هذا (كتاب) أي: مكتوب، جامع لأحكام المسائل التي تتعلق بالطهارة في هذا التأليف، وما يوجبها، وما يتطهر به، وما هو في نحو ذلك.
وانما بدأ الفقهاء كتبهم بأحكام الطهارة؛ لأن آكد أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة، المشترط لها الطهارة. والشرط مقدم على المشروط. وبدؤوا بربع العبادات تقديما للأمور الدينية على الدنيوية. وقدموا ربع المعاملات على النكاح وما يتعلق به؛ لأن من أسباب المعاملات الأكل والشرب ونحوهما وذلك ضروري يستوي فيه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح. وقدموا النكاح على الجنايات والحدود والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب انما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج.
ثم (الطهارة) مصدر ظهر- بضم الهاء-، ولا يتعدى إلا بالتضعيف.
وأما مصدر ظهر- بفتح الهاء- فهو الطُّهر- بضم الطاء-.
ومعناها لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار.
وشرعًا: - وكلام الفقهاء مبني عليه - (ارتفاع) مصدر ارتفع ليطابق المفسر المفسر في اللزوم (حدثٍ). وسيأتي في- المتن معنى الحدث.
والمراد بارتفاع الحدث: زوال الوصف الحاصل بالحدث المقتضي للمنع مما تجب له الطهارة؛ كالصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن: بفعل الوضوء أو الغسل.
(وما في معناه) أي معنى ارتفاع الحدث كالغسل للميت؛ لأنه تعبدي لا عن حدث، وما يحصل بالوضوء والغسل المستحبين، وما زاد على المرة في
[ ١٥٣ ]
الوضوء والغسل، وما يحصل بغسل أنثييه بخروج مذي إذا لم يصبهما المذي،
وزوال الحاصل باليدين بنوم الليل الناقض للوضوء، وطهارة المستحاضة، ونحوها.
(بماء) متعلق بارتفاع (طهور مباح). فاستعمال الماء غير الطهور المباح في جميع البدن، أو في اعضاء الوضوء لا أثر له في الطهارة.
(وزوال خبث) أي نجاسة (به) أي: بالماء الطهور (ولو لم يبح)؛ لأن إزالة النجاسات من قسم المتروك.
وتحصل الطهارة به وحده أن لم تكن النجاسة نجاسة كلب أو خنزير أو متولد من أحدهما.
وأشير إلى طهارة هذه النجاسة بقوله: (أو مع تراب طهور أو نحوه) أي: نحو التراب؛ كالأشنان والصابون فلا تطهر باستعمال الماء وحده.
(او) زوال خبث (بنفسه) أى بنفس ذلك النجس.
وصورة ذلك: أن الماء الكثير الطهور إذا سقطت فيه نجاسة، وقلنا انها لا تنجسه إلا أن غيرته فتغير بها، فانا نحكم بنجاسته، ثم إذا زال تغيره بنفسه من
غير إضافة ولا نزح ولا نقل، فقد ظهر وحصلت (^١) طهارته بنفسه. وكذلك الخمرة إذا انقلبت بنفسها - أي: من غير صنع آدمي- خلاًّ، فانها تطهره فقد حصلت طهارتها بنفسها. (أو ارتفاع حكمهما) أي: الحدث والخبث (بما يقوم مقامه) أي مقام الماء في الجملة.
ومن صور ذلك: التيمم للحدث، وللنجاسة على البدن، والاستجمار بالحجر ونحوه في السبيلين. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ج: فقد حصلت.
[ ١٥٤ ]
[باب: أنواع الماء وأحكامها] هذا (باب) يذكر فيه أنواع الماء وأحكامها وما يلحق بذلك.
باب الشيء: ما يتوصل منه إليه، فباب الدار ونحوها ما يتوصل إليها منه بالدخول، وباب المياه ونحوها بالوقوف على مسائله.
ثم (المياه) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع في الأصح (ثلاثة)؛ لأنه إما أن يجوز به الوضوء أو لا. والأول الطهور، والثانى إما أن يجوز شربه أو لا.
والأول الطاهر. والثانى النجس. أو يقال: إما أن يكون مأذونا في استعماله أو لا، الثانى النجس والأول إما أن يكون مطهرًا لغيره أو لا، والأول الطهور، والثانى الطاهر.
وأشرف الأنواع منها ما هو (طهور) أى مطهر لغيره.
قال ثعلب: طَهور- بفتح الطاء- الطاهر في ذاته، المطهر لغيره.
قال في " الفروع ": قال أصحابنا: فهو من الأسماء المتعدية، بمعنى المطهر، وفاقًا للمالكية والشافعية.
وقال في " الفنون ": الطهارة: النزاهة، فطاهر: نزه، وطهور: غاية في النزاهة لا للتعدي. الدليل عليه قوله: " خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء " (^١) . ففسر كونه طهورًا بالنزاهة ولا ينجس بغيره. لا بأنه يطهر غيره.
فمن تعاطى في طهور غير ما ذكره الشارع (^٢) فقد أبعد. فحصل على كلامه الفرق
_________________
(١) لم أقف عليه هكذا. والحديث رواه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: " أن الماء طهور لا ينجسه شيء ". وسيذكره المؤلف في النوع الثالث من أنواع المياه ص: ١٦٩.
(٢) في ج: الشارح.
[ ١٥٥ ]
بينهما بغير التعدي.
وقول الحنفية: انه من الأسماء اللازمة بمعنى الطاهر " لأن المنقول عن الخليل وسيبويه وغيرهما من الأئمة انه مصدر كالطهارة، وانما الشرع جعل الماء مطهرًا. ورد المطرّزي قول ثعلب وقال: ليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على الأفعال المتعدية كالتطوع غير سديد.
وقال اليزيدي: الطُّهور- با لضم - المصدر. وحكى فيهما الضم والفتح.
وقال الجوهري: الطهور: اسم لما تطهرت به.
وكذا قال شيخنا: التحقيق انه ليس معدولا عن طاهر حتى يشاركه في اللزوم والتعدي بحسب اصطلاح النحاة، كضارب وضروب. ولكنه من أسماء الآلات التي يفعل بها، كوَجور وفطور وسحور، ويقولون ذلك بالضم للمصدر نفس الفعل. فأما طاهر فصفة محضة لازمة لاتدل على ما يتطهر به. وفائدة المسألة: أن المائعات لا تزيل النجاسات. قاله القاضي وأصحابه.
وقال شيخنا: وفائدة ثانية: ولا تدفعها عن نفسها، والماء يدفع بكونه مطهرًا، كما دل عليه قوله ﷺ: " خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء " (^١) . وغيره ليس بطهور فلا يدفع. وأجاب القاضي وغيره من المالكية عن قولهم في طهارة المستعمل: الطهور ما تكرر منه التطهير: أن المراد جنس الماء أو كل جزء منه إذا ضم إلى غيره وبلغ قلتين، أو أن معناه يفعل التطهير. ولو اريد ما ذكروه لم يصح وصفه بذلك إلا بعد الفعل. انتهى كلامه في " الفروع ".
ومن أحكام الطهور: انه (يرفع) وحده (الحدث). نص عليه.
(وهو) أي الحدث: (ما أوجب وضوءًا) ويوصف بالأصغر، (أو) أوجب (غسلا) ويوصف بالأكبر.
(إلا حدث رجل). وقيل: وصبي.
(و) إلاّ حدث (خُنْثى) مشكل احتياطا. وقيل: يرتفع.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبا.
[ ١٥٦ ]
(بقليل) أي بما دون قلتين. وقيل: وكثير.
(خلَتْ به امرأة) مكلفه (ولو كافرة). صرح به في " التنقيح" وغيره؛ لأنها أدنى من المسلمة وأبعد من الطهارة. وقيل: أو مميزة.
(لطهارة كاملة). وقيل: أو بعضها.
(عن حدث). وقيل: أو خبث. وقيل: أو طهْر مستحب.
(كخلوة نكاح). فيزول حكم الخلوة بمشاهدة مميز وكافر وامرأة. وقيل: لا يزول حكم الخلوة إلا بمشاهدة ذكر مسلم مكلف. وقيل: وتعتبر حرية.
والأصل في ذلك ما روى الحكم بن عمرو الغفاري قال: " نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة " (^١) . رواه الخمسة إلا النسائي وابن ماجه
قالا: " وضوء المرأة "، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، واحتج به الإمام أحمد في رواية الأثرم.
وقال في رواية أبى طالب: أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك، وهذا لا يقتضيه القياس.
فدل على أنهم قالوه توقيفًا، فيكون (تعبدًا).
وممن كرهه عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنهما.
وهذا عام وانما خصصناه بالخلوه؛ لقول عبد الله بن سرجس: " توضأ انت هاهنا وهي هاهنا فإذا خلت به فلا تقربنه ". رواه الأثرم.
وانما خصصناه بالقليل؛ لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير فهذا أولى. ولأن الغالب على النساء أن يتطهرن من القليل فينصرف الإطلاق إليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٨٢) ١: ٢١ كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك. وأخرجه الترمذي فى " جامعه " (٦٤) ١: ٩٣ أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٣) ١: ١٧٩ كتاب المياه، باب النهي عن فضل وضوء المرأة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٣) ١: ١٣٢ كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٨٩٨) ٤: ٢١٣.
[ ١٥٧ ]
وعن الإمام رواية ثانية: انه يجوز للرجل أن يتطهر بما خلت به المرأة ويرتفع به حدثه.
والأول هو المفتى به.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب المعروف، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم. انتهى.
وظاهر ما تقدم انها إذا خلت بالتراب للتيمم لا تؤثر فيه خلوتها، وهو المذهب.
وفيه احتمال: أن حكمه حكم الماء.
وظاهره أيضًا: انه لا تأثير لذلك في إزالة الخبث به في حق الرجل.
وظاهره أيضًا: انه لا تأثير لخلوة الخنثى المشكل بالماء القليل للطهارة، وهو المذهب، وفيه وجه: انه كالمرأة.
(و) من أحكام الطهور أيضًا انه (يزيل الخبث الطارئ) على ما هو طاهر قبل طروئه؛ لأن نَجِس العين لا يمكن تطهيره.
(وهو) أى الماء الطهور في الحكم هو: (الباقي على خلقته) التي خلق عليها مطلقًا، فلا يقيد بوصف دون وصف، وهي صفة الطهورية. وهو: ماء البحر، وما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، وذوب الثلج والبرد، سواء كان عذبا أو ملحا، باردًا أو حارًا.
(ولو تصاعد ثم قَطَرَ كبخار الحمامات)؛ لأن ذلك لا يغيره عن خلقته.
(أو استهلك فيه) ماء (يسير مستعمل، أو) استهلك فيه (مائع طاهر) كاللبن، (ولو) كان استهلاكه فيه (لعدم كفاية) الماء للطهارة، (ولم يغيره) أي: يغير الماء؛ لأنه لما لم يؤثر في أوصاف الماء أشبه ما لو لم يكن.
وفي استهلاك المائع وجه: انه يسلبه. وفيما إذا لم يكف الماء للطهارة رواية: انه تسلب طهوريته باستهلاك المائع فيه.
(أو استعمل في طهارة لم تجب)؛ كتجديد الوضوء، (أو غسل كافر)؛ لأنه
[ ١٥٨ ]
لم يرفع حدثًا ولم يزل نجسًا.
والكافر ولو شمل الذمية التي تغتسل من الحيض والنفاس لحل وطئها لزوجها المسلم لا يسلبه الطهورية؛ لأن الكافر ليس من أهل النية.
وفيما إذا استعمل في تجديد وضوء ونحوه رواية: انه يسلبه الطهورية؛ لأنه استعمل في طهارة شرعية. أشبه ما لو دفع به حدثا.
(أوغُسِل به) أي: بالماء الطهور (رأس بدلًا عن مسحٍ) في وضوء، فان ذلك لا يسلبه الطهورية؛ لعدم وجوب غسل الرأس في الوضوء.
(و) من الماء الباقي على طهرريته (المتغير بمحل تطهير). قطع به في "المغني ". قال: وإذا كان على العضو طاهر؛ كالزعفران والعجين فتغير به الماء وقت غسله لم يمنع حصول الطهارة به؛ لأنه تغير في محل التطهير. أشبه ما لو تغير الماء الذي تزول به النجاسة في محلها. انتهى.
(و) من الطهور المتغير (بما يأتي) ذكره (فيما) أي: في النوع الذي (كره) منه، (و) في (ما) أي: النوع الذي (لا يكره) منه؛ لأن الماء الطهور ينقسم باعتبار كراهية استعماله وعدمها إلى نوعين.
وأشير إلى النوع المكروه منه بقوله: (وكُره) بالبناء للمفعول (منه) أي: من الطهور (ماء) بئر (زمزم في إزالة خبث). وقيل: يحرم لتعظيمه، وقد زالت نجاسته. وقيل: يكره الغسل به أيضًا لا الوضوء.
وفي جَبْلِ التراب الطاهر به ورَشِّ الطرق وجهان. وقيل: أن سبب النهي اختيار الواقف وشرطه.
فعلى هذا اختلف الأصحاب لو سبّل ماء للشرب هل يجوز الوضوء به مع الكراهة، أم يحرم؛ على وجهين.
[ ١٥٩ ]
(و) كره من الطهور أيضًا: ماء (بئر بمقبرة)، مثلثة الباء مع فتح الميم، وبفتح الباء مع كسر الميم.
قال في " الفروع " في باب الأطعمة: وكره أحمد ماء بئر بين القبور وشوكها وبقلها.
قال ابن عقيل: كما سُمِّد (^١) بنجس والجلالة. انتهى.
وظاهره: كراهة استعمال مائها في أكل وشرب وطهارة وغير ذلك. والله أعلم.
(و) كره منه أيضًا: (ما اشتد حره أو برده). قاله ابن عبدوس في " تذكرته ". ووجهه ظاهر.
(و) كره منه أيضًا: (مسخن بنجاسة) ولو بعد أن يبرد؛ لأنه لا يسلم غالبا من صعود أجزأء لطيفة من النجاسة إليه. وعنه: لا يكره.
وللأصحاب في ذكر الخلاف في هذه المسًا لة أربع عشرة طريقا نقلها في " الإنصاف " وقال: أن أصحها أن فيها روايتين مطلقًا.
ومحل كراهته (ان لم يحتج إليه)؛ لأن كراهته من طريق الورع ومع الحاجة إليه يتعين وجوب استعماله.
ومما يكره أيضًا من الطهور: المسخن بالمغصوب، وإلى ذلك أشير بقوله: (أو بمغصوب.
و) مما يكره من الطهور أيضًا: (متغير بما لا يخالطه: من عود قَماريٍّ)
- بفتح القاف- نسبة إلى بلدة قمار، (أو قطع كافور أو دهن).
قال في " الشرح الكبير ": وفي معناه ما يتغير بالقطران والزفت والشمع؛ لأن فيه دهنية يتغير بها الماء. انتهى.
ووجه الكراهة: أن القياس أن تغير الماء بالطاهر يسلبه الطهورية، لكن
_________________
(١) في ج: سمك.
[ ١٦٠ ]
لما كان هذا التغير عن مجاورة، لا عن ممازجة اغتفر. مع أن فيه وجهًا للأصحاب موافقا لقول مالك - رضي الله تعالى عنه: انه يصير طاهرًا غير طهور فكان أقل أحواله الكراهة.
ويلحق بذلك ما تغير بمخالطة ما أصله الماء؛ كالملح البحري، وإليه أشير بقوله: (أو بمخالط أصله الماء)، وممن قطع بكراهيته ابن حمدان في " الرعاية
الكبرى " وتبعه في " التنقيح ". وقيل: أن وُضع قصدًا سلبه الطهورية.
وعلم مما تقدم أن الماء أن تغير بالملح المعدنى سلبه الطهوريه؛ لأن البحري انما لم يسلبه الطهورية؛ لأنه منعقد من الماء. أشبه ذوب الثلج.
بخلاف المعدنى. والله أعلم.
وأشير إلى النوع الثانى وهو الذي لا يكره من الماء الطهور بقوله: (لا) أي: لا يكره متغير (بما يشق صونه) أي صون الماء (عنه) أي عما غيره؛ (كطُحْلُب) بضمء اللام وفتحها. وهو: خضرة تعلو الماء المزمن.
ويحصل ذلك غالبا بسبب الشمس.
(وورق شجر) يحصل بغير صنع آدمى في الماء؛ لمشقة الاحتراز عنه. أشبه ما لو كان في منبع الماء، أو ممرّه معدن من كبريت، أو نحوه فتغير به.
وكذا المتغير بما تلقيه الريح أو السيول من تبن ونحوه.
(و) كذا المتغير من الطهور بسبب طول (مُكث)؛ لما روي " أن النبي ﷺ توضأ من بئر كان ماءه نقاعة الحنا " (^١) .
ولا فرق بين كون المكث في الأرض، أو في آنية من آدم، أو نحاس أو غيرهما؛ لأن هذا التغير يشق الاحتراز منه (^٢) . أشبه المتغير بمنبعه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٥٤٣٠) ٥: ٢١٧٤ كتاب الطب، باب السحر. ١٥٩ وأخرجه أحمد في " مسنده ") ٤٣٩٢ ٢) ٦: ٦٣.
(٢) في ج: منه الاحتراز.
[ ١٦١ ]
(و) لا يكره أيضًا ما تغير من (ريح) بسبب حملها الرائحة الخبيثة إلى الماء، فيتروج بها، (ولا ماء البحر) الملح، (و) لا ماء (الحمام، ومسخن بشمس، أو بطاهر) نص عليه في رواية صالح وابن منصور، لأنه باق على خلقته. أشبه ما لو أخذه من منبعه حارًا فبرده.
وفيما يتغير بما يشق صونه عنه وجه بالكراهة.
قال في " الفروع ": وان غيره ما يشق صونه عنه لم يكره في الأصح. انتهى.
ومن كره - دخول الحمام فعلة الكراهة خوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعيم بدخوله لا كون الماء مسخنًا.
(ولا يباح غير بئر الناقة من) آبار (ثمود) نص على ذلك، لما روى ابن عمر: " أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجر أرض ثمود. فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين. فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهرقوا ما استقوا من آبارها، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة " (^١) . رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قال في " الفروع ": ولا وجه لظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى على إباحته مع الخبر، ونص أحمد. انتهى.
النوع (الثاني): ما هو (طاهر) غير طهور. وهو أقسام:
منها: المستخرج بالعلاج (كماء ورد) ونحوه، لأنه لا يصدق عليه اسم الماء بلا قيد، ولا يلزم من وَكّل في شراء ماء قبوله.
(و) منها ماء (طهور تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه) بمخالطة شيء طاهر
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٩٩) ٣: ١٢٣٧ كتاب الانبياء، باب قول الله تعالى: (* ٤ n< خ) ur y`q ك JrO أَخَاهُمْ صَالِحًا) [هود: ٦١]. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٩٨١) ٤: ٢٢٨٦ كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٩٨٤) ٢: ١١٧.
[ ١٦٢ ]
من غير جنس الماء، لا يشق صون الماء عنه. سواء طبخ فيه " كمرق الباقلاء أو الحمص ونحوها، أو لم يطبخ فيه كما لو سقط فيه زعفران أو نحوه فتغير به " لأنه زال إطلاق اسم الماء عليه وزال عنه أيضًا معنى الماء " لأنه صار لا يطلب بشربه الإرواء.
وعنه: أن ما تغير أحد أوصافه بغير طبخ باق على طهوريته.
ورد بأنه تغير بممازجته طاهر يمكن صونه عنه. أشبه المتغير بالطبخ.
وعنه: انه يرفع الحدث مع عدم غيره.
ومحل هذا: إذا كان التغير (في غير محل التطهير)، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.
ولا فرق فيما تقدم بين سقوط ذلك الطاهر في الماء بغير فعل آدمى أو بفعله، (ولو بوضع) انسان في الماء (ما يشق صونه عنه)؛ كالطحلب يؤخذ من ماء خلق فيه فيوضع في غيره، (أو بخلط) الآدمى الماء بـ (ما لا يشق) صون الماء
عنه مما تقدم ذكره ونحوه، (غير تراب) فانه (ولو) وضع (قصدًا) لا يسلبه الطهورية " لأنه أحد الطهورين.
(و) غير (ما مرّ) مما لا يخالط الماء " كالعود القماري وقطع الكافور والدهن، وما أصله الماء؛ كالملح البحري، فان التغير بهذا لا يسلب الماء الطهورية. سواء سقط فيه بنفسه، أو وضعه فيه واضع.
وعلم من قول المتن: كثير من لونه أو طعمه أو ريحه، انه لو تغير يسير من ذلك أن الماء باق على طهوريته؛ لما روت أم هانئ: " انه ﷺ اغتسل هو وزوجته ميمونة من قصعة فيها أثر العجين " (^١) . رواه أحمد والنسائي.
(و) من أقسام الماء الذي هو طاهر غير طهور: (قليلٌ استعمل في رفع
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٠) ١: ١٣١ كتاب الطهارة، باب ذكر الاغتسال في القصعة التى يعجن فيها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٩٤٠) ٦: ٣٤٢.
[ ١٦٣ ]
الحدث). قال في " الفروع ": نقله واختاره الأكثر. انتهى.
ودليله قوله ﷺ: " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " (^١) . رواه
مسلم من حديث أبي هريرة.
ولولا أن الغسل فيه يؤثر منعًا لما نهي عنه. ولأنه أزال مانعًا من الصلاة. أشبه ما لو أزال به نجاسة، أو انه استُعمل في عبادة على وجه الإتلاف، فلم يمكن استعماله فيها ثانيا؛ كالرقبة في الكفارة.
وعنه: انه نجس.
ورُدَّ " بأن النبي ﷺ صب على جابر من وضوئه " (^٢) . رواه البخاري.
فدل على طهارته. .
وعنه: انه باق على طهوريته. اختاره ابن عقيل وأبو البقاء والشيخ تقي الدين.
ولا يشترط في زوال طهوريته أن يغسل به المحدث عضوا من أعضائه، بل يتأثر (ولو بغمس بعض عضو من عليه حدث أكبر بعد نية رفعه.
و) لكن (لايصير مستعملا إلا بأنفصاله)؛ لأنه حينئذ يصدق عليه انه استعمل، ولا يرتفع الحدث عن ذلك المغموس.
وعلم من تقييد الحدث بالأكبر انه لا يضر اغتراف المتوضئ. وفيه وجه.
قال في " الفروع ": وقيل اغتراف متوضئ بيده بعد غسل وجهه لم ينو غسلها فيه؛ كجنب. والمذهب طهور، لمشقة تكرره. انتهى، ولنرجع إلى قوله: في غمس الجنب. قال في " الفروع ": وان نوى جنب بانغماسه أو بعضه في قليل راكد رفعَ
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٨٣) ١: ٢٣٦ كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣٢٧) ٥: ٢١٣٩ كتاب المرضى، باب عيادة المغمى عليه.
[ ١٦٤ ]
حدثه لم يرتفع وصار مستعملًا. نص عليه. قيل: بأول جزء لاقى كمحلٍّ نجس لاقاه وفاقًا.
قال القاضي وغيره: وذلك الجزء لا يُعلم؛ لاختلاف أجزأء العضو، كما هو معلوم في الرأس. وقيل: بأول جزء انفصل؛ كالمتردد على المحل. وقيل: ليس مستعملًا. وقيل: يرتفع. وقيل: أن كان المنفصل عن العضو لو غسل بمائع، ثم صبّ فيه أثر هنا، وكذا نيته بعد غمسه. وقيل: يرتفع. انتهى.
وعلم مما تقدم: انه لا فرق في ذلك بين الكبير والصغير الذي تصح منه الطهارة.
وعلم منه أيضًا: انه لا أثر لغمس الجنب عضوه في الماء القليل الطهور بلا نية غسل؛ لطهارة بدنه، ولا يكره. وعنه: يكره.
وان كان الماء كثيرًا وهو راكد كره أن يغتسل فيه.
قال أحمد: لا يعجبني.
وعنه: لا ينبغي.
وهل يرتفع حدثه باتصاله بالماء أو بأنفصاله عنه؛ فيه وجهان.
ومن أقسام الماء الطاهر الذي ليس بطهور أيضًا: ما أزيلت به النجاسة فى صورتين، أشير إليهما بقوله:
(أو) استعمل في (إزالة خبث). فان لم ينفصل عن المحل الذي استعمل في تطهيره، ولو تغير بالنجاسة فهو باق على طهوريته.
قال في " الفروع ": ولا يؤثر تغيره في محل التطهير، وفيه قول. انتهى.
ومراده بتأثره والله أعلم: انا لا نحكم عليه بالنجاسة ولا بسلب الطهورية؛ لأنه وارد على المحل. فلو حكمنا عليه بشئ من ذلك بمجرد الملاقاة لزم أن لا يمكن تطهير شيء أبدًا. والله أعلم.
(و) أن (انفصل) الماء (غير متغير مع زواله) أي زوال الخبث (عن محل طهر)
[ ١٦٥ ]
أى حكم بطهارته فهو طاهر، لأن المنفصل بعض المتصل، والمتصل طاهر فكذلك المنفصل.
وفيه وجه: انه نجس.
ومن أقسامه أيضًا ما أشير إليه بقوله: (أو غسل به ذكره وأُنْثَييْه لخروج مذي دونه) أي دون المذي، لتنجسه به.
قال في " الشرح الكبير " بعد أن ذكر الماء الذي غمست فيه يد القائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا: وعلى قياسه المستعمل في غسل الذكر والانثيين من المذي لكونه (^١) في معناه. انتهى.
ومن أقسامه أيضًا ما أشير إليه بقوله: (أو غُمس) بالبناء للمفعول (فيه) أي في الماء القليل (كلُّ يد) انسان (مسلم مكلف قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) لو كان، (أو حصل) الماء (في كلها) أي كل اليد بأن صب على جميع يده من الكوع إلى منتهاها. (ولو باتت) اليد التي غمست أو حصل الماء في كلها (مكتوفة أو بجراب ونحوه)، ككيس صفيق (قبل غسلها) أي اليد (ثلاثًا). سواء (نواه) أي نوى الغسل (بذلك) الغمس أو الحصول (أو لا) أي: أو لم ينوه.
والأصل في ذلك قوله ﷺ: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه (^٢) قبل أن يدخلهما في الاناء ثلاثًا فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " (^٣) . رواه مسلم وكذا البخاري إلا انه لم يذكر: " ثلاثًا ".
فلولا انه يفيد منعًا لم ينه عنه (^٤) .
_________________
(١) في أ: لكون.
(٢) في ج: يده.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٦٠) ١: ٧٢ كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٨) ١: ٢٣٣ كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الاناء قبل غسلها ثلاثًا.
(٤) في أزيادة: بأن يتطهر به مع عدم غيره من الماء الذي غمس فيه يده القائم من نوم الليل قبل غسلها.
[ ١٦٦ ]
وخص الحكم بالمسلم المكلف " لأن الصحابة المكلفين هم المخاطبون بذلك.
وحكى في " الفروع " في تًاثير غمس يد كافر ومجنون وطفل وجهين.
وخص بنوم الليل من قوله: باتت، والمبيت انما يكون بالليل.
وخص النوم بما ينقض الوضوء " لأن ما دونه لا أثر له.
وحكم نوم جميع الليل حكم مجرد ما ينتقض به الوضوء في وجوب الطهارة بكل منهما.
وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف الليل.
والمراد باليد ها هنا: إلى الكوع، لأنه المفهوم عند الإطلاق في لغة العرب. وشارك الحصول في كل اليد غمسه " لأنه في معناه. واعتبر الكل " لأن الحديث ورد فيه وهو تعبد، ولا يلزم من كون شيء مانعًا كون بعضه مانعًا، كما لا يلزم من كون الشيء سببًا كون بعضه سببًا.
وانما لم يفرق بين كونها مُطْلَقة وبين كونها مكتوفة أو مشدودة داخل جراب أو نحوه، لعموم الأخبار. ولأن الحكم إذا علق على المظنة لم تعتبر حقيقة الحكمة " كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة والآيسة.
وانما لم يفرق بين كون اليد نوى غسلها بالغمس أو الحصول أو لم ينو، لعموم الخبر.
(ويستعمل ذا) أي هذا الماء الذي غمس فيه كل اليد أو حصل في كلها في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة (ان لم يوجد غيره)، لقوة الخلاف إذ القائلون بعدم التأثير من العلماء أكثر من القائلين به. (مع تيمم) أي: وتيمم معه وجوبًا؛
لقوة الدليل على التأثير.
ولا أثر لغمسها في مائع طاهر على الأصح. قال في " الفروع ".
(وطهورٌ مُنع منه لخلوة المرأة أولى) بأن يتطهر به مع عدم غيره من الماء الذي
[ ١٦٧ ]
غمس فيه يد القائم من نوم الليل قبل غسلها، لبقاء طهوريته.
ومن أقسامه أيضًا ما أشير إليه بقوله:
(أو خُلط) أي الماء الطهور القليل (بمستعمل) في رفع حدث أو في إزالة خبث وانفصل غير متغير عن محل طهر، أو بماء غمس فيه يد كل قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، أو غسل به كل اليد بحيث (لو خالفه) أي خالف المستعمل الطهور (صفة) أى في الصفة بحيث لو فرضنا المستعمل أصفر أو أحمر أو أسود أو نحو ذلك كان قد (غيره) أي ظهرت صفته في الماء الطهور، (ولو بلغا) أي الماء الطهور والمستعمل الذي لو خالفه في الصفة غيره (قلتين) أي فلا يصير الكل طهورًا ببلوغه قلتين في الأصح " كما لو أضيف مستعمل إلى مستعمل وبلغا قلتين.
قال في " الفروع ": وان خلط طهور بمستعمل فان كان لو خالفه في الصفة غيّره أثر، وعند صاحب " المحرر " الحكم للأكثر قدرًا، وعند ابن عقيل أن غيره لو كان خلاًّ أثر. ونصه فيمن انتضح من وضوئه في انائه لا بأس. وان بلغ بعد خلطه قلتين، أو كانا مستعملين فطاهر. وقيل: طهور. انتهى.
النوع (الثالث) من أنواع المياه: (نجس. وهو) قسمان:
الأول: (ما تغير بنجاسة) خالطته (لا بمحل تطهير) سواء كان قليلا أو كثيرًا بغير خلاف.
حكى ابن المنذر الإجماع على نجاسة المتغير بالنجاسة.
والثانى: ما أشير إليه بقوله:
(وكذا قليل لاقاها) أي: النجاسة ولم يتغير بها، (ولو) كان الماء (جاريًا، أو) كانت النجاسة التي لاقته (لم يدركها طرف) أي: لم تتبين للناظر إليها، (أو) لم (يمض زمن تسري) النجاسة (فيه).
والقول بتنجس اليسير بمجرد الملاقاه هو أحد الروايتين.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
[ ١٦٨ ]
ودليله: ما روى ابن عمر قال: " سئل النبي ﷺ عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع. فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء " (^١) .
وفي رواية " لم يحمل الخبث " (^٢) . رواه الخمسة والحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ولفظه لأحمد.
وسئل ابن معين عنه فقال: إسناده جيد، وصححه الطحاوي.
قال الخطابي: ويكفي شاهد على صحته أن نجوم أهل الحديث صححوه.
و" لأنه ﵇ أمر بإراقة الاناء الذي ولغ فيه الكلب " (^٣)، ولم يعتبر التغيير، والظاهر عدمه. وتحديد الشارع الماء بالقلتين يدل على تنجيس ما دونهما، وإلا لم يكن التحديد مفيدًا.
والرواية الثانية: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ لما روى أبو سعيد قال: " قيل: يا رسول الله لِلَّهِ أنتوضأ من بئر بضاعة؛ - وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن- قال: أن الماء طهور لا ينجسه شيء " (^٤) . رواه الإمام أحمد وصححه، والترمذي وحسنه، وأبو داود.
لكن الظاهر أن ماءها كان يزيد على القلتين. وقد روي: أن قطر رأسها ستة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥١٧) ١: ١٧٢ كتاب الطهارة، باب مقدار الماء الذي لا ينجس. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٨٠٣) ٢: ٤٨.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦٣) ١: ١٧ كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٧) ١: ٩٧ أبواب الطهارة، باب منه آخر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٨) ١: ١٧٥ كتاب المياه، باب التوقيت في الماء. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " ١: ١٣٤.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٩) ١: ٢٣٤ كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦٦) ١: ١٧ كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦) ١: ٩٥ أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٢٧٥) ٣: ٣١.
[ ١٦٩ ]
أذرع. وبضاعة: يروى با لضم والكسر.
ولما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: " الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه " (^١) . رواه ابن ماجه والدارقطني.
ويمكن الجواب عنه بأنه مطلق، وحديث القلتين مقيد، والمطلق محمول على المقيد.
وعنه: أن كان جاريًا لا ينجس إلا بالتغيير.
قال في " الإنصاف ": جزم به في " العمدة " و" الإفادات " وقدمه في
" الرعا يتين ".
