل من فعل مأذون فيه. فلم يضمنه؛ كأرش بكارتها
ومهر مثلها، وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها. وفارق ما إذا أذنت في وطئها فقطع يدها؛ لأن ذلك ليس من المأذون فيه ولا من ضرورته. (ولها) أي: وللموطوءة (مع شبهة، أو) مع (إكراه: المهر)؛
لاستيفائه منفعة البضع، (والدية) كاملة: (إن لم يستمسك بول)؛ لأن الفعل
إنما أذن فيه مع الشبهة اعتقادا أن المستوفي له هو المستحق. فإذا كان غيره ثبت
في حقه وجوب الضمان لما أتلفه (^١)؛ كما لو أذن في أخذ الدين لمن يعتقد انه
مستحقه فبان أنه غيره.
وأما مع الإكراه؛ فلأنه ظالم متعد.
(وإلا) بأن استمسك البول مع خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول
_________________
(١) في أ: أتلف.
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
ومني. فالواجب (ثلثها) أي: ثلث الدية، لأن موجبها موجب الجائفة، لما
تقدم من قضاء عمر رضي الله تعالى عنه.
(ويجب أرش بكارة مع فتق بغير وطء)، لأنه محل من البدن أتلفه بعدوانه
فلزمه أرشه.
(وإن التحم ما) أي: جرح (أرشه مقدر)، كجائفة وموضحة وما فوقها
ولو على غير شين: (لم يسقط) أرشها رواية واحدة؛ لأن الرجوع في أرش (^١)
ذلك إلى النص، والمنصوص وجوب المقدر مطلقا من غير تعليق بحصول شين
ولا عدمه، فلذلك أوجبناه بمقتضى النص.
_________________
(١) في ج: بأرش.
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
] فصل: في كسر الضلع]
(فصل. وفي كسر ضلع جبر مستقيما) أي: بأن بقي على ما كان عليه من
غير أن يتغير عن صفته. قاله في " شرح المحرر": (بعير. وكذا) أي:
وكالضلع إذا جبر مستقيما (ترقوة) إذا جبرت مستقيمة فيكون فيها بعير. نص
عليه في رواية أبي طالب.
وفي الترقوتين بعيران؛ لما روى سعيد عن مطر عن قتادة عن سليمان بن
عمر وسفيان عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل ".
والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف. ولكل إنسان
ترقوتان فإذا كسرتا وجبرتا مستقيمتين وجب فيهما بعيران.
(وإلا) أي: وإن لم يجبر الضلع أو الترقوة مستقيمتين: (فـ) الواجب في
كل منهما (حكومة) يأتي تعريفها.
(وفي كسر كل) أي: عظم كل واحد (من زند، و) من عظم (عضد،
و) من عظم (فخذ، و) من عظم (ساق، و) من عظم (ذراع وهو: الساعد
الجامع لعظمي الزند: بعيران) على الأصح. نص عليه في رواية أبي طالب؛
لما روى عمرو بن شعيب " أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر في إحدى الزندين إذا كسر (^١) . فكتب إليه عمر: أن فيه بعيران، وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من
الإبل ". رواه سعيد.
وهذا لم يظهر له مخالف في الصحابة فكان كالإجماع.
وإذا تبت ذلك في الزندين ثبت في العظام الباقية مثله.
(و) يجب (فيما عدا ما ذكر: من جرح، و) ما عدا ما ذكر من (كسر
_________________
(١) في ب: كسرت.
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
عظم)، وذلك (كـ) كسر (خرزة صلب، و) كسر (عصعص) وهو: عجب
الذنب، (و) كسر عظم) عانة: حكومة.
وهي) أي: والحكومة (^١): (أن يقوم مجني عليه كأنه قن لا جناية به، ثم)
يقوم) وهي) أي: والجناية (به قد برات، فما نقص: من القيمة) بسبب وجود الجناية (فله) أي: فللمجني عليه على الجانى (كنسبته) أي: مثل نسبة نقص
القيمة معتبرا (من الدية.
فـ) تجب (فيمن قوم) لو كان قنا (صحيحا بعشرين، و) قوم لو كان قنا
(مجنيا عليه) بهذه الجنايه (بتسعة عشر: نصف عشر ديته) أي: دية المجني
عليه، لنقصه بالجناية نصف عشر قيمته لوكان قنا.
ومن قومناه لو كان قنا سليما بستين وقومناه وبه الجناية مندملة فكانت قيمته
خمسين فقد نقص سدس قيمته سليما، فيكون له سدس الدية، لأنه نقص
بالجناية سدس قيمته.
(ولا يبلغ بحكومة) جناية على (محل له مقدر) أي: فيه مقدر من الشرع
(مقدره) أي: ذلك المقدر الذي فيه على الأصح.
إذا تقرر هذا (فلا يبلغ بها) أي: بالحكومة) أرش موضحة، في شجة
دونها) أي: دون الموضحة، (ولا) يبلغ بالحكومة) دية إصبع أو) دية
(أنملة، فيما) أي: في قطع (دونهما) أي: دون الإصبع والأنملة.
ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح، لأن أرش المقدر إنما استقر بعد برئه.
(فلو لم تنقصه) الجناية (حال برء: قوم حال جريان دم) على الأصح،
لأنها جناية على معصوم. فلا تذهب مجانا، كما لو جنى عليه جناية مقدرة
الأرش فاندملت من غير شيء، فإن أرشها لا يسقط بذلك.
(فإن لم تنقصه ايضا) أي: حال جريان الدم، (أو زادته) الجناية
(حسنا)، كما لو كانت الجناية بط سلعة، أو قطع ثؤلولا: (فلا شيء فيها).
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ج: الحكو مة.
[ ١٠ / ٣٧١ ]
] باب: العا قلة]
هذا (باب العاقلة وما تحمله.
وهي) أي: والعاقلة: (من غرم ثلث دية فأكثر) من ثلث دية، (بسبب
جناية غيره) أي: غير الغارم. سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون. نقله حرب.
