هذا (كتاب الصيد. وهو) إن أريد به الفعل: (اقتناصُ حيوان حلال، مستوحش طبعًا، غيرُ مقدور عليه.
(والمراد به) أي: بلفظ الصيد (هنا: المصيود. وهو: حيوان مقتنص) بفتح النون (حلال إلى آخر الحد) يعني: متوحَش طبعًا غير مقدور عليه.
والأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦]،
وقوله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وأما السنة؛ فروى أبو ثعلبة الخشني قال: " أتيت رسول الله ﷺ فقلت:
يا رسول الله! إنا بأرض صيد: أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرنى ماذا يصلح لي قال: أما ما ذكرت أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل " (^١). متفق عليه.
وأجمع المسلمون على إباحة الإصطياد والأكل من الصيد ولهذا قلت:
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٧٧) ٥: ٢٠٩٤ كتاب الذبائح والصيد، باب آنية المجوس والميتة. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١٩٣٠) ٣: ١٥٣٢ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
[ ١١ / ٥٤ ]
(ويباح) الصيد (لقاصده) في الأصح. واستحبه ابن أبي موسى.
(ويكره) حال كونه (لهوًا). وفي كلام ابن عقيل ما يدل على أنه محرم؛ لأنه قال في " فنونه ": إن بعض المالكية قال له: الصيد فرجة ونزهة ميتة؛ لعدم قصد الأكل. قال ابن عقيل: وما أحسن ما قاله؛ لأنه عبث محرم ولا أحد أحق بهذا من مذهب أحمد حيث جعل في أحد الروايتين كل حظر في مقصود شرعي يمنع صحته.
(وهو) أي: الحيوان المصيود (أفضل مأكول) قاله في "التبصرة" واقتصر
عليه في " الفروع ". ولعل ذلك؛ لأنه من اكتساب المباح الذي لا شبهة فيه. (والزراعة أفضل مكتسَب). قاله الأزجي في " نهايته ". وعبارته: الزراعة أفضل المكاسب.
(وأفضل التجارة: في بَزٍ وعِطرٍ، وزرع وغرس، وماشية وأبغضها: في
رقيق وصَرْف).
قال في "الرعايه الكبرى": أفضل المعاش التجارة. وأفضلها في البز والعطر
والزرع والغرس والماشية. وأبغضها التجارة في الرقيق والصرف. انتهى.
قال في " الوجيز": ويتوجه قول: الصناعة باليد أفضل.
قال المروذي: سمعت. أحمد وذكر المطاعم يفضل عمل اليد.
(وأفضل الصناعة: خياطة. ونصَّ: أن كل ما نُصِح فيه فهو حسن).
نقل ابن هانئ عن أحمد أنه سئل عن الخياطة وعمل الخوص أيهما أفضل؟
قال: كلما نُصح فيه فهو حسن.
قال المروذي: حثني أبو عبد الله على لزوم الصنعة؛ للخبر.
(وأدناها) أي: أدنى الصناعة: (حِيَاكة وحِجَامة، ونحوهما)؛ كالقَّمام
والزبَال والدبَّاغ.
(وأشدَّها) أي: أشد الصنائع (كراهة: صبغ وصياغة وحدادة، ونحوها)؛كجزارة.
[ ١١ / ٥٥ ]
قال في " الرعاية الكبرى " أيضًا: أفضل الصنائع: الخِياطة، وأدناها: الحياكة والحجامة ونحوهما، وأشدها كراهة: الصبغ والصياغة والحدادة ونحوها. انتهى.
(ومن أدرك) صيدًا (مجروحًا متحرّكًا فوق حركة مذبوح، واتسع الوقت لتذكيته: لم يبح إلا بها) أي: بتذكيته على الأصح؛ لأنه مقدور عليه. أشبه سائر ما قدر على ذكاته.
ولأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي.
حتى (ولو خشي موته، ولم يجد ما يذكيه به) على الأصح؛ لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة. فلم يبح بغير التذكية إذا لم تكن معه آلة؛ كسائر المقدور على تذكيته.
وعنه: يحل بموته قريبًا.
وعنه: دون معظم يوم.
وفي " التبصرة ": دون نصفه، وبإرسال الصائد عليه ليقتله، لعدم آلة ذكاته.
وعنه: بالإرسال لا بموته.
وعنه: عكسه.
قال في " الفروع ": وأباحه القاضي وعامة أصحابنا بالإرسال. قاله في" التبصرة ".
(وإن امتنع) الصيد المجروح (بعَدْوه فلم يتمكن من ذبحه حتى مات تعبًا: فحلال) في الأصح. ذكره القاضي؛ لأنه بامتناعه بالعَدو صار غير مقدور على تذكيته. أشبه ما لو وجده ميتًا.
واختار ابن عقيل: لا يحل؛ لأن الإتعاب يعينه على الموت. فصار كما لو وقع في ماء.
(وإن لم يتسع) الوقت (لها) أي: لتذكيته، (فكميّت) أي: فكما لو أدركه ميتًا.
[ ١١ / ٥٦ ]
وإذا أدركه ميتًا فإنه (يحل بأربعة شروط:
أحدها: كون صائد أهلا لذكاة) أي: تحل ذبيحته؛ لقوله ﷺ: " فإن أخذ الكلب ذكاة " (^١) . متفق عليه.
والصائد بمنزلة المذكي تشترط فيه الأهلية.
(ولو) كان الصائد (أعمى) في الأصح.