قال في " الكبرى ": هو أقيس وأولى.
قال في " الحاوي الصغير ": ولا ينجس قليل جار قبل تغيره في أصح الروايتين.
وقال في " الحاوي الكبير ": وهو أصح عندي، واختارها المصنف والشارح والمجد والناظم.
قال في " الفروع ": اختارها جماعة واختارها الشيخ تقي الدين. وقال: هي أنص الروايتين. انتهى.
قال في " الفروع ": وحكى عنه أبي الوقت الدينوري طهارة ما لا يدركه طرف. ذكره ابن الصيرفي. انتهى. وقيل: أن مضى زمن تسري فيه النجاسة نجس، وإلا فلا. والمذهب الأول.
وعليه يكون الماء الطهور القليل من حيث كونه لا يرفع النجاسة عن نفسه؛ (كمائع) من لبن وخل ونحوهما، (و) كماء (طاهر) غير طهور (ولو كَثُرا). نص على ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٢١) ١: ١٧٤ كتاب الطهارة، باب الحياض. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٣) ١: ٢٨ كتاب الطهارة، باب الماء المتغير.
[ ١٧٠ ]
قال في " الشرح الكبير ": فأما غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة
ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: أنه ينجس وان كثر. وهو الصحيح أن شاء الله تعالى " " لأن النبي ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن. فقال: أن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وان كان مائعًا فلا تقربوه " (^١) . رواه الإمام أحمد.
نهى عنه، ولم يفرق بين قليله وكثيره. ولأنها لا تطهر غيرها فلا تدفع النجاسة عن نفسها " كاليسير. انتهى.
وان تغير الماء الكثير بنجاسه جاورته فقال ابن نصر الله: لو تغير بنجس لا يمازجه وكان كثيرًا كالدهن النجس، فإطلاق الأصحاب يقتضي نجاسته، ومقتضى قولهم: أن الطهور إذا خالطه طاهر لا يمازجه فغيره لم يسلبه الطهورية أن لا ينجس " لأنهم عللوا هناك بأن تغيره عن مجاورة، وتغير الماء بنجاسة مجاورة لا ينجسه. انتهى.
(و) الطهور (الوارد) إذا تغير (بمحل تطهير) من نجاسة فهو (طهور) أي باق على طهوريته " لبقاء عمله (كما لم يتغير منه) أي من الماء الطهور الوارد على
محل طرأت عليه نجاسة (ان كثر) أي: أن كان قلتين فأكثر كما لو لم يكن واردًا، للحاجة إلى تطهير المحل.
وعلم مما تقدم أن الراكد كالجاري.
(وعنه: كل جرية من) ماء (جار) تعتبر بنفسها (كمنفرد). وانما ذكرت هذه الرواية " لقوتها وتشهيرها وما ينبني عليها مما يوهم انه على المذهب.
قال في " الإنصاف ": وعنه: تعتبر كل جرية بنفسها. اختارها القاضى وأصحابه، وقال: هي المذهب.
قال الزركشي: هي اختيار الأكثرين.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٥٩١) ٢: ٢٦٥.
[ ١٧١ ]
قال في " الكافي ": وجعل أصحابنا المتأخرون كل جرية كالماء المنفرد. واختارها في " المستوعب ".
قال في " الفروع ": وهي أشهر.
قال في " الحاوي الكبير ": هذا ظاهر المذهب.
قال الأصحاب: فيفضي إلى تنجيس نهر كبير بنجاسة قليلة لا كثيرة؛ لقلة ما يحاذي القليلة، إذ لو فرضنا كلبًا في جانب نهر وشعرة منه في جانبه الآخر لكان ما يحاذيها لا يبلغ قلتين؛ لقلته، والمحاذي للكلب يبلغ قلالًا كثيرة. انتهى. (ف) على هذه الرواية (متى امتدت نجاسة بـ) ماء (جار فكل جرية نجاسة مفردة).
قال في " الفروع ": وان امتدت النجاسة فقيل واحدة. وقيل: كل جرية نجاسة منفردة. انتهى.
وقد علمت أن المذهب اعتبار جميع الماء الجاري؛ لأن الذي عليه جماهير الأصحاب أن حكمه. كالراكد. وكلامه في " الإنصاف " يوهم خلاف ذلك فانه قال: فوائد: الأولى كذا. ثم قال: الثانية: لو امتدت النجاسة فما في كل جرية نجاسة منفردة، على الصحيح من المذهب. اختاره المصنف والشارح وجزما به، وابن رزين في " شرحه ". وقيل: الكل نجاسة واحدة، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ". انتهى.
فلم يبين هل ذلك على القول بأنه تعتبر كل جرية بنفسها أو لا؛. ثم أشار إلى بيان الجرية بقوله:
(والجرية ما أحاط بالنجاسة) من الماء يمنة ويسرة وعلوًا وسفلًا إلى قرار النهر (سِوَى ما وراءها)، لأنه لم يصل إليها، (و) سوى ما (أمامها) " لأنها لم تصل إليه. وفيهما وجه.
قال في " الفروع ": وقال الشيخ: وما انتشرت إليه عادة أمامها وورائها. انتهى.
[ ١٧٢ ]
(وان لم يتغير) الماء (الكثير) الذي هو قلتان فصاعدًا بملاقاة النجاسة (لم ينجس)؛ لحديث القلتين؛ (إلا ببول آدمي أو عذرة رطبة أو يابسة ذابت) في الماء دون الخارج من سبيل سائر الحيوانات غير الآدمي. نص عليه. وعنه: أو لم تذب.
والأول المذهب (عند أكثر المتقدمين والمتوسطين) من الأصحاب. ويروى نحو ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - فروى الخلال بإسناده " أن عليّا رضي الله تعالى عنه سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها ". وهو قول الحسن؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يبولَنَّ أحدكمْ في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه " (^١) . متفق عليه.
وهذا يتناول القليل والكثير وهو خاص في البول فيجمع بينه وبين حديث القلتين، بحمل هذا على البول، وبحمل حديث القلتين على سائر النجاسات.
والعذرة الرطبة واليابسة اذا ذابت في الماء في معنى البول؛ لأن أجزأءها تتفرق في الماء وتنتشر. بل هي أفحش منه.
(إلا أن تعظم مشقة نزحه) أي نزح الماء الذي حصل فيه البول أو العذرة الموصوفة في العرف؛ (كمصانع مكة) فلا يتنجس ببول آدمى ولا غيره ما لم يتغير.
قال في " الشرح ": لا نعلم خلافًا أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة مثل: المصانع التي جعلت موردًا للحجاج بطريق مكة يصدرون عنها ولا ينفد ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغير. انتهى.
ولا فرق فيما تقدم بين قليل البول والعذرة أو كثيرهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٦) ١: ٩٤ كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٨٢) ١: ٢٣٥ كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الدائم.
[ ١٧٣ ]
قال مهنا: سألت أحمد عن بئر غزيرة وقعت فيها خرقة أصابها بول. قال: تنزح، لأن النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها.
قال في " الفروع ": ويتوجه من تقييد العذرة بالمائعة لا تنزح. انتهى.
وعنه: أن حكم البول والعذرة حكم سائر النجاسات فلا ينجس بها ما بلغ قلتين إلا بالتغير. قال في " التنقيح ": اختاره أكثر المتأخرين وهو أظهر. انتهى. لأن نجاسة بول الآدمى لا تزيد على نجاسة بول كلب وهو لاينجس القلتين. وحديث النهي عن البول في الماء الدائم لا بد من تخصيصه بدليل ما لا يمكن نزحه إجماعًا فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو متخصص بخبر القلتين ويكون تخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم، ولو تعارضا يرجح حديث القلتين لموافقته القياس، والتفريع على الأول.
(فما تنجس بما ذكر) أي ببول الآدمى أو العذرة المذكورة (ولم يتغير) مما نجس به (فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه) إضافة (بحسب الإمكان) عرفًا.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
واعتبر الأزجي وصاحب " المستوعب " الاتصال في صبه.
وتلك الإضافة إما بالصب وإما بإجراء ساقية إليه أو نحو ذلك " لأن هذا القدر المضاف يدفع نجاسة البول والعذرة عن نفسه وعما اتصل به، ولا ينجس إلا بالتغير إذا وردت عليه هذه النجاسة فكذلك إذا كان واردًا عليها، ومن ضرورة الحكم بطهارته طهارة ما اختلط به.
(وان تغير) ما تنجس ببول آدمي أو عذرته (فان شق نزحه فـ) طهارته (بزوال تغيره بنفسه، أو) زوال تغيره (بإضافة ما يشق نزحه) إليه، (أو بنزح يبقى بعده ما يشق نزحه)، لأن ما بلغ هذا الحد في الكثرة لا يكون لتنجيسه علة إلا التغير. فإذا زالت علة التنجيس طهر " كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلًا
[ ١٧٤ ]
(وان لم) يكن الماء المتغير بهذه النجاسة مما (يشق) نزحه (فـ) تطهيره (بإضافة ما يشق نزحه) إليه (مع زوال تغيره) وهذا طاهر.
(وما تنجس بغيره) أي: بغير ما ذكر من البول والعذرة بأن كان دون قلتين (ولم يتغيرفـ) تطهيره (بإضافة كثير) أي قلتين فصاعدًا.
(وان تغير) بالنجاسة (فان كثر) بأن كان قلتين فصاعدًا (فـ) يطهر (بزوال تغيره بنفسه، أو بإضافة) طهور (كثير) أي قلتين فأكثر إليه، (أو بنزح يبقى بعده كثير) وهو قلتان فصاعدًا.
(والمنزوح طهور بشرطه) وهو: زوال التغير منه وبلوغه حدًا يدفع به تلك النجاسة التي نزح من أجلها عن نفسه لو سقطت فيه ولم تغيره.
قال في " الإنصاف ": الماء المنزوح طهور ما لم تكن عين النجاسة فيه على الصحيح من المذهب. وقيل: طاهر؛ لزوال النجاسة به. انتهى.
وكلام " الإنصاف " محمول على أن عين النجاسة التي في المنزوح بأن تكون بحيث لو سقطت في المنزوح ابتداء نجسه فيكون نجسا بوجودها دواما.
(وإلا) أي وان لم يكن الماء الذي تغير بالنجاسة كثيرا، (أو كان كثيرًا مجتمعا من متنجس يسير: فـ) تطهيره (بإضافة) طهور (كثير) إليه (مع زوال تغيره).
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم أن نجاسة الماء النجس عينية.
وذكر شيخنا في " شرح العمده ": لا؛ لأنه يُطَهرغيره فنفسه أولى، وانه كالثوب النجس.
وذكر بعض أصحابنا في كتب الخلاف: أن نجاسته مجاورة سريعة الإزالة لا عينية فلهذا يجوز بيعه. وحرم الحلوانى وغيره استعماله إلا لضرورة. وذكر جماعة أن سقيه للبهائم كالطعام النجس.
وفي " نهاية الأزجي ": لا يجوز قربانه بحال بل يراق. وقاله في " التعليق " في المتغير وانه في حكم عين نجسة. بخلاف قليل نجس لم يتغير
[ ١٧٥ ]
فيجوز بَلُّ الطين به وسقي الدواب. انتهى.
(ولا يجب غسل جوانب بئر نُزحت).
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح.
قال المجد في " شرحه ": هذا الصحيح دفعا للحرج والمشقة وصححه في " مجمع البحرين ". انتهى.
وعنه: بلى.
وممن أطلق الروايتين صاحب " الفروع ".
وعمومه يشمل البئر الضيقة.
وقال القاضي في " الجامع الكبير ": الروايتان في البئر الواسعة. والضيقة يجب غسلها رواية واحدة.
قال في " الرعايتين " و" الحاويين ": ويجب غسل البئر الضيقة وجوانبها وحيطانها. وعنه: والواسعة أيضًا.
(والكثير) من الماء عند إطلاق أصحابنا (قلتان فصاعدا) أى فأكثر. بقلال هَجَر (^١) . بفتح الهاء والجيم.
قال في " القاموس ": قرية كانت قرب المدينة إليها تنسب القلال. انتهى.
وانما خصصنا القلتين بقلال هجر لوجهين:
أحدهما: ما روى الخطابي بإسناده إلى ابن جريج عن النبي ﷺ مرسلا:
" إذا كان الماء قلتين بقلال هجر " (^٢) .
الثاني: أن قلال هجر أكبر مايكون من القلال وأشهرها في عصر
_________________
(١) هجر: جاء في " اللسان ": قال ابن الأثير: هجر بلد معروف بالبحرين. فأما هجر التي ينسب إليها القلال الهجرية، فهي قرية من قرى المدينة، والنسب إلى هجر هجريًا على القياس، وهاجري على غير القياس. انظر: " لسان العرب " لابن منظور، مادة: هجر.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٢٦٢ كتاب الطهارة، باب قدر القلتين. وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب " الأم " ١: ٤.
[ ١٧٦ ]
النبي ﷺ. ذكره الخطابي فقال: هي مشهورة الصفة، معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل، فلذلك حملنا الحديث عليها وعملنا بالاحتياط.
(واليسير ما دونهما). والقلة: الجرة. وانما سميت قلة؛ لأتها تقل بالأيدي. وانما جعلتا حدًا للكثير؛ لأن حديث القلتين دل على نجاسة ما لم يبلغهما بطريق المفهوم وعلى دفعهما للنجاسة عن أنفسهما، فلذلك جعلناهما حدا للكثير.
(وهما خمسمائة رطل عراقي).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال بعد أسطر: وعنه: أربعمائة. ثم قال: وقال في " الكافي " و" الرعاية الكبرى ": وحكي عنه ما يدل على أن القلتين ستمائة رطل. ثم قال: قلت: ويؤخذ من رواية نقلها ابن تميم وابن حمدان وغيرهما: أن القلتين أربعمائه رطل وستة وستون رطلًا وثلثا رطل، فانهم قالوا: القلة تَسَع قربتين. وعنه: ونصفًا.
وعنه: وثلثًا.
والقربة تسعمائة رطل عند القائلين بها.
فعلى الرواية الثالثة: تكون القلتان ما قلناه، ولم أجد من صرح به، وانما يذكرون الروايات فيما تَسَعُ القلة، وما قلناه لازم ذلك. انتهى. ووجه المذهب: ما روي عن ابن جريج انه قال: " رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئًا " (^١) . والقربة مائة رطل بالعراقي باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب. والاحتياط أن يجعل الشيء نصفًا فكانت القلتان بما ذكرنا خمسمائة رطل بالعراقي.
(وأربعمائة) أى أربعمائة رطل (وستة وأربعون) رطلًا (وثلاثة أسباع رطل مصري وما وافقه) في قدره.
_________________
(١) ذكره البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٢٦٣ كتاب الطهارة، باب: قدر القلتين.
[ ١٧٧ ]
(ومائة) أي مائة رطل (وسبعة) أرطال (وسبع رطل دمشقي وما وافقه) في قدره.
(وتسعة وثمانون) رطلًا (وسبعا رطل حلبي وما وافقه) في قدره.
(وثمانون) رطلًا (وسبعان ونصف سبع رطل قدسي وما وافقه) في قدره.
والأصح من الوجهين كون هذا التقدير (تقريبًا فلا يضر نقص يسير) كرطل ورطلين من خمسمائة، لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوها بحد. انما قال ابن جريج: القربة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا، وانما جعلوا الشيء نصفا احتياطا، لأنه أقصى ما ينطلق عليه اسم شيء منكرا.
ويحيى بن عقيل قال: أظنها تسع قربتين. وهذا لا تحديد فيه.
والوجه الثاني: أن هذا التقدير على سبيل التحديد فيضر نقص الرطل ونحوه. ووجهه: أن ما اعتبر احتياطا كان واجبا، كغسل جزء من الرأس مع الوجه. ولأنه تقدير يدفع النجاسة فاعتبر تحقيقه، كالعدد في الغسلات.
(ومساحتهما) أي: مساحة ما يسع القلتين من الماء حال كونه (مربعًا ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا). قال في " التنقيح ": قاله ابن حمدان وغيره. (بذراع اليد). قال في " التنقيح ": والمراد ذراع اليد قاله القمولي الشافعي.
(و) حال كونه (مدورًا ذراع طولًا) أي: من كل جهة من حافاته إلى
ما يقابلها، (وذراعان). قال (المنقح: والصواب ونصف) أي: نصف (ذراع عمقًا) قال: (حررت ذلك فيسع كل قيراط) يعني من المربع (عشرة أرطال وثلثي رطل عراقي). انتهى.
وطريقة عمل ذلك: أن يضرب المخرج في المخرج والبسط في البسط، ويقسم حاصل البسط على حاصل المخرج. فتقول بسط الذراع والربع خمسة، فيؤخذ ربعه واحدًا، ويبسط الصحيح من جنس الكسر أي: أربعة، فإذا ضممت
[ ١٧٨ ]
ذلك كان مجموعه خمسة، وقد تكرر ذلك ثلاث مرات باعتبار طوله وعرضه وعمقه فيضرب خمسة في خمسة يبلغ خمسة وعشرين، ثم يضرب الحاصل في
خمسة يبلغ مائة وخمسة وعشرين وهو الحاصل من ضرب البسط بعضه في بعض، ومخرج الكسر من أربعة، وقد تكرر ذلك ثلاثة مرات فيضرب بعضه في بعض على نحو ما تقدم فيكون الحاصل من ذلك أربعة وستين، فتقسم بسط الأذرع الذي هو مائة وخمسة وعشرون على بسط المخرج وهو أربعة وستون التي هي سهام الذراع، فيحصل بالقسم ذراع ونصف ذراع وربع ذراع وثمن ذراع وخمسة أثمان ثمن ذراع.
فإذا أردنا معرفتها بالقيراط قلنا: الذراع أربعة وعشرون قيراطا، والنصف والربع والثمن أحد وعشرين قيراطا وذلك خمسة وأربعون قيراطا وخمسة أثمان
ثمن الذراع قيراطان إلا ثمنًا تضم إلى الخمسة والأربعين فيصير المجموع سبعة
وأربعين قيراطًا إلا ثمن قيراط.
ثم لك طريقان: أن شئت قسمت الخمسمائه رطل عليها فتقول: لكل سهم قيراط من سبعة وأربعين عشرة أرطال ينقص منها ثمن عشرة أحد وربع لنقص الثمن عن سبعة وأربعين ثم تضم الأحد والربع إلى الثلاثين الباقية من الخمسمائة فيكون مجموعه واحدًا وثلاثين وربعا نسبتها إلى ستة وأربعين وسبعة أثمان ثلثان، فهي نصيب كل قيراط منها. فعلم أن نصيب القيراط من خمسمائة رطل
عشرة أرطال وثلثا رطل. وان شئت بسطت السبعة والأربعين إلا ثمنا من جنس
الكسر فتكون ثلاثمائة وخمسة وسبعين وعليها القسم ثم تبسط الخمسمائة أيضًا من جنس الكسر فتكون أربعة آلاف وهي المقسومة فلك (^١) ذلك من ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعين عشرة يبقى من الأربعة آلاف مائتان وخمسون نسبتها من ثلثمائة وخمسة وسبعين ثلثان فتضم إلى العشرة فتبقى عشرة أرطال وثلثا رطل وهي ما يخص كل قيراط. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٧٩ ]
(و) الرطل (العراقي) زنته بالدراهم (مائة وثمانية وعشرون) درهما (وأربعة أسباع درهم، و) بالمثاقيل (تسعون مثقالا). . فهو (سبع) الرطل (القدسي وثمن سبعه، وسبع) الرطل (الحلبي وربع سبعه، وسبع) الرطل (الدمشقي ونصف سبعه، ونصف) الرطل (المصري وربعه وسبعه). والرطل القدسي ثمانمائة درهم، والحلبى سبعمائة درهم وعشرون درهما، والدمشقي ستمائة درهم، والمصري مائة درهم وأربعة وأربعون درهما. وكل رطل اثنا عشر أوقية لا تختلف في سائر البلاد، وأوقية العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وأوقية المصري اثنا عشر درهما، وأوقية الدمشقي خمسون درهمًا، وأوقية الحلبي ستون درهما، وأوقية القدسى ستة وستون درهما وثلثا درهم.
(وله) أى لمن أراد الطهارة، (استعمال ما لا ينجس إلا بالتغير) مع عدم تغيره،) ولو مع قيام) عين النجاسة (فيه) أي في الماء الطهور، (و) لو كان) بينه وبينها قليل) منه، لأنا إذا لم نحكم بنجاسته فلا فرق بين ما قرب من عين النجاسة وبين ما بعد.
(وما انتضح من) ماء (قليل لسقوطها) أي النجاسة (فيه) فهو (نجس)، لملاقاته النجاسة.
(ويعمل بيقين في كثرة ماء وطهارته ونجاسته، ولو مع سقوط عظم وروث شك في نجاستهما، أو طاهر ونجس وتغير بأحدهما ولم يعلم) التغير هل هو من الطاهر أو من النجس؛ لأن الشيء إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها، ووجود الأخرى وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء فيكون أيسر من الحدوث.
(وان أخبره) أي أخبر من يريد استعمال الماء (عدل) بنجاسته (وعيّن السبب) أي سبب النجاسه:) قُبل) بالبناء للمفعول أي لزم قبول خبره. رجلًا كان أو امرأة حرًا أو عبدًا. ومفهومه: انه أن لم يعين السبب لم يقبل وهو المذهب؛ لاحتمال اعتقاده نجاسة بسبب لا يعتقده من يريد استعمال الماء " كموت ذبابة فيه عند الشافعي. وقيل: يقبل خبره، وان لم يبين السبب.
[ ١٨٠ ]
(وان اشتبه) ماء (مباح طهور بمحرم أو نجس لا يمكن تطهيره) أي: النجس (به) أي: بالطهور فسيأتي حكم ذلك.
وان أمكن بأن يكون الطهور- قلتين وعنده اناء يضمهما وجب خلطهما فيه ويطهر، وإلا (ولا مباح) من الماء (طهور بيقين لم يتحر) أي: لم ينظر أيهما يغلب على ظنه انه الطهور أو المباح. فيستعمله (ولو زاد عدد المباح أو الطهور)؛ لأنه اشتباه مباح بمحظور فيما لا تبيحه الضرورة. فلم يجز التحري؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات.
وعنه: يتحرى أن زاد عدد الطهور ولو بواحد وكان النجس غير بول. وقيل: يتحرى مطلقًا إذا اشتبه طهور مباح بطهور محرم.
(و) على المذهب (يتيمم بلا إعدام)؛ لأنه غير قادر على استعمال الماء الطهور. أشبه ما لو كان عنده بئر ولا يمكنه الوصول إلى مائه.
وعنه: يشترط لصحة التيمم إعدامها بالإراقة أو الخلط؛ ليصير عادما للطهور بيقين.
(و) على المذهب (لا يعيد الصلاة) التي صلاها بالتيمم (لو علمه) أي علم الماء الذي يصح منه الوضوء (بعد) أي بعد صلاته.
قال في " الفروع ": في الأصح. انتهى.
قال في " الإنصاف ": ولو توضأ من أحدهما من غير تحرٍّ فبان انه طهور لم يصح وضوءه على الصحيح من المذهب. وقيل: يصح. وأطلقها في " الحاوي الكبير " و" الفائق ". انتهى.
والظاهر أن قوله: من غير تحرٍّ ليس بشرط على المذهب؛ لأن التحري ليس مطلوبًا منه، وانما الواجب عليه التيمم. والله أعلم.
وان توضأ بماء ثم علم نجاسته أعاد.
قال في " الفروع ": نقله الجماعة وفاقًا خلافًا للـ " رعاية " أن لم نقل: إزالة النجاسة شرطًا كذا قال. ونصه: حتى يتيقن براءته.
[ ١٨١ ]
وقال القاضي وأصحابه: بعد ظنه نجاسته. وذكر في " الفصول " والأزجي: أن شك هل كان وضوءه قبل نجاسة الماء أو بعده لم يعد؛ لأن الأصل الطهارة. وهذا معنى كلام غيرهما؛ لعدم العلم انه صلى بنجاسة. لكن يقال: شكه في القدر الزائد كشكه مطلقًا، فيؤخذ من هذا: لا يلزمه أن يعيد إلا ما تيقنه بماء نجس. وهو متجه وفاقًا لأبي يوسف ومحمد وبعض الشافعية، كشكه في شرط العبادة بعد فراغها. فهو كشكه في النية بعد الفراغ. وعلى هذا لا يغسل ثيابه وانيته. ونص أحمد: يلزمه وفاقًا. انتهى.
(ويلزم من) أي انسان (علم) الماء (النجس إعلام من أراد أن يستعمله). قال في " الإنصاف ": قدمه في " الرعاية الكبرى " في باب النجاسة، وفرضه في إرادة التطهير به. وقيل: لا يلزمه. وقيل: يلزمه أن قيل أن إزالتها شرط في صحة الصلاة، وأطلقهن في " الفروع ". انتهى.
ومن أصابه ماء ولا إمارة تدل على نجاسته كره سؤاله عنه، نقله صالح؛ لقول عمر رضي الله تعالى عنه: " يا صاحب الحوض لِلَّهِ لا تخبرنا " (^١) .
فلا يلزم الجواب. وقيل: بلى؛ كما لو سئل عن القبلة. وقيل: الأولى السؤال والجواب. وقيل: بلزومهما. وأوجب الأزجي إجابته أن علم نجاسته، وإلا فلا.
(ويلزمه) أي يلزم من اشتبه طهور له بنجس (التحري لحاجة شرب واكل)؛ كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة واحتاج إلى الأكل وليس عنده طعام حلال بيقين. (لا غسل فمه)؛ لأن الأصل الطهارة.
وعنه: لا يلزمه التحري.
وعلى الأولى لو لم يغلب على ظنه شيء استعمل ما شاء منهما في الشرب والأكل؛ لأنه حال ضرورة.
_________________
(١) أخرجه مالك فى " موطئه " (١٤) ١: ٥١ كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى ": ا: ٢٥٠ كتاب الطهارة، باب سؤر سائر الحيوانات سوى الكلب والخنزير.
[ ١٨٢ ]
وقيل: يلزمه غسل فمه؛ كما لو علم أن النجس الذي استعمله.
(و) أن اشتبه ماء طهور (بطاهر أمكن جعله) أي جعل الطاهر (طهورًا به) بأن كان الطهور قلتين فأكثر وعنده اناء يمكن ضمهما فيه (أو لا) أي: أو لم يمكن ذلك: (يتوضأ مرة) أي وضوءًا واحدًا يأخذ لكل عضو (من ذا غرفة ومن ذا غرفة).
وقيل: يتوضأ من كل واحد وضوءًا كاملا.
والأول المذهب؛ وذلك: أن الوضوء الواحد مجزوم بنية كونه رافعا.
بخلاف الوضوءين فانه لا يدري أيهما الرافع للحدث.
(ويصلي صلاة) واحدة.
قال في " الشرح ": لا نعلم فيه خلافًا. انتهى.
وتظهر للخلاف في كونه يتوضأ وضوءًا أو وضوئين فائدة. وهو: ما إذا كان عنده طهور بيقين. فمن يقول: يتوضأ وضوءين لا يصححهما معه، ومن قال: وضوءًا واحدًا من هذا غرفة ومن ذا غرفة يصححه معه فإلى ذلك أشرت بقولي:
(ويصح ذلك ولو مع طهور بيقين) ولا يتحر للطهارة في مطلق ومستعمل خلافًا للشافعي. قاله في " الفروع ".
(و) أن اشتبهت (ثياب طاهرة مباحة بنجسة أو محرمة ولا طاهر) عنده (أو مباح بيقين) فتارة يعلم عدم الثياب التي لا تصح فيها الصلاة وتارة لا يعلمه، (فان علم عدد) ثياب (نجسة أو محرمة صلى في كل توب) صلاة (وزاد) على العدد (صلاة) ينوي بكل صلاة الفرض احتياطا؛ كمن نسي صلاه من (^١) يوم. ووجه ذلك: انه أمكنه أداء فرضه بيقين فلزمه؛ كما لو لم تشتبه.
(وإلا) أي: وان لم يعلم عدد الثياب النجسة فانه يلزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة (حتى يتيقن صحتها) أي حتى يتيقن انه صلى في ثوب طاهر. وظاهره ولو كثرت الثياب؛ لأن هذا يندر جدًا فألحق بالغالب. وقيل: يتحرى مع كثرتها دفعا للمشقة.
_________________
(١) في أ: في.
[ ١٨٣ ]
وقيل: يصلي في واحد بلا تحر، وفي الإعادة وجهان.
قال في " الفروع ": ويتوجه أن هذا فيما إذا بان طاهرًا كنظيره في ماء مشتبه في وجه. انتهى.
وعلم من قول المتن: ولا طاهر أو مباح بيقين، انه إذا كان عنده ثوب تصح صلاته فمه غيرمشتبه بما لا تصح الصلاة فيه انه يلزمه أن يصلي فيه ويترك ما اشتبه.
قال في " الفروع ": ولا تصح في الثياب المشتبهة مع طاهر يقينا. انتهى.
ولا تصح إمامة من اشتبهت عليه ثياب تصح فيها الصلاة بما لا تصح فيها في شيء منها.
قال في " الفروع ": وفرق أحمد بين الثياب والأواني بأن الماء يلصق ببدنه.
قال الأصحاب: ولأنه ليس عليها أمارة، ولا لها بدل يرجع إليه، ويتوجه احتمال سواء. انتهى.
(وكذا) أي وكالثياب المتنجسة المشتبهة بالطاهرة في كونه لا يتحرى فيها ويصلي في كل واحد حتى يتيقن انه صلى في طاهر (أمكنة ضيقة) تنجس بعضها ونسي. فإذا تنجست زاوية من مكان ضيق واشتبهت ولا سبيل إلى مكان طاهر بيقين فانه يصلى في زاويتين من البيت. فإذا تنجست زاويتان فانه يصلي في ثلاث، وإذا تنجست ثلاث صلى في الأربع.
قال في " الفروع " بعد مسألة الثياب: وكذا الأمكنة. ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحرٍّ.
وان اشتبهت أخته بأجنبية لم يتحر. وقيل: بلى في عشيرة. وفي قبيلة كبيرة له النكاح. وفي لزوم التحري وجهان، ويتوجه مثله الميتة بالمذكاة.
قال أحمد: أما شاتان لا يجوز التحري، فأما إذا كثرت فهذا غير هذا.
ونقل الأثرم أنه قيل له: فثلاثة؛ قال: لا أدري. انتهى.
***
[ ١٨٤ ]
[باب الآنية]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الآنية وثياب الكفار وأجزأء الميتة.
ووجه مناسبة ذكر أحكام الآنية عقب باب المياه: كون الماء لا يقوم إلا بآنية.
و(الآنية: الأوعية) جمع اناء ووعاء وسقاء وأسقية، وجمع الآنية أوانى.
والأصل أآني أبدلت الهمزة الثانية واوًا كراهة اجتماع همزتين كآدم وأوادم.
(ويحرم اتخاذها واستعمالها) أي الآنية (من ذهب وفضة).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم. ثم قال: وعنه: يجوز اتخاذها، وذكرها بعض الأصحاب وجها في المذهب.
واتخاذها هو جعل الذهب والفضة على هيئة الآنية؛ لأن ما حرم استعماله مطلقًا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ كالملاهي.
والدليل على تحريم استعماله ما روى حذيفة أن النبي ﷺ قال: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها. فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " (^١) .
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرحر في بطنه نار جهنم " (^٢) . متفق عليهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٥١١٠) ٥: ٢٠٦٩ كتاب الأطعمة، باب الأكل في اناء مفضض. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٢٠٦٧) ٣: ٦٣٨ ١ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال اناء الذهب والفضة. .
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٣١١) ٥: ٢١٣٣ كتاب الأشربة، باب آنية الفضة. =
[ ١٨٥ ]
فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه. ولأن في ذلك سرفًا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
والجرجرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف.
والاستعمال في غير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما قد خرج مخرج الغالب وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به.
(و) يحرم اتخاذ الآنية أيضًا (من عظم آدمى وجلده)؛ لحرمته.
وما حرم اتخاذ الآنية واستعمالها منه يحرم اتخاذ الآلة منه؛ كالقلم (حتى الميل ونحوه)؛ كالكرسي والسرير.
وحكى ابن عقيل في " الفصول " أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مِسْعَطا، أو قنديلًا، أو نعلين، أو مجمرة أو مدخنة ذهبًا أو فضة كره، ولم يحرم. ويحرم سرير وكرسي. ويكره عمل خفين من فضة، ولا يحرم كالنعلين. قال: ومنع من الشربة والملعقة.
قال في " الفروع " بعد نقل ذلك: كذا حكاه، وهو غريب.
قال في " الإنصاف " بعد ذكره كلام " الفروع ": قلت: هذا بعيد جدًا والنفس تأبى صحة هذا.
ولا يختص تحريم ذلك بالذكور وإلى ذلك أشرت بقولي: (و) حتى (على أنثى) لعموم الأخبار وعدم المخصص. وانما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج. وهذا يختص بالحلي فاختصت الإباحة به.
