هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الصيام.
ثم (الصيام) لغه مجرد الإمساك. يقال: صام النهار إذا وقف سير
الشمس، ويقال للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، ويقال للفرس: صائم
إذا أمسك عن العلف مع القيام، ويقال له: صائم إذا أمسك عن الصهيل في موضعه.
وأما الصيام في اصطلاح أهل الشرع فهو: (إمساكٌ بنية) للإمساك (عن
أشياء مخصوصة)، وهي مفسداته. وسيأتي بيانها.
(في زمن معين) وهو: من طلوع الفجر الثانى إلى غروب الشمس، (من
شخص مخصوص) وهو: المسلم العاقل غير الحائض والنفساء.
وسمي شهر الصوم رمضان قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت
فيها. فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه.
وقيل: لأنه يحرق الذنوب.
وقيل: غير ذلك.
وجمعه: رمَضَانات وأرْمِضة ورماضين وأرْمُض (^١) ورِماض ورَمَاضى
وأراميض.
والمستحب قول: شهر رمضان، كما قال الله ﷾.
ولا يكره قول: رمضان بإسقاط الشهر، وفاقا لأبي حنيفة وأكثر العلماء.
_________________
(١) في أ: وأرمضة. ()
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وروى أبو هريرة مرفوعًا " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " (^١) متفق عليه.
] وعنه أيضا مرفوعًا: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب
النار وصفدت الشياطين " (^٢) متفق عليه] (^٣) .
وللبخاري أيضا: " فتحت أبواب السماء " (^٤) .
قال في " الفروع ". يحتمل أنه على ظاهره، ويحتمل أن المراد: كثرة الخير أو كثرة أسبابه.
ومعنى صفدت: غلت، والصَّفَد: الغِلّ. وهو معنى سُلسِلت، والمراد: المردة. فليس فيه إعدام الشر بل قلته؛ لضعفهم.
ولهذا روى الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة: " صفدت الشياطين ومردة الجن " (^٥) .
وللنسائي من حديثه: " وتغلُّ في مردة الشياطين " (^٦) .
فلا يَرد قول القائل: إن المجنون يصرع فيه. وقد قال عبدالله لأبيه هذا. فقال: هكذا الحديث. ولا تكلم في ذا.
وروى أحمد، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن أبي هشام عن محمد بن محمد
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨) ١: ٢٢ كتاب الإيمان، باب صوم رمضان إحتسابًا من الإيمان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٦٠) ١: ٥٢٣ كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٠٣) ٣: ١١٩٤ كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٧٩) ٢: ٧٥٨ كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان.
(٣) ساقط من ب. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٠٠) ٢: ٦٧٢ كتاب الصوم، باب هل يقال () رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعًا.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٨٢) ٣: ٦٦ كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٤٢) ١: ٥١١ كتاب الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان.
(٦) أخرجه النسائى في "سننه" (٢١٠٦) ٤: ١٢٩ كتاب الصيام، ذكر الاختلاف على () معمر فيه.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
ابن الأسود عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة فال: قال رسول الله ﷺ: " أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطه أمة قبلهم: خَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر له الملائكة حتى يفطر، ويزين الله كل يوم جنته ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليكِ، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره (^١)، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا. ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله " (^٢) .
قال ابن ناصر الحافظ: حديث حسن إسناده عدول.
(وصومُ رمضان فرضٌ). افترض صومه في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا. فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا.
والأصل فى فرضيته (^٣) قوله ﷾: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
] البقرة: ١٨٥].
و" عدّه النبي ﷺ في مبانى الإسلام الخمس " في حديث ابن عمر المتفق عليه (^٤) .
وفي حديث طلحة بن عبيدالله: " ان أعرابيًا قال: يا رسول الله! أخبرنى ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان. فقال هل علي غيره؟ قال: لا. إلا أن تطوع شيئا " (^٥) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: غيرهم. ()
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٩٠٤) ٢٩٢:٢. ()
(٣) في أ: فريضته. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨) ١٢:١ كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦) ٤٥:١ كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٦) ٢٥:١ كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١) ١: ٤٠ كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
(يجب) صومه (برؤية هلاله)؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه
قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " (^١) .
ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما روى ابن عمر قال: " كان رسول الله
ﷺ إذا رأى الهلال قال: الله اكبر. اللهم! أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى. ربي وربك الله " (^٢) . رواه الأثرم والدارمي.
(فإن لم يُرَ) هلال رمضان (مع صحوٍ، ليلة الثلاثين من شعبان، لم يصوموا) أي: كره أن يصوموا يوم تلك الليلة؛ لأنه يوم الشك المنهي عن صومه.
(وإن حال دون مَطلعِه) أي: مطلع هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان (غيم أو قَتر).
قال في " القاموس ": والقتر والقترة محركتين، والقترة بالفتح: الغَبَرة.
(أو غيرُهما) أي: غير الغيم، والقتر؛ كالدخان: (وجب صيامه) أي:
صيام يوم تلك الليلة (حكمًا) شرعيًا (ظنيًا) بوجوبه، (احتياطًا بنية) أنه من (رمضان) على أصح الروايات.
قال في " المقنع ". في ظاهر المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف. وردوا حجج المخالف. وقالوا: نصو ص أحمد تدل عليه، وهو من مفردات المذهب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨١٠) ٢: ٦٧٤ كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: " إذا رأيتم الهلال فصوموا ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٨١) ٢: ٧٦٢ كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤيه الهلال. . .
(٢) أخرجه الدارمي في " سننه " (١٦٨٩) ٢: ٤ كتاب الصوم، باب ما يقال عند رؤية () الهلال.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وعنه: لا يجب صومه قبل ر c ية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين.
قال الشيخ تقى الدين: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وقال:
لا أصل للوجوب في كلام الإمام أحمد ولا فى كلام أحد من الصحابة ﵃، ورد صاحب " الفروع " جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب. وقال: لم أجد عن أحمد صريحًا بالوجوب (^١) ولا أمر به. فلا تتوجه إضافته إليه. واختار هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. ذكره في " الفائق "، واختارها صاحب " التبصرة ". قاله في " الفروع "، واختارها الشيخ تقي الدين وأصحابه منهم صاحب " الفروع " و" الفائق " وغيرهم، وصححه ابن رزين في " شرحه ". فعلى هذه الرواية: يباح صومه. قال في " الفائق ": اختاره الشيخ
تقي الدين.
وقيل: بل يستحب. قال الزركشي: اختاره أبو العباس. انتهى.
قال في " الاختيارات ": وحكي عن أبي العباس (^٢) أنه كان يميل أخيرًا إلى
أنه لا يستحب صومه. انتهى.
وعنه: الناس تبع للإمام. فإن صام صاموا، وإلا فلا. فيتحرى في كثرة كمال الشهور ونقصها، وإخباره بمن لا يكتفى به وغير ذلك من القرائن، ويعمل بظنه. انتهى.
وبالرواية الأولى، قال عمر وابنه وعمرو بن العا ص وأبو هريرة وأنس ومعاوية وعائشة (^٣) وأسماء ابنتا أبي يكر رضي الله تعالى عنهم.
وبها قال بكر بن عبدالله المزنى وأبو عثمان النهدي وابن أبى مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاووس ومجاهد.
وبالثانية وهي: عدم الوجوب وعدم الإجزاء إن بان أنه من رمضان، قال
_________________
(١) في ب: لوجوب. ()
(٢) في ب: ابن العباس. ()
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٦١ ]
أبو حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " (^١) . رواه البخاري.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ثلاثين " (^٢) رواه مسلم.
وقد صح: " أن النبي ﷺ نهى عن يوم الشك " (^٣) . وهذا يوم شك، لأن الأصل بقاء شعبان. فلاينتقل عنه بالشك.
وبالثالثة: وهي أن الناس تبع للإمام إن (^٤) صام صاموا وإن أفطر أفطروا. قاله الحسن وابن سيرين وسوار العنبري، لقول النبي ﷺ: " الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون " (^٥) .
ووجه الرواية الأولى التي هي المذهب، ما روى نافع عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﷺ: " إنما الشهر تسع وعشرون. فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه. فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨١٠) ٢: ٦٧٤ كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: () " إذا رأيتم الهلال فصوموا ". . .
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٠٨٠) ٢: ٧٥٩ كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان () لرؤية الهلال. .
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٣٤) ٢:٣٠٠ كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك. بلفظ: عن صلة قال: "كنا عند عمار في اليوم الذي لشك فيه فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". وأخرجه النسائى في "جامعه " (٦٨٦) ٣: ٧٠ كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك. نحوه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢١٨٨) ٤: ١٥٣ كتاب الصيام، صيام يوم الشك. نحوه. واخرجه ابن ماجه في "سننه " (١٦٤٥) ١: ٥٢٧ كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام يوم الشك. نحوه.
(٤) في ب. فإن. ()
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٢٤) ٢: ٢٩٧ كتاب الصوم، باب إذا أخطأ القوم الهلال. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٩٧) ٣: ٨٠ كتاب الصوم، باب ما جاء الصوم يوم تصومون. . . وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٦٠) ١: ٥٣١ كتاب الصيام، باب ما جاء في شهرى العيد.
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٠٧) ٢: ٦٧٤ كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٨٠) ٢: ٧٥٩ كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. . .
[ ٣ / ٣٦٢ ]
قال نافع: " كان عبدالله بن عمر إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا يبعث
من ينظر له (^١) الهلال. فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولاقتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما" (^٢) . ومعنى: اقدروا له أي: ضيقوا له، من قوله ﷾: (ومن قدر
عليه رزقه)] الطلاق: ٧ [أي: ضيق عليه، وقوله:) يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)] الشورى: ١٢ [، وقوله ﷾: (وقدر فى السرد)] سبأ: ١١].
والتضييق له: أن يُجعل شعبان تسعة وعشرين يوما، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه وأعلم بمعناه. فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين.
ولأنه شكٌّ في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان. فوجب الصوم؛ كالطرف الآخر.
قال علي وأبو هريرة] وعائشة: " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " (^٣) .
ولأن الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر الواحد، ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين.
وأما خبر أبي (^٤) هريرة [(^٥) الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد، وقد
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٢٠) ٢: ٢٩٧ كتاب الصوم، باب الشهر يكون () تسعًا وعشرين.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٢١١ كتاب الصيام، باب من رخص من () الصحابة في صوم يوم الشك. عن عائشة وأبي هريرة. وفي ٤: ٢١٢ كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤيه هلال رمضان. عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) في ب: أبو. ()
(٥) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٦٣ ]
خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة: " فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين " (^١) . وروايته أولى؛ لإمامته، واشتهار ثقته وعدالته، وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه، ولخبر ابن عمر الذي رويناه. ويمكن حمله على ما إذا غم في طرفي الشهر.
ورواية ابن عمر: " فاقدروا له ثلاثين " (^٢): مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها، ولمذهب ابن عمر.
ورواية النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، جمعًا بينه وبين ما
ذكرنا.
ولأنه لما خص حال (^٣) امتناع الرؤية بالغمة بهذا الحكم علم أنه مخالف لعهدمها (^٤) مع الصحو، وإلا كان التخصيص عبثًا.
ولأنه إغمام في يوم لعلة لا يتحقق إذا فرض رمضان إلا بصومه. فوجب صومه؛ كاليوم الأخير.
(و) على المذهب (يجزئ) صيام ذلك اليوم (إن ظهر) أنه (منه) أي:
من رمضان بأن ثبت رؤيته بمكان آخر؛ لأن صيامه وقيع بنية رمضان.
وقيل للقاضي: لا يصح إلا بالنية ومع الشك فيها لا يجزم بها؛ فقال: لايمتنع التردد فيها للحاجة؛ كالأسير] إذا صام شهرًا ثم ظهر له أنه رمضان أجزأه [(^٥) . وصلاة من خمس.
قال في " الفروع ": كذا قال.
(ويثبت) بإيجاب صومه على المذهب (أحكام صوم) لرمضان: (من
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٨١) ٢: ٧٦٢ كتاب الصيام، باب وجوب صوم () رمضان لرؤية الهلال. . .
(٢) سبق تخريجه ص (٣٦٢) رقم (٢). ()
(٣) في أ: حالة. ()
(٤) في ب: لعدمهما. ()
(٥) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٦٤ ]
صلاة تراويح) في الأصح؛ لعموم قول أحمد في رواية الفضل بن زياد: القيام قبل الصيام.
ولـ " أن النبي ﷺ وعدنا بالغفران لمن صامه وقامه. " (^١) . ولا يتحقق قيامه
كله إلا بذلك.
(ووجوب كفارة بوطء فيه) أي: في ذلك اليوم (ونحوه)؛ كوجوب الإمساك على من لم ينو صومه من الليل، أو من أكل فيه جاهلًا بالحكم ثم علمه. (ما لم يتحقق أنه من شعبان) بأن لم ير مع الصحو هلال شوال بعد ثلاثين
ليلة من الليلة (^٢) التي غم فيها هلال رمضان. فيتبين أنه لا كفارة بالوطء في ذلك اليوم.
(لا بقية الأحكام) يعني: أنه لا يثبت بقولنا بوجوب الصيام بنية رمضان احتياطا بقية أحكام الشهر من حلول الديون المؤجلة إلى مستهل رمضان، ولا وقوع الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا من انقضاء العدة ومدة الإيلاء وغير (^٣) ذلك.
وذكر القاضي احتمالًا بثبوت جمع أحكام الشهر.
قال في " الفروع ": والأول أشهر، عملا بالأ صل. خولف (^٤) للنص، واحتياطًا لعبادة عامة.
(وكذا) أي: وكحكم رمضان في وجوب الصوم إذا غم (^٥) هلالى (حكم شهر نذر صومه أو) نذر (اعتكافه في وجوب الشروع) في المنذور فيه (إذا غُمَّ هلاله).
_________________
(١) سيأتي حديث أبي هريرة: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه () " ص:
(٢) في أ: الليل. ()
(٣) في ب: في غير. ()
(٤) في أ: خالف. ()
(٥) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ومن نوى صوم يوم (^١) التالي للتاسع والعشرين من شعبان احتياطًا بلا مستند شرعي من غيم أو غيره فبان من رمضان لم يجزئه وفاقا لمالك والشافعي.
وعنه: بلى، إن لم تعتبر نية التعيين.
وعنه: يجزئه ولو اعتبرت.
(والهلال المرئيُّ نهارًا، ولو قبل الزوال) في أول رمضان أو في آخره
(للمقبلة) أي: لليلة المقبله على الأصح.
وعنه: إن رئي (^٢) قبل الزوال فيكون في أول الشهر للماضية، وفي آخره للمقبله احتياطًا لفرض الصوم.
وعنه: أنه يكون للماضية في أول الشهر وفي آخره (^٣) .
والأول المذهب. نص عليه في رواية الجماعة.
ولأنها ليلة رئي الهلال في يومها. فلم يجعل لها؛ كما لو رئي آخر النهار.
وفقه ذلك: أن الهلال إذا كان ابن ليلة فإنه يختلف في صغره وكبره وعلوه وانخفاضه وقربه من الشمس اختلافًا شديدًا لا ينضبط. فوجب طرح ذلك والعمل بالمقبلة الشرعية المعتادة.
وقد جاء في الحديث تنبيه على ذلك. فروى البخاري في " تاريخه " (^٤) عن طلحة بن أبي حدرد (^٥) قال: قال النبي ﷺ: " من أشراط الساعة أن تروا الهلال تقولون ابن ليلتين " (^٦) .
وروى أبو وائل قال: " جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: إن الأهلة بعضُها
_________________
(١) في أ: اليوم. ()
(٢) في ب: وعنه أنه إذا رئي. ()
(٣) في ب: وآخره. ()
(٤) في أ: نهجه. ()
(٥) كذا في ج. وفي أ: حدرة، وفي ب: حدود. ()
(٦) أخرجه البخاري في " تاريخه " (٣٠٧٣) ٢: ٣٤٥. ()
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أعظم من بعض. فإذا رأيتم الهلال أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد رجلان ذوا عدل أنهما أهلاه بالأمس عشية " (^١) . رواه الدارقطني واحتج به أحمد.
(وإذا ثبت رؤيته) أي: رؤية هلال رمضان (ببلد: لزم الصوم جمع الناس)؛ لقوله " صوموا لرويته " (^٢) . وهذا خطاب للأمة كافة، ولو فرضنا الخطاب للذين رأوه (^٣) فالغرض حاصل؛ لأن من صور المسألة وفوائدها ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سافروا إلى بلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر مع عدم (^٤) غيم أو صحو فإنه (^٥) لا يحل لهم الفطر ولا لأهل ذلك البلد عند المخالف.
ومن صورها: ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى
بلدة بعيدة في آخر الليل لم يلزمهم الصوم في أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر في اخره عندهم. وهذا كله مصادم لقوله ﷺ: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (^٦) . ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين، ووقوع الطلاق والعتاق وغير ذلك من الأحكام. فكذلك حكم الصوم بمقتضى النصوص والإجماع.
وأجاب القاضي عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها، وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه. كذا الهلال. فقال القاضي: تتكرر مراعاتها في كل يوم. فتلحق المشقة في اعتبار طلوعها وغروبها. فيؤدي إلى قضاء العبادات، والهلال في السنة مرة. فليس كبير مشقة في قضاء يوم. ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية.
