هذا (كتاب الصداق. وهو: العوض المسمى في عقد نكاح، وبعده) أي. بعد عقد النكاح.
وللصداق تسعه أسماء: الصداق، والصدقة، والمهر، والنِحلة،
والفر يضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء.
روي عن النبي ﷺ: " أدوا العلائق. قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى
عليه الأهلون " (^١).
وروي عن عمر أنه قال: " في الأمة يطأها المشتري: يردها ويرد معها عقرها ".
وقاله مهلهل:
انكحها فقدها الأراقم (^٢) في جنب وكان الحباء من أدم
ويقال: أصدقت المرأة ومهرتها، ولا يقال. أمهرتها.
(وهو) أي: الصداق (مشروع في نكاح).
والأ صل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله ﷾: (وءاتوا النساء صدقاتهن نِحلة)] النساء: ٤].
قال أبو عبيد: يعني: عن طيب نفس به كما تطيب النفس بالهبة.
وقيل: النحلة الهبة. والصداق في معناها؛ لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه. وجُعل الصداق للمرأة، فكأنه عطية بغير عوض.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٠) ٣: ٢٤٤ باب المهر.
(٢) في ب: الأرقم.
[ ٩ / ١٧٧ ]
وقيل: نحلة من الله تعالى للنساء.
وأما السنة؛ فإن النبي ﷺ تزوج وزوج بناته على صدقات. ولم يتركه في النكاح.
وأجمع المسلمون على مشروعيته.
(وتستحب تسميته) أي: تسمية الصداق (فيه) أي: في النكاح، لقوله ﷾: (وأحِل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)] النساء: ٢٤].
و" لأن النبي ﷺ قال للذي زوجه الموهوبة: هل من شيء تصدقها؛ قال:
لا أجد شيئًا. قال: التمس ولو خاتما من حديد. فلم يجد شيئا فزوجه إياها بما معه من القرآن " (^١) . متفق عليه.
ولأن تسميته أقطع للنزاع فيه.
وليس ذكره شرطًا، بدليل قوله ﷾: (لاجناح عليكم إن طلقتم النساء ما ل تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة)] البقرة: ٢٣٦].
وروي " أن رسول الله ﷺ زوج رجلًا امرأة ولم يسمِّ لها مهرًا ".
(و) يستحب (تخفيفه) أي: تخفيف الصداق، لما روت عائشة عن النبي
ﷺ أنه قال: " أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة " (^٢) . رواه أبو حفص بإسناده. وروي أبو هريرة " أن رجلا تزوج امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ:
على كم تزوجتها؟ فقال: على أربع أواق. فقال له النبي ﷺ: على أربع أواق، تنحتون الفضة من عروق هذا الجبل " (^٣) . رواه مسلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٤٢) ١٩٧٣: ٥ كتاب النكاح، باب السلطان ولي. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٥) ٢: ١٠٤٠ كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥١٦٢) ٦: ١٤٥ عن القاسم بن محمد عن عائشة.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٤) ٢: ١٠٤٠ كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها.
[ ٩ / ١٧٨ ]
(و) يستحب (أن يكون) الصداق (من أربعمائة) من دراهم الفضة، (وهو) أي: الصداق الذي هو أربعمائة درهم من الفضة: (صداق بنات النبي ﷺ إلى خمسمائة) درهم من الفضة، (وهي) أي: الخمسمائة درهم: (صداق أزواجه) ﷺ؛ لما روى أبو العجفاء قال: سمعت عمر يقول: " لا تغلوا في صُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكلم بها النبي ﷺ. ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه أكثر من ثنتي عشر أوقية" (^١) . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وروى أبو سلمة قال: " سألت عائشة كم كان صداق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي (^٢) عشر أوقية وَنشًّا (^٣) . قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم " (^٤) . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(وإن زاد) الصداق على ما ذكر (فلا بأس) أي: فلا يكره؛ لأن أم حبيبة
روت " أن النبي ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوّجها النجاشى وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، فلم
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٢١٠٦) ٢: ٢٣٥ كتاب النكاح، باب الصداق. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١١١٤) ٣: ٤٢٢ كتاب النكاح، باب منه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٤٩) ١١٨: ٦ كتاب النكاح، القسط في الأصدقة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٨٧) ٦٠٧: ١ كتاب النكاح، باب صداق النساء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣٤٠) ١: ٤٨.
(٢) في ب: اثني.
(٣) في الأصول: ونش.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٦) ٢: ١٠٤٢ كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخا تم حديد وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٠٥) ٢: ٢٣٤ كتاب النكاح، باب الصداق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٤٧) ١١٦: ٦ كتاب النكاح، القسط في الأصدقة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٨٦) ٦٠٧: ١ كتاب النكاح، باب صداق النساء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٦٧٠) ٦: ٩٤.
[ ٩ / ١٧٩ ]
يبعث إليها رسول الله ﷺ بشئ " (^١) . رواه أحمد والنسائي.
ولو كره ذلك لأنكره.
(وكان له ﷺ أن يتزوج بلا مهر.
ولا يتقدَّر) الصداق (فكل ما صح) أن يكون (ثمنًا، أو) صح أن يكون (أجرة صح) أن يكون (مهرًا وإن قلّ).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب وقطعوا به.
واشترط الخرقي: أن يكون له نصف يحصل، فلا يجوز على فلس ونحوه. وتبعه على ذلك ابن عقيل في " الفصول " والمصنف يعني: الموفق والشارح، وفسره بنصف متمول عادة.
قال الزركشي: وليس في كلام أحمد هذا الشرط وكذا كثير من أصحابه حتى
بالغ ابن عقيل في ضمن كلام له. فجوز الصداق بالحبة والثمرة التي ينتبذ مثلها. قال الزركشي: ولا يعرف ذلك. انتهى.
والأصل في ذلك: ما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " لو أن رجلا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعامًا كانت له حلالًا " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود بمعناه. وروى عامر بن ربيعة " أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين. فقال رسول الله ﷺ: أرضيت من مالك ونفسك بنعلين؟ فقالت: نعم. قال: فأجازه " (^٣) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
إذا تقرر هذا فإن التزويج يصح على عين ودين ومعجل ومؤجل، (ولو على
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٥٠) ١١٩: ٦ كتاب النكاح، القسط في الأصدقه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٤٤٦) ٦: ٤٢٧.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٨٦٦) ٣: ٣٥٥.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١١٣) ٤٢٠: ٣ كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٨٨) ٦٠٨: ١ كتاب النكاح، باب صداق النساء. بلفظ: " أن رجلا من بني فزارة تزوج على نعلين. فأجاز النبي ﷺ نكاحه ". وأخرجه أحمد في مسنده " (١٥٧١١) ٣: ٤٤٥ ولفظه مثل لفظ ابن ماجه.
[ ٩ / ١٨٠ ]
منفعة زوج، أو) منفعة (حر غيره) أي: غير الزوج (معلومةٍ) بالجر صفة لمنفعة، (مدة معلومة) على الأصح؛ (كرعاية غنمها مدة معلومة، أو عمل معلوم منه) أي: من الز وج (أو) من (غيره؛ كخياطة ثوبها، ورد قِنّها) أي: قن الزوجة (من محل معين).
ومنافع الحر والعبد سواء، فقد روى الدارقطني بإسناده قال: قال رسول الله ﷺ: " أنكحوا الأيامى وأدوا العلائق. قيل: وما العلائق؟ يا رسول الله! قال: ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيب (^١) من أراك " (^٢) . ورواه الجوزجانى.
وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا يجوز أن تكون صداقًا، لأنها ليست مالا، وإنما قال الله ﷾: (أن تبتغوا بأموالكم)] النساء: ٢٤].
ولنا: قول الله ﷾: (قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين
على أن تأجرنى ثمانى حجج)] القصص: ٢٧ [.
ولأن منفعه الحر يجوز العوض عنها في الإجارة. فجازت صداقًا، كمنفعة العبد.
وقول من يقول: إنها ليست مالًا ممنوع فإنه يجوز المعاوضة عنها وبها. ثم
إن لم تكن مالًا فقد أجريت مجرى المال.
وعلم مما تقدم أنه لو كانت المنفعة مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، وخدمتها فيما شاءت لم يصح كون ذلك صداقا، لأنه عقد معاوضة. فلم يصح كون المسمى مجهولا، كالثمن فى المبيع، والأجرة فى الإجارة.
(و) من أمثلة إصداقها عملًا معلومًا مثل: (تعليمها) أي: تعليم المنكوحة (معينا: من فقه، أو حديث، أو شعر مباح، أو أدب، أو صنعة، أو كتابة، ولو لم يعرفه) أي: يعرف العمل الذي أصدقها تعليمه في الأصح. (ويتعلمه ثم يعلمها)، لأن التعليم يكون في ذمته. فأشبه ما لو أصدقها مالًا في ذمته لا يقدر عليه حال الإصداق.
_________________
(١) في ب: قضيبًا.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٠) ٣: ٢٤٤ باب المهر.
[ ٩ / ١٨١ ]
ويجوز أن يقيم لها من يعلمها.
(وإن تعلمته) أي: تعلمت ما أصدقها تعليمه (من غيره) أي: غير الزوج: (لزمته أجرة تعليمها). وكذلك إن تعذر عليه تعليمها؛ كما لو أصدقها خياطة ثوب فتعذر عليه خياطته. فلو جاءته (^١) بإنسان غيرها فقالت: علم ما أصدقتني تعليمه هذا (^٢) الإنسان لم يلزمه، لأن المستحق عليه العمل في عين لم يلزمه إيقاعه في غيرها" كما لو استأجرته لخياطة ثوب معين فأتته بغيره، فقالت: خِط هذا.
ولأن المتعلمين يختلفون في التعليم اختلافا كثيرا وقد يكون له غرض في تعليمها فلا يجبر على تعليم غيرها.
فإن أتاها بإنسان غيره يعلمها لم يلزمها قبوله، لأن المعلمين يختلفون في التعليم، وقد يكون لها غرض في التعليم منه، لكونه زوجها.
ولأنه لما لم يلزمه تعليم غيرها لم يلزمها التعليم من غيره، قياسا لأحدهما على الآخر.
(وعليه) أي: على من أصدق امرأه تعليم شيء (بطلاقها قبل تعليم ودخول) بها: (نصف الأجرة) أي: نصف أجرة تعليم ما أصدقها تعليمه في الأصح، لأنها قد صارت أجنبية منه. فلا يؤمن في تعليمها الفتنة.
وعليه بطلاقها قبل تعليم (وبعد دخول: كلها) أي: كل الأجرة؛ لاستقرار ما أصدقها بالدخول.
(وإن علَّمها) ما أصدقها تعليمه (ثم سقط) الصداق بموجب: (رجع) الزوج على الزوجة (بالأجرة) أي: بنظير أجرة تعليمها.
(و) يرجع (مع تنصُّفه) أي: تنصف الصداق وقد علمها جميع ما أصدقها تعليمه (بنصفها) أي: نظير نصف أجرة تعليمها.
_________________
(١) في ج: جاءت.
(٢) في ج: لهذا.
[ ٩ / ١٨٢ ]
(ولو طلقها فوُجدت حافظة لما أصدقها) تعليمه، (وادعى تعليمها، وأنكرت) ذلك: (حلفت) في الأصح؛ لأن الأصل عدم تعليمه إياها.
وإن علمها ما أصدقها تعليمه ثم نسيته فليس عليه غير ذلك؛ لأنه قد وفى لها
بما شرط. وإنما تلف الصداق بعد القبض.
وإن كان كلما لقنها شيئًا نسيته لم يعتد بذلك تعليمًا في العرف.
(وإن أصدقها) أي: أصدق رجل امرأة (تعليم شيء من القرآن ولو) كان
ما أصدقها تعليمه من القرآن (معينا: لم يصح) على الأصح، وفاقا لمالك وأبي حنيفة.
واحتج من أجازه، بما روى سهل بن سعد الساعدي " أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة. فقالت: إنى وهبت نفسي لك. فقامت طويلا. فقال رجل: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال: هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال رسول الله ﷺ: إزارك إن أعطيتها جلسب ولا إزار لك. فالتمس شيئا. قال: لا أجد. قال: التمس ولو خاتما من حديد. فالتمس فلم يجد شيئا. فقال رسول الله ﷺ: زوجتكها بما معك من القرآن " (^١) متفق عليه.
ولأنها منفعة معينة مباحة. فجاز جعلها صداقا؛ كتعليم قصيدة من الشعر المباح.
ولنا: أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لقوله ﷾:
(أن تبتغوا بأموالكم)] النساء: ٢٤ [، وقوله ﷾: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات)] النساء: ٢٥ [. والطَّوْل: المال.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٨٤٢) ٥: ١٩٧٣ كتاب النكاح، باب السلطان ولي. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٤٢٥) ٢: ١٠٤٠ كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن
[ ٩ / ١٨٣ ]
وقد روي " أن رسول الله ﷺ زوج رجلا على سورة من القرآن. ثم قال:
لا تكون لأحد بعدك مهرًا " (^١) . رواه النجاد بإسناده.
ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله. فلم يصح أن يكون صداقًا؛ كالصوم والصلاة وتعليم الإيمان.
فأما حديث الموهوبة فقد قيل معناه: أنكحتكها بما معك من القرآن أي: زوجتكها؛ لأنك من أهل القرآن، كما زوج أبا طلحة على إسلامه؛ فروى ابن عبدالبر بإسناده "أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم. فقالت: أتزوجك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان؟ إن أسلمت تزوجت بك. قال: فأسلم أبو طلحة فتزوجها على إسلامه " (^٢) .
وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم. ويحتمل أن يكون خاصًا بذلك الرجل كما روى النجاد.
(ومن تزوج) نساءً (أو خالع نساءً) وكان تزوجه لهن (بمهر) واحد،
(أو) كان خلعه إياهن على (عوضٍ واحد) ولم يقل بينهن بالسوية: (صح) في أصح الوجهين فيهما؛ لأن كلا من التزويج والخلع عقد معاوضة علم العوضان فيه. فصح؛ كما لو اشترى ثلاثة أعبد بثمن واحد فإنه يصح ولو اختلفت قيمتهم. كذلك هنا.
(وقُسم) المهر في التزويج والعوض في الخلع (بينهن) أي: بين الزوجات أو المختلعات (على قدو مهور مثلهن)، فينظر كم مهر المثل لكل
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٦٤٢) ١: ١٧٦ كتاب النكاح، باب تزويج الجارية الصغيرة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١١٧) ٢: ٢٣٨ كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجكِ فلانًا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية، له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أنى أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف ".
[ ٩ / ١٨٤ ]
واحدة ويجمع ذلك (^١) ويقسم المهر أو العوض في الخلع عليه، لأن الصفقه اشتملت على أشياء مختلفى القيمة، فوجب تقسيط العوض عليها بالقيمه.
ومن صور ذلك: أن يأذن للحاكم أن يزوجهن لزيد على كذا، أو يكن بنات أعمام فيأذنّ لابن عمهن أن يزوجهن لزيد على كذلك، أو يوكلن الزوجات إنسانًا أن يخلعهن من زوجهن على كذا.
(ولو) كان المتزوج (قال): أصدقتهن ألفًا (بينهن) بالسوية، أو قال المخالع: خلعتهن على ألف بينهن بالسوية (فـ) إن المهر أو العوض في الخلع يكون مقسوما بين الزوجات والمختلعات (على عددهن) بلا خلاف.
_________________
(١) في أوب: لذلك.
[ ٩ / ١٨٥ ]
] فصل: في تحديد عين الصداق]
(فصل. ويشترط علمه) أي: علم الصداق. (فلو أصدقها دارًا) مطلقة، (أو دابة) مطلقة، (أو ثوبا) مطلقا، (أو عبدا مطلقا.
أو) أصدقها (ردَّ عبدها اين كان.
أو) أصدقها (خدمتها) أي: أن يخدمها (مدة فيما شاءت.
او) أصدقها (ما يُثمر شجره) في هذا العام أو مطلقا، (ونحوه)؛ كما لو أصدقها حمل أمته أو ما تحمل.
(أو) أصدقها (متاع بيته) أي: ما في بيته من متاع ولا تعلمه، (ونحوه)، كتفويض المهر. ويأتي في المتن.
أو نكحها على أن يحج بها: (لم يصح) ما تقدم من التسمية " لأن هذه
الأشياء مجهولة قدرًا وصفة، والغرر والجهالة في ذلك كثير، ومثل ذلك
لا يحتمل والنزاع قائم، لأن ذلك لا أصل له يرجع إليه. فإن الدار والدابة والثوب كل واحد منهما على أنواع مختلفة بالكبر والصغر والجودة والرداءة. واسم الدابة يقع على (^١) كل ما يدب. وهو مختلف الأجناس، وحمل البطن قد لا يولد حيًا، والشجرة قد لا تثمر، والعبد قد لا يحصل؛ لأنه لا يعلم أين هو. والخدمة لم تعين جنسها فقد تكلفه ما لا يحسنه، ومتاع البيت لم يعلم ما هو. وكذا حملها في الحج مجهول لا يوقف له على حد فلذلك لا يصح شيء من ذلك؛ لكثرة الغرر والجهالة فيه، إذ لو وقع الطلاق لم يدر ما يرجع إليه. وكذا كل ما هو مجهول القدر أو الحصول: لم يصح أن يكون صداقا بلا خلاف.
_________________
(١) في أوب: على اسم.
[ ٩ / ١٨٦ ]
(وكل موضع لا تصح التسمية) فيه من عقد النكاح، (أو خلا العقد عن ذكره) أي: ذكر الصداق وهو تفويض البضع (يجب) للمرأة (مهر المثل بالعقد)؛ لأن المرأة لا تسلم إلا ببدل، ولم يسلم البدل وتعذر رد العوض. فوجب رده له؛ كما لو باعه سلعة بخمر فتلف عند المشتري.
(ولا يضر جهل يسير) بمعرفة الصداق على الأصح. (فلو أصدقها عبدا من عبيده، أو دابة من دوابه، أو قميصا من قمصانه، ونحوه)؛ كخاتم من خواتيمه: (صح، ولها أحدهم بقرعة) في المنصوص. فإنه قد روي عن أحمد في رواية مهنا فيمن تزوج على عبد من عبيده جائز. فإن كانوا عشرة عبيد يعطى من وسطهم، فإن تشاحا أقرع بينهما. قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم. ووجه ذلك: أن الجهالة في هذه يسيرة ويمكن التعيين بالقرعه. بخلاف ما
إذا أصدقها عبدًا مطلقا فإن الجهالة تكثر فلا يصح.
ويشترط للحصة فيما إذا أصدقها دابة من دوابه تعين النوع؛ كفرس من خيله، أو جمل من جماله، أو بغل من بغاله، أو حمار من حمره (^١)، أو بقرة من بقره ونحو ذلك.
(و) لو أصدقها (قنطارا من زيت، أو قفيزا من حنطة، ونحوهما)؛ كقنطار من سمن، أو قفيز من شعير: (صح. ولها الوسط) على الأصح؛ لأن الجهالة في (^٢) مثل هذا يسيرة.
(ولا) يضر أيضًا في الصداق (غرر يرجى زواله) في الأصح. (فيصح)
أن يتزوجها (على) رقيق (معين آبق) يحصله لها، (أو) شيء يصح كونه صداقا (مغتصب يحصله) لها، (و) على (دين سلم، و) على (مبيع اشتراه) بكيل أو وزن أو عد أو ذرع (ولم يقبضه.
و) على (عبد موصوف)؛ لأنه قد يزول الغرر بتحصيل الآبق والمغتصب
_________________
(١) في ب: حميره.
(٢) في أ: من.
[ ٩ / ١٨٧ ]
واستيفاء المسلَم فيه وقبض المبيع وتحصيل العبد الموصوف؛ لأن احتمال الغرر فيما ذكر أولى من احتمال ترك التسمية والرجوع إلى مهر المثل. ويفارق عقد النكاح البيع والإجارة فإن العوض فيهما أحد ركنى العقد. بخلاف النكاح.
(فلو جاءها بقيمته) أي: جاء الزوج الزوجة بقيمة العبد الموصوف، (أو خالعته) أي: خالعت الزوجة الزوج (على ذلك) أي: على عبد موصوف (فجاءته بها) أي: بقيمة العبد الموصوف الذي خالعته عليه: (لم يلزم) من جعل له العبد الموصوف (قبولها) أي: قبول قيمته.
(و) يصح أن يتزوجها (على شرائه لها عبد زيد) في الأصح، (فإن تعذر شراؤه بقيمته: فلها قيمته)، لأنه عوض تعذر تسليمه فرجع إلى (^١) قيمته؛ كما لو كان بيده فاستحق.
(و) إن تزوجها (على ألف: إن لم تكن له زوجة، أو) تزوجها على ألف: (إن لم يخرجها من دارها، أو) على ألف: إن لم يخرجها من (بلدها، وألفين: إن كانت له زوجة أو أخرجها) من دارها أو من بلدها، (ونحوه) أي: هذه الصور؛ كما لو تزوجها على ألفين إن كانت له سرية، وألف إن لم تكن له سرية: (صح) على الأصح؛ لأن خلو المرأة من ضرة أو سُرية تغايرها وتضيّق عليها من أكبر أغراضها المقصودة، وكذلك إبقاؤها في دارها أو بلدها بين أهلها وفي وطنها. ولذلك خفف صداقها؛ لتحصيل غرضها وتغليته عند فواته.
(لا) أن يتزوجها (على ألف: إن كان أبوها حيًا، وألفين: إن كان) أبو ها (ميتا) فإن ذلك لا يصح على الأصح؛ لأنه ليس له في موت أبيها غرض صحيح. وربما كانت حالة الأب غير معلومة فيكون مجهولا.
(وإن أصدقها عتقَ قن له: صح).
قال في " الإ"نصاف ": لو أصدقها عتق أمته صح بلا نزاع. انتهى.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٨٨ ]
(لا) إن أصدقها (طلاق زوجة له، أو) أصدقها (جَعله) أي جعل
طلاق من في عصمته (إليها) أي: إلى التي يريد أن يتزوجها (إلى مدة) فإنه لايصح على الأصح؛ لما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال:
" لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى " (^١) .
فعلى هذا يكون حكمه حكم ما لو أصدقها خمرا أو نحوه، (و) يكون (لها
مهر مثلها) فيستقر عليه مهر المثل إن دخل بها، ونصفه إن طلقها قبل الدخول. (ومن قال لسيدته: أعتقيني على أن أتزوجك فأعتقته) على ذلك عتق مجانا
ولم يلزمه أن يتزوجها، (أو قالت) سيدته (ابتداء: أعتقتك على أن تتزوجني عتق مجانا) ولم يلزمه أن يتزوجها؛ لأنها اشترطت عليه شرطا هوحق له. فلم يلزمه؛ كما لو شرطت عليه أن تهبه دنانير فيقبلها.
ولأن النكاح من الرجل لا عوض له. بخلاف نكاح المرأة.
(ومن قال: أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي) فأعتقه سيده على
ذلك، (لزمته قيمته) لمعقه (بعتقه) ولا يلزم القائل أن يزوج (^٢) ابنته لمعتق العبد، (كـ). ما لو قال إنسان لآخر: (أعتق عبدك على أن أبيعك عبدي) فأعتقه على ذلك فإنه تلزمه له قيمته، لا أن يبيع له عبده.
وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح. نص عليه. فإن طلب أكثر من قيهمته
أو تعذر عليه فلها قيمته. فإن جاءها بقيمته مع إمكان شرائه لم يلؤمها قبوله؛ لأنه يفوت عليها الغرض في عتق أبيها.
(وما سُمى) من صداق مؤجلا (أو فرض) من الصداق (مؤجلًا، ولم
يُذكر محله) بأن قال: علي كذا مؤجلا: (صح). نص عليه، (ومحله: الفرقة) بينهما.
قال أحمد: إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٤٧) ٢: ١٧٧.
(٢) فى ج: يتزوج.
[ ٩ / ١٨٩ ]
فرقة؛ لأن كل لفظ مطلق يحمل على العرف، والعرف في الصداق ترك المطالبة به إلى حين الفرقة بالموت أو البينونة فيحمل عليه فيصير (^١) حينئذ معلوما بذلك. فأما أن يجعل الأجل مدة مجهولة؛ كقدوم زيد ونحوه لم يصح التأجيل لجهالته. وإنما صح المطلق؛ لأن أجله الفرقة بحكم العادة وقد صرفه هاهنا عن العادة ذكر الأجل ولم يبينه، فبقي مجهولا.
قال في " شرح المقنع ": فيحتمل أن تبطل التسمية، ويحتمل أن يبطل
التأجيل ويحل. انتهى.
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٩ / ١٩٠ ]
] فصل: في الصداق المحرم]
(فصل. وإن تزوجها على خمر، أو خنزير، أو مال مغصوب: صح) النكاح ". نص عليه وعليه جماهير الأصحاب. وبه قال عامة الفقهاء منهم الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه لو كان عوضه صحيحًا كان صحيحًا. فوجب أن يصح وإن كان عوضه فاسدا؛ كما لو كان مجهولا.
ولأنه عقد لا يبطل بجهالة العوض. فلا يفسد بتحريمه؛ كالخلع.
ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه (^١) ولو عدم كان النكاح صحيحا فكذلك إذا فسد.
(ووجب) لها عليه (مهر المثل) بالغا ما بلغ؛ لأن فساد العوض يقتضي رد عوضه وقد تعذر رده لصحة النكاح. فيجب رد قيمته وهو مهر المثل.
ولأن ما يضمن بالعقد الفاسد اعتبرت قيمته بالغة ما بلغت كالمبيع؛ كمن اشترى شيئا بثمن فاسد فقبض المبيع وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته بالغة مابلغت.
(و) إن تزوجها (على عبد فخرج حرا، أو) خرج (مغصوبا: فلها قيمته
يوم عقد) في الأصح؛ لأن العقد وقع على التسمية. فكانت لها قيمته.
ولأنها رضيت بقيمته إذ ظنته مملوكا له. فكانت لها قيمته؛ كما لو وجدته معيبا فردته. بخلاف ما إذا قال لها: أصدقتك هذا الحر أو هذا المغصوب فإنها رضيت بغير شيء لرضاها بما تعلم أنه ليس بمال، أو بما لا يقدر على تمليكها إياه. فصار وجود التسمية كعدمها. فكان لها مهر المثل.
_________________
(١) في ج: عوضه.
[ ٩ / ١٩١ ]
وسواء سلمه إليها أو لم يسلمه؛ لأنه سلم ما لا يجوز تسليمه. فكان وجوده كعدمه.
(ولها في اثنين) أي: فيما إذا أصدقها رقيمين (بان أحدهما حرا): الرقيق (الآخر، وقيمة الحر) أي: الذي خرج حرا على الأصح. نص عليه.
وعنه: لها قيمتهما.
(وتُخيَّر) الزوجة (في عين) جعلت صداقًا؛ كدار وعبد (بَانَ جزء منها) أي: من العين (مستحقًا) بين أخذ الجزء الذي لم يستحق وأخذ قيمة الجزء المستحق، وبين أخذ قيمه العين كلها؛ لأن الشركة عيب. فكان له الفسخ؛ كما لو وجدت العين معيبة.
(أو عين) الزوج (ذرعها فبانت أقلّ) يعني: أن الزوجة تخير أيضا فيما إذا اصدقها ثوبا مثلا على أنه عشرة أذرع فبانت تسعة (بين أخذه و) أخذ (قيمة ما نقص) مما عينه لها من الذرع، (وبين) رد الثوب وأخذ (قيمة الجميع) أي: جميع الثوب. وهذا على الأصح في المسألتين.
(وما وجدت به) المرأة (عيبًا) من صداق معين، (أو ناقصا صفة شرطتها: فكمبيع) أي: فحكم ذلك حكم المبيع إذا وجده المشتري معيبا أو ناقصا صفة شرطت في المبيع. أما إذا وجدت به عيبًا كثيرًا أو يسيرًا فإن لها رده؛ كالمبيع المعيب، وإذا ردته فإن كان متقوما فلها قيمته؛ لأن العقد لا ينفسخ برده فيبقى سبب استحقاقه. فيجب عليه قيمته؛ كما لو غصبها إياه فأتلفه، وإن كان مثليا فلها عليه مثله؛ لأنه أقرب إليه.
(ولمتزوجة على عصير بان خمرًا: مثل العصير)؛ لأنه من ذوات الأمثال، والمثل أقرب إليه من القيمة. ولهذا (^١) يضمن به في الإتلاف. وهذا الأصح من الوجوه، وكما لو أصدقها خلًا فبان خمرًا فإن لها مثل الخل.
(ويصح) أن تتزوج المرأة (على ألف لها وألف لأبيها) يعني: أنه يجوز
_________________
(١) في أ: ولهن.
[ ٩ / ١٩٢ ]
لأبي المرأة أن يشترط شيئا من صداقها لنفسه، (أو) على كون (الكل له: إن صح تملكه) يعني: أنه يشترط في الصورتين: أن يكون الأب ممن يصح تملكه مال بنته المزوجة. وتقدم شرط صحة تملك مال الولد في باب (^١) الهبة، وبصحة اشتراط كون الصداق أو بعضه للأب.
قال إسحاق: وقد يروى عن مسروق: إنه لما زوج ابنته اشترط لنفسه عشرة آلاف لجعلها في الحج والمساكين، ثم قال للزوج: جهز امرأتك. وروي ذلك عن الحسين.
وقال عطاء وطاووس وعكرمة وعمر بن عبدالعزيز والثوري وأبو عبيد: يكون ذلك كله للمرأة.