ومرادهم باشتراط كون الصائد أهلًا للذكاة إذا كان الصيد لا يحل إلا بالذكاة. أما صيد ما لا يفتقر إلى ذكاة؛ كالسمك إذا صاده من لا تباح ذبيحته فإنه يباح؛ لأنه لا ذكاة له. أشبه ما لو وجده ميتًا.
إذا تقرر هذا (فلا يحلُّ صيد) يفتقر إلى ذكاة (شارك في قتله من لا تحل ذبيحته؛ كمجوسي، ومتولد بينه) أي: بين مجوسي (وبين كتابي)،حتى (ولو) كان قتله (بجارحه). وفي الأصح: (حتى ولو أسلم) المجوسي (بعد إرساله) أي: إرسال الجارح؛ لأن الإعتبار بحالة الإرسال؛ كما لو استمر على مجوسيته، وإنما أرسله وهو مجوسي.
ولأنه اشترك في قتله سبب الإباحة وسبب التحريم فغُلّب التحريم.
(وإن لم يصب مقتله) أي: مقتل الصيد (إلا أحدهما) أي: أحد جارحي المسلم والمجوسي: (عُمل به) أي: كان الحكم لمن أصاب جارحه المقتل.
(ولو أثخنه) أي: أثخن الصيد (كلب مسلم، ثم قتله كلب مجوسي وفيه حياة مستقرة: حُرم، ويضمنه له) يعني: ويضمنه المجوسي للمسلم بقيمته مجروحًا.
(وإن أرسل مسلم كلبه) لصيد، (فزَجره) أي: زجر كلب المسلم (مجوسي فزاد عَدْوه) بزجر المجوسي فقَتل صيدًا: حلَّ؛ لأن الصائد هو المسلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٥١٥٨) ٥: ٢٠٨٦ كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١٩٢٩) ١٥٣٠:٣ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
[ ١١ / ٥٧ ]
(أو ردَّ عليه) أي: على كلب المسلم (كلبُ مجوسي الصيد فقتله) كلب مسلم: حل؛ لأن جارح المسلم انفرد بقتل الصيد. فأبيح؛ كما لو أمسك المجوسي شاة فذبحها مسلم.
(أو ذبح) المسلم (ما) أي: صيدًا (أمسكه له مجوسي بكلبه، وقد جرحه) كلب المجوسي جرحًا (غير مُوح): حلَّ؛ لأن الذكاة المعتبرة حصلت من جانب المسلم.
(أو ارتد) المسلم بين رميه وإصابة سهمه، (أو مات) المسلم (بين رميه وإصابته: حلَّ) الصيد؛ لأن المعتبر حال الإرسال والرمي. وإنما رمى وهو مسلم حي. فكان حلالًا؛ كما لو استمر على إسلامه وحياته.
(وإن رمى) مسلمٌ (صيدًا فأثبته، ثم رماه) ثانيًا (أو) رماه (آخر فقتله، أو أوحاه) الثانى (بعد إيحاء الأول: لم يحِّل)؛ لأنه صار مقدورًا عليه بإثباته فلم يبح إلا بذبحه. (ولمثبته قيمته مجروحًا) على الرامي الثانى؛ لأنه أتلفه عليه، (حتى ولو أدرك الأول ذكاته فلم يذكه.
(إلا أن يصيب) الرامي (الأول مقتله) فيحل، (أو) يصيب الرامي (الثانى مذبحه: فيحل)؛لأنه مذكى، (وعلى الثاني أرش خرق جلده)؛لأنه لم يتلف سوى ذلك المحل (^١) . وإن وجداه ميتًا حل؛ لأن الأصل بقاء امتناعه.
(فلو كان المرمي قِنًا أو شاةً للغير) أي: غير الراميين، (ولم يوحِياه وسَرَيا) الجرحان إلى النفس: (فعلى الثاني نصف قيمته مجروحًا بالجرج الأول ويكملُها) أي: يكمل القيمة مع كون المرمي (سليمًا) الرامي (الأول) في الأصح.
(وصيد قتل بإصابتهما) أي: إصابة اثنين تحل تذكيتهما (معًا) أي: في آن واحد: (حلال بينهما) نصفين؛ لاستوائهما في الإصابة؛ (كذبحه مشتركين) يعني: كما لو اشترك اثنان في ذبح حيوان بأن تحركت أيديهما في
_________________
(١) ساقط من أوفي ب: ويحل.
[ ١١ / ٥٨ ]
ذبحه في آن واحد فإنه يكون حلالًا؛ لأن التشبيه في حله، لا أنه يكون بينهما نصفين إن لم يكن مشتركًا بينهما.
(وكذا) لو أصابه (واحد بعد واحد، ووجداه ميتًا، وجُهل قاتله) منهما؛ لأن تخصيص أحدهما به ترجيح من غير مرجح؛ لأن الأصل بقاء امتناعه بعد إصابة الأول.
(فإن قال) الرامي الأول: أنا أَثبته ثم قتلته أنت، فتضمنَه، فقال الآخر مثله لم يحلَّ، ويتحالفان ولا ضمان)؛ لأن الأصل براءة ذمة كل منهما.
(وإن قال: أنا قتلته، ولم تثبْته أنت صُدّق بيمينه، وهو له) وحده؛ لأن الأصل بقاء امتناعه ويحرم على مدعي إثباته؛ لاعترافه بتحريمه.
* * *
[ ١١ / ٥٩ ]
[فصل: في آلة الصيد]
(فصل) الشرط (الثاني) لحل ما وجد من الصيود ميتا: (الآلة. وهي نوعان):
أحد النوعين: (محدد، فهو كآلة ذبح) يعني: أنه يشترط في المحدد من آلة الصيد ما يشترط في المحدد من آلة الذبح.
