هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الشركة.
وفيها لغات: فتح الشين مع كسر الراء وسكونها، وكسر الشين مع سكون الراء.
وهي جائزة بالإجماع.
وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: ٢٤].
وا لخُلطاء: الشركاء.
وغير ذلك من آيات المواريث والغنائم.
ومن السنة ما روى الشافعي عن مسلمة بن خالد عن عبدًالله بن عثمان عن مجاهد عن السائب [بن أبي السائب] (^١) وكان يشارك رسول الله ﷺ فقدم على رسول الله ﷺ فقال له: " مرحبًا بأخي، لا يداري ولا يماري ". ثم قال له: " يا سائب لِلَّهِ كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك. وكان ذا سلف وصلة " (^٢).
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه. فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما " (^٣). رواه أبو داود.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨٣٦) ٤: ٢٦٠ كتاب الأدب، باب في كراهية المراء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٢٨٧) ٢: ٧٦٨ كتاب التجارات، باب الشركة والمضاربة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٥٣٩ ١) ٣: ٤٢٥.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٨٣) ٣: ٢٥٦ كتاب الييوع، باب في الشركة.
[ ٦ / ٥ ]
وما روي عنه ﷺ أنه قال: " يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا " (^١) . وغير ذلك.
ثم (الشركة قسمان):
القسم الأول: (اجتماع في استحقاق). وهو أنواع:
النوع الأول: أن تكون في المنافع والرقاب؛ كما لو ملك اثنان أو جماعة
عبدًا أو داراَ أو نحوهما بإرث أو ابتياع أو هبة أو مغنم.
النوع الثانى: أن تكون في الرقاب فقط؛ كما لو ورث اثنان أو جماعة عبدًا
أو نحوه موصى بنفعه لأجنبي: فإن الورثة شركاء في رقبته فقط.
النوع الثالث: أن تكون في المنافع دون الأعيان؛ كما لو وصى لاثنين أو
أكثر بمنفعة عبد أو نحو ذلك: فإن الموصى لهم شركاء في المنفعة دون الرقبة. النوع الرابع: أن تكون في حقوق الرقاب؛ كما لو قذف اثنان أو جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة: فإن المقذوفين شركاء في حقهم الواجب على رقبة القاذف. وهو حد القذف. فإذا طالبوا كلهم وجب لهم حدٌ واحد؛ لأن القذف بكلمة واحدة.
والقسم (الثاني) من أقسام الشركة: الاجتماع (في تصرف). وتسمى شركة العقود. وهي المقصودة لأن تُبين أحكامها في هذا المحل.
(وتكره) أن تكون (مع كافر)؛ كمجوسي. نص عليه.
قال في " الإنصاف ": قلت: ويلحق به الوثني ومن في معناه.
(لا كتابي لا يلي التصرف). فلا تكره مشاركته إن ولي المسلم التصرف.
نص عليه؛ لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال: " نهى رسول الله ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصرانى. إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ".
ولأن العلة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر ونحوه. وهذا
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٤٠) ٣: ٣٥ كتاب البيوع.
[ ٦ / ٦ ]
منتف فيما حضره المسلم.
وقيل: تكره مشاركة الكافر مطلقا ً؛ لأنه روي عن عبدًالله بن عباس أنه قال:
" أكره أن يشارك المسلم اليهودي ".
وهو محمول على أن العلة فيه كونهم يربون.
وروى عنه الأثرم التصريح بهذه العلة. وهي منتفية فيما حضره المسلم.
وأما ما يشتريه الكافر من خمر أو نحوه بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسدًا وعليه الضمان. فإنّ عَقْدَه يقع للمسلم، والمسلم لا يثبت ملكه على خمر ونحوه. فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا.
هذا إذا علم المسلم بذلك وأما ما خفي أمره علينا فالأصل حله.
(وهو) أى: القسم الثانى وهو: الاجتماع في التصرف (أضرب) خمسة. جمع ضرب. وهو الصنف. يعني: أن هذا القسم أصناف:
أحدها: (شركة عِنان). ولا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في بعض
شروطها.
وسميت بذلك؛ قيل: لأنهما يستويان في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا استويا في السير. فإن عناني فرسيهما يكونان سواء.
وقيل: لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال، كما يملك التصرف فى عنان فرسه كيف شاء.
وقال الفرّاء: هي مشتقه من عَنّ الشيء إذا عرض، لأن كلاًّ (^١) منهما عَنّ له
أن يشارك صاحبه.
وقيل: من المعاننة وهي المعارضة، يقال: عاننت (^٢) فلانًا إذا عارضته بمثل ما جاء به؛ لأن كلًا منهما معارض لصاحبه بماله وفعاله.
_________________
(١) في ج: كل واحد.
(٢) في ج: عانت.
[ ٦ / ٧ ]
(وهي) أي: وكيفيتها: (أن يحضر) من الإحضار (كل) أي: كل واحد
(من عدد) أي: من اثنين فأكثر (جائز التصرف) أي: كل منهم جائز التصرف (من ماله، نقدًا) ذهبًا أو فضة (مضروبا) أي: مسكوكًا. وظاهره ولو بسكة الكفار (معلومًا) قدرًا وصفة.
ويصح (ولو) كان النقد (مغشوشًا قليلًا، أو) كان (من جنسين) بأن كان أحدهما ذهبًا والآخر فضة، (أو) كان مال الشركة (متفاوتًا) بأن يكون لأحدهما الثلثان والآخر الثلث، (أو) كان مختلطا (شائعًا بين الشركاء: إن علم كل) منهم (قدر ماله)؛ كلهذا النصف شائعًا، ولهذا الثلث شائعًا، ولهذا السدس شائعًا.
أما كونها لا تصح على غير النقد من العروض في المنصوص؛ فلأن الشركة
إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو ثمنها.
أما أعيانها فلا يجوز وقوعها عليها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة ب رأس المال أو بمثله وهي لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس عروض أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص فيؤدي إلى أن يشاركه (^١) الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
وأما قيمتها فلا تجور عليها؛ لأنها قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له.
وأما ثمنها فلا تجوز عليه؛ لأنه معدومٌ حال العقد، وغير مملوك لهما؛
لأنه إن أريد الذي اشتريتْ به فقد صار لبائعها، وإن أريد الذي تباع به. فإن الشركة تصير معلقة على شرط وهو بيع الأعيان.
وعنه: تصح بالعروض، ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد.
وأما كونه يشترط أن يكون النقد مضروبًا دراهم أو دنانير؛ فلأنها قيم المتلفات وأثمان البياعات. ولم يزل الناس يشتركون عليها من لدن النبي ﷺ إلى
_________________
(١) فى أ: يشارك.
[ ٦ / ٨ ]
زمننا من غير نكير.
وغير المضروب كالعروض.
وقيل: تصح بالنقرة التي لم تضرب، وبالفلوس إذا كانت نافقة.
وأما كونه يعتبر إحضار مال الشركة عند العقد؛ فلتقرير العمل وتحقيق الشركة إذًا كمضاربة نص عليه.
وأما كونه يشترط أن يكون معلومًا؛ فلأنه لا بد من الرجوع ب رأس المال عند المفاصلة، ولا يمكن ذلك مع جهله.
وأما كونها تصح على المغشوش قليلًا؛ فلأن ذلك لا يمكن التحرز منه.
وأما كونها تصح على الجنسين في المنصوص، كما لو أحضر أحدهما دراهم والآخر دنانير؛ فلأنه عند المفاصلة يمكن كل واحد منهما (^١) الرجوع بجنس ماله؛ كما لو كان الجنس واحدًا.
قال الإمام أحمد: يرجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه. وقال: كذا يقول محمد والحسن.
وإنما يَشترط كونها من جنس واحد من يقول بأن الخلط شرط. وهو لا يمكن
إلا في الجنس الواحد، ونحن لا نقول به.
واما كونها تصح مع عدم تساوي المالين منهما؛ فلأنه قول الجمهور من العلماء، منهم إمامنا والشافعى ومالك وأبو حنيفة وأصحابه.
لكن يشترط مالك والشافعي: أن يكون الربح بينهما على قدر ماليهما.
وأما كونها تصح على النقد المضروب الشائع بين الشركاء؛ فلأن مبناها إنما
هو على الوكالة والأمانة، وذلك يجري على الشائع كما يجري على غيره. (ليعمل فيه) أي: في جميع المال (كل) ممن له فيه شيء (على أن له) أي: لكل من يعمل (من الربح) الحاصل بالعمل (بنسبة ما لَه) من المال:
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ٦ / ٩ ]
فمن له فيه النصف له نصف الربح، ومن له فيه الثلث له ثلث الربح، ومن له فيه السدس له سدس الربح.
(أو) على أن لكل منهم (جزءًا مشاعًا معلومًا) من الربح ولو متفاضلًا؛ لتفاوتهم في قوة الحذق؛ كأن يُجعل لرب السدس نصف الربح، ولرب النصف ثلث الربح، ولرب الثلث سدس الربح.
(أو يقال): على أن الربح (بيننا. فيستوون فيه) فيكون لكل منهم ثلثه؛
لأن إضافته إليهم إضافة واحدة من غير ترجيح. فاقتضت تسويتهم فيه؛ كقول جماعة: هذه الدار بيننا.
فهذه ثلاث صور في كيفية اشتراط الربح، كلها صحيحة. مع تعاقدهم على
أن يعمل كلهم في المال. فيصح أن يتعاقدوا على أن يعمل الكل كما تقدم.
(أو) يعمل (البعض) منهم كواحد أو اثنين، (على أن يكون له) أي: للعامل (أكثر من ربح ماله)؛ كما لو تعاقدوا على أن يعمل في المال رب السدس ويكون الربح بينهم أثلاثًا، أو رب الثلث ويكون نصف الربح له والنصف الآخر لرب النصف ثلاثة أرباعه ولرب السدس ربعه، أو رب الثلث والسدس على أن يكون لهما ثلاثة أرباع الربح وربعه لرب النصف أو نحو ذلك.
(وتكون) الشركة فيما إذا تعاقدوا على أن يعمل بعضهم على هذا الحكم (عنانًا ومضاربة)؛ لأن ما يأخذه العامل زيادة على ربح ماله حكمه فيه كالمضارب.
(ولا تصح) الشركة إن تعاقدوا على أن يكون له من الربح (بقدره) أي:
قدر ماله؛ (لأنه إبضاع) لا شركة.
والإبضاع: هو دفع الإنسان ماله لمن يعمل فيه بغير عوض.
(ولا بدونه) اي: إن تعاقدوا على أن يعمل أحدهم في جميع المال ويكون
له من الربح دون قدر ما يقابل ماله: لم يصح؛ لأن من لم يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه.
[ ٦ / ١٠ ]
وفيه مخالفة لموضوع الشركة.
ولأنه قد شرط عليه لغيره العمل وبعض ربح نفسه. وفيه وجه.
(وتنعقد) الشركة (بما يدل على الرضا) من قول أو فعل بتصرف كلًَ في جميع المال وائتمانه عليه.
(ويُغني لفظ: الشركة) على الأصح من الروايتين (عن إذن صريح بالتصرف).
قال في " الفصول ": وهو المعوَل (^١) عليه عند أصحابنا. نقله عنه في
" الفروع " واقتصر عليه.
(ويَنْفُذ) التصرف في جميع المال (من كلٍّ) من الشريكين (بحكم الملك: في نصيبه، و) بحكم (الوكالة: في نصيب شريكه)؛ لما تقدم من أنها مبنية على الوكالة والأمانه.
(ولا يُشترط) لصحة الشركة (خَلْطٌ) لمالها، ولا أن تكون أيدي الشريكين عليه؛ لأنها عقد على التصرف. فلم يكن من شرطه شيء من ذلك؛ كالوكالة. و(لأن مورد العقد العمل، وبإعلام الربح يعلم، والربح نتيجته) اي: نتيجة العمل، (والمال تبع).
فإن قيل: إذا لم يخلطا فزاد أحد المالين كان ما زاد (^٢) لربه دون صاحبه. وكذا إن تلف كان من ضمان ربه دون صاحبه.
فالجواب: أن من موجب الشركة: أن يتعلق بالشريكين الربح والضمان.
سواء خلطا المالين أو لا. ولهذا قلنا:
(فما تلف قبل خلط فمن الجميع) أي: فمن ضمان جميع الشركاء؛ كنمائه
قبل الخلط (لصحة قسم) للمال (بـ) مجرد (لفظ؛ كخرص ثمر) فكذا
_________________
(١) في أوب: المعمول.
(٢) في أوب: زاده.
[ ٦ / ١١ ]
الشركة. احتج به أحمد، قاله الشيخ تقي الدين.
وعنه: من ربه.
(ولا تصح) الشركة (إن لم يذكر الربح) في العقد كالمضاربة؛ لأنه المقصود منها. فلا يجوز الإخلال به.
(أو شرط لبعضهم) أي: الشركاء (جزء مجهول)؛ كثلث الربح إلا عشرة
د راهم.
أو مثل ما شرط لفلان مع جهل ذلك؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب.
ولأن الربح مقصود بالعقد. فلا يصح مع الجهالة؛ كالثمن والأجرة.
(أو دراهم معلومة)؛ كألف ومائة وعشرة؛ لأن المال قد لا يربح إلا المسمى فيختص به من سمي له. وهذا مخالف لموضوع الشركة.
(أو) يشرط لبعضهم (ربح عين معينة)؛ كربح هذا الثوب. (أو) ربح
عين (مجهولة)؛ كربح أحد هذين الثوبين.
ومثل ذلك في الحكم لو شرط لبعضهم ربح إحدى السفرتين أو ما يربح المال
في يوم أو شهر أو عام بعينه؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره فيختص به من شرط له. فلا يصح؛ لمخالفته لموضوع الشركة.
(وكذا) أي: وكالشركة في هذا الحكم (مساقاة ومزارعة) فيما إذا شرط للعامل ثمرة شجرة معينة أو زرع قطعة معينة أو نحو ذلك فإنها لا تصح.
(وما يشتريه البعض) من الشركاء (بعد عقدها) أي: الشركة من مالها: (فـ) يكون الملك فيه (للجميع) أي: جميع الشركاء؛ لأن كلًا منهم وكيل الباقين وأمينهم.
(وما أبرأ) بعضهم (من مالها، أو أقر به قبل الفرقة من دين أو عين: فمن نصيبه)؛ لأن شركاءه إنما أذنوا له (^١) في التجارة، وليس الإقرار داخلًا فيها.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ١٢ ]
وقيل: يكون على الجميع.
(وإن أقر بمتعلق بها) اي: بالشركة؛ كما لو أقر بعيب في عين باعها من مالها، أو بأجرة المنادي، أو الحمال، أو أشباه هذا: (فمن) نصيب (الجميع)؛ لأن هذا من توابع التجارة (^١) .
(والوضيعة (^٢) بقدر مال كلً) من الشركاء؛ لأنها عبارة عن نقصان رأس المال وهو مختص بالقدر فيكون النقص منه دون غيره، سواء (^٣) كانت الوضيعة (^٤) لتلف أو نقصان في الثمن أو غير ذلك.
ومقتضى هذا اختصاصها برب المال في المضاربة.
(ومن قال) من الشريكين: (عزلت شريكي: صح تصرف المعزول في
قدر نصيبه) من المال فقط.
ويصح تصرف العازل في جميع المال؛ لأن المعزول لم يرجع عن إذنه.
(ولو قال) أحدهما: (فسخت الشركة: انعزلًا). فلا يصح تصرف واحد منهما إلا في قدر نصيبه من المال؛ لأن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه، وعزل صاحبه من التصرف في مال نفسه.
وعنه: إن كان المال عرضًا لم ينعزل كل منهما حتى ينض؛ كالمضارب إذا عزله رب المال.
وردّ: بأن الشركة وكالة والربح يدخل ضمنًا، وحق المضارب أصلي.
وهل كل منهما أجير مع صاحبه؟ فال في " الفروع. ": فيه خلاف.
(ويقبل قول رب اليد) أي: واضع اليد منهما على شيء: (إن ما بيده له)
_________________
(١) في أوب: التجار.
(٢) في أوب: التجار.
(٣) في أوب: وسواء.
(٤) في أ: الوضعية.
[ ٦ / ١٣ ]
خاصة، (وقول منكر للقسمة) فيما إذا ادعاها عليه صاحبه في عدمها؛ لأن الأصل معه في المسألتين.
(ولا تصح) شركة (ولا مضاربة بنُقْرة) وهي الفضة: (التي لم تُضرب،
ولا بمغشوشة) غشًا (كثيرًا، و) لا بـ (فلوس، ولو) كانت المغشوشة والفلوس (نافقتين).
وتقدم الكلام على ذلك (^١) .
****
_________________
(١) ص: ٨
[ ٦ / ١٤ ]
(فصل): فيما يملك الشريك فعله
وما لا يملكه، وفيما عليه من العمل وغير ذلك.
(ولكل) من الشريكين أو الشركاء (أن يبيع) مال الشركة (ويشتري) به مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة وكيف رأى المصلحة؛ لأن هذا عادة التجار. (ويأخذ) ثمنًا ومثمنًا، (ويعطي) ثمنًا ومثمنًا، (ويطالب) بالدين، (ويخاصم) فيه؛ لأن من ملك قبض شيء ملك المطالبة به والمخاصمة فيه.
بدليل ما لو وكله في قبض دينه.
(ويحيل ويحتال)؛ لأنهما عقدا معاوضة وهو يملكها.
(ويرد) ما ولي شراءه هو أو شريكه (بعيب للحظ ولو رضي شريكه) به؛
كما لو رضي أحدهما بإهمال المال بلا عامل؛ لأن لشريكه إجباره عليه لأجل الربح ما لم يفسخ الشركة.
(و) أن (يقر به) أي: بالعيب فيما باعه من مالها؛ لأن ذلك من متعلقاتها.
وإعطاء أرشه.
(و) أن (يقايل) فيما باعه أو اشتراه؛ لأن الحظ قد يكون فيها.
(و) أن (يؤجر ويستأجر) من مالها؛ لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان. فكانت كالشراء والبيع.
وأن يقبض أجرة المؤجر ويدفع أجرة المستأجر.
(و) أن (يبيع نَساء) ويشتري معيبًا. بخلاف وكيل فيهما؛ لأن المقصود
من الشركة الربح. بخلاف الوكاله.
وأن يشتري نساء بنقد عنده مثله، أو نقد من غير جنسه، [أو بمثليٍّ عنده من جنسه] (^١)؛ لأنه إذا اشترى بجنس ما عنده فهو يؤدي مما في يده. فلا يفضي إلى
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ١٥ ]
الزيادة في الشركة.
وإن لم يكن في يده نقد، ولا مثليّ من جنس ما اشترى به، أو كان عنده عرض واستدان عرضًا: فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه؛ لأنه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك إلا بإذن كما سيأتي (^١) .
قال في " المغني ": والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز؛ لأنه أمكنه أداء الثمن من (^٢) مال الشركة. فأشبه ما لو كان عنده نقد.
ولأن هذا عادة التجار، ولا يمكن التحرز منه.
(و) لكل أن (يفعل كل ما فيه حظ) للشركة؛ (كحبس غريم، ولو أبى) الشريك (الآخر) حبسه. وفيه رواية.
(و) أن (يودع) مال الشركة (لحاجة) إلى الإيداع؛ لأنه عادة التجار.
وفيه وجه.
(و) لكل أن (يرهن) من مال الشركة، (ويرتهن) بأن يأخذ رهنًا عليه (عندها) أي: عند الحاجة؛ لأن الرهن يراد للإيفاء، والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملكهما. فكذا ما يراد لهما. وفيهما وجه.
(و) أن (يسافر) بالمال (مع أمن).
قال القاضي: قياس المذهب جوازه.
والمراد مع الإطلاق؛ لأن الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة، وعادة التجار جارية بالتجارة سفرًا وحضرًا. وفيه وجه.
وفُهم من كلام المتن: أنه إن لم يكن هناك أمن أنه ليس له السفر. وهو كذلك. فإن سافر فهو ضامن لما يتلف؛ لأنه متعد بفعل ما ليس له فعله.
_________________
(١) ص (١٨).
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ١٦ ]
(ومتى لم يعلم) شريك سافر بمال الشركة (أو ولي يتيم) سافر بمال اليتيم
إلى محل مَخوف (خوفه.
أو) باع الشريك مال الشركة أو ولي اليتيم لمفلس ولم يعلما (فلس مشتر) فضاع المال: (لم يضمن) واحد منهما ما تلف بسبب ذلك. ذكره أبو يعلى الصغير.
قال في " الفروع ": ويتوجه الخلاف.
ولعل وجه عدم الضمان: أن هذا يعسر التحرز منه.
(بخلاف شرائه خمرًا جاهلًا) فإنه يضمن. نقله ابن منصور.
(وإن علم) شريك (عقوبة سلطان ببلد، بأخذ مال. فسافر فأخذه) أي:
أخذ السلطان مال الشركة: (ضمن) ما أخذ لتعريضه (^١) للأخذ. ذكره في
" النوادر" واقتصر عليه في " الفروع ".
(لا أن يكاتِب) شريك (قنًا) من مال الشركة، (أو يزوجه أو يعتقه) مجانًا
أو (بمال)؛ لأن هذا ليس من التجارة المقصودة بالشركة.
وقيل: له ذلك.
قال في " الإنصاف ": قلت: حيث كان في عتقه بمال مصلحة جاز.
(ولا) له (أن يهب) من مال الشركة.
ونقل حنبل: يتبرع ببعض الثمن لمصلحة.
(أو يقرض) منه، وظاهره ولو برهن.
(أو يحابي) في بيع أو شراء؛ لأن في هذا منافاة للمقصود بالشركة وهو طلب الربح.
(أو يضارب أو يشارك بالمال)؛ لأن ذلك يثبت في المال حقوقًا ويستحق ربحه لغيره وليس ذلك له.
_________________
(١) في أ: لتعرضه.
[ ٦ / ١٧ ]
(أو يخلطه) أي: مال الشركة (بغيره). سواء كان ما خلطه به للشريك أو لأجنبي؛ لأنه يتضمن (^١) إيجاب حقوق في المال وليس (^٢) من التجارة المأذون
فيها.
(أو يأخذ به) أي: بمال الشركة (سُفْتَجة) وذلك: (بأن يدفع من مالها)
شيئًا (إلى إنسان، ويأخذ منه) أي: من ذلك الإنسان (كتابا إلى وكيله ببلد آخر؛ ليستوفي منه) ما كتب له به موكِّله.
(أو يعطيها) أي: السفتجة: (بأن يشتري) الشريك (عرضًا) من إنسان، (ويعطي بثمنه كتابًا إلى وكيله) أي: وكيل المشتري (ببلد آخر؛ ليستوفي منه) ثمن ما اشتراه الشريك؛ لأن في ذلك خطرًا لم يؤذن فيه.
(ولا) للشريك (أن يُبْضِعَ) من مال الشركة، (وهو: أن يدفع من مالها)
شيئًا (إلى من يتجر فيه، ويكون الربح كله للدافع وشريكه)؛ لما فيه من الغرر. وفيه وجه؛ لأنه عادة التجار.
(ولا أن يستدين عليها) أي: على الشركة: (بأن يشتري بأكثر من المال،
أو بثمن ليس معه من جنسه إلا في النقدين)، بأن يشتري بذهب ومعه فضه، أو بفضة ومعه ذهب؛ لأنه يُدخل فيها أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة (^٣) فيه. أشبه ما لو ضم إليها (^٤) شيئًا من ماله.
(إلا بإذن) من شريكه. فإذا أذن له كان له أن يفعل ما منع منه (في الكل)
أي: في كل المسائل المتقدمة.
(ولو قيل: اعمل برأيك ورأي مصلحة: جاز الكل)؛ لوجود ما يدل على
إذن صاحبه.
_________________
(١) في أ: يضمن.
(٢) في أ: يضمن.
(٣) في أ: بالشركة.
(٤) في أ: بالشركة.
[ ٦ / ١٨ ]
(وما استدان بدون إذن) بأن اقترض شيئًا واشترى به بضاعة وضمها إلى مال الشركة، أو اشترى شيئًا نسيئة بثمن ليس من النقدين: (فعليه) أي: فالمطالبة بما استدانه بغير إذن على المستدين وحده، (وربحه له) وحده؛ لكونه لم يقع
للشركة.
وقال القاضي: إذا استقرض أحدهما شيئًا: لزمهما، وربحه لهما؛ لأنه تمليك مال بمال. أشبه الصرف.
ورد: بالفرق. فإن الصرف بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب.
(وإن أخر حقََّه) أحدُهما (من دين: جاز)؛ لأنه يصح أن ينفرد بإسقاط
حقه من المطالبة؛ كالإبراء.
وقيل: وله تأخير حق شريكه.
ويضمنه إن تلف أو مات المدين.
(و) على المذهب: (له) أي: لمن أخر حقه من الدين (مشاركة شريكه) الذي لم يؤخر (فيما يقبضه) من المدين (مما لم يؤخر) بحصته منه. (وإن تقاسما دينا في ذمة) إنسان (أو أكثر: لم يصح). نص عليه في رواية حنبل؛ لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل. والقسمة تقتضيهما؛ لأنها بغير تعديل بمنزلة البيع، ولا يجوز بيع الدين.
فعلى هذا لو تقاسما ثم هلك بعض الدين رجع الذي هلك ماله على الآخر. وعنه: يصح إذا كان بذمتين فأكثر. نقلها حرب.
(وعلى كل) من الشركاء (تولي) أي: أن يتولى كل (ما جرت عادة بتوليه) إياه: (من نشر ثوب، وطيِّه، وختم، وإحراز) لمالها، وقبض نقده؛ لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف. وهو يقتضي أن مثل هذه الأمور يتولاها بنفسه.
(فإن فعله) أي: فعل ما عليه توليه بنائب (بأجرة: فعليه) أجرته من
[ ٦ / ١٩ ]
ماله؟ لأنه بذلها عوضًا عما يلزمه.
(وما جرت) العادة (بأن يستنيب فيه)؛ كالنداء على المتاع: (فله أن يستأجر) من مال الشركة إنسانًا غيره (حتى شريكه لفعله، إذا كان) الفعل (مما لا يستحق أجرته إلا بعمل)، وذلك (كنقل طعام، ونحوه)؛ ككيله. نقل هذا الأكثر.
كما يصح أن يستأ جر غرائره لينقله فيها، أو داره ليحرزه فيها نصًا.
وعنه: لا؛ لعدم إمكان إيقاع العمل فيما له فيه جزء غير متميز.
فعلى هذا لا يستحق بفعله أجرة.
(وليس له) أي: لأحد الشريكين (فعله) أي: فعل ما جرت العادة بعدم توليه بنفسه (ليأخذ أجرته) من غير استئجار صاحبه له؛ لأنه قد تبرع بما لا يلزمه. فلم يستحق شيئًا؛ كالمرأة التي تستحق خادمًا إذا خدمت نفسها. وفيه وجه.
ويحرم على شريك في زرع فرك شيء من سنبله يأكله بلا إذن شريكه.
قال في " الفروع ": ويتوجه عكسه.
(وبذل) أحدهما أو هما (خِفَارة وعُشْر على) قدر (المال). وإن كان الباذل عاملًا احتسبها على رب المال.
قال أحمد: ما أنفق على المال فعلى المال.
(وكذا) ما (^١) يبذل (لمحارب ونحوه). قاله الشيخ تقي الدين.
***
_________________
(١) في أ: لما.
[ ٦ / ٢٠ ]
(فصل): في أحكام الشروط في الشركة
وحكمها إذا فسدت أو تعدى فيها.
(والاشتراط فيها نوعان):
نوع (صحيح)؛ وذلك (كأن) يشترط أحدهما على الآخر: أن (لا يتجر
إلا في نوع كذا)، ويعينه؛ كثياب الكتان، أو القطن، أو الصوف. سواء كان مما يعم وجوده في ذلك البلد أو لا.
وفيما لا يعم وجوده وجه.
(أو) يشترط: أن لا يتجر إلا فى (بلد بعينه)؛ كمكة.
(أو لا يبيع إلا بنقد كذا) ويعينه؛ كبدراهم أو بدنانير صفته كذا.
(أو) لا يشتري أو يبيع إلا (من فلان، أو لا يسافر بالمال)؛ لأن الشركة تصرف بإذن. فصح تخصيصها بالنوع والبلد والنقد والشخص؛ كالوكالة.
(و) نوع (فاسد. وهو قسمان):
قسم منهما (مفسد لها) أي: الشركة، أي: يفسدها اشتراطه. (وهو:
ما يعود بجهالة الربح)؛ بأن يشترطا لزيد الذي هو أجنبي من الشركة درهمًا من الربح والباقي لهما.
أو يشترط لأحدهما ربح ما يشتري من رقيق، وللآخر ربح ما يشتري من ثياب.
أو لهذا ربح هذا الكيس، ولهذا ربح الكيس الآخر.
أو لهذا ما يربح المال شهرًا، ولهذا ما يربح شهرًا آخر.
ولهذا ما يربح المال في هذه السفرة، ولهذا ما يبرح في السفرة الأخرى.
أو لهذا عشرة دراهم من الربح وباقيه للآخر. فتفسد الشركة والمضاربة
[ ٦ / ٢١ ]
باشتراط ما مثلنا ونحوه، لأنه يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته. ومن شرط الشركة والمضاربة: [كون الربح] (^١) معلومًا.
ولأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه. فأفسد العقد؛ كما لو جعل
رأس المال خمرًا أو خنزيرًا.
ولأن (^٢) الجهالة تمنع من التسليم فتفضي إلى التنازع والاختلاف، ولا يعلم
ما يدفعه المضارب.
(و) القسم الثانى من الشروط الفاسدة: (غير مفسد) للعقد. نص عليه
في رواية الأثرم وغيره.
وذلك (كـ) أن يشترط أحدهما على العامل في المال (ضمان المال) إن
تلف بلا تفريط ولا تعد.
(أو أن عليه) أي: على أحدهما (من الوضيعة أكثر من قدر ماله).
أو يشترط على المضارب المضاربة في مال آخر.
أو يأخذه بضاعه أو قرضًا.
أوأن يخدمه في شيء بعينه.
أو أنه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن.
(أو أن يوليه ما يختار من السلع) التي يشتريها.
(أو) أن (يرتفق بها) مثل: أن يلبس الثوب، أو يستخدم العبد ويركب
الدابه.
(أو) يشترطا ما ينافي مقتضى العقد؛ نحو: أن (لا يفسخ الشركة مدة كذا).
أو يشترطا لزومها أبدًا.
أو أن لا يبيع إلا ب رأس المال أو أقل أو ممن اشترى منه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: ولا.
[ ٦ / ٢٢ ]
أو أن لا يبيع فيها ولا يشتري. ونحو ذلك.
ووجه فساد هذه الشروط؛ لأنها تفوت المقصود من عقد الشركة، أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل.
ووجه صحة العقد معها: أن كلاًّ من عقدي الشركة والمضاربة يصح على مجهول. فلم تبطله الشروط الفاسدة، كالنكاح والعتاق والطلاق.
وذكر القاضي وأبو الخطاب رواية بفساد العقد بها.
(وإذا فسدت) الشركة بسبب جهالة الربح أو غير ذلك (قسم ربح شركة عِنان، و) ربح شركة (وجوه على قدر المالين)؛ لأن الربح استحق بالمالين. فقسم على قدرهما، كما لو كان العمل من غير الشريكين.
(و) قسم (أجر ما تقبَّلاه) أي: الشريكان من عمل (في شركة أبدان بالسويَّه) عليهما؛ لأن الربح استحق بالعمل فقسم عليهما.
(ووزِّعت) أي: وقسمت (وضيعةٌ على قدر مال كلٍّ) من الشريكين أو الشركاء.
(ورجع كل من شريكين في) شركة (عِنان، و) شركة (وجوه، و) شركة (أبدان بأجرة نصف عمله)؛ لأنه عَمِل في نصيب شريكه بعقد يبتغي به الفضل في ثانى الحال. فوجب أن يقابل العمل فيه عوض؛ كالمضاربة.
وكيفية ذلك: أن يقال بالنظر لأحدهما كم يساوي عمله؟ فيقال: عشرة مثلًا فيرجع بخمسة. ويقال عن الآخر: كم يساوي عمله؟ فيقال: عشرون فيرجع بعشرة، ويقاص منها بالخمسة التي استحقها على شريكه يبقى عليه خمسة. وقيل: لا يتراجعان (^١)؛ لأنهما عملا لأنفسهما. فلا يرجع واحد منهما على الآخر بما لم يعمل له.
وعنه: إن فسد العقد لجهالة الربح فالحكم كما تقدم، وإن فسد لغير ذلك
_________________
(١) في أ: يراجعان.
[ ٦ / ٢٣ ]
ككون مال الشركة عروضًا (^١) أو نحو ذلك وجب لمن سمي له جزء من الربح: المسمى؛ لأنه عقد يصح مع الجهالة. فيثبت المسمى في فاسده؛ كالنكاح.
ورد: بأن الأصل: كون ربح كل مال لمالكه؛ لأنه نماؤه. وإنما ترك ذلك بالعقد الصحيح. فإذا لم يكن صحيحًا بقي الحكم على مقتضى الأصل؛ كما أن البيع إذا كان فاسدًا لم ينتقل (^٢) ملك (^٣) واحد من المتبايعين عن ماله.
(و) على المذهب: يرجع كل (من) شركاء (ثلاثة بأجرة ثلثي عمله)
ومن أربعة بثلاثة أرباع عمله. ويكون ذلك كما تقدم في الشريكين.
(ومن تعدَّى) من الشريكين أو الشركاء بمخالفة أو إتلاف: (ضمن) أي:
صار ضامنًا للمال بعد أن كان في يده أمانة؛ لأنه تصرف في مال (^٤) غيره بما لم يأذن فيه. فلزمه ضمانه؛ كالغاصب.
(و) متى اشترى ما لم يؤذن له في شرائه فربح: فـ (ربح مال لربه). نص عليه.
وبه قال أبو قلابة ونافع.
وعنه: يتصدقان بالربح.
قال القاضي: هذا على سبيل الورع (^٥) . وهو لرب المال في القضاء.
وقيل: إن اشترى في الذمة ثم نقد المال فالربح لربه، وإن اشترى بعين المال فعنه: أنه باطل. وعنه: أنه موقوف: إن أجازه المالك صح، وإلا بطل. ووجه المذهب: أنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه. فكان لمالكه؛ كما لو غصب حنطة وزرعها.
_________________
(١) في أ: عوضًا.
(٢) في أوب: ينقل.
(٣) في ب: مال.
(٤) في ج: ملك.
(٥) في ب: التورع.
[ ٦ / ٢٤ ]
وسيأتى. الكلام على ما يستحقه العامل فيما اذا فسدت المضاربة (^١) .
(وعقدٌ) مبتدأ موصوف بأنه (فاسد في كلٍّ: أمانةٌ وتبرع؛ كمضاربة
وشركة ووكالة ووديعة ورهن وهبة وصدقة، ونحوها)؛ كوقف: (كـ) عقد (صحيح) خبر المبتدأ (في ضمان وعدمه).
قال في " القواعد ": فأما قول أصحابنا فيمن عجّل زكاته ثم تلف المال وقلنا
له الرجوع به: أنه إذا تلف ضمنه القابض فليس من القبض الفاسد بشيء؛ لأنه وقع صحيحًا لكنه مراعى. فإن بقي النصاب تبينا أنه قبض زكاة، وإن تلف تبينا
أنه لم يكن زكاة فيرجع بها. نعم إذا ظهر قابض الزكاة ممن لا يجوز له أخذها فإنه يضمنها لكون القبض لم يملك به وهو مفرط بقبض ما لا يجوز له قبضه. فهذا من القبض الباطل لا الفاسد. انتهى.
(وكل) عقد (لازم يجب الضمان في صحيحه يجب في فاسده؛ كبيع،
وإجارة، ونكاح، ونحوها)؛ كقرض.
ومعنى ذلك: أن العقد الصحيح إذا لم يكن موجبًا للضمان فالفاسد من
جنسه كذلك، وإن كان موجبًا له مع الصحة فكذلك مع الفساد.
قال في " القواعد ": وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في العقد الصحيح
ضمن في مثلها في الفاسد. فإن البيع الصحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة وإنما يضمن العين بالثمن، والمقبوض بالبيع الفاسد يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب، والإجارة الصحيحة يجب فيها الأجرة بتسلم العين المعقود عليها. سواء انتفع بها المستأجر أولم ينتفع.
وفي الإجارة الفاسدة روايتان:
إحداهما: كذلك.
والثانية: لا تجب الأجرة إلا بالانتفاع.
_________________
(١) ص (٢٨).
[ ٦ / ٢٥ ]
ولعلها راجعة إلى أن المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه إلا بالانتفاع. وهو الأشبه.
وكذلك يخرج في ضمان منفعة المبيع هاهنا.
ولكن نقل جماعة عن أحمد ما يدل على أن الإجارة الصحيحة لا تجب فيها الأجرة إلا بقدر الانتفاع إذا ترك المستأجر بقية الانتفاع بعذر من جهته. وتأولها القاضي وابن عقيل، وأقرها صاحب " شرح الهداية " والقاضي أيضًا في بعض "تعاليقه".
والنكاح الصحيح يستقر فيه المهر بالخلوة بدون الوطء.
وفي النكاح الفاسد روايتان أيضًا.
وقد قيل: إن ذلك مبني على أن البضع هل تثبت عليه اليد أو لا؟
وقد نقل عن أحمد: فيما إذا نكح العبد نكاحًا فاسدًا: أنه لا مهر لها. وهو محمول على أنه لم يوجد دخول، أو على أنهما كانا عالمين بالتحريم فتكون زانية. انتهى.
***
[ ٦ / ٢٦ ]
[فصل: في المضاربة]
(فصل). الضرب (الثاني) من الأضرب الخمسة: (المضاربة). وهذه تسمية أهل العراق. مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة، أو من ضرب كل منهما بسهم من الربح.
وأهل الحجاز يسمونها: قراضًا. مأخوذ من قرض الفأر الثوب إذا قطعه. فكأن رب المال اقتطع للعامل من ماله قطعة وسلمها إليه، واقتطع له قطعة من ربحها. أو من الموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا توازنا.
وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها، وحكي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام، ولم يعرف لهم مخالف.
ولأن بالناس حاجة إليها فإن النقدين لا تنمى إلا بالتجارة، وليس كل مالك لهما يحسنها، ولا كل من يحسن التجارة له مال. فاحتيج إليها من الجانبين. فشرعت؛ لدفع الحاجتين.
(وهي) شرعًا: (دفع مال أو ما في معناه) أي: معنى الدفع؛ كما لو قال: ضارب بمالي تحت يدك على سبيل الوديعة أو الغصب فإنها تنعقد، ويكون هذا القول في معنى الدفع.
(معينٍ) أي: المال. فلا يصح أن يقول: ضارب بما في أحد هذين الكيسين. سواء تساوى ما فيهما أو اختلف، وسواء علما ما فيهما أو جهلاه؛ لأنها عقد تمنع صحته الجهالة. فلم تجز على غير معين؛ كالبيع.
(معلوم قدره). فلا يصح أن يقول: ضارب بهذه الصٌّبْرة الدنانير أو الدراهم؛ لأنه لا بد من الرجوع إلى رأس المال عند المفاصلة؛ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل.
(لمن) متعلق بدفع أي: دفع مال لمن (يتجر فيه) أي: المال (بجزء)
[ ٦ / ٢٧ ]
متعلق بيتجر (معلوم من ربحه) أي: المال؛ كخمسه أو سدسه أو سبعه أو ثمنه أو تسعه. (له) أي: للمتجر، (أو لقنه)؛ لأنه إذا كان مشروطًا لقنه فكأنه لسيده. فلو جعلاه بينهما وبين عبدهما أثلاثًا كان لصاحب العبد منهما الثلثان وللآخر الثلث، وإن كان مشتركًا بينهما نصفين فكما لو لم يذكر، وإن تفاضلا فيه كان الثلث الثالث بينهما على قدرملكيهما فيه.
(أو لأجنبي)؛ كما لو قال: خذه فاتجر به وما ربح فلك ولزيد ثلثه: فيصح ذلك (مع) شرط (عمل منه) أي: من زيد. ويكون المدفوع له وزيد عاملين في المال.
فإن لم يشترطا عملا من زيد لم تصح المضاربة؛ لأنه شرط فاسد يعود إلى الربح: ففسد به العقد؛ كما لو شرط للعامل دراهم.
وإن قال: لك الثلثان على أن تعطي امرأتك نصفه: فكذلك؛ لأنه شرط في الربح شرطًا لا يلزم فكان فاسدًا.
(وتسمى) هذه الشركة (قِراضًا)، وتقدم ذلك. (و) تسمى أيضًا (معاملة) أخذًا من العمل.
(وهي أمانة ووكالة)؛ لأنها بدفع المال أمانة، وبالإذن في بيع وشراء وكالة.
(فإن ربح) المال بالعمل (فشركة) أيضًا؛ لأنهما يصيران شريكين في ربح المال.
(وإن فسدت) المضاربة (فإجارة) أي: تصير كالإجارة الفاسدة؛ لأن العامل يستحق بعمله في المال أجرة مثله، ويكون الربح كله لربه.
(وإن تعدى) العامل في المال بأن فعل فيه ما ليس له فعله (فغاصب) أي:
يصير حكمه حكم الغاصب (^١) .
(ولا يعتبر) لصحة المضاربة (قبض) العامل لـ (رأس المال، ولا القول)
_________________
(١) فى أوب: الغصب.
[ ٦ / ٢٨ ]
منه بأن يقول: قبلت. فلو أحضر رب المال المال وقال له: اتجر به ولك ثلث ربحه مثلًا، واشترى به العامل عرضًا في المجلس قبل قبضه وقولِه قبلت: صحت المضاربة والشراء.
ولأجل هذا قلت: (فتكفي مباشرته).
وقيل: يعتبر نطقه. فلا يصح تصرفه حتى يقبل باللفظ.
(وتصح) المضاربة (من مريض) مرض الموت؛ لأنها عقد يبتغى به الفضل. أشبه البيع والشراء.
(ولو سمى) فيها (لعامله أكثر من أجر مثله)؛ كما لو سمى له تسعة أعشار الربح فإنه يستحقه.
(ويقدم به على الغرماء)؛ لأن ذلك غير مستحق من مال رب المال، وإنما حصل بعمل المضارب في المال. فما يوجد من الربح المشروط يحدث على ملك العامل. بخلاف ما لو حابى الآجر في (^١) الأجر فإنه يحتسب بما حاباه من ثلثه؛ لأن الآجر يأخذ من ماله.
ولو ساقى أو زارع في مرض موته بمحاباة اعتبرت من ثلثه؛ لأن الثمرة زيادة
في ملكه خارجة من عينه. بخلاف الربح في المضاربة فإنه لا يخرج من عين المال وإنما يحصل بالعمل.
وقيل: إنهما كالعامل في المضاربة.
وإن دفع مالًا ربُّه إلى آخر، (و) قال: (اتجر به وكلُّ ربحه لي): فذلك (إبضاع)؛ لأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف إليه.
(لا حق للعامل فيه) أي: في الربح؛ لأنه ليس بمضاربة.
فإن قال مع ذلك: وعليك ضمانه: لم يضمنه؛ لأن العقد يقتضي كونه أمانة
فلا يزول ذلك بشرطه.
(و) إن كان قال رب المال: اتجر به (وكلُّه) أي: الربح (لك): فالعقد
_________________
(١) في ب: من.
[ ٦ / ٢٩ ]
(قرض) لا قِراض، لأن قوله: خذه فاتجر به يصلح لهما، وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه.
فإن قال مع ذلك: ولا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفي الضمان. فلا ينتفي بشرطه؛ كما لو صرح به.
(لا حق لربه) أي: الدافع له (فيه) أي: في الربح، لانتقال الملك عنه
في المال المدفوع.
(و) إن قال: اتجر به والربح (بيننا): صح مضاربة، و(يستويان فيه)؛
لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، ولم يترجح به أحدهما فاقتضى التسويه.
(و) إن قال: (خذه مضاربة ولك) ربحه، (أو) خذه مضاربة (ولي ربحه: لم يصح)، ويكون مضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة الصحيحة تقتضي كون الربح بينهما. فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد. ففسد؛ كما لو شرط الربح كله في شركة العِنان لأحدهما. ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة؛ لأن اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الإبضاع والقرض. بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة.
وإن قال: اتجر به (ولي) ثلثه، (أو) اتجر به (ولك ثلثه: يصح) مضاربة، (وباقيه) أي: الربح (للآخر) الذي لم يسم (^١) له شيء؛ لأن الربح لهما لا يستحقه غيرهما. فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر من مفهوم اللفظ؛ كما علم ذلك من قول الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ولم يذكر نصيب الأب فيكون الباقي له.
ولأنه لو قال: أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو، ونصيب زيد منها ثلاثون: كان الباقي لعمرو. فكذا هاهنا.
وفيما إذا قال: ولي ثلث الربح وجه بعدم الصحة.
وإن قال: اتجر به ولي نصف ربحه ولك ثلثه وسكت عن السدس: صح
_________________
(١) فى ج: يسمي.
[ ٦ / ٣٠ ]
العقد، وكان السدس المسكوت عنه لرب المال؛ لأنه لو سكت عن جميع الباقي بعد جزء العامل كان لرب المال فكذلك (^١) إذا ذكر بعضه [وترك بعضه] (^٢) .
وإن قال: خذه مضاربة على الثلث أو النصف (^٣)، أو قال بالثلث أو الربع:
صح، وكان تقدير النصف ونحوه للعامل؛ لأن الشرط يراد لأجله. فإن رب المال يستحق بماله لا بالشرط، والعامل يستحق بالعمل، والعمل يكثر ويقل، وإنما يتقدر حصته بالشرط. فكان المشروط له.
(وإن) قال: خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما يبقى أو ربع الربح وربع
ما يبقى، أو (أتى معه بربع عشر الباقي، ونحوه)؛ كخمس عشر الباقي:
(صح). سواء عرف الحساب أو جهلاه؛ لأن ذلك أجزاء معلومة مقدرة. فصح شرطها؛ كما لو شرط له أربعة أخماسه أو خمسة أسداسه.
(وإن اختلفا فيها) أي: في المضاربة، (أو في مساقاة أو مزارعة لمن) الجزء (المشروط: فـ) هو (لعامل) في الثلاث؛ لأن رب المال يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه، والعامل إنما يستحق بالشرط. فيكون الجزء المشروط له. (ومضاربه) في الحكم (فيما لعامل أن يفعل أو لا) يفعله، (وما يلزمه)
فعله، (وفي شروط: كشركه عنان)؛ لاشتراكهما في التصرف بالإذن. فما جاز للشريك فعله جاز للمضارب، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما لزم الشريك فعله لزم المضارب، وما صح من الشروط في شركه العنان صح في المضاربة. (وإن قيل) أي: قال رب المال للعامل: (اعمل برأيك) أي: بما
أراك الله، (وهو) أي: العامل في هذه الصورة (مضارب بالنصف. فدفعه) أي: دفع العامل المال (لآخر) على أن يعمل فيه (بالربع) من ربحه: (عمل به) أي: صح منه هذا الدفع. نص عليه؛ لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه. وفيه وجه.
_________________
(١) في ج: فكذا.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣١ ]
وإن قال: أذنت لك في دفعه مضاربة فدفعه جاز نصًا، ويكون العامل الأول وكيلًا لرب المال في ذلك.
فإذا دفعه إلى آخر ولم يشرط لنفسه شيئا من الربح كان العقد صحيحًا.
وإن شرط شيئًا منه لنفسه لم يصح؛ لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح إنما يستحق بواحد منهما.
(ومَلَك) العامل أيضًا بقول رب المال: اعمل برأيك أو بما أراك الله (الزراعة).
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: فيمن دفع إلى رجل ألفًا وقال: اتجر فيها
بما شئت فزرع زرعًا فربح فيه: فالمضاربة جائزة والربح بينهما.
قال القاضي: ظاهر هذا أن قوله: اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التي يُبتغى بها النماء. وعلى هذا لو نوى المال في المزارعة لم يلزمه ضمانه.
وقيل: لا يملك الزارعة؛ لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة.
(لا التبرع) أي: لا يملك العامل بقول رب المال له: اعمل برأيك أو بما أراك الله التبرع، (ونحوه)؛ كقرض مال المضاربة ومكاتبة رقيقها وعتقه بمال وتزويجه. (إلا بإذن) صريح في ذلك؛ لأن ذلك ليس مما يٌبتغى بالتجارة. ونقل حنبل: يتبرع ببعض الثمن لمصلحة.
(وإن فسدت) المضاربه (فلعامل أجر مثله). نص عليه، (ولو خسر) المال؛ لأنه إن كان قد سمي له شيء فسدت التسمية، لأنها من توابع المضاربة. وإلا فما عمل إلا ليأ خذ عوضًا عن عمله وحيث فاته المسمى وجب رد عمله إليه وذلك متعذر فيجب قيمته وهو أجر مثله؛ كما لو تبايعا بيعًا فاسدًا أو تقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له.
فأما إن رضي المضارب بأن يعمل بغير عوض؛ مثل أن يقول. قارضتك والربح كله لي ودخل على ذلك فلا شيء له؛ لأنه تبرع بعمله. فأشبه ما لو أعانه أو توكل له بغير جُعْل.
[ ٦ / ٣٢ ]
(وإن ربح) المال في المضاربة الفاسدة (فللمالك)؛ لأنه نماء ماله.
(وتصح) المضاربة (مؤقتة) مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة. (وإذا مضى كذا فلا تشتر) شيئًا، (أو فهو قرض. فإذا مضى وهو متاع فلا بأس إذا باعه كان قرضًا). نص عليه.
قال مهنا: سألت أحمد عن رجل أعطى رجلًا ألفًا مضاربة شهرًا، قال: إذا مضى شهر تكون قرضًا؟ قال: لا بأس به. قلت: فإن جاء الشهر وهي متاع؟ قال: إذا باع المتاع يكون قرضًا.
وعنه: لا يصح توقيتها.
ووجه المذهب: أنها تصرفٌ يتقيد بنوع من المتاع. فجاز تقييده بالزمان؛
كالوكالة.
ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في كل وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضًا، وإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد: فصح؛ كما لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئًا.
(و) تصح (معلقة)؛ لأنها إذن في التصرف. فجاز تعليقه على شرط مستقبل؛
كالوكالة.
وذلك (كإذا قدم زيد فضارب بهذا) الدينار، (أو اقبض ديني) من فلان (وضارب به)؛ لأنه وكيل في قبض الدين ومأذون له في التصرف. فجاز جعله مضاربة إذا قبضه؛ كما لو قال: اقبض ألفًا من غلامي وضارب به.
(لا) إذا قال: (ضارب بديني عليك، أو) ضارب بديني (على زيد فاقبضه): فلا يصح؛ لأن المال الذي في يد من في ذمته الدين له، وإنما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد.
وفيما إذا قال: ضارب بديني عليك وجه بالصحة.
وإن قال له: اعزل المال الذي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك المال شيئًا للمضاربة: وقع الشراء للمشتري؛ لأنه اشترى لغيره بمال نفسه
[ ٦ / ٣٣ ]
فحصل الشراء له.
وإن اشترى في ذمته فكذلك، لأنه عقَد القراض على ما لا يملكه.
ولو قال: وكلتك في قبض ديني عليك من نفسك فإذا قبضته فقد جعلته بيدك مضاربة ففعل: صح؛ لصحة قبض الوكيل من نفسه لغيره بإذنه.
(وتصح) المضاربة فيما إذا قال: ضارب (بوديعة) لي عند زيد، أو بوديعتي عندك حيث علما قدرها؛ لأن الوديعة ملك رب المال. فجاز أن يضاربه عليها؛ كما لو كانت حاضرة فقال: قارضتك على هذه المائة وأشار إليها في زواية البيت.
ولو كانت الوديعة قد تلفت بتفريط مَن هي عنده وصارت في الذمة: لم يجز
أن يضاربه عليها، لأنها صارت دينًا.
(و) تصح أيضًا فيما إذا قال: ضارب بـ (غصب) لي (عند زيد أو عندك) حيث علما قدره؛ لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه وممن يقدر على أخذه منه. فأشبه الوديعة.
(ويزول الضمان) على الغاصب بمجرد عقد المضاربة؛ لأنه صار ممسكًا له بإذن مالكه لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه. فأشبه ما لو قبضه مالكه ثم أقبضه إياه.
و(كبثمن عرض) باعه بإذن مالكه ثم ضاربه على ثمنه.
(ومن عمل مع مالك) لنقد أو مالك لشجر أو مالك لأرض (^١) وحب (^٢) في تنمية ذلك بمعاقدة على أن يعملا فيه (والربح) أي: ما يحصل في ذلك من نماء (بينهما) نصفين أو أثلاثًا أو نحو ذلك: (صح) كون ذلك في مسألة النقد (مضاربة). نص عليه في رواية أبي (^٣) الحارث؛ لأن العمل أحد ركني المضاربة. فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر.
_________________
(١) في ج: ما لنقد أو مالك لشجر أو مالك الأرض.
(٢) في الأصول: وجب. وما أثبتناه من " شرح البهوتي " ٢: ٢١٩.
(٣) في أوب: أبو.
[ ٦ / ٣٤ ]
(و) صح كونه في مسألة الشجر (مساقاة، و) كونه في مسألة الأرض والحب (مزارعة)، قياسًا على المضاربة.
(وإن شرط) العامل (فيهن) أي: في المضاربة والمساقاة والمزارعة
(عمل مالك أو غلامه) أي: رقيقه (معه) أي: مع العامل بأن يُعيّنَه في
العمل: (صح؛ كـ) ما لو شرط عليه دفع (بهيمته) ليحمل عليها.
فروع (^١):
* لو دفع إنسان ماله إلى اثنين أو أكثر مضاربة في عقد واحد: صح. وما شرط من الربح في مقابلة العمل فبينهم على عددهم مع الإطلاق؛ كما لو كان العامل واحدًا وقال له: والربح بيننا.
وإن شرط لأحدهما (^٢) ثلث الربح وللآخر ربعه وجعل الباقي له، أو لأحدهم ربعه ولأحدهم خمسه ولأحدهم سدسه والباقي له، أو نحو ذلك: صح، لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان ومع الثلاثة ثلاثة عقود. فجاز أن يشترط في أحد العقدين أو العقود أكثر من الآخر.
ولأن عملهما أو عملهم متفاضل. فجاز التفاضل في عوضه.
* وإن قارض اثنان واحدًا بألف لهما على أن له نصف الربح أو نحوه: جاز.
