[الزكاة]: أحد أركان الإسلام ومبانيه المذكورة في قوله ﷺ: " بني الإسلام على خمس- فذكر منها: - وإيتاء الزكاة " (^١).
واشتقاقها لغة: من زكا يزكو إذا نمى وتطهر.
والأصل في هذه التسمية قوله سبحأنه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبه: ١٠٣]. قيل: لأنها تطهر مؤديها من الإثم، لأن التطهير لغة: التنزيه والكف عن الإثم. وتنمي أجرها.
وقال الأزهري: لأنها تنمي الفقراء.
وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: اما الكتاب " فقوله سبحأنه وتعا لى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠].
وأما السنة، فـ " قوله ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (^٢). رواه الجماعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨) ١: ١٢ كتاب الأيمان، باب الإيمان. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦) ١: ٤٥ كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. كلاهما من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٠٩٠) ٤: ١٥٨. كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩) ١: ٥٠ كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام. وأخرجه أبو داود في " سننة " (١٥٨٤) ٢: ١ ٠ ٤ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢٥) ٣: ٢١ كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقه. وأخرجه النسائي في " سته " (٢٤٣٥) ٥: ٢ كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة. وأخرجه ابن ماجه في " سته " (٧٨٣ ١) ١: ٦٨ ٥ كتاب الزكاة، باب فرض الزكاة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠٧١ ٢) ١: ٢٣٣.
[ ٣ / ١٤٧ ]
وأما الإجماع؛ فإن الصحابة ومن بعدهم في جمع الأعصار أجمعوا على وجوبها من غير أن يشذ منهم أحد.
واختلف العلماء هل فرضت بمكة أم بالمدينة؟ وفي ذلك آيات، واختلفوا في آية الذاريات وهي قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [١٩] [هل المراد به الزكاة] (^١)، أو نصيب يوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على الفقراء؟
قال في " الفروع ": ويتوجه أنه الزكاة؛ لقوله في أية سأل ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]. والمعلوم: إنما هو الزكاة لا التطوع.
وذكر صاحب " المغني " و" المحرر " وشيخنا: أنها مدنية. ولعل المراد طلبها وبعث السعاة لقبضها فهذا بالمدينة. ولهذا قال صاحب " المحرر ": إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معأرضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال؛ لقوله: و﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] واحتج في أن الصلاة لا يجب على كافر فعلُها، ويعاقب بها بقوله (^٢): ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]. والسورة مكية. مع أن أكثر المفسرين فسروا الزكاة فيها بالتوحيد. انتهى.
وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي: أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة: " أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات " (^٣) .
وفي " تاريخ ابن جرير الطبري ": أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة.
وقيل: فرضت قبل الهجرة وبينت بعدها.
وأما حد الزكاة في اصطلاح أهل الشرع فهي: (حقُّ واجبٌ في مال خاص)
يأتي بيانه في المتن، (الطائفة مخصوصة). وهم الأصناف الثمانية المذكورة في
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) في أ: لقوله.
(٣) أخرجه الطبرانى في الكبير (٨٨٧) ٨ ١: ٣٨٤.
[ ٣ / ١٤٨ ]
قوله سبحا نه وتعا لى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [الأية] التوبة: ٦٠]. (بوقت مخصوص)
وهو تمام الحول فيما يشترط له الحول، وعند اشتداد الحب فيما تجب فيه الزكاة، وعند بدوّ صلاح الثمار فيما تجب فيه منها، وعند استخراج ما تجب فيه الزكاة من المعادن، وعند حصول ما تجب فيه الزكاة من العسل، وعند غروب الشمس من ليلة الفطر؛ لوجوب زكاة الفطر.
(والمال الخاص) المذكور في الحد: (سائمة بهيمة الأنعام). وهي: الإبل والبقر والغنم الأهليتان.
(و) سائمة (بقر الوحش وغنمه)، لشمول اسم البقر والغنم لهما.
(و) سائمة (المتولد بين ذلك وغيره) أي: بين الأهلى والوحشي في الأصح، كالمتولد بين الظباء والغنم، وبين السائمة والمعلوفة.
(والخارج من الأرض، و) من (النحل، والأثمان، وعر وض التجارة).
ولا تجب الزكاة في غير ما ذكر من الخيل السائمة والرقيق؛ لقوله ﷺ: " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " (^١) .
ولقوله ﷺ: " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " (^٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " إلا زكاة الفطر في الرقيق " (^٣) .
وما روي عن جابر " أن النبي ﷺ قال في الخيل السائمة: في كل فرس دينًار " (^٤): فيرويه غُورك السعدي وهو ضعيف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٧٤) ٢: ١ ٠ ١ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٩٠) ١: ٥٧٠ كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب. كلاهما من حديث علي ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩٥) ٢: ٥٣٢ كتاب الزكاة، باب لي على المسلم في عبده صدقة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٢) ٢: ٦٧٥ كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفر سه.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٩٤ ١) ٢: ٠ ٨ ١ كتاب الزكاة، باب صدقة الرقيق،
(٤) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٤: ١١٩ كتاب الزكاة، باب من رأى في الخيل صدقة.
[ ٣ / ١٤٩ ]
وما روي عن عمر: " أنه كان يأخذ من الرأس عشرة، ومن الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة ": فشيء تبرعوا به، وعوضهم عنه رزق عبيدهم. كذلك رواه أحمد.
ولا يصح قياس ذلك على النَّعَم؛ لكمال نفعها بدمها ولحمها، ووجوب الزكاة في عينها، واعتبار كمال نصابها، وصحة التضحية بجنسها.
وسيأتي الكلام على المال الخا ص إن شاء الله تعالى بابًا بابًا.
(وشروطها) أي: شروط وجوب الزكاة (خمسة. وليس منها) أي: من شروط وجوب الزكاة (بلوغ). فتجب في مال الصغير.
(و) لا (عقل). فتجب في مال المجنون؛ لعموم " قول النبي ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (^١) . رواه الجماعة.
ولفظة: " الأغنياء " تشمل الصغير والمجنون، كما شملتهما لفظة: " الفقراء ". وروى الشافعي في " مسنده " عن يوسف بن ماهك أن النبي ﷺ قال: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تذهبها- أو لا (^٢) تستهلكها- الصدقة " (^٣) . ولا يضرنا كونه مرسلًا؛ لأنه عندنا حجة. وقد رواه الدارقطني مسندا من حديث عبدالله بن عمر (^٤) . لكن من طرق ضعيفة.
ولأنه مذهب جماعة من الصحابة منهم: علي وابن عمر وجابر بن عبدالله وعائشة والحسن بن علي. حكاه عنهم ابن المنذر.
وكذلك رواه مالك في " موطئه "، والشافعي في " مسنده " عن عمر (^٥)،
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٤٧) رقم (٢).
(٢) في ج: ولا.
(٣) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٦١٤) ١: ٢٢٤ كتاب الزكاة. بلفظ: " ابتغوا في مال اليتيم، أو في مال اليتامى لا تذهبها أو لا تستأصلها الزكاة
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢) ٢: ١١٠ باب وجوب الزكاة في مال الصبي واليتيم. بلفظ: " احفظوا اليتامى في أموالهم، لا تاكلها الزكاة "
(٥) أخرجه مالك في " الموطأ " (١٢) ١: ٢١٥ كتاب الزكاة، باب زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها. -
[ ٣ / ١٥٠ ]
ورواه الأثرم في " سننه " عن ابن عباس. ولم يعرف لهم مخالف، وقد فعلوه في أوقات مختلفة، واشتهر ولم ينكر (^١) فصار كالإجماع.
ولأن الزكاة مواساه وهما من أهلها؛ كالمراه. بخلاف الجزية. فإنها لحقن الدم. ودمهما محقون، والعقل للنصرة وليسا من أهلها.
إذا علمت ذلك فالأول من شروط وجوب الزكاة: (الإسلام.
و) الثانى: (الحرية لا كمالها) في المالك (^٢) . (فتجب على مبَّعض بقدر ملكه) أي: ما ملكه بجزئه الحر.
(لا كلافر) أي: فلا تجب على كافر؛ لى " قوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قومًا أهل كتاب. فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإن هم اطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (^٣) . متفق عليه.
فجعل الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة.
ولأنه أحد أركان الإسلام. فلم تجب على كافر؛ كالصيام.
حتى (ولو) كان الكافر (مرتدًا)، سواء حكمنا ببقاء الملك مع الردة أو زواله، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك.
وعنه: تجب على المرتد، لأن الردة لا تزيل ملكه، بل يكون موقوفًا.
والأول المذهب.
ووجهه: عموم قوله سبحأنه وتعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
_________________
(١) = بلفظ: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ". وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٦١٥) ١: ٢٢٤ كتاب الزكاة. بلفظ: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة ". () في ج: ينكره
(٢) في أ: الملك
(٣) سبق تخريجه ص (١٤٧) رقم (٢).
[ ٣ / ١٥١ ]
وقوله ﷺ: " الإسلام يجبُّ ما قبله " (^١) .
وفي كتاب أبي بكر الصديق: " هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها رسوله. فمن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فليُعطِها " (^٢) . وتخصيص المسلمين بالذكر دليل اختصاصهم بالحكم.
ولأن المرتد كافر. فأشبه الأصلي.
(ولا رقيق) يعني: أنه لا تجب الزكاة (^٣) على رقيق، ولو قلنا أنه يملك بالتمليك وهو رواية. (ولو) كان (مكاتبًا)، لأن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة (^٤) .
ولما روى جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ قال: " ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق " (^٥) . رواه الدارقطني.
ولأن تعلق حاجة المكاتب إلى فك رقبته من الرق بماله أشدّ من تعلق حاجة الحر المفلس بمسكنه وثياب بذلته. فكان بإسقاط الزكاة عنه أولى وأحرى.
(ولا يملك رقيق غيره) أي: غير المكاتب (ولو مُلْك) يعني: أن العبد لا يملك شيئًا، ولو ملّكه سيده أياه على أصح الروايتين.
قال أبو بكر: وهو اختياري، وهو ظاهر كلام الخرقي، لأن العبد مال. فلا يملك المال، كالبهائم.
فعلى هذا تكون زكاة المال الزكوي الذي صدر فيه صورة تمليك من سيد لعبده على سيده، لأنه لم يخرج عن ملكه.
(و) الثالث من شروط وجوب الزكاة: (ملك نصاب) لمسلم حر،
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٨٤٦) ٤: ٤ ٠ ٢ من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٨٦) ٢: ٥٢٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم. من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) في ج: يعني أن الزكاة لا تجب.
(٤) في أ: المساواه.
(٥) أخرجه الدارقطنى في " سننه " (١) ٢: ١٠٨ كتاب الزكاة، باب ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق.
[ ٣ / ١٥٢ ]
للنصوص الواردة في ذلك. ولا فرق بين بهيمة الأنعام وغيرها.
ولا يشترط كون النصاب تحديدًا مطلقًا، بل يكون (تقريبًا في أثمان) وهي: الذهب والفضة، (و) في قيم (عروض) التجارة. فتجب الزكاة مع نقص يسير في النصاب، كالحبة والحبتين؛ لأن هذأ لا ينضبط غالبًا فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين (^١) . وهذا لا يُخِلُّ بالمواساة، لأن اليسير لا حكم له في أشياء كثيرة، كالعمل اليسير في الصلاة، وانكشاف العورة، والعفو عن يسير الدم. فكذا هنا.
(و) يشترط كون النصاب (تحديدًا في غيرهما) أي: غير الأثمان وعروض التجارة. فلو نقص نصاب الحب والثمر يسيرًا أو الماشية واحدة لم تجب.
ويشترط كون ملك النصاب (لغير محجور عليه لفلس) ولو قلنا إن الدين لا يمنع الزكاة، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وهذا المذهب الذي عليه القاضي والموفق ومن وافقهما؛ لأن المحجور عليه لفلس ممنوع من التصرف في ماله حكمًا تشبيها لمنع التصرف الحكمي في هذا بمنع (^٢) التصرف الحسي في المغصوب. وإنما وجبت زكاة المغصوب على مالكه إذا قبضه؛ لملكه الرجوع بها على الغاصب؛ لضمأنه ما يجب في (^٣) المغصوب من أرش جنايته وزكاته ونحوهما، لكونه ظالمًا بغصبه. بخلاف حجر الحاكم. وعند أبي المعالي والأزجي: أن في مال المحجور عليه لفلس روايتي المدين (^٤) .
إذا علمت ذلك: فمن كان من أهل الزكاة وفي ملكه نصاب فغُصب منه لم تسقط زكاته بغصبه، ولذلك قلت: (ولو) كان المال الذي تجب فيه الزكاة
_________________
(١) في ج: وساعتين.
(٢) في أ: بمعنى.
(٣) في ج: على.
(٤) في أ: المديني.
[ ٣ / ١٥٣ ]
(مغصوبًا) بيد غاصب، أو بيد من انتقل إليه من الغاصب، أو تالفًا؛ لأنه مال يجوز التصرف فيه بالإبراء منه والحوالة به وعليه (^١)، أشبه الدَّين على المليء. فيزكيه مالكه إذا قبضه لما مضى من السنين على أصح الروايتين.
(ويرجع) مالكه (بزكاته) أي: زكاة الما ل المغصوب (على غاصبـ) ـه؛ لنقص المال بوجوب الزكاة فيه وهو بيده؛ كما لو تلف بيده.
وكذا لو ضل النصاب عن مالكه، ولهذا قلت: (أو ضالًا) فيزكيه مالكه إذا وجده للحول الذي كان الملتقط ممنوعًا من التصرف فيه وهو حول التعريف، (لا زمن ملك ملتقط) وهو ما بعد حول التعريف؛ لأن الضال يدخل في ملك الملتقط بعد حول التعريف حكمًا؛ كالمال الموروث. فيصير كسائر أمواله فيستقبل به حولًا في الأصح ويزكيه (^٢) . نص عليه؛ لوجوب الزكاة عليه بالدخول في ملكه من حين مضي حول التعريف.
(ويرجع) رب المال الضال إذا وجده عند ملتقطه (بها) أي: بالزكاة (على ملتقط أخرجها) أي: أخرج الزكاة (منها) أي: من اللقطة (^٣) . يعني: أن الملتقِط متى أخرج زكاة المال الذي التقطه زمن وجوبها على رب المال - وهو حول التعريف- من عين اللقطة ثم أخذها ربُّها: رجع على الملتقط بما أخرج منها؛ لتعديه بالإخراج لعدم إجزائها عن ربِّها، وإن أخرجها من غيرها لم يرجع على ربها بشيء؛ لما تقدم.
(أو غائبًا) يعني: أن الزكاة تجب في المال الغائب إذا غلب على ظن ربه بقاؤه؛ كالأَبق من عبيد التجارة إذا غلب على ظن سيده حياته.
(لا إن شك في بقائه) بأن شك هل هو حي أو ميت؛ فإن زكاته لا تجب مع الشك.
_________________
(١) في أ: لأنه مال يجوز التصرف فيه بالإبراء والحواله.
(٢) في أ: وزكي.
(٣) في أ: الملتقط، وفي ب: الملتقطة.
[ ٣ / ١٥٤ ]
(أو مسروقًا، أو مدفونًا منسيًا، أو موروثًا جَهلَه) أي: جهل كونه انتقل إليه بالإرث " لعدم علمه بموت مورثه.
(أو) علم ان مورثه مات وجهل الموروث عنه وهو ما خلفه (عند من هو) أي: الموروث (ونحوه) أي: ونحو ذلك، كالموهوب قبل قبضه.
(ويزكِّيه إذا قدَر عليه) يعني: أنه لا يلزم إخراج زكاة ما تقدم من الغائب، والمسروق، والمدفون المنسي، والموروث المجهول، إلا إذا قدر عليه، ولا زكاة الموهوب إلا إذا قبضه.
قال في " الإنصاف " عند قوله في " المقنع ": وفي الدَّين على غير الملي والمؤجَل والمحجور والمغصوب والضائع: روايتان. قال: وكذا لو كان على مماطل، أو كان المال مسروقًا، أو موروثًا، أو غيره أو (^١) جهله، أو جهل عند من هو. وأطلقهما في " الفروع " و" الشرح " و" الرعايتين " و" الحاويين " و" المستوعب " و" المذهب الأحمد " و" المحرر ". إحداهما: كالدين على المليء. فتجب الزكاة في ذلك كله إذا قبضه، وهو الصحيح من المذهب. انتهى.
(أو مرهونًا) يعني: أن الزكاة تجب في المال المرهون.
قال في " الفروع ": ويزكى المرهون على الأصح وفاقًا.
(ويخرجها) أي: يخرج زكاة المرهون (راهن منه) أي: من المرهون (بلا إذن) من المرتهن (إن تعذّرَ غيرُه) أي: أن تعذر إخراجها من غير المرهون، بأن يكون ما عدا المرهون من ماله غائبًا أو مغصوبًا أو نحو ذلك.
قال في " الفروع ": كجناية رهن على ربه (^٢) .
وقيل: منه مطلقًا.
وقيل: إن علقت بالعين.
وقيل: يزكي راهن موسر.
_________________
(١) ساقط من أو ج.
(٢) في ب وج: دينه.
[ ٣ / ١٥٥ ]
(ويأخذ مرتهِن) من راهن (عوض زكاة) أخرجها راهن من الرهن (إن أي سر) راهن بما عدا الرهن، بًان حضر له مال، أو قدر على رفع يد غاصب ماله عنه، أو نحو ذلك.
(أو) كان المال الذي تجب فيه الزكاة (دينًا) على موسر أو معسر على الأصح " لما روي عن علي " أنه قال في الدين الظنون قال: إذا كان صادقًا فليزكه (^١) إذا قبضه لما مضى " (^٢) .
وعن ابن عباس نحوه (^٣) . رواه أبو عبيد (^٤) .
قال في " القاموس ": في مادة " ظن " بالمعجمة: وكصَبور، من الديون: ما لا يُدْرَى أيقْضيه آخذُه أم لا. انتهى.
ولأن الدين على المعسر يجوز التصرف فيه بالبراءة والحوالة. أشبه الدين على المليء.
ولأن ملكه فيه تام. أشبه المودَع المنسي.
ولا فرق في انعقاد الحول على الدين بين كون الدين حالأ أو مؤجلًا، لأن تأجيله تكسب واستنماء برضى ربه واختياره.
ومحل ذلك: إذا كان الدين (غير بهيمة الأنعام) فأنه لا زكاة فيها على رب الدين وفاقًا " لاشتراط السوم فيها. فإن عينت زكيت كغيرها.
(أو) غير (دية واجبة) فإنها لا تزكى وفاقًا، لأنها لم تتعين مالًا زكويًا "
] لأن الإبل في الذمة في الدية] (^٥) أصل، أو أحد الأصول الخمسة.
(أو) غير (دين سَلَم)، لأنه ممنوع من التصرف فيه بحوالة به أوعليه، أو باعتياض عنه. (ما لم يكَن) دين السلم (أثمانًا)، لوجوب الزكاة في عينها.
_________________
(١) في ج: فليزكيه.
(٢) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٢٢٠) ٠ ٣٩ باب الصدقة في التجارات. . .
(٣) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٢٣٧ ١) ص ٣٩٣ الموضع السابق.
(٤) () في أ: أبو عبيدة. وهو تصحيف.
(٥) في ب الجملة هكذا: لأن الدليل في الدية.
[ ٣ / ١٥٦ ]
(أو) يكون (لتجارة)؛ لوجوب الزكاة في قيمة عروضها. وهذا منها.
وحيث قلنا تجب الزكاة في الدين. فأنها تجب (ولو) كان (مجحودًا بلا بينة)؛ لأن جحده لا أثر له في عدم وجوب الزكاة، ولا ضرر على المالك بذلك؛ لأنه لم يجب
إخراج (^١) زكاته (^٢) إلا بعد قبضه.
(وتسقط زكاته) أي: زكاة الدين (إن سقط- قبل قبضه- بلا عوض ولا إسقاط).
ومن أمثلته: لو أصدق رجل امرأة نصابًا من الأثمان فحال الحول وهو في ذمته لها ثم فسخ النكاح لعيب فيها: سقط الصداق وسقطت زكاته؛ لأنه سقط قبل قبضه من غير عوض عنه ولا إسقاط.
وكذا لو تعلق بذمة رقيق دين يبلغ نصابًا وحال عليه الحول ثم ملك رب الدين الرقيق الذي تعلق (^٣) دينه بذمته قبل استيفائه: سقط الدين وسقطت زكاته؛ لسقوطه من غير عوض قبل استيفائه ولا إسقاط عن ربه.
وكذا لو باع طعامًا مكيلًا بكيلٍ أو موزونًا بوزن بمائتي درهم أو عشرين مثقالًا مؤجله في ذمة المشتري وحال عليها الحول، ثم تلف الطعام قبل قبضه، بطل البيع وسقط الثمن وزكاته؛ لسقوطه عن ذمة المشتري، من غير أن يكون عوض ولا إسقاط.
وإن كان البائع قد قبض الثمن وحال عليه الحول ثم تلف الطعام، رد البائع الثمن وكانت عليه زكاته؛ كما لو أسلم إليه نصابًا في طعام ثم تعذر عليه بعد حولان الحول وفسخ العقد؛ لأن (^٤) الزكاة مواساة، ولا تلزم المواساة في شيء تعذر حصوله.
(وإلا) أي: وإن لم يسقط قبل قبضه بلا عوض ولا إسقاط (فلا) تسقط
_________________
(١) في أ: إخراجه.
(٢) في ج: الزكاة.
(٣) في ج: تعلق به.
(٤) في أ: ولأن.
[ ٣ / ١٥٧ ]
زكاته. (فيزكّى) الدين (إذا قُبض، أو أُبرئ منه لما مضى) من السنين. ولا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه، لأن الزكاة إنما وجبت على سبيل المواساة، وليس من المواساة: أن يلزمه إخراج زكاة مال لا ينتفع به. والحوالة بالدين والإبراء منه كقبضه.
(ويجزئ إخراجها) أي: إخراج زكاة الدين (قبل) أي: قبل أن يقبضه لزكاة سن ين، ولو قلنا لا يجوز تعجيل الزكاة لأكثر من سنة، لقيام الوجوب على رب الدين. وعدم إلزامه (^١) بإخراج زكاة الدين قبل قبضه رخصة في حق رب الدين.
(ولو قبض) رب الدين (^٢) من دينه (دون نصاب، أو كان بيده) دون نصاب (وبافيه) أي: باقي النصاب (دين أو غصب أو ضال: زكاة) أي: زكى ما قبضه من الدين مما دون النصاب نصا، وزكى أيضًا ما بيده مما دون النصاب وباقيه دين أو غصب أو ضال في الأصح، لأنه مالك لنصاب ملكا تاما. أشبه ما لو كان النصاب كله بيده.
(وإن زكّت) المرأة (صداقها كلّه) لحولان الحول وهو في ملكها، (ثم تنصّف) الصداق (بطلاقه) أي: طلاق الزوج: (رجع فيما بقي) من الصداق بعدما وجب فيه من الزكاة، (بكل حقه). فلو أصدقها ثمانين مثقالًا من الذهب ومضى عليها حول فأكثر ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفها كله وهو أربعون، وكانت الزكاة من النصف الباقي لها " لقوله تعالى (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) البقرة: ٢٣٧].
ولأنه يمكنه الرجوع في العين. فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم تجب فيه زكاة.
(ولا تجزئها زكاتها منه) أي: من الصداق (بعد) أي: بعد طلاقها. يعني: أن الزوج إذا طلقها بعد الحول وقبل الإخراج لم يكن لها أن تخرج الزكاة بعد طلاقها من الصداق، لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة
_________________
(١) في ج: إلزامها.
(٢) فى ج: المال
[ ٣ / ١٥٨ ]
؟
لا تتعلق به على وجه الشركة. لكن لها أن تخرج الزكاة من غير الصداق، أو يقتسمأنه ثم تخرج الزكاة من حصتها.
(ويزكّي مشتر مَبيعًا متعينًا)، كنصاب سائمة متعين، (أو متميزًا)، كدار اشتراها لتجارة تبلغ قيمتها نصابًا، (ولو لم يقبضه حتى انفسخ) البيع (بعد الحول. وما عداهما) أي: عدا المتعين والمتميز من المبيعات فيزكيه (بائع) يعني: أن المبيع غير المتعين، كأربعين شاة موصوفة في الذمة، أو غير المتميز " كنصف مشاعا في زبرة فضة وزنها أربع مائة درهم فيزكيه البائع.
(و) الشرط الرابع من شروط الزكاة: (تمام الملك ولو) كان الملك التام (في) شيء (موقوف على معين: من سائمة). نص على ذلك. سواء كانت من غنم أو غيرها " لعموم قوله: " في أربعين شاة شاة " (^١) .
ولعموم غيره من النصوص.
ولأن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب. أشبهت سائر أملاكه.
(و) كذا لو كان الملك التام في (غلة أرض، و) غلة (شجر) موقوفين. يعني: أنه لو كانت أرض أو شجر موقوفة على معين فحصل له من غلتها نصاب مما تجب الزكاة فيه (^٢) وجب عليه إخراجها. نص عليه " لأن الزرع والثمر ليسا وقفا بدليل بيعهما.
قال في " الفروع ": وقيل: تجب مع غنى الموقوف عليه. جزم به أبو الفرج والحلوانى وابنه وصاحب " التبصرة "، ولعله ظاهر ما نقله علي بن سعيد وغيره. انتهى.
(و) إذا حال الحول على السائمة الموقوفة فإنه) يخرج) زكاتها (من غير
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٧٢ ١) ٢: ٩٩ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢١) ٣: ١٧ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم. أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨ ٠ ٧) ١: ٥٧٨ كتاب الزكاة، باب صدقه الغنم
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٥٩ ]
؟
السائمة) الموقوفة، ولا يجوز أن يخرج منها لمنع نقل الملك في الوقف. وحيث علمت أن تمام الملك من شروط وجوب الزكاة؛ لأن الملك الناقص ليس بنعمة تامة، وإنما تجب الزكاة في مقابلة النعمة التامة، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به حق غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، و" فوائده " حاصلة له، (فلا زكاة) على سيد مكاتب (في دين كتابة)؛ لنقص ملكه فيه. ودليل نقصه: أنه لا يستقر في الذمة بحال؛ لعدم صحة الحوالة عليه، وعدم صحة ضمأنه على الأصح؛ لأن المكاتب يملك إبطاله متى شاء بتعجيز نفسه، وامتناعه من الأداء.
(و) لا زكاة أيضًا في (حصة مضارب قبل قسمة ولو ملكت بالظهور) في الأصح؛ لنقصان ملكه بعدم استقراره؛ لأنه وقآية لرأس المال. بدليل: أنه لو خسر المال بقدر ما ربح لم يكن للمضارب شيء.
ولأنه ممنوع من التصرف في حصته. فلم يكن فيها زكاة؛ كمال المكاتب.
ولأن ملكه لو كان تامًا لاختص بربحه؛ كما لو اقتسما ثم خلطا المال.
(ويزكِّّي رب المال حصته) من الربح. نص عليه؛ (كالأصل) تبعا له.
فمن دفع إلى رجل ألفًا مضاربةٌ على أن الربح بينهما نصفين. فحال الحول وقد ربح ألفين فعلى رب المال زكاة ألفين.
(وإذا أدّاها) أي: أدى رب المال زكاة مال المضاربة (من غيره) أي: من غير مال المضاربة (فرأس المال باق، و) إن أدى زكاة مال المضاربة (منه) فإن الزكاة (تحسب من اصل المال، و) من (قدر حصته) أي: حصة رب المال (من الربح).
قال في " الإنصاف " على الصحيح، قدمه في " الفروع ". وقال: ذكره القاضي وتبعه صاحب " المستوعب " و" المحرر " وغيرهما. فينقص ربع عشر رأس المال. انتهى.
يعني: مع ربع عشر حصة ر ّب المال من ر بح المال، ولا يصح أن تحسب كلها من رأس المال؛ لوجوب الزكاة على رب المال في حصته من ربحه تبعًا لأصله.
[ ٣ / ١٦٠ ]
(وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال بلا إذنه). نص عليه فيضمنها. (ويصح شرط كل منهما) [يعني: ويصح أن يشرط رب المال وكذا العامل إن قلنا بالوجوب] (^١) (زكاة حصته من الربح على الآخر)؛ لأنه كأنه شرط لنفسه نصف الربح (^٢) وثمن عشره.
(لا) شرط (زكاة رأس المال أو بعضه من الربح)؛ لأنه قد يحيط بالربح فهو كشرط فضل دراهم.
سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا. الزكاة على رب المال.
(وتجب) الزكاة (إذا نذر الصدقة) أي: على من نذر الصدقة (بنصاب أو بهذا النصاب، إذا حال الحول) بأن يقول: لله عليَّ أن أتصدق بنصاب إذا حال الحول، أو يقول: لله عليَّ أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال الحول. فإذا حال الحول (^٣) وهو في ملكه وجبت زكاته في الأصح، ويجزئ إخراجها منه.
(ويبرأ) رب النصاب (^٤) (من زكاة ونذر، بقدر ما يخرج منه) أي: من النصاب الذي نذر الصدقة به، إذا حال الحول (بنيته) أي: بنية رب المال بالإخراج (عنهما) أي: عن النذر والزكاة؛ لكون كل منهما صدقة، كما لو نوى بالصلاة الراتبة والتحية.
(لا في) نصاب (معين نذر أن يتصدق به) بأن قال: لله عليَّ أن اتصدق بهذا، أو قال: هو صدقة ولم يقل فيهما (^٥) إذا حال الحول. يعني: أنه لا زكاة فيه؛ لزوال ملكه أو نقصه. وعند ابن حامد: تجب. فقال في قوله: إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة فشفي ثم حال الحول قبل
_________________
(١) في االجملة هكذا: أي من رب المال والعامل.
(٢) في أ: المربح.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: المضارب.
(٥) في ب: عنهما.
[ ٣ / ١٦١ ]
الصدقة: وجبت الزكاة.
(و) كذا لا زكاة في (موقوف على غير معين).، كعلى الفقراء، (أو) موقوف على (مسجد).
قال في " الفروع ": ولا زكاة في وقف على غير معين أو على المساجد والمدارس والربط ونحوها، خلافًا لمالك.
قال أحمد في أرض موقوفة على المساكين: لا عشر، لأنها كلها تصير
إليهم. انتهى.
(و) لا زكاة في (غنيمة مملوكة) إذا كانت أجناسًا وفاقًا؛ لأن للإمام أن
يقسم بينهم قسمة تحكم. فيعطي كل واحد منهم من أيّ الأصناف شاء فما (^١) تم ملكه على معين. بخلاف الميراث.
(إلا) إن كانت الغنيمة (من جنس) واحد.
قال في " الفروع ": وإن كانت صنفًا فكذلك عند أبي بكر والقاضي.
والأشهر ينعقد الحول عليها (إن بلغت حصة كل واحد نصابًا، وإلا) أي:
وإن لم تبلغ حصة كل واحد نصابًا (انبنى على الخُلطة)، ولا يخرج قبل القبض كالدين. انتهى.
(ولا) تجب الزكاة (في) مال (فيء، و) لا في مال (خمس)، لأن
ذلك يرجع إلى صرفه في مصالح المسلمين.
(و) لا في (نقد موصى به في وجوه بر، أو) نقد (يُشترى به وقف ولو
رَبَح. والر بح كأصل).
قال في " الفروع ": ومن وصى بدراهم في وجوه البر، أو ليشترى بها ما يوقف فاتجر بها الوصي. فربحه مع المال فيما وصى به، ولا زكاة فيهما، ويضمن إن خسر. نقل ذلك الجماعه.
وقيل: ربحه إرث. انتهى.
_________________
(١) في ج: كما.
[ ٣ / ١٦٢ ]
؟
(ولا) زكاة (في مال من عليه دين ينقص النصاب)، سواء كان النصاب من الأموال الباطنة " كالأثمان وقيم عروض التجارة، أو من الأموال الظاهرة " كالمواشي والحبوب والثمار على الأصح، لما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: " هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم " (^١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ".
وفي لفظ: " من كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقيه ماله " (^٢) . وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه.
ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغِنى.
والمدين محتاج إلى قضاء دينه، كحاجة الفقراء وأشد. وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لدفع حاجة غيره.
ولا فرق بين الدين الحالّ والمؤجل. ذكره السامري. قال: ولم يفرق أصحابنا، وهو ظاهر ما في " الفروع " وهو قوله.
وعنه: يمنعها الدين الحالّ خاصة. جزم به في " الإرشاد " وغيره.
وعنه: لا يمنع الدين وجوب الزكاة مطلقًا وفاقًا للشافعي.
وعلى المذهب: وهو كون الدين يمنع وجوب الزكاة فأنه يمنع (ولو) كان الدين (كفارة ونحوها)، كنذر، أو كان الدين زكاة من جنس ما وجبت فيه، (أو زكاة غنم عن إبل) (^٣) أو غير ذلك من ديون الله تعالى، لأنه دين يجب قضاؤه فمنع كدين الآدمي. وقد قال ﷺ: " دين الله أحق أن يقضى " (^٤) . وهذا المذهب.
_________________
(١) () أخرجه ما لك في " الموطأ " (١٧) ١: ٢١٦ كتاب الزكاة، باب الزكاة في الدين وأخرجه أبو عييد في " الأموال " (١٢٤٧) ٣٩٥ باب الصدقة في التجارات والديون. . . .
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٤٨ كتاب الزكاة، باب الدين مع الصدقة
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٨) ٢: ٨٠٤ كتاب الصيام، باب قضاءالصيام عن الميت.
[ ٣ / ١٦٣ ]
؟
وقيل: إن دين الله لا يمنع؛ لتعلقها بالعين.
قال في " الفروع " في مسألة هل وجبت الزكاة في العين أو في الذمة: فعلى النص: لو لم يكن له سوى خمس من الإبل ففي امتناع زكاة الحول الثاني لكونها دينًا الخلاف.
وقال القاضي في " الخلاف ": في هذه المسألة: لا تلزمه " لأن أحمد علل في المال بأنه إذا أدى منه (^١) نقص فاقتضى ذلك أنه إذا (^٢) أدى من الغنم ما يحصل عليه به دين لم يلزمه " لأن الدين يمنع وجوب الزكاة. وحمل كلام أحمد على أن عنده من الغنم ما يقابل الحولين. انتهى.
وعلى المذهب: فيستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (إلا ما) أي: إلا دينًا (بسبب ضمان) " لعموم كونه فرع أصل في لزوم الدين. فاختص المنع بأصله " كمن غصب الفًا ثم غصبه منه آخر واستهلكه، ولكل واحد (^٣) منهما ألف، فإن الزكاة تمتنع بذلك في ألف الغاصب الثانى دون الأول مع تمكن المالك من مطالبة كل من الغاصبين.
ولأن منع الدين قي أكثر من قدره إجحاف بالفقراء. وتوزيعه على الجهتين لا قائل به فتعين مقابلته بجهة الأصل؛ لترجحها. لا سيما إذا كان الضامن ممن يرجع (^٤) إذا أدى؛ لأنه حينئذ يكون في معنى الغاصب الذي [لا قرار] (^٥) عليه.
(أو) دينًا بسبب مؤونة (حصاد، أو جذاذ، أو دِيَاس ونحوه).
قال في " الفروع " في باب زكاة الزرع والثمر: ولا ينقص النصاب بمؤونة حصاد ودياس وغيرهما منه؛ لسبق الوجوب.
وقال صاحب " الرعاية ": يحتمل ضده؛ كالخراج. انتهى.
_________________
(١) في ج: عنه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: يرجى.
(٥) في ج: يرجى.
[ ٣ / ١٦٤ ]
(ومتى بَرئ) المدين من الدين بأن قضاه من مال مستحدث، أو أبرأه رب الدين منه (ابتدأ حولًا) من حين برئ؛ لأن ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول وقطعه. وهذا المذهب.
وعنه: يزكيه وفاقًا لمالك. فيبنى إن كان فى أثناء حول. وبعده يزكيه في الحال.
(ويمنع ارش جناية عبد التجارة، زكاة قيمته)؛ لأنه وجب جبرًا لا مواساة (^١) . بخلاف الزكاة.
قال في " الفروع ": وجعله بعضهم كالدين.
(ومن له عَرض قُنيةٍ يباع لو أفلس) أي: لو حجر عليه لفلس وعليه دين، والعرض (يفي بدينه)، ومعه مال زكوي (جُعل) الدين (في مقابلة ما معه) من المال الزكوي، (ولا يزكيه) وفاقًا لأبي حنيفة؛ لئلا تختل المواساة.
ولأن عرض القنية كملبوس في أنه لا زكاة فيهما. فكذا فيما يمنعها. وهذا المذهب.
وعنه: يجعل الدين في مقابل العرض ويزكي ما معه من المال الزكوي.
ومحل الخلاف: فيما إذا لم يمكن العرض للتجارة.
(وكذا) أي: وكالمسألة المتقدمة (من بيده ألف، وله) دين (على مَليء الف، وعليه) دين (الف) فإن الدين الذي عليه يجعل في مقابل ما بيده. فلا يزكيه، وأما الدين الذي له فيزكيه إذا قبضه.
(ولا يمنع الدين خُمس الركاز)؛ لأنه لا يشترط له نصاب ولا حول.
(و) الشرط الخامس من شروط وجوب الزكاة: (لأثمان وماشية وعروض تجارة: مُضِيّ حول) عملى نصاب تام، وفاقًا للأئمة الثلاثة، رفقًا بالمالك، وليتكامل النماء فيواسي منه.
_________________
(١) في أ: مساواة.
[ ٣ / ١٦٥ ]
والفرق بين ما ذكر وبين بقية اموال الزكاة: أن الأثمان وعروض التجارة
ترصد للربح، والماشية ترصد للدر والنسل. فاعتبر الحول لكل من ذلك،
لكونه مظنة النماء (^١)، ليكون إخراج الزكاة من الربح فإنه أسهل وأيسر.
ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة ولم تعتبر حقيقة النماء " لكثرة اختلافه،
وعدم ضبطه.
ولأن ما اعتبرت مظنته (^٢) لم يلتفت إلى حقيقته، كالحكم مع الأسباب.
ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال. فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضى إلى
تعاقب الوجوب في الزمن الواحد فيفنى مال المالك.
اما الزرع والثمار والعسل والمعدِن فهذه نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة منها
عند وجودها، ثم لا تجب (^٣) فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها للنماء. إلا أن الخارج من المعِدن إن كان من جنس الأثمان وجبت فيه الزكاة عند كل حول، لأنه مظنة للنماء من حيث: أن الأثمان قيم الأموال، ورؤوس مال التجارات، وبها تحصل المضاربة والشركة، وقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
ينفي اعتبار الحول
في الحبوب والثمار. والمعِدن والعسل والركاز فبالقياس على الحبوب.
(ويُعفَّى فيه) أي: في الحول (عن نصف يوم).
قال في " تصحيح الفروع ": وهو الصحيح. انتهى.
وقيل وعن يوم.
وقيل: ويومين.
وفي " الروضة ": وأيام.
(لكن يستقبل بصداق وأجرة وعوض خلع معيّنين) مَن وجب له الصداق
_________________
(١) في ج: للنماء.
(٢) في ج: مظنة.
(٣) في أ: تجد.
[ ٣ / ١٦٦ ]
المعين، أو الأجرة المعينة، أو عوض الخلع المعين، (ولو قبل قبض) حولًا (من عقد).
قال في " شرح الهداية ": هذا نص أحمد. انتهى.
لثبوت الملك في غير ذلك بمجرد العقد. فينفذ فيه تصرف من وجب له.
(و) يستقبل (بمبهم من ذلك) أي: من صداق وعوض خلع من وجب له
حولًا (من) حين (تعيين)؛ كما لو اصدقها أحد هذين النصابين من الذهب أو الفضة أو السائمة في رجب مثلًا. فلم يعين إلا في المحرم. فأول (^١) حوله حين تعيينه، وكذا لو خالعته عليه؛ لأنه لا (^٢) يصح تصرف المنتقل إليه فيه قبل تعيينه.
(ويَتبع نتاجَ السائمة) الأصلّ في حوله. وهو الأمات إن كانت نصابًا.
قال في " الفروع ": كذا يقال أُّما ت، وإنما يقال أمهات في بنات آدم فقط.
واستعمل الفقهاء الأمهات في المواشي أيضًا، وهو غلط. كذا ذكره بعضهم.
وقول الفقهاء لغة أيضًا، ويقال في بنات (^٣) آدم [امهات. وفيه لغة] (^٤) أُّمات. انتهى.
(و) يتبع (ربح التجارة) أيضًا (الأصل) وهو رأس المال (في حوله) أي: في حول أصله: (إن كان) الأصل (نصابًا) لتبع النتاج والربح في الملك حين ملكا بملك الأصل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الأصل نصابًا (فحول الجميع) وهو النتاج والأمات أو رأس المال وربحه (من حين كَمُلَ) النصاب. فلو ملك ثلاثين من الغنم فولدت شيئًا بعد شيء فحول الجميع من حين كملت (^٥) أربعين.
_________________
(١) في ج: وقال.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: بني.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في ج: كمل.
[ ٣ / ١٦٧ ]
؟
ولو ملك ثمانية عشر مثقالًا من الذهب فربحت شيئًا بعد شيء فحولها من حين كملت عشرين مثقالًا.
أما كون نتاج السائمة تابعًا لأماته " فلقول عمر: " اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم " (^١) . رواه مالك.
ولقول علي: " عد عليهم الصغار والكبار ". ولا يعرف لهما مخالف.
ولأن السائمة تختلف وقت ولادتها فإفراد كل واحدة يشق. فجعلت تبعًا لأماتها.
ولأنها تابعة لها في الملك فتتبعها في الحول. فلو ماتت واحدة من الأمات فنتجت سخلة انقطع. بخلاف ما لو نتجت ثم ماتت.
وأما ربح التجارة ففي معنى ذلك. فيكون مثله حكمًا.
(و) أما (حول صغار) من إبل أو بقر أو غنم فـ (من حين ملك كـ) حول (كبار) على الأصح، لعموم قوله ﷺ: " في خمس من الإبل شاة " (^٢) .
ولأن السخال تُعد مع غيرها. فتعد منفردة، كالأمات.
(ومتى نقص) النصاب مطلقًا، (أو بيع) بالبناء للمفعول بيعا صحيحًا ولو مع خيار، (أو أُبدل ما) أي نصاب (تجب) الزكاة (في عينه بغير جنسه)، كإبدال خمسة وعشرين فأكثر من إبل سائمة بثلاثين فأكثر من بقر سا ئمة، أو بأربعين فأكثر من غنم سائمة.
واحترز بقوله: ما تجب في عينه عما تجب في قيمته وهو عروض التجارة.
(لا) إن نقص النصاب أو باعه أو أبذله (فرارًا منها) أي: لئلا تجب عليه زكاة: (انقطع حوله) أي (^٣): حول النصاب.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " (٢٦) ١: ٢٢٣ كتاب الزكاة، باب ما جاء فيما يعتد به من السخل في الصدقة.
(٢) سيأتي تخريجه ص (١٩٢) رقم (٣). من حديث أبن عمر ﵄.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٦٨ ]
؟
أما كون الحول ينقطع بالنقص والبييع والإبدال لا فرارًا من الزكاة؛ فلأن
وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة وفاقًا.
وأما كون ذلك إذا فعله فرارًا من الزكاة لا تسقط؛ فلقوله سبحأنه وتعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. ثم عاقبهم الله تعالى بذلك؛ لفرارهم من الصدقة.
ولأنه قصد إسقاط نصيبٍ مَن انعقد سبب استحقاقه. فلم يسقط؛ كما لو طلق (^١) امرأته في مرض موته.
ولأنه لما قصد قصدًا فاسدًا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده؛ كمن قتل
مورثه لاستعجال ميراثه، عاقبه الشرع بالحرمان.
ويستثنى من انقطاع الحول فيما إذا أبدل النصاب بغير جنسه لا فرارًا من
الزكاة ما أشير إليه بقوله:
(إلا في) إبدال (ذهب بفضة، وعكسه)؛ كإبدال فضة بذهب؛ لأنه يُضم
بعض كل منها إلى الآخر في تكميل النصاب. فإن الحول لا ينقطع.
(ويُخرج) من وجبت عليه زكاة ذلك (مما معه) عند وجوب الزكاة من
ذهب أو فضة. قدّم ذلك في " الفروع "، ثم قال: وذكر القاضي في " شرح المذهب ": يخرج مما ملكه أكثر الحول.
قال ابن تميم: نص أحمد على مثله. انتهى.
(و) إلا (في اموال الصيارف) يعني: فلا ينقطع الحول بإبدالها؛ لئلا يفضي القول بانقطاع الحول إلى سقوط الزكاة في مال ينمو، ووجوب الزكاة فيما لا ينمو. وأصول الشرع تقتضي العكس.
(لا بجنسه) يعني: أنه لا ينقطع الحول بإبداله نصاب تجب الزكاة في عينه بجنسه. نص عليه؛ لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول. فبني حول بدله من
_________________
(١) في أ: أطلق.
[ ٣ / ١٦٩ ]
؟
جنسه على حوله، كالعروض.
(فلو أبدله بأكثر زكّاة) أي: زكّى الأكثر (إذا تم حول) النصاب (الأول، كنتاج).
قال أحمد بن سعيد: سًالت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم، أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟
قال: بل يزكيها كلها (^١) على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي، لأن نماءها معها.
قلت: فإن كانت للتجارة.
قال: يزكيها كلها على حديث حماس (^٢) .
فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مائتان فباعها بمائة فعليه زكاة مائة.
(وإن فرَّ منها) أي: من الزكاة إنسان بالتحيّل على إسقاطها (لم تسقط بإخراج) أي: إخراج النصاب (عن ملكه) في أثناء الحول، ولا بإتلاف جزء من النصاب لينقص (^٣) النصاب. فلا تسقط عنه الزكاة، لأن الزكاة أحد مباني الإسلام، ومن أفضل العبادات. فلو قلنا بسقوطها بالفرار منها كان ذلك ذريعة إلى إسقاطها جملة لما بنيت عليه النفوس من الشح.
(و) متى كان إخراج النصاب الذي انعقد سبب استحقاق أهل الزكاة فيه عن ملكه ببيع فأنه (يُزكى من جنس) النصاب (المبيع لذلك الحول) الذي فر من وجوب الزكاة عليه فيه، لأنه (^٤) الذي وجبت الزكاة بسببه.
(وإن ادعى عدمه) أي: عدم الفرار من الزكاة (وثَم) بفتح المثلثة (قرينة)
تدل على الفرار: (عُمل بها) أي: بالقرينة. ولم يقبل قوله في عدم الفرار من الزكاة
_________________
(١) في أ: قال يزكيها.
(٢) سيًا نى ذكر حديث حماس وتخريجه ص: (٢٦٤).
(٣) في ج: لنقص.
(٤) في أ: لأن.
[ ٣ / ١٧٠ ]
(وإلا) أي: وإن لم تكن قرينة (قُبل قولُه) أي: قول المالك أنه لم يقصد بفعله الفرار من الزكاة.
(وإذا مضى) الحول (وجبت) الزكاة (في عين المال) في أصح الروايتين. والمراد بالمال الذي تجب (^١) الزكاة في عينه: هو المال الذي لو دفع زكاته منه أجزاته؛ كالذهب والفضة والبقر والغنم السائمة، وما بلغ من سائمة الإبل خمسًا وعشرين فصاعدًا، وكالحبوب والثمار المتعلقة بها الزكاة، وكالعسل والمعدن من أحد النقدين. وهذا المذهب.
قال في " الفروع ": نقله واختاره الجماعة.
قال الجمهور: هذا ظاهر المذهب، حكاه أبو المعالي وغيره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي.
وعنه: تجب في الذمة. اختاره الخرقي وأبو الخطاب وصاحب " التلخيص ". انتهى.
ووجه المذهب: قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعًارج: ٢٤]. وقوله ص: " فيما سقت السماء العشر " (^٢) .
وقوله ﷺ: " في أربعين شاة شاة " (^٣) .
وقوله ﷺ: " هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا درهم " (^٤) .
و" في " للظرفية (^٥) بطريق الأصالة. و" من " للتبعيض.
ولأن الزكاة حق يسقط بهلاك المال في بعض الأحوال. فأشبه أرش جناية العبد المتعلقة برقبته إذا مات قِنًّا من غير فعل آدمي. وهذا الوصف متفق عليه في الدَّين إذا سقط من غير إبراء ولا عوض، والزرع والثمر إذا تلفا قبل الحصاد
_________________
(١) في ج: تحسب.
(٢) سيأتي تخريجه ص (٢١٨) رقم (١).
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٩) رقم (١).
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٣٢) ١: ١٤٥. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١١٧ كتاب الزكاة، باب لا صدقة في الخيل.
(٥) في أ: الظرفية.
[ ٣ / ١٧١ ]
؟
والجذاذ بغير تعد من المالك.