(وتصح الطهارة من اناء من ذلك) أي مما يحرم اتخاذ الاناء منه، (و) من اناء (مغصوب أو ثمنه محرم) بأن يكون عين الثمن مغصوبًا أو خمرًا أو خنزيرًا أو نحو ذلك. وقيل: لا تصح الطهارة من اناء محرم الاستعمال اختاره أبو بكر؛ لأنه
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠٦٥) ٣: ١٦٣٤ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أوانى الذهب والفضة.
[ ١٨٦ ]
استعمل المحرم في العبادة. فلم تصح، كما لو صلى في دار مغصوبة.
ورد بأن القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، لأنه استعمال لها، وأفعال الوضوء من المسح والغسل ليس بمحرم " لأنه ليس باستعمال للاناء، وانما يقع ذلك بعد رفع الماء من الاناء وفصله عنه. أشبه ما لو اغترف باناء محرم الاستعمال في اناء غيره ثم توضأ منه.
(و) تصح الطهارة أيضًا (فيه) أي: في الاناء المحرم.
ومن صور ذلك: لو غصب حوضًا يسع قلتين وملأه ماءًا مباحًا وانغمس فيه محدث ناويًا رفع حدثه فانه يرتفع، لأن الاناء ليس بشرط للطهارة. أشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب فان ذلك لا يؤثر في صحة الصلاة.
(وإليه) أي: إلى الاناء المحرم بأن جعله مصبالماء الوضوء أو الغسل فان ذلك لا يؤثر " لأن المنفصل الذي يقع في الاناء قد رفع الحدث. فلم يبطل بوقوعه فيه.
(و) اناء (مُمَوَّه) بالرفع اسم مفعول من موه. وصوره ذلك: أن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيها الاناء من النحاس ونحوه فيكتسب منه لونه.
(و) اناء (مطلي) بذهب أو فضة بأن يجعل الذهب أو الفضة ورقًا ويطلى به الاناء من الحديد ونحوه.
(و) اناء (مُطَعَّم) بذهب أو فضة بأن يحفر في الاناء من الخشب أو غيره حفرًا ويوضع فيها قطع من الذهب أو الفضة مقدرة على قدر تلك الحفر.
(و) اناء (مُكفت). وصورة ذلك: أن يبرد الاناء من الحديد ونحوه حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة ثم يوضع فيها شريط رقيق من الذهب أو الفضة ويدق حتى يلصق بالاناء. .
(كَمُصْمَت) يعني أن الاناء المموه والمطلي والمطعم والمكفت بذهب أو فضة في حكم التحريم كمصمت أي: كمنفرد من ذلك النوع الذي موه أو طلي أو طعم أو كفت به " لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من شرب من اناء ذهب
[ ١٨٧ ]
أو فضة أو من اناء فيه شيء من ذلك فانما يجرحر في بطنه نار جهنم " (^١) . رواه الدارقطني. ولأن العلة التي لأجلها حرم المصمت وهي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء موجودة في المموه والمطلي والمطعم والمكفت.
(وكذا) في الحكم اناء (مضبب) بذهب أو فضة. وصورة ذلك: أن ينكسر الاناء من الخشب أو نحوه فيضبب بضبة كبيرة أو يسيرة من ذهب، أو- كبيرة من فضة فيحرم استعمال هذا الاناء كما يحرم استعمال المكفت ونحوه بسبب ذلك؛ لوجود العلة فيه.
(لا) إذا ضبب بضبة (يسيرة عُرفًا من فضة لحاجة) فانه لا يحرم استعماله مع ذلك، لما روى أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- " أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة " (^٢) . رواه البخاري.
وهذا مخصص لعموم الأحاديث المتقدمة.
قال في " الشرح ": وممن رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير وميسرة وطاووس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وإسحاق ﵃. (وهي) أي: الحاجة (ان يتعلق بها) أي بالضبة اليسيرة من الفضة (غرض غير زينة) قال في " الشرح ": ومعنى ذلك: أن تدعو الحاجة إلى فعله، وليس معناه: أن لا يندفع بغيره. انتهى.
وإلى ذلك أشير بقولي: (ولو وُجد غيرُها.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١) ١: ٤٠ كاب الطهارة، باب أواني الذهب والفضة. وقال: إسناده حسن.
(٢) أخرجه اليخاري في " صحيحه " (٢٩٤٢) ٣: ١١٣١ أبواب الخمس، باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه.
[ ١٨٨ ]
وتكره مباشرتُها) أي: ضبة الفضة المباحة؛ لأن في مباشرتها استعمال للفضة المتصلة بالآنية.
ومحل الكراهة إذا كان استعمالها (بلا حاجة) فان احتاج إلى استعمالها لكونه إذا لم يباشرها عند الشرب تدفق الماء عليه أو نحو ذلك فانه لا يكره.
وفيما تقدم من المباح والمحرم خلاف فصله صاحب " الفروع ". وعبارته: ويحرم المضبب بذهب وفاقًا للشافعي. وقيل: كثير. وقيل: لحاجة. ويحرم بفضة وفاقًا للشافعي، واحتج بعضهم بأنه يحرم أبواب ذهب وفضه ورفوف، وان كان تابعًا بما يقتضي انه محل وفاق، فان كثرت الضبة لحاجة، أو قلّت لغيرها فوجهان. فان قلّت لحاجة أبيح وفاقًا. وقيل: يكره. وتباح مباشرتها لحاجة وبدونها، قيل: تحرم، وهو ظاهر كلامه. وقيل: تكره. وقيل: تباح.
والكثير ما كثر عرفا. وقيل: ما استوعب أحد جوانبه. . وقيل: ما لاح على بعد.
والحاجة: أن يتعلق بها غرض غير الزينة في ظاهر كلام بعضهم. قال شيخنا: مرادهم أن يحتاج إلى تلك الصورة، لا إلى كونها من ذهب وفضة فان هذه ضرورة، وهي تبيح المنفرد. وقيل: عجزه عن اناء آخر واضطراره إليه. وقيل: عجزه عن ضبه غيرها. انتهى.
(وكل) اناء (طاهر من غير ذلك) أي غير ما نص على حرمته (مباح) اتخاذه واستعماله. (ولو) كان ذلك الاناء (ثمينا) أي كثير الثمن؛ كالمتخذ من الجوهر والياقوت والزمرد لفقد العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة؛ لأن هذه الجواهر لا يعرفها إلا خواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه، ولا يحصل باتخاذها اناء تضييق؛ لأنها لا يكون منها درهم ولا دينار. ولأنها لقلتها لا يحصل اتخاذ آنية منها إلا نادرًا، ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالبًا. فلا تفضى إباحتها إلى استعمالها. بخلاف آنية
[ ١٨٩ ]
الذهب والفضة فانها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه.
فلو جعل فص خاتم جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهبًا لم يجز. والله أعلم.
(وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار ولو لم تحل ذبيحتهم وثيابهم ولو وَلِيَت عوراتهم)؛ كالسراويل. (وكذا من لابس النجاسة كثيرًا) كمدمن الخمر:
(طاهر مباح) خبران لـ " ما ".
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائده: ٥]. وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية.
وما " روي أن النبي ﷺ وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة " (^١) متفق عليه.
ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك.
قال في " الفروع ": وثياب الكفار وآنيتهم مباحة أن جهل حالها وفاقًا لأبي حنيفة. وعنه: الكراهة وفاقًا لمالك والشافعي. وعنه: المنع. وعنه:
فيما ولي عوراتهم. وعنه: المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته وكذا حكم ما صبغوه، وآنية من لابس النجاسة كثيرًا وثيابه. وقيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكفار في هذا سواء، ولا تسًال عن هذا ولا تبحث عنه،
فان علمت فلا تصل فيه حتى تغسله. واحتج غير واحد بقول عمر- رضي الله تعالى عنه- في ذلك: " نهانا الله عن التعمق والتكلف " (^٢) .
وبقول ابن عمر في ذلك: " نهينا عن التكلف والتعمق ".
وسأله أبو الحارث عن اللحم يشترى من القصاب؛ قال: يغسل. وقال شيخنا: بدعة. وبدنُ الكافر طاهر، وعند جماعة كثيابه. وقيل: وكذا طعامه
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٣٣٧٨) ٣: ١٣٠٨ كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٨٢) ١: ٤٧٤ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة. .
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ١١٧ كتاب آداب القاضي، باب إثم من أفتى أو قضى بالجهل.
[ ١٩٠ ]
وماؤه. انتهى.
(ويباح دبغ جلد) لحيوان طاهر، (نجس بموت) سواء كان مأكولا؛ كالبعير ونحوه، أو غير مأكول؛ كالهر ونحوه.
(و) يباح (استعماله بعده) أي بعد الدبغ؛ " لأن النبي ﷺ وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ: ألا أخذوا إهابها
فدبغوه فانتفعوا به " (^١) . رواه مسلم. ولأن الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة. ونجاسته لا تمنع الانتفاع به؛ كالاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار مطلقًا.
(و) استعمال (منخل من شعر نجس)؛ كشعر البغل. قال ابن قندس في " حاشية الفروع ": ونص على جواز المنخل من شعر نجس. انتهى.
ومحل إباحة استعمال الجلد والمنخل النجسين إذا كان الاستعمال (في يابس) احتراز به عن استعمالهما في مائع فانه يحرم.
قال كثير من الأصحاب: رواية واحدة.
وعنه: لا يجوز استعماله في اليابس أيضًا.
(ولا يطهر) الجلد (به) أي بالدبغ. نقله الجماعة عن أحمد. ويروى ذلك عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم؛ لما روى عبد الله بن عكيم " أن النبى ﷺ كتب إلى جهينة انى كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميته بإهاب ولا عصب " (^٢) . رواه
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦٣) ١: ٢٧٧ كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤١٢٨) ٤: ٦٧ كتاب اللبأس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٨٠٢) ٤: ٣١٠. وأخرجه الطبراني في " الأوسط " ٢: ٣٠١.
[ ١٩١ ]
أبو داود والإمام أحمد وقال: إسناد جيد يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. وليس في أبي داود: " كنت رخصت
لكم " ولا عند أحمد، بل ذلك من رواية الطبراني والدارقطني.
وفي لفظ: " أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين " (^١) . وهو ناسخ لما قبله؛ لأنه في آخر عهد رسول الله ﷺ. ولفظه دال على سبق الرخصة وانه متآخر عنه؛ لقوله: " كنت رخصت لكم "، وانما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله ﷺ.
فان قيل: هذا مرسل؛ لأنه من كتاب لا يعرف حامله. قلنا: كتاب النبي ﷺ كلفظه، ولذلك لزمت الحجة من كتب إليه النبي ﷺ وحصل له البلاغ؛ لأنه لو لم يكن حجة لم تلزمهم الإجابة ولكان لهم عذر في ترك الإجابة لجهلهم لحامل الكتاب، والأمر بخلاف ذلك.
وروى أبو بكر الشافعي بإسناده عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال:
" لا تنتفعوا من الميتة بشيء " (^٢) . وإسناده حسن. ولأنه جزء من الميتة. فلا يطهر بمعالجة؛ كلحمها.
قال في " الفروع ": ونقل جماعة أخيرًا طهارته وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه. وعنه: مأكول اللحم اختارهما جماعة، والمذهب الأول عند الأصحاب؛ لعدم رفع المتواتر بالآحاد (^٣)، وخالف شيخنا وغيره. يؤيده نقل الجماعة: لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، ونقل خطاب بن بشر: كنت أذهب إليه ثم رأيت السنة كلها. وهو المذهب عند الأصحاب.
وقال القاضي: وعندي أن أحمد رجع عن القول الأول؛ لأنه صرح به في
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٨٠٥) ٤: ٣١٠
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٢٥ كتاب الطهارة، باب المنع من الادهان في عظام الفيلة وغيرها مما لا يؤكل لحمه.
(٣) في ج: من الأحاديث.
[ ١٩٢ ]
رواية خطاب، وفي اعتبار غسله وجعل تشميسه دباغًا وجهان. ويتوجهان في تنزيه أو ريح، ولا يحصل بنجس، وفي " الرعاية ": بلى ويغسل بعده وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي وينتفع بما ظهر وفاقًا. وقيل: ويأكل المأكول وفاقًا لأحد قولي الشافعي. انتهى.
(ولا) يطهر (جلد غير مأكول بذكاة) أي بذبح؛ كلحمه.
قال في " الفروع ": ولا يجوز ذبح الحيوان لذلك خلافًا لأبي حنيفة. قال شيخنا: ولو في النزع. انتهى.
(ولبن) من ميتة، (وأنفحَّة) - بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تكسر الفاء- شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن.
قاله في " القاموس ".
(وجلدتها) أي جلد الأنفحّة من ميتة (وعظم وقرن وظفر وعصب وحافر من ميتة نجس).
أما اللبن والأنفحة فلأنهما مائعان لاقيا وعاء نجسا فتنجسا. وفيهما رواية بالطهارة، وأما جلدة الأنفحّة وما بعدها فمن جملة الميتة المحرمة. قال في " الفروع ": ولبن الميتة وأنفحّتها وجلدتها نجس، جزم به جماعة في الجلدة، وذكره في " الخلاف " فيها اتفاقا. وعنه: طاهر مباح وفاقًا لأبي حنيفة. ثم قال: وعظمها وقرنها وظفرها وعصبها نجس. وعنه: طاهر وفاقًا لأبي حنيفة.
قال بعضهم: فعلى هذا يجوز بيعه، اختاره ابن وهب المالكى، فقيل: لأنه لا حياة فيه وفاقًا لأبي حنيفة. وقيل- وهو أصح-: لانتفاء سبب التنجيس وهي الرطوبة. وعلى نجاسة ذلك لا يباع كما سبق وفاقًا لأبي حنيفة، وجوز مطرف وابن الماجشون المالكيان بيع انياب الفيل، وأجازه ابن وهب وأصبغ:
إذا دبغت بأن تغلى وتلصق (^١) . انتهى.
_________________
(١) في " الفروع ": وتسلق ١: ١١٠ باب الآنية.
[ ١٩٣ ]
(لا صوف وشعر وريش ووبر من) حيوان (طاهر في حياة) فانه لا ينجس بالموت. نقل الميموني: صوف الميتة لا أعلم أحدا كرهه.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ النحل: [٨٠].
والآية في سياق الامتنان فالظاهر شمولها لحالتي الحياة والموت، والريش مقيس على الثلاثة المذكورين.
قال في " الفروع ": وعنه: نجس وفاقًا للشافعي اختاره الآجري. قال: لأنه ميتة، وكذا من حيوان حي لا يؤكل. وعنه: من طاهر طاهر وافق الشافعية عليه؛ كجزه إجماعًا وكشعر آدمي وفاقًا للشافعي وان لم ينتفع به على الأصح فيهما لحرمته. وقيل: ينجس شعر هر؛ لزوال علة الطواف به وان لم ينجس شعر غيرآدمي جاز استعماله، وإلا ففي استعماله في يابس ولبسه في غير صلاة روايتان. واستثنى جماعه شعر كلب وخنزير وجلدهما، وفي طهارة رطوبة أصله بغسله (^١) وجهان. ونقل عبد الله: لا بأس به إذا غسل، وكذا. رواه الدارقطني عن أم سلمة مرفوعًا (^٢) وهو ضعيف. ونقل أبو طالب: ينتفع بصوفها إذا غسل، قيل: فريش الطير؛ قال: هذا أبعد. وحرم في " المستوعب " نتف ذلك من حي؛ لإيلامه، وكرهه في " النهاية ". انتهى.
(ولا) ينجس (باطن بيضة مأكول صلب قشرها) بموت الطائر.
قال في " الإنصاف ": بلا نزاع نص عليه، وان لم يصلب فهو نجس على الصحيح من المذهب. انتهى.
قال في " الشرح ": وان ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها فهي طاهرة، وهو قول أبو حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر، وكرهها علي بن أبي طالب وابن عمر ومالك والليث وبعض الشافعية؛ لأنها جزء من الميتة. ولنا أنها
_________________
(١) في الأصول زيادة: وذكر شيخنا وهو.
(٢) أخرجه الدارقطني في " السنن " (١٩) ١: ٤٧ كتاب الطهارة، باب الدباغ. من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ لقول: " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء ". قال الدارقطني: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره.
[ ١٩٤ ]
بيضة صلبة القشر منفصلة عن الميتة. أشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة، وكراهية الصحابة محمولة على التنزيه استقذارا لها. وان لم تكمل البيضه فقال بعض أصحابنا: ما كان قشرها أبيض فهو طاهر وما لم يبيض فهو نجس؛ لأنه ليس عليه حائل حصين. واختار ابن عقيل انها لا تتنجس؛ لأن البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا يتنجس منها إلا ما لاقى النجاسة؛ كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة؛ إلا أن هذه تطهر إذا غسلت؛ لأن لها من القوة ما يمنع دخول أجزأء النجاسة فيها، بخلاف السمن، والله أعلم. انتهى.
(وما أُبين من) حيوان (حي فـ) حكمه (كميتته) فان كانت ميتته طاهرة مباحة " كالسمك فما قطع منه مع بقاء الحياة فيه فهو طاهر مباح، وما كانت ميتته نجسة " كبهيمة الانعام فما قطع منها من قرن وظفر وحافر وعظم ولحم دون. أن تذكى فهو نجس، لقول النبي ﷺ: "مايقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " (^١) . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال في " الشرح ": وكذلك ما يتساقط من قرون الوعول في حياتها.
ويحتمل أن هذا طاهر؛ لأنه طاهر متصلا مع عدم الحياة فيه. فلم ينجس بفصله من الحيوان كالشعر. والحديث أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة فيموت بفصله لدليل الشعر. انتهى.
(وسن تخمير) أي: تغطية (انية وإيكاء) أي ربط فم (اسقية) جمع سقاء.
قال في " القاموس ": والسقاء ككساء جلد السخلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي الاناء ونوكي السقاء " (^٢) . رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٨٠) ٤: ٧٤ كتاب الأطعمة، باب ما قطع من الحي فهو ميت من حديث أبي واقد الليثي.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٣٦٩٣) ٣: ٣٣١ كتاب الأشربة، باب في الأوعية، ولفظه: " أنهاكم عن النقير، والمقير، والحنتم، والدباء، والمزادة المجبوبه، ولكن اشرب في سقائك وأوكه ".
[ ١٩٥ ]
والحكمة في ذلك: حفظه مما يحصل فيه مما يضر.
فوائد:
قال في " الفروع ": وفي الخرز بشعر خنزير روايات: الجواز وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، والكراهة والتحريم وفاقًا للشافعي. ويجب غسل ما خرز به رطبا لتنجيسه. وعنه: لا؛ لإفساد المغسول. وفي لبس جلد الثعلب وافتراش جلد سبع روايتان. ويجوز الانتفاع بالنجاسات في رواية وفاقًا لأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين عنه لكن كرهه أحمد وجماعة. وعنه: وشحم الميتة وفاقًا للشافعي أومأ إليه في رواية ابن منصور، ومال إليه شيخنا. وعنه: وفاقًا لمالك في إحدى روايتيه المنع، ويعتبر أن لا ينجس. وقيل: مائعا.
[ ١٩٦ ]
[باب الاستنجاء]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الاستنجاء.
ثم (الاستنجاء) شرعًا: (إزالة خارج من سبيل بماء، أو) رفع حكمه بما يقوم مقام الماء من (حجر ونحوه)؛ كخشب وخرق. وبعض الأصحاب عبر عن ذلك بالاستطابة.
قال في " القاموس ": واستطاب استنجى كأطاب. انتهى.
ويسمى الاستنجاء بالحجر ونحوه: استجمارًا، وهو استفعال من الجمار.
وهي الحجارة الصغار.
(يسن لداخل خلاء) بالمد، وهو موضع للمتوضأ به، والمكان الذي لا شيء به. والمراد به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة (ونحوه) أي: ونحو داخل الخلاء كالمريد لقضاء حاجة بالصحراء (قول: بسم الله)؛ لما روى علي قال: قال رسول الله ﷺ: " ستر ما بين الجن وعورات بني ادم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله " (^١) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال: ليس إسناده بالقوي.
ثم قول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)؛ لأن التسمية يبتدأ بها للتبرك.
ثم يستعيذ. وانما قدم التعوذ في القراءة على البسملة؛ لأنها من القرآن، والاستعاذة من أجل القراءة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٠٦) ٢: ٥٠٣ أبواب الصلاة، باب ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٧) ١: ١٠٩ كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء.
[ ١٩٧ ]
قال في " المقنع ": (الرجس النجس الشيطان الرجيم) وكذا قال في " البلغة "، ولم يزد في " الغنية " و" المحرر " و" الفروع " على قوله: من الخبث والخبائث، واقتصر في " الوجيز " على الاستعاذة من الرجس النجس الشيطان الرجيم، ولم يذكر الخبث والخبائث.
وكل لفظ من ذلك ورد في حديث. فروى انس: " أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم لِلَّهِ انى اعوذ بك من الخبث والخبائث " (^١) . متفق عليه.
قال في " الفروع ": روى البخاري إذا أراد دخوله، وفي رواية لمسلم:
" أعوذ بالله " (^٢) ٠ انتهى.
وروى أبو امامة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم انى أعوذ بك من الرجس النجس، الشيطان الرجيم " (^٣) . رواه ابن ماجه.
فما في " المقنع " و" البلغة " جامع لما في الحديثين.
والخبث بإسكان الباء، قاله أبو عبيدة. ونقل القاضي عياض انه أكثر روايات الشيوخ وفسره بالشر. والخبائث بالشياطين فكانه استعاذ من الشر وأهله.
وقال الخطابي: هو بضم الباء وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين واناثهم. وقيل: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين.
والرجس القذر، ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم. قاله في " القاموس ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٥٩٦٣) ٥: ٢٣٣٠ كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الخلاء. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٣٧٥) ١: ٢٨٣ كتاب الحيض، باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٣٧٥) ١: ٢٨٤ الموضع السابق.
(٣) أخرجه ابت ماجه في " سننه ") ٢٩٩) ١: ١٠٩ كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء.
[ ١٩٨ ]
والنجس: اسم فاعل من نجس ينجس فهو نجس.
قال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه أي: قالوا بكسر النون وسكون الجيم.
والشيطان: مشتق من شطن أي بعد، يقال: دار شطون أي: بعيدة. سمي بذلك؛ لبعده من رحمة الله تعالى. وقيل: من شاط، أي: هلك. سمي به؛ لهلاكه بمعصية الله تعالى.
والرجيم: نعت له، ويجوز أن يكون بمعنى راجم أي: يرجم غيره بالإغواء بمعنى مرجوم؛ لأنه يرجم بالكواكب عند استراقه السمع.
(وانتعاله وتغطية رأسه) أي: يسن لداخل الخلاء أن ينتعل ويغطي رأسه.
ذكرهما في " الفروع ": أما الانتعال ففي هذا الباب، وأما تغطية الرأس ففي باب عشرة النساء. قال: ذكره جماعة، قال في " الإنصاف ": قلت: منهم ابن حمدان في " رعايتيه " وابن تميم وابن عبيدان والموفق والشارح وغيرهم. انتهى.
(و) يسن له (تقديم يسرًاه) أي: رجله اليسرى (دخولا) أي: في حالة الدخول؛ لأن اليسرى تقدم للأذى، واليمين لما سواه.
(و) يسن (اعتماده عليها) أي: على الرجل اليسرى (جالسا) أي: في حالة جلوسه لقضاء الحاجة؛ لما روى سرًاقة بن مالك قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نتكئ على اليسرى وان ننصب اليمين " (^١) . رواه الطبرانى في " المعجم " والبيهقي. ولأنه أسهل لخروج الخارج.
(و) يسن له تقديم (يمناه خروجا)؛ لأنها أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة؛ (كخلع) أي: كما تقدم اليسرى إذا أراد خلع نعل أو خف، ويؤخر اليمين.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٦٦٠٥) ٦: ١٣٦. وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى " ١: ٩٦ كتاب الطهارة، باب تغطية الرأس عند دخول الخلاء.
[ ١٩٩ ]
(وعكسه) أي: وعكس ذلك وهو تقديم اليمنى وتأخير اليسرى في الدخول (مسجد وانتعال) ونحوهما، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى " (^١) . رواه الطبرانى في
" المعجم الصغير ". ولأن اليمنى أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة.
(و) يسن لمن أراد قضاء الحاجة وهو (بفضاء بُعدٌ) " لما روى جابر: " أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد " (^٢) . رواه أبو داود.
(واستتار) " لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أتى الغائط فليستتر. فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به " فان الشيطان يلعب
بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " (^٣) . رواه أبو داود.
وروى عبد الله بن جعفر قال: " كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل " (^٤) . رواه مسلم.
وفسر بأنه جماعة النخل لا واحد له من لفظه.
(وطلب مكان رخو) بتثليث الراء أي: لين هش، لما روى أبو موسى قال: " كنت مع النبي ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدًار فبال ثم قال: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله " (^٥) . رواه أحمد وأبو داود. قال في " القاموس ": دَمِثَ المكانُ وغيرهُ كَفِرَحَ، سهل ولانَ. انتهى.
وفي " التبصرة ": ويقصد مكانًا علوًا. انتهى.
ولعله: لينحدر عنه البول.
_________________
(١) أخرجه الطبرانى في " المعجم الصغير " ١: ٢٥ وقال: لم يروه عن ابن شوذب إلا محمد بن كثير.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢) ١: ١ كتاب الطهارة، باب التخلي عند قضاء الحاجة.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥) ١: ٩ كتاب الطهارة، باب الاستتار في الخلاء.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٤٢) ١: ٢٦٨ كتاب الحيض، باب ما يستتر به لقضاء الحاجة.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣) ١: ١ كتاب الطهارة، باب الرجل يتبوأ لبوله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٤٩٧) ٤: ٣٩٩.
[ ٢٠٠ ]
(ولَصْقُ ذكرهِ بصُلب) بضم الصاد. أي: شديد أن لم يجد مكانا رخوًا؛ لأنه يأمن بذلك من رشاش البول.
(وكره) له (رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)؛ لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمه وقد سماه بعض الرواة: القاسم بن محمد عن ابن عمر " أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض " (^١) . ولأن ذلك أستر له.
والمراد بلا حاجة.
(و) كره له (أن يصحب ما) أى شيئًا (فيه اسم الله تعالى)؛ لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه " (^٢) . رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي.
وقد صح أن نقش خاتمه " محمد رسول الله " (^٣) . ولأن الخلاء موضع القاذورات فشرع تعظيم اسم الله تعالى وتنزيهه عنه.
(بلا حاجة) إلى ذلك، كما لو لم يجد من يحفظه وخاف ضياعه.
وعنه: لا يكره.
قال في " الفروع ": وفي " المستوعب " وغيره تركه أولى وجزم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤) ١: ٤ كتاب الطهارة، باب كيف التكشف عند الحاجة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٩) ١: ٥ كتاب الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧٤٦) ٤: ٢٢٩ كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الخاتم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٣) ١: ١١٠ كتاب الطهارة، باب ذكر الله ﷿ على الخلاء والخاتم في الخلاء. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٣ ٥٢) ٨: ١٧٨ كتاب الزينة، نزع الخاتم عند دخول الخلاء. قال أبو داود: هذا حديث منكر، وانما يعرف عن ابن جريج عن زياد عن الزهري عن أنس، والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام. وقال في " زوائد ابن ماجه ": هو متفق على تضعيفه. والحديث بهذا اللفظ غير ثابت. انتهى.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧٤٥) ٤: ٢٢٩ كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الخاتم وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٢٠١ ]
بتحريمه؛ كمصحف.
(لا دراهم ونحوها)، كدنانير فيها اسم الله تعالى " لمشقة التحرز من ذلك.
قال أحمد: فالرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم أرجو أن لا يكون به بأس.
قال في " الفروع ": ويتوجه في حرز مثلها، وقال صاحب النظم: وأولى ٠ انتهى.
(لكن يجعل فص خاتم) فيه ذكر الله تعالى واحتاج أن يصحبه (بباطن كف يمنى).
قال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. (و) كره له أيضًا (استقبال شمس وقمر)، لما فيهما من نور الله تعالى، وقد روي أن معهما ملائكة، وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليهما.
(و) استقبال (مهب ريح) خشية أن يرد عليه البول فيتنجس.
(و) كره له أيضًا. وقيل: يحرم عليه (مس فرجه) بيمينه (واستجماره بيمينه)؛ لما روى أبو قتادة أن رسول الله قال: " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " (^١) . متفق عليه.
وروى سلمان قال: " نهانا رسول الله ﷺ عن كذا، وان نستنجي باليمين " (^٢) . رواه مسلم.
فإذا كان يستجمر من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به، وان كان من بول أمسك ذكره بشماله ومسحه على الحجر.
ومحل الكراهة: أن فعل ذلك (بلا حاجة). فان كان لحاجة، (كصغر حجر تعذر وضعه بين عقبيه) وأحدهما عقب، ككتف وهو مؤخر القدم، (أو) تعذر وضعه بين (اصبعيه) أي: إبهامي رجليه (فيأخذه) أي الحجر (بها) أي بيمينه
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٢) ١: ٦٩ كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٧) ١: ٢٢٥ كتاب الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٢) ١: ٢٢٣ كتاب الطهارة، باب الاستطابة.
[ ٢٠٢ ]
(ويمسح بشماله).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. صححه المجد في
" شرحه " وابن عبيدان وصاحب " الحاوي الكبير " والزركشي و" مجمع البحرين "، وقدمه في " الرعاية الكبرى ". وقيل: يمسك ذكره بيمينه ويمسح بشماله. انتهى.
وبكل حال تكون اليسرى هي المتحركة؛ لأن الاستجمار انما يحصل بالمتحركة.
فان كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه؛ للحاجة.
قال في " التلخيص ": يمينه أولى من يسار غيره. انتهى.
وعلم مما تقدم انه إذا أمكنه وضع الحجر بين عقبيه أو أصبعيه لا يمسكه بيمينه. قال في " الفروع ": ويكره بيمينه وفاقًا للشافعي. وقيل: بتحريمه وأجزأئه
في الأصح. نقل صالح: أكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره مطلقًا، وذكره صاحب " المحرر "، وهو ظاهر كلام الشيخ، وحمله أبو البركات ابن منجى على وقت الحاجة لسياقه فيها، وترجم الخلال رواية صالح كذلك. انتهى.
(و) كره أيضًا (بوله في شق) بفتح الشين، واحد الشقوق، (و) بوله في (سرب) بفتح السين والراء، وهو ما يتخذه الوحش والذئب بيتًا في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر. قالوا لقتادة: ما تكره من البول في الجحر؛ قال: يقال: انها مساكن الجن " (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
وقد روي: " أن سعد بن عبادة بال بجحر بالشام ثم استلقى ميتا. فسمع من
بئر بالمدينة قائلا يقول:
نحن قتلناسيدالخز رج سعدبن عبادة
ورميناه بسهمين فلم نخطئفؤاده " (^٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٩) ١: ٨ كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الجحر.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٥٣٥٩ - ٥٣٦٠) ٦: ١٦. =
[ ٢٠٣ ]
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد. ولأنه يخشى أن يخرج ببوله دابة تؤذيه، أو ترده عليه فتنجسه.
(و) كره بوله في (اناء بلا حاجة).
قال في " الفروع ": والمنصوص: وفي اناء بلا حاجة. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا بأس به للحاجة؛ لقول أميمة: " كان للنبي ﷺ قدح
من عَيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير " (^١) . رواه أبو داود والنسائي.
والعيدان بفتح العين: الطوال من النخل.
قال في " القاموس ": ومنها كان قدح يبول فيه النبي ﷺ. انتهى.
(و) كره بوله في (مستحَم غير مُقيَّر أو مبلّط).
قال في " الفروع ": ومستحم غير مبلط. وعنه: ومبلط، وفي مقير روايتان. انتهى.
قال في " الشرح ": ولا يبول في المغتسل؛ لما روى الإمام أحمد
وأبو داود عن رجل صحب النبي ﷺ قال: " نهى النبي ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله " (^٢) . وقد روي " أن عامة الوسواس منه " (^٣) . رواه أبو داود وابن ماجه. وقال: سمعت علي بن محمد يقول: انما هذا في الحفيرة، فأما اليوم
فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير. فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به.
_________________
(١) = وأخرجه ابن سعد ٣: ٢: ١٤٥، وفي " أسد الغابة " ٢: ٣٥٨، و" الاستيعاب " ٤: ١٥٩، و" سير أعلام النبلاء " ١: ٢٧٧. () أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٤) ١: ٧ كتاب الطهارة، باب في الرجل يبول بالليل في الاناء ثم يضعه عنده. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢) ١: ٣١ كتاب الطهارة، باب البول في الاناء.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨) ١: ٨ كتاب الطهارة، باب في البول في المستحم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٣٠١٧) ٤: ١١١.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧) ١: ٧ كتاب الطهارة، باب البول في المستحم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٤) ١: ١١١ كتاب الطهارة، باب كراهية البول في المغتسل.