وإن شرط أحدهما النصف والآخر الثلث أو نحو ذلك: صح. وكان باقي
ربح مال كل واحد لمالكه.
وإن شرطا (^٣) كون الباقي من الربح بينهما نصفين: لم يصح؛ لأن أحدهما
في هذه الصورة يبقى له من ربح ماله النصف والآخر يبقى له الثلثان. فإذا شرط التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءًا من ربح ماله بغير عمل. فلم يجز؛ كما لو شرط له ربح ماله المنفرد.
_________________
(١) في أ: فرع.
(٢) في ب: لأحدها.
(٣) في أ: شرط.
[ ٦ / ٣٥ ]
ومن دفع إلى آخر مائتين على أن يعمل في إحداهما وعينها بالنصف، وفي الأخرى بالثلث. أو قال: اعمل في هذه على النصف وفي هذه على الثلث: فقال المجد: قياس مذهبنا ومذهب الشافعي الجواز فيما إذا عطف بحرف الواو؛ كما تقدم تصويره، والمنع فيما إذا قال: هذه بالنصف على أن تكون الأخرى بالثلث.
* ولو اشترى عامل لاثنين ب رأس مال كل واحد منهما أمة أو نحو ذلك واشتبهتا: ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يضمن رأس مال كل منهما ويصير شراء الأمتين له.
والثاني: أنهما يباعان معًا ويعطى كل من أرباب المالين رأس ماله.
ثم إن حصل ربح قسم على ما اشترطوه، وإن حصلت خسارة فعلى العامل؛
لأن الاشتباه حصل بتفريطه بوضعهما معًا.
وذكر صاحب " المغني " وجهًا ثالثًا وهو: أن أرباب المالين يصطلحان عليهما؛
كما لو كانت لرجل حنطة فانثالت عليها أخرى، وقال: إن هذا أولى. وعلله بأن ملك كل واحد منهما ثابت في أحد المشتبهين فلا يزول بالاشتباه عن جميعه (^١) ولا عن بعضه بغير رضاه؛ كما لو لم يكونا في يد المضارب (^٢) .
ولأننا لو جعلناهما للمضارب أدى إلى أن يكون تفريطه سببًا لانفراده بالربح وحرمان المتعدى عليه، وعكس ذلك أولى.
وإن جعلناهما شريكين أدى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر (^٣) بغير رضاه، وليس له فيه مال ولا عمل.
* * *
_________________
(١) في أ: جميع.
(٢) في أ: المضاربات.
(٣) في ب: للآخر.
[ ٦ / ٣٦ ]
(فصل): فيما للعامل أن يفعله
وما لا يفعله وغير ذلك
(وليس لعامل شراء مَن) أي: شراء رقيق (يعتق على رب المال) بغير إذنٍ
في ذلك؛ لأن عليه فيه ضررًا.
ولأن المقصود من المضاربة الربح حقيقة أو مظنة، وهما منتفيان هنا.
فإن اشتراه بإذن ربّ المال صح وعتق، وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه؛
لأنه قد تلف ويكون محسوبًا على رب المال، وإن كان ثمنه كل المال انفسخت كلها، وإن كان في المال ربح رجع العامل بحصته منه.
(فإن فعل) بأن اشتراه بغير إذن رب المال: (صح) الشراء في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود. فصح شراؤه له؛ كما لو اشترى من علّق رب المال عتقه بملكه.
(وعتق) على رب المال، لأن القول بصحة الشراء يوجب عتقه.
وقيل: إن كان الشراء بعين مال المضاربة لم يصح، وإن كان في الذمة وقع للعاقد. وليس له دفعه من مال المضاربة فإن فعل ضمن.
(و) إذا صح الشراء وعتق (ضمن ثمنه) الذي اشتراه به؛ لأن التفريط منه حصل بالشراء وبذل الثمن. فكان عليه ضمان ما فرط فيه.
وقيل: يضمنه بقيمته؛ لأن الملك ثبت فيه ثم تلف. فأشبه ما لو أتلفه بفعله. وعليهما متى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه.
وقيل: لا يضمن شيئًا.
وعلى المذهب: يضمن ثمنه.
(وإن لم يعلم) أنه يعتق على رب المال؛ لأن مال المضاربة تلف بسببه.
[ ٦ / ٣٧ ]
ولا فرق في الإتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل.
وقال أبو بكر: إن لم يعلم لم يضمن.
(وإن اشترى) العامل في المضاربة زوج ربة المال، أو زوجة رب المال،
أو اشترى (ولو بعض زوج أو زوجة لمن له في المال ملك) ولو جزءًا يسيرًا
: (صح) الشراء؛ لأنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه. فصح (^١)؛ كما لو كان أجنبيًا.
(وانفسخ نكاحه) أي: المشترى كله أو بعضه؛ لأن النكاح لا يجامع الملك.
ويتنصف المهر على رب المال فيما إذا كان المشتري زوجته ولم يدخل بها.
وفيه وجه: يسقط.
وعلى المذهب: يرجع (^٢) بنصف الصداق على العامل؛ لأنه سبب تغريره عليه. فرجع عليه؛ كما لو أفسدت امرأة نكاحه بالرضاع.
ولا ضمان على عامل فيما إذا اشترى زوجة (^٣) رب المال بما يفوتها من مهر ويسقط من نفقته؛ لأن ذلك لا يعود إلى المضاربة.
ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال.
(وإن اشترى مَن يعتق عليه) أي: اشترى العامل من مال (^٤) المضاربة من يعتق على نفسه؛ كأخيه وأبيه ونحوه، (و) قد (ظهر ربح) في المال بحيث يخرج ثمن أخيه أو أبيه من حصته من الربح، أو لم يكن الربح ظاهرًا حين الشراء ثم ظهر ذلك وأخو العامل أو أبوه باقٍ في (^٥) التجارة: (عتق) كله، بناء على أن
_________________
(١) في أ: فيصح.
(٢) في أ: رجع.
(٣) في أ: رجع.
(٤) في أ: المال.
(٥) في أ: من.
[ ٦ / ٣٨ ]
العامل يملك حصته من الربح بظهوره. وهو المذهب.
وكذا إن لم يخرج كله أو كان موسرًا، ويُقوّم عليه باقيه؛ لأنه ملكه بفعله فعتق عليه؛ كما لو اشتراه بماله.
وإن كان معسرًا عتق منه بقدر حصته من الربح.
وقيل: لا يعتق منه شيء ولو قلنا أن العامل يملك حصته من الربح بظهوره؛
لأنه لم يتم ملكه عليه؛ لكون الربح وقاية ل رأس المال.
(وإلا) أي: وإن لم يظهر في المال ربح أصلًا (فلا) يعتق منه شيء؛ لأنه
لم يملكه، وإنما هو ملك رب المال. وفيه وجه.
(وليس له) أي: للعامل (الشراء من مالها)؛ كأن يكون فيها عبد أو ثوب. فلا يصح أن يشتريه من رب المال (إن ظهر ربح) في المال؛ لأنه طهور الربح يصير شريكًا له فيه. وفيه وجه.
وفهم من كلام المتن: أنه إذا لم يظهر ربح أنه يصح وهو المذهب، نص (^١) عليه؛ لأنه ملك غيره. فصح شراوه له؛ كشراء الوكيل من موكله. وفيه وجه.
(ويحرم) على مضارب (أن يضارب لآخر إن ضرَّ) اشتغاله بعمله في المال الثانى رب المال (الأول)؛ لأن المضاربة معقودة لطلب النماء والحظ. فإذا فعل ما يمنعه عن ذلك لم يجز له؛ كما لوحابى في مالها. وفيه وجه.
وظاهر المتن: انه إذا لم يضر ذلك الأول؛ كما لو كان المال الثانى يسيرًا
لا يشغله عن العمل في الأول أنه يجوز. وهو كذلك، قال بعض الأصحاب: بغير خلاف نعلمه.
(فإن فعل) بأن ضارب لآخر (^٢) مضاربة ضر اشتغاله بعمله فيها ربَّ المال الأول: (رد ما خصه) من ربح حصل في المال الثانى (في شركة الأول). نص عليه؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول فينظر ما ربح في
_________________
(١) في ج: ونص.
(٢) في أ: الآخر.
[ ٦ / ٣٩ ]
المضاربة الثانية فيدفع إلى رب مالها منه نصيبه، ويأخذ المضارب نصيبه منه
فيضمه إلى ربح المضاربة الأولى فيقتسمه مع ربها على ما اشترطاه (^١) .
وفي " المغني ": وموجب الشرط والنظر يقتضي: أنه لا يستحق رب المضاربة
الأولى من (^٢) ربح الثانية شيئًا؛ لأنه إنما يستحق بمال أو عمل، وليس
له في المضاربة الثانية مال ولا عمل. وتعدي المضارب إنما كان بترك العمل واشتغاله عن المال الأول، وهذا لا يوجب عوضًا، كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه أو ترك التجارة للعب أو اشتغال بعلم أو غير ذلك، ولو أوجب عوضًا لأوجب شيئًا مقدرًا لا يختلف ولا يتقدر بربحه في الثانى. والله أعلم.
(ولا يصح لرب المال الشراء منه) أي: من مال المضاربة بمباشرة العامل
شيئًا (لنفسه). نص عليه؛ لأنه يملكه. فلم يصح شراؤه له؛ كشرائه من وكيله
ومن عبده المأذون.
وعنه: يصح تعلق حق العامل به؛ كشرائه من مكاتبه.
ورد: بأن السيد لا يملك ما بيد المكاتب. بخلاف العامل.
وقيل: إن ظهر فيه ربح صح، وإلا فلا.
(وإن اشترى شريك) في مال (نصيب شريكه: صح)؛ لأنه ملك غيره.
فصح؛ كما لو لم يكن بائعه شريكًا.
(وإن اشثرى الجميع) أي: حصته وحصة شريكه: (صح) الشراء (في
نصيب من باعه فقط)، لأنه ملكه.
وقيل: لا لصح في الجميع، بناء (^٣) على عدم صحة تفريق الصفقة.
وقيل: يصح في الجميع، بناء على القول بصحه شراء رب المال من مال
المضا ربة (^٤) .
_________________
(١) في ب: اشترطناه.
(٢) في أ: في.
(٣) في أ: وبناء.
(٤) في أ: وبناء.
[ ٦ / ٤٠ ]
(ولا نفقة لعامل) في مضاربة؛ لأنه دخل على أن له في الربح جزءًا. فلا يستحق غيره. إذ لو استحقها لأفضى إلى اختصاصه به حيث لم يربح سوى النفقة.
(إلا بشرط) فقط. نص عليه؛ كوكيل.
وقال الشيخ تقي الدين: أو عادة.
ويصح اشتراطها سفرًا وحضرًا؛ لأنها في مقابلة عمله.
ولأن الحضر (^١) إحدى حالتي المضاربة. فصح اشتراطها فيه؛ كالسفر.
(فإن شُرطت) محدودة فهو أولى.
قال أحمد في رواية الأثرم: أحب إليّ أن يشترط (^٢) نفقة محدودة؛ لأن في تقديرها قطعًا للمنازعة.
وإن شرطت (مطلقة واختلفا) بأن تشاحا فيها: (فله نفقة مثله عرفًا من طعام وكسوة)؛ لأن إطلاق النفقة يقتضي جميع ما هو من ضروراته المعتادة. فكان له النفقة والكسوة؛ كالزوجة وسائر من تجب نفقته على غيره. ونصه من المأكول فقط. وظاهره: إلا أن يطول سفره ويحتاج إلى تجديدها.
وإن شُرطت سفرًا فقط فسافر ومعه مال لنفسه مع مال المضاربة، أو كان معه مضاربة أخرى، أو بضاعة لآخر: فالنفقة على قدر المالين؛ لأن النفقة إنما كانت لأجل السفر، والسفر للمالين. فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما. إلا أن يكون رب المال قد شرط له النفقة مع علمه بذلك.
(ولو لقيه) أي: لقي رب المال العامل (ببلد) كان قد (أذن) له (في سفره إليه) بالمال، (وقد نضَّ) المال بأن صار المتاع نقدًا (فأخذه) منه: (فلا نفقة) للعامل
(لرجوعه) إلى البلد الذي سافر منها؛ لأنه إنما استحق النفقة ما داما في القِراض، وقد زال فزالت النفقة. ولذلك لو مات لم يجب تكفينه.
_________________
(١) في ب: العمل.
(٢) في أ: اشترط.
[ ٦ / ٤١ ]
وقيل: له نفقة رجوعه؛ لأنه غره بتسفيره إلى الموضع الذي أذن له فيه.
وعلم من هذا: أنه لو لم يأذن له في السفر إلى ذلك المحل لم يجب لرجوعه
نفقة بغير خلاف.
(وإن تعدد رب المال) بأن كان عاملًا لاثنين أو أكثر، واشترط لنفسه
النفقة: (فهى على قدر مال كل) منهما أو منهم؛ لأن النفقة وجبت لأجل عمله في المال. فكانت على قدر ما لكل فيه.
(إلا أن يشرطها بعض) من أرباب الأموال (من ماله عالمًا بالحال).
وهو: كون العامل يعمل في ماله مع مال غيره. فتكون عليه وحده؛ لدخوله على ذلك.
(وله) أي: للعامل (التسري) من مال المضاربة (بإذن) من رب المال.
(فإن اشترى أمة) ليتسرى بها (ملكها)، لأن استباحة البضع لا تحصل إلا بملكه؛ لقو له تعا لى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾] المؤمنون: ٦].
(وصار ثمنها قرضًا) في ذمة العامل؛ لأنه خرج من المضاربة، ولم يوجد
من رب المال ما يدل على تبرعه به. فوجب كونه قرضًا، لأنه المتيقن.
ونقل يعقوب اعتبار تسمية ثمنها.
وعنه: يكون ملكًا مجانًا للعامل.
وإن وطئ أمة من مال المضاربة عزّر. نص عليه في رواية ابن منصور.
وقيل: إن لم يظهر ربح حُدّ، لأنه وطءٌ في غير ملك ولا شبهة ملك.
والمذهب الأول؛ لأن ظهور الربح ينبني على التقويم، والتقويم غير
متحقق؛ لأنه يحتمل أن السلع تساوي أكثر مما قومت به. فيكون ذلك شبهة في درءِ الحد.
وعليه المهر إن لم يكن الوطء بإذن رب المال.
وإن ولدت منه: فإن ظهر ربح صارت أم ولد له، والولد حر وعليه قيمتهما، وإن لم يظهر ربح فهي وولدها ملك لرب المال.
[ ٦ / ٤٢ ]
(ولا يطأ ربُّه أمة) أي: ليس لرب المال أيضًا وطء أمة من مال المضاربة،
(ولو عدم الربح)؛ لأنه ينقصها إن كانت بكرًا، أو يعرضها للخروج من المضاربة والتلف.
ونقل ابن هانئ: أنه سئل: يشتري جارية أو يكتسي ويأكل؟ قال: لا يجوز
هذا إلا أن يقول: كل شيء تأخذ من مضاربتك.
ولا حد عليه (^١) بذلك؛ لأنها ملكه. وإن ولدت منه خرجت من المضاربة وحسب قيمتها ويضاف إليها بقية المال. فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه.
(ولا ربح لعامل حتى يستوفي رأس المال) يعني: أن العامل لا يستحق أخذ
شيء من الربح حتى يسلّم رأس المال إلى ربه،؛ لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح.
(فإن ربح في إحدى سلعتين) وخسر في الأخرى، (أو) ربح في إحدى (سفرتين وخسر في الأخرى، أو تعيَّبت) سلعة دون أخرى، (أو نزل السعر، أو تلف بعض) من المال (بعد) شروع عامل في (عمل: فالوضيعة) الحاصلة في بعض المال مجبورة (من ربح باقيه، قبل قسمته) أي: الربح حال كونه (ناضًّا) أي: نقدًا، (أو) قبل (تنضيضه مع محاسبته). نص عليهما؛ إجراء للمحاسبة مجرى القسمة.
قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يُسأل عن المضارب يربح ويضع مرارًا؟ فقال:
يرد الوضيعة على الربح. إلا أن يقبض المال صاحبه ثم يرده إليه فيقول: اعمل فيه ثانية فما ربح بعد ذلك لا تجبر به وضيعة الأول. فهذا ليس في نفسي منه شيء (^٢) . وأما ما لم يدفع إليه فحتى يحتسبا (^٣) حسابًا، كالقبض كما قال ابن سيرين.
قيل: وكيف يكون حسابًا كالقبض؟
_________________
(١) في ج: عليك.
(٢) في أ: شيئا.
(٣) في أ: يحسبا.
[ ٦ / ٤٣ ]
قال: يظهر المال- يعني: ينض- ويجيء فيحتسبان عليه وإن شاء صاحب المال قبضه. قيل له: فيحتسبان على المتاع؟ فقال: لا يحتسبان إلا على الناضّ، لأن المتاع قد ينحط سعره ويرتفع.
وقال أبو طالب: قيل لأحمد: رجل دفع إلى رجل عشرة الآف درهم مضاربة. فوضع فبقيت ألف فحاسبه صاحبها ثم قال له: اذهب فاعمل بها فربح قال: يقاسمه ما فوق الألف. يعني: إذا كانت ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال مضاربة ثانية، كما لو قبضها منه ثم ردها إليه. فأما قبل ذلك فلا شيء للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف.
ولو أن رب المال والمضارب اقتسما الربح أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه والمضاربة بحالها ثم سافر المضارب به فخسر، كان على المضارب رد ما أخذه من الربح؛ لأنا (^١) تبينا أنه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة.
ونقل ابن منصور وحرب: إذا احتسبا وعلما مالهما.
واحتج به في " الانتصار " (^٢)، وأنه يحتمل أن يستحق ربحه.
ونقل حنبل: إذا حال حوله من يوم احتساب: زكّاه المضارب، لأنه علم
ماله في المال، والوضيعة بعد ذلك على رب المال، وأحب أن لا يحاسب نفسه، يكون معه رجل من قبل رب المال، كالوصي لا يشتري من نفسه لنفسه يكون معه غيره.
قال الأزجي: لا يجوز أن يختص رب المال بحساب المال ليس معه أحد.
نقله حنبل للتهمة.
ونقل المجد عن الحارث العكلي: إذا قال لمضاربه: حاسب نفسك وألحق حصتي من الربح ب رأس المال: أن ذلك جائز.
_________________
(١) في أوب: لأننا.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٤٤ ]
وقاله أبو ثور إذا كان المال قد نضّ قال: قد استقبل به مضاربة أخرى.
قال المجد: قلت: وهذا ظاهر قول إمامنا وابن أبي موسى من أصحابه. انتهى.
وكون ما تلف من المال بعد الشروع في العمل يجبر من الربح؛ لأن المال
دار بالتصرف ووجب إكماله لاستحقاق الربح؛ لأنه مقتضى الشرط.
ومن فروع ذلك: لو دفع إنسان إلى عامله مائة مضاربة فخسر عشرة. ثم
أخذ رب المال منها عشرة فإن الخسران لا ينتقص به رأس المال؛ لأنه قد يربح فيجبر الخسران. لكنه ينتقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم] وتسع درهم [(^١) ويبقى رأس المال ثمانين وثمانية دراهم وثمانية أتساع درهم.
وإن كان أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال. فسقط نصف الخسران.
وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع.
وكذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من الربح ورأس المال. فلو كان رأس المال مائة فربح عشرين فأخذها رب المال يبقى رأس المال ثلاثة وثمانين وثلثًا، لأنه أخذ سدس المال. فنقص رأس المال سدسه. وهو ستة عشر وثلثان وحظها من الربح ثلاثة وثلث.
ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال. فبقي نصف المال.
وإن أخذ خمسين بقي ثمانية وخمسون (^٢) وثلث؛ لأنه أخذ ربع المال وسدسه. فيبقى ثلثه وربعه وهو ما ذكرنا.
فإن أخذ منه ستين ثم خسر في الباقي فصار أربعين فردها: كان له على رب المال خمسه؛ لأن ما أخذه رب المال انفسخت فيه المضاربة. فلا يجبر بربحه
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: وخمسين.
[ ٦ / ٤٥ ]
خسران ما بقي بيده؛ لمفارقته إياه. فقد أخذ من الربح عشرة؛ لأن سدس ما أخذه ربح. فكانت العشرة بينهما. وإن لم يردّ الأربعين كلها بل رد منها إلى رب المال عشرين بقي رأس المال خمسة وعشرين.
(وتنفسخ) مضاربة (فيما) أي: في بعض من المال (تَلِف قبل) شروع عامل في (عمل)، ويصير الباقي رأس المال؛ لأن التصرف بالعمل لم يصادف إلا الباقي. فكان هو رأس المال.
(فإن تلف الكل) أي: كل مال المضاربة قبل التصرف، (ثم اشترى) من أعطي المال ليعمل فيه وتلف قبل عمله (للمضاربة شيئًا) من السلع: (فـ) هو فيما اشتراه (كفضولي)؛ لأن المضاربة انفسخت بتلف المال. فبطل الإذن على التصرف. فتبين أنه قد اشترى لغيره ما لم يأذن فيه. فكان كتصرف الفضولي.
(وإن تلف) مال المضاربة (بعد شرائه) أي: العامل (في ذمته وقبل نقد ثمن) لما اشتراه، (أو) تلف مال المضاربة (مع ما) أي: الشيء الذي (شراه: فالمضاربة بحالها)؛ لأنه تصرفٌ وقع بإذن رب المال. فلم يبطل بتلف المال؛ كما لو وكّله في شراء شيء ففعل ثم تلف ما اشتراه.
(ويطالبان) أي: رب المال وعامله (بالثمن) أي: ثمن ما اشتراه؛ لبقاء الإذن من رب المال، ولمباشرة العامل.
(ويرجع به عامل) دفعه على رب المال.
ومحل ذلك: إن نوى الرجوع؛ للزومه لرب المال بطريق الأصالة، وللعامل بطريق الضمان.
ويصير رأس المال الثمن دون التالف؛ لأنه تلف قبل التصرف فيه. فهو كما
لو تلف قبل قبضه.
(وإن أتلفه) أي: أتلف العامل ما اشتراه، (ثم نقد الثمن من مال نفسه بلا إذن) من مالك المال: (لم يرجع رب المال) أي: مال المضاربة (عليه) أي: على العامل (بشيء)، والعامل باقٍ على المضاربة؛ لأنه لم يتعد فيه. ذكره
[ ٦ / ٤٦ ]
الأزجي واقتصر عليه في " الفروع ".
(وإن قُتل قنها) بأن قَتَل عبدًا من مال المضاربة عبدٌ لأجنبي (فلرب المال)
أن يقتص من قاتله بشرطه؛ لأنه مالك المقتول. وتبطل المضاربة فيه؛ لذهاب رأس المال، وله (العفو على مال، ويكون) المال المعفو عليه (كبدل المبيع) أي: كثمنه لو أبيع؛ لأنه عوض عن المقتول. (والزيادة) في المال المعفو عليه (على قيمته) أي: المقتول (ربح) في المضاربة. فتكون بين رب المال والعامل على شرطهما.
وفيه احتمال: أن الزيادة لرب المال؛ لعدم عمل من العامل.
قال الأزجي: وفيه نظر؛ كبيعه بعض السلع.
وعلّل المجد كون الزيادة للمالك؛ لأنها تمحضت في مقابلة محض القصاص، ولا تصلح أن تكون في مقابلة التفويت بحال؛ لأن التفويت قد قابله قدر القيمة.
(ومع ربح) أي: وإن كان قد ظهرربح في العبد المقتول كان (القود) فيه (إليهما)؛ كالمصالحة لكونهما صارا بظهور الربح شريكين فيه.
(ويملك عامل حصته) المشروطة له (من ربح بـ) مجرد (ظهوره قبل قسمة).
قال أبو الخطاب: رواية واحدة.
وقال في " الفروع ": والمذهب يملك حصته منه بظهوره.
(كمالك) أي: كرب المال، وكما يملك المساقي حصته من الثمره بظهورها؛ لأن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه. وهو: أن يكون له جزء من الربح. فإذا وجد يجب أن يملكه بحكم الشرط. قياسًا على كل شرط صحيح في عقد.
ولأن هذا الجزء مملوك ولا بد له من مالك، ورب (^١) المال لا يملكه اتفاقًا.
فلزم أن يكون للمضارب.
_________________
(١) فى أ: فرب.
[ ٦ / ٤٧ ]
ولأنه يملك المطالبة بالقسمة. فكان مالكًا؛ كأحد شريكي العنان. ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية ل رأس المال؛ كنصيب رب المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه.
ولأنه لو اختص بربح نصيبه لا استحق من الربح أكثر مما شرط له. ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه.
قال أحمد: إذا وطئ المضارب جارية من المضاربة فإن لم يكن ظهر في المال ربح لم تكن أم ولده، وإن ظهر فيه ربح فهي أم ولده.
وهذا يدل على أنه يملك الربح بالظهور ولو لم يعمل المضارب إلا أنه صرف الذهب بالورق فارتفع الصرف: استحقه لّما صرفها. نقله حنبل.
وعنه: لا يملكه إلا بالقسمة.
وعنه: يملكه بالمحاسبة والتنضيض والفسخ.
(و) على المذهب. وهو: أنه يملكه بالظهور (لا) يملك (الأخذ منه
إلا بإذن) من رب المال؛ لأن نصيبه شاع وليس له أن يقاسم نفسه.
ولأن ملكه عليه غير مستقر؛ لأنه يعرض أن يخرج عن يده لجبر خسران.
ومتى قلنا: يملكه بالظهور فشرطاه بالقسمة، أو قلنا بالقسمة فشرطاه بالظهور: لم يصح الشرط. قاله في " الانتصار " واقتصر عليه المجد.
(وتحرم قسمته) أي: الربح (والعقد) أي: عقد المضاربة (باق. إلا باتفاقهما) على ذلك؛ لأنه مع امتناع رب المال وقاية ل رأس ماله؛ لأنه لا يأمن الخسران فيجبره بالربح، ومع امتناع العامل؛ فلأنه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا يقدرعليه. فلا يجبر واحد منهما.
وأما كون ذلك يجوز مع اتفاقهما؛ فلأنه ملكهما. فجاز قسمهما لكله وبعضه؛ كالشريكين. أو يقال: إنهما شريكان. فجاز لهما قسمة الربح قبل المفاصلة؛ كشريكي العنان.
[ ٦ / ٤٨ ]
(وإن) انفسخت المضاربة والمال عرض وطلب عامل بيعه و(أبى مالك البيع: أُجبر) عليه (إن كان فيه ربح) نص عليه. يعني: إذا قال العامل: في المال ربح، وقال المالك: ليس فيه ربح أُجبر المالك على بيعه؛ لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع. فأجبر الممتنع من توفيته (^١) كسائر الحقوق.
ومفهومه: أنه إذا لم يكن ربح ظاهر لم يجبر مالك على البيع. وهو كذلك لأن العامل لا حق له فيه وقد رضيه مالكه عرضًا.
وقيل: يجبر مطلقًا.
(ومنه) أي: من الربح (مهر) وجب بوطء أمة من مال المضاربة، أو بتزويجها باتفاقهما، (وثمرة) ظهرت من شجر اشتري من مالها، (وأجرة) وجبت بعقد على شيء من مال المضاربة أو بتعد عليه، (وأرش) وجب بجناية على شيء من مال المضاربة.
قال في " الفر وع ": (و) كذا (نتاج)، ويتوجه وجه. انتهى.
يعني: أن العامل لو اشترى من مال المضاربة فرسًا أو نحوها فولدت. فالولد محسوب من ربح المال. ويتوجه وجه: أنه لرب المال؛ لعدم عمل من العامل فيه.
(وإتلاف مالك) مال المضاربة (كقسمة: فيغرم حصة عامل) من الربح؛ (كـ) ما لو حصل التلف بفعل (أجنبي).
ويقبل قولى مضارب في أنه ربح أم لا وكذا قدره. نقله ابن منصور.
(وحيث فسخت) المضاربة (والمال عرض أو دراهم وكان دنانير، أو عكسه) بأن فسخت المضاربة ورأس المال دنانير وكان دراهم وتصادق رب المال مع العامل على وجود ربح فيه، (فرضي ربه بأخذه) أي: بأخذ مال المضاربة على صفته التي هو عليها: (قوَّمه) أي: مال المضاربة (ودفع حصته) أي: حصة العامل من الربح الذي ظهر بتقويم المال، (وملكه) أي: ملك ما يقابل
_________________
(١) فى أ: توفيقه.
[ ٦ / ٤٩ ]
حصته العامل من الربح؛ لأنه أسقط عن العامل البيع وقد صدقه على الربح. فلا يجبر على بيع ماله بلا حظ يكون للعامل (^١) في بيعه،] ثم إن ارتفع السعر بعد ذلك لم يطالب العامل رب المال بقسطه من ارتفاع السعر؛ كما لو ارتفع بعد بيعه [(^٢) . وفيه وجه.
ومحل ذلك: (إن لم يكن) فعل رب المال لذلك (حيلة على قطع ربح عامل؛ كشراءه خزًا في الصيف ليربح في الشتاء، ونحوه: فيبقى حقه في ربحه).
قال ابن عقيل: وإن قصد رب المال الحيلة ليختص بالربح، بأن كان العامل اشترى خزًّا في الصيف ليربح في الشتاء، أو يرجو دخول موسم أو قفل. فإن حقه يبقى في الربح.
وقال الأزجي: أصل المذهب: أن الحيل لا أثر لها. نقله عنهما في
" الفروع " واقتصر عليه.
(وإن لم يرض) رب المال بأخذ العرض أو الدراهم عن الدنانير وعكسه: (فعلى عامل بيعه وقبض ثمنه)؛ لأن عليه رد المال ناضًا كما أخذه.
وقيل: لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح أو كان فيه ربح وأسقط حقه منه.
وعلى المذهب: إذا نضّ له قدر رأس المال لزمه أن ينض له الباقي.
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه شركة بينهما، ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه. ولأنه إنما لزمه أن ينض رأس المال، ليرد إليه رأس ماله على صفته، ولا يو جد هذا المعنى في الربح. ذكر ذلك في " الفروع " عن الموفق وغيره.
وما ذكرنا من أن رأس المال إذا كان دنانير فصار دراهم ولم يرض رب المال
بأخذ الدراهم: أن على العامل أن ينضه دنانير وعكسه هو قول جمهور الأصحاب. وقال الأزجي: إن قلنا هما شيء واحد وهو قيمة الأشياء: لم يلزمه، ولا فرق لقيام كل واحد مقام الاخر. فعلى هذا يدور الكلام.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٥٠ ]
قال: ولو كان صَحاحا فنض قراضة أو مكسرة: لزم العامل رده إلى الصَّحاح [فيبيعها بصَحاح] (^١) أو بعرض ثم يشتريها به. انتهى.
(كتقاضيه لو كان دينا) يعني: إذا فسخت المضاربة ومالها دين. فعلى العامل أن يتقاضاه ممن هو عليه. سواء ظهر في المال ربح أو لم يظهر؛ لأن المضاربة تقتضي رد رأس المال على صفته، والديون لا تجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه.
ولا يقتصر في التقاضي على قدر رأس المال، لأنه إنما يستحق نصيبه من الربح عند وصوله إليهما على وجه تمكن قسمته ووصول كل واحد منهما إلى حقه منه، ولا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه.
وقيل: إنما يلزمه التقاضي في قدر رأس المال فقط.
(ولا يخلط) عامل (رأس مال قبضه) من إنسان واحد (في وقتين) بلا إذن
رب المال. نص عليه " لأنه أفرد كل واحد بعقد فكانا عقدين. فلا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، كما لو نهاه عن ذلك.
(وإن اذن له) رب المال في خلطهما (قبل تصرفه في) رأس المال (الأول
أو بعده) أي: بعد تصرفه في الأول (وقد نض) اي: صار نقدًا كما أخذه: جاز وصارا مضاربة واحدة، كما لو دفعهما إليه مرة واحدة.
وفُهم من هذا: أن إذنه له إذا كان بعد تصرفه في الأول ولم ينض لا يملك به الخلط ويحرم، لأن حكم العقد الأول استقر فكان ربحه وخسرانه مختصًا به. فضم الثانى إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر. فإذا شرط ذلك في الثانى فسد.
(أو) إن (قضى) العامل (برأس المال دينه، ثم اتجر بوجهه) أي: اشترى في ذمته بجاهه، (وأعطى ربه) اي: رب المال الذي قضى به دينه (حصته من الربح) الحاصل من تجارته بوجهه، حال كونه (متبرعا بها) لرب
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٥١ ]
المال: (جاز) نصًا.
نقل صالح: أما الربح فأرجو إذا كان هذا متفضلا عليه.
(وإن مات عامل) في مضاربة. وعنه: غير فجأة، (أو مودَع) بفتح الدال، وقيل: غير فجأة. (أو) مات (وصي) على صغير أو مجنون أو سفيه (وجهل بقاء ما بيدهم) من مضاربة ووديعة ومال موليه: (فـ) هو (دين في التركة)؛ لأن الأصل بقاء المال في يد الميت واختلاطه بجملة التركة، ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينا.
ولأنه لا (^١) سبيل إلى إسقاط حق مالك المال ولا إلى إعطائه عينًا من التركة؛ لاحتمال أن تكون غير عين ماله. فلم يبق إلا تعلقه بالذمة.
قال في " الفروع ": ولأنه لما أخفاه ولم يعينه فكأنه غاصب فتعلق بذمته.
ومسألة الوصي عن الشيخ تقي الدين وصاحب " الفروع ".
(وإن أراد المالك) لمال المضاربة الذي مات عامله (تقرير وارث) في العمل مكان مورثه: (فـ) تقريره (مضاربة مبتدأة) لا تجوز. إلا إذا كان المال حينئذ دراهم أو دنانير.
(ولا يبيع) الوارث (عرضًا) من مال المضاربة (بلا إذن) من رب المال؛
لأنه إنما رضي باجتهاد مورثه.
وكذلك رب المال ليس له بيع شيء من ذلك إلا بإذن وارث العامل؛ لوجود حقه في الربح.
فإذا أبى كل منهما الإذن للآخر في بيعه (فيبيعه حاكم) عليهما (ويقسم الربح) بينهما على ما شرط عند ابتداء المضاربة.
(ووارث المالك) إذا مات (كهو) أي: كالمالك إذا كان موجودا وقد انفسخت المضاربة. وتقدم حكم ذلك (^٢) .
_________________
(١) في أ: ولا.
(٢) ص (٢٨).
[ ٦ / ٥٢ ]
(فيتقرر ما لمضارب) من الربح، ويقدم به على الغرماء.
(ولا يشتري) العامل من مال المضاربة شيئًا بعد موت رب المال إلا بإذن ورثته ويكون وكيلًا عنهم، لأن المضاربة قد بطلت بالموت.
(وهو) أي: العامل (في) ما يلزمه من (بيع) لعروض (واقتضاء) دين
من مال المضاربة بعد موت رب المال (كفسخ) للمضاربة (والمالك حي). وتقدم الكلام على ذلك.
ومتى أراد الوارث أو وليه إتمام المضاربة والمال ناضّ جاز، ويكون رأس المال الذي أعطاه مورثه وحصته من الربح رأس مال الوارث، وحصة العامل من الربح شركة له مشاع. وهذه الإشاعة لا تمنع صحة العقد، لأن الشريك هو العامل وذلك لا يمنع التصرف.
(وإن أراد) الوارث (المضاربة والمال عرض: فمضاربة مبتدأة). وقد تقدم أنها لا تصح على العروض (^١) .
وقيل: يجوز هنا وإن لم يجز هناك، لأن هذا إتمام للقراض لا ابتداء له.
ورد: بأنا لو جوزنا ابتداء القراض (^٢) إذًا لحسبت على العامل العروض بأكثر
من قيمتها فيما إذا كان المال ناقصًا. وهذا لا يجوز في القراض بلا خلاف.
***
_________________
(١) ص: ٨.
(٢) في ب: القرض.
[ ٦ / ٥٣ ]
(فصل): فيما يقبل قول العامل والمالك فيه وغير ذلك
(والعامل) في المضاربة (أمين) في مالها؛ لأنه متصرف في مال لا يختص بنفعه بإذن مالكه. فكان أمينًا؛ كالوكيل. وفارق المستعير فإنه يختص بنفع العين المعارة.
فعلى هذا (يصدَّق) العامل (بيمينه في قدر رأس مال)؛ لأن رب المال يدعي عليه قبض شيء وهو ينكره، والقول قول المنكر.
ثم إن لم يكن في المال ربح متنازع فيه [ولا متفق عليه فبالإجماع. وإن كان هناك ربح متنازع فيه] (^١)؛ كما لو جاء العامل بألفي درهم وقال: رأس المال ألف والربح ألف، وقال رب المال: بل الألفان رأس المال: فالقول قول العامل على الصحيح.
(و) يصدق العامل بيمينه أيضًا في قدر (ربحٍ). نقله ابن منصور.
وذكر الحلواني فيه روايات كعوض كتابة. الثالثة: يتحالفان.
وجزم أبو محمد الجوزي بقول رب المال.
(وعدمِه وهلاكٍ وخسرانٍ)؛ لأن تأمينه يقتضي ذلك.
ومحل ذلك: إن لم تكن لرب المال بينة تشهد بخلاف ما ذكره العامل.
(و) يصدق العامل بيمينه أيضا في (ما يَذكر أنه اشتراه لنفسه أو لها) أي: الشركة. (ولو في) شركة (عنان ووجوه)؛ لأن الاختلاف هاهنا في نية المشتري. وهو أعلم بما نواه. لا يطلع عليه أحد سواه.
ولأنه أمين في الشراء. فكان القول قوله؛ كالوكيل.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٦ / ٥٤ ]
(و) في (ما يُدعَى عليه) أي: على العامل (من خيانة) وتفريط؛ لأن الأصل عدمهما.
وإذا اشترط المضارب النفقة ثم ادعى أنه إنما أنفق من ماله وأراد الرجوع:
فله ذلك. سواء كان المال باقيًا في يده أو قد رجع إلى مالكه " كالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم.
وإذا اشترى العامل شيئًا فقال المالك: قد كنت نهيتك عن شرائه وأنكر العامل قالقول قوله، لأن الأصل معه.
(ولو أقر) عامل (بربح) بأن قال: ربح المال ألفًا، (ثم ادعى تلفًا أو خسارة) بأن قال: تلف الربح، أو قال: حصلت خسارة بعد أن ربح: (قُبل) قوله في ذلك " لأنه أمين. فقبل قوله، كالوكيل المتبرع.
(لا) إن ادعى (غلطًا أو كذبًا أو نسيانًا، أو) ادعى (اقتراضًا تُمِّم به رأس المال بعد إقراره) أي: العامل (به) أي: برأس المال، كما لو أعطى إنسان إنسانأ عشرة اّلاف مضاربة ثم سآله عن ذلك فقال (لربه). رأس المال باقٍ بيدي وها هو (^١) . فقال رب المال: قد فسخت المضاربة وأخذ منه العشرة آلاف فقال العامل: إن المال كان قد خسر ألفأ وخشيت أنك إن وجدته ناقصًا أخذته مني فاقترضت من فلان ألفًا تممت به رأس المال لأعرضه عليك. فإن قول العامل لا يقبل في شيء من ذلك " لأنه رجوع عن إقرار بحق لادمى.
قال في "المغني ": ولا تقبل شهادة المقرض له، لأنه يجر إلى نفسه نفعًا (^٢) .
وليس له مطالبة رب المال، لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه إلى رب المال، ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير. انتهى.
وقال المجد في " شرح الهداية " بعد أن نقل المسألة عن القاضي وابن عقيل وذكر أنهما ما تعرضا في أول المسألة هل النقص مضمون أو بغير تفريط؟.
_________________
(١) في أ: وهو.
(٢) ساقط من ب.
[ ٦ / ٥٥ ]
وتحرير الجواب عندي: أنه إن كان نقصًا يضمنه المضارب فلا رجوع على المالك بحال لا للمقرض ولا للعامل؛ لأن العامل اقترض شيئًا فملكه بالقرض ثم قضى به دينًا عليه. وأما إن كان النقص غير مضمون في الباطن فلا رجوع للمقرض على المالك؛ لما سبق، ولكن يرجع المضارب على رب المال إن علم باطن الأمر بتصديق المالك أو بغير ذلك إن أمكن والله أعلم. انتهى.
وعنه: يقبل رجوعه عن إقراره الرج.
نقل أبو داود ومهنا: إذا أقر بربح ثم قال: إنما كنت أعطيك من رأس المال يصدق.
وقال أبو بكر: وعليه العمل. ويتخرج (^١) ببينة. ويضمن ثمنًا مؤجلًا مجحودًا لا بينة به. لا حالًا.
ومن دفع إلى اثنين قراضًاعلى النصف فنضّ المال وهو ثلاثة اّلاف فقال رب المال: رأس المال ألفان فصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل هو ألف: قالقول قول المنكر مع يمينه. فإذا حلف أن رأس المال ألف والربح ألفان فنصيبه منهما خمسمائة يبقى ألفان وخمسمائة يأخذ رب المال ألفين (^٢)؛ لأن الآخر يصدقه. يبقى خمسمائة ربحا بين رب المال والعامل الآخر يقسمانها أثلاثا: لرب المال ثلثاها، وللعامل ثلثها؛ لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثه، وما أخذه الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما، والتالف يحسب في المضاربة من الربح.
(ويقبل قول مالك) لمال المضاربة (في رده) أي: إذا ادعى العامل رده
إليه وأنكر ولا بينه. نص عليه؛ لأنه قبضه لنفع له فيه. فلم يقبل قوله في رده؛ كالمستعير. ولأن رب المال منكر فقدم قوله. وفيه وجه.
(و) يقبل قول المالك أيضًا في (صفة خروجه) أي: المال (عن يده) فإن
_________________
(١) في أ: ويخرج.
(٢) في أ: ألفان.
[ ٦ / ٥٦ ]
قال: أعطيتك ألفًا قراضًا على النصف من ربحه، وقال العامل: بل قرضًا ليس
لك شيء من ربحه: قالقول قول رب المال، لأن الأصل بقاء ملكه عليه. فإذا
حلف قسمنا الربح بينهما.
وفيه وجه: يتحالفان.
وإن خسر المال أو تلف فقال رب المال: كان قرضًا، وقال العامل: كان
قراضًا أو بضاعة: قالقول قول رب المال، لأن الأصل في القابض لمال غيره الضمان.
(فلو اقاما بينتين) أي: أقام كل منهما بينة بدعواه: (قُدمت بينة عامل)؛
لأن معها زيادة علم. وهو ما يقتضي عدم ضمان المال.
ولأنه خارج.
قال في " المغني ": وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: بل
كان قراضًا: احتمل أن يكون القول قول العامل، لأن عمله له. فيكون القول
قوله فيه.
ويحتمل أن يتحالفا ويكون للعامل أقل الأمرين من نصيبه من الربح أو أجر
مثله، لأنه لا يدعي أكثر من نصيبه من الربح. فلا يستحق زيادة عليه، وإن كان
الأقل أجر مثله فلم يثبت كونه قراضًا فيكون له أجر عمله.
وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: كان قرضًا: حلف كل
واحد منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله لا غير. انتهى.
وعنه: إن أقاما بينتين تعأرضتا وقسم الربح بينهما نصفين.
قال المجد: وإنما نجعله بينهما نصفين، لأنهما سقطت بينتهما بالتعارض:
فكان القول قول المالك؛ لأن الأصل بقاء ملكه وتبع الربح له. لكن قد اعترف
منه بنصف الربح للعامل فبقي الباقي على الأصل. انتهى.
(و) يقبل قول مالك أيضًا (بعد ربح) حصل في المال (في قدر ما شرط
لعامل). فلو قال: شرطت لي نصف الربح، وقال المالك: بل ثلثه: قالقول
[ ٦ / ٥٧ ]
قول المالك. نص عليه في رواية ابن منصور وسندي، لأن رب المال ينكر السدس الزائد واشتراطه له، والقول قول المنكر.
وعنه: قول العامل إن ادعى أجر المثل أو مع زيادة يتغابن الناس بمثلها. (ويصح دفع عبد، أو) دفع (دابة)، أو دفع آنية، كقربة وقدر، أو آلة " كمحراث ونورج ومنجل (لمن يعمل به) أي: بالمدفوع، (بجزء من أجرته).
نقل أحمد بن سعيد عن أحمد: فيمن دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز.
ونقل أبو داود عن أحمد: فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو
أن لا يكون به بأس.
قال إسحاق بن إبراهيم: قال أبو عبدالله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز.
(و) يصح أن تكون (خياطة ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال، ونحوه)، كبناء دار، ونجر باب، وطحن قمح، (بجزء مشاع منه).
قال في " المغني ": وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصانا ليبيعها وله نصف ربحها بحق عمله: جاز. نص عليه في رواية حرب.
وإن فى دفع غزلًا إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه: جاز. نص عليه.
وإن جعل له مع ذلك دراهم معلومة لم يجز. نص عليه.
وعنه: بلى.
وقال أبو بكر: هذا قول قديم، وما روي غير هذا فعليه المعتمد.
قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين قال: أكرهه؛ لأن
[ ٦ / ٥٨ ]
هذا شيء لا يعرف. والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزًا " لحديث جابر أن النبي ﷺ: " أعطى خيبر على الشطر "). (^١)
قيل لأبي عبدالله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهمًا؛ قال: فيجعل له ثلثًا وعشرا ثُلثًا ونصف عشر وما أشبهه.
ونقل مهنا في " الحصاد ": هو أحب إليّ من المقاطعة.
وعنه: لا يصح نسج غزل، وحصد زرع، وطحن حب، بجزء مشاع منه منسوجًا، أو محصودًا، أو مطحونًا.
وقيل: لا يصح في الثلاثة ولا غيرها، والربح كله لرب المال. وللعامل عليه أو فيه أجر مثله " لأنهذا ليس من أقسام الشركة. إلا أن يكون مضاربة ولا تصح بالعروض.
ووجه المذهب: أن ذلك عين تنمى بالعمل عليها. فصح العقد عليها ببعض نمائها؛ كالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة. فإنه دفع لعين المال إلى من (^٢) يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد. فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه.
وما رواه الدارقطني عن النبي ﷺ: " أنه نهى عن عسيب الفحل وعن قفيز الطحان ") (^٣): لا ينافي ذلك " لأنه إذا قدر له قفيزا لا يدري الباقي بعد القفيز كم هو فتكون المنفعة مجهولة.
(و) يصح أن يكون (بيع، ونحوه)، كإيجار (لمتاع، وغزو بدابة بجزء من ربحه) أي: المتاع، (أو) بجزء من (سهمها) أي: الدابة.
وتقدم نصه: فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة. وما ليس
_________________
(١) أخرجه أبو داود البيوع، باب في في " سننه " (٣٤١٤) ٣: ٢٦٤ كتاب الخرص. بمعناه.
(٢) في أ: أن، وفي ب: لعين المال من.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩٥) ٣: ٤٧ كتاب البيوع.
[ ٦ / ٥٩ ]
بمنصوص عليه فهو في معنى المنصوص عليه. وهذا بخلاف ما لو قال: بع عبدي أو آجره والثمن أو الأجرة بيننا: فإنه لا يصح، ويكون الثمن والأجرة لصاحبه، وللآخر أجر مثله. وسيأتي في المتن بعض ذلك.
(و) يصح (دفع دابة أو نحل، ونحوهما)، كعبد وأمة (لمن يقوم بهما مدة معلومة)، كسنة ونحوها، (بجزء منهما) أي: من عينهما " كربع وسدس. (والنماء) الحاصل منه (ملك لهما) " لأنه نماء ملكهما.
و(لا) يجوز دفع شيء لمن يقوم عليه (بجزء من نماء، كدَرٍّ ونسل وصوف وعسل، ونحوه)؛ كمسك وزباد " لحصول نمائه بغير عمل.
وعنه: بلى.
***
[ ٦ / ٦٠ ]
[فصل: في شركة الوجوه]
(فصل. و) الضرب (الثالث) من الأضرب الخمسة. (شركة الوجوه.
وهي: أن يشتركا) بغير مال (في ربح ما يشتريان في ذممهما، بجاههما)
أي: بوجوههما وثقة التجار بهما. على أن ما اشترياه بينهما نصفين أو أثلاثًا أو أرباعًا أو نحو ذلك.
وسميت بذلك، لأنهما يعاملان (^١) فيها بوجوههما، والجاه والوجه
واحد، يقال: فلان وجيه إذا كان ذا جاه.
وهي جائزة؛ لاشتمالها على مصلحة غير مضرة.
(ولا يشترط) لصحتها (ذكر جنس) أي: صنف لما يشتريانه، (ولا قدر) لما يشتركان فيه، (ولا وقت) أي: مدة الشركة. خلافًا لأبي حنيفة في اشتراط الثلاثة.
(فلو قال) أحدهما للآخر: (كل ما اشتريت من شيء فبيننا)، وقال
الآخر كذلك: (صح) العقد.
قال أحمد في رواية ابن منصور: في رجلين اشتركا بغير رؤوس أموالهما
على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما: فهو جائز.
وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وابن المنذر.
وقال مالك والشافعى: لا بد من ذكر شرائط الوكالة من تعيين الجنس وغيره.
ولنا: أن ذلك إنما يعتبر في الوكالة المفردة. أما الوكالة الداخلة في ضمن
الشركة فلا يعتبر فيها ذلك. بدليل "المضاربة وشركة العنان. فإن في ضمنهما توكيلًا ولايعتبر شئ من هذا.
_________________
(١) فى ب: يعملان.
[ ٦ / ٦١ ]
(وكل) من شريكى الوجوه (وكيل الآخر) في البيع والشراء، (وكفيله بالثمن)؛ لأن مبناها على الوكالة والكقالة.
(ومِلك) فيما يشتريانه بجاههما بينهما كما شرطاه عند العقد " لقوله ﷺ:
" المؤمنون على شروطهم " (^١) .
ولأنها مبنية على الوكالة فتتقيد بما وقع الإذن والقبول فيه.
قال في " الفروع ": وهل ما يشتريه أحدهما بينهما أو بالنية كوكيل؟ فيه وجهان. ويتوجه في عنان مثله. وقطع جماعة بالنية. انتهى.
(وربح) فيها (^٢) بينهما (كما شرطا) من تساو وتفاضل، لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر. فيجوز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة زيادة أوثقيته وزيادة إبصاره بالتجارة.
ولأن شركة الوجوه منعقدة على عمل وغيره. فكان ربحها على ما شرطاه، كشركة العنان.
وقال القاضي وابن عقيل ومن تبعهما: إن الربح بينهما على قدر ملكيهما (^٣)
في المشترى إن اتفقا على أن أحدهما يكون له ثلث المشترى فيكون له ثلث الربح، أو أن يكون له ربع المشترى فيكون له ربع الربح ونحو ذلك، لأن الربح يستحق بالضمان؛ لوقوع الشركة عليه. إذ لا مال عندهما يشتركان على العمل فيه والضمان لا تفاضل فيه (^٤) . فلا يجوز التفاضل في الربح.
ورد: بًانهما إنما يشتركان ليعملا في المستقبل فيما يأخذانه (^٥) بجاههما،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٢) ٣: ٦٣٤ كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله في الصلح بين الناس.
(٢) في ج: فيما.
(٣) في أ: ملكهما.
(٤) ساقط من أوب
(٥) في ج: يأخذان.
[ ٦ / ٦٢ ]
كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها فيما (^١) يأتي.
(والوضيعة) أي: الخسران الحاصل بتلف أو ببيع (^٢) بنقصان عما اشتريا به
أو غير ذلك (على قدر الملك) في المشترى. فعلى من يملك فيه الثلثين ثلثا الوضيعة، وعلى من يملك فيه الثلث ثلث الوضيعة ونحو ذلك. سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن؛ لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال. وهو مختص بملاكه. فيوزع بينهما على قدر حصصهما.
(وتصرُّفهما) فيما يجب لهما وعليهما وفي إقرارهما وخصومتهما وغير ذلك (كـ) تصرف (شريكَيْ عنان).
_________________
(١) في ب: بما.
(٢) في ج: بيع.
[ ٦ / ٦٣ ]
(فصل) [في شركة الأبدان]
(فصل) الضرب (الرابع) من الأضرب الخمسة: (شركة الأبدان). وبجوازها، قاله أهل الرأي والحسن بن حر والليث.
وبعدمه، قاله الشافعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال مالك بجوازها مع اتفاق الصنائع، وبعدمه مع اختلافها (^١) .
(وهي) نوعان:
أحدهما: (أن يشتركا فيما يتملَّكان بأبدانهما، من مباح؛ كاحتشاش، واصطياد، وتلصُّص على دار الحرب، ونحوه)، كاشتراكهما فيما يصيبانه من سلب من يقتلانه بدار الحرب.
وبعدم جواز هذا النوع قال أبو حنيفة، لأن الشركة مقتضاها الوكالة.
ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها.
ونص أحمد على جوازه في رواية أبي طالب فقال: لا بأس أن يشترك القوم
بأبدانهم وليس لهم مال، مثل: الصيادين والبقالين والحمالين " قد أشرك النبي ﷺ بين عمار وسعد وابن مسعود. فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء " (^٢) . وفسّر أحمد صحة الشركة في الغنيمة فقال: يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول، لأن القاتل يختص به دون الغانمين. والحديث الذي احتج به الإمام رواه أبو داود والأثرم.
فإن قيل: قالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى. فكيف يصح اختصاص عمار وسعد وابن مسعود بالشركة فيها؟
_________________
(١) في أ: اختلافهما.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٨٨) ٣: ٥٧ كتاب البيوع، باب في الشركة على غير رأس مال. وأخرجه النسائي في " لشنه، (٤٦٩٧) ٧: ٣١٩ كتاب البيوع، الشركة بغير مال.
[ ٦ / ٦٤ ]
قالجواب: أن ذلك كان في غزوة بدر، وغنائمها كانت لمن أخذها. قَبْل
أن يُشرك الله تعالى بينهم. ولهذا نقل أن النبي ﷺ قال: " من أخذ شيئا فهو له " (^١) فكان ذلك من قبيل المباحات.
فإن قيل: غنائم بدر كانت لرسول الله ﷺ، وكان له أن يدفعها لمن يشاء، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا. فلا يكون في الحديث حجة على صحه الشركه؟ قالجواب: أن الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم فأنزل الله ﵎ (^٢): ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنقال: ١] والشركة كانت قبل ذلك. ويدل على صحة هذا: أنها لو كانت لرسول الله ﷺ لم يخل: إما أن يكون قد أباحهم أخذها فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم فكيف يشتركون في شيء لغيرهم.