(وإن ثبتت) رويته (نهارًا أمسَكوا) عما ينافي الصوم (وقضَوا) ذلك اليوم
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٠٩) ٢: ١٦٩ كتاب الصيام، باب الشهادة على () رؤية الهلال.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٦٠) رقم (١). ()
(٣) في أ: رواه. ()
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) في أ: فإنهم. ()
(٦) سبق تخريجه ص (٣٦٠) رقم (١). ()
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وفاقا للأئمه الثلاثة؛ (كمن) أي: كما لو (أسلم) كافر، (أو عقل) مجنون، (أو طهرت) حائض (من حيض، أو) طهرت نفساء من (نفاس) في أثناء النهار على الأصح، (أو تعمّد مقيم) الفطر، (أو) تعمدت (طاهر الفطر فسافر) المقيم الذي تعمد الفطر في أثناء النهار (أو حاضت) الطاهر التي تعمدت الفطر. فإنهما يلزمهما الإمساك في ذلك اليوم مع السفر والحيض. نقله ابن القاسم وحنبل.
(أو قدِم مسافر أو بَرئ مريض مفطرَين) في أثناء يوم من رمضان.] يعني:
أنهما يلزمهما الإمساك على الأصح.
(أو بلغ صغير) من ذكر. أو أنثى (في أثنائه) أي: أثناء يوم من رمضان] (^١)
وهو مفطر فإنه يلزمه إمساك بقية ذلك.
(ما لم يبلغ) الصغير (صائمًا بسن أو احتلام وقد نوى) الصيام (من الليل. فيتم) صومه (ويجزئ) ذلك عن قضاء ذلك اليوم في الأصح. وهو قول القاضي؛ (كنذر إتمام نفل). وعند أبي الخطاب: يلزمه القضاء؛ كقيام البينة يوم الثلاثين وهو في نفل معتاد. وسبق الوجوب في أحدهما وتجدده في الآخر ملغى بما لو كانا مفطرين، وكبلوغه في صلاة وحج.
(وإن علم مسافر) برمضان (أنه يقدم غدا) إلى البلد الذي يقصده (لزمه الصوم). نقله أبو طالب وأبو داود.
كمن (^٢) نذر صوم يوم يقدم فلان وعلم قدومه في غد. فينويه من الليل.
(لا صغير) برمضان (علم أنه يبلغ غدًا) يعني: فلا يلزمه أن ينوي الصوم
من الليل؛ (لعدم تكليفه) قبل دخول الغد. بخلاف المسافر] فإنه مكلف] (^٣) .
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في أوج: وكمن. ()
(٣) زيادة من ب. ()
[ ٣ / ٣٦٨ ]
] فصل: في إثبات هلال رمضان]
(فصل. ويُقبلُ فيه) أي: في هلال رمضان (وحده خبر مكلف عدل).
نص عليه وفاقا للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء " لما روى ابن عباس قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غدًا " (^١) . رواه بمعناه (^٢) أبو دا ود والنسائي والرمذي.
ولما روى ابن عمر قال: " تراءَى الناس الهلال. فأخبرت رسول الله ﷺ أنى رأيته. فصام وأمر الناس بصيامه " (^٣) . رواه أبو داود.
ولأنه خبر ديني لا تُهمة فيه. بخلاف آخر الشهر.
ولاختلاف أحوال الرائي والمرئي. ولهذا لو حكم حاكم (^٤) بشهادة واحد وجب العمل بها وفاقا لأبي حنيفة.
وعن أحمد: يعتبر عدلان.
وعلى الأول الذي هو المذهب: لا يشترط حرية العدلى، ولا ذكوريته، ولا
أن يأتي بلفظ الشهادة بل يعمل بمقتضى خبره، (ولو) كان (عبدًا أو أنثى، أو بدون لفظ الشهادة. ولا يختص بحاكم) فيلزم الصوم من سمع عدلا يخبر برؤية
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٤٠) ٢: ٣٠٢ كتاب الصوم، باب في شهادة الواحد على رؤيه هلال رمضان. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٩١) ٣: ٧٤ كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم بالشهادة. وأخرجه النسائي في " سننه" (٢١١٣) ٤: ١٣٢ كتاب الصيام، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان وذكر الاختلاف فيه.
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٤٢) الموضع السابق. ()
(٤) في ب: واحد. ()
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الهلال ولو رده الحاكم، لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته.
(وتثبت) بشهادة الواحد (بقية الأحكام). جزم به صاحب " المحرر " في مسألة الغيم.
وعلم مما تقدم: أنه لا يقبل في هلال شوال وغيره من الشهور إلا عدلان ذكران بلفظ الشهادة؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال ولا يقصد به المال. أشبه القصاص. وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركوه احتياطًا للعبادة.
(ولو صاموا) أي: صام الناس (ثمانية وعشرين) يومًا (ثم رأوْه) أي:
رأوا هلال شوال (قضوا يومًا) واحدا (فقط). نقله حنبل واحتج بقول علي، ولبعد الغلط بيومين.
(و) إن صاموا (بشهادة اثنين ثلاثين) يومًا (ولم يروه) أي: يروا هلال شوال (أفطروا) وجوبًا على خلاف مع الصحو، ومع الغيم إجماعًا.
واستدل من يقول بوجوب الإفطار مع الصحو ومع الغيم: بأن شهادة العدلين يثبت بهما الفطر ابتداء. فتبعًا لثبوت الصوم أولى.
ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات، أخبرا به عن يقين ومشاهدة. فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم ولا يقين معه. وذلك: أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر، ويحتمل فيما إذا فرضنا غيبة الشاهدين أو موتهما أنه خفي على الحاضرين كما خفي في أوله، لقوة نظر الشاهدين عليهم.
(لا) إن صاموا (بواحد) أي: بشاهدة واحد ثلاثين يوما ولم يروا الهلال فإنهم لا يفطرون في الأصح، لقوله ﷺ: " وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" (^١) .
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٢١١٦) ٤: ١٣٢ كتاب الصيام، باب قبول شهادة () الرجل الواحد على هلال شهر رمضان وذكر الاختلاف فيه.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ولأنه فطر. فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد، كما لو شهد بهلال شوال.
(ولا لغيم) يعني: أنهم لو صاموا لأجل الغيم الحاصل ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال لم يفطروا، لأن الصوم إنما كان احتياطا فمع موافقته للأصل- وهو بقاء رمضان- أولى.
(فلو غُمَّ) الهلال (لشعبان و) غم أيضًا الهلال لـ (^١) (رمضان: وجب تقدير) شهر (رجب و) شهر (شعبان ناقصين. فلا يفطروا قبل) أن يصوموا (اثنين وثلاثين) يومًا، (بلا رؤية)، لأن الصوم إنما كان احتياطًا.
(وكذا الزيادة) أي: زيادة صوم اليومين على الصوم الواجب (لو غمّ) الهلال (لرمضان وشوال وأكملنا شعبان ورمضان) أي: وفرضنا أن شعبان ورمضان كاملين، (و) تبين أنهما (كانا ناقصين).
وفي " المستوعب ": وعلى هذا فقس إذا غم هلال رجب وشعبان ورمضان. هذا آخر كلامه في " المستوعب ". ونقله عنه في " الفروع " إلى قوله: فقس. ثم قال: وليس مراده مطلقًا.
قال في " شرح مسلم ": قالوا- يعني العلماء-: لا يقع النقص متواليًا في أكثر من أربعة أشهر.
وفي "الصحيحين " من حديث أبي بكرة: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة " (^٢) .
نقل عبد الله والأثرم وغيرهما: لا يجتمع نقصانهما في سنة واحدة، ولعل
المر اد: غالبًا.
وأنكر أحمد تأويل من تأوله على السنة التي قال النبي ﷺ ذلك فيها.
_________________
(١) في أ: هلال. وإسقاط اللام. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨١٣) ٢: ٦٧٥ كتاب الصوم، باب شهرا عيد لا ينقصان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٨٩) ٢: ٧٦٦ كتاب الصيام، باب بيان معنى قوله ﷺ: " شهرا عيد لاينقصان ".
[ ٣ / ٣٧١ ]
ونقل أبو داود: لا أدري ما هذا؟ قد رأيناهما ينقصان. انتهى.
(ومن رآه) أي: رأى الهلال (وحده لشوال لم يُفطر). نقله الجماعة؛
لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون " (^١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: " الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى
يوم يضحي الناس " (^٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن (^٣) صحيح غريب. وعنها أيضًا قالت: " إنما الفطر يوم يفطر الإمام وجماعة المسلمين ". رواه
أبو حفص العكبري. وبهذا قال عمر.
ولأنه يوم محكوم به من رمضان وبالذي يليه من شوال. فلزمه صومه وفطر الذي يليه؛ كما لو أخبره برويته واحد.
فإن قيل: قد تيقنه يوم العيد وهو منهى عن صومه. فيجوز له الفطر.
قلنا: هو وإن اعتقده يقينًا فلا يثبت به اليقين في نفس الأمر، إذ يجوز أنه خيل إليه. فينبغي أن يتهم في رؤيته؛ احتياطًا للصوم، وموافقته للجماعه. (و) من رأى الهلال وحده الرمضان وردت شهادته لزمه الصوم. وجمع أحكام الشهر: من طلاق وعتق وغيرهما)؛ كظهار (معلق به) على الأصح، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لعموم قول النبي ﷺ: " صوموا لرؤيته " (^٤) .
وقوله: " إذا رأيتموه فصوموا " (^٥): خطاب لكل واحد من الأمة.
ولأنه يوم علمه رمضان. فلزمه صومه؛ كالذي بعده.
وإنما جعل من شعبان في حق غيره في ظاهر الأمر؛ لعدم علمهم، وكعلم
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٦٢) رقم (٥). ()
(٢) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٨٠٢) ٣: ١٦٥ كتاب الصوم، باب ما جاء في () الفطر والأضحى متى يكون.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) سبق تخريجه ص (٣٦٢) رقم (١) و(٢). ()
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٨٥١) ٢: ٢٨٧. ()
[ ٣ / ٣٧٢ ]
فاسق نجاسة ماء أودين على مورثه.
ولأنه يلزمه إمساكه لو أفطر فيه.
وتجب الكفارة بالوطء فيه؛ لأنها ليست عقوبة محضة، بل هي عبادة. أو
فيها شائبة العبادة. بخلاف الحد.
وحديث أبي هريرة: " الصوم يوم تصومون " (^١): ففي إسناده من رواية الترمذي: عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة عن عثمان بن محمد الأخنسي. قال أبو حاتم بن حبان في (^٢) عبدالله بن جعفر هذا: كان كثير الوهم حتى يروي عن الأثبات ما لا يشبه (^٣) حديث الثقات. فاستحق الترك.
وأما من رواية الدارقطني. ففيه الواقدي. وهو ضعيف (^٤) .
وقد روى أبو داود وابن ماجه هذا الحديث بإسناد جيد، لم يذكرا فيه الصوم، وإنما ذكرا (^٥) الفطر والأضحى (^٦) .
وكذا رواه الترمذي وصححه من حديث عائشة (^٧) .
(وإن اشتبهت الأشهر على من أسِرَ أو طُمِرَ أو بمفازةٍ ونحوه)؛ كالكافر يسلم في دار الكفر الشائع فيها وجوب (^٨) صوم رمضان ولا يدري أي الشهور يسمى رمضان: (تحرَّى) أي: اجتهد (وصام) ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة تقوم في نفسه.
(ويجزئه) الصوم (إن شكَّ: هل وقع) صومه (قبله) أي: قبل رمضان
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٦٢) رقم (٥). ()
(٢) في ب: بن. ()
(٣) في ب: يشبهه. ()
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٥٣٤) ٢: ١٦٤ كتاب الصوم. ()
(٥) في أ: لم يذكر فيه الصوم وإنما ذكر. ()
(٦) أخرجه أبو دإود في " سننه " (٢٣٢٤) ٢: ٢٩٧ كتاب الصوم، باب إذا أخطأ القوم الهلال. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٦٠) ١: ٥٣١ كتاب الصيام، باب ما جاء في شهرى العيد.
(٧) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٨٠٢) ٣: ١٦٥ كتاب الصوم، باب ما جاء في () الفطر والأضحى متى يكون.
(٨) في أ: وجب. ()
[ ٣ / ٣٧٣ ]
(او بعده)؟؛ كمن تحرى في الغيم وصلى ثم شك هل صلى قبل دخول الوقت أو بعده؟، ولم يتبين أنه صام أو صلى قبل دخول الوقت؛ (كما لو وافقه) أي: وافق صومه الشهر (أو ما بعده)؛ لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله. فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه؛ كالقبله إذا اشتبهت على المسافر.
(لا إن وافق) رمضان (القابل)؛ بأن نوى صوم رمضان سنة ثلاث في رمضان سنة أربع: (فلا يجزئ) صومه (عن واحد) أي: عن رمضان (منهما) أي: من الرمضانين؛ لاعتبارنا نية التعيين.
قال صاحب " المحرر ": ولو وافق القضاء رمضان السنة القابلة فقياس المذهب: أنه لا يجزئه عن واحد منهما إن اعتبرنا نية التعيين، وإن لم نعتبرها وقع عن رمضان الثانى ولزمه قضاء الأول. انتهى.
(و) متى بان أن الشهر الذي صامه شوال أو ذو الحجة: فإنه (يقضي ما وافق عيدا أو أيام تشريق)؛ لعدم صحة صومها عن رمضان.
(ولو صام) من اشتبه عليه رمضان شهر (شعبان ثلاث سنين متوالية، تم علم قضى ما فات) عليه وهو ثلاثة أشهر. قضاء (مرتبًا شهرًا على إثر شهر) يرتبها بالنية شهرًا على إثر شهر؛ كالصلاة إذا فاتته. نقله مهنا، وذكره أبو بكر في "التنبيه ". قال في " الفروع ": ومرادهم والله أعلم: أن هذه المسألة كالشك في دخول وقت الصلاة.
(ويجب) صيام شهر رمضان (على كل مسلم). فلا، يجب على كافر بخال. ولو أسلم في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء الأيام السابقة لإسلامه؛ لما روى سفيان بن عبدالله بن ربيعة قال: حدثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله ﷺ بإسلام ثقيف قال: " وقدموا عليه في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد. فلما أسلموا صاموا ما بقي من الشهر " (^١) . رواه ابن ماجه.
ولأن كل يوم عبادة منفردة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٦٠) ١: ٥٥٩ كتاب الصيام، باب فيمن أسلم () في شهر رمضان.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
(قادر). فلا يجب على مريض يعجز عنه؛ للآية (^١) .
(مكلف). فلا يجب على مجنون ولا صغير.
وعنه: يجب على صغير أطاقه.
والأول المذهب.
(لكن: على ولي صغير مُطيق: أمرُه به وضربُه عليه) أي: على الصوم؛
(ليعتاده) أي: يجب على الولي ذلك.
قال في " الفروع ": ذكره جماعة، وذكر الشيخ- يعنى الموفق- قول الخرقي وقال: اعتباره بالعشر أولى؛ لأمره ﷺ بالضرب على الصلاة عندها (^٢) وقال صاحب " المحرر ": لا يؤخذ به.
ورب عليه فيما دون العشر؛ كالصلاة.
(ومن عجز عنه) أي: عن الصوم (لكبر)؛ كالشيخ الهرم والعجوز اللذين يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، (أو) عجز عن الصوم لـ (مرض لا يرجى برؤه: أفطر، وعليه) أي: على من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه إن لم يكن فطره مع عذر معتاد. وإلى ذلك أشار بقوله: (لا مع عذر معتاد؛ كسفر): إطعام (عن كل يوم لمسكين، ما) أي: طعامًا (يجزئ في كفارة) وهو: مد من بُرّ أو نصف صاع من غيره، لقول ابن عباس: " في قوله ﷾: (وعلى الذين يطيقونه فدية)] البقرة: ١٨٤ [: ليست بمنسوخة. هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم" (^٣) . رواه البخاري.
_________________
(١) قال الله تعالى. (ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كماكتب على الذين من قبلكم () لعلكم تتقون أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضا أوعلى سفر فعدة من أيام أخر. . .) البقره: ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٤) ١: ١٣٣ كتاب الصلاة، باب متى يؤمر () الغلام بالصلاة. ولفظه: عن عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ: " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها ".
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٣٥) ٤: ١٦٣٨ كتاب التفسير، باب قوله: () (أياما معدودات. . .).
[ ٣ / ٣٧٥ ]
ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يدركه. رواه أحمد وكذا أبو داود (^١) .
ورواه (^٢) أيضا بإسناد جيد عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال:. . . فذكره (^٣) .
والمريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم الشيخ الهرم فيما ذكرنا.
وأما إذا كان الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه مسافرًا: فلا فدية لفطره
مع هذا العذر المعتاد. ذكره في " الخلاف ". ولا قضاء، للعجز عنه، ويعايى بها. (ومن أيس) من برئه، (ثم قدر على قضاء) أي: على أن يقضي عدد ما
أفطر فيه من الأيام من أجل مرضه: (فكمعضوب) لا يقدر على الحج (أحِجَّ عنه ثم عُوفي).
قال في " الفروع ": جزم به صاحب " المحرر "، وذكر بعضهم احتمالين، أحدهما هذا.
والثاني: يقضى، كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تعتد بالشهور ثم تحيض. وفيها أيضا وجهان.
(وسُن فطر، وكره صوم) من مسافر (بسفر قصر ولو بلا مشقة) تلحقه (^٤)؛ لما روى حمزة بن عمرو الأسلمي: " أنه قال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل عليَّ جناح؟ فقال: هي رخصة من الله ﷿. فمن أخذ بها فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " (^٥) . رواه مسلم والنسائي.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣١٨) ٢: ٢٩٦ كتاب الصوم، باب من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٨٧٦) ٥: ٢٤٧.
(٢) ساقط من ب. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٠٦) ١: ١٣٨ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان. ()
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٢١) ٢: ٧٩٠ كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٢٩٨) ٤: ١٨٥ كتاب الصيام، ذكر الاختلاف على سليمان بن يسار في حديث حمزة بن عمرو.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
فعلم من رفع الجناح في الصوم وجعل الفطر حسنًا: أن الفطر أفضل.