يقال: عقلت فلانا: إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا غرمت عنه
دية جنايته. وأصله من عقل الإبل وهي: الحبال التي تثني بها أيديها. ذكره
الأزهري.
وقيل: اشتقاقه من العقل وهو المنع، لأنهم يمنعون عن القاتل.
وقيل: سموا بذلك، لأنهم يتحملون العقل وهو الدية. سميت بذلك،
لأنها تعقل لسان ولي المقتول.
(وعاقلة جان: ذكور عصبته نسبا وولاء، حتى عمودي نسبه) على
الأصح، (و) حتى (من بعد)، كابن ابن ابن (^١) عم أبي جد الجانى، وسواء
كان الجانى رجلا أو امرأة، لما روى أبو هريرة قال: " قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة كبد أو أمة. ثم إن المرأه التي قضى عليها بالغرة توفيت. فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنتها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" (^٢) .متفق عليه.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ قضى أن يعقل
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٥٩) ٦: ٢٤٧٨ كتاب الفرائض، باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٨١) ٣: ٩ ١٣٠ كتاب القسامة. . باب دية الجنين.
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
عن المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثوا (^١) منها إلا ما فضل من ورثتها " (^٢) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
ولأن العصبة مشتق من العصب وهو الشدة. سموا بذلك؛ لأنهم يشدون
ازر قريبهم وينصرونه وذلك غير مختص بالقريب منهم. فكان قريبهم وبعيدهم
في كونه من العاقلة سواء.
وعنه: إلا عمودي نسب الجانى، وهما أبوه وإن علا وابنه وإن سفل.
والصحيح الأول؛ لأن العاقلة إنما تحمل العقل فصرة للقاتل ومواساة له،
والأب والابن والإخوة أحق بنصرته من غيرهم. فوجب أن يحملوا عنه؛ كبني
الأعمام.
وإذا ثبت هذا في عصبة النسب ثبت للمولى المعتق؛ لأنه عصبة يرث
بتعصيبه. فوجب أن يعقل، كالمناسب. فأما غير الحاصب من الاخوة من الأم وذوي الأرحام والنساء فليسوا من العاقلة بغير خلاف؛ لأنهم ليسوا من أهل
النصرة. وعمدة العقل النممرة.
(لكن: لو عرف نسبه من قبيلة، ولم يعلم) كون الجانى: (من أي بطونها
لم يعقلوا) أي: لم يعقل رجال القبيلة التي لم يعلم الجانى من أي بطونها (عنه).
قال في "الفروع": ذكره قي "المذهب" وغيره واقتصر على ذلك.
فعلى هذا لو كان القاتل قرشيا لم يلزم قريشا كلهم التحمل. فإن قريشا وإن
كانوا كلهم (^٣) يرجعون إلى أب واحد، إلا أن قبائلهم تفرقت وصار كل قوم
_________________
(١) في ج: يورثون.
(٢) أخرجه أبو داود في"سننه " (٤٥٦٤) ٤: ١٨٩ كتاب الديات، باب ديات الأعضاء. وأخرجه النسائي في "سننه" (٤٨٠١) ٨: ٤٢ كتاب القسامة، ذكر الاختلاف على خالد الحذاء. واخرجه ابن ماجه في "سننه " (٢٦٤٧) ٢: ٨٨٤ كتاب الديات، باب عقل المرأة على عصبتها وميرائها لولدها. وأخرجه أحمد في "مسنده " (٧٠٩٢) ٢: ٢٢٤.
(٣) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
ينسبون إلى أب أدنى (^١) يتميزون به. فيعقل عنهم من يشاركهم في نسبهم إلى
الأب الأدنى إن علم.
(ويعقل) من عصبه الجانى (هرم) غني، (وزمن) غني، (وأعمى)
غني، (وغائب) غني؛ (كضدهم) أي: كشاب وصحيح وبصير وحاضر في
الأصح في الهرم والزمن والأعمى؛ لأنهم من أهل المواساة.
ولأنهم استووا في التعصيب والإرث فاستووا في تحمل العاقلة.
(لا فقير) يعني: أن الفقير لا يعقل (ولو) كان (معتملا) على الأصح؛
لأن تحمل العاقلة مواساة. فلا يلزم الفقير؛ كالزكاة.
ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل فلا يجوز التثقيل بها (^٢) على من
لا جناية منه. وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له بما لا يقدرعليه.
(ولا صغير أو مجنون) يعني: أنهما لا يحملان شيئا من العقل؛ لأنهما
وإن كان لهما مال فليسا من أهل النصرة والمعاضدة؛ لعدم العقل الباعث لهما
على ذلك.
(او امرأة أو خنثى مشكل)؛ لأنهما ليسا من أهل المعاضدة، (أو قن)؛
لأنه لا يملك شيئا يؤدي منه، (أو مباين لدين جان)؛ لأن حمل العاقلة للنصرة
ولا نصرة لمخالف في الدين.
(ولا تعاقل بين ذمي وحربي) في الأصح؛ لعدم التوارث. وكمسلم
وكافر.
(ويتعاقل أهل ذمة اتحدت مللهم) على الأصح؛ لأن قراباتهم تقتضي
التوريث فاقتضت التعاقل.
ولأنهم من أهل النصره؛ كالمسلمين.
وأما المرتد فلا يعقل عنه أحد؛ لأنه ليس بمسلم يعقل عنه المسلمون،
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: تخقيلها.
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
ولا ذمي فيعقل عنه عصباته من أهل الذمة. فيكون خطؤه في ماله في الأصح.
(وخطأ إمام وحاكم: في حكمهما في بيت المال) دون عاقلته؛ لأن خطأه
يكثر فيجحف ذلك بالعاقلة.