[ ٢٠٤ ]
وقال الإمام أحمد: ان صب عليه الماء وجرى في البالوعة فلا بأس، وقد قيل: أن البصاق على البول يورث الوسواس، وان البول على النار يورث السقم. انتهى.
(و) كره أن يبول في (ماء رآكد) ولو كان كثيرا، (و) في ماء (قليل جار): أما الراكد، فـ " لأن النبي ﷺ نهى عن البول فيه " (^١) في حديث متفق عليه. وعمومه يشمل الكثير الذي يشق نزحه في العادة.
وأما الجاري الكثير فلا بأس بالبول فيه، لأن تخصيص النهي بالراكد دليل على أن الجاري بخلافه.
وأما الجاري القليل فيتنجس بالبول.
قال في " الفروع ": وأطلق أحمد النهي عن بوله في راكد، وأطلق الآدمي البغدادي تحريمه فيه. وفي " النهايه ": يكره تغوطه فيه. انتهى.
قال في " الإنصاف ": ويكره بوله في ماء قليل جار، ولا يكره في الكثير على الصحيح من المذهب، واختار في " الحاوي الكبير " الكراهة، ويحرم التغوط في الماء الجاري على الصحيح جزم به في " المغني " و" الشرح ". وعنه: يكره، جزم به المجد في " شرحه " وابن تميم وصاحب " الحاوي الكبير " و" مجمع البحرين ". انتهى.
(و) كره (استقبال قبلة بفضاء باستنجاء او استجمار).
قال في " الإنصاف ": يكره استقبالها في فضاء باستنجاء واستجمار على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: لا يكره ذكره في " الرعاية ". قلت: ويتوجه التحريم. انتهى. قال في " الفروع " بعد أن قدم الكراهة: وقيل: لا؛ كبيت المقدس في
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٦) ١: ٩٤ كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٨١) ١: ٢٣٥ كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد.
[ ٢٠٥ ]
ظاهر نقل إبراهيم بن الحارث، وهو ظاهر ما في الخلاف، وحمل النهي حيث كان قبلة، ولا يسمى بعد النسخ قبلة، وذكر ابن عقيل في النسخ بقاء حرمته، وظاهر نقل حنبل فيه: يكره وفاقًا للشافعي. انتهى.
(و) كره (كلام فيه) أي في الخلاء (مطلقًا) سواء كان في غير مباح؛ كسؤال
عن شيء، أو مستحب؛ كإجابة مؤذن، أو و (٣)؛ كرد سلام. نص على هذه، لما روى ابن عمر قال: " مر بالنبي ﷺ رجل وسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه " (^١) . رواه مسلم وأبو داود.
وقال: " يروى أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام " (^٢) .
قال في " الفروع ": ويكره أن يتكلم ولو رد سلام نص عليه. وقال:
لا ينبغي أن يتكلم، وكرهه الأصحاب، وان عطس حمد بقلبه. وعنه: وبلفظه، وكذا إجابة المؤذن، ذكره أبو الحسين وغيره، وجزم صاحب " النظم " بتحريم القراءة في الحش وسطحه وهو متجه على حاجته، وظاهر كلام صاحب " المحرر " وغيره يكره؛ لأنه ذكر انه أولى من الحمام لمظنة نجاسته، وكراهه ذكر الله تعالى فيه خارج الصلاة، وفي " الغنية ": لا يتكلم، ولا يذكر الله (^٣)، ولا يزد على التسمية والتعوذ. انتهى.
(وحرم) على قاضي الحاجة لُبثُه فوق حاجته)، لما فيه من كشف العورة
بلا حاجة. وقيل: انه يدمي الكبد ويورث الباسور.
قال في " الفروع ": ولبثه فوق حاجته مضر عند الأطباء، وهو كشف لعورته خلوة بلا حاجة، وفي تحريمه وكراهته روايتان اختار القاضي وغيره الكراهه، واختار صاحب " المحرر " وغيره التحريم، وهي مسًا لة سترها عن الملائكة والجن، ذكره أبو المعالي، ومعناه في " الرعاية "، ويوافقه كلام صاحب
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ٣٧٠) ١: ٢٨١ كتاب الحيض، باب التيمم. وأخرجه ائو داود في " سننه " (١٦) ١: ٥ كتاب الطهارة، باب أي رد السلام وهو يبول.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٣٣) ١: ٠ ٩ كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر.
(٣) زيادة من " الفروع " ١: ١١٤.
[ ٢٠٦ ]
" المحرر " (^١) في ذكر الملائكة فانه احتج للتحريم بما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا: " إياكم والتعري فان معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهل هـ، فاستحيوهم وأكرموهم " (^٢) .
وكذا رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض بلا حاجة. وحيث لم يحرم خلافًا
للشافعي كره، وفي كلام ابن تميم جاز. وعنه: يكره، كذا قال. انتهى.
(و) حرم (تغوطه) أي: أن يتغوط (بماء) قليل وكثير جار وراكد، (وبوله وتغوطه) أي: أن يبول أو يتغوط (بمورده) أي: مورد الماء، (وطريق مسلوك، وظل نافع)؛ لما روى معاذ أن النبي ﷺ قال: " اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل " (^٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " اتقوا اللاعنين؛ قالوا:
وما اللاعنان؛ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم " (^٤) . رواه مسلم.
ففي إضافة الظل إليهم دليل على أن المراد المنتفع به، ولم يقيده في
" المستوعب ". وقيل: يكره البول في الطريق، والظل النافع، ومورد الماء، وصححه في " الإنصاف "، وصحح الحرمة في التغوط في الماء الجاري ثم قال: وعنه: يكره.
_________________
(١) في " الفروع ": ١: ١١٥. " المجرد ".
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٨٠٠) ٥: ١١٢ كتاب الأدب، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦) ١: ٧ كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها. وأخر جه ابن ماجه في " سننه " (٣٢٨) ١: ١١٩ كتاب الطهارة، باب النهي عن الخلاء على قارعه الطريق.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٩) ١: ٢٢٦ كتاب الطهارة، باب النهى عن التخلي في الطرق والظلال.
[ ٢٠٧ ]
وقال في " الشرح ": وأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به.
(وتحت شجرة عليها ثمر)؛ لأنه يفسد على الناس ثمرهم وتعافه النفس.
فأما إذا لم يكن عليها ثمر جاز أن لم يكن ظلا نافعًا؛ لأن أثر ذلك يزول بالأمطار إلى مجيء الثمرة.
(وعلى ما نهي عن استجماره به لحرمته)؛ كطعام الآدميين والبهائم.
(و) حرم (في فضاء) دون بنيان (استقبال قبلة واستدبارها)؛ لما روى
أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا " (^١) . رواه البخاري ومسلم. ولأن جهة القبلة أشرف الجهات فصينت عن ذلك. وانما جاز ذلك في البنيان؛ لما روى الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: " رأيت ابن عمر اناخ رأحلته ثم جلس يبول إليها فقلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؛ فقالك انما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس " (^٢) . رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم وقالا: على شرط البخاري. والحسن وان كان قد ضعفه جماعه فقد قواه جماعة، وروى له البخاري.
فهذا تفسير لنهيه ﷺ العام. فتحمل أحاديث النهي على الفضاء. وأحاديث الرخصة على البنيان.
قال في " الإنصاف ": أعلم أن في هذه المسألة روايات:
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٨٦) ١: ٤ ٥ ١ أبواب القبلة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٤) ١: ٢٢٤ كتاب الطهارة، باب الاستطابه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١١) ١: ٣ كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (٦٠) ١: ٣٥ كتاب الوضوء، باب ذكر الخبر المفسر. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " ا: ٥٤.
[ ٢٠٨ ]
إحداها: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الفضاء، وهي المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
قال الشيخ تقي الدين: هذا المنصوص عند الأصحاب.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر وجزم به في " الإيضاح " و" تذكرة ابن عقيل " و" الطريق الأقرب " و" العمدة " و" المنور " و" التسهيل " وغيرهم، وقدمه في " المحرر " و" الخلاصة " و" الحاويين " و" الفائق " و" النظم " و" مجمع البحرين ".
وقال: هذا تفصيل المذهب واختاره ابن عبدوس في " تذكرته " وصححه
ابن عبيدان وغيره.
والثانية: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان. جزم به في
" الوجيز " و" المنتخب "، وقدمه في " الرعايتين " واختاره أبو بكر عبد العزيز (^١) والشيخ تقي الدين وصاحب " الهدي " و" الفائق " فيه وغيرهم. والثالثة-: يجوز فيهما.
والرابعة: يجوز الاستدبار في الفضاء والبنيان، ولا يجوز الاستقبال فيهما.
والخامسة: يجوز الاستدبار في البنيان فقط. انتهى.
(ويكفي انحرافه) عن الجهة.
قال في " الفروع ": نقله أبو داود، ومعناه في " الخلاف " وفي " جامعه الكبير ". احتج لوجوب توجه المصلي إلى العين بأن التوجه ثبت للكعبة للتعظيم فيستوي فيه المواجهة. والغيبة كالمنع من الاستقبال والاستدبار بالبول. قال: ومن ذهب إلى توجه المصلي إلى الجهة يقول: الاستقبال والاستدبار يحصل إلى الجهة في حال الغيبة، وظاهر كلام صاحب " المحرر " وحفيده: لايكفي. انتهى.
_________________
(١) في ج: بن عبد العزيز.
[ ٢٠٩ ]
(و) يكفي أصلًا " (حائل ولو) كان الحائل (كمؤخرة الرحل).
قال في " الفروع ": ويكفي الاستتار في الأشهر بدابة، وجدًار، وجبل ونحوه. وفي إرخاء ذيله يتوجه وجهان.
وظاهر كلامهم: لا يعتبر قربه منها كما لو كان في بيته، ويتوجه وجه كسترة صلاة. يؤيده انه يعتبر نحو آخرة الرحل لتستر أسافله. انتهى.
(ويسن) لقاضي الحاجة (إذا فرغ) من حاجته (مسح ذكره من حلقة دبره) فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه (إلى رأسه ثلاثًا) " لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل.
(و) سن أيضًا بعد ذلك (نتره) أي الذكر (ثلاثًا) نص على ذلك وهو بالمثناة.
قال في " القاموس ": واستنتر من بوله اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصا عليه مهتما به. انتهى.
قال في " الفروع ": وذكر جماعة ويتنحنح، زاد بعضهم ويمشي خطوات،
وعن أحمد نحو ذلك.
وقال شيخنا: ذلك كله بدعة، ولا يجب باتفاق الأئمة، وذكر في " شرح
العمدة " قولا: تكره نحنحة ومشي ولو احتاج إليه، لأنه وسواس.
وقال الشيخ: يستحب أن يمكث بعد بوله قليلا. انتهى.
والأصل في مشروعيه النتر، ما روى عيسى بن يزداد عن أبيه مرفوعا قال:
" إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا " (^١) . رواه أحمد وأبو داود. ولأنه بالنتر يستخرج ما عساه أن يبقى ويخشى عوده بعد الاستنجاء.
(و) سن (بداء ذكر وبكر بقُبُل): أما الذكر، فلئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدبر، لأن قبله بارز. وأما البكر فألحقت بالذكر، لوجود عذرتها.
_________________
(١) أخرجه أبو دا ود في "مراسيله " ص: ٧٣ كتاب الطهارة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٢٦) ١: ١٨ ١ كتاب الطهارة، باب الاستبراء بعد البول. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٠٢٠) ٤: ٣٤٧.
[ ٢١٠ ]
(وتُخيّر ثيب) في البداءة بما شاءت من قبل أو دبر. وقيل: تبدا بالدبر.
ومتى لم ينتشر بول الثيب أجزأها الحجر ونحوه كالبكر.
قال في " الإنصاف ": وان تعدى إلى مخرج الحيض فقال الأصحاب: يجب غسله كالمنتشر على (^١) المخرج. ويحتمل أن يجزئ فيه الحجر.
قال المجد في " شرح الهداية ": وهو الصحيح فانه معتاد كثيرًا والعمومات تعضد ذلك، واختاره في " مجمع البحرين " و" الحاوي الكبير "، وقال هو وغيره: هذا إذا قلنا: يجب تطهير باطن فرجها على ما اختاره القاضي، والمنصو عن أحمد: انه لا يجب فتكون كالبكر قولا واحدا، وأطلقها ابن تميم. انتهى.
(و) سن (تحول من يخشى تلوثا) باستنجائه في مكانه؛ لئلا يتنجس.
(و) سن (قول خارج) للخلاء ونحوه: (غفرانك) بالنصب على المفعولية أي: أسألك غفرانك، مأخوذ من الغفر وهو الستر. والسر في ذلك انه لما خلص من النجو المثقل للبدن سًال الخلا ص مما يثقل القلب وهو الذنب " لتكمل الراحة. والأصل في مشروعية ذلك ما روت عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك " (^٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
(و) سن له أيضًا أن يقول: (الحمد لله الذي اذهب عني الأذى وعافاني)،
لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " (^٣) . رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الأكثر.
وفي " مصنف عبد الرزاق ": " أن نوحا ﵇ كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمد لله الذي اذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه ".
_________________
(١) في " الانصاف ": عن ١: ١٠٦.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٧) ١: ١٢ أبواب الطهارة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠١) ١: ١١٠ كتاب الطهارة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء.
[ ٢١١ ]
(و) يسن الجمع بين الحجر والماء فيسن (استنجاء بحجر ثم ماء) بعد الحجر؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها للنساء: " مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء فانى استحييتهم، وان رسول الله ﷺ كان يفعله " (^١) . رواه أحمد واحتج به في رواية حنبل والنسائي والترمذي وصححه. ولأن هذا أبلغ في الانقاء؛ لأن الحجر يزيل عين (^٢) النجاسة فلا تباشرها يده والماء يزيل ما بقى.
(فان عكس) بأن بدأ بالماء ثم ثنى بالحجر (كره) له ذلك. نص عليه.
(ويجزئه أحدهما) وهو الاستنجاء بالماء فقط أو بالحجر فقط؛ لقول أكثر
أهل العلم.
وحكي عن سعد بن أبي وقا ص وابن الزبير أنهما انكرا الاستنجاء بالماء. قال سعيد بن المسيب: هل يفعل ذلك إلا النساء.
وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
ودليل الأول ما روى أنس قال: " كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل انا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء " (^٣) . متفق عليه.
وأما الاقتصار على الحجر فهو جائز بغير خلاف بين أهل العلم، ومما يدل على ذلك ما روى أحمد وأبو داود من حديث جابر مرفوعا: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة احجار فانها تجزئ عنه " (^٤) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه ") ١٩) ١: ٣٠ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بالماء. وأخرجه النسائي في " سننه ") ٤٦) ١: ٤٢ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ٢٤٦٨٣) ٦: ٩٥.
(٢) في أوج: ما على.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥١) ١: ٦٩ كتاب الوضوء، باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧١) ١: ٢٢٧ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٠) ١: ١٠ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة. =
[ ٢١٢ ]
(والماء) وحده (أفضل) من الحجر وحده (كجمعهما) أي: كما أن جمعهما أفضل من الاقتصار على أحدهما؛ لماروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:
" نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨]
قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " (^١) . رواه أبو داود.
وروي عن ابن عمر: انه كان لا يفعله ثم فعله. وقال لنافع: انا جربناه فوجدناه صالحا. ولأنه يزيل العين والأثر، ويطهر المحل وأبلغ في التنظيف.
وأجيب عن انكار سعد بن أبي وقاص وابن الزبير، بأنه كان على من يعتقد وجوبه ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظة عليه فخافوا التعمق في الدين. فإذا استعمل الماء في فرج والحجر في آخر فلا بأس به.
(ولا يجزئ فيما) أي: في خارج من سبيل (تعدى موضع عادة) مثل: أن
ينتشر الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتدادا غير معتاد (إلا الماء)؛ لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه، فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء؛ كما لو تعدت يده أو رجله ونحوهما.
قال في " الفروع ": ونص أحمد رضي الله تعالى عنه: لا يستجمر في غير المخرج. وقيل: يستجمر في الصفحتين والحشفة وفاقًا للشافعي، واختار شيخنا وغيره (^٢) ذلك للعموم. وظاهر كلامهم: لا يمنع القيام الاستجمار ما لم يتعدى الخارج خلافًا للشافعي ولا يجب الماء لغير المتعدي. نص عليه. وقيل: بلى. ويتوجه مع اتصاله، ولا للنادر خلافًا لمالك. انتهى.
ومما لا يجزئ فيه إلا الماء ما أشير إليه بقوله: (كقبلي خنثى مشكل).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٨١٥) ٦: ١٠٨. كلاهما عن عائشة. ولم أجده من حديث جابر بهذا اللفظ. () أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤) ١: ١١ كتاب الطهارة، باب في الاستجاء بالماء.
(٢) في الأصول: وغير. وما أثبت من " الفروع " ١: ١١٩.
[ ٢١٣ ]
قال في " الإنصاف ": إذا خرج من أحد فرجي الخنثى نجاسة لم يجزئه الاستجمار، قاله في " النهاية " وجزم به ابن عبيدان، وقدمه في " الفروع "، ذكره في نواقض الوضوء. وقيل: يجزئ الاستجمار سواء كان مشكلا أو غيره إذا خرج من ذكره وفرجه.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه. يعني بالأجزأء. انتهى.
ووجه الأول: أن الأصل من القبلين غير معلوم، والاستجمار بالحجر
لا يجزئ في غير فرج أصلي. والله أعلم.
(و) كتنجس (مخرج غير فرج) بخارج منه أو من غيره.
قال في " الشرح ": وان انسد المخرج المعتاد وأنفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار. وحكي عن بعض أصحابنا انه صار معتادا. ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس. فلم يثبت فيه أحكام الفرج. ولأن لمسه لا ينقض الوضوء ولا يتعلق بالإيلاج فيه شيء من أحكام الوطء.
أشبه سائر البدن. انتهى.
(و) كتنجس (مخرج بغير خارج واستجمار بمنهي عنه).
قال في " الإنصاف ": لو تنجس المخرجان أو أحدهما بغير الخارج ولو باستجمار بنجس وجب الماء عند الأصحاب. وفي " المغني " احتمال بأجزأء الحجر.
قال الزركشي: وهو وهم. انتهى.
(ولا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج ثيب ولا) بداخل (حشفة أقلف
غير مفتوق).
قال في " الإنصاف ": لا يجب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة على الصحيح من المذهب نص عليه. انتهى.
قال في " الفروع ": وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في
[ ٢١٤ ]
نجاسة وجنابة وجهان، والنص عدمه فلا تدخل يدها واصبعها بل ما ظهر وفاقًا للشافعي. نقل جعفر: إذا اغتسلت فلا تدخل يدها في فرجها.
قال في " الخلاف ": أراد ما غمض من الفرج " لأن المشقة تلحق فيه.
قال ابن عقيل وغيره: هو باطن. وقال أبو المعالي وصاحب " الرعاية " (^١) وغيرهما: هو في حكم الظاهر، وذكره في " المطلع " عن أصحابنا، واختلف كلام القاضي. وعلى ذلك يخرج إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض؛
قال في " الرعاية ": لا، لأنه في حكم الظاهر.
وقال أبو المعالي: أن ابتل ولم يخرج من مكانه فان كان بين الشفرين نقض، وان كان داخلا لم ينقض، وقاله الحنفية قالوا: وان أدخلت أصبعها فيه انتقض " لأنها لا تخلو عن بلة. ويتوجه عندنا الخلاف. ويتخرج وفاقًا على ذلك أيضًا: فساد الصوم بدخول أصبعها، أو حيض إليه. والوجهان في حشفة الأقلف. وذكر (^٢) بعضهم أن حكم طرف القلفة كرأس الذكر، وأوجب الحنفية ما لا مشقة فيه من الفرج دون الأقلف، والدبر في حكم الباطن لإفساد الصوم بنحو الحقنة، ولا يجب غسل نجاسته. انتهى.
ويستحب لمن استنجى بالماء أن ينضح فرجه وسرًاويله.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وعنه: لا يستحب كمن استجمر. انتهى.
قال في " الفروع ": ومن ظن خروج شيء فقال أحمد: لا يلتفت حتى يتيقن زواله عنه فانه من الشيطان، فانه يذهب ان شاء الله تعالى. ولم ير أحمد حشو الذكر في ظاهر ما نقله عبد الله، وانه لو فعل فصلى ثم أخرجه فوجد به بللا فلا بأس، ما لم يظهر خارجا. وكره الصلاة فيما أصابه الاستنجاء (^٣) حتى
_________________
(١) في ج: و" الرعاية ".
(٢) في الأصول: ويكره. وما اثبت من " الفروع " ١: ١٢٢.
(٣) في " الفروع ": الاستجمار ١: ١٢٣.
[ ٢١٥ ]
يغسله، ونقل صالح: أو يمسحه، ونقل عبد الله: لا يلتفت إليه. انتهى. (ولا يصح استجمار إلا بطاهر) فلا يصح بنجس؛ " لأن ابن مسعود جاء إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة يستجمر بهما فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس " (^١) يعني: نجسا. رواه الترمذي. وهذا تعليل من النبي ﷺ يجب المصير إليه. ولأنه إزالة نجاسة فلا يحصل بالنجس كالغسل. وقد تقدم انه إذا استجمر بنجس لا يجزئ في المحل بعد ذلك إلا الماء.
(مباح) فلا يصح بمحرم؛ كمغصوب وذهب اوفضة؛ لأن الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم. واختار الشيخ تقي الدين الأجزأء في ذلك.
(مُنقًّ) اسم فاعل من أنقى أي: قالع؛ (كحجر وخشب وخِرَق).
فلا يجزئ بأملس من زجاج ونحوه، ولا بشيء رخو أو ندي؛ لأنه إذا لم يُنَقّ لم يحصل المقصود منه.
(وهو) أي الانقاء بالحجر ونحوه (ان يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، و) الانقاء (بماء خشونة المحل) بأن يدلكه حتى يرجع خشنا (كما كان) قبل خروج الخارج، ويواصل صب الماء ويسترخي قليلا.
(وظنه) الانقاء (كاف) فلا يشترط التحقق.
قال في " الإنصاف ": لو أتى بالعدد المعتبر اكتفى في زوالها بغلبة الظن. ذكره ابن الجوزي في " المذهب "، وجزم به جماعة من الأصحاب، وقدمه في " القواعد الأصولية ".
وقال في " النهاية ": لا بد من العلم بذلك. انتهى.
(وحرم) الاستجمار (بروث) ولو كان لمأكول (وعظم)؛ لما روى مسلم عن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧) ١: ٢٥ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين.
[ ٢١٦ ]
ابن مسعود (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم فانه زاد إخوانكم من الجن " (^٢) .
وروى الدارقطني: " أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بروث أو عظم وقال:
أنهما لا يطهران " (^٣) . وقال: إسناد صحيح.
وروى أبو داود عنه ﷺ " انه قال لرويفع بن ثابت: أخبر الناس انه من استنجى برجيع اوعظم فهو بريء من محمد " (^٤) .
وهذا عام في الظاهر منها وغيره. والنهي يقتضي الفساد وعدم الأجزأء.
(و) حرم أيضًا بـ (طعام ولو) كان الطعام (لبهيمة)؛ لأن النبي ﷺ علل النهي عن الروث والعظم بكونه زاد الجن فزادنا وزاد بهائمنا أولى؛ لكونه أعظم حرمة.
(و) حرم أيضًا بـ (ذي حرمة)؛ ككتب الفقه والحديث ونحو ذلك؛ لما فيه
من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها.
(و) حرم أيضًا بـ (متصل بحيوان)؛ كذنب البهيمة وصوفها المتصل بها؛ لأن له حرمة فهو كالطعام وقد ينجس شيئًا يلاقيه.
قال في " الفروع ": ويحرم في الأصح بجلد سمك أو حيوان مذكى. وقيل: مدبوغ أو حشيش رطب. انتهى.
(ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات؛ إما بحجر ذي شعب أو بثلاثة (تعم كل مسحة المحل).
قال في " الإنصاف ": وكيفما حصل الانقاء في الاستجمار أجزأ.
_________________
(١) في ج: أبي.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٥٠) ١: ٣٣٢ كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٩) ١: ٥٦ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء. من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه ائو داود في " سننه " (٣٦) ١: ٩ كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستجى به.
[ ٢١٧ ]
وقال القاضي وغيره: المستحب أن يُمِرَّ الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثانى من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يمر الثالت على المسربة والصفحتين فيستوعب المحل في كل مرة. انتهى.
وعنه: لا يجزئ أدل من ثلاثة أحجار فلا يجزئ الحجر ذو الشُّعَب؛
لقوله ﷺ: " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار " (^١) . رواه مسلم.
والأول أصح؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلات مرات " (^٢) . رواه أحمد.
وهذا يبين أن المقصود تكرار المسح لا تكرار الممسوح به. ولأنه استجمر بالحجر الكبير ثلاثًا منقية. فأجزأه؛ كما لو فصله ثلاثة أحجار واستجمر بكل منها فانه لا- فرق بين الصورتين إلا تفصيله، ولا أثر لذلك في التطهير. والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر؛ كما يقال: ضربته ثلاثة أسواط، أي: ثلاث ضربات بسوط. وذلك لأن معناه معقول ومراده معلوم، والحاصل من ثلاث أحجار الحاصل من ثلاث شعب، وكما لو مسح ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها فلامعنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه.
(فان لم ينق) بالمسحات الثلاث (زاد) حتى ينقى؛ لأن المحل إذا لم ينق لم يحصل المقصود بالاستجمار.
(وسن قطعه) أي: قطع ما زاد على الثلاث (على وتر)؛ لقول رسول الله ﷺ: " من استجمر فليوتر. من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " (^٣) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٢) ١: ٢٢٤ كتاب الطهارة، باب الاستطابة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده ") ١٤٦٠٦) ٣: ٣٣٦.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥) ١: ٩ كتاب الصلاة، باب الاستتار في الخلاء. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ٨٨٢٥) ٢: ٣٧١.
[ ٢١٨ ]
فإذا أنقى برابعة قطع على خامسة وهكذا، وان أنقى على وتر كخامسة أو سابعة لم يزد شيئًا.
(ويجب) الاستجمار (لكل خارج) من سبيل ولو نادرا كالدودة ونحوها، لعموم الأحاديث (إلا الريح) وفاقًا؛ لقول رسول الله ﷺ: " من استنجى من ريح فليس منا " (^١) . رواه الطبرانى في " معجمه الصغير ".
قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله
ولا في سنة رسوله ﷺ.
وعن زيد بن أسلم " في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذا قمتم من النوم " (^٢) . ولم يأمر بغيره. ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد به نص ولا هو في معنى المنصوص.
قال في " الشرح ": ولأنها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة. فلم يجب
غسل المحل منها؛ كسائر المحال الطاهرة. انتهى.
قال في " الفروع ": وهو واجب خلافًا لمالك في إحدى الروايتين عنه ولو لم يزد على درهم خلافًا لأبي حنيفة لكل خارج، وقيل: نجس. وقيل: نجس ملوث وهو أظهر وفاقًا للشافعي لا من ريح وفاقًا.
وقال في " المبهج ": لأنها عرض بإجماع الأصوليين. كذا قال.
وفي " الانتصار ": منع الشرع منه، وهي طاهرة، وفي " النهاية ": نجسة، فتنجس ماء يسيرا، والمراد على المذهب، أو أن تغير بها، وفي " الانتصار ": طاهرة لا تنقض بنفسها، بل بما يتبعها من النجاسة فتنجس ماء يسيرا. ويعفى عن خلع السراويل للمشقة، كذا قال. وقيل: الاستنجاء من نوم وريح وان أصحابنا بالشام قالب: الفرج ترمص كما ترمص العين، وأوجبت غسله، ذكره أبو الوقت الدينوري، ذكره ابن الصيرفي. انتهى كلامه في " الفروع ".
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ١: ١٩٦. ولم أره في " معجم الطبرانى الصغير ".
(٢) أخرجه مالك في " موطئه " (٩) ١: ٤٩ كتاب الطهارة، باب: وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة.
[ ٢١٩ ]
قال بعض الأصحاب معارضا لقوله في " المنهج ": أن الريح عرض بإجماع الأصوليين: من المعلوم أن للريح الخارج من الدبر رائحة منتنة قائمة بها ولا شك في كون الرائحة عرضا فلو كانت الريح أيضًا عرضا لزم قيام العرض بالعرض، وهو غير جائز عند المتكلمين.
(و) إلا الخارج (الطاهر، و) النجس (غير الملوث).
قال في " التنقيح ": ويجب لكل خارج إلا الريح. قلت: والطاهر وغير الملوث. انتهى.
وصحح في " الإنصاف " وجوب الاستنجاء منهما ثم قال: وقيل: لا يجب الاستنجاء للخارج الطاهر، وهو ظاهر " المحرر " و" المنور " و" المنتخب " فانهم قالوا: وهو واجب لكل نجاسة من السبيل وكذا قيده المجد في " شرح الهداية ".
قال ابن عبدوس في " تذكرته ": ويجب (^١) أحدهما لسبيل نجس بخارجه.
قال في " التسهيل ": وموجبه خارج من سبيل سوى طاهر. وقيل:
لا يجب للخارج الطاهر ولا للنجس غير الملوث قال: وتبعه الشارح، والقياس لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل، وكذا إذا كان الخارج طاهرًا؛ كالمني إذا حكمنا بطهارته؛ لأن الاستنجاء انما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا.
قال في " الفروع ": وهو أظهر، قال في " الرعاية الكبرى ": وهو أصح قياسًا. قلت: وهو الصواب. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؛ أم كيف
يحصل الانقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث؛ وهذا من أشكل ما يكون. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
_________________
(١) في " الانصاف " ١: ١١٣. ويجزئ.
[ ٢٢٠ ]
وانما لم أذكر ما صححه في " الإنصاف " وعزاه إلى جماهير الأصحاب من وجوب الاستنجاء من الطاهر وغير الملوث؛ لأنه لم يذكره في " التنقيح ".
(ولا يصح وضوء ولا تيمم قبله) أي: قبل الاستنجاء.
قال في " الفروع ": ولا يصح تقديم الوضوء عليه اختاره الأكثر. وعنه: يصح وفاقًا للأئمة الثلاثة وكذا التيمم. وقيل: لا يصح وفاقًا للشافعي. انتهى. ووجه المذهب: قوله ﷺ في حديث المقداد المتفق عليه: " يغسل ذكره ثم يتوضأ " (^١) . ولأنها طهارة يبطلها الحدث. فاشترط تقديم الاستنجاء عليها؛ كالتيمم.
والحكم في التيمم مخرج على الروايتين في الوضوء. وقيل: لا يصح وجها واحدا؛ لأنه لا يرتفع الحدث، وانما تستباح به الصلاة، ولا تباح مع قيام المانع؛ كالتيمم قبل الوقت.
فائدة:
قال في " الإنصاف ": لو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو على السبيلين غير خارجة منهما: صح الوضوء قبل زوالها على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم. وقيل: لا يصح. قاله القاضي في بعض كلامه.
قال ابن البنا (^٢): وليس بشيء. ثم قال بعد ذلك بأسطر: فعلى القول بعدم الصحة في التيمم: لو كانت النجاسة في غير السبيلين: صح تقديم التيمم على غسلها على الصحيح من المذهب، اختاره ابن عقيل في " الفصول ". قال المصنف في " المغني " وتبعه ابن منجى في " شرحه ": والأشبه الجواز. وصححه في " الرعاية الكبرى ". انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه (٢٨٨) ١:١١١ كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من فرج المرأة. عن عثمان. وأخرجه مسلم في " صحيحه (٣٠٣) ١: ٢٤٧ كتاب الحيض، باب المذي.
(٢) في " الانصاف " ١: ١١٥ ابن رزين.
[ ٢٢١ ]
تذنيب:
قال في " الفروع ": قال شيخنا: ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة ولو وقفت على طائفة معينة، كمدرسة ورباط، ولو في ماله " لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع فانما يسوغ مع الاستغناء، وإلا فيجب بذل المنافع المختصة للمحتاج " كسكنى داره، والانتفاع بماعونه، ولا أجرة في الأصح.
قال: وان كان في دخول أهل الذمة طهارة المسلمين تضييق أو تنجيس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم، قال: وان لم يكن ضرر ولهم ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين، فليس لهم مزاحمتهم. والله أعلم.
[ ٢٢٢ ]
[باب السواك]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام السواك والادهان والاكتحال والختان والحلق ونحو ذلك.
وسنن الوضوء: (التسوك). مصدر تسوك إذا دَلَّك فمه بالعود.