وروى جابر قال: " كان النبي ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلل عليه. فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصوم في السفر " (^١) . متفق عليه.
ورواه النسائي وزاد: " عليكم برخصة الله التي رخص لكم. فاقبلوها " (^٢) .
وصح عنه ﷺ: " أنه لما أفطر في السفر وبلغه أن قومًا صاموا. قال: أولئك العصاه " (^٣) .
وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ:
" خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر ".
ولأن في الفطر خروجًا من الخلاف. فكان أولى؛ كالقصر مع الإتمام.
وإن صام المسافر رمضان بسفره أجزأه. نقله الجماعة، وفاقًا للأئمة الثلاثة. ونقل حنبل: لا يعجبني. واحتج بقوله ﷺ: " ليس من البر الصوم في السفر" (^٤) .
وعمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة. وقاله الظاهريه. ويروى عن عبدالرحمن
ابن عوف وابن عمر وابن عباس.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٤٤) ٢: ٦٨٧ كتاب الصوم، باب قول النبى ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١١٥) ٢: ٧٨٦ كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. . .
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٢٥٨) ٤: ١٧٦ كتاب الصيام، العلة التي من أجلها () قيل ذلك. . .
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١١٤) ٢: ٧٨٥ كتاب الصيام، باب جواز () الصوم والفطر في شهر رمضان. . .
(٤) سبق تخريجه ص: ٣٩١. ()
[ ٣ / ٣٧٧ ]
قال في " الفروع ": والسنة الصحيحة ترد هذا القول.
إذا تقرر هذا (فلو سافر) في رمضان من يجب عليه صومه لا علة لسفره إلا
(ليفطر: حَرُما) أي: السفر والإفطار.
أما حرمة الفطر، فلعدم العذر المبيح وهو السفر الذي يباح القصر فيه.
وأما حرمة السفر، فلأنه وسيلة إلى الفطر المحرم.
(و) سن فطر وكره صوم (لخوف مرض بعطش أو غيره)، لقوله سبحانه وتعا لى. (يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر)] البقره: ١٨٥].
ولأنه في معنى المريض المتضرر بالصوم.
(و) سن فطر وكره صوم لـ (خوف مريض، وحادث به) مرض (في يومه ضررا بزيادته أو طوله) أي: طول مرضه، (بقول ثقة).
أما الرخصة للمريض في الفطر، فإجماع. وقد دل عليه قوله سبحانه وتعا لى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)] البقرة: ١٨٥]. وإنما كان فطره مسنونًا؛ لقوله ﷾: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)
] البقرة:١٨٥].
وإنما صححنا صومه مع الكراهة، لأن فطره رخصة. فإذا ترك الرخصة وتكلف (^١) الصوم أجزأه، كالمريض الذي يباح له ترك القيام. فإذا تكلف القيام وصلى قائمًا أجزأته صلاته.
وأما فطر الصحيح الخائف بصومه حدوث مرض " فلأن المريض إنما أبيح
له الفطر خوفًا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض أو تطاوله، والخوف من تجدد المرض في معناه.
وأما فطر المريض بقول ثقة أن الصوم مما يمكّن العلة " فقد تقدم الكلام عليه
في باب صلاة أهل الأعذار (^٢) .
_________________
(١) فى أ: وترك. ()
(٢) ر.٢ ()
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وكذا يباح الفطر للمريض القادر على الصوم إذا كان بحيث لو ترك التداوي أضرَّ به، وكان لا يمكنه التداوي فيه؛ كمن به رمد (^١) ويخاف إن ترك الاكتحال أضرَّ به، وكذا الاحتقان، ومداواة المأمومة والجائفة. نص على ذلك في مسألة الرمد في رواية حنبل. أشبه المتضرر بمجرد الصوم.
(وجاز وطءٌ لمن به مرضٌ ينتفِع به) أي: بالوطء (فيه) أي: في المرض، (أو) به (شَبَقٌ ولم تندفع شهوته بدونه) أي: بدون الجماع، (ويخاف تشقُّق أنثيَيْه) إن لم يطأ، (ولا كفارة) عليه.
روى إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن أحمد: في الرجل الذي يأخذه الشبق
في رمضان للجماع فقال أحمد: يجامع] ولا يكفر، ويقضي يومًا مكانه. وذلك أنه إذا أخذ الرجل هذا. فلم يجامع خيف عليه أن يتشقق فرجه.
قال في " الفروع ": ومن به شبق يخاف أن تتشقق مثانته جامع وقضى [(^٢) ولا يكفر. نقله الشالنجي.
قال الأصحاب: هذا إن لم تندفع شهوته بدونه، وإلا لم يجز. انتهى.
(ويقضي) عدد ما أفسده من الأيام. بالوطء (ما لم يتعذر) عليه القضاء
(لشَبَق) أي: لدوام شبقه، (فيطعم) عن كل يوم مسكينا (ككبير) أي (^٣): كالشيخ الهرم العاجز عن القضاء لكبره.
(ومتى لم يُمكنه) دفع ذلك (إلا بإفساد صوم موطوءة)؛ كما لو لم تندفع شهوته باستمناء بيده أو يد زوجته أو جاريته أو بمباشرتها (^٤) دون الفرج: (جاز) له الوطء (ضرورة)؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه. فأبيح؛ كأكل الميتة للمضطر. فإن كان له امرأتان إحداهما حائض والأخرى طاهر صائمة (فصائمة) أي: فوطء طاهرة صائمة (أولى من) وطء (حائض)؛ لأن الله ﷾ نص
_________________
(١) في أ: مرض. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) في أ: ومباشرتها. ()
[ ٣ / ٣٧٩ ]
على النهي عن وطء الحائض.
وقيل: يتخير بين وطء أيهما شاء.
(وتتعين) عليه إن كان له زوجتان إحداهما بالغة والأخرى لم تبلغ (من لم تبلغ)؛ كما لو كانت إحداهما كتابية أو مجنونة، لحرمة إفساد صوم الصائمة، حيث لا ضرورة إليه.
(وإن نوى حاضر صوم يوم، وسافر في أثنائه) أي: أثناء ذلك اليوم طوعًا
أو كرها: (فله الفطر) على الأصح؛ لظاهر الآية والأخبار الصريحة، وكالمرض الطارئ ولو بفعله. بخلاف الصلاة بأن سارت به السفينة في أثنائها؛ لأنها حيث وجب إتمامها لم تقصر بحال؛ لآكديتها.
ولأنه لا يشق إتمامها.
وعلى هذا إنما يجوز له الفطر (^١) (إذا خرج) بأن فارق بيوت قريته، لأنه قبل
ذلك (^٢) ليس بمسافر.
وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا.
وعنه: لا يجوز بالإجماع.
فعلى المنع: إن جامع كفر. والمذهب: لا كفارة.
(والأفضل) لحاضر نوى صوم يوم ثم سافر في أثنائه (عدمه) أي: عدم الفطر. ذكره القاضي وابن عقيل وابن الزاغونى وغيرهم. ويعايى بها. واقتصر على ذلك في " الفروع ".
(وكُره صوم حامل ومرضع خافتا على أنفسهما أو) على (الولد).
قال في " الإنصاف ": قولًا واحدًا.
] (ويقضيان لفطر) [(^٣) عدد أيام فطرهما، وفاقًا للأئمة الثلاثة لقدرتهما
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٨٠ ]
على القضاء. ولا إطعام على واحدة منهما في هذه الحالة؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه.
(ويلزم من يمون الولد إن خيف عليه فقط) من الصرم (إطعامُ مسكين:
لكل يوم) أفطرته الحامل أو المرضع خوفًا عليه فقط (ما) أي: طعامًا (يجزئ في كفارة)؛ لقوله ﷾: (وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين)
] البقرة: ١٨٤ [، وهما داخلان دي عموم الآية.
قال ابن عباس: " كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا " (^١) . رواه أبو داود.
وروي ذلك عن ابن عمر (^٢) . ولا مخالف لهما في الصحابة.
ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة. فوجبت به الكفارة؛ كالشيخ الهرم.
(وتجزئ) الكفارة (إلى) مسكين (واحد) أي: دفعها له (جملة) واحدة.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم إخراج الإطعام على الفور؛ لوجوبه
به، وهذا أقيس. وذكر صاحب " المحرر " إن أتى به مع القضاء جاز؛ لأنه كالتكملة له. انتهى.
(ومتى قبِل رضيع ثدي غيرها) أي: غير أمه، (وقدر أن يستأجر له: لم تُفطر) أمه.
قال في " الفروع ": وإن قبل ولد المرضعة غيرها وقدرت أن تستأجر له (^٣)،
أو له ما تستأجر منه: فلتفعل ولتصم. وإلا كان لها الفطر. ذكره صاحب "المحرر". (وظئر) أي: وحكم الظئر وهي: المرضعة لولد غيرها في إباحة الفطر مع
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣١٨) ٢: ٢٩٦ كتاب الصوم، باب من قال: هي () مثبتة للشيخ والحبلى.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٢٣٠ كتاب الصيام، باب الحامل () والمرضع.
(٣) في أ: وقدرت تستأجر لها. ()
[ ٣ / ٣٨١ ]
الخوف على الرضيع (كأمٍّ). والإطعام في الكفارة على من يمونه.
(فلو تغيَّر لبنُها) أي: لبن الظئر المستأجرة للإرضاع (بصومها) أي: بسبب صومها (أو نقص) لبنها بصومها: (فلمستأجر) أي: فلمستأجرها للإرضاع (الفسخ) أي: فسخ الإجارة.
(وتُجبَر على فطر إن تأذَّى الرضيع) بصومها.
قال في " الفروع ": فإن قصدت الإضرار أثمت (^١)، وكان للحاكم إلزامها الفطر بطلب المستأجر. ذكره ابن الزاغوني.
وقال أبو الخطاب: إن تأذَّى الصبي بنقصه أو تغييره (^٢) لزمها الفطر. فإن أبت فلأهله الفسخ. ويؤخذ من هذا أن يلزم الحاكم إلزامها بما يلزمها وإن لم تقصد الضرر بلا طلب قبل الفسخ، وهذا متجه. انتهى.
(ويجب الفطر على من احتاجه) أي: احتاج الفطر (لإنقاذ) آدمي (معصوم من مهلكة؛ كغرق ونحوه) في الأصح.
ومن خاف التلف بصومه: أجزأه صومه، وكره.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وقدمه في " الفروع ".
وقال في "عيون المسائل " و" الانتصار " و" الرعايتين " و" الحاويين "
و" الفائق " وغيرهم: يحرم صومه.
قال في " الفروع ": ولم أجدهم ذكروا في الإجزاء خلافًا. وذكر جماعة في صوم الظهار: أنه يجب فطره بمرض مخوف. انتهى (^٣) .
(وليس لمن أبيح له فطر برمضان)؛ كالمسافر: (صوم غيره) أي: صوم
غير رمضان (فيه) أي: في رمضان؛ لأنه لا يسع غير ما فرض فيه.
_________________
(١) في أ: الإرضاع أتمت. ()
(٢) في ب: بتغييره. ()
(٣) في أزيادة: والله أعلم. ()
[ ٣ / ٣٨٢ ]
(فصل): في نية الصوم
وما يتعلق بها
(وشرط لـ) صوم (كلل يوم واجب نية معينة) له؛ لأن كل يوم عبادة منفردة؛ لأنه لا يفسد صوم بفساد صوم يوم آخر. وكالقضاء.
وعنه: يجزئ في أول رمضان نية واحدة لكله.
فعليها: لو أفطر يوما لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي بتلك النية. جزم به
في " المستوعب " وغيره.
وقيل: يصح مع بقاء التتابع.
وعلى المذهب: لا بد أن تكون النية (من الليل)؛ لما روى ابن جريج وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبى ﷺ أنه قال: " من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له " (^١) . وفي لفظ ابن حزم: " من لم يجمع قبل الفجر فلا صيام له " (^٢) . رواه
أبو داود والترمذي والنسائي.
وروى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " (^٣) . وقال: إسناده كلهم ثقات. وقال: حديث حفصة رفعه عبدالله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٣٣٤) ٤: ١٩٧ كتاب الصيام، ذكر اختلاف () الناقلين لخبر حفصة في ذلك.
(٢) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٢٤٥٤) ٢: ٣٢٩ كتاب الصوم، باب النيه في الصيام. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٣٠) ٣: ١٠٨ كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣) ٢: ١٧٢ كتاب الصيام. ()
[ ٣ / ٣٨٣ ]
ولأنه صوم فرض. فافتقر إلى النية من الليل؛ كالقضاء.
إذا تقرر هذا فالليل كله أوله وآخره ووسطه محل للنية. فمتى نوى في جزء
منه أجزأه.
(ولو أتى بعدها) أي: بعد النية (ليلًا بمناف) للصوم لا لنيته؛ كما لو أكل
أو شرب أو جامع أو استعط أو احتقن.
قال في " الفروع ": وإن أتى بعد النية بما يبطل الصوم لم يبطل. نص عليه وفاقًا للأئمة الثلاثة. خلافا لابن حامد وبعض الشافعية؛ لظاهر الخبر.
ولأن الله أباح الأكل إلى آخر الليل. فلو بطلت به فات محلها. انتهى.
وإن نوت حائض صوم الغد الواجب وقد عرفت الطهر ليلا فأطلق (^١) في
" الفروع " في صحتها قولين:
أحدهما: أنه لا تصح نيتها؛ لأنها حينها ليست أهلا للصوم.
والقول الثانى: تصح؛ لمشقة المقارنة.
قال في " تصحيح الفروع " عن القول الثانى: قلت: وهذا هو الصحيح والصواب. انتهى.
وتعيين النية للصوم الواجب هو: أن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو من قضائه
أو نذره أو كفارته. نص عليه؛ لقوله ﷺ: " وإنما لكل امرئ ما نوى " (^٢) . والتعيين مقصود في نفسه؛ لاعتباره لصلاة يضيق وقتها كغيرها.
(لا نية الفرضيّة) يعني: لا يشترط أن ينوي كون الصوم فرضًا؛ لأن التعيين يجزئ عن نية الفرضية.
(و) على الأصح (لو نوى: إن كان غدًا من رمضان ففرضي، وإلا) أي:
_________________
(١) في ب زيادة لفظ: قال. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " إنما الأعمال بالنية".
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وإن لم يكن غدًا من رمضان (فنفل، أو) نوى إن كان غدًا من رمضان ففرضي، وإن لم يكن من رمضان فصومي (عن واجب) أي: فصومي عن كفارة أو نذر (^١) و(عينه بنيته) ثم بان أنه من رمضان أو أنه ليس من رمضان: (لم يجزئه) عن رمضان ولا عن ذلك الواجب الذي عينه، لأنه لم يجزم بالنية لواحد منهما.
(إلا إن قال: ليلة الثلاثين من رمضان) إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، (وإلا فأنا مفطر) فبان من رمضان. فإنه يجزئه في الأصح.
قال في " تصحيح الفروع ": وهو الصحيح. قدمه في " الرعايه ".
قال في القاعدة الثامنة والستين: يصح صومه في أصح الوجهين " لأنه بنى على أصل لم يثبت زواله. ولا يقدح تردده، لأنه حكم صومه مع الجزم. انتهى.
وعلم مما تقدم: أنه إن قال ذلك ليلة الثلاثين من شعبان فبان أنه من رمضان
لم يجزئه، لأنه لا أصل له (^٢) معه يبني عليه.
(وإذا نوى خارج رمضان قضاء ونفلًا) أي: نوى صيام يوم عن القضاء والتطوع فهو نفل.
(أو) نوى مع القضاء (نذرًا، أو) نوى مع القضاء (كفارة ظهار: ف) هو (نفل) إلغاء للقضاء والنذر والكفاره؛ لعدم الجزم بالنية في واحد منهما. فتبقى نية أصل الصوم.
(ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله. فإن قصد بالمشيئة الشك) بأن شك مثلا: هل يقيم فيصوم أو يسافر فلا يصوم؟.
(أو) قال ذلك مع قصده (التردد في العزم) على الصوم بأن (^٣) لم يجزم بالنية، (أو) مع التردد في (القصد) بأن تردد هل ينوي الصوم بعد ذلك جزمًا
_________________
(١) في ب. ونذر. ()
(٢) ساقط من ب. ()
(٣) في ب: إن. ()
[ ٣ / ٣٨٥ ]
أو لا؟: (فسدت نيته)؛ لعدم الجزم بها.
(وإلا) أي: وإن لم يشك ولم يتردد (فلا) تفسد. ذكره في " التعليق "
و" الفنون "؛ لأنه إنما قصد أن فعله للصوم بمشيئة الله ﷾ وتوفيقه وتيسيره؛ كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله (^١) غير متردد في الحال.
قال في " الفروع ": وللشافعية وجهان.
قال القاضي: وكذا نقول: سائر العبادات لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها. انتهى.
(ومن خطر بقلبه ليلًا أنه صائم غدًا فقد نوى. وكذا الأكل والشرب بنية الصوم).
قال في " الفروع ": قال في " الروضة "، ومعناه لغيره: الأكل والشرب
بنية الصوم نية (^٢) عندنا. وكذا قال شيخنا: هو حين يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليله العيد وعشاء ليالي رمضان.
(ولا يصح) الصوم (ممن جُنّ) جميع النهار (أو أغمي عليه جمع النهار)؛ لأن الصوم الشرعي هو الإمساك مع النية. قال النبي ﷺ: " يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي " (^٣): فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. والمجنون والمغمى عليه لا يضاف الإمساك إلى واحد منهما. فلم يجزئه.
ولأن النية أحد ركني الصوم. فلم تجزئ وحدها؛ كالإمساك وحده.
(ويصح) الصوم (ممن (^٤) أفاق جزءًا منه) أي: من النهار. سواء كان
_________________
(١) في ب: إن شاء الله تعالى. ()
(٢) في أ: نيته. ()
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٠٥) ٢: ٦٧٣ كتاب الصوم، باب هل يقول (): إنى صائم إذا شتم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥١) ٢: ٨٠٦ كتاب الصيام، باب فضل الصيام.