وقال الشافعي: إذا فعل ذلك فلها مهر المثل وتفسد التسمية؛ لأنه نقص من صداقها لأجل هذا الشرط الفاسد؛ لأن المهر لا يجب إلا للزوجة؛ لكونه عوض بضعها. فيبقى مجهولا؛ لأننا نحتاج أن نضم إلى المهر ما نقص منه لأجل هذا الشرط وذلك مجهول فيفسد (^٢) .
ولنا: قول الله ﷾ في قصة شعيب ﵊: (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج)] القصص: ٢٧] فجعل الصداق الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه.
ولأن للوالد الأخذ من مال ولده بدليل قوله ﷺ: " أنت ومالك لأبيك " (^٣) . وقوله ﷺ: " إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أولادكم " (^٤) .
_________________
(١) في أ: مال.
(٢) في ب: فيفسده.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ماللرجل من مال ولده، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٩٠٢) ٢: ٢٠٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٣٠) ٣: ٢٨٩ كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده، عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٨) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، عن عائشة.
[ ٩ / ١٩٣ ]
أخرجه أبو داود وأخرجنحوه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.
فإذا شرط لنفسه الصداق أو شيئا منه كان أخذا من مال ابنته وله ذلك.
وقول من قال: إنه شرط فاسد ممنوع.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الأب ممن يصح تملكه مال ابنته؛ كتعلق حاجتها بصداقها (فـ) يكون (الكل) أي: كل الصداق (لها) أي: للز وجة، (كشرط ذلك) أي: شرط كون الصداق أو بعضه (لغير الأب)؛ كجدها وأخيها فإن هذا الشرط يكون باطلا. نص عليه أحمد. ويكون لها جميع المسمى.
قال في " الإنصاف ": ظاهر قوله فإن فعل ذلك غير الأب فالكل لها صحة التسمية، وهو صحيح، وهو المذهب وعليه الأصحاب.
وقيل: تبطل التسمية ويجب لها مهر المثل. قاله القاضي في " المجرد ". انتهى. ووجه المذهب: أن ما اشترطه عوض في تزويجها. فيكون صداقًا لها؛
كما لو جعله لها، وإذا كان صداقا انتفت الجهالة. فيجب المسمى.
(ويرجع) الزوج (إن فارق) أي: بأن طلق أو نحوه (قبل دخول في) المسألة (الأولى)، وهي: ما إذا تزوجها، على ألف لها وألف لأبيها (بألف) عليها دون أبيها، لأنه أخذ من مال ابنته ألفا فلا يجوز الرجوع عليه به.
(و) يرجع قبل دخول (في) المسألة (الثانية)، وهي: ما إذا تزوجها على أن جميع الصداق لأبيها (بقدر نصفه) عليها، (ولا شيء على الأب: إن قبضه مع النية) أي: نية التملك (^١)؛ لأننا قدرنا أن الجمييع صار لها ثم أخذه الأب منها، فيصير كأنها قبضته ثم أخذه منها.
وهذا فيما إذا فارق بعد قبض الصداق، (و) أما إذا فارق (قبل قبضه) فإن الأب (يأخذ) مما تقبضه (من الباقي ما شاء، بشرطه) وهو: أن يكون ممن يصح تملكه مال ابنته.
_________________
(١) في ج: في الأصح.
[ ٩ / ١٩٤ ]
] فصل: في تزويج الأب بدون صداق المثل]
(فصل. ولأب تزويج بكر وثيب بدون صداق مثلها) ولو كبيرة في الأصح، (وإن كرهت). نص عليه، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: ليس له ذلك، فإن فعل فلها مهر مثلها؛ لأنه تفريط في مالها وليس له ذلك.
ولنا: أن عمر خطب الناس. فقال: " ألا لِلَّهِ لا تغالوا في صداق النساء.
فما أصدق رسول الله أحدًا من نسائه ولا أحدًا من بناته أكثر من اثنتي (^١) عشرة أوقية" (^٢) . وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فكان اتفاقا منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق المثل.
وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين وهو من أشراف قريش شرفًا وعلمًا ودينًا. ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها.
ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض وإنما المقصود السكن والازدواج، ووضع المرأة في منصب عند من يكفلها ويصونها ويحسن عشرتها. والظاهر من الأب مع تمام شفقته وبلوغ نظره: أنه لا ينقصها من صداقها إلا لتحصيل المعانى المقصودة بالنكاح.
(ولا يلزم أحدًا تتمَّته) أي: تتمة مهر المثل إن زوجها الأب بدونه،
لا الأب ولا الزوج على الصحيح من المذهب.
وقيل: يتممه الأب كبيعه بعض مالها بدون ثمنه لسلطان يظن به حفظ
الباقي. ذكره في "الانتصار".
_________________
(١) في ب: اثني.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه، (٢١٠٦) ٢: هـ ٢٣ كتاب النكاح، باب الصداق.
[ ٩ / ١٩٥ ]
وقيل: يتممه لثيب كبيرة.
(وإن فعل ذلك غيره) أي: زوجها بدون صداق مثلها غير الأب من أوليائها (بإذنها: صح) ولم يكن لغيره الاعتراض مع رشدها. " لأن الحق لها. أشبه ما لو أذنت في بيع سلعة لها بدون مثلها.
(و) إن زوجها (بدونه) أي: بدون مهر المثل بغير إذنها وبغير تقديرها: (يلزم زوجًا تتمته) أي: تتمة مهر المثل في الأصح؛ لأن التسمية فاسدة هاهنا؛ لكونها غير مأذون فيها. فوجب على الزوج مهر المثل؛ كما لو زوجها بمحرم. وعلى الولي ضمانه " لأنه المفرط " كما لو باع مالها بدون ثمن مثله.
(ونصه) أي: نص الإمام أحمد في رواية ابن منصور: يلزم (الولي) تتمته؛ لأنه مفرط بعقده بدون مهر المثل. فلزمه (^١) التمام بتفريطه؛ (كتتمة من) أي: كما يلزم التتمة وليًا (زوّج بدون ما قدّرته) له من صداق " لأنه المضيع له بتزويجها بدون ما قدرته ولو كان أكثر من مهر المثل.
وعلم مما تقدم أنه لو كان ما قدرته دون مهر المثل فزوج به لم يكن لها غيره، لأنها رضيت به.
(ولا يصح كون) المهر (المسمى مَن) أي: رقيقا (يعتق على زوجة)،
كما لو زوجها على عبد هو عمها أو نحوه؛ لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف الصداق عليها؛ لأنه لو صحت التسمية لملكت المسمى، ولو ملكته لعتق عليها.
(إلا) أن يكون ذلك (بإذن) زوجة (رشيدة) فيصح؛ لأن الحق لها. فإذا رضيت به صح.
(وإن زوّج) الأب (ابنه الصغيربـ) مهر (أكثر من مهر المثل: صح) ولزم المسمى فيه، لأن المرأة لم ترض بدونه. فلا يجب لها أقل منه.
ولأنه قد يكون غبطة الابن ومصلحته فى بذل الزياد، على مهر المثل، والأب أعلم بتحصيل مصلحته في ذلك.
_________________
(١) في ب: فيلزمه.
[ ٩ / ١٩٦ ]
(ولا) يلزم إلا ذمة الابن، فلا (يضمن) الأب (مع عُسرة ابن) على الأصح؛ لأن الأب نائب عنه في التزويج. فلا يلزم النائب ما لم يلتزمه؛ كالوكيل في شراء سلعة.
(ولو قيل له) أي: لأب: (ابنك فقير، من أين يؤخذ الصداق؟ فقال: عندي، ولم يزد على) قوله (ذلك: لزمه) في الأصح.
(ولو قضاه) أي: قضى الأب الصداق كله (عن ابنه، ثم طلق) الابن الزوجة (ولم يدخل) أي: قبل أن يدخل بها (ولو) كان طلاقه (قبل البلوغ) أي: بلوغ الزوج: (فنصفه) أي: فنصف الصداق الذي استحق الرجوع فيه بالطلاق (للابن) دون الأب. قاله في " الرعاية ".
ووجهه: ان الابن هو المباشر للطلاق الذي هو (^١) سبب استحقاق الرجوع بنصف الصداق فكان ذلك لمتعاطي السبب دون غيره.
(ولأب قبض صداق) ثيب (^٢) (محجور عليها) لصغرها أو جنونها أو سفهها بغير إذنها؛ لأنه يلي مالها. فكان له قبضه؛ كثمن مبيعها.
(لا) قبض صداق مكلفة (رشيدة ولو) كانت (بكرًا إلا بإذنها)؛ لأنها المتصرفة في مالها. فاعتبر إذنها في قبضه؛ كثمن مبيعها.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: بنت.
[ ٩ / ١٩٧ ]
] فصل: في نكاح العبد]
(فصل. وإن تزوج عبد بإذن سيده) على صداق مسمى: (صح).
قال في " شرح المقنع ": بغير خلاف نعلمه.
قال في " الفروع ": (وله نكاح أمة ولو أمكنه حرة) وجاز. ذكره
أبو الخطاب وابن عقيل. وهو معنى كلام أحمد.
(ومتى أذن له) سيده في النكاح (وأطلق: نكاح واحدة فقط). نص
عليه.
(ويتعلق صداق ونفقة وكسوة ومسكن بذمة سيده)، سواء ضمن السيد ذلك
أو لم يضمنه، وسواء كان العبد مأذونا له في التجارة أو محجورًا عليه على (^١) الأصح. نص على ذلك؛ لأن ذلك حق تعلق بعقد بإذن سيده. فتعلق بذمه السيد وجاز بيعه فيه، كما لو رهنه بدين.
فعلى هذا لو باعه سيده أو أعتقه لم يسقط عن السيد. نص عليه؛ لأنه حق
تعلق بذمته أي: فلم يسقط بيعه وعتقه، كأرش جنايته.
(و) يتعلق (زائد على مهر مثل لم يؤذن فيه) من قبل سيده، (أو) زائد
(على ما سمى له برقبته) أي: رقبة العبد، لأن ذلك كجنايته.
(و) إن تزوج العبد (بلا إذنه) أي: إذن سيده: (لا يصح) النكاح وهو
باطل. نقله الجماعة.
وقال الأصحاب، كفضولي.
ووجه كونه غير صحيح: ما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " أيما
_________________
(١) في ب: في.
[ ٩ / ١٩٨ ]
عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر " (^١) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
ومفهومه: أن نكاحه مع الإذن صحيح. والعهر دليل على بطلان النكاح؛
لأنه لا يكون عاهرًا إلا إذا بطل النكاح.
(ويجب في رقبته) أي: رقبة العبد (بوطئه) في النكاح الذي لم يأذن فيه
سيده (مهر المثل) على الأصح؛ لأنه بضع أتلفه بغير حق. فوجب فيه قيمته وهي مهر المثل.
(ومن زوج عبده أمته: لزمه) أي: لزم العبد لسيده (مهر المثل يُتبع به)
أي: يتبعه به السيد (بعد عتق) أي: بعد أن يعتقه على الأصح، وهو المنصوص عن أحمد؛ لأن النكاح إتلاف بضع يختص به العبد فلزمه في ذمته. وقيل: لا يجب مهر وإن سمى.
وقيل: يجب ويسقط.
(وإن زوَّجه) أي: زوج عبده (حرة وصح) النكاح على رواية: أن الكفاءة
ليست شرطا لصحة النكاح، (ثم باعه لها) أي: باع العبد الذي زوجه حرة لزوجة العبد (بثمن في الذمة) أي: ذمة زوجة العبد (من جنس المهر) الذي أصدقها إياه: انفسخ نكاحها و(تقاصَّا بشرطه)، وهو: أن يتفق الدينان جنسًا وصفة وحلولًا وتأجيلًا أجلًا واحدًا. وهذا على الأصح من كون مهر العبد يتعلق بذمه السيد؛ لأنه قد ثبت للسيد عليها الثمن وثبت لها على السيد المهر، فإن كان قدر المهر والثمن سواء: سقطا، وإن كان المهر أكثر سقط من الثمن بقدره وكان
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٧٨) ٢: ٢٢٨ كتاب النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده. وأخرجه الترمذي في " جامعه" (١١١١) ٣: ٤١٩ كتاب النكاح، باب ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٥٩) ١: ٦٣٠ كتاب النكاح، باب تزويج العبد بغير إذن سيده. عن جابر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٥٠٧٣) ٣: ٣٧٧.
[ ٩ / ١٩٩ ]
لها مطالبته بما بقى، وإن كان الثمن أكثر سقط من المهر بقدره وردت عليه ما بقي؛ كما لو كان لها على السيد دين غير الصداق فباعها العبد بثمن في الذمه من جنس الدين.
(وإن باعه لها) أي: باع العبد للحرة التي زوجه إياها (بمهرها: صح) البيع وهو (قبل دخول وبعده) سواء على الأصح؛ لأن الصداق مال يصح جعله ثمنًا لغير هذا العبد. فصح أن يكون ثمنًا له؛ كغيره من الأموال. وينفسخ النكاح؛ لأن زوجها صار ملكا لها.
(ويرجع سيد) زوّج عبده (في فُرقة قبل دخول) وبعد قبض مهر (بنصفه) على الأصح.
ومن صور ذلك: شراء المرأة زوجها قبل الدخول.
[ ٩ / ٢٠٠ ]
] فصل: في ملكية الزوجة للمهر]
(فصل. وتملك زوجة بعقد) أي: عقد نكاحها (جميع) مهرها (المسمى). وعنه: لا تملك بعقد إلا نصفه، وفاقا لمالك.
قال ابن عبدالبر: هذا موضع اختلف فيه السلف والآثار، وأما الفقهاء اليوم فعلى أنها تملكه. وقول النبي ﷺ: " إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك " (^١): دليل على أن الصداق كله للمرأة لا يبقى للرجل منه شيء.
ولأن النكاح عقد يملك به المعوض بالعقد. فملك فيه العوض كاملا؛ كالبيع. وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد. ألا ترى أنها لو ارتدت سقط جميعه وإن كانت قد ملكت نصفه.
(ولها) أي: وللزوجة (نماء) مهر (معين؛ كعبد) معين (ودار) معينة
من حين عقد. فيكون كسب العبد ومنفعة الدار لها؛ لأنهما نماء ملكها.
(و) لها أيضًا (التصرف فيه) أي: في الصداق المعين بكل ما يجوز فيه من التصرف؛ لأنه ملكها.
(و) أما (ضمانه) إن تلف (ونقصه) فهو (عليه) أي: على الز وج: (إن متعها قبضه)؛ لأن الزوج إذا منعها من قبض ما ملكته كان (^٢) بمنزلة الغاصب. (وإلا) أي: وإن لم يمنعها الزوج قبض الصداق المعين (فـ) ضمانه إن تلف ونقصه إن نقص (عليها)؛ كالمبيع المعين إذا تلف أو نقص في يد البائع ولم يمنع المشتري من قبضه على الأصح.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨٣).
(٢) ساقط من أوب.
[ ٩ / ٢٠١ ]
و(كزكاته) إذا كان الصداق مما تجب فيه الزكاة، فإن حول زكاته] من حين [(^١) العقد.
(و) أما (غير المعين) من الصداق؛ (كقفيز من صبرة)، ورطل من زبرة
فإن ذلك (لم يدخل في ضمانها، ولا تملك تصرفا فيه إلا بقبضه؛ كمبيع) أي: كما لو كان ذلك مبيعا. وهذا على الأصح.
وروى مهنا عن أحمد: فيمن تزوجت على عبد ففقأت عينه إن كانت (^٢) قد قبضته فهو لها، وإن لم تكن قد قبضته فهو على الزوج.
فعلى هذا لا يدخل في ضمانها إلا بقبضه، سواء كان معينا أو غير معين.
وهو مذهب الشافعي.
(ومن) تزوج على صداق و(أقبضه ثم طلق) الزوجة (قبل دخول) بها، (ملك نصفه) أي: نصف الصداق (قهرًا)؛ كالميراث في الأصح.
فعلى هذا ما يحدث بعد الطلاق من نماء يكون بينهما.
والأصل في ذلك قوله ﷾: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
وقذ فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) البقرة: ٢٣٧ [أي: لكم أو لهن، فاقتضى ذلك أن النصف لها، والنصف له بمجرد الطلاق.
ولأن الطلاق سبب يملك به بغير عوض. فلم يقف (^٣) الملك على إرادته واختياره كالإرث.
ومحل دخول نصف الصداق في ملكه كما ذكر: (إن بقي بصفته) التي هو عليها حين العقد لم يزدد ولم ينقص، حتى (ولو) كان الباقي بصفته (النصف) من الصداق (فقط) أي: لا أكثر.
ولو كان النصف الباقي (مشاعًا)؛ كما لو كان الصداق عبدًا أو نحوه فباعت نصفه وتأخر النصف الباقي بيدها. فيملك بطلاقها النصف الثانى مشاعًا.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) في أ: كان.
(٣) في ب: فله نصف.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
(أو) كان النصف الباقي (معينا من متنصَّف)؛ كما لو أصدقها زبرة من حديد فقطعت نصفها وباعته وتأخر نصفها في ملكها. فيملكه الزوج بطلاقها ويأخذه؛ كما لو قاسمته عليه. وهذا المذهب.
وقيل: في المعين غير المثلي يأخذ نصف الباقي ونصفه قيمة الفائت.
(ويمنع ذلك) أي: ويمنع الرجوع في نصف عين الصداق إن تنصف أو في جميع عينه إن سقط: (بيع) أي: بيع المرأة الصداق (ولو مع خيارها) في البيع. (وهبة اقبضت) يعني: وكذا لو وهبته وأقبضته.
(وعتق) يعني: وكذا لو كان الصداق رقيفا فأعتقته؛ لزوال ملكها عنه في الصور الثلاث.
(ورهن) يعني: وكذا لو رهنت الصداق وأقبضته للمرتهن فإن الرهن وإن
لم يزل الملك عن الرقبة لكنه يراد للبيع المزيل للملك ولذلك لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه، ففي الرجوع في العين إبطال حق المرتهن من الوثيقة. فلم يجز.
(وكتابةٌ) يعني: وكذا لو كان الصداق رقيقا فكاتبته فإن الكتابة تراد للعتق المزيل للملك، وهي عقد لازم. فجرت مجرى الرهن في الأ صح.
(لا إجارة وتدبير وتزويج) يعني: أنه لو كان الصداق عبدًا أو نحوه فأجرته
أو دبرته أو زوجته لم يمنع ذلك رجوع الزوج في عينه، لكن يتخير الزوج فيه كما يأتى؛ لأنه نقص حصل في الصداق بغير جناية عليه. فإن اختار الرجوع في المستأجر صبر حتى تنفسخ الإجارة.
وأما إن تصرفت فيه تصرفا غير لازم؛ كما لو أوصت به أو أعارته أو أودعته
أو دفعته لمن يضارب فيه فإن وجود هذا التصرف كعدمه؛ لأنه تصرف لم ينقل الملك ولم يمنع المالك من التصرف. فلا يمنع من له (^١) الرجوع على من الصداق بيده، وهو العامل والمودَع والمستعير.
_________________
(١) في ج زيادة: الرجوع على المالك.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
(فإن كان) الصداق (قد زاد) عندها (زيادة منفصلة)؛ كما لو كان الصداق غنمًا أو نحوها فحملت عندها وولدت: (رجع في نصف الأصل) وهو الأمات (^١)، (والزيادة) التي هي أولادها (لها) أي: للزوجه؛ لأنها نماء ملكها، حتى (ولو كانت) الزيادة (ولد أمة) في الأصح (^٢) .
قال (^٣) في " الإنصاف ": وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب فإن الولد نماء منفصل، على الصحيح على ما تقدم. وصرح به القاضي في " التعليق ".
وقال في " المجرد ":] للزوج نصف قيمة الأم.
وقال في " الخلاف ": يرجع بنصف الأمة. قاله في " القواعد ". انتهى.
وقال بعض الأصحاب: لا يجوز [(^٤) للزوج الرجوع في نصف الأمة حذرًا (^٥)
من التفريق في بعض الزمان.
قال في " الإنصاف ": قلت: وفي هذا نظر ظاهر، فإن ذلك كالأمة المشتركة إذا ولدت. انتهى.
(وإن كانت) الزيادة في الصداق زيادة (متصلة)؛ كالسمن أو تعليم صنعة (وهي) أي: والزوجة (غير محجور عليها: خترت بين دفع تصفه زائدًا) ويلزمه قبوله؛ لأنها دفعت إليه حقه وزيادة لا تضر ولا تتميز، (وبين دفع نصف قيمته يوم العقد: إن كان) الصداق (متميزًا) كعبد وبقرة معينين؛ لأن المهر المتميز يدخل في ضمانها بمجرد العقد. فتعتبر صفته وقت العقد.
وإنما صرنا إلى نصف القيمه؛ لأن الزيادة لها ولا يلزمها بذلها ولا يمكنها دفع الأصل بدون الزيادة فصرنا إلى نصف القيمة يوم تعتبر صفته.
_________________
(١) في ب: الأمهات.
(٢) في ج: الأصل.
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من أوب.
(٥) في أ: حذارًا.
[ ٩ / ٢٠٤ ]
(وغيره) أي: غير المتميز؛ كما لو أصدقها عبدًا من عبيده، أو بقرة من بقره
إذا زاد زيادة متصلة وتنصف الصداق يكون (له) أي: للزوج (قيمة نصفه) أي: نصف الصداق (يوم فرقة، على أدنى صفة من) وقت (عقد إلى) وقت (قبض). وفي " الكافي ": أو إلى وقت التمكين منه.
(والمحجور عليها لا تعطيه) إذا تنصف المهر المتميز وقد زاد زيادة متصلة (إلا نصف القيمة) حالة العقد.
(وإن نقص) الصداق (بغير جناية عليه)؛ كما لو كان (^١) عبدًا ذا صنعة فنسيها، أو كان أمرد فنبتت لحيته، أو كان الصداق طيبا فانقطعت رائحته، او عصيرًا فصار خلًا: (خُيِّر زوج غير محجور عليه، بين أخذه) نصفه (ناقصا) وتجبر هي على ذلك، (ولا شيء له غيره) أي: غير نصفه؛ لأنه قد رضي بأخذه ناقصا من غير جنايه عليه. فلا يلزمها له أرش. نص على ذلك؛ لأن ذلك نصف عين ماله المفروض. فلو أوجبنا له أرشا مع النصف لكنا قد أوجبنا للزوجة أقل من نصف المفروض فيكون مخالفا للنص، (وبين أخذ نصف قيمته يوم عقد، إن كان متميزًا)؛ لأن ضمان نقصه عليها فلا يلزمه أخذ نصفه ناقصا؛ لأنه دون حقه.
(وغيره) أي: غير المتميز من الصداق إذا تنصف وقد نقص، ليس للزوج
إلا نصف قيمته (يوم الفرقة على أدنى صفة من) وقت (عقد إلى) وقت (قبض)؛ لأن المهر غير المتميز في ضمان الزوج إلى وقت أن تقبضه الزوجة. (وإن اختاره) أي: اختار الزوج أن يأخذ نصف الصداق (ناقصا) وكان النقص (بجناية)؛ كما لو كان الصداق حيوانا ففقأ شخص عينه: (فـ) إن (له) أي: للزوج (معه) أي: مع أخذه نصف الصداق (نصف أرشها) أي: أرش الجناية.
قال في " الإنصاف ": أما إن كان بجناية جان فالصحيح أن له مع ذلك نصف
_________________
(١) في أ: كانت.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
الأرش. قاله في " البلغة " وغيره، وهو واضح. انتهى.
(وإن زاد) الصداق (من وجه، ونقص من) وجه (آخر)؛ كما لو كان الصداق عبدا هزيلا ذا صنعة فسمن ونسي الصنعة. (فلكل) من الزوج والزوجه (الخيار) يعني: فيخير الزوج بين أخذه ناقصا بنسيان الصنعة وبين أخذه نصف قيمته، وتخير الزوجة بين دفع نصفه زائدا بالسمن، وبين دفع نصف قيمته. وعبارة " الفروع ": وإن زاد من وجه ونقص من وجه؛ كعبد صغير كبر، ومصوغ كسرته وأعادته صياغة أخرى: فلكل منهما الخيار. انتهى.
(ويثبت) الخيار بين دفع النصف ونصف القيمة (بما) أي: بشيء (فيه غرض صحيح)؛ ككون العبد شفوقًا على أطفال مالكه أو نحو ذلك، (وإن لم تزد قيمته) بذلك.
قال في " الإنصاف ": ولا يشترط للخيار زيادة القيمة بل ما فيه غرض مقصود. قاله في " البلغة " و" الترغيب " وغيرهما، وظاهر كلام بعضهم خلافه.
(وحملٌ) حادث (في أمة: نقص، و) حمل (في بهيمة: زيادة، ما لم يفسد اللحم) به.
(وزرعٌ) نقص لأرض، (وغرس نقص لأرض). وحرث الأرض زيادة محضة، إن بذلتها له بزيادتها لزمه قبولها؛ كالزيادات المتصلة كلها، وإن لم تبذلها دفعت نصف قيمتها.
(ولا أثر لكسر مَصُوغ وإعادته كما كان، ولا لسمن زال ثم عاد).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. قدمه في " الفروع "،
وفي " المغني " والشرح: وجهان. انتهى.
(ولا) أثر أيضًا (لارتفاع سوق) ولا لنقلها الملك فيه ثم طلق وهو بيدها.
قاله في " الإنصاف " ولم يذكر فيه خلافا.
(وإن تلف) الصداق بعد أن قبضته، (أو استُحق بدين)؛ كما إذا أفلست
[ ٩ / ٢٠٦ ]
المرأة وحجر الحاكم عليها ثم تنصف الصداق (رجع) زوجٌ (في) صداق (مثلي: بنصف مثله)، ويشارك بذلك الغرماء.
(و) رجع (في غيره) أي: غير الصداق المثلي (بنصف قيمة متميز)، وتعتبر قيمته (يوم عقد)، ويشارك بذلك الغرماء.
(و) رجع في (غيره) أي: غير المتميز مما هو متقوم بنصف قيمته (يوم
فرقة على أدنى صفة من عقد إلى قبض)، ويشارك بذلك الغرماء.
(ولو كان) الصداق (ثوبا فصبغته) الزوجة ثم تنصف الصداق، (أو) كان الصداق (أرضا فبنتها) ثم تنصف الصداق (فبذل الزوج) للمرأة (قيمة زائد) أي: قيمة زيادة (^١) نصف الثوب بالصبغ، أو قيمة زيادة (^٢) نصف الأرض بالبناء (ليملكه) أي: ليملك نصف الثوب مصبوغا ونصف الأرض مبنيا: (فله ذلك) على الأصح؛ لأنه استحق الثوب أو الأرض وفيها بناء أو صبغ لغيره. فإذا بذل قيمته لزم الآخر قبوله؛ كالشفيع إذا أخذ الأرض بعد بناء المشتري فيها، والمعير إذا رجع في أرضه وفيها بناء للمستعمر فإنه يلزم صاحب البناء قبول القيمة إذا بذلها الشفيع أو المعير. كذا هاهنا.
وإن بذلت له النصف بزيادته (^٣) لزمه قبوله؛ لأنها زادته خيرًا.
(وإن نقص) الصداق (في يدها بعد تنضفه: ضمنت نقصه مطلقا) أي: سواء كان متميزًا أو لا، وسواء طلبه ومنعته حتى نقص أو لا في الأصح؛ لأنه وجب له نصف الصداق بالطلاق. فلم يدخل في ضمانه إلا بالقبض. وإذا لم يدخل في ضمانه فنقص قبل قبضه فهو من ضمانها.
وعلى القول بأنها لا تضمن نقصه بعد تنصفه لو قال الزوج: نقص قبل تنصفه، وقالت: بل بعده، حلفت؛ لأن الأصل بقاؤه غير ناقص إلى حين التنصف (^٤) .
_________________
(١) في ب: زائدة.
(٢) في ب: زائدة.
(٣) في ج: بزيادة.
(٤) في ب: التنقيص.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
(وما قُبض من) صداق (مسمى بذمة)؛ كما إذا تزوجها على عبد موصوف
في الذمة أو نحو ذلك فإن حكمه (كـ) صداق (معين) بالعقد في جميع ما ذكر، لأنه استحق بالقبض عينا. فصار كما لو عينه بالعقد.
(ويعتبر في تقويمه) أي: تقويم ما قبض عما في الذمة (صفته يوم قبضه)؛ لأنه الوقت الذي ملكته فيه.
ومتى بقي ما قبضته إلى حين تنصفه وجب رد نصفه بعينه في الأصح. جزم به
ابن عبدوس في " تذكرته " وقدمه في " الرعايتين ".
(والذي بيده عقدة النكاح) في قوله ﷾: (إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح)] البقرة: ٢٣٧ [: (الزوج)، لا ولي الصغيرة على الأصح. يروى ذلك عن علي وابن عباس وجبير بن مطعم، وبه قال سعيد بن المسيب وشريح وسعيد بن جبير ونافع مولى ابن عمر ومجاهد وإياس بن معاوية وجابر بن زيد وابن سيرين والشعبي والثوري وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد.
وعن أحمد: أنه الولي إذا كان أبًا للصغيرة، وهو قول الشافعي في (^١) القديم
إذا كان أبًا أو جَدًا.
وحكي عن ابن عباس وعلقمه والحسن وطاووس والزهري وربيعة ومالك؛
لأن الولي بعد الطلاق هو الذي بيده عقدة النكاح، لكونها قد خرجت عن يد الزوج. ولأن الله ﷾ ذكر عفو النساء عن نصيبهن. فينبغي أن يكون عفو الذي بيده عقدة النكاح عنه، ليكون العفو عنه في الموضعين واحد.
ولأن الله ﷾ بدأ بخطاب الأزواج على المواجهة بقوله ﷾: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) - ثم قال-) أويعفوا الذى بيده عقدة النكاح)] البقرة: ٢٣٧ [، وهذا خطاب غير الحاضر.