ولأن الزكاة لو وجبت في الذمة دون العين لوجب إخراج زكاة الدَّين قبل قبضه، وزكاة الزرع والثمر قبل جعلهما في الجرين. وبالإجماع: لا يجب ذلك. ولأن الزكاة تختلف باختلاف أجناس المال وصفاته حتى وجب في الجيد والوسط والردئ ما يليق به. فعلم أنها متعلقة بعينه لا بالذمة، تحقيقا لمعنى المواساة فيها. وعكس ذلك زكاة الفطر.
وأما جواز إخراجها من غير عين ما وجبت فلا يمنع تعلقها بالعين " كما قلنا في العبد الجاني إذا فداه سيده، وفي بنت مخاض إذا عدل عنها إلى بنت لبون، وكذلك كون الفقراء لا حق لهم في النماء. بدليل: ما إذا ولدت الأمة (^١) الجانية، أو كسب العبد الجاني.
إذا تقرر هذا (ففي نصاب)، كأربعين شاة أو ثلاثين بقرة مثلًا (لم يُزّكَّ) أي: لم تؤد زكاته (حولين أو أكثر زكاة واحدة) أي: زكاة عام واحد، ولو كان يملك مالًا كثيرًا من غير جنس النصاب الذي وجبت الزكاة في عينه ولم يكن عليه دين.
قال في " التنقيح ": وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فزكاة واحدة إن قلنا تجب في [العين، وزكاتان إن قلنا تجب في] (^٢) الذمة. اطلقه الإمام أحمد.
وقيل: إلا إذا قلنا دين الله يمنيع زكاة واحدة، وعليه الأكتر، وهو أظهر. انتهى.
وقوله: وقيل: هو المعتمد؛ لأن الزكاة تعلقت فى الحول الأول من النصاب بقدرها. فلم تجب فيه فيما بعد الحول الأول زكاة؛ لنقصه عن النصاب. وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة فأنه قال في رواية محمد بن الحكم: إذا كانت الغنم أربعين فلم يأته المصدق عامين فإذا أخذ شاة فليس عليه شيء في الباقي.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٧٢ ]
وقال في رواية صالح: إذا كان عند الرجل مائتا درهم فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر يزكيها للعام الأول؛ لأن هذه تصير مائتين غير خمسة دراهم. وقال في رجل له ألف درهم فلم يزكها آخر (^١) سنتين: تزكى في أول سنة خمسة وعشرين، ثم كل سنة بحساب ما بقي.
(إلا ما زكاته الغنم) أي: إلا ما يجب أن يخرج عنه (^٢) غنم (من) نصاب (الإبل)؛ كمن عنده خمس من الإبل سائمة مضى عليها أحوال. فإن لم يكن له مال غيرها في تلك السنين الماضية لم يجب عليه غير شاة واحدة لأول سنة مضى عليها؛ لما تقدم من أن دين الله سبحأنه وتعالى المنقص للنصاب يمنع وجوب الزكاة.
وأما وجوبها في الحول الأول؛ فلأنه لم يكن عليه دين. لكن لما لم يخرجها صارت دينًا في ذمته. فمنعت الوجوب فيما بعد الحول الأول.
وإن كان له مال غير الإبل الخمسة (^٣): (فعليه لكل حول) من الأحوال الماضية (زكاة). نص عليه؛ وذلك لأن الفرض يجب من غير المال المزكى. فلا يمكن تعلقه بعينه.
فعلى هذا لو ملك خمسًا وعشرين من الإبل فحالت عليها أحوال فعليه للحول الأول بنت مخاض، وعليه لكل حول بعده أربع شياه، ولو بلغت قيم الشياه الواجبة أكثر من خمس من (^٤) الإبل.
(وما زاد على نصاب) مما الزكاة واجبة في عينه، (يُنقص من زكاته كلَّ حول) مضى، (بقدر نقصه بها) أي: بالزكاة؛ لأنها لما وجبت في العين نقص من المال بقدر الزكاة؛ لتعلقها به. فوجب أن لا تجب فيه زكاة؛ لكونه مستحقًا للفقراء. فوجب أن ينقص من الجميع مقدار زكاة النقص الذي تعلقت به الزكاة. فعلى هذا لو كان له أربعمائة درهم من الفضة وجب فيها لحولين مضيا تسعة
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) في أ: عن.
(٣) في ب وج: الخمس.
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٧٣ ]
؟
عشر درهمًا ونصف درهم وربعه؛ لأن تعلق قدر الواجب في الحول الأول بالمال عشرة دراهم فينقصها في الحول الثانى فيبقى ثلاثمائة درهم (^١) وتسعون درهما، زكاتها تسعة دراهم ونصف درهم وربعه.
(وتعلُقها) أي: تعلق الزكاة بالنصاب الذى وجبت في عينه (كأرش جناية) أي: كتعلق أرش الجناية برقبة الجانى. (لا كدين برهن) أي: لا كتعلق الدين بالعين المرهونة عليه، (أو بمال محجور عليه) أي: ولا كتعلق دين الغرماء بمال المحجور عليه (لفلس، ولا) كـ (تعلُق شركة) فلا يصير الفقراء شركاء في عين النصاب.
(فـ) يتفرع على ذلك: أن (له) أي: للمالك (إخراجها) أي: إخراج الزكاة (من غيره) أي: من غير النصاب، كما أن لمالك الجانى إعطاء أرش الجناية من غير ثمن الجاني.
(والنماء بعد وجوبها) أي: وجوب الزكاة في عين النصاب اله) أي: للمالك. فلا تتعلق الزكاة بما نتجته السائمة بعد الحول؛ كولد الجانيه. فإنه لا يتعلق به أرش الجناية.
(وإن اتلفه) أي: أتلف النصاب المالك (لزمه ما وجب فيه) أي: في النصاب من الزكاة. (لا قيمته) أي: قيمة النصاب، كذلك لو قتل العبد الجاني مالكه فأنه يلزمه ما وجب بالجناية، لا قيمة العبد.
(وله) أي: ولمالك النصاب الذي وجبت الزكاة في عينه (التصرف) فيه (ببيع وغيره)؛ كهبة وإصداق وسؤال خلع عليه ونحو ذلك.
(ولا يرجع بائع) النصاب (بعد لزوم بيع) فيه (في قدرها) أي (^٢): قدر الزكاة، (إلا إن تعذر غيره) أي: [تعذر على البائع] (^٣) إخراج الزكاة من غيره. كذلك لو باع الجاني مالكه ولزم البيع ليس له الرجوع في قدر ما يقابل أرش
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: أي في.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٧٤ ]
؟
الجناية، إلا إن تعذر دفعه من غيره.
(و) متى رجع البائع في قدر الزكاة لتعذر دفعها من غير المبيع كان (لمشتر الخيار) في فسخ البيع، لتبعض (^١) الصفقة في حقه.
(ولا يعتبر) لوجوب الزكاة (إمكان أداء) على الأصح. فيجب على مالك نصاب بحولان الحول، وإن لم يتمكن من أدائها، لقول النبي ﷺ: " لا زكاة في مال، حتى يحول عليه الحول " (^٢) . فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول مطلقًا. ولأنها حق للفقير. فلم يعتبر فيها إمكان الأداء " كدين الآدمي.
ولأنه لو اشترط إمكان الأداء لم ينعقد الحول الثانى حتى يتمكن من الأداء. وليس كذلك، بل ينعقد عقب (^٣) الأول إجماعًا.
ولأنها عبادة. فلا يشترط لها إمكان الأداء، كبقيه العبادات. فإن الصوم يجب على المريض، والعاجز عن أدئه، وعلى الحائض. والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم، ومن أدرك من أول الوقت جزءًا لا يمكنه الأداء فيه ثم جن أو حاضت المرأة.
(ولا) يعتبر لوجوبها أيضًا (بقاء مال) وجبت في عينه على الأصح " لأن الزكاة عين تلزمه مؤونة تسليمها إلى مستحقها. فضمنها بتلفها في يده " كعارية وغصب ومقبوض بسوم. فرط أو لم يفرط، لأنها حق ادمي، أو مشتملة عليه. فلا تسقط بعد وجوبها، كدين الآدمي.
_________________
(١) في ب: لتبعيض.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٧٣ ٥ ١) ٢: ٠٠ ١ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٣١) ٣: ٢٥ كتاب الزكاة، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٩٢) ١: ٥٧١ كتاب الزكاة، باب من استفاد مالًا. قال في " الزوائد ": إسناده ضعيف لضعف حارثة بن محمد، وهو ابن أبي الرجال. قال السدي: قلت: لفظه: " من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول ". رواه ابن عمر مرفوعًا بإسناد فيه عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم. وقال: وهو ضعيف في الحديث كثير الغلط. ضعفه غير واحد. ورواه عنه موقوفًا. وقال: هذا أصح. ورواه غير واحد موقوفًا.
(٣) في ب: قبل.
[ ٣ / ١٧٥ ]
؟
ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله: (إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ)؛ لأنها من ضمان البائع.
وعبارة الموفق ومن وافقه: قبل الإحراز. وعبارة المجد ومن وافقه: قبل أخذه. وعبارة صاحب " الرعاية ": قبل قطعه.
ولا يضمن زكاة الدين إذا فات بموت المدين مفلسًا أو نحوه؛ لعدم تلفه (^١) بيده.
(ومن مات وعليه زكاة أُخذت من تركته). نص عليه، وفاقًا للأئمة الثلاثة، ولو لم يوص بها، كالعشر، لقوله ﷺ: " فدين الله أحق بالقضاء " (^٢) . ولأن الزكاة حق واجب تصلح الوصية به. فلم يسقط بالموت؛ كدين (^٣) الآدمي.
(و) إن وجبت في التركه (مع دين بلا رهن وضيق مال) أي: مال التركة عن الزكاة ودين الآدمي (يتحاصان) أي: يتحاص دين الله ودين الآدمي. نص عليه؛ كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال. وهذا المذهب.
وعنه: يبدأ بدين الآدمي.
(وبه) أي: وإذا كان دين الآدمي به رهن فإنه (يقدم) بالرهن (بعد نذر) بصدقة (بمعين). يعنى: أن النذر بمعين يقدم على الزكاة وعلى الدين، (ثم) يقدم بعد النذر بمعين (أضحية معينة).
قال في " شرح المقنع الكبير " في الأضحية: وإذا عينها ثم مات وعليه دين لم يجز بيعها فيه. سواء كان له وفاء أو لم يكن؛ لأنه تعين ذبحها. فلم تبع في دينه؛ كما لو كان حيًا، ويقوم ورثته مقامه في ذبحها وتفرقتها. انتهى.
(وكذا لو افلس حي) وفد نذر الصدقة بشيء معين وعين أضحية وعليه زكاة ودين لآدمي. والله أعلم (^٤) .
_________________
(١) في ج: تلف.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٨) ٢: ٨٠٤ كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.
(٣) في أ: كموت.
(٤) في أ: والله سبحأنه وتعالى أعلم.
[ ٣ / ١٧٦ ]
[باب: زكاة السائمة]
[السائمة] من بهيمة الأنعام. وهي: الإبل البخاتي، والعراب، والبقر الأهلية والوحشية، والغنم الأهلية والوحشية. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم. وبدئ بالكلام عليها، اقتداء بكناب الصديق الذي كتبه لأنس رضي الله تعالى عنهما (^١) . أخرجه البخاري بطوله مفرقًا.
والسائمة: هي الراعية، يقال: سامت تسوم سومًا إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها. ومنه قوله سبحأنه وتعا لى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
وخصت السائمة بالذكر، للاحتراز عن المعلوفة. فأنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ويقول: " في كل إبل سائمة. في كل أربعين ابنة لبون " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود والنسا ئي.
وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ: " وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة. . . الحديث، - وفي آخره أيضًا-: وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها " (^٣) . فقيَّد بالسوم، وأبدل البعض من الكل، وأعاد المقيد مرة أخرى. وذلك دليل اشتراطه خصوصًا مع اشتماله على مناسبته.
(و) حيث تقرر هذا فإنها (لا تجب) في المعلوفة، ولا تجب في السائمة (إلا فيما لدر ونسل) منها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢).
(٢) أخرجه أبوداود في " سننه " (١٥٧٥) ٢: ١٠١ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٤٤) ٥: ١٥ كتاب الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٠٥٣) ٥: ٤.
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢).
[ ٣ / ١٧٧ ]
؟
قال في " الفروع ": زاد بعضهم: (وتسمين). فلا تجب في سائمة، للانتفاع بظهرها، كالإبل التي تكرى وتؤجر.
(والسوم) الذي تصير به سائمة هو: (أن ترعى المباح أكثر الحول). نص عليه في رواية صالح.
وقيل: كل الحول.
ووجه المذهب: أن علف السوائم يقع في العادة في السنة كثيرًا، ووقوعه في جميع فصولها من غير عارض يقطعه أحيانا، كمطر، أو ثلج، أو برد، أو خوف، أو غير ذلك نادر (^١) . فاعتبار السوم في كل العام إجحاف بالفقراء، والاكتفاء به في البعض إجحاف بالمُلَاك، وفي اعتبار الأكثر تعديل بينهما، ودفع لأعلى الضررين بأدناهما. وقد ألحق الأكثر بالكل في أحكام كثيرة.
(ولا تشترط نيته) يعني: أنه لا تعتبر نية السوم. وهي قصد الإسامة. (فتجب) الزكاة (في سائمة) سامت (بنفسها)، كما يجب العُشر فيما إذا حمل السيل بذر إنسان إلى أرضه فنبت وصار زرعًا، (أو بفعل غاصبها) يعني: أنه متى غصب إنسان بهائم إنسان وأسامها أكثر الحول فأنه تجب فيها الزكاة " كما لو غصب إنسان حب إنسان وزرعه في أرض ربه فأنه يجب فيه العشر على مالكه. إذا تقرر هذا فإن الزكاة (لا) تجب (في مُعتَلِفة بنفسها، أو بفعل غاصب لها) أي: للبهائم،) او) بفعل غاصب (لعلفها). سواء كان الغاصب للعلف ربها أو غيره. ولو اشترى لها ما تأكله، أو جمع لها من المباح ما تأكله لم تجب الزكا ة.
(وعدمُه) أي: عدم السوم (مانع) من وجوب الزكاة، لأن وجود السوم شرط لوجوب الزكاة في الأصح.
وقيل: عكسه.
قال في " شرح المقنع الكبير ": قولهم السَّوم شرط ممنوع. بل العلف في
_________________
(١) في ج: نادرًا.
[ ٣ / ١٧٨ ]
نصف الحول فما زاد مانع، كما أن السقي بكلفة كذلك مانع من وجوب العُشر. انتهى.
يعني: كله لا نصفه.
إذا تقرر هذا (فيصح أن تعجَّل) الزكاة (قبل الشروع فيه) أي: في السوم،
لعدم المانع حينئذ، وهو: وجود العلف في نصف الحول.
(وينقطع السََّوم شرعًا) أي: في حكم الشرع (بقطعها) أي: قطع الماشية
(عنه) أي: عن السوم الشرعي (بقصد قطع الطريق بها) أي: بالماشية (ونحوه)، كأن يجلب عليها خمرًا، أو ليأتي امرأة (^١) يزنى بها، (كـ) انقطاع (حول التجارة بنية قُنيةِ عبيدها) أي: عبيد التجارة (لذلك) أي: لقطع الطريق، (أو) نية قنية (ثيابها) أي: ثياب التجارة (الحرير للبس محرم) على لابسه.
وأما إن نوى أن يعمل بالسائمة عملًا من حمل أو كراء فأنه (لا) ينقطع حول السوم (بنيتها لعمل قبله) أي: قبل العمل الذي نواها له.
قال في " الفروع ": وجزم جماعة بأن من نوى بسائمة (^٢) عملًا لم تصر له قبله. انتهى.
(و) إذا علمت ذلك فإنه (لا شيء في إبل) سائمة (حتى تبلغ خمسًا)؛
لقول النبي ﷺ: " ليس فيما دون خمس ذّوْدٍ صدقة " (^٣) . وبدئ بالإبل؛ لكونها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وأكثر أموال العرب، واقتداء ببداءة الشارع بالإبل حين فرض زكاة الأنعام.
فإذا بلغت خمسًا (ففيها شاة) إجماعًا، لقوله ﷺ: " إذا بلغت خمسًا ففيها
_________________
(١) في ج: بامر أة.
(٢) في ج: سائمة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٥٨) ٢: ٩٤ كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢٦) ٣: ٢٢ كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب.
[ ٣ / ١٧٩ ]
شاة " (^١) . رواه البخاري.
ويعتبر في هذه الشاة: أن تكون (بصفة غير مَعيبة) ففي إبل كرام سمان شاة كريمة سمينة.
(وفي) الإبل (المعيبة) شاة (صحيحة) بقدر المال (تَنقُص قيمتُها بقدر نقص الإبل)؛ كشاة الغنم.
وقيل: شاة تجزئ في الأضحية.
فعلى المذهب: لو كان عنده خمس من الإبل مراضًا وقد حال عليها الحول فيقال: لو كانت الإبل صحاحًا كانت قيمتها مائة وكانت الشاه التي تجب فيها قيمتها خمسة، وكان نقصها بسبب مرضها عشرين وذلك خُمْس قيمتها لو كانت صحاحًا. فأنه يجب فيها شاة قيمتها أربعة بقدر نقص الإبل، وهو نقص الخمس من قيمة الشاة.
(ولا يجزئ) عن خمس من الإبل (بعير). نص عليه، وفاقًا لمالك، (ولا بقرة، ولا نصفا شاتين) في الأصح. سواء كانب قيمة البعير أو البقرة أكثر من قيمه الشاة أو لم تكن؛ لأن البعير والبقرة غير المنصوص عليه من غير جنسه. فلم يجزئه؛ كما لو أخرج بعيرًا أو بقرة عن أربعين شاة.
ولأنها فريضة وجبت فيها شاة. فلم يجزئه غيرها.
ولأن في إخراج نصفي الشاتين تشقيص على الفقراء يلزم منه سوء الشركة الذي شرعت الشفعة لإزالته.
(ثم) إن زاد عدد الإبل على خمسة فأنه يجب (في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين. فتجب) (^٢) في عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين (بنت مخاض) إجماعًا.
(وهي) أي: بنت المخاض: (ما تم لها سنة). سميت بذلك؛ لأن أمها
_________________
(١) سبق تخريجه (١٥٢) رقم (٢).
(٢) في أزيادة: أي فيجب.
[ ٣ / ١٨٠ ]
؟
قد حملت. والماخض (^١) الحامل. وليس كون أمها ماخضًا شرط. وإنما ذكر تعريفًا لها بغالب حالها؛ كتعريفه الربيبة- بالحجر، وكذلك بنت اللبون.
وأدنى سن يؤخذ في الزكاة من الإبل بنت المخاض وتؤخذ إلى خمس وثلاثين؛ لما روى البخاري بإسناده عن أنس بن مالك " أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كتب له لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ، والتي أمر الله ﷿ بها رسوله ﷺ. فمن سئل من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعط: في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة. فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أُنثى. فإذا بلغت ستا ًوثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أُنثى. فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون أُنثى. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل. فإذا زادت على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة " (^٢) .
(فإن كانت) بنت المخاض (عنده) أي: عند من وجبت عليه إخراج بنت مخاض (وهي) أي: بنت المخاض التي عنده (أعلا من الواجب) الذي عليه فيما بيده: (خُيّر) مالكها (بين إخراجها) عما بيده، (و) بين (شراء ما) أي: بنت مخاض (بصفته) أي: صفة الواجب عليه ويخرجها. ولا يجزئه ابن لبون في هذه الصورة؛ لأن في إبله بنت مخاض صحيحة.
(وإن كانت معيبة أو ليست) بنت المخاض (في ماله: فـ) أنه يجزئه (ذكر) ابن لبون. سمي بذلك، لأنه أمه قد وَضعت فهي ذات لبن. (أو خنثى ولد لبون وهو: ما تم له سنتان. ولو نقصت قيمته) أي: قيمة ابن اللبون
_________________
(١) في ج: والمخاض.
(٢) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢).
[ ٣ / ١٨١ ]
؟
(عنها) أي: قيمة بنت المخاض، لأن في حديث أنس: " فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض ففيها ابن لبون ذكر " (^١) رواه أبو داود.
(أو حِق) وهو: (ما تم له ثلاث سنين). وتسمى الأُنثى إذا بلغت هذا السن حقة، لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، واستحق كل من الذكر والأُنثى إذا بلغ هذا السن أن يحمل عليه ويركب. يعني: أنه يجزئه مع عدم بنت المخاض ابن لبون أو حق.
(أو جذع) بالذال المعجمة وهو: (ما تم له أربع سن ين). سمي بذلك؛ لأنه يجذع إذا سقطت سنه. وهذا أعلا سن تجب في الزكاة.
(أو ثني) وهو: (ما تم له خمس سنين). سمي بذلك؛ لأنه قد ألقى ثنيته.
(و) كان الثني (أولى) بالإجزاء عن بنت المخاض (بلا جبران) في الجميع. ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع. فلا يجزئه أن يخرج عن بنت لبون حقًا ولا عن الحقة جذعًا مع وجودهما ولا عدمهما؛ لأنه لا نص فيهما، ولا يصح قياسهما على ابن اللبون مكان بنت مخاض؛ لأن زيادة سن ابن اللبون على بنت المخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء. ولا يوجد هذا في الحق مع بنب اللبون، لأنهما مشتركان في هذا. فلم ييق إلا مجرد زيادة السن فلم يقابل الأنوثية.
ولأن تخصيصه في الحديث بالذكر دون غيره يدل على اختصاصه بالحكم بدليل الخطاب. وسيأنى في المتن بيان الجبران.
(أو) شاء أن يخرج (بنت لبون) عن بيت مخاض فإن له أن يخرجها (ويأخذه) أي: يأخذ الجبران (ولو وجد ابن لبون) لما سيأتي أن من وجبت عليه مفروضة فعدمها، فأنه إن شاء أخرج سنًا أعلا منها وأخذ شاتين أو عشرين
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٦٧ ١) ٢: ٩٦ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة.
[ ٣ / ١٨٢ ]
درهمًا، وإن شاء أخرج أعلا وأخذ مثل ذلك من الساعي. إلا أنه لا يجوز أن يخرج أدنى من ابنة مخاض لأنها أدنى سن تجزئ في الزكاة، ولا يخرج أعلا من الجذعة إلا أن يرضى رب المال بإخراجها من غير جبران.
(وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة. وتجزئ) عن بنت لبون وعن حقة وعن جذعة (ثنية وفوقها) أي: فوق الثنية (بلا جبران)؛ لعدم وروده في الثنية.
(وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعًا.
(وفي إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون) على الأصح؛ لقول النبى ﷺ: " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون. والواحدة زيادة (^١) .
وقد جاء مصرحًا به " في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب " (^٢) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: هو حديث حسن.
وقال ابن عبدالبر: هو أحسن شيء روي في أحاديث الصدقات. فإن فيه: " فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ". وهذا صريح لا يجوز العدول عنه.
ولأن سائر ما جعله النبي ﷺ غاية للفرض إذا زاد عليه واحدة تغير الفرض (^٣) . كذا هذا.
(ويتعلق الوجوب) بجمع النصاب (حتى بالواحدة التي يتغير بها الفرض.
ولا شيء فيما بين الفرضين). ويسمى ما بين الفرضين العفو والوَقْص والشنَق بالشين المعجمة وفتح النون. ومعنى ذلك: أن الزكاة تتعلق بالنصاب دون العفو على الأصح. وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وأبويوسف.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود قي " سننه " (١٥٧٠) ٢: ٩٨ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢١) ٣: ١٧ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم.
(٣) ساقط من ب.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وقال الليث وزفر ومحمد بن الحسن: تتعلق بهما.
وعن مالك والشافعي كالمذهبين.
ولهذا الخلاف فوائد:
منها: لو كانت له تسع إبل مغصوبة وقلنا تزكى إذا قبضت لما مضى فخلص منها بعير بعد الحول لزمه أن يؤدي عنه خمس شاة على المذهب وتسع شاة على الثانى. واحتج من علق الواجب بالعفو بـ " قول النبى ﷺ في صدقة الإبل: فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض. فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون " (^١) . رواه البخاري.
ولأنه حق لله تعالى يتعلق بنصاب من المال. فتعلق به وبالزيادة عليه إذا لم ينفرد بوجوب، كالقطيع في السرقة.
ولنا ما روى ابن عمر في كتاب الصدقة عن النبي ﷺ قال: " وفي الغنم أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائه. [فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين. فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائه] (^٢) . فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة " (^٣) . رواه أحمد.
وهكذا في كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات إلى عمرو بن حزم (^٤) . رواه أبو عبيد في " كتاب الأموال ".
وروى الدارقطني في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم وكتاب عمر بن الخطاب إلى عماله في صدقة الإبل: " فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة. فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك. فليس فيما لايبلغ العشرفيها شيء حتى تبلغ العشر " (^٥) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٦٣٤) ٢: ١٥.
(٤) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٩٣) ٣٢٨ باب فرض صدقة الإبل وما فيها من السنن.
(٥) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٥) ٢: ١١٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم.
[ ٣ / ١٨٤ ]
؟
وروى أبو عبيد (^١) في " الأموال " عن يحيى بن الحكم أن النبي ﷺ قال: " إن الأوقاص لا صدقة فيها " (^٢) .
وأما خبر أنس فحجة لنا في مواضع منه. فإن قوله فيه: " في أربع (^٣) وعشرين من الإبل فما دونها من (^٤) الغنم في كل خمس شاة " (^٥): يدل على أن الأربعة والعشرين تتعلق الشياه (^٦) الأربع بالعشرين منها.
ولأن العفو مال ناقص عن نصاب يتعلق به فرض. فلم يتعلق به الوجوب.
أصله ما نقص عن النصاب الأول. وعكسه زيادة نصاب السرقة؛ لأنها وإن كثرت لا يتعلق بها فرض مبتدًا، وفي مسألتنا لها حالة منتظرة يتعلق بها الوجوب فوقف على بلوغها. والله أعلم.
(ثم تستقر) الفريضة في إبل تزيد على إحدى وعشرين ومائة (في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة).
قال في " الفروع ": هذا المذهب للأخبار منها خبر أنس في البخاري وحديث أبي بكر وفاقًا للشافعي، ولروايته عن مالك. انتهى.
ففي مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون، [وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون] (^٧)، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون.
(فإذا بلغت) الإبل (ما) أي: عددًا (يتفق فيها الفرضان كمائتين) فإن
_________________
(١) في الأصول: عبيدة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٣٦ ٢) ٥: ٢٤٠.
(٣) في أوج: أربعة.
(٤) ساقط من أ.
(٥) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٦) ساقط من أ.
(٧) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٨٥ ]
؟
فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات (أو أربع مائة) فإن فيها ثمان خمسينات وعشر أربعينات: (خُير) المخرج (بين الحقاق وبين بنات اللبون) لوجود المقتضي لكل واحد من الفرضين. فيخير المالك للأخبار.
قال في " الفروع ": واختاره أبو بكر وابن حامد إجماعًا وجماعة.
قال ابن تميم: والأكثر.
قال صاحب " المحرر ": وقد نص أحمد على نظيره في زكاة البقر ونص أحمد تجب الحقاق، وقاله القاضي في " الشرح "، وهو قول أبي حنيفة على أصله. انتهى.
إلا أن يكون المخرج ولي يتيم أو مجنون من ماله فليس له أن يخرج إلا أدنى الفرضين.
(ويصح) إذا أخرج عن أربعمائة (كون الشطر من أحد النوعين) الذي هو الحقاق، (والشطر من) النوع (الآخر) الذي هو بنات اللبون فيخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون، ولا يجوز أن يخرج عن مائتين حقتين وبنتي لبون ونصف لما فيه من التشقيص [الذي لم يرد به الشرع في زكاة السائمة إلا من حاجة، ولذلك جعل لها او قاصًا دفعًا للتشقيص] (^١) عن الواجب فيها وعدل فيما دون خمس وعشرين من الإبل عن الجنس إلى الغنم فلا يجوز القول بجوازه مع إمكان العدول عنه إلى فريضة كاملة.
(وإن كان أحدهما) أي: أحد النوعين (ناقصًا لابد له من جبران) بأن كان في ماله أربع بنات لبون، والآخر كاملًا بًان كان في ماله أربع حقاق والمال مائتان: (تعين الكامل) وهو الأربع حقاق؛ لأن الجبران بدل، وهو لا يجوز مع المبدل؛ كالتيمم مع القدرة على استعماله الماء.
(ومع عدمهما) أي: عدم النوعين، (أو عيبهما). أي: عيب النوعين اللذين في المال، (أو عدم) كل سن وجب، (أو عيب كل سن وجب) وله
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٣ / ١٨٦ ]
أسفل كبنت اللبون والحقة والجذعة: فإن (له العدول إلى ما) أي: سن (يليه من أسفل، ويخرج معه جبرانًا، أو) كان له أعلا كبنت المخاض وبنت اللبون والحقة: فإن له أن يعدل (إلى ما يليه من فوق ويأخذ جبرانًا)؛ وذلك لما في حديث الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس أنه قال: " ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده، وعنده حقة فأنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل منه ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة بنب لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما (^١) .
وهذا نص ثابت فلا يلتفت إلى ما سواه.
إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز العدول إلى الجبران مع وجود الأصل لأنه مشروط في الخبر بعدم الأصل.
(فإن عدم ما يليه) أي: عدم السن الذي يلي الواجب؛ كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم السن الذي يليها وهو الحقة (انتقل إلى ما بعده) أي: إلى ما بعد السن الذي يلي الواجب وهو في مثالنا بنت اللبون.
(فإن عدمه) أي: عدم بنب اللبون (أيضًا انتقل إلى ثالث) وهو بنت المخاض. فيخرج من وجبت عليه جذعة بنت مخاض ومعها ثلاث جبرانات. (بشرط كون ذلك) المخرج مع الجبرانًات (في ملكه.
وإلا تعين الأصل) الذي هو الواجب.
(والجبران شاتان أو عشرون درهما) للنمالثا بت في ذلك.
(ويجزئ في جبران) واحد، (و) في (ثان وثالث: النصف دراهم، والنصف شياه) في الأصح؛ كما قلنا في الكفارة له إخراجها من جنسين.
ولأن الشاة مقام عشرة دراهم فإذا اختار إخراجها وعشرة جاز.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢).
[ ٣ / ١٨٧ ]
(ويتعين على ولي صغير ومجنون إخراج أَدْوَن مجزئ) مراعاة لحظ غير المكلف.
(ولغيره) أي: غير ولي الصغير والمجنون (دفع سن أعلا إن كان النصاب معيبًا) من غير أخذ جبران، ودفع سن أسفل ويعطى الجبران. لا دفع أعلا مع أخذ الجبران، لأن الجبران جعله الشرع وفق (^١) ما بين الصحيحين، وما بين المريضين أقل منه. فإذا دفع الساعي في مقابلة ذلك جبرانًا كان ذلك حيف على الفقراء، وذلك لا يجوز. وإذا دفعه المالك مع السن الأسفل فالحيف عليه وقد رضي به فأشبه إخراج الأجود من المال. حتى لو كان المخرج وليًا ليتيم لم يجز له ذلك؛ كما لا يجوز إخراج الأجود، وسائر التبرعات.
(ولا مدخل لجبران في غير إبل) وفاقًا؛ لأن النص إنما ورد فيها وليس غيرها في معناها لأنها أكثر قيمة.
ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف صفتها وما بين الفريضتين في البقر. بخلاف ما بين الفريضتين في الإبل. فامتنع القياس فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له.
وإن وجد أعلا منها فإن أحب أن يدفعها متطوعًا بغير جبران قبلت منه. وإن لم يفعل ولم تكن في ماله كلف شراءها.
_________________
(١) في ج وفوق.
[ ٣ / ١٨٨ ]
؟
(فصل) في ذكر زكاة البقر
وهو اسم جنس. والبقرة تقع على الأُنثى والذكر ودخلت الهاء على أنها واحدة من جنس. والبقرات الجمع. والباقر جماعة البقر مع رعاتها. وهي مشتقة من بقرت الشيء إذا شققته لأنها تبقر الأرض بالحراثة.
والزكاة في الأهلية واجبة إجماعًا. وسنده ما روى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه. تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها. كلما نفدت آخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس " (^١) . متفق عليه.
(وأقلُّ نصاب بقر أهليه أو وحشية) على الأصح من الروايتين في وجوبها في الوحشية (ثلاثون) لما روى معاذ قال: " أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين " (^٢) .
(وفيها) أي: في الثلاثين (تبيع أو تبيعة. ولكل منهما) أي: من التبيع والتبيعة (سنة) وفاقًا لأبي حنيفه والشافعي.
وقيل: نصف سنة.
وقيل: سنتان.
سمي بذلك لأنه يتبع أمه. وهو جذع البقر الذي استوى قرناه وحاذى قرنه أذنه غالبًا.
(ويجزئ مسنٌٌّ) ذكر عن التبيع أو التبيعة.
(و) يجب (في أربعين) من البقر (مسنة. ولها) أي: للمسنة (سنتان) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ٩٩) ٢: ٦٨٦ كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٥٣) ٥: ٢٦ كتاب الزكاة، باب زكاة اليقر.
[ ٣ / ١٨٩ ]
؟
وقيل: سنة.
وقيل: ثلاث.
سميت بذلك لأنها ألقت سناُ غالبًا وهي الثنية.
ولا فرض في البقر غير هذين السنين. والأصل في ذلك ما روى معاذ بن جبل قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن. وأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة " (^١) . رواه الخمسة وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال ابن عبدالبر: حديثً ثابتً متصل.
(وتجزئ أُنثى) من البقر (أعلا منها) أي: من المسنة (سنًا) عن المسنة.
(لا مسن) ذكر عن المسنة، (ولا تبيعان) عن المسنة على المذهب.
(و) تجب (في ستين) من البقر (تبيعان. ثم) فيما زاد على ذلك (في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. فإذا بلغت ما) أي: عددًا (يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين فكإبل) يعني: أنه إن شاء أخرج ثلاب مسنات. وإن شاء أخرج أربعة أتباع.
لما روى يحيى بن الحكم أن معاذًا قال: " بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن. فأمرنى أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا ومن كل أربعين مسنة. ففرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك وقلت لهم حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقدمت فًاخبرته فأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنًا وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٧٦ ١) ٢: ١٠١ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢٢) ٣: ١٩ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٥٣) ٥: ٢٦ كتاب الزكاة، باب زكاة البقر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٠٣) ١: ٥٧٦ كتاب الزكاة، باب صدقة اليقر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٧٦٥) ٥: ٢٣٠.
[ ٣ / ١٩٠ ]
؟
ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعًا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرنى رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئًا إلا أن تبلغ مسنة أو جذعًا. وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها " (^١) . رواه أحمد في " مسنده ".
(ولا يجزئ ذكر في زكاة إلا هاهنا) وهو التبيع والمسن عن التبيع. أما التبيع فلورود النص فيه. وأما إجزاء المسن عن التبيع فلأنه خير منه.
(و) إلا (ابن لبون وحق وجذع عند عدم بنت مخاض). وتقدم عند الكلام على زكاة الإبل.
(و) إلا (إذا كان النصاب من إبل أو بقر وغنم كله ذكورًا)، لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله.
***
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٣٦ ٢) ٥:. ٢٤.
[ ٣ / ١٩١ ]
(فصل) في ذكر زكاة الغنم
(وأقل نصاب غنم أهلية أو وحشية أربعون. وفيها شاة). فلا شيء فيما دون الأربعين إجماعًا.
(و) يجب (في إحدى وعشرين ومائة شاتان) إجماعًا.
(و) يجب (في واحدة ومائتين ثلاث) من الشياه (إلى أربعمائة) على أصح الروايتين؛ لما رواه ابن عمر في كتابه للنبي ﷺ الصدقات الذي عمل به أبو بكر بعده حتى توفي وعمر حتى توفي: " وفي الغنم من أربعين شاة شاةُ إلى عشرين ومائة. فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين. فإذا زادت واحدة (^١) ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة. فإذا زادت بعد فليس فيها شيء بعد (^٢) حتى تبلغ أربعمائة. فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة " (^٣) . رواه الخمسة إلا النسائي. وعنه: في ثلاثمائه وواحدة أربع شياه؛ لما روى أنس عن أبي بكر عن النبي: " وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة. فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائه. فإذا زادت ففي كل مائة شاة " (^٤) . رواه البخاري وغيره.
وأجيب عن قوله في حديث أنس بعد النلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة:
أنه يدل على أنه لا شيء في الزيادة إذا نقصت عن مائة. وإنما حدد له حد الوقص
_________________
(١) في أ: فإذا زادت شاة ففيها شاتان. فإذا زاد ففيها.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٦٨ ١) ٢: ٩٨ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢١) ٣: ١٧ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٠٧) ١: ٥٧٨ كتاب الزكاة، باب صدقة الغنم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٢) ١: ١٢.
(٤) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢).
[ ٣ / ١٩٢ ]
؟
إلى الثلاث مائة لأن منها يستقر حساب الفرض على أن في كل مائة شاة شاة.
(ثم تستقر) الفريضة (واحدة) أي: شاة (عن كل مائة). فعلى المذهب في خمسمائة شاة خمس شياه وفي ستمائة ست شياه وعلى هذا أبدًا تستمر الزكاة.
(ويؤخذ من) نصاب (معز ثَنيّ. و) هو ما تم (له سنة. ومن) نصاب (ضأن جذع. و) هو ما تم (له ستة أشهر)؛ لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ قال: " أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز " (^١) .
ولأنهما يجزيان في الأضحية فكذا هنا. فإن كان الفرض في النصاب أخذه الساعي، وإن كان فوق الفرض خُيّر المالك بين دفع واحدة منه وبين شراء الفرض فيخرجه.
(ولا يؤخذ) في الصدقة (تيس حيث يجزئ ذكر)؛ لنقصه وفساد لحمه.
(إلا تيس ضراب لخيره برضا ربه). فيلزم الساعي قبوله إذا بذله مالكه حين
يقبل الذكر.
(ولا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي البهيمة الكريمة الطاعنة في السن (ولا معيبة لا يضحى بها). نص عليه أي: لا تجزئ في التضحية وفي النصاب ما ليس بهذه الصفة؛ لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. (إلا إن كان الكل كذلك) بأن يكون النصاب كله هرمات أو معيبات؛ لأن الزكاة مواساة. فلا يكلف إخراجها من غير ماله.
(ولا) يؤخذ (الرُّبى وهي التي تربي ولدها) قاله أحمد. وقيل: هي التى تربى في البيت لأجل اللبن.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٠٠ كتاب الزكاة، باب السن التي تؤخذ في الغنم.
[ ٣ / ١٩٣ ]
؟
(ولا) تؤخذ (حامل)، لقول عمر: " لا تؤخذ الربى ولا الماخض " (^١) . (ولا) تؤخذ (طروقة الفحل)، لأنها تحلب غالبًا.
(ولا) تؤخذ (كريمة) وهي النفيسة " لشر فها.
(ولا) تؤخذ (أكولة) " لقو ل عمر: " ولا الأكولة " (^٢) . ومراده السمينة.
(إلا أن يشاء ربها) أي: رب التي لا تؤخذ، لحق المالك لأن ذلك خير المال فلم يجز أخذه بغير رضا مالكه.
(وتؤخذ مريضة من مراض) إن كان النصاب كله مراضًا وتكون وسطًا في القيمة " لقول النبي ﷺ: " إياك وكرائم اموالهم " (^٣) .
وقوله: " إن الله لم يسألكم خيره ولم يًامركم بشره " (^٤) رواه أبو داود.
ولأن مبنى الزكاة على المواساة، وتكليف الصحيحه عن المراض إخلالى بالمواساة. ولهذا يؤخذ الواجب في الحيوان والثمار من جنسه.
وقيل: يكلف شراء صحيحة على قدر قيمة المال؛ لقول أحمد: لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي، وللنهى عن أخذ ذات العوار.
وأجيب عن ذلك بأنه محمول على ما إذا كان في النصاب صحيحة.
وعلى المذهب لو كان في النصاب بعض الفريضة صحيحًا أخرج الصحيحة وتمم الفريضة من المراض على قدر المال. ولا فرق في هذا بين الإبل والبقر والغنم.
(و) تؤخذ (صغيرة من صغار غنم). نص عليه وهو الأصح؛ لقول
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٢) () أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٩٣٧) ٦: ٢٦٨٥ كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى لوحيد الله ﵎. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩) ١: ٥١ كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٨٢ ١) ٢: ١٠٣ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة.
[ ٣ / ١٩٤ ]
؟
الصديق رضي الله تعالى عنه: " والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها " (^١) . فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق.
ولأنه مال تجب فيها الزكاة من غير اعتبار قيمته. فيجزئ الأخذ من عينه؛ كسائر الأموال. وإنما يتصور كون النصاب صغارًا بأن تبدل الكبار بالصغار في أثناء الحول، أو يكون عنده نصاب من الكبار فتتوالد نصابًا من الصغار ثم تموت الأمات ويحول الحول على الصغار.
وقيل: لا تؤخذ إلا كبيرة بالقسط كما لو كان الصغار من الإبل أو البقر.
(لا) عن صغار (إبل وبقر) يعني: أنه. لا تؤخذ صغيرة من صغار إبل ولا بقر. (فلا يجزئ فصلان، و) لا (عجاجيل)؛ لأن الشارع فرق بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين من الإبل بزيادة السن، وفرق بين فرض ثلاثين وأربعين من البقر بزيادة السن. (فيُقومّ النصاب من الكبار ويُقوّم فرضه ثم تقوّم الصغار ويؤخذ عنها) أي: عن الصغار (كبيرة بالقسط) ليندفع بذلك محذور الإجحاف بالمالك مع المحافظة على الفرض المنصوص عليه.
وقيل: يجزئ إخراج الفصلان والعجاجيل. فيؤخذ من خمس وعشرين من الإبل إلى إحدى وستين واحدة، وفي ست وسبعين ثنتان. وكذا في إحدى وتسعين وفي ثلاثين من البقر عجل، وفي ستين اثنان وفي تسعين ثلاث. وقس عليه. والتعديل بالقيمة مكان زيادة (^٢) السن. ولو كانت الإبل أقل من خمس وعشرين صغارًا وجبت في كل خمس شاة ككبار.
(وإن اجتمع) في نصاب (صغار وكبار، وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث: لم يؤخذ) ولا يجزئ (إلا أُنثى صحيحة كبيرة على قدر قيمة المالين)
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٥) ٦: ٢٦٥٧ كتاب الاعتصام يالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠) ١: ٥١ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
(٢) في ب: الزيادة.
[ ٣ / ١٩٥ ]
؟
اللذين هما الصغار والكبار أو الصحاح والمعيبات أو الذكور والإناث للنهي عن أخذ الصغير والمعيب والكريمة لقوله: " ولكن من وسط أموالهم " (^١) .
ولتحصل المساواة فلو كانت قيمة المخرج إذا كان جميع النصاب كبارًا صحاحًا عشرون وقيمة المخرج إذا كان جمع النصاب صغارًا مراضًا عشرة، وكان النصف من هذا والنصف من هذا: وجب إخراج كبيره صحيحه قيمتها خمسة عشر.
ويستثنى من ذلك صورتان أشير إلى إحداهما بقوله: (إلا) شاة (كبيرة مع مائة وعشرين سخلة فـ) أنه (يخرجها) أي: يخرج الكبيرة. (و) يخرج (^٢) (سخلة). وأشير إلى الصورة الأخرى بقوله: (و) إلا (صحيحة مع مائة وعشرين معيبة فـ) إنه (يخرجها) أي: يخرج الصحيحة (ومعيبة).
قال في " الإنصاف ": لو كان ماله مائة وإحدى وعشرين شاة والجميع معيب إلا واحدة صحيحة (^٣)، أو كان عنده مائة وإحدى وعشرين شاة والجميع سخال إلا واحدة كبيرة: فإنه يجزئه عن الأول صحيحة ومعيبة، وعن (^٤) الثانى شاة كبيرة وسخلة إن وجبت الزكاة في سخال مفردة، وإلا وجبت كبيرة بالقسط.
وهو معنى قولهم: وإن كان الصحيح غير واجب لزم إخراج الواجب صحيحًا بقدر المال. انتهى.
(فإن كان) النصاب (نوعين) من جنس واحد (كبَخاتيّ) واحدها بختي والأُنثى بختية. قال عياض: هي إبل غلاظ ذوات سنامين (وعراب) أي: مع عراب. وهي إبل جرد ملس حسان الألوان كريمة، (أو) كـ (بقر وجواميس، أو) كـ (ضأن ومعز، أو) كـ (أهلية ووحشية) من بقر وغنم: (أخذت الفريضة من أحدهما) أي: من البخاتي أو العراب أو من البقر أو الجاموس أو
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٨٢) ٢: ١٠٣ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة.
(٢) زيادة من ج.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: وعلى.
[ ٣ / ١٩٦ ]
من الضأن أو المعز أو من الأهلية أو الوحشية (على قدر قيمة المالين) اللذين هما البخاتي والعراب أو البقر والجواوس الضان والمعز أو الأهلية والوحشية.
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في ضم أنواع
الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة. فإذا كان النوعان سواء وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف.
(و) يجب (في) نصاب (كرام ولئام، أو) نصاب (سمان ومهازيل: الوسط) نص عليه من أي: النوعين شاء. ولكن (بقدر قيمة المالين) اللذين هما الكرام واللئام أو السمان والمهازيل.
(ومن أخرج عن النصاب) الذي وجبت فيه الزكاة (من غير نوعه ما ليس في ماله)، كمن عنده نصاب من العراب فاشترى بخيتة وأخرجها عنه، أو نصاب من البقر فاشترى جاموسه وأخرجها عنه، أو نصاب من الضأن فاشترى شاة من المعز وأخرجها عنه: (جاز)؛ لأن المخرج من جنس الواجب. أشبه ما لو كان النوعان في ماله وأخرج من أحدهما.
ومحل الجواز (إن لم تنقص قيمته) أي: قيمة المخرج (ضن الواجب) في النوع الذي في ملكه.
وعلى قول أبي بكر: ولو نقصت.
وقيل: لا تجزئ هنا مطلقًا كغير الجنس.
(ويجزئ سن) أي: أن يخرج سنًا (أعلا) مما عليه (من فرض من جنسه) أي: جنس الفرض. (لا القيمة). فلا تجزئ على المذهب؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ: " خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم " (^١) . رواه أبو داود.
ويجزئ على المذهب إخراج السن الأعلا عما دونه (فيجزئ بنت لبون عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٩٩ ١) ٢: ٩ ٠ ١ كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع.
[ ٣ / ١٩٧ ]
؟
بنت مخاض وحقة عن بنت لبون وجذعة عن حقة. ولو كان عنده) أي: عند المخرج السن (الواجب) الذي أخرج الأعلا سنًا منه (^١) .
لما روى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادهما عن أبي بن كعب قال: " بعثني رسول الله ﷺ مصدقاُ. فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا بنت مخاض. فقلت له: أًوّ بنت مخاض فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينه فخذها. فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به. وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فافعل، فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته. قال: فإنى فاعل. فخرج معي وخرج بالناقة التي عرضها علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ. فقال له: يا نبي الله لِلَّهِ أتاني رسولك ليأخذ منى صدقة مالي. وايم الله لِلَّهِ ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أنما علي فيه بنت مخاض. وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر. وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى وهاهي قد جئتك بها يا رسول الله لِلَّهِ خذها. فقال له رسول الله: ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك. فقال: فها هي ذه يا رسول الله لِلَّهِ قد جئتك بها. قال: فًامرنى رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة " (^٢) .
_________________
(١) في أ: عنه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سته " (٨٣ ٥ ١) ٢: ٤ ١٠ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٣١٦) ٥: ١٤٢.
[ ٣ / ١٩٨ ]
(فصل) في حكم الخلطة
وهي مؤثرة في الزكاة خلافًا لأبي حنيفة ولو لم يبلغ مال كل خليط بمفرده نصابًا خلافًا لمالك. ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة وفاقًا للأئمة الثلاثة، ولا لخلطة في دون نصاب؛ كما لو كانت الخلطة في تسعة وثلاثين شاة. ولا لخلطة مغصوب. فلو غصب شاة وخلطها مع تسعة وثلاثين شاة له لم تؤثر هذه الخلطة.
(وإذا اختلط اثنان فأكثر من أهل ها) أي: من أهل الزكاة (في نصاب ماشية لهم) أي: لأهل الزكاة اختلاطًا يستغرق (جميع الحول)، وكانت الخلطة (خلطة أعيان بكونه) أي: كون النصاب (مشاعا) بين الخليطين أو الخلطاء بأن يكون لكل واحد نصف او ثلث أو نحوهما مثل أن يرث اثنان نصابًا أو يشترياه مشاعًا ويبقياه بحاله. (أو) كانت الخلطة خلطة (أوصاف بأن تميز ما) أي: العدد الذي (لكل) من المالكين بأن يكون لإنسان شاة ولآخر تسعة وثلاثين أو يكون لأربعين رجلًا أربعون شاة لكل واحد شاة نص أحمد عن المثالين.