(٤) في ب: بمن. ()
[ ٣ / ٣٨٦ ]
الجزء من أول النهار أو من آخره، وسواء كان من أفاق مجنونا أو مغمى عليه "لصحة إضافة الإمساك إلى من أفاق في ذلك الذي (^١) أفاق فيه.
(أو نام جميعه) يعني: أنه يصح الصوم ممن نام جمع النهار، لأن النوم عادة ولا يزول به الإحساس بالكلية. بدليل: أنه متى نبه انتبه.
(ويقضي مغمى عليه) يعني: أنه يلزم المغمى عليه قضاء ذلك اليوم الذي أغمي عليه جميعه (فقط) أي: دون المجنون.
ومحل ذلك: إذا كان واجبًا عليه صوم ذلك اليوم الذي أغمي عليه فيه " لأن
مدة الإغماء لا تطول غالبًا، ولا تثبت الولاية على المغمى عليه. فلم يزل به التكليف؛ كالنوم. بخلاف الجنون، لزوال التكليف به. فلا يلزمه القضاء. (ومن نوى الإفطار فكمن لم ينو) الصوم، لا كمَن أكل أو شرب بحيث
لو كان متنفلا ثم بدا له أن ينوي الصوم صح صومه. نص عليه.
ولنا على أنه صار كمن لم (^٢) ينو: أن مقتضى الدليل اعتبار حقيقة النية مستدامة في جمع العبادة، لكن اكتفي بالدوام الحكمي؛ لدفع المشقة، ولا مشقة في ترك نية الفطر والقطع. فإذا قطع نية الصوم بنية الإفطار كان كمن لم يأت بها ابتداء.
(فيصح أن ينويه) أي: أن ينوي اليوم الذي نوى الإفطار فيه (نفلا بغير رمضان).
قال في " الفروع ": ولو كان في نفل فقطع نيته ثم عاد ونواه جاز. نص عليه، وفاقا للشافعي. انتهى.
(ومن قطع نية نذر أو كفارة أو قضاء، ثم نوى) أي: نوى النذر أو الكفارة
أو القضاء (نفلا: صح).
قال في " الفروع ": ولو كان في نذر أو كفارة أو قضاء فقطع نيته ثم نوى
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٨٧ ]
نفلًا جاز. انتهى.
(وإن قلب) صائم نذرًا أو قضاء (نية نذر أو قضاء إلى نفل: صح)؛ كما
لو انتقل من فرض صلاة إلى نفلها. (وكُره) له ذلك (لغير غرض) صحيح، كما تقدم في الصلاة.
(ويصح صوم نفل بنية) طارئة (من النهار) أي: في أثنائه، (ولو) كان طروؤها (بعد الزوال) على الأصح. نقله الميمونى وغيره، واختاره الأكثر منهم القاضي في أكثر كتبه. وهو مذهب معاذ بن جبل وابن مسعود وحذيفة بن اليمان. حكاه عنهم إسحاق بن راهويه في رواية حرب.
وبذلك قال سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وحماد بن أبي سليمان والشافعي فهى أحد قوليه.
ويدل لصحة صوم النفل بنية من النهار ما روت عائشة ﵂ قالت:
" دخل عليَّ النبي ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإنى إذًا صائم. ثم أتانا يومًا آخر. فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس. فقال: أرنيه فلقد أصبحت صائمًا. فأكل " (^١) . رواه الجماعة إلا البخاري.
وزاد النسائي ثم قال: " إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يُخرج من ماله الصدقة. فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها " (^٢) .
وفي لفظ له أيضا قال: " يا عائشة! إنما منزلة من صام فى غير رمضان أو فى
غير قضاء رمضان أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥٤) ٢: ٨٠٩ كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار، قبل المزوال. . . وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٥٥) ٢: ٣٢٩ كتاب الصوم، باب في الرخصه في ذلك. وأخرجه التزمذي في " جامعه " (٧٣٤) ٣: ١١١ كتاب الصوم، باب صيام المتطوع بغير تبييت. وأخرجه االنسائى في "سننه " (٢٣٣٠) ٤: ١٩٥ كتاب الصيام، النية في الصيام. . . وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٧٧٢ ٢) ٦: ٢٠٧.
(٢) أخرجه النسائي فى " سننه " (٢٣٢٢) ٤: ١٩٣ كتاب الصيام، النية في الصيام. . .
[ ٣ / ٣٨٨ ]
فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه " (^١) .
فوجه الحجة منه قوله: " إني إذًا صائم " فإن "إذا" تقتضي إنشاء الصوم من ذلك الوقت. ويدل عليه أمره بصوم يوم عاشوراء في أثنائه.
ولأن اعتبار نية التبييب لنفل الصوم تقلله وتفوت كثيرًا منه؛ لأن الإنسان قد يبدو له الصوم بالنهار لنشاط يبين له فيه ولا يبين له في الليل أو لغيرت لك. فوجب أن يسامح فيه بذلك، كما سومح في نفل الصلاة بترك القيام والتوجه في السفر. وفارق اعتبار النية في أول نفل الصلاة كفرضها؛ لأن ذلك لا يفضي إلى تقليلها. ولأن جعله من حين النية سائغ ممكن ولا كذلك في الفرض؛ لوجوبه في جميع اليوم.
واحتج من منع صحة النفل بنية بعد الزوال بأن أكثر النهار خلا عن النية. فوجب جعل الأقل تبعًا للأكثر؛ لأن الكثرة لها تأثير في الأصول. بدليل السوم في الحول، وسقي الزرع بالكلفة، وغير ذلك.
ويدل للمذهب بصحه النفل بنية بعد الزوال: أن ذلك قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك صريحًا.
ولأن النية وجدت في جزء من النهار. فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة.
وبه يبطل التعليل بالأكثر؛ لأن الأكثر قد خلا عن النية في الأصل. فإن ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما] بين الزوال والغروب بما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
ولأن قوله في الحديث [(^٢) . " يدع طعامه وشرابه من أجلي " (^٣): معناه: فيمن نوى من آخر النهار أظهر وأبلغ؛ لأن داعية الفطر أشد قوة (^٤) في حقه. فكان بالرخصة أولى.
_________________
(١) أخرجه النسائي في (سننه " (٣٣٢٣) ٤: ١٩٤ الموضع السابق. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٦) رقم (٣) ()
(٤) في ب: قوى. ()
[ ٣ / ٣٨٩ ]
(ويحكم بالصوم الشرعي المُثاب عليه، من وقتها) أي: وقت النية، لأن
ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة فلا يقع عبادة، لكن يشترط أن يكون ممسكا فيه عن المفسدات؛ لتحقيق معنى القربة وحكمة الصوم في القدر المنوي.
(فيصح تطوع من ظهرت) في يوم، (أو) من (أسلم في يوم لم يأتيا)
أي (^١): التي طهرت والذي أسلم (فيه) أي: في ذلك اليوم (بمفسد) من أكل أو شرب أو نحوهما. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٩٠ ]
] باب: ما يفسد الصوم]
هذا (باب ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة) وما يتعلق بذلك.
(من) أي صائم (أكل أو شرب او استعط) في أنفه بدهن أو غيره. فوصل
إلى حلقه أو دماغه.
وقال في " الكافي ": إلى خياشيمه.
(أو احتقن) نصًا، (أو داوى الجائفة. فوصل) الدواء (إلى جوفه، أو اكتحل بما) أي: بشيء (علم وصوله إلى حلقه). نص عليه؛ لرطوبته أو حدته: (من كحل أو صبر، أو قطور، أو ذرور، أو إثمد كثير أو يسير مطيب)؛ لأن العين منفذ. بخلاف المسام؛ كدهن رأسه. ولا أثر لكون العين ليست منفذًا معتادًا.
(أو أدخل إلى جوفه شيئًا) من كل محل ينفذ إلى معدته (مطلقًا) أي: سواء كان يغذي ويماع، أو لا يغذي ولا يماع؛ كالحصاة والقطعة من الحديد والرصاص ونحوهما.
(أو وجد طعم علك مضغه بحلقه، أو وصل إلى فمه نخامة مطلقًا) أي: سواء كانت من دماغه أو حلقه أو صدره وابتلعها.
(ويحرم بلعها) بعد وصولها إلى فمه.
(أو) وصل إلى فمه (قيء أو نحوه)؛ كالقلس بسكون اللام.
قال في " القاموس ". القَلسُ: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء. فإن عاد فهو قيء. انتهى.
(أو تنجّس ريقه فابتلع شيئا من ذلك) عمدًا ذاكرًا لصومه.
(أو داوى المأمُومة) وهي: الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ بدواء وصل
إلى دماغه.
[ ٣ / ٣٩١ ]
(أو قطّر في أذنه ما) أي: شيئًا (وصل إلى دماغه) عمدًا ذاكرًا لصومه.
فسد صومه؛ لأنه شيء واصل إلى جوفه باختياره. فأشبه الأكل.
(أو استقاء) اي: استدعى القيء (فقاء) فسد أيضًا؛ لما روى أبو هريرة
أن النبي ﷺ قال: " من استقاء عمدًا فليقض " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. رواه أبو داود.
(أو كرَّرَ النظر فأمْنى)؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز منه. أشبه الإنزال باللمس.
(او استَمْنَى)] فأمنى] أو مذى [(^٢)، (أو قبَّل) [(^٣) فأمنى أو مذى،] (أو لمس) فأمنى أو مذى [(^٤) (أو باشر دون فرج فأمنى أو مذى): فسد أيضًا.
أما الإمناء؛ فلأنه إنزال بمباشرة. فأشبه الإنزال بجماع. وهذا لا خلاف فيه
فى (^٥) المذهب.
وأما الإمذاء؛ فلأنه خارج تخلله الشهوة يخرج بالمباشرة. فأشبه المني. وبهذا فارق البول.
ومحل فساد الصوم: إذا كان عامدًا ذاكرًا لصومه.
(أو حُجِم أو احتجم وظهر دم عمدًا، ذاكرًا لصومه، ولو جهل التحريم: فسد) صوم كل من الحاجم والمحتجم. فيلزم القضاء إن كان ذلك في صوم واجب. نص عليه، خلافا للأئمة الثلاثة.
ويفطر الحاجم والمحتجم. قاله علي وابن عباس وأبو هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٨٠) ٢: ٣١٠ كتاب الصوم، باب الصائم يستقيء عامدا. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٢٠) ٣: ٩٨ كتاب الصوم، باب ما جاء فيمن استقاء عمدا.
(٢) زيادة من ج. ()
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) زيادة من ج. ()
(٥) في ب. من. ()
[ ٣ / ٣٩٢ ]
واحتج القائلون بعدم الفطر؛ بما روى البخاري عن ابن عباس " أن النبى ﷺ احتجم وهو صائم " (^١) .
ولأنه دم خارج من البدن. أشبه الفصد.
ولنا: قول النبي ﷺ: " أفطر الحاجم والمحجوم " (^٢) . رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفسًا.
قال أحمد: حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع- يعني: ابن خديج- إسناد جيد.
وقال: حديث ثوبان وشداد صحيحان.
وقال علي بن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان.
وحديث القائلين بعدم الفطر منسوخ. بدليل أن ابن عباس وهو راوي حديثهم " كان يعد الحجام (^٣) والمحاجم قبل مغيب الشمس. فإذا غابت الشمس احتجم كذلك ". رواه الجوزجانى.
وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه. والله أعلم.
وقولنا: وظهر دم لا بد منه؛ لأنه إن لم يظهر دم] لا تسمى حجامة.
قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب: لا فطر إن لم يظهر
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٣٧) ٢: ٦٨٥ كتاب الصوم، باب الحجامه () والقيء للصائم.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٧١) ٢: ٣٠٩ كتاب الصوم، باب في الصائم يحتجم. عن ثوبان. وفي (٢٣٦٩) ٢: ٣٠٨ عن شداد بن أوس. وأخرجه الترمذي قي " جامعه " (٧٧٤) ٣: ١٤٤ كتاب الصوم، باب كراهية الحجامة للصائم. عن رافع ابن خديج. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٨٠) ١: ٥٣٧ كتاب الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم. عن ثوبان. وفي (١٦٧٩) ١: ٥٣٧ عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في"مسنده " (٢٥٢٨١) ٦: ١٥٧ عن عائشة. وفي (٢٣٩٣٤) ٦: ١٢ عن بلال. وفي (١٧١٦٥) ٤: ١٢٤ عن شداد. وفي (١٧١٦٥) ٤: ١٢٤ عن أبي هريرة. وفي (١٧١٦٥) ٤: ١٢٤ عن رافع بن خديج. وفي (١٧١٦٥) ٤: ١٢٤ عن ثوبان. وفي (١٥٩٢٩) ٣: ٤٧٤ عن معقل بن سنان الأشجعي.
(٣) في أ: الحاجم. ()
[ ٣ / ٣٩٣ ]
دم [(^١)، وهو متجه، واختاره شيخنا وضعف خلافه. وذكر ابن عقيل: أنه يفطر وإن لم يظهر دم. وجزم به في " المستوعب " و" الرعاية ".
(كردة مطلقًا) يعني: أن الصوم يفسد بما تقدم ذكره، كما أنه يفسده بالردة، ولا يختص ذلك بالصوم، بل تفسد الردة كل عبادة حصلت في أثنائها. قال الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك)] الزمر: ٦٥ [.
(وموت) يعنى: وكما يفسد الصوم بموت.
(و) حيث قلنا ببطلان الصوم بالموت فإنه (يُطعَم من تركته) أي: تركة من مات صائمًا (في نذر وكفارة) مسكين؛ لفساد صوم ذلك اليوم الذي مات فيه؛ لتعذر قضائه.
ومحل الفساد بالأفعال: إذا فعلها عامدًا ذاكرًا كما أشير إليه في المتن.
(لا) إن فعلها (ناسيًا ومكرهًا. ولو) كان ذلك (بوَجُور مغمى عليه معالجة) بسبب إغمائه في الأصح. وسواء أكره على الفطر حتى فعله أو فعل به؛ كمن صُب في حلقه الماء مكرهًا، أو وهو نائم ونحو ذلك. نص عليه؛ لأن النبي ﷺ علل في الناسي بقوله: " فإنما الله أطعمه وسقاه " (^٢) .
وفي لفظ: " فإنما هو رزق ساقه الله إليه " (^٣) . وهذا موجود فيمن دخل الماء
في حلقه وهو نائم.
ولأنه واصل إلى جوفه بغير اختياره. فأشبه غبار الطريق.
(ولا) يفسد الصوم (بفصد). جزم به القاضي وصاحب " المستوعب "
و" المحرر " فيه وغيرهم في الأصح؛ لأن القياس لا يقتضيه.
(و) لا (شرط) في الأصح.
ومن جرح نفسه لا للتداوي بدل الحجامة لم يفطر؛ لأن النهي لا يختص
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٣١) ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب: الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥٥) ٢: ٨٠٩ كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧١١٣) ٦: ٣٦٧ عن أم إسحاق. ()
[ ٣ / ٣٩٤ ]
الصيام (^١)، وكخروج الدم يفطر على وجه القيء، لا على غير (^٢) وجه (^٣) القيء. ذكره في " الخلاف ".
قال في " الفروع ": واختار شيخنا أنه يفطر من أخرج دمه برُعاف وغيره.
وقاله الأوزاعي في الرعاف.
ومعنى الرُّعاف: السبق. تقول العرب: فرس راعف إذا تقدم الخيل، ورعف فلان الخيل: إذا تقدمها. فسمي الدم رعافا؛ لسبقه الأنف. انتهى. (ولا) يفسد صومه (إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) من غير قصد؛ كغبار الطريق، ونخل الدقيق، أو الذباب يدخل في حلقه بغير اختياره؛ لأنه لا يمكن التحرز من ذلك. أشبه ما لو دخل في حلقه شيء وهو نائم. .
(أو دخل في قُبُل)؟ كالإحليل (ولو) كان القبل (لأنثى) وهو: فرجها شيء (غير ذكر أصلي) لم يفسد صومها، وذلك كما لو أولج الخنثى المشكل ذكره في قبل امرأة، أو في قبل خنثى مثله، أو أولج الرجل ذكره في قبل خنثى مشكل: لم يفسد صوم واحد منهم، إلا أن ينزل. كما أن ذلك لا يوجب الغسل؛ لاحتمال كونه خلقة زائدة. فهو كما لو أولج إصبعه في قبلها، أو ذكره في فمها. والأصل بقاء الصوم. فلا نبطله بالشك. والاحتياط: القضاء في جمع ذلك.
قال في " المستوعب ": فإن قيل: هذا واصل إلى باطن فرج المرأة فيجب
أن يبطل صومها، كما لو كان في دبرها، وكما لو كان ذكرا أصليًا؟
فجوابه: أن مسلك الذكر من فرج المراة في حكم الظاهر، بدليل: أنه يجب غسله من النجاسات؛ كالفم.
وإذا ظهر دم حيضها إليه ولم يخرج منه فسد صومها، ولو كان في حكم الباطن لم يفسد صومها] حتى يخرج منه، ولم يجب غسله كالدبر. وإذا ثبت أنه
_________________
(١) في أ: الصائم. ()
(٢) ساقط من ب. ()
(٣) ساقط من أوج. ()
[ ٣ / ٣٩٥ ]
في حكم الظاهر فهو كفمها، وعمق سرتها، وطي عكنها. وإنما فسد صومها [(^١) بإيلاج ذكر الرجل فيه؛ لكونه جماعًا، لا لكونه وصولا إلى باطن. بدليل: انه لو أولج إصبعه في قبلها فإنه لايبطل (^٢) صومها، والجماع يفسد؛ لكونه مظنة الإنزال. فأقيم مقام الإنزال، كما (^٣) أقيم مقامه في وجوب الغسل، ولهذا يفسد به صوم الرجل وإن لم ينزل ولم يصل إلى جوفه شيء.