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
ولنا: ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " ولي العقده الزوج " (^١) .
ولأن الذي بيده عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج فإنه يتمكن من قطعه وفسخه وإمساكه، وليس إلى الولي منه شيء.
ولأن الله ﷾ قال: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)] البقرة: ٢٣٧ [، والعفو الذي أقرب للتقوى عفو الزوج عن حقه، وأما عفو الولي عن مال المرأة فيس هو أقرب إلى التقوى.
ولأن المهر مال للزوجة. فلا يملك الولي هبته وإسقاطه؛ كغيره من أموالها وحقوقها، وكسائر الأولياء. ولا يمنع ذلك العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب؛ كقوله ﷾ (^٢): (حتى إذا كنتم فى الفك وجرين بهم بريح طيبة)] يونس: ٢٢].
(فـ) على هذا (إذا طلق) الزوج (قبل دخول، فأيهما) أي: أيّ الزوجين (عفا لصاحبه) أي: للزوج الآخر (عما وجب له) أي: عما استقر ملكه عليه بسبب الطلاق (من) نصف (مهر، وهو) أي: والعافي (جائز التصرف) في ماله بأن كان مكلفا رشيدًا غير محجور عليه: (برئ منه صاحبه)؛ لقول الله ﷾: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسًا فكلوه هنيئا مريئا)] النساء: ٤].
قال أحمد في رواية المروذي: ليس شيء. قال الله تعالى: (فكلوه (^٣) هنيئا مريئا)] النساء: ٤ [سماه غير المهر بهبة المرأة للزوج.
وقال علقمة لامرأته: هبي لي من الهنيء المريء، يعني: من صداقها.
(ومتى أسقطته عنه) أي: أسقطت المرأة المهر عن الزوج، (ثم طُلقت)
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٢٨) ٣: ٢٧٩ باب المهر.
(٢) في ب: كقوله تعالى.
(٣) في الأصول: كلوه.
[ ٩ / ٢٠٩ ]
قبل دخول (أو ارتدت قبل دخول) وقد أسقطته عنه (رجع) الزوج عليها (في) المسألة (الأولى)، وهي: ما إذا أسقطته ثم طلقت: (ببدل نصفه) أي: نصف الصداق على الأصح.
(و) رجع عليها (في) المسألة (الثانية)، وهي: ما إذا أبرأته من صداقها
ثم ارتدت قبل الدخول: (ببدل جميعه) على الأصح؛ لأن عود نصف الصداق أو كله إلى الزوج بالطلاق أو الردة وكل منهما غير الجهة المستحق بها الصداق أوّلًا. فهو كما لو أبرأ إنسان إنسانًا من دين عليه ثم استحق عليه مثل المبرأ منه بوجه آخر فلا يتساقطان بذلك.
(كعوده إليه) أي: وكعود الصداق إلى الزوج (ببيع) ثم يطلقها أو ترتد قبل الدخول فإنه يرجع عليها يبدل النصف في صورة تنصفه، أو بكله في صورة إسقاطه.
(أو هبتها (^١) العين) أي: وكما لو أصدقها عينا فوهبتها (لأجنبي ثم وهبها) الأجنبى (له) أي: للزوج فإنه يملك الرجوع في جميع هذه الصور على التفصيل المتقدم.
(ولو وهبته) أي: وهبت المرأة الزوج (نصقه) أي: نصف الصداق،
(ثم تنصِّف) بطلاق أو نحوه: (رجع) الزوج (في النصف الباقي) كله في الأصح؛ لأنه وجد نصف ما أصدقها بعينه. فأشبه ما لو لم تهبه.
(ولو تبرَّع اجنبي بأداء مهر) عن الزوج ثم سقط المهر بفسخ أو ردة أو تنصف بطلاق أو نحوه قبل الدخول (فالراجع) من صداق أو نصفه (للزوج) في الأصح؛ لأن الأجنبى وهب ذلك للزوج بقضائه عنه. فإذا عاد إليه الاستحقاق بغير الجهة المستحقة أولًا كان للزوج؛ كما لو كان أداه (^٢) من ماله.
(ومثله) أي: ومثل ذلك في الحكم (أداء ثمن) عمن اشترى سلعة متبرعًا
به عن المشتري (ثم يفسخ) البيع (لعيب) فإن المشتري يرجع بنظير الثمن على بائعه.
_________________
(١) في ب: أو وهبتها.
(٢) في ب: أداؤه.
[ ٩ / ٢١٠ ]
[فصل: في سقوط الصداق]
(فصل. ويسقط) الصداق (كله- إلى غير متعة- بفُرقة لعان) على الأصح
قبل تقرره؛ لكون الفرقة (^١) من قبلها؛ لأن الفسخ إنما يقع إذا تم لعانها.
(وفسخه) أي: فسخ الزوج النكاح (لعيبها) أي: عيب المرأة؛ لكونها رتقاء، أو فتقاء، أو جذماء، أو برصاء، أو نحو ذلك قبل تقرره لتلف المعوّض قبل تسلمه. فسقط العوض كله؛ كالبائع يتلف المبيع بيده قبل تسليمه.
(أو) فرقة جاءت (من قبلها؛ كإسلامها تحت كافر) قبل تقرره، (و) كـ (ردَّتها ورضاعها مَن ينفسخ به نكاحها) قبل تقرره؛ لأنها أتلفت العوض قبل تسليمه. أشبه ما لو أتلف البائع المبيع قبل قبضه.
(وفسخها لعيبه أو إعساره أو عدم وفائه بشرطٍ) شرطته عليه في النكاح، (واختيارها لنفسها بجَعْله) أي: جعل الزوج (لها) ذلك (بسؤالها) إياه أن يجعله لها (قبل دخولٍ) أي: قبل وجود ما يقرره من الدخول أو الخلوة في جميع الصور المتقدمة؛ لأن كلًا من ذلك فسخ تم بفعل المستحق للصداق. فسقط به؛ كما لو باشر المستحق إسقاطه.
وكذا ما لو جاءت الفرقة من قبل الشرع؛ كمن (^٢) أسلم على أكثر من أربع من الكتابيات قبل وجود ما يقرر المهر واختار منهن أربعًا فإن ما عدا هذه الأربع يسقط مهرهن؛ لأن الشارع اضطره إلى الفرقة بالحبس والتعزير.
(ويتنصَّف) صداقها (بشرائها زوجَها)؛ لأن البيع إنما تم بالسيد القائم مقام الزوج فلم يتمحض السبب منها فلذلك وجب نصف المهر هاهنا؛ كالخلع.
_________________
(١) في ج: الفسخ.
(٢) في ج: كما لو.
[ ٩ / ٢١١ ]
(و) يتنصف الصداق أيضًا بكل (فرقة) جاءت (من قبله) أي: قبل الزوج؛ (كطلاقه) الزوجة ولو بسؤالها، (وخلعه) إياها (ولو بسؤالها)؛لأن الفرقة إنما تمت في صورة سؤالها بجواب الزوج، (و) كـ (إسلامه ما عدا مختارات من أسلم) أي: وكالفرقة الحاصلة بإسلام الزوج قبل وجود ما يقرره من الدخول، أو الخلوة إذا كانت الزوجة غير كتابية.
(و) يتنصف المهر أيضًا بـ (ردّته) قبل وجود ما يقرره لمجيء الفرقة من قبله.
(و) بـ (شرائه إياها) أي: بشراء الزوج زوجته (ولو) كان شراوه إياها (من مستحق مهرها) وهو سيدها الذي زوَّجه إياها؛ لأن ذلك لا فعل فيه للز وجة.
ولأن الفرقة إنما حصلت بقبول زوجها في عقد البيع.
(أو قِبَل أجنبي) يعني: أن المهر يتنصف إذا جاءت الفرقة من قبل أجنبي؛ (كرضاع) أي: كما لو أرضعت أخته أو نحوها زوجته الصغيرة رضاعًا محرمًا، (ونحوه) أي: نحو الرضاع؛ كما لو وطئ ابن الزوج الزوجة (قبل دخول) فإن مهرها يتنصف؛ لأن الفرقة جاءت من قبل أجنبي.
(ويقرِّرُه) أي: يقرر المهر (كاملًا موت) أي: موت أحد الزوجين (ولو بقتل أحدهما) أي: أحد الزوجين (الاخر، أو) قتل أحدهما (نفسه)؛ لأن النكاح بلغ نهايته. فقام ذلك مقام الاستيفاء في تقرير المهر.
ولأنه أوجب العده على المرأة. فأوجب كمال المهر؛ كالدخول.
(أو) كان (موته) أي: موت الزوج (بعد طلاق) منه، (في مرض موت، قبل دخول)؛ لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة. فوجب؛ كمال المهر.
ومحل ذلك: (ما لم تتزوَّج) قبل موته عملًا بالطلاق، (أو ترتدّ) عن الإسلام. فإنها لو ارتدت من غير طلاق لسقط مهرها.
(و) يقرر المهر كاملًا أيضًا (وطؤها) أي: وطء الزوج الزوجة (حية في
[ ٩ / ٢١٢ ]
فرج ولو دُبرًا) أو في غير خلوة؛ لأنه قد وجد استيفاء المقصود. فاستقر العوض.
(و) يقرر المهر كاملًا أيضًا (خلوة بها) أي: خلوة الزوج (^١) بالزوجة وإن لم يطأ. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر. وبهذا قال علي بن الحسين وعروة وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في القديم.
وقال شريح والشعبي وطاووس وابن سيرين والشافعي في الجديد:
لا يستقر إلا بالوطء، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس، وروي نحوه أيضًا عن أحمد. فروى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: إذا صدقته المرأة أنه لم يطأ لم يكمل لها الصداق وعليها العدة؛ لقول الله ﷾: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذه قد طلقها قبل أن يمسها.
وقال ﷾: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]
والإفضاء: الجماع.
ولأنها مطلقة لم تُمس. أشبهت من لم يُخل بها.
ولنا: إجماع الصحابة. فروى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى
قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون: أن من أغلق بابًا أو أرخى سترًا فقد
وجب (^٢) المهر ووجبت العدة " (^٣) . ورواه أيضًا عن الأحنف عن ابن عمر وعلي.
وعن سعيد بن المسيب وسعيد بن ثابت: عليها العدة ولها الصداق كاملًا.
وهذه قضايا اشتهرت ولم يخالفهم أحد في عصرهم. فكان كالإجماع.
_________________
(١) في أ: زوج.
(٢) في ج: أوجب.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " (١٢) ٢: ٤١٨ كتاب النكاح، باب إرخاء الستور. عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل، أنه إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق". ولم أره في "مسند أحمد".
[ ٩ / ٢١٣ ]
وما رووه عن ابن عباس لا يصح.
قال أحمد في رواية ليث: وليس بالقوي. وقد رواه حنظلة على خلاف ما رواه قيس، وحنظلة أقوى من ليث.
وحديث ابن مسعود منقطع. قاله ابن المنذر.
ولأن التسليم المستحق وُجد من جهتها. فيستقر به البدل؛ كما لو وطئها،
أو كما لو أجرت دارها وسلمتها أو باعتها.
وأما قوله ﷾: [مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ] [البقرة: ٢٣٧] فيحتمل: أنه كنى بالسبب عن المسبب الذي هو الخلوة، بدليل ما ذكرناه.
وأما قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] فقد حكي عن الفراء أنه
قال: الإفضاء الخلوة، دخل بها أو لم يدخل؛ لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو الخالي، فكأنه قال: وقد خلا بعضكم إلى بعض.
ويشترط للخلوة المقررة للمهر كاملًا: أن تكون (عن مميز وبالغ مطلقًا)،سواء كان أحدهما مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان ذكرًا أو أنثى، وسواء كان عاقلًا أو مجنونًا.
(ولو) كان الزوج (أعمى مع علمه) بالزوجة (ولم تمنعه) الزوجة من نفسها.
ومحل ذلك: (إن كان) الزوج (يطأ مثله، و) كانت الزوجة (يُوطأ مثلها)؛كابن عشريخلو ببنت تسع.
(ولا تُقبل دعواه) أي: دعوى الزوج (عدم علمه بها) أي: بالزوجة لنومه عنها (ولو كان به) أي: بالزوج (عمى). نص عليه؛ لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك.
وقيل: تقبل دعواه عدم علمه إذا كان أعمى.
قال في " الإنصاف ": وقال في المذهب: إن صدقته لم تثبت الخلوة وإن كذبته فهي خلوة. فعلى المنصوص قدم الأصحاب هنا العادة على الأصل. انتهى.
[ ٩ / ٢١٤ ]
(أو بهما) يعني: أن الخلوة تثبت ويترتب عليها حكمها، ولو كان بهما (أو أحدهما) يعني: أو كان بأحدهما (مانع حسي؛ كجَبٍّ) أي: كما لو كان الزوج مقطوع الذكر، (ورتق) أي: وكما لو كانت الزوجة رتقاء، وهي مسدودة الفرج.
(أو) كان بهما أو بأحدهما مانع (شرعي؛ كحيض، وإحرام، وصومٍ واجب) يعني: كما لو خلا بها وهي حائض، أو وهو أو وهي محرمة، أو وهو أو وهي "صائمة صومًا واجبًا، ولو كانت الخلوة في نهار رمضان فإنها تقرر المهر كاملًا إذا وجدت بقية الشروط على الأصح؛ لأن الخلوة نفسها مقررة للمهر؛ لعموم الحديث فإنه لم يفرق فيه بين إمكان الوطء وعدمه.
ولأن التسليم وُجد من المرأة وهو التمكين التام والمنع من جهة أخرى ليست من فعلها وذلك لا يؤثر في التمكين، كما لا يؤثر في إسقاط النفقة المستحقة بالعقد فكذلك في المهر.
(و) يقرر المهر كاملًا أيضًا (لمس) للزوجة بشهوة (^١)، (ونظر إلى فرجها بشهوة) ولو لم يخل بها فيهما.
قال في " الفروع ": ويقرره لمس ونحوه لشهوة. نص عليه. انتهى.
ووجه ذلك: قوله ﷾: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].وحقيقة اللمس: التقاء البشرتين.
(و) يمرره أيضًا كاملًا) (تقبيلُها بحضرة الناس)؛ لأن القبلة أجريت مجرى الوطء في قطع خيار المشتري. فيجب أن يكون في تقرير الصداق كذلك.
قال أحمد: إذا أخذها فمسها وقبض عليها من غير أن يخلو بها لها الصداق كاملًا إذا نال منها شيئًا لا يحل لغيره.
وقال في رواية مهنا: إذا تزوج امرأة فنظر إليها وهي عريانة تغتسل أوجب عليه المهر.
_________________
(١) في أ: لشهوة.
[ ٩ / ٢١٥ ]
وروى عنه إبراهيم: إذا اطلع منها على ما يحرم على غيره فعليه المهر؛ لأنه نوع استمتاع، فهو كالقبلة.
(لا إن تحمَّلت بمائه) أي: تحملت المرأة بمني زوجها من غير خلوة بها فإن ذلك لا يقرر المهر كاملًا في الأصح.
(ويثبت به) أي: بتحمل المرأة ماء الرجل (نسب وعدَّة ومصاهرة ولو) كان الماء (من أجنبي) أي: غير زوجها.
(لارجعة) (^١) أي: لا إن تحملت بماء من طلقها رجعيًا في عدته فإنه لا يثبت بذلك رجعة.
قال في" الرعاية ": ولو استدخلت مني زوج أو أجنبي بشهوة ثبت النسب والعدة والمصاهرة، ولا تثبت رجعة ولا مهر المثل ولا يقرر المسمى. انتهى.
(ولو اتفقا) أي: الزوج والزوجة التي خلا بها (على أنه لم يطأ في الخلوة: لم يسقط المهر، ولا العدة). نص عليه؛ لأن كلًا منهما يفرّ مما يلزمه.
إذا علم ذلك فإن من الأصحاب من قال: إن الخلوة مقررة للمهر لمظنة الوطء. ومن الأصحاب من قال: إنما قررت؛ لحصول التمكين بها، وهي طريقة القاضي.
وقال ابن عقيل: إنما قررت المهر كاملًا لأحد أمرين:
إما: لإجماع الصحابة، وهو حجة.
وإما: لأن طلاقها بعد الخلوة بها وردها زهدًا فيها، فيه ابتذال وكسر. فوجب جبره
بالمهر.
وقيل: بل المقرر هو استباحة ما لا يباح إلا بالنكاح من المرأة فدخل في
_________________
(١) في ب: رجعية.
[ ٩ / ٢١٦ ]
ذلك الخلوة واللمس بمجردهما (^١) . وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب.
ذكره في " القواعد ".
(ولا تثبت) بخلوة (أحكام الوطء: من إحصان، وحلِّها لمطلِّقها ثلاثًا، ونحوهما)؛ كتحريم المصاهرة، وحصول الرجعة.
قال في " الإنصاف ": ولا يتعلق بالخلوة بقية حكم الوطء. على الصحيح من المذهب.
وقيل: كمدخول بها، إلا في حلها لمطلقها وإحصان. قاله في " الفروع ".
ونقل أبو الحارث وغيره: هي كمدخول بها، ويجلدان إذا زنيا. انتهى.
***
_________________
(١) وهو تعليل حسن.
[ ٩ / ٢١٧ ]
[فصل: في الاختلاف في الصداق]
(فصل. وإذا اختلفا) أي: اختلف الزوجان، (أو ورثتهما، أو) اختلف (زوج وولي صغيرة في قدر صداق، أو) في (عينه، أو) في (صفته، أو) في (جنسه، أو) في
(ما يستقر به) الصداق: (فقول زوجٍ) بيمينه، (أو وارثه بيمينه) على الأصح.
أما كون القول قول الزوج أو وارثه في قدر الصداق؛ فلأنه منكر للزيادة ومدعى عليه، فقد دخل في عموم قوله ﷺ: " ولكن اليمين على المدعى عليه " (^١) .
وأما كون القول قوله في عين الصداق؛ كما لو ادعت أنه أصدقها هذه الأمة، وقال هو: بل هذا العبد. وفي صفته؛ كما لو قالت: أصدقتني عبدًا روميًا، فقال: بل زنجيًا. وفي جنسه؛ كما لو قالت: أصدقتني كذا من البر، قال: من الشعير. وفيما يستقر به المهر؛ كما لو قالت: خلوت بي، قال: لم أخل بك؛ فلأنه منكر والقول قول المنكر بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما لم يجب (^٢) بإقراره ولا ببينة (^٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧١١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٤٢) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٥٤٢٥) ٨: ٢٤٨ كتاب آداب القضاة، عظة الحاكم على اليمين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٢١) ٢: ٧٧٨ كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٨٨) ١: ٣٤٣.
(٢) في ج: مما يجب.
(٣) في ب: بينة.
[ ٩ / ٢١٨ ]
(و) إذا اختلف الزوجان أو ورثتهما (^١) (في قبضٍ) لصداق (^٢)، (أو) في (تسمية مهر مثلٍ: فقولهُا) إن وجدت، (أو) قول (ورثتها بيمين) من قبل المنكر؛ لأن الأصل عدم القبض وعدم التسمية.
(وإن تزوَّجها) أي: تزوج رجل امرأة (على صداقين: سر، وعلانية: أخذ) الزوج (بـ) الصداق (الزائد مطلقًا) أي: سواء كان الزائد صداق السر أو كان الزائد صداق العلانية. وهذا هو الأصح؛ للحوق الزيادة بالصداق بعد العقد على ما يأتي.
قال في " الإنصاف ": أما على تقدير وقوع أن مهر السر أكثر: فلا نعلم أحدًا صرح بأنها لا تستحق الزائد. انتهى.
وقال الخرقي: وإن تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالعلانية، وإن كان قد انعقد بالسر.
قال الموفق في " المغني " ومن تابعه من الشارح (^٣) وغيره: وجه قول الخرقي: أنه إذا عقد في الظاهرعقدًا بعد عقد السر فقد وجد منه بذلُ الزائد على مهر المثل. فيجب ذلك عليه؛ كما لو زادها في صداقها. قالوا: ومقتضى ما ذكرناه من التعليل لكلام الخرقي: أنه إن كان مهر السر اكثر من العلانية وجب مهر السر؛ لأنه وجب عليه بعقد ولم يسقطه العلانية فبقي وجوبه. انتهى (^٤) .
قال الزركشي: قد حملنا كلام الخرقي على ما إذا كان العلانية أزيد وهو متأخر بناء على الغالب. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قلت: هذا الواقع ولا يتأتّى في العادة غيره. انتهى.
(وتُلحق به) أي: بالمهر (زيادة بعد عقد) أي: عقد النكاح ما دامت في
_________________
(١) في أ: أورثتهما.
(٢) في ب: الصداق.
(٣) في ب: الشراح.
(٤) في أ: انتهوا.
[ ٩ / ٢١٩ ]
حباله: (فيما يُقرِّرُه) أي: يقرر المهر كاملًا، (و) فيما (ينصِّفُه) على الأصح.
قال أحمد في الرجل يتزوج المرأة على مهر فلما رآها زادها في مهرها: فهو جائز. فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف الصداق الأول ونصف الزيادة. وبهذا قال
أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة بالعقد؛ لأن الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد بعد لزومه. فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه. فلا تكون عوضًا في النكاح؛ كما لو وهبها شيئًا.
ولأنها زيادة في عوض العقد بعد لزومه. فلم تلحق به؛ كالبيع.
ولنا: قول الله ﷾: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر. فكان حالة للزيادة؛ كحالة العقد. وبهذا فارق البيع والإجارة.
وقوله: إنه لم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه يبطل بجيمع الصداق فإن الملك ما حصل به، ولهذا صح خلوه عنه.
إذا ثبت هذا فإن معنى لحوق الزيادة: أنه يثبت لها حكم المسمى في العقد، في أنها تتنصف بالطلاق قبل الدخول، ولا تفتقر إلى شروط الهبة. وليس معناه: أن الملك يثبت فيها من حين العقد.
ولأنها ثبتت لمن كان الصداق له؛ لأن الملك لا يجوز تقدمه على سببه ولا وجوده في حال عدمه، وإنما يثبت الملك بعد سببه من حينئذ.
(وتُملك) الزيادة (به) أي: بجعلها (من حينها. فما) زاده زوج (بعد عتق زوجة) زوّجها سيدها وهي أمة (لها) دون سيدها.
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: تملك الزيادة من حينها. نقله مهنا في أمة عتقت فزيد مهرها. وجعلها القاضي لمن أصل الزيادة له. انتهى.
(ولو قال) الزوج: هو (عقد) واحد (أُسِرَّ ثم أُظهر) بالبناء للمفعول،
[ ٩ / ٢٢٠ ]
(وقالت) الزوجة: بل هما (عقدان بينهما فرقة، فـ) القول في ذلك (قولها) بيمينها؛ لأن الظاهر أن الثاني عقد صحيح يفيد حكمًا كالأول. ولها المهر في العقد الثاني إن كان دخل بها ونصف المهر في العقد الأول إن ادعى سقوط نصفه بالطلاق قبل الدخول. وإن أصر على الإنكار سئلت المرأة فإن أدعت أنه دخل بها في النكاح ثم طلقها طلاقًا بائنًا ثم نكحها نكاحًا ثانيًا حلفت على ذلك واستحقت، وإن أقرت بما يسقط نصف المهر أو جميعه لزمها ما أقرت به. قاله في " شرح المقنع ".
(وإن اتَّفقا قبل عقد على مهر، وعقداه بأكثر تجمُّلًا) مثل: أن يتفقا على أن المهر ألف ويعقدانه على ألفين (فالمهر: ما عقد عليه) وهما الألفان على الأصح؛ لأنها تسمية صحيحة في عقد صحيح. فوجبت (^١)؛ كما لو لم يتقدمها اتفاق على خلافها.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون السر من جنس العلانية بأن يتفقا على ألف درهم ويعقداه على ألفي درهم، أو من غير جنسه بًان يتفقا على ألف درهم ويعقداه على مائة دينار.
(ونص: أنها تفي) لزوجها (بما وعَدتْ به وشرَطتْه) يعني: أنه حيث تقرر أن الواجب مهر العلانية فيستحب للمرأة أن تفي للزوج بما وعدته به وشرطته:
من أنها لا تأخذ منه إلا مهر السر.
قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا زوَّجوا امرأة في السر وأعلنوا مهرًا ينبغى أن يفوا (^٢)، ويؤخذ بالعلانية. فاستحب الوفاء بالشرط؛ لكيلا يحصل منهم غرور.
ولأن النبي ﷺ قال: " المؤمنون على شروطهم " (^٣) .
(وهدية زوج ليست من المهر). نص عليه. (فما) أهداه الزوج (قبل
_________________
(١) في ب: فوجب.
(٢) في ج: يوفوا.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح.
[ ٩ / ٢٢١ ]
عقدٍ: إن وعَدُوه) بأن يزوجوه (ولم يَفُوا) بأن زوجوا غيره (رجع بها) أي: بالهدية.
قال في " الإنصاف ": قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: وهذا مما لا شك فيه. انتهى.
(وما قُبض) أي: قبضه أخو الزوجة أو نحوه (بسبب نكاح)؛ كالذي يسمونه الميكلة (فكمهر) أي: فحكمه حكم المهر فيما يقرره وينصفه.
(وما كُتب فيه المهر: لها، ولو طُلقت) أي: لا يخرج منها بطلاقها. قال ذلك والمسألة التي قبلها الشيخ تقي الدين.
(وتُردُّ هدية) على زوج (في كل فرقة اختياريَّة مسقطة للمهر؛ كفسخ لفَقْد كفاءة، ونحوه قبل الدخول.
وتثبت) الهدية (مع) أمر (مقررٍ له) أي: للمهر (أو لنصفه).
قال في القاعدة الخمسين بعد المائة: حكى الأثرم عن الإمام أحمد في المولى يتزوج العربية: يفرق بينهما. فإن كان دفع إليها بعض المهر ولم يدخل بها: يردوه، وإن كان أهدى هدية: يردونها عليه.
قال الماضي في " الجامع ": لأن في هذه الحال (^١) يدل على أنه وهب شرط بقاء العقد. فإذا زال ملك الرجوع؛ كالهبة بشرط الثواب. انتهى.
قال فى " الإنصاف ": وهذا في الفرقة القهرية لفقد الكفاءة ونحوها ظاهر.
وكذلك الفرقة الاختيارية المسقطة للمهر.
فأما الفسخ المقرر للمهر أو لنصفه (^٢) فتثبت معه الهدية. انتهى.
(ومن أخذ) شيئًا (بسبب عقد؛ كدلاّل) في بيع، (ونحوه)؛ كإجارة (فإن فُسخ بيعُ بإقالة، ونحوها: مما يقف على تراض: لم يرده.
_________________
(١) في ب: الحالة.
(٢) في أ: نصفه.
[ ٩ / ٢٢٢ ]
وإلا) أي: وإن لم يقف الفسخ على تراض؛ كالفسخ لعيب أو نحوه:
(رده) أي: رد ما أخذ بسبب عقد.
(وقياسه) أي: وقياس ذلك في الأنكحة: (نكاح فُسخ لفقد كفاءة، أو عيب فيردُّه)
أي: فيرد الآخذُ ما أخذ بسبب عقد النكاح؛ لأن الفسخ بذلك لم يقف على تراضي الزوجين، وإنما يقع قهرًا على الزوج وعلى المعيب منهما.
(لا) إن فسخ (لردَّة ورضاع ومخالَعة) فإن الآخذ لا يرد في هذه الصور شيئًا.
قال في " الإنصاف ": وإن كانت العطية لغير المتعاقدين بسبب العقد؛ كأجرة الدلال ونحوها ففي النظريات لابن عقيل: إن فسخ البيع بإقالة ونحوهما مما يقف على التراضي فلا ترد الأجرة. وإن فُسخ بخيار أوعيب: ردت؛ لأن البيع وقع مترددًا بين اللزوم وعدمه.
وقياسه في النكاح: أنه إن فُسخ لفقد الكفاءة أو لعيب: رُدت. وإن فسخ لردة أو رضاع أو مخالعة: لم ترد. انتهى. نقله صاحب "القواعد".
***
[ ٩ / ٢٢٣ ]
[فصل: في عدم تسمية الصداق]
(فصل في المفوّضة) بكسر الواو وفتحها. فمن كسر أضاف الفعل إلى المرأة على أنها فاعلة، ومن فتح أضافه إلى وليها.
ومعنى التفويض: الإهمال، كأن المهر أهمل حيث لم يسم. قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
يعني: مهملين.
(و) التفويض ضربان:
الأول: (تفويض بُضع: بأن يزوج اب بنته المجبرة، أو غيرها بإذنها) بلا مهر، (أو) يزوج (غير الأب بإذنها)؛ كأخ يزوج أخته (بلا مهر) فيصح العقد مع عدم تسمية صداق. ويجب لها مهر المثل في قول عامة أهل العلم؛ بدليل قوله ﷾: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وروي عن ابن مسعود "أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بِرْوع بنت واشق امرأةٍ منا مثل ما قضيت " (^١) . رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٢١١٦) ٢: ٢٣٧ كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٤٥) ٣: ٤٥٠ كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها.
[ ٩ / ٢٢٤ ]
ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره.
ولا فرق في ذلك بين أن يقول: زوجتك بغير مهر أو يزيد لا في الحال ولا
في الثانى (^١)؛ لأن معناهما واحد.