(واشتركا في مُراح - بضم الميم -. وهو: المبيت والمأوى) الذي للسائمة.
(و) اشتركا أيضًا في (مسرح. وهو: ما تجتمع فيه) السائمة (لتذهب إلى المرعى.
و) اشتركا أيضًا في (محلب. وهو: موضع الحلب) لجميع الماشية المختلطة.
(و) اشتركا أيضًا في (فحل). وهو: (بأن لا يختص بطرق أحد المالين) الذي لأحد الشركاء دون مال الآخر.
(و) اشتركا أيضًا في (مرعى. وهو: موضع الرعي ووقته).
[ ٣ / ١٩٩ ]
وقوله: (فلواحد) جواب إذا.
وللأصحاب فى ذلك طرق كثيرة. وطريقة المذهب أنه لا يشترط لخلطة الأوصاف غير هذه الخمسة. فلا يشترط اتحاد المشرب ولا اتحاد الراعي ولا خلط اللبن الذي يحلب من الماشية المختلطة.
والأصل في جواز الخلطة ما روى الترمذي عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال في كتاب الصدقة: " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتميع خشية الصدقة. وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " (^١) . ورواه البخاري من حديث أنس (^٢) .
ولا يجب التراجع إلا على قولنا في خلطه الأوصاف.
وقوله: " لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " إنما يكون هذا إدا كان جماعة. فإن الواحد يضم بعض ماله إلى بعض وإن كان في أماكن. ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المُؤْنه. فجاز أن تؤثر في الزكاة؛ كالسوم.
(ولا تعتبر نية الخلطة) لصحة الخلطة في الأصح قياسًا على عدم اعتبار نية السوم في السائمة ونية السقي في المعشرات. وفائدة الخلاف في خلط وقع اتفاقًا.
(و) كذا (لا) يعتبر لصحة الخلطة (اتحاد مَشْرَب) بفتح الميم والراء.
وهو المكان الذي تشرب منه.
(و) لا اتحاد (راع) لما تقدم من الإشارة إلى طريقة المذهب.
(وإن بطلت) الخلطة (بفوات أهلية خليط)؛ كما لو كان الخليط كافرًا أو مكاتبًا: (ضَمّ من كان من أهل الزكلاة ماله) المختص به إلى بعض (وزكاه إن بلغ نصابًا). وإلا فلا، لأنه لا أثر لخلطه من ليس من أهل الزكاة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢١) ٣: ١٧ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم. قال التر مذي: حديث حسن.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٨٢) ٢: ٥٢٦ كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
(ومتى لم يثبت لخليطين حكم الانفراد بعض الحول بأن ملكا نصابًا معا) بإرث أو بيع أو هبة: (زكياه زكلاة خلطة)، وذلك لأن شروط الخلطة موجودة من حين انعقاد السبب إلى حين الوجوب فوجب أن يثبت حكمها.
(وإن ثبت لهما) أي: للخليطين حكم الانفراد في بعض الحول (بأن خلطا في اثنائه) أي: أثناء الحول (ثمانين شاة) لكل واحدة منهما اربعون: (زكياه) للحول الأول (كلمنفردين). فيخرج كل واحد منهما شاة؛ لأنه قد وجد في الحول خلطة وانفراد. فيقدم أحدهما؛ لتعذر الجمع بين حكمهما. فكان الانفراد أولى بالتقديم لأنه الأصل والمجمع عليه والخلطة طارئ مختلف فيه. (وفيما بعد الحول الأول) إن استمرت الخلطة (زكاة خلطة). فيخرجان شاة واحدة، فإن الخلطة موجودة في جمعيه. فيثبت فيه حكمها.
(فإن اتفق حولاهما) أي: حولا الخليطين بأن يكون تجدد ملك كل واحد على الأربعين التي في ملكه في يوم واحد: (فعليهما) أي: على المختطين (بالسوية شاة) واحدة لكون لكل واحد أربعون (^١) (عند تمامهما) أي: تمام حولهما.
(وإن اختلفا) اي: اختلف حولاهما (فعلى كل) منهما (نصف شاة عند تمام حوله)؛ لأنهما ارتفقا بالخلطة في حول كامل. فأشبه المتفقي الحول.
ولأن اختلاف الحول لا يمنع حقيقة الخلطة ولا رفقها المقصود منها فيما عدا الحول الأول فلا معنى لامتناع حكمها به فيه.
(إلا إن اخرجها الأول) أي: إلا إن أخرج الزكاة الواجبة عليه من تم حوله أو لا (من المال) أي: من الثمانين (فيلزم الثاني ثمانون جزءا من مائة وتسعة وخمسين جزءا من شاة. ثم كلما تم حول احدهما لزمه من زكاة الجميع بقدر ما له فيه) أي: في مال الخلطة.
(وإن ثبت لأحدهما) أي: أحد الخليطين حكم الانفراد (وحده) دون
_________________
(١) في ب زيادة: شاة. ()
[ ٣ / ٢٠١ ]
الخليط الآخر. وذلك (بأن ملكا نصابين) كل واحد اربعين شاة (فخلطاهما) أي خلطا النصابين (ثم باع احدهما نصيبه) وهو الأربعون التي يملكها (أجنبيا) أي: إنسانا غير خليط (فإذا تم حول من لم يبع لزمه زكاة انفراد شاة) كاملة لانفراده عن الخليط الأول في بعض الحول.
(وإذا تم حول المشتري) وقد استدام الخلطة (لزمه زكاة خلطة نصف شاة) لوجود الخلطة في حقه جميع الحول. (إلا إن أخرج) الخليط (الأول) الذي ثبت له حكم الانفراد في بعض الحول (الشاة) التي وجبت عليه (من المال) أي: من الثمانين (فيلزم الثاني) أي: المشتري (اربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا من شاة. ثم كلما تم حول احدهما) اي: أحد الخليطين (لزمه من زكاة الجميع) أي: جميع مال الخلطة (بقدر ملكه فيه) أي: في مال الخلطة.
(ويثبت أيضًا حكم الانفراد لأحدهما) أي: لأحد الخليطين (بخلط من له دون نصاب بنصاب لاخر بعض الحول) فإن مالك النصاب عليه زكاة ملكه وحده. بخلاف من له بعض نصاب فإنه لا يجب عليه زكاته حتى يحول عليه الحول وهو مختلط فيزكيه زكاة خلطة. فإن كان له عشرون شاه خلطها مع أربعين كان عليه عند مضي حول الخلطة ثلث شاة.
(ومن بينهما ثمانون شاة خلطة) لكل واحد أربعون (فباع أحدهما نصيبه)
كله (او دونه) أي: دون نصيبه (بنصيب الاخر) كله (او دونه واستداما الخلطة لم ينقطع حولهما) ولم تزل خلطتهما على المذهب في ان إبدال الماشية بجنسها لا يقطع الحول. فلا تنقطع الخلطة؛ لأن الزكاة إنما تجب فيما اشترى ببنائه على جميع (^١) حول المبيع. فيجب ان تبنى عليه في الصفة التي كان عليها. وهي صفة الخلطة.
(و) على هذا يكون (عليهما) إذا حال الحول (زكاة الخلطة). فأما إن كان مال كل واحد منهما منفردا فخلطاه ثم تبايعاه، فعليهما في الحول الأول زكاة
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٠٢ ]
انفراد؛ لأن الزكاة تجب فيه ببنائه على أول الحول وهو منفرد فيه. فيجب أن تبنى عليه في الصفة التي كان عليها وهي الانفراد.
(ومن ملك نصابًا دون حول ثم باع نصفه مشاعا او) معينا بأن (أعلم على بعضه وباعه مختلطا او) باعه (مفردا ثم اختلطا: استأنفا الحول من البيع) في الأصح؛ لأن المبيع قد انقطع الحول فيه. فكًا نه لم يجر في حول الزكاة أصلا فلزم انقطاع الحول في الذي لم يبع.
(ومن ملك نصابين) كثمانين من الغنم مثلا (ثم باع احدهما) أي: أحد النصابين (مشاعا) بأن باعه نصف الثمانين (قبل) ح ولأن (الحول: ثبت له)
أي: البائع (حكم الانفراد، وعليه إذا تم حوله زكاة منفرد) في الأصح لثبوت حكم الانفراد به.
(وعلى مشتر إذا تم حوله زكاة خليط) وجها واحدا؛ لكونه لم يثبت له حكم الانفراد أصلا.
(ومن ملك نصابًا ثم) ملك (اخر لا يتغير به الفرض كأربعين شاة في المحرم) بسبب مستقل (ثم اربعين في صفر: فعليه زكاة) النصاب (الأول فقط إذا تم حوله) شاة؛ لأن الجميع ملك إنسان واحد فلم يزد فرضه على شاة؛ بهما لو اتفق حولاهما.
وقيل: شاة أيضًا كمالك منفرد.
وقيل: يجب في الأربعين الثانية التي ملكها في صفر عند تمام حولها نصف شاه؛ لاختلاطها بالأربعين الأولى كما لو كانت لأجنبي.
(وإن تغير به) أي: بالنصاب الثانى الفرض؛ (كمائة) ملكها في صفر بعد أن ملك أربعين في المحرم: (زكاه) أي: زكى النصاب الثانى الذي هو المائة (إذا تم حوله) وجها واحدا كما لو اتفق حولاهما. (وقدرها) أي: وقدر الزكاة الواجبة في النصاب الثاني (بأن ينظر إلى زكاة الجميع) وهو مائة وأربعون في صورة المتن (فيسقط منها) أي: من زكاة الجميع (ما وجب في) النصاب (الأول) وهو شاة (ويجب الباقي) من زكاة الجميع (في) النصاب (الثاني وهو شاة).
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ولو ملك مائة أخرى في ربيع ففيها شاة فقط عند تمام حولها.
(وإن تغير) الفرض (به) اي: بما ملكه (ولم يبلغ) ما ملكه (نصابًا كثلاثين بقرة) ملكها (في المحرم وعشر) من البقر أيضًا ملكها (في صفر) فصارت أربعين (ففي العشر إذا تم حولها) مع انضمامها إلى الثلاثين (ربع مسنة) لأن الفريضة الموجبة للمسنة قد كملت وقد أخرج زكاة الثلاثين فوجب في العشر بقسطها من المسنة وهي ربعها.
(وإن) كان ما ملكه بعد ملك النصاب (لم يغيره) أي: لم يغير الفرض (ولم يبلغ نصابًا كخمس) من البقر ملكها بعد الثلاثين (فلاشيء فيها) أي: في الخمس بقرات في الأصح؛ لأنها وقص، وكما لو ملك الجميع دفعة واحدة. (ومن له ستون شاة كل عشرين منها) مختلطة (مع عشرين لاخر: فعلى الجميع شاة)؛ لأن ما يملكه جميعهم تجب فيه شاة على الانفراد فكذا في الاختلاط. (نصفها على صاحب الستين ونصفها على خلطائه) على كل واحد من الخلطاء سدس شاة ضما لمال كان خليط إلى مال الكل. فيصير كمال واحد. ومحل ذلك إذا لم يكن بينهم مسافة قصر.
وقيل: يلزمهم شاتان وربيع على صاحب الستين من ذلك ثلاثة أرباع شاة.
(وإن كانت) الستون (كل عشر منها) مختلطة (مع عشر لآخر: فعليه) أي: على صاحب الستين (شاة) لملكه نصابًا. (ولا شيء على خلطائه)؛ لأن من شرط صحة الخلطة: أن يكون مجموع مال الخليطين (^١) نصابًا. وخلطاؤه لم يختلطوا معه في نصاب.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٠٤ ]
(فصل) في حكم تفرقة السائمة
وغير ذلك
(ولا أثر لتفرقة مال) زكوي (لـ) مالك (واحد غير سائمة بمحلين بينهما مسافة قصر). فإن التفرقة تؤثر فيها في المنصوص عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه فيما رواه الأثرم وغيره عنه. فجعل التفرقة في البلدين كالتفرقة في الملكين، لأنه لما أثر اجتماع مال الجماعة حال الخلطة في مرافق الملك ومقاصده على أتم الوجوه المعتادة وصيره كمال واحد: وجب أن يؤثر الافتراق الفاحش في مال الواحد حتى يجعله كالمالين.
واحتج أحمد بقوله ﷺ: " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشيه الصدقة " (^١) . وعندنا من جمع أو فرق خشية الصدقة لم يؤثر جمعه ولا تفرقته.
ولأن كل مال ينبغي تفرقته في بلده. فتعلق الوجوب بذلك البلد.
وعنه رواية تانية: أنه لا أثر للتفرقة وتزكى كالمجتمعة وفاقًا للأئمة الثلاثة، لعموم قوله ﷺ: " في خمس من الإبل شاة " (^٢) . وقوله " في أربعين شاة شاة " (^٣) . وكما لو كان بينهما دون مسافة القصر إجماعا. وكغير السائمة إجماعا.
وجعل أبو بكر في سائر الأموال روايتين كالماشية. قاله ابن تميم.
ويتفرع على المذهب المنصوص ما أشير إليه بقوله: (فلكل ما) أي: لكل سائمة (في محل منها) اي: من المحال المتباعدة (حكئم بنفسه. فعلى) هذا (من له) سوائم (بمحال متباعدة وأربعون شاة في كل محل) من المحال المتباعدة: فإنه يكون عليه (شياه بعددها) أي: بعدد كل محل له به أربعون شاة بينه وبين الآخر مسافة تقصر فيها الصلاة.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٠) رقم (١). ()
(٢) سبق تخريجه ص (١٩٢) رقم (٣) من حديب ابن عمر ﵄. ()
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٩) رقم (١).
[ ٣ / ٢٠٥ ]
(ولا شيء على من لم يجتمع له نصاب في واحد منها) أي: من المحال المتباعدة (غير خليط) مع غيره في نصاب.
(فإذا كان له) أي: لشخص من أهل الزكاة (ستون شاة) بثلات محال متباعدة (في كل محل عشرون) منها (خلطة بعشرين لاخر: لزم رب الستين شاة ونصف وكل خليط نصف شاة). وإن لم يكن منها خلطة مع أحد من أهل الزكاة في نصاب فلا شيء عليه في شيء من الستين.
(ولا تؤثر الخلطة في غير سائمة) على الأصح. نص عليه؛ لأن قول النبي ﷺ: " لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " (^١): إنما يكون في الماشية؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر أخرى. وسائر الأموال تجب فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها.
ولأن خلطة الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى. وفي غير السائمة تؤثر ضررا محضا برب المال؛ لعدم الوقص فيها بخلاف السائمة.
وعنه: تؤثر خلطة الأعيان في غير السائمة وفاقًا للشافعي.
وقيل: وخلطة الأوصاف.
قال في " الخلاف ": نقل حنبل تضم كالمواشي. فقال: إذا كانا رجلين لهما من المال ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فعليهما الزكاة بالحصص. فيعتبر على هذه الرواية اتحاد المؤنة، ومرافق الملك. واختار هذه الرواية الآجري وصححها ابن عقيل وخصها القاضي في " شرحه الصغير " بالذهب والفضة.
(و) يجوز (لساع) يجبي الزكاة (اخذ) للواجب في مال الخلطة (من مال أي الخليطين شاء مع حاجة) إلى ذلك. بأن تكون الفريضة عينا واحدة لا يمكن (^٢) أخذها من المالين ونحو ذلك.
(وعدمها) أي: عدم الحاجة. نص عليه بأن كان الفرض موجودا في كل من المالين.
_________________
(١) سيق تخريجه ص (٢٠٠) رقم (١). ()
(٢) في ج: يملك. ()
[ ٣ / ٢٠٦ ]
قال في " الفروع ": وظاهره ولو (بعد قسمة في خلطة أعيان مع بقاء النصيبين وقد وجبت الزكاة).
وقال صاحب " المحرر " في " المجرد ": لا. ولا وجه له إلا عدم الحاجة. فيتوجه منه اعتبار الحاجة لأخذ الساعي. انتهى.
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ " ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسويه " (^١) . يعني: إذا أخذ الزكاة الساعي من مال احدهما.
ولأن المالين قد صارا كالمال الو احد في وجوب الزكاة فكذلك في إخراجها.
(ومن لا زكاة عليه كذمي) ومكاتب (لا اثر لخلطته في جواز الأخذ) يعني: أنه لو خالط شخص من أهل الزكاة شخصا ليس من أهل ها كالذمي والمكاتب: لم يجز للساعي ان يأخذ الزكاة من مالى الذمي والمكاتب لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر، فأشبها المنفردين أو المجتمعين في وصف واحد من أوصاف الخلطة.
(ويرجع) خليط من أهل الزكاه (مأخوذ منه) زكاة جميع مال الخلطة (على خليطه بقيمة القسط الذي قابل ماله) أي: مال الخليط الذي لم يؤخذ منه شيء (من المخرج)، لقوله ﷺ " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " (^٢) . إذا أخذ من أحدهما.
وتعتبر قيمة ما يقابل ماله من المخرج (يوم الأخذ) أي: يوم أخذ الساعي من الخليط لزوال ملكه حين ذاك. (فيرجع رب خمسة عشر بعير من) أصل (خمسة وثلاثين) خلطة (على رب عشرين) منها (بقيمة أربعة أسباع بنت مخاض) أخذت من ماله. (وبالعكس) وهو ما لو أخذت بنت المخاض من مال رب العشرين فإنه يرجع على رب الخمسة عشر (بثلاثة اسباعها). ومن بينهما ثلاثون بعيرًا لأحدهما عشرة ولآخر عشرون فإنه يرجع رب العشرة إذا أخذت منه بنت مخاض على رب العشرين بقيمة ثلثيها. وبالعكس بقيمة ثلثها. ويرجع رب
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٢) رقم (٣). من حديث ابن عمر ﵄. ()
(٢) انظر ما سبق. ()
[ ٣ / ٢٠٧ ]
الثلاثين من البقر مختلطة بأربعين لاخر بأربعة أسباع تبيع وأربعة أسباع مسنة. وبالعكس بثلاثة أسباعهما.
(ومن بينهما ثمانون شاة نصفين وعلى احدهما دين بقيمة عشرين منها: فعليهما شاة. على المدين) منها (ثلثها) لمنع وجوب الزكاه في العشرين المقابلة لما عليه من الدين. فكًانه مالك لعشرين مختلطة بأربعين لآخر. (وعلى الآخر ثلثاها) أي: ثلثا الشاة لأنه لا مانع في وجوب الزكاة عليه في الأربعين شاة التي له.
(ويقبل قول مرجوع عليه في قيمة) لما أخرج خليطه (بيمينه إن عدمت بينة) تشهد أن قيمة المخرج أكثر مما قاله المرجوع عليه. (واحتمل صدقه) أي: صدق المرجوع عليه في قيمة ما يرجع عليه به لأنه غارم. أشبه ما لو اختلف الغاصب ورب المال في قيمة المغصوب بعد تلفه.
(ويرجع) المأخوذ منه الزكاة (بقسط زائد) على الواجب إذا (اخذه ساع بقول بعض العلماء) وفاقًا، كما لو أخذ صحيحة عن مراض أو كبيرة عن صغار أو قيمة الواجب لأن الساعي نائب الإمام ففعله كفعله.
قال المجد: فلا ينقض كما في الحاكم.
قال الموفق: ما أداه اجتهاده إليه وجب دفعه وصار بمنزلة الواجب. واقتصر غيره على أن فعل الساعي في محل الاجتهاد سائغ نافذ. فترتب عليه الرجوع لسوغانه. قال ابن تميم: إن أخذ الساعي فرق الواجب بتاويل أو أخذ القيمة أجزأت في الأظهر ورجع عليه بذلك.
قال في. " الفروع ": وإطلاق الأصحاب رحمهم الله تعالى يقتضي الإجزاء ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه. انتهى.
(لا) إن أخذ الساعي من أحد الخليطين أكثر من الواجب في مال الخلطة (ظلما) بلا تأويل " كما لو أخذ الساعي عن أربعين مختلطة شاتين من مال أحدهما، او عن ثلاثين بعيرًا جذعة من مال احدهما فإنه لا يرجع على خليط في المسألة الأولى إلا بقيمة نصف شاة.
وفي المسألة الثانية: إلا بقيمة نصف بنت مخاض، لأن الزيادة ظلم. فلا
[ ٣ / ٢٠٨ ]
يجوز رجوعه بها على غير ظالمه، أو متسبب في ظلمه وفاقًا.
قال في " الفروع ": وأطلق شيخنا في رجوعه على شريكه قولين ومراده للعلماء. قال: أظهرهما: يرجع. وقال في المظالم المشتركة تطلب من الشركاء تطلبها الولاة أو الظلمة من البلدان أو التجار أو الحجيج أو غيرهم والكلف السلطانية وغير ذلك على (^١) الأنفس أو الأموال أو الدواب: يلزمهم التزام العدل في ذلك كما يلزم فيما يؤخذ منهم بحق، ولا يجوز أن يمتنع أحد من أداء قسطه من ذلك بحيث يؤخذ قسطه من الشركاء؛ لأنه لم يدفيع الظلم عنه إلا بظلم شركائه لأنه يطلب ما يعلم أنه يظلم فيه غيره؛ كمن يولي أو يوكل من يعلم أنه يظلم ويأمره بعدم الظلم ليس له أن يوليه.
ولأنه يلزم العدل في هذا الظلم.
ولأن النفوس لا ترض بالتخصيص ولأنه يفض إلى أخذ الجميع من الضعفاء.
ولأنه لو احتاج المسلمون إلى جمع مال لدفع عدو كافر لزم القادر الاشتراك فهنا أولى.
فمن تغيب او امتنع فأخذ من غيره حصته رجع على من أدى عنه في الأظهر إن لم ينو تبرعا ولا شبهة على الأخذ في الأخذ كسائر الواجبات؛ كعامل الزكاة، وناظر الوقف، والوصي (^٢)، والمضارب،. والشريك، والوكيل، وسائر من تصرف لغيره بولاية أو وكالة إذا طلب منه ما ينوب ذلك المال من الكلف: فإن لهم أن يؤدوا ذلك (^٣) من المال. بل إن كان إن لم يؤدوه أخذ الظلمة أكثر:
وجب؛ لأنه من حفظ المال. ولو قدر غيبة المال فاقترضوا عليه او أدوا من مالهم رجعوا به. وعلى هذا العمل ومن لم يقل به لزم من الفساد مالا يعلمه إلا رب العباد. انتهى.
_________________
(١) في أ: عن. ()
(٢) في ا: والموصى. ()
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٠٩ ]
[باب: زكاة الخارج من الأرض]
هذا (باب: زكاة الخارج من الأرض) من الزرع والثمار والمعدن والركاز.
(و) ما يخرج من (النحل).
والأصل في وجوبها فيما يخرج من الأرض قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. والزكاة تسمى نفقة لقوله ﷾:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبه: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
قال ابن عباس: " حقه: الزكاة فيه مرة العشر ومرة نصف العشر " (^١) .
وأجمعوا على وجوبها فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب. حكاه ابن المنذر وابن عبدالبر.
(تجب) الزكاة (في كل مكيل مدخر). نقله أبو طالب وكذا نقل صالح وعبدالله: ما كان يكال ويدخر ويقع فيه القفيز فيه العشر. وما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين والرمان فليس فيه زكاة إلا أن يباع ويحول على ثمنه حول.
قال في " الفروع ": واختاره جماعة وجزم به آخرون. انتهى.
ويدل لاعتبار الكيل قوله ﷺ: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " (^٢) .
متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البجهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٣٢ كتاب الزكاة، باب ما ورد في قوله تعالى: (واتوا حقه يوم حصاده). ()
(٢) سيأتي تخريجه ص (٢١٢) رقم (٢). ()
[ ٣ / ٢١٠ ]
ولأنه لو لم يدل على اعتبار الكيل لكان ذكر الأوسق لغو، ويدل لاعتبار كونه مما يدخر أن غير المدخر لا تكمل فيه النعمة، لعدم النفع فيه مآلا.
وسواء كان الكيل المدخر (من حب) كالقمح والشعير والأرز والفول والحمص والجلبان والذرة والدخن والعدس واللوبيا والترمس والسمسم والقرطم والحلبة والخشخاش وما اشبه ذلك. حتى (ولو) كان الحب (للبقول كـ) حب (الرشاد، و) حب (الفجل) والخردل ونحو ذلك.
(أو) كان الحب (لما لا يؤكل كـ) حب (اشنان، و) حب (قطن، ونحوهما) كبزر الكتان والنيل.
(أو) كان الحب (من الأباريز؛ كالكسفرة والكمون) والأينسون والزازيانج [وهو الشمر] (^١) (وبزر الرياحين و) بزر (القثاء، ونحوهما)، كبزر الخيار والبطيخ بأنواعه، وبزر الباذنجان والهندباء، وبزر اليقطين والخس والجزر واللفت والكرنب والكرفس.
(أو) كان المكيل المدخر (غير حب كصعتر وأشنان وسماق أو ورق شجر يقصد كسدر وخطمي وآس)؛ لعموم النص لأن كلا من ذلك مكيل مدخر (أو ثمر) عطف على قوله من حب. والثمر المكيل المدخر (كتمر وزبيب ولوز) نص عليه وعلله بأنه مكيل. (وفستق وبندق.
لا) في (عناب) في الأصح.
(و) لا في (زيتون) على الأصح.
(و) لا في (جوز) نص عليه. وعلل بأنه معدود.
(و) لا في (تين) في الأصح.
(و) لا في (توت) في الأصح.
ولا في مشمش في الأصح.
_________________
(١) زيادة من ج. ()
[ ٣ / ٢١١ ]
(و) لا في (بقية الفواكله) كالتفاح والأجاص والكمثرى والسفرجل والرمان والنبق والزعرور والأترج والموز والخوخ ويسمى الفرسك.
لما روى الأثرم بإسناده عن سفيان بن عبدالله الثقفي " أنه كتب إلى عمر وكان عاملا له على الطائف أن قبله حيطانا فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا. فكتب يستامر في العشر. فكتب إليه عمر: أن ليس عليها عشر. وقال: هي من العضاة كلها فليس عليها عشر " (^١) .
(و) لا في (طلع فحال وقصب وخضر) كيقطين ولفت وكرنب وكسفرة.
(وبقول) كفجل وثوم وبصل وكراث. (وورس ونيل وحناء) في الأصح (وفوة وبقم) ولا في قطن وكتان وقنب.
(و) لا في (زهر كعصفر وزعفران) على الأصمح. ولا في التين وقشور الحب.
(و) لا في (نحو ذلك) كجريد النخل وخوصه وليفه.
ولا تجب الزكاة فيما قلنا تجب فيه مما ذكر إلا (بشرطين):
أحدهما: (أن يبلغ نصابًا. وقدره) أي: النصاب (بعد تصفية حب) من قشره (وجفاف ثمر و) جفاف (ورق: خمسة اوسق) وفاقًا لمالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد.
لما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس أواق ولا فيما دون خمس ذود صدقة " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٢٥ كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ صدقه شيء من الشجر غير النخل والعنب. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩٠) ٢: ٥٢٩ كحاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمس ذود صدقه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٧٩) ٢: ٦٧٣ كتاب الزكاة. وأخرجه ابو داود في " ستنه " (١٥٥٨) ٢: ٩٤ كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٢٦) ٣: ٢٢ كتاب الزكاه، باب ما جاء في صدقه الزرع والتمر والحبوب. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٤٦) ٥: ١٨ كتاب الزكاة، باب زكاه الإبل. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٩٣) ١: ٥٧١ كتاب الزكاه، باب ما تجب فيه الزكاه من الأموال. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٥٩٢) ٣: ٦٠.
[ ٣ / ٢١٢ ]
رواه الجماعة.
ورواه أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (^١) .
وهذا نص خاص مقيد يقضي على كل حديث عام وعلى كل حديث مطلق.
ولأنها زكاة فى المال. فاعتبر لها النصاب؛ كسائر الزكوات.
(وهي) اي: الخمسة أوسق (ثلاثمائة صاع) لأن الوسق بكسر الواو وفتحها ستون صاعا إجماعا لنص الخبر.
(و) هي (بالرطل العراقي الف وستمائة) رطل. (وبـ) الرطل (المصري ألف) أي: ألف رطل (واربعمائة وثمانية وعشرون رطلا وأربعة أسباع) من الرطل المصري. (وب) الرطل (الدمشقي ثلاثمائة) أي: ثلاثمائة رطل (واثنان واربعون رطلا وستة أسباع) من الرطل الدمشقي. (وب) الرطل (الحلبي مائتان وخمسة وثمانون رطلا وخمسة اسباع) من الرطل الحلبي.
(وب) الرطل (القدسي مائتان وسبعة وخمسون رطلا وسبع رطل) قدسي.
(والأرز والعلس) والعلس نوع من الحنطة (يدخران في قشرهما) عادة لحفظهما (فنصابهما معه) أي: مع قشرهما (ببلد خبرا) أي: الأرز والعلس بتلك البلد (فوجدا) بالاختبار أنه (يخرج منهما مصفى النصف مثلا ذلك) فيكون نصاب كل منهما في قشره عشرة أوسق.
وإن شككنا في بلوغه نصابًا خير صاحبه بين إخراج عشره وبين إخراجه من قشرة كقولنا في مغشوش الذهب والفضة.
ولا يجوز تقدير غير العلس من الحنطة في قشره ولا إخراجه قبل تصفيته لأن العادة لم تجر به. ولم تدع الحاجة إليه، ولا يعلم قدر ما يخرج منه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ١ ٩٢) ٢: ٠٢ ٤. ()
[ ٣ / ٢١٣ ]
(والوسق والصاع والمد) أصلها (مكاييل نقلت إلى الوزن لتحفظ وتنقل.
والمكيل) يختلف في الوزن. فإن (منه ثقيل كأرز) وتمر.
(و) منه (متوسط كبر) وعدس.
(و) منه (خفيف كشعير) وذرة. وأكثر التمر أخف من الحنطة على الوجه الذي يكال شرعا لأن ذلك على هيئته غير مكبوس.
(والاعتبار) من هذه المكيلات (بمتوسط) وهو الحنطة والعدس.
قال في " الفروع ": ونص أحمد وغيره من الأئمة على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالحنطة أي: بالرزين من الحنطة لأنه (^١) الذي يساوي العدس في وزنه.
(فتجب) الزكاة (في خفيف) إذا (قارب هذا الوزن وإن لم يبلغه) أي: يبلغ هذا الوزن لأنه في الكيل كالرزين.
إذا علمت ذلك (فمن اتخذ ما) أي: مكيلا (يسع صاعا) أي: خمسة أرطال وثلثا (من جيد البر) ثم كال به ما شاء (عرف به ما يلغ حد الوجوب من غيره).
قال في " الفروع ": نص أحمد رحمه الله تعالى على ذلك. وقاله القاضي وغيره. وحكى القاضي عن ابن حامد يعتبر أبعد الأمرين من الكيل والوزن.
وذكر ابن عقيل وغيره- أن الاعتبار بالوزن.
قال الأئمة منهم صاحب " المغني " و" منتهى الغاية ": ومتى شك في بلوغ قدر النصاب احتاط وأخرج ولا تجب لأنه الأصل فلا يثبت بالشك. انتهى.
(وتضم انواع الجنس) الواحد (من زرع العام الواحد) بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. فيضم العلس إلى الحنطة لأنه نوع منها. والسلت إلى الشعير لأنه نوع منه. جزم به جماعة منهم الموفق والمجد.
_________________
(١) في ج: وهو. ()
[ ٣ / ٢١٤ ]
قال في " الفروع ": لأنه أشبه الحبوب به في صورته.
لا جنس إلى الآخر على الأصح كالثمار والمواشي. فيعتبر النصاب في كل جنس منفردا.
وعنه: أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض.
وعنه: ان الحنطة تضم إلى الشعير.
وعنه: أن القطنيات بكسر القاف جمع قطنية يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. والقطنيات هي: الباقلاء والعدس والماش واللؤبياء والترمس والسمسم وما أشبه ذلك سميت قطنيه فعلية من قطن يقطن في البيت، أي: يمكث فيه. ومن ذلك قولهم فلان قاطن بمكان كذا.
(و) تضم أيضًا (ثمرته) اي: ثمرة العام الواحد إذا كانت من جنس واحد (ولو) كانت الثمرة (مما) اي: من شجر (يحمل في السنة حملين) في الأصح بعضها (إلى بعض)؛ لأنها ثمرة عام واحد فضم بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد. وكالذرة الذي تنبت مرتين.
ولأن الحمل الثانى يضم إلى الحمل المنفرد كما لو لم يكن حمل أول فكذلك إذا كان؛ لأن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعا بدليل حمل الذرة الأول. وبها يبطل ما ذكروه من انفصال الثانى عن الأول.
و(لا) يضم (جنس إلى آخر) في تكميل النصاب على الأصح كضم تمر إلى زبيب أو حنطة او لوز لأنها اجناس يجوز التفاضل فيها. فلم يضم بعضها إلى بعض.
ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة، لأنه نوع منها وإذا انقطع القياس لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم.
الشرط (الثاني) لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض من الحبوب والثمار: (ملكه) اي: ملك من هو من أهل الزكاة لما تجب فيه الزكاة (وقت وجوبها) ووقت وجوبها في الحبوب إذا اشتدت، وفي الثمار إذا بدا صلاحها.
[ ٣ / ٢١٥ ]
(فلا تجب) الزكاة (في مكتسب لقاط، و). لا في (اجرة حصاد)، ولا فيما ملك بعد وقت الوجوب بشراء أو إرث او غيرهما، (ولا فيما لا يملك إلا بأخذ) وهو ما يجتنى من المباح (كبطم وزعبل) بوزن جعفر وهو شعير الجبل (وبزر قطونا ونحوه) كحب النمام وبزر البقلة (^١)؛ لأنه لم يملك لثميئا من ذلك وقت الوجوب.
وقال القاضي وأبو الخطاب في البطم والزعبل وبذر القطونا ونحوه: أن فيه الزكاة إذا نبت في أرضه لكونه حبا مكيلا مدخرا.
(ولا يشترط) لوجوب الزكاة (فعل الزرع فيزكي نصابًا حصل من حب له) أي: لمن هو من أهل الزكاة (سقط بملكه) من الأرض. (أو) سقط في أرض (مباحة) لأنه ملكه وقت وجوب الزكاة.
_________________
(١) في ج: الباقلة. ()
[ ٣ / ٢١٦ ]
[فصل: فيما يجب فيه العشر أو نصفه]
(فصل. ويجب فيما) أي: في حب وثمر (يشرب بلا كلفة) الذي يشرب (بعروقه) ويسمى بعليا، (وغيب) وهو ما يزرع على المطر، (وسيح)
وهو الماء الجاري على وجه الأرض كماء الأنهار (ولو بإجراء ماء حفيرة) حصل فيها من نهر او مطر (شراه) رب الزرع أو الثمر لزرعه او لشجره: (العشر) فاعل يجب.
قال في " الفروع ": وإن اشترى ماء بركة أو حفيرة وسقى سيحًا فالعشر في ظاهر كلام أصحابنا. قاله صاحب " المحرر " لندرة هذه المؤنة. وهي: في ملك الماء لا في السقي به. قال: يحتمل نصف العشر لأنه سقي بمؤنة، وأطلق ابن تميم وجهين.
وإن جمعه وسقى به فالعشر. انتهى.
(ولا يؤثر مؤنة حفر نهر) وقناة؛ لقلة المؤنة. لأن ذلك من جمله إحياء الأرض ولا يتكرر كل عام.
(و) لا مؤنة (تحويل ماء) في السواقي وإصلاح طرق الماء؛ لأن ذلك لا بد منه حتى بالسقي بالكلف.
ولأنه كحرث الأرض.
ويجب فيما سقي من الحبوب والثمار.
(وبها) أي: بكلفة (كدوالي) جمع دالية. وهي: الدولاب تديره البقرة والدلاء الصغار الذي يستقي بها الرجل ونحوه. (ونواضح) جمع ناضح وهو البعير الذي يسقى عليه. وكالناعورة وهي الدولاب الذي يديره الماء.
(وكترقية) الماء (بغرف ونحوه: نصفه) اي: نصف العشر.
والأصل في ذلك ما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال:
[ ٣ / ٢١٧ ]
" فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر " (^١) . رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه.
ورواه النسائي وأبو داود وابن ماجه " فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بعلا: العشر. وفيما سقي بالسواني والنضح: نصف العشر " (^٢) . والسواني والنواضح: الإبل التي يستقى عليها لسقي الأرض.
والقرب: دلو البعير الناضح.
والرشا: حبله الذي يستقى به.
وإنما كمل الشارع العشر في القسم الأول ونصفه في الثاني؛ لأن المال يحتمل المواساه عند خفه المؤنة ما لا يحتمل عند (^٣) كثرتها. ولذلك اعتبر السوم في المواشي.
والضابط في ذلك: أن ما يحتاج إلى ترقية الماء فيه إلى الأرض بآلة من غرب (^٤) أو نضح أو دالية أو ناعورة ونحو ذلك ففيه نصف العشر، وما لا يحتاج إلى ذلك ففيه العشر.
(و) يجب (فيما يشرب بهما) أي: بكلفة وبغير كلفة (نصفين) أي: نصف سنة بكلفة ونصف سنة بغير كلفة: (ثلاثة ارباعه) أي: أرباع العشر؛ لأن
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤١٢) ٢: ٥٤٠ كتاب الزكاه، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٤٠) ٣: ٣٢ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى با لأنهار وغيره. وأخرجه اخمد في " مسنده " (١٧٨٩ ٢) ٥: ٢٣٤ قال الترمذي: حديب حسن صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٩٦) ٢: ٠٨ ١ كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٨٨) ٥: ٤١ كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨١٧) ١: ٥٨١ كتاب الزكاه، باب صدقة الزروع والثمار.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) الغرب: الدلو العظيمة يستقى بها على السانية. " المصباج ". مادة غرب.
[ ٣ / ٢١٨ ]
ولأنه لا يتيقن الخروج من عهدة ما عليه إلا بما ذكر. فأشبه من نسي صلاة من يوم وانسي عينها.
ولأن هذا أحوط وليس فيه خطأ متيقن.
تمام العشر تعأرض فيه موجب ومسقط فغلب الموجب احتياطا للفقراء.
ولأن فيه إنصافا بين المالك والفقير. وتوفيرا على كل واحد من الصنفين المتساويين في حكم فكان اولى من إلغاء أحدهما.
(فإن تفاوتا) أي: السقي بكلفة والسقي بلا كلفة بأن سقي بأحدهما أكثر من الآخر (فالحكم لأكثرهما) أي: أكثر السقيين (نفعًا ونموا). نص عليه وقاله القاضي. وقال أيضًا: إن الاعتبار بعدد السقياب.
وقيل: يعتبر (^١) بالمدة وأطلق بن تميم ثلاثة اوجه.
(فان جهل) مقدار السقي فلم يعلم هل سقي سيحا أكثر او سقي بكلفة أكثر أو جهل أكثرهما نفعًا ونموًا: (فالعشر) أي: فيجب العشر احتياطا، لأن الأصل عدم الكلفه فيه. فلا يثبت وجودها بالشك.
ولأنه لا يتيقن الخروج من عهدة ما عليه الا بما ذكر. فأشبه من نسي صلاة من يوم وأنسي عينها.
ولأن هذا أحوط وليس فيه خطأ متيقن.
وقيل: يؤخذ بالقسط؛ لأن القسط يثبت مع المناصفة فكذا مع التفاضل والأول المذهب، لأن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وما يشرب في كل سقية يعسر ويشق. فضبط الحكم بمظنة الكثرة؛ كما قلنا في السوم.
(و) متى قال الساعي للمالك: عليك العشو لأنك تسقي بلا كلفة وقال المالك: بل نصف العشر لأنى سقيت بكلفة: فإنه (يصدق مالك فيما سقى به) منهما بغير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم على المذهب. (ووقت وجوب) الزكاة (في حب إذا اشتد)، لأن اشتداده حالة صلاحه للأخذ والتوسيق والادخار.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢١٩ ]
(و) وقت وجوبها (في ثمرة إذا بدا صلاحها)؛ لأن بدو صملاج الثمرة حالة الخرص لمأمور به لحفظ الزكاة ومعرفة قدرها. فدل على تعلق وجوبها به. ولأن الحب والثمره في كل من الحالتين يقصدان للأكل والاقتيات.
(فلو باع) المالك (الحب او الثمرة)، أو وهبهما، (او تلفا) أي: الحب والثمرة (بتعديه) أي: تعدي المالك (بعد) أي: بعد اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمره: (لم تسقط) الزكاة. ولو مات وله ورثة لم تبلغ حصة واحد منهم نصابًا لم يؤثر ذلك.
ولو ورثه من لا دين عليه (^١) لمديون لم تمتنع الزكاة عنه بوجود ذلك الدين ولو كان ذلك قبل صلاح الثمرة واشتداد الحب لانعكست هذه الأحكام. (ويصح) فيما إذا باع الحب أو التمره (اشتراط الإخراج) أي: إخراج الزكاه الواجبة في المبيع (على مشتر) في الأصح؛ للعلم بها. فكأنه استثنى قدرها ووكله في إخراجه. حتى لو لم يخرجها المشتري وتعذر الرجوع عليه ألزم بها البائع. ويفارق ما إذا استثنى زكاة نصاب ماشية للجهالة. أو اشترى ما لم يبد صلاحه بأصله لا يجوز شرط المشتري زكاته على البائع لأنه لا تعلق لها بالعوض الذي يصير إليه.
(وقبل فلا زكاة) يعني: وقبل أن يشتد الحب أو يبدو صلاح الثمرة فلا تجب الزكاة إذا باعها قبل ذلك (إلا إن قصد الفرار منها) أي: من وجوب (^٢) الزكاة عليه] إذا لم يبعها] (^٣) .
(وتقبل) منه (دعوى عدمه) أي: عدم الفرار من الزكاة.
(و) دعوى (التلف) أي: تلف المال قبل وجوب الزكاة فيه (بلا يمين.
ولو اتهم) في ذلك إن ادعى سببًا خفيا لتعذر إقامة البينة عليه.
_________________
(١) في أ: له.
(٢) في أ: وجب.
(٣) ساقط من ب.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
(إلا ان يدعيه ب) سبب (ظاهر) كحريق وجراد (ف) إنه (^١) (يكلف البينة عليه) أي: على وجود السبب (ثم يصدق فيما تلف) من ماله الزكوي بذلك السبب.
(ولا تستقر) زكاة الحب ولا الثمر (إلا بجعل) لذلك (في جرين او بيدر او مسطاح ونحوها). ولعل مسمى الجميع واحد.
قال في " الإنصاف ": الجرين يكون بمصر والعراق، والبيدر يكون بالشرق والشام، والمربد يكون بالحجاز. وهو: الموضع الذي تجتمع فيه الثمرة ليتكامل جفافها. والجوجان يكون بالبصره. وهو موضع (^٢) تشمسها وتيبيسها. ذكره في " الرعاية " وغيرها. ويسمى بلغة آخرين المسطاح. وبلغة اخرين الطبابة. انتهى.
فلو تلف ما تجب فيه الزكاة من تمر أو حب بجائحة سماوية قبل الجذاذ.
الحصاد سقطت زكاته. نص عليه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ان الخارصى إذا خرصى الثمرة ثم أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا شيء عليه. وذلك لأنه في هذه الحال في حكم ما لا تثبت اليد عليه. بدليل أن من اشترى ثمرة فذهبت (^٣) بعطش اصابها رجع بها على البائع. وكذلل سائر الجوائح.
ولو تلف البعض بالجائحة فإن كان الباقي نصابًا ففيه الزكاة. لا إن نقص عن نصاب في الأصح؛ لقوله ﷺ " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " (^٤) . وهذا يعم حال الوجوب ولزوم الأداء.
(ويلزم) رب المال (إخراج حب مصفى) من سنبله أو قشره. (و) إخراج
_________________
(١) ساقط من ا. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) في ب: وذهبت. . ()
(٤) سبق تخويجه ص (٢١٢) رقم (٢).
[ ٣ / ٢٢١ ]
(ثمر يابسا)؛ لما روى الدارقطنى من حديث عتاب بن أسيد: " أن النبي ﷺ أمره أن يخرص العنب زبيبا كما يخرص التمر " (^١) .
ولا يسمى زبيبا وتمرا حقيقة إلا اليابس. وإذا أثبت ذلك فيهما فالكل كذلك.
ولأن حالة التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار حالة كمال ونهاية صفات ادخاره، ووقب لزوم الإخراج منه.
(وعند الأكثر) أن ذلك عام في جميع الأحوال حتى (ولو احتيج إلى قطع ما بدا صلاحه قبل كماله لضعف اصل، أو خوف عطش، أو تحسين بقية، او وجب) قطعه (لكون رطبه لا يتمر) أي: لا يصير تمرا، (أو عنبه لا يزبب) أي: لا يصير زبيبا.
(ويعتبر نصابه يابسا).
قال في " التنقيح ": فإن احتاج إلى قطعه بعد بدو صلاحه وقبل كماله لضعف أصل ونحوه كخوف عطش أو تحسين بقية أو كان رطبا أو عنبا لا يجنى منه تمر ولا زبيب: وجب قطعه. ويحرم مع حضور ساع إلا بإذنه. ويخرج منه رطبا وعنبا إن كان قدر نصاب يابسا. اختاره القاضي والمصنف- يعني: الموفق- والمجد وصاحب " الفروع " وغيرهم. والمذهب لا يخرج إلا يابسا. انتهى.
فلو أخرجها المالك سنبلا ورطبا وعنبا إلى من له أخذ الزكاة لنفسه لم يجزئه ووقعت نفلا كما لو أخرج الصغيرة من الماشية عن الكبار. وإن أخذها منه الساعي كذلك فقد أساء ويرده إن كان رطبا بحاله، وإن تلف رد مثله. وإن جففه فكان قدر الزكاة فقد استوفى الواجب. وإن كان دونه أخذ الباقي. وإن كان زائدا رد الفضل.
(ويحرم القطع) أي: قطع الثمار (مع حضور ساع بلا إذنه)، لحق أهل
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٤) ٢: ١٣٤ كتاب الزكاة، باب في قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض وخرص الثمار.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
الزكاة فيها، وكون الساعي كالوكيل عنهم. وتجب زكاة ذلك عملا بالغالب.
(و) يحرم أيضًا على من زكى او تصدق بشيء (شراء زكاته او صدقته ولا يصح) العقد على الأصح، وذلك لما روي " أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله. ثم راها تباع. فأراد أن يشتريها. فسأل النبي ﷺ فقال: لا تعد في صدقتك يا عمر " (^١) رواه الجماعة.
زاد البخاري " فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيء يتصدق به إلا جعله صدقة" (^٢) .
وفي رواية عن عمر قال: " حملت على فرس في سبيل الله. فأضاعه الذي كان عنده، واردت أن اشتريه، وظننب أن يبيعه برخص. فسألت النبي صص فقال: لا تشتريه، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم. فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه " (^٣) . متفق عليه.
فوجه الحجة انه جعل اشتراءه لصدقته عودا فيها ونهى عنه.
ولأن شراءها وسيلة إلى استرجاع شيء منها لأنه يستحيي أن يماكسه في
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٠٩) ٣: ٤٨ كتاب الجهاد والسير، باب الجعائل والحملان في السبيل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٢١) ٣: ١٢٤٠ كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق ممن تصدق عليه. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٩٣) ٢: ١٠٨ كتاب الزكاه، باب الرجل يبتاع صدقه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٨) ٣: ٥٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية العود في الصدقة. قال الترمذي: حديث حسن صحح. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦١٧) ٥: ١٠٩ كتاب الزكاة، شراء الصدقة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٩٠) ٢: ٧٩٩ كتاب الصدقات، باب الرجوع في الصدقة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣ " ٤٩) ٢: ٤٨.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤١٨) ٢: ٥٤٢ كتاب الزكاة، باب هل يشتري صدقه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤١٩) ٢: ٥٤٢ كتاب الزكاة، باب هل يشتري صدقته. واخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٦٢) ٣: ١٢٣٩ كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
ثمنها، وربما سامحه طمعا منه بمثلها، أو خوفا منه إذا لم يبعها أن لا يعود يعطيه في المستقبل. وكل هذه مفاسد فوجب حسم المادة بقطع طمع المالك في شرائها. فإن رجعت إليه الصدقة بالإرث بًان مات المعطى والمعطي وارثه طابت له من غير كراهة في قول الجمهور. ويدل لذلك ما روى بريدة " أن النبي صص أتته امرأة. فقالت: إنى تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. فقال رسول الله صص: وجب أجرك وردها عليك الميراث " (^١) . رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. (وسن) للإمام (بعث خارصر لثمرة نخل وكرم بدا صلاحها) فيخرصها على ملاكها ليتصرفوا فيها، لأنه بالخرص يعرف الساعي والمالك قدر ما عليه من الزكاة. والخرص إنما استعمل هاهنا مع كونه إنما يفيد غلبة الظن للحاجة فإن اليقين متعذر. وممن كان يرى استحباب الخرص أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وهو قول أهل عامة أهل العلم إلاما روي عن الشعبي أنه قال: الخرص بدعة. وما روي عن الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنهم أنكروه وقالوا: إنه غرر وتخمين.