(وكونه) أي: التسوك) عَرْضًا) بالنسبة إلى الأسنان طولًا بالنسبة إلى الفم، وكونه (بيسرًاه) أي: بيده اليسرى (على الأسنان) جمع سن بكسر السين، (و) على (لِثًة) بتخفيف المثلثة وفتحها وكسر اللام، (و) على (لسان بعود رطب ينقي) الفم (ولا يجرح) ما يستاك به عليه، (ولا يضره ولا يتفتت) في الفم.
(ويكره بغيره) أي: بغير الرطب وبغير الذي ينقي الفم وبغير الذي لا يجرح ولا يضر ولا يتفتت.
(مسنون) خبر للتسوك (مطلقًا) أي: في جميع الأوقات؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " السواك مطهرةٌ للفم مرضاة للرب " (^١) . رواه الشافعي وأحمد وابن خزيمة والبخاري تعليقًا. ورواه أحمد أيضًا عن أبي بكر وابن عمر ﵄ (^٢) .
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٢٤٩) ٦: ٤٧. وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (١٣٥) ١: ٧٠ كتاب الوضوء، باب فضل السواك وتطهير الفم به. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٧١) ١: ٣٠ كتاب الطهارة، باب في صفه الوضوء.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧) ١: ٣ عن أبي بكر الصديق. وفي (٤٣٧٧ ٢) ٦: ٦٢. عن عائشة، ولم أره عن ابن عمر.
[ ٢٢٣ ]
وعن عائشة أيضًا قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك " (^١) . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(إلا لصائم بعد الزوال فيكره)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:
" لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (^٢) . متفق عليه.
وهو انما يظهر غالبًا بعد الزوال. فوجب اختصاص الحكم به. ولأنه أثر عبادة تستطاب شرعًا. فتستحب إدامته، كدم الشهيد عليه.
وعنه: يباح بعد الزوال.
وعنه: يستحب. قال في " الفروع ": اختاره شيخنا، وهو أظهر.
(ويباح قبله) أي: قبل الزوال (بعود رطب). وعنه: يكره به قبل الزوال أيضًا.
والأول أصح " لما روى عامر بن ربيعة قال: " رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " (^٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ورواه البخاري تعليقًا.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: " من خير خصال الصائم:
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٣) ١: ٢٢٠ كتاب الطهارة، باب السواك. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٥١) ١: ١٣ كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسو اك غيره. وأخرجه النسائي في " سننه " (٨) ١: ١٣ كتاب الطهاره، باب السواك في كل حين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٩٠) ١: ١٠٦ كتاب الطهارة، باب السواك. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٥٩٦) ٦: ١٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١٨٠٥) ٢: ٦٧٣ كتاب الصوم، باب هل يقول: اني صائم إذا شُتم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١٥١) ١: ٨٠٧ كتاب الصيام، باب فضل الصيام.
(٣) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٦٤) ٢: ٣٠٧ كتاب الصوم، باب السواك للصائم. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٢٥) ٣: ١٧ كتاب الصوم، باب ما جاء في السواك للصائم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٥١٢٤) ط إحياء التراب.
[ ٢٢٤ ]
السواك " (^١) . رواه ابن ماجه.
وهذان الحديثان محمولان على ما قبل الزوال؛ لما روى البيهقي بإسناده
عن علي أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشية " (^٢) .
(و) التسوك للصائم قبل الزوال (بيابس يستحب).
قال في " الإنصاف ": وأما الصائم قبل الزوال: فان كان بسواك غير رطب استحب له. ولم يذكر في ذلك خلافًا ويستدل لذلك بالحديثين المذكورين المتقدمين.
(ولم يصب السنة من استاك بغير عود) كمن استاك بأصبعه أو بخرقة؛ لأن
الشرع لم يرد به، ولا يحصل بذلك الانقاء الحاصل بالعود. وقيل: يصيبها.
وظاهر قوله في استحباب التسوك بعود رطب: التساوي بين جميع ما يستاك
به من العيدان.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقال في
" الفر وع ": ويتوجه احتمال: أن الأراك أولى. انتهى. قلت: ويتوجه أن أزال أكثر.
وذكر الأزجي: انه لا يعدل عن الأراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره.
قال في " الرعاية الكبرى ": من أراك أو زيتون أو عرجون. وقيل: أو قتاد. واقتصر كثير من الأصحاب على هذه الثلاثة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
قال في " الفروع ": ويكره بقصب؛ كريحان ورمان وآس ونحوها.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٦٧٧) ١: ٥٣٦ كتاب الصيام، باب ما جاء في السواك والكحل للصائم.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٤: ٢٧٤ كتاب الصيام، باب من كره السواك بالعشي.
[ ٢٢٥ ]
وقيل: يحرم وكذا تخلله به، قال بعضهم: ولا لتسوك بما يجهله؛ لئلا يكون من ذلك. انتهى.
(ويتآكد) استحباب السواك في خمسة مواضع: (عند صلاة): لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ انه قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " (^١) . رواه الجماعة.
يعني: لأمرتهم به أمر إيجاب.
ولما روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: " لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء " (^٢) . قال الشافعي: لو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشق.
(و) عند (انتباه) من نوم؛ لما روى حذيفة قال: " كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " (^٣) . متفق عليه.
يعني: يغسله، يقال: شاصه وماصه إذا غسله.
وعن عائشة قالت (^٤): " كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " (^٥) . رواه الإمام أحمد.
(و) عند (تغير رائحة فم) بمأكول أو غيره؛ لأن السواك مشروع لتطييب الفم
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ٨٤٧) ١: ٣٠٣ كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٢٥٢) ١: ٢٢٠ كتاب الطهارة، باب السواك. وأخرجه أبو داود فى " سننه ") ٤٦) ١: ١٢ كتاب الطهارة، باب السواك. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٢) ١: ٣٤ أبواب الطهارة، باب ما جاء في السواك. وأخرجه النسائي في " سننه ") ٧) ١: ١٢ كتاب الطهارة، الرخصة في السواك بالعشي للصائم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٨٧) ١: ١٠٥ كتاب الطهاره، باب السواك. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ٧٣٣٥) ٢: ٤٥ ٢.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده ") ١٨٣٥) ١: ٢١٤.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١٠٨٥) ١: ٣٨٢ أبواب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ٢٥٥) ١: ٢٢٠ كتاب الطهاره، باب السواك.
(٤) في ج: قال.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده ") ٢٥٣١٢) ٦: ١٦٠.
[ ٢٢٦ ]
وإزالة رائحته فتأكد عند تغيره.
(و) عند (وضوء)؛ لما جاء في حديث أبي هريرة: " لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء " (^١) . رواه الإمام أحمد وهو للبخاري تعليقًا.
(و) عند (قراءة) قرآن. قاله في " الفروع " و" الفائق " و" الرعاية الصغرى "
و" الحاويين " و" النظم " و" تذكرة ابن عبدوس " وغيرهم، زاد في " التسهيل ": وعند دخول المنزل، واختار المجد في " شرح الهداية " وزاد في " الرعاية الكبرى ": وعند الغسل. وقيل: عند دخول المسجد وجزم به الزركشي.
(وكان) السواك (واجبًا على النبي ﷺ). اختاره القاضي وابن عقيل. وقيل: لا. اختاره ابن حامد.
ويدل للأول ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي حنظلة بن أبي عامر: " أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا وغير طاهر. فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " (^٢) .
قال في " الفروع ": والسواك باعتدال يطيب الفم والنكهة، ويجلو الأسنان ويقويها، ويشد اللثة.
قال بعضهم: ويسمنها، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويمنع الحفر ويذهب به، ويصح المعدة، ويعين على الهضم، ويشهي الطعام، ويصفي الصوت، ويسهل مجاري الكلام، وينشط، ويطرد النوم، ويخفف عن الرأس، وفم المعدة.
قال الأطباء: واكل السعد والأشنان ينقي رأس المعدة، ويشد اللثة، ويطيب النكهة، ومضغ السعد دائما له تأثير عظيم في تطييب النكهة، ومن استفّ
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٩٣٠) ٢: ٤٦٠.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨) ١: ١٢ كتاب الطهارة، باب السواك. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٧١١) ٥: ٢٢٥.
[ ٢٢٧ ]
من الزنجبيل اليابس واللبان الخالص أذهبا عنه رائحة خلوف الفم، وما هو أشد من الخلوف.
(وسن بداءة ب) الجانب (الأيمن) من فم وبدن (في سواك وطهور و) في (شأنه كله)؛ كترجل وانتعال ونحو ذلك؛ لحديث عائشة: " أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله " (^١) . متفق عليه.
(و) سن (ادهان غبّا يومًا) يدهن (ويومًا) لا يدهن.
قال في " الفروع ": واحتجوا ب " انه ﷺ نهى عن الترجل إلا غبًا " (^٢)،
و" نهى أن يتمشط أحدهم كل يوم " (^٣) .
فدل على انه يكره غير الغب.
والترجل: تسريح الشعر ودهنه. وظاهر ذلك أن اللحية كالرأس.
وفي " شرح العمدة ": ودهن البدن.
والغب يومًا ويومًا. نقله يعقوب.
وفي " الرعاية ": ما لم يجف الأول، لا مطلقًا للنساء خلافًا للشافعى.
ويفعله لحاجة للخبر. واختار شيخنا فعل الأصلح للبدن " كالغسل بماء حار ببلد رطب " لأن المقصود ترجيل الشعر. ولأنه فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وان مثله نوع اللبس والمأكل.
وانهم لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده، ويلبس من لباس بلده. من غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها. قال: ومن هذا أن الغالب عليه وعلى أصحابه الإزار والرداء، فهل هما أفضل لكل أحد ولو مع القميص، أو الأفضل مع القميص السرًاويل فقط؛ هذا
_________________
(١) أخرجه البخارى في " صحيحه " (١٦٦) ١: ٧٤ كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٨) ١: ٢٢٦ كتاب الطهاره، باب التيمن في الطهور وغيره.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٨١١) ٤: ٨٦.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣١٧٩) ٥: ٣٦٩.
[ ٢٢٨ ]
مما تنازع فيه العلماء. والثانى أظهر، فالاقتداء به: تارة يكون في نوع الفعل وتارة في جنسه، فانه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره، لا لمعنى يخصه، فيكون المشروع هو الأمر العام. قال: وهذا ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه، بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه.
وعن أبي أمامة مرفوعا: " أن البذاذة من الإيمان. يعني: التَّقَحُّل " (^١) .
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وفي لفظ يعني: " التَّقَشُّف " (^٢) .
وقال أحمد: البذاذة: التواضع في اللباس.
وعن فضالة بن عبيد قال: " كان رسول الله ﷺ ينهانا عن كثير من الإرفاه ويأمرنا أن نحتفي احيانا " (^٣) . رواه أبو دا ود.
وعن عبد الله بن سفيان عن صحابي عامل بمصر قال. " كان النبي ﷺ ينهانا عن الإرفاه والترجيل كل يوم " (^٤) ٠ انتهى.
(و) سن (اكتحال) كل ليلة قبل النوم (في كل عين ثلاث)، لما روى ابن
عباس عن النبي ﷺ " انه كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال " (^٥) . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقيل: المسنون أن يكتحل ثلاثًا في اليمين واثنين في إليسار؛ لأنه إذا اكتحل في كل عين ثلاثة لم يحصل الوتر في العينين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤١٦١) ٤: ٧٥ كتاب الترجل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٢٨٩) ط إحياء التراث.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤١١٨) ٢: ١٣٧٩ كتاب الزهد، باب من لا يؤبه له.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤١٦٠) ٤: ٧٥ كتاب الترجل.
(٤) أخرجه النسائي في " سننه " (٥٨ ٥٠) ٨: ١٣٢ كتاب الزينة، الترجل غبا.
(٥) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧٥٧) ٤: ٢٣٤ كتاب، اللباس، باب ما جاء في الاكتحال. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٤٩٩) ٢: ١١٥٧ كتاب الطب، باب من اكتحل وترا. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٣٣٢) ١: ٣٥٤.
[ ٢٢٩ ]
والأول أولى؛ للحديث. ولأن لكل عين حكمها فلا يعتبر المجموع.
ويسن اتخاذ الشعر.
قال في " الفروع ": ويتوجه لا ان شق إكرامه وفاقًا للشافعي، ولهذا قال أحمد: هو سنة ولو نقوى عليه اتخذناه، ولكن له كلفة ومؤونة.
ويسرحه، ويفرقه، ويكون إلى أذنيه، وينتهي إلى منكبيه " كشعره ﷺ.
ولا بأس بزيادة على منكبيه وجعله ذؤابة.
قال أحمد: أبو عبيدة كانت له عقيصتان، وكذا عثمان.
ويعفي لحيته، وفي " المذهب " ما لم يستهجن طولها وفاقًا لمالك. ويحرم حلقها ذكره شيخنا.
ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة. ونصه: لا بأس بأخذه وما تحت حلقه كفعل ابن عمر. لكن " انما فعله إذا حج أو اعتمر " (^١) . رواه البخاري.
وفي " المستو عب ": وتر أولى. وقيل: يكره، وأخذ أحمد من حاجبه وعارضه. نقله ابن هانئ.
(ونظرٌ في مرآة).
قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط فإذا
فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط.
والحكمة في ذلك: أن يزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى، ويفطن إلى نعمة الله تعالى عليه في خلقه.
(وتطيب)؛ لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: " أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح " (^٢) . رواه الإمام أحمد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٥٣) ٥: ٢٢٠٩ كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٢٥٠) ٥: ٤٢١.
[ ٢٣٠ ]
(ويجب ختان ذكر) بأخذ جلدة الحشفة.
قال في " الفروع ": ذكره جماعة وفاقًا للشافعي، ونقل الميمونى: أو أكثرها، وجزم به صاحب " المحرر ".
(و) ختان (انثى) بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج شبه عرف الديك. ويستحب أن لا تؤخذ كلها نص عليه للخبر.
والدليل على وجوبه ما روي " أن النبي ﷺ قال لرجل أسلم: ألق عنك شعر الكفر واختتن " (^١) . رواه أبو داود.
وفي الحديث " اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة " (^٢) . متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وقال تعالى: (ثم أؤحتنآ إليك أن آتبع ملى إئرهيو حنيفا) [النحل: ١٢٣]. ولأنه من شعار المسلمين. فكان واجبًا؛ كسائر شعارهم. ولأنه يجوز كشف العورة والنظر إليها لأجله لغير التداوي، ولو لم يكن واجبًا لما جاز النظر إلى العورة من أجله.
قال أحمد: وكان ابن عباس يشدد في أمره حتى قد روي عنه: انه لا حج له
ولا صلاة.
وفي قول النبي ﷺ: " إذا التقى الختانان وجب الغسل " (^٣) دليل على أن النساء كن يختتن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٣٥٦) ١: ٩٨ كتاب الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٧٨) ٣: ١٢٢٤ كتاب الانبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إئرهيوظيلاص) [النساء]. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٧٠) ٤: ١٨٣٩ كتاب الفضائل باب من فضائل إبراهيم الخليل
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٤٩) ١: ٢٧١ كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧ ٢٦٠) ٦: ٢٣٩.
[ ٢٣١ ]
ولأن هناك فضلة. فوجبت إزالتها؛ كالرجل.
وعنه: لا يجب على النساء ختان؛ لأنه انما وجب على الرجال لما يستر
الكَمَرَة من الجلدة المدلاه عليها من أجل انه لا ينقي ما تحته، والمرأة ليست
كذلك.
وعنه: لا يجب مطلقًا.
والأول أصح.
(و) يجب ختان (قبلي خنثى) مشكل احتياطا. ومحل وجوبه (عند بلوغ)؛ لأنه قبل كذلك ليس بأهل للتكليف.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة.
ووجوبه مقيدًا بـ (ما) إذا (لم يخف على نفسه) التلف؛ لأن الوضوء والغسل
وما هو آكد من الختان يسقط بخشية التلف وهذا أولى.
قال في " المنور " و" المنتخب ": ويجب ختان بالغ أمن.
قال في " الفصول ": يجب إذا لم يخف عليه التلف.
(ويباح) الختان (إذا) أي مع خوف التلف فيكون مخيرا بين الفعل وعدمه. قال في " الفروع ": وان خاف على نفسه فقال أحمد: لا بأس أن لا يختتن، كذا قال أحمد وغيره، مع أن الأصحاب وغيرهم اعتبروه بفرض طهارة وصلاة وصوم من طريق الأولى، ومنعه صاحب " المحرر " وفاقًا للشافعى.
قال ابن قندس في " حواشيه على الفروع ": وجد في بعض النسخ لا بأس أن يختتن. ولعله أقرب بسياق اللفظ لقوله: كذا قال أحمد وغيره. مع أن
الأصحاب اعتبروه بفرض طهارة وصلاة وصوم من طريق الأولى، وظاهره أن كلام الأصحاب بخلاف كلام أحمد وغيره، وكون الأصحاب اعتبروه - أي:
قاسوه- بفرض طهارة وفرض الطهارة يسقط بالخوف كالوضوء فانه يسقط فرضه بالخوف من استعمال الماء فيكون كلام أحمد: أن الختان لا يسقط بالخوف،
[ ٢٣٢ ]
ولا يحصل هذا المعنى إلا بقوله: لا بأس أن يختتن بإسقاط لا، وهذا دقيق فافهمه، وفرض الوضوء في هذه الصورة المتقدمة هو الماء واستعماله يسقط بالخوف. قاس الشيخ في المعنى سقوط الختان بالخوف على سقوط الغسل والوضوء، وان سقوط الختان بالخوف أولى. فظاهر ذلك أن الخوف المسقط للغسل والوضوء مسقط للختان. وفيه قولان: هل هو خوف التلف، أو الضرر على ما ذكره في التيمم؛. ويزاد هنا قول آخر وهو: عدم السقوط كما هو ظاهر رواية حنبل. انتهى كلام ابن قندس.
قال في " الفروع ": وان أمره به ولي الأمر في حر أو برد فتلف ففي ضمانه وجهان، وان أمره به وزعم الأطباء انه يتلف أو ظن تلفه ضمنه؛ لأنه ليس له. وفي " الفصول ": أن فعله في شدة حر أو برد أو في مرض يخاف من مثله الموت من الختان فحكمه كالحد في ذلك يضمن، وهو من خطأ الإمام، فيه الروايتان. (و) فعله (زمن صغر أفضل).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، زاد جماعة كثيره من الأصحاب: إلى التمييز.
قال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور.
وقال في " الرعايتين " و" الحاويين ": يسن ما بين سبع إلى عشر.
قال في " التلخيص ": ويستحب أن يختتن قبل مجاوزة العشر سنين، إذا
بلغ سنا يؤمن فيه ضرره.
قال في " المستوعب " في العقيقة: والأفضل أن يختن يوم حادي عشرين،
فان فات ترك حتى يشتد ويقوى، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئًا. وقيل:
التأخير أفضل، واختاره المجد في " شرحه ".
(وكره في سابع) للتشبه باليهود خلافًا للشافعي. وعنه: لا.
قال الخلال: العمل عليه.
(و) كره الختان (من ولادة إليه) أي: إلى اليوم السابع.
[ ٢٣٣ ]
قال في " الفروع ": ولم يذكر كراهة الأكثر.
(وسن استحداد وحف شارب وتقليم ظفر ونتف إبط)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط " (^١) . متفق عليه.
وقد تقدم الكلام على الختان.
وأما الاستحداد فهو: حلق العانة. وحكمه الاستحباب " لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه. وله قصه وإزالته بما شاء. والتنور (^٢) في العورة وغيرها فعله أحمد وكذا النبي ﷺ (^٣) . رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة وإسناده ثقات.
قال في " الفروع ": وقد أُعل بالإرسال، وقال أحمد: ليس بصحيح " لأن قتادة قال " ما اطّلى النبي ﷺ " كذا قال أحمد، وفي " الغنيه ": ويجوز حلقه، لأنه يستحب إزالته كالنورة، وان ذكر خبر بالمنع حمل على التشبه بالنساء، وكره الآمدي كثرة التنوير. ويدفن ذلك نص عليه، ويفعله كل أسبوع، ولا يتركه فوق أربعين يومًا عند أحمد، وفي " الغنية " روي عنه انه احتج بالخبر فيه أو صححه، وروي عنه انكاره وقيل له في رواية سندي: حلق العانة وتقليم الأظفار كم يترك؛ قال: أربعين للحديث. فأما الشارب ففي كل جمعة، لأنه يصير وحشا. وقيل: عشرين. وقيل: للمقيم. انتهى.
ويدل لكون ذلك كل جمعة ما أخرجه البغوي بسنده إلى عبدالله بن عمرو بن العا ص " أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة " (^٤) .
قال في " الفروع ": ويحف شاربه خلافًا لمالك أو يقص طرفه، وحفه أولى
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٥٢) ٥: ٢٢٠٩ كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٧) ١: ٢٢٢ كتاب الطهارة، باب خصال الفطره.
(٢) في " الفروع ": ا: ١٣٠. وا لتنوير.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٥١) ٢: ١٢٣٤ كتاب الأدب، باب الاطلاء بالنورة.
(٤) أخرجه البغوي في " شرح السنة " ١٢١١٣، باب التوقيت في تقليم الأظافر وقص الشارب. وأصل الحديث أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتابه " أخلاق النبي ﷺ " ص ٢٧٧.
[ ٢٣٤ ]
في المنصوص وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، ولا يمنع منه خلافًا لمالك. وذكر ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب.
وأمر رسول الله ﷺ بذلك وقال: " خالفوا المشركين " (^١) . متفق عليه.
ولمسلم " خالفوا المجوس " (^٢) .
وعن زيد بن أرقم مرفوعا: " من لم يأخذ شاربه فليس منا " (^٣) . رواه أحمد
والنسائى والترمذي وصححه.
وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم.
ثم قال: ويقلم ظفره مخالفا يوم الجمعة قبل الزوال. وقيل: يوم الخميس. وقيل: يخير. ويسن أن لا يحيف عليها في السفر؛ لأنه يحتاج إلى حل حبل أو شيء نص عليه. وينتف إبطه. انتهى.
ويستحب دفن ما قلَّم من أظفاره أو أزال من شعره، لما روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مسرح الأشعرية قالت: " رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت النبي ﷺ يفعل ذلك " (^٤) .
وعن ابن جريج عن النبي ﷺ قال: " كان يعجبه دفن الدم ".
قال مهنا: سًا لت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؛ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؛ قال: كان ابن عمر يفعله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٥٥٣) ٥: ٢٢٠٩ كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٩) ١: ٢٢٢ كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٠) ١: ٢٢٢ كتاب الطهارة، ياب خصال الفطرة.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٧٦١) ٥: ٩٣ كتاب الأدب، باب ما جاء في قص الشارب. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٣) ١: ١٥ كتاب الطهارة، قص الشارب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣) ٤: ٣٦٦.
(٤) أخرجه الطبرانى في " الكبير " (٠ ٧٦٢) ٠ ٢: ٣٢٢. وقال الهيثمي في " مجمعه " ٥: ١٦٨: رواه البزار والطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه وكلاهما ضعيف، وأبوه وثق.
[ ٢٣٥ ]
(وكره حلق القفا لغير حجامة ونحوها).
قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقال: لا بأس أن يحلق قفاه بالحجامة.
(و) كره (القزع. وهو: حلق بعض الرأس وترك بعض)، لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ نهى عن القزع وقال: أحلقه كله أو دعه كله " (^١) . رواه أبو داود.
وفي شروط عمر رضي الله تعالى عنه على أهل الذمة: أن يحلقوا مقادم رؤوسهم " ليتميزوا عن المسلمين، فمن فعل ذلك فقد تشبه، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وذكر ابن عبد البر عن ابن عباس قال: " حلق القفا يزيد في الحفظ ".
وعن أحمد: انه امتنع من الحجامة في نقرة القفا. وكرهه بعض الأطباء
للنسيان، وخالفه غيره منهم.
وحلق رأس امرأة وقصه يكرهان. وقيل: يحرمان عليها، نقل (^٢) الأثرم:
أرجو أن لا بأس لضرورة.
ولا يكره حلق رأس ذكر كقصه. وعنه: يكره لغير نسك وحاجة وفاقًا لمالك.
قال في " الفروع ": وحرم بعضهم حلقه على مريد لشيخه " لأنه ذل وخضوع لغير الله تعالى.
(و) كره أيضًا (نتف شيب)، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب. وقال: انه نور الإسلام " (^٣) .
وعن طارق بن حبيب: " أن حجاما أخذ من شارب النبي ﷺ فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها ليأخذها. فأمسك النبي ﷺ يده، وقال: من شاب شيبة في
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٤١٩٤) ٤: ٨٣ كتاب الترجل، باب في الذؤابة.
(٢) في ج: نقله.
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه " (١ ٢٨٢) ٥: ٢٥ ١ كتاب الأدب، باب ما جاء في النهي عن نتف الشيب. وأخرجه النسائي في " سننه " (٦٨ ٠ ٥) ٨: ١٣٦ كتاب الزينة، النهي عن نتف الشيب. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٢١) ٢: ١٢٢٦ كتاب الأدب، باب نتف الشيب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٩٨٩) ٢: ١٢ ٢.
[ ٢٣٦ ]
الإسلام كانت له نورا يوم القيامة " (^١) . رواه الخلال في " جامعه ".
(و) كره أيضًا (تغييره) أي: تغيير الشيب (بسواد).
قيل لأبي عبد الله: يكره الخضاب بالسواد قال: إي والله. قال: و" جاء
أبو بكر بأبيه إلى رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا. فقال
رسول الله ﷺ: غيروهما وجنبوه السواد " (^٢) .
(و) كره أيضًا (ثقب أذن صبي) لا جارية. نص عليه. وقيل: يحرم واختاره
ابن الجوزي. وقيل: على الذكر، وفي " الفصول " يفسق به في الذكر، وفي
النساء يحتمل المنع، ولم يذكر غيره.
(ويحرم نمص ووَشْرٌ ووشم ووصل ولو بشعر بهيمة أو بإذن زوج)؛ لما روي
عن النبي ﷺ: " انه لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة والواشرة والمستوشرة " (^٣) .
وفي خبر آخر: " لعن الواشمة والمستوشمة " (^٤) . ذكرهما في " الشرح ".
فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه. والمنتمصة: المنتوف
شعرها بأمرها.
وأما الواشرة: فهي التي تبرد الأسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها.
والمستوشرة: المفعول بها ذلك بإذنها.
وأما الواشمة: فهي التي تغرز الجلد بإبرة ثم تحشوه كحلا. والمستوشمة
_________________
(١) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج البيهقي في " السنن الكبرى " ٩: ١٦٢ جماع أبواب السير، باب فضل من رمى بسهم في سبيل الله ﷿. عن كعب بن مرة السلمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان كعتق رقبة ".
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٦٢٤) ٢: ١٩٧ ١ كتاب اللباس، باب الخضاب بالسواد. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ١٢٦٥٦) ٣: ١٦٠.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٢٥) ٣: ١٦٧٨ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١٢٤) ٣: ١٦٧٧ الموضع السابق.
[ ٢٣٧ ]
التي يفعل بها ذلك بإذنها.
والواصلة: التى تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر غيره.
والمستوصلة: الموصول شعرها بأمرها؛ لأن لعن فاعلة ذلك يدل على تحريمه؛ لأن فاعل المباح لا يجوز لعنه.
وأما وصل الشعر بغير الشعر قال في " الشرح ": فان كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس للحاجة، وان كان أكثر من ذلك ففيه روايتان:
إحداهما: انه مكروه غير محرم؛ لما روي عن معاوية " انه اخرج كبة من شعر. وقال سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذا. وقال: انما هلك بنو إسرًائيل حين اتخذ هذا نساؤهم " (^١) .
فخص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث الذي ذكرناه. ولأن وصله بالشعر فيه تدليس. بخلاف غيره.
والثانية انه قال: لا تصل المرأة برأسها الشعر والقرامل ولا الصوف؛ وذلك لما روى الإمام أحمد في " مسنده " عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئًا " (^٢) .
قال شيخنا (^٣): والظاهر أن المحرم انما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس. واستعمال الشعر المختلف في نجاسته وغير ذلك لا يحرم؛ لعدم
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٨٢) ٥: ٩١ ١ ٢ كتاب اللباس، باب اشتمال الصماء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧ ١ ٢) ٣: ٦٧٩ ١ كتاب اللباس والزينه، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٢: ٤٢٦ كتاب الصلاة، باب لا تصل المرأة شعرها بشعر غيرها. واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢٦ ٢) ٣: ٦٧٩ ١ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة .. وأخرجه أحمد في مسنده (١٧٢ ٤ ١) ٣: ٢٩٦.
(٣) في هامش أيعني بذلك الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي صاحب " المغني " و" الكافي " و" العمدة " و" الروضة في الأصول " وغيرهم. اهـ.
[ ٢٣٨ ]
ذلك فيه، وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة، وتحمل أحاديث النهي على الكراهة والله أعلم. انتهى.
وعموم الأحاديث تتناول ما إذا كان ذلك بإذن الزوج. وقيل: يجوز بإذن زوج. وقيل: يكره الوصول، ولا يحرم نمص ووشر ووشم.
(وتصح الصلاة مع) وصل شعر (طاهر). وقيل: تصح ولو كان نجسا حكاه
في " الرعاية " وتبعه في " الفر وع ".
قال في " الإنصاف ": قلت: وفيه نظر ظاهر. ولا بأس بالفتايل (^١)، وتركها أفضل. وعنه: هي كالوصل بالشعر ان أشبهه كصوف. وقيل: ولا بأس بما يحتاج إليه لشد الشعر، وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس، أو انه كان شعار الفاجرات، وفي " الغنية " وجه يجوز بطلب زوج ولها حلقه وحفه نص عليهما، وتحسينه بتحمير ونحوه، وكره ابن عقيل حفه كالرجل، كرهه أحمد له، والنتف أو بمنقاش لها. ويكره له التحذيف وهو: إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة، لا لها "
" لأن عليًا كرهه ". رواه الخلال.
ويكره النقش والتطريف. ذكره الأصحاب. رواه المروذي عن عمر، وبمعناه عن عائشة وأنس وغيرهما.
قال في " الإفصاح ": كره العلماء أن تسود شيبا بل تخضب بأحمر، وكرهوا النقش.
قال أحمد: لتغمس يدها غمسًا.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه إباحة التحمير ونقش وتطريف بإذن زوج فقط. انتهى.
_________________
(١) في " الانصاف " ١: ١٢٦: بالقرامل.
[ ٢٣٩ ]
[فصل: في سنن الوضوء]
(فصل) هو عبارة عن الحجز بين شيئين. ومنه فصل الربيع؛ لأنه يحجز بين الشتاء والصيف. وهو في كتب العلم حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها. (وسنن وضوء) أي: ما يسن فيه. وسمي وضوءًا؛ لتنظيفه المتوضئ وتحسينه: (استقبال قبلة) أي: أن يستقبل القبلة في الوضوء.
قال في " الفروع ": وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعه إلا لدليل. انتهى.
(وسواك) وتقدم الكلام عليه.
(وغسل يدي غير قائم من نوم ليل ناقض لوضوء)؛ " لأن عثمان بن عفان
وعليًا وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء النبي ﷺ وذكروا انه غسل كفيه ثلاثًا " (^١) . ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء. (ويجب) غسلهما (لذلك) أي: للقيام من نوم ليل ناقض لوضوء (تعبدًا) كغسل الميت (ثلاثًا) فلا يجزئ أقل منها (بنية شرطت وبتسمية).
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن غسلهما تعبد لا يعقل معناه: على الصحيح من المذهب. فعلى هذا تعتبر النية والتسمية في أصح الأوجه.
والوجه الثاني: لا يعتبران.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه " (١٨٨) ١: ٨١ كتاب الوضوء، باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة. عن عبد الله بن زيد. وأخرجه النسائي في " سننه " (٩٥) ١: ٦٩ كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء. عن علي بن أبى طالب. وفي (٨٥) ١: ٦٥ كتاب الطهارة، بأي اليدين يتمضمض. عن عثمان بن عفان.
[ ٢٤٠ ]
والوجه الثالث: يعتبران أن وجب غسلهما، وإلا فلا.
والوجه الر ابع: تعتبر- النية دون التسمية. ذكره الزركشي.
وعلى الصحيح: لاتجزئ نية الوضوء عن نية غسلهما على المذهب المشهور، وانها طهارة مفردة، لا من الوضوء. وقيل: تجزئ. وقيل:
غسلهما معلل بمبيت يده ملابسة للشيطان. انتهى.
فعلى هذا يكون غسلهما لمعنى فيهما. فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في
الاناء: لم يصح وضوءه وفسد الماء. وقيل- وذكره أبو الحسين رواية -: لإدخالهما الاناء فيصح وضوؤه.