(و) الضرب الثانى: (تفويض مهر) وهو: أن يجعلا الصداق إلى رأي أحد الزوجين أو رأي أجنبي؛ (كـ) أن يقول: زوجتك بنتي أو أختي أو نحوهما (على ما شاءت) الزوجة، (أو شاء) الزوج، (أو شاء أجنبي)، أي: فلان وهو أجنبي من الزوجين، (ونحوه) أي: نحو هذا اللفظ؛ كزوجتك على حكمك، أو حكمها، أو حكمي، (فالعقد صحيح) في جميع هذه الصور.
(ويجب به) أي: بالعقد في المسألتين (مهر المثل)؛ لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق، لكنه مجهول. فسقط لجهالته، ووجب مهر المثل.
(ولها مع ذلك) أي: مع التفويض (ومع فساد تسمية)؛ كما لو تزوجها على خمر أو خنزير أو كلب (طلب فرضه) قبل الدخول وبعده فإن امتنع أجبرعليه؛ لأن النكاح لا يخلو من المهر. فوجب لها المطالبة ببيان قدره. وبهذا قال الشافعي.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه مخالفًا.
(ويصح إبراؤها منه) أي: إبراء الزوجة من مهر المثل (قبل فرضه) أي:
قبل أن يفرضه الحاكم على الأصح.
وعنه: لا؛ لجهالته.
ووجه الصحة: انعقاد سبب وجوبه وهو عقد النكاح؛ كالعفو عن القصاص
بعد الجرح وقبل الزهوق.
(فإن تراضيا ولو على) شيء (قليل: صح) يعني: أنه إن اتفق الزوجان على فرضه جاز ما رضياه، قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كانا عالمين بمهر المثل أو جاهلين به؛ لأنه إذا فرض لها كثيرًا فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن
_________________
(١) في ب: المال.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
فرض لها يسير فقد رضيت بدون ما يجب لها.
(وإلا) أي: وإن لم يتراضيا على شيء (فرَضه) أي: فرض مهرَ المثل (حاكمُ بقدره) أي: بقدر مهر المثل؛ لأن الزيادة عليه ميل على الزوج، والنقص عنه ميل على الزوجة ولا يحل الميل.
ولأنه إنما يفرض بدل البضع فيقدر بقدره كالسلعة إذا تلفت يرجع في تقويمها بما يقوله أهل الخبرة، ويعتبر معرفة مهر المثل؛ ليتوصل إلى إمكان فرضه.
ومتى صح الفرض صار كالمسمى في العقد في أنه يتنصف بالطلاق، ولا تجب المتعة معه.
(ويلزمهما فرضه كحكمه) يعني: يلزم الزوجين ما فرضه الحاكم، رضيا به أو لم يرضيا؛ كما يلزمهما ما حكم به.
قال في"الفروع": (فدل أن ثبوت سبب المطالبة؛ كتقديره أجرة مثلٍ أو نفقةٍ، ونحوه حكم)، خلافًا لمالك. انتهى.
قال ابن نصر الله في " حاشية الفروع ": قوله: فدل أن ثبوت سبب المطالبة وهو هنا فرض الحاكم فإن مجرد فرضه له سبب لمطالبتها، وليس بحكم صريح ولكنه متضمن للحكم. انتهى.
يعني: (فلا يغيِّره) أي: يغير حكم الحاكم الأول (حاكم آخر: ما لم يتغيَّر السبب)؛ كيسرة في النفقة أو عسرة.
(وإن مات أحدهما) أي: أحد الزوجين اللذين لم يسم في عقد نكاحهما صداق (قبل دخولٍ) بالزوجة (و) قبل (فرضٍ) للصداق، سواء كان الميت الزوج أو الزوجة: (وَرِثه صاحبه)؛لأن ترك تسمية الصداق لم يقدح في صحة النكاح.
(ولها) مع وجود ما يقرر المهر من موت أو دخول أو غيرهما (مهر نسائها)
أي: مهر مثلها المعتبر بمن يساويها من جميع أقاربها كما يأتي؛ لحديث ابن مسعود السابق (^١) .
_________________
(١) ر. حديث ابن مسعود في ص (٢٢٤) رقم (١).
[ ٩ / ٢٢٦ ]
(وإن طُلقِّت) المفوضة (قبلهما) أي: قبل الدخول وفرض المهر (لم يكن عليه) أي: على المطلق (إلا المتعة) على الأصح. نص عليه أحمد في رواية الجماعة. وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء والثوري والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي.
وعن أحمد رواية أخرى: أن لها نصف مهر مثلها، لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول. فوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول؛ كما لو سمى لها محرّمًا.
وقال مالك والليث وابن أبي ليلى: المتعة مستحبة، لأن الله ﷾ قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
ولأنها لو كانت واجبة لم تختص (^١) المحسنين دون غيرهم.
ولنا: قوله ﷾: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].والأمر يقتضي الوجوب.
ولقوله ﷾ أيضًا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].
ولأن أداء الواجب من الإحسان فلا تعارض.
ولأنه طلاق في نكاحٍ يقتضي عوضًا. فلا يعدل عنه؛ كغير المفوضة.
وإن طلقت قبل الدخول وبعد فرضه كان لها نصف ما فرض لها، ولا متعة على الأصح؛ لقوله ﷾: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ولأنه مفروض يستقر بالدخول. فيتنصف (^٢) بالطلاق قبله، كالمسمى في العقد.
_________________
(١) في ب: يخص.
(٢) في أوب: فتنصف.
[ ٩ / ٢٢٧ ]
وكل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة إذا كانت مفوضة، وكل فرقة سقط بها المسمى؛ كاختلاف الدين، والفسخ بالرضاع ونحوه إذا جاء من قبلها لا تجب به متعة. وذلك لأن المتعة أقيمت مقام نصف المسمى. فسقطت في كل موضع يسقط؛ كما يسقط الأبدال إذا سقط مبدَلها.
(وهي) أي: المتعة: (ما تجب لحرة أو سيد أمة على زوج، بطلاقٍ قبل دخول، لمن لم يُسمَّ لها مهر مطلقًا) أي: سواء كانت مفوضة البضع، أو مفوضة المهر، أو سمي لها مهر فاسد؛ كالخمر والخنزير، وسواء في ذلك الحر والعبد والحرة والأمة والمسلم والذمي والمسلمة والذمية؛ لعموم النص.
ولأن ما يجب من الفرض يستوي فيه المسلم والكافر والحر والعبد، كالمهر.
وإن وهب الزوج للمفوضة شيئًا ثم طلقها قبل فرض الصداق فقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يكن فرض لها مهرًا ثم وهب لها غلامًا ثم طلقها قبل الدخول؟ قال: لها المتعة. وذلك؛ لأن الهبة لا تنقضي بها المتعة، كما لا ينقضي بها نصف المهرالمسمى.
ولأن المتعة إنما تجب بالطلاق فلا يصح قضاؤها قبله.
ولأنها واجب. فلا تنقضي بالهبة، كالمسمى، ولا تتقدر المتعة، بل يكون (على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره). وذلك، لأن (^١) المتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره. نص عليه أحمد وهو الأصح.
وقيل: بحال الزوجة.
وقيل: بحالهما.
ووجه المذهب: قوله ﷾: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا نص في أنها تعتبر بحال الزوج. ولو كان الاعتبار بحال الزوجة لم يكن على الموسِع قدره وعلى المقتر قدره.
_________________
(١) في أ: أن.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
إذا ثبت هذا (فأعلاها خادم) إذا كان الزوج موسرًا، (وأدناها) إذا كان الزوج فقيرًا (كسموة تجزئها) أي: تجزئ المرأة (في صلاتها)،وهي درع وخمار وثوب تصلي فيه.
ونحو ما ذكرنا في أدناها قال الثوري والأوزاعي وعطاء ومالك وأبوعبيد. وأصحاب الرأي قالوا: درع وخمار وملحفة.
وعنه: يرجع في تقدير المتعة إلى الحاكم.
وعنه: يجب للمفوضة إذا طلقت نصف مهر المثل.
والأول المذهب.
(ولا تسقط) المتعة (إن وهبته) أي: وهبت المرأة للزوج (مهر المثل قبل الفرقة) في الأصح، لأن الله ﷾ قال: [وَمَتِّعُوهُنَّ] [البقرة: ٢٣٦] فأوجب لها المتعة فيه. وهي إنما وهبته مهر المثل فلا تدخل المتعه فيه.
ولا يصح إسقاطها قبل الفرقة؛ لأنه إسقاط ما لم يجب. فلا يصح؛ كما لو أسقطت الشفعة قبل البيع.
(وإن دخل) الزوج (بها) أي: بالمفوّضة: (استقر مهر المثل)؛ لأنه يقرر مهر المثل ما يقرر المسمى.
(ولا متعة) للمفوضة التي تقرر لها مهر المثل بالدخول عليها: (إن طُلقت بعد) أي: بعد تقرر مهر المثل لها على الأصح، لقوله ﷾: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ثم قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فخص الأولى بالمتعة والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم حكمًا. فدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه (^١) .
_________________
(١) في أوب: بحكم.
[ ٩ / ٢٢٩ ]
(ومهر المثل معتبر بمن يساويها من جميع أقاربها) على الأصح. وذلك؛ (كأم وخالة وعمة وغيرهن)؛ كأخت وبنت أخ وبنت عم، (القربى فالقربى)؛ لقوله في حديث ابن مسعود: "ولها صداق نسائها" (^١) . فإن المرأة تطلب لحسبها كما جاء في الأثر وحسبها يختص به أقاربها، ويزداد المهر لذلك ويقل لعدمه.
وتعتبر المساواة (في مال) متعلق بيساويها وكذا ما بعده، (وجمالٍ، وعقلٍ وأدبٍ، وسِنٍ، وبَكارةٍ أو ثُيُوبةٍ، و) في (بلدٍ) وفي صراحةِ نسبها وكل ما يختلف لأجله الصداق. وإنما اعتبرت هذه الصفات؛ لأن مهر المثل إنما هو بدل متلف. فاعتبرت الصفات المقصودة فيه.
(فإن لم يكن) في نسائها (إلا دونها: زيدَت بقدر فضيلتها)؛ لأن زيادة فضيلتها يقتضي زيادة في مهرها، فتقدر الزيادة بقدر الفضيلة.
(أو) لم يوجد في نسائها (إلا فوقها: نُقِصت بقدر نقصها)؛ كأرش العيب بقدر نقص المبيع.
(وتُعتبر عادة: في تأجيل) أي: عادة نسائها في تأجيل المهر (وغيره)؛ كفي جنسه. وإن كانت عادتهم التخفيف على عشيرتهم دون غيرهم اعتبر ذلك.
وعلى هذا: لو كانت عادتهم التخفيف لمعنى مثل: شرف الزوج ويساره ونحو ذلك اعتبر ذلك جريًا على عادتهم.
(فإن اختلفت) عادتهم (أو) اختلفت (المهور: أُخذ بـ) مهر (وسطٍ حال) من نقد البلد. فإن جمعت نقودًا فمن غالبه؛ لأنه بدل متلف. فأشبه قيم المتلفات.
(وإن لم يكن لها أقارب: اعتُبر شَبَهُها بنساء بلدها. فإن عُدمن) أي: عدمت نساء بلدها: (فـ) يكون الاعتبار (بأقرب النساء شَبهًا بها، من أقرب بلد إليها)؛ لأنه لما تعذر أقاربها اعتبر أقرب الناس شبهًا بها من غيرهم، كما اعتبرنا الأقارب البعيدة مع عدم الأقارب القريبة.
_________________
(١) ر. حديث ابن مسعود في ص (٢٢٤).
[ ٩ / ٢٣٠ ]
[فصل: في صداق العقد الفاسد]
(فصل. ولا مهر بفرقة قبل دخول) [أو خلوة] (^١)، (في نكاح فاسد، ولو بطلاق أو موت)؛ لأن المهر يجب بالعقد والعقد فاسد؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه. فإذا افترقا قبل الدخول بطلاق أو غيره فلا مهر فيه؛ لأنه عقد فاسدُ. فيخلو من العوض؛ كالبيع الفاسد.
(وإن دخل) أي: وطئ فيه الزوجة (أو خلا بها) فيه: (استقر) عليه المهر (المسمى) على الأصح المنصوص؛ لأن في بعض ألفاظ حديث عائشة " ولها الذي أعطاها بما أصاب منها " (^٢) .
قال القاضي: حدثناه أبو بكر البرقاني وأبو محمد الخلال بإسنادهما.
ولأنهما اتفقا على أنه المهر. فيلزمهما ذلك باعترافهما.
واستقراره بالخلوة بقياسه على العقد الصحيح.
(ويجب مهر المثل بوطءٍ ولو) كان الوطء (من مجنون في) نكاح (باطل إجماعًا)؛ كنكاح زائدة على أربع، (أو) وطء (بشبهة، أو) وطء (مكرَهة على زنًا)، إذا كان وطؤها (في قُبُل دون أرش بكارة) للمكرهة على الأصح.
يعني: أنه متى وطئت امرأة باسم نكاح باطل إجماعًا، أو وطئت بشبهة؛ كمن وطئ امرأة أجنبية يظنها امرأته (^٣)، أو وطئت امرأة مكرهة بزنا فإنه يجب لها مهر المثل بذلك؛ لقوله ﷺ: " فلها المهر بما استحل من فرجها " (^٤) أي: نال منه،
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) أخرجه أحمد في"مسنده" (٢٥٣٦٥) ٦: ١٦٦ ولفظه: "ولها مهرها بما أصاب منها".
(٣) في أوب: امرأة.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٨٣) ٢: ٢٢٩ كتاب النكاح، باب في الولي. وأخرجه الترمذي في"جامعه" (١١٠٢) ٣: ٤٠٧ كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي.
[ ٩ / ٢٣١ ]
وهو الوطء. فإن ذِكْره الاستحلال في غير موضع الحل دليل على إرادة المباشرة المقصودة بالاستحلال وهي الوطء وقد وجدناها هنا. فيجب المهر بذلك.
ولأنه إتلاف للبضع بغير رضى مالكه. فأوجب القيمة وهو المهر، كسائر المتلفات.
وأما كونه لا يجب مع المهر أرش البكارة، لأنه وطء ضُمِن بالمهر. فلا يجب معه الأرش؛ كسائر الوطء.
ولأن الأرش يدخل في مهر المثل، لأنه يعتبر ببكرٍ مثلها، فلا يجب مرة أخرى.
ولا فرق بين كون الموطوءة أجنبية أو من ذوات محارمه على الأصح؛ لأن ما ضُمن للأجنبي ضمن للمناسب؛ كالمال ومهر الأمة.
ولأنه أتلف منفعة بضعها بالوطء. فلزمه مهرها؛ كالأجنبية.
ولأ ـحل مضمون على غيره. فوجب عليه ضمانه؛ كالمال.
وبهذا فارق اللواط فإنه غير مضمون على أحد؛ لأن الشرع لم يرد ببدله ولا
هو إتلاف لشيء. فأشبه القبلة والوطءَ دون الفرج.
(ويتعدد) المهر (بتعدُّدِ شبهة)؛ كما لو وطئها ظانًا أنها زوجته فاطمة، ثم وطئها ظانًا أنها زوجته عائشة، ثم وطئها ظانا انها أمته فإنه يجب عليه ثلاثة مهور.
(و) يتعدد عليه المهر أيضًا بتعدد (إكراه) على الزنا، لا بتكرار الوطء في الشبهة الواحدة. قاله بمعناه في " الترغيب " وغيره.
وذكر أبو يعلى الصغير: يتعدد بتعدد الوطء في الشبهة، لا في نكاح فاسد.
وفي " المغني " و" النهاية " وغيرهما في الكتابة (^١): يتعدد في نكاح فاسد ووطؤه مكاتبته: إن استوفت مهرًا عن الوطء الأول، وإلا فلا.
وفي " الانتصار " و" عيون المسائل " و" المغني ": لا يتعدد في نكاح
_________________
(١) وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٨٧٩) ١: ٦٠٥ كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولى. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢٤٤١٧) ٦: ٦٦ كلهم عن عائشة. في ب: الكناية.
[ ٩ / ٢٣٢ ]
فاسد. وقاله في " التعليق "؛ لدخولها على أن تستحق مهرًا أي: واحدًا.
(ويجب) المهر (بوطءِ ميتة).
قال في "الفروع ": ولو وطئ ميتة لزمه المهر في ظاهر كلامهم. وهو متجه.
وقيل للقاضى: لو لم يبطل الإحرام بالموت لزمته الفدية إذا طيب؟ فقال: إنما لم تلزمه؛ لأن وجوبها يتعلق بحصول الانتفاع بذلك، وبالموت يزول، والمنع لحق الله، ولا يزول بالموت.
ولأنه باطل بالمحُرم الميت في عهد النبي ﷺ.
ولأنه لا يمتنع بقاء التحريم. ويزول الضمان بالمال، كما أن كسر عظم الميت محرم ولا ضمان، ووطء الميتة محرم ولا مهر ولا حد. فسوَّى القاضي بين المهر والحد في النفي، فقد يتوجه منه استواؤهما، فيثبت في هذا ما يثبت في هذا. انتهى.
(لا مطاوعةٍ) يعني: أنه لا يجب للحرة المطاوعة على الزنا مهر؛ لأنه إتلاف للبضع برضى مالكه. فلم يجب له شئ؛ كسائر المتلفات، وسواء كان الوطء في قبل أو دبر.
(غير أمة)، لأنها لا تملك بضعها ولا يسقط حق سيدها بطواعيتها.
(أو مبعَّضة بقدر رق) يعني: أن المبعضة لو طاوعت على الزنا لا يسقط حق مالك بعضها (^١) من مهرها ما يقابل قدر ماله فيها من الرق؛ لأن رضاها لا يسقط حق مالك بعضها من مهرها.
(وعلى من أذهبَ عُذرة أجنبية) أي: غير زوجة (بلا وطء، أرشُ بكارتها) لا مهر مثلها على الأصح؛ لأنه إتلاف جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه. فرجع فيه إلى أرشه؛ كسائر المتلفات.
(وإن فعله) أي: أذهب عذرتها (زوج) بلا وطء، (ثم طلَّق) من أذهب عذرتها بغير الوطء (قبل دخول) بها: (لم يكن عليه إلا نصف المسمى)؛
_________________
(١) في ج: بضعها.
[ ٩ / ٢٣٣ ]
لقوله ﷾: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذه مطلقة قبل المسيس والخلوة فلا يكون لها سوى نصف الصداق المسمى.
ولأنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد. فلا يضمنه بغيره؛ كما لو أتلف عذرة أمته.
(ولا يصح تزويج مَن نكاحها فاسد، قبل طلاقٍ أو فسخٍ. فإن أباهما)
أي: أبى الطلاق والفسخ (زَوْج: فَسَخَه حاكم). نص عليه.
وظاهره لو زوجها (^١) قبل فسخه لم يصح مطلقًا، خلافا لمالك. قاله في" الفروع ".
وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق، لأنه نكاح غير منعقد. أشبه النكاح في العدة.
ولنا: أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتيج في التفريق إلى إيقاع فرقة؛ كالصحيح المختلف فيه.
ولأن تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسليط زوجين عليها، كل واحد منهما يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين.
قال في " شرح المقنع ": فعلى هذا متى تزوجت بآخر قبل التفريق: لم يصح النكاح الثاني، ولم يجز تزويجها لثالث حتى يطلّق الأولان أو يفسخ نكاحهما. انتهى.
(ولزوجة قبل دخول، منعُ نفسها) من الزوج (حتى تقبض مهرًا حالاًّ) عليه. ولا فرق في ذلك بين المسمى لها والمفوضة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن للمراة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها.
_________________
(١) في ج: تزوجها، وقد سقطت من ب.
[ ٩ / ٢٣٤ ]
ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء. فإذا تعذر استيفاء المهر عليها لم يمكنها استرجاع عوضها. بخلاف البيع.
(لا) إذا كان المهر (مؤجلًا) ثم (حلَّ)؛ لأنها رضيت بتأخيره.
(ولها زمنه) أي: وللزوجة زمن امتناعها من أجل قبض مهرها الحالّ: (النفقة).
قال في " الفروع ": وعلّل أحمد وجوب النفقة بأن الحبس من قبله.
وظاهر كلام جماعة: لا نفقة. وهو متجه. انتهى.
(و) للزوجة أيضًا زمن امتناعها من أجل قبض مهرها الحال (السفر بلا إذنه) أي: إذن الزوج؛ لأنه لم يثبت للزوج عليها حق الحبس. فصارت كمن لا زوج لها. ولو بقي منه درهم كان كبقاء جميعه؛ كسائر الديون.
قال في " الإنصاف ": حيث قلنا لها منع نفسها: فلها أن تسافر بغير إذنه.
قطع به الجمهور.
وقال في " الروضة ": لها ذلك في أصح الروايتين. انتهى.
(ولو قبضته) أي: قبضت مهرها الحال (وسلَّمت نفسها، ثم بان) الذي قبضته (مَعيبًا: فلها منع نفسها) حتى تقبض بدله؛ لأنها إنما أسلمت نفسها ظنًا منها أنها قبضت صداقها فتبين عدمه.
(ولو أبى كلُ) من الزوج والزوجة (تسليم ما وجب عليه) للآخر؛ بأن قال الزوج: لا أسلم إليها الصداق حتى أتسلمها، وقالت: لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي الحالّ: (أُجبر زوج) على تسليم الصداق أوّلًا، (ثم) أجبرت (زوجة) على تسليم نفسها؛ لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولًا خطر إتلاف البضع، والامتناع من بدل الصداق. فلا يمكن الرجوع في البضع.
(وإن بادر أحدهما) أي: أحد الزوجين (به) أي: ببذل ما وجب عليه للآخر: (أُجبر الآخر)؛ لأنه لم يبق له حجة في التأخير.
(ولو أبت) الزوجة (التسليم) أي: تسليم نفسها (بلا عذر) لها: (فله)
أي: فللزوج (استرجاع مهرٍ قُبض) أي: قبضته منه.
[ ٩ / ٢٣٥ ]
قال في " الإنصاف ": فإن بادر هو فسلم الصداق فله طلب التمكين. فإن أبت بلا عذر فله أسترجاعه. انتهى.
(وإن دخل) الزوج بها مطاوعة (أو خلا بها مطاوعة: لم تملك منع نفسها) منه (بعد) أي: بعد ما ذكر في الأصح؛ لأن التسليم استقر به العوض برضى المسلم. فلم يكن لها أن تمنع (^١) نفسها بعد ذلك.
وعلم مما تقدم أنه لو وطئها مكرهه لم يسقط حقها من الامتناع بعد ذلك؛ لأنه حصل بغير رضاها فهو كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرهًا.
(وإن أعسر) الزوج (بمهر حالٍّ ولو بعد دخول) في الأصح (فلحرة مكلفة) أي: فللزوجة إن كانت حرة مكلفة (الفسخ)؛لأنه تعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض. فكان لها الفسخ؛ كما لو أفلس المشتري.
ومحل ذلك الفسخ: (ما لم تكن) الزوجة (عالمة بُعسرته) أي: عسرة الزوج حين العقد لرضاها به معسرًا.
(والخِيَرَة) في الفسخ (لـ) ـزوجة (حرة) مكلفة (وسيد أمة. لا ولي صغيرة ومجنونة)؛ لأن الحق إذا كانت حرة مكلفة لها، وإذا كانت أمة فلسيدها؛ لأنه مالك نفعها. والصداق عوض منفعتها فهو ملكه.
(ولا يصح الفسخ إلا بحكم حاكم)؛ لأنه فسخ مختلف فيه. فأشبه الفسخ للعنة، والفسخ للإعسار بالنفقة.
ولأنه لو قيل بصحته بغير حكم حاكم لاعتقدت الزوجة إباحتها للأزواج بذلك، والزوج يعتقد بقاء زوجته. فإذا تزوجت معتمدة على فسخها من غير حاكم صار لها زوجان كل واحد يعتقد حلها له وتحريمها على الآخر. وهذا لا يكون في الإسلام.
ومن اعترف لامرأة بأن هذا ابنه منها لزمه لها مهر مثلها؛ لأنه الظاهر. قاله في
" الترغيب " واقتصر عليه في " الفروع ".
_________________
(١) في أ: تعلم.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
[باب: الوليمة]
(باب الوليمة. وهي اجتماعُ لطعام عُرْس خاصة). هذا قول أهل اللغة.
قاله في " المطلع ".
قال ابن عبدالبر: قاله ثعلب وغيره. واختاره الموفق والشارح وغيرهما.
وقدمه في " النظم ".
وقال بعض أصحابنا: الوليمة تقع على كل طعام لسرورٍ (^١) حادث إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر.
وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث إطلاقًا متساويًا. قاله القاضي في" الجامع ". نقله عنه الشيخ تقي الدين.
وقال في " المستوعب ": وليمة الشيء: كماله وجمعه؛ لأنها مشتقة من الالتيام
والاجتماع.
قال ابن الأعرابي. يقال: أوْلم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه.
وأصل الوليمة تمام الشئ واجتماعه.
ويقال للقيد: ولم؛ لأنه يجمع إحدى الرجلين إلى الأخرى.
وقال الأزهري: مسمي طعام العرس وليمة؛ لاجتماع الرجل والمرأة.
(وحِذَاق): اسم (لطعام عند حِذَاقِ صبي.
وعَذِيرة وإعْذار). اسم (لطعام ختان.
وخُرْسة وخُرْس): اسم (لطعام ولادة.
_________________
(١) في ب: بسرور.
[ ٩ / ٢٣٧ ]
ووكِيرةُ): اسم (لدعوة بِناء.
ونَقيعة): اسم لطعام (لقدوم غائب.
وعَقِيقة): اسم (لذبح لمولود.
ومَأدُبة): اسم (لكل دعوة لسبب وغيره.
ووضيِمةُ): اسم (لطعام مأتم.
وتُحفة): اسم (لطعام قادم.
وشُنْدخِيَّة): اسم (لطعام إملاكٍ على زوجة.
ومُشدَاخ): اسم (لـ) طعام (مأكول في ختمة القارى).
وقد نظمها بعضهم ولم يستوعبها، فقال:
وليمة عرس، ثم خُرس ولادة وليمة عرس، ثم خُرس ولادة
ومأدبة أطلق نَقيعة غائب وَضِيمة موت والوَكيرة للدار
وزيدت لأملاك المزوج شندخ ومشداخ المأكول في ختمة القاري
فأخلَّ بالحذاق وبالتحفة.
(ولم يخُصُّوها) أي: الدعوة (لإخاءٍ وتَسَرٍ باسم.
وتسمى الدعوة العامة: الجَفَلَى) بفتح الفاء.
(و) تسمى الدعوة (الخاصة: النّقَرى).
قال الشاعر:
نحن في المشتاة (^١) ندعو الجفلى نحن في المشتاة (^٢) ندعو الجفلى
أي: يخص قومًا دون قوم. والآدب بالمد: صاحب المأدبة.
(وتُسن الوليمة بعقد) أي: عقد النكاح؛ لما روي أن النبي ﷺ أمر بها
_________________
(١) في أوب: المشتاء.
(٢) في أوب: المشتاء.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
وفعلها " فقال لعبد الرحمن بن عوف حين قال له: تزوجت: أولم ولو بشاة " (^١) .
وقال الحسن: " ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه ما أولم على زينب جعل يبعثني فأدعو له الناس فأطعمهم لحمًا وخبزًا حتى شبعوا " (^٢) .
وقال أنس: " إن رسول الله ﷺ اصطفى صفية لنفسه فخرج بها حتى بلغ ثنية الصهباء. فبنى بها. ثم صنع حيسًا في نِطع صغير. ثم قال: ائذن لمن حولك. فكانت وليمة رسول الله ﷺ على صفية " (^٣) متفق عليهن.
قال في " الإنصاف ": تستحب الوليمة بالعقد. قاله ابن الجوزي، واقتصر عليه في " الفروع "، وقدمه في " تجريد العناية ".
وقال الشيخ تقي الدين: تستحب بالدخول.
قلت: الأولى أن يقال: وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا. وكمال السرور بعد الدخول، لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير. انتهى.
وقال في " الإنصاف " أيضًا: ولو بشاة فأقل. قاله في "الرعايتين "و
" الحاوي الصغير " و" الفروع " وغيرهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٧٢٢) ٣: ١٤٣٢ كتاب فضائل الصحابة، باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٤٢٧) ٢: ١٠٤٢ كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد. . .
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٧٧) ٥: ١٩٨٣ كتاب النكاح، باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض. عن أنس بن مالك قال: " ما رأيت النبي ﷺ أولى على أحد عن نسائه ما أولم عليها- أي زينب- أولم بشاة ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٨) ٢: ١٠٤٨ كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العرس. عن أنس قال: " ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب. قال ثابت البناني: بما أولم؟ قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه ".
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢١٢٠) ٢: ٧٧٨ كتاب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها. ولم أره في مسلم.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
وقال في"الهداية"و"المذهب"و"المستوعب"و"الخلاصة"و"المحرر"وغيرهم: يستحب أن لا تنقص عن شاة. انتهى.
والإجابة إلى دعوة الوليمة واجبة بشروط أشير إليها بقوله:
(وتجب إجابة من عيَّنه) بالدعوة (داعٍ مسلم: يحرُم هجره، ومكسبُه طيب إليها) أي: إلى الوليمة، (أول مرة: بأن يدعوه في اليوم الأول). وسيأتى الكلام على محترزات ما ذكر.
ووجه وجوب الإجابة؛ ما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: "شرالطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب فقد عصى الله ورسوله " (^١) رواه مسلم.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها " (^٢) متفق عليه.
وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله " (^٣) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
فجعل ترك الإجابة عصيانًا لله ورسوله. وهذا معنى الوجوب.
ولأن الدعوة إنما تصنع للفرح والسرور باجتماع الإخوان، وفي ترك الإجابة كسر (^٤) لقلب الداعي. فوجبت الإجابة لذلك.