وأما الدبر ففي حكم الباطن. بدليل: أنه لا يجب غسله ولو احتقن فيه بشيء أفطر. بخلاف القبل فإنه بمنزلة الفم. وأبلغ من هذا: أنه لو قطر في إحليله أو غيب فيه شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه. . نص عليه في رواية أحمد بن الحسين. فإذا لم يفطر بذلك. والمثانة في حكم الباطن. فمسلك الذكر من قبل المرأة وهو في حكم الظاهر بما بينا أولى. وقول القاضي في الخصال: أن الصوم يفسد بواصل وبخارج قال: فالوطء في حكم الواصل] فإنما جعله في حكم الواصل [(^٤)؛ ليدخله تحت حصره لأقسام الفطر في القسمين، الواصل والخارج، لا لعلة الوصول. ولهذا يبطل صوم الرجل ولا واصل، ولا يبطل الصوم بكل واصل. بدليل: ما وصل (^٥) من إحليله إلى المثانة، ولا بكل خارج. بدليل: أنه لا يفسد بدم الفصد والغائط والدمع والعرق. انتهى كلامه في " المستوعب ".
(أو فكَّر فأنزل) يعني: أنه لا يفسد صومه بذلك في الأصح؛ لأنه إنزال
بغير مباشرة ولا نظر. فأشبه الاحتلام والفكرة الغالبة.
وأما كون ذلك بسبب من جهته] فمسلّم، لكن جعله سببا في الفطر ليس فيه
نص ولا إجماع، وهو دون المباشرة والنظر.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في ب: يفسد. ()
(٣) في ب زيادة: لو. ()
(٤) ساقط من ب. ()
(٥) ساقط من أ. ()
[ ٣ / ٣٩٦ ]
(أو احتلم) فإنه لا يفسد صومه بلا نزاع، لكونه ليس بسبب من جهته] (^١) .
(أو ذرعه القيء) بالذال المعجمة أي: غلبه وسبقه لم يفسد صومه بلا:
نزاع " لأنه ليس ذلك بسبب من جهته.
(أو أصبح وفي فيه.) أي: فمه (طعام فلفظه) يعني: أنه لا يفسد صومه بلا
نزاع. وكذا لو شق عليه أن يلفظه فبلعه مع ريقه بغير قصد.
وإن أمكنه أن يلفظه بأن تميز عن ريقه فبلعه باختياره أفطر. نص عليه.
(أو لطخ باطن قدمه بشيء) له طعم (فوجد طعمه بحلقه) يعني: أنه لا
يفطر " لأن القدم ليس بنافذ إلى الجوف. أشبه ما لو دهن رأسه فوجد طعم الدهن في حلقه.
(أو تمضمض أو استنشق) فدخل الماء حلقه بلا قصد. يعني: أنه لايفسد صومه.
(ولو) تمضمض فوق ثلاث (^٢) أو استنشق (فوق ثلاث، أو بالغ) في المضمضة أو في الاستنشاق، (أو) كان تمضمضه أو استنشاقه (لنجاسة، ونحوها)، كالتجشي في الأصح؛ لما روي عن النبي ﷺ: " أن عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي ﷺ: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؛ قلت:
لا بأس. قال: فمه " (^٣) .
ولأنه واصل إلى حلقه من غير قصد. أشبه غبار الطريق، وغبار الدقيق إذا
دخل في حلقه وقت نخله.
(وكُره) تمضمضه أو استنشاقه (عبثًا أو سرفًا، أو لحر أو عطش).
نص عليه.
سئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض (^٤) ثم يمج الماء. قال: يرش
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في أ: ثلاثة. ()
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٣٧٢) ١: ٥٢. ()
(٤) في أ: فيمضمض. ()
[ ٣ / ٣٩٧ ]
على صدره أحب إليَّ.
وكذا في الحكم ما أشير إليه بقوله: (كغَوْصه) أي: غو ص الصائم (في ماء.
لا لغُسل مشروع أو تبرد فدخل) الماء (حلقه) يعنى: أنه لا يفسد صومه بذلك، ويكون مكروها على الأصح. ونقل صالح: يتمضمض إذا أجهد.
ولا يكره للصائم: أن يغتسل من الحر والعطش (^١) خلافا لأبي حنيفة، وذلك لما روي عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: " لقد رأيت رسول الله يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو الحر " (^٢) . رواه ابو داوفى.
وقال صاحب " المحرر ": ولأن فيه إزالة الضجر من العبادة، كالجلوس
في الظلال الباردة. بخلاف قول المخالف: أن فيه إظهارًا للتضجر بالعبادة. وقوله: أن الصوم مستحب فعله على ضرب من المشقة. فإذا أزال (^٣) ذلك بما لا ضرورة إليه كره، كما لو استند المصلي في قيامه إلى شيء.
(أو أكل ونحوه)، كما لو شرب أو جامع (شاكًا في طلوع فجر) ولم يتبين
له طلوعه حالة أكله ونحوه.
(أو) أكل ونحوه (ظانًا غروب شمس) ولم يتبين له أنها لم تغرب. يعني: أنه لم يفسد صومه بذلك، ولا قضاء عليه.
قال الزركشي: ولو أكل ظانًا أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس قد غربت
ولم يتبين له شيء فلا قضاء عليه، ولو تردد بعد. قاله أبو محمد.
وأوجب صاحب " التلخيص " القضاء في ظنّ الغروب. ومن هنا قال: يجوز الأكل بالاجتهاد في أول اليوم دون آخره، وأبو محمد: يجوزه بالاجتهاد] فيهما. انتهى.
_________________
(١) في ب: أن يغتسل الحر أو العطش. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٦٥) ٢: ٣٠٧ كتاب الصوم، باب الصائم يصب () عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق.
(٣) في ب وج: زال. ()
[ ٣ / ٣٩٨ ]
والمذهب عدم القضاء؛ لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الشك ولا الظن.
أشبه ما لو صلى بالاجتهاد [(^١) ولم يتبين له الخطأ، ثم شك في الإصابة بعد صلاته. فإنه لا تجب عليه الإعادة.
(وإن بان أنه) أي: الفجر (طلع) فيما إذا أكل ونحوه شاكًا في طلوعه، (أو) بان أن الشمس (لم تغرب) فيما إذا أكل ونحوه ظانًا غروبها: قضى ذلك اليوم حيث كان ذلك في صوم واجب، لتبين خطئه.
(أو أكل ونحوه شاكًا في غروب) أي: غروب شمس ذلك اليوم الذي هو صائم فيه (ودام شكه) بأن لم يتبين بعد ذلك أنها غربت وكان صومه واجبًا: قضى، لأن الأصل بقاء النهار.
(أو) أكل ونحوه في زمن (يعتقده نهارًا فبان ليلًا ولم يجدد نية لواجب) أي: لم يجدد نية للصوم الواجب قضى.
قال في " الفروع ":] هان أكل يظن طلوع الفجر فبان ليلًا ولم يجدد نية لصومه الواجب قضى [(^٢) . كذا جزم به بعضهم.
وما سبق من أن له الأكل حتى يتيقن طلوعه يعني: الفجر يدل على أنه
لا يمنع نية الصوم، وقصده غير اليقين.
والمراد والله أعلم: اعتقاد طلوعه، ولهذا فرض صاحب " المحرر " هذه المسألة فيمن اعتقد نهارًا فبان ليلًا، لأن الظان شاك، ولهذا خصوا المنع باليقين، واعتبروه بالشك في نجاسة طاهر (^٣)، ولا أثر للظن فيه، وقد يحتمل أن الظن والاعتقاد واحد، وأنه يأكل مع الشك والتردد ما لم يظن ويعتقد النهار. انتهى.
(أو) أكل ونحوه في زمن يعتقده اليلا فبان نهارا)] سواء كان
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) في ب: طاهرة. ()
[ ٣ / ٣٩٩ ]
ذلك [(^١) في أول الصوم أو في آخره فعليه القضاء؛ لأن الله ﷾ أمر بإتمام الصوم ولم يتمه. وقالت أسماء: " أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس. قيل لهشام بن عروة- وهو راوي الحديث-: أمروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء " (^٢) . رواه أحمد والبخاري.
ولأن جهل وقت الصوم كالجهل بأول رمضان، وصوم المطمور ليلًا بالتحري. بل أولى؛ لأن إمكان التحرز من الخطأ هنا أظهر، والنسيان لا يمكنه التحرز منه، وكذا سهو المصلي بالسلام عن نقص، ولا علامة ظاهرة، ولا أمارة سوى علم المصلي، وهنا علامات، ويمكن الاحتياط والتحفظ.
(أو أكل) أو شرب (ناسيًا فظن أنه قد أفطر فأكل عمدًا: قضى).
قال في " الفروع ": فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم. فيها الخلاف السابق.
وقال صاحب " الرعاية ": يصح صومه، ويحتمل ضده. كذا قال. انتهى كلامه في " الفروع ".
قال في " الإنصاف ": قلت: ويشبه ذلك لو اعتقد البينونة في الخلع لأجل
عدم عود الصفه ثم فعل (^٣) ما حلف عليه. انتهى.
_________________
(١) زيادة من ب. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٥٨) ٢: ٦٩٢ كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٩٧٠) ٦: ٣٤٦.
(٣) في أ: جعل. ()
[ ٣ / ٤٠٠ ]
(فصل): في حكم جماع الصائم
وما يتعلق بذلك (^١) .
(ومن جامع في نهار رمضان ولو في يوم: لزمه إمساكه) على الأصح؛ لأنه يحرم عليه تعاطي ما ينافي الصوم.
(أو) في يوم (رأى الهلال ليلتًه ورُدت شهادتُه) على الأصح؛ لأنه أفطر
يومًا من رمضان بجماع. فوجب عليه القضاء والكفارة؛ كما لو قبلت شهادته. (أو) كان (مكرهًا أو ناسيًا) على الأصح؛ لأن الصوم عبادة يفسدها الوطء. ففسدت به على كل حال؛ كالصلاة والحج.
قال في " الفروع ": والمكره كالمختار وفاقًا لأبي حنيفة ومالك في ظاهر المذهب. ونقل ابن القاسم: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة. قال الأصحاب: وهذا يدل على إسقاط القضاء مع الإكراه والنسيان.
قال ابن عقيل في " مفرداته ": الصحيح في الأكل والوطء إذا غلب عليهما
لا يفسدان. فأنا أخرج في الوطء رواية من الأكل، وفي الأكل رواية من الوطء. وقيل: يقضي من فَعَل لا من فُعِل به من نائم وغيره، خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
وقيل: لا قضاء مع النوم فقط، وذكره بعضهم نص أحمد فيه؛ لعدم حصول مقصوده.
وإن فسد الصوم بذلك فهو في الكفارة كالناسي، وفاقًا للشافعي.
وقيل: يرجع بالكفارة على من أكرهه.
وقيل: يكفر من فعل بالوعيد. انتهى.
_________________
(١) في أ: به. ()
[ ٣ / ٤٠١ ]
وقوله: فعل (^١) يعني: أكره بالوعيد.
(بذكر) يعني: أن من جامع بذكر (أصلي. في فرج أصلي) ولو كان الفرج دبرًا أو (لميتة أو بهيمة) نصًا؛ لوجوب الغسل بذلك.
وفي " المستوعب ": إن أولج في بهيمة أو آدمي ميت ففي الكفارة وجهان.
(أو أنزل مجبوب) أي: مقطوع الذكر (بمساحقة، أو) أنزلت (امرأة) بمساحقة: (فعليه) أي: على كل ممن ذكر (القضاء والكفارة).
أما وجوب الكفاره على من جامع في نهار رمضان من غير عذر؛ فهو قول
أكثر أهل العلم.
وحكي عن الشعبي وسعيد بن جبير: أنه لا كفارة بالجماع.
قال الخطابي: يشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم. انتهى.
واحتج الأكثر بما روى أبو هريرة قال: " بينا جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. فمكث النبي ﷺ. فبينما (^٢) نحن على ذلك، أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. والعرق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال. خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها] أهل بيت [(^٣) أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك " (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) في أ: فبينا. ()
(٣) ساقط من ب. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٣٤) ٢: ٦٨٤ كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١١١) ٢: ٧٨١ كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم. . .
[ ٣ / ٤٠٢ ]
واحتج من قال بوجوب القضاء أيضًا بما في روايه ابن ماجه: " وتصوم يومًا
مكانه " (^١) .
(لا سليم) ذكره وطئ (دون فرج ولو) كان وطؤه (عمدًا، أو) كان وطؤه (بـ) ذكر (غير أصلي في) فرج (أصلي، وعكسه) وهو: وطؤه بذكر أصلي في فرج غير أصلي: فإنه ليس عليه (إلا القضاء) على الأصح (إن أمنى أو مذى) " لأن هذا إنزال (^٢) بفعل يتلذذ به، يمكن الاحتراز عنه في الغالب. ففسد به الصوم. أشبه غيره من محظورات الصوم.
(والنزعُ جماع)، لأنه يلتذ به، كما يلتذ بالإيلاج. فمن طلع عليه الفجر
وهو يجامع فنزع مع أول طلوعه قضى وكفر في الأصح. بخلاف مجامع حلف لا يجامع فنزع فإنه لا يحنث؛ لتعلق اليمين بالمستقبل أول أوقات الإمكان.
وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. (وامرأة طاوعت غير جاهلة) بالحكم، (أو) غير (ناسية) للصوم، (كرجل) في الحكم. فيجب عليها القضاء والكفارة على الأصح.
قال الخطابي: وهو مذهب اكثر العلماء؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع مطاوعة. فأشبهت الرجل.
ولأن تمكينها كفعل الرجل في وجوب حد الزنى الذي يسقط بالشبهة. فالكفارة أولى.
(ومن جامع في يوم، ثم) جامع (في) يوم (آخر ولم يكفر) عن الجماع الأول: (لزمته) كفارة (ثانية) في الأصح؛ لأن كل يوم عبادة منفردة تجب الكفارة بإفسادها لو انفردت. فإذا أفسدت إحداهما بعد الأخرى وجبت (^٣) كفارتان؛ كالحجتين والعمرتين، وكما لو كان اليومان من رمضانين.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٧١) ١: ٥٣٤ كتاب الصيام، باب ما جاء في () كفارة من أفطر يومًا من رمضان، بلفظ: " وصم يومًا مكانه ".
(٢) في ج: أنزل. ()
(٣) في أ: وجب. ()
[ ٣ / ٤٠٣ ]
و(كمن أعاده) أي: الجماع (في يومه بعد أن كفر) عن الجماع الأول.
فإنه تلزمه كفارة ثانية.
(ولا تسقط) كفارة الوطء عن المرأة (إن حاضت المرأه أو نفست) في يومه بعد تمكينها.
(أو مرِضا) أي: الرجل والمرأة، (أو جنا، أو سافر بعد) أي: بعد الوطء (في يومه)؛ لأن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة ولم يسأله هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره، ولو اختلف الحكم بذلك لسأله وبينه.
ولأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة. فلم يسقطها؛ كالسفر.
ولأنه أفسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام. فاستقرت الكفارة عليه؛
كما لو لم يطرأ العذر.
(ولا كفارة) أي: لا تجب (بغير الجماع والإنزال والمساحقة نهار رمضان) أي: فيه؛ لأن النص إنما ورد في رمضان وليس غيره في معناه؛ لأن رمضان محترم متعين لهذه العبادة. فيمتنع قياس غيره عليه.
قال في " الإنصاف ": وذكر في " الرعاية " رواية: يكفر إن أفسد قضاء رمضان. انتهى.
(ولا فيه) أي: في رمضان (سفرًا ولو) كان الجماع (من صائم) في السفر. (وهي) أي: الكفارة الواجبة بإفساد الصوم على الصورة التي تجب فيها: (عتق رقبة) أي: مؤمنة سليمة من العيوب.
(فإن لم يجد) أي: لم يقدر على الرقبة، (فصيام شهرين متتابعين. فلو
قدر عليها) أي: على الرقبة قبل شروعه في الصوم، (لا بعد شروع فيه: لزمته) الرقبة؛ لأن النبي ﷺ سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حين المواقعة (^١) وهي حالة الوجوب.
_________________
(١) كذا في ج وفى أوب: حالة الموافقة. ()
[ ٣ / ٤٠٤ ]
ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل. فلزمه؛ كما لو وجده حال الوجوب.
وأما إن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه ويكون قد فعل الأولى.
(فإن لم يستطع) أن يصوم (فإطعام ستين مسكينًا) لكل مسكين (^١) مد بر،
أو نصف صاع تمر، أو نصف صاع شعير؛ لما روى أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني قال: "جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير. فقال النبي ﷺ للمظاهر: أطعم هذا ". فإن مُدَّي شعير مكان مد برّ. ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر أو الشعير (^٢) بلا خلاف. فكذا هذا.
(فإن لم يجد) شيئًا يطعمه للمساكين (سقطت) عنه على الأصح؛ لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر يطعمه للمساكين فأخبره بحاجته فقال: "أطعمه أهلك" (^٣)، ولم يأمره بكفاره أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته. وكصدقة الفطر.
(بخلاف كفارة حج وظهار ويمين، ونحوها)؛ ككفارة القتل.
نص عليه.
قال صاحب " المحرر" وغيره: وعليه أصحابنا، لعموم أدلتها حالة الإعسار. ولأنه القياس. خولف في رمضان للنص.
قال في " الفروع ": كذا قالوا: للنص، وفيه نظر.
ولأنها لم تجب بسبب الصوم.
قال القاضي وغيره: وليس الصوم سببًا للكفارة وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما. انتهى.