(ويسقط غسلهما والتسمية سهوا): أما سقوط وجوب غسلهما بالنسيان فذكر في " الإنصاف " أن صاحب " الرعاية " قدمه؛ لأنه طهارة مفردة. بخلاف ما لو كان من فروض الوضوء. وقيل: لايسقط؛ لأنه من تمام الوضوء.
قال في " المبدع ": والأول أقيس؛ لأنه يجوز تقديم غسلهما قبل الوضوء بزمن طويل. انتهى.
وأما التسمية فانها تسقط بالنسيان في الوضوء فهنا أولى.
(و) من سنن الوضوء أيضًا: (بداءة قبل غسل وجه بمضمضة فاستنشاق بيمينه واستنثار بيساره)؛ لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: " انه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ففعل هذا ثلاثًا. ثم قال: هذا طهور نبي الله ﷺ " (^١) . رواه أحمد والنسائى وهو مختصر.
قال في " الإنصاف ": يستحب تقديم المضمضة [على الاستنشاق] (^٢) .
على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
_________________
(١) أخرجه النسائي فى " سننه " (٩١) ١: ٦٧ كتاب الطهارة، بأي اليدين يستنثر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٣ ١) ١: ١٣٥.
(٢) ساقط من أ.
[ ٢٤١ ]
(و) من سنن الوضوء أيضًا: (مبالغة فيهما) أي: في المضمضة والاستنشاق (لغير صائم)؛ لما روى لقيط بن صبرة قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " (^١) . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا " (^٢) .
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وعنه: أن المبالغة في الاستنشاق واجبة؛ لظاهر الحديث المتقدم.
وعنه: انها واجبة في المضمضة والاستنشاق.
وعنه: في وضوء. ذكره ابن عقيل في " الفنون ".
والمنصوص عنه انها سنة؛ لسقوطها بصوم النفل والواجب لا يسقط بالنفل. وعنه: أن الاستنثار واجب في الوضوء؛ لظاهر الحديث.
قال في " الفروع ": وهو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف أو هو. انتهى.
وأما المبالغة في حق الصائم فتكره على الصحيح من المذهب.
(و) من السنن أيضًا: المبالغة بالغسل (في بقية الأعضاء مطلقًا) أي: في الوضوء والغسل ومع الصوم والفطر. (ف) المبالغة (في مضمضة: إدارة الماء بجميع الفم، وفي استنشاق: جذبه بنفس إلى أقصى أنف).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٢) ١: ٣٥ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٨٨) ٣: ١٧ كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم. وأخرجه النسائي في " سننه " (٨٧) ١: ٦٦ بكتاب الطهارة، المبالغة في الاستنشاق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٠٧) ١: ١٤٢ كتاب الطهاره، المبالغه في الاستنشاق والاستنثار. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (١٧٨٧٩) ٤: ١ ١ ٢.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤١) ١: ٣٥ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار. وأخرجه الترمذي فى " جامعه " (٤٠٨) ١: ١٤٣ كتاب الطهارة، المبالغة في الاستنشاق والاستنثار. وأخرجه أحمد في (مسنده " (٢٠١٠) ١: ٢٢٨.
[ ٢٤٢ ]
قال في " الفروع ": وتسن المبالغة فيهما إلى أقاصيهما، وفي " الرعاية " أو أكثره.
(والواجب الإدارة) ولو ببعض الفم، (وجذبه) أي: جذب الماء (إلى باطن أنف) ولو لم يبلغ أقصاه، (وله بلعه) أي: بلع الماء الذي تمضمض به (لا جعل مضمضة أولًا) أي: ابتداء قبل الإداره (وجورًا و) لا جعل (استنشاق سعوطًا).
قال في " الشرح ": والمبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه، ولا يجعله وجورًا ثم يمجه، وان ابتلعه جاز، لأن الغسل قد حصل. ومعنى المبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يجعله سعوطا.
(و) المبالغة (في غيرهما) أي غير المضمضة والاستنشاق من باقي الأعضاء،
و(دلك ما ينبو عنه الماء) أي: لم يطمئن عليه.
(و) من سنن الوضوء أيضًا: (تخليل لحية كثيفة) بالثاء المثلثة (بكف من ماء
يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة)؛ لما روى أنس بن مالك: " أن النبي ﷺ كان إذا توضأأخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه وخلل به لحيته وقال: هكذا أمرنى ربي " (^١) . رواه أبو داود.
(او) يضعه (من جانبيها ويعركها).
قال يعقوب: سألت أحمد عن التخليل فأرانى من تحت لحيته فخلل بالأصا بع.
وقال حنبل: من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعا بالماء.
قال في " الإنصاف ": ويكون ذلك عند غسلها، وان شاء إذا مسح رأسه.
نص عليه. انتهى.
(وكذا عَنْفَقَة وشارب وحاجبان ولحية أنثى وخنثى).
قال في " الإنصاف ": شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعَنْفَقَة ولحية
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٥) ١: ٣٦ كتاب الطهارة، باب تخليل اللحية.
[ ٢٤٣ ]
المرأة وغير ذلك: مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور، وجزم به في " الرعاية " في لحية المرأة. وقيل: يجب غسل باطن ذلك كله مطلقًا. انتهى.
(و) من سنن الوضوء أيضًا: (مسح الأذنين بعد رأس بماء جديد)، لما روى
عبد الله بن زيد: " انه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ فأخذ ماء خلاف الذي لرأسه " (^١) . رواه البيهقي وقال: إسناده صحيح.
وعنه: لا يسن ذلك. وتأتي صفة مسحهما.
(و) من السنن أيضًا: (تخليل الأصابع) من اليدين والرجلين، لأن في حديث لقيط بن صبرة المتقدم: " وخلل بين الأصابع " (^٢) .
قال في " الشرح ": وهو في الرجلين آكد، قال المستورد بن شداد:
" رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلَك أصابع رجله بخنصره " (^٣) . رواه أبو داود. ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى إبهامها، وفي اليسرى من إبهامها إلى خنصرها، ليحصل التيامن في التخليل.
وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين:
إحداهما: يستحب لما ذكرناه. ولأن النبي ﷺ قال: " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " (^٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
والثانيه: لا يستحب، لأن تفريقها يغني عن التخليل. والأول أولى. انتهى.
(و) من سنن الوضوء أيضًا: (مجاوزة محل فرض) بالغسل؛ لما روى نعيم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٦٥ كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين بماء جديد.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٤٢) رقم (١).
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨ ١) ١: ٣٧ كتاب الطهاره، باب غسل الرجلين.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٣٩) ١: ٥٧ أبواب الطهارة، باب ما جاء في تخليل الأصابع.
[ ٢٤٤ ]
المجمر " انه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " (^١) . متفق عليه.
ولمسلم عنه: " سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (^٢) .
(و) من سننه أيضًا: (غسلة ثانية و) غسلة (ثالثة)؛ لما روى علي- رضي الله تعالى عنه- " أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا " (^٣) . رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا أحسن شيء في الباب وأصح.
وليس ذلك بواجب، لما روى ابن عباس قال: " توضأ النبى ﷺ مرة
مرة " (^٤) . رواه الجماعة إلا مسلمًا.
وعن عبد الله بن زيد: " أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين " (^٥) . رواه أحمد والبخاري.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٦) ١: ٦٣ كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٤٦) ١: ٢١٦ كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٠) ١: ٢١٩ كتاب الطهاره، باب تبليغ الحلية حيث يبلغ الوضوء.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٤٤) ١: ٦٣ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٤٤) ١: ١٥٦.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٦) ١: ٧٠ كتاب الوضوء، باب الوضوء مرة مرة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٣٨) ١: ٣٤ كتاب الطهارة، باب الوضوء مرة مرة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٤٢) ١: ٦٠ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مرة مرة. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٠١) ١: ٧٣ كتاب الطهارة، مسح الأذنين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤١٠) ١: ١٤٣ كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مرة مرة. عن جابر ابن عبد الله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٩١٣) ط إحياء التراث.
(٥) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٥٧) ١: ٧٠ كتاب الوضوء، باب الوضوء مرتين مرتين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٤٩٩) ٤: ٤١.
[ ٢٤٥ ]
(وكره فوقها) أي: فوق الغسلة الثالثة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده قال: " جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم " (^١) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (١٤٠) ١: ٨٨ كتاب الطهارة، الاعتداء في الوضوء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٢٢) ١: ١٤٦ كتاب الطهارة، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٦٨٤) ٢: ١٨٠.
[ ٢٤٦ ]
[باب: فروض الوضوء]
هذا (باب) يذكر فيه فرض الوضوء وشرطه وصفته.
(الوُضوء) بضم الواو الذي هو فعل المتوضئ هو في عرف الشرع: (استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة) التي هي الوجه واليدان والرأس والرجلان (على صفة مخصو صة) من قبل الشارع، وهي المستكملة لفروض الوضوء وشروطه.
والحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها: أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع منها. فًا مر بغسلها ظاهرًا؛ تنبيها على طهارتها الباطنة. ورتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة. فأمر بغسل الوجه وفيه الفم والأنف فابتدأ بالمضمضة؛ لأن اللسان أكثر الأعضاء وأشدها حركة؛ لأن غيره قد يسلم، وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم بالأنف؛ ليتوب عما يشم به، ثم بالوجه ليتوب عما نظر، ثم باليدين لتتوب عن البطش، ثم خص الرأس بالمسح؛ لأنه مجاور لمن تقع منه المخالفة، ثم بالأذن لأجل السماع، ثم بالرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان
بالشهادتين.
(ويجب) الوضوء (بحدث).
قال في " الفروع ": ذكره ابن عقيل وغيره، وفي " الانتصار " بإرادة الصلاة بعده.
قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة، بل يستحب، ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذن، ووجوب
[ ٢٤٧ ]
الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل.
قال شيخنا: وهو لفظي. انتهى.
(ويحل) الحدث الموجب للوضوء (جميع البدن كجنابة). ذكره القاضي
أبو الخطاب وأبو الوفاء وأبو يعلى الصغير.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه: أعضاء الوضوء. انتهى.
ويؤيد الأول: أن المحدث لا يحل له مس المصحف بعضو غسله في الوضوءحتى يتم وضوءه.
(وتجب التسمية) أي: أن يقول: بسم الله على الوضوء " لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه " (^١) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله (^٢) .
قال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن يعني حديث سعيد بن زيد. وسئل إسحاق بن راهويه أي حديث أصح في التسمية؛
فذكر حديث أبي سعيد.
وعنه: لا تجب وتستحب.
(و) على المذهب (تسقط سهوا) نص عليه (كـ) سقوطها سهوًا (في غسل)، لأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها. فكان من واجباتها ما يسقط سهوًا " كالصلاة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سننه " (١٠١) ١: ٢٥ كتاب الطهارة، باب التسميه على الوضوء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٩٩) ١: ١٤٠ كتاب الطهارة، باب ما جاء في التسمية في الوضوء. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٩٤٠٨) ٢: ٤١٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٩٨) ١: ١٤٠ كتاب الطهارة، باب ما جاء في التسمية في الوضوء. عن سعيد بن زيد. وفي (٣٩٧) ١: ١٣٩. عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٢٨٤) ٥: ٣٨٢. عن رباج بن عبد الرحمن بن حويطب يقول: حدثتنى جدتي انها سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله ﷺ بمثله. وفي (١٣٨٨ ١) ٣: ١ ٤. عن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده.
[ ٢٤٨ ]
(ولكن ان ذكرها في بعضه) وقد نسيها في أوله (ابتدأ) الوضوء؛ لأنه أمكنه أن يأتي بها على جميعه. فوجب؛ كما لو ذكرها في أوله. وقيل: يكفي أن يأتى بها حيث ذكرها ويبني على وضوئه.
وعنه: أنها فرض لا تسقط بحال.
وعلم مما تقدم انه لو لم يذكرها حتى فرغ من وضوئه لم يلزمه إعادته (^١) .
(و) على المذهب (تكفي إشارة أخرس ونحوه) كالمعتقل لسانه (بها)؛ لأن
ذلك غاية ما يمكنه.
(وفروضه) ستة:
الأول: (غسل الوجه)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
(ومنه) أي: من الوجه (فم وأنف)؛ لدخولهما في حده.
ولأنهما في حكم الظاهر. بدليل أن الصائم لا يفطر بوصول شيء إليهما، ويفطر بعود القيء بعد وصوله إليهما، وانه يجب غسلهما من النجاسة.
وعنه: أنهما ليسا من الوجه.
(و) الثانى: (غسل اليدين مع المرفقين)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. نص على هذا الإمام وقطع به أكثر الأصحاب وهو قول أكثر أهل العلم.
وعنه: لا يجب إدخال المرفقين في الغسل، وبه قال ابن داود (^٢) وبعض المالكية وحكي عن زفر؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل إلى المرافق وجعلها غاية بحرف " إلى " وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعده فيما قبله. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
_________________
(١) في ج: إعادتها.
(٢) في ج: أبوداود.
[ ٢٤٩ ]
وأجيب على ذلك: بأن الغاية ان كانت بحيث لو لم تدخل كلمة: " إلى " لم يتناولها صدر الكلام لم تدخل تحت المعنى كالليل في الصوم، وان كانت بحيث يتناولها صدر الكلام كالمتنازع فيه فتدخل تحت المعنى. على أن للنحويين في كلمة: " إلى " أربعة مذاهب:
الأول: دخول ما بعدها فيما قبلها حقيقة وعدمه مجازًا.
الثانى: عكس ذلك.
الثالث: أنها حقيقة فيهما فيكون من باب الاشتراك.
الرابع: الدخول ان كان ما بعدها من جنس قبلها، وعدمه ان لم يكن كذلك.
فهذا المذهب الرابع يوافق ما ذكرنا في الليل والمرافق، وأما الثلاثة الأول فالأول يعارضه، الثاني فتساويا، والثالث أوجب التساوي أيضًا فوقع الشك في موضع استعمال كلمة " إلى " ففي مثل صورة الليل في الصوم انما وقع الشك في التناول والدخول فلا يثبت التناول بالشك، وفي مثل صورة النزاع انما وقع الشك في الخروج بعدما ثبت أن صدر الكلام تناوله فلا يخرج بالشك.
وأيضًا فكلمة " إلى " تستعمل بمعنى " مع " كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [ال عمران: ٥٢] ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
وأجيب عنه أيضًا: بأن نص الكتاب يحتمله وهو مجمل فيه، وفعله ﵇ بيان لمجمل الكتاب في قدر الغسل المأمور به. وقد روى جابر قال: " كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " (^١) . أخرجه الدارقطني. وروي أيضًا عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- انه قال: " هلم أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ. فغسل وجهه ويديه حتى مسح أطراف العضدين. ثم مسح
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٥) ١: ٨٣ كتاب الطهاره، باب وضوء رسول الله ﷺ. وفي إسناده ابن عقيل، قال الدارقطني: ليس بقوي.
[ ٢٥٠ ]
برأسه. ثم أمر بيديه على أذنيه ولحيته. ثم غسل رجليه " (^١) .
(و) الثالث: (مسح الرأس كله).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب متقدمهم ومتأخرهم. وعفى في " المنهج " و" المترجم " عن يسيره؛ للمشقة. قلت: وهو الصواب.
قال الزركشي: وظاهر كلام الأكثرين بخلافه. انتهى.
وعنه: يجزئ مسح أكثره.
وعنه: يجزئ مسح قدر الناصية.
وعنه: يجزئ مسح بعضه من غيرتحديد.
وعنه: يجزئ مسح بعضه للمرأة دون الرجل.
ووجه المذهب أن " الباء " في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للإلصاق. فكأنه قال: " وامسحوا رؤوسكم ". وهذا كقوله تعالى في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
قال ابن برهان: من زعم أن "الباء " للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ ذكروا " أنه مسح رأسه كله " (^٢) .
وما روي انه ﵊ " مسح مقدم رأسه " (^٣) فمحمول على أن
ذلك مع العمامة كما جاء مفسرًا في حديث المغيرة بن شعبة ونحن نقول به. (ومنه الأذنان)؛ لما روى ابن ماجه من غير وجه عن النبي ﷺ انه قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم من طرق عن عثمان ﵁ (٢٢٦) ١: ٢٠٤ كتاب الطهارة، باب صفه الوضوء وكماله.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨٣٢ ١) ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم.
(٣) أخرجه مسلم في (صحيحه " (٢٧٤) ١: ٢٣١ كتاب الطهارة، باب المسح على الناصيه والعمامة.
[ ٢٥١ ]
" الأذنان من الرأس " (^١) . فيجب مسحهما.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه. قال الزركشي: اختاره الأكثرون وقدمه في " الشرح " وغيره. انتهى.
وعنه: لا يجب مسحهما يعني مع القول أنهما من الرأس.
وعنه: هما عضوان مستقلان، فيجب لهما ماء جديد في وجه.
(و) الرابع: (غسل الرجلين مع الكعبين).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب بلا ريب وعليه الأصحاب. وعنه:
لا يجب إدخالهما فيه. انتهى.
والكلام في الكعبين كالكلام المتقدم في المرفقين.
(و) الخامس: (ترتيب) بين أعضاء الوضوء كما ذكر الله تعالى. وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق.
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية بعدم وجوبه، وهو مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي واختاره ابن المنذر، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي ترتيبا فكيف ما غسل كان ممتثلا.
وروي عن علي انه قال: " ما أبالي إذا تممت وضوئي بأي اعضائي بدأت ".
وعن ابن مسعود انه قال: " لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك فى الوضوء ".
ووجه المذهب: أن في الآية قرينة تدل على الترتيب فانه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره، والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي: الترتيب.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٤٤) ١: ١٥٢ كتاب الطهاره، باب الأذنان من الرأس.
[ ٢٥٢ ]
فان قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية انما صيغت لبيان الواجب ولهذا لم يذكر السنن فيها. ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به. ولأن الحاكين لوضوء النبي ﷺ انما ذكروه مرتبًا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى.
و" توضأ رسول الله ﷺ مرتبًا وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة
إلا به " (^١) . أي: بمثله.
وما روي عن علي. قال أحمد: انما عنى به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما في الكتاب واحد.
وروى الإمام أحمد بإسناده " أن عليا سُئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء فقال: لا. حتى يكون كما أمر الله تعالى ".
وما نقل عن ابن مسعود فلا يعرف له أصل.
وأما الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فلا يجب. حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لأن الله ﷾ ذكر مخرجهما واحدًا فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقال في " الإنصاف ": واختار أبو الخطاب في " الانتصار " عدم وجوب الترتيب في نفل الوضوء، ومعناه للقاضي في " الخلاف ". ثم قال: أعلم أن الواجب عند الإمام أحمد والأصحاب: الترتيب، لا عدم التنكيس. فلو وضأه أربعة في حالة واحدة لم يجزئه. ولو انغمس في ماء جار ينوي رفع الحدث، فمرت عليه أربع جريات أجزأه أن مسح رأسه، أو قيل بإجزاء الغسل على ما يأتي. ولو لم يمر عليه إلا جرية واحدة لم يجزئه، وهذا الصحيح من المذهب. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٨٠ كتاب الطهارة، باب فضل التكرار في الوضوء.
[ ٢٥٣ ]
قال في " الشرح ": فان نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله قبله، وان بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وان توضأ منكسًا أربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو، ومذهب الشافعي نحو هذا. ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه. انتهى.
(و) السادس: (موالاة).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب نص عليه في رواية الجماعة وعليه
الأصحاب.
قال الزركشي وغيره: وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في مسح الخفين: فان خلع قبل ذلك أعاد الوضوء. وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وعنه: أن الموالاة سنة.
واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] لأن الأول شرط، والثاني جواب، وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب ألا يتآخر عنه جوابه وهو غسل أعضاء الوضوء.
وبما روى خالد بن معدان: " أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلى وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء " (^١) . رواه أحمد وأبو داود، وزاد: " والصلاة "، وفي سنده بقية، وهو ثقه روى له مسلم.
ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة فقط. ولأن الوضوء عبادة يفسدها الحدث. فاشترطت لها الموالاة، كالصلاة.
و" لم ينقل عن النبي ﷺ انه توضأ إلا متواليا " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٥) ١: ٤٥ كتاب الطهاره، باب تفريق الوضوء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٥٥٣٢) ٣: ٤٢٤.
(٢) أحاديث وضوء النبي ﷺ أخرجها مسلم من طرق عن عثمان ﵁ (٢٢٦) ١: ٢٠٤ كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله.
[ ٢٥٤ ]
وانما لم تشترط في غسل الجنابة؛ لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد. (ويسقطان) أي: الترتيب والموالاة (مع غسل) أي: مع الطهارة الكبرى.
وسيأتي الكلام على ذلك في باب الغسل (^١) .
(وهي) أي: الموالاة: بـ (ان لا يؤخر غسل عضو حتى يجف ما) أي:
العضو الذي (قبله بزمن معتدل أو قدره) أي قدر الزمن المعتدل (من غيره) أي:
غير المعتدل من زمن حار أو بارد.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب.
قال الزركشي: هذا المشهور عند الأصحاب. ثم قال: وقيل: هو ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف أي عضو كان. حكاه ابن عقيل.
وعنه: يعتبر طول المكث عرفا. انتهى.
(ويضر) أي: وتفوت الموالاة (ان جف) العضو قبل إتمام الوضوء (لاشتغال) المتوضئ (بتحصيل ماء) فدمه الزركشي و" الرعاية " وفيه رواية وأطلقهما في " الفروع ".
(أو جف لإسرًاف أو إزالة نجاسة أو وسخ ونحوه) كجبيرة يرى ما تحتها الغير طهارة) بأن كان في غير أعضاء الوضوء، أما إذا كان ذلك في أعضاء الوضوء فلا يضر؛ لأنه إذن من أفعال الطهارة كما (لا) يضر اشتغاله (بسنة) من سنن الوضوء (كتخليل) اللحية أو الأصابع، (وإسباغ) الماء بأن يبلغه مواضعه من أعضاء الوضوء ويوفي كل عضو حقه، (وإزالة شك) بأن يكرر غسل ذلك العضو حتى يعلم انه استكمل غسله (او) إزالة (وسوسة) وفيها وجه، وأطلقهما في " الفروع "، وصحح ما في المتن في " الرعاية الكبرى "، قطع به في "التنقيح ".
ووجه ذلك: أن الوسوسة شك في الجملة.
_________________
(١) ص: ٣٧١.
[ ٢٥٥ ]
فصل [في شروط الوضوء]
وأما شروط الوضوء فعشرة منها ما يشاركه فيها الغسل. وإلى ذلك أشير بقوله:
(ويشترط لوضوء وغسل ولو مستحبين نية) خلافًا لأبي حنيفة.
قال في " الفروع ": لأن الإخلا ص من (^١) عمل القلب وهو النية مأمور به وفاقًا؛ لخبر " انما الأعمال بالنيات " (^٢) . أي: لا عمل جائز ولا فاضل. ولأن النص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعًا. ولأن النية للتمييز. ولأنه عبادة ومن شرطها النية؛ لأن ما لم يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كصلاة وغيرها.
وهذا معنى قول الفخر إسماعيل وأبي البقاء وغيرهما: العبادة ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. قيل لأبي البقاء: الإسلام والنية عبادتان ولا يفتقران إلى النية؛ فقال: الإسلام ليس بعبادة لصدوره من الكافر وليس من أهلها. سلمنا، لكن للضرورة؛ لأنه لا يصدر إلا من كافر.
واما النية فلقطع التسلسل. وفي " الخلاف " لأن ما كان طاعة لله فعبادة.
فقيل له: فقضاء الدين ورد الوديعة عبادة؛ فقال: كذا نقول. قيل له:
_________________
(١) زيادة من " الفروع " ١: ١٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحى، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ.
[ ٢٥٦ ]
العبادة ما كان من شرطه النية؛.
فقال: إذا لم يجز أن يقال في طاعة الله والمأمور به هو الذي من شرطه النية كذلك لا يجوز ذلك في العبادة. انتهى.
قال ابن قندس في " حواشيه ": أي إذا امتنع أن يقال: الطاعة والمأمور هو الذي من شرطه النية كذلك يمتنع أن يقال: العبادة هي التي من شرطها النية. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ذلك: ونية الصلاة تضمنت السترة واستقبال القبلة لوجودهما فيها حقيقة، ولهذا يحنث بالاستدامة. انتهى.
قال ابن قندس: هذا جواب عن سؤال وتقديره أن يقال: السترة واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاه فلم اعتبرت النية للوضوء دونهما مع انه شرط كالسترة؛ فأجاب بأن السترة تضمنتها نية الصلاة وكذلك استقبال القبلة فلم يحتاجا إلى نية مفردة.
فان قيل: فلم لم يحكم على الوضوء بهذا الحكم وهو أن يقال: نية الصلاة تضمنت الوضوء، كما قيل في السترة واستقبال القبلة؛
فأجاب بأن السترة واستقبال القبلة موجودان في الصلاة حقيقة. والدليل على ذلك: انه لو حلف لا يستتر فاستدام السترة التي عليه، أو حلف انه لا يستقبل
وهو مستقبل فاستدامه حنث. وليس الوضوء كذلك؛ لأن استدامة الوضوء ليست وضوءًا؛ لأن الوضوء عبارة عن الهيئة المعروفة فإذا توضأ ثم دام على ذلك لا يقال أن دوامه على الوضوء يكون وضوءا. دليله: انه لو حلف لا يتوضأ وكان متوضئا ودام على ذلك لا يحنث؛ لعدم وجود الهيئة المعروفة. وانما الدائم من الوضوء حكمه وهو ارتفاع الحدث لا حقيقة الوضوء؛ لأن حقيقته هي غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وتلك الصفة ليست دائمة، وانما الدائم حكمها وهو ارتفاع الحدث. انتهى.
[ ٢٥٧ ]
إذا تقرر أن النية شرط لطهارة الحدث فانه يستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(سوى غسل كتابية) لزوج مسلم من حيض، (و) سوى (مسلمة ممتنعة) من غسل لزوج من حيض حتى انه لا يطؤها ما دامت كذلك. (فتغتسل قهرًا) من أجل حق الزوج، ويباح له وطؤها. (ولا نية) مشترطة هنا (للعذر) كالممتنع من زكاة. (و) الصحيح (لا تصلي به) ذكره في " النهاية " نقله عنه في " الفروع "، وقياس ذلك منعها من الطواف وقراءة القرآن ونحو ذلك مما يشترط له الغسل، لأنه انما أبيح وطؤها لحق زوجها فيه فلا تستبيح به العبادة المشترط لها الغسل.
وانما لم يصح أن ينوي عنها، لعدم تعذرها منها. بخلاف الميتة.
(ويُنوى) الغسل (عن ميت ومجنونة غسلًا) " لتعذر النية منهما.
وقال أبو المعالي في المجنونة: لا نية " لعدم تعذرها مالا. بخلاف الميت، وانها تعيد الغسل إذا أفاقت.
(و) الشرط الثاني لهما: (طهورية ماء).
(و) الثالث: (إباحته) أي: الماء. فلا يصح وضوء ولاغسل بماء غير طهور ولا بماء محرم الاستعمال.
(و) الرابع: (إزالة مانع وصوله) أي: الماء إلى البشرة.
(و) الخامس: (تمييز) المتوضئ والمغتسل، لأن سن التمييز أدنى سن يعتبر قصد الصغير فيه شرعا. فلا يصح الوضوء ولا الغسل ممن لم يميز " لعدم اعتبار قصده.
(وكذا) يشترط لصحة الوضوء والغسل: (إسلام وعقل) وهما الشرط السادس والسابع (لسوى من تقدم). وما تقدم هو عدم اشتراط الإسلام في الكتابية إذا اغتسلت لزوجها المسلم من الحيض، وعدم اشتراط العقل في المجنونة إذا اغتسلت من الحيض " ليطأها زوجها.
(و) ما يشترط (لوضوء) فقط وهو الشرط الثامن: (دخول وقت على من
[ ٢٥٨ ]
حدثه دائم لفرضه) أي: لفرض ذلك الوقت؛ لأن طهارة من حدثه دائم طهارة عذر وضرورة. فتقيدت بالوقت؛ كالتيمم.
(و) الشرط التاسع: (فراغ خروج خارج) لمنافاته للوضوء.
(و) الشرط العاشر: فراغ (استنجاء) بالماء (أو استجمار) بحجر أو نحوه. وتقدم التنبيه على ذلك في المتن.
(و) يشترط (لغسل الحيض أو نفاس فراغهما) أي: فراغ خروج دم الحيض أو دم النفاس لمنافاة وجودهما الغسل لهما.
(والنية) المشترطة في الوضوء والغسل: (قصد رفع الحدث) بذلك الوضوء أو الغسل، (او) قصد (استباحة ما) أي: فعل أو قول (تجب له الطهارة)؛ كاستباحة الطواف بالوضوء، وقراءة القرآن بالغسل.
(وتتعين) الصورة (الثانية) وهي قصد الاستباحة (لمن حدثه دائم)؛ كمستحاضة، ومن به سلس ونحوه.
قال في " الإنصاف ": ينوي من حدثه دائم الاستباحة، على الصحيح من المذهب. ثم قال: وقيل: أو ينوي رفع الحدث. وقيل: هما.
قال في " الرعايتين " و" الحاويين ": وجمعهما أولى. ولا يشكل تعين نية الاستباحة لمن حدثه دائم.
(وان انتقضت طهارته بطروء) حدث (غيره) أي: غير الدائم لتناولها الدائم والطارئ. وانما نقض الطارئ دون الدائم؛ لأن الدائم انما لم ينقض للضرورة وما عداه على الأصل.
(وتسن) النية (عند أول مسنون) في الطهارة إذا (وجد قبل واجب)؛ كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق، وغسل بقية الوجه لتشمل النية مفروض الوضوء ومسنونه فيثاب على كل منهما.
(و) يسن (نطق بها) أي: بالنية (سرًا)؛ ليوافق لسانه قلبه.
قال في " الإنصاف ": لا يستحب التلفظ بالنية على أحد الوجهين، وهو المنصو ص عن أحمد قاله الشيخ تقي الدين، وقال: هو الصواب.
[ ٢٥٩ ]
والوجه الثانى: يستحب التلفظ بها سرًا، وهو المذهب قدمه في " الفروع " وجزم به ابن عبيدان و" التلخيص " وابن تميم وابن رزين.
قال الزركشي: هو الأولى عند كثير من المتأخرين. انتهى.
قال في " الفروع ": قال الشيخ تقي الدين: واتفق الأئمة انه لا يشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات. وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه. لا سيما إذا آذى به أو كرره. وقال: الجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعية وسائر أئمة الإسلام وفاعله مسيء، وان اعتقده دينًا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة ان لم ينته. قال في " سنن أبي داود ": " أن النبي ﷺ أمر بعزل إمام لأجل بصاقه في القبله " (^١) . فان الإمام عليه أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي. انتهى.
(و) يسن (استصحابُ ذكرها) بأن يكون مستحضرًا لها في جميع الطهارة؛ لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية.
(ويجزئ استصحاب حكمها) بأن لا ينوي قطعها. فان غربت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة؛ كما لا يؤثر ذلك في الصلاة.
(ويجب تقديمها على الواجب) من العبادة؛ لأن النية شرط لصحة واجباتها. فيعتبر كونها كلها بعد النية. فلو فعل شيئًا من الواجبات قبل وجود النية لم يعتد به.
(ويضرّ كونه) أي: التقدم (بزمن كثير).
قال في " الإنصاف ": ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها بشرط أن لا يقطعها. قال ابن تميم: وجوّز الآمدي تقديم نية الصلاة بالزمن الطويل ما لم يفسخها وكذا يُخَرّج ها هنا، وجزم به في " الجامع الكبير ".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨١) ١: ١٣٠ كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد. عن أبي سهلة السائب بن خلاد ﵁.
[ ٢٦٠ ]
وقال القاضي في " شرحه الصغير ": إذا قدم النيه واستصحب ذكرها حتى يشرع في الطهارة جاز، وان نسيها أعاد.
وقال أبو الحسين: يجوز تقديم النية ما لم يعرض ما يقطعها من اشتغال بعمل ونحوه. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا يضر تقدمها في الزمن اليسير؛ كالصلاة.
و(لا) يضر (سبقُ لسانه) عند تلفظه بالنية (بغير قصده)؛ كما لو أراد أن يقول: نويت الوضوء فقال: نويت الصوم؛ لأن النية محلها القلب لا اللسان. والأصح (ولا إبطالُه) الطهارة (بعد فراغه)؛ لأنه قد تم صحيحًا ولم يوجد ما يفسده مما عُدّ مفسدًا.
قال في " الإنصاف ": لو أبطل الوضوء بعد فراغه منه لم يبطل على الصحيح من المذهب. وقيل: يبطل وأطلقهما ابن تميم. انتهى.
(أو شك فيها) أى النية أو الطهارة (بعده) أي: بعد فراغ الوضوء، كشكه في وجود الحدث مع تيقن الطهارة.