(وشرط جَرحَه به) أي: جرح الصيد بالمحدد؛ لقوله ﷺ: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " (^١) . مفهومه: إن لم ينهر الدم لا يحل.
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا رميت فسميت فخزقت فكل وإن لم تخزق فلا تأكل [ولا تأكل] من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت " (^٢) . رواه أحمد.
وفي لفظ له " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ إنا قوم نرمي فما يحلّ لنا؟ قال: يحل لكم ما ذكرتم اسم الله عليه وخزقتم فكلوا منه " (^٣) . فاشترط الخزق فإن قتله بثقله لم يبح لذلك.
وإذا صاد بالمعراض وهو خشبة محدده وربما جعل في رأسها حديدة فإذا أصاب بحده حل أكله؛ لما روى عدي بن حاتم قال: " قلت يا رسول الله: إنى أرمي بالمعراض الصيد فأصيب. فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله " (^٤) . متفق عليه
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨) رقم (٢).
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٤١١) ٤: ٣٨٠ وما بين الحاصرتين من " المسند ".
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٢١٢) ٢: ١٠٧١ كتاب الصيد، باب صيد القوس.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٩٦٢) ٦: ٢٦٩٢ كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى =
[ ١١ / ٦٠ ]
إذا تقرر هذا (فإن قتله) أي: قتل الصيد شيء (بثِقَلِه؛ كشبَكة؛ وفخٍ وعصًا؛ وبُندُقة، ولو مع شَدْحٍ أو قطع حُلقومٍ ومريءٍ، أو بعْرض معراض - وهو: خشبة محدَّدة الطرف - ولم يجرحه: لم يبح) أكله لما تقدم من الأحاديث.
(ومن نَصَب مِنْجِلًا أو سِكينًا، أو نحوهما)؛كسيفٍ (مُسمِيًا: حلَّ ما قتله) شيء من ذلك (بٍجُرحٍ، ولو بعد موت ناصبٍ أو ردَّتِه).
قال في " الفروع ": فظاهره يحل ولو ارتد أو مات، وهو كقولهم: إذا ارتد أو مات بين رميه وإصابته حل.
(وإلا) أي: وإن لم يقتله بشيء من ذلك بجرحه: (فلا) يحلُّ؛ لأنه وقيذ.
(والحجر: إن كان له حدٌ فكمعراضٌ) يعني: إن جرح حل ما جرحه.
(وإلا) أي: وإن لم يجرح: (فكبندُقة ولو خرق)؛ لأنه وقيذ.
(ولم يبح ما قتل بمحدَّد فيه سمٌ، مع احتمال إعانته) أى: إعانة السم (على قتله) أي: قتل الصيد؛ لأن المقتول بالسم كالمقتول بلا آلة، والمقتول بالمحدد مباح فقد اشترك سببان: مباح ومحرم في قتله فغلب التحريم.
(وما رُمي) من صيد (فوقع في ماء، أو تردَّى من عُلو، أو وَطئ عليه شئ، وكلٌّ من ذلك) أي: من الوقوع من الماء، والتردي من العلو، والوطء عليه (يقتل مثله: لم يحل)؛لما روى عدي بن حاتم قال: " سألت رسول الله ﷺ عن الصيد. فقال: إذا رميت سهمك (^١) فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فَكل، إلا أن تجده وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك " (^٢) . متفق عليه
_________________
(١) = والإستعاذة بها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٢٩) ٣: ١٥٢٩ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة. فى ب: بسهمك.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٦٧) ٥: ٢٠٨٩ كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب =
[ ١١ / ٦١ ]
والمتردي من جبل والموطوء عليه مثله في عدم العلم بالقاتل من الشيئين.
ولأنه اشترك فيه سببان: مبيح ومحرم فغلب المحرم.
(ولو) كان ذلك (مع إيحاء جرح) على الأصح؛ لأن الإحتمال قائم فيجب تغليب حكمه.
(وإن رماه) أي: رمى إنسان صيدًا (بالهواء، أو على شجرة، أو) على (حائطٍ، فسقط فمات): حلَّ؛ لأن الموت إنما كان بإصابة الجارح له. فلا يعتبر ما حصل بعد ذلك؛ لأن وقوعه إلى الأرض لا بد منه. فلو حرم به لأدى إلى أن لا يحل طير أبدًا.
(أو) رمى إنسان صيدًا ثم (غاب ما عُقر) برميه يقينًا، (أو) غاب ما (أصيب) برميه (يقينًا- ولو) أنه كان رميه الصيد (ليلًا- ثم وُجد) الصيد. وعلى الأصح: (ولو بعد يومه) الذي رماه فيه (ميتًا: حل)؛ لما روى عدي بن حاتم قال: " سألت رسول الله ﷺ فقلت: أرضنا أرض صيد فيرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين فيجد فيه سهمه. فقال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله " (^١) . رواه أحمد والنسائي.
وفي رواية قال: " قلت: يا رسول الله أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد. قال: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تجد فيه أثر سبع فكل " (^٢) . رواه الترمذي وصححه.
_________________
(١) = عنه يمينٌ أو ثلاثة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٢٩) ٣: ١٥٣١ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة. أخرجه النسائي في " سننه " (٤٣٠٠) ١٩٣:٧ كتاب الصيد والذبائح، في الذي يرمي الصيد فيغيب عنه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٣٨٨) ٤: ٣٧٧.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٦٨) ٤: ٦٧ كتاب الصيد، باب ما جاء في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه.