ولنا ما روي عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود ليخرص عليهم النخل قبل أن يؤكل " (^٢) . متفق عليه.
وفي روايه لأحمد وأبي داود: " لكي يخرص الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق " (^٣) .
_________________
(١) أخبرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٩) ٢: ٨٠٥ كتاب الصيام، باب دضاء الصيام على الميت. وأخرجه أبو داود في "سننه " (٩ " ٣٣) ٣: ٢٣٧ كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٧) ٣: ٥٤ كتاب الزكاة، باب ما جاء في المتصدق يرث صدقته. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٩٤) ٢: ٠ ٨٠ كتاب الصدقات، باب من تصدق بصدقه ثم ورثها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠٦، ٢٣) ٥: ٣٤٩.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٦) ٢: ١١٠ كتاب الزكاة، باب متى يخرص التمر. ولم أره في " الصحيحين ". والله أعلم
(٣) أخرجه أبهو داود في " سحننه " (٣٤١٣) ٣: ٢٦٣ كتاب البيوع، باب في الخرص. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٣٤٤) ٦: ١٦٣.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وما روى سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد " ان النبي ﷺ كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم " (^١) رواه الترمذي وابن ماجه.
وصح عن النبي ﷺ " أنه خرص على امرأة بوادي القرى حديقة لها " (^٢) . وحديثها في " مسند أحمد ".
وقولهم: إنه خطر وغرر، قلنا: بل هو اجتهاد في معرفة الحق بغالب الظن. وذلك جائز كما في تقويم المتلفات والمجتهدات في الشرعيات وسائر الظواهر المعمول بها وإن احتملت الخطًا.
(ويكفي) خارص (واحد)؛ لأنه ينفذ ما يؤدي إليه اجتهاده كحاكم وقائف.
(ويعتبر كونه) أي: الخارص (مسلما امينا لا يتهم)؛ لأن من ليس كذلك لا يعول على قوله.
وكونه (خبيرا) بالخرص ولو قنا لأن غير الخبير لا يعول على خوصه فتفوت الحكمة التي شرع لها الخر ص.
(واجرته) أي: اجرة خرص الثمار (على رب المال.
وإلا) أي: وإن لم يبعب الإمام خارصا (فعليه) أي: على مالك الثمار فعل (ما يفعله خارص ليعرف) قدر (ما يجب) عليه من الزكاة (قبك تصرفه) في الثمار؛ لأنه مستخلف فيه.
(وله) أي: للخارص أو رب المال إن لم يبعب إليه خار ص (الخواص كيف شاء) إن كانت الثمره من نوع واحد. فيخير بين أن يخر صكل نخلة على حدة بًان يطيف بها وينظر كم فيهارطبا (^٣) . ثم كم يجيء منه تمر. ثم يجمع جمله
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٤٤) ٣: ٣٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الخرص. - قال الترمذي: حديب حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه في " يمشنه " (١٨١٩) ١: ٥٨٢ كتاب الزكاة، باب خرص النخل والعنب
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٢٧٤) ٥: ٤٢٥.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
التمر وبين أن يخرص الجميع دفعة بأن ينظر كم في كل نخلة رطب ثم ينظر كم يجيءمن الجميع تمر.
(و) إن كان التمر انواعا فإنه (يجب خرصر متنوع وتزكيته كل نوع على حدته) أي: على انفراده (ولو شقا)، لأن الأنواع حالة الجفاف تختلف: فمنها ما يزيد رطبه على تمره، ومنها ما يزيد تمره على رطبه. وتختلف الزيادة والنقصان بحسب اختلافهما في اللحم والماوية كثرة وقلة.
(ويجب تركه) أي: ترك الخارص (لرب المال الثلث او الربع. فيجتهد) في أيهما يتركه لرب المال (بحسب) ما يراه من (المصلحة).
لما روي عن سهل بن أبي حثمة قال رسول الله ﷺ: " فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.
وعن جابر بن عبدالله ان رسول الله ﷺ قال: " خففوا في الخرص. فإن في المال العرية والواطئة والأكلة والوصية والعامل والنوائب وما وجب من الحق " (^٢) . وعن عمر بن الخطاب " أنه كان يأمر الخراص إذا خرصوا أن يخرصوا ويرفعوا عنهم قدر ما يًا كلون " (^٣) . رواهما (^٤) الأثرم.
وروى أبو عبيد بإسناده عن مكحول فال: " كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: خففوا فإن في المال العرية والوصية " (^٥) . أخرجه الطحاوي أيضًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه ") ١٦٠٥) ٢: ١١٠ كتاب الزكاة، باب في الخرص. وأخرجه الترمذي في " جامعه ") ٦٤٣) ٣: ٣٥ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الخرص. وأخرجه النسائي في " سننه ") ٢٤٩١) ٥: ٤٢ كتاب الزكاة، كم يترك الخارص. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ١٥٧٤٦) ٣: ٤٤٨.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٢٤ كتاب الزكاة، باب من قال: يترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله. . .
(٣) أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(٤) في ب: رواه.
(٥) أخرجه أبو عبيد في " الأموال ") ١٤٥٢) ٤٣٥ باب خرص الثمار للصدقه، والعرايا، والسنة في ذلك.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
قال أبو عبيد: الواطئة السابلة. سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار وكذلك المو طأة (^١) .
والأكلة: أرباب الثمار وأهل وهم ممن لصق بهم. والعرية: النخلة أو النخلات توهب للإنسان ليًا كل ثمرتها.
وقد روى أبو عبيد بإسناده عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال " ليس في العرايا صدقة" (^٢) .
وأما الوصية فقال صاحب " الحاوي " ما يوصي به ارباب الثمار بعد الزكاة. والعرية: ما يفرد للصلاة في الحياة. والنائبة: ما ينوب الثمار من الجوائح. ولأن احتساب ذلك على المالك مع جريان العادة ومشقة تركه فيه إجحاف بهم ولذلك أسقطنا عنهم زكاة ما تلف في هذه الحالة بجائحة لكثرة افات الثمار.
(فإن أبى) الخارص ترك ذلك لرب المال (فلرب المال اكلل قدر ذلك من ثمر) نص عليه.
(و) أكل (من حب العادة وما يحتاجه. ولا يحتسب) ذلك (عليه).
قال أحمد في رواية عبدالله: لا بًاس ان يأكل الرجل من غلته بقدر ما يأكل هو وعياله. ولا يحتسب عليه.
(ويكمل به النصاب) أي: بما كان له أن يأكله. ولا يحتسب عليه) إن لم يأكله. وتؤخذ زكاة ما سواه بالقسط) أي: سوى ما ترك أكله مما كان له أن يأكله ولا يحتسب عليه. فلو كان ثمره كله خمسة أوسق ولم يأكل منه شيئا فإنه يكمل النصاب بالربع الذي كان له أن يأكله ولا يحتسب عليه ويؤخذ منه زكاة ما سواه وهو ثلاثة أوسق وثلاثة أرباع وسق.
(ولا يهدي) يعني: أن لرب المال أن يأكل كما تقدم لا أن يهدي.
_________________
(١) ر " الأموال " لأبي عبيد ص: ٤٣٦. ()
(٢) أخرجه أبو عبيد في " الا موال " (١٤٥٠) الموضع السابق. ()
[ ٣ / ٢٢٧ ]
قال أحمد في رواية المروذي: وقد سًا له عن فريك السنبل قبل أن يقسم قال:
لا بأس أن يأكل منه صاحبه مما يحتاج إليه. قال: فيهدى للقوم منه. قال: لا. حتى يقسم.
(ويزكي) رب المال إن ترك الخارص شيئا من الواجب (ما تركه خار من الواجب). نص عليه؛ لأن الواجب لا يسقط بترك الخارص إياه.
(و) يزكي رب المال أيضًا (ما زاد على قوله) أي: قول الخارص انه يجيء منه تمر أوزبيب كذا (عند جفاف).
و(لا) يزكي (على قوله) أي: قول الخارص يجيء منه تمر أو زبيب كذا عند جفاف (إن نقص) عما قال الخارص؛ لأنه لا زكاة عليه فيما ليس في ملكه. وإذا ادعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا قبل قوله بغير يمين. وإن لم يكن محتملا؛ مثل: إن إدعى غلط النصف ونحوه: لم يقبل؛ لأنه لا يحتمل. فيعلم كذبه. وإن قال: لم يحصل في يدي إلا كذا قبل قوله؛ لأنه قد يتلف بعضه بافة لا يعلمها. قاله (^١) في " شرح المقنع الكبير ".
(وما تلف) من الثمر حال كونه (عنبا او رطبا) وكان تلفه (بفعل مالك) للثمر (او تفريطه) حتى تلف: (ضمن زكاته) أي: زكاة التالف (بخرصه) أي: خرص التالف (زبيبا او تمرا) أي: بما كان يجيء منه تمر أو زبيب لو لم يتلف؛ وذلك لأن المالك يلزمه تجفيف الرطب والعنب إلى أن يصير تمرا وزبيبا. بخلاف ما لو كان المتلف أجنبيا فإنه يضمنه بمثله رطبا وعنبا.
(ولا يخر ص) من الثمار (غير نخل وكرم)؛ لأن النص إنما ورد بخرصها مع كونها مجتمعه في العرودق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليها غالبا. والحاجه إلى أكلها رطبا أشد من غيرها. فيمتنع القياس عليها. ولا خلاف بين العلماء في ان الخرص لا يدخل الحبوب. والله أعلم.
_________________
(١) في أ: قال. ()
[ ٣ / ٢٢٨ ]
[فصل: زكاة ناتج الأرض المستعاره ونحوها]
(فصل) في بيان حكم الزرع أو الثمر إذا كان مستعيرا للأرض، أو مستأجرا أو غاصبا. وبيان الأرض العشرية والخراجية وشراء أهل الذمة للأرض من المسلمين.
(والزكاة) فيما إذا استعار إنسان من أهل الزكاة أرضا فزرعها أو غرس فيها ما أثمر ما تجب فيه الزكاة: (على مستعير) دون المعير وفاقًا.
(و) كذا إن كانت الأرض بيده بإجارة فإن زكاة الزرع والثمر تكون على (مستأجر) للأرض (دون مالك)؛ كتاجر استأجر حانوتا فإن زكاة عروض التجارة تكون على مالكها دون مالك الحانوت وفاقًا.
ولأنها زكاة مال فكانت على مالكه كزكاة السائمة.
ولأنه اجتمع مالك الأرض ومالك الزرع. فكان العشر على من له الزرع، كالمعير والمستعير.
ولأن الزكاة من حقوق الزرع. بدليل أنه لا تجب زكاة إن لم تزرع الأرض. وتتقدر الزكاة بقدر الزرع. بخلاف خراج الأرض فإنه من حقوق الأرض فلهذا كان خراج أرض العنوة على من هي بيده وفاقًا.
(ومتى حصد غاصب أرض زرعه) من الأرض المغصوبة (زكاه) غاصبها؛ لاستقرار ملكه عليه.
(ويزكيه) أي: يزير الزرع (ربها) أي: رب الأرض المغصوبة (إن تملكه) أي: تملك رب الأرض المغصوبة زرع الغاصب (قبل) أي: قبل حصده؛] لأن لرب الأرض تملك زرع الغاصب قبل حصده [(^١) بمثل بذرة
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وعوض لواحقه كما يًاتي في الغصب.
(ويجتمع عشر وخراج في) كل أرض (خراجية). نص عليه؛ لعموم قوله ﷾ (ومما أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة: ٢٦٧].
وقوله ﷺ: " فيما سقت السماء العشر " (^١) .
وقوله: " يخرص العنب فتؤخذ زكاته زبيبا " (^٢) .
إلى غير ذلك من العمومات بالعشر. فالخراج في رقبتها والعشر في غلتها.
ولأن سبب احدهما التمكين من الانتفاع والآخر وجود الماء فجاز اجتماعهما كأجرة المتجر مع زكاة التجارة.
(وهي) أي: الأرض الخراجية ثلاثة أضرب:
أحدها: (ما فتحت عنوة ولم تقسم.
و) الثانية (ما جلا عنها أهل ها خوفا منا.
و) الثالثة: (ما صولحوا) أي (^٣): أهل ها (على انها) أي: الأرض (لنا ونقرها معهم بالخراج) الذي عليها.
ولا زكاة على من بيده أرض خراجية في قدر الخراج إذا لم يكن له مال اخر يقابله.
قال في " منتهى الغاية ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع " وفي " المستوعب ": لأنه كدين ادمي. وكذا ذكره الشيخ- يعني: الموفق- وغيره أنه اصح الروايات وأنه اختيار الخرقي لأنه من مؤنة الأرض كنفقه زرعه. انتهى.
فإن كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه كالثمار التي لا زكاة فيها والخضروات
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢١٨) رقم (١). ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٣) ٢: ١١٠ كتاب الزكاة، باب في خرص العنب. ()
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وفيها زرع فيه الزكاة: جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة الخراج وزكى ما فيه الزكاة إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج، وإن لم يكن له غلة إلا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي.
قال في " شرح المقنع ": في أصح الروايات.
(و) أما الأرض (العشرية) فخمسة أضرب: احدها: (ما أسلم أهلها عليها كالمدينة ونحوها) كجواثى من قرى البحرين.
(و) الثانية: (ما اختطه المسلمون كالبصرة ونحوها) كمدينة واسط.
(و) الثالثة: (ما صولح أهل ها على أنها) أي: أرضهم الهم بخراج يضرب عليهم كاليمن) أي: كأرض اليمن.
(و) الرابعة: (ما فتح عنوة وقسم) بين الغانمين (كنصف) أرض (خيبر).
(و) الخامسة: (ما أقطعه الخلفاء الراشدون من السواد إقطاع تمليك).
قال أحمد في رواية ابن منصور: والأرضون التي يملكها أربابها ليس فيها خراج مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد وابن مسعود وخباب. قال القاضي: وظاهره أنه لم يوجب في قطائع السواد خراجا. وهو محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها، وللإمام ان يسقط الخراج على وجه المصلحة.
قال في " الفروع ": ولعل ظاهر كلام القاضي هذا أنهم لم يملكوا الأرض بل أقطعوا المنفعة وأسقط الخراج للمصلحة. ولم يذكر جماعة هذا القسم من أرض العشر. انتهى (^١) .
(ولأهل الذمة شراؤهما) أي: شراء الأرض العشرية والخراجية على.
الأصح فيهما.
_________________
(١) زيادة من ب. ()
[ ٣ / ٢٣١ ]
ويكره للمسلم بيعهما او إجارتهما أو إحداهما للذمي؛ لإفضاء ذلك إلى إسقاط عشر الخارج منها. ووجه صحة الشراء على المذهب أن الأرض مال مسلم يجب فيه الحق لأهل الزكاة. فلم يمنع الذمي من شرائه؛ كالسائمة.
(ولا تصير به) الأرض (العشرية) إذا اشتراها الذمي (خراجية) كما لو اشتراها مسلم أو ذمي تغلبي. ودعوى كون العشر من حقوق الأرض ممنوع بل هو من حقوق الزرع ولذلك لا يجب عشر إن لم تزرع.
(ولا عشر عليهم) أي: أهل الذمة بشرائهم الأرض العشرية لأن العشر زكاة وقربة فلا وجه لوجوبه مع الكفر.
وأما إن كان مشتري الأرض تغلبيا وزرعها أوغرس فيها ما حصل منه ما تجب الزكاة فيه كان عليه عشران نص على ذلك في رواية ابن القاسم لكن يصرفان مصرف الجزية لا مصرف الزكاة. وإذا أسلم سقط عنه أحد العشرين وصرف الآخر مصرف الزكاة.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
(فصل) في حكم زكاة العسل
وتضمين أموال العشر والخراج
(و) يجب (في العسل) أي: عسل النحل (العشر). نص على ذلك.
قال الأثرم: سئل أبو عبدالله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم. أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر. قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به. قال: لا. بل أخذ منهم.
وبهذا قال مكحول وسليمان وربيعه والزهري ويحيى بن سعيد وابن وهب بن موسى والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق بن راهويه والشافعي في القديم. وعليه استقر عمل عمر بن عبد العزيز.
(سواء اخذه) أي: أخذ العسل (من موات) كرؤوس الجبال وسائر الموات (أو) من أرض (مملوكة) عشرية أو خراجية.
وقال أبوحنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا بًان كان بأرض خراجية فلا زكاة فيه بناء على أصله في أن العشر والخراج لا يجتمعان.
وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر: لا زكاة في العسل بحال لأنه مائع خارج من حيوان. أشبه اللبن.
قال المجد: وهو القياس لولا الأثر.
قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا إجماع.
ووجه المذهب ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله ﷺ
كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها " (^١) . رواه أبو عبيد والأثرم وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١٨٢٤) ١: ٥٨٤ كتاب الزكاة، باب زكاة العسل. وأخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٤٨٨) ٤٤٤ كتاب الصدقة، باب ما اختلف الناس في وجوب صدقةمن الأموال.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وما رواه أبو سيارة المتعي قال: " قلت: يا رسول الله! إن لي نحلا. قال:
فأد العشر. قال: قلت يا رسول الله! احم لي جبلها قال: فحمى لي جبلها " (^١) رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ لأبي داود والنسائي قال: "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله ان يحمي واديا يقال له سلبة. فحمى له رسول الله صص ذلك الوادي. فلما ولي عمر بن الخطاب كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك. فكتب إليه: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صص من عشر نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء " (^٢) .
وروى الأثرم عن أبي ذباب عن ابيه عن جده " أن عمر أمره في العسل بالعشر" (^٣) .
ويفارق العسل اللبن أن الزكاة واجبة في أصل اللبن وهو السائمة بخلاف العسل.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٢٣) ١: ٥٨٤ كتاب الزكاه، باب زكاة العسل. قال في " الزوائد ": قال في إسناده: ابن أبي حاتم عن أبيه، لم يلق سليمان بن موسى أبا سيارة. والحديب مرسل. وحكىالترمذي في " العلل " عن البخاري، عقب هذا الحديث، أنه مرسل. ثم قال: لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة. انتهى. وأبو سيارة ليس له عند ابن ماجه سوى هذا الحديث الواحد، وليس له شيء فيالأصول الخمسة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٠٩٤) ٤: ٢٣٦.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٥) ٢: ١٠٩ كتاب الزكاة، باب زكاة العسل. واخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٩٩) ٥: ٤٦ كتاب الزكاة، باب زكاة النحل.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن البهرى " ٤: ١٢٧ كتاب الزكاة، باب ما ورد في العسل. عن سعد بن أبي ذباب قال: قدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت ثم قلب: يا رسول الله اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم ففعل رسول الله ﷺ واستعملني عليهم، ثم استعملنى أبو بكر ثم عمر، قال: وكان سعد من أهل السراة قال: فكلمت قومي في العسل فقلت لهم: زكوه فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى فقالوا: كم؛ قال: فقلت: العشر فأخذت منهم العشر فأتيت عمر بن الخطاب ﵁ فأخبرته بما كان قال: فقبضه عمر ﵁ فباعه ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وبأن العسل (^١) مأكول في العادة (^٢)، متولد من الشجر، يكال ويدخر.
فأشبه التمر وذلك أن النحل يقع على نور الشجر فيأكله فهو متولد منه.
(ونصابه) أي: نصاب العسل عشرة أفراق. نص عليه أحمد. جمع فرق بفتح الراء؛ لما روي عن عمر " أن ناساسًا لوه. فقالوا: إن رسول الله صص اقطع لنا واديا باليمن فيه خلايا من نحل. وإنا نجد ناسا يسرقونها. فقال عمر: إن اديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم ". رواه الجوزجانى.
وهذا تقرير من عمر رضي الله تعالى عنه فيجب المصير إليه.
والأشهر: أن الفرق ستة عشر رطلا عراقيا. فالعشر أفراق: (مائة وستون رطلا عراقية). وهو مكيال معروف بالمدين. ذكره الجوهري وغيره؛ لخبر كعب في الفدية (^٣) . فحمل كلام عمر على المتعارف ببلده وهي الحجاز أولى مما سواه، والفرق ستة أقساط. وهي ثلاثة اصع. فتكون اثني عشر مدا.
وقال ابن حامد والقاضي في " المجرد " وجزم به في " المقنع " و" التسهيل " و" المبهج ": أن الفرق ستون رطلا.
والأول المذهب.
(ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والترنجبيل والشيرخشك ونحوها كاللاذن وهو طل وندى ينزل على نبت تأكلله المعزى فتتعلق تلك الرطوبة بها) أي: با لمعزى (فتؤخذ) من المعزى.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والترنجبيل والشيرخشك ونحوها ومنه اللاذن. وهو: طل وندى ينزل على نبت
_________________
(١) في أ: التحل. وهو: وهم. ()
(٢) في خ زلادة: من. ()
(٣) وهو قوله ﵇ لكعب بن عجرة: " أطعم ستة مساكين فرقا من طعام ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٢٧) ٤: ٥٢٧ ١ كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٠١) ٢: ٨٦١ كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كانبه أذى. . .
[ ٣ / ٢٣٥ ]
تأكله المعزى فتتعلق تلك الرطوبة بها فتؤخذ. قدمه ابن تميم و" الفائق ".
قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام جماعة لعدم النص وجزم به المصنف في " المغني " والمجد في " شرحه " انتهى.
ووجه ذلك ان الأصل عدم الوجوب. اشبه سائر المباحات من الصيود وثمار الجبال.
وقد تقدم في العسل أن القياس عدم الوجوب فيه لولا الأثر.
(وتضمين أموال العشر و) أموال (الخراج بقدر معلوم باطل) نص أحمد على معنى ذلك. وعلله في " الأحكام السلطانية " وغيرها: بأن ضمانها بقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد وغرم ما نقص. وهذا مناف لموضوع العمالة وحكم الأمانة.
سئل أحمد في رواية حرب عن تفسير حديث ابن عمر " القبالات ربا " (^١) .
قال: هو ان يتقبل بالقرية وفيها العلوج والنحل. فسماه ربا أي: في حكمه في البطلان.
وعن ابن عباس " إياكم والربا ألا وهي القبالات ألا وهي الذل والصغار " (^٢) .
قال أهل اللغة: القبيل الكفيل والعريف. وقد قبل به يقبل ويقبل قبالة ونحن في قبالته أي: في عرافته. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٩٧) ص: ٧١. كتاب فتوج الأرضين صلحا، باب: أرض العنوة تقر في أيدي أهلها. . .
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج أبو عبيد عن ابن عباس قال: " القبالات حرام ". (١٧٨) الموضيع السابق.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
(فصل) في حكم زكاة المعدن
وهو بكسر الدال. سمي به لعدون ما أثبته الله ﷾ فيه لإقامته يقال: عدن بالمكان يعدن. والمعدن المكان الذي عدن فيه الجوهر ونحوه.
(وفي المعدن) وإن لم ينطبع خلافًا لأبي حنيفة. (وهو) أي: المعدن (كل متولد في الأرض لا من جنسها) اي: جنس الأرض (ولا نبات، كذهب وفضة وجوهر وبلور وعقيق وصفر ورصاصر وحديد وكحل وزرنيخ ومغرة وكبريت وزفت وملح وزئبق وقار ونفط ونحو ذلك) مما يسمى معدنا كالياقوت والبنفش والزبرجد والفيروزج والموميا، واليشم.
وقال القاضى عما يروى مرفوعا " لا زكاة في حجر " (^١): إن صح فهو (^٢) محمول على الأحجار التي لا يرغب فيها عادة. فدل على أن الرخام والبرام ونحوهما كحجر المسن معدن. وجزم بمعنى ذلك في " الرعاية " وغيرها.
قال أحمد رحمه الله تعالى: كلما وقع عليه اسم المعدن ففيه الزكاة حيث كان في ملكه أو في البراري.
(إذا استخرج) لعموم قوله ﷾: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة: ٢٦٧].
ولأنه مال لو غنمه أخرج خمسه. فإذا أخرجه من معدن وجبت زكاته، كالذهب والفضة.
وزكاته (ربع العشر من عين نقد) وهو الذهب والفضة (وقيمه غيره) أي: غير النقد. تصرف لأهل الزكاة، لما روي" أن لنبى ﷺ أقطع بلال بن الحارث
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٤٦ كتاب الزكاة، باب ما لا زكاة فيه من الجواهر غير الذهب والفضة. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٣٧ ]
المزني المعادن القبلية. وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاه إلى اليوم " (^١) . رواه أبو داود ومالك في " الموطأ ".
قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة بالحجاز.
وذكر القاضي في " تعليقه ": أن هذه المعادن في ناحية الحمى من المدينة وهي ناحية السباط.
ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى فكان زكاته كسائر الزكوات. أو نقول حق يجب على المسلم في ماله فأشبه ما ذكرنا ولا يلزم عليه الركاز (^٢) لأنه يجب في مال الكافر ولا الكفارات لأنها تجب في الذمة.
ولوجوب الزكاة في المعدن شرطان: اشير إلى أحدهما بقوله: (بشرط بلوغهما) أي: عين النقد وقيمة غيره (نصابًا بعد سبك وتصفية) كالحب والثمر. فلو أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا. والقول في قدر المقبوض قول الأخذ لأنه غارم. فإن صفاه الاخذ فكان قدر الزكاه أجزأ، وإن زاد رد الزيادة إلا أن يسمح له بها المخرج، وإن نقص فعلى المخرج.
(ولا يحتسب بمؤنتهما) اي: مؤنة السبك والتصفيه في الأصح (ولا مؤنة استخراج).
ومحل ذلك: إن لم يكن دينا. فإن كان دينا احتسب به على الصحيح من المذهب.
الشرط الثانى: ما اشير إليه بقوله: (وكون مخرج من أهل الوجوب) أي:
وجوب الزكاة. فلا تجب على كافر أخرج من معدن نصابًا زكاة لأن مصرف الواجب فيه لأهل الزكاة.
وفي " الإيضاح " لابن هبيرة: في المعدن الخمس يصرف مصرف الفيء وفاقًا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه ") ٣٠٦١) ٣: ١٧٣ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إقطاع الأرضين. وأخرجه مالك في " الموطا ") ٨) ١: ٢١٣ كتاب الزكاه، باب الزكاه في المعادن
(٢) في أ: الزكاة. ()
[ ٣ / ٢٣٨ ]
لأبي حنيفة في أحد قوليه، فهي فيء من الكفار عند ابي حنيفة كالركاز والغنيمة، مع ان الشارع غاير بينهما في قوله: " المعدن جبار وفي الركاز الخمس " (^١) .
قال القاضي وغيره: اراد بقوله: المعدن جبار إذا وقع على الأجير شيء وهو يعمل في المعدن فقتله: لم يلزم المستًاجر شيء.
ولا يشترط لوجوب الزكاة في النصاب إخراجه في دفعة واحدة [مطلقا؛ لأنا لو اعتبرنا ذلك لأدى إلى عدم الوجوب فيه لأنه يبعد استخراج نصاب دفعة واحدة] (^٢) . بل تجب الزكاة في النصاب (ولو) استخرجه (في دفعات) كثيرة (لم يهمل العمل بينها) أي: بين الدفعات (بلا عذر) كمرض وسفر وإصلاح آلة ونحوها مما جرت به العادة كالاستراحة ليلا أو نهارا أو اشتغاله بتراب يخرج بين النيلين- يعني: الإصابتين- أوهرب عبيده.
(أو) كان له عذر ولم يهمل العمل (بعد زواله ثلاثة أيام). وأما إن إهمل العمل ثلاثة أيام من غير عذر فلكل مرة حكم نفسها.
(ويستقر الوجوب) أي: وجوب الزكاة (بإحرازه). فلا تسقط الزكاة بتلف النصاب بعد الإحراز.
إذا تقرر هذا (فما باعه) مما أحرزه من المعدن (ترابا) من غير تصفية وقد بلغ ما فيه نصابًا: (زكاه كتراب صاغة). فيجوز بيع تراب المعدن وتراب الصاغة بغير جنس ما فيه. نص عليه. وبه قال الحسن والنخعي وألليث وربيعة. وعنه: المنع. وبه قال الشافعي؛ لأن المقصود بالبيع مجهول مستتر. فهو كبيع الثوب في الكم.
والأول المذهب. ووجهه: أن تراب المعدن مستور بما هو من اصل الخلقة. فلم يمنع بيعه معه؛ كالجوز واللوز والفستق والبندق ونحو ذلك في قشره. ولا يلزم عليه في اللبن في الضرع لأنه يجوز بيعه مع الشاة كما اجزنا بيع التبر مع التراب. وإذا ثبت هذا في تراب المعدن قسنا عليه تراب الصاغة لعلة أنه
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٨٣٠) ٥: ٣٢٧. ()
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٣٩ ]
لا يمكن تمييزه عن ترابه إلا في ثانى الحال بكلفة ومشقة فأشبه ما ذكرنا. ولذلك احتملت جهالة أخلاط المركبات كالمعاجين ونحوها وجهالة أساسات الحيطان وما يستره التجصيص والتطيين وإن كان معظم المقصود الحاجة.
(و) المعدن (الجامد المخرج من) أرض (مملوكة لربها) أي: لرب الأرض. سواء اخرجه هو أو غيره لأنه يملكه بملك الأرض. (لكن لا تلزمه زكاته حتى يصل إلى يده) كمدفون منسي.
(ولا تتكرر زكاة معشرات) لأنها غير مرصدة للنماء فهي كعرض القنية بل أولى لنقصها بالأكل ونحوه.
(ولا) تتكرر أيضًا زكاة (معدن غير نقد) أي: غير ذهب أو فضة؛ لأن ما سواهما عرض مستفاد من الأرض. فلم تتكرر زكاته؛ كالمعشرات.
(ولا يضم جنس) من المعادن (إلى) جنس (اخر في تكميل نصاب) كبقية الأموال الزكوية.
(غيره) أي: غير النقد. فيضم الذهب إلى الفضة على الأصح؛ كما لو لم يستخرجهما من معدن.
(ويضم ما) أي: مستخرج (تعددت معادنه) اي: اماكن استخراجه (واتحد جنسه) كزرع الجنس الواحد في أماكن متعددة.
(ولا زكاة في) شيء اصابه إنسان من أهل الزكاة من (مسك وزباد) ولو بلغت قيمتة نصابًا. (ولا) على الأصح فيما أصاب من (مخرج من بحر كسمك ولؤلؤ ومرجان) هو نبات حجري متوسط في خلقته بين النبات والمعدن. ومن خواصه أن النظر إليه يشرح الصدر ويفرج القلب. ولا في عنبر ونحوه من جميع ما يلقيه البحر؛ لأن الأصل عدم الوجوب. والغالب وجوده من غير مشقة بخلاف المعدن.
ولأن العنبر كان يخرج على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه ولم يثبت عنه ولا عنهم فيه سنة. فوجب البقاء على أصل عدم الوجوب؛ كما في سائر المباحات.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
(فصل) في أحكام الركاز
(الركاز: الكنز من دفن الج أهل ية) بكسر الدال أي: مدفون الج أهلية.
(أو) دفن (من تقدم من كفار في الجملة). سمي ركازًا من الركوز وهو التغييب. ومنه ركزت الرمح إذا غيبت أسفله في الأرض، ومنه الركز (^١) وهو الصوت الخفي. ويلتحق بالمدفون في الحكم ما يوجد على وجه الأرض كما سيأتي في المتن.
وكان (عليه) كله (او على بعضه علامة كفر فقط) أي: دون علامة الإسلام.
(وفيه) أي: في الركاز إذا وجد (ولو) كان (قليلا) اي: دون النصاب (أو) كان (عرضا) أي: غير نقد: (الخمس) على واجده من مسلم وذمي وكبير وصغير وعاقل ومجنون وحر ومكاتب، لعموم قوله ﷺ فيما روى أبوهريرة عن رسول الله ﷺ انه قال: " وفي الركاز الخمس " (^٢) . متفق عليه.
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث إلا الحسن فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب. فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة.
وهذا الخمس (يصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلها) على الأصح نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم وفاقًا لأبي حنيفه، لما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي " أن رجلًا وجد ألف دينار مدفونة خارجا (^٣) من المدينة.
_________________
(١) في ج: الركوز. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٢٨) ٢: ٥٤٥ كتاب الزكاة، باب: في الركاز الخمس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٧١) ٣: ١٣٣٤ كتاب الحدود، باب جرج العجماء والمعدن والبئرجبار.
(٣) في الأصول: خارج. وما أثبتناه من " الأموال ". ()
[ ٣ / ٢٤١ ]
فأتى بها عمر بن الخطاب فأخذ منها مائتى دينار ودفع إلى الرجل بقيتها. وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة. فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك " (^١) .
ولو كان الخمس زكاة خص به أهل الزكاة.
ولأن ذلك يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه.
ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكفار أشبه خمس الغنيمه.
قال في " شرح الهداية ": وهذه الرواية أقيس في المذهب.
(وبافيه لواجده) لما تقدم من (^٢) فعل عمر. حتى (^٣) (ولو) كان واجده (اجيرا) لنقض حائط أو حفر بئر أو نحو ذلك على الأصح.
(لا) إن كان أجيرا (لطلبه) أي: طلب الركاز؛ لأنه (^٤) نائب مستأجره فيكون لمستًاجره.
(او مكاتبا أو مستأمنا) يعني: أن الركاز يكون لواجده ولو كان مكاتبا او مستأمنا وتقدمت الإشارة إلى ذلك. وإن كان قنا كان لسيده.
وسواء وجده (بدارنا) أي: دار الإسلام (مدفونا بموات، أو شارع، أو) في (أرض منتقلة إليه) أي: إلى الواجط ولم يدعه المتنقله عنه (أو) في أرض (لا يعلم مالكها، او علم) مالكها (ولم يدعه) أي: يدع الركاز مالك الأرض: فإن الركاز يكون لواجده في هذه الصور على الأصح؛ لأن الركاز ليس من أجزاء الأرض بل هو مودع فيها. فهو كالصيد يملكه من يظفر به. ومحل ذلك ما لم يدعه مالك الأرض.
(ومتى ادعاه) أي: ادعى الركاز مالك الأرض، (أو) ادعاه (من انتقلت
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٨٧٥) ٣١٣ كتاب الخمس وأحكامه وسننه، باب الخمس في المال المد فون. ()
(٢) في أ: في. ()
(٣) ساقط من ا. ()
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
عنه) الأرض (بلا بينة ولا وصف: حلف واخذه) اي: أخذ الركاز من واجده لأن يد مالك الأرض على الركاز، ويد من انتقلت عنه الأرض كانت عليه بكونها على محله.
ومتى دفع إلى مدعيه بعد ان اخرج واجده خمسه باختياره غرم بدل خمسه لمدعيه.
(او ظاهرًا) يعني: أن الركاز يكون لواجده ولو وجده على ظهر الأرض (بطريق غير مسلوك، او خربة بدار إسلام، او) بدار (عهد، أو) بدار (حرب. وقدر) واجد الركاز (عليه وحده، او) قدر عليه (بجماعة لا منعة لهم) لأن المالك لا حرمة له. أشبه ما لو وجده بموات. وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة لهم منعة كان غنيمة يعطى حكمها لأن قوتهم أوصلتهم إليه. فكان غنيمة، كالمأخوذ با لحرب.
(وما) وجد على الصفة المتقدمة من مال وقد (خلا من علامة) عليه للكفار من أسماء ملوكهم او صورهم أو صورة أصنامهم أو صلبانهم أو نحو ذلك (او كان على شيء منه علامة المسلمين: فلقطة)؛ لأنه مال مسلم لم يعلم زوال ملكه عنه. وتغليبا لحكم دار الإسلام.
(وواجدها) أي: واجد اللقطة (في) أرض (مملوكة احق) باللقطة (من مالك) الأرض. فيملكها واجدها بعد التعريف. (وربها) أي: رب الأرض المملوكة (أحق بركاز ولقطة) فيها (من واجد متعد بدخوله) في الأرض المملوكة.
(وإذا تداعيا دفينة) وجدت (بدار مؤجرها ومستأجرها) كل يدعيها لنفسه (ف) هي (لواصفها) منهما (بيمينه): اما كونها لواصفها لوجوب دفع اللقطة لمن وصفها. واما كونه بيمينه فلاحتمال صدق الآخر في دعواه إياها.
والله أعلم.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
[باب: زكاة الأثمان]
هذا (باب) في حكم زكاة الذهب والفضة وما يباج استعمالهما فيه.
(زكاة الأثمان وهي الذهب والفضة) أي: القدر الواجب فيهما: (ربع عشرهما). والأصل في وجوب الزكاة في الذهب والفضة الكتاب والسنة والإجماع.
وسنده من الكتاب قوله ﷾: (والذين يكنزون الذهب والفضه ولاينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) [التوبة: ٣٤].
ومن السنة ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار يحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد " (^١) . أخرجه مسلم. إلى غير ذلك من الأحاديث.
ويعتبر لهما النصاب إجماعا.
(واقل نصاب ذهب عشرون مثقالا) وفاقًا للأئمة الثلاثة، لما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة " (^٢) . رواه أبو عبيد.
(وهي) أي: وزنة العشرين مثقالا (ثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم إسلامي. و) هي أيضًا (خمسة وعشرون) دينارا (وسبعا دينار وتسعه) اي: تسع دينار (ب) الدينار (الذي زنته درهم وثمن) أي: ثمن درهم (على التحديد. و) أما (المثقال) فزنته بالدراهم (درهم وثلاثة أسباع درهم. و)
_________________
(١) اخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٧) ٢: ٦٨٢ كتاب الزكاة، باب إثم ماخ الزكاة. ()
(٢) أخرجه ائو عبيد في " الأموال " (١١١٣) ٣٧٠ باب فروض زكاة الذهب والورق. . .
[ ٣ / ٢٤٤ ]
زنته (بالدوانق ثمانية وأربعة اسباع) دانق.
(و) زنته (بالشعير المتوسط ثنتان وسبعون حبة) من الشعير.
(و) أما (الدرهم) الإسلامي فزنته بالمثاقيل (نصف مثقال وخمسه) أي:
خمس مثقال. [فتكون العشرة من الدراهم سبعة من المثاقيل] (^١) .
(و) زنته بالدوانق (ستة دوانق. وهي) أي: الستة دوانق (خمسون) حبة من الشعير (وخمسا حبة. و) أما (الدانق) فهو (ثمان حبات) من الشعير (وخمسان) أي (^٢): خمسا حبة.
(وأقل نصاب فضة مائتا درهم) إسلامي إجماعا، لقول النبي ﷺ " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " (^٣) . متفق عليه.
والأوقية: أربعون درهما.
(وترد الدراهم الخراسانية وهي دانق او نحوه) اي: نحو الدانق. (و) الدراهم (اليمنية وهي دانقان ونصف. و) الدراهم (الطبرية وهي اربعة) من الدوانق. (و) الدراهم (البغلية) منسوبة إلى ملك يسمى رأس البغل.
(وتسمى السوداء وهي ثمانية) من الدوانق: (إلى الدرهم الإسلامي). يقال أن الدراهم كانت في صدر الإسلام صنفان: سوداء الدرهم منها ثمانية دوانق.
وطبرية الدرهم منها أربعة دوانق. فجمعتها بنو أمية في زمن عبد الملك بن مروان وجعلوا الدرهم ستة دوانق.
قال أحمد في رواية المروذي: وذكر له دراهم باليمن صغار. الدرهم منها دانقان ونصف. فقال: ترد إلى المثاقيل.
وقال في رواية الميمونى: وقد سأله عمن عنده شيء وزنه درهم سواء وشيء وزنه دانقان وهي تخرج في مواضع ذا مع وزنه وذا مع نقصانه على الوزن سواء. فقال: يجمعها جميعها ثم يخرجها على سبعة مثاقيل.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في أزيادة: نحو دانق. ()
(٣) سبق تخريجه ص (٢١٢) رقم (٢) من حديب أبي سعيد الخدري.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وقال في رواية الأثرم: قد اصطلح الناس على دراهمنا ودنانيرنا هذه.
والدنانير لا اختلاف فيها. فيزكي الرجل المائتي درهم من دراهمنا هذه. فيعطي منها خمسة دراهم.
وسًاله محمد بن الحكم عن الدراهم السود. فقال: إذا حلت الزكاة في مائتين من دراهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة.
وقد قال صاحب " الشفاء " المالكي: لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي صص. وهو يوجب الزكاة في أعداد منها. وتقع بها البياعات والأنكحة كما في الأخبار الصحيحة.
وهو يبين أن قول من يزعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبدالملك فإنه جمعها برأي العلماء، وجعل وزن الدرهم ستة دوانق: قول باطل.
وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف. فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه. فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم.
وفي " شرح مسلم ": قال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على هذا التقدير أن الدراهم ستة دوانق. ولم تتغير المثاقيل قبل في الج أهلية والإسلام. (ويزكى مغشوش) من ذهب وفضة (بلغ خالصه نصابا). نقل حنبل في دراهم مغشوشة ولو خلصت نقصت الثلث أو الربع لا زكاة فيها لأن هذه ليست بمائتين مما فرض رسول الله ﷺ. فإذا تمت ففيها الزكاة.
(فإن شك) مالك المغشوش (فيه) أي: في بلوغ قدر ما في المغشوش من الذهب والفضة نصابًا (سبكه) أي: سبك المغشوش ليعلم قدر ما فيه، (أو استظهر) أي: او (^١) احتاط (فأخرج) من الذهب والفضة (ما يجزئه) إخراجه (بيقين).
وإن أخرج من عين المغشوش ما تيقن أن فيما أخرجه منه قدر الزكاة أجزأه.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
ومتى ادعى رب المال انه علم الغش أو أنه استظهر وأخرج الفرض قبل منه بغيريمين.
(ويزكى غش بلغ بضم نصابا) بأن كان غش الذهب فضة وعنده اربعمائة درهم فيها ذهب ثلاث مائة وفضة مائة. وعنده من الفضة غير ذلك مائة درهم: فيكون عليه زكاة الغش الذي في الذهب مضموما إلى المائة وقدر ذلك خمسة دراهم.
(او بدونه) أي: بدون ضم (كخمسمائة درهم فيها ذهب ثلاثمائة وفضة مائتان): فيكون عليه زكاة المائتي درهم الفضة التي هي غش في الخمسمائة. (وإن شك من أيهما) أي: من أي: النقدين (الثلاثمائة) هل الثلاثمائة من الذهب أو من الفضة؟ (استظهر فجعلها ذهبا) وأخرج زكاة ثلاثمائة درهم من الذهب ومائتي درهم من الفضة.
(وإن زادت قيمة مغشوش بصنعة الغش وفيه) أي: في المغشوش (نصاب) تام من احد النقدين: (اخرج ربع عشره) أي: عشر النصاب الذي زادت قيمته بغشه بأن صارت العشرين مثقالا تساوي اثنين وعشرين مثقالا بسبب الغش فيكون عليه إخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها لأن عليه إخراج زكاة المال الجيد الصحيح من جنسه بحيث لا ينقص عن قيمته (كحلي الكراء إذا زادت قيمته بصناعته).
وإن لم يكن فيه نصاب فلا زكاة فيه لأن زيادة النقد بالصناعة والضرب لاتكمل بعض نصابه في القدر.
(ويعرف غشه) اي: غش المغشوش إذا كان الغش فضة في ذهب (بوضع ذهب خالص وزنه) أي: وزن جملة المغشوش (بماء) [اي: في ماء] (^١) (في إناء اسفله) اي: اسفل الإناء (كأعلاه) اي: مثل اعلاه. ثم يرفع الذهب (ثم) يوضع (فضة وزنه) أي: وزن المغشوش (وهي) أي: الفضة
_________________
(١) ساقط من ب. ()
[ ٣ / ٢٤٧ ]
(أضخم) من الذهب ثم يرفع (ثم) يوضع (مغشوش) ثم يرفع.
(ويعلم عند كل) من الذهب والفضة والمغشوش (علو الماء) الذي في الإناء (فإن تنصفت بينهما) أي: بين علامة الذهب وبين علامة الفضة (علامة مغشوش فنصفه) أي: نصف المغشوش (ذهب ونصفه فضة. ومع زيادة أو نقص) بين ذلك فإنه يكون (بحسابه) أي: بحساب النقص أو الزيادة.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
[فصل: إذا كان المزكى انواعا مختلفة]
(فصل. ويخرج) المزكي الزكاة (عن جيد صحيح) من ذهب أو فضة من نوعه. فلا يجزئ ادنى عن أعلا مع عدم زيادة فضل القيمة، كالماشية.
ولأن الفقراء شركاوه وليس ذلك وظيفة الشركة.
(و) يخرج عن (رديء) من ذهب أو فضة (من نوعه) لأن الزكاة مواساة.
فليس عليه أن يخرج أعلا مما وجبت فيه (^١) .
(و) لو كان النصاب أنواعا مختلفة القيمة أخرج (^٢) (من كل نوع بحصته)، لأنه الواجب.
وقيل: إن شق ذلك لكثرة الأنواع أخرج من الوسط كالماشية. وجزم بذلك في " المغني " و" الشرح ".
(والأفضل) إخراجها (من الأعلا) اي: أعلا الأنواع التي عنده؛ لما في ذلك من زيادة الخير للفقراء. (ويجزئ) إخراج (رديء عن) نوع (اعلا). مع الفضل. فلو وجب عليه دينار جيد فأخرج عنه من الرديء دينارا ونصفا قيمتها بقدر قيمه الدينار الجيد أجزا. نص عليه؛ لأن الربا لا يجري بين العبد وربه كما لا يجري بين العبد وسيده.
وقال أبو حنيفة: يجزئ الرديء عن الجيد من غير فضل؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا (^٣) لا قيمة لها. ولنا: أن الجودة متقومة في الإتلاف. ولأنه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب دخل في قوله ﷾: (ولا تيمموا الخبيث) الآية] البقرة: ٢٦٧].
_________________
(١) في ج: عليه ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) في ج: الزكاة. ()
[ ٣ / ٢٤٩ ]
ولأنه أخرج رديئًا عن جيد بقدره. فلم يجزئه؛ كالماشية.
(و) يجزئ دينار (مكسر عن) دينار (صحيح. ومغشوش عن) خالص (جيد. و) دراهم (سود عن) دراهم (بيض. مع الفضل) في ذلك كله. نص على ذلك في رواية المروذي؛ لأنه أدى الواجب عليه قمية وقدرا. وكما لو أخرج من عينه.
(و) يجزئ دينار (قليل القيمة عن) دينار من نوعه (كثيرها) أي: كثير القيمه (مع) اتفاقهما في (الوزن)؛ لتعلق الوجوب بالنوع وقد أخرج منه.
وقيل: لا يجوز إلا مع زيادة إخراج قدر القيمة.
ولا يجزئ أن يخرج أعلا من الواجب ما هو بقدر قيمته دون وزنه وفاقًا.
فمن وجب عليه نصف دينار لم يجزئه إخراج ثلث دينار قيمته قيمة النصف الواجب؛ لمخالفة النص. ويلزمه إخراج سدس دينار مع الثلث المخرج ليبرأ من عهدة نصف الدينار الواجب.
(ويضم احد النقدين) اللذين هما الذهب والفضة (إلى) النقد (الآخر) في تكميل النصاب على أصح الروايتين وفاقًا لأبي حنيفة ومالك؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة. ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر كأنواع الجنس.
ويكون الضم (بالأجزاء) على أصح الوجهين. وهو ظاهر كلام أحمد في روايه الأثرم وفاقًا لمالك وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ورواية عن أبي حنيفة (في تكميل النصاب). ووجه ذلك: ما لا يقوم بالقيمة إذا انفرد لا يقوم مع غيره كالحبوب والثمار.
(ويخرج عنه) يعني: أنه من وجب عليه زكاة عشرين مثقالا من الذهب أجزأ إخراج قيمة ربع عشرها من الفضة.
ومن وجب عليه زكاة مائتي درهم من الفضة أجزأه إخراج قيمة ربع عشرها من الذهب.
وهذا الأصح من الروايتين. ووجهه: أن المقصود من الذهب والفضة الثمينة والتوسل بهما إلى المقاصد. فهما يشتركان في ذلك على السواء. فأشبه إخراج
[ ٣ / ٢٥٠ ]
المكسرة عن الصحاح. بخلاف سائر الأجناس والأنواع مما تجب فيه الزكاة.
فإن لكل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل من الجنس الآخر. وهاهنا المقصود فى حاصل فوجب إجزاوه. إذ لا فائدة في اختصاص الإجزاء بعين (^١) مع مساواة غيرها لها في الحكم.