قال في " الإنصاف ": لو شك في الطهارة بعد فراغه منها لم يؤثر على الصحيح من المذهب. نص عليه. وقيل: يبطل. وقيل: ان شك عقب فراغه استأنف وان طال الفصل فلا. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لو أبطل النية في أثناء طهارته بطل ما مضى منها.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره ابن عقيل والمجد في " شرحه " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاويين ". وقيل: لا يبطل ما مضى منها. جزم به المصنف في " المغني ". انتهى.
فعلى هذا لو غسل الباقي بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته، - وان طال انبنى على وجوب الموالاه وعدمه. فأما ان غسل بعض أعضائه بنية الوضوء وبعضها بنية التبرد ثم أعاد غسل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأ.
وعلم مما تقدم أيضًا: أنه لو شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها
[ ٢٦١ ]
كما لو شك في نية الصلاة وهو فيها، لأن النية هي القصد. فمتى علم انه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية. فمتى شك في وجود ذلك في أثناء طهارته لم يصح ما مضى منها. وهكذا ان شك في غسل عضو أو مسح رأسه، حكمه حكم من لم يأت به، لأن الأصل عدمه. إلا أن يكون وهمًا كالوسواس فلا يلتفت إليه. قاله في " الشرح ".
ولما كانت نية ما يلزم منه رفع الحدث كنية رفع الحدث (^١) أشير إليه بقوله:
(فلو نوى) بوضوئه (ما) أي: قولا وفعلا (تسن له الطهارة؛ كقراءة) قرآن، (وذكر الله تعالى، وأذان، ونوم، ورفع شك، وغضب، وكلام محرم، وفعل منسك) من مناسك الحج نصًا (غير طواف) فانه مما يجب له الوضوء، (و) (جلوس بمسجد. وقيل) وقدمه في " الرعاية " (ودخوله، وحديث، وتدريس علم)، وفي " المغني " وغيره: (وأكل)، وفي " النهاية ": (وزيارة قبره). وقيل: ولأكل ما مسته النار والقهقهة.
قال في " الإنصاف ": وأطلقها ابن تميم وابن حمدان وابن عبيدان والزركشي وكذا " مجمع البحرين " في القهقهة. انتهى.
وكوطء وشرب لجنب.
(أو) نوى بوضوئه (التجديد ان سنّ) التجديد (بأن صلى بينهما) أي بين الوضوئين وكان قد أحدث ونوى التجديد (ناسيا حدثه): صحت طهارته و(ارتفع) حدثه بنية المسنون والتجديد؛ لأنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له للخبر. ولأنه شرع له فعل التجديد وهو غير محدث، وقد نوى ذلك، فينبغي أن يحصل له. ولأنه نوى شيئًا من ضرورته صحة الطهارة وهي الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك على طهارة.
وعنه: لا يرتفع حدثه في الصورتين.
_________________
(١) في أزياده: وحيث تقرر أن النية المشترطة للطهارة هي قصد رفع الحدث أو استباحة ما تجب له الطهارة وكان فيما تسن له الطهارة روايتان.
[ ٢٦٢ ]
و(لا) يرتفع (ان نوى طهارة أو وضوءًا وأطلق).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. انتهى.
ووجهه: أن الطهارة تنقسم إلى مشروع وغيره. فلم تصح مع التردد، والطهارة المطلقة منها ما لا يرفع الحدث كالطهارة من النجاسة.
(أو) نوى (جنب الغسل وحده) أي دون الوضوء لم يرتفع حدثه الأصغر.
(أو) نوى الغسل (لمروره) في المسجد فانه لا يرتفع؛ لأن هذا القصد لا تشرع
له الطهارة. أشبه ما لو نوى بطهارته لبس ثوب ونحوه. وفي كل منهما وجه.
قال في " الفروع ": وان نوى طهارة مطلقة أو وضوءًا مطلقًا ففي رفعه وجهان. وان نوى جنب الغسل وحده أو لمروره لم يرتفع. وقيل: بلى. وقيل: في الثانية. انتهى.
(ومن نوى) غسلا (مسنونا) وعليه غسل واجب، (او) نوى غسلا (واجبا) في محل غسل مسنون: (أجزأ عن الآخر). وفي كل منهما وجه.
(وان نواهما) أي: نوى الواجب والمسنون بالغسل الواحد (حصلا) أي:
حصل له ثوابهما. نص عليه. وقيل: يحتمل وجهين.
(وان تنوعت أحداث) أي: موجبات للوضوء أو الغسل (ولو) لم توجد معا بل وجدت (متفرقة توجب) هذه الأحداث أي: كل منهما (غسلا أو وضوءا، ونوى) بوضوئه أو غسله (أحدهم، لا) أن كانت نيته (على أن لا يرتفع غيره) أي: غير المنوي من الأحداث بالوضوء والغسل. وقيل: ولو كانت نيته على أن لا يرتفع غيره: (ارتفع سائرها) في الأصح.
ووجهه: أن الأحداث تتداخل فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث وأطلق. وأما إذا نوى رفع حدث منها على أن لا يرتفع غيره فهذا قد تطهر بنية بقاء غيره من الأحداث. فلم يرتفع سوى ما نواه وإلا لزم حصول عمل لم ينوه. والله ﷾ أعلم.
[ ٢٦٣ ]
فصل [في صفة الوضوء]
(وصفة الوضوء) أي: كيفية الوضوء الكامل: (أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ثم يستنشق ثلاثًا ثلاثًا) ان شاء من ست غرفات وان شاء من ثلاث.
(و) كونهما (من غر فة) واحدة (أفضل) نصًا.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسًال أيهما أحب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل واحدة منهما على حدة؛ قال: بغرفة واحدة. ويشهد لهذا ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: " انه توضأ فتمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد. وقال: هذا وضوء نبيكم ﷺ " (^١) . رواه الإمام في " المسند ".
ويشهد للثلاث أن في لفظ آخر عن على: " أنه تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات " (^٢) . متفق عليه.
وما روي عن عثمان: " انه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثلاثًا ثم غرف بيمينه
ثم رفعها إلى فيه فمضمض واستنشق بكف واحد واستنثر بيساره. فعل ذلك ثلاثًا. ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: ان النبي ﷺ توضأ لنا كما توضأت لكم " (^٣) . رواه سعيد.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٩٨) ١: ١٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٤) ١: ٨٠ كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين إلى الكعبين. وأخرجه مسلم فى " صحيحه " (٢٣٥) ١: ٢١١ كتاب الطهارة، ياب في وضوء النبي ﷺ. كلاهما عن عبد الله بن زيد الانصاري، ولم أره عن على ﵁.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٢٦) ١: ٢٠٤ كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله.
[ ٢٦٤ ]
ويشهد للست ما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: " رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق " (^١) . رواه أبو داود.
ووضوؤه كان ثلاثًا ثلاثًا. فلزم كونها من ست.
(ويصح أن يسمّيا) أي: المضمضة والاستنشاق (فرضين) في أصح الروايتين. وهما واجبان في الوضوء والغسل. فلا يسقط واحد منهما سهوًا على المشهور؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه " (^٢) . رواه أبو بكر في " الشافي ".
وعن أبي هريرة قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق " (^٣) .
وفي حديث لقيط بن صبرة: " إذا توضأت فتمضمض " (^٤) . رواه أبو داود وأخرجهما الدارقطني. ولأن كل من وصف وضوء رسول الله ﷺ يستقصي ذكر أنه تمضمض واستنشق. ومداومته عليهما يدل على وجوبهما؛ لأن فعله يصلح أن يكون بيانا لأمر الله تعالى.
وبوجوبهما قال ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى: أن الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٣٩) ١: ٣٤ كتاب الطهارة، باب فى الفرق بين المضمضة والاستنشاق.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٥٢ كتاب الطهارة، باب تاكيد المضمضة والاستنشاق.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٧) ١: ٤٠ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٩) ١: ١١٦ كتاب الطهارة، باب ما روي فى المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة.
(٤) أخرجه أبو دأود في " سننه " (١٤٤) ١: ٣٦ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٧) ١: ١ ٠ ١ كتاب الطهارة، باب ما روي من قول النبي ﷺ: " الأذنان من الرأس ". عن ابن عباس، ولفظه: " إذا توضأ أحدكم فليتمضمض ". ولم أره من حديث لقيط بن صبرة.
[ ٢٦٥ ]
وعنه: أن المضممضة والاستنشاق واجبان في الطهارة الكبرى دون الصغرى.
وعنه: أنهما واجبان في الصغرى دون الكبرى. عكس التي قبلها. نقلها الميمونى.
وعنه: يجب الاستنشاق في الوضوء وحده. ذكرها صاحب " الهداية " و" المحرر " وغيرهما.
وعنه: عكسها. ذكرها ابن الجوزي.
وعنه: هما سنة مطلقًا.
(ثم يغسل وجهه) ثلاثًا. وحده: (من منابت شعر الرأس المعتاد غالبا).
فلا عبرة بالأفرع- بالفاء- الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعره-عن مقدم رأسه (إلى النازل من اللحيين). وهما: العظمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه.
(والذقن) وهو مجمع اللحيين (طولا) أي: من جهة الطول فيجب غسل ذلك (مع مسترسل) شعر (اللحية) طولا، وما خرج منه عن حد الوجه عرضا.
قال في " الإنصاف " عن حكم المسألتين: انه الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولًا وعرضا. وهو ظاهر كلام الخرقي في المسترسل، كما لا يجب مسح ما استرسل من شعر الرأس.
والأول أصح، لأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة، وخرج ما نزل من الرأس عنه؛ لعدم مشاركته الرأس في الترأس. وعنه: أنه قال: غسل اللحية ليس من السنة، وان لم تخلل أجزأه. فأخذ من ذلك الخلال انها لا تغسل مطلقًا فقال: الذي ثبت عن أبي عبد الله انه لا يغسلها، وليست من الوجه، ورد ذلك القاضي وغيره من الأصحاب وقالوا معنى قوله: ليس من السنة أي: غسل باطنها، ورد أبو المعالي على القاضي. نقله في " الإنصاف ".
[ ٢٦٦ ]
(و) حد الوجه من غير جهة الطول: (من الأذن إلى الأذن عرضا).
ومفهومه: أن الأذنين ليسا من الوجه وهو صحيح.
وقال الزهري: منه؛ لقوله ﷺ: " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " (^١) . رواه مسلم. لأنه أضاف السمع إليه كما أضاف البصر.
وأجيب عن ذلك بأن إضافتهما إلى الوجه للمجاورة، وأنه لم ينقل عن أحد ممن يعتد به انه غسلهما مع الوجه. وحيث تقرر حد الوجه طولًا وعرضًا (فيدخل) فيه (عِذار. . وهو: شعر نابت على عظم ناتئ يُسامِت) أي: يحاذي (صِماخَ الأذن) بكسر الصاد وهو خرقها.
(و) يدخل فيه أيضًا (عارض. وهو: ما تحته) أي: تحت العذار (إلى ذقن).، قال في " الشرح ": وهو الشعر النابت على الخد واللحيين.
قال الأصمعي: ما جاوزته الأذن عارض.
و(لا) يدخل (صدغ وهو ما فوق العذار يحاذي رأس الأذن وينزل عنه قليلا) وهو من الرأس؛ لأن في حديث الرُبَيِّع: " أن النبي ﷺ مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة " (^٢) . رواه أبو داود.
ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه. ولأنه شعر متصل بشعر الرأس ويثبت معه في حق الصغير. فكان ثابتا معه في حق الكبير.
(ولا) يدخل (تحذيفٌ. وهو): الشعر (الخارج إلى طرفي الجبين في جانبي الوجه بين النزعة ومنتهى العذار)؛ لأنه شعر متصل بشعر الرأس لم يخرج عن
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٧١) ١: ٥٣٥ كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٢٩) ١: ٣٢ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبى ﷺ.
[ ٢٦٧ ]
حده أشبه الصدغ.
قال في " الإنصاف " عن الصدغ والتحذيف: هما من الرأس، على الصحيح من المذهب اختاره المصنف في " الكافي " والمجد، وقال: هو ظاهر كلام أحمد.
قال في " الرعاية الكبرى ": الأظهر أنهما من الرأس.
قال في " مجمع البحرين ": هذا أصح الوجهين، وقدمه اين رزين في الصدغ. وقيل: هما من الوجه. انتهى. وقيل: التحذيف من الوجه دون الصدغ. وقيل: عكسه.
(ولا) يدخل في الوجه أيضًا (النزعتان. وهما: ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس) أى جانبي مقدمه. قال في " الشرح ": وأما النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس فقال ابن عقيل: هما من الوجه؛ لقول الشاعر:
فلا تنكحي ان فرق الله بيننا أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
وقال القاضي وشيخنا: هما من الرأس وهو الصحيح؛ لأنه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس، لأنه ما ترأس وعلا. انتهى.
(ولا يجزئ غسل ظاهر شعر) في الوجه خفيف يصف البشرة، لأنه البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة فوجب غسلها كالتي لا شعر فيه، أو وجب غسل الشعر معها، لأنه نابت في محل الفرض فتبعه.
(إلا أن) يكون الشعر كثيفا (لا يصف البشرة) فانه يجزئه غسل ظاهره، لأنه لما كانت تحصل المواجهة به دون ما تحته من البشرة وجب تعلق الحكم به. وقيل: لا يجزؤه غسل ظاهره.
(و) على المذهب (يسن تخليله). وقيل: لا، وفاقًا لمالك، كتيمم.
و(لا) يسن (غسل داخل عين) في وضوء ولا غسل؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله
[ ٢٦٨ ]
ولا أمر به.
(ولا يجب) غسله (من نجاسة ولو أمن الضرر). وقيل: يستحب غسله في وضوء وغسل مع أمن الضرر. وعنه: يجب. وعنه: في " الكبرى ". وقيل: يجب من نجاسة.
ويستحب التكثير في ماء الوجه؛ لأن فيه غضونا، جمع غضن وهو: التمني ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه.
وقد روى ابن عباس: " أن عليا رضي الله تعالى عنه قال: يا ابن عباس لِلَّهِ ألا أتوضأ لك وضوء رسول الله ﷺ؛ قلت: بلى فداك أبي وأمي. قال: فوضع اناء فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثًا، ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته ثم أرسلها تسيل على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا ثم يده الأخرى مثل ذلك. وذكر بقية الوضوء. . . " (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
وقد روي عن أبي أمامة: " انه وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثًا ثلاثًا قال: وكان يتعاهد المأقين " (^٢) . رواه أحمد.
والمأقان: مثنى الماق وهو: مجرى الدمع من العين.
(ثم) إذا تم غسل وجهه يغسل (يديه مع مرفقيه و) مع (اصبع زائده و) مع (يد) زائدة (أصلها بمحل الفرض)؛ لأن ذلك زيادة بمحل الفرض. أشبهت الثؤلول (^٣) .
(أو) أصلها (بغيره ولم تتميز) الزائدة منهما؛ ليخرج من العهدة بيقين؛
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١١٧) ١: ٢٩ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٢٥) ١: ٨٣.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٩٧٦) ٥: ٢٥٨.
(٣) الثؤلول: بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها، وفي الحديث في صفة خاتم النبوة: " كأنه ثاليل ". " اللسان ": ثال و" المعجم الوسيط " ص ٩٣.
[ ٢٦٩ ]
كما لو تنجست إحدى يديه وجهلها.
(و) مع (أظفار) وان طالت؛ لأنها متصلة بيده بأصل الخلقة فدخلت في مسمى اليد.
(ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه) كالوسخ داخل أنفه (يمنع وصول الماء)؛ لأن هذا مما يكثر وقوعه عادة فلو لم يصح الوضوء معه لبينه النبي ﷺ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قال في " الإنصاف ": لو كانت تحت أظفاره يسير وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته لم تصح طهارته. قاله ابن عقيل، وقدمه في " القواعد الأصولية " و" التلخيص " وابن رزين في " شرحه ". وقيل: تصح، وهو الصحيح، صححه في " الرعاية الكبرى " وصاحب " حواشي المقنع " وجزم به في " الإفادات " وقدمه في " الرعاية الصغرى "، وإليه ميل المصنف واختاره الشيخ تقي الدين وأطلقهما في " الحاويين ". وقيل: يصح ممن يشق تحرزه منه؛ كأرباب الصنائع والأعمال الشاقة من الزراعة وغيرها، واختاره في " التلخيص " وأطلقهن في " الفروع ". وألحق الشيخ تقي الدين كل يسير منع حيث كان من البدن؛ كدم وعجين ونحوهما واختاره. انتهى. "
وان تقلصت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها؛ لأنها صارت في غير محل الفرض. وان كان بالعكس وجب غسلها؛ لأنها صارت في محل الفرض. وان تقلصت من أحد المحلين، والتحم رأسها في الآخر وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها دون ما لم يحاذه. وعلم مما تقدم انه لو كان له يد زائدة أصلها بغير محل الفرض وتميزت الأصلية من الزائد انه (^١) لا يجب غسل الزائدة سواء كانت قصيرة أو طويلة وهذا المذهب. وقيل: يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها.
(ومن خلق بلا مرفق غسل إلى قدره) أي: قدر المرفق (في غالب الناس).
_________________
(١) في ج: لانه.
[ ٢٧٠ ]
قال في " الإنصاف ": قاله الزركشي وغيره. انتهى.
وهو ظاهر.
(ثم) إذا تم غسل يديه (يمسح جميع ظاهر رأسه) بالماء.
قال في " الإنصاف ": فلو مسح البشرة لم يجزئه كما لو غسل باطن اللحية، ولو حلق البعض فنزل عليه شعر ما لم يحلق أجزأه المسح عليه. وحده: (من حد الوجه إلى ما يسمى قفا. والبياض فوق الأذنين منه).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب ثم قال: وذكر جماعة انه ليس من الرأس إجماعًا. انتهى.
والصفة المسنونة في مسحه انه: (يمر يديه من مقدمه إلى قفاه ثم يردهما) إلى الموضع الذي بدأ منه؛ لما روي عن عبد الله بن زيد: " أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه " (^١) . رواه الجماعة.
قال في " الشرح ": فان كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه أحمد؛ لأنه قد روي عن الربيع: " أن رسول الله ﷺ توضأ عندها، فمسح الرأس كله من مفرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته " (^٢) . رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٨٣) ١: ٨٠ كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٥) ١: ٢١١ كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي ﷺ. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١١٨) ١: ٢٩ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ. وأخرجه الترمذي في جامعه (٣٢) ١: ٤٧ أبواب الطهارة، باب ما جاء في مسح الرأس انه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره. وأخرجه النسائي في " سننه " (٩٨) ١: ٧١ كتاب الطهارة، باب صفة مسح الرأس. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٣٤) ١: ١٤٩ كتاب الطهارة، باب ما جاء في مسح الرأس. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٤٧٥) ٤: ٣٩.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٢٨) ١: ٣١ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ.
[ ٢٧١ ]
وسُئل أحمد: كيف تمسح المرأة؛ قال: هكذا فوضع يده على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدا ثم جرها إلى مؤخره.
(ثم يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما). وهذه هي الصفة المسنونة في مسح الرأس، لما في النسائى عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه " (^١) .
قال في " الشرح ": ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف، لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالأذن أولى. انتهى.
قال في " القاموس ": أن الغضروف داخل قُوفِ الأذن، وقال في موضع آخر: قُوف الأذن بالضم: أعلاها، أو مُسْتدارُ سَمِّها.
(ويجزئ) المسح (كيف مسح) أي: على أى كيفية فعل بيده (وبحائل).
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب أن المسح بحائل يجزئ مطلقًا فيدخل في ذلك المسح بخشبة وخرقة مبلولتين ونحوهما. وقيل:
لا يجزئ. ثم قال: ولو وضع يده مبلولة على رأسه ولم يمرها عليه أو وضع عليه خرقة مبلولة أو بلها وهي عليه لم يجزئه في الأصح، قطع به المجد وغيره. ويحتمل أن يصح، قاله المصنف. انتهى.
(و) يجزئ (غسل) بأن يوصل الماء إلى رأسه بفعله مع إمرار يده على رأسه، لما روي عن معاوية: " انه توضأ للناس كما رأى النبي ﷺ يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه " (^٢) . رواه أبو داود. ولأنه إذا أمر يده مع الماء فقد وجد المسح. وعنه: يجزئه غسله وان لم يمر يده.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (١٠٢) ١: ٧٤ كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين مع الرأس، وما يستدل به على أنهما من الرأس.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٢٤) ١: ٣١، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ.
[ ٢٧٢ ]
قال في " الإنصاف ": وأطلق الروايتين فيما إذا لم يمر يده، قاله المجد في " شرحه " وابن تميم. انتهى. وقيل: لا يجزئه غسله وان أمرّ يده. (أو إصابة ماء مع إمرار يده) يعني: لو أصاب الماء رأس المتوضئ من غير فعله كمطر ونحوه ثم أمر يده عليه أجزأه؛ لأن حصول الماء على رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء. فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد مسح بماء غير مستعمل. فصحت طهارته؛ كما لو حصل بقصده. قال في " الفروع ": وان أصابه ماء أجزأه أن أمر يده. وعنه: وقصده وان لم يمرها ولم يقصده فكغسله. انتهى. وقيل: يجزئ بلُّ شعر الرأس بلا مسح ولا غسل ولا يستحب تكرار مسح الرأس؛ لما روى أبو حية قال: " رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى انقاهما، ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين. ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ " (^١) . رواه الترمذي وصححه.
وعن ابن عباس: " أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ. فذكر الحديث كله ثلاثًا ثلاثًا وقال: مسح برأسه وأذنيه واحدة " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود.
ولأبي داود عن عثمان: " انه توضأ مثل ذلك، وقال؛ هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ " (^٣) . ولأنه مسح في طهارة عن حدث. فلم يسن تكراره؛ كالمسح على الجبيرة والخفين وفي التيمم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٨) ١: ٦٧ أبواب الطهارة، باب ما جاء في وضوء النبي ﷺ كيف كان.
(٢) أخرجه أبو داود (١٣٣) ١: ٣٢ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٤١٦) ١: ٢٦٨.
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٨) ١: ٢٦ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ.
[ ٢٧٣ ]
وعنه: يستحب تكراره بماء جديد. نصره أبو الخطاب وابن الجوزي.
وكذا أذنيه وفاقًا، ذكره ابن هبيرة نقله عنه في " الفروع ". ثم قال: ولا يمسح العنق. وعنه: بلى. اختاره في " الغنية " وابن الجوزي في " أسباب الهداية " وأبو البقاء وابن الصيرفي وابن رزين وفاقًا لأبي حنيفة. انتهى.
(ثم يغسل) بعد مسح رأسه وأذنيه (رجليه مع كعبيه. وهما) يعني الكعبين:
(العظمان الناتئان) اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم. وقد حكي عن محمد بن الحسين أنه قال: هما في مشط القدم وهو معقد الشراك من الرجل بدليل انه قال: (إلى الكعبين) [المائدة: ٦] فدل على أن في الرجلين كعبين لا غير، ولو أراد ما ذكر ثم كانت كعاب الرجلين أربعة. قال في "- الشرح ": ولنا أن الكعاب المشهورة هي التي ذكرنا. قال أبو عبيد: الكعب هذا الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنا، وروي عن النعمان بن بشير قال: " كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة ". رواه الخلاط.
وقوله: (إلى الكعبين) حجة لنا. فانه أراد كل رجل تغسل إلى الكعبين، ولو أراد جميع الأرجل لذكره بلفظ الجمع كما قال: (إلى المرافق). انتهى. وعنه: لا يجب إدخال الكعبين في الغسل. وحجة القائلين بوجوب غسل الكعبين، والقائلين بعدم الوجوب قد تقدم معناها في المرفقين، ويكون الغسل فيما يغسل ثلاثًا ثلاثًا.
(والأقطع من مفصل مرفق و) الأقطع من مفصل (كعب يغسل طرف عضد وساق) وجوبًا.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب منهم القاضي، ونص عليه في رواية عبد الله وصالح. انتهى. وقيل: يستحب وحمل عليه كلام الإمام.
(و) الأقطع (من دونهما): أي من دون مفصل المرفق ومفصل الكعب يغسل
[ ٢٧٤ ]
(ما بقي من محل فرض)؛ لقوله ﷺ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^١) . متفق عليه.
والأقطع من فوق مفصل مرفق وكعب لا يجب عليه غسل بلا نزاع. لكن يستحب له أن يمسح محل القطع بالماء؛ لئلا يخلو العضو من طهارة.
(وكذا) أي: وكالوضوء في ذلك (تيمم) فإذا قطعت اليد من مفصل الكف وجب أن يمسح محل القطع بالتراب، وان كان القطع من دونه وجب التيمم على ما بقي من محل الفرض، وان كان القطع من فوقه استحب له أن يمسح محل. القطع بالتراب. وقال القاضي: إذا قطعت اليد من مفصل الكف سقط التيمم فيها. والأول منصوص أحمد.
(وسن لمن فرغ (من الوضوء) رفع بصره إلى السماء وقول: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)، لما روى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ- الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " (^٢) . رواه مسلم.
ورواه الترمذي وزاد فيه: " اللهم لِلَّهِ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " (^٣) .
ورواه الإمام أحمد وأبو داود، وفي بعض رواياته: " فأحسن الوضوء ثم
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٧ ١) ٤: ١٣٣٧ كتاب الفضائل باب توقيره ﷺ. كلاهما من حديث أبى هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٤) ١: ٩ ٠ ٢ كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٥) ١: ٧٧ أبواب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء.
[ ٢٧٥ ]
رفع نظره إلى السماء. . وساق الحديث " (^١) .
(ويباح) للمتوضئ (تنشيف) من ماء الوضوء.
قال الخلال: المنقول عن أحمد انه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء. وممن رخص فيه الحسن وابن سيرين ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي " لماروى سلمان: " أن النبي ﷺ توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه " (^٢) . رواه ابن ماجه والطبرانى في " المعجم الصغير ".
وعنه: يكره، لما روت ميمونة: " أن النبي ﷺ اغتسل. قالت: فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده " (^٣) . متفق عليه.
قال في " الشرح ": والأول أصح، لأن الأصل الإباحه. وترك النبي ﷺ
لا يدل على الكراهة فانه قد يترك المباح. وهذه (^٤) قضيه في عين يحتمل انه ترك ذلك المنديل لأمر يختص بها. ولأنه إزالة للماء عن يديه. أشبه نفضه بيديه، ولا يكره نفض الماء عن يديه بيديه، لحديث ميمونة. ويكره نفض يده. ذكره أبو الخطاب وابن عقيل. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا يستحب.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. انتهى.
(و) يباح (مُعين) لمتوضئ، لما روى المغيرة بن شعبة: " انه أفرغ على
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٠) ١: ٤٤ كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا توضأ. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٢١) ١: ٢٠.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٥٦٤) ٢: ١١٨٠ كتاب اللباس، باب لبس الصوف. وأخرجه الطبرانى في " المعجم الصغير " ١: ١٢، قال الطبراني: لا يروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد، تفرد به مروان بن محمد الطاطري.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٧٠) ١: ٠٦ ١ كتاب الغسل، باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣١٧) ١: ٢٥٤ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
(٤) في ج: وهذ ا.
[ ٢٧٦ ]
النبي ﷺ ومن وضوئه " (^١) . رواه مسلم.
وعن صفوان بن عسال قال: " صببت على النبي ﷺ الماء في الحضر والسفر في الوضوء " (^٢) . رواه ابن ماجه.
ولا يستحب المعين؛ لما روى ابن عباس قال: " كان النبي ﷺ لا يكل طهوره الى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها. يكون هو الذي يتولاها بنفسه " (^٣) . رواه ابن ماجه.
وعنه: يكره المعين من غير عذر.
قال أحمد: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد، لأن عمر قال ذلك.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف ": جزم به في " الهداية " و" المستوعب " و" الكافي " و" الخلاصة " و" الإفادات " و" الرعاية الصغرى " و" الوجيز " و" الحاويين " و" المنور " و" المنتخب " وابن رزين وغيرهم.
(وسن كونه) أي: المعين (عن يساره) أي: عن يسار المتوضئ.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. جزم به في " مجمع البحرين " وقدمه في " الفروع " و" شرحه ابن عبيدان ". وقيل: يقف عن يمينه اختاره الامدي. انتهى.
وانما سن كون معينه عن يساره، ليسهل تناول الماء عند الصب، (كاناء وضوء ضيق الرأس) ليصبه بيساره على يمينه.
(وإلا) أي: وان لم يكن الاناء ضيق الرأس بل كان واسعا (فـ) انه يكون (عن يمينه)، ليغترف منه بها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٤) ١: ٢٢٩ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٩١) ١: ١٣٨ كتاب الطهارة، باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٦٢) ١: ١٢٩ كتاب الطهارة، باب تغطية الاناء.
[ ٢٧٧ ]
(ومن وضئ أو غسل أو يمم) بالبناء للمفعول في الثلاث (بإذنه) أي: بإذن المفعول به (ونواه) أي: نوى الوضوء أو الغسل أو التيمم المفعول به دون الفاعل (صح). .
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: يشترط أيضًا نية من يوضئه ان كان مسلما. وعنه: لايصح مطلقًا من غير عذر وهو من المفردات. انتهى.
(لا ان أُكره فاعل) يعني: لو أكره انسان انسانا على أن يوضئه أو يصب عليه الماء فوضأه أو صبه عليه مكرها لم يصح الوضوء.
قال في " الإنصاف ": قدمه في " الرعاية ": وقيل: يصح. وقيل: يصح في صب الماء فقط.
وقال في " الفروع " بعد أن ذكر حكم من يوضئه: وان أكرهه عليه لم يصح في الأصح. ففهم صاحب " القواعد الأصولية ": أن المكره بفتح الراء هو المتوضئ، فقال بعد أن حكى ذلك: كذا ذكر بعض المتأخرين قال: ومحل النزاع مشكل على ما ذكره، فانه إذا أكره على الوضوء ونوى وتوضأ لنفسه صح بلا تردد، وكذا قال الشيخ أبو محمد وغيره: إذا أكره على العبادة وفعلها لداعي الشرع لا لداعي الإكراه: صحت. وان توضأ ولم ينو لم يصح، إلا على وجه شاذ: انه لا يعتبر لطهارة الحدث نية. وقد يقال: لا يصح ولو نوى، لأن الفعل ينسب إلى الغير. فبقيت النية مجردة عن فعل فلا تصح. وقد ذكروا أن الصحيح من الروايتين في الأيمان: أن المكره بالتهديد إذا فعل المحلوف على تركه لا يحنث، لأن الفعل ينسب إلى الغير. انتهى.
ثم قال صاحب " الإنصاف ": والذي يظهر: أن مراد صاحب " الفروع " بالإكراه: إكراه من يصب الماء أو يوضئه بدليل السياق والسباق، وموافقة صاحب " الرعاية " وغيره. فتقدير كلامه: وان أكره المتوضئ لمن يوضئه. فعلى هذا يزول الإشكال الذي أورده قبله. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
[ ٢٧٨ ]
[باب: المسح على الخفين]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام المسح على الحائل. ووجه مناسبته للباب الذي قبله: كونه بدلا عن غسل أو مسح ما تحته في الطهارة من الحدث: أما (مسح الخفين و) مسح (ما في معناهما) من الجرموقين والجوربين فهو (رخصة). وهي لغة: السهولة. وشرعا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لعارض راجح.
قال في " الإنصاف ": المسح رخصة على الصحيح من المذهب. وعنه: عزيمة. انتهى.
والعزيمة لغة: القصد المؤكد، وشرعا: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.
والرخصة والعزيمه وصفان للحكم الوصفي.
قال في " الفروع ": والظاهر أن من فوائدهما: المسح في سفر المعصية، وتعيين المسح على لابسه. انتهى.
قال ابن قندس: أى إذا قيل: عزيمة جاز فى سفر المعصية، وان قيل: رخصة لا يجوز، لأن الرخصة لا تباح في المعصية.
وأما قوله. وتعيين المسح على لابسه فمعناه والله أعلم: أن الذي وجب على اللابس هو المسح دون الغسل، وعلى القول بالرخصة يكون الواجب الغسل، والمسح بدلا عن الغسل. انتهى.
قال في " القواعد الأصولية " عن كلامه في " الفروع ": وفيما قال نظر.
(و) المسح (أفضل من غسل)، لأن النبي ﷺ وأصحابه انما طلبوا الفضل.
[ ٢٧٩ ]
وهذا مذهب الشعبي والحكم وإسحاق، لأنه روي عن النبي ﷺ: " أن الله يحب أن يؤخذ برخصه " (^١) . ولأن فيه مخالفة أهل البدع.
قال في " الإنصاف ": المسح أفضل من الغسل على الصحيح من المذهب. نص عليه وهو من المفردات.
قال القاضي: لم يرد المداومة على المسح. وعنه: الغسل أفضل. وقيل: انه آخر أقواله، وقدمه في " الرعايتين ". وعنه: هما سواء في الفضيلة، وأطلقهن في " الحاويين " و" الفائق ". وقيل: ان لم يداوم المسح فهو أفضل، اختاره القاضي.