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في أ: والشعير. ()
(٣) سبق تخريجه ص (٤٠٢) رقم (٤). ()
[ ٣ / ٤٠٥ ]
(ويسقط الجميع) أي: كفارة الوطء في نهار رمضان وغيرها من الكفارات (بتكفير غيره عنه، بإذنه). أشبه ما لو أخرج زكاة غيره عنه بإذنه.
(وله إن ملكها) من وجبت عليه (إخراجها عن نفسه، وأكلُها إن كان أهلًا)؛ كأكلها في حديث أبي هريرة (^١) .
قال في " الإنصاف ": لو ملكه ما يكفر به وقلنا له أخذه هناك فله هنا أكله،
وإلا أخرجه عن نفسه. وهذا الصحيح من المذهب. والله أعلم.
_________________
(١) ر. ص: ٤٠٢. ()
[ ٣ / ٤٠٦ ]
] باب: ما يكره وما يستحب في الصوم]
هذا (باب ما يُكره) في الصوم، (و) ما (يستحب في الصوم، وحكم القضاء) أي: قضاء الصوم، وما يتعلق بذلك.
(كُره) بالبناء للمفعول (لصائم) فرضًا أو نفلًا (أن يجمعَ ريقَه فيبلعه)،
ولا يفطر ببلعه مجموعًا في الأصح؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا لا يفطر إجماعًا فكذلك إذا جمعه. لكنه يكره ذلك تنزيها؛ للخروج من الخلاف. (ويفطر) الصائم (بغبار) ابتلعه (قصدًا)؛ لأنه يمكنه التحرز منه (^١)
في العادة.
(و) يفطر أيضًا بـ (ريق أخرجه إلى بين شفتيه) ثم بلعه؛ لإمكان التحرز
من ذلك في العادة.
(لا) ببلع (ما قلّ) أي: بريق قليل (على درهم أو حصاة أو خيط ونحوه، إذا) أخرجه ثم (عاد إلى فمه) فإنه لا يفطر بذلك في الأصح؛ لمشقة الاحتراز من ذلك.
(كما على لسانه) من ريق (إذا أخرجه) اي: أخرج لسانه ثم ضمه إليه.
ولو كان ما عليه كثيرًا في الأصح. بخلاف ما على الدرهم ونحوه إذا كان كثيرًا؛ لأن الريق الذي على لسانه لم يفارق محله. بخلاف ما على غير اللسان. (وحرُم) على الصائم- قال في " الفروع ": إجماعًا- (مضغُ علكٍ يتحلّل مطلقًا) أي: سواء بلع ريقه أو (^٢) لم يبلعه.
وفي " المقنع ": إلا أن لا يبلع ريقه.
(وكُره) مضغ (ما لا يتحلل) من علك. نص عليه، وفاقًا للأئمة الثلاثة؛
_________________
(١) في أ: عنه. ()
(٢) في ب: أم. ()
[ ٣ / ٤٠٧ ]
لأنه يجلب الغم، ويجمع الريق، ويورث العطش.
(و) يكره للصائم أيضًا (ذوق طعام).
قال في " الفروع ": ذكره جماعة وأطلقوا وفاقًا لمالك، وقد قال أحمد: أحب أن يجتنب ذوق الطعام. فإن فعل فلا بأس. وذكر صاحب " المحرر ": أن المنصوص عنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، واختاره في " التنبيه " وابن عقيل، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس. انتهى.
فعلى الكراهة: متى وجد طعمه في حلقه أفطر؛ لإطلاق الكراهة.
(و) يكره للصائم أيضًا (ترك بقية) من الطعام (بين أسنانه).
قال في " المستوعب " وغيره: ويكره أن يدع بقايا الطعام بين أسنانه. ولعل ذلك: خشية أن يخرج من ذلك شيء فيجري به ريقه إلى جوفه. والله ﷾ أعلم.
(و) يكره للصائم أيضًا (شمّ ما لا يؤمن) من شمه (أن يجذبه نفس) أي:
نفس الشامِّ (لحلق؛ كسحيق مسك، و) سحيق (كافور ودهن ونحوه).
قال في " الفروع ": (وقبلة ودواعي وطء) يعني: أنه يكره للصائم التقبيل ودواعي الوطء؛ كتكرار النظر، واللمس، والمعانقة (لمن تحرّك شهوته)؛ لـ " أن النبي ﷺ نهى عنها شابًا ورخّص لشيخ " (^١) . حديث حسن، رواه أبو داود من حديث أبي هريره.
ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكذا عن ابن عباس بإسناد صحيح.
وعلم مما تقدم: أن ذلك لا يكره لمن لا تحرك شهوته على الأصح؛ " لأن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم لما كان مالكًا لإرْبه " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٨٧) ٣١٢:٢ كتاب الصوم، باب كراهيته للشاب. ()
(٢) أخرج أبو داود في " سننه " (٢٣٨٢) ٣١١:٢ كتاب الصوم، باب القبلة للصائم. ()
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وغير ذي الشهوة في معناه.
(وتحرُم) القبلة كما يحرم دواعي الوطء (إن ظن إنزالًا)؛ لأنه يعرّض صومه للفطر، ولا يأمن عليه الفساد. ثم إن أنزل أفطر ولزمه (^١) القضاء إن كان الصوم واجبًا.
(ويجب) مطلقًا (اجتناب كذبٍ وغيبةٍ ونميمةٍ وشتمٍ وفحشٍ) من القول (ونحوه)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من لم يدع قول الزور والعمل به. فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (^٢) . رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة والترمذي.
ولما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ: " لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: يا جبريل لِلَّهِ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " (^٣) رواه أبو داود.
وعن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: " من أربى الوبا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق " (^٤) . رواه أحمد وأبو داود.
وعن همام قال: كان رجل يرفع إلى عثمان حديث حذيفة سمعت
_________________
(١) في ج: وعليه. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧١٠) ٥: ٢٢٥١ كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (واجتنبوا قول الزور). وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٦٢) ٢: ٣٠٧ كتاب الصوم، باب الغيبة للصائم. وأخرجه الترمذي فى " جامعه " (٧٠٧) ٣: ٨٧ كتاب الصوم، باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم. وأخرجه اين ماجه في " سنة " (١٦٨٩) ١: ٥٣٩ كتاب الصيام، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٨٣٨) ٢: ٤٥٣.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه" (٤٨٧٨) ٤: ٢٦٩ كتاب الأدب، باب في الغيبة. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨٧٦) ٤: ٢٦٩ كتاب الأدب، باب في الغيبة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٥١) ١: ١٩٠.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل الجنة قتات- يعني نمامًا- " (^١) رواه أحمد والترمذي.
(وفي رمضان ومكانٍ فاضل آكد).
قال أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه. كانوا إذا صاموا قعدوا في المسجد وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحدًا، ولا نعمل عملًا نجرح به صومنا (^٢) .] قاله في " الفروع "] (^٣) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٠٢٦) ٤: ٣٧٥ كتاب البر والصلة، باب ما جاء () في النمام. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٣٥٨) ٥: ٣٨٩.
(٢) في أ: ولا يعمل عملًا يجرح به صومه. ()
(٣) زيادة من ب. ()
[ ٣ / ٤١٠ ]
] فصل: فيما يسن للصائم]
(فصل. وسن له) أي: للصائم (كثرة قراءة، و) كثرة (ذكر وصدقة، وكف لسانه عما يُكره).
قال في " الفروع ": قال الأصحاب: يسن له كثرة القراءة والذكر والصدقة، وكف لسانه عما يكره، ويجب كفه عما يحرم من الكذب والغيبة والنميمة والشتم والفحش وغير ذلك إجماعًا.
وذكر بعض أصحابنا وغيرهم قول النخعي: تسبيحة في رمضان خير من
ألف (^١) تسبيحة في غيره.
وذكره الآجري وجماعة عن الزهري.
ولا يفطر بالغيبة ونحوها. نقله الجماعة، وفاقًا للأئمة الثلاثة.
وقال أحمد أيضا: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، وذكره الشيخ- يعني الموفق- إجماعًا، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وظاهره صحته، إلا ما خصه دليل. ذكره صا حب " المحرر ".
وقال عما رواه أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة: " من لم يدع قول الزور والعمل به. فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه " (^٢): معناه: الزجر والتحذير، لم يؤمر من اغتاب بترك صيامه. قال: والنهي عنه ليسلم من نقص الأجر. ومراده: أنه قد يكثر فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان.
قال شيخنا: هذا لا نزاع فيه بين الأئمة. وأسقط أبو الفرج ثوابه بالغيبة
_________________
(١) زيادة من " الفروع " ٣: ٦٤ ()
(٢) سبق تخريجه ص (٤٠٩) رقم (٢). ()
[ ٣ / ٤١١ ]
ونحوها، ومراده ما سبق، وإلا فضعيف. انتهى.
(و) سن أيضًا (قوله) أي: قول الصائم (جهرًا إن شُتم) أي: إن شتمه أحد: (إني صائم)، لما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب. فإن شتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم " (^١) .
قال في " الفروع ": قال الأصحاب: ويسن (^٢) لمن شتم أن يقول: إني صائم.
قال في " الرعاية ": يقوله مع نفسه. يعني: يزجر نفسه ولا يطلع الناس عليه للرياء. واختاره صاحب " المحرر " إن كان في غير رمضان، وإلا جهر به؛ للأمن من الرياء. وفيه زجر من يشاتمه (^٣) بتنبيهه على حرمة الوقت المانعة من ذلك.
وذكر شيخنا لنا ثلاثة أوجه: هذين، والثالث وهو اختياره: يجهر به مطلقًا؛ لأن القول المطلق باللسان. والله تعالى أعلم.
(و) سن له أيضًا (تعجيل فطر إذا تحقق غروب) أي: غروب الشمس إجماعًا؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " يقول الله ﷿: إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرا " (^٤) . رواه أحمد والترمذي. وقال: حديث حسن غريب.
(ويباح) للصائم الفطر (إن غلب على ظنه) غروب الشمس، لأن تحقق غروب الشمس شرط فضيلة تعجيل الفطر لا جوازه. فإن الجواز يثبت إذا غلب على ظنه غروبها. ولكننا لا نستحب تعجيله قبل اليقين، للخروج من الخلاف،
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٠٥) ٢: ٦٧٣ كتاب الصوم، باب هل يقول: إني صائم إذا شتم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥١) ٢: ٨٠٦ كتاب الصيام، باب فضل الصيام.
(٢) في ج: ويستحب. ()
(٣) في ج: يشتمه. ()
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٠٠) ٣: ٨٣ كتاب الصوم، باب ما جاء في تعجيل الإفطار. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٢٤٠) ٢: ٢٣٨.
[ ٣ / ٤١٢ ]
والتحفظ من الخطأ.
والفطر قبل صلاة المغرب أفضل؛ لما روى ابن عبدالبر بإسناده عن أنس قال: " ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء " (^١) . (وكره جماعه مع شك في طلوع فجر ثان. لا سحور) نص على المسألتين؛
لما في الجماع مع الشك في طلوع الفجر من التعرض لوجوب الكفارة.
ولأنه ليس مما يتقوى به. بخلاف السحور.
(ويسن) السحور (كـ) مسنونية (تأخيره إن لم يخشه) أي: يخشى طلوع الفجر.
أما كون السحور يسن، فلما روى أنس أن النبي ﷺ فال: " تسحروا فإن في السحور بركة " (^٢) . متفق عليه.
وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: " فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السحور " (^٣) . رواه مسلم.
وأما كونه يسن تأخيره؛ فلما روى زيد بن ثابت قال: " تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية " (^٤) . متفق عليه.
وروى العرباض بن سارية قال: " دعانى رسول الله ﷺ إلى السحور فقال:
هلم إلى الغداء المبارك " (^٥) . رواه أبو داود.
وسماه غداء؛ لقرب وقته منه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٤: ٢٣٩ كتاب الصيام، باب ما يفطر عليه. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٢٣) ٢: ٦٧٨ كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٩٥) ٢: ٧٧٠ كتاب الصيام، باب فضل السحور. .
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٩٦) الموضع السابق. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٢١) ٢: ٦٧٨ كتاب الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١٠٩٧) ٢: ٧٧١ كتاب الصيام، باب فضل السحور. .
(٥) أخرجه أبو داود في"سننه " (٢٣٤٤) ٢: ٣٠٣ كتاب الصوم، باب من سمى () السحور الغداء.
[ ٣ / ٤١٣ ]
ولأن المقصود بالسحور: التقوي على الصوم. وما كان أقرب إلى الفجر
كان أعون على الصوم.
(وتحصل فضيلته) أي: فضيلة السحور (بشرب)؛ لقوله ﷺ: " ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء " (^١) .
(و) يحصل (كمالها) أي: كمال فضيلة السحور (بأكل)، وأن يكون
من تمر؛ لما روى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم سحور المؤمن التمر" (^٢) . (و) يسن (فطر على رطب. فإن عدم فتمر. فإن عدم فـ) على (ماء)؛
لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي. فإن لم يكن فعلى تمرات. فإن لم تكن تمرات حَسَا حَسَوات من ماء " (^٣) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: حسن غريب.
ولما روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. من حديث سلمان الضبي:
" إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر. فإن لم يجد فعلى ماء؛ لأنه طهور " (^٤) . (و) يسن (قوله عنده) أي: قول الصائم عند فطره: (اللهم! لك صمت وعلى رزقك أفطرت. سبحانك وبحمدك. اللهم! تقبل مني إنك أنت السميع العليم)؟ لما روى الدارقطني من حديث أنس ومن حديث ابن عباس قال: " كان النبي ﷺ إذا أفطر قال (^٥): اللهم! لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا. فتقبل منا. إنك أنت السميع العليم " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١١٠١) ٣: ١٢. ()
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٤٥) ٢: ٣٠٣ كتاب الصوم، باب من سمى السحور الغداء.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٥٦) ٢: ٣٠٦ كتاب الصوم، باب ما يفطر عليه. ()
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٣٥٥) ٢: ٣٠٥ كتاب الصوم، باب ما يفطر عليه. () وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٩٥) ٣: ٧٨ كتاب الصوم، باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار. أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٢٧٣) ٤: ١٨.
(٥) في ب: كان النبي ﷺ يقول. ()
(٦) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٦) ٢: ١٨٥ كتاب الصيام. عن ابن عباس. ولم () أره عن أنس.
[ ٣ / ٤١٤ ]
وعن ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ إذا. أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء الله تعالى " (^١) . رواه الدارقطني أيضًا. ولأن دعاء الصائم عند الفطر مظنة الإجابة؛ لما روى ابن ماجه من حديث عبدالله بن عمر: " وللصائم عند فطره دعوة لا ترد " (^٢) .
ويستحب تفطير الصائم؛ لما روى زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ أنه قال: " من فطر صائمًا كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء " (^٣) . قال الترمذي: حديب حسن صحيح.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم: أي شيء كان، كما هو ظاهر الخبر، وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي (^٤)، وذكر فيه ثوابًا عظيمًا إن أشبعه.
وقال شيخنا: مراده بتفطيره أن يشبعه. انتهى.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في "سننه " (٢٥) ٢: ١٨٥ كتاب الصيام. قال: وإسناده حسن. ()
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٥٣) ١: ٥٥٧ كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد له دعوته.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٠٧) ٣: ١٧١ كتاب الصوم، باب ما جاء في () فضل من فطر صائمًا.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (٢٠٦٤) ٣: ٢٧٧ كتاب الصيام، باب إعطاء () مفطر الصائم مثل أجر الصائم. . . عن زيد بن خالد الجهني، ولم أره من حديث سلمان الفارسي عنده.
[ ٣ / ٤١٥ ]
(فصل): في حكم قضاء الصوم
وما يتعلق بذلك
(سُن فورًا) أي: على الفور لمن فاته عدد من أيام رمضان (تتابُع قضاء رمضان). نص عليه، وفاقًا للأئمة الثلاثة.
قال البخاري: قال ابن عباس: " لا بأس أن يفرق؛ لقول الله ﷾ (فعدة من أيام أخر)] البقرة: ١٨٤] (^١) .
وعن ابن عمر مرفوعا: " قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع " (^٢) .
رواه الدارقطنى. وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر.
قال صاحب " المحرر ": لا نعلم أحدًا طعن فيه، والزيادة من الثقة مقبولة.
ولأنه وقت موسع له كصوم المسافر أداء. يعني: أن للمسافر في رمضان أن يصوم يومًا ويفطر يومًا. وإنما لزم التتابع فيه في صوم مقيم لا عذر له للفور، وتعيت الوقت لا لوجوب التتابع في نفسه.
وقيل: يجب. والمذهب: لا يجب التتابع.
(إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه) من عدد الأيام التي لم يصمها من رمضان (فيجب) التتابع؛ لضيق الوقت، كأداء رمضان في حق من لا عذر له. (ومن فاته رمضان) كله (قصى عدد أيامه) يعني: إن كان ثلاثين يومًا قضى ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين يومًا قضى تسعًا وعشرين يوما؛ كأعداد الصلوات الفائتة. فمن فاته رمضان فصام من أول شهر كامل أو من أثناء شهر
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ٢: ٦٨٨ كتاب الصوم، باب متى يقضى () قضاء رمضان.
(٢) أخرجه الدارقطني في "سننه " (٧٤) ٢:١٩٣ كتاب الصيام، باب القبلة للصائم. ()
[ ٣ / ٤١٦ ]
تسعة وعشرين يومًا، وكان رمضان الفائت ناقصًا أجزأه عنه؛ اعتبارًا بعدد الأيام.
(ويقدم) قضاء رمضان وجوبًا (على نذر) أي: على صوم منذور (لا يُخاف فوتُه) بأن يكون وقته متسعا.
(وحرُم تطوُّع قبله) أي: قبل قضاء رمضان (ولا يصح) على الأصح.
نص عليه.
نقل حنبل: أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. وإن كان عليه نذر صامه يعني: بعد الفرض. قاله في " شرح المقنع الكبير " (^١) .