وقيل: إجابة الدعوة فرض كفاية.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٤٣٢) ٢: ١٠٥٤ كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٨٨٤) ٥: ١٩٨٥ كتاب النكاح، باب إجابة الداعي في العرس ونحوه. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٤٢٩) ٢: ١٠٥٢ الموضع السابق.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٧٤١) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٩١٣) ١: ٦١٦ كتاب النكاح، باب إجابة الداعي، عن أبي هريرة. ولم أره في الترمذي.
(٤) في أوب: كسرًا.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
وقيل: مستحبة.
(وتُكره إجابة من في ماله) جزء (حرام؛ كأكله) يعني: كما يكره أكله (منه، ومعاملته، وقبول هديته، و) قبول (هبته، ونحوه)؛ كقبول صدقته.
وفي جواز الأكل من مال من في ماله حرام أربعة أقوال:
أحدها: التحريم مطلقًا. قطع به ولد الشيرازي في " المنتخب ".
قال الأزجي في " نهايته ": هذا قياس المذهب. وقدمه أبو الخطاب في" الانتصار ". وسأل المروذي أحمد عن الذي يعامل بالربا يأكل عنده؟ قال: لا.
قال في "الرعاية الكبرى " في آدابها: ولا يأكل مختلطًا بحرام بلا ضرورة.
القول الثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلا فلا. قدمه في" الرعاية ".
القول الثالث: إن كان الحرام أكثر حرم الأكل، وإلا فلا إقامة للأكثر مقام الكل. قطع به ابن الجوزي في " المنهاج ".
نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورِث مالًا فيه حرام: إن عرف شيئًا بعينه رده، وإن كان الغالب على ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا.
ونقل حرب في الرجل يخلف مالًا: إن كان غالبه نهبًا أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه، إلا أن يكون يسيرًا لا يعرف.
القول الرابع: عدم التحريم مطلقًا قلّ الحرام أو كثر، لكن يكره. وتَقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. جزم به في"المغني " و"الشرح "،وقاله
ابن عقيل في " فصوله " وغيره، وقدمه الأزجي وغيره. وهذا القول هو الذي في المتن.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. وأطلقهن في " الفروع " في باب صدقة التطوع و" القواعد الأصولية ".
قال في " الفروع ": وينبني على هذا الخلاف حكم معاملته وقبول صدقته وهبته وإجابة دعوته ونحو ذلك. انتهى.
[ ٩ / ٢٤١ ]
وحيث تقرر أنه إنما تجب إجابة من عينه الداعي المسلم في اليوم الأول (فإن دعا) رب الوليمة (الجفَلَى) بفتح الفاء، ويقال: الأجفلى وذلك، (كـ) قوله: (أيها الناس تعالوا إلى الطعام)، أو قال رسول رب المال: أمرت أن أدعو كل من لقيته، أو أمرت ان أدعو كل من شئته: كرهت في أصح الوجوه.
قال في " الإنصاف ": جزم به في " الكافي " و" الرعايتين " و" الوجيز " وغيرهم. انتهى.
وقيل: لم تجب ولم تستحب. قاله الموفق وشارح " المقنع " وغيرهما.
وقيل: تباح (^١) .
(أو) دعاه رب الوليمة (في) المرة (الثالثة)، كما لو دعاه في اليوم الثالث كرهت إجابته.
نقل حنبل: إن أحب أجاب في الثاني ولا يجيب في الثالث. وذلك " لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الوليمة أول يوم حق، والثانى معروف، والثالث رياء وسمعة " (^٢) رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما.
وروي عن سعيد بن المسيب " أنه دُعي إلى وليمة مرتين فأجابه، فدعي الثالثة فحصب الرسول " (^٣) رواه الخلال.
(أو دعاه ذمي: كُرهت إجابته).
قال في " الإنصاف ": وأما إذا دعاه الذمي فالصحيح من المذهب:
لا تجب إجابته. ثم قال: فعلى المذهب: تكره إجابته، على الصحيح من المذهب. انتهى.
_________________
(١) في ج: تستحب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٤٥) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب في كم تستحب الوليمة. عن زهير بن عثمان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩١٥) ١: ٦١٧ كتاب النكاح، باب إجابة الداعي. عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٤٥) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب في كم تستحب الوليمة.
[ ٩ / ٢٤٢ ]
وذلك؛ لأن المطلوب إذلال أهل الذمة وذلك ينافي إجابتهم؛ لما في الإجابة من الإكرام.
ولأنه لا يؤمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة.
(وتُسن) الإجابة إلى دعوة الوليمة إذا دعي (في ثاني مرة)، كما لو دعي إليها في اليوم الثانى؛ لما في الحديث أنه ﷺ قال: " الوليمة أول يوم حق والثانى معروف " (^١) .
(وسائر الدعوات) أي: باقيها (مباحة) يعني: لا تكره ولا تستحب نص عليه.
أما كونها" لا تكره؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب. فإن شاء طعم وإن شاء ترك " (^٢) رواه أحمد ومسلم
وأبو داود وابن ماجه.
و"كان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم " (^٣) متفق عليه.
ولو لم تكن مباحة لبيَّنها النبي ﷺ فإن هذه الألفاظ تدل على الأمر بالإجابة
إليها، وأقل درجات الأمر الاستحباب، لكن لا تستحب، بمعنى: أنها غير مسنونة؛ لأنها لم تكن تفعل في عهد رسول الله ﷺ وأصحابه. فروى الحسن قال: " دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختانٍ. فأبى أن يجيب وقال: كنا لا نأتى
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث قبل السابق.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٣٠) ٢: ١٠٥٤ كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٤٠) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٥١) ١: ٥٥٧ كتاب الصيام، باب من دعى إلى طعام وهو صائم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٥٢٥٦) ٣: ٣٩٢.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٨٨٤) ٥: ١٩٨٥ كتاب النكاح، باب إجابة الداعي في العرس وغيره. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٩) ٢: ١٠٥٢ كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.
[ ٩ / ٢٤٣ ]
الختان على عهد رسول الله ﷺ ولا ندعى إليه " (^١) رواه أحمد.
(غير عقيقة فُتسن، و) غير دعوة (مأتم فتُكره). هذا استثناء من باقي الدعوات غير الوليمة. وتقدم الحكم في كل من ذلك في محله.
(والإجابة إليها) أي: إلى باقي الدعوات غير الوليمة (مستحبة)؛ لما روى البراء
" أن النبي ﷺ أمر بإجابة الداعي " (^٢) متفق عليه.
وأدنى أحوال الأمر الاستحباب.
ولحديث جابر السابق.
ولأن في الإجابة جبر قلب الداعي، وتطييب خاطره.
وقد دعي أحمد إلى ختان فأجاب وأكل.
(غير) إجابة دعوة (مأتم فتُكره). وتقدم ذلك في كتاب الجنائز.
(ويستحب) لمن دعي إذا حضر الطعام (أكله) منه (ولو) كان (صائمًا) متطوعًا.
ولأن له الخروج من الصوم.
ولأن في أكله إدخال السرور على قلب أخيه المسلم.
وقد روي " أن النبي ﷺ كان في دعوة ومعه جماعة فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال: إنى صائم. فقال النبي ﷺ: دعاكم أخوكم وتكلف لكم. كُلْ ثم صم يومًا مكانه إن شئت " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٩٣٨) ٤: ٢١٧.
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٣١٣) ٢: ٨٦٣ كتاب المظالم، باب نصر المظلوم. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٠٦٦) ٣: ١٦٣٥ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم. ولفظ الحديث: عن معاوية بن سويد بت مقرن. قال: " دخلت على البراء بن ع (٩) فسمعته يقول: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع. ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج ".
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٤٦٢ كتاب الصيام، باب التخيير في القضاء إن كان صومه =
[ ٩ / ٢٤٤ ]
وروى أبو حفص بإسناده عن عثمان بن عفان " أنه أجاب عبد (^١) المغيرة وهو صائم فقال: إنى صائم ولكني (^٢) أحببت (^٣) أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة ".
(لا) إن كان صائمًا (صومًا واجبًا) فلا يفطر؛ لقوله ﷾: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
ولأن الفطر محرم والأكل غير واجب.
وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليدَع، وإن كان مفطرًا فليطعم ". رواه أبو داود.
وفي رواية: " فليصل " (^٤) . يعني: يدعو.
و" دعي ابن عمر إلى وليمة فحضر ومد يده، وقال: بسم الله، ثم قبض يده وقال: كلوا فإني صائم " (^٥) .
وسُن الإخبار بصيامه كما فعل ابن عمر؛ ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل.
وعن عبد الله قال: إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل: إنى صائم، وإن كان مفطرًا فالأولى له الأكل؛ لأنه أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه.
(وإن أحب دعا وانصرف)؛ لقول النبي ﷺ: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك " (^٦) .
_________________
(١) = تطوعًا: عند. في أ: عند.
(٢) في ج: ولكن.
(٣) في ب: أحب.
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه" (٢٤٦٠) ٢: ٣٣١ كتاب الصوم، باب الصائم يُدعَى إلى وليمة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٧٧٣٥) ٢: ٢٧٩. وأخرجه البيهقي في" السنن الكبرى"٧: ٢٦٣ كتاب الصداق، باب يجيب المدعو صائمًا كان أومفطرًا وما يفعل كل واحد منهما.
(٥) أخرجه البيهقي في"السنن الكبري"٧: ٤٣٠ كتاب الصداق، باب من استحب الفطر إن كان صومه غير واجب.
(٦) أخرجه أبو داود في"سننه" (٣٧٤٠) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة. =
[ ٩ / ٢٤٥ ]
في " شرح المقنع ": حديث صحيح.
(فإن دعاه أكثر من واحد) في وقت واحد: (أجاب الأسبق قولًا)؛ لأن الإجابة وجبت بدعاء الأول. فلم يزل الوجوب بدعاء من بعده، ولم تجب إجابته؛ لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول.
فإن استويا (فالأدْيَن) أي: أجاب الأدين من الداعين؛ لأنه الأكرم عند الله.
فإن استويا في الدين (فالأقرب رحمًا)؛ لما في تقديمه من صلة الرحم.
فإن استويا في القرابة (فـ) الأقرب (جِوارًا)؛ لما روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا اجتمع داعيان أجب أقربهما بابًا. فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا " (^١) .
وروى البخاري عن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؛ قال: أقربهما منك بابًا " (^٢) .
ولأن هذا من أبواب البر فقدم بهذه المعاني.
(ثم قُرع) يعني: أنه إذا دعاه أكثر من واحد واستووا في هذه المعاني أقرع بينهما أو بينهم؛ لأن القرعة تعني المستحق عند استواء الحقوق.
(وإن عَلم) من دعي (أن في الدعوة منكرًا؛ كزمر وخمر وأمكنه الإنكار:
حضر وأنكر)؛ لأنه يؤدي بذلك فرضين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر. (وإلا) أي: وإن لم يمكنه الإنكار (لم يحضر)؛ لأن الإجابة حينئذ لا تجب بل تحرم؛ لما روى عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر " (^٣) رواه أحمد،
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (١٧٥١) ١: ٥٥٧ كتاب الصيام، باب من دعى إلى طعام وهو صائم. أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٧٥٦) ٣: ٣٤٤ كتاب الأطعمة، باب إذا اجتمع داعيان أيهما أحق. عن حميد بن عبدالرحمن الحميري، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٤٥٥) ٢: ٩١٦ كتاب الهبة وفضلها، باب بمن يُبدأ بالهدية.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٨٠١) ٥: ١١٣ كتاب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام، عن جابر بن عبدالله. =
[ ٩ / ٢٤٦ ]
ورواه الترمذي من حديث جابر؛ لأنه يكون قاصدًا لرؤية المنكر وسماعه بلا حاجة. (ولو حضر) من غير علم بالمنكر (فشاهده) أي: شاهد المنكر: (أزاله)؛ لوجوبه عليه، (وجلس) بعد ذلك إجابة لمن دعاه. (فإن لم يقدر: انصرف)؛ لئلا يكون قاصدًا لرؤيته أو سماعه.
ولما روى نافع قال: " كنت أسير مع عبد الله بن عمر فسمع زمارة راع (^١) .
فوضع أصبعيه في أذنيه. ثم عدل عن الطريق. فلم يزل يقول: يا نافع! أتسمع؟ حتى قلت: لا. فأخرج أصبعيه من أذنيه. ثم رجع إلى الطريق. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع " (^٢) رواه أبو داود والخلال.
وخرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة، فقال الداعي: نحولها فأبى أن يرجع. نقله حنبل.
(وإن عَلم به) أي: بالمنكر (ولم يره ولم يسمعه: أُبيح الجلوس) والأكل أيضًا. نص عليه. وأبيح له الانصراف فيخير. وذلك؛ لأنه لا يجب عليه إنكار مع عدم رؤية المنكر وعدم سماعه.
(وإن شاهد سُتورًا معلَّقة فيها صُور حيوان: كُره) له الجلوس ما دامت معلقة في الأصح.
قال في " الإنصاف ": والمذهب لا يحرم. انتهى.
قال أحمد في رواية الفضل: إذا رأى صورًا على الستر لم يكن رآها حين دخل، قال: هو أسهل من أن تكون على الجدار. قيل له: فإن لم يرها إلا عند وضع الخوان بين أيديهم أيخرج؟ فقال: لا يضيق على الناس، ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم يعني: ولا يخرج.
واحتج من حرم الجلوس معها بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة (^٣) .
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٢٥) ١: ٢٠ عن عمر. ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" (٤٩٢٤) ٤: ٢٨١ كتاب الأدب، باب كراهية الغناء والزمر.
(٣) عن أبي طلحة عن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
ولأنه لو لم يكن محرمًا لما جاز ترك الدعوه الواجبة لأجله.
ولنا: ما روي " أن النبي ﷺ دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام. فقال: قاتلهم الله، لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط " (^١) . رواه أبو داود.
ولأن دخول "الكنائس والبِيَع غير محرم وهي لا تخلو منها. وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب تحريم دخوله، كما لو كان فيه كلب.
ولا تحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم.
وأما إباحة ترك الدعوة من أجلها؛ فعقوبه لفاعله وزجر له عن فعله.
(لا إن كانت) الصور (مبسوطة، أو) كانت (على وِسادة) فإنه لا يكره الجلوس معها؛ لما روت عائشة قالت: " قدم النبي ﷺ من سفر وقد سترت له سهوة (^٢) بنمط فيه تصاوير. فلما رآه قال: أتسترين الجدار بستر فيه تصاوير؟ فهتكه. قالت: فجعلت منه منبذتين كأني أنظر إلى النبي ﷺ متكئًا على إحداهما " (^٣) رواه ابن عبد البر.
قال في " القاموس ": والسهوة: الصُّفَّة أو المُخْدَع بين بيتين، أو شبه الرَّفِ
والطاقِ: يوضع فيه الشيء، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة، يعارَض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة. انتهى. والمنبذتان: تثنية مِنْبَذَة كمكنسة وهي: الوسادة.
_________________
(١) =أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٤٤) ٣: ١٢٠٦ كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٠٦) ٣: ١٦٦٥ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة. أخرجه أبو داود في "سننه" (٢٠٢٧) ٢: ٢١٤ أول كتاب المناسك، باب في دخول الكعبة.
(٢) في ب: سترة.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٣٤٧) ٢: ٨٧٦ كتاب المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أو تخرق الزقاق. بلفظ: " أنها كانت اتخذت على سهوةٍ لها سترًا فيه تماثيل فهتكه النبي ﷺ، فاتخذت مت نُمرقتين فكانتا في البيت يجلس عليهما ".
[ ٩ / ٢٤٨ ]
ولأنها إذا كانت مبسوطة تداس أو تتبذل (^١) لم تكن معزوزة ولا معظمة فلا تشبه الأصنام التي تعبد وتتخذ آلهة فلا تكره.
ومتى قطع رأس الصورة ذهبت الكراهة.
قال ابن عباس: الصورة الرأس فإذا قطع فليس بصورة.
وروي ذلك عن عكرمة.
وإن قطع من الصورة ما لا يبقى بعد ذهابه حياة؛ كقطع صدرها فهو كقطع الرأس. وإن بقيت معه الحياة؛ كقطع اليد والرجل فهي باقية على دخولها تحت النهي كبقية الصورة التي لم يقطع منها شيء. فإن كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس أو رأس بلا بدن أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان لم يدخل في النهي.
وأما صنعة التصاوير فمحرمة (^٢) على فاعلها؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (^٣) . وعن مسروق قال: "دخلت مع عبد الله بيتا فيه تماثيل. فقال لتمثال منها: تمثال من هذا؟ قالوا: تمثال مريم. قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون " (^٤) متفق عليهما.
(وكُره ستر حيطان بستور لا صُوَرَ فيها، أو فيها صور غير حيوان، بلا ضرورة: من حر أو برد) على الأصح.
ووجود ذلك عذر في ترك الإجابة إلى الدعوة؛ بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: " أعرست في عهد أبي. فآذن إلى الناس. فكان فيمن آذن
_________________
(١) في ب: وتبتذل، وفي ج: تبتذل.
(٢) في ب: محرمة.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٥٦٠٧) ٥: ٢٢٢٠ كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٢١٠٨) ٣: ١٦٦٩ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيو ان. . .
(٤) وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٥٦٠٦) الموضع السابق. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٢١٠٩) ٣: ١٦٧٠ الموضع السابق.
[ ٩ / ٢٤٩ ]
أبو أيوب وقد ستروا بيتي بجادي أخضر. فأقبل أبو أيوب مسرعًا. فاطلع فرأى البيت مستترًا (^١) بجادي أخضر. فقال: يا عبد الله! أتستر الجدر؟ فقال أبي واستحيى: غلبتنا النساء يا أبا أيوب! فقال: من خشيت أن يغلبنه لم أخش أن يغلبنك (^٢) . ثم قال: لا أطعم لك طعامًا ولا أدخل لك بيتًا، ثم خرج " (^٣) . رواه الأثرم.
وإنما لم يحرم؛ لأنه لم يثبت في تحريمه حديث.
وقد فعله ابن عمر وفُعل في زمن الصحابة.
ولأن ذلك تغطية للحيطان فهو بمنزلة التجصيص. وإن ثبت الحديث السابق فهو محمول على الكراهة.
ومحل الكراهة: (إن لم تكن) الستور (حريرًا) فإن كانت حريرًا حرمت، وإلى ذلك أشير بقوله:
(ويحرُم به) أي: وتحرم الستور من حرير. وتقدم ذلك في باب ستر العورة.
(و) يحرم أيضًا (جلوس معه) أي: مع ستر الحيطان بالحرير؛ لأن ذلك من المنكر.
(و) يحرم أيضًا (أكل) من طعام غيره (بلا إذن صريح، أو قرينة) تدل على الإذن؛ كتقديم الطعام إليه والدعاء ونحوه، حتى (ولو) كان أكله (من بيت قريبه أو صديقه)، حتى (و) لو (لم يُحرزه عنه). نقله عن أحمد ابن قاسم وابن النضر. وجزم به في
"الجامع ".
قال في " الفروع ": وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: يجوز، واختاره شيخنا، وهو أظهر. انتهى.
_________________
(١) في ب: مستتر.
(٢) في ب: أن يغلبه لم أخش أن يغلبك.
(٣) ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا مختصرًا ٥: ١٩٨٦ كتاب النكاح، باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة. وقال ابن حجر: وصله أحمد في"كتاب الورع "، ومسدد في " مسنده ". " فتح الباري " ٩: ١٥٨.
[ ٩ / ٢٥٠ ]
وذلك، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من دخل على غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا " (^١) رواه [أبو داود] (^٢) .
ولأنه مال غيره. فلا يباح أكله بغير إذنه؛ كغيره من طعامه.
(والدعاء إلى الوليمة، أو تقديم الطعام إذنُ فيه)؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فذلك إذن " (^٣) رواه أحمد وأبو داود.
وقال عبد الله بن مسعود: " إذا دعيت فقد أُذن لك ". رواه الإمام أحمد بإسناده
(لا في الدخول).
قال في " الفروع ": وليس الدعاء إذنًا للدخول في ظاهر كلامهم خلافًا للـ " مغني ". وفي " الغنية ": لا يحتاج بعد تقديم الطعام إذنًا إذا جرت العادة في ذلك البلد بالأكل بذلك، فيكون العرف إذنًا. انتهى.
(ولا يملكه) أي: يملك الطعام (من قُِّدم إليه) بتقديمه (^٤)، (بل يَهلك) الطعام بالأكل وهو (على ملك صاحبه).
قال المجد: مذهبنا لا يملك الطعام الذي قدم إليه، بل يهلك على ملك صاحبه.
قال في القاعدة السادسة والسبعين: أكل الضيف إباحة محضة لا يحصل الملك بحال على المشهور عندنا (^٥) ٠ انتهى.
قال في " المغني ": إن حلف لا يهبه فأضافه لم يحنث؛ لأنه لم يملكه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٧٤١) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥١٩٠) ٤: ٣٤٨ كتاب الأدب، باب في الرجل يُدعى أيكون ذلك إذنه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٠٩٠٧) ٢: ٥٣٣.
(٤) في ب: بتقديمه له.
(٥) ساقط من ب.
[ ٩ / ٢٥١ ]
شيئًا، وإنما أباحه الأكل. ولهذا لم يملك التصرف فيه بغير إذنه. انتهى.
قال الشيخ عبد القادر: يأكل الضيفُ على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة وليس ذلك بتمليك. انتهى.
قال في " الآداب ": مقتضى تعليله في " المغني"التحريم.
قال في " الإنصاف ": قلت: والأمر كذلك. انتهى.
قال في " الفروع ": ويحرم أخذ طعام. فإن علم بقرينة رضى مالكه ففي" الترغيب ": يكره. ويموجه: يباح، وأنه يكره مع ظنه رضاه. انتهى.
ولما انتهى الكلام على أحكام الوليمة وتوابعها وما يتعلق بذلك مما ذكر شرع في الكلام على مسائل من آداب الأكل فقال:
(وتُسن التسمية جهرًا)؛لينبه غيره عليها (على أكل وشرب)؛ لما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله. فإن نسي أن يذكر اسم ألله في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره " (^١) .
و" كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل. فلم يسم حى لم يبق من طعامه إلا لقمة. فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله. فضحك النبي ﷺ قال: ما زال الشيطان يأكل معه. فلما ذكر اسم الله قاء ما في بطنه " (^٢) رواه أبو داود.
والشرب مقيس على الأكل.
(و) يُسن (الحمد) أي: أن يحمد الله سبحانه: (إذا فرغ) الآكل أو الشارب من أكله أو شربه؛ لقول رسول الله ﷺ: " إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها " (^٣) رواه مسلم.
وعن معاذ بن أنس الجهنى عن رسول الله ﷺ قال: " من أكل طعامًا فقال:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٧٦٧) ٣: ٣٤٧ كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام.
(٢) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٣٧٦٨) الموضع السابق. عن أمية بن مخشى.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٣٤) ٤: ٢٠٩٥ كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب.
[ ٩ / ٢٥٢ ]
الحمد الله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة. غفرله ما تقدم من ذنبه " (^١) رواه ابن ماجه.
(و) يُسن (أكله) أي: أكل الآكل (مما يليه بيمينه)؛ لما روى عمر بن أبي سلمة قال: " كنت يتيمًا في حجر رسول الله ﷺ. فكانت يدي تطيش في الصحفة. فقال لي النبي ﷺ: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك " (^٢) متفق عليه.
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله " (^٣) رواه مسلم.
(و) يُسن كون أكله (بثلاثِ أصابع)، ولا يمسح يده حتى يلعقها.
قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها فذهب إلى ثلاث أصابع. فذكرت له الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ"أنه كان يأكل بكفه كلها "
فلم يصححه، ولم ير إلا ثلاث أصابع.
وقد روى كعب بن مالك قال: " كان النبي ﷺ يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها " (^٤) رواه الخلال بإسناده.
(و) يُسن (تخليل ما عَلِقَ بأسنانه) من الطعام.
قال في " المستوعب ": روى عن عمر: " ترك الخلال يوهن الأسنان".وذكره بعضهم مرفوعا ً.
وروي: " تخللوا من الطعام، فإنه ليس شيء أشد على الملك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام ".
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٢٨٥) ٢: ١٠٩٣ كتاب الأطعمة، باب ما يقال إذا فرغ من الطعام.
(٢) أخرجه البخاري في" صحيحه" (٥٠٦١) ٥: ٢٠٥٦ كتاب الأطعمة؛ باب التسمية على الطعام والأكل باليمين. وأخرجه مسلم فى "صحيحه " (٢٠٢٢) ٣: ١٥٩٩ كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠٢٠) ٣: ١٥٩٨ الموضع السابق.
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٨٤٨) ٣: ٣٦٦ كتاب الأطعمة، باب في المنديل.
[ ٩ / ٢٥٣ ]
قال الأطباء: وهو نافع أيضًا اللثة ومن تغيرّ النكهة.
قال الناظم: ويلقي ما أخرجه الخلال ولا يبتلعه، للخبر.
(و) يُسن (مَسْحُ الصَّحْفة) التي يأكل فيها، (وأكلُ ما تناثَر)، والأكل عند حضور رب الطعام وإذنه. قاله (^١) في "الإنصاف" ولم يعزه إلى أحد.
(و) يُسن للآكل إذا أكل مع غيره (غَضُ طرفه عن جليسه).
قال الشيخ عبد القادر: من الأدب: أن لا يكثر النظر إلى وجوه الآكلين.
(و) يُسن (إيثار (^٢) على نفسه).
قال في "الرعاية الكبرى"و"الآداب": ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، وميع العلماء بالتعلم.
وقال الإمام أحمد: يأكل بالسرور مع الإخوان، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا. انتهى.
(و) يُسن (شربُه ثلاثًا).
قاله (^٣) في " الإنصاف ". ولم يعزه إلى أحد.
(و) يُسن (غَسلُ يديه) عند إرادة الأكل (قبل طعام: متقدمًا به) أي: بالغسل (ربُّه)
أي: رب الطعام على الضيف إن كان.
(و) غسل يديه أيضًا (بعده) أي: بعد الطعام: (متأخرًا به) أي: بالغسل (ربُّه)
أي: رب الطعام عن الضيف إن كان. على الأصح.
قالى المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء.
_________________
(١) في أوب: قال.
(٢) في ب: إيثاره.
(٣) في الأصول قال. ولعل الصواب ما أثبتناه. وانظر "الأنصاف" ٨: ٣٣٢.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
[وعنه: لا يستحب] (^١) قبله؛ لأن ذلك من فعل اليهود.
والأول المذهب.
ووجهه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع " (^٢) رواه ابن ماجه.
وروى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم " (^٣) . يعني به: غسل اليدين.
قال في " الفروع ": ويكره بطعام ولا بأس بنخالة، وغسله في الإناء الذي أكل فيه. نص عليهما. ثم قال بعد قليل: ويعرض الماء لغسلهما أو يقدمه بقرب طعامه ولا يعرضه. ذكره في " التبصرة ".
(وكُره تنفسُه في الإناء).
قال في"الإنصاف ": ويسن الشرب ثلاثًا ويتنفس دون الإناء ثلاثًا، فإن تنفس فيه كره.
(و) كُره (ردُّ شيء) من طعام أو شراب (من فيه) أي: من فمه (إليه) أي: إلى الإناء.
قال في " الإنصاف ": ويكره إخراج شيء من فيه ورده إلى القصعة.
ولا يمسح يده بالخبز، ولا يستبذله. ولا يخلط طعامًا بطعام. قاله الشيخ عبد القادر.
(و) كُره (نفخُ الطعام) ليبرد.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. زاد في " الرعاية "و" الآداب " وغيرهما: والشراب.
وقال في " المستوعب ": النفخ في الطعام والشراب والكتاب منهي عنه.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) أخرجه ابن ماجه في"سننه " (٣٢٦٠) ٢: ١٠٨٥ كتاب الأطعمة، باب الوضوء عند الطعام.
(٣) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب".ر. إحياء علوم الدين ٣: ٢.
[ ٩ / ٢٥٥ ]
وقال الآمدي: لا يكره النفخ والطعام حار.
قلت: وهو الصواب إن كان ثَم حاجة إلى الأكل حينئذ. انتهى.
(و) كره أيضًا (أكله) أي: أكل الطعام (حارًا).
قال في " الإنصاف ": قلت: عند عدم الحاجة.
(أو أكله) يعني: أنه يكره الأكل (من أعلا الصَّحْفة أو وسطها)، لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل أعلا الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها. فإن البركة تنزل من أعلاها " (^١) .
وفي حديث آخر: " كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يُبارك فيها " (^٢) رواهما ابن ماجه.
(و) كُره لمن حضر مائدة (فعلُ ما يَستقذِرُه من غيره) بأن يتمخط ونحوه.
[قال في" الإنصاف": وكذا يكره الكلام بما يستقذر أو بما يضحكهم [أو يحزنهم. قاله عبدالقادر.
(و) كُره لرب الطعام (مَدحُ طعامه وتقويمُه)] (^٣) .
قال في " الإنصاف "] (^٤): وحرمهما في " الغنية ".
(و) كُره (عيبُ الطعام).
قال في"الإنصاف": وحرمه في " الغنية ".
(و) كُره (قِرانُه في تمر مطلقًا) في الأصح.
وقيل: مع شريك لم يأذن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في" سننه " (٣٧٧٢) ٣: ٣٤٨ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحيفة. ولم أره في ابن ماجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (٣٢٧٥) ٢: ١٠٩٠ كتاب الأطعمة، باب النهي عن الأكل من ذروة الثريد. عن عبد الله بن بسر.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من ب.