ويدل لصحة شركة الأبدان من جهة المعنى: أن العمل أحد جهتى المضاربة. فصحت الشركة عليه؛ كالمال.
وعلى أبي حنيفه: أنا لا نسلم أن الوكالة لا تصح في المباحات فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، وكذلك يصح بغير عوض إذا تبرع أحدهما بذلك؛ كالتوكيل في بيغ ماله.
(و) النوع الثانى: أن يشتركا فيما (يتقبَّلان في ذممهما من عمل)؛ كنسج وقصارة وخياطة.
قال أحمد في روايه الأثرم وإبراهيم بن الحارث: في خياطين اشتركا فقال
كل واحد منهما للآخر: ما أصبت (^٣) فبيني وبينك: فهو جائز.
وإن قال أحدهما: أنا أتقبل (^٤) وأنت تعمل والأجرة بيني وبينك: صحت
_________________
(١) أخرجه البيهقي. في " السنن الكبرى " ٦: ٣١٦ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب الوجه الثالث من النفل.
(٢) في أ: فانزل الله تعالى.
(٣) في أ: أصيب.
(٤) في أوب: القبل.
[ ٦ / ٦٥ ]
الشركة؛ لأن الضمان يستحق به الربح. بدليل شركة الأبدان. فتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح. فصار كتقبله المال في المضاربة. والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضاربة. فيُنَزّل منزلة المضاربة. (ويطالبان) أي: يطالب كل منهما (بما يتقبله أحدهما) من عمل، (ويلزمهما عمله)؛ لأن مبنى هذه الشركة على الضمان. فكأنها تضمنب ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه.
وفيه احتمال: أنه لا يلزم أحدهما عمل ما يتقبله الآخر.
[(ولكل) من الشريكين] (^١) (طلب أجرة) لعمل تَقَبَّله صاحبه، وللمستًاجر دفعها إلى كل واحد منهما. وإلى أيهما دفع برئ منها (^٢) .
(وتلفها) أي: الأجرة حال كونه (بلا تفريط بيد أحدهما) مضمون عليهما؛ لأن كلاًّ منهما وكيل الآخر في المطالبة.
(وإقر اره) أي: إقرار أحدهما (بما في يده) مقبول (عليهما)؛ لأن اليد
له [فيقبل إقراره بما فيها. بخلاف (^٣) إقراره بما في (^٤) يد شريكه أو بدين عليه؛ لأنه لا يد له] (^٥) على ذلك.
(والحاصل) من أجرة عمل ما يتقبلاه أو أحدهما مقسوم بينهما (كما شرطا) عند انعقاد الشركة من مساواة أو تفاضل؛ لأن العمل يستحق به الربح ويجوز تفاضلهما في العمل. فجاز في الربح الحا صل به.
(ولا يشترط) لصحتها (اتفاق صنعة). فلو اشترك حداد وخياط فيما يتقبلان في ذمهما من عمل: صح؛ لأنهما اشتركا في مكسب مباح. فصح؛ كما لو اتفقت الصنائع.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: منهما.
(٣) في أ: خلاف.
(٤) ساقط من أ.
(٥) ساقط من ب.
[ ٦ / ٦٦ ]
ولأن الصنائع المتفقة قد يكون أحد الشريكين أحذق فيها من الآخر فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن (^١) الآخر عمله. ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصناعتان.
وفيه وجه: يشترط ذلك؛ لأنه إذا لزم أحدهما عمل ما يتقبله الآخر. فكيف يطالب بما لا قدرة له عليه؛
وجوابه: بأنه يمكنه تجصيل ذلك بالأجره أو بمن يتبرع له بعمله.
(ولا) يشترط لصحة الشركة أيضًا (معرفتها) أي: الصنعة لواحد منهما.
فلو اشترك اثنان لا يحسنان الخياطة في تقبلها وأن يدفعا ما يتقبلاه من ذلك لمن يحسن الخياطة بما يوافقانه من الأجرة، وما فضل فبينهما: صح؛ لما تقدم من أن التقبّل يوجب الضمان على المتقبّل ويستحق به الربح؛ لأن مبنى هذه الشركة على الضمان.
(ف) ينبني على صحة شركة الأبدان ممن لا يعرف الصنعة: أنه (يلزم غير عارف) الصنعة التي اشتركا على العمل فيها (إقامة عارف) لها (مقامه) في العمل؛ ليحصل المقصود لكل من الشريكين والمستأجر.
(وإن مرض أحدهما) أي: الشريكين، (أو ترك العمل) مع شريكه
(لعذر، أو لا) لعذر؛ كما لو تركه وهو حاضر صحيح: (قالكسب بينهما) على ما شرطاه.
قال ابن عقيل: نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن هانئ. وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الأبدان فيأنى أحدهما بشيء ولا يأتي الآخر بشيء، قال: نعم. هذا بمنزلة حديث سعد وابن مسعود.
قال في " المغني ": يعني: حيث اشتركوا. فجاء سعد بأسيرين وأخفق
الآخران.
ولأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة. فتكون لهما،
_________________
(١) في ا: يكره.
[ ٦ / ٦٧ ]
ويكون العامل منهما عونًا لصاحبه في حصته. ولا يمنع ذلك استحقاقه؛ كمن استأجر رجلًا ليقصر له ثوبًا فاستعان القصار بإنسان يقصره (^١) معه فإن الأجرة تكون للقصار والمستأجر. كذا هنا.
وفيه وجه: أنه إن ترك العمل لغير عذر لا يشارك صاحبه في كسب ما عمله. (ويلزم من عذر) بمرض أو نحوه في ترك العمل مع شريكه (بطلب شريكه) له (أن يقيم مقامه) في العمل؛ لأنهما دخلا على أن يعملا. فإذا تعذر عمل أحدهما بنفسه لزمه أن يقيم مقامه توفية لما يقتضيه العقد. فإذا امتنع من ذلك فللآخر الفسخ.
(ويصح أن يحملا على دابتيهما ما يتقبلانه) من حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم (في ذممهما)، والأجرة بينهما على ما شرطاه؛ لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما. ولهما أن يحملاه على أي ظهر كان. والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه.
و(لا) يصح (أن يشتركا في أجرة عين الدابتين، أو) في أجرة (أنفسهما إجارة خاصة)؛ مثل أن يقول المستأجر: استأجرت هذين الدابتين، أو استأجرتكما لحمل هذا المتاع إلى محل كذا؛ لأنه يصح ضمان الحمل في ذمتهما. وإنما استحق المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها أو منفعة المؤجر نفسه، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر من البهيمه والإنسان.
(ولكل) من مالكي الدابتين (أجرة دابته) فيما إذا أجرا (^٢) عين الدابتين، (و) أجرة (نفسه) فيما إذا أجرا أنفسهما؛ لعدم صحة الشركة. وفيها وجه. (وتصح شركة اثنين: لأحدهما آلة قصارة، وللآخر بيت) شركة أبدان،
على أنهما (يعملان) صنعة القصارة (فيه) أي: في البيب (بها) أي: بالآلة، وما حصل فبينهما؛ لأن الشركه وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في
_________________
(١) في ج: ليقصره.
(٢) في أ: أجار.
[ ٦ / ٦٨ ]
الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء؛ لأنهما يستعملان في العمل المشترك. فصار كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله.
وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء، أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيب والأجرة بينهما: صح؛ لما ذكرنا. و(لا) يصح أن يشترك (ثلاثة: لواحد دابة، وللآخر راوية، وثالث يعمل) بالراوية على الدابة، على أن ما رزقه الله تعالى فهو بينهم.
(أو أربعة: لواحد دابة، ولآخر رحى، ولثالث دكان، ورابع يعمل) الطحن بالدابة والرحى في الدكان، وما رزقه الله تعالى فهو بينهم؛ لأنهذا لا يجوز أن يكون مشاركه ولا مضاربة؛ لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض. ولأن من شرطهما عود رأس المال سليمًا بمعنى: أنه لا يستحق شيئًا من الربح حتى يستوفي رأس المال. والراوية هاهنا تَخْلَق وتنقص. ولا إجارة؛ لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم. فتكون فاسدة.
(و) على هذا: يكون (للعامل) وهو: السقاء في المسألة الأولي، والطحان في المسألة الثانية (أجرة ما تقبله) من عمل؛ لأنه هو المستأجر لحمل الماء والطحن، (وعليه أجرة آله رفقته)؛ لأنه استعمل التهم بعوض لم يسلم لهم. فكان لهم أجرة المثل؛ كسائر الإجارات الفاسدة.
(ومن استأجر مئهم ما ذُكر للطحن) بأن جاء إنسان وقال: استأجرت هذه الدابة والرحى والدكان، وهذا الرجل لطحن (^١) كذا بكذا، وقال كل واحد من الرجل ورب الدابة ورب الرحى ورب الدكان: أجرناك: (صح) العقد، (و) تكون (الأجرة) بين الأربعة (بقدر القيمة) أي: توزع بينهم على قدر أجر مثل الأعيان المؤجرة.
وقيل: تكون بينهم أرباعًا، بناء على الوجهين فيما إذا اشترى أربعة أعبد أو تزوج أربعًا بعوض واحد.
_________________
(١) في أ: لطحين.
[ ٦ / ٦٩ ]
(وإن تقبّلوه) أي: تقبّل الأربعة العمل (في ذممهم). بأن جاء إنسان فقال لرب الدابة ولرب الرحى ولرب الدكان وللرجل الرابع: استأجرتكم لتطحنوا لي هذه الغرارة القمح بمائة وقبلوا: (صح، و) تكون (الأجرة) بينهم (أرباعًا)؛ لأن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه بربع الأجرة.
(ويرجع كل) منهم (على رفقته) الثلاثة؛ (لتفاوت العمل) أي: لأجل تفاوت العمل من الأربعة (بثلاثة أرباع أجر المثل) من جهته على كل واحد بالربع. فيرجع رب الدابة على رب الرحى وعلى رب الدكان وعلى الرجل الرابع بثلاثة أرباع أجر مثل الدابة بالسوية عليهم، والربع الآخر يسقط؛ لأنه في مقابلة ما حصل له من العمل. وهكذا صاحب الرحى وصاحب الدكان وصاحب العمل. فلو كانت أجرة مثل الدابة أربعين والرحى ثلاثين والدكان عشرين وعمل العامل عشرة فإن رب الدابة يرجع على الثلاثة بثلاثة أرباع أجرتها وهي ثلاثون مع ربع أجرتها الذي لا يرجع به على أحد وهو عشرة فيكمل له أربعون، ويرجع رب الرحى باثنين وعشرين ونصف مع ما لا يرجع به وهو سبعة ونصف فيكمل [له ثلاثون، ويرجع رب الدكان بخمسة عشر مع ما لا يرجع به [وهو خمسة فيكمل له] (^١) عشرون، ويرجع العامل بسبعة ونصف مع ما لا يرجع به] (^٢) وهو درهمان ونصف فيكمل له عشرة. ومجموع ذلك مائه درهم وهي القدر الذي استأجروا به. وإنما لم يرجع بالربع الرابع؛ لأن كلا منهم قد لزمه ربع الطحن بمقتضى الإجارة فلا يرجع بما لزمه على أحد. والله أعلم.
ولو تولى أحلى هما الإجارة لنفسه كانت الأجرة كلها له، وعليه لكل واحد من رفقته أجرة ما كان من جهته.
وفي مسألتي المتن وجه بصحة العقد، واختاره الموفق. وقدمه في "الفروع "
وفي " الإنصاف ".
وقال عنه في " التنقيح " بعد أن تقدم ما ذكرته في المتن: وقياس نصه
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٧٠ ]
صحتهما. واختاره الموفق وغيره وهو أظهر.
ولعل تقديمه في " التنقيح " لما في المتن لقول صاحب " الفروع ": وعند
الأكثر (^١) فاسدتان. والله أعلم.
(و) إن قال إنسان لآخر: (أجِّر عبدى أو دابتى والأجرة بيننا) ففعل، (فله أجرة مثله) لا غير.
(ولا تصح شركة دلاَّلين) قاله في " الترغيب " وغيره، لأنه لابد فيها من وكالة. وهي على هذا الوجه لا تصح، كأجِّر دابتك والأجرة بيننا، لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكله والضمان. ولا وكالة هنا فإنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير. ولا ضمان. فإنه لا دين يصير بذلك في ذمة واحد منهما. ولاتقبل (^٢) عمل.
وفي " الموجز ": تصح. وقاله في " المحرر " إن قيل للوكيل التوكيل.
وهو معنى " المجرد " (^٣) .
قال الشيخ تقي الدين: وتسليم الأموال إليهم مع العلم بالشركة إذن لهم. قال: وإن باع كل واحد ما أخذ ولم يعط غيره واشتركا في الكسب جاز في أظهر الوجهين كالمباح، ولئلا يقع النزاع.
ونقل أبو داود: في رجل يأخذ ثوبا يبيعه فيعطيه آخر يبيعه ويناصفه الكراء: الكراء لبائعه. إلا أن يكون اشتركا فيما أصابا.
وذكر الموفق: أن قياس المذهب في الإجارة: جوازه.
وقال القاضي وأصحابه: إذا قال: أنا أتقبل العمل وتعمله أنت والأجرة بيننا جاز. جعل الضمان المتقبل كالمال.
وقال الشيخ تقي الدين: نقل من خط ابن الصيرفي فيما علقه على عهد
_________________
(١) في ب: الأكثرين.
(٢) في أوب: يقبل.
(٣) في أ: المحرر.
[ ٦ / ٧١ ]
الأدلة: ذكر القاضي إلى أن شركة الدلالين لا تصح؛ لأنه توكيل في مال الغير. وقال الشريف أبو جعفر وابن عقيل: تصح الشركة على ما قاله في منافع البهائم. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: تصح شركة الشهود. ولشاهد أن يقيم غيره مقامه (^١) إن كان الجعل على عمل في الذمة.
وكذا صحح أن له ذلك، ولو كان الجعل على شهادته بعينه.
وقال أيضًا: إن اشتركوا على أن كل ما حصله (^٢) كل واحد منهم بينهم، بحيث إذا كتب أحدهم وشهد شاركه الآخر وإن لم يعمل فهي شركة الأبدان تجوز حيث تجوز الوكالة. وأما حيث لا تجوز ففيه وجهان؛ كشركة الدلالين.
(وموجب العقد المطلق) في شركة وجُعاله وإجارة: (التساوي في عمل وأجر)؛ لأنه لا مرجح لواحد يستحق به الفضل.
(و) على هذا (لذي زيادة عمل) حيث (لم يتبوع) بالزيادة (طلبها) من رفقته؛ ليحصل التساوي.
(ويصح) ممن يريد الشركة (جمعٌ بين شركة عنان، وأبدان، ووجوه، ومضاربة)؛ لأن كل شركة منها تصح منفردة. فصحت مع غيرها.
قال ابن منجى: وكما لو. ضم ماء طهور إلى مثله.
***
_________________
(١) في أوب: مقامه غيره.
(٢) في أوب: مقامه غيره.
[ ٦ / ٧٢ ]
[فصل: في شركة المفاوضة]
(فصل) الضرب (الخامس) من الأضرب الخمسة: (شركة المفاوضة). والمفاوضة لغة: الاشتراك في كل شيء؛ كالتفاوض.
(وهي) شرعًا (قسمان):
أحدهما: (صحيح. وهو) نوعان:
الأول: (تفويض كل) من الشريكين (إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة، ومضاربة، وتوكيلًا، ومسافرة بالمال، وارتهانًا، وضمان ما يرى من الأعمال).
وهي الجمع بين عنان وأبدان ووجوه ومضاربة.
والنوع الثانى: هو المشار إليه بقوله: (أو يشتركان في كل ما ثبت لهما أو عليهما، إن. لم يدخلا) في ذلك (كسبًا نادرًا، أو غرامة)؛ لأن النوعين (^١) لا يخرجان عن أضرب الشركة التي تقدمت.
قال في " الفروع ": وأطلق في " المحرر " إن شرط أن يشتركا فى كل ما
ثبت لهما أوعليهما فشرط فاسد.
(و) القسم الثاني من شركة المفاوضة: (فاسد. وهو: أن يُدخلا) في الشركة (كسبا نادرأ؛ كوجدان لقطة أو ركاز، أو) يدخلا فيها (ما يحصل) لهما (من ميراث، أو) يدخلا فيها (ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، أو أرش جناية، ونحو ذلك)، كضمان عارية، ولزوم مهر بوطء. نص على فساد هذا القسم الإمام؛ لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله.
_________________
(١) في ج: النوعان.
[ ٦ / ٧٣ ]
ولما فيه من كثرة الغرر؛ لأنه قد يلزم فيه شيء لا قدرة للشريك على القيام به. ولأن حصول الكسب فيه على الوهم لا الظن.
ولأنه يضمن ما لا يقتضيه العقد من كقالة وغيرها. فكان فاسدًا.
وفيه رواية بالصحة.
قال في " الفروع ": وفي طريقة بعض أصحابنا (^١): شركة المفاوضة أن يقول: أنت شريك لي في كل ما يحصل لي بأي جهة كانت من (^٢) إرث وغيره، لنا فيه روايتان، المنصوص: لا يصح. انتهى.
(ولكل) من الشركاء في هذا القسم (ما يستفيده، وربح ماله، وأجرة عمله) لا يشاركه فيه غيره.
(ويختص) غاصب أيضًا (بضمان ما غصبه أو جناه أو ضمنه عن الغير)؛
لأن لكل نفس ما كسبت وعليهما ما اكتسبت.
_________________
(١) في ب: وفي بعض طريقة بعض الأصحاب.
(٢) في أ: في.
[ ٦ / ٧٤ ]
[باب: المساقاة]
هذا (باب المساقاة) مفاعلة من السقي؛ لكونه كان أهم أمرها؛ لأن النخل كانت تسقى بالحجاز نضحًا من الآبار فتكثر مشقته. فأخذت المفاعلة منه.
وهي شرعًا: (دفع شجر مغروس معلوم) للمالك والعامل برؤية أو صفة
لا يختلف معها؛ كالبيع.
فلو ساقاه على أحد هذين الحائطين: لم يصح؛ لأنها معاوضة يختلف العوض فيها باختلاف الأعيان. فلم يجز على غير معين؛ كالبيع.
(له ثمر مأكول، لمن يعمل عليه) أي: على الشجر (بجزء مشاع معلوم
من ثمره) النامي بعمله المتكرر كل عام؛ كالنخل والكرم والرمان والجوز واللوز والزيتون.
فلا تصح على ما يتكرر حمله في عام واحد؛ كالقطن والمقانى ونحو ذلك.
قال صاحب " الرعاية " وغيره: ولا تصح المساقاة على ما لا ساق له.
والأصل في جوازها السنة.
ومنها ما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر"ما يخرج منها من ثمر أو زرع " (^١) . متفق عليه.
وعن طاووس " أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع. فهو يعمل به إلى يومك هذا " (^٢) . رواه ابن ماجه.
وقال البخاري: قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٨٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (٢٤٦٣) ٢: ٨٢٣ كتاب الرهون، باب الرخصة في المزارعه بالثلث والربع.
[ ٦ / ٧٥ ]
﵈: " ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع " (^١) . والمعنى شاهد بذلك ودال عليه. فإن كثيرًا من أهل الشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة (^٢) الفئتين؛ كالمضاربة بالأثمان.
وما روي عن ابن عمر أنه قال: " كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج أن رسول اللهﷺ نهى عن المخابرة " (^٣): فمحمول على رجوعه عن معاملات فاسدة فسرها رافع في حديثه.
اعلى أنه روي تفسير خبر رافع عنه بما يَدُل على صحة ما تقدم. فروى البخاري بإسناده إليه قال: " كنا نُكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض. فّمما يُصاب ذلك وتسلمُ الأرض، ومما تسلم الأرض ويسلم ذلك. فنُهينا. فأما الذهب والورق- فلم يكن يومئذ " (^٤) .
وروي تفسيره أيضًا بشيء غير هذا من أن أنواع الفساد.
وهو مضطرب أيضًا.
قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يسأل عن حديث رافع بن خديج " نهى رسول الله ﷺ عن المزارعة " (^٥) . فقال: رافع يروى عنه في هذا ضروب. كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه توهن حديته.
وقال طاووس: إن أعلمهم- يعني: ابن عباس- أخبرنى " أن النبي ﷺ لم
ينه عنه. ولكن قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يًا خذ عليها خراجًا
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ٢: ٨٢٠ كتاب الحرث والمزارعة، باب المزارعه بالشطر ونحوه.
(٢) في ب: المصلحة.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٩١٧) ٧: ٤٨ كتاب الأيمان والنذور، ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع. . .
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٠٢) ٢: ٠ ٨٢ كتاب المزارعة، باب قطع الشجر والنخل.
(٥) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٨٦٥) ٧: ٣٤ الموضع السابق.
[ ٦ / ٧٦ ]
معلومًا " (^١) . رواه البخاري ومسلم.
وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه. الله أعلم.
ومقتضى ما في المتن: أنها لا تتقيد بالنخل والكرم.
وعنه: بلى، وفاقًا للشافعي؛ لأن الزكاة تجب في ثمرتهما.
ووجه المذهب: عموم قول ابن عمر: " عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر " (^٢) .
وهذا عام في كل ثمر. ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخل
والكرم.
ولأنه شجر يثمر كل حول. فأشبه النخل والكرم.
ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه أكثر من النخل والكرم لكثرته.
وأما وجوب الزكاة فليس من العلة المجوزة للمساقاة ولا أثر لها فيها.
ومقتضاه أيضًا: أنها لا تصح على ما ليس له ثمر مأكول؛ كالصفصاف والسَّرو ونحوهما، ولو كان له زهر مقصود؛ كالياسمين ونحوه. وهو المذهب. وفي الياسمين ونحوه وجه قوي.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
وفيما يقصد ورقه وجه بالصحة أيضًا.
وعموم قول المتن: - له ثمر: يشمل ما لو كان الثمر موجودًا لكنه لم يكمُل.
بدليل قوله: يعمل عليه؛ لأنه إذا كمل لا يحتاج إلى عمل. وفي ذلك روايتان أصحهما الصحة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٠٥) ٢: ٨٢١ كتاب المزارعة، باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٥٠) ٣: ١١٨٤ كتاب البيوع، باب الأرض تمنح.
(٢) سيأتي تخريجه ص (٨٠) رقم (٢).
[ ٦ / ٧٧ ]
قال في " الفروع ": وعلى الأصح: وعلى ثمر بدا ولم يكمل بجزء منه؛
لأن المساقاة إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فمع قلته أولى.
وقوله: بجزء مشاع معلوم من ثمره يدل على شيئين:
أحدهما: أنها لا تصح إلا على ذلك. فلو ساقاه على جزء مبهم " كالسهم والجزء والنصيب ونحو ذلك لم تصح " لأنه إذا لم يكن معلومًا لم تمكن القسمة بينهما.
والثانى: أن الشرط للعامل، لأنه إنما يأخذ بالشرط. قالشرط يراد لأجله، وربّ المال يأخذه بماله. فيكون المشروط للعامل ويكون الباقي لرب المال. ولو كان في البستان أجناس، كالتين والزيتون والكرم والرمان فشَرَط للعامل
من كل جنس قدرًا كنصف ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم وخمس الرمان. أو كان فيه أنواع من جنس فَشرَط من كل نوع قدرًا وهما يَعرفان قدر كل نوع: صح، لأن؛ ذلك كأربعة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر.
[ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالثلث ونصفه هذا بالربع وهما متميزان: صح؛ لأنهما كبساتين] (^١) .
ولو ساقاه على بستان أو أكثر ثلاث سنين، على أن له في الأولى النصف،
وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع أو نحو ذلك: جاز؛ لأن قدر الذي له في كل سنة معلوم. فصح؛ كما لو شرط له من كل نوع قدرًا.
وتجوز المساقاة على البعل من الشجر كما تجوز على ما يحتاج إلى سقي.
قال في " المغني ": ولا نعلم فيه خلافًا عند من يُجَوّز المساقاة " لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك؛ كدعائها إلى المعاملة في غيره فيقاس عليه. وكذلك الحكم في المزارعة. انتهى.
_________________
(١) ساقط من. ب
[ ٦ / ٧٨ ]
(والمنا صبة. و) هي (المغارسة: دفعه) أي: الشجر (بلا غرس)
أي: غير مغروس (مع أرض، لمن يغرسه) فيها، (ويعمل عليه حتى يثمر، بجزء مشاع معلوم منه) أي: من عين الشجر، (أو من ثمره أو منهما) أي: من الشجر وثمره.
قال في رواية أبي داود: إذا قال الرجل: اغرس في أرضي هذه شجرًا أو
نخلا فما كان من غلة فلك بعملك كذا فأجازه. واحتج بحديث خيبر.
فهذا نص فيما إذاجعل له جزءًا من النماء (^١) .
قال في " الفروع ": وظاهر نصه: وبجزء منه أي: الشجر والثمر؛
كا لمزراعة. انتهى.
لأن العمل وعوضه معلومان. فصحت؛ كالمساقاة على شجر موجود.
قال في " الفروع ": واختاره- أي: القول بصحة هذا- أبو حفص العكبري والقاضي في " تعليقه " وشيخنا، وذكره ظاهر المذهب. وقال: ولو كان مغروسًا ولو كان ناظر وقف، وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة، وأن لحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط، والحكم به من جهة عوض المثل ولو لم تقم به بينة؛ لأنه الأصل في العقود، ويتوجه اعتبار بيّنة. انتهى.
ومقتضى ما في المتن اشتراط كون الغرس من رب الأرض " لأنه قال: دفعه
مع أرض. وهو المذهب.
وفيه وجه مخرج على الرواية: في عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض.
ومتى وقع ذلك كان رب الأرض بالخيار بين تكليفه قلعها ويضمن له نقصها، وبين إقرارها في أرضه ويدفع إليه قيمتها؛ كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها ثم جاء الشفيع فأخذها. قاله القاضي.
وإن اختار العامل قلع شجره فله ذلك. سواء بذل له رب الأرض قيمتها "
_________________
(١) في أ: آلتهما.
[ ٦ / ٧٩ ]
أو لا؛ لأنه ملكه. فلم يمنع تحويله.
وإن اتفقا على إبقاء الغرأس ودفع أجرالأرض جاز.
وإن دفع أرضًا وشجرًا لمن يعمل على ذلك بجزء من الأرض والشجر لم يصح.
قال في " المغني ": ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه شَرَط اشتراكهما في الأرض ففسد؛ كما لو دفع إليه الشجر والنخل (^١) - يعني: بلا أرض- ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما.
(والمزارعة: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو) دفع (مزروع ليعمل عليه) المدفوع له، (بجزء مشاع معلوم من المتحصّل).
وتسمى المزارعة خمابرة، واشتقاقها من الخَبار- بفتح الخاء- وهي الأرض اللينة ومواكرة أيضًا، والعامل فيها خبيرًا وأكارا.
وبجوازها قال أكثر أهل العلم.
وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والقاسم وعروة
آل أبي بكر وآل علي وابن سيرين؛ لما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " أن النبي ﷺ: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر. فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقًا تمرًا، وعشرون وسقًا شعيرًا. فقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبى ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن الأوسق. فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق. فكانت عائشة اختارت الأرض " (^٢) .
والمعنى دال على ذلك فأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها والعمل عليها. والَاكَرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم فاقتضت الحكمة جواز المزارعة؛ كما تقدم في المضاربة والمساقاة. بل الحاجة هنا آكد؛ لأن
_________________
(١) في أوب: والنخيل.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٠٣) ٢: ٨٢١ كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر ونحوه.
[ ٦ / ٨٠ ]
الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مقتاتًا، ولكون الأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها. بخلاف المال.
وقال الشيخ تقي الدين: هي أحلّ من الإجارة؛ لاشتراكهما في المغنم والمغرم. وكرهها بعض العلماء؛ لحديث رافع المتقدم (^١) .
ولقول جابر: " نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة " (^٢) .
وقد روى حديث خيبر أيضًا فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن. فإن تعذر حمل على أنه منسوخ لاستحاله نسخ (^٣) قصة خيبر على ما تقدم.
وتقدم الجواب عن حديث رافع (^٤) .
وقال أصحاب الشافعي: تحمل أحاديث الجواز على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء جمعًا بينهما.
وبعّد ذلك في " المغني " من خمسة أوجه فليراجعها من شاء.
(ويعتبر) لصحة ما تقدم (كون عاقد كل) من المساقاة والمناصبه والمزارعة (نافذ التصرف) في ماله؛ لأن كلًا منها عقد معاوضة. فاعتبر لها ذلك؛ كالبيع.
(وتصح مساقاة بلفظها) أي: بلفظ المساقاة، (و) بلفظ (معاملة، ومقالحة، و) بقوله: (اعمل بستانى هذا) حتى تكمل ثمرته، (ونحوه) أي: مما يؤدي معناها من الألفاظ؛ لأن القصد المعنى. فإذا أتى به بًاي لفظ دل عليه صح؛ كالبيع.
(و) تصح المساقاة (مع مزارعة) أي: والمزارعة أيضًا (بلفظ: إجارة). فلو قال: استأجرتك لتعمل في هذا الحائط حتى تكمل ثمرته
_________________
(١) ص: ٨٠.
(٢) اخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٥٢) ٢: ٨٣٩ كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل.
(٣) في أ: لنسخ.
(٤) ص (٧٦) رقم (٥).
[ ٦ / ٨١ ]
بنصفها: صح " لأنهذا اللفظ مؤد للمعنى. فصح به العقد " كسائر الألفاظ المتفق عليها.
وقيل: لا.
وقيل: أن صحت بلفظ الإجارة كانت إجارة.
(و) تصح المساقاة والمزراعة (على ثمرة وزرع موجودين ينميان بعمل)؛
لأنهما إذا جازا في المعدومين مع كثرة الغرر. فعلى الموجودين مع قلته أولى. وتقدم أن العبارة في أول الباب (^١) تتناوله لكن بعد التأمل " فلأجل ذلك صرحت به بعد.
(وتصح إجارة أرض بجزء مشاع معلوم) جنسه (مما يخرج منها). سواء
كان طعامًا، كالبر والشعير، أو غيره، كالقطن والكتان.
قال أحمد في رواية جماعة: فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج
منها أنه يصح، وكون هذا نصًا في الإجارة واختيار أكثر الأصحاب " لأنها مذكورة بلفظها. فتكون إجارة حقيقة (^٢)، ويشترط فيها شروط الإجارة، وأنها كما تصح بالدراهم تصح ببعض الخارج منها.
وقال أبو الخطاب ومن تبعه: أنهذه مزارعة بلفظ الإجارة عبر عنها بذلك
على سبيل المجاز.
وعنه: تكره الإجارة على هذه الصورة.
(فإن لم تزرع) الأرض. سواء قيل أنها مزارعة أو إجارة على النص وهو الصحيح (نظر) بالبناء للمفعول (إلى معدَّل المغلّ) من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي: نظر إلى المغل المعدل أي: الموازن لما يخرج منها لو زرعت: (فيجب القسط المسمى) في العقد.
وأن فسدت وسميت إجارة فأجرة المثل.
_________________
(١) ص (٧٨).
(٢) في أوب: حقيقيه.
[ ٦ / ٨٢ ]
وقيل: قسط المثل.
قال في " الفروع ": واختاره شيخنا.
(و) تصح إجارة الأرض أيضًا (بطعام معلوم من جنس الخارج) منها (وغيره) أي: غير جنسه، كما لو أجره إياها سنة؛ كزرع الشعير بغرارة من دخن. . وعنه: لا تصح بطعام من جنس الخارج منها.
وعنه: تكره.
وحمل القاضي رواية الجواز على الذمة، ورواية المنيع على أنه منه.
وعنه: فيما إذا كانت من غير جنسه: ربما تهيّبْته أي: القول بالجواز.
(ولو عَمِلا) أي: عمل شريكان (في شجر بينهما نصفين، وشرطا التفاضل في ثمره) بأن قالا: على أن لك الثلث ولي الثلثان: (صح) في أصح الوجهين؛ لأن من شُرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث.
(بخلاف مساقاة أحدهم الآخر بنصفه) أي: الثمر أو بثلثه أو نحو ذلك،
فإن المساقاة هنا فاسدة؛ لأن العامل فيما إذا شرط له النصف يستحقه بملكه. فلم يجعل له في مقابلة عمله شيئًا، وفيما إذا شرط له الثلث أو نحوه قد شرط أن غير العامل يأخذ من نصيب العامل جزءًا (^١) ويستعمله بلا عوض فلا يصح. فإذا عمل العامل بناء على ذلك كان الثمر بينهما نصفين بحكم الملك.
(أو كله) يعني: ون شرط له كل الثمرة فسدت أيضًا. قاله في "التلخيص ".
(وله أجرته) أي: وللعامل أجرة مثله (أن شرط الكل له)؛ لأن المساقاة تقتضي عوضًا ولم يسلم له العوض فيكون له أجر مثله.
وقيل: لا يستحق شيئًا؛ لأنه تبرع به لرضاه بالعمل بغير عوض. أشبه ما لو
قال: أنا أعمل فيه بغير شيء.
_________________
(١) في ج: جزء.
[ ٦ / ٨٣ ]
وأن جعل له من الثمرة أكثر من نصيبه كما لو جعل له التلثين والشجر بينهما بالسوية: صح، وكاد السدس حصته من المساقاة. فصار كأنه قال: ساقيتك على نصيبي بالثلث منه.
(ويصح توقيت مساقاة)، لأنه لا ضرر في تقدير مدتها.
(ولا يشترط) ذلك؛ لأنها من العقود الجائزة فإبقاؤها وفسخها لكل منهما. فلم يحتج إلى مدة، كالمضاربة.
وقيل: هي عقد لازم، كالإجارة.
وقيل: أنها جائزة من جهة العامل لازمة من جهة المالك.
(و) على المذهب: (يصح) توقيتها (إلى جذاذ، و) إلى (إدراك، و)
إلى (مدة تحتمله) أي (^١): تحتمل إدراك الثمرة فيها. لا إلى مدة لا تحتمله؛ لأن
(ومتى أنفسخت) المساقاة بفسخ أحدهما أو غير ذلك (وقد ظهر ثمر) في الشجر المساقى عليه: (ف) ما ظهر (بينهما على ما شرطا، وعلى عامل تمام العمل)، كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح. قال (المنقح: فيؤخذ منه) أي: من قول الأصحاب أن على عامل تمام
العمل بعد الفسخ وظهور الثمرة: (دوام العمل على العامل في المناصبه ولو فسخت إلى أن تَبِيد. والواقع كذلك). انتهى كلام المنقح.
(ولا شيء لعامل فسخ أو هرب قبل ظهور) ثمر، لأنه رضي بإسقاط حقه. فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل الجُعالة إذا فسخ قبل تمام عمله.
(وله) أي: للعامل (إن مات، أو فسخ رب المال) المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد الشروع في العمل: (أجرُ عمله)، لأن العقد يقتضي العوض
_________________
(١) في أ: إلى.
[ ٦ / ٨٤ ]
المسمى ولم يرض العامل بإسقاط حقه منه؛ لأن الموت لم يًاته باختياره في المسألة الأولى.
ولأن رب المال منعه من إتمام العمل بفسخه في المسألة الثانية. فإذا تعذر المسمى رجيع إلى أجر المثل.
وفارق رب المال في المضاربة إذا فسخها قبل ظهور ربح فإن العامل لا شيء
له؛ لأن العمل (^١) هنا مفض إلى ظهور الثمرة غالبًا. فلولا الفسخ لملك نصيبه منها وقد قطع ذلك بفسخه. فأشبه ما لو فسخ الجاعل الجعاله قبل إتمام عملها. بخلاف المضاربة فإنه لا يعلم إفضاوها إلى الربح.
ولأن الثمرة إذا ظهرت في الشجر كان العمل عليها في الابتداء من أسباب ظهورها، والربح إذا ظهر في المضاربة قد لا (^٢) يكون للعمل الأول فيه أثر أصلًا. (وإن بان الشجر) المساقى عليه (مستحيقًا) لغير الساقي بعد عمل العامل أخذه ربه وثمرته؛ لأنه عين ماله، ولا أجر عليه للعامل؛ لأنه لم يأذن له في العمل.
وحيث فاته عوض عمله من قبل المالك (فله أجرة مثله) على الغاصب؛
لأنه غره واستعمله، كما لو غصب نقرة واستأجر من ضربها دراهم.
وأن شّمس العامل الثمرةفلم تنقص قيمتها بذلك أخذها ربها، وإن نقصت فلربها أرش نقصها يرجع به على من شاء منهما، ويستقر ذلك على الغاصب. وأن استحقت بعد إن اقتسماها وأكلاها فلربها تضمين من شاء منهما. فإن ضمن الغاصب فله تضمينه الكل. وله تضمينه قدر نصيبه؛ لأن الغاصب سبب يد العامل. فلزمه (^٣) ضمان الجميع.
فإن ضمنه الكل رجع على العامل بقدر نصيبه؛ لأن التلف وجد في يده
_________________
(١) في أ: العامل
(٢) في أ: فلا.
(٣) في أوب: فلربه.
[ ٦ / ٨٥ ]
فاستقر الضمان عليه. ويرجع العامل على الغاصب بأجر مثله.
ويحتمل أن لا يرجع الغاصب على العامل بشيء؛ لأنه غره. فلا يرجع عليه؛ كما لو أطعم أنسانًا شيئًا وقال: كله فإنه طعامي ثم تبين أنه مغصوب. وإن ضمن العامل احتمل أنه لا يضمنه إلا نصيبه خاصة؛ لأنه ما قبض الثمرة كلها، وإنما كان مراعيًا لها وحافظًا فلا يلزمه ضمانها ما لم يقبضها.
ويحتمل أن يضمنه الكل؛ لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق. فإن ضمنه الكل رجع على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله.
وإن ضمن كل واحد منهما ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجر مثله لاغير.
وأن تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل قسمة فمن جعل العامل قابضًا
لها بثبوت يده على حائطها قال: يلزمه ضمانها، ومن قال: لا يكون قابضًا إلا بأخذ نصيبه منها قال: لا يلزمه الضمان، ويكون على الغاصب.
[ ٦ / ٨٦ ]
[فصل: فيما يجب على العامل ورب الأصل]
(فصل. وعلى عامل) في المساقاة والمزارعة بإطلاق العقد كل (ما فيه نموّ
أو صلاح لثمر وزرع: من سقي) بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر (^١) بئر ولا إلى إدارة دولاب، (و) إصلاج (طريقه، وتشميس) ما يحتاج إلى تشميس، (وإصلاج محله، و) فعل (حرث، و) ثمن (آلته، وبقره، وزِبار) بكسر الزاي لكرم. وهو تخفيفها من الأغصان الرديئة وبعض الجيدة بقطعها بمنجل ونحوه، (وتلقيح) أي: فعله، (وقطع حشيش مضر) بالشجر أو الزرع، وقطع شوك بشجر يابس.
(وتفريق زبل وسِباخ، ونقل ثمر، ونحوه)، كزرع (لجرين، وحصاد، ودِياس، ولِقَاط) لما يلتقط بعد بدو صلا؛ كقثاء وباذنجان وبامية، وكلما يلتقط شيئًا فشيئًا.
(وتصفية) لزرع، (وتجفيف) لثمر، (وحفظ) لزرع وثمر (إلى قسمة)، لأنهذا كله من العمل.
(وعلى رب أصل حفظه) أي: ما يحفظ الأصل، (كسد حائط، وإجراء
نهر، وحفر بئر، و) ثمن (دولاب وما يُديره) من بهيمة، (وشراء ماء، و) شراء (ما يُلقُّح به) وهو الطلع ويسمى الكثر بسكون المثلثة وفتحها، والكُش بضم الكاف.
(وتحصيل زبل وسباخ)، لأنهذا كله ليس من العمل فكان على رب المال. (وعليهما) أي: على رب المال والعامل (بقدر حصتيهما) نصًا (جُذاذ)
_________________
(١) في أ: حفير.
[ ٦ / ٨٧ ]
أي: قطع الثمر من الشجر.
وفيه رواية: أنه على العامل.
ووجه المذهب: أنه إنما يكون بعد تكامل الثمرةإنقضاء المعاملة. فكان عليهما؛ كنقل الثمرة إلى المنزل.
(ويصح شرطه على عامل) نص عليه؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد. فصح؛ كتأجيل الثمن، وشرط الرهن، والضَّمين في البيع.
(لا) أن يشرط (^١) (على أحدهما) كل (ما على الآخر أو بعضه. ويفسد العقد به)؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد. فأفسده؛ كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال.
وفيه وجه مخرج من صحة شرط جذاذ على عامل.
وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على عامل، وما لا يتكرر فعلى مالك.
وفي " الموجز ": في حصاد ودياس وتدرية وحفظ ببيدر روايتا جذاذ.
وإن وقعت المساقاة على شجر في أرض خراجيه قالخراج على رب المال؛
لأنه يجب على الرقبة. بدليل أنه يجب. سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر.
ولأن الخراج يجب أجرة الأرض. فكان على من ملكه فيها؛ كما لو زارع
على أرض مستأجرة.
(ويَتبغ) كل منهما (في الكُلَف السلطانية) التي للسلطان عادة بأخذها (^٢) (العرفُ. ما لم يكن شرط) أي: ما لم يشترط ذلك على أحدهما. فيُعمل بالشرط. فما عرف أخذه من رب المال كان عليه، وما عرف أخذه من العامل كان عليه. ذكره الشيخ تقي الدين.
قال: وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال،
وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه ما لم يشترطه على
_________________
(١) في أ: إن شرط، وفي ج: أن يسترط.
(٢) في ب: التي السلطان عادة أن يأخذها.
[ ٦ / ٨٨ ]
مستأجر، وإن وضع مطلقا قالعادة. ذكره عنه في " الفروع " واقتصر عليه. (وكره حصاد وجذاذ ليلًا) أي: في الليل. نص عليه. ولعل ذلك لخشية حصول ضرر. والله أعلم.
(وعامل) في مساقاة ومزارعة (كمضارب: فيما يقبل) قوله فيه، (أو) أي: وكذا فيما (يُردُّ قوله فيه)؛ لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه. فيكون حكم المساقاة كالمضاربة فيما يقبل قول العامل فيه وما يرد (^١) .
(و) في حكم (مبطل) للعقد يذكره أحدهما.
(و) في (جزء مشروط) من الثمرة أو الزرع إذا اختلفا لمن هو.
(فإن خان) العامل في المساقاة أو المزارعة (فمُشرف يمنعه) أي: إذا ثبتت خيانته بإقرار أو بينة أو نكول ضم إليه مشرف يمنعه من الخيانة بحفظ المال. (فإن تعذر) منعه من الخيانة بأن لم يكن المشرف حفظ المال منه (فعامل مكانه) أي: فيستعمل من يعمل مكانه، (وأجرتهما) أي: المشرف والعامل مكانه (منه) أي: من الخائن؛ لأنه لما ثبتت خيانته كان عليه حفظ المال من نفسه إما بمشرف إن أمكن أو بمن يعمل مكانه؛ لأن الأمانة قد تعذرت في حقه. (وإن اتُّهم) بالخيانة ولم تثبت: (حلف)؛ لاحتمال صدق رب المال في دعواها إذا حرزها (^٢) وقد فرغ العمل.
(ولمالك قبل فراغ ضم أمين) إلى العامل المتهم (بأجرة من نفسه)؛ لأن خيانته لم تثبت. فكان على رب المال أجرة من ضمه إليه من نفسه.
(وإن لم يقع به) أي: بالعامل في المساقاة والمزارعة (نفع؛ لعدم بطشه)
في العمل مع أمانته لم ينزع من يده؛ لأنه لا ضرر في بقائها.
ولأن العمل مستحق عليه.
_________________
(١) رص (٥٤).
(٢) في أوج: حررها.
[ ٦ / ٨٩ ]
و(أُقيم مقامه) من يعمل العمل إن كان قد عجز عنه بالكلية، (أو ضُمُّ إليه) معين إن ضعف عن بعضه.
والأجرة على العامل في الموضعين؛ لأن عليه توفية العمل وهذا من توفيته. ومتى جاءت الأمطار أو فاضت العيون فأغنت عن عمل العامل في السقي لم ينقص نصيبه بذلك.
***
[ ٦ / ٩٠ ]
[فصل: فيما يشترط في المزارعة]
(فصل. وشُرط) لصحة مزارعة (علمُ بَذر) " كشجر في مساقاة برؤية،
اوصفة لايختلف معها.
(وقدره) أي: البذر، لأنها معاقدة على عمل. فلم تجز على غير مقدر؛ ك الإجارة.
(وكونه) أي: البذر (من رب الأرض). نص عليه في رواية جماعة.
قال في " المغني ": واختاره عامة الأصحاب، لأنه عقد يشترك العامل
ورب المال في غاية. فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما " كالمساقاة والمضاربة.
قال ابن نصر الله: لكن يلزم على هذا: أن يستوفي رب الأرض بذره ثم
يقتسمان ما بقي كما في المضاربة. انتهى.
قلت: لا يلزم من قياسها على المضاربة أن يكون من كل وجه، بل إذا اشترطا ذلك فسدت المزارعة كما سيأتي في المتن. والله أعلم.
أو يقال: أن البذر في حكم الهالك، كما لو أعطى إنسان إنسانًا بهيمة ليعمل
عليها بجزء معين من نمائها فماتت بيد العامل في العمل فإنها تكون من مال صاحبها ويقتسمان ما تحصل كما شرطا (^١) .
فلو شرطا أنها إذا ماتت يستوفى قيمتها من المتحصل (^٢) ويقتسمان ما بقي لم
يصح كما في المزارعة. والله أعلم.
وروي عن أحمد: ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل. فإنه قال
_________________
(١) في ج: لو شرطا.
(٢) في أ: التحصل.
[ ٦ / ٩١ ]
في رواية مهنا: في الرجل تكون له الأرض فيها نخل وشجر يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض ويقومون على الشيء على أنه له النصف ولهم النصف: فلا بأس بذلك، قد دفع النبي خيبر على هذا.
فأجاز دفع الأرض لزرعها من غير ذكر البذر.
فعلى هذا أيهما آخرج البذر جاز.
قال في " المغني ": وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
(و) على المذهب: يشترط كون البذر من رب الأرض و(لو) كان (عاملًا) على الزرع.
(و) كان (بَقرُ العمل من الآخر) ويصح ذلك، كما لو كان العمل من صاحب البقر والأرض والبذر من الآخر. ورب الأرض لم يوجد منه هنا إلا بعض العمل فكما لو تبرع به.
(ولا يصح كون بذر من عامل أو منهما) أي: من رب الأرض والعامل معا. (ولا) كون البذر (من أحدهما) أي: أحد المزارعين. سواء عملا أو واحد منهما (^١) أو غيرهما (والأرض لهما.
أو) كون (الأرض والعمل من واحد والبذر من الآخر.
أو) كون الأرض من واحد والعمل من ثان و(البذر من ثالث.
أو) كون الأرض من واحد والعمل من ثان والبذر من ثالث و(البقر من رابع.
أو) أن تكون (الأرض والبذر والبقر من واحد والماء من آخر).
أما كونها لا تصح في غير المسأله الأخيرة؛ فلما تقدم من أن المزارعة (^٢) عقد يشترك العامل ورب المال في غاية. فلم يجز أن يكون البذر من غير رب الأرض؛ كالمساقاة.
_________________
(١) في أوب: أحدهما.
(٢) في أ: الزراعه.
[ ٦ / ٩٢ ]
وفي بعض الصور رواية بالصحة، وفي بعضها تخريج بالصحة.
وأما كونها لا تصح في المسأله الأخيرة؛ فلأن موضوع المزارعة أن يكون من أحدهما الأرض والبذر (^١)، ومن الآخر العمل. وليس من صاحب الماء أرض ولاعمل.
ولأن الماء لا يباع ولا يستأجر فيكف تصح المزارعة به.
وعنه: تصح. نقلها يعقوب بن بختان وحرب.
قال في " الفروع ": ونقل الأكثر الجواز. انتهى.
وإن قال صاحب الأرض: أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك، وأخرج المزارع البذر كله: لم يصح؛ لأن المنفعه غير معلومة.
وكذلك لو جعلها أجرة لأرض آخرى أو دار: لم يجز، ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجرة مثل الأرض.
وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر: جاز. وكان الزرع بينهما.
ويحتمل أن لا تصح؛ لأن البذر عوض في الإجارة. فيشترط قبضه؛ كما لو
كان مبيعًا وماحصل فيه قبض.
وإن قال: أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعه بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها. إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال. قاله في "المغني ".
(وإن شرط) رب المال (لعامل نصف هذا النوع وربع) النوع (الآخر، وجهل قدرهما) أي: قدر كل نوع بأن جهلاه أو جهله أحدهما: لم يجز؛ لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه الربع أو أكثر من النوع الذي
_________________
(١) زياده من ج.
[ ٦ / ٩٣ ]
شرط فيه النصف.
(أو) شارطه على أنه (إن سقى سَيْحًا، أو زَرَع شعيرا ً فـ) له (الربع، و)
إن سقى (بكلفة، أو) زَرَع (حنطة) فله (النصف): لم يجز أيضًا.
أما كونه لا يصح إذا شارطه على أنه إن سقى سيحًا فله الربع وإن سقى بكلفة فله النصف، فلأن العمل مجهول والنصيب مجهول، وهو في معنى بيعتين في بيعة. قال في " المغني ": ويتخرج أن يصح، قياسًا على مسألة الإجارة.
وأما كونه لا يصح إذا شارطه على أنه إن زرع شعيرًا فله الربع، وإن زرع حنطة فله النصف أو نحو ذلك، فلأنه ما يدري ما يزرعه، كما لو قال: بعتك بعشرة صَحاح أو إحدى عشره مكسرة. وفيه وجه.
ومن الصور الفاسدة أيضًا لو قال له: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه، وما زرعت من باقلاء فلي ثلثه، لأن ما يزرعه من كل من هذه الأصناف مجهول القدر (^١) . فجرى مجرى ما لو شرط له في المساقاة ربع هذا النوع، [ونصف هذا النوع، وثلث هذا النوع] (^٢) الآخر. وهو جاهل بما في البستان منهما.
(أو) قال: اعمل و(لك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا) أي: وأن لم تكن عليك خسارة (ف) لك (الربع): لم يصح أيضًا. نص عليه. وقال: هذان شرطان في شرط وكرهه.
(أو) تشارطا على (أن يأخذ رب الأرض مثل بذره) مما يخرج، (ويقتسما الباقي): لم يصح أيضًا؛ لأن الأرض ربما لا يخرج منها إلا مثل البذر في القدر فيختص به ربها. وهذا يخالف موضوع المزارعة.
(أو) قال رب بساتين فأكثر للعامل: (ساقيتك هذا البستان بالنصف، على
أن أُساقيك) البستان (الآخر بالربع): لم يصح.
_________________
(١) في أ: بالقدر.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٩٤ ]
قال في " المقنع ": وجهًا واحدًا؛ لأنه شرط عقدًا في عقد. فصار في معنى بيعتين في بيعة.
وإنما لم يصح لمعنيين: أحدهما: أنه شرط في العقد عقدًا آخر والنفع الحاصل بذلك مجهول. فكأنه شرط العوض في مقابلة معلوم ومجهول.
الثانى: أن العقد الآخر لا يلزمه بالشرط فيسقط (^١) الشرط، وإذا سقط (^٢) وجب رد الجزء الذي تركه من العوض لأجله، وذلك مجهول فيصير الكل مجهولًا. و(فسدتا) أي: المساقاة والمزارعة في هذه الصور. وتقدم تعليل فسادها.
و(كلما) فسدتا فيما تقدم تفسدان (لو شرطا) أي: رب المال والعامل
(لأحدهما قفزانًا) من الثمر أو الزرع معلومة، (أو دراهم معلومة، أو) شرطا لأحدهما (زرع ناحية معينة) من الأرض.
أما كونهما لا يصحان إذا اشترطا (^٣) فيهما قفزانًا معلومة لأحدهما؛ فلأنه قد
لا يزيد ما يخرج من الثمرة أو الزرع على عدد القفزان المشروطة لأحدهما.
[وكذلك إذا اشترطا لأحدهما] (^٤) دراهم معلومة؛ فلأنه ربما لا يخرج من النماء ما يساوي تلك الدراهم.
وكذا الحكم لو اشترطا لأحدهما دراهم منفردة عن الجزء، أو جعل له ثمرة
سنة (^٥) غير السنة المساقى عليها، أو ثمر شجر غير الشجر المساقى عليه.
وكذا لو اشترطا على أحدهما عملًا في غير الشجر المساقى عليه أو السنة
_________________
(١) في أ: فيسقطه.
(٢) في أوب: شرط.
(٣) في ب: شرطا.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في أ: بينة.
[ ٦ / ٩٥ ]
المساقى عليها. سواء جعل ذلك كل حقه أو بعضه أو جميع العمل أو بعضه " لأنهذا كله يخالف موضوع المساقاة. إذ موضوعها: أنه يعمل في شجر معين بجزء مشاع من ثمرته في ذلك الوقت الذي يستحق عليه فيه العمل.
وأما كون المزارعة لا تصح إذا شرط لأحدهما زرع ناحية معينة من الأرض أو شرط لأحدهما ما على السواقي والجداول إما منفردًا أو مع نصيبه " فلإجماع العلماء؛ لأن الخبر في النهي عن ذلك صحيح غير معارض ولا منسوخ.
ولأنه ربما تلف ما عيّن لأحدهما فينفرد الآخر بالغلة وهذا يخالف موضوع
المزارعة.
(والزرع) فيما إذا فسدت المزارعة (أو الثمر) فيما إذا فسدت المساقاة
(لربه) أي: رب البذر والشجر، لأنه عين ماله يتقلب (^١) من حال إلى حال وينمو، كالبيضة إذا حضنت فصارت فرخًا.
(وعليه) أي: على رب البذر إن كأنهو صاحب الأرض وعلى رب الشجر (الأجرة) أي: أجرة مثل العامل، لأنه إنما بذل منافعه بعوض فلما لم يسلم له رجع إلى بدله (^٢) وهو أجر المثل.
وإن كان رب البذر هو العامل فعليه أجر مثل الأرض، لأن ربها إنما بذلها بعوض. فلما لم يسلم له رجع بعوض منافعها الفائتة بزرعها وهو أجر المثل. وإن كان البذر منهما قالزرع بينهما، ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض [التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض] (^٣) .