(و) حرم أيضًا (تأخيره) أي: تأخير قضاء رمضان (إلى) رمضان (آخر
بلا عذر)، وفاقًا للأئمة الثلاثة. نص عليه. واحتج بقول عائشة ﵂: " ما كتب أقضي ما علي من رمضان إلا في شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ " (^٢) .
وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية.
(فإن أخَّر) القضاء إلى رمضان آخر (قضى) ما عليه من الأيام؛ لعدم سقوطها بتأخير قضائها (واطعم.
ويجزئ) إطعامه (قبله) أي: قبل القضاء وبعده ومعه (^٣)؛ لقول ابن عباس: " فإذا قضى أطعم ". رواه سعيد بإسناد جيد.
قال صاحب " المحرر ": الأفضل عندنا تقديمه؛ مسارعة إلى الخير، وتخلصًا من آفات التأخير.
(مسكينًا لكل يوم) أخره إلى رمضان آخر (ما) أي: طعامًا (يجزئ في كفارة وجوبًا)، وفاقًا لمالك والشافعي. روى ذلك سعيد بإسناد جيد عن
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٥٠٢) ٦: ١٧٩. ()
(٣) ساقط من ب. ()
[ ٣ / ٤١٧ ]
ابن عباس، ورواه الدارقطني عن أبي هريرة (^١) . وقال: إسناده صحيح، وذكر غيره عن جماعة من الصحابة.
(و) إن أخر القضاء إلى رمضان آخر (لعذر) من مرض أو سفر (قضى فقط) يعني: من غير إطعام؛ لعدم الدليل على وجوب الإطعام في هذه الحالة. (ولا شيء عليه إن مات). نص عليه، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لأن الصوم
حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله. فسقط إلى غير بدل؛ كالحج.
وفي " التلخيص " رواية: يطعم عنه؛ كالشيخ الهرم. والفرق: أنه يجوز ابتداء الوجوب على الشيخ الهرم. بخلاف الميت.
(ولغيره) يعني: أنه متى أخر قضاء رمضان لغير عذر (فمات قبل) أن يدركه رمضان آخر: أطعم عنه فقط لكل يوم مسكينا من غير قضاء (^٢) . رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا بإسناد ضعيف. وقال: الصحيح عن ابن عمر مو قوف.
وسئلت عائشة ﵂ عن القضاء فقالت: " لا، بل يطعم ". رواه سعيد بإسناد جيد، وكذا قال ابن عباس.
(أو) مات (بعد أن أدركه رمضان فأكثر، أطعم عنه: لكل يوم مسكين فقط) أي: من غير قضاء؛ لأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة؛ كالصلاة. ولا يلزمه أن يطعم أكثر من مسكين لكل يوم، ولو مضى عليه رمضانات كثيرة في الأصح.
(ومن مات وعليه نذر صوم في الذمة، أو) نذر (حج) في الذمة، (أو)
نذر (صلاة) في الذمة على الأصح، (أو) نذر (طواف) في الذمة، (أو) نذر (اعتكاف) في الذمة. نص عليه في رواية صالح وحنبل: (لم يفعل منه) أي:
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٩٠) ٢: ١٩٧ كتاب الصيام. ()
(٢) أخرجه الترمذي قي " جامعه " (٧١٨) ٣: ٩٦ كتاب الصوم، باب ما جاء من () الكفارة.
[ ٣ / ٤١٨ ]
مما ذكر (شيئًا، مع إمكان) فعل (غير حج)؟ لأنه لا يعتبر تمكنه من فعل الحج في حياته؛ لكونه تجوز النيابة فيه عند العجز عنه في حياة المستنيب.
فجواز فعله عنه بعد الموت أولى. أو يقال أن الحج تدخله النيابة (^١) في حال الحياة في صورة، وفي حال الموت مطلقًا فقضى عنه إذا مات وإن لم يتمكن منه؛ كنذر الصدقة والعتق.
(سن لوليه) أي: ولي الميت (فعله) أي: فعل ذلك المنذور على الأصح؛ لما روى ابن عباس: " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك " (^٢) . أخرجاه في "الصحيحين ".
وفي رواية أخرى عنه: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله. فلم تصم حتى ماتت. فجاءت قرابه لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. فقال: صومي عنها " (^٣) . رواه احمد والنسائي.
وفي رواية (^٤) أخرى عن ابن عباس أيضًا قال: " جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين. قال: أرايت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فحق الله أحق " (^٥) . رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حديث حسن.
_________________
(١) في أ: النية. ()
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٢٥) ٢: ٦٩٠ كتاب الصوم، باب من مات () وعليه صوم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٨) ٢:٨٠٤ كتاب الصيام، باب قضاء الصيام على الميت.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٨١٦) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، من نذر أن يصوم ثم مات قبل أن يصوم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٣٧) ١: ٣٣٨.
(٤) في ب: ورواية. ()
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧١٦) ٣: ٩٥ كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم عن الميت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٥٨) ١: ٥٥٩ كتاب الصيام، باب من مات وعليه صيام من نذر.
[ ٣ / ٤١٩ ]
عن عبدالله بن بريدة عن أبيه: " أن النبي ﷺ أتته امرأة. فقالت: إن أمي ماتت وكان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها " (^١) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه.
ولمسلم في رواية: " صوم شهرين " (^٢) .
وعن ابن عباس قال: " إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه " (^٣) . رواه أبو داود. وجاء عن عائشة ﵂ ما يدل على ذلك فإنها قالت في الاعتكاف المنذور: "يفعل عنه ".
وهذه نصوص صريحة للصوم عن الميت بعضها صريح بالنذر، وبعضها مطلق. فيتعين المصير إليها.
وأما ما رواه مالك] في " الموطأ " [(^٤) أنه بلغه عن عبدالله بن عمر أنه قال:
" لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد " (^٥): فيحمل على غير النذر "للنصوص الصريحة الصحيحه في النذر. والفرق بين النذر وغيره: أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكما؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع. وإنما أوجبه الناذر على نفسه.
(ويجوز لغيره) أي: غير الولي فعل ما على الميت من نذر (بإذنه) أي:
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٩) ٢: ٨٠٥ كتاب الصيام، باب قضاء الصيام على الميت. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٧٧) ٣:١١٦ كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يهب الهبة ثم يوصى له بها أو يرثها. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٧) ٣: ٥٤ كتاب الزكاة، باب ما جاء في المتصدق يرث صدقته. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٠٠٦) ٥: ٣٤٩ عن سليمان بن بريده عن أبيه.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٩) ٢: ٨٠٥ كتاب الصيام، باب قضاء الصيام () على الميت.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٠١) ٢: ٣١٥ كتاب الصوم، باب فيمن مات () وعليه صيام.
(٤) زيادة من ب. ()
(٥) أخرجه مالك في " الموطأ " (٤٣) ١: ٢٥١ كتاب الصيام، باب النذر في الصيام () والصيام عن الميت.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
بإذن الولي، (ودونه) أي: وبدون (^١) إذن الولي في الأصح؛ لـ " أن النبي شبهه بالدين " (^٢) . والدين يصح قضاؤه من الأجنبي.
(ويجزئ صوم جماعة في يوم واحد) يعني: أنه لو كان على الميت نذر صوم شهر وصام عنه ثلاثون رجلًا في يوم واحد أجزأه عنه؛ لأن المقصود يحصل به مع نجاز إبراء ذمته.
ونقل عنه أبو طالب: يصوم واحد.
قال القاضي: فمنع الاشتراك في ذلك. وهذا كالحجة المنذورة تصح النيابة
فيها من واحد، لا من جماعة.
قال صحب " المحرر ": وهذا محمول عندي على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي يدل على ذلك. فأما ما يجوز تفريقه فلا معنى لاعتبار فعله من واحد. فإن كل يوم منه كحجة مفردة. انتهى.
وعلم مما تقدم: أن غير الحج من الصوم والصلاة والطواف والاعتكاف المنذور في الذمة إنما يفعل عنه إذا تمكن من فعله قبل موته ولم يفعله؛ وذلك لأن النذر وإن تعلق بالذمة، لكنه يتعلق بالأيام الآتية بعد النذر. فإذا مات قبل أن يعيش المدة المقدرة (^٣) تبينا (^٤) أن مقدار ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في ذمته (^٥)، كما لو نذر صوم شهر"معين فمات قبله أو جن قبله ودام به الجنون حتى انقضى الشهر المعين. فإن الشهر المنذور صومه لم يثبت في ذمته (^٦) . ولا كذلك المقدار الذي أدركه حيًا وهو مريض؛ لأن المرض لا ينافي
_________________
(١) في أ: بدون. ()
(٢) عن ابن عباس " أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنه كان على أمها صوم شهر أفاقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣١) ٣: ٢٣٧ كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) في ب: تبين. ()
(٥) في أ: حقه. ()
(٦) مثل السابق. ()
[ ٣ / ٤٢١ ]
ثبوت الصوم في الذمة. بدليل وجوب قضاء رمضان على المريض.
(وإن خلّف) الميت الناذر (مالًا: وجب) فعل ما نذره؛ لثبوته في ذمته؛ كوجوب قضاء الدين مع ترك الميت لما يوفيه. (فيفعلُه وليه) إن شاء، (أو يدفع) مالًا (لمن يفعل عنه).
ولا فرق في الحج بين النذر وحجة الإسلام؛ لـ " حديث الخثعمية " (^١) .
(ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة).
قال في " الفروع ": وله- يعني: الولي- أن يصوم، وله أن يدفع إلى من يصوم عنه من تركته عن كل يوم مسكينا. فإن لم تكن له (^٢) تركة لم يلزمه شيء. قال القاضي وغيره: كالحج. الوارث بالخيار بين الحج بنفسه وبين دفع نفقته إلى من يحج عنه. انتهى.
(ولا يقضى معين) أي: نذر عبادة في زمن معين (مات قبله) أي: قبل
ذلك الزمن المعين؛ كما لو نذر صوم شهر معين فمات قبل دخوله لم يصم عنه إذا دخل ولا يطعم عنه (^٣) .
قال صاحب " المحرر ": وهو مذهب سائر الأئمة. ولا أعلم فيه خلافًا.
(و) إن مات (في أثنائه) اي: أثناء شهر معين نذر صومه (يسقط الباقي) منه.
_________________
(١) عن عبدالله بن عباس ﵄ قال: " أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئًا فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ. فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها. فالتفت النبى ﷺ والفضل ينظر إليها. فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. فقالت: يا رسول الله! إن فريضه الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحله. فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٧٤) ٥: ٢٣٠٠ كتاب الاستئذان.
(٢) زيادة من ب. ()
(٣) ساقط من ب. ()
[ ٣ / ٤٢٢ ]
(وإن لم يصمه) يعني: أنه إذا لم يصم ما أدركه من المعين (لعذر) من
مرض أو نحوه؛ (فكالأول). وهو: ما إذا نذر صوم زمن غير معين؛ لأن
المرض ونحوه لا ينافي ثبوت الصوم في الذمة، وإذا ثبت في ذمة المريض لم
يسقط بموته وتدخله النيابة بعد الموت. وإنما يسقط قضاء رمضان؛ لأن النيابة لاتدخله.
(ومن مات وعليه صوم من كفارة أو متعة: أُطعم عنه) من غير صوم. نص عليهما.
قال القاضي: لأن هذا الصوم وجب بأصل الشرع؛ كقضاء رمضان.
والله أعلم.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
] باب: صوم التطوع]
هذا (باب صوم التطوع)، وذكر ليلة القدر وما يتعلق بذلك.
(وأفضله) أي: أفضل صوم التطوع (^١): (يوم) صوم (ويوم) فطر. نص عليه، وذلك لى " قوله ﷺ لعبدالله بن عمرو: وصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود. وهو أفضل الصيام. قلت (^٢): فإنى أطيق أفضل من ذلك. فقال: لا أفضل من ذلك " (^٣) . متفق عليه.
(وسُن ثلاثة) أي: صوم ثلاثة أيام (من كل شهر)؛ لما روى أبو هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام " (^٤) .
وعن عبدالله بن عمرو: " أن النبي ﷺ قال له: صم من الشهر ثلاثة أيام.
فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر " (^٥) . متفق عليهما.
(وأيام) الليالي (البيض) الثلاث (أفضل. وهي: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة). نص على ذلك، لما روى أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ: " يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر،
_________________
(١) ساقط من أ. ()
(٢) في ب: فقلت. ()
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٧٥) ٢: ٦٩٧ كتاب الصوم، باب صوم () الدهر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥٩) ٢: ٨١٤ كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به. . .
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٨٠) ٢: ٦٩٩ كتاب الصوم، باب صيام أيام () البيض. . .
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٢٣٦) ٣: ١٢٥٦ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وءاتينا داود زبورا). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥٩) ٢: ٨١٤ كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به. . .
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وخمسة عشر " (^١) . رواه أحمد والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن. وعن قتادة بن ملحان القيسي قال: " كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال: هي كصوم الدهر " (^٢) . رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود.
قال في " الفروع ": قال شيخنا وغيره: مراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة. انتهى.
وسميت لياليها بالبيض، لبياض ليلها كله بالقمر.
وقيل: سميت بذلك " لأن الله ﷾ تاب فيها على آدم، وبيض صحيفته. ذكره أبو الحسن التميمي.
(و) سن أيضًا صوم يوم (الإثنين و) يوم (الخميس)، لما روى أسامة بن
زيد " أن النبي (^٣) ﷺ كان يصوم يوم الإثنين والخميس. فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين والخميس " (^٤) . رواه أبو داود.
وفي لفظ: " وأحبُّ أن يُعرض عملى وأنا صائم " (^٥) .
(و) سن أيضًا صوم (ستة من شوال، والأولى تتابعها، و) كونها (عقب
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٦١) ٣: ١٣٤ كتاب الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثه أيام من كل شهر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٢٢) ٤: ٢٢٢ كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة أيام من الشهر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٣٨٨) ٥:١٥٢
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٤٩) ٢: ٣٢٨ كتاب الصوم، باب في صوم الثلاث من كل شهر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٠٧) ١: ٥٤٤ كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٣١٧) ٥: ٢٧.
(٣) في ب: أن نبي الله. ()
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٣٦) ٢: ٣٢٥ كتاب الصوم، باب في صوم () الإثنين والخميس.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٤٧) ٣: ١٢٢ كتاب الصوم، باب ما جاء في () صوم يوم الإثنين والخميس. عن أبي هريرة.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
العيد. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر)؛ لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر" (^١) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن.
قال أحمد: هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ، ولا يجري مجرى التقديم لرمضان؛ لأن يوم العيد فاصل.
وروى سعيد بإسناده عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: " من صام رمضان. شهر بعشرة أشهر، وصام ستة أيام بعد الفطر وذلك سنة ". يعني: أن الحسنة بعشرة أمثالها، الشهر بعشرة، والستة بستين يوما. فذلك سنة كاملة. فإن قيل: فالحديث لا يدل على فضيلتها؛ لأنه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه.
قلنا: إنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من الضعف، والشبه بالتبتل (^٢)، ولولا ذلك لكان فضلا عظيما؛ لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة.
والمراد بالخبر: التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه؛ كما
قال ﷺ: " من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر " (^٣)، مع أن ذلك لا يكره بل يستحب بغير خلاف.
وكذلك: " نهى عبدالله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث " (^٤) .
وقال: " من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن " (^٥) . أراد
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٣٣) ٢: ٣٢٤ كتاب الصوم، باب في صوم ستة أيام من شوال. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٥٩) ٣: ١٣٢ كتاب الصوم، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال.
(٢) في ب: والتبتل. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٢٧) ٢: ٣٢٢ كتاب الصوم، باب في صوم () الدهر تطوعًا.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٣٩٠) ٢: ٥٤ كتاب شهر رمضان، باب في كم () يقرأ القرآن.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨١١) ١: ٥٥٦ كتاب صلاة المسافرين، باب فضل () قراءة (قل هو الله أحد).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
التشبيه بثلث القرآن في الفضل، لا في كراهة الزيادة عليه.
قال في " الفروع ": وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة. ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد. وقال: في أول الشهر وآخره. واستحب بعضهم تتابعها، وهو ظاهر كلام الخرقي وغيره، وبعضهم: عقب العيد. واستحبها (^١) ابن المبارك والشافعي وإسحاق، وهذا أظهر، ولعله مراد احمد والأصحاب؛ لما فيه من المسارعة إلى (^٢) الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره.
وسمى بعض الناس الثامن: عيد الأبرار.
(و) سن أيضًا (صوم) شهر الله (المحرم)، لقوله ﷺ: " أفضل الصلاة
بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " (^٣) . رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.
ولعله ﷺ لم يكثر الصوم فيه لعذر، أو لم يعلم فضله إلا أخيرًا.
قال ابن الأثير: إضافته إلى الله تعظيمًا وتفخيمًا؛ كقولهم: بيت الله،
وآل الله لقريش. قال: والشهر: الهلال (^٤)، سمي به؛ لشهرته وظهوره. (وآكدُه)، وعبارة بعضهم: وأفضله يوم عاشوراء وهو: (العاشر)، وفاقًا لأكثر العلماء.
(وهو) أي: صوم عاشوراء (كفارة سنة.
ثم) يلي صوم عاشوراء في الآكدية (التاسع)، ويسمى تاسوعاء. وهما ممدودان، وحكي قصرهما.
(و) سن أيضا صوم (عشر ذي الحجة، وآكدُه يوم عرفة.
_________________
(١) في ب: واستحب. ()
(٢) في أ: في. ()
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٦٣) ٢: ٨٢١ كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٢٩) ٢: ٣٢٣ كتاب الصوم، باب في صوم المحرم.