[ ١١ / ٦٢ ]
(كما لو وجده) أي: وجد الصيد (بفمِ جارحه، أو وهو يعبث به، أو فيه سهمه)؛ لأن وجوده بهذه الحالة وعدم أثر غير ذلك فيه يغلب على الظن أن الموت حصل بجارحة أو بسهمه. فيحل أكله؛ كما لو لم يغب عنه.
(ولا يحل ما وجد به) أي: بالصيد (اثر آخر) أى: غير جارحه أو سهمه، (يحتمل إعانته في قتله)؛ لما روى عُدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس له إلا أثر سهمك فكل. وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل " (^١) . متفق عليه.
(وما غاب) من الصيد (قبل عقرِه، ثم وجده وفيه سهمُه، أو عليه جارحُه: حلَّ) على الأصح.
قال في " المبدع ": إذا غاب قبل عقره ثم وجد سهمه أو كلبه عليه ففي " المنتخب " و" المغنى ": أنه حلال.
وعنه: يحرم؛ كما لو وجد سهمه أو كلبه ناحية. وظاهر رواية الأثرم وحنبل: حله. جزم به في " الروضة ".
وعبارته في " الفروع ": وإن غاب قبل عقره ثم وجد سهمه أو كلبه عليه ففي
" المنتخب ": أنها كذلك، وهو معنى " المغني " وغيره.
قال في " المنتخب ": وعنه: يحرم. وذكرها في " الفصول "؛كما لو وجد سهمه أو كلبه ناحية كذا. قال: وتبعه في "المحرر". وفيه نظر على ما ذكر هو وغيره من التسوية بينهما وبين التي قبلها على الخلاف. وظاهر رواية الأثرم وحنبل حله، وهو معنى ما جزم به في " الروضة ". انتهى.
(فلو وجد مع جارحه) جارحٌ (آخر، وجهل: هل سُمِّي عليه) أو لا؟ لم
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٦٧) ٥: ٢٠٨٩ كتاب الذبائح، باب الصيد إذا غاب عنه يمين أو ثلاثة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " واللفظ له (١٩٢٩) ٣: ١٥٣١ كتاب الصيد، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
[ ١١ / ٦٣ ]
يحل؛ لقوله ﷺ: " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل. قلت: أُرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر. قال: لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر " (^١) . متفق عليه.
(أو) جهل هل (استرسل) الجارح (بنفسه أو لا؟) لم يبح؛ لقول النبي ﷺ: " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ".
ولأن إرسال الجارحة جُعل بمنزلة الذبح. ولهذا اعتبرت التسمية عند إرسالها. فإذا لم يعلم هل استرسلت بنفسها أو لا؟ لم يبح؛ لأن الأصل في الصيد الحظر؛ فلا يحل إلا مع تحقق المبيح.
(أو جُهل حال مرسِله) أي: مرسل الجارح الذي وجده مع جارحه: (هل هو من أهل الصيد، أو لا؟ ولم يعلم أى) من الجارحين (قتله) أي: قتل الصيد: لم يبح، (أو عُلم أنهما قتلاه معًا، أو أن من جهل حاله هو القاتل: لم يبح) في جميع هذه الصور؛ لقوله ﷺ: " وإن وجدت معه غيره فلا تأكل " (^٢) . ولأن الأصل الحظر وإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله.
(وإن عُلم وجود الشرائط المعتبرة) في إباحه قتل الجارح الذي وَجَده مع جارحه، بأن تبين أن إنسانًا من أهل الصيد أرسله مسمِّيا عليه: (حلَّ. ثم إن كانا) الجارحان (قتلاه معًا) أي: في آنٍ واحد: (فـ) الصيد (بين صاحبيهما) أي: صاحبي الجارحين؛ كذبيحة مشتركين، (وإن قتله أحدهما) أي: أحد الجارحين وحده: (فـ) الصيد (لصاحبه) أي: لصاحب الجارح الذي قتل وحده.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٥٩) ٥: ٢٠٨٦ كتاب الذبائح والصيد، باب صيد المعراض. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٢٩) ٣: ١٥٢٩ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٥٨) ٥: ٢٠٨٦ كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد. وأخرجه مسلم في الموضع السابق.
[ ١١ / ٦٤ ]
(وإن جُهل الحال) بأن لم يعلم هل قتلاه الجارحان معًا أو أحدهما دون الآخر؟ وجهل قاتله منهما، (فإن وجدا متعلقين به) أي: بالصيد: (فـ) هو (بينهما) أي: بين صاحب الجارحين؛ لأن الظاهر أن جارحيهما قتلاه، (وإن وُجد أحدهما) أي: أحد الجارحين (متعلقًا به) أي: بالصيد: (فـ) هو (لصاحبه) أي: صاحب الجارح الذي وجده متعلقًا به وحده؛ لأن الظاهر أنه هو الذي قتله. (ويحلف من حُكم له) من صاحبى الجارحين (^١) (به) أي: بالصيد لاحتمال أن يكون لصاحب الجارح الآخر، أو يكون له فيه شركة إن طلب يمينه.
(وإن وجدا) أي: (^٢) الجارحان (ناحية) من الصيد المقتول: (وقف الأمر حتى يصطلحا)؛ لأنه ليس أحدهما أحق به من الآخر. (فإن خيف فساده) أي: فساد الصيد ببقائه على حاله لتأخر صلحهما: (بِيع) بالبناء للمفعول، (واصطلحا على ثمنه)؛ لتعذر القضاء لواحدٍ منهما.
(ويحرم) على الأصح (عضوٌ أبانه صائد) من صيد (بمحدَّد، مما به) أي: بالمبان منه (حياة معتبرة)؛لقوله ﷺ: " ما أبين من حي فهو ميت " (^٣) .