(ومن) بينه وبين آخر أرض على الشيوع ف (زارع) أحدهما (شريكه في نصيبه) منهما، (بفضل) أي: بجزء فاضل (عن حصته) أي: عما يقابل حصته من الأرض، كما لو كانت بينهما نصفين، ويخرجان البذر بيثهما نصفين ويجعلان
_________________
(١) في ج: ينقلب.
(٢) في أ: بذله.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٩٦ ]
للعامل عليها منهما الثلثين: (صح) فيصير السدس في مقابلة عمل العامل فصار كأن شريكه قال: زارعتك على نصيبي بالثلث منه. فيصح؛ كالأجنبي. وفي ذلك وجه: بعدم الصحة.
(ومن زارع أو أجَّر) غيره (أرضًا، وساقاه على شجر بها: صح)؛ لأنهما عقدان يجوز إفراد (^١) كل واحد منهما. فجاز الجمع بينهما؛ كالبيع والإجارة. وقيل: لا.
وعلى المذهب محل ذلك: (ما لم تكن) أي: ما لم يفعلا ذلك (حيلة)
على شراء الثمرة قبل وجودها أو قبل بدو صلاحها فإنه لا يصح.
(ومعها) أي: ومع الحيلة (إن جمعهما) أي: جمع العاقد الإجارة والمساقاة
(في عقد) واحد: (فتفريق صفقة) أي: فينبني ذلك على تفريق الصفقة.
وفيه وجهان، والأصح منهما صحته. فيصح في الإجارة ويبطل في المساقاة. (وللمستأجر) إذا (فسخ الإجارة)؛ لأن الصفقة تبعضت في حقه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن جمعهما في عقد، بإن كانت المساقاة في عقد والإجارة في عقد: (فسدت المساقاة) فقط؛ لأن الإجارة لا تعلق لهما بالثمر. وقيل: يفسدان.
وعلى الأول: ليس للمستأجر فسخ الإجارة؛ لأنها عقد منفرد عن غيره،
كما لو لم يكن هناك مساقاة.
قال (المنقح: قياس المذهب: بطلان عقد الحيلة مطلقًا). سواءكان فيه
إبطال لحق الله تعالى أو لحق آدمي.
ومتى لم يكن حيلة فإنهما يصحان. سواء قل بياض الأرض أوكثر. نص عليه.
ومتى لم يكن في الأرض إلا شجرات يسيرة لم يجز اشتراط ثمرها للعامل في
المز ارعة. والله أعلم.
_________________
(١) في أ: إقرار.
[ ٦ / ٩٧ ]
وما سقط من حب وقت حصاد فنبت عامًا آخر فلرب الأرض. نص عليه.
وفي " المبهج ": وجه لهما.
وفي " الرعايه ": لرب الأرض مالكًا أو مستأجرًا أو مستعيرًا.
وقيل: له حكم عارية.
وقيل: غصب.
وكذا نص فيمن باع قصيلًا فحصد وبقي يسير فصار سنبلًا فلرب الأرض.
وفي " " المستوعب " ": لو أعاره أرضًا بيضاء ليجعل بها شوكًاَ أو دواب
فتناثر بها حب أو نوى. فللمستعير. وللمعير إجباره على قلعه بدفع القيمة؛ لنص أحمد على ذلك في الغاصب، واللقاط مباح.
قال في " الرعاية ": ويحرم منعه.
نقل المروذي: إنما هو بمنزلة المباح.
ونقل حرب فيمن حصد زرعه فسقط سنبل فلقطه قوم يقاسمهم؟ قال:
سبحان الله! لا.
ونقل حنبل: إذا أخذ السلطان حقه فعلى صاحبه أن يعطي المساكين مما
يصير إليه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾] الأنعام: ١٤١]. والحصاد: أن لا يمنع الرجل. ويكون ذلك بعلم صاحب الزرع.
ونقل أيضًا: لا ينبغي أن يدخل مزرعة أحد إلا بإذنه. وقال: لم ير بأسا بدخوله يأخذ كلًا وشوكًا لإباحته ظاهرًا عرفًا وعادة. نقله في " الفروع ".
***
[ ٦ / ٩٨ ]
[باب: الإجا رة]
هذا (باب الإجارة) مشتقة من الأجر وهو العوض. ومنه سمي الثواب
أجرًا؛ لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره عن معصيته.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة.
قال ابن المنذر: الإجارة بكتاب الله وبالأخبار الثابتة عن النبي ﷺ، واتفق
على إجازتها كل من يحفظ قوله من علماء الأمة.
وقال في " المغني ": وأجمع أهل العلم في كل عصر وفي كل مصر على
جواز الإجارة إلا ما حكي (^١) عن عبدالرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك؛
لأنه غرر. يعني: أنه يعقدعلى منافع لم تخلق.
وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في
الأمصا ر.
والعبرة أيضًا داله عليها فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان. فلما
جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع.
ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها.
ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا (^٢) .
وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر ولا يمكن كل واحد عمل ذلك ولا
يجد متطوعًاَ به. فلا بد من الإجارة لذلك. بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقًا للرزق حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع.
_________________
(١) في ب: يحكى.
(٢) في ب: طوعًا.
[ ٦ / ٩٩ ]
وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة. فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنها تتلف بمضي الساعات فلا بد من العقد عليها قبل وجودها، كالسَّلَم في الأعيان. انتهى.
والإجاره لغة (^١): المجازاة، يقال: آجره على عمله إذا جازاه عليه.
وشرعًا: (عقد على منفعة مباحة معلومة).
ثم لما كانت ضربين أشير إلى الأول منهما بقوله: (مدة معلومة، من عين معينة أو موصوفة في الذمة).
وإلى الثانى بقوله: (أو عمل معلوم).
وقوله: (بعوض مدلوم) راجع للضربين.
وقال أبوإسحاق المروذي: العقد على العين لتستوفى منها المنفعة؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها فيقال: أجرتك داري، كما يقال: بعتكها. ورد: بأن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد وذلك هو المنافع دون الأعيان.
ولأن الأجر في مقابلة المنفعة ولهذا تُضمن دون العين، وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه.
وإنما أضيف العقد إلى العين، لأنها محل المنفعة ومنشؤها " كما يضاف
عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة.
ولو قال: أجرتك منفعة داري جاز.
(والأ نتفاع) من قبل المستأجر (تابع) للمنفعه التي ورد العقد عليها (^٢) . (ويستثنى من شرط المدة) في أحد ضربي الإجارة (صورة تقدمت في الصلح) وهى: ما إذا صالحه على أن يجري على أرضه أو لسطحه ماء معلومًا. فإنه لا يعتبر فيها تقدير المدة للحاجة؛ كنكاج.
_________________
(١) في أوب: فاللغة.
(٢) في ج: وقع عليها العقد.
[ ٦ / ١٠٠ ]
(و) يستثنى من (^١) شرط المدة أيضًا: (ما فعله عمر- رضي الله تعالى عنه-
فيما فتح عنوة ولم يقسم) فـ " أنه وقف أرض ذلك على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم يقدر مدتها " (^٢)؛ لعموم المصلحة فيها.
وأركانها خمسة: المتعاقدان والعوضان والصيغة.
(وهي) أي: والإجارة (والمساقاة والمزارعة والعرايا والشفعة والكتابة، ونحوها)؛ كالسلم (من الرخص المستقر حكمها على خلاف القياس)؛ لما في الشفعة من انتزاع ملك الإنسان منه بغير رضاه، ولما في الكتابة من اتحاد المشتري والمبيع، ولما في الباقي من الغرر.
(والأصح: لا) أي: ليس حكمها مستقر على خلاف القياس.
قال في " التنقيح ": والأصح على وفقه (^٣) .
وقال في " الفروع " عن الإجارة: وقد قيل هي على خلاف القياس،
والأصح لا؛ لأن من لم يخصص العلة لا يتصور عنده مخالفة قياس صحيح، ومن خصصها فإنما يكون الشيء خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضي للحكم موجودًا فيه وتخلف الحكم عنه. انتهى.
(وتنعقد) الإجارة (بلفظ: إجارة، و) بلفظ: (كَرْي)؛ كأجرتك وأكريتك واستأجرت واكتريت؛ لأنهذين اللفظين موضوعين لها.
(وما بمعناهما)؛ كملكتك نفع هذه الدار سنة بكذا؛ لحصول المقصود
به. سواء كان مضافا إلى العين؛ كأعطيتك داري شهرًا بكذا. أو إلى المنفعة؛ كأعطيتك منفعة داري شهرًا بكذا، ويقول: قبلت أو أخذت.
_________________
(١) في أ: في.
(٢) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (١٥٢) ص: ٦١ كتاب فتوح الأرضين صلحًا، باب فتح الأرض تؤخذ عنوة. . .
(٣) في ج: وقفه.
[ ٦ / ١٠١ ]
(و) تصح الإجارة (بلفظ: بيع). ومحل ذلك: (إن لم يضف إلى العين) نحو: بعتك داري شهرًا. فإن أضيف إلى النفع نحو: بعتك نفع هذه الدار شهرًا بكذا: صح.
قال المجد في " شرح الهداية ": ظاهر كلام أحمد وأكثر العلماء جواز ذلك؛ لأنهم اختلفوا في بيع خدمة المدبر فأجازها قوم ومنع منها قوم للجهاله. وستأتي في التدبير. وللشافعية وجهان وكذلك مذهب مالك صريحًا: أنها تصح بلفظ البيع.
ونص إمامنا في رواية أبي الصقر: فيمن أعتق عبده على شرط الخدمة ثم اشترى العبد خدمته من مولاه ثم مات المولى قبل أداء الثمن فقال: يؤديه إلى الورثة، هذا بيع قد وقع. وهذا نص في المساله. انتهى.
وقال في " الإنصاف ": اختاره ابن عبدوس في " تذكرته " والشيخ تقي الدين
فقال في قاعدة له في تقرير القياس بعد إطلاق الوجهين: والتحقيق أن المتعاقدين أن عرفا المقصود أنعقدت بًاي لفظ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدن مقصودهما. وهذا عام في جميع العقود. فإن الشارع لم يحد حدًا لألفاظ العقود، بل في ذ كرها مطلقة. وكذا قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ". وصححه في " التصحيح " و" النظم ".
وقيل: لا تصح بلفظ البيع ولو أضيف إلى المنفعة.
ووجه المذهب: أنها نوع من) (^١) البيع؛ لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه فهى بيع المنافع، والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنها يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والإتلاف، ويكون عوضها عينًا ودينًا. وأن ما اختصمت باسم كما اختصت بعض البيوع باسم؛ كالصَّرْف والسَّلَم.
***
_________________
(١) في أ: في.
[ ٦ / ١٠٢ ]
[فصل: في شروط الإجارة]
(فصل. وشروطها ثلاثة):
الأول: (معرفة منفعة)، لأنها هي المعقود عليها. فاشترط العلم بها " كالمبيع. وحصول معرفه المنفعه (إما بعرف) وهو ما يتعارفه الناس بينهم " (كسكنى
دارٍ شهرًا)؛ لأن السكنى متعارفة بين الناس والتفاوت فيها يسير. فلم يحتج إلى ضبطه.
وفي " الرعاية ": يجب ذكر السكنى وصفتها وعدد من يسكنها وصفتهم أن اختلفت الأجرة.
ورد بما تقدم.
(و) كـ (خدمة آدمي سنة)، لأن الخدمة أيضًا معلومة بالعرف. فلم يحتج
إلى ضبطها؛ كالسكنى.
وفي " النوادر " و" الرعاية ": إن استأجره شهرًا للخدمة يخدم ليلًا ونهارًا
فأن استأجره للعمل استحقه ليلًا.
(أو) بـ (وصف؛ كحمل زُبْرِة حديد وَزنها كذا إلى محل كذا). فلا بد من
ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه، لأن المنفعة إنما تعرف بذلك. فيشترط ذلك في كل محمول. فلو كان كتابًا فوجد المحمول إليه غائبًا فله الأجرة لذهابه ورده " لأنه في الذهاب لم يجد صاحبه وليس سوى رده إلا تضييعه وقد علم أنه
لا يرضى تضييعه فتعين رده. والله أعلم.
وفي " الرعاية "، وهو ظاهر الترغيب: إن وجده ميتًا فالمسمى فقط ويرده.
نقل حرب: إن استأجر دابة أو وكيلًا ليحمل له شيئًا من الكوفة فلما وصلها
لم يبعث له وكيله بما أراد فله الأجرة من هنا إليّ، ثم قال أبو بكر: هذا جواب
[ ٦ / ١٠٣ ]
على أحد القولين، والآخر له الأجرة في ذهابه ومجيئه. فأن جاء والوقت لم يبلغه (^١) قالأجره له ويستخدمه بقية المدة.
(أو بناء حائط: يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته)، لأن معرفة المنفعة لا تحصل إلا بذلك والغرض يختلف. فلم يكن بد من ذكره. فيقول: من حجارة أو آجر أو لبن، وبالطين أو الجص ونحو ذلك مما يختلف به الغرض.
فلو عمله ثم سقط فله الأجرة؛ لأنه وفى بالعمل.
ومتى. بان أن سقوطه بتفريطه بأن يكون بناؤه محلولًا أو نحوه كان عليه إعادته
وغرم ما تلف.
وإن كانت الإجارة على ضرب لبن مقدر احتيج إلى تعيين عدده وذكر قال به وموضع الضرب؛ لأنه يختلف باعتبار التراب (^٢) والماء، ولا يكتفى بمشاهدة القالب إذا لم يكن معروفًا؛" كالسَّلَم.
ولا يلزمه إقامته ليجف.
وقيل: بلى، إن كان عرف مكانه.
(و) إجارة (أرض معينة) برؤية؛ لأن الأرض لا تنضبط بالصفة (لزرع) معلوم، (أو غرس) معلوم، (أو بناء معلوم، أو لزرع أو غرس ما شاء، أو لزرع وغرس ما شاء، أو لزرع أو لغرس ويسكت)؛ كاستأجرتها لأزرعها فقمحًا، أو أغرسها كرمًا، أو أبني بها دارًا ويصف الدار. فتصح الإجارة في هذه الصور الثلاث بلا خلاف في المذهب.
وكدا تصح في أصح الوجهين إن قال: استأجرتها للزرع، أو قال: للغرس، أو قال: للبناء. وله في الأولى زرع ما شاء، وفي الثانيه غرس ما شاء، وفي الثالثه بناء ماشاء؛ كما لو قال: استأجرتها لأكثر الزرع ضررًا، أو لأكثر الغرس ضررًا، أو لأكثر البناء ضررًا بالأرض، وكما لو قال: لزرع
_________________
(١) قي أ: يبعه، وفي ب: بيعه.
(٢) فى ج: التركيب.
[ ٦ / ١٠٤ ]
ماشئت، أوغرس ما شئت، أوبناء ما شئت.
(أو يطلق) الإجارة، (و) الأرض (تصلح للجميع) أي: للزرع والغرس والبناء.
قال في " الفروع ": وإن أطلق، وتصلح لزرع وغيره صح في الأصح.
وقال شيخنا: إن أطلق أو إن قال: أن تفع بها بما شئت: فله زرع وغرس وبناء. انتهى.
وقال في " الرعاية ": صح في الأقيس (^١) .
وقال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.
(و) يشترط في صحة الإجارة (لركوب) مع ذكر المحل المركوب إليه: (معرفة راكب برؤية أو صفة)؛ كمبيع، (وذكر جنس مركوب كمبيع) إن لم يكن مرئيا. فإن المقاصد تختلف بالنظر إلى أجناس المركوب من كونه فرسًا أو بعيرًا أو بغلًا أو حمارًا.
(و) معرفة (ما يركب به: من سرج وغيره)؛ لأن ضرر المركوب يختلف باختلاف ذلك.
(وكيفية سيره: من هِملاج) بكسر الهاء، والهملجة: مِشْية معروفة، (وغيره) أي: وغير هملاج.
قال في " الفروع ": وكيفية سيره. وقدم فيه في " الترغيب " لا. انتهى.
وإنما اشترط ذلك؛ لأن الغرض يختلف باختلافه.
(لا) ذكر (ذكوريَّته، أو أنوئيَّته، أو نوعه) أي: المركوب. فلا يشترط
إن كان فرسًا أن يقول: عربي أو برذون، ولا أن يقول: حجر أو حصان، وإن كان جملًا لم يشترط أن يقول: بختي أو من العراب في أصح الوجهين؛ لأن التفاوت بين ذلك يسير.
_________________
(١) في أ: الأفلس.
[ ٦ / ١٠٥ ]
ويشترط مع ذلك (^١) ذكر توابع الراكب العرفيه، كزاد وأثاث ونحوه.
وقيل: لا.
(و) يشترط في إجارة (لحمل ما يتضرر) أي: ما يخشى عليه الضرر إذا حمل؛ (كخزف) وهو الفخار، (ونحوه)، كزجاج: (معرفة حامله) من آدمي أو بهيمة، (ومعرفته) أي: معرفة الحامل بنفسه أو على دابته (لمحمول برؤية أو صفة) إن كان خزفا أو نحوه، (وذكر جنسه وقدره) فقط إن لم يكن كذلك. واكتفى ابن عقيل و" الترغيب " وغيرهما بذكر وزنه مما شئت.
وقيل: تعتبر معرفة الحامل لكل محمول.
(و) يشترط في استئجار ا (لحرث: معرفة أرض) برؤية، لأنها لا تنضبط بالصفة. فيختلف العمل باختلافها.
***
_________________
(١) في أ: ذلك مع.
[ ٦ / ١٠٦ ]
[فصل: في الأجرة]
(فصل) الشرط (الثانى) من شروط الإجارة: (معرفة أجرة).
قال في " المغني ": لا نعلم في ذلك خلافًا؛ وذلك لأنه عوض (^١) في عقد معاوضة. فوجب أن يكون معلوما؛ كالثمن في البيع. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره " (^٢) ٠ انتهى.
وروى أبو سعيد " أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له
أجره " (^٣) . رواه أحمد.
إذا علم ذلك: فيصح أن تكون الأجرة في الذمة وأن تكون معينة. (فما بذمة) منها حكمه (كثمن) يعني: أن ما صح أن يكون ثمنا بذمة في بيع صح أن يكون أجرة بذمة في إجارة.
وتقدم التنبيه على ذلك في المتن في كتاب البيع (^٤) .
فلا يصح أن يستأجر دابة بعلفها.
وعنه: بلى.
(وما عين) من أجرة اعتبرت رؤيته (كمبيع) معين.
وقيل: لا تكفي روية صبرة مع جهل قدرها؛ كرأس مال سلم.
ورد: بأن المنفعة هاهنا أجريت مجرى الأعيان؛ لأنها متعلقة بعين حاضرة، والسلم متعلق بمعدوم فافترقا.
_________________
(١) في ج: عقد.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٢٠ كتاب الإجارة، باب لا تجوز الإجارة حتى تكون معلومة.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١٥٨٢) ٣: ٥٩.
(٤) ٥: ٦.
[ ٦ / ١٠٧ ]
(ويصح استئجار دار بسكنى) دار (أخرى، وخدمة) من معين، (وتزويج
من معين). قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب أنه: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧ [. فجعل النكاج عوض الإجا رة.
وعن عتبة بن الندر (^١) قال: " كنا عند رسولالله (^٢) ﷺ فقرأ (طس) حتى
بلغ قصة موسى ﵇ فقال: إن موسى آجر نفسه ثمان سنين [أو عشر سنين] (^٣) على عِفَّة فرجه وطعام بطنه " (^٤) . رواه ابن ماجه.
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه.
ولا يصح استئجار دار بعمارتها، للجهاله.
ولو أجرها بشيء معين على أن ما تحتاج إليه ينفقه المستأجر محتسبًا به من الأجرة: صح، لأن الإصلاح على المالك وقد وكله فيه.
ولو شرط أن يكون عليه خارجًا عن الأجرة لم يصح.
قال المجد في " شرح (^٥) الهداية ": وإذا دفعت عبدك إلى قصار أو خياط ونحوهما ليعلمه ذلك العمل بعمل الغلام سنة (^٦) جاز ذلك في مذهب مالك وعندنا. ونقل عنه ابن منصور: في رجل أسلم إليه صبي ليعلمه صناعة بعينها وشرط عليهم أن يبقى في يده مدة معلومة فإن أخذوه منه قبل ذلك فله مائة درهم ثم أخذوه قبل المدة وقد تعلم: فله شرطه، لقول النبىصلى الله عليه وسلم: " المؤمنون عند شروطهم " (^٧) .
_________________
(١) في ب: المنذر.
(٢) في ب وج: النبى.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٤) ٢: ٨١٧ كتاب الرهون، باب إجازة الأجير على طعام بطنه.
(٥) في أ: الشرح.
(٦) في أ: المقدام منه.
(٧) أخرجه ائو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح.
[ ٦ / ١٠٨ ]
قال القاضي: معناه أنه جعل عوض التعليم مدة معلومه يخدمه وينتفع بعمله
فيها أو مائة درهم. وظاهر كلامه صحة ذلك.
ولم ير القاضي وابن عقيل هذا شرطًا صحيحًا. وهو أقيس، وأنه عقد فاسد، وله أجرة المثل لتعليمه. ويحتمل أن أحمد أراد صحة الشرط في الجملة في أنه يجب له العوض ولا يذهب تعليمه مجانًا. انتهى.
(و) يصح استئجار (حلي) ذهب أو فضه (بأجرة من جنسه). سواء كان الاستئجار للبس أو عارية. نص عليه.
وعنه: الو قف.
وقيل: لا يصح؛ لأنه يحتك بالاستعمال فتذهب منه أجزاء فيحصل الأجر
في مقابلتها ومقابلة الأ نتفاع فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر.
ورد: بأنه لو قدر نقصها فهو شيء يسير لا يقابل بعوض، ولا يكاد يظهر في
وزن ولو ظهر فالأجرة في مقابلة الأ نتفاع لا في مقابله النقص؛ لأن الأجر (^١) إنما هو عوض المنفعة ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر؛ لإفضائه إلى التفرق قبل القبض.
(و) يصح استئجار (اجير ومرضعة بطعامهما وكسوتهما) وإن لم يصف الطعام والكسوة.
وكذا لو جعل لهما أجر وشرط معه طعامهما وكسوتهما.
وعنه: لا يصح فيهما حتى يصف الطعام والكسوة.
وعنه: لا يصح ذلك في الأجير ويصح في المرضعة.
واستدل للمذهب على المرضعة بقوله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لأنه أوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع ولم يفرق وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٢) ٣: ٦٣٤ كتاب الأحكام، باب ما ذكرعن رسول الله ﷺ
في الصلح بين الناس.
_________________
(١) في أوج: الأجرة.
[ ٦ / ١٠٩ ]
بين المطلقه وغيرها. بل في الآية قرينة تدل على إطلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع.
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والوارث ليس
بزوج. وعلى الأجير بحديث عتبه بن النُّدر (^١) المتقدم (^٢) .
وبما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: " كنت أجيرًا لابنة غَزوان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي. أحطِبُ لهم إذا نزلوا، وأحْدُو لهم إذا ركبوا " (^٣)
وبأنه روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله تعالى عنهم (^٤) أنهم
استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم ولم يظهر لأحد منهم نكير. فكان كالإجماع.
ولأن الحكم قد ثبت في المرضعة بالآية فيثبب في غيرها بالقياس عليها.
ولأنه عوض منفعة. فقام العرف فيه مقام التسميه؛ كنفقة الزوجة.
(وهما) أي: المرضعة وولي المرتضعة أو الأجير والمستأجر (في تنازع)
في صفة طعام أو كسوة أو قدرهما؛ (كزوجة).
وعنه: كمسكين في كفارة.
فعلى المذهب: ليس للمستأجر إطعام المرضعة أو الأجير إلا ما يوافقه من
الأغدية؛ لقوله تعا لى: (بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣].
ومن احتاج منهما (^٥) إلى دواء لمرضه لم يلزم المستأجر لعدم شرطه. لكن
عليه بقدرطعام الصحيح يشتري به للمريض ما يصلح له.
_________________
(١) في ب: المنذر.
(٢) ص (١٠٨) رقم (٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٥) ٢: ٨١٧ كتاب الرهون، باب إجازة الأجير على طعام بطنه.
(٤) في أ: عنهما.
(٥) في ج: منهم.
[ ٦ / ١١٠ ]
وإن شرط للأجير إطعام غيره وكسوته موصوفًا جاز، لأنه معلوم. أشبه ما
لو شرط فى دراهم معلومة. ويكون ذلك للأجير، إن شاء أطعمه وإن شاء تركه. وإن لم يكن موصوفًا لم يجز، لأن ذلك مجهول.
واحتمل فيما إذا شرط للأجير نفسه للحاجة إليه. وجري العادة به. فلا يلزم احتمالها مع عدم ذلك.
وإن استغنى الأجير عن طعام المؤجر بطعام نفسه أو غيره أو عجزعن الأكل لمرض أو غيره: لم تسقط نفقته وكان له المطالبة بها، لأنها عوض. فلا تسقط بالغنى عنه؛ كالدراهم.
وإذا (^١) دفع إلى الأجير الطعام وأحب أن يستفضل بعضه لنفسه نظرت: فإن
كان المؤجر دفع إليه أكتر من الواجب له ليأكل قدر حاجته ويفضل الباقي، أو كان في تركه لأكله كله ضرر على المؤجر بأن يضعف عن العمل أو يقل لبن الظئر: منع منه " لأنه في الصورة الأولى لم يُمَلّكه إياه وأن ما أباحه أكل قدر حاجته. وفي الثانية على المؤجر ضرر بتفويت بعض ما له من منفعته فمنع منه " كالجّمال إذا امتنع من علف الجمال.
وإذا دفع إليه قدر الواجب من غير زيادة، أو دفع إليه أكثر وملكه إياه ولم
يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمؤجر: جاز، لأنه حق له لا ضرر على المؤجر فيه فأشبه الدراهم.
وإن قدم إليه طعامًا فنُهب أو تلف قبل أكله نظرتَ: فإن كان على مائدة لايخصه فيها بطعامه فهو من ضمان المستأجر " لأنه لم يسلمه إليه فكانتلفه من ماله.
وإن خصه بذلك وسلمه إليه فهو من ضمان الأجير، لأنه تسليم عوض على
وجه التمليك. أشبه البيع.
وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ويصلح به. وللمكتري
_________________
(١) في ج: وإن.
[ ٦ / ١١١ ]
مطالبتها بذلك " لأنه من تمام التمكين من الرضاع، وفي تركه إضرار بالصبي. وإن دفعته لخادمها أو نحوها فأرضعته: فلا أجر لها، لأنها لم تُوَفّ المعقود عليه. أشبه ما لو سقته لبن دابة.
وإن اختلفا فقالت: أرضعته فأنكر المسترضع قالقول قولها بيمينها " لأنها مؤتمنة.
(وسُن عند فطام لموسر استرضع) لولده أو نحوه (أمة إعتاقها، و) إن استرضع (حرة إعطاؤها) غرة (عبدًا أو أمة)؛ لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج عن أبيه قال: " قلت: يا رسول الله! ما يذهب عني مَذَمة الرضاع؟ قال: الغرة العبد أو الأمة " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال ابن الجوزي: المذمه بكسر الذالمن الذمام، وبفتحها من الذم (^٢) .
قال ابن عقيل: إنما خص الرقبة بالمجازاه بها دون غيرها؛ لأن فعلها في أرضاعه وحضانته ته سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته. فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة لتناسب ما بين النعمة والشكر؛ ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أمًّا. فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] النبي ﷺ: " ولا يجزئ ولد. والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه " (^٣) .
وأما كونه يستحب إعتاقها أن كانت أمة، فلأنه يحصل به المجازاة التي جعلها النبي مجازاة للوالد من النسب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٢٠٦٤) ٢: ٢٢٤ كتاب النكاج، باب في الرضخ عند الفصنال. وأخرجه الترمذي في "جامعه ") ١١٥٣) ٣: ٤٥٩ كتاب الرضاع، باب ما جاء ما يذهب مذمة الرضاع. وأخرجه النسائي في " سنته ") ٣٣٢٩) ٦: ١٠٨ كتاب النكاج، حق الرضاع وحرمته.
(٢) في أ: بكسر الذال وبفتحها من الذم من الذمام.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥١٠) ٢: ١١٤٨ كتاب العتق، باب فضل عتق الولد. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٣٧ ٥) ٤: ٣٣٥ كتاب الأدب، باب في بر الوالدين. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٩٠٦) ٤: ٣١٥ كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الوالدين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٦٥٩) ٢: ١٢٠٧ كتاب الأدب، باب بر الوالدين.
[ ٦ / ١١٢ ]
وفيما قلنا باستحبابه وجه بالوجوب.
(والعقد) في الرضاع وارد (على الحضانة). وهي خدمه المرتضع وحمله ووضع الثدي في فيه.
(واللبن تبع)؛ كالصبغ في إجارة الصباغ، وماء البئر في الدار؛ لأن اللبن
عين من الأعيان. فلا يعقد عليه في الإجارة؛ كلبن غير الآدمي.
قال في " التنقيح ": (والأصح: اللبن).
قال القاضي: هو أشبه؛ لأنه المقصود دون الخدمة. ولهذا لو أرضعته دون
أن تخدمه استحقت الأجرة، ولو خدمته دون الرضاع لم تستحق شيئًا.
ولأن الله- تعالى قال (^١): ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فجعل الأجر مرتبا على الإرضاع. فيدل على أنه
المعقود عليه.
ولأن العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقي (^٢) لبنها.
وأما كونه عينًا فإنما جاز العقد عليه في الإجارة رخصة؛ لأن غيره لا يقوم مقامه. والضرورة تدعو إلى استيفائه.
وإنما جاز هذا في الآدميين دون سائر. الحيوان؛ للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه.
(وإن أُطلقت) حضانة بالعقد، (أو خُصِّص) به (رضاع) بأن قال:
استأجرتك لحضانته، أو قال: استأجرتك لرضاعه فقط: (لم يشمل الآخر)؛ لأن المرضعة لا يلزمها زيادة على ما اشترط عليها.
والحضانة مشتقة من الحضن. وهو ما تحت الإبط وما يليه. وسميت التربية حضأنة تَجَوُّزًا من حضانة الطير لبيضه وفراخه؛ لأنه يجعلها تحت جناحيه. فسميت تربية الصبي بذلك أخذًا من فعل الطائر. قاله في " المغني ".
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: لزمه سقيه.
[ ٦ / ١١٣ ]
(وإن وقع العقد على رضاع، أو مع حضانة: أنفسخ بانقطاع اللبن.
وشُرط) في استئجار المرضعة سوى ما تقدم ثلاثة شروط:
الأول: (معرفة مرتضع) بالمشاهدة؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف كبره وصغره ونهمته وقناعته.
وقيل: تكفي الصفة.
(و) الشرط الثانى: معرفة (أمد رضاع)؛ لأنه لا يمكن تقدير الرضاع إلا بها. فأن
(و) الشرط الثالث: معرفه (مكانه) أي: الرضاع؛ لأنه يختلف فيشق عليها في بيت المستأجر، ويسهل عليها في بيتها.
و(لا) يصح (استئجار دابة بعلفها) أو به مع أجرة معلومة؛ لأنه مجهول
ولا عرف له يرجع إليه.
وأن وصفه من معين؛ كشعير ونحوه. وقدره بمعلوم: جاز.
(أو) يستأجر (من يسلخها) أي: الدابة (بجلدها) يعمي: أنه لا يصح؛
لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أم لا؛ وهل هو ثخين أو رقيق؟
ولأنه لا يجوز أن يكون ثمنًا في البيع. فلا يجوز أن يكون عوضًا في
الإجارة؛ كسائر المجهولات.
فإن سلخه بذلك فله أجر مثله.
(أو يرعاها) أي: الدابة (بجزء من نمائها) يعني: أنه لا يصح. نص عليه
في رواية جعفر بن محمد النسائي؛ كما لو استأجره لرعاية غنم بثلث درها ونسلها وصوفها أو نصفه أو جميعه؛ لأن الأجر غير معلوم، ولا يصح عوضًا في بيع، ولا يدرى أيوجد أم لا.
فإن قيل: قد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بجزء من ربحها.
قالجواب: أن جواز ذلك تشبيهًا بالمضاربة؛ لأنها عين تنمى بالعمل.
[ ٦ / ١١٤ ]
فجاز اشتراط جزء من النماء " كنصفه وثلثه كما في المضاربة والمساقاة. وفي هذه المسألة لا يمكن ذلك " لأن النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن إلحاقه بذلك.
لكن إن استأجره على رعايتها مدة معلومة بجزء معلوم من عينها صح " لأن
كلاًّ من العمل والأجر والمدة معلوم. فصح؛ كما لو جعل الأجر دراهم.
(ولا) يصح الاستئجار على (طحن كُرّ) بضم الكاف، مكيال بالعراق،
قيل: أربعون أردبًا، وقيل: ستون قفيزًا من بر أو شعير أو غيرهما (بقفيز منه) أي: من المطحون " لما روى الدارقطني عن النبي ﷺ: " أنه نهى عن عسيب الفحل، وعن قفيز الطحان " (^١) .
لأنه جعل له بعض معموله أجرًا لعمله فيصير الطحن مستحقًا له وعليه.
ولأن المنفعة مجهولة أيضًا، لأنه لا يدري الباقي بعد القفيز مطحونًا كم هو.
(ومن أعطى صانعا ما) أي: شيئًا (يصنعه)، كغزل لينسجه، أو ثوب ليقصره أو يصبغه أو يخيطه، أو حديدة ليضربها سيفًا أو سكينًا أو يجعلها إبرًا ونحو ذلك.
(أو استعمل) إنسان (حمالًا أو نحوه)، كدلال وحصاد وحجام من غير
عقد إجارة معه على ذلك ففعل ما أمره به: (فله أجر مثله) على عمله. سواء وعده كما لو قال: اعمله وخذ أجرته، أو عرض له؛ كما لو قال: اعمله وأن أعلم أنك أن ما تعمل بأجرة أو لا.
وفي الأصح (ولو لم تجر عادته) أي: الصانع ونحوه (بأخذ) لأجرة؛
لأنه عمل له بإذنه ما (^٢) لمثله أجرة ولم يتبرع، كما لو وضع أنسان يده على ملك غيره بإذنه ولا دلاله على تمليكه إياه أو إذنه في إتلافه، لأن الأصل في قبض منفعة غيره أو ماله الضمان.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩٥) ٣: ٤٧ كتاب البيوع.
(٢) في أ: بما.
[ ٦ / ١١٥ ]
(وكذا) أي: وكما قلنا بوجوب أجرة المثل لصانع ونحوه وإن لم تذكر له
أو يعرض بها يكون (ركوب سفينة، ودخول حمام)؛ لأن شاهد الحال يقتضيه. (وما يأخذ حمَّاميٌّ) بسبب دخول حمامه (فأجرة محل. وسطل، ومئزر، والماء: تبع) كما تقدم في لبن المرضعة. ذكر المسألة في " التلخيص " واقتصر على ذلك في " التنقيح ".
(و) من دفع ثوبه إلى خياط وقال: (إن خطته اليوم، أو) خطته (روميًا فبدرهم، و) إن (غدًا أو) خطته (فارسيًا فبنصفه.
أو) دفع أرضه إلى زراع وقال: (إن زرعتها برًا فبخمسة، و) إن زرعتها (ذرة فبعشرة، ونحوه)؛ كما لو استأجر من يحمل له كتابًا إلى الكوفة وقال: أن أوصلت الكتاب يوم كذا وكذا فلك عشرون، وإن تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة: (لم يصح).
وفيما إذا قال: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدًا فلك نصف فىدرهم: روايتان، والمنصو ص عليه في رواية أبي الحارث: عدم الصحة.
وفيما إذا قال: إن خطته روميًا فلك درهم وإن خطته فارسيًا فلك نصف درهم وجهان، بناء على التي قبلها، والصحيح منهما عدم الصحة.
وقياس المسأله الأولى ما لو قال: أجرتك هذا بدرهم نقدًا أو درهمين نسيئة، وقياس الثانية: استأجرت منك هذا بدرهم وهذا بدرهمين.
وفيما إذا قال: إن زرعتها برًا فبخمسة وإن زرعتها ذرة فبعشرة: روايتان مطلقتان
في " الحاوي الصغير ". والمقدم في " الرعاية الكبرى " والمصحح في " الصغرى و" النظم ": عدم الصحة كما في المتن. وهذا قياس المسألة الأولى.
وأما مسألة حمل الكتاب فنص أحمد في رواية البزراطي على فسادها وأن له
أجر مثله.
وكذا إن قال: أجرتك هذا الحانوت شهرًا إن قعدت فيه خياطًا
[ ٦ / ١١٦ ]
فبخمسة (^١) أو حدادًا فبعشرة.
[وقياس الجميع (^٢) بيعتين في بيعة المنهي عنه في الحديث (^٣) .
(وإن) أكرى (^٤) أنسان دابة وقال] (^٥): إن) رددت الدابة اليوم فبخمسة، و)
إن رددتها) غدًا فبعشرة): صح.
قال أحمد: لا بًاس به. نقله عبدالله وجزم به في (^٦) "الوجيز" وفي "المذهب ". وقال في " الفائق ": صح في أصح الروايتين. وقدمه في " الرعايتين "
و" الخلا صة " وغيرهم.
وقال القاضي: يصح في اليوم الأول فقط.
وقال الموفق وابن أخيه: والظاهر عن أحمد فيما ذكرنا فساد العقد على بيعتين في بيعة، وقياس حديث علي والأنصاري (^٧) صحتها. أن تهيا (^٨) .
(أو عيَّنا) أي. المتآجران (زمنًا وأجرة)؛ كمن استأجر دابة عشرة أيام بعشرة دراهم، (وما زاد فلكل يوم كذا) أي: فله بكل (^٩) يوم درهم مثلا: (صح). نص عليه في رواية أبي الحارث.
ونقل ابن منصور عنه: فيمن اكترى دابة من مكة إلى جده بكذا فإن ذهب)
_________________
(١) في أ: بخمسة.
(٢) في أوج: الجمع.
(٣) عن أبي هريره ﵁ " أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة ". أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٥٥٩) ١: ٢١٢ كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.
(٤) في أوج: اكترى.
(٥) زياده من أ.
(٦) زباده من ج.
(٧) حديث علي والأنصاري سيرد ذكرهما ص) ١١٩).
(٨) في ج: انتهى.
(٩) في ج: فلكل.
[ ٦ / ١١٧ ]
عرفات فبكذا. فلا بأس.
ونقل عبدالله عنه: لو قال: اكتريتها (^١) بعشرة فما حبسها فعليه في كل يوم
عشرة يعني: أنه يصح.
وهذه الروايات تدل على أن مذهبه: أنه متى قُدر لكل عمل معلوم أجرًا
معلومًا صح. قاله في " المغني ". قال: وتأول القاضي هذا كله على أنه يصح
في الأول ويفسد في الثانى؛ لأن مدته غير معلومه فلم يصح العقد فيه؛ كما لو قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصُّبْرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك.
قال الموفق: والظاهر خلاف هذا؛ لأن لكل عمل عوضًا معلومًا. فصح؛
كما لو استقى له كل دلو بتمرة. وقد ثبت الأصل بالخبر الوارد فيه (^٢) . ومسأله الصُّبْرة لا نص فيها عن الإمام، وقياس نصوصه صحة الإجارة وإن سلم فسادها؛ فلأن القفزان التي شرط حملها غير معلومة بتعيين ولا صفة وهي مختلفة. فلم يصح العقد؛ لجهالتها. بخلاف الأيام فإنها معلومة. انتهى.
و(لا) يصح أن يكتري الإنسان دابة أو غيرها (لمدة غزاته)؛ مثل أن يقول: استأجرت منك هذه الدابة لمدة غزاتي بدينار.
ووجه عدم الصحه. أن هذه إجارة فى مدة مجهولة وعمل مجهول. فلم
تصح؛ كما لو استأجر الدابة لمدة سفره في تجارته.
ولأن مدة الغزاة تطول، وتقصر، والعمل فيها يقل ويكثر، ونهاية محلها
يقرب ويبعد.
ومتى استوفت المنفعة على هذه الصفة وجب فيها أجر المثل؛ لأنه عقد
على عوض لم يسلم له بسبب فساد العقد. فوجب فيه أجر المثل.
(فلوعُين البناء للمفعول لكل يوم أو) لكل (شهر شي) معلوم؛ كما
_________________
(١) في ب: أكريتها
(٢) انظر الحديث التالي.
[ ٦ / ١١٨ ]
لو استأجرها كل يوم بدرهم أو كل شهر بدينار.
(أو اكتراه) أي: اكترى أنسان إنسانًا ليستقي له (كل دلو بتمرة، أو على
حمل زُبرة إلى محل كذا: على أنها عشرة أرطال، وأن زادت فلكل رطل درهم: صح) فيهما. نص عليهما.
أما في المسأله الأولى؛ فلأن كل يوم أو شهر معلوم مدته وأجره. فصح؛
كما لو قال: أجرتكها شهرًا كل يوم بدرهم، أو سنة كل شهر بدينار، أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصُّبْرة كل قفيز بدرهم.
ولا بد من تعيين ما يستأجر إما لركوب أو لحمل معلوم.
ويستحق الأجر المسمى. سواء كانت مقيمة أو سائرة؛ لأن المنافع ذهبت
في مدته. فأشبه ما لو اكترى دارًا فأغلقها.
وفيها رواية بعدم الصحة. اختارها أبو بكر وابن حامد وابن عقيل.
واما في الثانية. فلما روي أن عليًا رضي الله تعالى عنه قال: " جُعت مرة جوعًا شديدًا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة. فإذا أنا بامرأة قد جمعت بدرًا فظننت أنها تريد بلّه. فقاطعتها كل دلو بتمرة فمددت ستة عشر ذنوبًا فعدّت لي ستة عشر تمرة. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها " (^١) . رواه أحمد. وروي عنه أيضًا " أنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي
ﷺ فأكل منه " (^٢) .
قال علي رضي الله تعالى عنه: "كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطها (^٣) جَلِدَة" (^٤) .
وعن رجل من الأنصار " أنه قال ليهودي: أسقي نخلك؛ قال: نعم، كل
دلو بتمرة. واشترط الأنصاري: أن لا يأخذ خَدِرَة ولا تَارِزَه ولا حَشَفَة،
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١٣٥) ١: ١٣٥
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٦) ٢: ٨١٨ كتاب الرهون، باب الرجل يستقي كل دلو بتمرة ويشترط جلدة.
(٣) في ج: وا شتر طنها.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٧) الموضع السابق.
[ ٦ / ١١٩ ]
ولايأخذ إلا جَلِدَه. فاستقى بنحو من صاعين. فجاء به إلى النبي ﷺ " (^١) . رواهما ابن ماجه في " سننه ".
ولأن كل معلوم له عوض معلوم. فجاز؛ كما لو سمى دلاء معروفة.
ولا بد من معرفة الدلو والبئر وما يسقي به، لأن العمل يختلف.
وقوله: " جمعت بدرًا " بالباء الموحدة والدال المهملة هو: جلد السخلة. وقوله: "واشترطتها جلدة " أي: شديدة قوية أو كبيرة.
وقوله: " خدرة " هي بوزن زنخة. وهي: التمرة تقع من النخل قبل أن تنضج.
وقوله: " ولا تارزة " بوزن فاعلة أي: يابسة.
وقوله: " ولا حشفة " أي: رديئة أو ضعيفة، لا نوى لها أو فاسدة.
(ولكل) من المتآجرين فيما إذا استأجره كل يوم بدرهم أو كل شهر بدينار ونحو ذلك (الفسخ أول كل يوم) فيما إذا قال: كل يوم بكذا، (أو) أول كل (شهر) فيما إذا قال: كل شهر بكذا (في الحال) أي: في حاله الأولية.
ولعل مراد من عبر بقوله في الحال. وهي عبارة " التنقيح "، وتبعته فيها:
أن الفسخ إنما يكون في أول جزء من اليوم أو من الشهر. وهذا ظاهر كلام المجد في " شرح الهداية " فإنه قال: وكلما دخلا في شهر لزمهما حكم الإجارة فيه. فإن فسخ أحدهما عقيب الشهر انفسخت.
وفي "الفروع ": فإن صح ففسخ بعد دخول الثانى. وقال القاضي و"المحرر":
إلى تمام يوم. وقال الشيخ (^٢): أو قبله، وقال أيضًا وأبو الخطاب (^٣) وشيخنا: بل قبله. وقال الشيخ: أو ترك التلبس به فلا أجرة. انتهى.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٨) الموضع السابق.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: شهاب.
[ ٦ / ١٢٠ ]
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن اختيار جماعة سماهم أن الفسخ يكون
قبل دخول الشهر الثانى: والصحيح من " المذهب " أن الفسخ لا يكون إلا بعد فراغ الشهر. انتهى.
ولعل وجه المذهب: أن الفسخ أن ما يعتد به إذا صادف الزمن الذي يراد فسخ الإجاره فيه. فإذا فسخ قبله كان فسخًا لما لم يوجد، وإذا لم يفسخ في أوله كانتمهله دليلًاُ على رضاه بلزوم الإجارة فيه. والله أعلم.
وقال في " الرعاية الكبرى ": وقلت: أو يقول: إذا مضى هذا الشهر فقد فسختها انتهى.
وقيل: إن الفسخ يصح في أول اليوم الثانى من الشهر. حكاه في
" الرعاية ". والله أعلم.
***
[ ٦ / ١٢١ ]
[فصل: في كون أوالمنفعة المؤجرة مباحة]
(فصل). الشرط (الثالث) من شروط الإجارة: (كون) ما عقد عليه من (نفع مباحًا) إباحة مطلقة لا يختص بحال دون حال.
ولأجل ذلك قلت: (بلا ضرورة)؛ كإناء الفضة ونحوه فإنه يباج الأ نتفاع به
إذا اضطر إليه لعدم غيره.
وكون النفع (مقصودًا) في العرف. فلا يصح استجار آنية ونحوها لتجمل. وسيأتي في المتن ما يدل على ذلك.
وكون النفع (متقومًا). فلا يصح استئجار تفاحة لشم.
وكون النفع (يستوفى) من العين المستأجرة (دون) استهلاك (الأجز اء).
فلا يصح استئجار شمع للشعل ونحوه.
وكون النفع (مقدورًا عليه). فلا يصح استئجار ديك ليوقظه لوقت الصلاة. نص عليه في رواية إبراهيم الحربي، لأن ذلك يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره.
وكون النفع (لمستأجر). فلو اكترى دابة لركوب المؤجر لم يصح.
قال في " الفروع ": قاله القاضي والأصحاب.
ومثال إجارة ما نفعه مباح بلا ضرورة مقصود متقوم يستوفى دون الأجزاء مقدور عليه لمستأجر " (ككتاب) [فيه حديث، أو فقه، أو شعر مباح، أو نحو ذلك] (^١) (لنظر وقراءة ونقل) (^٢)، أو به خط حسن يكتب عليه ويتمثل منه؛ لأنه تجوز إعارته لذلك. فجازت إجارته.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: ونقل لنظر وقراءة.
[ ٦ / ١٢٢ ]
(لا مصحف) صححه في " التصحيح " و" النظم " وجزم به في " الوجيز " وغيره.
وقال في " الإنصاف ": وهو المذهب.
وعنه: تجوز.
وعنه: تكره.
(وكدار تُجعل مسجدًا) أي: تتخذ مسجدًا يصلى فيه، (أو تسكن)؛ لأن هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها.
(و) كاستئجار (حائط لحمل خشب) معلوم، وبئر ليستقى منها أيامًا معلومة؛ لأن فيها نفعًا مباحًا بمرور الدلو. وأما الماء فيؤخذ على أصل الإباحة. (وحيوان)؛ كالفهد والبازي والصقر والقرد (لصيد وحراسة) في مدة معلومة؛ لأن فيه نفعًا مباحًا وتجوز إعارته لذلك. فجازت إجارته له.
(سوى كلب وخنزير).
وفي الكلب وجه بالصحة؛ لوجود النفع المباح فيه.
ووجه المذهب: استواؤهما في عدم صحة البيع.
(وكـ) استئجار (شجر لنشر أو جلوس بظله). صرح به القاضي في
" المجرد " و"ابن عقيل ".
وللشافعية في ذلك وجهان نقله المجد؛ لأنها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك إذا كانت نابته.
ولأنها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين. فجاز استئجارها لها؛ كالحبال والخشب والشجر المقطوع.
(و) استئجار (بقر لحمل، وركوب، وغنم لدياس زرع)؛ لأن هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من هذا الحيوان مع بقاء العين مقصودة لم يرد الشرع بتحريمها. فجاز استئجارها؛ كركوب البعير.
[ ٦ / ١٢٣ ]
ولأن مقتضى الملك جواز التصرف في كل ما تصلح له العين المملوكة ويمكن تحصيله منها ولا يمتنع ذلك إلا بمعارض راجح، إما ورود نص بتحريمه، أو قياس صحيح، أو رجحان مضرته على منفعته. وليس هاهنا واحد منها.
قال في " المغني ": وكثير من الناس من الأكراد وغيرهم يحملون على البقر ويركبونها، وفي بعض البلدان يحرث على الإبل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث إن شاء الله تعالى أن معظم الأ نتفاع بها فيه، ولا يمنع ذلك الأ نتفاع (^١) بها في شيء آخر " كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها، واللؤلؤخلق للحلية، ويجوز استعماله في الأدوية وغيرها. والله أعلم. انتهى.
(و) يصح استئجار (بيت) معين (في دار) والمراد مدة معلومة بأجرة معلومة، (و) لا يقدح في صحتها (لوأُهمل استطراقه) فلم يذكر " لأن المستأجر لا يتمكن من الأ نتفاع إلا بالاستطراق (^٢) . فاستغني عن ذكره؛ لأنه متعارف. (و) يصح استئجار (آدمي لقود) لمركوب أو لأعمى " لأنه منفعة مباحة مقصودة. والمراد مدة معلومة.
وليدل على طريق؛ " لأن النبى وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أريقط هاديا خِرِّيتًا " (^٣) . وهو الماهر بالهداية؛ ليدلهما على طريق المدينة.
وأن يلازم غريمًا يستحق ملازمته نصًا.
قال أحمد في رواية محمد بن أبي حرب: في الرجل يكري ليلازم رجلًا:
فلا بأس به قد شغله.
وعنه: يكره. فإنه سئل في رواية الفضل بن زياد عن الرجل يكري نفسه لرجل ليلازم الغرماء فقال: غير هذا أعجب إليّ.
_________________
(١) في أ: للإنتفاع.
(٢) في أ: باستطراق.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه (٥ ٤ ١ ٢) ٢: ٧٨٩ كتاب الإجارة، باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ئلاثة أيام أوبعد شهر أوبعد سنه
[ ٦ / ١٢٤ ]
قال في " المغني ": كرهه، لأنه يؤول إلى الخصومة، وفيه تضييق على مسلم، ولا يأمن أن يكون ظالمًا فيساعده على ظلمه. لكنه جائز في الجملة " لأن الظاهر أنه محق. فإن الظاهر أن الحاكم لا يحكم إلابحق ولهذا أجزنا للموكل فعله. انتهى.
وأن ينسخ له كتب فقه أو حديث أو شعرًا مباحًا أو سجلات. نص عليه في رواية مثنى بن جامع. وسأله عن كتابة الحديث بالأجر فلم ير به بأسًا.
قال في " المغني ": ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل. فإن قدره بالعمل
ذكر عدد الأوراق وقدرها، وعدد السطور فى كل ورقة، وقدر الحواشي، ودقة القلم وغلظه. فإن عرف الخط بالمشاهده جاز، وإن أمكن ضبطه بالصفة ضبطه، وإلا فلابد من مشاهدته، لأن الأجر يختلف باختلافه. ويجوز تقدير الأجر بأجر الفرع، ويجوز بأجر الأصل المنسوخ منه. وإن قاطعه على نسخ الأصل بأجر واحد جاز (^١)، وإذا أخطأ بالشيء اليسير الذي جرت العادة به عفي عنه، لأن ذلك لا يمكن التحرز منه، وإن أسرف (^٢) في الغلط بحيث يخرج عن العادة فهو عيب يرد به.
قال ابن عقيل: وليس له محادثة غيره حال النسخ، ولا التشاغل بما يشغل
سره ويوجب غلطه، ولا لغيره تحديثه وشغله. وكذلك كل الأعمال التي تختل بشغل السر والقلب، كالقصاره والنساجة (^٣) ونحوهما.
ويصح استئجار شبكة وفخ ونحوهما لصيد مدة معلومة.
فإن كان له بركة يدخل فيها السمك فيحبس ثم يصاد منها. فقال القاضى، يحتمل أن تجوز إجارتها لذلك كما في الشبكه والفخ للصيد.
واحتمل أن لا يجوز " لأن البركة بنفسها لا تحبسه [وأنهما ينحبس (^٤) فيها
_________________
(١) قي ج: جاز عليه.
(٢) في أوب: أشرف.
(٣) أ: والقزاره.
(٤) في ج: يحبس
[ ٦ / ١٢٥ ]
بغيرها. فلم يمكن الانتفاع بالمستأجر، والشبكة والفخ يعلق بالشيء أو يحبسه] (^١) فًامكن الانتفاع بهما. ذكرهما في " المجرد " في البيع، نقله عنه المجد في " شرح الهداية ".
وقال في موضع آخر: وإن استأجر بئرًا ليستقي منها أيامًا معلومة أو فى دلاء معلومة: صح (^٢)، لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع للانتفاع، لمرور الدلو فيه برقيه ونزوله (^٣) . فأما نفس الماء فيؤخذ على أصل الإباحة. هذا قول ابن عقيل وتعليله، وهذا التعليل يقتضي: أنه يجوز أن يستأجر منه بركته ليصطاد منها السمك مدة معلومة. انتهى.
(و) يصح استئجار (عنبر) وكل ما يبقى من الطيب، كصندل ونحوه
(لشم) مدة معينة ثم يرده، لأنها منفعة مباحة. أشبهت استئجار الثوب ليلبسه مدة معينة، مع أنه لا ينفك من إخلاق وبلى.
(لا ما) يشم مما (يسرع فساده، كرياحين)، لأنها تتلف عن قرب. فأشبهت المطعومات.
(و) يصح استئجار (نقد) أي: دراهم ودنانير (لتحل ووزن فقط) مدة معلومة، لأنهما عينان أمكن الانتفاع بهما مع بقاء عينهما منفعة مباحة. فصح استئجارهما لذلك " كالحلي للتحلي.
(وكذا مكيل وموزون وفلوس ليُعاير عليه).
وعلى المذهب: (فلا تصح) الإجارة (أن اُطلقت) أي: أن لم يذكر التحلي ولا الوزن، ويكونان قرضًا في ذمة القابض، لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير إنما هو بأعيانها. فإذا أطلق الانتفاع حمل على المعتاد.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: يصح.