ولأن الحاكم نائب عن الله ﷾ فكان أرش خطئه في مال الله على
الأصح، (كخطأً وكيل) في التصرف لعموم المسلمين. وحيث جعلناه متصرفا
بالوكالة لهم وعليهم لزم منه أن لا يضمن لهم ولا يهدر خطؤه فيكون في بيت
المال.
(وخطؤهما) أي: خطأ الإمام والحاكم: (في غير حكم على
عاقلتهما)، كخطأ غيرهما.
(و) خطأ (من لا عاقلة له، أو) كان (له) عاقلة (وعجزت عن الجميع)
أي: جميع ما وجب بخطئه: (فالواجب) في خطأ من لا عاقلة له (أو تتمته)
اي: تتمة الواجب فيما إذا كان له عاقلة وعجزت عن جميعه، (مع كفر جان)
يعني: إذا كان الجانى كافرا كان الواجب أو تتمته، (عليه) في ماله. (ومع
إسلامه) أي: إسلام الجانى كان الواجب أو تتمته: (في بيت المال حالا) على
الأصح؛ "لأن النبي ﷺ ودى الأنصارى الذي قتل بخيبر من بيت المال" (^١) .
وروي " أن رجلا قتل في زحام في زمان عمر فلم يعرف قاتله. فقال علي
لعمر رضي الله تعالى عنهما: يا أمير المؤمنين! لا تظل دم امرئ مسلم. فأدى
ديته من بيت المال " (^٢) .
ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له فيعقلون عنه عند عدم عاقلته.
(وتسقط) ديه الخطأ (بتعذر أخذ منه) أي: من بيت المال، (لوجوبها
ابتداء عليها) أي: على العاقلة دون الخاطئ، بدليل أنها (^٣) لا يطالب بها غير
_________________
(١) سيأتي ذكره وتخريجه، ص (٣٨٤) رقم (١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " (٢٧٨٤٨) ٥: ٤٥ ٤ كتاب الديات، الرجل يقتل في الزحام. نحوه.
(٣) في ب: أنه.
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
العاقلة. ولا يعتبر تحملهم الدية ولا رضاهم، لأنها تؤخذ منهم رضوا أو
كرهوا. ولا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل فإن الدية
لا تجب على أحد. كذا هاهنا.
(ومن تغير دينه وقد رمى ثم أصاب) بعد تغير دينه، (فالواجب في ماله).
ومن أمثلة ذلك:
لو رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب السهم (^١) آدميا معصوما فقتله لم يعقله
المسلمون، لأنه لم يكن مسلما حال رميه. ولم يعقله المعاهدون؛ لأنه لم يقتله
إلا وهو مسلم فتكون الدية في مال الجانى. وهكذا لو رمى وهو مسلم ثم ارتد ثم
قتل السهم إنسانا لم يعقله أحد.
(وإن تغير دين جارح حالتي جرح وزهوق) أي: زهوق روحه: (حملته
عاقلته) أي: عاقلة الجارح (حال جرح) في الأصح.
فلو جرج ذمي إنسانا معصوما خطأ، ثم أسلم، ثم مات المجروح من
الجرح حملته عاقلته من أهل الذمة، لأنه لم يصدر منه فعل بعد الجرح.
(وإن انجر ولاء ابن معتقة بين جرح) وتلف، (أو) بين (رمي وتلف:
فكتغير دين فيهما) أي: في الصورتين وهما تغير الدين بين الجرح والتلف،
وبين الرمي والتلف.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
] فصل: لا تحمل العاقلة عمدا]
(فصل. ولا تحمل) العاقلة (عمدا)، سواء كان مما يجب القصاص فيه
او لا يجب؛ كالمأمومة والجائفة.
(ولا) تحمل (صلح إنكار، ولا) تحمل (اعترافا: بأن يقر) الجانى
(على نفسه بجناية، خطإ أو شبه عمد، توجب ثلث دية فأكثر، وتنكر العاقلة،
ولا قيمة دابة أو قن أو قيمة طرفه، ولا جنايته) أي: جناية القن؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا
ولا اعترافا ".
وروي عن ابن عباس موقوفا (^١) . ولم يعرف له في الصحابه مخالف فيكون
كالإجماع.
أما كونها لا تحمل العمد، فلأن حملها إنما ثبت في الخطأ وشبه العمد؛
لكون الجانى معذورا تخفيفا عنه ومواساة له. والعامد غير معذور فلا يستحق المواساة ولا التخفيف ولو لم يجب في جنايته القصاص. ولهذا لو قتل الأب ابنه عمدا وجبت عليه ديته ولا تحملها العاقلة.
وأما كونها لا تحمل الصلح؛ فلأنه مال ثبت بمصالحته واختياره. فلم
تحمله العاقلة، كالمال الثابت باعرافه بالاتفاق؛ لأنه متهم في أن يواطئ من يقر
له بقتل خطإ ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمه إياها.
وإذا تقرر هذا فإنه يلزمه ما اعرف به، وتجب الدية عليه حالة في ماله،
لقوله ﷾: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" ٨: ١٠٤ كتاب الديات، باب من قال: لا تحمل العاقلة عمدا
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
ولأنه مقر على نفسه بالجنايه الموجبة للمال. فصح إقراره، كما لو أقر
بإتلاف مال، أو بما لا تحمل ديته العاقلة.
(ولا) تحمل العاقلة أيضا (ما دون ثلث دية ذكر) حر (مسلم)، كأرش
الموضحة. نص على ذلك، لقضاء عمر أنها لاتحمل شيئا حتى يبلغ عقل
المأمومة.
ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني، لأنه هو المتلف. فكان عليه،
كسائر المتلفين، لكنه خولف في ثلث الدية فأكثر بإجحافه بالجاني لكثرته.
فيبقى ما عداه على الأصل.
ولأن الثلث حد الكثير " لقوله ﷺ: " والثلث كثير" (^١) .
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا غرة جنين مات مع أمه أو
بعدها) أي: بعد أمه (بجناية واحدة) فإن العاقلة تحمل الغرة مع دية أمه. نص
أحمد على ذلك، لأن ديتهما وجبت بجناية واحدة مع زيادتهما على الثلث.