وعنه: إن ذكى حل البائن.
وعلم من قوله: (لا إن مات في الحال) ومما تقدم: أن الصيد الذي أبان منه عضوًا ولم تبق به (^٤) حياة مستقرة أنه يحل هو وما بان منه على الأصح.
_________________
(١) في ج: الجارحتين.
(٢) زيادة من ج.
(٣) أخرجه الحاكم في " مستدركه " (٧١٥١) ٤: ١٣٨ كتاب الأطعمة. ولفظه: " ما قطع من حي فهو ميت". وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٥٨) ٣: ١١١ كتاب الصيد، باب في صيد قطع منه قطعة. وأخرجه الترمذي فى " جامعه " (١٤٨٠) ٤: ٧٤ كتاب الأطعمة، باب ما قطع من الحي فهو ميت. ولفظهما: " ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة ".
(٤) في ب: فيه.
[ ١١ / ٦٥ ]
قال أحمد: إنما حديث النبي ﷺ: " ما قطع من الحي ميتة " (^١) إذا قطعت وهي حيةٌ تمشي وتذهب. أما إذا كانت البينونة والموت جميعًا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به. ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت.
ولأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه؛ كما لو قد الصائد الصيد نصفين. والخبر يقتضي أن يكون الباقي حيًا حتى يكون المنفصل منه ميتًا.
(أو كان) المبان (من حُوت ونحوه) مما تحل ميتته؛ لأن أقصى ما فيه أن المبان ميتة وميتة الحوت ونحوه مباحة.
(وإن بقي) المقطوع من غير الحوت ونحوه (معلَّقا ًبجلده: حلَّ بحله) أي: بحل ما لم يقطع من الأعضاء الباقية رواية واحدة لأنه لم يبن.
(النوع الثانى) من آلة الصيد: (جارح. فيباح ما قتل) كل جارح (معلَّم)، سواء كان مما يصيد بمخلبه من الطير، أو بنابه من الفهود والكلاب؛ لقول الله (^٢) ﷾: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
قال ابن عباس في قوله ﷾: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد، والفهود والصقور وأشباهها.
وأما الجارح (^٣) لغة: فهو الكاسب. قال الله ﷾ (^٤): ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: كسبتم. ويقال: فلان جارحة أهله: كاسبهم.
وقوله ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، من التكليب وهو الإغراء.
_________________
(١) ر. تخريج الحديث السابق.
(٢) في ب: لقوله.
(٣) في ب: الجوارح.
(٤) في أوب: قال ﷾.
[ ١١ / ٦٦ ]
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (غير كلبٍ أسودٍ بَهيم. وهو)
أي: والأسود البهيم: (ما لا بياض فيه) نص عليه.
وذكر السامري والموفق: هو الذي لا يخالطه لونه لون سواه.
وقال ثعلب وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم. قيل لهما: من كل لون؟ قالا: نعم.
(فيحرُم صيدُه) نص عليه؛"لأنه ﷺ: أَمر بقتله. وقال: إنه شيطان " (^١) . رواه مسلم.
فكونه شيطانًا هو علة قتله. والسواد علامة عليه؛ كما يقال: إذا رأيت صاحب السلاح فاقتله فإنه مرتد فالعلة: الردة.
(و) يحرم أيضًا (اقتناؤه)؛ لأمر النبي ﷺ بقتله، وإذا لم يجَز اقتناؤه لم يجز تعليمه؛ لأن التعليم إنما يكون مع جواز الإمساك. فيكون التعليم حرامًا، والحل لا يستفاد من المحرم.
ولأنه علل بكونه شيطانًا، وما قتله الشيطان لا يباح أكله؛ كالمنخنقة.
(و) ذكر الأكثر: (يباح قتله).
قال في " الفروع ": ويحرم اقتناؤه. وذكر جماعة الأمر بقتله، فدل على وجوبه. ذكره الشيخ هنا يعني: الموفق. وذكر الأكثر إباحته.
ونقل موسى بن سعيد: لا بأس به. وقد قال الأصحاب: يحرم اقتناء الخنزير والانتفاع به ولم أجد أحدًا صرح بوجوب قتله. بل نقل أبو طالب: لا بأس، واحتج القاضي بأن الأمر بالقتل يمنع ثبوت اليد ويبطل حكم الفعل. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ويجب قتل) كلب (عَقور).
قال في " الغنية ": يحرم تركه قولًا واحدًا، ويجب قتله؛ ليدفع شره عن
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٧٢) ٣: ١٢٠٠ كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب. . . . .
[ ١١ / ٦٧ ]
الناس. ودعوى نسخ القتل مطلقًا، إلا المؤذي كقول الشافعية دعوى بلا برهان. ويقابله قتلُ الكل كما قاله مالك.
(لا: إن عقرَت كلبة من قَرُب من ولدها، أو خرَقت ثوبه) فإنه لا يباح قتلها من أجل ذلك؛ لأن عقرها ليس بعادة لها، (بل تُنقل) مع أولادها إلى محل على انفرادها.
(ولا يُباح قتل غيرهما) أي: غير الكلب الأسود البهيم والعقور.
(ثم تعليم ما يصيد بنابه؛ كفهدٍ وكلب) يكون بثلاثة أشياء:
(بأن يسترسل إذا أرسل، ويَنزجر إذا زُجر).
قال في " المغني ": لا في وقت رؤية الصيد.
وقال في " الوجيز ": لا في حال مشاهدته للصيد.