ولأن ذلك أرفق بالمعطي والأخذ. فإنه لو تعين إخراج الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارا مما تجب في الزكاة إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقراء له في دينار من ماله. او بيع احدهما نصيبه من الدينار.
ولأنه إذا دفع للفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه لا يقدر على قضاء حاجته بها. وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر دفع لهذا الضرر فلا وجه لمنعه.
أما إن اختار المالك الدفع من الجنس واختار الفقير الأخذ من غيره لضرر يلحقه في أخذ الجنس لم يلزم المالك إجابته لأنه ادى ما فرض الله تعالى عليه.
فلم يكلف سواه.
(و) يضم (جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه وتبره) وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ لأنا حيث قلنا بضم جنس الذهب إلى جنس الفضة فضم نوع كل من الجنسين إلى النوع الآخر من جنسه أولى.
(و) تضم (قيمة عرض تجارة إلى احد ذلك وجميعه)؛ لأن العروض تقوم بكل واحد من الذهب والفضة. فمن له عرض تجاره (^٢) قيمته خمسة مثاقيل، ومن الفضة مائة درهم، ومن الذهب خمسة مثاقيل ضم كلا من قيمة العروض والذهب والفضة إلى الاخرين وأخرج ربع عشرها من أي: نقد شاء.
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) في ب: لتجارة.
[ ٣ / ٢٥١ ]
[فصل: في زكاة الحلي]
(فصل. ولا زكاة في حلي مباج معد لاستعمال او إعارة)؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " ليس في الحلي زكاة " (^١) رواه الطبراني.
وهو قول خمسة من الصحابة: أنس وجابر وابن عمر وعائشة وأختها أسماء.
ولأنه مال معدول به عن جهة الاسترباح إلى استعمال مباح. فأشبه ثياب البذلة وعبيد الخدمة والبقر العوامل.
(ولو لمن يحرم عليه) كرجل يتخذ حلي النساء لإعارتهن. أو امرأة تتخذ حلي الرجال (^٢) لإعارتهم على الأصح. قاله صاحب " المجرد " و" الفصول " و" المستوعب " و" المغني " و" المحرر " خلافًا لمالك. مع أن عنده لا زكاة فيما يتخذ لزوجته وأمته.
وعن أحمد رواية أخرى: أن في الحلي الزكاة. روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس؛ لعموم قوله ﷺ " في الرقة ربع العشر " (^٣) .
و" ليس فيما دون خمس أواق صمدقة " (^٤): مفهومه أن فيها صدقه إذا بلغت خمس أواق.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: " أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها في يديها مسكتان من ذهب. فقال: هل تعطين زكاة
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤) ٢: ١٠٧ كتاب الزكاة، باب: زكاة الحلي. قال الدارقطني: ميمون ضعيف الحديب. ()
(٢) في ج: الر جل.
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢) من حديب أنس بن مالك ﵁ ()
(٤) سبق تخريجه ص (٢١٢) رقم (٢). ()
[ ٣ / ٢٥٢ ]
هذا؟ قالب: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله سوارين من نار " (^١) . رواه ابو داود والنسائي.
وقد روي بًا سانيد كلها معلولة.
وأجيب عن هذا الحديث بقول الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء (^٢) .
ثم إن ثبت حملت الزكاة فيه على الإعارة، كما قال الحسن وغيره.
قال إمامنا أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا زكاة في الحلي ويقولون زكاته عاريته.
أو يحمل على أن ذلك كان وقت تحريم الذهب على النساء. وقد كان محرما عليهن في ابتداء الإسلام. يدل لذلك ما روي عن منصور عن ربعي عن امرأته عن أخت حذيفة قالت: " خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر النساء (^٣) لِلَّهِ لاتحلين بالذهب. أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ ما منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به " (^٤) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وإنما نسخ تحريم الذهب على النساء بقوله ﷺ لما صعد المنبر" الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم " (^٥) . وبًامثال ذلك من النصوص. وأجيب عن قوله ﷺ: " في الرقة ربع العشر " (^٦): أن الرقة هي الدراهم
المضروبة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦٣ ٥ ١) ٢: ٥ ٩ كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاه الحلى. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٧٩) ٥: ٣٨ كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي.
(٢) ر " جامع الترمذي " ٣: ٣٠ كتاب الزكاه، باب ما جاء في زكاة الحلى. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٢٣٧) ٤: ٩٣ كتاب الخاتم، باب ما جاء في الذهب للنساء. وأخرجه النسائي في " سننه " (٥١٣٧) ٨: ١٥٦ كتاب الزينة، الكراهية للنساء في إظهار الحلي والذهب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧١٢٢) ٦؛ ٣٦٩.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٠٥٧) ٤: ٥٠ كتاب اللباس، باب في الحرير للنساء. وأخرجه أحمد- في " مسنده " (١٩٤٤٣) ٤: ٣٩٤.
(٦) سبق تخريجه ص (١٥٢) رقم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. ()
[ ٣ / ٢٥٣ ]
قال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السبكة السائرة في الناس.
وإنما لم تجب زكاة الحلي إذا كان مالكها (غير فار) من الزكاة باتخاذها.
قاله بعضهم.
قال في " الفروع ": ولعله مراد غيره.
وقد تقدم في المتن أنه إذا أخرج المال الزكوي عن ملكه في أثناء الحول ليقطع الحول فرارًا من الزكاة لم تسقط ولم ينقطع فمن اتخذ حليا فرارا من الزكاة وجبت فيه.
- ومتى تكسر الحلي المباح كسرا لا يمنيع اللبس فهو كالصحيح. إلا أن ينوي ترك لبسه. وإن كان كسرا يمنيع الاستعمال ففيه الزكاة " لأنه صاركالنقرة. (وتجب) الزكاة (في) حلي (محرم) وفاقًا. وانية من ذهب أو فضة وفاقًا. سواء قلنا يحرم اتخاذها أو استعمالها أو هما، لأن الصناعة لما كانت لمحرم جعلت كالعدم. ولا يلزم من جواز الاتخاذ جواز الصنعة " كتحريم تصوير ما يداس مع جواز اتخاذه.
(و) تجب الزكاة أيضًا في حلي (معد لكري او نفقة إذا بلغ نصابًا وزنا)، لأن الزكاة إنما سقطت مما اعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الأ صل.
قال أحمد: ما كان على سرج أو لجام ففيه الزكاة.
وعلى قياس ما ذكره حلية كل ما على الدابة وحلية الدواة والمقلمة والمكحلة ونحو ذلك.
ومحل وجوب الزكاة فيه: إذا اجتمع منه شيء كما سيأتي.
ويستثنى من اعتبار نصاب النقد بالوزن صورة اشير إليها بقوله: (إلا المباح) أي: مباح الصناعة إذا كان معدا (للتجارة). فإن المعد للتجارة (ولو) كان (نقداف) إن نصابه يعتبر (قيمته) أي: بالقيمة كسائر
[ ٣ / ٢٥٤ ]
أموال التجارة.
قال في " الإنصاف ": فأما المباح للتجارة فالصحيح من. المذهب أنه تعتبر قيمته. نص عليه. انتهى.
(ويقوم) النقد من الحلي المباج الصناعة المعد للتجارة (بنقد آخر) يعني: أنه إن كان من ذهب قوم بفضة وإن كان من فضة قوم بذهب. فمن ملك مثلا خواتم من فضة زنتها مائة وتسعون درهما بنية التجارة وحال عليها الحول وكانت قيمته عند حولانه عشرين مثقالا من الذهب أخرج زكاتها ربع عشر قيمتها.
ومحل تقويمها (إن كان) التقويم (احظ للفقراء أو نقص عن نصابه) كما مثلنا. واما لو كانت زنة الخواتم مائتي درهم وقيمتها تسعة عشر مثقالا وجب أن لا تقوم واخرج ربيع عشر المائتي درهم.
(ويعتبر مباح صناعة) من حلي غير معد للتجاره (بلغ نصابًا وزنا في إخراج) لزكاته (بقيمة) فيعتبر في نصاب بوزنه وفي إخراج بقيمته.
قال في " الإنصاف ": الأشهر في المذهب أن الاعتبار في مباح الصناعة في الإخراج بقيمته. قاله (^١) في " الفروع ". واختاره القاضي والمصنف- يعني: الموفق- والشارح وغيرهم. قال ابن تميم: هذا الأظهر. قال ابن رجب: اختاره القاضي واصحابه. وقال القاضي: هو قياس قول احمد: إذا أخرج عن صحاح مكسرة يعطي ما بينهما. فاعتبر الصفة دون الوزن لزيادة القيمة لنفاسة جوهره. وقيل: تعتبر القيمه في الإخراج إن اعتبرت في النصاب وإن لم تعتبر في النصاب لم تعتبر في الإخراج. انتهى.
(ويحرم ان يحلى مسجد او محراب أو يموه سقف او حائط بنقد) ذهب أو فضة. وكذا سرح ولجام وتفريض على ذلك. وعلى قياس ذلك حلية الدواة. والمقلمة ونحوهما، لأنه سرف ويفضي إلا الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
فحرم، كاتخاذ الآنية. وقد " نهى النبي ﷺ عن التختم بخاتم الذهب
_________________
(١) في أ: قال. ()
[ ٣ / ٢٥٥ ]
للرجل " (^١) . فتمويه السقف ونحوه (^٢) اولى.
(وتجب إزالته وزكاته) إذا كان بحيث لو أزيل اجتمع منه شيء. (إلا إذا استهلك) فيما حلي به أو موه به (فلم يجتمع منه شيء) بالإزالة (فيهما) أي: في وجوب الإزالة ووجوب الزكاة فلا تحرم استدامته، لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته. ولا زكاة فيه لأن ماليته ذهبت.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أراد جميع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب. فقيل له: إنه لا يجتمع منه شيء. فتركه.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " لسننه " (٥٢٧١) ٨: ١٩١ كتاب الزينة، النهي عن لبس خاتم الذهب. وأخرجه احمد في " مسنده " (١٨٥٣٥) ٤: ٢٨٧ -
(٢) ساقط من ب. ()
[ ٣ / ٢٥٦ ]
(فصل) في أحكام التحلي
(ويباح لذكر) وخنثى (من فضة خاتم)؛ " لأن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق " (^١) . متفق عليه.
(و) لبسه (بخنصر يسار افضل) من لبسه بخنصريمين. نص أحمد على ذلك في رواية صالح والفضل، وأنه أقر وأثبت.
وضعف في رواية الأثرم وغيره " حديث التختم في اليمين " (^٢) .
قال الدارقطني وغيره: المحفوظ أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره. وأنه إنما كان في الخنصر لكونه طرفا فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد.
ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله.
وقيل: لبسه بخنصر يمنى أفضل وفاقًا للشافعي لأنه أحق بالإكرام.
(ويجعل فصه مما يلي كفه).
قال في " الفروع ": والأفضل جعل فصه مما يلي كفه؛ " لأن النبي صص كان يفعل ذلك " (^٣) .
و" كان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهركفه " (^٤) .
وله جعل فصه منه ومن غيره لأن في البخاري من حديب أنس " كان فصه
_________________
(١) اخرجه البخاري في " صحيحه ") ٥٥٣٥) ٥: ٢٢٠٤ كتاب اللباسى، باب نقش الخاتم. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٢٠٩١) ٣: ١٦٥٦ كتاب اللباس والزينة، باب لبس النبى خاتمامن ورق نقشه محمد رسول الله، ولبس الخلفاء له من بعده.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٤٢٢٦) ٤: ٩١ كتاب الخاتم، باب ما جاء في التختم في الجمين أو الجسار. ()
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٢٠٩٤) ٣: ١٦٥٨ كتاب اللباس والزينة، -باب فى خاتم أورف فصه حجشي. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٢٢٩) ٤: ٩١ كتاب الخاتم، ياب ما جاء في التختم في أليهمين أو الجسار ()
[ ٣ / ٢٥٧ ]
منه " (^١) . ولمسلم " كان فصه حبشيا " (^٢) .
(وكره) لبسه (بسبا بة ووسطى).
قال في " الفروع ": وفاقًا للنهى الصحيح عن ذلك. وجزم به في " المستوعب " وغيره. ولم يقيده في " الترغيب " وغيره. فظاهر ذلك لا يكره في غيرهما.
وإن كان الخنصر أفضل اقتصارا على النص.
وقال أبو المعالي: والإبهام مثلهما فالبنصر مثله ولا فرق انتهى.
(ولا بأس بجعله) أي: جعل الخاتم من الفضة للرجل (اكتر من مثقال ما لم يخرج عن العادة).
قال في " الرعاية ": ويسن دون مثقال.
قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب: لا بأس بأكثر من ذلك لضعف خبر بريدة السابق. والمراد ما لم يخرج عن العادة وإلا حرم؛ لأن الأصل التحريم خرج المعتاد لفعله (^٣) ﷺ وفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم (^٤) لم يخرج بصيغة لفظ ليعم. ثم لو كان فهو بيان للواقع. انتهى.
ويكره أن يكتب على الخاتم ذكر الله. قران أو غيره نصا.
قال إسحاق بن راهويه: لما يدخل الخلاء فيه.
قال في " الفروع ": ولعل أحمد كرهه لذلك.
وعنه: لا يكره دخول الخلاء بذلك. فلا كراهة ولم أجد للكراهة دليلا سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل والأصل عدمه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٣٢) ٥: ٠٣ ٢٢ كتاب اللباس، باب فص الخاتم. ()
(٢) أخرجه مسلم فى " صحيحه " (٢٠٩٤) ٣: ١٦٥٨ كتاب اللباس والزينة، باب في خاتم الورق فصه حبشي. من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) في ب: بفعله. ()
(٤) في أزباده: ما
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وظاهر ذلك لا يكره غيره.
وقال صاحب " الرعاية ": او ذكر رسوله.
ويتوجه احتمال لا يكره ذلك وفاقًا لمالك والشافعي وأكثر العلماء؛ لما في " الصحيحين " عن انس " أن النبي ﷺ اراد ان يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي. فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما. فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقة فضة. ونقش فيه محمد رسول الله. وقال للناس: إني اتخذت خاتما من فضة ونقشت فيه محمد رسول الله. فلا ينقش أحد منكم على نقشه " (^١) .
وللبخاري: " محمد سطر. ورسول سطر. والله سطر " (^٢) .انتهى.
وفي الحديث نهي الرعية أن ينقشوا على هيئة نقش خاتم السلطان.
(و) يباح للذكر أيضًا من الفضة (قبيعه سيف)؛ لقول أنس: " كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة " (^٣) . رواه الأثرم.
والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة.
ولأنها حلية معتادة للرجل. اشبهت الخاتم.
(و) يباح له أيضًا (حلية منطقة) على الأصح. وهي: ما شددت به وسطك. قاله الخليل. وتسميها العامة: الحياصة؛ لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة فهي كالخاتم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٧ ٥) ٥: ٥ ٠ ٢٢ كتاب اللباس، باب اتخاذ الخاتم ليختم به شيء، أو ليكتب به إلى أهل الكتاب وغيرهم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠٩٢) ٣: ١٦٥٧ كتاب اللياس والزينة، باب في اتخاذ النبي ص خاتمًا، لما أراد أن يكتب إلى العجم.
(٢) أخرجه اليخاري في " صحيحه " (٥٥٤٠) ٥: ٢٢٠٥ كتاب اللباس، باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثةأسطر. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٨٣ ٢) ٣: ٠ ٣ كتاب الجهاد، باب في السيف يحلى. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٩١) ٤: ٢٠١ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السيوف وحليتها.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
(و) على قياسها حلية (جوشن) وهو الدرع. (و) حلية (خوذة) وهي البيضض. (و) حلية (خف. و) حلية (ران (^١) . وهي: شيء يلبس تحت الخف. و) حلية (^٢) (حمائل) واحدتها حمالة. قاله الخليل؛ لأن ذلك حلية للرجل. فهى كالخاتم والقبيعة.
(لا) حلية (ركاب و) حلية (لجام و) حلية (دواة (^٣) ونحو ذلك)؛ كسرج ومقلمة ومراه ومشط ومكحلة ومجرة فتحرم.
(و) يباح لذكر (من ذهب قبيعة سيف) على الأصح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب.
قال الإمام أحمد: " كان في دسيف عمر سبائك من ذهب " (^٤) . و" كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب " (^٥) .
(وما دغت إليه ضرورة؛ كأنف) وفاقًا ولو أمكن اتخاذه من فضة؛ " لأن عرفجه بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب. فاتخذ انفا من فضة فأنتن عليه. فأمره النبي ﷺ فاتخهذ انفا من ذهب " (^٦) . رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. (وكشد سِنٍّ)؛ لما روى الأثرم عن موسى بن طلحة وابن جمرة الضبعي
_________________
(١) في أوج: وخوذة وهي البيضة وخف وران. بإسقاط لفظ: حلية. ()
(٢) سافط من اوخ. ()
(٣) في أوج: ركعاب ولجام ودواه. بإسا قط لفظ: حلية.
(٤) أخرجه البيهقي في" السنن الكبرى " ٤: ١٤٣ كماب الزكاه، باب ما ورد فيما يجوز للرجل أن يتحلى به من خهاتمه وحلية شفه ومصحفه إذا كان من فضة، بلفظ: عن نافع " أن ابن عمر تقلد سيف عمر رضي الله عنه يوم قتل عثمان ﵁ وكان محلى قال: قلت: كم كانت حليته؛ قال: أربعمائة ".
(٥) لم أفف عليه هكهذا. وفد أخرج ابن أبي فيبه عن عثمان بن حكيم قال: " رأيب في قائم سيف سهل بن حيفص مسسمار ذهب ". (٢٥١٧٢) ٥: ١٩٧ كتاب اللباس والزينة، في السيوف المحلاة واتخاذها.
(٦) اخر- أبو داود في " شنه " (٤٢٣٢) ٤: ٩٢ كتاب الخاتم، باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب. وأخرجهه الترمذي في " جامعه " (١٧٧٠) ٤: ٠ ٢٤ كتاب اللباس، باب ماجاء في لضد الأسنان بالذهب. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وأخرجط النسائي في " سننه " (١٦٢) ٨: ١٦٤ كتاب الزينة، من أصيب أنفه هل يخذ أنفا من ذهب.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وأبو رافع وثابت البنانى وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبدالله " أنهم شدوا أسنانهم بالذهب " (^١) .
وهي ضرورة. فأبيح؛ كالأنف.
وقيل: يباح الذهب في السلاح. واختاره الشيخ تقي الدين.
وقيل: كل ما أبيح تحليته بفضة أبيح بذهب.
(و) يباح (لنساء منهما) اي: من الذهب والفضة (ما جرت عادتهن بلبسه) قل أو كثر (ولو زاد على الف مثقال) كالطوق والخلخال والسوار والدملوج والقرط والخاتم.
قال في " الفروع ": قال الأصحاب: وما في المخانق والمقالد من حرائز وتعاويذ وكذا فال في " الهداية " و" المستوعب " و" المحرر " وغيرها.
و" التاج " وما أشبه ذلك. انتهى.
وقل ابن حامد: إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة.
قال في " الإنصاف ": فظاهره انه سواء كان من ذهب او فضة.
(و) يباح (لرجل وامراة تحل بجوهر ونحوه) كزمرد وزبرجد وياقوت وبلخش وفيروزج.
فال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وذكر ابو المعالي يكره ذلك للرجل للتشبه.
فال في " الفروع ": ولعل مراده غير تختمه بذلك. انتهى.
(وكره تختمهما) أي: الرجل والمراة (بحديد وصفر ونحالس ورصاص)
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبه في " مصنفه " (٢٥٢٥٠) ٥: ٥؛ ٢ كماب اللباس والزينه، فى شد الأسنان بالذهب. عن طعمة الجعفري: قال: " رأيت موسى بن طلحة قد شد أسنانه بالذهب "، وفي (٢٥٢٥٦) ٥: ٢٠٦ عن حماد قال: " رايت ثابتا البنانى مشدود الأسنان بالذهب ". وفي) ٢٥٢٥٤) ٥: ٢٠٥ عن حماد قال: " رايت المغيره بن عبدالله يربط أصنانه بالذهب، قال: فسالت إبراهيم، قال: لا بأس به ".
[ ٣ / ٢٦١ ]
نص على ذلك أحمد في رواية الجماعة.
ونقل مهنا: أكره خاتم الحديد لأنه حلية أهل النار.
ونقل أبو طالب " كان للنبي ﷺ خاتم حديد عليه فضة فرمى به " (^١) .
فلا يصلى في الحديد والصفر.
قال في " الفروع ": وهذا الخبر لم يروه في " مسنده ".
وعن إياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده قال: " كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة. قال: فربما كان في يدي. قال: وكان المعيقيبب على خاتم النبي ﷺ " (^٢) . إسناده جيد إلى إياس. وإياس تفرد عنه نوح. ونوح (^٣) بن ربيعة لم اجد فيه كلاما. رواه أبو داود والنسائي.
وسًاله الأثرم عن خاتم الحديد فذكر خبر عمرو بن شعيب " أن النبي ﷺ قال لرجل: هذه حلية أهل النار " (^٤) .
وابن مسعود قال: " لبسة أهل النار ".
وابن عمر قال: " ما ظهرت كف فيها خاتم من حديد " (^٥) .
و" قال النبي ص في حديب بريدة لرجل لبس خاتما من صفر: أجد منك ريح الأصنام " (^٦) . فقد احتج بخبر بريدة.
وقال في " مسنده ": حدثنا يحيى بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده " أن النبي ﷺ رأى على بعض اصحابه خاتما من ذهب. فأعرض عنه فألقاه
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٩٣ ٠ ٢) ٣: ٥٧ ٦ ١ كتاب اللباس والزينه، باب قي طرج الخواتم. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٤٢٢٤) ٤: ٩٠ كتاب الخاتم، باب ما جاء في خاتم الحديد. ()
(٣) ساقط من ا. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٢٢٣) ٤: ٩٠ كتاب الخاتم، باب ما جاء في خاتم الحديد. وأخرجه النسائي لي " سننه ") ٥١٩٥) ٨: ١٧٢ كتاب الزينه، مقدار ما يجعل في الخاتم من الفضة.
(٥) أخرجه المتقي الهندي في " كنز العمال ") ١٧٢٩٤) ٦: ٦٦٤ كتاب الزكاة، لبس الخاتم. عن مسلم بن عبد الرحمن. نحوه. ()
(٦) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٤٢٢٣) ٤: ٩٠ كتاب الخاتم، باب ماجاء في خاتم الحديد ()
[ ٣ / ٢٦٢ ]
واتخذ خاتما من حديد. فقال: هذا شر. هذا حلية أهل النار. فألقاه واتخذ خاتما من ورق. فسكت عنه " (^١) . حديب حسن. انتهى.
وأما الدملوج الحديد فجوزه أبو الخطاب وخالفه ابن الزاغونى.
(ويستحب) تختم (بعقيق). ذكره في " التلخيص " وابن تميم و" المستوعب "،وقال: قال رسول الله ﷺ " تختموا بالعقيق فإنه مبارك " (^٢) . قال في " الفروع ": كذا ذكر. قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا شيء. وذكره ابن الجوزي في " الموضوعات ". فلا يستحب هذا عند ابن الجوزي ولم يذكره جماعة فظاهره لا يستحب. وهذا الخبر في إسناده يعقوب بن إبراهيم الزهري المدنى الذي قال ابن عدي: ليس بالمعروف. وباقيه جيد.
ومثل هذا لا يظهر كونه من الموضوع. انتهى.
ويحرم أن ينقش على الخاتم صورة حيوان بلا نزاع ويحرم لبسه في الأصح.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٥١٨) ٢: ١٦٣. ()
(٢) ذكره المباركفوري في " كتز العمال " (١٧٢٨٥) ٦: ٦٦٣ كتاب الزكاة، لبس الخاتم. ()
[ ٣ / ٢٦٣ ]
] باب: زكاة العروض]
هذا (باب) ذكر حكم (زكاة العروض). اي: عروض التجارة واحدها عرض بسكون الراء.
(والعرض) هنا: (ما يعد لبيع وشراء لأجل ربح) وسمي عرضا لأنه يعرض ليباع ويشترى. تسمية للمفعول باسم المصدر كتسميه العلوم علما.
وقيل: لأنه يعرض ثم يزول (^١) ويفنى.
والأصل في وجوب الزكاة في عروض التجارة] قوله ﷾ (والذين في اموالهم حق معلوم) [المعارج: ٢٤]، وقوله ﷾ (خذ من اموالهم صدقه) [التو به: ١٠٣].
ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول.
والقول بوجوب الزكاة في عروض التجارة] (^٢) قول عامة أهل العلم. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وإسحاق. واحتج احمد بقول عمر لحماس- بكسر الحاء المهملة-: " اد زكاة مالك. فقال: مالي إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها " (^٣) .
رواه أحمد.
حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبدالله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس أن أباه أخبره. ورواه ابو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبه وغيرهما. وهو مشهور.
_________________
(١) في ج: يزيل ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) أخرجه عبدالرزاق في " مصنفه " (٧٠٩٩) ٤: ٩٦ كتاب الزكاة، باب الزكاة من العروض. وأخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٧٩ ١) ص: ٣٨٤ ولم أره في مسند أحمد.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
ولأن عروض التجارة مال مرصد للنماء. فأشمبه المواشي والنقدين.
وقال داود: لا زكاة في عروض التجارة. واحتج بظواهر العفو عن صدقة الخيل والرقيق والحمر.
والظواهر المذكورة معارضة بظواهر من الكتاب والسنة تقتضي وجوب الزكاة في كل مال؛ لقوله ﷾: (والذين في اموالهم حق معلوم)] المعارج: ٢٤] وقوله ﷺ: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (^١) " (^٢) .
ثم الظواهر التي تمسك بها محمولة على زكاة العين دون زكاة القيمة. بدليل أدلتنا الخاصة.
(وإنما تجب في قيمة) لعروض (^٣) تجارة (بلغت نصابا) من أحد النقدين.
لا في نفس (^٤) العرض؛ لأن القيمة محل الوجوب لأن ما اعتبر النصاب به كان محل الوجوب كزكاة الأعيان. والقيمة إن لم توجد حسا فهي مقدرة شرعا.
وذلك يكفي في كونها [محل الوجوب] (^٥) كالديون.
) لما) اي: لعرض (ملك) أي: ملكه (^٦) مالكه (بفعل) كالبيع والنكاح والخلع. (ولو بلا عوض) كقبول الهبة والوصية واكتساب المباحاب.
(أو) كان العوض (منفعة او استردادا) لمبيع (بنية التجارة) عند التملك؛.
لأن التجارة عمل. فوجب اقتران النية به؛ كسائر الأعمال.
ويعتبر وجود النية في جميع الحول (^٧)؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول. فاعتبر فيه؛ كالنصاب. فلو دخلنت العروض في ملكه بغيرفعله كإرث
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٣٣٩ ١) ٣: ٠ ٣١. ()
(٣) في ب: لعرض. ()
(٤) في ب: عين. ()
(٥) ساقط من أ. ()
(٦) في ج: مالك. ()
(٧) في أ: الأحوال.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ومضى الحول على اللقطة بعد التعريف. أو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها للتجارة: لم تصر للتجارة على الأصح؛ لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير محلا للزكاة بمجرد النية؛ كالمعلوفة إذا نوى ان (^١) يسيمها.
ولأن الأصل في العروض القنية. فلا تنتقل عن الأصل بمجرد النية. فلا بد من النية عند تملك ما ليس بعوض عن عرض تجارة.
(او استصحاب حكمها) أي: حكم النية (فيما تعوض عن عرضها) أي: عرض التجارة. واستصحاب حكمها بًان لا يًاتي بما ينافي التجارة، كما لو تعوض عن عرضها شيئا ونواه للقنية.
(ولا تجزئ) زكاة التجارة إن أخرجها (من) عين (العروض) ولو كانت من بهيمة الأنعام، لأن محل الوجوب القيمة.
(ومن) كان (عنده) معد التجارة فنواه لقنية ثم) نواه (لتجارة: لم يصر لها) أي: للتجارة؛ لأن القنية الأصل في العرض. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية " كما لو نوى المسافر الإقامة.
ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض. فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب.
وفارق السائمة إذا نوى علفها لأن الشرط فيها الإسامة دون نيتها. فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم.
والمراد (غير حلي لبس)، لأن الأصل وجوب الزكاة فيه. فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية.
وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية. واختاره جماعة.
(وتقوم) العروض عند ح ولأن الحول (بالأحظ للمساكين من ذهب او فضة. لا بما اشتريت به) يعني: إذا كانت قيمته تبلغ نصابًا بأحد النقدين دون الآخر: فإنه يقوم ما يبلغ به نصابًا لأنه تقويم لمال التجارة للزكاة. فكان بالأحظ
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٦٦ ]
للمساكين؛ كما لو اشتراه بعرض قنية وفي البلد نقدان متساويان في الغلبة وهو يبلغ نصابًا بأحدهما دون الآخر.
(وتقوم) الأمة (المغنية ساذجة) لأن صفة معرفة (^١) الغناء لا قيمة لها.
وعلى قياس ذلك الزامرة والضاربة على الة اللهو.
(و) يقوم العبد (الخصي بصفته) اي: بصفة كونه خصيا. كبقية العروض؛ لأن هذه الصفة المستدامة في الخصي ليست بلهو ولا داعية إلى اللهو.
(ولا عبرة بقيمة) صفة (انية ذهب وفضة)؛ لتحريمها.
(وإن اشترى عرضا بنصاب من اثمان أو عروض) بنى على حوله.
قال في " شرح الهداية ": لا نعلم في هذا خلافًا.
ولأن وضع التجارة على التقلب والاستبدال بالعروض والأثمان. فلو انقطع الحول به لبطلت زكاة التجارة. وذلك لأن النصاب من الأثمان كان ظاهرًا وقد صار في ثمن العرض كامنا. فهو كما لو كان عينا واقرضه فصار فى ينا.
(أو) اشترى (نصاب سائمة لقنية بمثله) اي: بنصاب سائمة (لتجارة: بنى على حوله) اي: حول ما اشترى به على الأصح؛ لأنهما مالان متفقان في النصاب والجنس. فلم ينقطع الحول فيهما بالمبادلة. وقد تقدم أن إبدال النصاب بجنسه لا ينقطع به الحول.
(لا إن اشترى عرضا) غير سائمة (بنصاب سائمة او باعه) أي: باع عرضا غير سائمة (به) اي: بنصاب سائمة فإنه لا يبني على حول الأول لاختلافهما في النصاب والواجب.
(ومن ملك نصاب سائمة لتجارة) فعليه زكاة تجارة فقط.
(أو) ملك (أرضا فزرعت) فعليه زكاة تجارة فقط.
(أو) ملك (نخلا فأثمر فعليه زكاة تجارة فقط) نص عليه.
_________________
(١) في ج: معروفة ()
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وقيل: يزكي الأصل للتجارة ويزكي الثمرة والزرع للعشر.
ووجه المذهب في الصورة الأولى أن وصف التجارة يزيل سبب زكاة السوم وهو الاقتناء لطلب النماء معه. وفي الصورتين الأخيرتين أن الأرض والنخل مال تجارة فوجب فيهما زكاة التجارة. ولا شك أن الثمرة والزرع جزء الخارج منهما. فوجب أن يقوم مع الأصل؛ كالسخال والربح المتجدد إذا كان الأصل للتجارة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا إن كان لا تبلغ قيمته) أي: قيمة ما ذكر من السائمة ومن الأرض مع الزرع ومن النخل مع التمر (نصابا) بأن يكون نصاب السائمة لا يبلغ قيمة عشرين متقالا ولا مائتي درهم وكذا الأرض مع الزرع والنخل مع الثمر: (فيزكلي) ذلك (لغيرها) أي: لغير التجارة. فيخرج من السائمة ما وجب فيها، ومن الزرع ما وجب فيه، ومن الثمرة ما وجب فيها؛ لئلا تسقط الزكاة بالكلية.
(ومن ملك سائمة) أي: نصابًا من السائمة (لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة) عند نصف الحول: (استأنفه) أي: استًا نف الحولى (للسوم) " لأن حولى التجارة انقطع بنية الاقتناء. وحولى السوم لا يبنى على حولى التجارة.
(وإن اشترى صباغ ما يصبغ به) للناس (ويبقى أثره كزعفران ونيل وعصفر ونحوه) كلك وبقم وفوة: (قهو عرض تجارة يقوم عند) تمام (حوله) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لاعتياضه عن صبغ قائم بالثوب. ففيه معنى التجارة.
وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص وقرظ وما يدهنه به كسمن وملح. ذكره ابن البنا وجزم في " منتهى الغاية " بأنه لا زكاة فيه. وعلل بأنه لا يبقى له اثر. ذكره عنهما في " الفروع ".
(لا ما يشتريه قصار من قلي ونورة وصابون ونحوه) كنطرون. فإنه لا يكون عرض تجارة لأنه (^١) لا يبقى له أثر في الثوب. أشبه الحطب الذي يوقد به عليه.
_________________
(١) في ب: فإنه. ()
[ ٣ / ٢٦٨ ]
(وأما آنية عرض التجارة) التي توضع فيها كالغرائر (^١) والأكياس والأجربة.
(وآلة دابتها) أي: دآبة التجارة كاللجام والسرج والمقود والإكاف. (فإن أريد بيعهما) أي: بيع الآنية والآلة (معهما) أي: مع العرض والدابه: (ف) ذلك (مال تجارة) يقوم معهما. (وإلا) أي: وإن لم يرد بيعهما (فلا) يقوم؛ لأنه عرض قنية.
(ومن اشترى شقصًا) من عقار تثبت فيه الشفعة (لتجارة بألف فصار عند) حولان (الحول بألفين: زكاهما) أي: أخرج زكاة ألفين، لأنهما قيمته.
(وأخذه الشفيع) بالشفعة (بألف) (^٢) لأنه يأخذه بما وقع عليه العقد.
(وينعكس الحكم بعكسها) يعني: انه لو اشتراه بألفين فصار عند الحول يساوي ألفا أخرج زكاة ألف. وإن اخذه [الشفيع اخذه] (^٣) بألفين لأنه يأخذه بما وقع عليه العقد. وكذا يرده المشتري بالعيب بما وقع عليه العقد ويزكيه لوجوبها في ملكه. وإذا دفع الرجل الفا مضاربة على ان الربح بينهما فحال الحول وهو ثلاثة الاف فعلى رب المال زكاة ألفين لأن ربح التجارة حوله حول أصله.
(وإذا أذن كل) أي: كل واحد (من شريكين او غيرهما) أي: غير شريكين (لصاحبه في إخراج زكاته) أي: زكاة الاذن: (ضمن كل واحد) منهما (نصيب صاحبه إن اخرجا) أي: أخرج كل زكاة نفسه (معا) أي: في وقت واحد.
(أو) أخرجها أحدهما (^٤) قبل الآخر و(جهل سابق) منهما با لإخراج؛ لأن كل واحد منهما انعزل من طريق الحكم عن الوكالة بإخراج الموكل زكاته عن نفسه لأنه لم يبق على الموكل زكاة. والعزل حكما العلم وعدمه فيه سواء. بدليل ما لو وكله في بيع عبد فباعه الموكل وأعتقه وحينئذ يقع المدفوع إلى الفقير تطوعا ولا يجوز الرجوع
_________________
(١) هو: شيه العدل. " المصباج ". مادة غرر. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
عليه به فيتحقق التفويت بفعل المخرج. وهذا التعليل لما إذا أخرج كل منهما زكاة نفسه في ان واحد. وأما إذا سبق أحدهما بالإخراج وجهل أو نسى فلأن الأصل أن المخرج عن نفسه أن إخراجه وقع الموقع بخلاف المخرج عن غيره.
(وإلا) أي: وإن لم يخرجا معا ولم يجهل السابق فيما أخرج احدهما ثم الآخر: (ضمن الثانى) وهو المخرج بعد إخراج الأول نصيب الأول. (ولو لم يعلم) أن الأول اخرج زكاة نفسه لأن العزل من طريق الحكم لا يختلف بذلك كما لو مات المالك.
وقيل: لا يضمن من لم يعلم بإخراج صاحبه بناء على أن الوكيل لا ينعزل قبل العلم.
(لا إن أدى) الوكيل (دينا) على موكله (بعد اداء موكله ولم يعلم) فإنه لا يضمن لموكله شيئا؛ لأن موكله غره.
ولأنه هنا لم يتحقق التفويت على الموكل. بدليل أن له الرجوع على القابض. ونظير هذا في مسألة الزكاة ما لو كان القابض منهما الساعي والزكاة بيده. فإنه لا يضمن المخرج للمخرج عنه شيئا لما كان له الرجوع على الساعي به (^١) ما دامت بيده.
(ولمن عليه زكاة الصدقة) اي: ان يتصدق (تطوعا قبل إخراجها) أي: إخراج ما عليه من الزكاة " كالتطوع بالصلاة قبل أداء فرضها. والله أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٧٠ ]
[باب: زكاة الفطر]
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام صدقة الفطر.
و(زكاة الفطر صدقة واجبة بالفطر من رمضان) أي: من اخر يوم منه. قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز في قوله ﷾: (قد افلح من تزكي) [الأعلى: ١٤]: هو زكاة الفطر. قال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة لأن الفطرة الخلقة. قال الله تعالى: (فطرت آلله التى فطر الناس عليها) [الروم: ٣٠]. وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس (^١) .
(وتسمى فرضا) على الأصح، لقول ابن عمر " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر" (^٢) .
ولأن الفرض إن كان هو (^٣) الواجب فهي واجبة، وإن كان للتًا كيد فهي متًا كدة.
قال ابن المنذر: اجمع عوام أهل العلم على ان صدقة الفطر فرض.
قال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.
(ومصرفها) اي: مصرف زكاة الفطر (كزكاة) اي: كمصرف زكاة المال، لعموم قوله ﷾: (انما الصدقات للفقراء ) الآيه [التوبة: ٦٠]. وبهذا قال مالك والشافعي فلا يجوز دفعها لغير أهل الزكاة.
_________________
(١) ساقط من أ. وفي ب: أو النفس. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٤٣٣ ١) ٢: ٥٤٧ أبواب صدقة الفطر، باب صدقة الفطر على العبدوغيره من المسلمين. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٩٨٤) ٢: ٦٧٨ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين منالتمر والشعير
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٧١ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وروي عن عمرو بن ميمون وعمر بن شرحبيل ومرة الهمدانى أنهم كانوا يعطون منها الرهبان.
ولنا: أنها زكاة. فلم يجز دفعها لغير المسلمين، كزكاة المال. وزكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين إجماعا.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة. وهو من يأخذ [لحاجة. لا في المؤلفة والرقاب وغير ذلك.
(ولا يمنع وجوبها) أي: وجوب إخراجها (دين)] (^١) أي: مجرد الدين
(إلا مع طلب) أي: إلا إذا كان المدين مطالبا به: أما كون مجرد الدين لا يمنع وجوب الفطرة لأنها آكد. بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره، ولا تتعلق بقدر من المال. فجرت مجرى النفقة.
ولأن زكاة المال تجب بالملك، والدين يؤثر في الملك. والفطرة تجب على البدن، والدين لا يؤثر فيه.
وأما كونها تسقط مع طلب الدين فلوجوب أدائه بالطلب وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالاعتبار. وبكونه أسبق سببا ويًا ثم بتًاخيره مع الطلب. (وتجب) الفطرة (على كل مسلم) فلا تجب على كافر أصلي ولا مرتد " لما روى ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعًا من شعير. على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين " (^٢) رواه الجماعة.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٣٢) ٢: ٥٤٧ أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٤) ٢: ٦٦٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطرعلى المسلمين من التمر والشعير. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٦١٣) ٢: ١١٢ كتاب الزكاه، باب كم يؤدى في صدقة الفطر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٧٦) ٣: ١ ٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقه الفطر. قال الترمذي: حديب حسن صحيح. وأخرجه النسانى في " سننه " (٢٥٠٤) ٥: ٤٨ كتاب الزكاة. فرض زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٢٦) ١: ٥٨٤ كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر. وأخرجه أحمد قي " مسنده " (٤ ١ ٦٢) ٢: ١٣٧.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين. من اداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " (^١) .
وهذا لا يكون إلا في حق المسلم.
(تلزمه مؤنة نفسه)؛ لقوله ﷺ " ادوا الفطرة على من تمونون " (^٢) . وهو دال على عدم وجوبها على من لم يمون نفسه لأنه خاطب بالوجوب غيره ولو وجبت عليه لخاطبه بالوجوب كسائر من تجب عليه.
ولا فرق في ذلك بين كونه صغيرا او كبيرا ذكرا أو أنثى. ويخرج عن الأيتام وليهم من مالهم. ويخرج عن الرقيق غير المكاتب مالكه.
(ولو) كان مالكه (مكاتبا).
وعلم من هذا أن المكاتب عليه فطرة نفسه.
ومحل وجوب الإخراج على جميع من تقدم إذا (فضل عن قوته، و) عن قوت (من تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته بعد حاجتهما) اي: حاجة المخرج وحاجة من تلزمه مؤنته (لمسكن وخادم ودابة وثياب بذلة ونحوه) كالفراش واللحاف والمخدة. وجزم الموفق (وكتب يحتاجها لنظر وحفظ) وزاد على
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٩) ٢: ١١١ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر. ()
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٦١/كتاب الزكاة، باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره. ()
[ ٣ / ٢٧٣ ]
ذلك أو للمرأة حلي للبس أو لكراء محتاج إليه.
قال في " الفروع ": ولم أجدها في كلام أحد قبله ولم يستدل عليه.
ووجهه: أنه محتاج إلى ذلك كغيره مما سبق. وذكره في " الهداية " للحنفية في كتب العلم ل أهل ها. وظاهره ما ذكره الأكثر واقتصارهم على ما سبق من المنافع ان هذا لا يمنع. ولهذا لم أجد أحدا استثنى ذلك في حق المفلس مع ان الأصحاب أحالوا الاستطاعة في الحج على المفلس. وذكر في" الفصول "في المفلس أن الاستطاعة في الحج نظيره. فهذان ق ولأن على هذا. ووجهما: التسوية بين حق الله تعالى وحق الآدمي. أو أن حق الآدمي اكد. ويتوجه احتمال ثالث أن الكتب تمنع. بخلاف الحلي للبس للحاجة إلى العلم وتحصيله. ولهذا ذكر الشيخ- يعني: الموفق- أن الكتب تمنع في الحج والكفارة ولم يذكر الحلي. انتهى. فلهذا اقتصرت (^١) على ذكر الكتب (^٢) دون الحلي. إذا تقرر هذا فمتى فضل عمن تلزمه مؤنة نفسه وهو من أهل الفطرة خارجا عما ذكر في المتن (صاع) من واحد من الأصناف الاتي ذكرها. أو صاع مجتمع منها؛ كما لو فضل عنده ربع صاع من] تمر، وربع صاع من زبيب، وربع صاع من [(^٣) بر، وربع صاع من شعير: لزمه إخراجه.
(وإن فضل) عنده شيء من ذلك (دونه) اي: دون صاع: (اخرج) أي: لزم مالكه إخراجه عن نفسه على الأصح؛ لعموم قوله ﷺ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^٤) .
ولأن الفطرة في معنى النفقة والمؤنة. فًا شبه نفقة القريب إذا قدر على بعضها.
_________________
(١) في أ: اقتصر. ()
(٢) في خ: على ذلك ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. ()
[ ٣ / ٢٧٤ ]
(ويكمله) أي: ويجب إخراج بقية الصاع على (من تلزمه) فطرة ذلك الشخص الذي فضل عنده بعض الصاع (لو عدم) اي: لو لم يفضل عنده شيء البتة. وعبارة " شرح الهداية " ويجب الإتمام على من تلزمه فطرته على تقدير العجز عن جميعها.
(وتلزمه) أي: وتلزم من لزمته الفطرة عن نفسه: الفطرة (عمن يمونه من مسلم) كولده وزوجته وعبده ولو للتجارة. [فيجتميع في عبيد التجارة] (^١) زكاة القيمة وزكاة الفطر. نص عليه.
(حتى زوجة عبده الحرة)؛ لوجوب نفقتها عليه؛ كما انه يجب على الزوج نفقة خادم امرأته. وكذا لو زوج الإبن أباه وكان ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته فإن عليه فطرتهما.
(ومالك نفع قن فقط) أي: دون رقبته (ومريض لا يحتاج نفقة)؛ لما روى نافع عن ابن عمر قال: " أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطرعن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون" (^٢) رواه الدارقطني. وروى ابو بكر في " الشافي " نحوه من حديب ابي هريرة.
(و) حتى (متبرع بمؤنته) اي: من تبرع بمؤمنة شخص مسلم زمن (رمضان). نص على ذلك في رواية أبي داود وغيره.
وبذلك قال إسحاق بن راهويه؛ لعموم فوله ﷺ: " ادوا صدقة الفطر عمن تمونون " (^٣) .
وروى ابو بكر بإسناده عن علي قال: " زكاة الفطر على من جرت عليه نفقتك " (^٤) .
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٢) ٢: ١٤١ كتاب زكاة الفطر.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٧٣) رقم (٢). ()
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٦١ كتاب الزكاة، باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره
[ ٣ / ٢٧٥ ]
وهذا يعم من يمونه وينفق عليه تبرعا ووجوبها.
ولأن من تكفل به تبرعا كمن تلزمه كفالته في المنع من دفيع زكاته إليه. نص أحمد على ذلك.
وقال أبوالخطاب: لا تلزمه فطرته. وصححه في " المغني " و" الشرح ".
وحمل كلام أحمد على الاستحباب.
والمعتبر كون التبرع في جميع الشهر في ظاهر النص.
وقال ابن عقيل: قياس المذهب تلزمه إذا مات اخر ليلة في الشهر.
(و) حتى (ابق ونحوه) كالمرهون والمغصوب والغائب غير الابق والماسور والمحبوس.
قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تؤدى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم وحاضرهم لأنه مالك لهم.
ولأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، والنفقة تجب مع الغيبة. بدليل أن من رد الآبق يرجع بنفقته.
(لا إن شك في حياته) فإنه لا تجب فطرته مع الشك في حياته. نص عليه في روايه صالح، لأنه لايعلم بقاء ملكه عليه.
ولأنه لو أعتقه عن كفارته مع شكه في حياته لم يجزئه. فلم تجب فطرته، كالميت.
ومتى علمت حياته بعد ذلك أخرج لما مضى " [لأنه بان له وجود سبب الوجوب في الزمن الماضي. فوجب عليه الإخراج لما مضى] (^١) " كما لو سمع بهلاك ماله الغائب ثم بان له أنه كان سليما.
(فإن لم يجد) من. عنده عائلة فطرة تكفي (لجميعهم: بدا بنفسه)، لقوله ﷺ " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " (^٢) .
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٠٤١) ٥: ٢٠٤٨ كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل- والعيال. ولفظه: عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان على ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ".
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ولأن الفطرة تنبني على النفقة. فكما انه يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة.
(فزوجته) يعني: أنه متى فضل عنده صاع عن فطرة نفسه أخرجه عن زوجته، لأن نفقتها مقدمة على سائر النفقات.
ولأنها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار فقدمت كذلك.
(فرقيقه) يعني: انه متى فضل عنده شيء عن فطرته وفطرة زوجته اخرجه عن رقيقه؛ لوجوب نفقته مع الإعسار. بخلاف نفقة الأقارب فإنها صلة لا تجب إلا مع اليسار.
(فأمه) يعني: أنه متى فضل عنده شيء بعد من تقدم أخرجه عن أمه " لأن الأم مقدمة في البر. بدليل: " قول النبي ﷺ للأعرابي حين قال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: امك. قال: ثم من؟ قال: امك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؛ قال: أباك " (^١) .
ولأنها ضعيفة عن الكسب. وهذا على الأصح.
وعنه: يقدم الأب؛ لقوله ﷺ: " أنت ومالك لأبيك " (^٢) .
(فأبيه) بعد أمه للحديب المتقدم.
(فولده) يعني: أنه متى فضل منه شيء بعد من تقدم أخرجه عن ولده.
فإن كان له اولاد ولم يكف لجميعهم أقرع.
وقيل: يقدم الصغير؛ لأن نفقته منصوص عليها.
(فأقرب في ميراث) يعني: انه متى فضل منه شيء بعد من تقدم وله أقارب
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٦٢٦) ٥: ٢٢٢٧ كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحية. ()
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢ " ٦٩) ٢: ٢٠٤. ()
[ ٣ / ٢٧٧ ]
قدم الأقرب فالأقرب في ميراث، لأن الأقرب أولى من الأبعد. فقدم، كالميراث.
(ويقرع مع استواء) كما لو كان له إخوة أو أعمام مستوين في كونهم أشقاء أو لأب ولم يفضل عنده ما يكفي لجميعهم فإنه يقرع بينهم على المذهب.
وقيل: يوزع الفاضل بينهم على عددهم.
وقيل: يخير بًان يخرجه عمن شاء منهم.