[ ٩ / ٢٥٦ ]
قال في "الفروع ": قال في"الترغيب" وشيخنا: ومثله قران ما العادة بتناوله إفرادًا.
(و) كُره (أن يَفْجَأ قومًا عند وضع طعامهم تعمُّدًا).
قال في " الإنصاف ": كره الإمام أحمد أن يتعمد القوم عند وضع الطعام فيفجأهم. وإن فجأهم بلا تعمد: أكل. نص عليه.
وأطلق في " المستوعب " وغيره: الكراهة، إلا من عادته السماحة. انتهى.
(و) كُره (أكلُ بشماله بلا ضرورة).
قال في " الإنصاف ": ويكره ترك التسمية والأكل بشماله، إلا من ضرورة على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وذكره النووي في الشرب إجماعًا.
وقيل: يجبان. اختاره ابن أبي موسى.
(و) كُره (أكله كثيرًا: بحيث يؤذيه).
ويجوز [أكله كثيرًا] (^١) بحيث لا يؤذيه.
قال في " الفروع ". قاله قي " الترغيب "، وهو مراد من أطلق.
وفي " الغنية ": يكره مع خوف تخمة.
وكَره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرمه أيضًا. وحرم أيضا الإسراف، وهو: مجاوزه الحد. انتهى.
(أو قليلًا: بحيب يَضرُّه).
قال أحمد في أكله قليلًا: ما يعجبني.
قال في " الإنصاف ": ولا يقلل من الأكل بحيب يضره ذلك.
(و) كُره (شربُه من فمِ سِقَاء).
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٩ / ٢٥٧ ]
قال في " الإنصاف ": وكره الإمام أحمد الشرب من فم السقاء واختناث الأسقية، وهو قلبها.
قال الجوهري: خنثت الإناء وأخنثته، إذا ثَنَيْتَه إلى خارجٍ فشربت منه، فإن كسرته إلى داخل فقد قَبَعْتَه. انتهى. بالقاف والباء الموحدة والعين المهملة.
ويكره أيضًا الشرب من ثلمة (^١) الإناء.
وقال في " المستوعب ": ولا يشرب محاذيًا للعروة ويشرب مما يليها.
وظاهر كلام الأصحاب: أنهما سواء. وحمله في الآداب على أن العروة متصلة برأس الإناء.
وإذا شرب ناوله الأيمن.
قال في " الترغيب ": وكذا في غسل يده.
وقال ابن أبي المجد: وكذا في رش الماء، ورد. انتهى.
(و) كُره الشرب (في أثناء طعام بلا عادة)، لأنه مضر.
ولا يكره شربه قائمًا.
قال في " الفروع ": نقله الجماعة.
وعنه: بلى. وجزم به في " الإرشاد ". واختاره شيخنا. وسأله صالح عن
شربه قائمًا في نفس ونائمًا؟ قال: أرجو. ويتوجه: كأكل.
وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائمًا. ويتوجه كشرب. قاله شيخنا. انتهى.
(و) كُره (تعليةُ قَصعةٍ، ونحوها)، كالطبق (بخُبز)، نص على ذلك في
رواية مهنا؛ لاستعماله له.
وقال الآمدي: يحرم عليه ذلك، وأنه نص أحمد.
وكره الإمام أحمد أيضًا الخبز الكبار وقال: ليس فيه بركة.
_________________
(١) في أ: ثلة.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
وذكر معمر: أن أبا أسامة قدم لهم طعامًا فكسر الخبز. [قال أحمد] (^١): لئلا يعرفون كم يأكلون.
ويجوز قطع اللحم بالسكين، والنهي عنه لا يصح. قاله أحمد.
(و) كُره (نِثَار والتقاطُه) على الأصح؛ تنزيهًا لما يحصل فيه من النهبة والتزاحم، وذلك يورث الخصام والحقائد بين الناس. فيكون مكروهًا؛ لتعرض الملتقطين لذلك؛ لما روى زيد بن خالد " أنه سمع النبي ﷺ عن النهبة والخلسة " (^٢) رواه أحمد.
وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري " أن النبي ﷺ نهى عن المثلة والنهبى " (^٣) رواه أحمد والبخاري.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: " من انتهب فليس منا " (^٤) رواه أحمد والترمذي وصححه.
وهذا يدخل في عمومه.
ولأن أخذه على هذا الوجه فيه دناءة وسخف فيكره لذلك.
(ومن حصل في حجْره) شيء (منه) فهو له، (أو أخذه) أي: أخذ شيئًا من النثار: (فله مطلقًا) أي: سواء قصد تملكه بذلك أو لم يقصده في الأصح؛ لأن مالكه قصد تمليكه لمن حصل في حيزه وقد حازه مَن حصل في حجره أو أخذه. فيملكه؛ كالصيد إذا دخل في داره أو خيمته فإنه يملكه بذلك وإن لم يقصده.
وفائدة قولنا: يملكه: أنه إذا ملكه لم يجز لغيره أخذه منه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده " (٢١٧٣١) ٥: ١٩٣.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٤٢) ٢: ٨٧٥ كتاب المظالم، باب النهي بغير إذن صاحبه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٨٧٣٢) ٤: ٣٠٦ ولفظ الحديث عندهما بتقديم النهى على المثلة.
(٤) أخرجه الترمذي في "جامعه" (١٦٠١) ٤: ١٥٤ كتاب السير، باب ما جاء في كراهية النهبة. أخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٣٦٣) ٣: ٣١٢.
[ ٩ / ٢٥٩ ]
(وتُباح المناهدة، وهي: أن يُخرج كل واحد: من رفقةٍ شيئًا من النفقة).
وظاهر ما نقل عن الجوهري التساوي فيما يخرجونه. فإنه قال: المناهدة إخراج كل واحد من الرفقة نفقته على قدر نفقة صاحبه.
(ويدفعونه إلى من يُنفق عليهم منه، ويأكلون جميعًا.
فلو أكل بعضهم أكثر، أو تصدَّق منه: فلا بأس).
قال في " الفروع ": نقل أبو داود: لا بأس أن يتناهد في الطعام ويتصدق منه. لم يزل الناس يفعلون هذا. ويتوجه رواية: لا يتصدق إلا بإذن. انتهى.
قال في "الإنصاف": قال في "الفروع": وما جرت العادة به؛ كإطعام سائل وسنور وتلقيمٍ وتقديمٍ يحتمل كلامهم وجهين.
قال: وجوازه أظهر.
وقال في " آدابه ": الأولى جوازه.
وقال في " الرعايه الكبرى ": ولا يلقم جليسه ولا يفسح له إلا بإذن رب الطعام.
وقال الشيخ عبد القادر: يكره أن يلقم من حضر معه؛ لأنه يأكل على ملك صاحبه على وجه الإباحة.
وقال بعض الأصحاب: من الأداب: أن لا يلقم أحدًا يأكل معه إلا بإذن مالك الطعام.
فال في " الآداب ": وهذا يدل على جواز ذلك عملًا بالعادة والعرف في ذلك، لكن الأدب والأولى الكف عن ذلك؛ لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه، والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح، وفي معنى ذلك: تقديم بعض الضيفان ما لديه ونقله إلى البعض. لكن لا ينبغي لفاعل ذلك: أن يسقط حق جليسه من ذلك. والقرينة تقوم مقام الإذن في ذلك. انتهى.
(ويسُن إعلان نكاح، وضربُ بُدفٍ مباح). وقد تقدم ما لم يبح منه في باب الغصب (فيه) أي: في النكاح.
[ ٩ / ٢٦٠ ]
(وفي ختان، وقدوم غائب، ونحوهما)، كالولادة والإملاك.
قال في " الإنصاف ": إعلان النكاح مستحب بلا نزاعٍ.
وكذا يستحب الضرب عليه بالدف. نص عليه وعليه الأصحاب.
واستحب الإمام أيضًا: الصوت في العرس.
ونقل حنبل: لا بأس بالصوت والدف فيه. انتهى.
وظاهره: سواء كان الضارب رجلًا أو امرأة.
قال في "الفروع ": وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية. قيل له في رواية المروذي: ما ترى الناس اليوم تحرك الدف في إملاك أو بناء بلا غناء، فلم يكره ذلك.
وقيل له في رواية جعفر: دكون فيه جرس؛ قال: لا.
وقال الموفق: ضرب الدف مخصوص بالنساء.
وقا ل في"الرعاية ": ويكره للرجال مطلقًا.
قال فى " الفروع ": ويكره لرجل التشبه.
وقال أحمد: لا بأس بالغزل في العرس؛ لـ " قول النبي ﷺ للأنصار:
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم
لولا الذهب الأحمر لولا الذهب الأحمر
ولولا الحبة السوداء ما سرت عذاريكم " (^١) .
لا على ما يصنع الناس اليوم، ومن غير هذا الوجه:
ولولا الحنطة الحمراء ما سرت عذاريكم
وقال أحمد أيضًا: يستحب ضرب الدف والصوت في الإملاك. فقيل له:
ما الصوت؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر.
_________________
(١) "مجمع الزوائد" ٤: ٢٨٩.
[ ٩ / ٢٦١ ]
والأصل في هذا ما روى [محمد بن] (^١) حاطب قال: قال رسول الله ﷺ: "فصلُ ما بين الحلال والحرام: الصوت والدف في النكاح " (^٢) رواه النسائي.
وقال ﷺ: " أعلنوا النكاح " (^٣) .
وفي لفظ: " أظهروا النكاح " (^٤) .
وكان يحب أن يُضرب عليه بالدف.
وفي لفظ: " واضربوا عليه بالغربال " (^٥) .
وعن عائشة " أنها زوجت يتيمة رجلًا من الأنصار. وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها. قالت: فلما رجعنا. قال لنا رسول الله ﷺ: ما قلتم يا؟ عائشة؛ قالت: سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا. فقال: إن الأنصار قوم فيهم غزل.
ألا قلتم يا عائشة؟
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم " (^٦)
روى هذا كله أبو عبد الله ابن ماجه في " سننه ".
وتحرم كل ملهاة سوى الدف، كمزمار وطنبور ورباب وجنك.
قال في " المستوعب " و" الترغيب ": سواء استعمل لحزن أو سرور.
قال في " الفروع ": وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالزمارة؟
قال: أكرهه. وفي القضيب: وجهان.
وفي " المغنى ": لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه.
وكره أحمد الطبل لغير حرب. واستحبه ابن عقيل فيه، لتنهيض طباع
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) أخرجه النسائي في"سننه " (٣٣٦٩) ٦: ١٢٧ كتاب النكاح، باب إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٩٦) ١: ٦١١ كتاب النكاح، باب إعلان النكاح.
(٣) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (١٨٩٥) الموضع السابق. عن عائشة.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٢٩٠ كتاب الصداق، باب ما يستحب من إظهار النكاح وإباحة الضرب بالدف عليه. عن عائشة.
(٥) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق. وأخرجه البيهقي في الموضع السابق. كلاهما عن عائشة.
(٦) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٩٠٠) ١: ٦١٢ كتاب النكاح، باب الغناء والدف.
[ ٩ / ٢٦٢ ]
الأولياء، وكشف صدور الأعداء، وليس عبثًا. وقد أرسل الله ﷾ الرياح والرعود قبل الغيث (^١)، والنفخ في الصور للبعث، وضرب الدف في النكاح، وفي الحج العج والثج. انتهى.
وفي " عيون المسائل "وغيرها فيمن أتلف آلة لهو: الدف مندوب إليه في النكاح؛ لأمر الشارع. بخلاف العود والطبل فإنه لا يباح استعماله والتلهي به بحال.
وسئل أحمد عن القصائد قال: أكرهه. وقال: بدعة لا يجالسون.
وكره أحمد التّغْبير بالغين المعجمة والباء الموحدة، ونهى عن استماعه.
وقا ل (^٢): بدعة ومحدث.
ونقل أبو داود: لا يعجبني.
ونقل يوسف: لا يستمعه، قيل: هو بدعة؟ قال: حسبك.
وفي " المستوعب ": منع من إطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه؛ لأنه شعر ملحن كالحداء، والحدو للإبل ونحوه.
قال في " القاموس ": والمُغَبِّرَة: قوم يُغَبِّرون بذكر الله تعالى أي: يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها. سموا بها (^٣)؛ لأنهم يُرَغِّبُون الناس في الغَابِرة أي: الباقية. انتهى.
ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقوامًا أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة. قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه. فقال ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]
ولعل مرادَه سماعُ القرآن. وعذرهم لقوة الوارد. كما عذر يحيى القطان في الغشي.
_________________
(١) في أ: الغيوث.
(٢) في أوب: وقيل.
(٣) في ج: بذلك.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
وقد قال أحمد لإسماعيل بن إسحاق الثقفي وقد سمع عنده كلام الحارث المحاسبي ورأيَ أصحابه: ما أعلم أنى رأيت مثلهم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، ولا أرى لك صحبتهم.
وقد نهى عن كتابة كلام منصور بن عمار والاستماع القاصِّ به.
قال أبو الحسين: لئلا يلهو به عن الكتاب والسنة لا غير.
وأنكر الآجري وابن بطة وغيرهما هذا السماع.
وفي " الغنية ": يكره تخريق الثياب في حق المتواجد عند السماع، ويجوز سماع القول بالقضيب، ويكره الرقص. والله ﷾ أعلم.
***
[ ٩ / ٢٦٤ ]
[باب: عِشْرَة النساء]
هذا (باب عشرة النساء)، والعشرة بكسر العين أصلها الاجتماع، يقال: لكل جماعة عشرة ومعشر.
(وهي) هاهنا: (ما يكون بين الزوجين من الأُلفة والانضمام).
إذا عرفت ذلك فإنه (يلزم كلًا) من الزوجين (معاشرة الآخر بالمعروف، وأن لا يمطله) أي: يمطل الآخر (بحقه، ولا يتكرَّه لبذله) أي: لبذل ما عليه للآخر من الحق.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
وقوله ﷾: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
قال أبو زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم.
وقال ابن عباس: إنى لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله ﷾ يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وقال الضحاك في تفسيرها: إذا أطَعن الله وأطعن أزواجهن فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته.
وقال بعض أهل العلم: التماثل هاهنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من الحق لصاحبه بالمعروف، ولا يمطله به ولا يظهر الكراهة بل ببشر وطلاقة، ولا يتبعه أذى ولا منة؛ لأن هذا من المعروف الذي أمر الله ﷾ به.
ويستحب لكل واحد منهما تحسين الخلق لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه؛ لقول الله ﷾: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ - إلى قوله -
﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ [النساء: ٣٦] قيل: هو كل واحد من الزوجين.
[ ٩ / ٢٦٥ ]
وقال النبي ﷺ: " استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن
بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (^١) رواه مسلم.
وقال رسول الله ﷺ: " إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج لن تستقيم على طريقة. فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها وفيها عوج " (^٢) متفق عليه.
وقال: " خياركم خياركم لنسائه " (^٣) رواه ابن ماجه.
وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه. قال الله. ﷾ ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقال النبي ﷺ: " لو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق (^٤) " (^٥) رواه أبو داود.
وقال: "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" (^٦) متفق عليه.
وقال: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدُ إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة بغير إذنه فإنه يرد إليه شطره " (^٧) رواه البخاري.
وينبغي إمساكها مع كراهته لها، لقوله ﷾: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
_________________
(١) أخرجه مسلم في"صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجه النبي ﷺ.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٣١٥٣) ٣: ١٢١٢ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة]. وأخرجه مسلم في"صحيحه " (١٤٦٩) ٢: ١٠٩٠ كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.
(٣) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (١٩٨٧) ١: ٦٣٦ كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء.
(٤) في ب: الحقوق.
(٥) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢١٤٠) ٢: ٢٤٤ كتاب النكاح، باب في حق الزوج على المرأة.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٩٨) ٥: ١٩٩٤ كتاب النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها. وأخرجه مسلم في" صحيحه " (١٠٢٦) كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه.
(٧) أخرجه البخاي في "صحيحه" (٤٨٩٩) الموضع السابق.
[ ٩ / ٢٦٦ ]
قال ابن الجوزي وغيره: قال ابن عباس: ربما رزق منها ولدًا فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
قال: وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين:
أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودًا، ومحمود (^١) عاد مذمومًا.
والثانى: أنه لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يحب. وقال في كتابه " السر المصون ": معاشرة المرأة بالتلطف مع إقامة هيبته.
(ويجب بعقدٍ تسليمُها ببيت زوج: إن طلبها)؛ كما يجب للمرأة تسليم الصداق إن طلبته.
وقوله: (وهي حرة)؛ لأن الأمة لا يجب تسليمها إلا ليلًا.
وقوله: (ولم تشترط دارها)؛ لأنها إذا اشترطت دارها لم يكن للزوج طلبها إلى بيته.
وقوله: (وأمكن استمتاع بها)؛ لأنها إذا لم يمكن الاستمتاع بها لم يجب على أهلها تسليمها إليه إن ذكر أنه يحضنها ويربيها؛ لأنه لا يملك الاستمتاع بها، وليست له بمحل، ولا يأمن شر نفسه إلى مواقعتها فيفضيها.
(ونصه) أي: نص الإمام أحمد: أن التي يمكن الاستمتاع بها أنها (بنت تسع) فأكثر. فإنه في رواية أبي الحارث في الصغيرة يطلبها زوجها فإن أتى عليها تسع سنين دفعت إليه: ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، وذهب في ذلك إلى " أن النبي ﷺ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين " (^٢) .
لكن قال القاضي: هذا عندي ليس على طريق التحديد. وإنما ذكره؛ لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها. فيلزم تسليم بنت تسع.
_________________
(١) في ب: ومحمودًا. وهو تصحيف.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٨٤١) ٥: ١٩٧٣ كتاب النكاح، باب تزويج الأب ابنته من الإمام.
[ ٩ / ٢٦٧ ]
(ولو) كانت (نِضْوَة الخلقة) أي: مهزولة الجسم.
(ويستمتع بمن يخشى عليها؛ كحائض). وقد تقدم أنه ليس له أن يستمتع من الحائض إلا بما دون الفرج.
(ويُقبل قول) امرأة (ثقة في ضيق فرجها، وعَبَالَةِ ذكَره، ونحوهما)؛ كقروج في الفرج.
(وتنظرُهما) أي: ويجوز أن تنظرهما المرأة الثقة (لحاجة وقت اجتماعهما)؛ لتشهد بما تشاهد.
(ويلزمه) أي: يلزم الزوج (تسلُّمها) أي: تسلم زوجة: (إن بذَلتْه) فتلزمه النفقة بتسلمها أو لا.
(ولا يلزم) أحدًا من زوجة أو وليها (ابتداء تسليم مُحْرِمَة) [بحج أو عمرة] (^١)، (ومريضةٍ) لا يمكن الاستمتاع بها، (وصغيرةٍ وحائض، ولو قال: لا أطأ ومتى امتنعت قبل مرض ثم حدث فلا نفقة)؛ لأن كلا من ذلك مانع يرجى زواله، ويمتنع الاستمتاع بها معه. أشبه ما لو طلب أن يتسلمها في نهار رمضان.
(ولو أنكر) من ادعت زوجته (أن وطأه يؤذيها: فعليها البينة)؛ لأنها تدعي شيئًا الأصل عدمه. فكان عليها البينة؛ كسائر الدعاوي.
(ومن استَمْهَل منهما) أي: من الزوجين الاخر: (لزم إمهالهُ ما) أي: زمنًا (جرت عادة بإصلاج أمره) أي: أمر من استمهل صاحبه (فيه)؛ لأن ذلك من حاجة المستمهل. فإذا منع منه كان تعسيرًا لحاله. فوجب إمهاله طلبًا لليسر والسهولة. والمرجع في ذلك إلى العرف. بين الناس؛ لأثه لا تقدير فيه. فوجب الرجوع فيه إلى العادة.
وقيل: إنما تمهل اليومين والثلاثة.
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ٩ / ٢٦٨ ]
(لا لعمل جهاز) بفتح الجيم وكسرها.
وفي " الغنية ": إن استَمهلت هي أو أهلها استحبّ له إجابتهم ما يعلم به التهيؤ من شراء جهاز وتزين. انتهى.
(ولا يجب تسليم أمة مع إطلاق إلا ليلًا). نص عليه.
وللسيد استخدامها نهارًا، وعليه إرسالها بالليل للاستمتاع بها؛ لأنه زمانه. وذلك؛ لأن السيد يملك من أمته منفعتين: الاستخدام والاستمتاع.
فإذا عقد على أحدهما لم يلزم تسليمها إلا في زمن استيفائها؛ كما لو أجرها للخدمة لم يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار.
(فلو شرط) تسليمها (نهارًا، أو بذله) أي: بذل تسليمها نهارًا (سيد وقد شرط كونها) أي: كون الأمة (فيه) أي: في النهار (عنده) أي. عند السيد (أوْ لا) أي: أو لم يشرط ذلك: (وجب) على الزوج (تسلُّمُها) نهارًا أيضًا في الأصح؛ لأن الزوجية تقتضي وجوب التسليم مع البذل ليلًا ونهارًا، وإنما منع في الأمة في زمان النهار لحق السيد. فإذا بذله فقد ترك حقه فعاد إلى الأصل في الزوجية.
ولأن عقد الزوجية اقتضى لزوم نفقتها ليلًا ونهارًا ما لم يمنع منه مانعُ، فإذا امتنع المانع ببذل السيد تسليمها وجب على الزوج قبوله.
(وله) أي: وللزوج (الاستمتاع) بالزوجة من أي محل شاء في قُبُل، (ولو) كان (من جهة العجيزة في قُبُل)؛ لأن التحريم ختمى بالدبر دون ما سواه.
قال ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": كره العلماء الوطء بين الإليتين؛ لأنه يدعو إلى الوطء في الدبر. وجزم به في " الفصول ". نقله عنهما في " الفروع "، ثم قال: كذا قالا.
ومحل إباحة الاستمتاع بها: (ما لم يَضُرَّ) بها (أو يَشغل) استمتاعه بها (عن فرض) ولو كانت على تنور أو على ظهر قتب. كما رواه أحمد وغيره.
قال في " الإنصاف ": قال أبو حفص والقاضي: إذا زاد الرجل على المرأة في الجماع صولح على شيء منه.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
وروى ذلك بإسناده عن ابن الزبير" أنه جعل للرجل أربعًا بالليل، وأربعًا بالنهار ".
وعن أنس " أنه صالح رجلًا استعدى على امرأة على ستة ".
قال القاضي: لأنه غير مقدر، فقدِّر. كما أن النفقة حق لها غير مقدرة. فيرجعان في التقدير إلى اجتهاد الحاكم.
قال الشيخ تقي الدين: فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم؛ كالنفقة، وكوطئه إذا زاد.
قلت: ظاهر كلام أكثر الأصحاب: خلاف ذلك، وأنه يطأ ما لم يشغلها عن الفرائض ولم يضرها بذلك. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(و) للزوج (السفر) إلى حيث شاء (بلا إذنها) أي: إذن الزوجة ولو كان عبدًا مع سيده وبدونه. بخلاف سفرها بلا إذنه؛ لأنها لا ولاية لها عليه في ترك السفر.
(و) له السفر (بها، إلا أن تشترط بلدها)، " لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم " (^١) .
أما إن اشترطت بلدها فلها شرطها؛ لقول النبى ﷺ: " إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج " (^٢) .
(أو) إلا أن (تكون امة: فليس له) أي: للزوج سفر بها بلا إذن سيدها؛ لما في ذلك من تفويت منفعتها نهارًا على سيدها.
_________________
(١) عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ، إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٤٥٣) ٢: ٩١٦ كتاب الهبة وفضلها، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز. . .
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٨٥٦) ٥: ١٩٧٨ كتاب النكاح، باب الشروط في النكاح. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٤١٨) ٢: ١٠٣٥ كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
(ولا لسيد (^١) سفر بها بلا إذن الآخر) أي: إذن زوجها، صحبته أم لا في الأصح؛ لما في ذلك من تفويت استمتاع زوجها بها ليلًا.
(ولا يلزم) الزوج (ولو بوَّأها) أي: هيأ لها (سيدها مسكنًا أن يأتيها الزوج فيه). وهذا مبني على مسألة جواز سفر سيدها بلا إذن زوجها. قاله في " الترغيب ".
يعني: أنا إن قلنا أن للسيد السفر بها بلا إذن زوجها لزم الزوج إتيانها في المسكن الذي بوأها سيدها لها؛ لأن ذلك بمثابة سفره بها، وإن قلنا ليس للسيد السفر بها بلا إذن زوجها لا يلزم الزوج ذلك.
(وله) أي: ولسيد العبد المزوج (السفر بعبده المزوَّج، واستخدامه نهارًا)، ومنعه من التكسب؛ لتعلق المهر والنفقة بذمة سيده. وإن قلنا النفقة والمهر في كسبه لم يمنعه منه.
(ولو قال سيد) لمن ادعى أنه زوَّجه أمته: (بعتُكَها، فقال: بل زوَّجتَنِيها وجب تسليمها) لمدعي التزويج، (وتحلُّ له)؛ لاتفاقهما على استحقاقه لتسلمها.
(ويلزمه الأقل من ثمنها أو) من (مهرها، ويحلف) المدعي عليه البيع وأنه شراها الثمن زائد) فإن نكل لزمه.
قال في " الفروع ": وعند القاضي لا مهر ولا ثمن ولا يمين عنده على البائع؛ لأنه لا يراها في نكاح. وذكر الأزجي مثله إلا في اليمين قال: وإن نكل أحدهما عنها قضي عليه، وثبت ما يدعيه الآخر من بيع أو زوجية.
(وما أوْلَدَها) من سُلمت إليه بدعوى الزوجية ودعوى سيدها الشراء (فحر، لا ولاء عليه)؛ لأنه انعقد حرًا لإقرار السيد بأنها ملك الواطى.
(ونفقته) أي: نفقة الولد (على أبيه)؛ لأن الأصل أن نفقة من لا مال له على أبيه. (ونفقتها) أي: نفقة أمة (^٢) (على زوجها) أي: على أبي الولد. (ولا
_________________
(١) في ب: للسيد.
(٢) في ب: الأمة.
[ ٩ / ٢٧١ ]
يردها) أي: ولا يملك أبو الولد ردها على سيدها (بعيب، ولا غيره) ولو اعترف سيدها بعد ولادتها أنها زوجه لأبي الولد؛ لاعترافه بأنها صارت أم ولد.
(ولو ماتت) بعد أن ولدت (قبل) موت (واطئ وقد كسبت) شيئًا:
(فلسيد منه) أي: من كسبها (قدر) جميع (ثمنها، وبقيته) أي: بقية كسبها (موقوف حتى يصطلحا) أي: الزوج والسيد عليه.
(و) إن ماتت (بعده) أي: بعد الواطئ (وقد أولدها فحرة) أي: فقد ماتت حرة، (ويرثها ولدها: إن كان) موجودًا.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ولدها موجودًا (وُقف) بالبناء للمفعول ما تركته. ولعل وقفه إلى أن يظهر لها وارث. والله ﷾ أعلم.
وليس لسيدها أخذ قدر ثمنها منه؛ لأنه لا يدعيه على الواطئ، لزوال ملكه عنه بموته. بخلاف ما إذا ماتت في حياة الواطئ فإن سيدها يدعي أن كسبها انتقل إلى الواطئ، والواطئ يقر أنه لسيدها فلهذا يأخذ منه قدر ما يدعيه وهو ثمنها أو بقيته.
(ولو وجع سيد) عن دعوى بيعها، (فصدَّقه الزوج لم يُقبل) تصديقه (في إسقاط حرية ولد) أتت به منه، (و) لا في (استرجاعها) إلى الملك المطلق (إن صارت أم ولد. ويُقبل) تصديقه (في غيرهما) أي: غير حرية الولد وغير رجوعها إلى الملك المطلق وغيرهما، مثل: ملكه لتزويجها عند حلها للأزواج وأخذ قيمتها إن قتلت ونحوهما.
(ولو وجع الزوج) عن دعوى التزويج: (ثبتت الحرية) للولد، (ولزمه الثمن) لسيدها.
قال الشيخ تقي الدين قي " فتاويه ": ذكرها الشيخ في أواخر باب ما إذا وصل بإقراره ما يغيره. ولعله يريد بقوله: ذكرها الشيخ، جده الشيخ مجد الدين. والله ﷾ أعلم.
وما ذكرته في المتن هو الذي قدمه صاحب " الفروع ". ثم قال: وقال
[ ٩ / ٢٧٢ ]
الأزجي: إن كان التنازع قبل الاستيلاد تحالفا، فإذا تحالفا فلا مهر ولا ثمن، وترد إلى سيدها. قيل: ترجع إليه رجوع البائع في السلعة إذا أفلس المشتري وتعذر الثمن، فيحتاج السيد أن يقول: فسخت البيع، وتعود ملكًا ظاهرًا وباطنًا.
وقيل: ترجع رجوع من لزمه دين فلم يقضه فيبيعها ويستوفي حقه، وما فضل تحيّل في رده إلى مستحقه.
وإن أمسكها البائع على بقية الثمن وفسخ البيع لتعذر الثمن واسترجعها وكان صادقًا حلت له، وإلا حلت ظاهرًا. انتهى.
***
[ ٩ / ٢٧٣ ]
[فصل: في حكم الوطء في الحيض]
(فصل. ويحرم وطء) أي: وطء الزوج امرأته أو السيد أمته (في حيض) إجماعًا؛ لقول الله ﷾: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(أو) وطءُ في (دُبُر) فيحرم في قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ورويت إباحته عن ابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ومالك.
وروي عن مالك أنه قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال.