(وإذا أمسك) صيدًا (لم يأكل) منه؛ لقوله ﷺ: " فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " (^١) . متفق عليه.
ولأن العادة في المعلم ترك الأكل؛ لأن عادة المعلم أن ينتظر صاحبه ليطعمه. فكان شرطًا؛ كالإنزجار إذا زُجر.
(لا تكرُّرُ ذلك) في الأصح؛ لأن ذلك تعلم صنعة. فلا يعتبر فيه التكرار؛ كسائر الصنائع. ولا توقيف في ذلك فيتبع.
(فلو أكل بعد) أي: بعد أن صاد صيدًا ولم يأكل منه: (لم يخرج) بذلك (عن كونه معلَّما)؛لأن أكله في هذه الحالة قد يكون لجوع أو توحش فيكون الحكم مختصًا بهذه الحالة دون ما تقدم عليها، (ولم يحرم ما تقدم من صيده) على الأصح؛ لأن الصيود المتقدمة صاده في حال كونه معلمًا والأصل فيها
_________________
(١) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٥١٦٩) ٥: ٢٠٩٠ كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٢٩) ٣: ١٥٢٩ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
[ ١١ / ٦٨ ]
الحل، ولم يوجد فيها ما يمنع حلها. والأكل من الصيد بعد ذلك لا يكون مؤثرًا فيها.
(ولم يبح ما) أي: ذلك الصيد الذي (أكل منه) على الأصح؛ لقول الله ﷾: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وهذا إنما أمسكه على نفسه. فلا يباح أكله؛ كغير المعلم. ثم إن صاد بعد ذلك ولم يأكل منه أبيح على ظاهر كلام أحمد؛ لأنا تحققنا بذلك أنه لم يأكل مما أكل منه لعدم تعليمه بل لجوع ونحوه.
(ولو شرب) الصائد (دمه) أي: دم المصيد: (لم يحرم) بذلك. نص عليه؛ لأنه لم يأكل منه.
(ويجب غسل ما أصابه فمُ كلب) في الأصح؛ لأنه موضع أصابته نجاسة الكلب. فوجب غسله؛ كما لو أصابت غيره من ثوب أو إناء أو غيرهما.
(وتعليم ما يصيد بمخلبه؛ كباز وصقر وعُقاب) يكون: (بأن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دُعي. لا بترك الأكل)؛لقول ابن عباس: " إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر فكل " (^١) . رواه الخلال.
ولأن تعليمه بالأكل ويتعذر تعليمه بدونه فلم يقدح في تعليمه. بخلاف ما يصيد بنابه.
(ويعتبر) كل ما يصيده ذو الناب أو ذو المخلب إذا قتله (جَرحه)؛لأنه آلة القتل. (فلو قتله) أي: قتل الجارح الصيد (بصدمٍ أو خَنقٍ: لم يُبح) على الأصح؛ لأن قتله بغير جرح. أشبه ما لو قتله بحجر، أو بندق، أو ضرب شاة بعصا حتى ماتت. وكل هذا وقيذ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ٢٣٨ كتاب الصيد والذبائح، باب البزاة المعلمة إذا أكلت.
[ ١١ / ٦٩ ]
[فصل: في اشتراط قصد الصيد]
(فصل) الشرط (الثالث) لحل ما وجد من الصيود ميتًا: (قَصد الفعل).
وهو: رمي السهم قاصدًا للصيد، أو بنصب ما ينصبه من منجل أو سكين قاصدًا للصيد؛ لأن قتل الصيد أمر يعتبر له الدين. فاعتبر له القصد؛ كالطهارة من الحدث.
(وهو: إرسال الآلة لقصد صيد)؛ لقوله ﷺ: " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل " (^١) . متفق عليه.
ولأن إرسال الجارح جُعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه.
إذا تقرر هذا (فلو احتك صيد بمحدد) بلا قصد الصائد، (أو سقط) محدد على صيد (فعقره بلا قصد) فمات في الصورتين: لم يحل، (أو استرسل جارح بنفسه فقتل صيدًا: لم يحِّل ولو زجره) أي: زجر الجارح ربه؛ لأن من لا يقصد الصيد لا يسمى صائدًا، لأن الاعتبار بفعل الآدمي المضاف إلى فعل البهيمة؛ كما لو عدا الجارح على آدمي فأغراه ربه فأصاب منه شيئًا ضمنه.
(ما لم يزد) الجارح (في طلبه) أي: طلب الصيد (بزجره) أي: بأن يزجره ربه، ويسمي عند زجره، فيقتل الصيد، فإنه يحل على الأصح.
قال في " المغني ": وإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد في عدوه
أبيح صيده. وبه قال أبو حنيفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥١٦٩) ٥: ٢٠٩٠ كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٢٩) ٣: ١٥٢٩ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
[ ١١ / ٧٠ ]
وقال الشافعي: لا يباح. وعن مالك كالمذهبين.
ولنا: أن زجره أثر في عدوه. فصار؛ كما لو أرسله.
ومما يتبين على ذلك أيضًا ما أشير إليه بقوله: (ومن رمى هدفًا) وهو: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل، (أو رائدًا صيدًا ولم يره، أو) رمى (حجرًا يظنه صيدًا) فقتل صيدًا: لم يحل؛ لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة.
(أو) رمى (ما علمه أو) رمى ما (ظنَّه غير صيد- فقتل صيدًا-: لم يحل)؛لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد.