(٤) في أ: الهلالي. ()
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وهو) أي: وصومه (كفارة سنتين). روى مسلم عن أبي قتادة مرفوعًا في
صيام يوم عرفة: " إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (^١) .
وقال في صيام يوم عاشوراء: " إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التي
قبله " (^٢) .
قال في " الفروع ": والمراد به الصغائر. حكاه في " شرح مسلم " عن العلماء. فإن لم تكن صغائر رجي التخفيف من الكبائر. فإن لم تكن رفعت
درجات.
(ولا يسن) صوم يوم عرفة (لمن بها) أي: بعرفة؛ لما روى أبو هريرة
" أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة " (^٣) . رواه أبو داود.
ولأن الصوم يضعفه ويمنعه من الدعاء في هذا اليوم العظيم، الذي يستجاب
فيه الدعاء. في ذلك الموقف الشريف، الذي يقصد من كل فج عميق، رجاء فضل الله فيه (^٤) وإجابة دعائه.
ويستثنى من ذلك صورتان أشير إليهما بقوله: (إلا لمتمتع وقارن عَدِما الهدي) فإنه يستحب لمن صام منهما ثلاثة أيام في الحج أن يكون آخر الثلاثة يوم عرفة. وسيأتي ذلك إن شاء الله في الفدية (^٥) .
(ثم) يلي صوم يوم عرفة في الآكدية (التَّرْوية) وهو: الثامن من ذي الحجة، ثم بقية العشر؛ لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. قالوا: يا رسول الله!
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٦٢) ٢: ٨١٨ كتاب الصيام، باب استحباب () صيام ثلاثه أيام من كل شهر. . .
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق، وهو جزء من الحديث السابق. ()
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٤٠) ٢: ٣٢٦ كتاب الصوم، باب في صوم () عرفه بعرفة.
(٤) ساقط من أ. ()
(٥) ٤٥٢:٣. ()
[ ٣ / ٤٢٨ ]
ولا الجهاد في سبيل الله. قال رسول الله ﷺ: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " (^١) . حديث حسن صحيح.
(وكُره إفراد رجب) با لصوم.
قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متواليًا، بل يفطر
فيه ولا يشبهه برمضان. انتهى.
وذلك لما روى أحمد بإسناده عن خرشة بن الحر قال: " رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام. ويقول: كلوا. فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية " (^٢) .
وبإسناده عن ابن عمر: " أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا ".
(و) كره أيضًا إفراد يوم (الجمعة) بالصوم. إلا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فوافق صومه يوم الجمعة " لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة. إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده " (^٣) . متفق عليه.
(و) إفراد يوم (السبت بصوم)، لما روى عبدالله بن بسر عن النبي ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " (^٤) . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال الأثرم: قال أبو عبدالله: أما صيام يوم السبت يتفرد به فقد جاء فيه
" حديث الصماء " (^٥) . والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره " لحديث
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٥٧) ٣: ١٣٠ كتاب الصوم، باب ما جاء في () العمل في الأيام العشر.
(٢) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٣: ١٩١ باب في صيام رجب. وعزاه إلى () الطبراني في " الأوسط ".
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٨٤) ٢:٧٠٠ كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٤) ٢: ٨٠١ كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعه منفردًا.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٤٤) ٣: ١٢٠ كتاب الصوم، باب ما جاء في () صوم يوم السبت.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٢١) ٢: ٣٢٠ كتاب الصوم، باب النهي أن () يخص يوم السبت بصوم. ولفظه: عن الصماء أن النبي ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لِحَاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه". قال أبو داود: وهذا حديث منسوخ.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
أبي هريرة وجويرية (^١) .
(و) كره (صوم يوم الشك. وهو: الثلاثون من شعبان، إذا لم يكن حين الترائي علة).
قال أحمد في رواية الأثرم: ليس ينبغي أن يصبح صائمًا إذا لم يحل دون
منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره.
(إلا أن يوافق عادة، أو يصله بصيام قبله)، أو يتقدم الصوم عن رمضان بأكثر من يومين. فلا يكره نصًا، لظاهر حديث أبي هريرة: " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصومُ صومًا فليصمه " (^٢) .
وقيل: يكره الصوم بعد نصف شعبان.
وحرمه الشافعية، لحديث أبي هريرة: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " (^٣) . رواه الخمسة وضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وصححه الموفق،
_________________
(١) أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٢٠) ٢: ٣٢٠ كتاب الصوم، باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم. ولفظه: قال رسول الله ﷺ: " لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله ببوم أو بعده ". وأما حديث جويرية فقد أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٤٦٠) ٦: ٤٣٠ ولفظه: "أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: أفتريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا. قال ﷺ فأفطري إذًا ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨١٥) ٢: ٦٧٦ كتاب الصوم، باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٠٨٢) ٢: ٧٦٢ كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٣٧) ٢: ٣٠٠ كتاب الصوم، باب في كراهية ذلك. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٣٨) ٣:١١٥ كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٥١) ١: ٥٢٨ كتاب الصيام، باب ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم. . .
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وحمله (^١) على نفي الفضيلة.
(أو) يكون صومه (قضاء) عن (^٢) فطر في رمضان ماض.
(أو) يكون (نذرًا) بأن ينذر إنسان صوم يوم الشك فيصومه فلا يكره؛ لأن صومه في هاتين الحالتين واجب (^٣) .
(و) كره أيضًا صوم يوم (النَّيروز والِمهْرَجان).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وهو من مفردات المذهب. انتهى.
واختار المجد عدم كراهة صومهما، لأن الكفار لا يعظمونهما بالصوم،
(و) كذا يكره صوم (كل عيد لكفار، أو يوم يُفردونه بتعظيم). قال ذلك الموفق والمجد، قياسًا على يوم النيروز والمهرجان.
(و) كره أيضًا (تقدم) صوم (رمضان بيوم أو يومين) لا بأكثر، لحديث
أبي هريرة المتقدم (^٤) .
(و) كره أيضًا (وصال) وهو: أن لا يفطر بين اليومين، (إلا من النبي ﷺ)، لما روى ابن عمر قال: " واصل رسول الله ﷺ في رمضان فواصل الناس. فنهى رسول الله ﷺ عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. قال: إنى لستُ مثلكم، إني أطعم وأسقى " (^٥) . متفق عليه.
ولا يحرم " لأن النهي وقع رفقا ورحمة. ولهذا واصل رسول الله ﷺ بهم وواصلوا بعده.
وقيل: يحرم. وحكاه ابن عبدالبر عن الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) ساقط من ب. ()
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) في أ: لأن صومه واجب في هذين الحالتين. ()
(٤) سبق تخريجه في الحديث قبل السابق. ()
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٢٢) ٢: ٦٧٨ كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب.
[ ٣ / ٤٣١ ]
قال أحمد: لا يعجبني. وأومأ أيضا إلى إباحته لمن يطيقه. فنقل حنبل:
أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام، ما راه طعم فيها ولا شرب، حتى كلمه في ذلك فشرب سويقا.
قال أبو بكر: يحتمل أنه فعله حيث لا يراه، لأنه لا يخالف النبي ﷺ.
قال في " الفروع ": كذا قال.
(لا إلى السَّحر) يعني: أنه لا يكره الوصال إلى وقت السحر. نص عليه، وقاله إسحاق، لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: " فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر " (^١) . رواه البخاري.
(وتركه) أي: ترك الوصال إلى السحر (أولى) من فعله، لتأخير الفطر.
(ولا يصح صوم أيام التشريق) نفلا، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لما روى مسلم
عن كعب بن مالك: " أن النبي ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق. فناديا: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وأيام منى أيام أكل وشرب " (^٢) .
(إلا عن دم مُتعة أو قران) على الأصح، لقول ابن عمر وعائشة: "لم يرخص
في أيام التشريق أن يُصَمْنَ، إلا لمن لم (^٣) يجد الهدي " (^٤) . رواه البخاري. (ولا) يصح صوم (يوم عيد مطلقا) أي: لا تطوعا ولا عن فرض.
(ويحرم) صومه؛ لما روى أبو هريرة: " أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى (^٥) " (^٦) . متفق عليه.
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٦٢) ٢ كتاب الصوم، باب الوصال ومن () قال: ليس في الليل صيام.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٤٢) ٢: ٨٠٠ كتاب الصيام، باب تحريم صوم () أيام التشريق.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٩٤) ٢: ٧٠٣ كتاب الصوم، باب صيام أيام () التشريق.
(٥) كذا في ج. وفي أوب: أضحى. ()
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٩١) ٢: ٧٠٢ كتاب الصوم، باب الصوم يوم النحر. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (١١٣٨) ٢: ٧٩٩ كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
] فصل: فيمن أفسد تطوعا]
(فصل. ومن دخل في تطوع) صوم أو غيره (غير حج أو عمرة: لم
يجب) عليه (إتمامه)؛ لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت:
" دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلت: لا. قال: إنى صائم، ثم مر بعد ذلك اليوم وقد أهدي إليَّ حَيس. فخبأت له منه. وكان يحب الحيس قلت: يا رسول الله! إنه أهدي إلي (^١) حيس فخبأت لك منه.
قال: أدنيه. أما إني قد أصبحت وأنا صائم. فأكل منه. ثم قال: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها " (^٢) .
هذا لفظ رواية النسائي.
(ويُسن) له إتمامه؛ للخروج من الخلاف.
(وإن فسد) ما دخل فيه تطوعا غير حج أو عمرة (فلا قضاء) عليه.
ويسن قضاؤه؛ للخروج من الخلاف. ولم يلزم. نص عليه.
وأما كون تطوع الحج والعمرة يجب إتمامه بخلاف سائر التطوعات؛ فلتأكد
إحرامهما لظاهر آية الإحصار.
ولأنه لا يخرج منهما بإفسادهما. ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا
واجبين: لم يكن له الخروج منهما.
_________________
(١) في أ: إلينا. وفي ج: لنا. ()
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥٤) ٢:٨٠٩ كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال. . . وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤٥٥) ٢: ٣٢٩ كتاب الصوم، باب في الرخصة في ذلك. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (٧٣٤) ٣: ١١١ كتاب الصوم، باب صيام المتطوع بغير تبييت. وأخرجه النسائي في "سننه " (٢٣٢٢) ٤: ٩٣ ١ كتاب الصيام، النية في الصيام. . . وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٧٧٢) ٦: ٢٠٧.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
(ويجب إتمام فرض مطلقًا) أي: سواء كان مفروضًا بأصل الشرع، أو فرضه على نفسه بنذره (ولو) كان وقته (موسعا؛ كصلاة، وقضاء رمضان، ونذر مطلق، وكفارة)؛ لأن المتعين، كشهر رمضان، ونذر صوم شهر رجب مثلا يجب صومه كاملًا. وغير المتدين؛ كنذر صوم شهر يتعين (^١) بدخوله فيه فصار بمنزلة المتعين؛ لأن الخروج من عهدة الواجب متعين ودخلت التوسعة في ذمته؛ رفقا ومظنه للحاجة. فإذا شرع فيه تعينت المصلحة في إتمامه. وإنما جاز للصائم في السفر الفطر؛ لقيام المبيح. وهو السفر؛ كالمرض.
(وإن بطل) لوجود مبطل (فلا مزيد) يعني: فلا يلزمه أكثر مما كان عليه
قبل شروعه فيه، (ولا كفارة) مطلقًا.
وقيل: يكفر إن افسد قضاء رمضان.
(ويجب قطع) أي: أن يقطع الصوم الواجب وغيره من العبادات الواجبات (لرد معصوم عن مَهلكة، وإنقاذ غريق، ونحوه)؛ كالذي تحت هدم، ومن سقط في نار، أو وطئت عليه بهيمة وإن بقيت قتلته ونحو ذلك.
(وإذا دعاه النبي ﷺ) ولو كان في صلاة فإنه يجيبه؛ لقوله ﷾: (ياأيهاالذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)] الأنفال: ٢٤].
(وله) أي. ولمن دخل في واجب (قطعُه لهرب غريم، وقلبه نفلًا). وتقدم الكلام على ذلك.
_________________
(١) في أ: معين. ()
[ ٣ / ٤٣٤ ]
] فصل: في أفضل الأيام]
(فصل. أفضل الأيام) يوم (الجمعة).
قال في " الفروع ": قال شيخنا: هو أفضل أيام الأسبوع إجماعًا. وقال:
يوم النحر أفضل أيام العام. وكذا ذكر جده صاحب " المحرر " في صلاة العيد من "شرحه منتهى الغاية ": أن يوم النحر أفضل.
وظاهر ما ذكره أبو حكيم: أن يوم عرفة أفضل، وهذا أظهر، وقاله أكثر الشافعية، وبعضهم: يوم الجمعة.
وظهر مما سبق: أن هذه الأيام أفضل من غيرها، ويتوجه على اختيار شيخنا
بعد يوم النحر يوم القرّ الذي يليه؛ لأنه احتج بقوله ﷺ: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ " (^١) . انتهى.
(و) أفضل (الليالي: ليلة القدر).
قال في " الفروع ": وليلة القدر أفضل الليالي (^٢)، وهي أفضل من ليلة الجمعة؛ للآية. وذكر الخطابي إجماعًا.
وذكر ابن عقيل روايتين: إحداهما: هذا.
والثانية: ليلة الجمعة أفضل. وعلله بأنها تتكرر، وبأنها تابعة لما هو أفضل
الأيام وهو يوم الجمعة.
قال صاحب " المحرر ": وهي اختيار ابن بطة وأبي (^٣) الحسن الجزري
وأبي حفص البرمكي. واحتجوا بأن الليلة تابعة ليومها، وفيه ما لم يذكر في فضل يوم ليلة القدر، ولبقاء فضلها في الجنة؛ لـ " أن في قدر يومها تقع الزيارة
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده " (١٩٠٩٨) ٤: ٣٥٠ من حديث عن عبدالله. بن قرط. () والقرّ: هو اليوم الأول من أيام التشريق. يوم القر، لأن الناس يقرون في منى للنحر. " المصباح " مادة: قرر.
(٢) ساقط من أ. ()
(٣) فى أوب: وأبو. ()
[ ٣ / ٤٣٥ ]
إلى الحق سبحانه "؛ كما رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة (^١) . وإسناده حسن. انتهى.
وليلة القدر ليلة معظمة.
قال في " المستوعب " وغيره: والدعاء فيها مستجاب.
قال مجاهد والمفسرون في قوله: (خير من ألف شهر)] القدر: ٣ [أي: قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها.
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " (^٢) .
وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة؛ لقوله سبحانه وتعا لى: (إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إناكنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم)] الدخان:٣ - ٤ [
فإن المراد بذلك: ليلة القدر عند ابن عباس.
قال ابن الجوزي: وعليه المفسرون؛] لقوله: (إنا أنزلناه فى ليلة القدر)
] القدر: ١ [[(^٣) . وما روي أنها ليلة النصف من شعبان فضعيف.
وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها عند الله.
وقيل: القدر بمعنى الضيق؛ لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها. فروى أحمد عن] أبي هريرة [(^٤) مرفوعًا:" إن الملائكة تلك الليلة أكثر من عدد الحصى" (^٥) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٥٤٩) ٤: ٦٨٥ كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في سوق الجنة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٣٣٦) ٢: ١٤٥١ كتاب الزهد، باب صفه الجنة. ولفظه: عن سعيد ابن المسيب " أنه لقي أبا هريرة. فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. قال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم. أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم. فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله ﷿ ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٥) ٢١١ كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر من () الإيمان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٦٠) ١: ٥٢٣ كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(٣) ساقط من أ. ()
(٤) في أ: إبراهيم. ()
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٠٧٤٥) ٢: ٥١٩ ()
[ ٣ / ٤٣٦ ]
قال في " الفروع ": ولم ترفع، وفاقًا للأئمة الثلاثة (^١) للأخبار بطلبها وقيامها. وعن بعض العلماء: رفعت، وحكي رواية عن أبي حنيفة.
(وتُطلب فى العشر الأخير من رمضان).
قال في " الفروع ": وهي مختصة بالعشر الأخيرة منه، عند أحمد وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، وفاقا لمالك والشافعي.
(وأوتاره) أي: أوتار العشر الأخير من رمضان، وهي ليلة (^٢) الحادية والعشر ون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون: (آكد) من غير أوتاره.
(وأرجاها) اي: أرجى ليالي الأوتار (سابعتُه) أي: سابعة العشر. نص على ذلك.
(وسن كون من دعائه فيها) ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " يا رسول الله! إن وافقتها فبم ادعو؟ قال قولي: (اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (^٣) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
قال أبي بن كعب عن النبي ﷺ: " إن الشمس تطلعُ من صبيحَتها (^٤) بيضاء لاشعاع لها" (^٥) .
وفي بعض الأحاديث: " بيضاء مثل الطَّست " (^٦) .
_________________
(١) في ب: الثلاث. ()
(٢) زيادة من ب. ()
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٥١٣) ٥: ٥٣٤ كتاب الدعوات. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٣٨٥٠) ٢: ١٢٦٥ كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٢٥٥٣٨) ٦: ١٨٣.
(٤) في أ: صبحتها. ()
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٦٢) ١: ٥٢٥ كتاب صلاة المسافرين، باب () الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(٦) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٣٧٨) ٢: ٥١ كتاب شهر رمضان، باب في ليلة () القدر. ولفظه: " تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع ".
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وروي أيضًا عن النبي ﷺ: " إن أمارة ليله القدر أنها ليلة صافية بلجة، كأن
فيها قمرًا ساطعًا. ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح. وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر. لا يحلُّ للشيطان (^١) أن يخرج معها يومئذ " (^٢) . والله أعلم.
_________________
(١) في أ: للشياطين. ()
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٨١٧) ٥: ٣٢٤ من حديث عبادة بن الصامت () ﵁.
[ ٣ / ٤٣٨ ]