وأهل العراق من أصحاب مالك ينكرون ذلك.
وأحتج من أحله بقوله ﷾: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله ﷾: [وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ] [المؤمنون: ٥_٦].
ولنا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن " (^١) .
وعن أبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ قال: [" لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها " (^٢) . رواهما ابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٩٢٤) ١: ٦١٩ كتاب النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٦٥) ٣: ٤٦٩ كتاب الرضاع، باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن. عن ابن عباس. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٩٢٣) الموضع السابق. عن أبي هريرة.
[ ٩ / ٢٧٤ ]
وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:] (^١) " محاش النساء حرام عليكم " (^٢) .
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " (^٣) . رواهن كلهن الأثرم.
فأما الآية فروى جابر قال: " كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل الله ﷾: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، من بين يديها ومن خلفها، غير أن لا يأتيها إلا في المأتي " (^٤) متفق عليه.
وفي رواية: " أيتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " (^٥) .
والآية الأخرى المراد بها ذلك.
فإن تطاوعا على الوطء في الدبر فرق بينهما. ويعزر عالم تحريمه.
(وكذا عزل) يعني: أنه يحرم العزل عن الزوجة (بلا إذن) زوجة (حرة أو) عن زوجته الأمة بلا إذن (سيد أمة) على الأصح. نص عليه.
ومفهومه: أنه لا يعتبر إذن الزوجة إذا كانت أمة. وهو كذلك في الأصح.
ومعنى العزل: أنه ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجًا عن الفرج.
ووجه المذهب: ما روي عن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها " (^٦) . رواه أحمد وابن ماجه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه الدارمي في "سننه " (١١٣٧) ١: ١٨٤ كتاب الوضوء، باب من أتى امرأته في دبرها.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٠٤) ٤: ١٥ كتاب الطب، باب في الكاهن. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٥) ١: ٢٤٢ أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض. وأخرجه ابن ماجه في "سننه " (٦٣٩) ١: ٢٠٩ كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن إتيان الحائض.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٢٥٤) ٤: ١٦٤٥ كتاب التفسير، باب نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. . .). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٣٥) ٢: ١٠٥٨ كتاب النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها، من قدامها. . .
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ١٩٦ كتاب النكاح، باب إتيان النساء في أدبارهن. عن ابن عباس.
(٦) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (١٩٢٨) ١: ٦٢٠ كتاب النكاح، باب العزل.
[ ٩ / ٢٧٥ ]
ولأن لها في الولد حقًا وعليها في العزل ضرر فلم يجز إلا بإذنها.
وقاسوا على ذلك سيد الأمة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا بدار حرب: فيُسن) عزله (مطلقاُ) أي: سواء كانت زوجته حرة أو أمة، أو كانب له سُرّية خشية استيلاء العدو على الحامل.
(ولها) أي: وللزوجة (تقبيلُه) أي: تقبيل زوجها (ولمسه لشهوة ولو) كان (نائمًا، لا استدخال ذكره) في فرجها وهو نائم (بلا إذنه).
قال في" الفروع ": وليس لها استدخال ذكره وهو نائم بلا إذنه، بل القبلة واللمس لشهوة. ذكره في "الرعاية ".
قال ابن عقيل في استدخاله: لا يجوز؛ لأن الزوج يملك العقد وحبسها. انتهى.
(وله) أي: وللز وج (إلزامُها) أي: إلزام زوجته (بغسل نجاسة، وغُسل من حيض ونفاس وجنابة مكلفة) واجتناب المحرمات.
قال في"الإنصاف": فله إجبارها على ذلك إذا كانت مسلمة رواية واحدة. وعليه الأصحاب.
وعنه: لا تجبر على غسل الجنابة. ذكرها في " الرعايتين " و" الحاوي " وغيرهم. قلت: وهو بعيد جدًا. انتهى.
قال في " شرح المقنع ": وفي إزالة الوسخ والدرن وجهان بناء على الروايتين في غسل الجنابة. ويستوي في هذه المسلمة والذمية؛ لاستوائهما في حصول النفرة ممن ذلك حالها.
(و) له إلزامها أيضًا بـ (ـأخذ ما يُعاف: من شعر وظُفر).
قال في " شرح المقنع ": وله إجبارها على إزالة شعر العانة إذا خرج عن
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢١٢): ٣١.
[ ٩ / ٢٧٦ ]
العادة رواية واحدة. ذكره القاضي. وكذلك الأظفار. فإن طالا قليلًا بحيث تعافه النفس ففيه وجهان. وهل له منعها من أكل ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم والكراث؟ على وجهين:
أحدهما: له منعها من ذلك؛ لأنه يمنع القبلة وكمال الاستمتاع بها.
والثانى: ليس له ذلك؛ لأنه لا يمنع الوطء. انتهى.
قال في " الإنصاف ". أحدهما: يمنع. جزم في " المنور " وصححه في" النظم " و" تصحيح المحرر " وقدمه ابن رزين في " شرحه ".
والوجه الثانى: لا يمنع من ذلك. انتهى.
(لا بعجن أو خبز أو طبخ، أو نحوها)؛ ككنس الدار، وملء الماء من البئر، وطحن.
قال في " الفروع ": نص عليه. خلافًا للجوزجاني. وأوجب شيخنا: المعروف من مثلها لمثله. وخرّج أيضًا الوجوب من نصه على نكاح الأمة لحاجة الخدمة وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه وجوب الخدمة عليها. انتهى.
(وله) أي: وللزوج المسلم (منع) زوجة (ذمية دخول بَيْعَة وكنيسة، و) على الأصح (شُرب ما يُسكرها) من خمر أو نبيذ، (لا) من شرب ما (دونه. ولا تُكره على إفساد صومها أو صلاتها) بوطء أو غيره (أو) إفساد (سَبْتِها) بشيء مما يفسده؛ لبقاء تحريم السبت عليهم.
(ويلزمه) أي: يلزم الزوج لزوجته المسلمة والذمية والحرة والرقيقة بطلبها (وطء) أي: أن يطأها (في كل ثُلث سنة) أي: في كل أربعة أشهر (مرة: إن قدر) أي: مع قدرته على الوطء. نص على ذلك أحمد.
ووجهه: أن الله ﷾ قدر ذلك بأربعة أشهر في حق المولي فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه. فدل أن الوطء واجب بدونها.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
(و) يلزمه لها أيضاُ (مبيت) أي: أن يبيت عندها (بطلبٍ عند حرة ليلة من أربع) أي: من أربع ليال (^١)، ما لم يكن له عذر.
والأصل في ذلك " قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا عبد الله!
ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؛ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا" (^٢) متفق عليه.
فأخبر أن للمرأة على زوجها حقًا.
وقد روى الشعبي " أن كعب بن سوار كان جالسًا عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي. والله إنه ليبيت ليله قائمًا ويظل نهاره صائمًا. فاستغفر لها وأثنى عليها واستحيب المرأة وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديت المرأة على زوجها. فقال لكعب: اقض بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم. قال: فإنى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن. فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر. اذهب فأنت قاض على البصرة". روى ذلك عمر بن شبة في كتاب " قضاة البصرة " من وجوه هذا أحدها.
وفي لفظ: قال عمر: " نعم القاضي أنت (^٣) ".
وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعًا.
ولأنه لو لم يكن حقًا للمرأة لملك الزوج تخصيص إحدى زوجاته به كالزياة في النفقة على قدر الواجب.
_________________
(١) في ب: ليالي.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٩٠٣) ٥: ١٩٩٥ كتاب النكاح، باب لزوجك عليك حق. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١١٥٩) ١: ٨١٧ كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوّت به حقًا أو لم يفطر العيدين.
(٣) في أ: نعم.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
(و) يلزمه بطلب زوجة (أمةٍ) أن يبيت عندها ليلة (من) كل (سبع) في الأصح، لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر ولها السابعة.
(وله أن ينفرد) بنفسه (في البقية) يعني: إذا لم يستقر في زوجاته جميع الليالي. فمن ليس معه إلا حرة فله الانفراد بنفسه في ثلاث ليال، وإن كان تحته حرتان فله الانفراد بنفسه في ليلتين، ومن تحته ثلاث ليال حرائر فله الانفراد بنفسه في ليلة من كل أربع، ومن ليس تحته إلا أمة فله الانفراد بنفسه في ست ليال، وإن كان تحته أمتان فله انفراد بنفسه في خمس ليال، ومن تحته ثلاث إماء فله الانفراد بنفسه في أربع ليال، ومن تحته أربع إماء فله الانفراد بنفسه ثلاث ليال من سبع؛ لأنه قد وفاهن حقهن من المبيت. فلم تجب عليه زيادة؛ كما لو وفاهن حقهن من النفقة.
وروى أحمد: لا يبيت وحده ما أحب ذلك، إلا ان يضطر. وقاله أحمد في سفره وحده.
وعنه: لا يعجبني.
(وإن سافر) زوج امرأة (فوق نصف سنة في غير حج أو غزو واجبين، أو)
في غير (طلب رزق يحتاج إليه فطلبت) زوجته (قدومه: لزمه) القدوم.
(فإن أبى شيئًا من ذلك) أي: مما ذكر مما هو واجب عليه من المبيت والوطء والقدوم من السفر (بلا عذر) في الجميع: (فُرِّق بينهما بطلبها، ولو قبل الدخول).نص عليه.
قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها يقول:
غدًا أدخل بها، غدًا أدخل بها إلى شهر هل يجبر على الدخول؟ قال: أذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها وإلا فرق بينهما. فجعله أحمد كالمُولي.
وقال أبو بكر بن جعفر: لم يرو مسألة ابن منصور غيره وفيها نظر.
قال في " شرح المقنع ": وظاهر قول أصحابنا: أنه لا يفرق بينهما لذلك.
وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه لو ضربت له المدة لذلك وفرق بينهما لم يكن للإيلاء أثر. ولا خلاف في اعتباره.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
وقال بعض أصحابنا: إن غاب أكثر من ذلك لغير عذر يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه.
وروي ذلك عن أحمد.
ومن قال: لا يفسخ نكاحه إذا ترك الوطء وهو حاضر فهاهنا أولى.
وفي جميع ذلك: لا يجوز الفسخ عند من يراه إلا بحكم الحاكم، لأنه مختلف فيه.
وعن أحمد ما يدل على أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب، لأنه حق له. فلم يجبر عليه، كسائر حقوقه. وهذا مذهب الشافعي.
والأول أولى، لما ذكرنا. انتهى.
وسئل أحمد يؤجر الرجل أن يأتى أهله ولمس له شهوة؟ قال: إي والله يحتسب الولد، فإن لم يرد الولد. قال: هذه امرأة شابه لم لا يؤجر.
وهذا صحيح فإن أبا ذر روى أن رسول الله ﷺ قال: "مباضعتك أهلك صدقة. قلت: يا رسول الله! أنصيب شهوتنا ونؤجر؛ قال: أرأيت لو وضعه في غير حقه ما كان عليه وزر؟ قال: قلت: بلى. قال: أفتحسبون بالسيئة ولا تحسبون بالخير " (^١) .
ولأنه وسيلة إلى الولد، وإعفاف نفسه وامرأته، وغض بصره.
(وسُن عند وطء قول: بسم الله، اللهم! جنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
قال عطاء: هي التسمية عند الجماع.
وروى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم! جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بمنهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٥٠٧) ٥: ١٦٧.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٠٢٥) ٥: ٢٣٤٧ كتاب الدعو ات، باب ما يقول إذا أتى أهله. =
[ ٩ / ٢٨٠ ]
قالى المنذري في"حواشيه": قيل لم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. واختلف في تأويله فقيل: يحتمل أن يكون دفع ضرره وحفظه من إغوائه وإضلاله بالكفر، ويحتمل حفظه من الكبائر والفواحش.
وقيل: لا يصرفه عن توفيقه للتوبة إذا زلّ.
وقيل. هو أن لا يصرع.
وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته. انتهى.
(وكُره) كونهما حال الوطء (متجرِّدَيْن)، لما روى عتبة بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرَّد تجرد العَيْرَيْن " (^١) . وواه ابن ماجه.
والعيرين: تثنية عَير بعين مهملة مفتوحة وسكون المثناة من تحت، يريد به حمار الوحش. شبههما به تنفيرًا عن تلك الحالة.
(و) كُره (إكثار كلام حالتَه) أي: حالة الوطء؛ لما ووى قبيصة بن ذؤيب أن رسول الله ﷺ قال: " لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء، فإن منه يكون الخرس والفأفاء " (^٢) .
ولأنه يكره الكلام حالة البول وحال الجماع في معناه.
(و) كُره (نزعه) أي: نزع ذكره منها (قبل فراغِها)، لما روى أنس بن مالك
قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا جامع الرجل أهله فليقصدها. ثم إذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضى حاجتها " (^٣) .
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٣٤) ٢: ١٠٥٨ كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع. أخرجه ابن ماجه في"سننه" (١٩٢١) ١: ٦١٨ كتاب النكاح، باب التستر عند الجماع.
(٢) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٤٤٩٠١) ١٦: ٣٥٤ كتاب النكاح، محظورات المباشرة.
(٣) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٤٤٨٣٧) ١٦: ٣٤٤ كتاب النكاح، المباشرة وآدابها ومحظوراتها.
[ ٩ / ٢٨١ ]
ولأن في ذلك ضررًا عليها ومنعا لها من قضاء شهوتها.
ويستحب: أن يلاعب امرأته عند الجماع؛ لتنهض شهوتها، فتنال من لذة الجماع مثل ما ناله.
وقد روى عمر بن عبدالعزيز عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يواقعها إلا وقد أتاها
من الشهوة مثل ما نال، لا يسبقها بالفراغ. قلت: وذلك؟ إلى قال: نعم إنك تقبلها وتغمزها وتلمسها، فإذا رأيت أنه قد جاءها مثل ما جاءك واقعتها ".
(و) كُره (وطؤه بحيث يراه أو يسمعه) من الناس (غير طفل لا يعقل، ولو رضيا) أي: الزوجان.
قال أحمد في الذي يجامع المرأة والأخرى تسمع قال: كانوا يكرهون الوجس وهو الصوت الخفي، وهو بالجيم والسين المهملة، يقال: توجس إذا تسمع إلى الصوت الخفي.
(و) يُكره لكل من الزوجين (أن يُحدِّثا بما جرى بينهما) لما روي عن الحسن قال: " جلس رسول الله ﷺ بين الرجال والنساء فأقبل على الرجال، فقال: لعل أحدكم يحدث بما يصنع بأهله إذا خلا. ثم أقبل على النساء فقال: لعل إحداكن تحدث النساء بما يصنع بها زوجها. قال: فقالت امرأة: إنهم يفعلون وإنا لنفعل. فقال: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلكم كمثل شيطان لقي شيطانة فجامعها والناس ينظرون " (^١) .
وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله بمعنا (^٢) .
(وله الجمع بين وطء نسائه) بغسل واحد، (أو) أن يجمع بين وطء نسائه (مع) وطء (إمائه بُغسل) واحد؛ لما روى أنس قال: " سكبت لرسول الله ﷺ ومن نسائه غسلًا واحدًا في ليلة واحدة " (^٣) .
_________________
(١) أحمد في " مسنده " (١٠٩٩٠) ٢: ٥٤١ عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٧٤) ٢: ٢٥٣ كتاب النكاح، باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله.
(٣) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (٥٨٩) ١: ١٩٤ كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء فيمن يغتسل من =
[ ٩ / ٢٨٢ ]
ولأن حدث الجنابة لا يمنع الوطء بدليل إتمام الجماع.
(لا) أن يجمع بين زوجاته (في مسكن) واحد (إلا برضا الزوجات) كلهن؛ لأن على كل واحدة ضررًا فيه (^١)؛ لما بينهن من الغيرة. واجتماعهن يثير الخصومة. وتسمع كل واحدة حسه إذا أتى غيرها أو كلمها. وإنما جاز ذلك مع الرضى، لأن الحق لا يعدوهن فلهن المسامحة بتركه، وكذا إن رضيتا بنومه بينهما في لحاف واحد.
ويجوز نوم الرجل مع امرأته [بلا جماع] (^٢) بحضرة محرم لها؛" كنوم النبي ﷺ وميمونة في طول الوسادة وابن عباس لما بات عندها في عرضها " (^٣) .
(و) للزوج (منع كلُّ منهن) أي: من زوجاته (من خروج) من منزله إلى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما.
قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن لها.
(ويحرُم) على من لها زوج خروجها (بلا إذنه، أو) بلا (ضرورة) كإتيانها بمأكل ونحوه، لما روى ابن بطة في " أحكام النساء " عن أنس: " أن رجلا سافر ومنع زوجته الخروج. فمرض أبوها. فاستأذنت رسول الله ﷺ في حضور جنازته. فقال لها: اتقي الله ولا تخالفي زوجك. فأوحى الله إلى النبي ﷺ أنى قد غفرت لها بطاعة زوجها ".
ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة غير واجبة. فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب.
_________________
(١) = جميع نسائه غسلًا واحدًا. زيادة من ب.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" (١٣٦٧) ٢: ٤٧ كتاب التطوع، باب في صلاة الليل.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
وروى عن علي أنه قال: " بلغنى أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق.
أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار " (^١) .
وحيث خرجت بلا إذنه بلا ضرورة (فلا نفقة) لها ما دامت خارجة من منزله. (وسُن) للزوج (إذنه) لزوجته: (إذا مرض محرَم لها، أو مات) محرم لها في الخروج إليه؛ لما في ذلك من صلة الرحم. وفي منعها من الخروج إليه قطيعة الرحم، ويكون عدم إذنه حاملًا للزوجة على مخالفته. وقد أمر الله ﷾ بالمعاشرة بالمعروف وليس ذلك منها.
(وله) أي: وللزوج (إن خافه) أي: خاف خروج زوجته: (لحبس) أي: بأن كان محبوسًا ظلمًا أو بحق، (أو نحوه)؛ كما لو أراد سفرًا (إسكانها حيب لا يمكنها) خروج من ذلك المكان. (فإن لم تُحفَظ) أي: يمكن حفظها بًان لم يكن له (^٢) من يحفظها غير نفسه: (حُبست معه) حيب لا محذور، (فإن خيف محذور) بحبسها معه، كما الحبس عليه الآن: (ففي رباط ونحوه).
قال في " الفروع ": قال شيخنا فيمن حبسه بحقها: إن خاف خروجها بلا إذنه أسكنها حيث لا يمكنها. فإن لم يكن لها (^٣) من يحفظها غيرنفسه حبست معه. فإن عجز عن حفظها أو خيف حدوث شر أسكنت فيا رباط ونحوه. ومتى كان خروجها مظنة الفاحشة صار حقًا لله تعالى يجب على ولي الأمر رعايته. انتهى.
(وليس له) أي: للزوج (منعُها) أي: منع زوجته (من كلام أبويها، ولا منعهما) أي: منع أبويها (من زيارتها) في الأصح.
(ولا يلزمها) أى: يلزم الزوجة (طاعتهما) أي: طاعة أبويها (في فراقٍ) أي: في فراق زوجها، (وزيارة) أي: زيارتها إياهما، (ونحوهما)؛ كأمرهما بعصيان زوجها، بل طاعة زوجها أحق.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١١٨) ١: ١٣٣.
(٢) في ب: لها.
(٣) في "الفروع " ٥: ٣٢٨: له.
[ ٩ / ٢٨٤ ]
(ولا تصح إجارتها) أى: أن تؤجر نفسها أو يؤجرها وليها (لرضاعٍ وخدمة) وصنعة (بعد) عقد (نكاح بلا إذنه) أي: إذن زوجها؛ لأنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق. فلم يصح؛ كإجارة المستأجر. فأما مع إذن الزوج فإن الإجارة تصح ويلزم العقد؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما.
(وتصح) الإجارة (قبلَه) أي: قبل عقد النكاح، (وتلزم)؛ لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه. فأشبه ما لو أشترى أمة مستأجرة أو دارًا مشغولة بما يطول. نقله مهنا.
(وله) أي: وللزوج (الوطء) أي: وطء المستأجرة لخدمة أو رضاع (مطلقًا) أي: سواء أضر وطؤه بالمرتضع أو لا في الأصح؛ لأن وطء الزوج مستحق بعقد التزويج فلا يسقط بأمر مشكوك فيه؛ كما لو أذن فيه الولي ولا يملك الزوج فسخ النكاح مع جهله بكونها مؤجره في الأصح.
***
[ ٩ / ٢٨٥ ]
[فصل: في القسم بين الزوجات]
(فصل. و) يجب (^١) (على) زوج (غيرِ طفل، أن يسوي بين زوجاته: في قَسْم)؛ لأنه إذا قسم لواحدة أكثر من غيرها كان في ذلك مَيل. وقد قال ﷾: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وليس مع الميل معروف.
وقال ﷾: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء﴾؛لأن العدل أن لا يقع ميل البتة، وهو متعذر ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على تحري ذلك وبالغتم فيه َ ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] التي ليست ذات بعلٍ ولا مطلقة.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " (^٢) .
وعن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل. ثم يقول: اللهم! هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " (^٣) رواهما أبو فى داود.
(وعماده) أي: عماد القسم: (الليل)؛ لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة.
ولأن النهار للمعاش والاشتغال. قال الله ﷾: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢١٣٣) ٢: ٢٤٢ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١١٤١) ٣: ٤٤٧ كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر. وأخرجه النسائي في"سننه" (٣٩٤٢) ٧: ٦٣ كتاب عشرة النساء، ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (١٩٦٩) ١: ٦٣٣ كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء. وأخرجه أحمد في"مسنده " (٨٥٤٩) ٢: ٣٤٧ كلهم عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" (٢١٣٤) الموضع السابق.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].
وقال ﷾: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠_١١].
(والنهار يَتْبَعُه) أي: يتبع الليل أي: يدخل في القسم تبعًا لليل؛ لما روي" أن سودة وهبت يومها لعائشة " (^١) متفق عليه.
وقالت عائشة: " قُبض رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي " (^٢) .
وإنما قبض رسول الله ﷺ نهارًا.
ويتبع اليوم الليلة الماضية؛ لأن النهار تابع لليل (^٣) . ولهذا يكون أول الشهر الليل.
ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم منه.
(وعكسه) أي: عكس ما تقدم من كون عماد القسم في حقه الليل والنهار تابع يكون في حق (مَن معيشتُه بليل، كحارس) فإنه يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره.
(ويكون) القسم (ليلة وليلة) في الأصح، لأنه إن قسم ليلتين وليلتين أو أكثر من ذلك كان في ذلك تأخير لحق من لها الليلة التالية التي قبلها، (إلا أن يرضين بأكثر) من ليلة وليلة؛ لأن الحق لا يعدوهن.
(ولزوجة أمة مع) زوجة (حرة، ولو) كانت الحرة (كتابية ليلة من ثلاث)، لما روي عن علي أنه قال: " إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحره ليلتين (^٤) . رواه الدارقطني.
واحتج به أحمد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩١٤) ٥: ١٩٩٩ كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك. وأخرجه مسلم في"صحيحه " (١٤٦٣) ٢: ١٠٨٥ كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٤١٨٤) ٤: ١٦١٦ كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته.
(٣) في ب: الليل.
(٤) أخرجه الدارقطني في "سننه" (١٤٨) ٣: ٢٨٥ باب المهر.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
ولأن الحرة يجب تسليمها ليلًا ونهارًا فكان حظها أكثر في الإيواء. ويخالف ذلك النفقه والسكنى فإنه مقدر بالحاجة، وحاجة الأمة في ذلك كحاجة الحرة.
ويخالف ذلك أيضًا قسم الابتداء فإنه شرع لزوال الاحتشام من كل واحدٍ من الزوجين من صاحبه، ولا يختلف ذلك بالحرية والرق.
وأما كونه يسوي بين المسلمة والذمية في القسم؛ فلقول ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء.
(و) يقسم (لمبعضة) أي: من بعضها فقط حر (بالحساب).
قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب.
(وإن عَتَقت أمة في نَوبتها، أو) في (نوبة حره سابقة) على نوبة الأمة: (فلها) أي: فللأمة التي عتقت في نوبتها أو نوبة الحره السابقة (قِسْم حرة)؛ لأن النوبة أدركت التي كانت أمة وهي حرة فتستحق قسم حرة.
(و) إن عتقت (في نوبة حرة مسبوقة: يستأنف القسم متساويًا) في الأصح. يعني: أنه إن كان قسم للأمة وعتقت وقد استوفت الحرة يومًا مثله قطع الدور وابتدأ دورًا غيره.
قال في " شرح المقنع ": فإن عتقت الأمة في ابتداء مدتها أضاف إلى ليلتها ليلة أخرى لتساوي الحرة، وإن كان بعد انقضاء مدتها استؤنف القسم متساويًا ولم يقض لها ما مضى؛ لأن الحرية حصلت بعد استيفاء حقها. وان عتقت وقد قسم للحرة ليلة لم يردها على ذلك؛ لأنهما تساويا فيسوي بينهما. انتهى.
وعبارته في " الرعاية " وتبعه صاحب " الفؤوع ": وإن عتقت أمة في نوبتها أو نوبة حرة مسبوقة: فلها قسم حرة، وفي نوبة حرة سابقة، قيل: يُتم للحرة على حكم الرق.
وقيل: يستويان بقطع واستدراك. انتهى.
قال ابن نصر الله في " حاشيته على الفروع ": وقد نسبه شارح" المحرر "
إلى الوهم في ذلك. وسبب وهمه: أن في عبارة صاحب " المحرر " ضميرًا
[ ٩ / ٢٨٨ ]
للحرة (^١) فظنه للأمة فانعكس الحكم عليه في المسألتين. فإن عبارة " المحرر": إذا عتقت الأمة في نوبتها أو نوبة الحرة وهي المتقدمة فلها قسم حرة. وإن عتقت في نوبة الحرة وهي المتأخرة فوجهان. فجعل صاحب"الرعاية"قوله: وهي في الموضعين يعود إلى الأمة. وتابعه المصنف- يعني: صاحب" الفروع "- وجعل الشارح هذا وهمًا وأن الصواب أن قوله: وهي في الموضعين يعود إلى الحرة، ويؤيد ما قاله شارح
"المحرر"قول ابن عبدوس في" تذكرته": ولأمة عتقت في نوبة حرة سابقة كقسمها، وفي نوبة حرة سابقة كقسمها، وفي نوبة حرة مسبوقة تتمها على الرق. انتهى.
فعلى هذا إذا عتقت في نوبة الحرة ونوبة الحرة متقدمة على نوبة الأمة فلأمة قسم حرة، وإن كانت نوبة الحرة متأخرة عن نوبة الأمة ففيها الوجهان.
وقوله: أي: قول شارح "المحرر" أقرب إلى الصواب. ويظهر ذلك بنظر كلامه فإنه علل ذلك بأنها إذا عتقت في نوبة حرة والحرة متقدمة فإن النوبة تدرك الأمة وهي حرة فتستحق قسم حرة. وإن كانت الحرة متأخرة فأحد الوجهين يقسم للحرة على حكم الرق فلا تزاد الأمة شيئًا، ويكون للحرة ضعف مدة الأمة؛ لأن باستيفاء الأمة مدتها في حال الرق وجب للحرة ضعفها. بخلاف ما إذا عتقت قبل مجيء نوبتها أو قبل تمامها. والجرية الطارئة لا تنقص الحرة مما وجب لها.
والوجه الثانى: يسوى بينهما بقطع واستدراك يعني (^٢): أنه إن كان قسم للأمة وعتقت وقد استوفت الحرة يومًا مثله قطع الدور (^٣) وابتدأ دورًا غيره.
وإن فضلت الحرة عنها (^٤) بشئ استدركه بالقضاء للأمة وذلك؛ لأن نوبتي الأمة والحرة مدة واحدة وقد عتقت الأمة في أثنائها فصارتا حرتين، فوجب أن
_________________
(١) في ب: لحرة.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ب: الدورة.
(٤) في ب: عينها.
[ ٩ / ٢٨٩ ]
يتساويا (^١) فيها؛ كما لو عتقت في آخر نوبتها. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ذلك: وفي " المغني " و" الترغيب ": وإن عتقت بعد نوبتها اقتصرت على يومها. زاد في " الترغيب " بدأ بها أو بالحرة.
قال ابن نصر الله: ويدخل في هذه العبارة ما لو كانت (^٢) نوبة الحرة قبل نوبة الأمة أو بعدها، وسواء كانت النوبتان متواليتين أو متفرقتين وبينهما زمن من غيرهما برضاهما.
ويفهم منها: أنها متى كان عتقها قبل نوبتها لم يقتصر على يومها.
ومقتضى ذلك: أن يكون لها قسم حرة، سواء كان ذلك في نوبة الحرة السابقة، أو في الزمن المتخلل بين النوبتين برضاهما، أو قبل مجيء نوبتهما من الدور، مثل: أن يكون التراضي وقع بينهم على أن يبيت عند الحرة من كل سبعة أيام يومين هما الخامس والسادس، وعند الأمة السابع، وينفرد لنفسه في أربعة أيام متقدمة على الثلاثة المقسوم فيها. انتهى.
(ويطوف بمجنون مأمون) معه أكثر من زوجة في قسم (وليُّه)، وإن لم يكن مأمونًا فلا قسم عليه، لأنه لا يحصل منه أنس ولا فائدة.
(ويحرم تخصيص) لبعض زوجاته (بإفاقة. فلو أفاق في نوبة واحدة: قضى يوم جنونه للأخرى)، وإن لم يعدل الولي في القسم ثم أفاق المجنون فعليه أن يقضي للمظلومة؛ لأنه حق ثبت في ذمته. فلزمه إيفاوه حال الإفاقة؛ كالمال.