(وإن رمى. صيدًا فأصاب غيره، أو) قصد برميه (واحدًا) من صيود (فأصاب عددًا: حلَّ الكل، وكذا جارح) أرسل على صيد فقتل غيره، أو أرسل على واحد فقتل عددًا فإنه يحل الجميع. نص على ذلك؛ لعموم الآية والخبر.
ولأنه أرسله على صيد. فحل ما صاده؛ كما لو (^١) أرسلها على كبار فتفرقت عن صغارٍ، أوكما لو أخذ صيدًا في طريقه.
(ومن أعانت ريحٌ ما رمى به) صائدًا (فقتل ولولاها) أي: ولولا الريح (ما وصل): لم يحرم؛ لأن رمي السهم له حكم الحل والريح لا يمكن الاحتراز عنها فسقط اعتبارها.
(أو رده) أي: رد ما رمى به الصائد من سهم أو نحوه (حجر أو غيره) على الصيد (فقتل: لم يحرم) ما قتله؛ لأن ذلك لا يمكن التحزر منه.
(وتحلُّ طريدة. وهي: الصيد بين قوم يأخذونه قطعًا).
قال أحمد: حدَّثنا هشام عن منصور عن الحسن " أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا ". كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم. واستحسنه أبو عبد الله. قال: والطريدة صيد يقع بين القوم فيقطع
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٧١ ]
ذا منه بسيفه ويقطع الآخر أيضًا حتى يؤتى عليه وهو حي. قال: وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فياخذونه قطعًا. انتهى كلام الإمام أحمد.
(وكذا النادُّ) نص عليه. قاله في " الإنصاف ".
(ومن أثبت صيدًا ملَكه).
قال فى " الإنصاف ": بلا نزاع أعلمه. انتهى.
وذلك لأنه أزال امتناعه بإثباته. أشبه ما لو قتله. فإن تحامل حتى أخذه غيره لم يملكه، (ويرده آخذه) إلى من أثبته؛ لأنه ملكه.
(وإن لم يثبته فدخل محل غيره) أي: غير راميه الذي لم يثبته (فأخذه ربُّ المحل): ملكه بأخذه؛ لأن الأول لم يملكه.
(أو وثب حوت فوقع بحَجْر شخص ولو بسفينة) ملكه (^١) بذلك في الأصح، لأن السمك من الصيد المباح. فملك بالسبق إليه؛ كما لو فتح حجره لأخذه.
(أو دخل ظبي داره فأغلق بابها وجهله، أو لم يقصد تملكه): ملكه؛ لأن ذلك من الصيد المباح فملكه بحيازته.
(أو فرخ في برجه طائر غير مملوك) ملكه من البرج بيده بحق. (وفرخ مملوكة لمالكها).
قال في " الإنصاف ": ما يبنيه الناس من الأبرجة فتعشش فيها الطيور يملكون الفراخ، إلا أن تكون الأمهات مملوكة فهي لأربابها. نص عليه. انتهى.
قال في " المبدع ": ولو تحول طير من برج زيد إلى برج. عمرو لزم عمرًا
رده، وإن اختلط ولم يتميز منع عمرو من التصرف على وجه ينقل الملك حتى يصطلحا، ولو باع أحدهما الآخر حقه أو وهبه صح في الأقيس. انتهى.
_________________
(١) في أ: فهو ملكه.
[ ١١ / ٧٢ ]
(أو أحيا أرضًا بها كنز: مَلكه) بإحيائه الأرض التي بها الكنز في الأصح؛ (كنصب خيْمته) لذلك، (وفتح حجره لذلك، وكعمل بركةٍ لـ) صيد (سمك، و) كنصب (شبكة وشَرك وفخ) نص عليهما، (ومِنْجل) لصيد، (و) كـ (حبس جارح لصيد، وبإلجائه) أي: إلجاء الصائد الصيد (لمضيق لا يفلت منه) فإن الصيد يملك بذلك في جميع هذه الصور في الأصح.
وقيل: لا يملك إلا بأخذه، وقبله هو مباح لمن أخذه.
(ومن وقع بشبكته صيد فذهب بها، فصاده آخر) أي: غير صاحب الشبكة: (فـ) الصيد (للثاني)؛لأن الأول لم يملكه لبقاء امتناعه. وما معه مما ذهب به من شبكة أو شرك أو فخ لقطة. لكن إن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر معه على الامتناع ممن يقصده فهو لصاحب الشبكة؛ لأنه لم يبق على امتناعه. وإن أمسكه الصائد من الشبكة أو من نحوها وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه بأخذ غيره؛ كما لو شردت دابة إنسان فأخذها غيره.
(وإن وقعت سمكة بسفينة- لا بحجر أحدٍ) فيها-: (فـ) هي (لربها) أي: لرب السفينة؛ لأن السفينة ملكه ويده عليها. لكن إن كانت السمكة وثبت بفعل إنسان لقصد الصيد فهي له دون صاحب السفينة، ودون من وقعت في حجره فيها؛ لأن الصائد أثبتها بذلك.
(ومن حصل) بملكه صيد، (أوعشش بملكه صيد أو طائر) غير صيد مما يباح اقتناؤه؛ كالبازي والعقاب: (لم يملكه) بذلك، ولغيره أخذه؛ لأن الأرض والدار ونحوها لم تعد لذلك. أشبه البركة التي لم يقصد بها الإصطياد. نقل صالح وحنبل فيمن صاد من نخلة بدار قوم: فهو له.
(وإن سقط برمي) ما عشَّش بملكه (به: فله) أي: فهو لرب الملك، سواء كان الرامي من أهل الدار أو غيرهم لأن دارهم حريمهم.