فحملتهما العاقله؛ كالدية الواحدة، (لا قبلها) يعني: لا إن أجهضته ميتا ثم
ماتت بعد ذلك فإن العاقلة لا تحمل الواجب في الجنين، (لنقصه عن الثلث.
وتحمل) العاقلة (شبه عمد) على الأصح، لوقوعه كثيرا كالخطأ؛ لما
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر. فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها " (^٢) . متفق عليه.
ولأنه نوع قتل لا يوجب القصاص. فوجبت ديته على العاقلة، كالخطأ.
إذا تقرر هذا فإن الواجب على العاقلة بشبه العمد يكون (مؤجلا) على
العاقلة (في ثلاث سنين، كواجب) عليها (بخطإ)، لأن الواجب على العاقلة
على سبيل المواساة. فاقتضت الحكمة تخفيفه على العاقلة. وقد روي عن عمر
_________________
(١) تخريجه ص (٣٢١) رقم (٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٢٣٣).
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
وعلي رضي الله تعالى عنهما "أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ".
ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعا.
(ويجتهد حاكم في تحميل) أي: تحميل (^١) العاقلة؛ لأن ذلك لا نص
فيه. فوجب الرجوع في تقديره إلى اجتهاد الحاكم؛ كتقدير النفقات.
(فيحمل) الحاكم (كلا) أي: كل إنسان من العاقلة (ما يسهل) ولا يشق
(عليه). نص عليه؛ لأن التحمل على سبيل المواساة للجانى والتخفيف عنه
ولا يخفف عن الجانى بما يثقل على غيره.
وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار وعلى المتوسط ربعا، وهو
رواية عن أحمد. والموسر هنا: من ملك نصابا عند حلول الحول فاضلا عنه؛ كالحج وكفارة الظهار.
(ويبدأ) في التحميل (بالأقرب) فالأقرب (كإرث). فيقسم على الآباء
والأبناء، ثم على الإخوة، ثم بني الإخوة، ثم على الأعمام ثم بنيهم، ثم أعمام
الجد ثم بنيهم، كذلك أبدا. حتى إذا انقرض المناسبون فعلى المولى المعتق،
ثم على عصباته الأقرب فالأقرب؛ لأن ذلك حكم يتعلق بالتنصب. فوجب أن
يقدم فيه الأقرب فالأقرب؛ كالميراث.
(لكن: تؤخذ من بعيد لغيبة قريب) في الأصح.
وقيل: يكتب الإمام إلى قاضي بلد الأقرب ليطالبه بها.
إذا تقرر هذا فمتى اتسعت أموال الأقربين للدية لم يتجاوزهم، وإلا انتقل
إلى من يليهم.
(فإن تساووا) في القرب (وكثروا) وقدروا على حمل الواجب: (وزع
الواجب بينهم) بحيث ما يسهل على كل واحد منهم ولم يتجاوزهم. وإن لم
تتسع أموالهم لحمل الواجب انتقل إلى من يليهم.
(وما أوجب ثلث دية) فقط: (أخذ في رأس الحول) الآتى بعد مضي سنة
_________________
(١) في أ: في تحميل.
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
في قتل من زهوق روح، وفي جرح من بروء (^١) كما يأتي في المتن؛ لأن العاقد
لا تحمل حالا.
قال في "الإنصاف ": وهذا بلا نزاع عند القائلين بالتأجيل.
(و) ما أوجب (ثلثيها) أي: ثلثي الدية (فأقل)؛ كدية المرأة ودية العين
واليد وما أشبه ذلك: (أخذ رأس الحول) أي: في رأسه (ثلث) أي: ثلث
دية، (و) أخذت (التتمه) من الو (٣) (في رأس) حول (آخر.
وإن زاد) الواجب على ثلثي الدية (ولم يبلغ دية) كاملة: (أخذ راس كل
حول ثلث، و) أخذت (التتمه) من الواجب (في رأس) حول (ثالث.
وإن أوجب) فعل الخطأ أو شبه العمد (دية أو اكثر) من دية (بجناية
واحدة؛ كضربة أذهبت السمع والبصر: فـ) إنه يؤخذ من العاقلة (في كل حول
ثلث) أي: ثلث دية.
(و) إن كان الأكثر من دية وجب (^٢) (بجنايتين)؛ كضربتين أذهبت
إحداهما السمع وأذهبت الأخرى البصر، (أو قتل اثنين: فديتهما) أي:
المنفعتين أو الرجلين (في ثلاب) أي: ثلاث سنين في الأصح في الصررتين. (وابتداء حول قتل: من) حين (زهوق) أي: زهوق روح، (و) ابتداء
حول في (جرح: من) حين (برء) أي: برء الجرح؛ لأن أرش الجرح
لا يستقر إلا ببرئه.
وقال القاضي: إن لم يسر الجرح إلى شيء فحولى من حين القطع.
(ومن صار) من العاقلة (أهلا عند الحول)؛ كالصبي يبلغ والمجنون
يعقل: (لزمه) ما كان يلزمه لو كان كل الحول كذلك؛ لأنه وجد وقت الوجوب
وهو من أهل الوجوب.
_________________
(١) في ب: برء.
(٢) في ب: واجبة.
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
(وإن حدث) به (مانع بعد الحول)،كالعاقل يجن: (فقسطه) يعني:
فعليه قسط ذلك الحول.
(وإلا) بأن حدث المانع قبل الحلول: (يسقط) قسط ذلك الحول عنه،
لأنه ما يجب في آخر الحول على سبيل المواساة. فسقط بحدوث المانع قبل
تمام الحول؛ كالزكاة. والله ﷾ أعلم.
[ ١٠ / ٣٨١ ]
[باب: كفارة القتل]
هذا (باب كفارة القتل). سميت بذلك أخذا من الكفر بفتح الكاف وهو
الستر؛ لأنها تغطي الذنب وتستره.