(وتسن) الفطرة (عن جنين)؛ لما روي " أن عثمان كان يخرجها عن الجنين " (^١) .
وعن أبي قلابة قال: " كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه ". رواه أبو بكر في " الشافي ".
ولا تجب عنه على الأصح، لظاهر قوله ﷺ: " فرض على ذكر وأنثى صاع " (^٢) .
أن الصاع يجزئ كل أنثى حاملا كانت أو حائلا كًاجنة السائمة.
وقال ابن والمنذر: كل من نحفظ عنه لا يوجب زكاة الفطر على الجنين قال: ولا يصح عن عثمان خلافه.
(ولا تجب) فطرة (لمن نفقته فى بيت المال)؛ كاللقيط، لأن ذلك ليس بإنفاق وإنما هو إيصال المال في حقه. قاله (^٣) القاضي وغيره.
(او لا مالك له) والمراد (معين كعبد الغنيمة) قبل القسمة والفيء ونحو ذلك.
(ولا) تجب فطرة أجير وظئر (على مستأجر اجير او) مستًا جر (ظئر
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيجه في " مصنفه " (٠٧٣٧ ١) ٢: ٤٣٢ كتاب الزكاة، في صدقة الفطر عما في البطن. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦١١) ٢: ١١٢ كتاب الزكاة، باب كم يؤدى في صدقة الفطر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٤٨٦) ٢: ٥. ()
(٣) في أ: قال. ()
[ ٣ / ٢٧٨ ]
بطعامهما) في الأصح وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ لأن الواجب هاهنا أجرة تعتمد الشرط في العقد. فلا يزاد عليها؛ كما لو كانت دراهم. ولهذا تختص بزمن مقدر كسائر الأجر.
(ولا) تجب الفطرة (عن زوجة ناشز) في الأصح وفاقًا لمالك والشافعي لأنه لا تلزمه نفقتها. فهي كالأجنبية والممتنعه من تسليم نفسها ابتداء.
(أو) زوجة (لا تجب نفقتها لصغر ونحوه) كحبس وغيبة في قضاء حاجتها ولو بإذنه لأنها حينئذ كالأجنبية.
(أو) زوجة (امة تسلمها) زوجها (ليلا فقط) أي: دون النهار لكونها حين الوجوب في نوبة السيد. (وهي) أي: فطرة الأمة التي تسلمها زوجها ليلا فقط (على سيدها كما لو عجز زوج) لأمة (تجب عليه) فطرتها لكونها تسلمها ليلا ونهارا (عنها) اي: عن الفطرة لأن الزوج حينئذ كالمعدوم.
(وفطرة مبعض) اي: بعضه حر وبعضه رقيق. (و) فطرة (قن مشترك) بين اثنين فأكثر. (و) فطرة (من له أكثر من وارث) كمن له جد وأخ للأبوين أو لأب أو ام وبنت (او ملحق بأكثر من واحد: تقسط) الفطرة بحسب الملك في المبعض والمشترك. وبحسب القسمة في الميراث؛ لأن نفقته تقسم بحسب الملك والإرث. فكذا فطرته التابعة لها.
وعنه: على كل مالك ووارث صاع كامل.
والمذهب الأول لأنه شخص واحد فلم تجب عنه أكئر من صاع كسائر الناس.
ولأنها طهرة فوجب على ساداته أو وارثه بالحصص؛ كماء الغسل من الجنابة إذا احتاج إليه.
ولا تدخل الفطرة في المهايأة. ذكره القاضي وجماعة؛ لأنها حق لله كالصلاة. (ومن عجز منهم) يعني: الملاك أو الوراث: (لم يلزم الآخر) الذي لم يعجز منهم (سوى قسطه؛ كشريك ذمي) في مال زكوي.
(ولمن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب المعسر: (طلبه بإخراجها)
[ ٣ / ٢٧٩ ]
أي: بأن يخرجها عنه، كما أن له المطالبة بًان ينفق عليه لأن الفطرة تابعة للنفقة. (و) له أيضًا (ان يخرجها) أي: أن يخرج فطرته (عن نفسه وتجزئ) عنه ولو أخرجها (بلا إذن من تلزمه) في الأصح، (لأنه) أي: الذي تلزمه (متحمل) عن المخرج بالفطرة لأن المخاطب بها ابتداء المخرج.
(ومن أخرج) فطرة (عمن لا تلزمه فطرته بإذنه: اجزأ)، وإلا فلا.
(ولا تجب) الفطرة (إلا بدخول ليلة) عيد (الفطر)، لقول ابن عباس: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر ظهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين " (^١) . رواه أبو داود والحاكم وقال: على شرط البخاري.
فأضاف الصدقة إلى الفطر فكانت واجبة به، لأن الإضافة تقتضي الاختصاص والسببية. وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان مغيب الشمس من ليلة الفطر.
(فمتى وجد قبل الغروب موت) لمن تلزمه من زوجة او رقيق أو نسيب (ونحوه) أي: نحو الموت، كما لو طلق الزوجة أو عتق العبد أو أيسر النسيب أو انتقل الملك في الرقيق وكان ذلك كله قبل غروب الشمس: فلا فطره، لأنه لم تدخل ليلة الفطر إلا وقد زال السبب الموجب للفطرة. وكذا إن لم (^٢) يوجد السبب إلا بعد دخول ليلة الفطر.
ومن أمثلة ذلك ما أشير إليه بقوله: (أو أسلم) يعني: عبده الكافر أو نسيبه الفقير أو زوجته الذمية بعد دخول ليلة الفطر (او ملك رقيقا او) ملك (زوجة) بأن تزوجها بعد دخول ليلة الفطر (أو ولد له) نسيب فقير من ولد أو أخ أو غيرهما ممن تلزمه نفقته (بعده) أي: بعد دخول ليلة الفطر: (فلا فطر) عليه في جميع هذه الصور. نقل ذلك الجماعة عن الإمام أحمد " لعدم وجود سبب الوجوب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٩) ٢: ١١١ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١٤٨٨) ١: ٥٦٨ كتاب الزكاة.
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٨٠ ]
ومفهومه: أنه إذا وجد ذلك قبل دخول ليلة الفطر وجبت الفطرة. فمن مات في ليلة الفطر وقد وجبت عليه الفطرة قبل أدائها أخرجت من ماله. فإن كان عليه دين وله مال يفي بهما قضيا جميعا، وإن لم يف بهما قسم بينهما بالحصص.
نص أحمد على ذلك في زكاة المال. فكذا هاهنا. فإن كان عليه زكاة مال وزكاة فطرة ودين فزكاة الفطر وزكاة المال كالشيء الواحد لاتحاد مصرفهما فيحاصان الدين. وأصل هذا ان حق الله ﷾ وحق الادمي إذا تعلقا بمحل واحد فكانا في الذمة او كانا فى العين تساويا في الاستيفاء.
(والأفضل إخراجها) أي: الفطرة (يوم العيد قبل صلاته او) قبل مضي (قدرها) أي: الصلاة، " لأن النبى ﷺ أمر بها ان تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " (^١) . في حديث ابن عمر.
وقال في حديث ابن عباس: " من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدفات " (^٢) .
وعن أبي العالية " في هذه الاية: (قد افلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلي) [الأعلى: ١٤ - ١٥] قال: نزلت في صدقة الفطر. يزكون ثم يصلون " (^٣) . رواه الأثرم.
(ويأثم مؤخرها عنه) أي: عن يوم العيد، لجوازها فيه كله.
لما روى الدارقطني عن ابن عمر: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، وقال: أغنوهم في هذا اليوم " (^٤) . وهذا عام في جميعه (^٥) . ولذلك (^٦) كان النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٣٢) ٢: ٥٤٧ أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقه الفطر. وأخرجه مسلم في "صحيحه ") ٩٨٦) ٢: ٦٧٩ كتاب الزكاه، باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٦١٠) ٢: ١١١ كتاب الزكاه، باب متى تؤدى؛
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٠٩) ٢: ١١١ كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر. ()
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٥٩ كتاب الزكلاة، قال اله تحالى: (قد افلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلي). ()
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٦٧) ٢: ٢ ٥ ١ كتاب زكاة الفطر. ()
(٥) في ج: جميعهم. ()
(٦) في ب: ولهذا. ()
[ ٣ / ٢٨١ ]
يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة. فعلم أن أمره بتقدمها على الصلاة للاستحباب. وأنه لا يأثم إلا إذا اخرها عن يوم العيد.
(ويقضي) مؤخرها عنه. فتكون بعده قضاء.
(وتكره في باقيه) أي: باقي يوم العيد بعد الصلاة.
قال في" الفروع ": وفي الكراهة بعدها وجهان. والقول بها أظهر. انتهى.
وقيل: يحرم تأخير إخراجها إلى بعد الصلاة.
وذكر صاحب " المحرر ": أن أحمد رحمه الله تعالى أومًا إليه وتكون قضاء. وجزم به ابن الجوزي في " كتاب أسباب الهداية ". ذكره عنه في " الفروع ".
(لا في اليومين قبله) أي: ولا يكره إخراجها في اليومين قبل يوم العيد؛
لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان- وقال في اخره-: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " (^١) . وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا.
ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها. فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغني بها عن الطواف والطلب فيه.
ولأنها زكاة. فجاز تعجيلها قبل وجوبها، كزكاة المال.
(ولا تجزئ) الفطرة إذا اخرجها (قبلهما) أي: قبل اليومين اللذين يليهما العيد " لقول النبي ﷺ " اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم " (^٢) . ومتى قدمها بزمن كثير فات الإغناء المأمور به.
ولأنه مال مقصود في يوم عيد فاختص به وبما قاربه كالأضحية.
ولأن الفطر من رمضان] هو السبب أو اقوى جزأي السبب بدليل قوله في
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٤٠) ٢: ٥٤٩ أبواب صدقة الفطر، باب صدقه الفطر على الحر وا لمملوك. ()
(٢) أخرجه البجهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٧٥ كتاب الزكاة، باب وقب إخراج زكاة الفطر. ()
[ ٣ / ٢٨٢ ]
الحديث: " فرض صدقة الفطر من رمضان " (^١) [(^٢) . فلم يجز تقديمها عليه بالزمن الكثير.
(ومن) وجبت (عليه فطرة غيره) كزوجته وعبده وولده (اخرجها مع فطرته مكان نفسه)،لأن الفطر سبب وجوب الزكاة ففرقت في البلد الذي وجد سببها وهو فيه.
قال في " الفروع ": ومن لزمه فطرة حر أو عبد فقيل: يخرجها مكانهما.
قدمه بعضهم وفاقًا لأبي يوسف. وحكي عن أبي حنيفة " لأنها كمال مزكى في غيربلد (^٣) مالكه.
وقيل: مكانه. وهو ظاهر كلامه. وفي " منتهى الغاية " نص عليه وفاقًا لأبي حنيفة ومالك (^٤) كفطرة نفسه وفاقًا، لأنه السبب لتعدد الواجب بتعدده.
واعتبر لها المال لشرط القدرة ولهذا لا تزداد بزيادته. انتهى.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديب قبل السابق. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) في أ: وذلك ()
[ ٣ / ٢٨٣ ]
] فصل: في أحكام الفطرة]
(فصل) فيما يلزم في (^١) الفطرة. (والواجب) في الفطرة (صاع بر) أي: أربعة أمداد. وذلك خمسة أرطال وثلث رطل عراقي؛ لأن المد رطل وثلث رطل وهو صاع النبي ﷺ وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل الخلقة.
وحكمته: كفايته للفقير في أيام العيد.
(او مثل مكيله) أو مكيل البر (من تمر أو زبيب او شعير أو اقط) وهي شيء يعمل من اللبن المخيض. وقيل: من لبن الإبل فقط. نص على الأقط في رواية الجماعة.
لما روى أبو سعيد الخدري فالط: " كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله ﷺ صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، او صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط " (^٢) .] متفق عليه] (^٣) .
(أو) صاع (مجموع من ذلك) أي: من الخمسة المذكورة بأن يكون نصفه بر ونصفه تمر. أو ربعه تمر وربعه شعير وربعه زبيب وربعه أقط ونحو ذلك لنص احمد على إجزاء صاع من أجناس لأن كلا منها يجوز منفردا فكذا مع غيره لتقارب مقصودها أو اتحاده. وقاسه في " المغني " و" الشرح " على فطرة عبد مشترك إذا أخرج كل واحد من جنس. وفي " الفروع ": يتوجه تخريج من الكفارة لا تجزئ لظاهر الأخبار إلا ان نقول بالقيمة.
_________________
(١) في أ: من. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٣٥) ٢: ٥٤٨ أبواب صدقة الفطر، باب صدقة الفطر صاع من طعام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٥) ٢: ٦٧٨ كتاب الزكاه، باب زكاه الفطر على المسلمين منالتمر والشعير.
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٨٤ ]
(ويحتاط في ثقيل) كتمر (ليسقط الفرض بيقين).
ومن أخرج فوق صاع فًا جره أكثر. وحكي لأحمد عن خالد بن خداش سمعت مالكا يقول: لا يزيد فيه لأنه ليس له أن يصلى الظهر خمسا. فغضب أحمد واستبعد ذلك.
(ويجزئ دقيق بر و) دقيق (شعير وسويقهما. وهو: ما يحمص ثم يطحن بوزن حبه) نص عليه لتفرق الأجزاء بالطحن. واحتج احمد على. إجزاء الدقيق بزيادة انفرد بها ابن عيينة من حديب أبي سعيد: " أو صاعا من دقيق. قيل لابن عيينة: إن أحدا لا يذكره فيه. قال: بل هو فيه " (^١) . رواه الدارقطنى.
قال المجد: بل هو أولى بالإجزاء؛ لأنه كفي مؤنته؛ كتمر نزع نواه.
ويجزئ الدقيق (ولو بلا نخل) لأنه بوزن حبه (كـ) ما يجزئ الحب (بلا تنقية)؛ لأنه لم يثبت فيها شيء. إلا أن أحمد قال: كان ابن سيرين يحب أن ينقى الطعام. وهو (٤) إلي ليكون على الكمال ويسلم مما يخالطه من غيره، (لا خبز) فإنه لا يجوز؛ لخروجه عن الكيل والادخار. وكذا ما في معناه كالهريسة وكذا البكسماط لخروجه عن الكيل. ولا يجزئ أيضًا إخراج القيمة.
نص عليها وعلى الخبز.
(و) لا يجزئ (معيب) من الأصناف الخمسة المتقدم ذكرها؛ لقوله
﷾: (ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون)] البقرة: ٢٦٧].
والمعيب (كمسوس)؛ لأن السوس يأكل جوفة. (ومبلول)؛ لأن البلل ينفخه. (وقديم تغير طعمه)؛ لأن تغير طعمه عيب فيه. أما إذا لم يتغير طعمه ولا رائحته إلا أن الجديد أكثر قيمة من القديم جاز أخراجه لعدم العيب فيه.
والأفضل الجديد. (ونحوه) أي: ونحو ما تقدم من امثلة المعيب كالقديم الصغير الرائحة.
(و) لا يجزئ إخراج شيء من الأصناف الخمسة (مختلط ب) شيء (كثير
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٣) ٢ " ١٤٦ كتاب زكاة الفطر. ()
[ ٣ / ٢٨٥ ]
مما لا يجزئ) كالقمح المختلط بكثير الزيوان أو بكثير العدس أو نحو ذلك؛ لأنه لا يعلم قدرما فيه من المجزئ.
(ويزاد) على الصاع (إن قل) المختلط الذي لا يجزئ (بقدره).
قال في " الفروع ": وإن قل زاد بقدرمايكون المصفى صاعا لأنه ليس عيبا لقلة مشقة تنقيته.
(ويجزئ مع عدم ذلك) أي: عدم الأصناف الخمسة (ما يقوم مقامه) اي: مقام احدها (من حب) يقتات (وتمر مكيل يقتات)؛ كالذرة والدخن والأرز والعدس والتين اليابس واشباهه؛ لأن ذلك أشبه بالمنصوص عليه. فكان أولى من غيره.
وقال ابن حامد: يجزئه إخراج كل ما يقتات من لبن ولحم وغيرها.
(والأفضل) اي: أفضل مخرج (تمر) مطلقا. نص عليه وفاقًا لمالك لفعل ابن عمر. قال نافع: " كان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير " (^١) . رواه احمد والبخاري.
و" قال له أبو مجلز: إن الله قد أوسع، والبر افضل. فقال: إن أصحابي سلكوا طريقا فأنا أحب ان أسلكه ". رواه احمد واحتج به.
وظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم فكذلك نحن.
ولأن التمر قوت وحلاوة واقرب تناولا واقل كلفة.
(فزبيب) يعني: ان الزبيب يلي التمر في الأفضلية في الأصح؛ لأن فيه قوتا (^٢) وحلاوة وقلة كلفة. فكان أشبه بالتمر من البر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١٤٤٠) ٢: ٥٤٩ أبواب صدقة الفطر، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٤٨٦) ٢: هـ
(٢) في أ: قوة. ()
[ ٣ / ٢٨٦ ]
(فبر)؛ لأن القياس تقديمه على الكل، لكن ترك القياس اقتداء بالصحابة في التمر، وما شاركه في المعنى وهو الزبيب.
(فأنفع) يعني: انه يلي البر في الفضيلة ما كان انفع في الاقتيات وأبلغ في
دفع حاجة الفقير.
ومع الاستواء في النفع فشعير (فدقيقهما) أي: البر والشعير (فسويقهما فأقط.
و) الأفضل (ان لا ينقص معطى) من الفطرة (عن مد بر) وهو ربع الصاع (او نصف صاع من غيره) أي: غير البر.
(ويجوز إعطاء) فقير (واحد ما على جماعة) نص على ذلك. (وعكسه) اي: إعطاء جماعة ما على واحد.
(ولإمام ونائبه رد زكاة وفطرة إلى من اخذتا منه. وكذا فقير لزمتاه) اي: الزكاة والفطرة.
قال في " شرح المقنع ": فإن دفعها إلى مستحقها فأخرجها اخذها إلى دافعها أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السهمان فعادت إلى إنسان صدقته فاختار القاضي جواز ذلك. قال: لأن أحمد نص فيمن له نصاب من الماشيه والزرع أن الصدقة تؤخذ منه وترد إليه إذا لم يكن له قدر كفايته. وهو مذهب الشافعي لأن قبض الإمام أو المستحق ازال ملكه المخرج وعادت إليه بسبب اخر. اشبه ما لو عادت إليه بميراث. انتهى.
وقال أبو بكر مذهب أحمد لا. كشرائها. وجزم بقول القاضي في " التنقيح " ثم قال (المنقح: ما لم تكن حيلة) يعني: على (^١) عدم إخراج الزكاه. والله أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٢٨٧ ]
] باب: أحكام إخر اج الزكاة]
هذا (باب) (^١) فيما يتعلق بإخراج الزكاة.
(إخراج الزكاة) بعد استقرارها (واجب فورا) أي: من غير تأخير إلا في صور تأتي في المتن؛ (كـ) وجوب الفورية في (نذر مطلق وكفارة)؛ لأن الأمر المطلق في قوله: (وءاتوا الزكاة) [البقره: ١١٠] يقتضي الفورية. بدليل قوله ﷾: (ما منعك ان تسجد اذ امرتك) [الأعراف: ١٢]. فوبخه إذ لم يسجد حين أمر.
وروى أبو سعيد بن المعلى قال: " كنت أصلي في المسجد. فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه. ثم أتيته فقلب: يا رسول الله! إنى كنت أصلي. فقال ألم يقل الله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) [الأنفاد: ٢٤] " (^٢) . رواه احمد والبخاري.
ولأن السيد إذا- أمر عبده بشيء فًاهمله حسن لومه وتوبيخه عند أهل العرف ولم يقبلوا عذره بانتفاء قرينة الفورية.
ومحل ذلك (إن امكن) الإخراج؛ لأنها زكاه أمكن إخراجها فوجب على الفور. أشبه ما لو طولب بها بل أولى لأن أمر الساعي لمن وجبب عليه بًادائها يفيد الفور اتفاقا فكيف لا يفيده أمر الله ﷾.
ولأنه يأثم بتًا خيرها مع مطالبة الآدمي. فكذلك مع مطالبة الله ﷾، كالعين المغصوبة.
ولأن تجويز تأخيرها يمنع معه تأثيم من مات فجًا ة أو بغتة قبل الأداء لأنه إنما
_________________
(١) في ب زيادة: بالتنوين. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٠٤) ٤: ١٦٢٣ كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٨٨٤) ٤: ١٢١.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
فعل ما أذن له فيه. ويمتنع أن لا يأثم لمخالفة العمومات في وعيد (^١) من لم يؤد زكاة ماله. وإذا امتنع القسمان تعينت الفورية.
ولأن الشح يوجب الإمساك فيما طبعت عليه النفوس، وحاجة الفقير ناجزة. فإذا أخر الإخراج اختل المقصود. وربما فات بما يطرا من إفلاس أو موت او تلف أو غير ذلك.
(و) محل ذلك أيضًا إن لم يخش ضررا بأن (لم يخف رجوع سماع) عليه بها إن أخرجها من غير علمه.
(أو) يخشى بدفعها على الفور ضررا (على نفسه او ماله ونحوه) كمعيشته، لقول النبي ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " (^٢) .
ولأنه إذا جاز تأخير دين الادمي لذلك فتًا خير الزكاة أولى.
(وله تأخيرها لأشد حاجة) ممن هو حاضر. نقله يعقوب وقيده جماعه بزمن يسير.
قال في " الإنصاف ": ويجوز أيضًا التًاخير ليعطيها لمن حاجته اشد على الصحيح من المذهب. نقل يعقوب: لا أحب تأخيرها إلا أن لا يجد قوما مثلهم في الحاجة فيؤخرها لهم. قدمه في " الرعاية " و" الفروع ".وقال: جزم به بعضهم. انتهى.
(و) يجوز تأخيرها أيضًا (لقريب وجار).
قال في " الإنصاف ": ويجوز أيضًا التأخير لقريب. قدمه في " الفروع "، وقال: جزم به جماعة. قلت: منهم ابن رزين وصاحب " الحاويين " وقدم جماعة المنع منهم صاحب " الرعايتين " و" الفائق ".
قال في " القواعد الأصولية ": وأطلق القاضي وابن عقيل روايتين في القريب
_________________
(١) في أ: لمخالفه العمومات وعند. ()
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١ ٢٣٤) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يفر بجاره. قال في " الزوائد ": في إسناده جابر الجعقي، متهم. واخرجه اخمد في " مسنده " (٢٨٦٧) ١: ٣١٣.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
ولم يقيداه بالزمن اليسير. ويجوز أيضًا التأخير للجار كالقريب. جزم به في " الحاويين " وقدمه في " الفروع " وقال: ولم يذكره الأكثر. انتهى.
(و) للمالك تأخيرها الحاجته إليها إلى ميسرته). نص عليه. واحتج بحديث عمر " انهم احتاجوا عاما. فلم يأخذ منهم الصدقة فيه. واخذها منهم في السنة الأخرى " (^١) .
(و) يجوز له أيضًا تأخيرها (لتعذر إخراجها من المال لمغيبة وغيرها إلى قدرته) عليه (ولو قدر ان يخرجها من غيره)، لأن الأصل الإخراج من عين المال المخرج عنه، والإخراج من غيره رخصة، ولا تنقلب الرخصة تضييقا. (ولإمام وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة كقحط ونحوه). نص عليه، واحتج بحديث عمر المتقدم.
قال في " الفروع ": واحتج بعضهم بقوله ﷺ عن العباس: " فهي عليه ومثلها معها " (^٢) . رواه البخاري. وكذا اوله أبو عبيد. انتهى.
(ومن جحد وجوبها) أي: الزكاة (عالما) بالوجوب (او ج أهل ا) به لكونه قريب عهد بالإسلام أو نشًا ببادية بعيدة عن القرى (وعرف فعلم وأصر) على الجحود عنادا: (فقد ارتد) عن الإسلام، لأنه مكذب لله ولرسوله.
تجري عليه أحكام المرتدين بأن يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل.
حتى (ولو أخرجها) مع جحوده، لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهره في الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
(وتؤخذ منه) إن كانت وجبت عليه لاستحقاق أهل الزكاة لها.
(ومن منعها) أي: منع الزكاة (بخلا) بها (او تهاونا) من غير أن
_________________
(١) روى أبو عبيد في " الأموال " عن ابن أبي ذباب " أن عمر أخر الصدقة عام الرمادة. قال: فلما أحيا الناس بعثنى. فقال: اعقل عليهم عقالين. فاقسم فيهم عقالا وائتني بالاخر " ٠) ٩٨١) ٣٤٢ باب فرض صدقة الإبل وما فيها من السنن
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١٣٩٩) ٢: ٥٣٤ كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (وفى الرقاب الغرمين وف سبيل الله).
[ ٣ / ٢٩٠ ]
يجحدها: (اخذت) منه قهرا كدين الآدمي. وكما يؤخذ منه العشر.
ولأن للإمام طلبها وكالخراج.
(وعزر) يأتي فاعله (من علم تحريم ذلك) أي: تحريم منعها (إمالم) فاعل عزر (عادل)؛ لأنه متى كان الإمام فاسقا يصرفها في غير مصارفها كان ذلك عذرا له في عدم دفعها إليه (أو) عزره (عامل) عادل لمنعه الزكاة.
(فإن غيب) ماله، (او كتم ماله، أو قاتل دونها) أي: دون الزكاه بأن قاتل الجابي لها (وامكن اخذها) منه (بقتاله) اي: بقتال الإمام له: (وجب قتاله على إمام وضعها) اي: وضع الزكاة (مواضعها)؛لاتفاق الصديق مع الصحابة على قتال مانعي الزكاة. وقال: " والله لو منعونى عناقا- وفي لفظ عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها " (^١) . متفق عليه.
(وأخذت) الزكاة (فقط) اي: من غير زيادة عليها على الأصح.
وعنه: تؤخذ الزكاة ومثلها معها.
وعنه: تؤخذ ويؤخذ شطر ماله الزكوي؛ لما روى بهز بن حكيم عن ابيه عن جده مرفوعا: " في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون. لا تفرق الإبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا فله اجرها. ومن منعها فإنا اخذوها وشطر إبله.
عزمة من عزمات ربنا. لا يحل لآل محمد منها شيء " (^٢) . رواه احمد والنسائي وأبو داود. وقال: شطر ماله. وهو ثابت إلى بهز وقد وثقه الأكثر.
والأول المذهب. ويجاب عن الحديث بأن ذلك كان في بدء الإسلام حيث
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٥) ٦: ٢٦٥٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنه، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠) ١: ٥١ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. . .
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٧٥) ٢: ١٠١ كتاب الزكاه، باب في زكاة السائمة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٤٤) ٥: ١٦ كتاب الزكاة، باب عقوبة ماخ الزكاة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٠٣٠) ٥: ٢.
[ ٣ / ٢٩١ ]
كانت العقوبات بالمال ثم نسخ بقوله في حديث الصديق: " ومن سئل فوق ذلك فلايعطه " (^١) .
ولأن منع الزكاة كان في خلافة الصديق مع توفر الصحابة ولم ينقل عنهم أخذ زيادة ولا قول (^٢) بذلك.
ولأن غايته أنه ظلم بمنيع الحق. فلا يزاد عليه بذلك؛ كسائر الحقوق.
(ولا يكفر) من قاتل الإمام على الزكاة (بقتاله للإمام) على (^٣) أصح الروايتين. وإن حكمنا بكفر تارك الصلاة. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وعنه: بلى؛ لقول ابن مسعود (ما مانع الزكاة بمسلم ". حكاه (^٤) أحمد ورواه الأثرم.
ولما روي " أن الصديق لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب [قالوا: نؤديها] (^٥) . قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" (^٦) .
ولم ينقل عن الصحابة إنكار ذلك.
والأول المذهب؛ لما روى عبدالله بن شقيق قال: " كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة " (^٧) . رواه الترمذي.
ولأن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من قتال مانعي الزكاة ابتداء. ولو اعتقدوا كفرهم ما امتنعوا منه. ثم اتفقوا على القتال فبقي عدم التكفير على اعتقادهم الأول. وما ورد في التكفير بذلك معناه التغليظ ومقاربة الكفر دون
_________________
(١) سبق تخرلجه ص (١٥٢) رقم (٢). ()
(٢) في ب: قولا. ()
(٣) في ج: في. ()
(٤) في أ: رواه. ()
(٥) ساقط من ا. ()
(٦) أخرجه البيهقي قي " السنن الكبرى " ٨: ٣٣٥ كتاب الأشربه، باب قتال أهل الردة وما اصيب في أيديهم من متاع المسلمين. ()
(٧) أخرجه الترمذى في " جامعه ") ٢٦٢٢) ٥: ١٤ كتاب الإيمان، ياب ما جاء في ترك الصلاه. ()
[ ٣ / ٢٩٢ ]
تحقيقه. ويحتمل أن كلام الصديق (^١) كان لمن منعها جحودا أولحق ب أهل الردة منهم. فقد كان فيهم طائفة كذلك. والله أعلم.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن أخذها من مانعها بوجه وهو في قبضة الإمام (استتيب ثلاثة أيام) لأنها من مبانى الإسلام فيستتاب تاركها كالصلاة (فإن) تاب بأن (أخرج) الزكاة. (وإلا قتل) لاتفاق الصحابة على قتال مانعها (حدا) لما تقدم من (^٢) أنه لا يكفر بذلك، (واخذت) الزكاة (من تركته) لأن القتل لا يسقط دين الادمي. فكذا الزكاة.
(ومن) طولب بالزكاة فـ (ادعى اداءها) لمستحقها: صدق بلا يمين.
(أو) ادعي (بقاء إلحول) أي: أنه لم يحل الحول على ماله. (أو) ادعى (نقص النصاب. أو) ادعى (زوال ملكه) عن النصاب في أثناء الحول. (او) ادعى (تجدده) أي: تجدد ملكه على النصاب (قريبا. أو) ادعى (ان ما بيده) من المال الزكوي (لغيره. أو) ادعى (أنه) أي: مال السائمة (مفرد. أو) أنه (مختلط ونحوه) مما يمنع وجوب الزكاة او نقصانها كما لو طولب بزكاة عرض تجارة فادعى انه نواه للقنية أو بزكاة سائمة فادعى أنه علفها زمنا يمنع معه وجوب الزكاة. (او أقر بقدر زكاته ؤلم يذكر قدر ماله): لم يسأل عن شيء و(صدق بلايمين). نقل حنبل: لا يسئل المتصدق عن شيء، ولا يبحث. إنما يأخذ ما أصابه مجتمعا.
ولأنها عبادة مؤتمن عليها فلا يستحلف كالصلاة والكفارة. بخلاف الوصية للفقراء بمال. وهذا المذهب.
وقال ابن حامد: يستحلف في ذلك كله.
وفي " الفروع ": يتوجه احتمال إن اتهم.
وفي " الأحكام السلطانية ": إذا رأى السامل ان يستحلفه فعل. وان نكل لم
_________________
(١) في ج زيادة: كله. ()
(٢) ساقط من ا. ()
[ ٣ / ٢٩٣ ]
يقض عليه بنكوله.
وقيل: بلى.
وكذا الحكم إن مر بعاشر وادعى أنه عشره عاشر أخر.
قال أحمد: إذا أخذ منه المصدق كتب له براءة. فإذا جاء اخر أخرج إليه براءته.
قال القاضي: وإنما قال ذلك لتنتفي التهمة عنه.
(ويلزم) بالإخراج (عن) مال (صغير ومجنون وليهما) في ما لهما. نص عليه كما يجب عليه صرف النفقة الواجبة؛ لأن ذلك حق تدخله النيابة. فقام الولي فيه مقام المولى عليه، كالنفقات والغرامات.
ومحل ذلك: إذا كان كل من الصغير والمجنون حرا مسلما تام الملك.
وذلك لأن نية الصغير ضعيفة والمجنون لا تتحقق منه نية الزكاة مع وجوب الزكاة في مالهما؛ لما تقدم من أنه ليس من شرط وجوب الزكاة بلوغ ولا عقل.
(وسن) لمخرج الزكاة (إظهارها).
قال في " الفروع ": ويستحب إظهار إخراجها في الأصح.
(و) سن أيضًا (تفرقة ربها) أي: رب الزكاة (بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها. وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة.
قال احمد: أعجب (^١) إلي ان يخرجها.
ومما يدل لذلك قوله ﷾: (ان تبدوا الصدقات .) الاية [البقرة: ٢٧١] وكالدين.
لكن (يشترط امماثقه) أي: امانة رب المال لأنه إن لم يثق بنفسه في إخراج جميعها كان دفعها إلى الساعي أفضل، لأنه ربما يمنعه الشح المطبوعة عليه النفوس من تأخير شيء منها.
_________________
(١) في أ: أحب. ()
[ ٣ / ٢٩٤ ]
(و) سن أيضًا (قوله) اي: قول رب المال (عند دفعها) اي: دفع زكاة ماله (اللهم! اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما)، لخبر ابي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها ان تقول: اللهم! اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " (^١) . رواه ابن ماجه من رواية البختري بن عبيد وهو ضعيف.
قال بعضهم: ويحمد الله تعالى على توفيقه لأدائها. ومعناه الدعاء كًا نه قال: اللهم! اجعلها مثمرة لا منقصة " لأن التثمير كالغنيمة والتنقيص كالغرامة.
(و) سن أيضًا (قول اخذ) الزكاة: (آجرك الله فيما اعطيت وبارك لك فيما ابقيت وجعله لك طهورا)، لأنه مًامور بالدعاء في قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بهاوصل عليهم) [التوبة: ١٠٣] اي: ادع لهم.
قال عبدالله بن أبي أوفى: " كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم! صل على ال فلان. فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم! صل على ال أبي أوفى " (^٢) . متفق عليه.
وهو محمول على الندب. ولهذا لم يأمر النبي ﷺ سعاته بالدعاء لمن اخذوا منه الزكاة.
واجاب؛ بعض العلماء بان دعاءه ﷺ سكن لهم. بخلاف غيره.
وفي " أحكام القاضي ": على العامل إذا أخذ الزكاة أن يدعو ل أهل ها.
قال في " الفروع ": و" على " ظاهر في الوجوب. وأوجبه الظاهرية وبعض الشافعية. وقد ذكره صاحب " المحرر" في قوله: وعلى الغاسل ستر ما راه.
] ونظير ذلك: (وعلى الوارث مثل ذلك)] البقرة: ٢٣٣] (^٣) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٩٧) ١: ٥٧٣ كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة. قال في " الزوائد ": في إسناده الوليد بن مسلم الدمشمي، وكان مدلسا، والبختري متفق على ضعفه.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٩٩٨ ٥) ٥: ٢٣٣٩ كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٨ ٠ ١) ٢: ٦ ٥ ٧ كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة.
(٣) ساقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وفي باب الحروف من " العده " و" التمهيد ": أن على للإيجاب.
وفي " الصحيحين " من حديب أبي موسى " على كل مسلم صدقة " (^١) .
و" فيهما " من حديث أبي هريرة " كل سلامى من الناس عليه صدقة " (^٢) .
قال في " شرح مسلم ": قال العلماء: صدقة ندب لا إيجاب. انتهى.
(وله دفعها) أي: لرب المال دفع زكاته (إلى الساعي).
وعند أبي الخطاب أنه أفضل من تفرقتها بنفسه.
قال في " شرح المقنع ": ولا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز. سواء كان عدلا أو غير عدل وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الإمام أو لا. أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها. انتهى.
و" قيل: لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور.
فقال: ادفعها إليهم ". حكاه عنه أحمد.
وفي لفظ عنه: " ادفعوها إلى من غلب " (^٣) .
وفي لفظ اخر: " ادفعوها إلى الأمراء وإن كرعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم " (^٤) . رواهما عنه أبو عبيد.
وقال أحمد في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الأمراء وهؤلاء
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحححه " (١٣٧٦) ٢: ٥٢٤ كتاب الزكاة، باب على كل مسلم صدقه فمن لم يجد فليعمل بالمعروف. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٠٨ ٠ ١) ٢: ٦٩٩ كتاب الزكاة، باب بييان أن اسم الصدقة يقيع على كل نوع من المعروف.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٢٥٦٠) ٢: ٩٦٤ كتاب الصلح، باب فضل الإصلاح بين الشاس والعدل بينهم. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٠٩ ٠ ١) ٢: ٦٩٩ كتاب الزكاة، باب بييان أن اسم الصدقة يقيع على كل نوع من المعروف.
(٣) أخرجه أبو عبيد في " الأموال ") ١٨٣٠) ٥١١ باب دفع الصدقة إلى الأمراء. . . ()
(٤) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٧٩٨) ٥٠٦ باب دفع الصدقة إلى الأمراء ()
[ ٣ / ٢٩٦ ]
أصحاب رسول الله ﷺ يأمرون بدفعها. وقد علموا فيما ينفقونها فما أقول أنا وقال في " الفروع ": ويجوز الدفع إلى الخوارج والبغاة. نص عليه في الخوارج إذا غلبوا على بلد واخذوا منه العشر وقع موقعه.
وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل.
وقال في موضع اخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما. وظاهر كلامه في موضع من " الأحكام السلطانية " لا يجزئ الدفع إليهم اختيارا.
وعنه: التو قف. انتهى.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
] فصل: في شروط إخراج الزكاة]
(فصل. ويشترط لإخراجها) اي (^١): الزكاة (نية من مكلف)، لقول النبي ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " (^٢) .
ولأنها عبادة يتكرر وجوبها. فافتقرت إلى تعيين النية، كالصلاة.
ولأنه مامور بالزكاة. فإذا لم يقصدها لم يكن ممتثلا فيبقى في عهدة الأمر لأن صرف المال إلى الفقير له جهات من زكاة وكفارة ونذر وصدقة تطوع ولا قرينة تعين فاعتبرت نية التمييز.
والنية هنا: أن ينوي انها زكاة ماله أو زكاة من يخرج عنه من صبي او مجنون.
ومحلها القلب، لأنه محل الاعتقادات كلها.
(إلا ان تؤخذ) الزكاة منه (قهرا) فإنها تجزئ من غير نية رب المال في الظاهر بلا تردد. بمعنى انه لا يؤمر بًادائها ثانيا.
(او يغيب ماله) تم يطلع عليه. فتؤخذ منه. فإنها تجزئه أيضًا من غير نية، كالمأخوذة قهرا.
وقال ابو الخطاب وابن عقيل: لا يجزئه فيهما إلا بنية.
(او يتعذر وصول إلى مالك) للمال المزكى (بحبس، ونحوه)، كًاسير (فيأخذها الساعي) من المال. فإنها تجزئ ظاهرًا في المسألتين الأوليين.
(وتجزئ) ظاهرًا و(باطنا في) المسالة (الأخيرة فقط) وهي ما إذا تعذر
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنية".
[ ٣ / ٢٩٨ ]
الوصول إلى المالك وأخذها الساعي من المال.
(والأولى قرنها) أي: قرن النية (بدفع وله تقديمها بـ) زمن (^١) (يسير كصلاة فينوي الزكاة او الصدقة الواجبة أو صدقة المال او الفطر، ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة ولو تصدق بجميع ماله) كما لو نوى صلاة مطلقة فإنها لا تجزئ عن الفرض.
(ولا تجب نية فرض) للاكتفاء بنية الزكاة فإنها لا تكون إلا فرضا.
(ولا) تجب أيضًا (تعيين) مال (مزكى عنه) على المذهب.
] وفي تعليق القاضي: وجه تعتبر نية التعيين إذا اختلف المال " مثل شاة عن خمس من الإبل وأخرى عن أربعين من الغنم، ودينار عن نصاب تالف، واخر عن نصاب قائم وصاع عن فطره واخر عن عشر الزكاة.
(فلو نوى) على المذهب [(^٢) الزكاة (عن ماله الغائب و) انه (إن كان تالفا) أي: تبين تلفه (فعن الحاضر: أجزا عنه) أي: عن الحاضر (إن كان الغائب تالفا). بخلاف الصلاة لاعتبار التعيين فيها.
(وإن أدى قدر زكاة أحدهما) اي: أحد النصابين اللذين هما الحاضر والغائب: (جعلها لأيهما) اي: أي النصابين (شاء، كتعيينه ابتداء) أنها عن الحاضر مثلا.
(وإن لم يعين) واحدا منهما (اجزا عن احدهما.
ولو نوى) بالزكاة (عن) المال (الغائب فبان) الغائب (تالفا لم: يصرف) أي: لم يكن له صرفه في هذه الحالة (إلى غيره) وفاقًا للأئمة الثلاثة، كعتق في كفارة معينة فلم تكن لأن النية لم تتناوله.
(وإن نوى) بالزكاة (عن الغائب إن كان سالما) فبان سا لما: أجزأته عنه.
(او نوى) عن الغائب إن كان سالما، (وإلا) اي: وإن لم يكن سالما
_________________
(١) زيادة من ج. ()
(٢) ساقط من أ. كما سقطت عبارة: (فلو نوى) على المذهب الزكاة، من ب. ()
[ ٣ / ٢٩٩ ]
(ف) هي (نفل) فبان الغائب سالما: (اجزأ) الدفع؛ لأن ذلك في حكم الإطلاق فلا يضر تقييده به.
قال في " الفروع ": وقال ابو بكر: لا يجزئه لأنه لم يخلص النية للفرض؛ كمن قال: هذه زكاة مالي او نفل. او قال: إن كان مات مورثي فهذه زكاة إرثي منه لأنه لم يبن على أصل.
قال الموفق وغيره: كقوله ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل. وقال صماحب " المحرر " كقوله: إن كان وقت الظهر دخل فصلاتي هذه عنها.
وقال غير واحد: لو قال في الصلاة إن كان الوقت دخل ففرض وإلا فنفل فعلى الوجهين.
وقال أبو البقاء: فيمن بلغ في الوقت التردد في العبادة يفسدها. ولهذا لو صلى ونوى إن كان الوقت قد دخل فهي فريضة وإن لم يكن قد دخل فهي نافلة لم تصح له فرضا ولا نفلا. انتهى.
(وإن نوى) با لزكاة (عن) النصاب (الغائب إن كان سالما وإلا) أي: وإن لم يكن سالما (فأرجع) بالزكاة: (فله الرجوع إن بان تالفا). ذكره أبو المعالي على قول الرجوع في التلف.
قال: ولو أعتق عبده من كفارته فلم يجزئه لعيبه عتق ولزمه بدله. فإن قال: عتقته عن كفارتي وإلا رددته إلى الرق إن لم يكن مجزءا فله رده إلى الرق.
قال في " الفروع ": ثم فرق بينه وبين مسًالة الصوم المذكورة على الأصح فيها: بأن الأصل عدم دخول وقت الصوم وهنا الأصل بقاء المال ووجوب الزكا ة.
ومن شك في بقاء ماله الغائب لم يلزمه الإخراج عنه. وكذا إن علم بقاءه وقلنا الزكاة في العين، وإن قلنا في الذمة فوجهان. وظاهر اختياره في " المستوعب " في فائدة تعلقه بالعين او الذمة أنه يلزمه. انتهى.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
(وإن وكل) رب المال (فيه) أي: إخراج الزكاة (مسلما ثقة) نصا مكلفا ذكرا أو أنثى: (اجزأت نية موكل) فقط (مع قرب) زمن (إخراج) من زمن توكيل " لأن الموكل هو الذي عليه الفرض. وتأخر الأداء عن النية بالزمن اليسير جائز.
(وإلا) أي: وإن لم يقرب زمن الإخراج من زمن التوكيل (نوى) موكل و(وكيل ايضا) " لئلا يخلو الدفيع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة. ولو نوى الوكيل دون الموكل لم تجزئ، لتعلق الفرض بالموكل ووقوع الإجزاء عنه. وإن دفع الزكاة إلى الإمام من هي عليه ناويا بدفعه الزكاة ولم ينو الإمام حال دفعه إلى الفقراء جاز، وإن طال الزمن لأنه وكيل الفقراء.
(ومن علم أهلية آخذ) للزكاة (كره أن يعلمه) أنها زكاة. نص عليه وقال لم يبكته؟ يعطيه ويسكت. ما حاجته إلى ان يقرعه؟.
وعنه: ليس بمكروه ولا مستحب.
وقيل: يستحب إعلامه.
وقيل: لا بد منه.
(ومع عدم عادته) أي: عادة الأخذ (بأخذها: لم يجزئه) دفعها له (إلا أن يعلمه).
قال في " الإنصاف ": فأما إذا كان من عادته أنه لا يًا خذ الزكاة فلا بد من إعلامه فإن لم يعلمه لم يجزئه.
قال المجد في " شرحه ": هذا قياس المذهب عندي واقتصر عليه وتابعه في " الفروع "؛ لأنه لا يقبل زكاة ظاهرًا. انتهى.
[ ٣ / ٣٠١ ]
[فصل: في قسم الصدقة في بلدها]
(فصل. والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده).
ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر من بلد المال. نص عليه، لأنه في حكم بلد واحد. بدليل الأحكام ورخص السفر.
(مالم تتشقص زكاة سائمة فـ) تخرج (^١) (في بلد واحد) كما لو كان له عشرون شاة مختلطة مع عشرين لآخر في بلد وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر: فإن عليه في كل خلطة نصف شاة فيخرج شاة في أي: البلدين.
(ويحرم) في غير هذه الصورة وهي صورة التشقيص (مطلقًا نقلها) أي: سواء كان النقل لرحم أو شدة حاجة أو لثغر أو غير ذلك (إلى بلد تقصر إليه الصلاة) من بلد المال حيث كان ببلد الوجوب مستحق، لـ " قول النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم " (^٢) . وظاهره عود الضمير إلى أهل اليمن.
وعن طاووس قال في كتاب معاذ: " من خرج من مخلاف إلى مخلاف [فإن صدقته] (^٣) وعشره في مخلاف عشيرته " (^٤) . رواه الأثرم.
وروى عمرو بن شعيب " أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله ﷺ حتى مات النبي ﷺ وأبو بكر ثم قدم إلى عمره (^٥) . فرده على ما كان عليه. فبعث إليه معاذٌ بثلث صدقة الناس. فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) سبق تخريجه ص (١٤٧) رقم (٢).
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الييهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٩ كتاب الصدقات، باب من قال لا يخرج صدقة قوم منهم من بلدهم وفي بلدهم من يستحقها.
(٥) في أ: على.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
لا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك شيئًا وانا أجد أحدًا يأخذها مني. فلما كان العام الثانى بعث إليه شطر الصدقة. فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها. فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل. فقال معاذ: ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا " (^١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ".
وإنكار عمر دليل على المنع من ذلك. وأخذه مع ما أجاب به معاذ يدل على
أنه إذا فضل عن مستحق بلد المال شيء أو لم يكن به مستحق يجوز النقل. وعلى هذا يحمل كل حديث جاء بالنقل.
(وتجزئ) يعني: أنه متى نقل الزكاة مع حرمة النقل وأخرجها في غير بلد
المال فإنها تجزئه على الأصح. وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه دفع الحق إلى مستحقيه. فبرئ؛ كالدين. وكما لو فرقها ببلد المالى المزكى (^٢) .
(لا) نقل الزكاة إلى بلد (دونه) أي: دون ما تقصر إليه الصلاة. فلا يحرم؛ لما تقدم من أن (^٣) ذلك في حكم البلد الواحد. والحكمة في حرمة النقل إلى البلد البعيد لأن فقراء أهل كل مكان إنما يعلم بهم غالبًا أهله ومن قرب منهم وأطماعهم (^٤) تتعلق بزكاة مال البلد، ولهم حرمة الجوار وقرب الدار. فمنع من النقل ليستغنوا بها غالبًا. ويؤيد ذلك ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " أيما أهل عرصه أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ﷿ " (^٥) . رواه أحمد في " مسنده ".
(ولا) يحرم نقل (نذر وكفارة ووصية مطلقة) أي: لم يخصها الموصي بمكان في الأصح. والفرق بين ذلك وبين الزكاة أن الزكاة مواساة راتبة في المال. فكانت لجيران المال. بخلاف النذر والكفارة والوصية.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٩١١) ٥٢٨ باب قسم الصدقة في بلدها وحملها () إلى بلد سواه. . .
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) في ب: وأطباعهم. ()
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٨٨٠) ٢: ٤٨. ()
[ ٣ / ٣٠٣ ]
(ومن) وجبت (^١) عليه زكاة وهو (ببادية أو، خلا بلدُه عن مستحق) للزكاة،
أو كان بها مستحق وفضل عنه زكاة: (فرقها بأقرب بلد منه)؛ لأنهم أولى.
قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله ما لم تقصر الصلاة في أثنائها. ويبدأ بالأقراب فالأقرب.
(ومُؤنة نقل) لزكاة مع حله أوحرمته. (و) مُؤنة (دفع: عليه) أي: على
من وجبت عليه الزكاة؛ (كـ) ما أن عليه مُؤنة (كيل) لما يكال (ووزن) لما يوزن؛ لأن عليه تسليمها لمستحقها كاملة من غير أن يحتسب على المستحق بمُؤنة نقل أو كيل أو وزن.