(ويحرم صيد سمك وغيره بنجاسة) على الأصح؛ لما فيه من أكل السمك للنجاسة. فيصير كالجلالة.
وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال: ماؤها الحشوش وكذا بالضفادع. وقال: الضفدع نهي عن قتله.
[ ١١ / ٧٣ ]
(ويكره) صيد الطير (بشباش وهو: طير تُخيَّطُ عيناه ويربط)؛ لأن في ذلك تعذيبًا للحيوان.
(و) يكره أيضًا أن يصاد صيد (من وكره) على الأصح.
(لا الفرخ) من وَكْره، (ولا الصيد ليلًا، أو بما يُسكر) الصيد. نص على ذلك.
(ويباح) الصيد (بشبكةٍ وفخٍ ودِبْق).
قال الإمام أحمد: (وكل حيلة).
وذكر جماعة: يكره بمثقل؛ كبندق. وكذا كره الشيخ تقي الدين الرمي بالبندق مطلقًا؛ لنهي عثمان.
ونقل ابن منصور وغيره: لا بأس ببيع البندق، ويرمى بها الصيد لا للعبث. وأطلق ابن هبيرة: أنه معصية.
(لا بمنع ماء) يعني: لا أن يصيده بمنع الماء عنه. وإذا صاده بذلك حل أكله على الأصح.
ونقل حنبل: لا يصاد الحمام يعني: بمنع الماء إلا أن يكون وحشيًا.
(ومن أرسل صيدًا وقال: أعتقتك، أو لم يقل) عند إرساله: أعتقتك: (لم يزل ملكه عنه). وذكره ابن حزم إجماعًا؛ كما لو فعل ذلك ببهيمة الأنعام؛ (كانفلاته) بدون إرساله.
قال ابن عقيل: ولا يجوز: أعتقتك في حيوان مأكول؛ لأنه فعل الجاهلية. انتهى.
وإذا لم يزل ملكه عنه فلم يبق إلا إعراضه عنه بإرساله فلا يملكه من أخذه بمقتضى إعراضه عنه.
(بخلاف نحو كِسرة أعرض عنها: فـ) إنه (يملكها آخذها)؛لأن ذلك مما لا تتبعه الهمة، وعادة الناس الإعراض عن مثل ذلك.
قال في " الفروع ": قال بعض أصحابنا في طريقته: العتق إحداث قوة
[ ١١ / ٧٤ ]
تصادف الرق وهو ضعف (^١) شرعي يقوم بالمحل فيمنعه عن دفع يد الاستيلاء عنه، والرق غير المالية. ولهذا قال الحنفية: الحربي رقيق بالنسبة إلينا، والرق سابق على المالية فهو متعلقها. انتهى.
(ومن وجد فيما صاده علامة ملك؛ كقلادة برقبته، و) كـ (حلقة بأذنه، و) كـ (ـقص جناج طائر: فـ) هو (لُقَطة)؛لأن الذي صاده أولًا ملكه باصطياده.
* * *
_________________
(١) في ج: ضعيف.
[ ١١ / ٧٥ ]
[فصل: في اشتراط التسمية]
(فصل) الشرط (الرابع) لحل ما وجد من الصيود ميتًا: (قول: " بسم الله " عند إرسال جارحة، أو) عند (رميٍ) بسهم أو معراض؛ لأن ذلك هو الفعل الموجود من المرسِل أو الرامي فاعتبرت التسمية عنده؛ (كما) تعتبر (في ذكاةٍ) عند الذبح، (إلا أنها لا تسقط هنا) أي: في الصيد (سهوًا) على الأصح لأن في الصيد نصوصًا خاصة.
ولأن الذبيحة تكثر فيكثر السهو فيها.
ويفرق بين الذبيحة والصيد: بأن الذبح يقع في محله فجاز أن يسامح فيه. بخلاف الصيد.
وعنه: إن نسي التسمية على السهم أُبيح، وإن نسيها على الجارحة لم يبح. والفرق بينهما: أن السهم آلة حقيقة (^١) وليس له إختيار. بخلاف الحيوان فإن له اختيارًا يفعل به ما يختار.
(ولا يَضُّر تقدُّم يسير) أي: أن تتقدم التسمية على الرمي أو على إرسال الجارحة بزمن يسير عرفًا، (وكذا تأخُّر كثير في جارح: إذا زجره فانزجر).
قال في " الإنصاف ": ولا يضر التقدم اليسير كالتقدم في العبادات وكذا التأخر الكثير، بشرط أن يزجره فينزجر كما دل عليه كلام أحمد. وقاله المصنف والشارح والشيرازي وغيرهم. انتهى.
ويعني بقوله المصنف: الشيخ موفق الدين.
(ولو سمى على صيد فأصاب غيره: حلَّ. لا إن سمَّى على سهم، ثم ألقاه
_________________
(١) في ج: حقيقية.
[ ١١ / ٧٦ ]
ورمى بغيره) فقَتل به فإنه لا يحل ما قتله؛ لأنه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها.
(بخلاف ما لو سمَّى على سكين ثم ألقاها وذبح بغيرها)؛لوجود التسمية على ذبيحة بعينها. بخلاف ما لو سمى على شاة ثم ذبح غيرها بتلك التسمية فإنها لا تحل، سواء أرسل الأولى أو ذبحها لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية.
وإن رأى قطيعا من غنم فقال: بسم الله، ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية: لم تحل.
وإن جهل كون ذلك لا يجزئ لم يجر مجرى النسيان؛ لأن النسيان تسقط المؤاخذة به والجاهل مؤاخذ. والله ﷾ أعلم.
* * *
[ ١١ / ٧٧ ]