والأصل في وجوبها الإجماع. وسنده قوله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فذكر في الآية ثلاث كفارات:
إحداهن: بقتل المسلم في دار الإسلام خطأ.
الثانية: بقتله في دار الحرب وهو لا يعرف إيمانه؛ لقوله ﷾: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
الثالثة: بقتل المعاهد وهو: الذمي في دار الإسلام؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: ٩٢]. فأوجب الكفارة بالقتل في الجملة.
(وتلزم) الكفارة (كاملة في مال قاتل لم يتعمد) القتل أي: لم يكن قتله
عمدا محضا. (ولو) كان القاتل (كافرا، أو قنا، أو صغيرا، أو مجنونا، أو
إماما في خطإ يحمله بيت المال، أو مشاركا) في قتل في الأصح؛ لأن الكفارة
موجب قتل الآدمي. فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء؛ كالقصاص
بمباشرة (أو بسبب) ولو (بعد موته). نص أحمد على ذلك، (نفسا) مفعول
لقاتل (محرمة ولو نفسه) يعني: ولو كانب النفس المحرمة نفس القاتل على
الأصح، (أو) نفس (قنه)؛ لأن الكفاره حق مالي يتعلق بالقتل. فتعلقت بمن
ذكر؛ كالدية.
وأما الكافر فتكون عقوبة له كالحدود وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
(أو) كان المقتول (مستأمنا)؛ لأنه آدمي مقتول ظلما. فوجبت الكفارة
بقتله؛ كالمسلم، (أو) كان المقتول (جنينا)؛ كما لو ضرب بطن امرأة فألقت
جنينا ميتا أو حيا ثم مات؛ لأنه قتل نفسا محرمة. أشبه قتل الآدمي بالمباشرة. ولاكفارة بإلقاء مضغة لم تتصور.
ويستثنى من قوله: نفسا محرمة صور يحرم فيها القتل ولا تجب فيها كفارة
أشير إليها بقوله:
(غير أسير حربي يمكنه) أي: يمكن من أسره (أن يأتي به الإمام) إذا لم
يأت به الإمام وقتله، (و) غير (نساء) أهل (حرب وذريتهم) إذا قتلهم،
(و) غير (من لم تبلغه الدعوة) إذا قتله مسلم؛ لأن هؤلاء المذكورين ليس لهم
إيمان ولا أمان. وإنما منع من قتلهم؛ لانتفاع المسلمين بهم؛ لأنهم غير
مضمونين بقصاص ولا دية. فأشبه قتلهم القتل المباح.
وحيث انتهى الكلام على قتل النفس المحرمة التي تجب فيها الكفارة والتي
لم يجب فيها كفارة، شرع في الكلام على قتل النفس المباحة فقال:
(لا مباحه؛ كـ) قتل (باغ، و) كـ (القتل قصاصا أو حدا، أو) قتله
إنسانا أراد قتله (دفعا عن نفسه)؛ لأن ذلك قتل مأذون فيه شرعا فلا تجب فيه
كفارة.
(ويكفر قن بصوم)؛ لأنه لا ملك له، (و) يكفر (من مال غير مكلف)؛
كالصغير والمجنون (وليه) في ماله.
(وتتعدد) الكفارة (بتعدد قتل). فعلى من قتل اثنين كفارتان وعلى من قتل
ثلاثة ثلاث؛ كفارات وهكذا؛ لأن كل قتل يقوم بنفسه غير متعلق بغيره. فوجب أن
يكون في كل قتل كفارة، كما يجب في كل قتل دية. والله ﷾ أعلم.
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
] باب: القسامة]
هذا (باب القسامة). وهي لغة: اسم للقسم. أقيم مقام المصدر، من
قولهم: أقسم أقساما وقسامة.
قال الأزهري: هم القوم الذين يقسمون في دعواهم على رجل أنه قتل
صاحبهم. سموا قسامة بالمسم المصدر، كعدل ورضى.
(وهي) أي: والقسامة في الشرع: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم). والأصل فيها ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج " أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر. فتفرقا في النخل. فقتل عبد الله بن
سهل. فاتهموا اليهود. فجاء أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حيصة ومحيصة إلى النبي ﷺ. فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم. فقال النبي ﷺ كبر كبر. فتكلما في أمر صاحبهما. فقال النبي ﷺ: أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم؛ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؛ قال: فتبرئكم يهود بخمسين
يمينا. قالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؛ قال: فعقله النبي ﷺ من عنده " (^١) . رواه الجماعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه " (٦٧٦٩) ٦: ٠ ٢٦٣ كتاب الأحكام، باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه. وأخرجه مسلم في"صحيحه " (١٦٦٩) ٣: ١٢٩٢ كتاب القسامة، باب القسامه. وأخرجه أبو داود في " سننه" (٤٥٢١) ٤: ١٧٧ كتاب الديات، باب القتل بالقسامه. وأخرجه الترمذي في " جامعه" (١٤٢٢) ٤: ٣٠ كتاب الديات، باب ما جاء في القسامة. وأخرجه النسائي في "سننه" (٤٧١٥) ٨: ٩ كتاب القسامة، ذكر اختلاف الفاظ الناقلين لخبر سهل فيه. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٧٧) ٢: ٨٩٢ كتاب الديات، باب القسامه. واخرجه أحمد في " مسنده " (١٦١٤٠) ٤: ٣.
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من اصحاب
النبي ﷺ من الأنصار" أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية " (^١) .رواه أحمد ومسلم.
قال ابن قتيبة في"المعارف": أول من قضى بالقسامة فى الجاهلية الوليد بن
المغيرة، فأقرها النبي ﷺ في الإسلام (^٢) .
وحيث تقرر أنها دعوى القتل (فلا يكون في) دعوى قطع (طرف، ولا)
في دعوى (جرح)؛لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها. فاختصت بها؛
كالكفا رة.