(٣) في أوب: ونزولًا.
[ ٦ / ١٢٦ ]
وقال أبو الخطاب: تصح وينتفع بهما في ما شاء من وزن وتحلٍّ.
(ولا) تصح الإجارة (على زنا أو زَمر أو غناء)، ونحوه، كنوج، وانتساخ كتب بدعة، وشعر محرم، ورعي خنزير، لأن المنفعة المحرمة مطلوب عدمها وصحه الإجارة تنافيها. إذ المنفعة المحرمة لا تقابل بالعوض في البيع فكذا في الإجارة.
وحكاه ابن المنذر إجماعًا في المغنية والنائحة. أاو نَزْو فحل) أي: لا تصح إجارة الفحل للضِّراب؛ " لأن النبي ﷺ نهى
عن عسب الفحل " (^١) . متفق عليه.
وفي لفظ: " نهى عن ضراب الفحل " (^٢) .
والعسب: إعطاء الكراء على الضِّراب على أحد التفاسير.
ولأن المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين. فلم يجز؛ كإجارة الغنم لأخذ لبنها، بل هذا أولى بالمنع. فإن هذا الماء محرم لا قيمة له. فلم (^٣) يجز أخذ العوض عنه، كالميتة والدم.
وخرج أبو الخطاب وجهًا في جوازه.
قال في " المغني ": فإن احتاج إنسان إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له
أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه.
قال عطاء: لا يأخذ عليه شيئًا، ولا بأس أن تعطيه إذا لم تجد من يطرق لك.
ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها. فجاز " كشراء الأسير، ورشوة الظالم ليدفع ظلمه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١٦٤) ٢: ٧٩٧ كتاب الإجارة، باب عسب الفحل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٦٥) ٣: ١١٩٧ كتاب المساقاة، باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون بالفلاة ويحتاج إليه لرعي الكلأ.
(٢) هو لفظ مسلم وقد سبق تخريجه.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ١٢٧ ]
وإن أطرق إنسان فحله من غير (^١) إجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك: فلا بأس به؛ لأنه فعل معروفًا. فجازت مجازاته عليه؛ كما لو أهدى هدية. انتهى.
(أو دار) يعني: أنه لا يصح استئجار دار (لتُجعل كنيسة، أو بيت نار) لمعبد المجوس أو بيعة، (أو لبيع خمر) أو للقمار. سواء شرط ذلك في العقد أو علم بالقرائن؛ لأن ذلك كله فعل محرم. فلم تجز الإجارة عليه؛ كإجارة عبده للفجور به.
وإن كان المستأجر ذميا وأراد بيع الخمر في الدار الذي استأجرها من مسلم
فله منعه. وبذلك قال الثوري وابن المنذر؛ لأنه محرم.
(أو حمل ميتة) يعني: أنه لا يصح الاستئجار لحمل ميتة، (ونحوها)؛ كالدماء المحرمة (لأكلها لغير مضطر) إليه.
(أو) لحمل (خمر لشربها)؛ لأن هذه منفعة محرمة يقتضي الشرع عدمها. والقول بصحة الإجارة عليها ينافي ذلك.
(ولا أجرة له).
وعنه: تصح الإجارة؛ لأن العمل لا يتعين عليه. بدليل أنه لو حمل مثله جاز.
ويكره أكل أجرته على القول بالصحة.
قال أحمد: فيمن حمل خنزيرًا أو ميتة أو خمرًا لنصرانى: أكره أكل كراءه، ولكن يقضى للحمال بالكراء. فإذا كان لمسلم فهو أشد.
قال القاضي. هذا محمول على أنه استأجره ليريقها فأما للشراب فمحظور
لا يحل أخذ الأجرة عليه.
قال في " المغني ": وهذا التأويل بعيد لقوله: أكره أكل كراءه، وإذا كان لمسلم فهوأشد.
_________________
(١) في أ: بغير.
[ ٦ / ١٢٨ ]
(وتصح) الإجارة لحمل ميتة وخمر (لإلقاء وإراقة)، لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه ولا تندفع بدون إباحة الإجارة له. فجازت، كالإجاره على كسح الكنف، وحمل النجاسات لتلقى خارج البلد.
ويصح الاستئجار لإلقاء الميتة بالشعر الذي على جلدها إن كان محكومًا بطهارته. ذكره في " الفصول ".
ومن أعطى صيادًا أجرة ليصيد له سمكًا ليختبر بخته فقد استأجره ليعمل بشبتكه. قاله أبو البقاء واقتصر عليه في " الفروع ".
(ولا) تصح الإجارة (على طير لسماعه) أي: ليستمع المستأجر صوت الطائر؛ لأن هذه المنفعة ليست بمتقومة ولا بمقدور على تسليمها؛ لأنه قد يصيح وقد لا يصيح.
(وتصح) إجارة طائر (لصيد) إلى مدة معلومة، لجواز إعارته لذلك.
(ولا) تصح إجارة (على تفاحة لشم)، لأن هذه المنفعه غير متقومة. بدليل أن من غصب تفاحًا فشمه أمر برده دون أجرة شمه.
(أو) على (شمع لتجمُّل) " لما تقدم في مسألة التفاح.
(أو) على شمع لأجل (شَغْل.
أو) على (طعام لأكل)، أو شراب لشرب، أو صابون لغسل أو نحو ذلك؛ لأن الإجارة عقد على المنافع وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها.
فعلى هذا لو استأجر شمعا ليشعل منه ما شاء ويرد بقيته وثمن ما ذهب وأجر الباقي كان ذلك فاسدًا، لأنه شمل (^١) بيعًا وإجارة، وما وقع عليه البيع مجهول، وإذا جهل المبيع جهل المستأجر فيفسد العقدان. قاله في " المغني ".
وقال في " الفروع " بعد أن ذكر أنه لا يصح استئجار شمع ليشعله: وجعله شيخنا مثل كل شهر بدرهم. فمثله في الأعيان نظير هذه المسأله في المنافع،
_________________
(١) فى أوب: يشمل
[ ٦ / ١٢٩ ]
ومثله: كلما أعتقت عبدًا من عبيدك فعليّ ثمنه. فإنه يصح وإن لم يبين العدد والثمن. وهو إذْن في الانتفاع بعوض، واختار جوازه، وأنه ليس بلازم بل
جائز، كالجُعاله. وكقوله: ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه فإنه جائز، أو
من ألقى كذا فله كذا، ومن ألقى كذا فله كذا. وجوز إجارة ماء قناة مدة وماء
فائض بركة رأياه. انتهى.
(أو) على (حيوان)؛ كناقه وبقرة وشاة (لأخذ لبنه) يعني: أنه لا يصح
استئجار حيوان لأخذ لبنه أو صوفه أو شعره، لأن مورد عقد الإجارة النفع. والمقصرد هاهنا العين. وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة. وجوز الشيخ تقي الدين إجارة حيوان لأجل لبنه قام به هو أو ربه. فإن قام
عليها المستأجر وعلفها فكاستئجار الشجر، وإن علفها ربها ويأخذ المشتري لبنًا
مقدرًا فبييع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقًا فبييع أيضًا. وليس هذا بغرر " لأن
الغرر ما تردد بين الوجود والعدم. فهو من جنس القمار الذي هو الميسر. وهو
أكل المال بالباطل، كبييع الآبق والشارد. قال: والمنافع والفوائد تدخل في
عقود التبرع. سواء كان الأصل محبسًا بالوقف، وغير محبس " كالعارية ونحوها، كما نص عليه الشارع في منيحة الشاة وهي (^١) عاريتها للانتفاع بلبنها،
كما يعيره الدابة لركوبها.
ولأن هذا يحدث شيئًا فشيئًا فهو بالمنافع أشبه. فإلحاقه بها أولى.
ولأن المستوفى بعقد الإجاره على زرع الأرض هو عين من الأعيان وهو ما
يحدثه من الحب بسقيه وعمله، وكذا استئجار الشاة للبنها مقصوده ما يحدثه الله
تعالى من لبنها بعلفها والقيام عليها فلا فرق بينهما، والآفات والموانع التي
تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن.
ولأن الأصل في العقود الجواز والصحه. انتهى.
والمذهب: لا يصح ذلك في حيوان، (غير ظِئْر) أي: غير آدمية، لقوله
_________________
(١) في أوب: وهو.
[ ٦ / ١٣٠ ]
تعا لى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
والفرق بينها وبين البهائم: أنها يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع ونحو ذلك. بخلاف البهيمة.
ولما كان بعض صور الإجارة الصحيحة ربما يتوهم وقوعه على العين احتيج
إلى دفع هذا التوهم بقوله (^١): (ويدخل نفع (^٢) بئر) في إجارة بئر، (وحبر ناسخ) في استئجار على نسخ، (وخيوط خيّاط) في استئجار على خياطة، (وكُحل كحّال) فيما إذا استأجره ليكحله، (ومرهم طبيب) استؤجر لمداواة مدة معينة، (وصبغ صبّاغ) استؤجر لصبغ ثوب، (ونحوه)؛ كلصاق لصّاق استؤجر للصق شيء، وماء عجّان استؤجر لعجن دقيق معلوم (تبعًا) أي: على سبيل التبعية لا على سبيل الأصاله.
(فلو غار ماء دار (^٣) مؤجرة فلا فسخ) للمستًا جر بذلك.
قال في " الأن تصار ": قال أصحابنا: لو غار ماء دار مؤجرة فلا فسخ؛ لعدم دخوله في الإجارة.
وفي " الفصول ": لا يستحق بالإجارة؛ لأنه إنما يملك بالحيازة.
(ولا) تصح الإجارة (في) جزء (مشاع) من عين تمكن قسمتها أو لا.
حال كون الجزء (مفردًا) عن باقي العين من مالكه (لغير شريكه) في العين إن كان اثنين؛ لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه ولا ولاية للمؤجر على مال شريكه. فلم تصح إجارته؛ كالمغصوب.
قال في " الفروع ": وعنه بلى. اختاره العكبري وأبو الخطاب. وقدمه في
" التبصرة " كشريكه. وفي طريقة بعض أصحابنا، ويتخرج لنا من. إجارة المشاع: أن لا يصح رهنه وكذلك هبته، ويتوجه: ووقفه، قال: والصحيح
_________________
(١) في أ: لقوله.
(٢) كذا في الأصول. وفي " منتهى الإرادات ": نقع ٠ ١: ٤٨١
(٣) في ج: بئر، وكذا في " منتهى الإرادات ". الموضع السابق.
[ ٦ / ١٣١ ]
صحة رهنه وإجارته وهبته، ولا خلاف في صحة بيعه، قال: والمراد عند الأئمة الأربعة، وإلا ففي بيعه خلاف. ذكره ابن حزم. وهو قول الحنفية في مشاع من غرس، وهذا التخريج خلاف نص أحمد في رواية سندي: يجوز بيع المتاع ورهنه، ولا يجوز أن يؤجر؛ لأن الإجارة للمنافع، ولا يقدر على الانتفاع. انتهى.
(ولا) تصح الإجارة أيضًا (في عين) واحدة (لعدد) أي: لاثنين فأكثر (وهي) أي: ملكها الواحد)، كما لو أجر دارا مالكها لاثنين فأكثر " لأنه يشبه إجارة المشاع.
قال في " الفروع ": وهل مثله إيجار حيوان ودار لاثنين وهمما لواحد أو يصح؛ فيه وجهان، وكذا وصية بمنفعه. انتهى.
(إلا في قول) وهو رواية في مسألة إجاره المشاع، ووجه في مسألة إجارة العين الواحدة لعدد.
قال (المنقح) في " التنقيح " بعد أن ذكر المسألتين وقدم عدم صحة الإجارة فيهما: وعنه: بلى. اختاره أبو حفص وأبو الخطاب والحلوانى وصاحب " الفائق " وابن عبدالهادي، (وهو أظهر، وعليه العمل) أي: عمل الحكام من الحنابلة في زمنه.
وعلم ما تقدم أن استئجار الشريك ممن يشركه ما عدا ماله فيه أو الواحد من جميع الشركاءجميعه صحيح بلاخلاف في المذهب.
وقال المجد: فإن أجر اثنان دارهمما من رجل في صفقة على أن نصيب أحدهما بعشره والآخر بعشرين: جاز على ظاهر كلام القاضي وابن عقيل؛ لأنهما أجعازا المساقاة من اثنين مع الواحد مع التفاضل في الجزء المشروط عليهما. ثم قالا: وكذلك حكم البيع والإجارة والكتابة. قال: ويحتمل عندي أن لا يصيح إذا لم نصحح إجارة المشاع.
وقال في موضع آخر: وإن أجر اثنان دارهمما من رجل ثم أقاله أحدهما صح وبقي العقد في نصيب الآخر. ذكره القاضي، وبه قال أبو حنيفة.
[ ٦ / ١٣٢ ]
ثم قال القاضي: ولا يمتنع أن نقول: ينفسخ العمد في الكل.
قلت: وهو قول أبو حنيفة وزفر في رواية الحسن بن زياد عنهما. انتهى.
(ولا) تصح الإجارة (في امرأة ذات زوج بلا إذنه)؛ لأن في ذلك تفويتًا
لحق الزوج في الاستمتاع؛ لاشتغالها عنه بما استؤجرت له. فلم تجز إلا بإذنه. (ولا يقبل قولهما) مجردًا عن البينة بعد إيجارها نفسها: (أنها متزوجة) في إبطال حق المستأجر من منفعتها.
(أو) من تزوجت ثم ذكرت أنها (مؤجرة قبل نكاح) في حق زوج؛ لأنها متهمة في الصورتين. والأصل عدم ما تدعيه.
(ولا) تصح الإجارة (على دابة ليركبها مؤجر)؛ لما تقدم من اشتراط كون
النفع في إجارةٍ لمستأجر.
قال في " الفروع ": فلو اكترى دابة لركوب المؤجر لم يصح. قاله القاضي
والأصحاب. انتهى،
لكن لا يمنع ذلك إعارتها لمؤجرها في أثناء مدة الإجارة.
***
[ ٦ / ١٣٣ ]
فصل: [في حكم إجارة العين]
وما يشترط لصحتها وغير ذلك.
(والإجارة) حيث أطلقت (ضربان):
أحدهما: أن تقع (على عين) ولهاصورتان:
إحداهما: أن تكون إلى أمد معلوم.
والأخرى: أن تكون لعمل معلوم. وستأتيان.
ثم العين تارة تكون معينة؛ كاستأجرت منك هذا العبد ليخدمني سنة بكذا،
أو ليخيط هذا الثوب بكذا. وتارة تكون موصوفة في الذمة؛ كاستأجرت منك حمارًا صفته كذا وكذا لأركبه سنة بكذا، أو إلى بلد كذا بكذا.
ولكل من القسمين شروط. وبدأت بالكلام على شرط الموصوفة لطوله على شروط المعينة. فقلت:
(وشرط) بالبناء للمفعول لصحة الإجارة على العين غير المشخصة: (استقصاء صفات سلم. في موصوفة بذمة)؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الصفات. فلو لم توصف بصفات السلم أدى ذلك إلى التنازع. فإذا استقصيت، صفات السلم كاد ذلك أقطع للنزاع وأبعد من الغرر.
(وإن جرت) هذه الإجارة بين المتآجرين (بلفظ: سَلَم) بأن قا ل المستأجر للمؤجر: أسلمتك هذا الدينار في منفعة حمار صفته كذا وكذا لأركبه من بلد كذا إلى بلد كذا وقبل المؤجر: (اعتبر قبض أجرة بمجلس) جرى فيه العقد، (وتأجيل نفع) إلى أجل معلوم.
قال في " الإنصاف ": الفائدة الثانية: قال في " الرعايه ": وإن استأجر في
الذمة ظهرًا يركبه أو يحمل عليه إلى مكة بلفظ السلم اشترط قبض الأجرة في
[ ٦ / ١٣٤ ]
المجلس وتأجيل السفر مدة معينة، وإن كان بلفظ الإجارة جاز التفرق قبل القبض. . وهل يجوز تأخيره؛ يحتمل وجهين. انتهى.
وقال المجد في " شرح الهداية ": وهي- يعني: الإجارة- على ضربين: متعلقة بالذمة؛ كالاستئجار لتحصيل خياطة أو بناء أو حمل شيء من مكان [إلى مكان] (^١) . فهذه يلزم الوفاء بها على شرائطها؛ كالسلم. والمتعلق بالذمة تارة يكون عملًا وتارة يكون منفعة عين موصوفة. ويشترط لهذا القسم قبض الأجره في المجلس كما في السلم. وبه قال الشافعي وكذلك مذهب مالك يعتبر فيه تعجيل الأجرة على الوجه. المعتبر عنده في السلم.
وقال بعض الشافعية: إذا كان العقد بلفظ السلم اعتبر ذلك، وإن كان بلفظ الإجارة لم يعتبر قال: وهو مذهبنا الذي ذكره القاضي في " المجرد " وابن عقيل في كتاب الإجارة. وكذلك قالا: يعتبر ذكر الأجل إن كان بلفظ السلم وإلا فلا. وأما عند الشافعية فلا يعتبر كالسَّلَم. انتهى.
قلت: وهذا يدل على أن السلم يكون في المنافع كما يكون في غيرها.
والله أعلم.
(و) يشترط لصحة الإجارة (في) عين (معينة) خمسة شروط:
أحدها: (صحة بيع) أي: كونها يصح بيعها؛ كالأرض والدار والعبد والبهيمة والثوب والخيمة والحبل والمحمل والسرج واللجام والسيف والرمح والفرش والسرير والإناء وأشباه ذلك. فلا تصح إجارة كلب ولا خنزير لحراسة ولا لصيد ولا لغير ذلك.
(سوى وقف) أي: موقوف، (وأم ولد وحر وحرة).
أما صحتها في الوقف؛ فلأن منافعه مملوكة للموقوف عليه. فجازت إجارته ممن له الولاية عليه؛ كالمؤجر.
وأما أم الولد؛ فلأن منافعها مملوكة لسيدها. فجاز له إجارتها؛ كإعارتها.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ١٣٥ ]
وأما صحتها (^١) في الحر والحرة؛ فلأن منافعهما مضمونة بالغصب. فجازت إجارتها؛ كمنافع القن.
(ويصرف) مستأجر أجنبية (بصره).
قال المجد: وإذا استأجر الرجل امرأة أجنبية حرة أو أمة لشغل مباح تعمله جاز. نص عليه وكان حكم النظر إليها والخلوة بها على ما كان عليه قبل الإجارة.
(ويكره أصله لخدمته) أي: يكره للإنسان أن يستأجر أباه وأمه وجده وجدته لخدمته؛ لما فيه من إذلال الوالدين بالحبس على خدمة الولد.
(ويصح استئجار زوجته لرضاع ولده ولو منها وحضانته)، لأن كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج يصح أن تعقده مع الزوج؛ كالبيع.
ولأن وضعها من (^٢) الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج. بدليل أنه لايملك إجبارها على حضانة ولدها، ويجوز لها أن تأخذ عليها العوض من غيره. فجاز لها أخذه منه؛ كثمن مالها. واستحقاقه لمنفعتها من جهة الاستمتاع لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر " كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها. وقال القاضي: ليس له ذلك
(و) يصح استئجار (ذمي مسلمًا) لعمل معين في الذمة؛ كخياطة ثوب وقصارته، أو إلى أمد، كأن يستقي له، أو ينسج أو يقصر ثيابًا شهرًا بكذا نصًا. نقل أحمد بن سعيد: لا بًاس أن يؤجر نفسه من الذمي.
قال في " المغني ": وهذا مطلق في (^٣) نوعي الإجارة.
(لا لخدمته). نص عليه في رواية الأثرم. فقال: إن أجّر نفسه من الذمي
في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيءجاز.
_________________
(١) في أ: صحتهما.
(٢) في أوب: في.
(٣) في أوب: من.
[ ٦ / ١٣٦ ]
أما كونها تصح للعمل، فلأنها عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه. أشبه مبايعته.
وأما كونها لا تصح للخدمة، فلأنها عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه مده الإجارة. أشبه بيع المسلم للكافر.
وفيما إذا آجر نفسه لعمل مدة وجه: بعدم الجواز.
وفيما إذا آجر نفسه للخدمة رواية بالجواز.
(و) الشرط الثانى: (معرفتها) أي: أن يعرف المتآجران العين المؤجرة برويتهما لها أو وصفها كبيع، لأن الغرض يختلف باختلاف الأعيان والصفات فاعتبررؤية ما لا ينضبط بالوصف، وو صف ما ينضبط (^١) به.
(و) الشرط الثالث: (قدرة) في المؤجر (على تسليمها) أي: العين المؤجرة، (كـ) ما اشترط ذلك في (مبيع)؛ لأنها بيع منافعها. أشبهت بيع الأعيان. فلا تصح إجارة الآبق ولا الشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، لأنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه، كما لا يصح بيعه.
(و) الشرط الرابع: (اشتمالها) أي: العين المؤجرة (على النفع. فلا تصح) الإجارة (في) بهيمة (زَمِنة لحمل، ولا) أرض (سَبِخَة لزرع)، لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة في هذه العين.
(و) الخامس: (كون مؤجر يملكه) أي: النفع: إما بكونه مالكًا للعين،
أو مستأجرًا لها، (أو مأذونًا له فيه) إما، بطريق الولاية، كحاكم يؤجر مال سفيه أو صغير أو مجنون، أو وقفًا لا ناظر له معين. وإما من قبل شخص معين؛ كالناظر الخاص يؤجر وقفًا جعل له عليه النظر، والمستعير يؤجر ما استعاره بإذن مالكه، والوكيل يؤجر ما وكله مالكه في إجارته، لأنها بيع منافع. فاشترط فيها ذلك، كبيع الأعيان.
وقيل: تصح وتقف على الإجازة.
_________________
(١) في أ: يضبط.
[ ٦ / ١٣٧ ]
(فتصح) على المذهب) من مستأجر لـ) عين (غير حر): أن يؤجرها،
(لمن يقوم مقامه) أي: المستأجر.
أما كون مستأجر الحر ليس له أن يؤجره؛ فلكونه لا تثبت اليد عليه وإنما هو يسلم نفسه. وفيه وجه.
وأما كون المستأجر لعين غير الحر تصح منه إجارتها لمن يقوم مقامه على الأصح؛ فلأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة والتسلط على استيفائها بنفسه وبمن يقوم مقامه.
وإنما تركنا تقييده بالكبير خلافًا لتقييده في " التنقيح " لقوله في " التلخيص ": ليس لمستأجر الحر أن يؤجره من آخر إذا قلنا: لا تثبت يد غيره عليه. وإنما هو يسلم نفسه، وإن قلنا: تثبت صح. انتهى.
والمذهب: لا تثبت. فلهذا ضربنا عن تقييده بالكبير.
وأما كونه يصح أن يؤجرها (ولو لم يقبضها)؛ لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه. فلم يقف جواز التصرف عليه. بخلاف بييع المكيل ونحوه قبل قبضه. وأما كون ذلك يصح (حتى لمؤجرها)؛ فلأن كل عقد جاز مع غير العاقد
جاز مع العاقد؛ كالبيع.
وأما كون ذلك يصح (ولو بزيادة) على الأجر الذي استأجرها به؛ فلأنه عقد يجوز برأس المال. فجاز بزيادة.
وعنه: لا يجوز لمستأجر أن يؤجر مطلقًا.
وعنه: لا يجوز إلا بإذن المؤجر.
وعنه: لا يجوز إلا بعد القبض.
وقيل: لا يجوز قبل قبضها من غير المؤجر.
وعنه: لا يجوز بزيادة مطلقًا.
وعنه: لا يجوز بزيادة لغير المؤجر إلا بإذنه.
[ ٦ / ١٣٨ ]
وعنه: أن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا. فإن فعل تصدق بالزيادة؛ " لنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن " (^١) .
ورده في " المغني ": بأن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه.
وقال المنقح: فيما إذا أجرها لمؤجرها بزيادة، قلت: (ما لم تكن حيلة؛ كعِينة) انتهى.
يعني: أنه إذا استأجرها بأجره حالّه نقدًا ثم أجرها بأكثر منه مؤجلًا فإنه
لا يصح حيث كان حيلة على الربا كما ذكره الأصحاب في مسألة بيع العيِنة.
(و) تصح إجارة العين (من مستعير) لها (بإذن معير في مدة يُعيّنها)؛ لأنه
لو أذن له في بيعها لجاز فكذا إجارتها؛ لأن الحق له.
(وتصير) العين المؤجرة (أمانة) بعد أن كانت مضمونة على المستعير لمصيرها مؤجرة.
(والأجرة لربها) أي: لرب العين المؤجرة لانفساخ حكم العارية بورود
عقد الإجارة عليها؛ لكون الإجارة أقوى للزومها.
(و) تصح الإجارة (في وقف، من ناظره)؛ لأنه إن كان مستحقًا له كانت منافعه ملكًا له. فيجوز له إجارتها؛ كالمستأجر، وإن لم يكن مسستحقًا له صحت منه الإجارة بطريق الولاية؛ كالولي إذا أجر عقار موليه.
(فإن مات مستحق) لوقف وقد (أجر) هـ (وهو ناظر بشرط) بأن جعل الواقف النظر له بمقتضى شرط النظر له: لم تنفسخ.
أو) لكونه أحق بالنظر مع عدم الشرط؛ (لكون الوقف عليه: لم تنفسخ) الإجارة (في وجه)، قياسًا على ما لو آجر ولي مال موليه أو ناظر ليس له استحقاق الوقف ثم زالت الولاية أو انتقل النظر.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٣٤) ٣: ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.
[ ٦ / ١٣٩ ]
قال (المنقح) في " الإنصاف ": صححه في " التصحيح " و" النظم "، وجزم به في " الوجيز ". وقدمه في " الفروع " و" الرعاية الكبرى " و" شرح ابن رزين ".
قال القاضي في " المجرد ": هذا قياس المذهب.
وقال في " التنقيح ": فإن مات المؤجر انفسخت إن كان المؤجر الموقوف
عليه بأصل الاستحقاق.
وقيل: لا ينفسخ، قدمه في " الفروع " وغيره، وجزم به (^١) في " الوجيز " وغيره كملكه. (وهو أشهر وعليه العمل). انتهى.
(وكذا) أي: وكالحكم في مؤجر موقوفًا عليه بأصل الاستحقاق مدة ثم يموت في أثنائها (مؤجر إقطاعه) إقطاع استغلال مدة (ثم) في أثنائها (يقطعه) بالبناء للمفعول (مغيره) أي: غير المؤجر. قاله في " القواعد " وغيره.
ووجه ما قدمه في " التنقيح " من الانفساخ بموت المؤجر، لأنه قد تبين أنه
آجر ملكه وملك غيره. فصح في ملكه دون ملك غيره، كما لو أجر دارين إحداهما له والأخرى لغيره، وذلك لأن المنافع بعد الموت حق لغيره فلا ينفذ (^٢) عقده عليها من غير ملك ولا ولاية. بخلاف الطلق إذا مات مؤجره فإن الوارث يملكه من جهة الموروث فلا يملك منه إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل إلى الوارث، والمنافيع التي آجرها قد خرجت عن ملكه بالإجارة فلا تنتقل إلى الوارث. والبطن الثانى في الوقف (^٣) يملكونه (^٤) من جهة الوقف. فما حدث منها بعد البطن الأول كان ملكًا لهم فقد صادف تصرف المؤجرملكهم من غير إذنهم. فلم يصح. وبهذا الوجه جزم القاضي في " خلافه "، وقال: أنه ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وجزم به أيضًا ابنه أبو الحسين، وحكاه عن
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: ينعقد.
(٣) في ج: وقف.
(٤) فى ب: يملكون.
[ ٦ / ١٤٠ ]
أبي إسحاق ابن شاقلاء، واختاره ابن عقيل وابن عبدوس في " تذكرته ".
وقال الشيخ تقي الدين: أنه أصح الوجهين.
وقال ابن رجب: وهو المذهب الصحيح، وخرج صاحب " المغني " وجهًا
له ثالثًا ببطلان العقد من أصله، بناء على تفريق الصفقة.
قال في " القواعد ": لكن الأجرة إن كانت مقسطة على أشهر مدة الإجارة أو أعوامها فهي صفقات متعددة على أصح الوجهين. فلا تبطل جميعها ببطلان بعضها، وإن لم تكن مقسطة فهي صفقة واحدة فيطّرد فيها الخلاف المذكور. قال في " الإنصاف ": ومحل الخلاف عند ابن حمدان في " رعايته " وغيره
إذا أجره مدة يعيش فيها غالبًا. فأما إن أجره مدة لا يعيش فيها غالبًا فإنها تنفسخ قولًا واحدًا وما هو ببعيد. انتهى.
(فعلى هذا) وهو القول بعدم انفساخ الإجارة بانتقال الاستحقاق عن المؤجر (يأخذ المنتقل إليه) الاستحقاق (حصته من أجرة قبضها مؤجر من تركته) إن مات، (أو منه) أي: المؤجر إنا انتقل الاستحقاق عنه وهو حي؛ كما لو وقف إنسان داره على ابنته ما دامت عزباء. فإذا تزوجت سقط حقها وكان وقفًا على زيد ثم أجرت الدار مدة وقبضت أجرتها ثم تزوجت في أثناء المدة. فإن زيدًا يأخذ منها من الأجرة مازاد على ما يقابل زمن استحقاقها.
(وإن لم تقبض) الأجرة (فـ) للمنتقل إليه الاستحقاق أن يقبض (من مستأجر) من الأجرة ما قابل زمن استحقاقه.
(وعلى مقابله) أي: القول المتقدم وهو القول بانفساخ الإجارة بانتقال الاستحقاق عن المؤجر يأخذ المنتقل إليه أجرة ما يقابل زمن استحقاقه من مستأجر، و(يرجع مستأجر) أقبض الأجرة (على ورثة قابض) مات، (أو عليه) أن كان حيًا.
(وأن أجر الناظر العام) وهو الحاكم ومن جعل الإمام له ذلك وقفا (لعدم) الناظر (الخاص) وهو الذي يعينه الواقف للنظر عليه.
[ ٦ / ١٤١ ]
(أو) آجره الناظر (الخاصر وهو أجنبي) أي: ليس بمستحق في الوقف:
(لم تنفسخ) الإجارة (بموته ولا عزله) في أثناء مدتها أو قبلها؛ كما لو أجره سنة خمس في سنة اربع ومات أو عزل قبل أن تدخل سنة خمس، (قولًا واحدًا). قاله الموفق وابن أخيه والشيخ تقي الدين وصاحب " القواعد " وغيرهم. نقل ذلك في " الإنصاف "؛ لأن إيجاره هنا بطريق الولاية. ومن يلي النظر بعده أن ما يملك التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول، وهذا العقد قد تصرف فيه الأول. فلم يثبت للثانى ولاية على تناوله.
قال في " الإنصاف ": وقال ابن رجب: أما إذا شرطه للموقوف عليه وأتى بلفظ يدل على ذلك فأفتى بعض المتأخرين بإلحاقه بالحاكم ونحوه، وأنه لا ينفسخ قولًاواحدًا. وأدخله ابن حمدان في " الخلاف ".
قال الشيخ تقي الدين: وهو الأشبه. انتهى.
(وإن آجر سيد رقيقه، أو) أجر (ولي يتيمًا) تحت حجره (أو ماله) أي:
مال اليتيم الذي تحت حجره؛ كداره ورقيقه وبهائمه مدة، (ثم عتق) الرقيق (المأجور) في أثنائها أو قبلها، (أو بلغ ورشد) الصغير الذي أجره وليه أو أجر ماله، (أو مات) السيد أو الولي (المؤجر، أو عزل) الولي المؤجر بأن أقام الحاكم عوضه أو نحو ذلك: (لم تنفسخ) الإجارة.
أما كون إجارة الرقيق لا تنفسخ بعتقه؛ فلأنها عقد صدر من السيد على
ما يملكه. فلم تنفسخ بزوال ملكه بالعتق أو غيره؛ كما لو زوج أمته ثم باعها. وقيل: تنفسخ.
وقيل: إلا أن يستثنيها في العتق.
وعلى المذهب: لا يرجع على مولاه بشيء؛ لأنها منفعة استحقت بالعقد
قبل العتق. فلم يرجع ببدلها؛ كما لو زوج أمته ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها. فإن ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه.
[ ٦ / ١٤٢ ]
وقيل: يرجع بحق ما بقي من المده؛ كما لو أكرهه مولاه بعد عتقه على هذا العمل.
ورد: بأن المكرِه متعدّ. بخلاف المؤجر.
إذا ثبت هذا فإن نفقة العتيق (^١) زمن الإجارة أن كانت مشروطة على المستأجر
فهي عليه، وأن لم تكن مشروطة عليه فهي على معتقه؛ لأنه كالباقي على ملكه. بدليل أنه يملك عوض نفعه.
ولأن العتيق لا يقدر على نفقة نفسه؛ لأنه مشغول بالإجارة. ولا على المستأجر؛ لأنه استحق منفعته بعوض غير نفقته. لم يبق إلا أنها على المولى. وأما كون إجارة الولي الصغير أو ماله لا تنفسخ ببلوغ الصغير ورشده ولا
بعزل الولي أو موته؛ فلأنها عقد لازم عقده بحق الولاية. فلم يبطل بالبلوغ ولا بالعزل؛ كما لو باع داره أو زوجه، وكما لو عزل أو مات ناظر الوقف الأجنبي وقد أجره ولم تنقص المدة.
(إلا إن علم) الولي أو السيد (بلوغه) أي: الصغير، (أو عتقه) أي: الرقيق (في المدة) التي أجّراهما فيها؛ كما لو أجر الصغير سنتين وهو ابن أربع عشرة سنة، أو قال لعبده: أنت حر بعد سنة ثم أجره سنتين. فإنها تنفسخ بالعتق والبلوغ؛ لأنا لو قلنا بلزوم الإجارة في هاتين الصورتين بعد العتق والبلوغ أفضى إلى أن تصح على جميع منافعهما طول عمرهما، وإلى أن يتصرف كل منهما في غير زمن ولايته على المأجور.
وقيل: لا تنفسخ من غير استثناء.
وقيل: تنفسخ من غير استثناء.
***
_________________
(١) في أ: العتق.
[ ٦ / ١٤٣ ]
[فصل: في أحكام إجارة العين]
(فصل. ولإجارة العين) الموصوفة أو المعينة (صورتان):
إحداهما: أن تكون (إلى أمد)؛ كاستأجرت منك عبدًا صفته كذا ويستقصي صفات السلم، أو هذا العبد ليخدمني سنة.
(وشرط) في هذه الصورة: (علمُه) أي: الأمد فيقول: سنة من تاريخه، أو أولها كذا، لأن المدة هي الضابط للمعقود عليه المعرفة له. فوجب أن تكون معلومة؛ كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل.
ومتى أُطلقت السنة حملت على الأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع. قال الله تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾] البقرة: ١٨٩].
وإن قالا: عددية أو قالا: سنة بالأيام، كان له ثلاثمائة وستون يومًا " لأن الشهر العددي ثلاثون يومًا.
وإن قالا: سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وكانا يعلمان ذلك جاز، وكان له ثلاتمائة وخمسة وستون يومًا.
(و) شرط أيضًا: (أن لا يُظن عدمها) أي: العين المؤجرة بهدم أو موت ونحوهما (فيه) أي: في أمد الإجارة. فيصح تقديره (وإن طال)؛ لأن المصحح للإجارة كون المستأجر. يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا.
قال في " الفروع ": وظاهره ولو ظن عدم العاقد ولو مده لا يظن بقاء الدنيا فيها.
وفي طريقة بعض أصحابنا في السلم: الشرع يراعي الظاهر، ألا ترى لو اشترط أجلًا تفي به مدته صح، ولو اشترط مائتين أو أكثر لم يصح. انتهى. وقيل: لا تصح أكئر من سنة. اختاره ابن حامد.
[ ٦ / ١٤٤ ]
وقيل: ثلاث.
وقيل: ثلاثين، وحكاه في " الرعاية " نصًا؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى
إلى أكثر منها وتتغير الأسعار.
ولا فرق بين الوقف والملك، بل الوقف أولى. قاله في " الرعاية ".
قال في " المبدع ": وفيه نظر.
والمسقف والمبسط (^١) سواء.
ولا يشترط إذا وقع العقد على سنين بأجر معين إلى تقسيطه على كل سنة.
قال في " المغني ": في ظاهر كلام أحمد كما لو استًا جر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق.
و(لا أن تلي) مدة الإجارة (العقد. فتصح) إجارة العين (لسنة خمس.
في سنة أربع)؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها. فجاز العقد عليها مفردة (^٢) مع عموم الناس؛ كالتي تلي العقد، وكما لو كانت في إجارة المستأجر. وتصح. (ولو) كانت (مؤجرة أو مرهونة أو مشغولة وقت عقد)؛ كالمسلم
فيه لا يشترط وجوده ولا القدرة عليه حال العقد.
ومحل ذلك: (إن قدر) المؤجر (على تسليم) لما أجّره (عند وجوبه) أي: عند الوقت المستحق فيه التسليم.
وقال بعض الأصحاب: إذا أجره (^٣) وكانت العين مشغولة صح إن ظن التسليم عند وجوبه وقدمه في " الفروع ".
وفي " الرعاية ": إن أمكن (^٤) التسليم في أولها.
وفي المرهونة وجه: لا يصح العقد عليها.
_________________
(١) في أوب: والبسط.
(٢) في أ: مقررة.
(٣) في أ: أجاره.
(٤) في أ: مكن.
[ ٦ / ١٤٥ ]
وفي " الفصول ": لا يتصرف مالك العقار في المنافع بإجاره ولا إعارة إلا
بعد انقضاء المدة واستيفاء المنافع المستحقة عليه بعقد الإجارة؛ لأنه ما لم تنقض (^١) المدة له حق الاستيفاء. فلا يصح تصرفات المالك في محبوس بحق؛ لأنه يتعذر التسليم المستحق بالعقد.
قال صاحب " الفروع ": فمراد الأصحاب متفق. وهو: أنه يجوز إجارة المؤجر، ويعتبر التسليم وقت وجوبه، وأنه لا يجوز إيجاره لمن يقوم مقام المؤجر كما يفعله بعض الناس. وأفتى جماعة من أصحابنا وغيرهم في هذا الزمان أن هذا لا يصح. وهو واضح، ولم أجد في كلامهم ما يخالف هذا. ومن العجب قول بعضهم في هذا الزمان الذي يخطر بباله من كلام أصحابنا أن هذه الإجارة تصح (^٢) . كذا قال. وقد قال شيخنا فيمن استأجر أرضًا من جندي وغرسها قصبًا ثم انتقل الإقطاع عن الجندي: إن الجندي الثانى لا يلزمه حكم الإجارة الأولى، وأنه إن شاء أن يؤجرها لمن له فيها القصب أو لغيره. انتهى.
إذا ثبت ذلك وهو: اشتراط القدرة على التسليم عند وجوبه (فلا تصح). الإجارة (في) أرض (مشغولة بغرس أو بناء، ونحوهما)، كالأمتعة الكثيرة التي يتعذر تحويلها إذا كانت (للغير) أي: لغير المستأجر زمن وجوب تسليم؛ لعدم القدرة على التسليم إذا.
(ولا) يصح استئجار عين (شهرًا أو سنة ويطلق)، لاشتراط العلم بالأمد.
قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا استأجر أجيرًا شهرًا فلا يجوز
حتى يسمي الشهر.
وقيل: يصح فيهما، ويكون ابتداء ذلك من حين العقد؛ لأن المدة إذا أطلقت في غير القُرَب وجب أن تلي السبب الموجب كمدة السَّلَم.
(ولا) تصح الإجارة (من وكيل مطلق) أي: لم يقدر له موكله (مدة
_________________
(١) في ب: تنقص.
(٢) في ب: لاتصح.
[ ٦ / ١٤٦ ]
طويلة) خمس سنين ونحوها، (بل العرف) أي: بل الأمد المتعارف المعهود إيجاره بين الناس غالبًا، (كسنتين، ونحوهما)، كثلاث سنين.
قال في " الفروع ": قاله شيخنا واقتصر عليه " لأن العقود متى صحت مطلقة حملت على العرف، كما لو أمر محترف أو نحوه رفيقه أن يشتري لأهله خبزًا فاشترى قنطارًا أو نحوه لم يلزم الموكل.
(وتصح) الإجا رة (في آدمي لرعي، ونحوه)، كخدمة.
قال في " المغني ": لا نعلم خلافًا في صحة استئجار الراعي.
(مدة معلومة)، لأن العمل لا ينحصر. (ويسّمى) من أجر نفسه مدة معلومة: (الأجير الخاصر، لتقدير زمن يستحق المستأجر نفعه في جميعه) مختصًا به. (سوى) زمن (فعل) الصلوات (الخمس بسننها في أوقاتها) المشروعة فيها، (و). سوى زمن فعل (صلاة جمعة وعيد).
وقيل: الأجير الخاص من سلم نفسه لعمل معلوم مباح.
(ولا يستنيب) الأجير الخاص فيما استؤجر له؛ لأن العقد وقع على عينه؛ كمن أجر دابة معينة لإنسان يركبها مدة فإنه ليس له إبدالها.
(ومن استأجر سنة في أثناء شهر: استوفاها) أي: الأشهر الكاملة وهي
أحد عشر شهرًا (بالأهلة، وكمَّل على ما بقي) من أيام الشهر الذي استأجر في أثنائه (ثلاثين يوماّ)، لأنه قد تعذر إتمامه بالهلال فتممناه (^١) بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بآلهلال. فوجب ذلك، لأنه الأصل.
وعنه: يستوفي الجميع بالعدد؛ لأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد. فوجب استيفاء جميعها به " كما لو كانت المدة شهرًا واحدًا.
ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الثانى
في أثنائه، وكذلك كل شهر يأتي بعده.
_________________
(١) في أوب: فتمناه.
[ ٦ / ١٤٧ ]
وقال الشيخ تقي الدين: أن ما يعتبر الشهر الأول بحسب تمامه ونقصانه. فإن
كان تامًا كمل تامًا " وإن كان ناقصًا كمل ناقصًا إلى مثل تلك الساعة.
(وكذا) في الحكم يكون كل ما يعتبر بالأشهر؛ كعدة، وصيام كفارة، ونحوهما)؛ كأجل سَلَم وخيار. نص على ذلك في النذر.
الصورة (الثانية): أن تكون (لعمل معلوم؛ كدابة) معينة أو موصوفة تؤجر [(لركوب) من شخص معين المحل معين.
وله) أي: للمستأجر (ركوب) على الدابة المؤجرة] (^١) (لمثله) أي: لمحل مماثل لذلك المحل في قدر المسافة (في جادة) أي: طريق (مماثلة) للطريق المعقود عليها في السهولة أو الحزونة والأمن أو الخوف؛ لأن المسافة عينت؛ ليستوفي بها المنفعة، ويعلم قدرها بها. فلم تتعين؛ كنوع المحمول والراكب.
قال في " المغني ": ويقوى عندي أنه متى كان للمكري غرض في تلك الجهه المعينة لم يجز (^٢) العدول إلى غيرها؛ مثل: من يكري جماله إلى مكة ليحج معها. فلا يجوز له أن يذهب بها إلى غيرها.
ولو أكراها إلى بغداد لكون أهله بها أو ببلد العراق لم يجز الذهاب بها إلى مصر. .
ولو أكرى جماله جملة إلى بلد لم يجز للمستأجر التفريق بينهما بالسفر ببعضها إلى جهة وباقيها إلى جهة أخرى؛ وذلك لأنه عّين المسافة لغرض في فواته ضرر. فلم يجز تفويته؛ كما في حق المكري. فإنه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إليه لم يجز. انتهى.
(أو) كـ (بقر) معينات أو موصوفات تؤجر (لحرث) لمكان معين معلوم
لهما بالمشاهدة؛ لاختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة مفردة؛ ليتولى رب
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: يجزؤ.
[ ٦ / ١٤٨ ]
الأرض الحرث بها.
ويجوز أن يسشأجرها مع صاحبها ليتولى الحرث بها، وتكون الآله من عند صاحب الأرض.
ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها بآلتها من السكة والشعير (^١) وغيرهما.
ويجوز تقدير العمل بالمساحة؛ كجريب أو جريبين من هذه الأرض. .
وبالمدة؛ كيوم ويومين ويكون من الصورة الأولى.
وشرط له إن قدرها بالمدة تعيين البقر الذي يحرث عليها؛ لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف.
(أو) بقر لـ (دِيَاس لى) زرع (معين)؛ لأنه منفعة مباحة مقصودة. أشبه الحرث. والقول فيه كما تقدم في الحرث.
(أوآدمي) حر أو عبدًا ليدل على طريق) معين، أو ليخيط أويقصر ثوبًا معينًا، أو لقطع سَلَعَة، أو قليع سن أو ضرس معينين، أو لفصد، أو ختن، أو كحل، أو مداواة شخص معين، أو لرعي أو حلب، أو ذبح أو سلخ بهائم معينة؛ لأن هذه كلها أعمال مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. فجاز الاستئجار عليها؛ كسائر الأفعال المباحة.
(أو رحى لطحن شيء معلوم) من حب معلوم؛ لأنه يختلف. فمنه ما يسهل ومنه ما يعسر.
(وشُرط: علم) كل (عمل، وضبطُه بما لا يختلف)؛ لأنه أن لم يكن كذلك كان مجهولًا. فلا تصح الإجاره معه.
فمن أجر بهيمة لإدارة رحى اشترط: أن يعلم صاحبها الحجر إما بالمشاهدة أوالصفة؛ لأن عمل البهيمة يختلف بثقله وخفته.
_________________
(١) في ب: في النهر.
[ ٦ / ١٤٩ ]
وأن يقّدر العمل إما بالزمان، كيوم أو يومين، وإما بالطعام بأن يذكر كيله وجنسه.
ولإدارة دولاب فلا بد من مشاهدته ومشاهدة دلائه؛ لاختلافها، وتقدير ذلك بالزمان، أو ملء هذا الحوض أو هذه البركة.
ولا يجوز تقدير ذلك بسقي أرض، لأن ذلك يختلف فقد تكون الأرض عطشانة لا يرويها القليل، وقد تكون قريبه العهد (^١) بالماء فيكفيها القليل. ولاستقاء عليها فلا بد من معرفة الآله التي يستقي بها من راوية أو قرب أو جرار، إما بالروية وإما بالصفة. ويقدر العمل إما بالزمان وإما بعدد المرات على شيء معين. فإن قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفه الموضع الذي يستقي منه والذي يذهب إليه؛ لأدن ذلك يختلف بالقْرب والبعد والسهولة والحزونة. وإن قدره على شيء معين احتاج إلى معرفته ومعرفه ما يستقي منه.
قال المجد في " شرح الهداية ": وإذا استأجر دابتين إحداهما إلى برقة والأخرى إلى إفريقية لم يصح حتى يعين التي إلى برقة والتي إلى إفريقية. هذا مذهب مالك وقياس قولنا.
وقال في محل آخر: وإذا اكتريا ظهرًا يتعاقبان عليه جاز عند الشافعي كمذهبنا.
وقال في موضع آخر: وإن كان المكرى عقارًا أو غيره مما ينقل؛ كالأوانى وسائر الجمادات لم يكن المعقود عليه معلومًا إلا بالمدة؛ لأنه لا عمل له. بخلاف الحيوان؛ كالدابة والعبد فإنه يتقدر نفعه بعمله إذا كان له عمل كما يتقدر بالمدة. فيقول: استأجرتك لخياطة هذا الثوب، أو استأجرت هذه الدابة لأركبها إلى بلد كذا. هذا قول أصحابنا وفيه نظر. فإن من الأعيان ما يتقدر نفعه بالعمل به؛ كقوله: استأجرت منك هذا القبان لأزن به مائة رطل، أو هذا الصاع لأكيل به ألف وسق، أو هذه السكة لأحرت بها هذه الأرض؛ كما تقول: هذه
_________________
(١) في أ: العهدة.
[ ٦ / ١٥٠ ]
البقرة لأحرث بها هذه الأرض، وهذه الدابة لأركبها إلى مكان كذا. وتستقر الأجرة بتسليمها مدة (^١) المثل لذلك، ولا أجد فرقًا بينهما، وقد قال ابن عقيل إذا استأجر بئرًا ليستقي منها الماء مدة (^٢) معلومة أو دلاء معلومة صح وهذا موافق لماقلته. انتهى.
ومن استأجر لكحل أو مداواة اشترط تقدير ذلك بالمدة؛ كشهر ونحوه؛
لأن العمل يختلف. وتقديره بزمن البرء مجهول.
_________________
(١) في أ: لمدة.
(٢) في أ: لمدة.
[ ٦ / ١٥١ ]
[فصل: في العقد على منفعة بذمة]
(فصل. الضرب الثانى) من صنفي الإجارة: أن يقع العقد (على منفعة
بذمة). وهو نوعان:
أحدهما: أن تكون في محل معين، كاستأجرتك على أن تحمل لي هذه
الغِرارة القمح إلى مكة على جمل تقيمه من مالك بكذا.
والثانى: أن تكون في محل موصوف، كاستأجرتك لتحمل لي غرارة من
قمح صفته كذا إلى مكة بكذا.
(وشرط: ضبطها) أي: المنفعة (بما) أي: بوصف (لا يختلف) به
العمل " (كخياطة ثوب) يذكر جنسه وقدره وصفة الخياطة.
(وبناء دار وحمل) لشيء يذكر جنسه وقدره، وأن الحمل (لمحل
معين).
ويصح أن يكتري لركوبه إلى محل معين عقبة. وهي: أن يركب شيئًا
ويمشي شيئًا. ولا بد من كونها معلومة إما بالفراسخ مثل: أن يركب فرسخًا ويمشي فرسخًا، وإما بالزمان مثل: أن يركب ليلًا ويمشي نهارًا، أو نحو ذلك. ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول. وإن اختلفا بعد ذلك لم.- يجبر الممتنع منهما، لأن فيه ضررا على كل واحد منهما الماشي لدوام المشي عليه، والمركوب لدوام الركوب عليه.
(و) شرط أيضا: (كون أجير فيها جائز التصرف)؟ لأنها معاوضة
لعمل (^١) في الذمة. فلم تجز من غير جائز التصرف.
(ويسمى) الأجير (المشترك؟ لتقدير نفعه بالعمل).
_________________
(١) في ج: للعمل.
[ ٦ / ١٥٢ ]
ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة فتكون منفعته مشتركة بينهم.
(و) شرط أيضًا: (أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل؛ كـ) قوله عن ثوب: استأجرتك لـ (تخيطه في يوم)؛ لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم. فإن استعمل في بقيته فقد زاد على ما وقع العقد عليه، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض زمنه. فيكون ذلك غررًا يمكن التحرز منه ولم يوجد مثله في محل الوفاق. فلم يصح العقد معه.
وعنه: بلى؛ لأن الإجارة معقودة على العمل فقط والمدة إنما ذكرت للتعجيل. فلا تفسد العقد، وكجعالة. وفيها وجه.
قال في " التبصرة ": وإن شرط تعجيل العمل في أقصى] زمنٍ [(^١) ممكن فله شرطه.
(ويلزمه) أي: الأجير المشترك (الشروع) في عمل وقع عقد الإجارة عليه (عقب العقد)؛ لجواز مطالبته به إذًا.
قال في " الفروع ": وإن ترك ما يلزمه، قال شيخنا: بلا عذر فتلف بسببه ضمن.
(و) شُرط أيضًا (كون عمل) معقود عليه (لا يختص فاعله أن يكون من
أهل القربة لكونه مسلمًا) أي: بشرط الإسلام؛ (كأذان وإقامة وإمامة وتعليم قرآن وفقه وحديث، ونيابة في حج وقضاء.
ولا يقع إلا قربة لفاعله، ويحرم أخذ أجرة عليه).
وعنه: يجو ز.
وعنه: يكره.
نقل أبو طالب عن أحمد أنه قال. التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين
_________________
(١) زيادة لاستقامة المعنى.
[ ٦ / ١٥٣ ]
ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله بأمانات الناس. التعليم أحب إليّ.
ووجه الرواية الأولى: ما روى عثمان بن أبي العاص قال: " إن آخر ما عهد
النبي ﷺ أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وما روى عبادة بن الصامت قال: " علمت ناسًا من أهل الصُّفّة القرآن والكتابة. فأهدى إلي رجل منهم قوسًا. قال: قلت: قوس وليست بمال. قال: قلت أتقلدها في سبيل الله. فذكرت ذلك للنبي ﷺ وقصصت عليه القصة قال: إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها " (^٢) .
وعن أبي بن كعب " أنه علم رجلًا سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوبًا
فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إنك لو لبستها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار ". رواه الأثرم في " سننه ".
ولأن من شرط صححة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى. فلم يجز أخذ
الأجر عليها " كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح.
و(لا) يحرم أخذ (جعالة على ذلك)، لأنها أوسع من الإجارة. ولهذا
تجوز مع جهالة العمل والمدة.
(أو على رُقية) نصًا؛ لما روى أبو سعيد قال: " انطلق نفر من أصحاب
النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب: فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء. فقال بعضهم:
لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم
فقالوا: يا أيها الرهط لِلَّهِ إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٠٩) ١: ٤٠٩ أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٧١٤) ١: ٢٣٦ كتاب الأذان والسنة فيها، باب السنة في الأذان.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٤١٦) ٣: ٢٦٤ كتاب الاجارة، باب في كسب المعلم.
[ ٦ / ١٥٤ ]
أحدكم من شيء؟ قال بعضهم: إنى والله لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا. فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا. فصالحوهم على قطيع من غنم. فانطلق يتفل عليه ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال. فانطلق يمشي وما به قلَبَة. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ ثم قال: أصبتم. اقتسموا واضربوا لي معكم سهما. وضحك النبي ﷺ " (^١) . رواه الجماعة إلا النسائي.
(كـ) ما لا يحرم الأخذ (بلا شرط).
قال في " المغني ": فإن أعطي المعلم شيئا من غير شرط فظاهر كلام أحمد جوازه. قال فيما نقل عنه أيوب بن سافري: لا يطلب ولا يشارط فإن أعطي شيئا أخذه.
وقال في رواية أحمد بن سعيد: أكره أجر المعلم إذا شرط.
وقال: إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئا إن أتاه شيء قبله
فإنه يراه أهون. انتهى.