ولأن ذلك كله من تمام التوفية.
(ومسافر بالمال) الزكوي (يفرقها) أي: يفرق زكاة ذلك المال (ببلد أكثر إقامته) أي: إقامة رب المال (به) أي: بالمال (فيه) أي: في ذلك البلد نصًا. قال أحمد في رواية يوسف بن موسى: في الرجل يغيب عن أهله فتجب عليه الزكاة: يزكيه في الموضع الذي أكثر مقامه فيه. ونقل نحوه صالح وإسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن بختان.
فال في " شرح الهداية ": فظاهر هذا أن البلد الذي يختص بالتفرقة ما كان المال به كل الحول أو أكثره دون ما نقص عن ذلك؛ لأن الأطماع إنما تتعلق به غالبًا بمضي زمن الوجوب أو ما قاربه. انتهى.
(ويجب على الإمام بعث السعاة قرب) زمن (الوجوب لقبض زكاة) المال (الظاهر) كالسائمة والزرع والثمار؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلونه. ومن الناس من لا يزكي ولا يعلم ما عليه. ففي إهمال ذلك ترك للزكاة.
قال في " الفروع ": ولم يذكر جماعة هذه المسألة فيؤخذ منه لا تجب. ولعله أظهر.
_________________
(١) في أ: وجب. ()
[ ٣ / ٣٠٤ ]
ويجعل حول الماشية المحرّم، لأنه أول السنة. وتوقف أحمد في ذلك. وميله إلى شهر رمضان.
ويستحب أن يعد الماشيه على أهلها على الماء أو في أفنيتهم للخبر. وإن أخبره صاحب الماء بعدده قَبِل منه ولا يحلفه كما سبق.
وإن وجد مالًا لم يحل حوله فإن عجل ربه زكاته وإلا وكل ثقة بقبضها ثم يصرفها في مصرفها. وله جعل ذلك إلى رب المال إن كان ثقة. وإن لم يجد ثقة فقال القاضي: يؤخرها إلى العام الثانى.
وقال الآمدي: لرب المال أن يخرجها.
وقال في " الكافي ": إن لم يعجلها فإما أن يوكل من يقبضها منه عند حولها
وإما أن يدخرها إلى الحول الثانى.
وإذا قبض الساعي الزكاة فرقها في مكانه وما قاربه. فإن فضل منه شيء حمله وإلا فلا كما سبق.
وللساعي بيع مال الزكاة من ماشية وغيرها لحاجة أو مصلحة وصرفها في الأحظ للفقراء أو حاجتهم حتى في إجارة مسكن.
وإن باع لغير حاجة ومصلحة فذكر القاضي لا يصح لأنه لم يؤذن له فيضمن قيمة ما تعذر رده.
وقيل: يصح. قدمه بعضهم، لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن قيس بن
أبي حازم " أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقه ناقة كوماء. فسأل عنها المصدق. فقال: إنى ارتجعتها بإبل فسكت ".
ومعنى الرجعة: أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها. انتهى.
(وسُنّ لى) أي: للإمام إذا حصل عنده ماشية من زكاة أو جزية (وسم ما حصل من إبل وبقر في افخاذها)؛ لما روى أنس قال: " غدوت إلى النبي ﷺ
[ ٣ / ٣٠٥ ]
بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه. فوافيته في يده الميسم، يسم إبل الصدقة " (^١) . متفق عليه.
(و) وسم ما حصل من (غنم في آذانها)؛ لما في رواية أحمد وابن ماجه
" وهو يسم غنمًا في آذانها " (^٢) . وإسناده صحيح.
ولأن الحاجة تدعو إلى الوسم لتتميز عن الضوال إذا شردت.
وخص الفخذ والأذن بالوسم لخفته وقلة ألمه فيهما.
(فعلى زكاة) الوسم (لله أو زكاة. وعلى جزية) الوسم (صغار أو جزية). وذكر أبو المعالي أن الوسم بحناء أو قير أفضل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٣١) ٢: ٥٤٦ كتاب الزكاة، باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١١٩) ٣: ١٦٧٤ كتاب اللباس والزينة، باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه، وندبه في نعم الزكاة.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٥٦٥) ٢: ١١٨٠ كتاب اللباس، باب لبس الصوف. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٧٧٣) ٣: ١٧١.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
] فصل: في تعجيل الزكاة]
(فصل. ويجزئ تعجيلها) أي: تعجيل الزكاة (لحولين) على الأصح؛
لما روى أبو عبيد في " الأموال " بإسناده عن علي " أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين " (^١) .
ويعضده رواية مسلم " فهي عليَّ ومثلها " (^٢) .
ولأن ذلك تعجيل لزكاة نصاب بعد وجوده فأشبه ما لو عجل لعام واحد.
(فقط) أي: لا لأكثر من حولين.
قال ابن عقيل: لا تختلف فيه الروايه (^٣) اقتصارًا على ما ورد. وحكى في
" الفروع " رواية أنه يجوز لأكثر؛ كتقديم الكفارة قبل (^٤) مدة الحنث بأعوام. ومحل جواز التعجيل (إذا كمل النصاب)؛ لأنه سببها. فلم يجز تقديمها عليه؛ كالتكفير قبل الحلف.
قال في " المغني ": بغير خلاف نعلمه.
و(لا) يجوز تعجيلها (عما يستفيده) النصاب. نص عليه؛ لأنه عجّل زكاة ما ليس في ملكه. فلم يوجد السبب.
وعنه: تجزئ عما يستفيده لوجود (^٥) سبب الزكاة في الجملة.
(أو عن معدن) يعني: أنه لا يجوز إخراج الزكاة معجلة عن معدن (أو ركاز
أو زرع قبل حصول) أي: تحصيل ما أخرج عنه من معدن أو ركاز أو زرع (أو)
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٨٨٥) ٥٢٣ باب تعجيل الصدقة، وإخراجها () قبل أوانها.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٨٣) ٢: ٦٦٦ كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة () ومنعها.
(٣) في أ: الروايات فيه. ()
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) في ب: لوجوب. ()
[ ٣ / ٣٠٧ ]
زكاة تمر قبل (طلوع طلع أو) زكاة زبيب قبل طلوع (حصرم)، لأن ذلك تقديم للزكاة قبل وجود سببها. فأما تعجيل زكاة الزرع بعد نباته وتعجيل زكاة التمر بعد طلوع طلعه وتعجيل زكاة الزبيب بعد طلوع حصرمه فجائز ومجزئ في الأصح؛ لأن وجود الزرع وإطلاع النخل وخروج الحصرم بمنزلة ملك النصاب، والإدراك بمنزلة حولان الحول. فجاز تقديمها عليه. وتعليق الزكاة بالإدراك لا يمنع جواز التعجيل. بدليل أن زكاة الفطر يتعلق وجوبها بدخول شوال ويجوز تعجيلها قبله. (وإن تم الحول والنصاب ناقص قدر ما عجله: صح) التعجيل وأجزأه ما
عجله؛ لأن حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به. فلو زاد ماله حتى بلغ النصاب أو زاد عليه وحال الحول: أجزأ المعجل (^١) زكاته. فإن نقص أكثر مما عجله نقص بذلك عن كونه سببا للزكاة؛] مثل: من له أربعون شاة فعجل شاة ثم تلفت أخرى فقد خرج عن كونه سببا للزكاة [(^٢) . وإن زاد بعد ذلك إما بنتاج أو شراء ما يتم به النصاب: استأنف الحول من حين كمل النصاب ولم يجزئه (^٣) ما عجله. (فلو عجل من مائتي شاة) شاتين (فنتجت عند الحول سخلة: لزمته) شاة (ثالثة) " لأن ما عجله بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة الموجود في تعلق الزكاة به.
ولأنها لو لم تعجل كان عليه شاتان. فكذلك إذا عجلت لأن التعجيل إنما
كان رفقًا بالمساكين فلا يصير سببًا لنقص حقوقهم. والتبرع يخرج ما تبرع به عن حكم الوجود في ماله. وهذا في (^٤) حكم الموجود في الإجزاء عن الزكاة.
(ولو عجل عن ثلاثمائة درهم) من الفضة (خمسة منها ثم حال الحول:
لزمه أيضًا درهمان ونصف) نصًا. نقله مهنا.
(ولو عجل عن ألف) من دراهم الفضة (خمسة وعشرين منها ثم ربحت
_________________
(١) في أزيادة: عن. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) في أ: يجز. ()
(٤) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٠٨ ]
خمسة وعشرين) درهمًا: (لزمه زكاتها) أي: زكاة الدراهم التي ربحتها الألف وهي خمسة وعشرون.
ومن عجل من خمسة عشرة من الإبل وعن نتاجها أيضًا بنت مخاض فنتجت مثلها: فا لأشهر لا يجزئه ويلزمه بنت مخاض. وله استرجاع المعجلة.
ولو عجل مسنة عن ثلاثين بقرة ونتاجها فالأشهر لا تجزئه (^١) عن الجمع بل
عن ثلاثين وليس له ارتجاعها ويخرج للعشر ربع مسنة.
ولو عجل عن أربعين شاة شاة ثم أبدل الأربعين بمثلها أو نتجت أربعين سخلة ثم ماتت الأمات أجزأ المعجل عن البدل والسخال؛ لأنها تجزئ مع بقاء الأمات عن الكل فعن أحدهما أولى.
(ويصح) التعجيل (عن أربعين شاة لا منها) اي: لا من الأربعين
(لحولين. ولا لـ) لحول (الثانى فقط) أي: دون الأول، ولو كان الشاتان منها. (وينقطع الحول) أي: حول الأربعين بإخراج الشاتين (^٢) منها للحولين أو الشاة الواحدة للحول الثانى.
وقد علم مما تقدم أنه إذا أخرج منها شاة للحول الأول أنه يصح التعجيل ولا ينقطع الحول.
(وإن مات قابض) زكاة (معجلة المستحق) قبضها لفقره أو غيره (أو ارتد) قابض المعجلة (أو استغنى قبل) مضي (الحول) الذي تعجل زكاته: (أجزأت) الزكاة عمن عجلها؛ لأنها حق أداه إلى مستحقه. فبرئ منه؛ كالدين إذا عجله قبل أجله.
(لا إن دفعها) أي: دفع رب المال الزكاة المعجلة (إلى من يعلم غناه فافتقر) قبل الحول أو عنده. فإنها لا تجزئه؛ لأنه لم يدفعها إلى مستحقها. أشبه ما لو لم يفتقر.
_________________
(١) في أزيادة: بنت مخاض. ()
(٢) في ب: الشاتان. ()
[ ٣ / ٣٠٩ ]
(وإن مات معجل) لزكاته (أو ارتد أو تلف النصاب) المعجل زكاته (أو نقص) قبل الحول: (فقد بان المخرج غير زكاة)؛ لانقطاع الوجوب بذلك. وقيل: إن مات المعجل بعد أن عجل وقعت الموقع وأجزأت عن الوارث. (ولارجوع) لمعجل بشيء مما عجله (إلا فيما بيد ساع عند تلف) أي:
في صورة ما إذا أتلف النصاب.
وقيل: يملك الرجوع مطلقًا. اختاره ابن حامد وابن شهاب وأبو الخطاب؛
كما لو كانت بيد الساعي عند التلف. وقطع الموفق وغيره عن ابن حامد أنه إن كان الدافع لها الساعي رجع مطلقًا، وإن كان رب المال وأعلمه أنها زكاة معجلة رجع بها، وإن أطلق لم يرجع.
وقال جماعة: على هذا القول: إن كان الدافع ولي رب المال رجع مطلقًا،
وإن كان رب المال ودفع إلى الساعي مطلقًا رجع فيها ما لم يدفعها الساعي (^١) إلى الفقير، وإن دفعها الساعي (^٢) إليه فهو كما لو دفع إليه رب المال.
ومتى أراد وارث المعجل بعد موته الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجز.
وقيل: يجوز بناء على ما لوعجل عن عامين.
والفرق أن التعجيل وجد عن نفسه مع حول ملكه وهنا أخرجها غيره عن نفسه
بلا ولاية ولا نيابة. فلم يجز.
ولو تعمد المالك إتلاف النصاب أو بعضه بعد التعجيل غير قاصد الفرار من الزكاة فحكمه حكم ما لو تلف بغير فعله في الرجوع وعدمه في الأصح، كما لو سأل الفقير الساعي قبضها، أو قبضها الساعي لحاجة صغارهم، وكما بعد الوجوب.
ولو استسلف الساعي الزكاة فتلفت في يده من غير تفريط ما لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء. سواء سأله الفقراء ذلك، أو رب المال، أو لم يسأله
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣١٠ ]
أحد في الأصح.
ويشترط لملك الفقير لها وإجزائها عن ربها قبضه. فلو عزلها فتلفت قبل أن يقبضها الفقير لزمه بدلها.
ولا يجزئه إن غدى الفقراء أو عشاهم.
ولا يصح تصرف الفقير فيها قبل قبضها. نص عليه. فلو قال الفقير لرب المال: اشتر لي بها ثوبًا ولم يقبضها منه ففعل لم تجزئه. وكان الثوب للمالك. ولو تلف كان من ضمانه.
(ومن عجل) الزكاة (عن ألف) من الدراهم (يظنها) أي: يظن الدراهم كلها (له. فبانت) الدراهم التي يملكها (خمسمائة: أجزأ) ما عجله (عن عامين)؛ لتبين عدم وجوب زكاة الألف، وأنه دفع زيادة على ما وجب عليه. (ومن عجل) الزكاة (عن أحد نصابيه ولو) كان الواجب (من جنس) واحد. (فتلف) النصاب المخرج عنه: (لم يصرفه إلى) النصاب (الآخر) وفاقا للأئمة الثلاثة، كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت وله أربعون شاه لم تجزئه عنها.
وفي " تخريج القاضي ": من له ذهب وفضة وعروض فعجل عن جنس منها
ثم تلف صرفه إلى الآخر.
(ولمن أخذ الساعي منه) أي: ممن عليه زكاة (زيادة) عما عليه من الزكاة (أن يعتد) المأخوذ منه الزيادة (بها) أي: با لزيادة (من) سنة (قابلة) نص عليه أحمد. وقال: يحتسب ما أهداه للعامل من الزكاة أيضًا.
وعنه: لا يعتد بذلك.
قال في " الفروع ": قدم هذا الإطلاق غير واحد. وجمع الشيخ - يعني: الموفق- بين الروايتين: فقال: إن كان نوى المالك التعجيل اعتد به وإلا فلا. وحملها على ذلك. وحمل صاحب " المحرر " رواية الجواز على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة إذا نوى التعجيل. وإن علم أنها ليست عليه وأخذها لم
[ ٣ / ٣١١ ]
يعتد بها على الأصح لأنه أخذها غصبًا. قال: ولنا رواية أن من ظلم في خراجه يحتسبه من العشر أو من خراج آخر. فهذا أولى. ونقل عنه حرب في أرض صلح يأخذ السلطان منها نصف الغلة: ليس له ذلك. قيل له: فيزكي المالك عما بقي في يده؟ قال: يجزئ ما أخذه السلطان عن الزكاة- يعني: إذا نوى به المالك -. وقال ابن عقيل وغيره: إن زاد في الخرص هل يحتسب بالزيادة من الزكاة؟
فيه روايتان. قال: وحمل القاضي المسألة أنه يحتسب بنية المالك وقت الأخذ] وإلا لم يجزئه.
وقال شيخنا: ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل اعتد به] (^١) وإلا فلا.
وفي " الرعاية ": يعتد بما أخذه.
وعنه: بوجه سائغ.
وعنه: لا. وكذا (^٢) ذكره ابن تميم في آخر فصل شراء الذمي لأرض عشرية. وقدم لا يعتد به. انتهى.
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣١٢ ]
] باب: أهل الزكاة]
هذا (باب) يذكر فيه أصناف الزكاة، ومن يجزئ الدفع إليه منهم، ومن
لا يجزئ الدفع إليه (^١)، ومن يباح له السؤال، وحكم صدقة التطوع.
(أهل الزكاة ثمانية) أي: أن أصناف جهة دفع الزكاة كلها ثمانية. فلا يجوز صرفها في غيرهم من بناء المساجد والقناطر وسد الثبوق وتكفين الموتى ووقف المصاحف وغير ذلك من جهات الخير. وذلك لقوله (^٢) ﷾: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل)] التوبة: ٦٠ [. وكلمة إنما: تفيد الحصر. فتثبت المذكورين وتنفي من عداهم على الأصل. وكذلك تعريف الصدقات بالألف واللام فإنها تستغرقها كلها. فلو جاز صرف شئ إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لا كلها. وروي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: " أتيت النبي ﷺ فبايعته. فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم فيها هو. فجزأها ثمانية أجزاء. فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " (^٣) . رواه أبو داود.
وقال أحمد: إنما هي لمن سماه الله تعالى.
الصنف الأول: (فقير). وهو: (من لم يجد) شيئًا البتة. أو لم يجد (نصف كفايته). وهو أشد حاجة من المسكين؛ لأن الله ﷾ بدأ به وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقال ﷾: (أما السفينه فكانت لمساكين يعملون فى البحر)] الكهف: ٧٩ [. فأخبر أن المساكين لهم سفينة يعملون فيها.
_________________
(١) في ج: فيه. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٣٠) ٢: ١١٧ كتاب الزكاة، باب من يعطى من () الصدقة وحد الغني.
[ ٣ / ٣١٣ ]
ولأن الفقير مشتق من فقر الظهر. فعيل بمعنى مفعول. أي: مفقور. وهو الذي نزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه.
(و) الصنف الثانى: (مسكين من يجد نصفها) أي: نصف كفايته (أو أكثرها). وهو مفعيل من السكون. وهو الذي أسكنته الحاجة.
فعلم أن من كسر صلبه أشد حالًا من الساكن.
إذا تقرر هذا فالفقراء هم الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم؛ كالزمنى والعميان لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من كفايتهم. وربما لا يقدرون على شيء أصلا. قال الله ﷾: (للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربًا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافًا)] البقرة: ٢٧٣].
(ويعطيان) أي: الفقير والمسكين من الزكاة (تمام كفايتهما مع) كفاية (عائلتهما سنة)؛ لأن وجوب الزكاة يتكرر بتكرر الحول فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله.
ويعتبر تمام (^١) الكفاية لهما ولعائلتهما ومن يمونانهما؛ لأن كل واحد من عائلته مقصود (^٢) دفع حاجته فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وهذا مبني على الأصح من كون الغنى ما تحصل به الكفاية.
وعنه: أن الغنى يحصل بخمسين درهم. فيجوز أن يأخذ له ولعائلته حتى يصير لكل واحد خمسين درهمًا.
قال أحمد في رواية أبي داود فيمن يعطى الزكاة وله عيال: يعطى كل واحد
من غياله خمسين درهما.
ويعطيان بالفقر والمسكنة (حتى ولو كان احتياجهما بـ) سبب (إتلاف مالهما في المعاصي)؛ لصدق اسم الفقير والمسكين عليهما حين الأخذ.
_________________
(١) في أ: وجود. ()
(٢) في ب: مقصوده. ()
[ ٣ / ٣١٤ ]
(ومن ملك ولو) كان ما ملكه (^١) (من أثمان ما) أي: قدرًا (لا يقوم بكفايته فليس بغني) على الأصح؛ لأن الغنى ما تحصل به الكفاية. فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له الصدقة ومسألتها. ولو كان ملك نصابًا.
والأثمان وغيرها في هذا سواء.
قال الميمونى: ذاكرت أحمد. فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب
فيها الزكاة وهو فقير ويكون له أربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه. يعطى من الصدقة؟ قال: نعم (^٢) . وذكر قول عمر " أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا ". قلت: فلهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه.
ونقل مهنا: إن ملك من النقد ما لا يقوم بكفايته فكغيره. وهذا اختيار
أبي الخطاب وابن شهاب والعكبري وقول مالك والشافعي.
وعنه: من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو غني. نقلها واختارها الأكثر؛ لما روى عبدالله بن مسعود مرفوعًا: " من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا وكدوشًا في وجهه. قالوا: يارسول الله لِلَّهِ وما غناه؟ قال: خمسون درهما، أو حسابها من الذهب " (^٣) . رواه الخمسة. وأجيب عن ذلك بضعف الخبر. فإنه يرويه حكيم بن جبير عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود.
وقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير. فقال سفيان:
_________________
(١) في ج: كان مالكه. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٢٦) ٢: ١١٦ كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٥٠) ٣: ٤٠ كتاب الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٥٩٢) ٥: ٩٧ كتاب الزكاة، حد الغني. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٤٠) ١: ٥٨٩ كتاب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣٦٧٥) ١: ٣٨٨ قال الترمذي: حديث حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم ابن جبجر من أجل هذا الحديث.
[ ٣ / ٣١٥ ]
حدثناه زبيد عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد.
واجيب أن رواية زبيد مرسلة وحكيم بن جبير متكلم فيه. وفي طريقه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف أيضًا. ولو سلم فمحمول على المسألة. وحمله المجد على أنه ﷺ قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه بخمسين درهما. ولذلك جاء التقدير عنه بأربعين أو بخمس (^١) أواق وهي مائتا درهم.
(وإن تفرغ قادر على التكسب) تفرغا كليًا (للعلم) الشرعي. (لا) إن تفرغ (للعبادة وتعذر الجمع) بين الاشتغال بالعلم والتكسب: (أعطي) من الزكاة لحاجته (^٢) .
وقيل: يشترط أن يكون اشتغاله بالعلم لازمًا له. وهو الذي يجب عليه معرفته.
(و) الصنف الثالث من أهل الزكاة: (عامل عليها)؛ لقوله ﷾: (والعملين عليها)] التوبة: ٦٠ [. وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها؛ (كجابٍ وحافظ وكاتب وقاسم) وخارص، وكل من يحتاج إليه فيها. فإنه يعطى أجرته منها لأن ذلك من مؤنتها كعلفها. وقد " كان النبي ﷺ يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم " (^٣) .
(وشرط كونه) أي: كون العامل (مكلفا)؛ لأن الصغير والمجنون لاقبض لهما.
(مسلمًا)؛ لأن في ذلك ولاية على المسلمين. فاشترط له (^٤) الإسلام؛ كسائر الولايات.
(أمينًا)؛ لأن غير الأمين يذهب بمال الزكاة ويضيعه.
_________________
(١) في أ: وبخمسين. وفي ب: أو بخمسين. ()
(٢) في أ: لحاجة. ()
(٣) عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: " بعثني رسول الله ﷺ ساعيا () فاستأذنته أن نأكل من الصدقه. فأذن لنا ". أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٩٥٤) ٥٣٦ باب سهم العاملين على الصدقة والمؤلفة قلوبهم.
(٤) في ب: لهم. ()
[ ٣ / ٣١٦ ]
(كافيًا) في ذلك؛ لأن ذلك ضرب من الولاية فاشترط له الكفاية.
وشرط أيضًا كون العامل (من غير ذوي القربى). وهم بنو هاشم؛ لى " أن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارب سألا رسول الله ﷺ أن يبعثهما على الصدقة. فأبى أن يبعثهما. وقال: إنما هذه أوساخ الناس. وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " (^١) . وروى ذلك أحمد ومسلم وهو مختصر من
حديثهما. وهذا ظاهر في تحريم أخذهم لها على وجه العمالة.
ولا يشترط كون العامل حرًا فيجوز أن يكون عاملًا.
(ولو) كان (قِنا)؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ: " اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعْمِل عليكم عبد حبشي، كأنَّ رأسه زَبِيبَة " (^٢) . رواه أحمد والبخاري.
ولأن العبد يحصل منه المقصود. أشبه الحر.
(أو) كان العامل (غنيًا) إجماعا؛ لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال:
" لا تحِلُّ الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى منها لغني " (^٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
ولا يشترط أيضا كونه فقيهًا إذا علم بما يأخذه وكتب له كما كتب النبي ﷺ لعماله فرائض الصدقة (^٤) . وكذلك كتب أبو بكر لعماله (^٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٧٢) ٢: ٧٥٣ كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبى ﷺ على الصدقة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٥٥٤) ٤: ١٦٦
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٧٢٣) ٦: ٢٦١٢ كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٢١٤٧) ٣: ١١٤.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٣٧) ٢: ١١٩ كتاب الزكاة، باب من يجوز له () أخذ الصدقة وهو غني. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٤١) ١: ٥٩٠ كتاب الزكاة، باب من تحل له الصدقة.
(٤) ككتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم أخرجه أبو عبيد (٩٣٤) ٣٢٨ باب () فرض صدقة الإبل وما فيها من السنن.
(٥) سبق ذكر حديث كتاب أبي بكر لأنس وتخريجه ص (١٥٢) رقم (٢). ()
[ ٣ / ٣١٧ ]
(ويعطى) العامل (قدر أجرته) على الأصح (منها) أي: من الزكاة. سواء جاوزت أجرته الثمن مما جبي أو لم يجاوزه. نص عليه. وذكره عن عبدالله ابن عمر. فقال صالح: جعل الله لهم الثمن في كتابه. ذكرها في " الشافي ". (إلا إن تلفت) الزكاة (بيده) أي: بيد العامل (بلا تفريط) منه (فـ) إن العامل يعطى أجرته (من بيت المال)؛ لأن للإمام أن يرزقه من بيت المال على عمله، ويوفر الزكاة على أهلها. فإذا تلفت تعين حقه في بيت المال.
ولا يضمن الزكاة مع عدم التفريط لأنه أمين.
(وإن عمل) عليها أي: على الزكاة (إمام، أو) عمل عليها (نائبه) بأن جباها الإمام أو نائبه] من غير أن يبعث لها عمالًا: (لم يأخذ شيئًا).
قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: إذا عمل الإمام أو نائبه [(^١) على الزكاة لم يكن له أخذ شيء؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال.
] قال ابن تميم: ونقل صالح عن أبيه: العامل هو السلطان الذي جعل له الثمن في كتابه. ونقل عبدالله نحوه.
قال في " الفروع ": كذا ذكره. ومراد أحمد إذا لم يأخذ من بيت المال] (^٢)
شيئًا بلا اختلاف أو أنه على ظاهره. انتهى.
(وتقبل شهادة مالك) للمال المزكى (على عامل بوضعها) أي: وضع الزكاة (في غير موضعها) المشروع وضعها فيه.
(ويصدق) رب المال (في دفعها) أي: دفع الزكاة (إليه) أي: إلى العامل (بلا يمين) على رب المال. (ويحلف عامل) أنه لم يأخذ من رب المال شيئًا. (ويبرأ) من عهدة ما ادعى رب المال (^٣) دفعه إليه وأنكره.
(وإن ثبت) على العامل أخذ الزكاة من أربابها (ولو بشهادة بعض) منهم
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) سقط لفظي: رب المال من أ. ()
[ ٣ / ٣١٨ ]
(لبعض بلا تخاصم) بين العامل والشاهد: قبلت و(غرم) العامل لأهل الزكاة ما ثبت عليه أخذه.
وإن شهد أهل السهمان الذين هم أهل الزكاة على عامل أو له بشيء لم يقبلوا. (ويُصدّق عامل في) دعوى (دفع) من زكاة (لفقير. و) يصدق (فقير في عدمه) أي: عدم الدفع. وظاهره بلا يمين.
ويقبل إقرار عامل بقبض الزكاة ممن وجبت عليه ولو عُزل؛ كحاكم أقر بحكم بعد عزله.
(ويجوز كون حاملها) أي: حامل الزكاة (وراعيها ممن مُنعها) أي: ممن
قام به مانع من دفع الزكاة له؛ ككونه من ذوي القربى أو كافرًا أو قِنًّا.
قال في " الإنصاف ": بلا خلاف نعلمه؛ لأن ما يأخذه أجرة لعمله لا لعمالته. انتهى.
(و) الصنف الرابع من أصناف الزكاة: (مؤلف)؛ لقوله ﷾ (والمؤلفة قلوبهم)] التوبة: ٦٠].
والمؤلف هو: (السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره)؛ لما روى أبو سعيد قال: " بعث علي رضي الله تعالى عنه وهو باليمن بذهَبيةٍ. فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر الفزاري، وعَلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش. وقالوا: تعطي صَناديد نجد وتدعَنا. فقال: إنى إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم " (^١) . متفق عليه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٦٦) ٣: ١٢١٩ كتاب الأنبياء، باب قول الله ﷿: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٦٤) ٢: ٧٤١ كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
[ ٣ / ٣١٩ ]
(أو يرجى بعطيته قوة إيمانه)، لما روى أبو بكر في " كتاب التفسير " عن
ابن عباس " في قوله تعالى: (والمؤلفة قلوبهم)] التوبة: ٦٠ [. قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ. وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات. فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه ".
(أو إسلام نظيره)؛ " لأن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حُسن نياتهما وإسلامهما " (^١): رجاء إسلام نظائرهما.
(أو) من أجل (جبايتها) أي: جباية الزكاة (ممن لا يعطيها). وهم قوم
إذا أعطوا من الزكاه جبوها ممن لا يعطيها إلا بالتخويف.
(أو) من أجل (دفع عن المسلمين). وهم قوم في طرف بلاد الإسلام إذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين، وإلا فلا.
(ويعطى) من الزكاة للمؤلفة (ما) أي: قدرًا (يحصل به التأليف) لهم، لحصول المقصود به.
(ويقبل قوله) أي: قول من علم أنه مطاع في عشيرته (في ضعف إسلامه)، لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته.
(لا أنه مطاع) في عشيرته (إلا ببينة)؛ لأن ذلك لا يتعذر إقامة البينة عليه.
وقد علم مما تقدم أن حكم المؤلفة لم ينقطع. وهو الأصح من الروايات.
وعنه: أن حكمهم انقطع. نقلها حنبل وفاقا لأبي حنيفة ومالك.
وعنه: أن حكم الكفار منهم انقطع. وفاقا للشافعي. واستدل القائل بانقطاع حكمهم " بأن مشركًا جاء يلتمس من عمر مالًا. فلم يعطه وقال: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)] الكهف: ٢٩].
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٠ كتاب الصدقات، باب نقل الصدقة إذا () لم يكن حولها من يستحقها.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ولم ينقل عن عثمان وعلي أنهم أعطوهم شيئًا من الصدقة.
وبأن الله ﷾ أظهر الإسلام وقمع المشركين. فلا حاجة بنا إلى
التأليف عليه.
وأجيب ببقاء حكم الآية؛ لأنها من آخر ما نزل من القرآن. وثبوت الأحاديث في إعطاء المؤلفة. ودعوى الاستغناء عن تألفهم كلام خارج عن محل الخلاف. فإن الكلام مفروض فيما إذا (^١) احتيج إلى ذلك وراه الإمام مصلحة. وقد وجد ذلك بعد موت النبي ﷺ بإعطاء أبي بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر. ومنع وجود ذلك أو تصوره على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف لا يخفى فساده.
وحيث تقرر أن المؤلفة لا يعطون إلا عند الحاجة فيحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم لعدم الحاجة إلى إعطائهم في زمن خلافتهم. لا لسقوط سهمهم. وعلى كل حال متى تعذر الصرف إليهم فإن سهمهم يرد على بقية الأصناف على الأصح. ونقل حنبل أن للإمام صرفه فيما شاء.
(و) الصنف الخامس من أصناف أهل الزكاة: (مكاتب).
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ثبوت سهم الرقاب. ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب. انتهى.
والأصح من الروايات أن لفظ الرقاب يشمل المكاتبين والعتق من الزكاة. وفداء الأسرى منها. وهو المراد بقوله ﷾: (وفى الرقاب)] التوبة: ٦٠]. فيعطى المكاتب ما يؤديه لعجزه عن وفاء ما عليه ولو مع قوته وقدرته على التكسب. نص عليه.
(ولو قبل حلول نجم) على المكاتب في الأصح؛ لئلا يحل النجم ولا شيء معه. فتنفسخ الكتابة.
(ويجزئ) من عليه زكاة (أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه) برحم
_________________
(١) ساقط من ب. ()
[ ٣ / ٣٢١ ]
ولاتعليق. (فيعتقها) على الأ صح. وهو قول ابن عباس ومالك والحسن
والزهري وإسحاق وأبي عبيدة وأبي ثور؛ لعموم قوله ﷾: (وفى الرقاب)] التوبة: ٦٠ [. وهو متناول (^١) للقن. بل هو ظاهر فيه. فإن الرقبة تنصرف
إليه إذا أطلقت، لقوله ﷾: (فتحرير رقبة)] المجاددة: ٣ [. وتقدير الآية: وفي إعتاق الرقاب.
ولأنه إعتاق للرقبة. فجاز صرف الزكاة فيه، كدفعه في الكفارة (^٢) .
(و) يجزئ من عليه زكاة أيضًا (أن يفدي بها أسيرًا مسلمًا). نص عليه؛
لأنه فك رقبة من الأسر فهو كفك رقبة العبد من الرق.
ولأن فيه إعزاز الدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم.
ولأنه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته من الأسر. أشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك
رقبته من الدين.
(لا ان يعتق) من عليه زكاة (قنه أو مكاتبه عنها) أي: عن زكاة الواجبة في
الأ صح، لأن أداء الزكاة عن (^٣) كل مال من جنسه. والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه. وكذا لو أعتق عبدًا من عبيد التجارة لأن الزكاة تجد في قيمتهم
لا في عينهم. والله أعلم.
(وما أعتق ساع منها) أي: من الزكاة (فولاؤه للمسلمين) كلهم.
(و) الصنف السادس من أصناف أهل الزكاة: (غارم) من المسلمين.
وهو ضربان:
الضرب الأول: غارم (تدين لإصلاح ذات بَيْن)، لقوله ﷾ (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)] الأنفال: ١ [أي: وصلكم. والبين: الو صل. والمعنى كونوا مجتمعين على أمر الله ﷾. وذلك بأن يقع بين جماعة
_________________
(١) في أ: مشارك. ()
(٢) فى أ: الكتابة. ()
(٣) في ج: على. ()
[ ٣ / ٣٢٢ ]
عظيمة كقبيلتين أو أهل قريتين تشاجروا في دماء أو أموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة ويخاف من ذلك الفتن (^١) العظيم وذهاب النفوس والأموال. فيتوسط الرجل بالصلح بينهما. ويلتزم في ذمته مالًا عوضًا عما بينهم من دم أو مال لأربابه؛ ليطفي الثائرة التي بينهم ويسكن الفتنة. وإنما يلتزم في مثل ذلك مالًا عظيمًا خطيرًا ولا يقبل تحمله عادة إلا إذا كان مليئًا. فهذا الرجل قد أتى معروفًا عظيمًا وابتغى صلاحًا عامًا منه. فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة وتوفر ماله عليه لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين بينهم أو يوهن عزائمهم في تسكين الفتن وكف المفاسد.
وكانت العرب تفعل ذلك. فكان الرجل منهم يتحمل الحَمالة- بفتح الحاء-
ثم يخرج في القبائل. فيسأل حتى يؤديها. فورد الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة. فروى مسلم بإسناده عن قبيصه بن المخارق، قال:
" تحملت حمالة. فأتيت النبي ﷺ وسألته فيها. فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة لِلَّهِ إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيش. وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتًا يوم القيامة " (^٢) .
وفي معنى ذلك ما اشير إليه بقوله: (أو تحمل إتلافًا أو نهبًا عن غيره) فيجوز له الأخذ من الزكاة (ولو) كان (غنيا). خلافًا لابن عقيل " لأن ذلك من المصالح العامة. فجاز مع الغنى؛ كالعامل والمؤلف.
(و) إنما يباح له الأخذ إذا (لم يدفع من ماله) ما تحمله؛ لأنه إذا دفع ذلك
من ماله خرج عن كونه مدينًا.
_________________
(١) في أ: الفسق. وفي ج: الغبن. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٤٠) ٢: ١٢٠ كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه () المسألة.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وظاهر حديث قبيصة أن له الأخذ ولو كان الدين مؤجلًا لم يحل. وإلى ذلك أشير إليه بقوله: (أو لم يحل) يعني: الدين (أو ضمانًا) يعني: أو كان الدين لزمه بطريق الضمان (وأعسرا) أي: الضامن والمضمون. ويجوز الدفع إلى كل منهما.
والضرب الثانى: من صنف الغارم ما أشير إليه بقوله: (أو تدين لشراء نفسه
من كفار، أو) تدين (لنفسه) أي: لإصلاح نفسه (في) أمر (مباح). وهذا لا خلاف في استحقاقه وثبوت سهمه في الزكاة، (أو) عزم لنفسه في (محرم وتاب) من ذلك المحرم (وأعسر).
قال في " الفروع ": ومن عزم في معصية لم يدفع إليه شيء. فإن تاب دفع
إليه في الأصح.
(ويعطى) الغارم من الزكاة (وفاء دينه؛ كمكاتب)؛ لاندفاع حاجتهما بذلك. ودين الله ﷿ كدين الادمي في ذلك؛ لعموم قوله ﷾
(والغارمين)] التوبة: ٦٠].
و" لأن النبي ﷺ أعطى سلمة بن صخر صدقة بنى زُريق ليكفر منه كفارة الظهار " (^١) .
وإن دفع إلى غارم ما يقضي به دَينه لم يجز له صرفه في غيره ولو كان فقيرًا.
وإن دفع إلى الغارم لفقره جاز أن يقضي به دَينه.
(ولا يقضى منها) أي: من الزكاة (دين على ميت) سواء كان استدانه لمصلحة نفسه أو لإصلاح ذات البين؛ لعدم أهلية الميت لقبولها كما لو كفنه منها. وحكى الشيخ تقي الدين فيه روايه بالجواز.
(و) الصنف (السابع) من أصناف أهل الزكاة: (غاز)؛ لقوله ﷾ (وفى سبيل الله)] التوبة: ٦٠ [. ثم الغزاة: ضرب لا حَقَّ لهم في الديوان. وهو المشار إليه بقوله: (بلا ديوان).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢١٣) ٢: ٢٦٥ أبواب الطلاق، باب في الظهار. ()
[ ٣ / ٣٢٤ ]
الضرب الثانى: من له حق فى الديوان ولكن لا يكفيه وهو المشار إليه بقوله:
(أو لا يكفيه) فيعطى كل ممن ذكر ما يكفيه لغزوه وإن كان غنيًا وفاقا لمالك والشافعي؛ لعموم قوله ﷾ (وفى سبيل الله)] التوبة: ٦٠]. ولحديث أبي سعيد: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل
الله " (^١) . - وقد سبق-.
ولأن الغازي يأخذ لحاجة المسلمين إليه،] وفي مقابله (^٢) عمل [(^٣) . أشبه العامل والمؤلف.
إذا ثبت هذا (فيعطى) الغازي (ما يحتاج) إليه (لغزوه) ذهابًا وإيابًا وثمن سلاح ودرع وكذا فرس إن كان فارسًا.
ولا يجوز أن يشتري رب المال ذلك للغازي من الزكاة ثم يدفعه للغازي على
الأصح؛ لأن ذلك (^٤) يفضي إلى جواز دفع القيمة (^٥) .
(ويجزئ) أن يعطى من الزكاة (لحج فرض فقير وعمرته) في الأصح.
نص عليه في رواية عبدالله وغيره وأن ذلك من السبيل. فيدفع إلى الفقير ما يحج به عن نفسه أو يعتمر أو يعينه في حجه أو عمرته أو فيهما. خلافا للأئمة الثلاثة. لما روى ابن لاس الخزاعي- ويقال أبو لاس- قال: " حملنا رسول الله ﷺ على إبل من الصدقة إلى الحج " (^٦) . رواه أحمد، وأخرجه البخاري تعليقًا. وعن أم معقل الأسدية " أن زوجها جعل بكرًا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة. فسألت زوجها البكر. فأبى. فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له.
_________________
(١) سبق تخريجه (٣١٧) رقم (٣). ()
(٢) في ج: مثاله. ()
(٣) ساقط من ب. ()
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) في أزيادة: لأن قابض المنصوص عليه ليس من أهلها. ()
(٦) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ٢: ٥٣٤ كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله). وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٩٦٨) ٤: ٢٢١.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
فأمره أن يعطيها. وقال رسول الله ﷺ: الحج والعمرة في سبيل الله " (^١) . رواه أحمد.
قال في " الفروع ": والحج من سبيل الله. نص عليه وهو المذهب عند
الأصحاب.
وعنه: لا. اختاره الشيخ - يعني: الموفق- وفاقًا للأئمة الثلاثة.
فعلى الأولى يأخذ الفقير.
وقيل: والغني؛ كوصيته بثلثه في السبيل. ذكره أبو المعالي. ويأتي في
آخر الوقف ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه. جزم به غير واحد.
وعنه: والنفل. وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي وصححه بعضهم.
والعمرة كالحج في ذلك. نقل جعفر: العمرة من سبيل الله.
وعنه: هي سنة. انتهى.
(لا أن يشتري منها) يعني: أنه ليس لرب المال أن يشتري من زكاته (فرسًا يحبسها) في سبيل الله، (أو) أن يشتري منها (عقارًا يقفه على الغزاة)؛ لأن رب المال مأمور بإيتاء الزكاة ولم يؤتها لأحد.
(ولا غزوه) يعني: أنه ليس لرب المال أن يغزو (على فرس منها) أي:
من زكاته؛ لأنه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفًا لزكاته التي عليه، كما لا يجوز أن يقضي بها دينه. فلا تسقط عنه بذلك.
(وللإمام شراء فرس بزكاة رجل ودفعها) أي: دفع الفرس (إليه) أي:
إلى من أخذت منه الزكاة التي اشترى بها الفرس (ليغزو عليها) كما أن للإمام أن يرد على من أخذ منه الزكاة زكاته لفقره او غرمه.
(وإن لم يغز) على الفرس (ردها) على الإمام وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لأنه أعطي على عمل ولم يعمله. نقل عبدالله: إذا خرج في سبيل الله أكل من الصدقة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٣٢٦) ٦: ٤٠٦ ()
[ ٣ / ٣٢٦ ]
والصنف (الثامن) من أصناف أهل الزكاة: (ابن السبيل)؛ لقوله ﷾: (وابن السبيل)] التوبة: ٦٠ [. وهو المسافر (المنقطع بـ) محل (غير بلده) (في سفر مباح أو محرم وتاب) منه في الأصح فيه. (لا) إن كان في سفر (مكروه) للنهي عنه.
(و) كذا في سفر (^١) (نزهة) في الأصح، لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر.
ولا يكون ابن السبيل حتى يكون منقطعًا بغير بلده. بخلاف من يريد إنشاء سفر إلى غير بلده لأنه ليس في سبيل؛ لأن السبيل هي الطريق. فسمي ابن السبيل لمن كان ملازمًا لها، كما يقال ولد الليل لمن يكثر خروجه فيه. وكما يقال لطير الماء ابن الماء لملازمته له.
قال ذو الرمة (^٢):
وردتُ اعتسافًا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماءٍ مُحلق (ويعطى) ابن السبيل (ولو وجد مقرضا) يقرضه (ما يبلغه بلده). وإن
كان له اليسار في بلده، لأنه عاجز عن الوصول إلى ماله والانتفاع به. فأشبه من سقط متاعه في (^٣) البحر، أو ضاع منه، أو غصبه غاصب. فعجز عن أخذه منه. (أو) ما يبلغه إلى (منتهى قصده وعوده إليها) اي: إلى بلده. وهو ما إذا
قصد بلدًا واحتاج قبل وصوله إليها، فإنه يعطى ما يصل به إلى البلد الذي يقصده وما يرجع به إلى بلده على الأصح، لعموم الآية. وهو ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم. فإنه قال: ابن السبيل هو المنقطع به يريد بلدًا آخر.
ولا يكون ابن السبيل مقيمًا من أهل البلد. حكاها القاضي بهذا اللفظ في
" تعليقه ". والفرق بينه وبين المنشئ أن الظاهر أنه إنما فارق وطنه لغرض مقصود شرعًا، وقد شرع في ذلك. فإذا قطعناه عنه بعدم الإعطاء فقد حصل له ضرر
_________________
(١) في ج: إن كان سافر. ()
(٢) البيت في ديوان ذي الرمة ص (٤٨٨) ومعنى اعتسافًا: على غير اهتداء. ابن ماء () طير من الطيور. محلق: عال ومرتفع.
(٣) في ج: إلى. ()
[ ٣ / ٣٢٧ ]
بضياع تعبه وسفره. والمريد إنشاء السفر لم (^١) يضع عليه شيء. بل مقامه ببلده مظنة الرفق به.
(وإن سقط ما على غارم) من دين، (أو) ما على (مكاتب) من مال كتابة، (أو فضل معهما) أي: مع الغارم والمكاتب شيء عن وفاء ما عليهما، (أو) فضل (مع غاز، أو) مع (ابن سبيل شيء بعد حاجته: رد) من استغنى عن كل ما أخذه (الكل، أو) من فضل معه شيء عن حاجته (ما فضل)؛ لأن هؤلاء الأربعة: وهم الغارم والمكاتب والغازي وابن السبيل إنما يأخذون من الزكاو أخذًا مراعًا. فإن صرفوه في الجهه التي استحقوا الأخذ لأجلها. وإلا استرجع منهم.
(وغير هؤلاء) الأربعة وهم الفقراء والمساكين والعاملون على الزكاة
والمؤلفة قلوبهم: (يتصرف في فاضل بما شاء)؛ لأن الله ﷾ أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك. ثم قال: (وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل)] التوبة: ٦٠].
ولأن الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم يأخذون الزكاة لمعنى يحصل بأخذهم. وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفة وأداء أجرة العاملين. وغيرهم بأخذ لمعنى لم يحصل بأخذه للزكاة فافترقا.
(ولو استدان مكاتب ما) أي: مالًا أداه لسيده و(عتق به) أي: بما
استدانه (وبيده) أي: بيد المكاتب (منها) أي: من الزكاة (بقدره) أي: قدر ما استدانه: (فله صرفه) أي: صرف ما بيده (فيه) أي: فيما استدانه وعتق به؛ لبقاء حاجته إليه بسبب الكتابة.
(وتجزئه) أي: وتجزئ زكاة (وكفارة ونحوهما)؛ كصد قة منذ ورة دافعًا
شيئًا من ذلك الصغير لم يأكل الطعام) لصغره.
قال في " الفروع ": والذكر والأنثى في أخذ الزكاة وعدمه سواء وفاقًا
_________________
(١) في أ: لما. ()
[ ٣ / ٣٢٨ ]
والصغير كالكبير وفاقا.
وعنه: إن أكل الطعام وإلا لم يجز ذَكَرها صاحب "المحرر" ونقلها صالح وغيره. والأول المذهب؛ للعموم. فيصرف ذلك في أجرة رضاعة وكسوته
وما لا بد منه.
(ويقبل ويقبض له) أي: للصغير الزكاة والهبة والكفارة والنذر وصدقة التطوع (وليُّه) أي: من يلي ماله بحق.
قال ابن منصور: قلت لأحمد: قال سفيان: ولا يقبض للصبي إلا الأب أو وصي أو قاضٍ. قال أحمد: جيد.
وقيل له في رواية صالح: قبضت الأم وأبوه حاضر. فقال: لا (^١) أعرف للأم قبضا، ولا يكون إلا للأب.
قال في " الفروع ": ولم أجد عن أحمد تصريحًا بأنه لا يصح قبض غير الولي
مع عدمه مع أنه المشهور في المذهب. وذكر الشيخ - يعني: الموفق - أنه لايعلم فيه (^٢) خلافًا. ثم ذكر أنه يحتمل أنه يصح قبض من يليه من أم أو قريب وغيرهما عند عدم الولي (^٣)؛ لأن حفظه عن الضياع والهلاك أولى من مراعاة الولاية. وذكر صاحب " المحرر " أن هذا منصوص أحمد. نقل هارون الحمال: في الصغار يعطى أولياؤهم فقلت: ليس لهم ولي. قال: يعطى من يُعنى بأمرهم. ونقل مهنا في الصبي والمجنون: يقبض له وليه. قلت: ليس له ولي. قال:
الذي يقوم عليه. وذكر صاحب " المحرر " نصًا ثالثًا بصحه القبض مطلقًا.
قال بكر بن محمد: سئل أحمد يعطى من الزكاة الصبي الصغير؛ قال: نعم. يعطى أباه أو من يقوم بشأنه. وذكر في " الرعاية " هذه الرواية. ثم قال: قلت إن تعذر وإلا فلا. انتهى.
(و) يجزئ دفع الزكاة (لمن بعضه حر بنسبته) أي: بنسبية البعض الحر
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في ج: عنه. ()
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٢٩ ]
منه. فمن نصفه حر يأخذ نصف كفايته سنة، ومن ربعه حر يأخذ ربع كفايته سنة. وقس على هذا، وأما من كله رقيق فلا يأخذ منها شيئا ولو كان سيده فقيرًا. إلا أجرة لعمله إن كان عاملًا عليها، وإلا إن كان مكاتبًا. وسيأتي التنبيه على ذلك في المتن.
والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن في عدم الأخذ إلا فيما استثني. (ويشترط) لإجزاء الزكاة (تمليك) رب المال (المعطى) له وفاقًا. فلا يصح أن يقضي منها دين ميت غرمه لمصلحة نفسه أو غيره. حكاه أبو عبيد وابن عبد البر إجماعًا.
(وللإمام قضاء دين عن) غارم (حي) من الزكاة حيب كان ممن يباح له أخذها بلا وكالة منه؛ لولايته عليه في إيفائه. ولهذا يُجبره عليه إذا امتنع منه. (والأولى له) أي: للإمام. (و) الأولى (لمالك) للمال المزكى: (دفعها) أي: الزكاة (إلى سيد مكاتب؛ لرده) أي: لأجل رد سيد المكاتب وجوبًا (ما قبض) من الزكاة من مال الكتابة (إن رقّ) المكاتب (لعجز) عن وفاء مال الكتابة. بخلاف ما إذا دفعت إلى المكاتب فإنه (لا) يرد (ما قبض مكاتب) من الزكاة إذا عجز أو مات ونحوه ولو كان بيده، لأنه إذا عجز أو مات كان ما في يده لسيده على الأصح.
وعنه: يكون للمكاتبين.
وقيل: يكون للمعطى.
(ولمالك) للمال المزكى (دفعها) أي: دفع زكاته (إلى غريم مدين بتوكيله) أي: توكيل المدين (ويصح) من المدين التوكيل (ولو لم يقبضها) المدين. (وبدونه) أي: وبدون توكيل المدين على الأصح. نص عليه.
قال أبو الحارث: قلت لأحمد: رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله فأداها
عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته. قال: نعم. ما أرى بذلك بأسًا؛ لأنه دفع الزكاة في قضاء دين المدين. أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
] فصل: في أحكام السؤال]
(فصل. من أبيح له أخذ شيء) من زكاة أو غيرها (أبيح له سؤاله). نص عليه وفاقًا لمالك والشافعى؛ لظاهر قول رسول الله ﷺ: " للسائل حق وإن جاء على فرس " (^١) .
ولأنه يطلب حقه الذي جعله الله ﷾ له بقوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)] التوبة: ٦٠].
فالغنى في باب الزكاة نوعان: نوع يوجبها، ونوع يمنعها؛ لأنه ﷺ لم ينكر على السؤال إذا كانوا من أهلها. ولكثرة التأذي بتكرار السؤال.
وعنه: يحرم السؤال لا الأخذ على من له قوت يومه غداء وعشاء. ذكر ابن عقيل أنه اختاره جماعة وفاقا لأبي حنيفة. فيكون غنًا ثالثًا يمنع السؤال.
ونقل الجماعه عن أحمد: في الرجل له الأخ من أبيه وأمه ويرى عنده الشيء فيعجبه. فيقول: هب هذا لي وقد كان ذلك يجري بينهما. ولعل المسؤول يحب أن يسأله أخوه ذلك.
قال: أكره المسألة كلها. ولم يرخص فيه. إلا أنه بين الأب والولد أيسر. وذلك "أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ وسألته " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٦٥) ٢: ١٢٦ كتاب الزكاة، باب حق السائل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٣٠) ١: ٢٠١ كلاهما من حديث الحسين بن علي ﵄.
(٢) روى البخاري " أن فاطمة ﵍، اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن. فبلغها أن رسول الله ﷺ أتى بسبي. فأتته تسأله خادمًا فلم تُوافقه. فذكرت لعائشة. فجاء النبي ﷺ فذكرت ذلك عائشة له. فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا. فذهبنا لنقوم. فقال: على مكانكما، حتى وجدت برد قدميه على صدري. فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتماه، إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين. فإن ذلك خير لكما مما سألتماه ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩٤٥) ٣: ١١٣٣ أبواب الخمس، باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ.
[ ٣ / ٣٣١ ]
وإن اشترى شيئا وقال: قد أخذته بكذا. فهب لي فيه كذا. فنقل محمد بن الحكم: لا يعجبنى. هذه المسألة. قال رسول الله ﷺ: " لا تحل المسألة إلا لثلاث " (^١) .
وسأله محمد بن موسى: ربما اشتريت الشيء فأقول: أرجح لي. فقال:
هذه مسألة. لا تعجبني.
ونقل ابن منصور: يكره.
فال القاضي: كرهه أحمد.
وإن كان يلحق بالبيع؛ لأنه في معنى المسألة من جهة أنه لا يلزمه بذل ما سأله.
واختار صاحب " المحرر ": لا يكره، لأنه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها فيصير ثمنا لا هبة.
وسؤال الشيء اليسير كشسع النعل أو الحذاء هل هو كغيره أو يرخص فيه؟ فيه
روايتان.
(ولا بأس بمسألة شرب الماء) نص عليه. واحتج بفعله ﷺ (^٢) .
وقال: في العطشان لا يستسقى: يكون أحمق.
ولا بأس با لاستعارة والاقتراض. نص عليهما.
قال الآجري: يجب أن يعلم حل المسألة ومتى تحل. وما قاله معنى قول أحمد في أن تعلم ما يحتاج إليه لدينه فرض.
قال في " الفروع ": ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثيب.
وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه كالمال. وإن كان قد لا يأثم. كذا ذكره شيخنا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٤٠) ٢: ١٢٠ كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه () المسألة.
(٢) أخرجه أبوداود في " سننه " (٣٧٣٤) ٣: ٣٤٠ كتاب الأشربة، باب في إبكاء () الآنية. ولفظه: " كنا مع النبي ﷺ فاستسقى. فقال رجل من القوم: ألا نسقيك نبيذا؛ قال: بلى قال: فخرج الرجل يشتد فجاء بقدح فيه نبيذ. فقال النبي ﷺ: ألا خمرته ولو أن تعرض عليه عودًا ".
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار. ويأتي قوله في " المستوعب ":
كانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.
وفي " الصحيحين ": " أن أم أنس قالت: يا رسول الله! اح الله له. قال:
فدعا لي بكل خير. وكان من آخره: اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه " (^١) .
قال في " شرح مسلم ": فيه طلب الدعاء من أهل الخير. وجواز الدعاء
بكثرة المال والولد مع البركة فيهما.
وفي " مسلم ": "أن النبي ﷺ قال عن أويس القرنى: فمن لقيه منكم فليستغفر
لكم " (^٢) . وله في رواية: " قال لعمر: إن استطعت أن يستغفر لك فافعل " (^٣) .
قال في " شرح مسلم ": فيه (^٤) استحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل منهم.
وقال شيخنا أيضًا في " الفتاوي المصرية ": لا بأس بطلب الدعاء بعضهم من بعض. لكن أهل الفضل ينوون بذلك أن الذين يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه لهم أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحدها. ثم ذكر قوله ﷺ: " ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله له ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل " (^٥) .
و" قوله ﷺ لعلي ﵇: يا علي لِلَّهِ عُمَّ. فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٩٨٤) ٥: ٢٣٣٦ كتاب الدعوات، باب دعوة النبى ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٦٠) ١: ٤٥٧ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة. . .
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٤٢) ٤: ١٩٦٨ كتاب فضائل الصحابة، باب () من فضائل أويس القرنى، ﵁.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٤٢) ٤: ١٩٦٩ كتاب فضائل الصحابة، باب () من فضائل أويس القرنى ﵁.
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٥٩٦) ٦: ٤٥٢. ()
[ ٣ / ٣٣٣ ]
و" قوله لعمر: يا أخي! " لا تنسانا من دعائك " (^١) .
قال: وما زال المسلمون يسألونه الدعاء لهم. انتهى.
(وإعطاء السؤال) جمع سائل (مع صدقهم: فرض كفاية)، لما جاء في الحديث: "لو صدق لما أفلح من رده ".
وقد استدل الإمام أحمد بهذا. وأجاب بأن السائل إذا قا ل: أنا جائع. وظهم صدقة وجب إطعامه. وهذا من تأويل قوله ﷾: (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم)] الذاريات: ١٩].
وإن ظهر كذبهم لم يجب إعطاؤهم. ولو سألوا مطلقًا لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا لأن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين.
وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعًا. مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفاقا.
وعن ابن عباس مرفوعًا: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا لطيب ما بقى من
أموالكم " (^٢) .
وعن أبي هريرة مرفوعًا: " إذا أديت زكاة مالك. فقد قضيت ما عليك " (^٣) رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حسن غريب.
قال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة
فإنه يجب صرف المال إليها.
قال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.
وهذا إجماع أيضًا. قاله القرطبي. واختار الآجري: أن في المال حقا سوى الزكاة. وهو قول جماعة من العلماء. قال: نحو مواساة قرابة وصلة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٩٨) ٢: ٨٠ كتاب الوتر، باب الدعاء. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٦٤) ٢: ١٢٦ كتاب الزكاة، باب في حقوق المال. ()
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٦١٨) ٣: ١٣ كتاب الزكاة، باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٨٨) ١: ٥٧٠ كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنز.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
إخوان وإعطاء سائل، وإعارة محتاج دلوها وركوب ظهرها وإطراق فحلها وسقي منقطع حضر حلابها حتى يَروى.
وذكر القاضي عياض المالكي: أن الجمهور قالوا: إن الحق في الآية المراد
به الزكاة. وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة. وما جاء غير ذلك حمل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى.
ولو جهل حال السائل فالأصل عدم الوجوب.
(ويجب قبول (^١) مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس). نقل الأثرم: عليه أن يأخذه؛ لقول النبي ﷺ " خذه " (^٢) . وينبغي أن يأخذه ويضيق عليه أن يرده وذكر أحمد أيضًا هذا الخبر. وقال: هذا إذا كان من مال طيب. ونقل جماعة: أخاف أن يضيق عليه رده. قاله في " التنبيه " واقتصر عليه في
" المستوعب ". ونقل إسحاق بن إبراهيم: لا بأس إذا كان من (^٣) غير
استشراف.
وعن أحمد أيضًا: أنه رد ذلك. وقال: دعنا نكون أعزاء. ورد في رواية المروذي. فقال له أبو اسحاق: أي: شيء تكون الحجة أو كيف يجوز؟ فقال:
لا أعلم فيه شيئًا. إلا أن الرجل إذا تعود لم يصبر عنه. وكذا ذكر صاحب
" المحرر " رواية بجواز الرد. وقال: قد بين العلة في جواز الرد. وأن على هذا تحمل النصوص المذكورة للوجوب على الاستحباب. وذكر ابن الجوزي في
" المنهاج ": أنه لا يأخذه إلا مع حاجته إليه إذا سلم من الشبهة] والآفات فإن الأفضل أخذه.
_________________
(١) في أ: أخذ. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٤٠٤) ٢: ٥٣٦ كتاب الزكاة، باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٤٥) ٢: ٧٢٣ كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف.
(٣) في ب: عن. ()
[ ٣ / ٣٣٥ ]
قال في " الفروع ": وما ذكر من سلامته من الشبهة [(^١) يؤخذ من كلام غيره
لأنه مكروه. ولا يجب قبول المكروه. وهذا معنى المنقول عن أحمد في جائزة السلطان مع قوله: هي خير من صلة الإخوان. وظاهر كلام غير واحد: يجب ما لم يحرم. وقاله ابن حزم الظاهري. قال: لأنه داخل في وجوب النصيحة. فإن طابت نفسه عليه فحسن. وإن أبقاه فليتصدق به فيؤجر على كل حال. ثم من الجهل استسهال المرء أخذ مال زيد في بيع أو أجرة ثم يتجنبه إذا أعطاه إياه بطيب نفس. ثم احتج بقوله ﷺ: " من رغب عن سنتي فليس مني " (^٢) .
قال: وكان مالك والشافعي لا يردان ما أعطيا. انتهى.
وعلم مما تقدم: أنه متى استشرفت نفسه إليه بأن قال: سيبعث إليّ فلان أو لعله يبعث لي، وإن لم يتعرض أو تعرض بقلبه عسى أن يفعل: فلا بأس بالرد. نص على ذلك في رواية الجماعة. وزاد أبو داود: وكأنه اختار الرد. ونقل المروذي ردها. وسأله جعفر يحرم أخذه؛ قال: لا.
ومن أعطى شيئا ليفرقه: فحسّن أحمد عدم الأخذ في رواية.
(ومن سأل) أن يعطى (واجبًا) " كمن طلب شيئا من الزكاة (مدعيًا كتابة) أي: أنه مكاتب، (أو) مدعيًا (غرما) أي: من الغارمين، (أو) مدعيًا (أنه ابن سبيل، أو) مدعيا (فقرًا وعرف بغنى) قبل ذلك: (لم يقبل) منه ذلك (إلا ببينة) " لأن الأصل عدم ما يدعيه وبراءة ذمة الكاتب والغارم.
(وهي) أي: البينة (في) المسألة (الأخيرة) وهي ما إذا ادعى الفقر من عرف بالغنى: (ثلاثة رجال)، لقول النبي ﷺ " إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة. فحلت له المسألة حى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش " (^٣) . رواه مسلم.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٧٦) ٥: ١٩٤٩ كتاب النكاح، باب الترغيب في () النكاح. وأخرجه أحمد في مسنده (١٤٠٧١) ٣: ٢٨٥.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٦٤٠) ٢: ١٢٠ كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه () المسألة. ولم أجده في مسلم، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
ولأن الأصل بقاء الغنى. فلم يقبل قوله بمجرده فيما يخالف الأصل.
وقيل: يكفي اثنان؛ كحق الآدمي.
(وإن صدق مكاتبًا سيده، أو) صدق (غارمًا غريمه: قبل وأعطي) في الأصح.
(ويقلد) أي: ولا تطلب إقامة الحجة (من ادعى) أن له (عيالًا، أو) ادعى (فقرًا ولم يعرف بغنى) في الأصح، كما يقلد في دعوى الحاجة.
ولأن الأصل عدم الغنى.
(وكذا) يقلد (جَلد ادعى عدم مكسب) ويعطى من الزكاة (بعد إعلامه) أي: بعد أن يعلمه المعطي (أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب)؛ " لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين اللذين سألاه ولم يحلفهما " (^١) .
وفي بعض رواياته أنه قال: " أتينا النبي ﷺ فسألناه عن الصدقة. فصعد فينا النظر. فرآنا جَلدين. فقال: إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي متكسب " (^٢) . رواه ابو داود.
(ويحرم أخذ) من صدقة (بدعوى غنى) أي: من هو غني (فقرا ولو من صدقة تطوع)، لما روى أبو سعيد مرفوعا " فمن يأخذ مالا بحقه فيبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع " (^٣) .
وفي لفظ: " إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه
فنعم المعونة هو. ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " (^٤) .
وفي لفظ: " إن هذا المال خضرة حلوة. ونعم صاحب المسلم ما (^٥) أعطى
_________________
(١) سيأتى تخريجه. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٣٣) ٢: ١١٧ كتاب الزكاة، باب من يعطى من () الصدقة وحد الغنى.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١١٧٣) ٣: ٢١. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٠٦٣) ٥: ٢٣٦٢ كتاب الرقاق، باب ما يحذر () من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
(٥) في الأصول: هو لمن. وما أثبتناه من " الصحيح ". ()
[ ٣ / ٣٣٧ ]
منه المسكين واليتيم وابن السبيل. أو كما قال رسول الله ﷺ: وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة " (^١) . متفق على ذلك.
(وسُن تعميم الأصناف) أي: أصناف أهل الزكاة الثمانية (بلا تفضيل) بينهم (إن وجدت) الأصناف كلها (حيث) أي: في محل (وجب الإخراج) فيه. وإلا عمم من أمكن منهم؛ لأنه يخرج بذلك من الخلاف ويحصل الإجزاء يقينًا.
(و) سن أيضا (تفرقتها) أي: الزكاة (في أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم)؛ كخاله وخالته (على قدر حاجتهم). فيزيد ذا الحاجة منهم بقدر حاجته. فإن استووا في الحاجة وتفاوتوا في القرب: بدأ بالأقرب فالأقرب منهم. ويدل لمسنونية تفرقتها في أقاربه قوله ﷺ: " صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة " (^٢) . رواه الترمذي والنسائي.
(ومن فيه) من أهل الزكاة (سببان) كما لو كان فقيرا غارما: (أخذ بهما) أي: بالسببين. فيعطى ما يقضي به دينه وكفايته مع كفاية عائلته سنة.
(ولا يجوز أن يعطى بأحدهما) أي: بأحد السببين (لا بعينه)؛ لاختلاف أحكامهما (^٣) في الاستقرار وعدمه. وقد يتعذر الاستيعاب فلا يعلم المجمع عليه من المختلف فيه.
(وإن أعطى بهما) أي: بالسببين (وعين لكل سبب قدر) معلوم: فذاك. (وإلا) أي: وإن لم يعين لكل سبب قدر معلوم (كان) ما يعطاه (بينهما) اي: بين السببين (نصفين). وتظهر فائدة ذلك لو وجد ما يوجب الرد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩٦) ٢: ٥٣٢ كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٥٢) ٢: ٧٢٨ كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٥٨) ٣: ٤٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة. قال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٥٨٢) ٥: ٩٢ كتاب الزكاة، الصدقة على الأقارب.
(٣) في ج: أحدهما. وفي ب: أحكامها. ()
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(ويجزئ اقتصار) في إعطاء من الزكاة (على إنسان) واحد (ولو) كان (غريمه) أي: غريم المزكي (او مكاتبه ما لم يكن) ذلك (حيلة): أما كونه يجزئ الاقتصار على واحد، فلقول الله ﷾: (إن تبدوا الصدقات
فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)] البقرة: ٢٧١].
ولقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (^١) . متفق عليه.
فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنف واحد.
و" أمر رسول الله ﷺ بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمه بن صخر " (^٢) .
و" قال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " (^٣) .
ولو وجب صرفها إلى جمع الأصناف لم يجز صرفها إلى واحد.
ولأنه لا يجب صرفها لجمع الأصناف إذا فرقها الساعي. فكذا إذا فرقها المالك.
ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف بها. فجاز الاقتصار على واحد؛
كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم. وهذا هو اللائق بحكمة الشرع وحسنه. إذ غير جائز أن يكلف الله ﷾ من وجبت عليه شاة أو صاع أو فص مثقال دفعه إلى ثمانية عشر نفسًا أو أحد وعشرين أو أربعة وعشرين على اختلاف مقالاتهم. والغالب تعذر وجود ذلك في الإقليم العظيم فكيف بمن في القرى. وهو ﷾ القائل: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج)] الحج: ٧٨ [. ولم ينقل أن النبي ﷺ ولا أن (^٤) أحدًا من خلفائه فعل ذلك في صدقة من الصدقات. ولو كان هذا هو (^٥) الواجب لما أغفلوه، ولو فعلوه لنقل ولما أهمل.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٤٧) رقم (٢). ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢١٣) ٢: ٢٦٥ أبواب الطلاق، باب في الظهار. ()
(٣) سبق تخريجه ص (٣٢٣) رقم (٢). ()
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) في ج: من. ()
[ ٣ / ٣٣٩ ]
والآية الكريمة إنما سيقت لبيان من (^١) يجوز الصرف إليه لا إيجاب الصرف
إلى الجمع. بدليل أنه لايجب تعميم كل صنف بها.
وأما كونه يجزئ إخراجها لغريمه؛ فلأنه من جملة الغارمين. فإن رده إليه الغارم فله أخذه. نص عليه في رواية مهنا؛ لأن الغريم قد ملك ما أخذه بالأخذ. أشبه ما لو وفاه من مال آخر.
قال في " الفروع ": ويجوز دفع زكاته إلى غريمه ليقضي بها دينه. سواء دفعها إليه ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع إليه ليقضي بها دين المقرض. نص على ذلك.
قال أحمد: إن أراد إحياء ماله لم يجز. وقال أيضًا: إن كان حيلة فلا يعجبني. وقال أيضا: أخاف أن يكون حيلة فلا أراه.
ونقل ابن القاسم: إذا (^٢) أراد الحيلة لم يصلح ولا يجور.
قال القاضي وغيره: يعني بالحيلة: أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه. فلا يجزئه؛ لأن من شرطها تمليكا صحيحا. فاذا شرط الرجوع لم يوجد فلم يجزئه. وذكر الشيخ يعني: الموفق أنه حصل من كلام أحمد. أنه إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز، لأنها لله فلا يصرفها إلى نفعه.
وفي " الرعاية الصغرى ": إن قضاها بلا شرط صح، كما لو قضى دينه بشيء ثم دفعه إليه زكاة، وتكره حيلة. كذا قال. انتهى.
وإن ابرأ رب الدين غريمه من دينه بنية الزكاة لم يجزئه نص عليه. سواء كان المخرج عينًا أو دينًا وفاقًا لمالك والشافعي.
وأما كون الزكاة يجزئ دفعها إلى مكاتبه، فلأنه صار معه في باب المعاملة كالأجنبي. بدليل جريان الربا بينهما، ويجوز للمكاتب ردها إلى سيده بحكم الوفاء. أشبه إيفاء الغريم دينه بها.
_________________
(١) في ب: ما. ()
(٢) في أ: إن. ()
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ومحل ذلك أيضًا: ما لم يقصد بالدفع إحياء ماله بأن كان السيد يعلم أنه يعود إلى الرق بعد ذلك لعجزه عن وفاء مال الكقابة. أما إذا أعطاه ما يعتق برده إليه فلا كلام في الإجزاء.
وأما الحوالة بالزكاة بأن يحيل رب المال الفقير على غريمه بالزكاة فلا يكفي
في الإجزاء. جزم به ابن تميم وغيره؛ لعدم الإيتاء المأمور به.
(ومن أعتق عبدا لتجارة قيمته نصاب بعد) حولان (الحول) عليه، و(قبل إخراج ما) وجب (فيه) من الزكاة: (فله) أي: فلسيده (دفعه) أي: دفع ما وجب فيه من زكاة (إليه) أي: إلى العبد المعتق. (مالم يقم به) أي: بالمعتق (مانع) من أخذها من كفر أو غيره؛ لأنه صار من أهل الزكاة أشبه ما لو أعطاه من غير ما وجب فيه.
[ ٣ / ٣٤١ ]
] فصل: فيمن لا تدفع له الزكاة]
(فصل. ولا تجزئ الزكاة) إذا دفعها (إلى كافر غير مؤلف).
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من أموال الزكاة شيئًا.
(ولا) يجزئ دفعها إلى (كامل رق غير عامل)؛ لأن ما يأخذه أجرة يستحقها سيده.
(و) غير (مكاتب)؛ لأنه من الرقاب.
(ولا) يجزئ دفعها إلى (زوجة) لمن وجبت عليه الزكاة.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة. وذلك لأن نفقتها واجبة عليه. فتستغني بها عن أخذ الزكاة. فلم يجز دفعها إليها؛ كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها.
(و) لا يجزئ دفعها إلى (فقير ومسكين) ولا إلى فقيرة ومسكينة (مستغنيين بنفقة واجبة) على قريب غني أو زوج غني؛ لأن الكفاية حاصلة لهما مما يصل إليهما من النفقة الواجبه. أشبه من له عقار يستغني بأجرته.
وإن تعذرت النفقة من القريب أو الزوج: جاز الدفع أشبه ما لو تعطلت منفعة العقار.
(ولا) يجزئ دفعها إلى (عمودي نسبه) أي: نسب من وجبت عليه الزكاة.
وإن علوا أو سفلا من أولاد البنين وأولاد البنات. الوارث وغيره في ذلك سواء. قال أحمد: لايعطي الوالدين من الزكاة ولا الولد ولا ولد الولد ولا الجد ولا الجدة ولا ولد البنت. قال رسول الله ﷺ: " إن ابني هذا سيد " (^١) . يعني: الحسن. فجعله ابنه لأنه من عمودي نسبه. ووجه ذلك: إن دفع زكاته إليهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٥٥٧) ٢: ٩٦٢ كتاب الصلح، باب قول النبي للحسن بن علي ﵄: " ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين ". وأخرجه أحمد في مسنده (٢٠٤٦٦) ٥: ٤٤.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه. فيعود نفعها إليه. فكأنه دفعها إلى نفسه. فلم يجز؛ كما لو قضى بهادينه.
(إلا أن يكونا) أي: عمودي نسبه (عمال) على الزكاة. فيستحقون بذلك أجرة عملهم. أشبه ما لو استعملهم في عمل غير الزكاة.
(أو) يكونا (مؤلفين) فيعطون للتأليف. أشبه ما لو كانوا أجانب.
(أو) يكونا (غزاة). فإن الغزاة لهم الأخذ مع عدم الحاجة. اشبهوا العاملين. (أو) يكونا (غارمين لذات بَيْن)؛ لجواز أخذ الغارم لإصلاح ذات بين مع غناه. (ولا) تجزئ من وجبت عليها زكاة دفعها إلى (زوج) لها. على الأصح؛ لأنها تعود إليها بإنفاقه عليها.
قال في " الفروع ": وهل يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها. اختاره القاضي وأصحابه والشيخ وغيرهم وفاقا للشافعي أم لا. اختاره جماعة منهم الخرفي وأبو بكر وصاحب " المحرر " وحكاه عن أبي الخطاب وفاقا لأبي حنيفة ومالك. فيه روايتان.
(ولا) يجزئ دفع الزكاة إلى (سائر من تلزمه) أي: تلزم المخرج (نفقته)؛ كقِنّه وعتيقته على الأصح. (ما لم يكن عاملا أو غازيا أو مؤلفا أو مكاتبا أو ابن السبيل أو غارمًا لإصلاح ذات بين).
قالط صاحب "المحرر ": لا تختلف الرواية (^١) أنه يعطى لغير النفقة الواجبة؛ نحو كونه غارمًا أو مكاتبًا أو ابن سبيل. بخلاف عمودي النسب لقوة القرابة. انتهى.
وأما إذا كانوا عمالًا أو غزاة أو مؤلفة فقد تقدم أنهم يعطون لذلك ولو كانوا
من عمودي النسب.
(ولا) يجزئ دفع الزكاة إلى (بني هاشم. وهم سلالته) أي سلالة هاشم. (فدخل آل عباس، و) آل (علي، و) ال (جعفر، و) آل (عقيل، و) آل
_________________
(١) في أ: الروايات. ()
[ ٣ / ٣٤٣ ]
(الحارث بن عبد المطلب، و) آل (أبي لهب).
قال في " شرح المقنع الكبير ": لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم
الصدقة المفروضة؛ لقول النبي ﷺ: " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد. إنما هي أوساخ الناس " (^١) . أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: " أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة. فقال النبي ﷺ:
كخ كخ. ليطرحها. وقال: ما شعرتَ أنا لا نأكل الصدقة " (^٢) . متفق عليه.
وسواء أعطوا من خمس الخمس أو لم يعطوا، لعموم النصوص.
ولأن منعهم من الزكاة لشَرَفِهم. وشرفُهم باق. فيبقى المنع.
(ما لم يكونوا) أي: بني هاشم (غزاة أو مؤلفة أو غارمين لإصلاح ذات
بَيْن) فلهم الأخذ لذلك، لجواز أخذ ذلك مع الغنى، وعدم المنة فيه.
(وكذا مواليهم) يعني: أن حكم موالي بني هاشم.] وهم: الذين أعتقهم
بنوا هاشم [(^٣) حكم بني هاشم فيما يجوز لهم أخذه من الزكاة وفيما لا يجوز لهم أخذه منها " لما روى أبو رافع " أن رسول الله ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة. فقال لأبي رافع: أصحبني كَيْمَا تصيب منها. فقال: لا. حتى أتي رسول الله ﷺ فأسأله. فانطلق إلى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة وإن موالي القوم منهم " (^٤) . أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ولأن الولاء بمنزلة النسب في أحكام. فغلب الحظر.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣١٧) رقم (١). ()
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٩٠٧) ٣: ١١١٨ كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٦٩) ٢: ٧٥١ كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ وعلى آله وهم بنو هاشم.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٥٠) ٢: ٢٣ ١ كتاب الزكاة، باب الصدقة على بني هاشم. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٥٧) ٣: ٤٦ كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ﷺ. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦١٢) ٥: ١٠٧ كتاب الزكاة، باب مولى القوم منهم.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
(لا موالي مواليهم) يعني: أنه يجزئ دفع الزكاة إلى موالي موالي بني هاشم؛ لأنهم ليسوا من بني هاشم ولا من مواليهم.
قال في " الفروع ": ويجوز الدفع إلى ولد] هاشمية من غير [(^١) هاشمي في ظاهر كلامهم. وتأوله القاضي اعتبارًا بالأب وفاقًا. وذكر أبو بكر أنه لا يجوز. واحتج بحديث أنس: " ابن أخت القوم منهم " (^٢) . متفق عليه.
ولا تحرم الزكاة على أزواجه ﷺ في ظاهر كلام أحمد والأصحاب وفاقا؛ كمواليهن إجماعًا؛ للأخبار فيهم.
وفى " المغني ": " أن خالد بن سعيد بن العاص بعب إلى عائشة بسفرة من الصدقة فردتها وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ".
قال: وهذا يدل على تحريمها على أزواجه ﷺ. ولم يذكر ما يخالفه مع أنهم
لم يذكروا هذا في الوصية والوقف. وهذا يدل على أنهم من أهل بيته في تحريم الزكاة. ولهذا قال صاحب " المحرر ": أزواجه ﷺ من أهل بيته المحرم عليهم الزكاة في أحد الروايتين.
ثم احتج بقول عائشة المذكور. رواه الخلال وصاحبه (^٣) .
وكالدفع إليه. فإنهن في حبسه ونفقته حيا وميتا. ولهذا كن يُعطيْن من سهمه من الفيء من بعده.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: " لا تقتسم ورثتي دينارًا. ما تركت بعد نفقة نسانى ومؤنة عاملي فهو صدقة " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخارى في " صحيحه " (٦٣٨١) ٦: ٤٨٤ ٢ كتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم، وابن الأخت منهم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٥٩) ٢: ٧٣٤ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على إسلامهم وتصبر من قوي إيمانه.
(٣) في أ: وأصحابه. ()
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٩٢٩) ٣: ١١٢٨ أبواب الخمس، باب نفقة نساء النبي بعد وفاته. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٦٠) ٣: ١٣٨٢ كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ: " لا نورث. ما تركنا فهو صدقة ".
[ ٣ / ٣٤٥ ]
والثانية: لا تحرم عليهن. وهو قول زيد بن أرقم (^١) . رواه مسلم. انتهى. (ولكل) من بني هاشم ومواليهم وكل من قلنا لا يجوز دفع الزكاة إليه:
(أخذ صدقة تطوع).
قال في " شرح المقنع ": وكل من حرم (^٢) صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم: يجوز دفع صدقة التطوع إليهم ولهم أخذها. قال الله ﷾ (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)] الإنسان: ٨ [ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرًا.
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: " قدمتْ عليّ أمي وهي مشركة. قلت: يا رسول الله لِلَّهِ إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة. أفأصلها؟ قا ل: صلي أمك " (^٣) .
و" كسا عمر أخًا له مشركا حلة كان النبي ﷺ أعطاه إياها " (^٤) .
و" قال النبي ﷺ لسعد: إن نفقتك على أهلك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك صدقة " (^٥) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرج مسلم في "صحيحه " (٠٨ ٢٤) ٤: ١٨٧٣ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ عن يزيد بن حيان. قال: " انطلقت أنا وحصين بن سبره وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم. فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًاكثيرًا رأيت رسول الله ﷺ. وسمعت حديثه وغزوت معه وصليب خلفه. لقد لقيت، يا زيد خيرًاكثيرًا. حدثنا، يا زيد لِلَّهِ ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: يا ابن أخي! والله! لقد كبرت سنى. وقدم عهدي. ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله. فما حدثتكم فاقبلوا. وما لا. فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا. بماء يدعى خما بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعد. ألا أيها الناس لِلَّهِ فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ يا زيد! أليس نساوه من أهل بيته؟ قال: نساوه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم ".
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٠١٢) ٣: ١٦٢ ١ أبواب الجزية والموادعة، باب إثم من () عاهد ثم غدر.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٠٣٨) ٦: ٣٥٥. ()
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٩١) ٣: ١٠٠٦ كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته () أغنياء خير من أن يتكففوا الناس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٢٨) ٣: ١٢٥٣ كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
(وسُن تعفف غني عنها) أي: عن صدقة التطوع (وعدم تعرضه لها) أي: لصدقة التطوع؛ لأنه ﷾ مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم. قال ﷾ (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)] البقرة: ٢٧٣].
(و) لكل من فقير ومسكين هاشمي وغيره أخذ من (وصية لفقراء. إلا النبي ﷺ) من بني هاشم. فإن الصدقة كانت محرمة عليه مطلقًا فرضها ونفلها على الأصح؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها فلم يجز الإخلال به. فروى أبو هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل. وإن قيل: هدية ضرب بيده وأكل معهم " (^١) . متفق عليه.
وفي حديث سلمان الفارسي أن الذي أخبره عن رسول الله ﷺ ووصفه له قال:
" إنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة " (^٢) . والحديث بطوله في " مسند أحمد ". ولأن آل محمد لما منعوا فرض الصدقة لشرفهم على غيرهم: وجب أن ينزه النبي ﷺ عن نفلها وفرضها لشرفه على الخلق كلهم تمييزًا له بذلك. كما خص مع خمس الخمس بالصفي من المغنم، وبالإسهام له مع غيبته من المغانم.
قال في " شرح الهداية ": ولا خلاف نعلمه أن النبي ﷺ لا يحرم عليه أن يقترض، ولا أن يهدى له، أو ينظر بدينه، أو يوضع عنه، أو يشرب من سقاية موقوفة على الماء، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة، ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها. والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع. وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة. قال ﷾: (فمن تصدق به فهو كفارة له)] المائدة: ٤٥].
وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم)] البقرة: ٢٨٠].
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٤٣٧) ٢: ٩١٠ كتاب الهبة وفضلها، باب قبول الهدية. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٠٧٧) ٢: ٧٥٦ كتاب الزكاة، باب قبول النبي ﷺ الهدية ورده الصدقة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٤٠٥) ٥: ٤٤٤. ()
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وقال النبي ﷺ: " كل معروف صدقة " (^١) .
(و) لبني هاشم غير النبي ﷺ الأخذ (من نذر) نذر أن يتصدق به على الفقراء. (لا) من (كفارة)؛ لأنها صدقة واجبة بالشرع فأشبهت الزكاة. بل أولى لأن النص علل منع الزكاة بكونها أوساخ الناس والكفارة من أشد أوساخهم إذ كان سبب مشروعيتها لمحو الذنب والجناية.
(وتجزئ دفع زكاة) دفع زكاة من عليه زكاة (إلى ذوي أرحامه) الذين ليسوا من عمودي نسبه؛ كبنات إخوته وبنات أعمامه وأخواله وخالاته (ولو ورثوا) على الأصح.
قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور وقد سأله: يعطى الأخ والأخت والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كل القرابة إلا الأبوين والولد.
لقول النبي ﷺ: " الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي رحم اثنتان: صدقة وصلة " (^٢) . فلم يشترط كون الصدقة نافلة ولا فريضة. ولم يفرق بين الوارث وغيره. ولأن قرابتهم ضعيفة لا يرثون بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين. فلم يمنع دفع الزكاة إليهم؛ كغير ذي الرحم.
(و) يجزئ دفع الزكاة أيضًا إلى (بني المطلب) على الأصح؛ لأن آية الأصناف وغيرها من العمومات تشملهم. لكن خرج منها بنو هاشم بالنص والإجماع. وقياسهم عليهم لا يصح؛ لأنهم أشرف وأقرب إلى رسول الله ﷺ. ومشاركتهم لبني هاشم في الخمس لم يكن بمجرد قرابتهم. بدليل أن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم في القرابة ولم يعطوا شيئًا من الخمس. وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة؛ كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله فيهم: "إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام " (^٣) . والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٦٧٥) ٥: ٢٢٤١ كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٠٥) ٢: ٦٩٧ كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقه يقع على كل نوع من المعروف.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣٨) رقم (٢). ()
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٤١٣٧) ٧: ١٣٠ كتاب قسم الفئ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٧٦٠) ٤: ٨١.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
(و) يجزئ من عليه زكاة دفعها إلى (من تبرع بنفقته بضمه إلى عياله)؛ كيتيم أجنبي في الأصح؛ لأنه داخل في آية أصناف الزكاة. ولم يرد في منعه نص ولا إجماع. ولما روى البخاري " أن امرأة عبدالله سألت النبي ﷺ عن بني أخ لها أيتام في حجرها فتعطيهم زكاتها؟ قال: نعم " (^١) .
(أو) من (تعذرت نفقته من زوج أو قريب بغيبة أو امتناع أو غيرهما) أي: غير الغيبة والامتناع؛ لأن ذلك مشبه لمن له عقار وتعطلت منافعه.
(وإن دفعها) أي: دفع الزكاة رب المال (لغير مستحقها لجهل) منه بعدم استحقاقه؛ كما لو دفعها لعبد أوكافر أو هاشمي أو لأبيه ونحوه وهو لا يعلم (ثم علم) حقيقة الحال: (لم يجزئه) رواية واحدة؛ لأنه لا يخقى حاله غالبًا. فلم يجزئه الدفع إليه؛ كدين الآدمي.
(إلا الغني إذا) دفعها إليه وقد (ظنه فقيرا) فإنها تجزئه على الأصح.
لـ " أن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: إن شئتما أعطيتكما منها ولاحظ فيها لغني ولا قوي مكتسب " (^٢) .
وقال للرجل الذي سأله من الصدقة: "إن كنت مق تلك الأجزاء أعطيتك حقك " (^٣) . ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال رجل: لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت. فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى " (^٤) . رواه النسانى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٩٧) ٢: ٥٣٣ كتاب الزكاة، باب الزكاة () على الزوج والأيتام في الحجر.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣٧١) رقم (٢). ()
(٣) سبق تخريجه ص (٣١٣) رقم (٣). ()
(٤) أخرجه النسائي في سننه (٢٥٢٣) ٥: ٥٥ كتاب الزكاة، باب إذا أعطاها غنيًا وهو () لا يشعر.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
] فصل: في صدقة التطوع]
(فصل. وتسن صدقة تطوع)؛ لقول الله ﷾: (إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم.] الحديد: ١٨]. وقد حث الله ﷿ عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا يتصدق أحدكم بتمرة من كسب طيب
إلا أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فَلْوَه أو قَلوصه. حتى تكون مثل الجبل العظيم أو أعظم " (^١) . متفق عليه.
وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع
ميتة السوء " (^٢) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
ويسن كون صدقة التطوع (بفاضل عن كفاية دائمة بمتجر أو غلة أو صنعة عنه)
أي: عن المتصدق (وعمن يمونه)، لما روى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ "اليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول. وخير الصدقة عن ظهر غنى" (^٣) . متفق عليه.
وعن جابر: " أن النبي ﷺ قال لرجل: ابدأ بنفسك فتصدق عليها. فإن فضل شيء فهكذا وهكذا " (^٤) . رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٤٤) ٢: ٥١١ كتاب الزكاة، ياب لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠١٤) ٢: ٧٠٢ كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتر بيتها.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٤) ٣: ٥٢ كتاب الزكاة، باب ما جاء في () فضل الصدقة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٦١) ٢: ٥١٨ كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٤٢) ٢: ٧٢١ كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٩٧) ٢: ٦٩٢ كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٥٥) ٤: ٢٧ كتاب العتق، باب في بيع المدبر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٦٥٢) ٧: ٣٠٤ كتاب البيوع، بيع المدبر. وأخرجه أحمد في " المسند " (١٣٧١٩) ط إحياء التراث.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
ولأن كفاية نفسه ومن يعوله فرض عليه. والفرض لا يجوز تركه لأجل النفل.
وتسن (كل وقت)، لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة.
(و) كونها (سرًا بطيب نفس في صحة) أفضل، لقوله ﷾: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)] البقرة: ٢٧١].
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (^١) . متفق عليه.
(و) كونها في شهر (رمضان، ووقت حاجة، وكل زمان ومكان فاضل كالعَشر والحرمين) أفضل؛ لما روي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فلَرَسول ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة " (^٢) . متفق عليه.
ولأن في الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصوم. وقد جاء في الحديث " من فطر صائمًا كان له مثل أجره " (^٣) .
(و) كون صدقة التطوع (على جار). للمتصدق (وذوي رحم) له (لا سيما
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٢١) ٦: ٢٤٩٦ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب فضل من ترك الفواحش. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٣١) ٢: ٧١٥ كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٠٤٨) ٣: ١٧٧ ١ كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٠٨) ٤: ١٨٠٣ كتاب الفضائل، باب كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٠٨٥) ٤: ١١٦ من حديث زيد بن خالد الجهني () ﵁.
[ ٣ / ٣٥١ ]
مع عداوة) بينهما.
(وهي) أي: الصدقة (عليهم) أي: على ذوي الأرحام: صدقة و(صلة
أفضل) من الصدقة على غير الجار وغير ذوي الأرحام؛] لقوله ﷾:
) وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب) [(^١)] النساء: ٣٦].
ولقوله تعالى (يتيما ذا مقربة] أومسكينا ذا متربة [) (^٢)] البلد: ١٥ - ١٦].
ولقول النبي ﷺ: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنان
صدقة وصلة " (^٣) . وهو حديث حسن.
ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته؛ لقول الله ﷾:
(أومسكينا ذا متربة)] البلد: ١٦].
(ومن تصدق بما ينقص مُؤنة تلزمه) أي: مؤنة من تلزمه مؤنته، (أو أضر
بنفسه، أو غريمه، أو كفيله) بسبمب صدقته: (أثِم) بتصدقه بما يضر واحدًا.
ممن ذكر؛ لقول النبي ﷺ: " كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت " (^٤) .
وروى أبو هريرة قال: " أمر النبي ﷺ بالصدقة. فقام رجل فقال:
يا رسول الله! عندي دينار. فقال: تصدق به على نفسك. فقال: عندي آخر.
قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر قال: تصدق به على زوجتك.
قال: عندي آخر قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت
أبصر " (^٥) . رواهما أبو داود.
فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل، لقوله ﷾: (ويؤثرون
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣٨) رقم (٢). ()
(٤) أخرجه أبو داود فى " سننه " (١٦٩٢) ٢: ١٣٢ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٨٤٢) ٢: ١٩٥.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه" (١٦٩١) ٢: ١٣٢ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم. ()
[ ٣ / ٣٥٢ ]
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)] الحشر: ٩].
وقال النبي ﷺ: " أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر " (^١) .
(ومن أرادها) أي: أراد الصدقة (بماله كله وله عائلة لهم كفاية او يكفيهم بمكسبه) فله ذلك؛ لقصة الصديق رضي الله تعالى عنه (^٢) . وإلا حرم.
(أو) كان (وحده، ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك. وإلا) أي: وإن لم يعلم من نفسه ذلك (حرم) أن يتصدق بجميع ماله " لما روى جابر بن عبدالله قال: " كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب. فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدِن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ. فأتاه من قبل ركنه الأيمن. فقال مثل ذلك. فأعرض عنه. ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر. فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها. فلو أصابته لأوجعته أو لعقرقه. فقال رسول الله ﷺ: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة. ثم يقعد يستكفّ الناس. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (^٣) . رواه أبو داود.
وفي رواية: " خذ مالك عنا لا حاجة لنا به " (^٤) .
فقد نبه النبي ﷺ على المعنى الذي كره من أجله الصدقة بجمع ماله وهو أن يستكف الناس أي: يتعرض للصدقة فيأخذها ببطن كفه. يقال: تكفف واستكف إذا فعل ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٤٩) ٢: ٦٩ كتاب الوتر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٥٤٣٨) ٣: ٤١٢.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ١٨٠ كتاب الزكاة، باب ما يستدل به على أن قوله: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ولفظه: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك فقلت مثله قال: فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلي شيء أبدًا ".
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٧٣) ٢: ٢٨ ١ كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج () من ماله.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٧٤) الموضع السابق. ()
[ ٣ / ٣٥٣ ]
(وكره لمن لا صبر له) على الضيق (أو) لا (عادة) له (على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) نص عليه. وظهر من ذلك أن الفقير لا يقترض ليتصدق بما يقترضه.
ونص أحمد في فقير لقريبه وليمة: يستقرض ويهدي له. ذكره أبو الحسين
في " الطبقات ".
قال في " الفروع " قال شيخنا: فيه صلة الرحم بالقرض. وقد ذكر ابن عقيل
في مواضع: أقسم بالله لو عبس الزمان في وجهك مرة لعبس في وجهك أهلك (^١) وجيرانك. ثم حث على إمساك المال.
وذكر ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": أن الأولى أن يدخر لحاجة تعرض وأنه قد يتفق له مرفق فيخرج ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضراء والذل ما يكون الموت دونه. فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال الحاضرة. بل يصور كلما يجوز وقوعه. وأكثر الناس لا ينظرون في العواقب. وقد تزهد خلق كمير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا. فدخلوا في مكروهات. والحازم من يحفظ ما في يده.
والإمساك في حق الكريم جهاد؛ كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد. والحاجه تحوج إلى كل محنة.
قال بشر الحافى: لو أن لي دجاجة أعولها خفت أن أكون عشارًا على الجسر.
وقال الثوري. من كان بيده مال فليجعله في قرن ثور فإن زمان من احتاج فيه
كان أول ما يبذل (^٢) دينه.
قال ابن الجوزي. وبعد. فإذا (^٣) صدقت نية العبد وقصده رزقه الله تعالى وحفظه من الذل ودخل في قو له (ومن يتق الله ٠٠٠) (^٤) الاية] الطلاق: ٢].
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في ج: يبذر. ()
(٣) في ب: إذا. ()
(٤) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٥٤ ]
(ومن ميز شيئًا للصدقة أو وكل فيه) أي: في التصدق بشيء (ثم بدا له) أن
لا يتصدق: (سن) له (إمضاؤه) أي: إمضاء ما ميزه للصدقة أو ما وكل أن يتصدق به.
ولا يجب عليه إمضاؤه وفاقًا.
نقل محمد بن داود أن أبا عبدالله سئل عن رجل بعث دراهم إلى رجل يتصدق
بها عليه. فلم يجده الرسول. فبدا للمرسل أن يمسكها. قال: ما أحسنه أن يمضيه.
و(لا) يسن له (إبدال ما أعطى سائلا فسخطه).
قال في " الفروع ": ومن سأل فأعطي فقبضه فسخطه لم يعط لغيره (^١) في
ظاهر كلام العلماء ﵃.
وعن علي بن الحسين: أنه كان يفعله. رواه الخلال. وفيه جابر الجعفي ضعيف. فإن صح فيحتمل أنه فعله عقوبة. ويحتمل أن سخطه دليل على أنه لايختارتملكه. فيتوجه مثله على أصلنا؛ كبيع التلجئة.
ويتوجه في الأظهر أن أخذ صدقة التطوع أولى من الزكاة، وأن أخذها سرًا أولى.
(والمن بالصدقة كبيرة).
قال في " الفروع ": ويحرم المن بالصدقة وغيرها. وهو كبيرة على نص
أحمد الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة.
(ويبطل الثواب به) أي. بالمن؛ لقوله ﷾: (يا أيها الذين
ءامنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)] البقرة: ٢٦٤].
قال في " الفروع ". ولأصحابنا خلاف فيه. وفي بطلان طاعة بمعصية.
واختار شيخنا الإحباط. بمعنى الموازنة. وذكر أنه قول أكثر السلف.
_________________
(١) في أ: بغيره. ()
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وفي " الصحيحين " من حديث عبدالله بن زيد بن عاصم " أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة ولم يعط الأنصار. فكأنهم وَجَدوا. فقال: يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي. وعالة فأغناكم الله بي؟ فقالوا: الله ورسوله أمنّ. فقال: ألا تجيبون؟ لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا
وكذا. . ." (^١) الحديث. متفق عليه.
فيحتمل أن يقال في هذا كما قاله ابن حزم: لا يحل أن يمن إلا من كفر إحسانه وأسيء إليه فله أن يعدد إحسانه.
ويحتمل أن يقال - كما قاله (^٢) شارح " الأحكام الصغرى "-: أن هذا دليل على إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم. ولما كانت نعمة الإيمان أعظم النعم قدمها. ثم نعمة الألفة أعظم من نعمة المال " لأن المال يبذل في تحصيلها. والله أعلم (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٠٧٥) ٤: ١٥٧٤ كتاب المغازي، باب غزوة () الطائف.
(٢) في ج: قال. ()
(٣) في ج: تم الجزء الأول من شرح المصنف بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال () يد كاتبه الفقير محمد برعي الشافعي يوم الثلاثاء المبارك.
[ ٣ / ٣٥٦ ]