(وشروط صحتها عشرة):
الأول:) اللوث، وهو: العداوة الظاهرة. وجد معها) أي: مع العداوة
الظاهرة) أثر قتل، أو لا) يعني: أو لم يوجد على الأصح؛ لأن القتل يحصل
بشيء لا أثر له؛ كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وغير ذلك.
ولأن النبي ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ (^٣) .
حتى (ولو) كانت العداوة (مع سيد مقتول) في الأصح؛ لأنه قتل آدمي
يوجب الكفارة. فشرعت القسامة فيه؛ كقتل الحر. ويقسم على الرقيق سيده؛
لأنه المستحق لدمه. وأم الولد في ذلك والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة
كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم.
والعداوة الظاهرة) نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وما بيق القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر)، وكما بين البغاة وأهل العدل، وكما بين الشرطة
واللصوص
_________________
(١) اخرجه مسلم في "صحيحه " (١٦٧٠) ٣: ١٢٩٥ كتاب القسامة، باب القسامة. وأخرجه اخمد في" مسنده" (٢٣٣٣٦) ٥: ٤٣٢.
(٢) في ج زياده: انتهى.
(٣) سبق تخريجه قبل الحديث السابق ص (٣٨٤)
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
ولا يشترط لصحة القسامة مع العداوة الظاهرة: أن لا يكون في الموضع
الذي به القتل غير العدو. نص عليه، لأنه ﷺ لم يسئل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أو لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها، لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلال أملاكهم. واشترطه القاضي.
(وليس مغلب على الظن صحة الدعوى، كتفرق جماعة عن قتيل،
ووجوده) أي: وجود القتل (عند من معه محدد)، كسكين وسيف (ملطخ
بدم) بلوث على الأصح، (و) لا (شهادة من لم يثبت بهم قتل)، كالنساء
والصبيان (بلوث) على الأصح، (كقول مجروح: فلان جرحني) " لقول
أحمد في الذي قتل في الزحام يوم الجمعة: ديته في بيت المال.
وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما، فإن سعيدا روى في
" سننه " عن إبراهيم قال: " قتل رجل في زحام الناس بعرفة. فجاء أهله إلى
عمر. فقال: بينتكم على من قتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين! لا يظل دم
امرئ مسلم. إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال " (^١) .
وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه
شيء في حياته يعني: عداوة. فلم يحصل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث
العداوة، لأن اللوث إنما ثبت بالعداوة بقضية الأنصاري الذي قتل بخيبر.
ولا يجوز القياس عليها، لأن الحكم يثبت بالمظنة. ولايجوز القياس في المظان، لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمه، وغلبة الظنون والحكم بالظنون مختلف ولا يأتلف ويتخبط ولا ينضبط، ويختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص. فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته
بتعديها.
ولأنه يعتبر في التعديه والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى،
ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كترة الاحتمالات وترددها. وقد روى
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٧٥) رقم (٢).
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة " (^١) رواه الدارقطني.
(ومتى فقد) اللوث (وليست الدعوى بـ) قتل (عمد)، بأن كانت بقتل
خطأ أو شبه عمد: (حلف مدعى عليه يمينا واحدة) حيث لا بينة للمدعي؛
كسائر الدعاوي. وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. فإن نكل قضي عليه
بما توجبه الدعوى لو قامت بصحتها بينة.
(ولا يمين في) دعوى قتل (عمد) مع فقد لوث على المذهب.
(فـ) على هذا (يخلى سبيله، وعلى رواية فيها قوة: يحلف. فلو نكل:
لم يقض عليه. بغير الدية).
قال في "التنقيح ": لم يحلف على المذهب المشهور.
وعنه: يحلف يمينا واحدة. وهو أظهر. اختاره المصنف أي: مصنف
"المقنع" وغيره. وقدمه في" الهداية " و" المذهب" و" مسبوك الذهب "
و" المستوعب " و" الخلاصة " و" المحرر " و" الرعا يتين " و" الحا وي "
و" الفروع " وغيرهم.
فإن حلف المدعى عليه برئ، وإن امتنع لم يقض عليه بقود بل بدية.
وقيل: لا تجب. ويخلى سبيله. انتهى كلامه في"التنقيح ".
الشرط (الثاني) من شروط صحة القسامة: (تكليف قاتل) أي: مدعى
عليه (لتصح الدعوى)؛ لأنها لا تصح على صغير ولا مجنون.
الشرط (الثالث) من شروط صحة القسامة: (إمكان القتل منه) أي: من
المدعى عليه، (وإلا) أي: وإن لم يمكنه أن يقتل؛ كما لو قام به مانع من
مرض أو زمانة أو غير ذلك لم تصح عليه دعوى؛ (كبقية الدعاوى). وإن أقام المدعى عليه ببينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول لا يمكنه مجيئه
منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى. قاله في " شرح المقنع ".
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في "سننه " (٥١) ٤: ٢١٧ كتاب في الأقضية والأحكام، في المراه تقتل إذا ارتدت.
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
الشرط (الرابع) من شروط صحة القسامة: (وصف القتل) أي: أن يصف
المدعي القتل (في الدعوى)؛ بأن يقول: جرحه بسيف أو سكين أو غير ذلك
في محل كذا من بدنه، أو خنقه، أو ضربه بمثقل على رأسه أو بطنه أو نحو
ذلك. (فلو استحلفه) أي: استحلف المدعى عليه (حاكم قبل تفصيله) أي:
تفصيل المدعي القتل بالوصف: (لم يعتد به) أي: بحلف المدعى عليه، لعدم
صحة الدعوى.
الشرط (الخامس) من شروط صحة القسامة: (طلب جميع الورثة).
الشرط (السادس: اتفاقهم) أي: اتفاق جميع الورثه (على الدعوى)
بالقتل. (فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضا).