وأما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين. فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك خالصًا. فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١٥٦) ٢: ٧٩٥ كتاب الإجارة، باب ما يعطي في الرقية على أحياء العرب بفاتحه الكتاب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٢٠١) ٤: ١٧٢٧ كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٠١) ٤: ١٤ كتاب الطب، باب كيف الرقى. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (٠٦٤ ٢) ٤: ٣٩٩ كتاب الطب، باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٥٦) ٢: ٧٢٩ كتاب التجارات، باب أجر الراقي. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٠٨٥) ٣: ١٠.
[ ٦ / ١٥٥ ]
وعلم من مفهوم كلام المتن: أن ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ كتعليم الخط والحساب والشعر المباح وأشباهه وبناء المساجد والقناطر وذبح الأضحية والهدي وتفرقة لحمها وتفرقة الصدقة يجوز الاستئجار له وأخذ الأجرة عليه، لأنه يقع تارة قربة وتارة غير قربه. فلم يمنع الاستئجار لفعله " كغرس الأشجار وبناء البيوت.
(ولا) يحرم أخذ (رزق على متعد نفعه؛ كقضاء)، وتعليم قرآن وحديث وفقه، ونيابة في حج، وتحمل شهادة وأدائها، وأذان، لأن ذلك من المصالح. فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها.
وليس بعوض، بل رزق للإعانة (^١) على الطاعة.
ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدج في الإخلاص؛ لأنه لو قدح
ما استحقت الغنائم ولسلب القاتل.
(لا) على (قاصر) نفعه على فاعله من القرب؛ (كصوم وصلاة خلفه، ونحوهما)؛ كحج الإنسان عن نفسه واعتكافه، لأن ذلك ليس مما تدعو حاجه بعض الناس إلى بعض من أجله. فلم يكن من المصالح.
(وصح استئجار لحجم، كفصد) ونحوهما، وليس الأجر على ذلك بحرام؛ لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حرامًا لم يعطه (^٢) " (^٣) . متفق عليه.
وفي لفظ: " لوعلمه خبيث لم يعطه ".
ولأنها منفعه مباحه ولا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. فجاز الاستئجار علمها؛ كالبناء والخياطة.
_________________
(١) في أوب: الإعانة.
(٢) في أ: يعطيه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٩٩٧) ٧٤١: ٢ كتاب البيوع، باب ذكر الحجام. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (١٢٠٢) ٤: ١٧٣١ كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوى.
[ ٦ / ١٥٦ ]
ولأن بالناس حاجة إليها ولا يجد كل أحد متبرعًا بها. فجاز الاستئجار عليها، كالرضاع. وفيه وجه.
(وكره لحر أكل أجرته ومأخوذ بلا شرط عليه) أي: على الاحتجام، (ويطعمه) الحجام (رقيقًا وبهائم) له، لأن النبي ﷺ قال: " كسب الحجام خبيث " (^١) . متفق عليه.
وقال: " أطعمه ناضحك ورقيقك " (^٢) .
فإن قيل: تسميته خبيثًا يدل على التحريم، وقوله: " أطعمه رقيقك " يدل
على الإباحة. فإن الرقيق آدمي يحرم عليه أكل ما يحرم على الحر، فكيف الجواب عن ذلك؟
قيل: تسمية كسبه خبيثًا لا يلزم منه التحريم؛ " لأنه ﷺ سمى الثوم والبصل خبيثين " (^٣) مع إباحتهما.
وإنما كره النبي ﷺ ذلك للحر تنزيهًا له لدناءة هذه الصناعة. وإعطاؤه ﷺ الأجر للحجام دليل على إباحته. إذ لا يعطيه شيئًا حرامًا وهو يُعلم الناس وينهاهم عن المحرمات. فيتعين حمل نهيه عنها على الكراهة. وعلى هذا يحمل كلام من روي عنه النهي عن تعلم الحجامة، وأكل أجرها، وإجارة نفسه لها من الأئمة
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٦٨) ٣: ١١٩٩ كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب عن رافع بن خديج. ولم أره بهذا اللفظ عند البخاري. وقدى أخرج البخاري (٢١٢٣) ٢٧٨٠ كتاب الييوع، باب ثمن الكلب. معناه عن عون بن أبي جحيفة قال: " رأيت أبي اشترى حجامًا فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصور ".
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٤٢٢) ٣: ٢٦٦ كتاب الاجارة، باب في كسب الحجام. وأخرجه الترمذي في " جامعه" (١٢٧٧) ٣: ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في كسب الحجام.
(٣) عن أبى سعيد قال: "لم نعدُ أن فتحت خيبر. فوقعنا أصحاب رسول ﷺ الله في تلك البقله الثوم والناس جياع فأكلنا منها أكلا شديدًا. ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح. فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد ". أخرجه مسلم في " صحيحه" (٥٦٥) ١: ٣٩٥ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوهما.
[ ٦ / ١٥٧ ]
جمعًا بين الأخبار الواردة فيها وتوفيقًا بين الأدلة الدالة عليها.
قالى في " المغني ": وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام ولا الاستئجار عليها وإنما قال: نحن نعطيه كما أعطاه (^١) النبي ﷺ، ونقول له كما قال النبي ﷺ لما سأل عن أكله نهاه وقال: " اعلفه الناضح والرقيق " (^٢) . هذا معنى كلامه في جميع الروايات. انتهى.
_________________
(١) في أوب: أعطى.
(٢) سبق تخريجه قريبا.
[ ٦ / ١٥٨ ]
] فصل: في حكم استيفاء المستأجر نفعابمثله]
(فصل. ولمستأجر) عينًا (استيفاء نفع) وقع عليه عقد الإجارة منها
(بمثله) في الضرر؛ كبدونه، (ولو اشترطًا) أي: المتآجران أن المستأجر يستوفي المنفعة (بنفسه)؛ لبطلان الشرط؛ لمنافاته مقتضى العقد. إذ موجبه ملك المنفعة والتسليط على استيفائها بنفسه.
وقيل: يصح. فلا يملك معه (^١) استيفائها بغيره.
وعلى المذهب: متى استأجر إنسان دابة لركوب ثم بدا له أن يركبها غيره
(فتعتبر مماثلة راكب) لمستأجر (في طول وقِصَر وغيره) أي: وغير ذلك؛ كخفة وثقل؛ لأن العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فله أن يستوفي ذلك بنفسه وبنائبه. لا بأطول (^٢) أو أثقل منه؛ لأنه لا يملك أكثر مما عقد عليه. وعلم مما تقدم أن له استيفاءها بمن هو دونه فيما تقدم؛ لأنه استيفاء لبعض مايستحقه.
وقيل: لا تعتبر المماثلة إلا في الخفه والثقل فقط.
وقيل: تعتبر المماثلة زيادة على ما في المتن في معرفة الركوب؛ لأن قلة المعرفة به تثقل على المركوب وتضر به.
قال الشاعر:
لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا فهم ثقال على أعجازها عنف والصحيح: أنه تعتبر المماثله (في معرفة ركوب)؛ لأن التفاوت في هذا بعد التساوي فيما تقدم يسير فعفي عنه.
_________________
(١) في ج: معها.
(٢) في أ: بالطول.
[ ٦ / ١٥٩ ]
ولهذا لا يشترط ذكره في الإجارة.
(ومثله) أي: ومثل ما لو اشترط (^١) استيفاء المنفعة بنفسه (شرط زرع بُرٍّ فقط) أي: لا غيره في أرض استأجرها من كون الشرط باطلًا لمنافاته مقتضى العقد؛ لأنه يقتضي استيفاء المنفعة كيف شاء، والعقد صحيح؛ لأنه لا ضرر فيه. ولأن ما ضرره مثل البر لا يختلف في غرض المؤجر فلم يؤثر في العقد.
أشبه شرط استيفاء المبيع أوالثمن بنفسه ..
قالى أحمد: إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرًا فحمل عليها حنطة، أرجو أن
لا يكون به بأس، إذا كان الوزن واحدًا.
وقيل: بصحة العقد والشرط.
وقيل: بفسا د هما.
وعلم مما تقدم أن لمستأجر العين إعارتها لمن يقوم مقامه.
(ولا يضمنها مستعير بتلف) عنده من غير تفريط؛ لأنه قام مقامه في الاستيفاء. فكان حكمه حكم المستأجر في عدم الضمان؛ لأن يده كيد المستأجر. أشبه ما لو استأجرها من المستأجر.
قال في " التلخيص ": هو أمين في الصحيح؛ لقبضه من يد أمين. فلا يكون ضامنًا. انتهى.
وقيل: يضمنها المستعير.
(وجاز استيفاء) لمستأجر ووكيله ومستعير ومستأجر منه من العين المؤجرة
ما وقع عليه عقد الإجارة من نفعها (بمثل ضرره) أي: ضرر المذكور في العقد من زرع أو غرس أو بناء. (لا أكثر) ضررا منه؛ لأنه لا يستحقه.
(أو مخالف)؛ كما لو اكترى دابة ليركبها بسرج ليس له أن يركبهما عريًا؛
لأن ظهرها يحمى بذلك فربما عقرها.
_________________
(١) فى أ: اشترطا، وفي ب: ومثل ما اشترطا.
[ ٦ / ١٦٠ ]
إذا تقرر ذلك (فـ) من اكترى أرضًا (لزرع بُرٍّ) أو نوع منه فله زرع ما عيّنه،
و(له زرع شعير، ونحوه)؛ كباقلاء، لأنه دونه في الضرر، لأن المعقود عليه منفعة الأرض دون البر ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة إذا تسلم الأرض وإن لم يزرعها. وإنما ذكر البر؛ لتتقدر به المنفعة. فلم تتعين؛ كما لو استأجر دارا ليسكنها كان له أن يسكنها غيره.
(لا) زرع (دُخْن، ونحوه)؛ كقطن، لأن ذلك أكثر ضررًا من البر.
(ولا غرس أو بناء) يعني: إذا استأجر أرضًا ليزرعها ليس له أن يغرس فيها
ولا أن يبني؟ لأن ضررهما أكثر من المعقود عليه.
(و) إن استأجر أرضا (لأحدهما) أي: للغرس أو للبناء: (لا يملك الآخر)؛ لأن ضرر كل واحد منهما مخالف لضرر الاخر؛ لأن الغرس يضر بباطن الأرض، والبناء يضر بظاهرها.
(و) إن اكتراها (لغرس: له الزرع) فيها؛ لأن ضرره أقل وهو من جنسه؛
لأن كلا منهما يضر بباطن الأرض.
وإن اكتراها للبناء لم يكن له الزرع وإن كان أخف ضررًا " لأنه ليس من جنسه. وفيه وجه.
(ودار) يستأجرها إنسان (لسكنى) له أن يسكنها ويسكن فيها من يشاء ممن
يقوم مقامه في الضرر أو دونه، ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به من الرحل والطعام، ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها.
وا لا يعمل فيها حِدَادة ولا قِصَارة)؛ لأن ذلك يضر بها.
(ولا يُسكنها دابة)، لأنها تروث فيها وتفسدها.
(ولا يجعلها مخزنًا لطعام)؛ لأن ذلك يفضي إلى تخريق الفأر أرضها وحيطانها، وذلك ضرر لا يرضى به صاحب الدار. وفيه وجه.
وكذا ليس له أن يجعل فيها ثقيلًا فوق سقف، لأنه يثقله ويكسر خشبه.
ولا أن يجعل فيها شيئا يضر بها، كالسرجين. إلا أن يشترط ذلك؛ لأن
[ ٦ / ١٦١ ]
ذلك كله فوق المعقود عليه. فلم يكن له فعله؛ كما لو اشترى شيئا لم يملك أخذ أكثر منه.
وله إسكان ضيف وزائر. ذكره الأصحاب.
(ودابة) يستأجرها إنسان (لركوب أو حمل لا يملك الآخر)؛ لأن ضرر
كل منهما مخالف لضرر الآخر.
أما كونه إذا استأجرها للركوب لا يملك الحمل؛ فلأن الراكب يعين الظهر بحركته.
واما كونه إذا استأجرها للحمل لا يملك الركوب؛ فلأن الراكب يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر، والمتاع يتفرق على جنبيه.
(و) إن اكتراها الحمل حديد أو قطن: لا يملك حمل الآخر) لاختلاف ضررهما؛ لأن القطن يتجافى وتهب فيه الريح فيتعب الظهر، والحديد يكون في موضع واحد فيثقل عليه.
إذا تقرر هذا (فإن فعل) المكتري ما ليس له فعله؛ كما لو اكترى دابة ليركبها عريًا فركبها بسرج، (أو) ليركبها إلى مكة في الطريق المعتادة فـ (سلك طريقا أشق)، أو استأجر أرضا لزرع فبنى فيها: (ف) عليه الأجر (المسمى) في العقد (مع تفاوتهما) أي: المنفعتين (في أجرة المثل) زيادة على المسمى.
فيقال فيمن اكترى أرضًا لزرع حنطة فزرعها قطنًا كم تساوي أجرتها مع الحنطة؟ فيقال مثلا: عشرة، ومع القطن فيقال مثلًا: خمسة عشر. فيأخذ ربها مع المسمى خمسة. نص أحمد على هذا (^١) في رواية عبدالله؛ لأنه لما عين الحنطة لم تتعين. فإذا زرع ما هو أكثر ضررا فقد استوفى المنفعة وزيادة عليها. فكان للمؤجر المسمى للمنفعة والتفاوت في أجر المثل للزيادة.
وأوجب أبو بكر والموفق أجر المثل خاصة.
_________________
(١) في ج: ذلك.
[ ٦ / ١٦٢ ]
(و) من اكترى دابة (لحمولة قدر) أي: شيء مقدر؛ كما لو اكتراها لحمل مائة رطل من قطن (فزاد) على ذلك بأن حمل عليها مائة وعشرة.
(أو) اكتراها ليركبها أو ليحمل عليها (إلى موضع) معين (فجاوزه)؛
كما لو عينا مكة فركبها، أو حمل عليها إلى جدة: (فـ) عليه الأجر (المسمى) في العقد؛ لاستيفاء (^١) المعقود عليه متميزًا عن غيره، (و) عليه (لزائد) في الوزن أو المكان (أجرة مثله). نص عليه في المسألة الثانية؛ لأنه متعد في ذلك. أشبه الغاصب.
وذكر القاضى فيها قول أبي بكر.
وروي عن القاضي أيضًا أنه قال: إن حكم المسألة الثانية لا خلاف فيه بين أصحابنا.
(وإن تلفت) الدابة في الزيادة أو بعد ردها إلى المكان الذي عيناه، أو بعد وضع الحمل عنها: (ف) على المكتري (قيمتها كلها، ولو أنها) أي: الدابة (بيد صاحبها) بأن كان معها ولم يرض بحمل الزائد على ما وقع عليه العقد، ولا بمجاوزة المكان المعين في العقد إناطة للحكم بالتعدي. وسكوت صاحبها لا يدل على رضاه؛ كما لو أبيع ملكه وهو ساكت لم يمنعه، وكمن جلس إلى إنسان فخرق (^٢) ثوبه وهو ساكت فإن ذلك ليس بمانع عنه ضمان نقصه.
ولأن اليد للراكب وصاحب الحمل، وإذا نزل أو وضع حمله عنها فالتلف بسبب التعب الحاصل بتعديه.
وقال القاضي: إن كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت. فلا ضمان على المكتري.
وقال أبو الخطاب: إن كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها واحتمل أن يلزمه نصف قيمتها.
_________________
(١) في أ: الاستيفاء.
(٢) في أوب: فحرق.
[ ٦ / ١٦٣ ]
وعن القاضي في " الشرح الصغير ": لا ضمان عليه البتة.
واختار في " الرعاية ": أنه إن زاد في الحمل ضمن نصفها مطلقًا، وإن زاد
في المسافة ضمن الكل إن تلفت حال الزيادة وإلا هدر. وحكم ما إذا اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه حكم ما إذا اكتراها ليركبها فأردف معه غيره. ووجه ضمان المجاوز لمكان عين للدابه بعد ردها إليه أن يده صارت ضامنة بمجاوزة المكان فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد ولم يوجد (^١) .
(لا إن تلفت) الدابة في المسألتين (بيد صاحبها وليس للمستأجر عليها شيء بسبب مخير حاصل من الزيادة)؛ كما لو افترسها سبع أو سقطت منه في هوّة، أو جرحها إنسان فماتت فإنه لا ضمان على المكتري؟ لأنها لم تتلف في يد عارية، وإحالة الضمان على الجارج لها أو نحوه أولى من المكتري.
ومق اكترى زورقًا فزواه مع زورق له فغرقا (^٢) ضمن؛ لأنها مخاطرة؛ لاحتياجها إلى المساواة، ككفة الميزان؛ كما لو اكترى ثورًا لاستقاء] قيراط] (^٣) ماء، فجعله فدانًا لاستقاءالماء ضمن.
(وإن اختلفا) أي: المكري والمكتري (في صفة الانتفاع) بأن قال مستأجر أرضًا لمؤجرها: اكتريتها منك للغرس، وفال المؤجر: بل للزرع ولا بينة: (فقول مؤجر) بيمينه؛ كما لو أنكر الإجارة؛ لأن الأصل معه.
_________________
(١) في أ: يؤجل.
(٢) في أوب: فغرقتا.
(٣) زيادة لاستقامة المعنى.
[ ٦ / ١٦٤ ]
(فصل):] فيما يلزم المؤجر والمستأجر]
(وعلى مؤجر كل ما جرت به عادة أو عرف) أنه عليه: (من آلة؛ كزمام مركوب) ليتمكن من التصرف فيه به.
قال في " المغني ": والبرة التي في أنف البعير إن كانت العادة جارية بينهم بها. (ورحله وحزامه) وكذلك القتب للبعير. وإن كان المركوب فرسًا فيكون مكان الزمام والرحل: اللجام والسرج، وإن كان بغلا أو حمارًا فيكون مكان ذلك البردعة والإكاف، لأن هذا هو العرف فيحمل الإطلاق عليه.
(أو فعل) معطوف على قوله: من آلة. والفعل (كقود، وسوق) لدابة، (وشد، ورفع، وحط) لمحمول، لأن هذا هو العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع.
(ولزوم دابة لنزول لحاجة وواجب)؛ كصلاة مفروضة. وقال غير واحد:
وسنة راتبة.
قال في " المبدع ": وفرض الكفاية كالعين.
والمراد بالحاجة: حاجة الإنسان، ومثلها في الحكم الطهارة (^١) . ويدع البعير واقفًا حتى يقضي ذلك؛ لأنه لا يمكنه فعل شيء من ذلك على ظهر الدابة ولا بد له منه. بخلاف أكل وشرب ونحوهما مما يمكنه فعله راكبًا.
(و) على مؤجر أيضا (تبريك بعير لشيخ وامرأة ومريض) عند ركوب ونزول؟ لأنهم لا يتمكنون من الانتفاع إلا بذلك.
وفيمن مرض وجه: أنه لا يلزمه التبريك له؛ لأنه لم يدخل في العقد عليه.
_________________
(١) في أ: الظاهرة.
[ ٦ / ١٦٥ ]
ويلحق بالشيخ والمرأة كل من ضعف عن الركوب والنزول (^١) والبعير قائم " كالسمين ونحوه.
قال في " المغني ": وإن أراد المكتري إتمام الصلاة وطالبه الجمال بقصرها
لم يلزمه ذلك، بل تكون خفيفة في تمام.
ومن أكرى بعيرًا لإنسان يركبه لنفسه وسلمه إليه لم (^٢) يلزمه سوى ذلك " لأنه وفى له بما عقدعليه. فلم يلزمه شيء سواه. انتهى.
يعني: أن لزوم ما تقدم للمؤجر إذا وقع العقد على أن يسافر مع المكتري،
وإن وقع العقد على أن يتسلم المكتري الدابه يركبها لنفسه فكل ما تقدم عليه، لأن الذي على المكري إنما هو تسليم الدابة وقد سلمها. والله أعلم.
(و) على مؤجر أيضًا كل (ما يتمكن به) مستأجر (من نفع؛ كترميم دار) مؤجرة (بإصلاح منكسر، وإقامة مائل) من سقف وحائط وبلاط، (وعمل باب، وتطيين سطح، وتنظيفه من ثلج، ونحوه) أي: ونحو ذلك، كإصلاح بركة في الدار، أو أحواض بالحمام، وإصلاح مجاري المياه، وسلاليم الأسطحة " لأن بذلك وأشباهه يتمكن المستأجر من الانتفاع المستحق له على المؤجر.
(ولا يجبر) مؤجر (على تجديد)، كما لو قال له المستأجر: جدد لي بيتًا زائدًا على ما في الدار من البيوت حال التاجر فإنه لا يجبر على ذلك " لأنه لم يتناوله العقد.
(ولو) وقعت الإجارة على دار أو حمام أو غيرهما معطلة لاحتياجها إلى ترميم أو إصلاح أو غير معطلة، و(شرط عليه) أي: على المستأجر (مدة تعطيلها) أي: أن يقوم بأجرتها مدة تعطيلها إن تعطلت، (أو أن يأخذ) أي: ينتفع بالعين المؤجرة (بقدرها) أي: قدر مدة التعطيل (بعد) أي: بعد مدة
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) في أ: فلم.
[ ٦ / ١٦٦ ]
الإجارة التي وقع العقد عليها، (أو) شرط عليه (العمارة أو جعلها) أي: العمارة في المحل المؤجر (أجرة) له: (لم يصح) شيء من ذلك.
أما كونه لا يصح أن يشرط على المكتري مدة تعطيل المؤجر؛ فلأنه لا يجوز
أن يؤجر مدة لا يمكنه الانتفاع في بعضها.
وأما كونه لا يصح أن يشترط أنه يستوفي بقدرها بعد انقضاء مدته؛ فلأنه يؤدي إلى أن يكون انتهاء مدة الإجارة مجهولا.
وأما كونه لا يصح جعل العمارة أجرة؛ فلأنها لا تنضبط. فيؤدي ذلك إلى جهاله الأجرة.
(لكن: لو عمَّر) المكتري (بهذا الشرط) أي: بمقتضى الشرط الذي تقرر
أنه فاسد، (أو بإذنه) أي: المكري فيما. أذن له في العمارة فيه: (رجع) على مكر؛ لأنه أنفق على عين بإذن مالكها. أشبه ما لو أذن له في الإنفاق على عبده أوبهيمته.
وإن قال: أنفقت في العمارة دينارين، وقال المكري: بل واحدا ولا بينة لمكتر رجع (بما قال مكر) بيمينه؛ لأنه منكر.
(وعلى مكتر) دابة ليسافر (^١) عليها في محمل أو نحوه (محمل).
قال في " القاموس ": والمحمل كمجلس شقتان على البعير يحمل فيهما
العديلان.
(ومظلة) قال في " القاموس ": والمظلة بالكسر والفتح: الكبير من الأخبية.
(ووطاء فوق الرحل، وحمل قران بين المحملين، ودليل) إن جهل المتآجران طريق البلدة المكترى إليها؛ لأن ذلك كله من مصلحة المكتري وهو خارج عن الدابة وآلتها. فلم يلزم المكري؛ كالزاد.
_________________
(١) في أ: يسافر.
[ ٦ / ١٦٧ ]
وقيل: إن كان اكترى منه بهيمة بعينها فأجرة الدليل على المكتري، وإن كانت الإجارة على حمله إلى مكان معين في الذمة فهي على المكري. وجزم به في " عيون المسائل ".
(و) على مكتر مكانا يستقي منه (بكرة، وحبل، ودلو) لمكتر أرضا لزرع. فإن آلة الحرث ونحوها عليه.
(و) على مكتر دارًا وحمامًا، ونحوهما (تفريغ بالوعة وكنيف ودار، من قمامة وزبل، ونحوه)، كرماد (إن حصل بفعله) أي: بفعل المكتري " كما لو طرح فيه جيفا أو ترابا أو غيرهما.
(وعلى مُكر: تسليمها) أي: العين المؤجرة مع ما بها من كنيف وبالوعة (فارغة)؛ لأن البالوعة ونحوها إذا كانت ملأى لا يتمكن من الانتفاع بها. (وتسليم مفتاح)، لأنه به يتوصل إلى الانتفاع ويتمكن منه.
(وهو) أي: المفتاح (أمانة بيد مستأجر)، كالعين المؤجرة.
وأما التحسين والتزويق (^١) فلا يلزم واحد منهما، لأن الانتفاع ممكن بدونه.
والله أعلم.
_________________
(١) في أ: والزويق.
[ ٦ / ١٦٨ ]
] فصل: الإجارة عقد لازم]
(فصل. والإجارة عقد لازم) من الطرفين. ليس لواحد منهما فسخها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة. فكان لازمًا؛ كالبيع.
(فإن. لم يسكن مستأجر) في العين المؤجرة لعذر يختص به أو لا لعذر،
(أو تحول) منها (في أثناء المدة: فعليه الأجرة)؛ لأن الإجارة عقد يقتضي تمليك المؤجر الأجر والمستأجر المنافع. فإذا ترك المستأجر الانتفاع اختيارًا منه لم تنفسخ الإجاره، والأجر لازم له، ولم يزل ملكه عن المنافع؛ كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه.
قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: رجل اكترى بعيرًا فلما قدم المدينة قال له: فاسخني؟ قال: ليس ذلك له، قد لزمه الكراء. قلت: فإن مرض المستكري بالمدينة؟ فلم يجعل له فسخًا.
(وإن حوله مالك) أي: حول مالك العين المستأجرة مستأجرها منها قبل انقضاء مدة الإجارة من غير اختيار المستأجر، (أو امتنع) مؤجر دابة (من تسليم الدابة) المؤجرة (في أثناء المدة أو) في (المسافة) المؤجرة للركوب أو الحمل إليها، (أو) امتنع (الأجير) نفسه لعمل (من تكميل العمل: فلا أجرة) على مستأجر لما سكن قبل أن يحول المؤجر .. نص على ذلك. ولا لما ركب أو حمل على الدابة قبل أن يمنعها المؤجر، ولا لما عمل له الأجير قبل امتناعه من تكميل العمل؛ لأن كلا منهم لم يسلم إلى المستأجر ما وقع عليه عقد الإجارة. فلم يستحق شيئا؛ كمن استأجر إنسانًا ليحمل له كتابا إلى بلد معين فحمله بعض الطريق فقط، أو ليحفر له عشرين ذراعا فحفر له عشرة وامتنع من حفر الباقي. وقيل: يلزم المستأجر من الأجرة بقسط ما حصل له من النفع.
واختاره في " الفائق " فيما إذا حوله المالك؛ لأنه استوفى ملك غيره على
[ ٦ / ١٦٩ ]
سبيل المعاوضة. فلزمه عوضه؛ كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك من بقيته، وكما لوتعذر استيفاء بقية النفع لأمر غالب.
ورده في " المغني ": بأن قياس الإجارة على الإجاره أولى من قياسها
على البيع.
وبأنه يفارق ما إذا تعذر استيفاء بقية النفع لأمر غالب؛ لأن للمكري فيه عذرًا.
(وإن شردت) دابة (مؤجرة أو تعذر باقي استيفاء النفع بغير فعل أحدهما) أي: المؤجر والمستأجر: (فالأجرة بقدر ما استوفى) من النفع قبل حصول ما ذكر.
(وإن هرب أجير أو) هرب (مؤجر عين بها، أو شردت) الدابة المستأجرة (قبل استيفاء بعض النفع، حتى انقضت) مدة الإجارة: (انفسخت)؛ لفوات زمنها المعقود عليه.
وإن عادت العين المؤجرة قبل انقضاء جميع المدة: استوفى ما بقي منها؟
لأنها إنما تنفسخ شيئًا فشيئًا، ولا اجرة له زمن الهرب.
وقيل: ولا قبله.
(فلو كانت) الإجارة (على عمل) موصوف في الذمه؛ كخياطة ثوب،
وبناء حائط (^١)، وحمل إلى موضع معين، وهرب الأجير: (استؤجر من ماله من يعمله)؛ كما لو هرب مسلم إليه في قمح أو نحوه وليس له قمح فإنه يشترى من ماله بصفة المسلم فيه ويدفع لرب السلم.
(فإن تعذر) الاستئجار من مال الأجير: (خير) مستأجر (بين فسخ) للإجارة، (و) بين (صبر) إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعمل؛ لأن ما في ذمته لا يفوت بهربه.
وقيل: يبطل العقد بمجرد هربه.
_________________
(١) في أوب: بيت.
[ ٦ / ١٧٠ ]
(وإن هرب) جمّال (أو مات جمال أو نحوه)؛ كبغال وحمار، (وترك بهائمه) التي أكراها، (و) كان (له) أي: للهارب (مال) مقدور عليه: (أنفق عليها) أي: على بهائمه (منه) أي: من المال (حاكم)؛ لأن نفقة الحيوان واجبة على مالكه وهو غائب والحاكم نائبه.
(وإلا) أي: وإن لم يُقدر للهارب على مال ينفق على بهائمه منه (فأنفق
عليها مكتر بإذن حاكم، أو) بدون إذنه مع (نية رجوع: رجع) على مالكها بما أنفق. وظاهره سواء قدر على استئذان الحاكم أو لا، وسواء أشهد على نية رجوعه، بًان قال: اشهدوا علي أن ما أنفقته على هذه البهائم بنية الرجوع أو لا. وهو المذهب؛ لأن ترك المالك بهائمه مع المكتري مع العلم بأنها لا بد لها من
نفقة، كالإذن في الإنفاق.
وقيل: إن قدر على استئذان الحاكم وأنفق بدونه لم يرجع.
وقيل: إن عجز عن استئذان الحاكم ونوى الرجوع ولم يشهد على نيته لم
يرجع ولو لم يجد من يشهده (^١) .
(فإذا انقضت الإجارة: باعها) أي: البهائم (حاكم ووفَّاه) أي: وفى الحاكم المكتري ما أنفقه على البهائم؛ لأن في ذلك تخليصا لذمة الغائب وإيفاء لصاحب النفقة.
(وحفظ باقي ثمنها لمالكها)، لأن الحاكم عليه حفظ مال الغائب.
(وتنفسخ الإجارة بتلف) محل (معقود عليه)، كما لو استأجر عبدًا فمات، أو دارا فانهدمت قبل مضي شيء من المدة. سواء قبضها المستأجر أو لم يقبضها؛ لأن المنفعة زالت بتلف المعقود عليه، وقبضها إنما يكون باستيفائها أو التمكن منه، ولم يحصل من ذلك. فانفسخ العقد، كما لو تلف مما بيع بكيل أو
_________________
(١) في أ: يشهدله.
[ ٦ / ١٧١ ]
نحوه (^١) قبل قبضه.
وقيل: لا فسخ بهدم دار فيخير.
(و) إن كان التلف (في المدة وقد مضى) منها (ما له) أي: زمن لمثله (أجر) فإنما تنفسخ الإجارة (فيما بقي) من المدة؛ كما لو اشترى صُبرتين في عقد بكيل وقبض إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها بما لا صنع لآدمي فيه. وقيل: تنفسخ فيما مضى أيضًا.
ثم إن كان أجر المدة متساويًا وقد استوفى نصفها فعليه نصف الأجرة، وإن اختلفت بأن يكون في زمن أكثر منه في آخر كموسم أو تفرج أو نحوهما. فإن الأجر المسمى يقسط على ذلك.
فإن قيل: أجرها في الصيف يساوي مائة وفي الشتاء يساوي خمسين وقد سكن الصيف فعليه ثلثا المسمى.
نقل الأثرم فيمن اكترى بعيرًا بعينه فمات أو تهدمت الدار فهو عذر: يعطيه بحساب ما ركب.
وفيه وجه: نصفه.
(و) تنفسخ الإجارة أيضًا بـ (انقلاع ضرس اكتري لقلعه، أو) اكتري (مدة معلومة لبرئه)؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ كالموت. فإن لم يبرأ وامتنع
المستأجر من قلعه لم يجبر.
(ونحوه) أي: تنفسخ بنحو ذلك؛ كما لو اكترى إنسانًا لاستيفاء قصاص
من شخص فمات الذي وجب عليه القصاص، أو ليداويه فبرئ أو مات.
وظاهر ما تقدم أنه لا فرق بين أن يكون التلف بلا فعل آدمي؛ كما لو مات
العبد المؤجر حتف أنفه، أو بفعله؛ كما لو قتله إنسان.
وأنه لا فرق بين كون القاتل غير المستأجر أو المستأجر. فإذا قتله المستأجر
_________________
(١) في ج: ونحوه.
[ ٦ / ١٧٢ ]
ثبت فيه ما تقدم، وضمن ما تلف.
ومثل ذلك: قطع المرأة ذكر زوجها فإنها تضمنه، وتملك الفسخ.
(و) تنفسخ الإجارة أيضًا بـ (موت مرتضع) اكتري لرضاعه. وفيه التفصيل المتقدم فيما إذا مات قبل المدة أو. بعد مضي زمن منها له أجره.
ووجه فسخها بموته: تعذر استيفاء المعقود عليه؛ لكون غيره لا يقوم مقامه؛ لاختلاف المرتضعين في الرضاع، وقد يدر اللبن على واحد دون آخر. وكذا إن ماتت المرضعة؛ لفوات المنفعة بهلاك محلها.
وحكي عن أبي بكر: أنها لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من يرضعه تمام الوقت؛ لأنه كالدين.
و(لا) تنفسخ الإجارة بموت (راكب اكتري له).
قال الزركشي: هذا المنصوص وعليه الأصحاب. إلا أبا محمد- يعني: الموفق-.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من (^١) المذهب: أن الإجارة لا تنفسخ بموت الراكب مطلقا. قدمه في " الفروع ".
وقال في " التنقيح ": ولا تنفسخ إجارة بموت راكب مطلقًا نصًا.
ومعنى قوله في " التنقيح " مطلقًا أي: سواء كان له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو لا، وسواء كان هو المكتري؛ كما لو اكترى دابة لركوب نفسه فمات، أو غيره؛ كمن اكترى دابة لركوب عبده فمات العبد.
ووجه عدم انفساخها بموت الراكب: أن المعقود عليه إنما هو منفعة الدابة دون الراكب؛ لما تقدم من أن مستأجر الدابة للركوب له أن يركب من يماثله. وإنما ذكر الراكب لتتقدر به المنفعة؛ كما لو استأجر دابة ليحمل عليها هذا القنطار القطن فتلف فإن له أن يحمل عليها قنطارا من أي قطن كان ولا تنفسخ الإجارة.
_________________
(١) في أ: في.
[ ٦ / ١٧٣ ]
ونقل حنبل: في رجل اكترى بعيرا فمات المكتري في بعض الطريق: فإن
رجع البعير خاليا فعليه بقدر ما وجب له، وإن كان عليه ثقله ووطاؤه فله الكري
إلى الموضع.
قال في " المغني ": وظاهر هذا أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا
مات المستأجر ولم ييق له به انتفاع؛ لأنه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى. فأشبه ما لو اكترى من يقلع له ضرسه فبرئ أو انقطع قبل قلعه، أو اكترى كحالا ليكحل له (^١) عينه فبرأت أو ذهبت.
ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع؛ لأن
الوارث يقوم مقام الموروث.
وتأولها القاضي على أن المكري قبض البعير ومنع الورثة الانتفاع، ولولا
ذلك لما انفسخ العقد؛ لأنه لا ينفسخ بعذر من المستأجر مع سلامة المعقود عليه؛ كما لو حبس مستأجر الدار ومنع من سكناها.
قال صاحب " المغني ": ولا يصح هذا- أي: ما تأوله القاضي-؛ لأنه لو
منع الوارث الانتفاع لما استحق شيئا من الأجر. ويفارق هذا ما لو حبس المستأجر؛ لأن المعقود عليه فات انتفاعه وهذا لا يؤيس (^٢) منه بالحبس. فإنه
في كل وقت يمكن خروجه من الحبس وانتفاعه، ويمكن أن يستنيب من يستوفي المنفعة له إما بأجرة أو بغيره. بخلاف الميت فإنه قد فات انتفاعه بنفسه ونائبه. فأشبه ما ذكرنا من (^٣) الصور. انتهى.
وقال المجد في " شرح الهداية " بعد أن ذكر ما نقله حنبل: وهذا كلام ظاهر
لا يحتاج إلى صرفه عن ظاهره. ومعناه عندي: أنه إذا لم يبق للمكتري عليه
شيء بالكلية فقد زالت يده عنه وتعذر انتفاعه به وليس له وارث بالطريق يقوم
_________________
(١) زيادة ج.
(٢) في ب: ييأس.
(٣) في أوب: في.
[ ٦ / ١٧٤ ]
مقامه. فلزمه من الأجرة بقدر ما ركب. فأما إن كان له عليه ثقل وأوطئة فاستدامها الجمال حتى أعادها إلى موضعه فيد المستأجر لم تزل عنه حكما وانتفاعه به وإن كان قاصرًا، والمؤجر لم يكن منه تعد وقد أتى بغاية ما يقدر عليه من التسليم. فوجب له جميع الأجرة. قال: وقد تأول القاضي وابن عقيل هذا الكلام بشيء غير مرضي تركت ذكره لذلك. انتهى.
يشير بذلك إلى ما نقله (^١) في " المغني " عن القاضي.
ونقل حرب فيمن استأجر دابة إلى مكان فمات في الطريق، قال: عليه من الكراء مقدار ذلك.
قال المجد: وظاهر إطلاقه يخالف (^٢) رواية حنبل.
(ولا) تنفسخ أيضًا بموت (مكر أو مكتر)؛ لأنها عقد لازم ملك به المستأجر المنافع وملكت عليه أجرة في وقته كاملة. فلم تنفسخ بالموت؛ كالبيع، وكما لو زوج إنسان أمته بعبد غيره الصغير ثم مات السيدان.
وعنه: تنفسخ بموت مكتر لا قائم مقامه.
(او عذر لأحدهما) يعني: أن الإجارة (^٣) لا تنفسخ بعذر للمكري ولا للمكتري، (بأن يكتري) من يريد الحج جملًا ليحج عليه، ويكري داره التى هو ساكن بها لإنسان (فتضيع نفقته) فلا يمكنه الحج. فلا يمكنه فسخ استئجاره للجمل، ولا فسخ إجارته للدار.
أو يكتري دكانًا ليبيع فيها متاعًا فيسرق (أو يحترق متاعه)؛ لأن الإجارة عقد لا يجوز فسخه لغير عذر. فلم يجز لعذر من غير المعقود عليه؛ كالبيع. ويفارق الإباق فإنه عذر في المعقود عليه.
(وإن اكترى أرضًا) لها ماء ليزرعها، (أو دارًا) ليسكنها، (فانقطع
_________________
(١) في أوب: ذكره.
(٢) في ج: أنه يخالف.
(٣) ساقط من أوب.
[ ٦ / ١٧٥ ]
ماؤها) أي: الأرض، (أو انهدمت) أي: الدار في أثناء مدة الإجارة:
(انفسخت فيما بقي) من المدة، لتعطل نفعهما المقصود منهما.
وقيل: لا تنفسخ فيهما، ويثبت للمستأجر خيار الفسخ.
(ويخير مكتر فيما) أي: في مؤجر (انهدم بعضه) بين الفسخ والإمساك.
وكذا حدوث كل ما تنقص به منفعة المؤجَّر؛ كانقطاع ماء بئر استؤجرت ليستقي منها، وجنون الأجير، وعرج الدابة بحيث تتأخر به عن القافلة ونحو ذلك؛ لأن المنافع لا يحصل قبضها إلا شيئًا فشيئًا. فإذا حدث العيب فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه. فأثبت الفسخ فيما بقي منها.
(فإن أمسك فبالقسط من الأجرة)، لأنه رضي به ناقصا. فأشبه ما لو رضي بالمبيع معيبًا. ذكره ابن عقيل.
قال في "الفروع ": إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، وقياس المذهب: أو الأرش.
وقال شيخنا: وإلا ورود ضعفه على أصل أحمد بين. انتهى.
وقال في " المحرر ": وقياس المذهب أن له أن يمسك بالأرش.
قال في " المغني ": ويتخرج أن له أرش العيب قياسًا على المبيع المعيب.
قال ابن نصرالله: ولا يكاد يوجد فرق بين البييع والإجارة في وجوب الأرش. فقد تعبنا في ذلك. فلم نجد بينهما فرقًا. انتهى.
وإن لم يعلم بالعيب حتى انقضت مدة الإجارة فعليه الأجر كله؛ لأنه استوفى المعقود عليه. فأشبه ما لو علم العيب بعد العقد فرضيه.
قال في " المغني ": ويتخرج أن له أرش العيب لو اشترى معيبًا فلم يعلم عيبه حتى أكله أو تلف في يده. انتهى.
(ومن استأجر أرضًا بلا ماء) ليزرعها المستأجر وهما يعلمان أن ليس لها ماء، (أو أطلق) الإجارة بأن قال: أجرتك هذه الأرض مدة كذا بكذا ولم يقيد النفع. فقال المستأجر: قبلت (مع علمه بحالها: صح) فيهما.
أما في الأولى. فإنه يتمكن من زرعها رجاء الماء، ومن النزول، ووضع
[ ٦ / ١٧٦ ]
رحله، وجمع الحطب فيها، وله زرعها بعد حصول الماء؛ لأن ذلك من منافعها الممكن استيفاؤها (^١) . وليس له أن يبني فيها ولا يغرس؟ لأن ذلك يراد للتأبيد، وتقدير الإجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها.
فإن قيل: فلو استأجرها للغراس أو البناء صح مع تقدير المدة.
فالجواب: أن التصريح بالبناء أو الغراس صرف التقدير عن مقتضاه بظاهره
في التفريغ عند انقضاء المدة. فيصرف الغراس والبناء عما يراد له بظاهره. بخلاف مسألتنا.
وأما وجه الصحة في الثانية. فلأنهما دخلا في العقد على أنها لا ماء لها.
فأشبه (^٢) ما لو شرطاه. وله الانتفاع بها كما في الأولى.
(لا إن ظن) المستأجر (إمكان تحصيله) أو لم يعلم أنها لا ماء لها: فإن العقد لا يصح فيهما؛ لأنه ربما دخل في العقد، بناء على أن المؤجر يحصل له ماء، وأنه يكتريها للزراعة مع تعذرها.
وقيل: لا يصح العقد إذا أطلق ولو علم المستأجر أن لا ماء لها؛ لأن إطلاق كراء الأرض يقتضي الزراعة.
ورد: بأن العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط؛ كالعلم بالعيب يقوم مقام شرطه.
ومتى كان لها ماء غير دائم أو الظاهر انقطاعه قبل الزرع أو لا يكفي الزرع
فهي كالتي لاماء لها. قاله في " المغني ".
(وإن علم) المستأجر (أو ظن وجوده) أي: وجود الماء (بأمطار)؛ كالأراضي المرتفعة عن أن تنالها الأنهار، (أو زيادة)، كالأراضي التي تشرب من زيادة النيل والفرات وأشباهها: (صح) العقد عليها مع عدم مائها حينئذ؛ لأن حصوله معتاد والظاهر وجوده.
ولأن ظن القدرة على التسليم في وقته كاف في صحة العقد؛ كالسلم في
_________________
(١) في أ: استيفاء إلا أن يشترط قلع ذلك عند انقضاء المدة.
(٢) في أ: في شبه.
[ ٦ / ١٧٧ ]
الفاكهة إلى أوانها.
وأما الأرض التي لا ماء لها لكن ما زرع أو غرس فيها يكفيه أن يشرب بعروقه لنداوة الأرض وقربها من الماء. فكالتي لها ماء دائم لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا تؤثر في الزرع.
وأما الأرض التي يكون مجيء الماء إليها نادرًا، أو غير ظاهر كالتي لا يكفيها إلا المطر الكثير الذي يندر وجوده، أو يكون شربه من فيض دار مجيئه نادرا، أو من زيادة نادرة في نهر أو عين عاليه. فهذه إن أجّرت بعد وجود ما يسقيها به صح؛ كذات الماء الدائم.
وإن أجرت قبله لزرع أو غرس توقعا لحصول الماء لم يصح؟ لتعذر النفع المعقود عليه ظاهرًا. أشبهت إجارة الآبق.
(ولو زرع) المستأجر في الأرض المستأجرة (فغرق) الزرع (أو تلف) بآفة سماوية أو غيرها، (أو لم ينبت: فلا) ضمان على المؤجر ولا (خيار) للمستأجر، (وعليه الأجرة) نصا؛ لأن التالف غير المعقود عليه وسببه غير مضمون على المؤجر.
(وإن تعذر زرع) في العين المؤجرة (لغرق) حصل فيها، (أو) من أجل
أنه (قلَّ الماء قبل زرعها)، بحيث لا يتمكن مع قلته من الزرع، (أو بعده) بحيث لا يكفي الزرع، (أو عابت) الأرض (بغرق يعيب به الزرع) أو يهلك بعضه: (فله) أي: المستأجر (الخيار)؛ لحصول ما تنقص به منفعة العين المؤجرة. ثم إن اختار الفسخ وقد زرع بقي الزرع في الأرض إلى الحصاد، وعليه من المسمى بحصته إلى حين الفسخ وأجر المثل لما بقي من المدة لأرض متصفة بالعيب. الذي ملك الفسخ من أجله.
والأرض الغارقة بالماء التي لا يمكن زرعها قبل انحساره، وهو تارة ينحسر وتارة لا ينحسر: لا يصح عقد الإجارة عليها إذًا؛ لأن الانتفاع بها في الحال متعذر لوجود المانع، وفي المآل غير ظاهر؛ لأنه لا يزول غالبًا.
قال الشيخ تقي الدين: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا، وإن قال
[ ٦ / ١٧٨ ]
في الإجارة مقيلا ومراحا أو أطلق؛ لأنه لا يرد عليه عقد؛ كالبرية. انتهى. (وإن استأجرها) اي: استأجر إنسان أرضا (سنة فزرعها) زرعا جرت العاده بأن ينبت في تلك السنة، (فلم ينبت إلا في السنة الثانية: فعليه) اي: على المستأجر (الأجرة) للأرض (مدة احتباسها)؟ كما لو أعاره إياها ثم رجع عقيب زرعها.
(وليس لربها) أي: الأرض (قلعه) أي: الزرع (قبل إدراكه) أي: أوان حصاده؟ لأن المستأجر لم يحصل منه تفريط بتأخيره في الأرض. أشبه زرع المستعير. (وإن غُصبت) عين (مؤجرة معينة) في العقد (لعمل)؛ كما لو قال:
استأجرت منك هذه الناقة لأركبها إلى محل كذا، أو هذه الأمة لتخيط لي هذا الثوب بكذا. فغصبت الناقة أو الأمة المستأجرة: (خير) مستأجر (بين فسخ) للإجارة؟ كما لو تعذر تسليم المبيع، (و) بين (صبر إلى أن يقدر عليها)؛ لأن الحق في ذلك له. فإذا أخره جاز.
(و) إن كانت الإجارة (لمدة)؛ كما لو استأجر الناقة ليركبها، أو الأمة لتخدمه سنة كذا فغصبت زمن الإجارة: (خير) مستأجر (بين فسخ) للعقد، (و) بين (إمضاء) أي: إبقاء العقد بعدم الفسخ، (ومطالبة غاصب بأجرة مثل). ولا ينفسخ العقد بمجرد الغصب؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقا بل إلى بدل وهو القيمة. فأشبه ما لو أتلف الثمرة المبيعة آدمي.
ويكون خياره (متراخيا ولو بعد فراغها.
فإن فسخ) قبل فراغ مدة الإجارة: (فعليه أجرة ما مضى) من المده فقط من المسمى، (وإن رُدّت) العين المغصوبه (في أثنائها) أي: المدة (قبل فسخ: استوفى ما بقي) من مدته، (وخير فيما) أي: في زمن (مضى) والعين بيد الغاصب. وإن لم يفسخ (^١) حتى انقضت مدة الإجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى، وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛
_________________
(١) في أ: ينفسخ.
[ ٦ / ١٧٩ ]
لماتقدم.
قال في " المغني ": ويتخرج انفساخ العقد بكل حال على الرواية التي تقول: إن منافع الغصب لا تضمن.
(وله) اي: للمستأجر (بدل موصوفة بذمة) يعني: إذا وقع عقد الإجارة
على دابة أو نحوها موصوفة بذمة المؤجر ثم اسلم إلى المستأجر عينا بالصفة فغصبت فعلى المؤجر بدلها، لأن العقد على ما في الذمة، كما لو وجد بالمسلم عيبا.
(فإن تعذر) البدل: (فله) اي: للمستأجر (الفسخ)، وكذا الصبر إلى
أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها. وتنفسخ بمضي (^١) المدة إن كانت إلى مدة.
(وإن كان الغاصب) للعين (المؤجر) لها (فلا أجرة له مطلقا) نص عليه أي: سواء كانت الإجارة على عمل أو إلى مدة، وسواء كانت على عين معينة أو موصوفة، وسواء كان غصبه لها قبل المدة أو في أثنائها. وعلم ذلك من قول المتن المتقدم: وإن حوله مالك أو امتنع من تسليم الدابة في أثناء المدة أو المسافة فلا أجرة.
وقيل: إن غصبه كغصب غيره.
(وحدوث خوف عام) يمنع من سكنى المكان الذي به العين المستأجرة،
أو من الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع يتبت به للمستأجر خيار الفسخ، (كغصب). فلو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها (^٢) إلى مكان معين فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث، أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق. فلكل من المتآجرين فسخ الإجاره.
وإن أحبا إبقائها إلى حين إمكان استيفاء المنفعة جاز، لأن الحق لا يعدوهما.
_________________
(١) في أ: بمقضي.
(٢) في أوب: إليها.
[ ٦ / ١٨٠ ]
وإن كان الخوف خاصا بالمستأجر مثل: أن يخاف السفر وحده لقرب أعدائه
من المحل الذي يريد سلوكه لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية. فأشبه مرضه أوحبسه.
(ومن استُؤجر لعمل في الذمة، ولم تشترط مباشرته) له عند العقد، (فمرض: أقيم عوضه) من يعمل العمل ليخرج من الحق الواجب في ذمته؛ كالمسلم فيه. (والأجرة عليه) أي: على المريض؛ لأنها في مقابلة ما وجب عليه. ولا يلزم المستأجر إنظاره؛ لأن العقد بإطلاقه يقتضي التعجيل.
(وإن اختلف فيه) أي: في العمل (القصد؛ كنسخ) فإنه يختلف باختلاف الخطوط، (ونحوه)؛ كتجارة فإنها تختلف باختلاف الحذق.
(أو وقعت) الإجارة (على عينه، أو شرطت مباشرته) العمل: (فلا) يلزم المستأجر قبول عمل غيره؛ لأن الغرض لا يحصل به. فأشبه ما لو أسلم إليه في نوع فسلم إليه (^١) غيره.
(ولمستأجر الفسخ)؛ لتعذر تعجيل حقه الواجب تعجيله والصبر الى أن يعافى؛ لأن الحق له.
(وإن ظهر) لمستأجر أنه كان بالعين التي استأجرها عيب حال العقد واستمر؟ كما لو وجد الدابة جموحا أو عضوضًا أو نفورًا، (أو حدب بمؤجرة عيب)؛ كما لو حدث بها مرض يمنع الانتفاع بها، أو كماله من عمي أو عراج بحيث تنقطع به عن القافلة.
(وهو) أي: العيب: (ما يظهر به تفاوت الأجرة) وذلك بأن تكون الأجرة
معه دون ما إذا لم يكن: (فلمستأجر الفسخ) أي: فسخ الإجارة.
أما كونه يملكه مع قدم العيب؛ فلأنه عيب في المعقود عليه. فاثبت الخيار؛ كالعيب في بيوع الأعيان.
وأما كونه يملكه بحدوث العيب؛ فلأن المنافع لا يحصل قبضها إلا شيئًا
_________________
(١) في ب: إلى.
[ ٦ / ١٨١ ]
فشيئا. فإذا حدث العيب فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه. فأثبت الفسخ فيما بقى منها. ومتى فسخ فالحكم فيه؛ كما لو انفسخ العقد بتلف العين.
ومحل ملك الفسخ: (إن لم يزل) العيب (بلا ضرر يلحقه) أي: يلحق المستأجر.
قال القاضي: إذا انسدت البالوعة فأراد المستأجر الرد فقال المؤجر: أنا أفتحها وكان زمنا يسيرا لا تتلف فيه منفعة تضر بالمستأجر لم يكن له الخيار. ذكره في مسأله بيع العين المؤجرة من " تعليقه ".
(و) للمستأجر أيضا بعد ظهور العيب أو حدوثه (الإمضاء مجانا) أي: من
غير أرش؟ لأنه رضي به ناقصا. فأشبه ما لو رضي بالمبيع معيبا.
وتقدم وجه: أن له الأرش.
وإن اختلفا في الموجود هل هو عيب أو لا؟ رجيع فيه إلى أهل الخبرة. فإن قالوا: ليس بعيب مثل: أن تكون الدابة خشنة المشي، أو أنها تتعب راكبها؛ لكونها لا تركب كثيرا فليس له فسخ، وإن قالوا: هو عيب فله الفسخ.
(ويصح بيع) عين (مؤجرة). نص عليه في رواية جعفر بن محمد.
وقال الشيخ تقي الدين، وظاهر كلامه في رواية الميمونى: أنه إذا باع العين المؤجرة ولم يبين أنها مستأجرة: أن البيع لا يصح.
وقيل: لا يصح البيع مطلقا.
والمذهب: بلى. سواء أجرها بائعها مدة لا تلي العقد ثم باعها قبلها، أو باعها في أثناء المدة؛ لأن الإجارة عقد على المنافع. فلا تمنع صحة البيع؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
ولا يفتقر إلى إجازة المستأجر؛ لأن المعقود عليه في الإجارة غير المعقود عليه في البيع.
(ولمشتر لم يعلم) أن المبيع مؤجر، (فسخ وإمضاء) اي: الخيار بين أن
[ ٦ / ١٨٢ ]
يفسخ البيع أو يمضيه (مجانا) أي: من غير أرش.
وفي " الرعاية ": الفسخ أو الأرش.
قال أحمد: هو عيب.