(وله أن يأتيهن) أي: وللزوج أن يأتي زوجاته كل واحدة في مسكنها؛ " لأن رسول الله ﷺ كان يقسم هكذا " (^٣) .
_________________
(١) في ب: يستويا.
(٢) في ب: كان.
(٣) لفظ الحديث عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا امرأة امرأة فيدنو ويلمس من غير مسيس حتى يفضي إلى التي هو يومها فيبيت عندها ". أخرجه أبو داود في "سننه" (٢١٣٥) ٢: ٢٤٢ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء.
[ ٩ / ٢٩٠ ]
ولأنه أهون لهن وأستر حتى لا يخرجن من بيوتهن.
(و) له (أن يدعوهن إلى محلِّه) بًان يتخذ لنفسه منزلًا يدعو إليه كل واحدة منهن في ليلتها ويومها؛ لأن له نقل زوجته حيث شاء بمسكن يليق بها.
(و) له (أن يأتى بعضًا) من الزوجات إلى مسكنها، (و) أن (يدعو بعضًا) منهن إلى منزله؛ لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء.
وإن حبس الزوج فأحب القسم بين نسائه بأن يستدعي كل واحدة في نوبتها فعليهن طاعته.
(ولا يلزم من دُعيت إتيان: ما لم يكن سكن مثلها)، لما في ذلك من
الضرر عليها، ويجب عليه العدل بينهن.
(ويَقسم) وجوبًا زوج مريض ومجبوب وخصي وعنين، لأن القسم للأنس وذلك حاصل ممن لا يطأ.
وقد روت عائشة " أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه، ويقول: أين أنا غدًا، أين أنا غدًا " (^١) . رواه البخاري.
فإن شق عليه ذلك استأذنهن في السكون عند إحداهن، كما فعل النبي ﷺ.
قالت عائشة: " إن رسول الله ﷺ بعث إلى نسائه فاجتمعن. قال: إنى لا أستطيع أن أدور بينكن. فإن رأيتنَّ أن تأذنَّ لي فأكون عند عائشة فعلتن. فأذنّ له (^٢) . رواه أبو داود.
فإن لم يأذنّ له أقام عند إحداهن بالقرعة أو اعتزلهن جميعًا إن أحب. قاله في
" شرح المقنع ".
ويجب القسم (لحائضٍ ونُفساء، ومريضة ومَعيبة ورَتقْاء، وكتابيَّة ومُحرِمة وزَمِنة، ومميِّزة ومجنونة مأمونة، ومن آلى) منها (أو ظاهر منها، أو وُطئت
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه " (٣٥٦٣) ٣: ١٣٧٥ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ﵂.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٣٧) ٢: ٢٤٣ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء.
[ ٩ / ٢٩١ ]
بشبهة، أو سافر بها بقُرعة: إذا قَدِم)؛ لأن القصد الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل بالمبيت عندها.
(وليس له) أي: للزوج (بُداءة) في قسم (ولا سفر بإحداهن، بلا قرعة)؛ لأن في البداءة بإحداهن تفضيلًا لها، والتسوية واجبة، ولا يمكن الجمع بينهن في البداءة. فوجب المصير إلى القرعة.
و" لأن النبى ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فمن خرجت لها القرعة خرج بها معه " (^١) . متفق عليه.
(إلا برضاهن ورضاه) يعني: إلا أن يرضى الزوج والزوجات بالبداءة بواحدة معينة، أو بالسفر بها فيجوز؛ لأن الحق لا يعدوهم.
(ويقضي) الزوج لبقية الزوجات (مع) خروج (قرعةٍ) في السفر بإحداهن، (أو) مع (رضاهن) بالسفر بمعينة منهن (ما تعقَّبه سفر أو تخلله) أي: تخلل السفر (من إقامة) في الأصح لساكنهما فيما تعقب السفر أو تخلله، لا زمن مسيره وحله وترحاله؛ لأن ذلك لا يسمى سكنًا. فلا يجب قضاؤه؛ كما لو كانا منفردين.
(و) يقضي من سافر بواحدة من زوجتيه أو زوجاته (بدونهما) أي: بدون قرعة وبدون رضى بقية زوجاته (جميع غيبته)؛ لأنه خصَّ بعضهن بمدة على وجه تلحقه التهمه فيه. فلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضرًا.
ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير؛ لعموم الخبر والمعنى، ولا
بين من أراد السفر إلى بلد معين ثم عنّ له السفر إلى بلد أبعد منه.
(ومتى بدأ) القسم (بواحدة من نسائه بقرعة أوْ لا) أي: وبدون قرعة:
(لزمه مَبيت) ليلة (آتية عند) زوجة (ثانية)؛ ليحصل التعديل في الصورة
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٩١٣) ٥: ١٩٩٩ كتاب النكاح، باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا. وأخرجه مسلم قي " صحيحه " (٢٤٤٥) ٤: ١٨٩٤ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل ﵂.
[ ٩ / ٢٩٢ ]
الأولى، ويتدارك الظلم في الصورة الثانية.
(ويحرم) على زوج (أن يدخل إلى كير ذات ليلة فيها) أي: في الليلة التي ليست لها (إلا لضرورة) مثل: أن يكون منزولًا بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه ونحو ذلك.
(و) يحرم أن يدخل إليها (في نهارها) أي: نهار ليلة غيرها (إلا لحاجة؛ كعيادة)، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته.
(فإن لم يلبث) مع الضرورة أو الحاجه أو مع عد مهما: (لم يقض)؛ لأنه
لا فائدة في قضاء الزمن اليسير.
(وإن لبث أو جامع: لزمه لقضاء لُبثٍ وجماع) في الأصح. وهو: أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة فيجامعها ليعدل بينهما؛ لأن اليسير مع الجماع يحصل به السكن. فأشبه الزمن الكثير.
(لا) قضاء (قبلة ونحوها من حقِّ الأخرى)، لما روت عائشة قالت:
" كان رسول الله ﷺ يدخل عليَّ في يوم غيري فينال مني كل شيء ألا الجماع " (^١) .
(وله قضاء أول ليل عن آخره) في الأصح، لأنه قد قضى بقدر ما فاتها من الليل.
وقيل: ليس له ذلك، لعدم المماثلة.
(و) قضاء (ليل صيف عن) ليل (شتاء، وعكسهما) يعني: أن له قضاء آخر ليل عن أوله، وليل شتاء عن ليل صيف؛ لأنه قد قضى ليلة عن ليلة.
(ومن انتقل) من بلد (إلى بلد) وله زوجات: (لم يجز أن يصحب
_________________
(١) أخرج أبو داود نحوه في"سننه"عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعض على بعض في القسم، من مكثه عندنا، وكان قلّ يوم إلا وهو يطوف علينًا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها". (٢١٣٥) ٢: ٢٤٢ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء.
[ ٩ / ٢٩٣ ]
إحداهن، و) يصحب (البواقي غيره إلا بقرعة) فإذا سافر بمن خرجت لها القرعة ووصل إلى البلد الذي انتقل إليه فأقامت معه فيه قضى للباقيات مدة كونها معه في البلد خاصة؛ لأنه صار مقيمًا وانقطع حكم السفر عنه. فإن خص إحداهن بصحبته بدون قرعة قضى للباقيات كالحاضر.
(ومن امتنعت) من زوجاته (من سفر) معه (أو مبيت معه، أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقط حقها: من قَسم ونفقة).
اما الممتنعة من السفر أو المبيت معه؛ فلأنها عاصيه له بمنيع نفسها منه.
فسقط حقها؛ كالناشز.
وأما من سافرت لحاجتها بإذنه أو بدون إذنه فكذلك في الأصح؛ لأن القسم للأنس والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسببٍ من جهتها. فسقط؛ كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها. وفارق ما إذا سافرت معه؛ لأنه لم يتعذر ذلك.
(لا) إن سافرت (لحاجته) أي: حاجة زوجها (ببعثِه) إياها فإنه لا يسقط حقها من القسم ولا من النفقة؛ لأن تعذر استمتاعه بسبب من جهته.
(ولها) أي: للزوجة (هبةُ نوبتها) من القسم (بلا مال لزوج يجعله لمن شاء) من ضرائرها، (ولضرَّة) معينة (بإذنه ولو أبَتْ) ذلك (موهوب لها)؛ لأن الحق في ذلك للواهبة وللزوج. فإذا رضيت هي والزوج جاز؛ لأن الحق لايخرج عنهما.
وأما كون ذلك جائزًا ولو أبت الموهوب لها ذلك؛ لأن حق الزوج في الاستمتاع
بها ثابت قي كل وقت عليها، وإنما منعته المزاحمة في حق صاحبتها. فإذا زالت المزاحمة بهبتها ثبب حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت؛ كما لو كانت منفردة. وقد ثبت "أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة " (^١) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه " (٤٩١٤): ١٩٩٩ كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها =
[ ٩ / ٢٩٤ ]
وأما كون ذلك لا يصح على مال؛ لأن حقها في كون الزوج عندها وليس ذلك يقابل بمال.
فإذا أخذت الواهبة على ذلك مالًا لزمها رده، وعلى الزوج أن يقضي لها زمن هبتها؛ لأنها إنما تركته بشرط العوض ولم يسلم لها. وإن كان عوضها في ذلك غير المال، مثل: إرضاء زوجها عنها أوغير ذلك جاز؛" لأن عائشة أرضت رسول الله ﷺ عن صفية وأخذت يومها، وأخبرت بذلك رسول الله ﷺ فلم ينكره " (^١) .
(وليس له) أي: للزوج (نقلُه) أي: نقل الزمن الموهوب (لِيَلِيَ ليلتَها) أي: ليلة الموهوب لها، إلا برضى الباقيات؛ لأن الحق لا يخرج عنهن، بل يخرج للموهوب لها في الوقت الذي كان للواهبة؛ لأن الموهوب لها قامت مقام الواهبة في ليلتها. فلم تغير عن موضعها؛ كما لو كانت باقية للواهبة.
(ومتى رجعت) في هبتها (ولو في بعض ليلة) عاد حقها في المستقبل؛ لأنها هبة لم تقبض، و(قسم) أي: وكان على الزوج أن يرجع إليها.
(ولا يقضي بعضًا) من ليلة (لم يَعلم به) أي: برجوعها فيها (إلى فراغها)؛ لحصول التفريط منها.
(ولها) أي: وللزوجة (بذلُ قِسْم ونفقة وغيرهما) لزوج؛ (ليُمْسكها. ويعود) حقها فيما وهبته من ذلك فيما يستقبل من الزمان (برجوعها)، وأما ما مضى فبمنزلة الهبة المقبوضة.
_________________
(١) = لضرتها وكيف يقسم ذلك. وأخرجه مسلم في"صحيحه " (١٤٦٣) ٢: ١٠٨٥ كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها. أخرجه ابن ماجه في"سننه" (١٩٧٣) ١: ٦٣٤ كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها لصاحبتها، ونصه: "عن عائشة أن رسول الله ﷺ وجد على صفية بنت حيي في شيء. فقالت صفية: يا عائشة! هل لك أن تُرضي رسول الله ﷺ عني ولك يومي؛ قالت: نعم. فأخذت خمارًا لها مصبوغًا بزعفران. فرشته بالماء ليفوح ريحه. ثم قعدت إلى جنب رسول الله ﷺ. فقال النبي ﷺ يا عائشة! إليك عني. إنه ليس يومك فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فأخبرته بالأمر، فرضي عنها ".
[ ٩ / ٢٩٥ ]
(ويسن) لزوج (تسوية) أي: أن يسوي (في وطء بين زوجاته)؛لأنه أبلغ في العدل بينهن.
وروي "أن النبي ﷺ كان يسوي بين زوجاته حتى في القبلة. ويقول: اللهم! هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك (^١) .
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية بين النساء في الجماع. وذلك؛ لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك.
(و) يسن لسيد تسوية (في (^٢) قسم بين إمائه) اللاتي يستمتع بهن؛ ليكون ذلك أطيب لقلوبهن. ولا قسم عليه فيهن بدليل قول الله ﷾: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقد كان للنبي ﷺ مارية القبطية وريحانة فلم يكن يقسم لهما.
ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، ولذلك لا يثبت لها خيار بجبّ السيد ولا عنّته، ولا يضرب لها مدة الإيلاء بحلفه على ترك وطئهن.
(وعليه ان لا يَعضُلَهن) إذا احتجن إلى النكاح: (إن لم يُرِدْ استمتاعًا بهن) فيزوجهن أو يبيعهن.
***
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٢١٣٤) ٢: ٢٤٢ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء. عن عائشة.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٢٩٦ ]
[فصل: في إقامة من تزوج ومعه غيرها]
(فصل. ومن تزوج بكرًا) ومعه غيرها: (أقام عندها سبعًا ولو) كانت (أمة، ثم دَارَ. و) إن كانت التي تزوجها على غيرها (ثيبًا) أقام عندها (ثلاثًا) ثم دار؛ لأن الدور ينقطع بمكثه عند الجديدة ما يجب لها. وتصير الجديدة آخرهن نوبة.
والأصل في ذلك ما روى أبو قلابة عن أنس قال: " من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم " (^١) . قال أبو قلابة: لو شئت لقلت أن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ. رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاثة. ثم يعود إلى نسائه " (^٢) . رواه الدارقطني.
(وإن شاءت) الثيب (لا هو) أي: لا الزوج أن يقيم عندها (سبعًا. فعل) أي: أقام عندها سبعًا، (وقضى الكل) أي: السبع كلها للبواقي. وذلك؛ لما روت أم سلمة " أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام وقال: إنه ليس بكِ هوان على أهلك. فإن شئت سبّعت لك وسبّعت لنسائي " (^٣) . روأه احمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩١٦) ٢٠٠٠: ٥ كتاب النكاح، باب إذا تزوج الثيب على البكر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٦١) ٢: ١٠٨٤ كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٤٠) ٣: ٢٨٣ باب المهر.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٦٠) ٢: ١٠٨٣ الموضع السابق. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٢٢) ٢: ٢٤٠ كتاب النكاح، باب في المقام عند البكر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩١٧) ٦١٧: ١ كتاب النكاح، باب الإقامة على البكر والثيب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٥٤٧) ٦: ٢٩٢.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
ورواه الدارقطني ولفظه: " أن النبي ﷺ قال لها حين دخل بها: ليس بكِ هوان على أهلك. إن شئتِ أقمت عندك ثلاثًا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي. قالت: تقيم معي ثلاثًا خالصة " (^١) .
(وإن زُفّت إليه) أي: إلى الزوج (امرأتان: كُره) له ذلك. قطع به في
" الفروع ".
(وبدأ بالداخلة) عليه (أولًا)؛ لأن حقها متقدم.
(ويُقرع) بين المرأتين (للتساوي) أي: إن تساويا في الدخول عليه بأن لم تسبق إحداها الأخرى أقرع بينهما؛ لتساوي حقهما. فمن خرجت له القرعة وفاها حق عقدها، ثم دار إلى الثانية فوفاها حق عقدها، ثم قسم بعد ذلك. (وإن سافر) أي: أراد السفر (من قرع) بين زوجتيه لتساويهما في الدخول عليه وهو يريد السفر سافر بمن خرجت لها القرعة، و(دخل حق عقد في قسم سفر)؛ لأن الغرض من حق العقد حصل بسفرها في صحبته، (فيقضيه للأخرى بعد قدومه) من سفره في الأصح؛ لأنه حق وجب لها قبل سفره ولم يؤده إليها. فلزمه قضاوه؛ كما لو لم يسافر بالأخرى معه.
ومتى قدم من سفره قبل مدة ينقضي فيها حق عقد الأولى أتمه في الحضر وقضى للحاضرة مثله وجها واحدًا. وفيما زاد الوجهان. وقد تقدم أن الأصح: أنه يقضيه.
ومن كانت له امرأة (^٢) فتزوج أخرى عليها وأراد السفر بهما جميعا قسم للجديدة سبعًا إن كانت بكرًا أو ثلاثًا إن كانت ثيبًا، ثم يقسم بعد ذلك في قسم السفر؛ لأنه نوع قسم. وإن أراد السفر بواحدة فوقعت القرعة للقديمة سافر بها، فإذا حضر قضى للجديدة حق العقد؛ لأنه سافر بعد وجوبه عليه.
(وإن طلق واحدة) من معه أكثر (وقت قسْمها)، مثل: أن تكون هي
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٤٣) ٣: ٢٨٤ باب المهر.
(٢) في ب: امرأتان. وهو وهم.
[ ٩ / ٢٩٨ ]
الثانية في القسم فيطلقها في آخر نوبة الأولى فقد (أثم)؛ لأنه تسبب بالطلاق إلى إبطال حقها من القسم؛ لأن الأولى لما استوفت النوبة وجب للثانية مثل ذلك،
فإذا طلقها فقد أبطل بذلك حقها من القسم. فلا يجوز؛ كإبطال سائر حقوقها. (ويقضيه) لها (متى نكحها) وجوبا؛ لأنه قدر على إيفاء حقها. فلزمه، كالمعسر إذا أيسر بالدين.
(ومن قَسَم لثنتين من ثلاث) أي: ثلاث زوجات، (ثم) لما جاز من
الثالثة (تجدد) عليه (حق رابعة برجوعها في هبة) من حقها من القسم، (أو) برجوعها (عن نشوز، أو بنكاح) متجدد: (وفاها) هذا جواب من. يعني:. فيوفيها (حق عقده) وهو سبع إن كانت بكرا، أو ثلاث إن كانت ثيبا، (ثم) يعود إلى القسم فيكون (رُبعَ الزمن المستقبل للرابعة)؛ لأنها واحدة من أربع، والأولى والثانية قد استوفتيا مدتهما، (و) يكون (بقيته) أي: بقية الزمن المستقبل وهي ثلاثة أرباعه (للثالثة) مثل ما استوفته كل واحدة من الأوليين. مثاله فيما يخرج الحساب فيه بلا كسر: أنه كان يقسم للأوليات ثلاثًا ثلاثًا فإنه يقسم للثالثة ثلثا مثلهما (^١) ويقسم للرابعة ليلة فتكون الرابعة قد أخذت ربع مدة الزمن الآنى عليها، لأنه زمن الثالثة وزمن الرابعة.
(فإن أكمل الحق: ابتدأ التسوية) للأربع.
(ولو بات ليلة عند إحدى امرأتيه، ثم نكح) ثالثة: (وفاها حق عقده،
ثم) وفى (ليلة للمظلومة، ثم) وفى (نصف ليلة للثالثة، ثم يبتدى) القسم.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب. انتهى.
قال الموفق وشارح " المقنع ": وعلى هذا القول يحتاج أن ينفرد بنفسه في
نصف ليلة وفيه حرج.
(وله) أي: وللزوج الذي له زوجتان فأكثر (نهار) ليل (قِسم أن يخرج)
_________________
(١) في ب: منهما.
[ ٩ / ٢٩٩ ]
فيه) لمعاشِه وقضاء حقوق الناس)؛ لقول الله ﷾: (وجعلنا النهار معاشا)] النبأ: ١١].
وحكم السبعة والثلاثة التي يقيمها (^١) عند المزفوفة حكم سائر القسم في ما
ذكرنا.
ومتى تعذر عليه المقام عند زوجته ليلا بشغل أو حبس أو تركه من غير عذر: قضاه لها.
وله الخروج إلى صلاة الجماعة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يترك الجماعة لذلك.
_________________
(١) في ب: يقمها.
[ ٩ / ٣٠٠ ]
(فصل: في النشوز)
(وهو: معصيتُها إياه فيما يجب عليها) له. يقال: نشزت المرأة بالشين المعجمة والزاي، ونشصت بها وبالصاد المهملة. وهو مأخوذ من النشز، وهو: ما ارتفع من الأرض؛ فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض الله ﷾ عليها من المعاشرة بالمعروف.
(وإذا طهر منها أمارته) أي: أمارة النشوز: (بأن منعته) أي: منعت زوجها (الاستمتاع) بها، (أو أجابته) حال كو نها (متبرِّمة) مثل: أن تتثا قل إذا دعاها، ولا تجيبه إلا بتكره ودمدمة: (وَعَظَها) بأن يخوفها الله ﷾، ويذكر لها ما أوجب عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة والمعصية، وما يسقط بذلك من النفقه والكسوة، وما يباح له من هجرها وضربها، لقول الله ﷾: (واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن)] النساء: ٣٤].
(فإن أصرَّت) على النشوز بعد وعظها: (هجرها في مضجع) أي: ترك مضاجعتها (ما شاء) من الزمان ما دامت كذلك، (و) هجرها (في كلام ثلاثة ايام، لا فوقها)؛ لقول الله ﷾: (واهجروهن فى المضاجع)
] النساء: ٣٤].
قال ابن عباس: " لا تضاجعها في فراشك ".
وأما كونه لا يهجرها في الكلام أكثر من ثلاثة أيام؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " (^١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩١١) ٤: ٢٧٨ كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم.
[ ٩ / ٣٠١ ]
(فإن أصرَّت) مع هجرها في المضجع وهجرها في الكلام على ما هي عليه
من "النشوز: (ضربها) ضربًا (غير شديد)، لما روى عبد الله بن زمعة عن النبي ﷺ أنه قال: " لايجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم " (^١) .
(عشرة أسواط، لا فوقَها)، لقول رسول الله ﷺ: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله " (^٢) . متفق عليه.
وعلى الزوج أن يجتنب الوجه (^٣) والمواضع المخيفة، لأن المقصود
التأديب، وزجرها عن المعصية في المستقبل، وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل؛ كمن أراد من هجم منزله.
وأما قوله ﷾: (واللاتى تخافون نشوزهن ٠٠٠) الآية] النساء: ٣٤] ففيها إضمار تقديره: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن (^٤)، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهن؛ كما قال ﷾: (إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أويصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الأرض)] المائده: ٣٣]. والذي يدل على هذا: أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز، ولا خلاف: أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره. فإذا لم ترتدع بالوعظ والهجر
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٣٤٣) ٥: ٤٤٠ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة: (والشمس وضحاها). وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٨٣) ١: ٦٣٨ كتاب النكاح، باب ضرب النساء. كلاهما عن عبد الله بن زمعة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٥٨) ٦: ٢٥١٢ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب كم التعزير والأدب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٠٨) ٣: ١٣٣٢ كتاب الحدود، باب قدر أشواط التعزير. كلاهما عن أبي بردة الأنصاري.
(٣) في ب: الزوجة. وهو تصحيف.
(٤) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٠٢ ]
فله ضربها؛ لقول الله ﷾: (واضربوهن)] النساء: ٣٤].
وقال النبي ﷺ: " إن لكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم أحد تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح " (^١) . رواه مسلم.
ومعنى غير مبرح أي: ليس بالشديد.
وفي " الترغيب " وغيره: الأولى ترك ضربها إبقاءًا للمودة.
قال أحمد في الرجل يضرب امرأته: لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم ضربها؟
والأصل في هذا بما روى الأشعث (^٢) عن عمر أنه قال: " يا أشعث (^٣) لِلَّهِ احفظ عني شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ: لا تسألن رجلا فيم ضرب امرأته " (^٤) . رواه أبو داود.
لأنه قد يضربها لأجل الفراش فإن أخبر بذلك استحيى، وإن أخبر بغيره كذب.
(ويُمنع منها) أي: من هذه الأشياء (من) أي: زوج (علم بمنعه حقها) أي: حق زوجته (حتى يوفيه) لها؛ لأنه يكون ظالمًا بطلبه حقه مع منعه حقها. وينبغي للمرأة أن لا تغضب زوجها؛ لما روى أحمد قال: حدثنا يزيد،
أنبأنا يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار عن الحصين بن محصن " أن عمة له أتت النبي ﷺ فقال: ذات زوج أنت؟ قالت: نعم. فقال: انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك " (^٥) .
قال في " الفروع ": إسناد جيد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ١: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، عن جابر بن عبدالله.
(٢) في ب: الأشعب.
(٣) في ب: أشعب.
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه" (٢١٤٧) ٢: ٢٤٦ كتاب النكاح، باب في ضرب النساء.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٩٧٠) ٤: ١ ٣٤.
[ ٩ / ٣٠٣ ]
وينبغي للزوج مداراتها، نقل عبد الله عن أبيه: سمعت أبا يوسف القاضي يقول: خمسة تجب على الناس مداراتهم: الملك المسلط، والقاضعي المتأول، والمريض، والمرأة، والعالم ليقتبس من علمه، فاستحسنت ذلك. ونقل صالح: لا تغلو في كل شيء، حتى الحب والبغض.
ونقل المروذي: من لم يقر بقليل ما يأتي به السفيه أقر بالكثير.
وقال ابن الجوزي: متى أمسك عن الجاهل عاد ما عنده من العقل موبخًا له
على قبح ما أتى به، وأقبل عليه الخلق لائمين له على سوء أدبه في حق من لايجيبه.
ونقل ابن منصرر: حسن الخلق: أن لا تغضب، ولا تحتد.
وحدّث رجل لأحمد ما قيل: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل.
" فقال أحمد: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل.
(وله) أي: للزوج (تأديبها) أي: تأديب زوجته (على ترك الفرائض)، كالصلاة والصوم الواجبين، (لا تعزيرها في حادث متعلق بحق الله تعالى) سبحانه، كإتيان المرأة المرأة.
سأل إسماعيل بن سعيد أحمد عما يجوز ضرب المرأة عليه؟ قال: على فرائض الله تعالى.
وقال في الرجل له امرأة لا تصلي: يضربها ضربًا رفيقا غير مبرح.
وقال عليّ رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله ﷾: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا)] التحريم: ٦ [قال: " علموهم أدبوهم ".
وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:
" رحم الله عبدًا علق في بيته سوطًا يؤدب (^١) أهله " (^٢) .
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٤٤٩٩٩) ١٦: ٣٨٠ كتاب النكاح، تربية أهل البيت.
[ ٩ / ٣٠٤ ]
فإن لم تصلّ فقال أحمد: أخشى أن لا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة
لا تصلي ولا تغتسل من الجنابة ولا تتعلم القرآن.
(فإن ادعى كل) من الزوجين (ظلم صاحبه) له: (أسكنهما حاكم قُرب)
رجل (ثقة يُشرف عليهما، ويكشف حالهما؛ كعدالة وإفلاس من خبرة باطنة). قاله في " الترغيب ".
(ويُلزمهما) الثقة (الحق)؛ لأن ذلك طريق إلى " الإنصاف ". فتعين
فعله؛ كالحكم بالحق.
(فإن تعذر) إسكانهما قرب ثقة يشرف عليهما (وتشاقَّا) أي. خرجا إلى
الشقاق والعداوة (بعث) الحاكم إليهما (حَكمين ذكرَين حرَّين مكلفين مسلمين عدلَين، يعرفان، الجمع والتفريق) أي: حكمهما في الأصح؛ لأنهما يتصرفان في ذلك فيعتبرعلمهما به.
وأما كونهما يشترط فيهما ما ذكر في المتن مع كونهما وكيلين على الأصح؛
لأن الوكيل إذا كان متعلقا بنظر الحاكم لم يجز أن يكون إلا عدلا؛ كما لو نصب
وكيلا على يتيم أو مفلسى.
(والأوْلى): أن يكون الحكمان (من أهلهما) أي: أهل الزوجين؛ لأن الشخص يفضى إلى أقربائه وأهله من غير احتشام فيكون ذلك أقرب إلى الإصلاح. فيخلو كل حكم بصاحبه ويستعلم رأيه في الوصلة أو الفرقة وما يكره من صاحبه. (يوكِّلانهما، لا جبرًا) أي: يوكلهما الزوجان برضاهما، (في فعل الأصلح: من جمع أو تفريق، بعوض أو دونه) على الأصح.
والأصل في ذلك قوله ﷾: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إ ن يريدا إ صلاحا يوفق الله بينهما)] النساء: ٣٥].
(ولا يصحُّ إبراء غير وكيلها) أي: وكيل الزوجة (في خُلع فقط) يعني:
أنه لا يصح من أحد الوكيلين إبراء إلا إذا أبرأ الزوج وكيل الزوجة. فإنه يصح أن يبرئ وكيل الزوجة الزوج في الخلع فقط أي: لا في غير الخلع.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
قال في " الإنصاف ": لا يصح الإبراء من الحكمين إلا في الخلع خاصة من وكيل المرأة فقط. قاله المصنف والشارح وصاحب " الفروع " وغيرهم. انتهى. (وإن شرطا) أي: الحكمين عن الزوجين (ما) أي: شرطًا (لا ينافى نكاحا)؛ كأن يسكنها في محلة كذا، أو لا يتزوج عليها، أو لا يسكنها في محلة كذا ونحو ذلك: (لزم) الزوجين ما شرطاه الحكمان.
(وإلا) بأن شرطا ما ينافي النكاح (فلا) يلزم. وذلك؛ (كترك قسم،
أو) ترك (نفقة)، أو أن لا يطأها، أو لا يسافر إلا بإذنها ونحو ذلك.
(ولمن رضي) من الزوجين بما ينافي النكاح من الشرط (العود) أي: الرجوع من الرضى به؛ لكونه ليس بلازم.
(ولا ينقطع نظرهما) أي: نظر الحكمين (بغيبة الزوجين أو أحدهما) عن
بلد الحكمين على الأصح؛ لأنهما وكيلان، والوكالة لا تنقطع بغيبة الموكل. (وينقطع) نظرهما (بجنونهما) أي: جنون الزوجين (أو أحدهما، ونحوه) أي: نحو الجنون (مما يبطل الوكالة)؛ كالحجر للسفه. والله ﷾ أعلم.
[ ٩ / ٣٠٦ ]