الشرط (السابع: اتفاقهم) أي: اتفاق جميع الورثة (على القتل. فإن
أنكر) القتل (بعض) من الورثة: (فلا قسامة).
الشرط (الثامن) من شروط صحه القسامة: (اتفاقهم على عين قاتل) نصا.
قال في "الفروع ": ويشرط تكليف القاتل لتصح الدعوى وإمكان القتل منه،
وإلا كبقية الدعاوى وصفة القتل. فلو استحلفه الحاكم قبل تفصيله لم يعتد به،
لعدم تحرير الدعوى وطلب الورثة، وكذا اتفاقهم على القتل وعين القاتل. نص
عليه.
وقيل: إن لم يكذب بعضهم بعضا لم يقدح. انتهى.
إذا تقرر هذا (فلو قال بعض) من الورثة: (قتله زيد، و) قال (بعض:
قتله بكر)، أو قال بعض: قتله زيد، وقال بعض: لم يقتله زيد (فلا قسامة)
يعني: لم تثبت القسامه، سواء كان المكذب عدلا أو فاسقا؛ لأنه مقر على نفسه بتبرئه زيد. فقبل منه؛ كما لو ادعى اثنان عينا لهما وكذب أحدهما الآخر. وكذا
إن لم يكذبه بأن قال أحد ولدي القتيل: قتله زيد، وقال الاخر: لا نعلم قاتله؛
لأنهما لم ينفقا على عين القاتل. فلم تثبب القسامة، كما لو كذبه.
ولأن الحق في محل الوفاق إنما ثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ولا
يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان كما في سائر الدعاوي.
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
(ويقبل) من الورثة (تعيينهم) القاتل (بعد قولهم: لا نعرفه).
قال في "الفروع": ويقبل تعيينه بعد قوله لا أعرفه، وفي"الترغيب "
احتمال. انتهى.
الشرط (التاسع) من شروط صحة القسامة: (كون فيهم) أي: في ورثة
القتيل (ذكور مكلفون)، لقول النبي ﷺ؛" يقسم خمسون رجلا منكم
وتستحقون دم صاحبكم " (^١) .
ولأن القسامة حجة يثبت بها قتل العمد. فلم تسمع من النساء، كالشهادة.
ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في
إثباته، وإنما يتبت المال ضمنا فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين وإن كان مقصوده المال.
(ولايقدح غيبة بعضهم) أي: بعض الورثة.
(و) لا يقدح أيضا (عدم تكليفه) أي: عدم تكليف بعضهم بعضا؛ كما لو
كان بعض الورثه صغيرّا أو مجنونا.
(و) لا يقدح أيضا (نكوله) أي: نكول بعض الورثة عن اليمين؛ لأن
القسامة حق له ولغيره. فقيام المانع بصاحبه لا يمنع من حلفه واستحقاقه
نصيبه؛ كالمال المشترك بينهما.
إذا تقرر هذا (فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه) من الأيمان،
(ويستحق نصيبه من الدية) في الأصح؛ لأنه لو كان الجميع حاضرين مكلفين
لم يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان فكذا مع المانع.
(ولمن قدم) من الغائبين (أو كلف) من غير المكلفين، بأن بلغ الصبي أو
عقل المجنون (أن يحلف بقسط نصيبه) من الدية، (ويأخذه)؛ لأنه يبني على
أيمان صاحبه المتقدمة في الأصح.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
الشرط (العاشر) من شروط صحة القسامة: (كون الدعوى على واحد
معين)، لقول النبي ﷺ: " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته " (^١) . فخص بها الواحد.
ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليلة ويبقى على
الأصل فيما عداه.
وبيان مخالفة الأصل بها: أنها ثبتت باللوث، واللوث شبهة مغلبة على
الظن صدق المدعى.
إذا تقرر هذا (فلو قالوا) أي: ورثة القتيل: (قتله هذا مع آخر) فلا
قسامة؛ لأنها لا تكون إلا على واحد، (أو) قالوا: قتله (أحدهما فلا
قسامة)؛لأنها لا تكون إلا على معين.
(ولا يشترط كونها) أي: كون القسامة (بقتل عمد)؛ لأن القسامة حجة
شرعية. فوجب أن يثبت بها الخطأ؛ كالعمد.
(ويقاد فيها) أي: في القسامة: (إذا تمت الشروط) الشرعية المعتبرة
لذلك؛ لقول النبي ﷺ: " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم (^٢) برمته " (^٣) .
وفي رواية لمسلم: " ويسلم إليكم " (^٤) .
والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود.
ولأن القسامة حجة يثبت بها العمد. فيجب بها القود؛ كالبينة. وقد روى
الأثرم بإسناده عن عامر الأحول " أن النبي ﷺ أقاد بالقسامة في الطائف ". وهذا نص في المسألة.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
(٢) في أ: إليه.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٦٦٩) ٣: ٢١٩١ كتاب القسامة، باب القسامة.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
[فصل: فيمن يبدأ في القسامة]
(فصل. ويبدأ فيها) أي: في القسامة (بأيمان ذكور عصبته) أي: عصبه
القتيل (الوارثين) له. ومعنى بدأتهم بالأيمان: أنهم يقدمون بها على أيمان
المدعى عليه، فلا يملك المدعى عليه أن يقول: أنا الذي أحلف مع وجود
شروط القسامة وفي الوارثين عصبة ذكر ولو واحدا.
[وقد علم مما تقدم أن الأيمان تختص بالوارثين دون غيرهم. وهذا على
الأصح؛ لأنها يمين في دعوى حق. فلا] (^١) تشرع في حق غير المستحق،
كسائر الدعاوي.
(فيحلفون خمسين) يمينا (بقدر إرثهم) من المقتول، لأن ذلك حق ثبت
تبعا للميراث. فوجب أن يقسم على قدر ميراثهم، كالمال.