(والأجرة) عن المدة التي المشتري مالك لها فيها (له). نص على ذلك
في رواية جعفر بن محمد. واستشكل بكون المنافع مدة الإجارة غير (^١) مملوكة للبائع. فلا تدخل في عقد البيع، حتى أن المشتري يكون له عوضها وهو الأجرة. وأجيب عن ذلك: بأن المالك يملك عوضها وهو الأجرة ولم تستقر بعد ولو انفسخ العقد لرجعت المنافع إلى البائع. فإذا باع العين ولم يستثن شيئًا لم تكن تلك المنافع ولا عوضها مستحقا له، لشمول البيع للعين ومنافعها فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقه منها وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة؛ كما يستحق المشتري للأمة المزوجة (^٢) نفقتها بمقتضى عقد النكاح الصادر من بائعها للزوج، هذا إذا كان المشتري غير المستأجر، وأما إذا كان المشتري هو المستأجر فإنه يجتمع عليه للبائع الأجرة والثمن، لأن عقد البيع لم (^٣) يشمل المنافع الجارية في ملكه بعقد التآجر، لأن شراء الإنسان لملك نفسه محال. (ولا تنفسخ) الإجارة (ببيع ولا هبة) للعين المستأجرة (ولو) كان البيع أو الهبة (لمستأجر)، لأنه ملك المنفعة بعقد الجارة، ثم مَلك الرقبة بعقد البيع أو الهبة فلم يتنافيا؛ كما لو ملك الثمرة بعقد ثم ملك الأصل بعقد آخر، وكما لو باع الموصى له بالرقبة الرقبة لمن أوصى له بمنفعتها، أو أجر الموصى له بالمنفعة مدة منها لمالك الرقبة. ويدل هذا على صحة ملك المنفعه على الرقبة.
وكذا يصح: أن يستأجر المشتري العين المبيعة من مستأجرها.
وعنه: تبطل الإجارة بشراء المستأجر للعين المؤجرة.
_________________
(١) في أ: عين.
(٢) في أ: الزوجة.
(٣) في أ: ولم.
[ ٦ / ١٨٣ ]
(ولا) تبطل الإجاره (بوقف) للعين المؤجرة، (ولا بانتقال) للملك
فيها، (بإرث أو وصية، أو نكاح أو خلع، أو طلاق أو صلح، ونحوه) أي: ونحو ذلك؟ كانتقالها جعالة على رد آبق أو نحوه؛ لأن هذه العقود والانتقالات إنما وردت على ما يملكه المؤجر من العين المسلوبة النفيع زمن الإجارة.
فإن قيل: لو لم تنفسخ الإجارة بالبيع والهبة ونحوهما لعادت المنافع عند انقضاء (^١) مدة الإجارة إلى المؤجر؛ لأنها لم تدخل في العقد.
فالجواب: أن عقد البيع ونحوه وانتقال الملك إلى الوارث وقع على ما
يملكه المؤجر من العين ومنافعها التي يستحقها بعد انقضاء مدة الإجارة. فإنه يملك العقد على المنافع التي تلي (^٢) العقد، والتي تتأخر عنه بالإجارة عندنا.
فبالبيع (^٣) ونحوه أولى.
ومن استأجر من أبيه دارًا أو نحوها ثم مات المؤجر وخلف ابنين أحدهما المستأجر. فإن الدار تكون بينهما نصفين، والمستأجر أحق بها؛ لأن النصف الذي لأخيه الإجارة باقية فيه، والنصف الذي ورثه يستحقه إما بحكم الملك وإما بحكم الإجارة، وما عليه من الأجر بينهما نصفين.
وإن كان أبوه قد قبض الأجر لم يرجع بشيء منه على أخيه ولا تركة أبيه، ويكون ما خلفه أبوه بينهما نصفين؛ لأنه لو رجع بشيء أفضى إلى أن يكون قد ورث النصف بمنفعته وورث أخوه نصفًا مسلوب المنفعة. والله ﷾ قد سوى بينهما في الميراث.
ولأنه لو رجع بنصف أجر النصف الذي انقضت الإجارة فيه لوجب أن يرجع
أخوه بنصف المنفعة التي انقضت الإجارة فيها. إذ لا يمكن أن يجمع له بين
المنفعة وأخذ عوضها من غيره.
_________________
(١) في أ: انقضته.
(٢) في أوب: ملك.
(٣) في أ: فالبيع.
[ ٦ / ١٨٤ ]
(فصل): فيما يضمنه الأجير وما لا يضمنه
واختلافه هو والمستأجر وغير ذلك.
(ولا ضمان على أجير خاص. وهو: من استؤجر مدة، سلَّم نفسه) للمستأجر (أو لا. فيما) اي: في شيء للمستأجر (يتلف بيده) نصًا.
قال أحمد في رواية مهنا: في رجل أمر غلامه بكيل لرجل بزرًا فسقط الرطل
من يده فانكسر: لا ضمان عليه. فقيل له: ليس هو بمنزلة القصار، قال: لا، القصار مشترك. قيل: فرجل اكترى رجلًا يستقي ماء فكسر الجرة. فقال: لا ضمان عليه. قيل له: فإن اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذي يحرث به، قال: فلاضمان عليه؛ لأن عمله غير مضمون عليه. فلم يضمن ما تلف به؛ كالقصاص، وقطع يد السارق.
وعن الشافعي في أحد قوليه: أن جميع الأُجراء يضمنون، لما روى في " مسنده" عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه كان يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا " (^١) .
والجواب عن هذا الخبر: أنه مرسل، والصحيح فيه: أنه كان يضمن الصباغ والصراغ، وإن روي مطلقًا حمل على هذا. فإن المطلق يحمل على المقيد.
ولأن الأجير الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمر به. فلم يضمن.
(إلا. أن يتعمَّد)، لأنه متلف لمال غيره على وجه التعدي، (أو يفرِّط) بأن يقصر في حفظه. فيضمنه؛ كغير الأجير.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ١٢٢ كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء.
[ ٦ / ١٨٥ ]
(ولا) ضمان على (حجَّام، أو ختَّان، أو بَيْطار، او طبيب، خا صًا أو مشتركًا) بشرطين:
أحدهما: أن يكون (حاذقًا) في صناعته، بأن يكون له بها بصارة ومعرفة؛
لأنه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة القطع. فإذا قطع مع ذلك كان فعلا محرما. فيضمن سرايته؛ كالقطيع بدون إذن.
الشرط الثانى: أن لا يتجاوز بفعله ما لا ينبغي تجاوزه بأن (لم تجن يده)؛
كما لو تجاوز بالختان إلى الحشفة، أو بقطع السلعة أو نحوها محل القطع. فمتى جنمت يده أو قطيع لقلة حذقه في وقت لا يصلح فيه القطع، أو بآلة كالة يكثر ألمها أو نحو ذلك: ضمن؛ لأنه إتلاف لايختلف ضمانه بالعمد والخطأ. أشبه إتلاف المال.
(و) محل ذلك أيضا (^١): إذًا (أذن فيه) أي: في الفعل (مكلف) وقع الفعل
به، (أو) أذن فيه (ولي) لصغير أو مجنون وقع به الفعل. أما إذا لم يأذن المكلف في حجمه أو فصده أو قطع سلعته أو نحوه، أو لم يأذن الولي في فعل ذلك أو نحوه بالمجنون أو الصغير فسرت الجناية: ضمن الجانى؛ لأنه فعل غير مأذون فيه. فضمن، كما لوكانت الجناية على غير هذه الصفة.
ومتى كان أحد من ذكر حاذقًا، ولم تجن يده، وأذن في الفعل من له الإذن: لم تضمن سراية الفعل، كحد وقود؛ لأنه لا يمكن أن يقول: اقطع قطعًا لا يسري.
ولأن الفصد ونحوه فساد في نفسه؛ لأنه جرح. فقد فعل ما أمره به، ثم ما (^٢) يطرأ من (^٣) فساد عاقبته وصلاحها لا يكون مضافًا إليه، بل إلى الأمر.
واختار صاحب "الرعاية" إن كان أحد هؤلاء خاصًا أو مشتركًا فله حكمه (^٤) .
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في أوب: في.
(٤) في أ: حكم.
[ ٦ / ١٨٦ ]
وقال ابن أبي موسى: إن ماتت طفلة من الختان فديتها على عاقلة خاتنها. قضى بذلك عمر رضي الله تعالى عنه. ويحمل ذلك على عدم حذقها، أو كانت تجاوزت المحل خطأ. والله أعلم.
واختار في " كتاب الهدي ": أنه لا يضمن سراية قطع السلعة مع عدم الإذن فيه؛ لأنه محسن. وقال: هذا موضع نظر.
(ولا) ضمان على (راع لم يتعد أو يفرط بنوم أو غيبتها عنه، ونحوه)؛ كأن يضربها ضربًا يسرف فيه، أو يضربها في غير موضع الضرب، أو يسلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف فتتلف.
أما كونه لا يضمنها بلا تفريط أو تعدٍ؛ لأنها عين قبضها بحكم الإجارة وهو مؤتمن على حفظها. فلم يضمنها بدون ما ذكر؛ كالعين المستأجرة.
وأما كونه يضمنها مع التفريط أو التعدي. فإن عليه حفظها وعدم التعدي فيها. فإذا وجد أحدهما ضمن؛ كالمودَع إذا فرط في الوديعة أو تعدى فيها. وإن اختلفا في التعدي وعدمه: فالقول قول الراعي؛ لأنه أمين.
وإن فعل فعلًا واختلفا في كونه تعديا: رجع إلى قول أهل الخبرة.
(وإن ادعى) الراعي (موتا) مما تسلمه ليرعاه (ولو لم يحضر جلدًا) أو بعضًا غيره مما ادعى أنه مات: قبل بيمينه (^١)؛ لأن الأمناء يقبل أقوالهم في مثل ذلك؛ كالمودع.
ولأن هذا مما تتعذر إقامة البينة عليه في الغالب.
وعنه: أنه يضمن، ولا يقبل قوله إلا ببينة تشهد بالموت.
(أو ادعى مكتر) لرقيق أو دواب (أن) العبد (المكترى أبَقَ أو مرض أو شرد) الجمل (أو مات)، وكانت دعواه (في المدة أو بعدها: قبل بيمينه)؛ لأنه مؤتمن والأصل عدم الانتفاع.
_________________
(١) في ج: يمينه.
[ ٦ / ١٨٧ ]
وعنه: أن القول في ذلك قول المكري؛ لأن الأصل السلامة.
وعنه: إن ادعى المكتري (^١) مرض العبد وجاء به صحيحا فالقول قول المالك. سواء وافقه العبد أو خالفه، وإن جاء به مريضا فالقول قول المستأجر. وعنه: أنه يقبل قول المستأجر في إباق العبد دون مرضه.
واختار في " المبهج ": لا تقبل دعوى هرب العبد أول المدة.
وفي " الترغيب ": يقبل، وأن فيه بعدها روايتين. انتهى.
ثم اعلم ان هذا الخلاف فيما إذا أنكر المالك وجود ما يدعيه المكتري، أما
إذا صدق على وجود الإباق أو المرض ونحوهما واختلفا في وقت ذلك ولا بينة للمالك فالقول قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم العمل.
ولأن ذلك حصل في يده وهو أعلم بوقته (^٢) .
و(كـ) ما يقبل قول مكتر فيما تقدم بيمينه تقبل (دعوى حامل تلف محمول) بيمينه؛ لأنه مؤتمن، (وله) أي: لمدعي تلف المحمول (أجرة حمله) إلى محل تلفه. ذكره في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفروع "؛ لأنه ما عمل فيه من حمل بإذن، وعدم تمام العمل ليس بناشئ من جهته.
(وإن عقد) الإجارة في رعي (على) إبل أو بقر أو غنم (معينة: تعينت)
في أصح الوجهين؛ كما لو استأجره لخياطة ثوب بعينه. (فلا تبدل.
ويبطل العقد فيما تلف) منها؟ كما لو استأجر ظئرًا لرضاع صبيين (^٣) فمات أحدهما.
(و) إن وقع العقد (على موصوف) في الذمة: (فلا بد من ذكر نوعه).
فلا يكتفى بذكر الجنس؛ كالإبل حتى يذكر نوعها، من كونها عرابًا أو بخاتى؛ لأن كل نوع له أثر في أتعاب الراعي. (وكبره أو صغره) فيقال: كبار أو
_________________
(١) في أوب: المكري.
(٢) في أ: بوفقه.
(٣) في ج: صبي.
[ ٦ / ١٨٨ ]
فصلان. (وعدده)؛ لأن العمل يختلف باختلافه.
وقال القاضي: يصح من غير ذكر العدد، ويحمل على ما جرت به العادة.
ورده في " المغني " بأن العادة تختلف في ذلك وتتباين كثيرًا.
(ولا يلزمه) أي: الراعي (رعي سِخَالِها)؛ لأنها زيادة لم يتناولها العقد.
(وإن عمل) الأجير الخاص عملًا لغير مستأجره. فأضرَّه: فله) أي: فللمستأجر على الأجير (قيمة ما فوته) على المستأجر من منفعته.
قال أحمد: في رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم. فكان الرجل ينقل عليهما (^١) وعلى حمير لرجل آخر ويأخذ منه الأجرة، فإن كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة.
قال في " المغنى ": فظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الأجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله؛ لأنه قال: إن كان يدخل عليه ضرر يرجع بالقيمة. فاعتبر بالضرر (^٢) .
وظاهر (^٣) هذا: أنه إذا لم يستضر لا يرجع بشيء؛ لأنه اكتراه لعمل فوفاه
على التمام. فلم يلزمه شيء؛ كما لو استأجره لعمل فكأن يقرأ القرآن في حال عمله. فإن ضر المستأجر رجع عليه بقيمة ما فوت عليه.
ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره؛ لأنه صرف منافعه المعقود (^٤) عليها إلى عمل غير المستأجر. فكان عليه قيمتها؛ كما لو عمل لنفسه. وقال القاضي: معناه أنه يرجع عليه بالأجر الذي أخذه من الأجر؛ لأن منافعه في هذه المدة مملوكه لغيره. فما حصل في مقابلتها يكون للذي
_________________
(١) في أوب: عليها.
(٢) في ب: الضرر.
(٣) فى أ: فظاهر.
(٤) فى أ: المقصود.
[ ٦ / ١٨٩ ]
استأجره. انتهى.
(ويضمن) الأجير (المشترك). وهو: من قدر نفعه بعمل. سواء تعرض
فيه للمدة؛ كاستئجار كحّال ليكحله شهرًا في كل يوم كذا كذا مرة. أو لا؛ كخياط لخياطة ثوب. وسمي مشتركا؛ لأنه يتقبل أعمالا لجماعة في اليوم الواحد ويعمل لهم فيه. فيشتركون في منفعته واستحقاقها في الزمن الواحد. (ما) أي: تالفا (تلف بفعله) أي: بجناية يده. فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد. نص على هذه المسأله في رواية ابن منصور.
وكذا القصار ضامن لما يحدث في الثوب بسبب دقه أو مده أو عصره أو بسطه (من تخريق.
و) كذا الخياط ضامن لما أفسد في الثوب من (غلط في تفصيل) ونحوه، والطباخ يضمن ما أتلفه أو أفسده من طبيخه، والخباز ضامن لما أتلفه أو أفسده من خبزه، والملاح يضمن ما تلف من يده أو جدفه أو ما يعالج به السفينة، والجمال ضامن ما تلف بقوده وسوقه وانقطاع حبله الذي شد به حمله.
(و) يضمن أيضا محمول تلف (بزَلقِه) (^١) أو عثرته وبسقوطه عنه كيف كان، (وسقوطه عن دابة.
و) يضمن أيضًا ما حصل من نقص (بخطئه) في فعله؛ كما لو أمر الصباغ بصبغ ثوب أحمر فصبغه أسود، وكما لو أمر الخياط بتفصيله قميص رجل ففصله قميص امرأة؛ لما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يُصلح الناس إلا ذلك " (^٢) .
وروى الشافعي في " مسنده " بإسناده عن علي " أنه كان يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا " (^٣) .
ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه. فما تولد منه يجب أن يكون
_________________
(١) في أ: بزلق.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٢٢ كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء.
(٣) سبق تخريجه ص (١٨٥).
[ ٦ / ١٩٠ ]
مضمونا؛ كالعدوان بقطع عضو. والدليل أن عمله مضمون عليه؛ لأنه لا يستحق العوض إلا بالعمل وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله من ضمانه. بخلاف الخاص. فإنه إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وإن لم يعمل.
وقيل: لا يضمن الأجير ما لم يتعد.
وقال القاضي: إن عمل الأجير في بيت المالك، كما لو دعى خبازا فخبز له
في بيته، أو كانت يد صاحب المتاع عليه؛ كما لو كان راكبا معه في السفية أو مع الجمال لم يضمن ما لم يفرط، وإلا ضمن.
ورده في " المغني ": بأن وجوب الضمان عليه لجناية يده. فلا فرق بين حضور المالك وغيبته؛ كالعدوان.
ولأن جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع معه يعم المتاع وصاحبه، وتفريطه يعمهما. فلم يسقط ذلك الضمان؛ كما لو رمى إنسانًا متترسًا فكسر ترسه وقتله.
ولأن الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب (^١)
والمختون.
وذكر القاضي أيضًا: انه إذا كان المستأجر على حمله عبيدًا صغارًا أو كبارًا
فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده. إذ لا يضمن بني آدم من جهة الإجارة، لأنه عقد على منفعة.
ورده في " المغني " أيضا بأن الضمان هاهنا من جهة الجناية. فوجب ان يعم
بني آدم وغيرهم؛ كسائر الجنايات.
وأن ما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والختان.
وذكر القاضي أيضا في تضمين (^٢) الأجير ثلاث روايات: الضمان،
_________________
(١) في أوب: المطيب.
(٢) في أ: تضمن.
[ ٦ / ١٩١ ]
وعدمه، والثالثة: لا يضمن إذا كان غير مستطاع؛ كزلق ونحوه.
ومتى كان القصار ونحوه متبرعًا بالعمل لم يضمن جناية يده. نص عليه في رواية حرب. قاله في " شرح الهداية " وقال: لأنه أمين محض ولا أعلم فيه خلافا.
ولعله أراد في المذهب فإنه قال بعد ذلك: وقال مالك: يضمن كما إذا كان
بأجرة. والله أعلم.
ويغرم الخياط فيما إذا أمر بتفصيله قميص رجل ففصله قميص امرأة ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا؛ لأن هذا قطع غير مأذون فيه.
وقيل: ما بين قميص امرأة وقميص رجل؛ لأنه مأذون في قميص في الجملة.
قال في " المغني ": والأول أصح؛ لأن المأذون فيه قميص موصوف بصفة. فإذا قطع قميصا (^١) غيره لم يكن فاعلا فيه. فكان متعديا بابتداء القطع، ولذلك لا يستحق على القطع أجرا ولو فعل ما أمر به لاستحقه. انتهى.
ويضمن الأجير أيضا ما تلف بخطئه (ولو بدفعه) الثوب أو نحوه (إلى غير ربه)؟ لأنه فوته على مالكه.
قال أحمد في قصار دفيع الثوب إلى غير مالكه: يغرم القصار، ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس ثوبه، وعليه رده إلى القصار.
(وغرم قابض) له (قطعه أو لبسه جهلًا) أنه ثوب غيره، (أرش قطعه، وأجرة لبسه، ورجع بهما على دافع). نص عليه؛ لتعديه على ملك غيره.
قال في " شرح الهداية ": ويرجع بما غرمه على القصار. نص عليه.
وزاد في " الرعاية " مسألة الرجوع بأجرة اللبس.
وله المطالبة بثوبه إن كان موجودًا، وإن هلك ضمنه الأجير، لأنه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه. فضمنه؛ كما لو علم.
_________________
(١) في أوب: قميص.
[ ٦ / ١٩٢ ]
وعنه: لا يضمنه؛ لأنه لم يمكنه رده. فأشبه ما لو عجز عن رده لمرض،
و(لا) يضمن أجير (ما تلف بحرزه أو) بسبب (غير فعله، إن لم يتعد)
أو يفرط. نص عليه في رواية ابن منصور.
وقال في رواية أبي طالب: إذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه. وإن
كان عدوًا أو غرقًا فلا ضمان.
قال في " المغني ": والصحيح في المذهب الأول؛ لأنها عين مقبوضة
بعقد الإجارة لم يتلفها بفعله. فلم يضمنها، كالعين المستأجرة.
ولأنه قبضها بإذن مالكها لنفيع يعود إليهما. فلم يضمنها؛ كالمضارب
والشريك.
(ولا أجرة له) فيما عمل فيه أي: سواء عمل فيه في بيت ربه أو غيره، لأنه
لم يسلم عمله إلى المستأجر؛ لأن عمله في عين المعمول فلا يمكن تسليمه إلا بتسليم المعمول. فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع. وعنه: له أجر البناء لاغير.
وعنه: له أجرة البناء والمنقول إذا عمله في بيت ربه.
وقال ابن عقيل في " الفنون ": له الأجرة مطلقا.
(وله) أي: لأجير (حبس معمول)، كثوب صبغه أو قصره (على أجرته: إن أفلس ربه) أي: حكم بفلسه. ووجه كون الأجير يملك حبس ما صبغه أو قصره ونحوه في هذه الصورة: أن زيادة قيمة الثوب بصبغه أو قصارته للمفلس. فكانت أجرته عليه، والعمل الذي هو عوضها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر، كمن أجر دابته أو نحوها لإنسان بأجره حالة تم ظهر عسر المستأجر قبل تسليمها له. فإن للمؤجر حبسها عنه وفسخ الإجارة.
ثم إن كانت أجرته أكثر مما زادت به قيمته أخذ الزيادة وحاصص الغرماء
بما بقي له من الأجرة.
[ ٦ / ١٩٣ ]
(وإلا) أي: وإن لم يفلس المستأجر لم يكن له حبس الثوب عنه بعد
عمله، وكان حكمه حكم الغاصب، لأنه لم يرهنه عنده، ولم يأذن له في إمساكه ولا يتضرر بدفعه قبل أخذ أجرته.
ومتى فعل (فتلف أو أتلفه بعد عمله أو) بعد (حمله) فيما إذا اكترى له،
(أو عمله) أي: عمل الأجير الثوب (على غير صفة شرطت) عليه، كما لو
دفع إلى حائك رطلان من غزل وقيل له: انسجه اثني عشر ذراعا في عرض ذراعين ليكون خفيفا. فجعله عشرة أذرع في عرض ذراع ونصف مثلا فصار خفيفا، أو أمر بنسجه عشرة أذرع في عرض ذراع ليكون خفيفا فنسجه زائدا في
الطول أو في الطول والعرض فصار خفيفا: (خير مالك بين تضمينه إياه) أي: تضمين (^١) الأجير الثوب أو الغزل (غير معمول) أي: غير مصبوغ أو مقصور أو منسوج، (أو) تضمينه المتاع الذي اكترى لحمله غير (محمول) بأن يطالبه
بقيمته في المكان الذي سلمه إليه فيه ليحمله منه.
(ولا أجرة له) أي: للأجير، لأن الأجر لا يلزم المستأجر قبل تسليم العمل
له. وأما تسليم الغزل منسوجا فكعدمه، لأنه لم يعمل ما أمر به.
(أو) تضمينه إياه الثوب (^٢) (معمولا) أي: قيمته مصبوغا أو مقصورا أو
منسوجا إن تلف. (و) المتاع (محمولا) أي: بقيمته في المكان الذي تلف فيه،
(وله الأجرة) أي: أجرة العمل المأذون فيه والحمل إلى المكان الذي تلف فيه؛
لأن الأجير لو لم تجب له الأجره إذا لاجتمع عليه فوات الأجرة وضمان ما يقابلها.
ولأن المالك إذا ضمنه ذلك معمولا أو محمولا يكون في معنى تسليم العمل
المأمور به.
وأما وجه كون المالك مخيرًا (^٣) بين الصورتين، فلأن ملكه مستصحب عليه
_________________
(١) في أ: يضمن.
(٢) في ج: أي الثوب.
(٣) في أب: مخير.
[ ٦ / ١٩٤ ]
إلى حين التلف. فملك المطالبة بعوضه قبل عمله وحين تلفه.
وقال أبو الخطاب: يلزم الحمال قيمة المحمول موضع تلفه وله أجرته إليه.
وقيل: إن كان صبغ الثوب من الأجير فله حبسه ولا يضمنه إن تلف من غير
تعدٍّ ولا تفريط، وإن كان الصبغ من رب الثوب. أو كان الأجير لقصارته فوجهان. وفي " المنثور ": إن خاطه أو قصره أو غزله فتلف بسرقة أو نار فمن مالكه
ولا أجرة؛ لأن الصنعة غير متميزة؛ كقفيز (^١) من صبرة.
وقال الموفق: فيمن دفع لحائك غزلا فقال: انسجه لي عشرة أذرع في
عرض ذراع فنسجه زائدا في الطول والعرض: أنه لا أجر له في الزيادة؛ لأنه غير مأمور بها، وعليه ضمان الغزل المنسوج فيها. فأما ما عدا الزائد فينظر فيه. فإن كان جاء به زائدا في الطول وحده ولم ينقص الأصل بالزيادة فله ما سمى له من الأجر، وإن جاء به زائدا في العرض وحده أو فيهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا أجر له؛ لأنه مخالف لأمر المستأجر.
والثانى: له المسمى؛ لأنه زاد على ما أمر به. فأشبه زيادة الطول.
ومن قال بالأول فرق بين الطول والعرض بأنه يمكن قطع الزائد في الطول
ولا يمكن ذلك في العرض.
وأما إن جاء به ناقصا في الطول والعرض أو في أحدهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا أجر له وعليه ضمان نقص الغزل؛ لأنه مخالف لما أمر به.
والثانى: له بحصته من المسمى.
ثم قال: ويحتمل أنه إن جاء به ناقصا في العرض فلا شيء له، وإن كان ناقصا
في الطول فله بحصته من المسمى؛ لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض.
وإن جاء به زائدا في أحدهما ناقصا في الآخر فلا أجر له في الزائد. وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل. انتهى.
_________________
(١) في أ: بقفيز.
[ ٦ / ١٩٥ ]
(وإذا جذب الدابة مستأجر) لها (أو معلمها السير لتقف، أو ضرباها) أي: مستأجرها أو معلمها (كعادة) أي: مثل الضرب المعتاد في ذلك: (لم يضمن) الضارب (ما تلف به) أي: بالضرب الذي هو بقدر العادة في ذلك؛ لأنه تلف من فعل مستحق. فلم يضمن.
ويدل لجواز الضرب " أنه ﷺ نخس بعير جابر وضربه " (^١) .
و" كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه ينخس بعيره بمحجنه ".
وظاهر ما تقدم وجوب الضمان إذا زاد على العادة وهو كذلك صرح به
" الكافي "، لأنه جناية. فوجب ضمان ما تلف بها.
(وإن استأجر) أجير (مشترك) أجيرًا (خا صًا)؛ كالخياط في دكان يستأجر أجيرا مدة يستعمله (^٢) فيها: (فلكل) منهما (حكم نفسه). فلو تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجيره فتلف في يده من غير أن يتعمد إتلافه لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص. ويضمنه صاحب الدكان لمالكه، لأنه أجير مشترك. (وإن) تقبل إنسان عملا أحسنه أو لا، كقصار تقبّل خياطة ثوب و(استعان) بخياط في عمله (ولم يعمل) هو: (فله الأجرة) المسماة في العقد، (لـ) كونه في (ضمانه. لا لتسيلم العمل).
وتقدم في الشركة (^٣): أن التقبل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح.
ونقل الأثرم عن أحمد: أنه. سأله عن الرجل يتقبل العمل من الأعمال فيقبله
بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟ قال: ما أدري، هي مسألة فيها بعض الشيء. قلت: أليس كان الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب أو غره إذا عمل في العمل
_________________
(١) أخرجه البخاري في" صحيحه" (٤٧٩١) ٥: ١٩٥٤ كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧١٥) ٣: ١٢٢٣ كتاب المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه.
(٢) في ج: مدة معلومة.
(٣) ص (٦٤).
[ ٦ / ١٩٦ ]
شيئا؟ قال: إذا عمل عملًا فهو أسهل.
قال في " المغني ": وقياس المذهب جواز ذلك. سواء أعان فيها بشيء أو
لم يعن؛ لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجير الأول أو دونه جاز بزيادة عليه؛ كالبيع وكإجارة العين.
(و) إن اختلف الأجير والمستأجر فقال الأجير: (أذنت) لى (في تفصيله قَبَاء)، و(قال) المستأجر: (بل) أذنت لك في تفصيله (قميصًا). أو قال: أذنت لي في قطعه قميص امرأة، قال: بل أذنت لك في قطعه قميص رجل. أو قال الصباغ: أمرتني بصبغه كذا، قال رب الثوب: بل كذا: (فـ) القول (قول الخياط) والصباغ. نص على ذلك في رواية ابن منصور؟ لأنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته. فكان القول قول المأذون له؛ كالمضارب إذا قال: أذنت لي في البيع نساء.
ولأنهما اتفقا (^١) على ملك الخياط القطع والصباغ الصبغ، والظاهر أنه فعل
ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم له والأصل عدمه. فيحلف الخياط أو الصباغ: لقد أذنت لي في قطعه أو صبغه كذا ويسقط عنه الغرم.
(و) يكون (له اجر مثله)؛ لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض.
ولا يستحق المسمى " لأن المسمى لا يثبت بدعواه. فلا يجب بيمينه.
وقيل: القول قول رب الثوب ولا أجرة عليه. واختاره الموفق.
وذكر ابن أبي موسى رواية: أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الأقبية والسواد فيما إذا قال: أذنت لي في تفصيله قباء، وفيما إذا قال: أمرتني بصبغة أسود: فالقول قوله، وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع وضمان ما أفسد بالصبغ. ولا أجر (^٢) له.
وقال ابن عقيل: إن كان المستأجر رجلًا وقال: أذنت لي في قطعه قميص
_________________
(١) في أ: اتفاقا.
(٢) في أ: أجرة.
[ ٦ / ١٩٧ ]
امرأة، أو كان امرأة وقال الأجير: أذنت لي في قطعه قميص رجل: فالقول هنا قول المالك؛ لأن ظاهر الحال يشهد له.
وقال المجد: إذا صاغ له الصائغ ذهبًا سوارين فقال ربهما: إنما أمرتك بصياغة خلخالين فالقول قول الصائغ في قول مالك، وقياس مذهبنا كمسألة الخياط والصباغ. انتهى.
ومن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله له قباء أو قميصا أو غيرهما (و) قال: (إن
كان يكفيني ففصله. فقال: يكفيك. ففصله فلم يكفه: ضمنه، كما لو قال: اقطعه قباء. فقطعه قميصا. لا إن قال: يكفيك فقال: اقطعه) فقطعه فلم يكفه: لم يضمنه؛ لأنه إنما أذن في القطع في الأول بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه، وفي الثانية أذن له من غير شرط فافترقا.
[ ٦ / ١٩٨ ]
] فصل: متى تجب الأجرة]
(فصل) يذكر فيه متى تجب الأجرة وتستحق وتستغرق وغير ذلك.
(وتجب) أي: تملك (أجرة في إجارة عين) ولو مدة لا تلي العقد،
(أو) إجارة (ذمة)؛ كحمل معين من مكان إلى مكان معينين: (بعقد). سواء اشترط فيه الحلول أو أطلق العقد؛ كما يجب للبائع الثمن بعقد البيع. وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: لا تملك بالعقد ولا تستحق المطالبة بها إلا يوما بيوم. إلا أن يشترط تعجيلها.
ووافقه أبو حنيفه في غير المعينة كالثوب والعبد، واستدل بأن الله تعالى
قال: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)] الطلاق: ٦ [. أمر بإيتائهن بعد
الإرضاع.
وقال النبى ﷺ: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " (^١) . فتوعده على الامتناع من دفع الأجرة (^٢) بعد العمل، دل على أنه حالة الوجوب.
وروي عنه ﵇ أنه قال: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف
عرقه " (^٣) . رواه ابن ماجه.
ولأنه عوض لم يملك معوضه. فلم يجب تسليمه؛ كالعوض في العقد
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢١١٤) ٢: ٧٧٦ كتاب البيوع، باب إثم من باع حرًا. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٢) ٢: ٨١٦ كتاب الرهون، باب أجر الأجراء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٦٧٧) ٢: ٣٥٨
(٢) في أب: الأجر.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٤٣) ٢: ٨١٧ كتاب الرهون، باب أجر الأجراء.
[ ٦ / ١٩٩ ]
الفاسد. فإن المنافع معدومة لم تملك ولو ملكت فلم يتسلمها؛ لأنه يتسلمها شيئًا فشيئًا فلايجب عليه العوض مع تعذرالتسليم في العقد.
ولنا: أنه عوض اطلق (^١) ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد؛ كالثمن والصداق. أو نقول عوض في عقد يتعجل بالشرط. فوجب أن يتعجل با لإطلاق؛ كالثمن والصداق.
فأما الآية فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع أو تسليم نفسها
كما قال: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)] النحل: ٩٨ [. أي: إذا أردت القراءة. ولأن هذا تمسك بدليل الخطاب ولا يقولون به.
وكذلك الحديث. يحققه: أن الأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله؛ كقوله: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن)] النساء: ٢٤ [. والصداق يجب قبل الاستمتاع. وهذا هو الجواب عن الحديث. ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قلتم: تجب الأجرة شيئا فشيئًا.
قال في " المغني ": ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة. انتهى.
(وتستحق) الأجرة (كاملة) بًان يملك المؤجر المطالبة بها (بتسليم عين) معينة في عقد أو مو صوفة في ذمه (^٢)؛ لأن تسليم العين يجري مجر تسليم نفعها.
(أو بذلها) أي: العين بأن يأتي بها المؤجر إلى المستأجر ليستوفي ما وقع عليه عقد الإجارة من منفعتها. فيمتنع من تسلّمها (^٣)؛ لأنه فعل ما عليه؛ كما لو بذل البائع العين المبيعة.
وعنه: إن تسلمها أو انتفع بها بعض المده ثم تركها يستحق عليه من الأجره
_________________
(١) في ج: ألحق.
(٢) في أب: بذمة.
(٣) في ج: تسليمها.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
بقدر ما انتفع. وحمله القاضي على تركها لعذر.
قال في " الفروع ": ومثله تركه تتمة عمله. وفيه في (^١) " الانتصار " كقول
القاضي. انتهى.
(وتستقر) الأجرة كاملة أي: تصير ثابتة في ذمة المستأجر؛ كسائر الديون (بفراغ عمل ما) أي: شيء استؤجر لعمله وهو (بيد مستأجر)؛ كطباخ استؤجر لطبخ شيء في بيت المستأجر فطبخه به وفرغ منه.
(وبدفع ذره) أي: غير ما بيد مستأجر؛ كما لو اتفقا على أن الطباخ يطبخ
ما استؤجر على طبخه في داره فيستحق الأجرة عند إتيانه به إلى المستأجر. (معمولا)؛ لأنه في الحالتين قد سلم ما عليه. فاستحق تسليم عوضه وهو
الأجر ة.
(و) تستقر الأجرة كاملة في ذمة المستأجر أيضا فيما إذا كانت الإجارة على
مدة (بانتهاء المدة) حيث سلمت إليه العين التي وقعت الإجارة عليها، ولا حاجز له عن الانتفاع ولو لم ينتفع؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده وهو حقه. فاستقر عليه بدله؛ كثمن المبيع إذا تلف في يد المشتري.
(و) تستقر الأجرة أيضا (ببذل تسليم عين) معينة (لعمل في الذمة: إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء) أي: استيفاء العمل (فيها) أي: في تلك المده إن كانت الإجارة على عمل من عين معينة؛ كما لو قالى: اكتريت منك هذه الدابة لأركبها إلى بلد كذا ذهابا وإيابا بكذا، وسلمها إليه المؤجر، ومضت مدة يمكن فيها ذهابه إلى ذلك البلد ورجوعه على العادة ولم يفعل. نقل ذلك في " المغني " عن الأصحاب، وذكر أنه مذهب الشافعي؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره. فاستقر الضمان عليه؛ كما لو تلف المبيع في يد المثشري، وكما لو كانت الإجارة على مدة ومضت.
ومتى بذل المؤجر في هذين الصورتين ونحوهما تسليم العين المؤجرة وامتنع
_________________
(١) في ج: وفي.
[ ٦ / ٢٠١ ]
المستأجر من تسلمها (^١) والمؤجر باذل لتسليمها (^٢) حتى مضت المدة المقدرة أو زمن يمكن استيفاء العمل فيه: استقر الأجر عليه؛ لأن المنافع تلفت باختيار المستأجر. فاستقر عليه الأجر؛ كما لو كانت في يده.
واختار الموفق: فيما إذا كانت الإجارة على عمل من عين معينة: أن الأجرة
لا تستقر على المستأجر حتى يستوفي العمل ولو تسلم العين. قال: لأنه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن. فلم يستقر بدلها (^٣) قبل استيفائها؛ كالأجير المشترك. وقيل: يجب قبض الأجرة في جميع أنواع الإجارة في المجلس؟ كرأس
مال السلم.
وقال في " القواعد " بعد أن ذكر المذهب: وقال القاضي في " تعليقه ": إن الأجير يجب دفع الأجرة إليه إذا شرع في العمل؛ لأنه قد سلم نفسه لاسيتفاء المنفعة فهو كتسليم الدار المؤجرة. ولعله يخص ذلك بالأجير الخا ص؛ لأن منافعه تتلف تحت يد المستأجر. فهو شبيه بتسليم العقار.
وقال ابن أبي موسى: من استؤجر لعمل معلوم استحق الأجرة عند إيفاء العمل.
وإن استؤجر في كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه.
وظاهر هذا: أن المستأجر للعمل مدة يجب له أجر كل يوم في آخره؛ لأن ذلك مقتضى العرف. وقد يحمل على ما إذا كانت المدة مطلقة غير معينة؛ كاستئجاره كل يوم كذا فإنه يصح ويثبت له الخيار في آخر كل يوم فتجب له الأجرة فيه؛ لأنه غير ملزم بالعمل فيما بعده.
ولأن مدته لا تنتهي فلا يمكن تأخير إعطائه إلى تمامها، أو على أن المدة المعينة إذا عين لكل يوم منها قسطا من الأجرة فهي إجارات متعددة. انتهى كلامه في "القواعد ".
_________________
(١) في أب: تسليمها.
(٢) في ج: لتسلمها.
(٣) في ج: بذلها.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
(ويصح شرط تعجيلها) أي: الأجرة على محل استحقاقها؛ كما لو أجره
داره سنة خمس في سنة ثلاث وشرط عليه (^١) تعجيل الأجرة في يوم العقد. (وتأخيرها)؛ كما لو شرط المستأجر على المؤجر: أن لا تحل عليه الأجرة إلا عند ابتداء سنة سبع؛ لأن إجارة العين كبيعها، ويصح بثمن حالى ومؤجل فكذلك إجارتها.
وقيل: إنما يجوز تأجيل الأجرة إن لم تكن نفعا في الذمة.
(ولا تجب) الأجرة (^٢) (ببذل) لتسليم العين (في) إجارة (فاسدة)؛ لأن منافعها لم تتلف تحت يده ولا في ملكه.
(فإن تسلم) العين في الإجارة الفاسده حتى انقضت المدة المسماة، أو مضى زمن يمكن استيفاء العمل المسمى فيه أو لا: (ف) عليه (أجرة المثل)؛ لمدة بقائها في يده، (وإن لم ينتفع) بها؛ لأن المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر. فرجع إلى قيمتها؛ كما لو استوفاها.
وعنه: لاشيءعليه.
واختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وضع يده على العين جميع المدة: أن عليه الأجر المسمى، وذكر أنه قياس المذهب أخذا له من النكاح.
(وإذا انقضت إجارة أرض) أي: انتهب مدتها (وبها غراس أو بناء لم يشترط) عند العقد (قلعه) عند انتهاء المدة، (أو شرط) على رب الأرض (بقاؤه) أي: الغراس أو البناء في الأرض بعد انقضاء مدة الإجارة: (خير مالكها) أي: الأرض (بين أخذه) أي: تملك الغراس أو البناء (بقيمته، أو تركه) أي: الغر اس أو البناء (بأجرته) أي: أجرة مثله، (أو قلعه) جبرا. (و) إنما يجبر على قلع غرسه أو بنائه مع (ضمان نقصه) من مالك الأرض، وإنما كان لرب الأرض ذلك مع ما ذكر من القيود؛ لما في ذلك من الجمع بين
_________________
(١) في أ: على.
(٢) في أب: أجرة.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
الحقين، وإزالة ضرر كل من المالكين.
وعلم مما تقدم أن اشتراط تبقية المستأجر ما يغرسه أو يبنيه في العقد لا يؤثر فيه.
وفيه وجه: أنه يفسد العقد به.
والأول المذهب.
ومحل ذلك: (ما لم يقلعة) اي: الغرس أو البناء (مالكه) عند انقضاء المدة. فإن مالك الأرض ليس له منعه من ذلك ليتملكه بقيمته، أو ليجب عليه أجر مثله بتبقيته؛ لأنه ملك مالكه. فكان له أخذه من العين المستأجرة؛ كغيره من المملوكات.
(و) محله أيضا: ما (لم يكن البناء) الذي بناه المستأجر في الأرض المستأجرة (مسجدًا، أو نحوه)؛ كساقية (^١) وقنطرة: (فلا يهدم. وتلزم الأجرة إلى زواله).
قال في " الفروع ": ولم يفرق الأ صحاب بين كون المستأجر وقف ما بناه أو
لا، مع انهم ذكروا استئجار دار يجعلها مسجدا. فإن لم تترك بالأجرة فيتوجه: أن لا يبطل الوقف مطلقا. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وقال الشيخ تقي الدين فيمن احتكر أرضا بنى فيها مسجدا أو بناء وقفه عليه: متى فرغت المدة وانهدم البناء زال حكم الوقف وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها، وما دام البناء قائما فيها فعليه أجرة المثل؛ كوقف علو ربع أو دار مسجدًا. فإن وقف علو ذلك لا يسقط حق ملاك السفل، كذا وقف البناء لا يسقط حق ملاك (^٢) الأرض. وذكر في " الفنون " معناه، قلت: وهو الصواب، ولا يسع الناس إلا ذلك. انتهى.
(ولا يعاد) المسجد ولا غيره إذا انهدم بعد انقضاء المدة (بغير رضى رب الأرض)؛ لزوال حكم الإذن بزوال العقد.
_________________
(١) في أب: كسقاية.
(٢) في أ: الملاك.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
(وفي " الفائق ": قلت: لو كانت الأرض) أي: المؤجرة لغرس أو بناء (وقفا) أو انقضت مدة إجارتها وفيها غرس أو بناء: (لم يتملك) أي: لم يجز تملكه لجهة وقف الأرض (إلا بشرط واقف) للأرض بأن يقول واقفها: ومتى انقضت إجارتها وفيها غرس أو بناء تملكه الناظر بقيمته لجهة الوقف أو نحو ذلك. (أو) بـ (رضى مستحق) لربع الوقف إن لم يكن شرط؛ لأن في دفع قيمته من ربع الوقف تفويتا على المستحق.
قال (المنقح): قلت: (بل إذا حصل به) أي: بالتملك (نفع) لجهة الوقف بأن يكون أحظ من قلعه مع ضمان نقصه ومن إبقائه بأجرة مثله (كان له ذلك) أي: أن يتملكه لجهة الوقف، لأن المصلحة في ذلك تعود إلى مستحق الربع. أشبه ما لو اشترى الولي بناء لليتيم من مال اليتيم وقد رأى فيه مصلحة. (والقلع) أي: مؤنته (على مستأجر)؛ كمؤنة نقل طعامه من الدار المستأجرة عند انتهاء مدة الإجارة؛ لأن عليه تفريغ العين المؤجرة مما أشغلها به من ملكه. ولو كان ذلك بأمر مالك الأرض؛ لأن مالك الأرض إذا اختار القلع لا يكون عليه إلا ضمان النقص الحاصل بالقليع لا مؤنة القلع.
(وكذا) أي: وكما يكون على المستأجر مؤنة القليع إن اختاره أو لم يختره يكون عليه (تسوية حفر) حصلب بالقلع، (إن اختاره) دون رب الأرض؛ لأنه ادخل نقصا على ملك غيره بغير إذنه فكان عليه مُؤنة إزالته.
(وإن شرط) على مستأجر أرضا لغرس أو بناء (قلعه) عند انتهاء مدة الإجارة: (لزمه) ذلك وفاء بموجب شرطه، (وليس عليه) أي: على المستأجر مع وجود هذا الشرط (تسوية حفر) حصلت بالقلع، (ولا إصلاح أرض إلا بشرط) أي: إلا إذا شرط (^١) عليه ذلك.
(ولا على رب الأرض) إذا اشترط القلع عند انقضاء المدة (غرامة نقص) حصل بالقلع؛ لأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع.
_________________
(١) في أ: اشترط.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
فإن قيل: هلا ملك رب الأرض قلع غراس المستأجر أو بنائه وإن لم يشرط عليه القلع عند انتهاء المدة من غير ضمان النقص؛ لأن تقدير المدة في الإجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها؛ كما لو استأجرها للزرع؟.
فالجواب: أن قول النبي ﷺ: " ليس لعرق ظالم حق " (^١)، مفهومه: أن
ما ليس بظالم له حق، وهذا ليس بظالم.
ولأن رب الأرض أذن له في اشتغالها بما ينقص بتفريغ الأرض. فلا يجبر على ذلك من غير ضمان نقصه؛ كما لو استعار أرضا للغرس مدة فرجع المعير قبل انقضائها. ويخالف الزرع فإنه لا يقتضي التأبيد.
فإن قيل: فإن كان إطلاق العقد يقتضي التأبيد فشرط القلع ينافي مقتضى العقد فينبغي أن يفسده.
فالجواب: أنه إنما اقتضى التأبيد من حيث: إن العادة في الغراس والبناء التبقية. فإذا أطلقه حمل على العادة، وإذا شرط خلافه جاز " كما إذا باع بغير نقد البلد أو شرط في الإجارة شرطا يخالف العادة.
وإن باع المستأجر غراسه أو بناءه لمالك الأرض أو غيره قبل قلعه: جاز؛ كشقص مشفوع. فإن للشفيع تملكه وشراءه. ويجوز بيعه لغيره.
والإجارة الفاسدة فيما تقدم كالصحيحة.
وكون الغارس أو البانى فيها لا يجبر على القلع إلا مع ضمان النقص؛ لاستناده
إلى الإذن. ذكره القاضي وابن عقيل، واقتصر عليه ابن رجب في " قواعده ".
ولو كان المستأجر شريكا للمؤجر في الأرض شركة شائعة وبنى أو غرس ثم انقضت المدة فقال ابن نصر الله: للمؤجر أخذ حصة نصيبه من الأرض من البناء أو الغراس بقيمته، وليس له إلزامه بالقلع " لاستلزامه قلع ما لا يجوز قلعه؛
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٧٣) ٣: ١٧٨ كتاب الخراج، باب في إحياء الموات. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٧٨) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
لعدم تمييز ما يخص نصيبه من الأرض من ذلك. والضرر لا يزال بالضرر. وبذلك أفتيت غير مرة وهو متجه، ولم أجد به نقلا. انتهى.
(وإن بقي) بعد انقضاء مدة الإجارة (زرع) في ارض استؤجرت له (بلا تفريط مستأجر)؛ مثل: إن زرع ما ينتهي في مدة الإجارة عادة فأبطأ لبرد أو نحوه: (لزم) المؤجر (تركه) إلى أن ينتهي (بأجرته) أي: أجرة مثله لما زاد على مدة الإجارة؛ كما لو أعاره أرضا فزرعها ثم رجع قبل كمال زرع المستعير. (و) إن كان بقاوه (بتفريطه) أي: المستأجر؛ مثل: أن يزرع زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء مدة الإجارة: (فلمالك) الأرض (ذلك) أي: تركه إلى كماله بأجرة المثل لما زاد على المدة، (وأخذه) أي: أخذ مالك الأرض الزرع (بقيمته)؛ لأنه أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه. فملك رب الأرض أخذه بقيمته؛ كزرع الغاصب.
ومحل ذلك: (ما لم يختر مستأجر قلعه) أي: قلع زرعه (وتفريغها) أي: الأرض (في الحال). فإن مالك الأرض إذا لا يملك أخذه بقيمته؛ لزوال الضرر وتسلمه أرضه على الوجه الذي اقتضاه العقد.
وقد ذكر القاضي وابن عقيل: أن على المستأجر مع تفريطه نقل زرعه.
قال المجد: وهذا لا يجيء على أصلنا إنما يجيء على أصل من قال بقلع (^١) زرع الغاصب. انتهى.
ومتى أراد المستأجر زرع شيء لا يدرك مثله في مدة الإجارة فلمالك منعه؛
لأنه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق فملك منعه منه.
فإن زرع لم يملك مطالبته بقلعه قبل المدة؛ لأنه في أرض يملك نفعها.
ولأنه لا يملك ذلك بعد المدة فقبلها أولى.
ومن أوجب عليه قلعه بعد المدة قال: إذا لم يكن بد من المطالبة بالنقل فليكن عند المدة التي يستحق تسليمها إلى المؤجر فارغة.
_________________
(١) في أ: يقلع.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
وإن زرع مؤجر في أرض أجرها قبل انقضاء مدة الإجارة زرعا يضر بالمستأجر
أو غرس أو بنى فذكر القاضي في " خلافه ": أن الجميع يقلع، قال: وإنما قليع الزرع هنا؛ لأن مالك الأرض هو الزارع والمتعلق حقه بها لا يمكنه تملكه؛ لعدم ملكه. فتعين القلع.
قال ابن رجب: وفيه نظر؛ لأن المستأجر ولا سيما إن كان استأجر للزرع
فيجوز أن يقال له: تملك الزرع بنفقته. إذ هو مالك المنفعة؛ كما قد يقال مثله
في الزرع في أرض الوقف أن له أي: الموقوف عليه تملكه بالنفقة لملكه منفعة الأرض. ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في تملك الموقوف عليه للشفعة فشركة الوقف على طريقة من علل (^١) ثبوت الشفعة بكونه مالكا، وانتفاوها بقصور ملكه فكذلك هنا، وكذا القول في تملكه للغراس والبناء. وعلى هذا يتخرج ما لو غصبت الأرض الموصى بمنافعها أو المستأجرة وزرع فيها فهل
يتملك الزرع مالك الرقبة أو مالك المنفعة؛. انتهى.
(وأكتراء مدة) أرضا (لزرع لا يكمل فيها) أي: في المدة مثل: أن
يكتريها خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في عشرة، (إن شرط) على المستأجر (قلعه) أي: الزرع (بعدها) أي: إذا انقضت المدة: (صح) العقد؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض في ذلك لأخذه قصيلا أو غيره. ويلزمه ما التزم.
(وإلا) أي: وإن لم يشترط ذلك بأن أطلق العقد أو شرط تبقيته حتى
يكمل: (فلا) يصح (^٢) العقد.
أما مع الإطلاق؛ فلأنه اكتراها لزرع شيء لا ينتفع بزرعه في مدة الإجارة.
أشبه إجارة الأرض السبخة للزرع.
وأما مع شرط التبقية؛ فلأنه جمع بين متضادين. فإن تقدير المدة يقتضي
_________________
(١) في ج: يملك.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٠٨ ]
التفريغ بعدها، وشرط التبقية يخالفه.
ولأن مدة التبقية مجهولة.
وقيل: يصح مع الإطلاق؛ لأن الانتفاع بالزرع في هذه المدة ممكن.
ومتى زرع على القول بفساد العقد لم يطالب بالقلع.
(ومتى انقضت) مدة الإجارة الصحيحة: (رفع) المستأجر (يده) عن العين المستأجرة. يعني: أن الذي على المستأجر لعين (^١) إذا انقضت مدة إجارته أن يرفع يده عنها، (ولم يلزمه رد ولا مؤنته) في الأصح (كمودع). أومأ إليه أحمد. قيل له في رواية ابن منصور: إذا اكترى دابة أو استعار أو استودع فليس عليه
أن يحمله؛ فقال أحمد: من استعار شيئا فعليه رده من حيث أخذه. فأوجب الرد في العاريه ولم يوجبه في الإجارة والوديعة.
ووجهه: أنه عقد لا يقتضي الضمان. فلا يقتضي رده ومؤنته؛ كالوديعة، وفارق العارية فإن ضمانها يجب. فكذلك ردها.
وعلى هذا: إذا انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعه إن تلفت من
غير تفريط ولو بعد إمكان ردها: فلا ضمان عليه؛ لأنه لو وجب ضمانها لوجب ردها.
وإن قال المستأجر: رددتها، وقال المالك: لم تردها: فالقول قول المالك؛ لأن المستأجر قبض العين لمصلحة نفسه. فلم يقبل قوله في الرفى؛ كالعامل في المضاربة. ولا أثر لمشاركة المالك له في المصلحة.
وعلى كل حال متى طلبها ربها وجب تسليمها إليه. فإن امتنيع من ردها لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة. ونماوها كالأصل؛ كما لو استأجر دابة فولدت عنده فإن ولدها يكون عنده أمانة كأمه. وليس له الانتفاع به؛ لأنه غير داخل في العقد.
_________________
(١) في أوب: لمعين.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
قال ابن رجب في " قواعده ": وهل له إمساكه بغير استئذان مالكه تبعا لأصله جعلا للإذن في إمساك أصله إذنا في إمساك نمائه أم لا؛ كمن أطارت الريح إلى داره ثوب غيره. خرجه القاضي وابن عقيل على وجهين.
وإن شرط على المستأجر ضمان العين المؤجرة إن تلفت في يده بلا تفريط فالشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى العقد. وفي " التبصرة ": يلزمه رده بالشرط. (ولمشترط) على مستأجر (عدم سفربـ) عين (مؤجرة: الفسخ به) أي: بسفره بها؛ لمخالفته الشرط. وعلم من ذلك: صحة هذا الشرط.
قال القاضي فيمن استأجر عبدا للخدمة: أن له المسافرة به في العقد المطلق، قال: فإن شرط ترك المسافرة به لزم الشرط.
قال المجد: هكذا ذكره في " تعليقه " في ضمن مسألة: ما إذا شرط لزوجته
أن لا يتزوج أو لا يسافر بها، ولم يذكر فيه خلافا بل جعله أصلا لقياس يمثل به على الخصوم، ولقد عجبت من ذلك. انتهى.
وقال المجد أيضًا: وليس للسيد أن يسافر برقيقه إذا أجره. ذكره القاضي على آخر الجزء الخامس والأربعين من " تعليقه " بخطه. ولا أعلم فيه خلافا.
(ومن وجبت عليه دراهم بعقد)، كثمن في بيع وأجرة في إجارة، (فأعطى) البائع أو المؤجر (عنها دنانير) أو غيرها " كما لو عوضه عن الدارهم ثيابا أو حيوانا أو عقارا باتفاقهما، (ثم انفسخ) العقد بإقالة أو غيرها: (رجع) المشتري أو المستأجر (بالدراهم)، لأن العقد إذا انفسخ رجع كل من المتعاقدين في عوض العقد. وعوض العقد هو الدراهم. والبائع أو المؤجر إنما أخذ الدنانير بعقد آخر ولم ينفسخ. أشبه ما إذا قبض الدراهم ثم صرفها بدنانير أو اشترى بها غيرها.
[ ٦ / ٢١٠ ]
] باب: المسابقة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام المسابقة والمناضلة.
(المسابقة): مفاعلة من السبق. وهي: (المجاراة بين حيوان، ونحوه)، كسفن.
(والمناضلة): مفاعلة من النضل، يقال: ناضله مناضلة ونضالا ونيفما لا. وهي: (المسابقة بالرمي).
والسبق بلوغ الغاية قبل غيره. والسباق فعال منه، والسبَق بفتح الباء، والشبقة: الخطر يوضع بين أهل السباق. وجمعه أسباق.
(وتجوز) المسابقة (في سفن ومَزاريق وطيور وغيرها)، كالرماح والأحجار، (وعلى الأقدام، وكل الحيوانات)، كالخيل والإبل والبغال والحمير والبقر والفيلة.
أما جواز المسابقة، فقد أجمع المسلمون عليه في الجملة، وسنده قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)] الأنفال: ٦٠].
وما صح من حديب ابن عمر " أن النبي ﷺ سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق " (^١) .
وقال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.
وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٧١٥) ١٠٥٣: ٣ كتاب الجهاد والسير، باب غاية السبق للخيل المضمرة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٧٠) ٣: ١٤٩٢ كتاب الإمارة، باب المسابقة بين الخيل وتضميرها.
[ ٦ / ٢١١ ]
وما روى] مسلم " أن [(^١) سلمة بن الأكوع (^٢) سابق رجلا من الأنصار بين يدي رسول الله ﷺ " (^٣) .
وما روت عائشة ﵂ قالت: " سابقني النبي ﷺ فسبقته. فلما أخذني اللحم سابقته فسبقني. فقال: هذه بتلك " (^٤) . رواه أحمد وأبو داود.
والخيل المضمرة: هي المعلوفة القوت بعد السمن. قاله في " القاموس ". وقيل: لا تصح المسابقه بالطيور.
وقيل: لا تصح إلا بالحمام (^٥) .
قال في " الفروع ": وفي كراهة اللعب غير معين على عدو وجهان.
وفي " الوسيلة ": يكره الرقص واللعب كله ومجالس الشعر.
وذكر ابن عقيل وغيره: يكره لعبه بأرجوحة ونحوها.
وقال أيضا: لا يمكن القول بكراهة اللعب.
وفي " النصيحة " للآجري: من وتب وثبة مرحا ولعبا بلا نفع فانقلب فذهب عقله عصى وقضى الصلاة.
وذكر شيخنا: يجوز ما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة، وظاهر كلامه لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والنقيلة. وقال: كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرًا حرمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحه؛ لأنه يكون سببا للشر والفساد، وقال: ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه؛ كبيع وتجارة وغيرهما.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: الأقرع.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٨٠٧) ٣: ١٤٤٠ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغير ها.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٧٨) ٣: ٢٩ أول كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤١٦٤) ٦: ٣٩
(٥) في أ: وقيل: تصح بالحمام.
[ ٦ / ٢١٢ ]
ويستحب بآلة حرب.
قال جماعة: والثقاف.
نقل أبو داود: لا يعجبني أن يتعلم بسيف حديد بل بسيف خشب؛ لقوله
﵊ (^١): " لا يشر احدكم بحديد " (^٢) .
وإذا أراد به غيظ العدو لا التطرف فلا بأس.
وليس من اللهو تأديب فرسه وملاعبة أهله ورميه " لأنه ﵇ قال:
" كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل " (^٣) . ثم استثنى هذه الثلاثة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث عقبة.
والمراد: ما فيه مصلحة شرعية.
ومنه ما في " الصحيحين " من " لعب الحبشة بدرقهم وحرابهم وتوثبهم بذلك
على هيئة الرقص في يوم عيد في مسجد النبي ﷺ، وستر النبي ﷺ عائشة وهي تنظر إليهم، ودخل عمر فأهوى إلى الحصباء يحصبهم. فقال النبي ﷺ: دعهم ياعمر" (^٤) .
وقد يكون من هذا ما روي عن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه " أنه
لما قدم ونظر إلى النبي ﷺ في فتح خيبر حَجَل يعني: مشى على رجل واحده-
_________________
(١) في أوب: ﵇.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٦٦١) ٦: ٢٥٩٢ كتاب الفتن، باب قول النبى ﷺ: " من حمل علينا السلاح فليس منا ". ولفظه: " لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح ".
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥١٣) ٣: ١٣ أول كتاب الجهاد، باب في الرمي. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٣٧) ٤: ١٧٤ كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٥٧٨) ٦: ٢٢٢ كتاب الخيل، تأديب الرجل فرسه. وأخرجه أين ماجه في " سننه " (٢٨١١) ٢: ٩٤٠ كتاب الجهاد، باب الرمي في سبيل الله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٣٧٥) ٤: ١٤٨
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣٣٧) ١٢٩٨: ٣ كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي ﷺ: يا بني أرفدة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٩٣) ٦١٠: ٢ كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه فى أيام العيد.
[ ٦ / ٢١٣ ]
إعظامًا لرسول الله ﷺ " (^١) .
وقد يدل على أنه لا يحرم الرقص، ولا ينفي الكراهة. مع أنه لا يصح.
قال البيهقي: وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر، وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف.
وقال بعض اصحابنا في كتابه " الهدي ": لو صح لم يكن حجة لمن جعله أصلا له في الرقص. فإن هذا كان من عادة الحبشة تعظيما لكبرائها؛ كضرب الجوك عند الترك. فجرى جعفر على تلك الحالة، وفعلها مرة ثم تركها بسنة الإسلام.
قال الخطابي في حديث عقبة المذكور: في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة. وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من جملة ما حرم منها؛ لأن كل واحد منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه. ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح (^٢) والشد على الأقدام ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان فيقوي بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو. فأما سائر ما يتلهى به الباطلون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق. فمحظور كله. "وكانت عائشة وجوار معها يلعبن بالبنات. وهي اللعب والنبي ﷺ يراهن " (^٣) . رواه أحمد والبخاري ومسلم (^٤) .
_________________
(١) عن علي ﵁ قال: " أتينا رسول الله ﷺ أنا وجعفر وزيد فقال لزيد: أنت أخونا ومولانا فحجل، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي. فحجل وراء حجل زيد. ثم قال لي: أنت مني وأنا منك. فحجلت وراء حجل جعفر ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٢٢٦ كتاب الشهادات، باب من رخص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسر وتخنث.
(٢) في أوب: بالسلام.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧٧٩) ٥: ٢٢٧٠ كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٤٤٠) ٤: ١٨٩٠ كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٣٤٣) ٦: ٥٧
(٤) في أ: ومسلم والبخاري.
[ ٦ / ٢١٤ ]
" وكانت لها أرجوحة قبل أن تتزوج " (^١) . رواه ابو داود وغيره، وإسناده جيد، وأظنه في " الصحيح ".
فيرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار. قاله شيخنا في خبر ابن عمر
في زمارة الراعي.
ويتوجه: وكذا في العيد ونحوه، " لأن أبا بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان ويغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث. فانتهرهما أبو بكر، وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ؟ فقال النبي ﷺ: دعهما فإنها أيام عيد " (^٢) .
وروى أحمد حدثنا مكي بن إبراهيم أنبانا إسماعيل عن يزيد بن حصيفة عن السائب بن يزيد " ان امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال لعائشة: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم. فأعطاها طبقا فغنتها. فقال: قد نفخ الشيطان في منخريها" (^٣) . إسناد صحيح. فيحمل على غناء مباح. انتهى كلامه في " الفروع ".
و(لا) تجوز المسابقة (بعوض) اي: على مال يجعل لمن سبق،
(إلا في) مسابقة (خيل وإبل وسهام)، والسهام: النشاب والنبل، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " (^٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٦٨١) كتاب المناقب. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٣٧) ٤: ٢٨٥ كتاب الأدب، باب في الأرجوحة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٧٦) ١: ٦٠٣ كتاب النكاح، باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣٣٧) ١٢٩٧: ٣ كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي ﷺ: يا بنى أرْفِدة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٩٢) ٢: ٦٠٨ كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصة فيه في أيام العيد. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٥٩٣) ٣: ١٩٥ كتاب صلاة العيدين، ضرب الدف يوم العيد. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٢٤٩٩٦) ٦: ١٢٧
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٥٧٥٣) ٣: ٤٤٩
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٧٤) ٣: ٢٩ أول كتاب الجهاد، باب في السبق. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧٠٠) ٤: ٢٠٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرهان والسبق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٥٨٩) ٦: ٢٢٧ كتاب الخيل، باب السبق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٧٨) ٩٦٠: ٢ كتاب الجهاد، باب السبق والرهان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٠١٤٢) ٢: ٤٧٤
[ ٦ / ٢١٥ ]
رواه الخمسة. ولم يذكر ابن ماجه: " أو نصل "، وإسناده حسن.
واختصت هذه الثلاثة بجواز جعل العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب
المًا مور بتعليمها وأحكامها.
وذكر ابن البنا وجهًا: وطير معدة لأخبار الأعداء.
وقد " صارع النبي ﷺ ركانة على شاة فصرعه فأخذها ثم عاد مرارًا فأسلم.
فرد النبي ﷺ غنمه " (^١) . رواه أبو داود في " مراسيله " عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير. قال البيهقي: مرسل جيد، وإنه متصل ضعيف.
قال في " الفروع ": وهذا وغيره مع الكفار من جنس الجهاد. فهو (^٢) في معنى الثلاثة وجنسها جهاد. وهي مذمومة إذا أريد بها الفخر والظلم. والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة إذا قصد به نصر الإسلام. وأخذ السبق عليه أخذ بالحق. فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذاكانت مما ينفع في الدين، كما في مراهنة أبي بكر. اختار ذلك شيخنا، وقال: إنه أحد الوجهين، معتمدا على ما ذكره ابن البنا، وظاهره جواز الرهان في العلم، وفاقا للحنفية؛ لقيام الدين بالجهاد والعلم. ونقل حنبل السبق في ريش (^٣) الحمام: ما سمعنا، وكرهه. وفي " الروضة ": يختص جواز السبق ثلاثة أنواع: الحافر. فيعم كل ذي حافر، والخف. فيعم كل خف، والنصل. فيختص النشاب والنبل. ولا يصح السبق والرمي في غير هذه الثلاثة مع الجعل وعدمه، كذا قال، ولتعميمه وجه ويتوجه عليه تعميم النصل. وذكر ابن عبدالبر تحريم الرهن في غير الثلاثة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " المراسيل " ص: ١٧٤ كتاب الجهاد، باب في فضل الجهاد.
(٢) في أ: فهى.
(٣) في أوب: الريش.
[ ٦ / ٢١٦ ]
إجماعا. انتهى كلامه في " الفروع ".
إذا تقرر هذا فإنما تصح المسابقة إذا كان فيها جعل (بشروط خمسة:
أحدها: تعيين المركوبين) في المسابقة (والرماة) في المناضلة (برؤية) فيهما. سواء (كانا اثنين أو جماعتين)، لأن القصد في المسابقة معرفة ذات المركوبين اللذين يسابق (^١) عليهما وسرعة عدوهما، وفي المناضلة معرفة حذق الرماة. ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالروية، لأن المقصود معرفة حذق رام بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة. فلو عقد اثنان مناضلة مع كل منهما نفر غير متعينين لم يجز لذلك، وإن عقدوا قبل التعيين على أن ينقسموا بعد العقد بالتراضي جاز، وإن اتفقوا على أن ينقسموا بقرعة لم يجز.
وعلم مما تقدم صحة عقد المسابقة والمناضلة على أكثر من اثنين؛ " لأن
النبي ﷺ مرّ على أصحاب له ينتضلون فقال: ارموا وأنا مع ابن الأدرع. فأمسك الباقون (^٢) وقالوا: كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع فقال: ارموا وأنا معكم كلكم " (^٣) . رواه البخاري.
ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونا جماعتين، لأن المقصود معرفة
الحذق وهو يحصل في أكثر من اثنين.
وإن بان بعض الحزب كثير (^٤) الإصابة أو عكسه فادعى أحدهما ظن خلافه لم يقبل.
و(لا) يشترط تعيين (الراكبين ولا القوسين)، لأن الغرض معرفة عدو الفرس وحذق الرامي دون الراكب والقوس، لأنهما آلة للمقصود. فلم يشترط تعيينهما (^٥)؛ كالسرج. فكل ما تعين لا يجوز إبداله؛ كالمتعين في البيع، وما
_________________
(١) في أ: لسابق.
(٢) في أ: الآخرون.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٧٤٣) ١٠٦٢: ٣ كتاب الجهاد والسير، باب التحريض على الرمي.
(٤) في أ: أكثر
(٥) في أ: تعينها، وفى ب: تعيينها.
[ ٦ / ٢١٧ ]
لا يتعين يجوز إبداله مطلقًا.
فعلى هذا إن شرطا أن لا يرمي بغير هذا القوس، أو بغير هذا السهم، أو لا
يركب غير فلان فهو فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى العقد.
وفي " الرعاية ": إن عقدا على قوس معينة فانتقل إلى نوعه جاز. وإن شرط
عليه أن لا ينتقل (^١) فوجهان.
الشرط (الثانى: اتحاد المركوبين) في المسابقة (أو القوسين) في المناضلة (بالنوع)؛ لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة. أشبها الجنسين.
(فلا تصح) المسابقة (بين) فرس (عربي و) فرس (هجين) وهو: من
أبوه فقط عربي. (ولا) المناضلة بأن يرمي أحدهما عن (قوس عربية و) الآخر (^٢) عن قوس (فارسية)، والعربية: قوس النبل، والفارسية: قوس النشاب. قاله الأزهري.
وعند القاضي: تجوز المسابقة بين العربي والهجين، والمناضلة بين القوس
العربية والفارسية.
قال في " الإنصاف ": إذا عقد النضال ولم يذكر أقواسا صح في ظاهر كلام القاضي ويستويان في العربية أو غيرها. وقال غيره: لا يصح حتى يذكر أنواع
والقوس التي يرميان بها في الابتداء. واشترط في " الترغيب ": أن يتساوى المركوبان في النجابة، وأن يتكافأ الراميان في الرمي.
الشرط (الثالث: تحديد المسافة والغاية، و) تحديد (مدى رمي بما جرت
به العادة).
أما كونه يشترط في المسابقة تحديد المسافة والغاية بأن يكون لابتداء العدو
وأخره غاية لا يختلف فيها من يسابق؛ لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل
_________________
(١) في أوب: ينقل.
(٢) في أوب: للآخر.
[ ٦ / ٢١٨ ]
إلا بالتساوي في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وبالعكس فيحتاج إلى غايه تجمع حالتيه. ومن الخيل ما هو أصبر، والقارح أصبر من غيره. وهو من ذوي الحافر بمنزلة البازل من الإبل.
وروى ابن عمر " أن النبي ﷺ سبق بين الخيل، وفضل القرح في
الغاية " (^١) . رواه ابو داود.
فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه.
وأما كونه يشترط في المناضلة تحديد مدى الرمي وذلك إما بالمشاهدة أو بالذرع، فلأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد.
وأما تقييد ذلك بمدى (^٢) جرت به عادة الرماة؛ فلأن المدى الذي تتعذر الإصابة فيه غالبا وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع، يفوت به الغرض المقصود بالرمي. وقد قيل: أنه ما رمى في أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني.
الشرط (الرابع) من شروط المسابقة أو المناضلة على عوض: (علم عوض)؛ لأنه مال في عقد. فوجب العلم به؛ كسائر العقود. ويحصل علمه بالمشاهدة وبالوصف المميز له.
ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا، وأن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا " لأن
ما جاز أن يكون] حالا ومؤجلا جاز أن يكون [(^٣) بعضه حالا وبعضه مؤجلا؛ كالبيع.
(وإباحته) أي: العوض؛ لأنه عوض في عقد. فاشترطت إباحته؛ كبقية العقود.
(وهو) أي: العوض المذكور (تمليك) للسابق (بشرط سبقه). فلهذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٧٧) ٣: ٢٩ أول كتاب الجهاد، باب في السبق.
(٢) في ج: بمبدى.
(٣) ساقط من أوب.
[ ٦ / ٢١٩ ]
قال في " الانتصار " في شركة العنان: القياس لا يصح.
الشرط (الخامس: الخروج) بالعوض (عن شبه قِمار) بكسر القاف، يقال: قامره مقامرة وقمارا فقمره أي: راهنه فغلبه: (بأن لا يخرج) العوض (جميعهم)؛ لأنه إذا أخرجه كل واحد منهم لا يخلو من أن يغنم أو يغرم فيكون شبها بالقمار.
(فإن كان) الجعل (من الإمام). ويجوز كونه من ماله وكونه من بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعليم الجهاد ونفعا للمسلمين.
(أو) كان الجعل (من غيره) أي: من مال غير الإمام. ويجوز كونه من
مال غير الإمام والمتسابقين؛ لأن فيه مصلحة وقربة؛ كما لو اشترى به خيلًا أو سلاحًا.
(أو) كان الجعل (من أحدهما) أو أحدهم أو من اثنين أو ثلاثة منهم أو من أكثر وثم من لم يخرج شيئا (على أن من سبق أخذه: جاز)؛ لأنه إذا جاز بذله من غيرهم. فلأن يجوز من مال بعضهم بطريق الأولى.
(فإن جاءا) أي: المتسابقان عند منتهى الغاية (معا) بأن لم يسبق أحدهما الآخر (فلاشيء لهما) من الجعل؛ لأنه لا سابق فيهما.
(وإن سبق مخرج) للعوض من المتسابقين: (احرزه) أي: أصرز
ما أخرجه (ولم يأخذ من صاحبه شيئا)؛ لأنه (^١) إن أخذ منه شيئا كان قمارا. (وإن سبق الآخر) وكان المسبوق هو المخرج: (أحرز سبق صاحبه) فملكه وكان كسائر ماله؟ لأنه عوض في (^٢) الجعالة. فملك فيها؛ كالعوض المجعول في رد الضالة. فإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسليمه إن كان موسرا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء.
(وإن أخرجا معا) بأن أخرج كل من المتسابقين شيئا: (لم يجز). سواء
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: من.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
كان الإخراج منهما على التساوي أو التفاضل. وكان قمارا؛ لأن كلا منهما لايخلو إما أن يغنم أو يغرم. (إلا بمحلل لا يخرج شيئا. ولا يجوز) كون المحلل (أكثر من واحد) على الصحيح من المذهب،، وعليه جماهير الأصحاب، وقطيع به كثير منهم.
قال الآمدي: لا يجوز أكثر من واحد لدفع الحاجة به.
وقال في " الرعاية ": وقيل يجوز أكثر من واحد.
ويشترط في المحلل: أن يكون (يكافئ مركوبه مركوبيهما) في المسابقة (أو رميه رميهما) في المتاضلة؛ لما روى أبو هريره أن النبي ﷺ قال: " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار " (^١) . رواه أبو داود.
فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يؤمن أن يسبق لم يكن قمارا؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك.
ولأنه إذا لم يكن مكافئا كان وجوده كعدمه.
(فإن سبقاه) أي: سبق المخرجان المحلل ولم يسبق أحدهما الآخر: (أحرزا سبقهما) أي: أحرز كل واحد منهما ما أخرجه؛ لأنه لا سابق فيهم. ولا شيء للمحلل؛ لأنه لم يسبق واحدا منهما، (ولم يأخذا منه شيئا)؛
لأنه لم يشرط (^٢) عليه لمن سبقه شيئا.
(وإن سبق هو) أي: المحلل المخرجين، (أو) سبق (أحدهما) أي:
أحد المخرجين صاحبه والمحلل: (أحرز السبقين)؛ لأنهما قد جعلا لمن سبق.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٧٩) ٣٠: ٣ أول كتاب الجهاد، باب في المحلل. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٧٦) ٢: ٩٦٠ كتاب الجهاد، باب السبق والرهان.
(٢) في ب: يشترط.
[ ٦ / ٢٢١ ]
(وإن سبقا) أي: المحلل واحد المخرجين (معا: فسبق مسبوق) أي:
فما أخرجه المسبوق (بينهما) نصفين؛ لأنهما قد اشتركا في السبق. فوجب أن يشتركا في عوضه. وأما ما أخرجه السابق مع المحلل فقد أحرزه بسبقه.
قال في " الفروع ": واختار شيخنا لا محلل، وأنه أولى بالعدل من كون
السبق من أحدهما وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما. وهو بيان عجز الآخر،
وأن الميسر والقمار منه ما لم يحرم لمجرد (^١) المخاطرة، بل لأنه أكل للمال بالباطل أو للمخاطرة المتضمنة له، وضعف جماعة خبر أبي هريرة في المحلل؛
لأنه من رواية سفيان بن حسين وسعيد بن بشير عن الزهري، وهما ضعيفان فيه، ورواه أئمه أصحابه عنه عن ابن المسيب، من (^٢) قوله.
وقال أيضا: إن سمح أحدهما للآخر بالإعطاء فلا إثم، قال: ولو جعله
الأجنبي لأحدهما إن غلب دون الآخر لم تجز، لأنه ظلم. انتهى.
(وإن قال غيرهما) اي: قال للمتسابقين مخرج غيرهما: (من سبق)
منكما (أو صلى فله عشرة: لم يصح مع اثنين)؛ لأنه لا فائدة إذا في طلب السبق فلا يحرص (^٣)، لأنه سوى بينهما.
(وإن زاد) على اثنين، (أو قال) المخرج: من سبق فله عشرة، (ومن
صلى فله خمسة.
وكذا على الترتيب للأقرب لسابق)؛ كما لو قال: ومن تلى فله أربعة:
(صح)؛ لأن كلا منهم إذًا يجتهد أن يكون سابقا ليحرز الأكثر.
(وخيل الحَلبة) بفتح الحاء المهملة وسكون (^٤) اللام (مرتبة) وهي: خيل
تجمع للسباق من كل أوب. لا تخرج من اصطبل واحد؛ كما يقال للقوم إذا
_________________
(١) في أ: المجرد.
(٢) في أ: في.
(٣) في أ: يحرض.
(٤) في أوب: وتسكين.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
جاؤا من كل أوب للنصرة: قد أحلبوا. قاله في " الصحاح ".
وفي " القاموس ": الدفعة من الخيل في الرهان وجمعها حلائب.
اولها: (مُجَل) بالجيم. وهو: السابق لجميع خيل الحلبة.
(فمُصَل). وسمي بذلك لأن رأسه تكون عند صلي المجلي، والصلوان
هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب.
وفي الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " سبق أبو بكر وصلى عمر وخطتنا فتنة ".
وقال الشاعر:
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق فينا والمصلينا (فتال)، الثالث الذي يجئ بعد المصلي.
(فبارع)، الرابع.
(فمرتاح)، الخامس.
(فخطي)، السادس.
(فعاطف)، السابع.
(فمؤمِّل) على وزن معظم، الثامن.
(فلَطِيم)، التاسع.
(فسُكيت) على وزن كميت، وقد تشدد ياؤه، العاشر.
آخر خيل الحلبة (ففِسْكل)؟ كقنفذ وزبرج وزنبور وبرذون الذي يجيء آخر الخيل، ويسمى القاشور والقاشر.
وهذا الترتيب هو المقدم في " التنقيح " وتبعته عليه، ثم قال: وفي
" الكافي " وتبعه في " المطلع " مجل فمصل فمسل فتال فمرتاج إلى آخره انتهى.
[ ٦ / ٢٢٣ ]
وقال المجد في " شرح الهداية ": فصل في أسماء السوابق، قال أبو الغيث:
أولها المجلي وهو السابق، ثم المصلي، ثم المسلي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم المؤمل، ثم الحظي، ثم اللطيم، تم السكيت. وهو الفسكل والقاشور. ذكر ذلك الجوهري في باب فسكل. وذكر في باب سكت فقال: السكيت مثل الكميت، آخر ما يجيء من الخيل في الحلبة من العشرة (^١) المعدودات. وقد يشدد. فيقال: السكيت وهو القاشور والفسكل أيضا وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وقال في باب لطم: اللطيم التاسع من سوابق الخيل.
وقال أبو عبدالله في أوائل حديث علي في " الغرائب ": ولم أسمع من سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيء منها إلا الثانى والعاشر. فإن الثانى اسمه المصلي والعاشر السكيت، وما سوى ذلك فإنما يقال الثالث والرابع كذلك إلى التاسع.
قال الجوهري: الفسكل بالكسر الذي يجيء به في الحلبة، آخر الخيل،
ومنه قيل: رجل فسكل، إذا كان رذلا. انتهى كلام المجد.
(ويصح عقد لا شرط) فيلغو (في) ما إذا قال أحد المتسابقين لصاحبه:
(إن سبقتني فلك كذا، ولا ارمي أبدا أو) أرمي (شهرا) ونحو ذلك.
(أو) شرطا (أن السابق يطعم السبق) المجعول سبق (أصحابه أو بعضهم
أو غيرهم).
أما كون العقد يصح مع هذه الشروط الفاسدة؛ فلأنه قد تم بأركانه وشروطه المعتبرة. فإذا حذف (^٢) الزائد الفاسد بقي العقد على صحته.
وأما كون الشرط يلغو فيما إذا قال: ولا أرمي أبدا او وشهرا أو نحو ذلك؛
فلأنه منع لنفسه من شيء مطلوب منه شرعا. أشبه ما لو قال: ولا أجاهد أبدا أو مدة كذا.
_________________
(١) في أوب: العشر.
(٢) في أ: صدق.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
وأما كونه يلغو فيما إذا شرط (^١) إطعام السبق لغيره؛ فلأنه عوض على
عمل. فلا يستحقه غير العامل؛ كالعوض في رد الآبق.
وقال في " الفروع ": وعند شيخنا يصح شرطه للأستاذ، وشراء قوس،
وكراء الحانوت، وإطعام الجماعة؛ لأنه مما يعين على الرمي. انتهى.
وذكر القاضي أن الشروط الفاسده في المسابقة تنقسم قسمين:
أحدهما: ما يخل بشرط صحة العقد؟ نحو: أن يعود إلى جهالة العوض أو
المسافة ونحوهما فيفسد العقد؛ لأن العقد لا يصح مع فوات شرطه.
والثاني: ما لا يخل بشرط صحة العقد ومثل بما في المتن، وبما إذا شرطا
أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل، وأشباه هذا. قال: فهذه شروط باطلة في نفسها، وفي العقد المقترن بها وجهان:
أحدهما: صحته.
والثا نى: يبطل.
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٦ / ٢٢٥ ]
] فصل: في المسابقة]
(فصل. والمسابقة جُعالة: لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل)؛ لأنه جعل
على ما لا يتحققق القدرة على تسليمه وهو السبق أو الإصابة. فلم يجز أخذ الرهن أو الضمين به؛ كالجعل على رد الآبق.
(ولكل) من المتعاقدين (فسخها ما لم يظهر الفضل لصاحبه: فيمتنع عليه) بأن يسبقه في (^١) بعض المسافة، أو يصيب أكثر في أثناء الرمي فإنه يمتنع على المفضول فقط الفسخ؛ لأنه لو جاز له ذلك إذا لذهب إلى الفسخ كل من ظهر له فضل صاحبه عليه. فيفوت غرض المسابقة فلا يحصل المقصود.
وقيل: له الفسخ أيضا.
(ويبطل) العقد (بموت أحدهما) قياسا على سائر العقود الجائزة، (أو) بموت (أحد المركوبين)، لأن العقد متعلق بعينه فانفسخ بتلفه، (لا) بموت (أحد الراكبين، أو تلف إحدى القوسين) ولو قيل بلزومها (^٢) . وهو وجه في المذهب " لأنه غير المعقود عليه. فلم ينفسخ العقد بتلفه، كموت أحد المتبايعين. وعلى القول باللزوم يقوم وارث الميت مقامه؛ كما لو استأجر شيئا ثم مات. فإن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته، كما لو أجر نفسه لعمل معلوم ثم مات.
(و) يحصل (سبق في خيل متماثِلتي العنق: برأس، وفي) خيل (مختلفيهما) أي: الأعناق (و) في (إبل: بكتف)؛ لأن الاعتبار با لرأس هنا متعذر. فإن طويل العنق قد تسبق رأسه لطول عنقه لا بسرعة عدوه، وفي الإبل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا بسبقه. فلذلك اعتبر
_________________
(١) في أ: من.
(٢) في ج: بلزومهما.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
بالكتف. فإن سيق رأس قصير العنق فهو سابق بالضرورة، وإن سبق رأس طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق، وإن كان بقدره لم يسبق، وإن كان أقل فالآخر سابق.
وقيل: الكل بالكتف.
وقيل: با لقدم.
وإن شرطا السبق بأقدام معلومة؛ كثلاثة أو أكثر أو أقل: لم يصح؛ لأن هذا لاينضبط.
ولا يقف الفرسان (^١) عند الغاية بحيث يعرف مسافة ما بينهما.
ويشترط في المسابقة بعوض إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحده، وأن
يكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالها، وعند الغاية من يضبط (^٢) السابق منهما؛ لئلا يختلفا في ذلك.
وقد روى الدارقطني بإسناده عن على رضي الله تعالى عنه: " أن النبي ﷺ
قال لعلي: قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس. فخرج علي فدعا سراقة بن
مالك فقال: يا سراقة! إنى قد جعلت إليك ما جعل النبي ﷺ في عنقي من هذه السبقة في عنقك. فإذا أتيت الميطان- قال أبو عبدالرحمن: الميطان مرسلها من الغاية- فصف الخيل ثم ناد: هل من مصلح للجام، أو حامل لغلام، أو طارج لحبل؟ فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم حلها عند الثالثة فليسعد الله بسبقه من شاء من خلقه. وكان علي يقعد عند منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين، ويقول لهما: إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار فاجعلوا السبقة له. فإن شككتما فاجعلواسبقهما نصفين " (^٣) .
_________________
(١) في ج: الفرس.
(٢) في أ: يضبطه.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٢) ٤: ٣٠٥ كتاب السبق بين الخيل.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
قال في " الشرح ": وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا مع كونه مرويا عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في قصة أمره بها رسول الله ﷺ وفوضها إليه. فينبغي أن تتبع ويعمل بها.
(ويحرم أن يجنب أحدهما مع فرسه) أي: بجانبه (أو وراءه فرسا). لاراكب عليه (يحرضه على انعدو، وأن يصيح به) أي: بفرسه (في وقت سباقه؛ لقوله ﷺ: " لا جلب ولا جنب) في الرهان " (^١) . رواه أبو داود من رواية عمران بن حصين.
قال في " الشرح ": ويروى عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " من أجنب (^٢) على الخيل يوم الرهان فليس منا ".
وقال القاضي: معناه أن يجنب فرسا يتحول (^٣) عليه عند الغاية؛ لكونه أقل
كلالًا (^٤) وإعياء.
قال ابن المنذر: كذا قيل ولا أحسب هذا يصح، لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها.
ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في المسافة كلها فمتى كان إنما يركبه في أخوها فما حصل المقصود. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٨١) ٣: ٣٠ أول كتاب الجهاد، باب في الجلب على الخيل في السباق.
(٢) في أ: أجلب.
(٣) في أ: فيحول.
(٤) في ج: كمالًا.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
(فصل): في المناضلة
وسمي الرمي نضالًا؛ لأن السهم التام يسمى نضلا. فالرمي به عمل بالنضل. فسمي نضالا (^١) .
(وشُرط لمناضلة) شروط أربعة:
الأول: (كونها على من يُحسن الرمي)؛ لأن الغرض معرفة الحذق به.
ومن لا يحسنه لا حذق له. فوجوده كعدمه.
(و) متى وقعت المناضلة بين حزبين كل حزب جماعة وكان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي: فإن المناضلة (تبطل فيمن لا يحسنها من أحد الحزبين، ويخرج مثله) أي: من جعل بإزائه (من) الحزب (الآخر)؛ لأن كل واحد من الزعيمين (^٢) وهما الرئيسان يختار إنسانا ويختار الآخر في مقابلته آخر. فإن كان أحدهما لا يحسن الرمي بطل العقد فيه وأخرج الذي اختير فى مقابلته؛ كالبيع إذا بطل في بعض المبيع فإنه يسقط ما يقابله من الثمن.
(ولهم) أي: لمن (^٣) بقي منهم (الفسخ: إن أحبوا) لتبعيض الصفقة في حقهم. وإن كان كلهم يحسن الرمي لكن كان فيهم من هو قليل الإصابة فقال حزبه: ظنناه كثير الإصابة أو لم نعلم حاله. أو كان في أحد الحزبين من هو كثير الإصابة فقال الحزب الآخر: ظنناه قليل الإصابة: لم يسمع ذلك منهم؛ لأن شرط دخوله في العقد أن يكون من أهل الصنعة دون الحذق؛ كما لو اشترى عبدا على أنه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا لم يؤثر.
(وإن تعاقدوا ليقتسموا بعد العقد حزبين) أي: ليعين رئيس كل حزب من
_________________
(١) في أوب: نضلًا.
(٢) في أ: الوجيهين.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
معه (برضاهم لا بقرعة: صح)؟ لأن القرعة قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الآخر فيبطل مقصود النضال.
ولأنها إنما تخرج المبهمات، والعقد لا يتم حتى يتعين كل حزب. فلم يقع على مبهم تميزه القرعة.
(ويجعل لكل حزب رئيس. فيختار أحدهما) أي: أحد الرئيسين (واحدا) من الرماة ليكون من حزبه، (ثم الآخر) من الرئيسين (آخر) من الرماة، (حتى يفرغا) فإذا فرغا تم العقد على المعينين (^١) بالاختيار إذًا.
ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد واحد؛ لأن اختيار اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة يبعد من التساوي والعدل.
(وإن تشاحّا فيمن) أي: في أي الرئيسين (يبدا) منهما (^٢) (بالخيرة) أي: بأن يختار أولا: (اقترعا)؛ لأن القرعة تميز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق كما هنا.
(ولا يجوز جعل رئيس الحزبين واحدًا)؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون تدبير كل حزب إليه. فلا يضره أي (^٣) حزب سبق. فيفوت الغرض المقصود من المناضلة.
(ولا) يجوز جعل (الخيرة في تمييزهما) أي: الحزبين (إليه) أي: إلى واحد لماتقدم.
وإن قال كل واحد (^٤) من الحزبين: لا يكون أحد (^٥) منا زعيمًا إلا بقرعة يخرج بها الزعيمين: جازت القرعة هنا عند أصحابنا؛ لقلة الغرر والخطر. قاله المجد في "شرح الهداية ".
_________________
(١) في أ: المتعينين.
(٢) في أ: منها.
(٣) في أوب: إن.
(٤) زيادة من ج.
(٥) في أ: من أحد.
[ ٦ / ٢٣٠ ]
ولا يشترط استواء عدد الرماة.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. صححه في " النظم "، وجزم به ابن عبدوس في " تذكرته ".
فعلى هذا لو كان أحد الحزبين عشرة والآخر ثمانية أو نحو ذلك صح.
وقيل: يشترط تساويهما في العدد.
الشرط (الثاني) من شروط المناضلة: (معرفة عدد الرمي)؛ لأنه لو لم يشترط لأدى إلى الاختلاف " لأنه قد يريد أحدهما القطع ويريد الآخر الزيادة. (و) عدد (الإصابة) ليتبين الحذق المقصود بالمناضلة. فيقال مثلا: الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو نحو ذلك.
ويشترط كون عدد الرمي يمكن قسمه على عدد الرماة من غير كسر. فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث، وإن كانوا أربعة وجب أن يكون له ربع، وكذلك ما زاد؛ لأنه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو أكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه.
ويشترط استواوهما في عدد الرمي والإصابة وفي صفتها وسائر أحوال الرمي. فإن جعلا رمي أحدهما عشرة والاخر أكثر أو أقل، أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ستة، أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل، أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين، أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه، أو شرطا أن يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب، أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر وبين أصابعه سهمان، أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال عن شاغل، أو أن يحط عن أحدهما واحد من خطئه لا له ولا عليه، وأشباه هذا مما تفوت به المساواة: لم يصح " لأن موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر، ومع التفاضل لا يحصل. فإنه ربما أصاب أحدهما لكثرة رميه لا بحذقه فاعتبرت المسا واة.
[ ٦ / ٢٣١ ]
الشرط (الثالث: تبيين كونه) أي: الرمي (مفاضلة). وهي أحد أضرب الرمي الثلاثة، (كأينا) اي: ومثالها أن يقولا: أينا (فضل صاحبه بخمس إصابات من عشرين رمية. فقد سبق) أو نحو ذلك.
ويلزم فيها إتمام الرمي إذا كان فيه فائدة. فإذا قالا: أينا فضل صاحبه بثلاث إصابات من عشرين رمية فهو سابق فرميا اثني عشر سهمًا فأصاب بها أحدهما واخطأها الآخر كلها: لم يلزم إتمام الرشق، لأن أكثر ما يكون أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويخطئها الأول ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقًا. وإن كان الأول إنما أصاب من الاثني عشرة عشر ألزمهما أن يرميا الثالث عشرة فإن أصابا أو أخطا او أصابها الأول وحده: فقد سبق ولا يحتاج إلى إتمام الرشق، وإن أصابها الآخر دون الأول فعليهما أن يرميا الرابع عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالث عشرة في أنه متى أصابها أو أخطأ أو أصابه الأول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها، وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها. وضابط ذلك: أنه متى بقي من عدد الرمي ما يمكن أن يسبق أحدهما به صاحبه أو يسقط به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا.
(أو) تبيين كون الرمي (مبادرة) وهي الضرب الثانى من أضرب الرمي الثلاثة، (كأينا) أي: ومثالها أن يقولا: أينا (سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية. فقد سبق) أو نحو ذلك. فأيهما سبق إلى عدد إصابة عيناه مع تساويهما في الرمي: فهو السابق. فإذا رميا في مثال المتن عشرة عشرة فأصاب أحدهما خمسا ولم يصب (^١) الآخر خمسا فالمصيب خمسا هو السابق. سواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئًا.
(ولا يلزم إن سبق إليها واحد، إتمام الرمي) اي: إتمام العشرين، لأن السبق قدحصل بسبقه إلى ما شرطا السبق إليه.
وإن اصاب كل واحد منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان
_________________
(١) في أ: يصيب.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
الرشق؛ لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها.
(أو) تبيين كون الرمي (محاطّة) وهي (^١) الضرب الثالث؛ وذلك (بأن) يشترطا أن (يحط من تساويا فيه: من إصابة من رمي معلوم، مع تساويهما في) عدد (الرميات: فأيهما فضل) صاحبه (بإصابة معلومة فقد سبق).
والفرق بين المفاضلة والمحاطة: أن المحاطة يقدر فيها الإصابة من الجانبين. بخلاف المفاضلة. ويدل لذلك قول المجد في " شرح الهداية ": فالمفاضلة اشتراط إصابة عدد من عدد فوقه؛ كإصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا رميهما. فإن تساويا في الإصابة أحرز أسبقهما، وإن أصاب أحدهما تسعة والآخر عشرة أو أكثر فقد فضله. والمحاطة: أن يشترطا حط ما يتساويان فيه من الإصابة في رشق معلوم فإذا فضل أحدهما بإصابة معلومة فقد سبق.
وقال في " الشرح " بعد أن ذكر (^٢) أن الرمي على ثلاثة أضرب:
أحدها: يسمى المبادرة.
ثم قال: الثاني المفاضلة. وحدها بمعنى ما في المتن، ثم قال: ويسمى محاطة.
ثم قال: الثالث أن يقولا: أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق. فمتى
أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق، وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب (^٣) واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما. انتهى.
وهذا معنى تقسيم المجد إلا أنهمل اختلفا في التسمية. والله أعلم.
ووجه كون تبيين أن الرمي من أي الأضرب الثلاثة شرطًا لصحة المناضلة:
كون غرض الرماة يختلف بذلك؛ فإن منهم من تكثر إصابته في الابتداء دون
_________________
(١) في أوب: وهو.
(٢) في أ: يذكر.
(٣) في أ: يصيب.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
الانتهاء، ومنهم من هو بالعكس في ذلك. فوجب بيان ذلك؛ ليعلم الرامي ما دخل عليه.
وقيل: لا يحتاج إلى اشتراط ذلك؛ لأن مقتضى النضال المبادرة، وأن من بادر إلى الإصابة فهو السابق. فإنه إذا شرط السبق لمن أصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط.
(وإن اطلقا الإصابة) في العقد، (أو قالا) اي: شرطا أنها: (خواصل) بالخاء المعجمة والصاد المهملة: (تناولها) أي: تناول اللفظ الإصابه (على أي صفة كانت).
قال في " الشرح ": قال الأزهري: يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلًا. ويسمى ذلك القرع والقرطسة، يقال: قرطس إذا أصاب. انتهى.
وظاهر المتن: صحة المناضلة مع إطلاق الإصابة وهو الصحيح.
وقيل: إنه يشترط لصحة المناضلة وصف الإصابة.
وعلى المذهب: يسن أن يصفاها.
(وإن قالا) أي: اشترط (^١) المتناضلان أن الإصابة (^٢): (خواسق، أو خوازق بالزاي، أو مقرطس). وهي: (ما خرق الغرض وثبت فيه.
أو) اشترطا] أن الإصابة (خوارق بالراء، أو موارق). وهي: (ما
خرقه) أي: الغرض (ولم يثبت).
او اشترطا [(^٣) أنها (خواصر). وهي: (ما وقع في أحد جانبيه.
أو) اشترطا أنها (خوارم). وهي: (ما خرم جانبه.
أو) اشترطا أنها (حوابي) بالحاء المهملة. وهي: (ما وقع بين يديه ثم وثب إليه) أي: إلى الغرض.
_________________
(١) في أوج: اشترطا.
(٢) في أ: للإصابة.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
(أو شرطا إصابة موضع منه؛ كدائرته) أي: دائرة الغرض: (تقيدت) المناضلة (به) أي: بما شرط؛ لأن المرجع في المناضلة إلى شرطها.
وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح. قاله في " الشرح ".
وقال أيضا: فإن شرطا إصابة موضع من (^١) الهدف على أن يسقط (^٢) ما قرب
من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر ففعل، ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه: كان سابقا. ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه نوع من المحاطة. فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الاخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر: سقط الأول، وإن أصاب الأول الغرض أسقط الثانى، وإن أصاب الثانى الدائرة التي في الغرض لم (^٣) يسقط الأول؛ لأن الغرض كله موضع الإصابة. فلم يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه إلا أن يشرطا (^٤) ذلك. انتهى.
قال المجد: وإذا شرط الخسق ثم رمى أحدهما فأصاب الغرض وسقط السهم وادعى الرامي أنه خسق، وأنه إنما لم يثبت في الغرض؛ لغلظ لقيه من حصاة أو نواة ونحوهما، وقال رسيله: لم (^٥) يخرق: فالقول قول الرسيل إذا لم يعلم موضع الإصابة. إذ الأصل أن لا خسق. ولا يمين عليه. إلا أن يكون في الغرض ما يمنع ثبوت السهم فيحلفه .. هذا كله قولنا وقول الشافعية. وإن عرف موضع الإصابة ولم يكن فيه مانع فالقول قول الرسيل بلا يمين.
وإن كان فيه مانع فوجهان للشافعية:
" أحدهما: القول قول الرامي.
_________________
(١) في أ: في.
(٢) في أ: يسقطه.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في أ: يشترطا.
(٥) في أوب: لمن.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
والثانى: قول الرسيل كمذهبنا؛ لأننا لا نعلم لولا المانع هل يكون حقا أو لا؛. والأصل عدمه.
فعلى هذا لا يعتد به لا له ولا عليه، وهذا تفريع على الأصح في أن الثقب الصالح للخسق إذا لم يثبت فيه السهم لا يكون حقًا. انتهى.
(ولا يصح شرط إصابة نادرة).
قال في " الفروع ": قاله في " المغني " وغيره.
وفي " الترغيب " وغيره: يعتبر إصابة ممكنة. انتهى.
وذلك لأن الظاهر أن الإصابة النادرة كتسعة من عشرة لا توجد. فيفوت المقصود.
(ولا) يصح (تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميا)، لأن الغرض من الرمي الإصابة إما بقتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك، وكل هذا إنما يحصل من الإصابة لا من بُعد الرمي.
الشرط (الرابع) من شروط المناضلة: (معرفة قدره) أي: الغرض (طولًا وعرضًا وسمكًا وارتفاعًا) من الأرض، إما بالمشاهده وإما بتقديره بشيء معلوم، لأن الإصابة تختلف باختلاف صغره وكبره وغلظه ورقته وارتفاعه وانخفاضه. فوجب اعتبار ذلك.
والغرض: ما تقصد إصابته بالرمي من قرطاس أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره. سمي غرضا، لأنه يقصد، ويسمى أيضا شارة وشنًا.
وقال الأزهري: ما نصب في الهدف فهو القرطاس، وما نصب في الهواء
فهو الغرض.
وفي " القاموس ": القرطاس: كل أديم ينصب للنضال.
(وإن تشاحا في الابتداء) أي: تشاح المتناضلان في المبتدئ بالرمي منهما: (أقرع). بينهما؛ لأنه لا بد أن يبتدئ أحدهما بالرمي.
[ ٦ / ٢٣٦ ]
ولأنهما لو رميا معًا أفضى (^١) إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما. وقد
استويا في الاستحقاق فصير (^٢) إلى القرعة، كما لو تنازع المتقاسمان في استحقاق سهم معين.
وأيهما خرجت له القرعة فبدره الآخر ورمى لم يعتد له بسهم أصاب أم أخطأ.
وقيل: يقدم بالابتداء من له مزية بإخراج السبق.
ويستحب تعيين المبتدئ (^٣) بالرمي عند عقد المناضلة. واختار في
" الترغيب ": انه يعتبر ذكر المبتدئ منهما.
قال المجد في " شرح الهدايه ": ويجوز أن يرميا سهمًا سهمًا، وخمسًا خمسًا، وأن يرمي كل واحد جميع الرشق. وإن شرطا شيئا حمل عليه. فإن أطلق تراسلا سهمًا سهما؛ لأنه العرف. هذا قول الشافعية وأصحابنا.
وقال أيضا: وإن (^٤) اختلفا في موضع الوقوف هل هو عن يمين الغرض أو
عن يساره: فالأمر إلى البادئ منهما. فإذا صار الثانى إلى الغرض صار الخيار إليه أيضا، ليستويا. هذا قول الشافعية وأصحابنا. وذكر في " الحلية " وجها آخر: أن الأول إذا لم يرض أن يقف الثانى إلى حيث وقف هو فله ذلك، وإن طلب أحدهما استقبال الشمس والآخر استدبارها أجيب من طلب استدبارها عندهم وعندنا. انتهى.
(وإذا بدأ) أحدهما (في وجه: بدا الآخر في) الوجه (الثاني) تعديلا بينهما. فإن (^٥) شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه: لم يصح، لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل.
فإن فعلا ذلك من غير شرط بتراضيهما جاز؛ لأن البداءة لا أثر لها في
_________________
(١) في أ: اقتضى.
(٢) في أ: تصير.
(٣) في أوب: المبدى.
(٤) في أوب: واذا.
(٥) في أوب: فإذا.
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الإصابة ولا في وجود الرمي.
وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز.
ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد؛ لأنه لا أثر له في تجويد (^١) رمي ولا كثرة إصابة. وكثير من الرماة يختار التأخر على البداءة فيكون وجود هذا الشرط كعدمه. ذكره في " الشرح ". (وسن) في المناضلة (جعل غرضين) يرمي الرسيلان (^٢) أحدهما. ثم (^٣) يمضيان إلى الرمي فيأخذان السهام ويرميان الآخر؛ لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله ﷺ. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة ".
وقال إبراهيم التيمي: " رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنا بها في قميص " (^٤) .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مثل ذلك (^٥) .
والهدف: ما ينصب الغرض عليه من تراب مجموع أو حائط أو نحو ذلك.
و(إذا) كان غرضان و(بدا أحدهما) أي: أحد الراميين (بغرض: بدا الآخر بالثاني) ليحصل التعادل.
(وإن أطارته الريح) اي: أطارت الريح الغرض، (فوقع السهم موضعه) أي: موضع الغرض (وشرطهم) أي: المتنا ضلين: (خواسق، أو نحوها) ومقرطبس: (لم يحتسب له) أي: للرامي (به) أي: بالسهم الواقع موضع الغرض، (ولا) يحتسب به (عليه)؛ لأنا لا ندري هل كان يثبت في الغرض لو كان موجؤدًا أو لا؟.
_________________
(١) في أوب: تحويد.
(٢) في أ: الرسلان.
(٣) في أوب: لم.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٤٥٨) ٢: ١٧٣ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرمي وفضله.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٤٥٩) الموضع السابق.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
وقيل: إن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في (^١) الهدف احتسب
له به، وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب.
وإن كان شرطهم خواصل احتسب به لراميه؛ لأنه لو كان الغرض موضعه لأصابه.
ولو بقي الغرض موضعه وشرطهم خواصل وأصاب الغرض بعرض السهم أو
بقوته بأن انقلب بين يدفي الغرض فأصابه فوقه، أو انكسر السهم قطعتين وأصاب الغرض واحدة منهما: لم يعتد به.
ولو كان الغرض جلدًا وخيط عليه] شنبر كشنبر المنخل (^٢) وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فأصاب السهم [(^٣) الشنبر أو العرى وشرطهم خواصل: اعتد به؛ لأن ذلك من الغرض.
وأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد بإصابتها مطلقا؛ لأنها ليست من الغرض فهي كالهدف.
وإن أصاب السهم سهما في الغرض قد علق نصله فيه وباقيه خارج منه] لم يحتسب له به ولاعليه.
ولو كان السهم قد غرق في الغرض إلى فوقه حسبت له إصابته P لأنه لو] (^٤)
لم يكن لأصاب الغرض يقينا.
وإذا تناضلا على أن الإصابة حوابي على أن من خسق منهما كان بجانبين،
أو على أن ما قرب من الشيء سقط الذي هو منه أبعد جاز. قاله القاضي وابن عقيل، نقله عنهما المجد واقتصر عليه.
(وإن عرض) لأحدهما (عارض: من كسر قوس، أو قطع وَتَر، أو ريح
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: المنحل.
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
شديدة) فأخطأ أو أصاب: (لم يحتسب بالسهم)، لأن العارض كما يجوز أن يصرفه عن الصراب إلى الخطأ يجوز أن يصرفه عن الخطأ إلى الصواب.
وقيل: يحتسب له إن أصاب. لا عليه إن أخطأ.
وقيل: يحتسب له إن أصاب وعليه إن أخطأ.
وإن حال حائل بينه وبين الغرض فنفد منه وأصاب الغرض: حسب له، لأن
هذا من سداد الرمي وقوته.
(وإن عرض مطر أو ظلمة) عند الرمي: (جاز تأخيره)، لأن المطر يرخي الوتر. والظلمة عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه.
ولأن العادة الرمي نهارًا. إلا أن يشترطاه ليلًا فيلزم. فإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفى بذلك، وإلارميا في ضوء شمعة أو مشعل.
وإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك لعل صاحبه ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر: منع من ذلك وطولب بالرمي. ولا يزعج بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الإصابة.
ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغيظ به صاحبه مثل: أن يرتجز أو يفتخر ويتبجح بالإصابة، ويعنف صاحبه على الخطأ، ويظهر أنه يعلمه. (وكلره) لحاضرهما من أمين وشهود وغيرهما (مدح أحدهما، أو) مدح (المصيب، وعيب المخطئ، لما فيه: من كسر قلب صاحبه) وغيظه. وإنما ذكرت هذا التعليل في المتن على خلاف العاده تبعا لذكره في " المقنع ".
قال في " الفروع ": وحرمه ابن عقيل، ويتوجه: يجوز مدح المصيب ويكره عيب غيره. ويتوجه في شيخ العلم وغيره مدح المصيب من الطلبة وعيب غيره كذلك. انتهى.
[ ٦ / ٢٤٠ ]
قال في " الإنصاف ": قلت: (^١) إن كان مدحه يفضي إلى تعاظم الممدوح، أو كسر قلب غيره: قوي التحريم، وإن كان فيه تحريض على الاشتغال ونحوه: قوي الاستحباب. والله اعلم (^٢) .
(ومن قال) لآخر: (ارم عشرة أسهم. فإن كلان صوابك) أي: إصابتك
فيها (أكثر من خطئك فلك درهم، أو) قال: (فلك بكل سهم أصبت به درهم)، أو قال: فلك بكل سهم زائد على النصف من المصابات درهم. (أو) قال: (ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم: صح) في الجميع، وكان جُعالة، (ولزمه) الجعل (بذلك) أي: بالإصابة التي شرطها؛ لأنه بذل مال على عمل فيه غرض صحيح. ولم يكن نضالا؛ لأن النضال إنما يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا.
وفي المسألة الأولى وجه: لا يصح.
فال المجد: فإن قال رجل لآخر ارم عشرة وناضل (^٣) فيها خطؤك بصوابك.
فإن كان صوابك أكثر فلك دينار: ففيه وجهان للشافعية:
أحد هما: يجو ز.
والثانى: لا يجوز. وكذلك الوجهان لأصحابنا.
ولو فال لرجل: ارم هذا السهم فإن أصبت فلك دينار صح ذلك وجهًا
واحدًا. انتهى.
ووجه المذهب: أنه جعل معلوم في مقابلة (^٤) إصابة معلومة. فإن أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك مجهولًا؛ لأنه بالأقل يستحق الجعل.
_________________
(١) في أ: قلنا.
(٢) زيادة من ج.
(٣) في أ: وناصل.
(٤) في أوب: ومقابلة.
[ ٦ / ٢٤١ ]
ووجه الصحة فيما إذا قال: فلك بكل سهم أصبت به درهم بالقياس على من قال: من رد شيئا من عبيدي فله بكل عبد رده درهم.
ولا يجوز إن قال: وإن كان خطؤك أكثر فعليك درهم أو نحو هذا. و) لا
إن قال: وإن أخطات فعليك درهم)، لأنه قمار.
وإن قال من أراد رمي سهم لحاضره: إن أخطأت فلك درهم لم يجز؛ لأن الجعل إنما يكون في مقابلة عمل ولم يوجد (^١) من الحاضر عمل فيستحق به شيئا. والله ﷾ أعلم (^٢) .
_________________
(١) في أ: يؤجل.
(٢) في ب: والله أعلم.
[ ٦ / ٢٤٢ ]