(ويكمل الكسر، كابن وزوج) للمقتول، (يحلف الابن ثمانية وثلاثين)
يمينا، (و) يحلف (الزوج ثلاثة عشر) يمينا. فإن للزوج الربع وذلك من
الخمسين اثنا عشر ونصف، فيكمل النصف فتصير ثلاثة عشر، وللابن الباقي وهو سبعة وثلاثون ونصف فإذا كمل النصف فتصير ثمانية وثلاثين.
(فلو كان معهما) أي: مع الزوج والابن (بنت: حلف زوج سبعة عشر)
يمينا، (و) حلف (ابن أربعة وثلاثين) يمينا.
(وإن كانوا) أي: الوارث (ثلاثة بنين) فقط: (حلف كل) أي: كل
واحد من الثلاثة (سبعة عشر) يمينا.
(وإن انفرد) ذكر (واحد) بالإرث أو كان معه نساء: (حلفها) أي:
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٣٩١ ]
حلف الخمسين يمينا، لأن عدد الخمسين معتبر في ذلك. فلا بد منه؛ كنصاب
الشهادة.
(وإن جاوزوا) أي: جا وز الورثة (خمسين) رجلا: (حلف) منهم
(خمسون، كل واحد يمينا)، لقوله ﷺ: " يقسمون خمسون منكم على رجل
منهم فيدفع إليكم (^١) برمته " (^٢) .
(وسيد) في ذلك (كوارث)، لما تقدم من كون القسامة مشروعه في قتل
القن، كقتل الحر. فإن كان مالكه رجلا واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كان
مشتركا بين رجلين حلف كل واحد خمسا وعشرين يمينا. وهكذا إن كان مالكه
أكثر من رجلين. وإن كان لامرأة فكما لو كان الوارث كلهم نساء كما سيأتي. (ويعتبر) للاعتداد بالأيمان (حضور مدع ومدعى عليه: وقت حلف كبينة
عليه)، ب: كما لو كان لمدعي القتل بينة به فإنهما لا تسمع إلا بمحضر من
المدعى عليه. (لا موالاة الأيمان) على الأصح، (ولا كونها في مجلس).
فلو حلفها من يعتد بحلفه في مجالس أجزأت، كما لو أتى من له بينة في كل
مجلس بشاهد.
(ومتى حلف الذكور) من الوارثين (فالحق) الذي وجب بحلف الذكور،
(حى) لو كان (في) قتل (عمد للجميع) أي: لجميع الورثة من الرجال
والنساء، لأنه حق ثبت للميت. فكان لجميع ورثته، كالدين.
(وإن نكلوا) أي: نكل ذكور العصبة الوارثين عن اليمين، (أو كانوا)
أي: كان الورثة (كلهم خناثى أو نساء: حلف مدعى عليه خمسين) يمينا،
(وبرئ)؛ لقول النبي ﷺ: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " (^٣) . أي: يبرؤن منكم.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١)
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
وفي لفظ قال: " فيحلفون خمسين يمينا ويبرون من دمه " (^١) .
وقد ثبت " أن النبي ﷺ لم يغرم اليهود شيئا وأنه أداها من عنده " (^٢) .
ومحل ذلك: (إن رضوا) بأيمانه.
(ومتى نكل) المدعى عليه عن الخمسين يمينا أو عن بعضها: (لزمته
الدية. وليس للمدعي: إن ردها عليه) أي: رد المدعى عليه اليمين على
المدعي (أن يحلف).
قال في"الفروع ": ولو رد اليمين على المدعي فليس للمدعي أن يحلف.
وفى " الترغيب "على رد اليمين وجهان. وأنهما في نكول عن يمين مع
القود إليها في مقام آخر هل له ذلك لتعدد المقام أم لا لنكوله مرة. انتهى.
(وإن نكلوا) أي: نكل عن اليمين ذكور عصبة القتيل الوارثون، (ولم
يرضوا بيمينه) أي: يمين المدعى عليه القتل، (فدى الإمام القتيل من بيت
المال) وخلى المدعى عليه في الأصح، لأن النبي ﷺ لما لم ترضى الأنصار بيمين اليهود ودى النبي ﷺ الأنصاري من عنده (^٣) .
ولأنه لم يبق سبيل إلى الثبوت، لأن موجبه اليمين من المدعي. ولم يوجد
ما يوجب السقوط، لأنه إنما يسقط بيمين المدعى عليه. فوجب غرم الدية من
بيت المال، لئلا تضيع ديه المعصوم هدرا بغير موجب لسقوطه.
(كميت) أي: كما يفدى من بيت المال ميت مات (فى زحمة؛ كـ) زحمة
(جمعة وطواف). قاله أحمد، وأحتج بما روي في ذلك عن عمر وعلي
رضي الله تعالى عنهما. ومن ذلك ما روى سعيد في " سننه " عن إبراهيم قال:
" قتل رجل في زحام الناس بعرفه. فجاء أهله إلى عمر. فقال: بينتكم على من
قتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين لِلَّهِ لا يظل دم امرئ مسلمء إن علمت قاتله
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦١٤٠) ٤: ٣.
(٢) سيق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٤) رقم (١).
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
وإلا فأعط ديته من بيت المال " (^١) .
ومحل ذلك: إن لم يكن في الزحام من بينه وبين القتيل عداوة بدليل قوله:
(وإن كان قتيلا وثم) بفتح المثلثة أي: وهناك (من بينه) أي: بين القتيل
(وبينه عداوة: أخذ به).
قال في "الفروع": ويفدى ميت في زحمة؛ كجمعة وطواف من بيت
المال، واحتج أحمد بعمر وعلي.
وعنه: هدر.
وعنه: في صلاة لا حج؛ لإمكان صلاته في غير زحام خاليا. ونقل
عبدالله: لا بأس أن يديه السلطان.
قال أبو بكر: فهذا استحباب.
وإن كان قتيلا وتم من بينه وبينه شيء أخذ به. نقله مهنا. انتهى.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٧٥) رقم (٢).
[ ١٠ / ٣٩٤ ]