قال الشيخ تقي الدين: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما. ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف. انتهى.
(و) المسح (يرفع الحدث).
قال في " الإنصاف ":. على الصحيح من المذهب نص عليه. وقيل: لا يرفعه. انتهى.
ووجه المذهب: أن المسح طهارة بالماء. فرفع الحدث، كالغسل.
(ولا يسن أن يلبس) الحائل (ليمسح) عليه، كسفره ليترخص.
(وكره) في المنصوص (لبس) ما يمسح عليه (مع مدافعة أحد الأخبثين) وفاقًا لمالك " لأن الصلاة مكروهة بهذه الطهارة فكذلك اللبس الذي يراد للصلاه.
قال في " الشرح ": والأولى أن لا يكره، وروي عن إبراهيم النخعي: انه كان إذا أراد أن يبول لبس خفيه.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في " صحيحه ": " الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان " ١: ٢٨٤ من حديث ابن عباس ﵄، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عمر ٤: ١٨٢ وه: ٢٣١.
[ ٢٨٠ ]
ولأنها طهارة كاملة. أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس.
والصلاة انما كرهت للحاقن؛ لأن اشتغال قلبه بمدافعة الأخبثين تذهب بخشوع الصلاة، وتمنع الإتيان بها على الكمال، وتحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس. والله أعلم. انتهى.
(ويصح) المسح (على خف) في رجليه عند عامة أهل العلم.
قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز. وعن الحسن قال: " حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين ".
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ليس في قلبي من المسح شيء. فيه أربعون حديثا عن رسول الله ﷺ.
قال في " المبدع ": ومن أمهاتها حديث جرير قال: " رأيت النبي ﷺ بال
وتوضأ ثم مسح على خفيه ".
قال إبراهيم النخعي: فكان يعجبهم ذلك؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (^١) . متفق عليه.
وقد استنبطه بعض العلماء من القرآن في قراءة من قرأ: " وأرجلِكم "
بالجر. وحمل قراءة النصب على الغسل؛ لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة. انتهى.
(و) يصح المسح أيضًا على (جرموق). وهو (خف قصير). ويسمى أيضًا الموق.
قال الجوهري: هو مثال الخف يلبس فوقه لا سيما في البلاد الباردة، وهو معرب، وكذا كل كلمة فيها جيم وقاف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٣٨) ١: ١٥١ كتاب الصلاة في الثياب، باب الصلاة في الخفاف. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٢) ١: ٢٢٧ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين
[ ٢٨١ ]
ويدل لصحة المسح عليه ما روى بلال قال: " رأيت رسول الله ﷺ يمسح الموقين والخمار " (^١) . رواه أحمد.
ولأبي داود: " كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه " (^٢) .
ولسعيد بن منصور في " سننه " عن بلال قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " امسحوا على النصيف والموق ".
(و) يصح المسح أيضًا على (جورب صفيق). والجورب معرب.
قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدفء.
قال في " القاموس ": والجورب: لفافة الرجل. الجمع جواربة وجوارب. وتجورب: لبسه، وجَورَبْتُهُ: ألبسته إياه. انتهى.
ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد.
قال ابن المنذر: ويروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ: علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد. وهو قول عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وابن المبارك وإسحاق ويعقوب ومحمد سواء نعلا أو لم ينعلا.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وغيرهم: لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا " لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما. فهما كالرقيعتين.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى المغيرة بن شعبة: " أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين " (^٣) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال:
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٩٦٣) ٦: ٥.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٣) ١: ٩ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٩) ١: ١ كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٩) ١: ٦٧ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٢٣١) ٤: ٥٢.
[ ٢٨٢ ]
حسن صحيح.
وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين؛ لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين. فانه لا يقال: مسحت على الخف ونعله. ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسحوا على الجوارب، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. والجورب في معنى الخف، لأنه ملبوس ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشى فيه. أشبه الخف. انتهى.
وتكلم في الحديث جماعة.
قال أبو داود: وكان ابن مهدي لا يحدث به، لأن المعروف عن المغيرة: الخفين.
قال في " المبدع ": وهذا لا يصلح مانعًا لجواز رواية لفظين. انتهى.
وعنه: لا يجوز المسح على جورب الخرقة. جزم به في " التلخيص ". إذا تقرر هذا فانه لا يشترط في لابس ما يجوز المسح عليه السلامة بل يجوز المسح. (حتى لزمن) لا يمكنه المشي لعاهة (وبرجل قطعت اخراها من فوق فرضها) فيلبس ما يصح المسح عليه في الباقية ويمسح عليه.
قال في " الإنصاف ": قاله في " الفروع " وغيره. انتهى.
وعلم من هذا انه لو لبس الخف في إحدى الرجلين فقط، وأراد المسح عليه وغسل الأخرى لم يجز له ذلك، لأنه إذا غسل واحدة غلب جانب الغسل فيجب غسل ما في الخف تبعا للتي غسلها.
(لا لمحرم لبسهما)، أى الخفين (لحاجة). قدمه في " التنقيح ". ثم قال: وقيل: يجوز وهو أظهر. انتهى.
ثم قال في حاشية (^١) له عليه: انما قدمت عدم جواز المسح تبعا لظاهر كلام
" الفروع "، وانه قال: ولا تمسح امرأة عمامة، ولحاجة برد وغيره وجهان. ثم قال: ومثل الحاجة لو لبس محرم خفين لحاجة هل يمسح. انتهى.
_________________
(١) في ج: حاشيته.
[ ٢٨٣ ]
فظاهر كلامه أن لبس المحرم الخفين للحاجة كلبس المرأة العمامة لحاجة برد وغيره. وقد أطلق عن المراة الوجهين في جواز مسح العمامة للحاجة وصححنا في " تصحيح الفروع " عدم الجواز قطع به في " المغني " و" الشرح " و" شرح ابن رزين " و" مجمع البحرين " وغيرهم. وكذا على هذا: لا يصح المسح لمحرم إذا لبسه لحاجة على ما قدمناه في العمامة للمراة، لكن اخترنا جواز المسح له وهو ظاهر كلام الأصحاب لإطلاقهم المسح على الخفين، ولم يستثنوا أحدا ولم أر المسألة إلا في " الفروع "، وهو عمده وعنده تحقيق. انتهى.
(و) يصح المسح (على عمامة). وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة رضي الله تعالى عنهم. وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وابن المنذر وغيرهم.
وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي:
لا يمسح عليها؛ لقول الله تعالى: [وامسحوا برءوسكم) [المائدة: ٦]. ولأنه لا تلحقه المشقة بنزعها. أشبهت الكمين.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال: " توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى مسلم: " أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار " (^٢) .
وعن عمرو بن أمية قال: " رأيت النبي ﷺ مسح على عمامته وخفيه " (^٣) .
رواه البخاري. انتهى.
وروى الخلال بإسناده إلى عمر رضي الله تعالى عنه انه قال: " من لم يطهره
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٠) ١: ١٧٠ أبواب الطهارة، باب المسح على العمامة.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٥) ١: ٢٣١ كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة. عن بلال بن أبي رباح ﵁.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٠٢) ١: ٨٥ كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين. عن جعفر بن عمرو عن أبيه قال: " رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته ".
[ ٢٨٤ ]
المسح على العمامه فلا طهره الله ". ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم. فجاز المسح على حائله، كالقدمين.
(و) يصح المسح أيضًا على (جبائر) مشدودة على كسر أو جرح أو نحوهما.
وبه قال ابن عمر، ولم يعرف له من الصحابة مخالف. وهو قول الحسن والنخعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي، لما روى جابر عن النبي ﷺ في صاحب الشجة: " انما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل لسائر جسده " (^١) . رواه أبو داود والدارقطني.
(و) يصح أيضًا على (خُمُر نساء مُدارة تحت حُلوقهن) في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. صححه في " التصحيح " والمجد في " شرح الهدايه " و" مجمع البحرين " و" الحاوي الكبير ". انتهى.
و" كانت أم سلمة تمسح على خمارها " (^٢) . ذكره ابن المنذر " لما روى بلال قال: " مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار " (^٣) . رواه مسلم. وفي لفظ لأحمد: " أن النبي ﷺ قال: امسحوا على الخفين والخمار " (^٤) . ولأنه ساتر يشق نزعه. أشبه العمامة المحنكة، ولا يجوز المسح على الوقاية.
قال في " الشرح ": رواية واحدة لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنها لا يشق نزعها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٦) ١: ٣ كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٣) ١: ١٨٩ كتاب الطهارة، باب جواز التيمم لصاحب الجراح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢٢٣) ١: ٢٩ كتاب الطهارات، من كان يرى المسح على العمامة. وأخرجه ابن المنذر في " الأوسط " ١: ٤٦٨ ذكر اختلاف أهل العلم في المسح على العمامة.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٥) ١: ٢٣١ كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامه.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٩٥٤) ٦: ١٤.
[ ٢٨٥ ]
فهي كطاقية الرجل. انتهى.
(لا قلانس) في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": إحداهما: لا يباح وهو المذهب. انتهى.
قال في " الفروع ". ولا يمسح قلنسوة. وعنه: بلى. وقيل: المحبوسة تحت حلقه. ولا ساترًا كخضاب نص عليه. انتهى.
ووجه المذهب: أن القلنسوة لا يشق نزعها. فلم يجز المسح عليها؛ كالطاقية. ولأن العمامه التي ليست محنكة ولا ذات ذؤابه لا يجوز المسح عليها وهذه أدنى منها.
قال في " الشرح " عند إطلاق الشيخ في " المقنع " في القلانس الروايتين:
أراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنومنات. انتهى.
قال في " الإنصاف ": القلانس مبطنات تتخذ للنوم. والدنيات قلانس كبار أيضًا كانت القضاة تلبسها قديما.
قال في " مجمع البحرين ": هي على هيئة ما تتخذه الصوفية الان. انتهى.
(و) لا يمسح (لفائف). وهي خرق تشد على الرجل.
قال في " الفروع ": في المنصو ص وفاقًا تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة في الأصح. انتهى.
إذا علمت ما يصح المسح عليه فمنه ما لا يتوقت (^١) بزمن. وإلى ذلك أشير بقوله: (إلى حل جبيرة) يعنى: أو برئها؛ لأن مسحها للضرورة وما كان كذلك فيتقيد بقدرها، والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها بخلاف غيرها.
(ولا يمسح في) الطهارة (الكبرى غيرها) أي: غير الجبيرة؛ لما روى
_________________
(١) في أ: يتوقف.
[ ٢٨٦ ]
صفوان بن عسال قال: " أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أو سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابه " (^١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صصحيح. ولأن المسح على الجبيرة أبيح للضرر. أشبه التيمم.
(وهو) أي المسح (عليها) أي: على الجبيرة (عزيمة. فيجوز بسفر المعصية) كسائر العزائم.
(وغيرها) أي: غير الجبيرة وهو ما يتوقف بزمن يكون ابتداؤه (من حدث بعد لبس) الخف أو نحوه (يومًا وليلة لمقيم وعاص بسفر، وثلاثة بلياليهن لمن بسفر قصر لم يعص به)؛ لما روى شريح بن هانئ قال: " سألت عائشة على المسح على الخفين. فقالت: سل عليا فانه أعلم بهذا مني. كان يسافر مع رسول الله ﷺ. فسألته. فقال: قال رسول الله ﷺ: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة " (^٢) . رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. وعن خزيمة: " سئل النبي ﷺ عن المسح على الخفين فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة " (^٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٦) ١: ١٥٩ أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧) ١: ٢٣٢ كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٢٩) ١: ٨٤ كتاب الطهارة، التوقيت في المسح على الخفين للمقيم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٥٢) ١: ١٨٣ كتاب الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٤٨) ١: ٩٦.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥٧) ١: ٤٠ كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح. وأخرجه الترمدي في " جامعه " (٩٥) ١: ١٥٨ أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٦١٩) ٥: ٢١٤.
[ ٢٨٧ ]
وسفر المعصية كالحضر في مدة المسح؛ لأنه لا يستباح به الرخص.
وكون ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس كما دل عليه كلام المتن هو المذهب.
قال في " الفروع ": وابتداء المدة من حدثه بعد لبسه وفاقًا، أي: من وقت جواز مسحه بعد حدثه. فلو مضى من الحدث يوم وليلة، أو ثلاثة أن كان مسافرًا، ولم يمسح انقضت المدة. وما لم يحدث لا تحتسب المدة. فلو بقي بعد لبسه يومًا على طهارة اللبس ثم أحدث استباح بعد الحدث المدة، وانتهاء المدة وقت جواز مسحه بعد حدثه. وعنه: ابتداؤها من مسحه بعد حدثه، وانتهاؤها وقت المسح. انتهى.
وكون المسح مؤقتا كما في المتن هو المذهب. فعليه لو مضت المدة وخاف النزع لمرض أو نحوه، أو تضرر رفيقه في سفر بانتظاره إذا اشتغل بنزع الخف ونحوه تيمم. فلو مسح وصلى أعاد، نص عليه. وقيل: يمسح ما عدا الجبيرة كالجبيرة. يعني إلى حين نزع ذلك الممسوح.
قال في " الفروع ": واختاره شيخنا. ويحتمل أن يمسح عاص بسفره كغيره. ذكره ابن شهاب. وقيل: لا يمسح. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وقال يعني الشيخ تقي الدين في " الاختيارات ":
ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين. انتهى.
وحكم من سافر بعد اللبس وقبل الحدث حكم من سافر بعد الحدث وقبل المسح وهو المشار إليه بقوله: (أو سافر بعد حدث قبل مسح)؛ لأن المسح لم يوجد إلا في السفر.
(ومن مسح) حال كونه (مسافرًا ثم أقام) قبل مضي ثلاثة ايام، (أو) مسح المقيم (أقل من مسح مقيم) أي: أقل من يوم وليلة (ثم سافر، أو شك) المسافر (في ابتدائه) أي: في ابتداء المسح بأن شك هل ابتدأ المسح بعد أن شرع في
[ ٢٨٨ ]
السفر أو قبل أن يشرع فيه: فان الحكم في هذه الصور انه (لم يزد على مسح مقيم) " لأن المسح عبادة يختلف حكمها بالسفر والحضر. فلا بد من تحقق وجود جميعها بالسفر حتى يحكم عليها بحكم السفر.
(ومَنْ شك) من مقيم أو مسافر (في بقاء المدة) أي: المدة التي يجوز المسح فيها وأراد الوضوء (لم يمسح) مع وجود الشك، لأن المسح رخصة جوزت بشرط. فان لم يتيقن شرطها رجع إلى الأصل.
(فان مسح فبان بقاءها) أي: بقاء المده (صح) وضوؤه، ولا يصلي به قبل أن يتبين له بقاؤها. فان صلى قبل تبين بقائها أعاد (^١) .
ولما كان مسح الحائل القائم مقام غسل ذلك العضو المستور أو مسحه متوقفا على شروط. أشير إلى الأول منها بقوله:
(بشرط تقدم كمال الطهارة بماء). فلو لبسه على طهارة تيمم لم يصح المسح عليه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه في رواية عبد الله، وجزم به في " المغني " و" الشرح "، وقدمه ابن عبيدان وقال: هو أولى.
وقال في رواية من قال: لا ينقض طهارته إلا وجود الماء: له أن يمسح. انتهى.
ووجه المذهب: أن التيمم لا يرفع الحدث. فقد صدق عليه أنه لبسه وهو محدث.
(ولو مسح فيها على حائل) يعني انه لو توضأ وضوءًا كاملا مسح فيه على عمامة أو جبيرة ثم لبس خفا على هذه الطهارة: صح أن يمسح عليه " لأنها
طهارة كاملة رافعة للحدث فصح المسح على ما لبس عليها، كما لو لم يمسح فيها على حائل.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٢٨٩ ]
وقيل: لايصح؛ لأنه ليس طهارة ممسوح فيها على بدل. فلم يستبح المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف.
ورد بأن الممسوح عليه ليس ببدل عما لبسه. بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه. (أو تيمم) في الطهارة بالماء المتقدمة على اللبس (لجرح) في بعض أعضائه، (أو كان حدثه) أي المتوضئ (دائما)؛ كمن به سلس وكمستحاضه فانه يصح المسح على ما يلبسه على هذا الوضوء؛ لأن من به جرح، أو حدثه دائم مضطر إلى الترخص وأحق ما يترخص المضطر. ولأن هذه الطهارة كامله في حق كل منهما.
وعنه: لا يشترط كمالها. اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب " الفائق ". وقال: وعنه: لا يشترط الطهارة لمسح العمامة. ذكره ابن هبيرة.
وعنه: لا يشترط تقدم الطهارة رأسًا لصحه المسح على حائل، فلو لبس محدث خفًا ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح عليه.
قال في " الإنصاف ": قال الزركشي: وهو غريب بعيد. قلت: اختاره الشيخ تقي الدين. وقال أيضًا: ويتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة. ويكفي فيها الطهارة المستدامة؛ لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء. انتهى.
وما قاله رواية عن أحمد. حكاها غير واحد. انتهى كلامه في" الإنصاف ". وعنه: لا يشترط تقدم الطهارة رأسًا لشد الجبيرة. اختارها الخلال.
ووجه المذهب ما روى المغيرة بن شعبة قال: " كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الإداوة. فغسل وجهه وغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم
[ ٢٩٠ ]
أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما " (^١) .
متفق عليه.
ولأبي داود: " دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما" (^٢) . وعن المغيرة أيضًا قال: " قلنا: يا رسول الله لِلَّهِ أيمسح أحدنا على الخفين؛ قال: نعم، إذا أدخلهما وهما طاهرتان " (^٣) . رواه الحميدي في "مسنده".
وعن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه. فقلت:
يا رسول الله لِلَّهِ رجليك لم تغسلهما. قال: إني أدخلتهما وهما طاهرتان " (^٤) .
رواه أحمد.
وعن صفوان بن عسال قال: " أمرنا- يعني النبي ﷺ - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة " (^٥) . رواه أحمد وابن خزيمة. وقال الخطابي: وهو صحيح الإسناد.
وعن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ: " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما " (^٦) . رواه الأثرم في " سننه " وابن خزيمة والدارقطني. وقال
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٦٣) ٥: ٢١٨٥ كتاب اللباس، باب لبس جبة الصوف في الغزو. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٤) ١: ٢٣٠ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٥١) ١: ٣٨ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.
(٣) أخرجه الحميدي فى " مسنده " ٢: ٣٣٤ أحاديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٨٦٨) ٢: ٣٥٨.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨١١٦) ٤: ٢٣٩.
(٦) أخرجه الدارقطني فى " سننه " (١) ١: ١٩٤ كتاب الطهارة، باب الرخصة في المسح كلاهما. وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (١٩٠) ١: ٩٦ كتاب الوضوء، الأخبار الواردة في المسح.
[ ٢٩١ ]
الخطابي: هو صحيح الإسناد.
فعلى المذهب لو غسل رجلًا ثم أدخلها الخف ثم الثانية ثم أدخلها الخف خلع الأولى ثم لبسها قبل الحدث وإلا لم يصح المسح، وان لبس الخفين محدث ثم توضأ وغسل رجليه داخل الخفين خلعهما ثم لبسهما قبل الحدث، وكذا لو نوى جنب رفع حدثه وغسل رجليه ثم أدخلهما في خفه.
(ويكفي من خاف نزع جبيرة لم تتقدمها طهارة: تيمم)، لأنه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه. فجاز التيمم له؛ كجرح غير مشدود. (فلو عمت محله) أي: محل التيمم (مسحها بالماء)؛ لأن كلًا من التيمم والمسح بدل عن الغسل. فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر.
الشرط الثانى: ما أشير إليه بقوله: (وستر محل فرض).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وجزم به أكثرهم. واختار الشيخ تقي الدين جواز المسح على الخف المخرق، ما دام اسمه باقيًا، والمشي فيه ممكن. واختاره أيضًا جده المجد وغيره من العلماء. لكن من شرط المخرق: أن لا يمنع متابعة المشي فيه، واختار الشيخ تقي الدين أيضًا جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب. انتهى كلامه.
ووجه المذهب: أن حكم ما ظهر الغسل، وحكم ما ستر جواز المسح والغسل. ولا سبيل إلى وجوب الجمع بينهما من غير ضرورة. فغلب الغسل؛ كما لو ظهرت إحدى الرجلين بالماء فانه يجب أن تغسل الأخرى.
(و) لا يشترط في الساتر كونه صحيحا بل (لو) حصل الستر (بمخرّق أو مفتّق وينضم بلبسه، أو) كان القدم (يبدو بعضه) من الملبوس (لولا شده) أي: ربطه (أو شَرَجُه) بالشين المعجمة والجيم بأن يكون له عرى كالزربول الذي له ساق فيدخل بعضها في بعض فيستتر بذلك محل الفرض: فانه يصح المسح عليه.
قال في " الشرح ": فأما ان كان الشق ينضم فلا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه، وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي.
[ ٢٩٢ ]
وقال في موضع آخر: ولو كان للخف قدم وله شرج إذا شده يستر محل الفرض جاز المسح عليه.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز المسح عليه كاللفائف. ولنا: انه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه. أشبه غير ذي الشرج. انتهى.
ولا فرق في المخرق الذي لا ينضم بلبسه بين كون الخرق كبيرا أو صغيرًا من موضع الخرز أو من غيره. صرح به في " الشرح ".
الشرط الثالث: ما أشير إليه بقوله: (وثبوته بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما).
قال في " الفروع ": لا بشده في المنصو ص. انتهى.
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو ثبت الجوربان بالنعلين جاز المسح عليه ما لم يخلع النعلين. وهذا المذهب وعليه الأصحاب وقطعوا به. وقال الزركشي: وقد يتخرج المنع، ويجب أن يمسح على الجوربين وسيور النعلين قدْر الواجب، قاله القاضي وقدمه في ". الرعاية الكبرى ".
قال في " الصغرى " و" الحاويين ": مسحهما. وقيل: يجزئ مسح الجورب وحده. وقيل: أو النعل.
قال في " الفروع ": فقيل: يجب مسحهما. وعنه: أو أحدهما.
قال المجد في " شرحه " وابن عبيدان وصاحب " مجمع البحرين ": ظاهر كلام أحمد: إجزأء المسح على أحدهما قدر الواجب.
قلت: ينبغي أن يكون هذا المذهب، وأطلقهما في " الفروع " والزركشي وابن تميم. انتهى.
الشرط الرابع: ما أشير إليه بقوله: (وإمكان مشي عرفًا بممسوح). لا كونه يمنع نفوذ الماء، ولا كونه معتادا. وقيل: بلى فيهما.
فعلى المذهب: يصح المسح على الخف من الجلود واللبود والخشب
والحديد والزجاج الذي لا يصف البشرة ونحو ذلك حيث أمكن المشي فيه؛ لأنه
خف يمكن متابعة المشي فيه ساتر لمحل الفرض. أشبه الجلود.
[ ٢٩٣ ]
ولأنه قد يحتاج إلى بعضها في بعض البلاد ولا يضر عدم الحاجة في غيره.
الشرط الخامس: ما أشير إليه بقوله: (وإباحته مطلقًا) أي: سواء كان هناك ضرورة تدعو إلى لبسه؛ كخوف سقوط أصابعه من شدة البرد ان نزعه، أو لم تكن ضرورة. فلا يصح المسح على مغصوب ونحوه مطلقًا على الصحيح من المذهب؛ لأن المسح رخصة. فلا يستباح بالمعصية؛ كما لا يستبيح المسافر الرخص بسفر المعصية.
قال في " الإنصاف ": وعنه: يجوز المسح عليه. حكاها غير واحد. انتهى.
قال في " الفروع ": مباح على الأصح خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وفي " الفصول " و" النهاية " و" المستوعب " إلا لضرورة برد؛ لأن المعصية لا تختص باللبس؛ لأنه لو تركه لم يزل إثم الغصب. بخلاف سفر المعصية فانه لو تركه خرج منها. ذكره القاضي وغيره. انتهى.
الشرط السادس: ما أشير إليه بقوله: (وطهارة عينه ولو في ضرورة.
ويتيمم معها) أي: مع الضرورة (لمستور) بذلك النجس. فان كان النجس خفا تيمم مع خوف نزعه لغسل الرجلين، وان كان عمامة تيمم مع خوف نزعها لمسح الرأس، وان كان لجبيرة تيمم مع خوف نزعها لغسل ذلك العضو المشدودة عليه.
(ويعيد ما صلى به) أي بالخف النجس ونحوه.
قال في " الإنصاف ": ومنها طهارة عينه ان لم تكن ضرورة بلا نزاع. فان كان ثم ضرورة فيشترط أيضًا طهارة عينه على الصحيح من المذهب، فلا يصح المسح على جلد الكلب والخنزير والميتة (^١) في بلاد الثلوج إذا خشي سقوط أصابعه لحاجة ونحو ذلك بل يتيمم للرجلين.
قال المجد وتبعه ابن عبيدان: هذا الأظهر، واختاره ابن عقيل وابن عبدوس
_________________
(١) في " الانصاف " ١: ١٨١. زياده: قبل الدبغ.
[ ٢٩٤ ]
المتقدم. انتهى.
ثم قال بعد أسطر: فائدة:
لو مسح على خف طاهر العين، ولو كان بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه: جاز المسح عليه، ويستبيح بذلك مس المصحف والصلاة إذا لم يجد ما يزيل النجاسة وغير ذلك. صححه المجد وابن عبيدان وقدمه في " مجمع البحرين " وابن تميم. وقيل: فيه وجهان أصلهما الروايتان في صحة الوضوء قبل الاستنجاء " لكونها طهارة لا يمكن الصلاة بها غالبا بدون نقضها، فجعلت كالقدم. قاله في " المستوعب " وغيره.
قال الزركشي: قال كثيرون: يخرج على روايتي الوضوء قبل الاستنجاء.
وفرق المجد بينهما بأن نجاسة المحل هناك لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى، وهذا معلوم هنا، وأطلقهما في " الرعاية الكبرى ". انتهى.
الشرط السابع: ما أشير إليه بقوله: (وأن لا يصف البشرة) التي من داخله "
(لصفائه أو خفته).
قال في " الإنصاف ": ومنها: أن لا يصف القدم لصفائه. فلو وصفه لم يصح على الصحيح من المذهب؛ كالزجاج الرقيق ونحوه. وقيل: يجوز المسح عليه. انتهى.
قال في " الشرح ": وكذلك ان كان الجورب خفيفا يصف القدم لم يجز المسح عليه " لأنه غير ساتر لمحل الفرض. أشبه النعل. انتهى.
الشرط الثامن: وهو المكمل لها ما أشير إليه بقوله: (وان لا يكون واسعا يرى منه بعض محل الفرض).
قال في " المقنع ": أو كان واسعًا يرى منه الكعب لم يجز المسح.
ووجهه: أنه غير ساتر. أشبه المخرق الذي لا ينضم بلبسه.
(وان لبس) لابس خف (عليه آخر لا بعد حدث)، لأن اللبس يكون إذًا على
[ ٢٩٥ ]
غير طهارة. فإذا لبس الثانى قبل الحدث (ولو مع خرق أحدهما) أي: أحد الخفين (صح المسح) على الفوقانى؛ لأنه خف ساتر يثبت بنفسه. أشبه المنفرد.
وفهم من قول المتن: وان لبس عليه آخر: أنه لو لبس خفًا صحيحًا على لفافة انه يجوز المسح عليه من باب أولى.
وفهم من قوله: ولو مع خرق أحدهما أنهما لو كانا مخرقين لم يصح المسح وهو كذلك.
قال في " الإنصاف ": لو كان تحت المخرق مخرّق وستَرا: لم يجز المسح على الصحيح من المذهب ونص عليه. وقيل: يجوز. انتهى.
وشمل قوله: ما إذا كانا صحيحين، أو كان التحتانى وحده صحيحا، أو كان الفوقانى وحده صحيحا. وقيل: إذا كان التحتانى وحده صحيحا لا يصح المسح إلا عليه.
وقال في " الفروع ": وان كان تحت مخردتى جورب أو خف جاز المسح، لا لفافة في المنصو ص فيهما. وعنه: في الأولى هما كنعل مع جورب، وفي مخرق على مخرق يستر القدم بهما وجهان ويمسح صحيحا على مخرق أو لفافة. انتهى.
(وان نزع الممسوح لزم نزع ما تحته) وغسل الرجلين؛ لأن محل المسح قد زال.
ونزع أحد الخفين كنزعهما؛ لأن الرخصة تعلقت بهما فصار كانكشاف القدم.
ولو أدخل يده من تحت الفوقانى ومسح الذي تحته جاز؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح. فجاز المسح عليه؛ كما يجوز غسل قدميه في الخف مع جواز المسح عليه.
ولو لبس أحد الجرموقين في إحدى الرجلين دون الأخرى جاز المسح عليه،
[ ٢٩٦ ]
وعلى الخف الذي في الرجل الأخرى؛ لأن الحكم تعلق به وبالخف في الرجل الأخرى. فهو كما لو لم يكن تحته شيء.
فرع: قال في " الرعاية ": لو لبس عمامة فوق عمامة لحاجة كبرد وغيره قبل حدثه، وقبل مسح السفلى: مسح العليا التي بصفة السفلى، وإلا فلا؛ كما لو ترك فوقها منديلا أو نحوه. نقله في " الإنصاف ".
(وشرط في) صحة مسح على (عمامة) أيضًا ثلاثة شروط:
الأول: (كونها محنكة). وهي: التي يدار منها تحت الحنك كَور بفتح الكاف أو كَوران.
قال في " الشرح ": ومتى كانت محنكة جاز المسح عليها رواية واحدة سواء كان لها ذؤابة أو لم يكن؛ لأن هذه عمامة العرب وهي أكثر سترا ويشق نزعها. قال القاضي: وسواء كانت صغيرة أو كبيرة. ولأنها مأمور بها، وتفارق عمائم أهل الكتاب. انتهى.
(أو) كونها (ذات ذُؤَابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة. وهي الناصية أو منبتها من الرأس، وشعر في أعلى ناصية الفرس. والمراد بالذؤابة هنا: طرف العمامة المرخي. سمي بذلك مجازًا. وفي صحة المسح عليها وجهان. قال في " الإنصاف ": أحدهما: يجوز المسح عليها وهو المذهب. جزم به في " العمدة " و" المنور " و" المنتخب " و" التسهيل ". وقدمه ابن رزين فى " شرحه " واختاره ابن حامد والمصنف، وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين بطريق الأولى فانه اختار جواز المسح على العمامة الصماء، فذات الذؤابة أولى بالجو از. انتهى.
قال في " الفروع ": وكره أحمد لبس غير المحنكة. ونقل الحسن بن ثواب كراهية شديدة، ولم يصرح الأصحاب بإباحة لبسها، بل ذكر بعضهم كراهة أحمد.
وقال بعضهم: لا تباح مع النهي، فلا يتعلق بها رخصة. وعلله بعضهم
[ ٢٩٧ ]
بعدم المشقة كالكتله، وبأنها تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نهي عن التشبه بهم، ويأتي في ستر العورة (^١) .
وقال شيخنا: المحكي عن أحمد الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم. ومثل هذا لا يمنع الترخص؛ كسفر النزهة، كذا قال، ويأتي في القصر (^٢) . ولعل ظاهر من جوز المسح إباحة لبسها، وهو متجه؛ لأنه فعل أبناء المهاجرين والأنصار. وتحمل كراهة السلف على الحاجة إلى ذلك؛ لجهاد أو غيره، واختاره شيخنا، أو على ترك الأولى، وحمله صاحب " المحرر " وغيره على غير ذوات ذؤابة، مع أن الكراهة انما هي من عمر وابنه والحسن وطاووس والثوري. وفي الصحة نظر. انتهى.
(و) الشرط الثاني: كونها (على ذكر).
قال في " الفروع ": ولا تمسح امرأة عمامة. ولحاجة برد وغيره وجهان.
وان قيل: يكره التشبه توجه خلاف كصماء. انتهى.
قال في " الإنصاف ": لا يجوز للمرأة المسح على العمامة ولو لبستها للضرورة على الصحيح من المذهب.
(و) الشرط الثالث: (ستر) العمامة من الرأس (غير ما العادة كشفه) كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فانه يعفى عنه. بخلاف خرق الخف فانه لا يعفى عنه؛ لأن هذا جرت العاده به ويشق التحرز عنه.
(ولايجب مسحه) أي مسح ماجرت العادة بكشفه (معها) أي: مع العمامه.
قال في " الفروع ": ولا يمسح معها ما العادة كشفه. وعنه: يجب. وعنه: حتى الأذنين. انتهى.
ووجه المذهب: أن العمامة نَابَت عن الرأس. فانتقل الفرض إليها وتعلق
_________________
(١) ٢: ٢٥
(٢) ٢: ٤٢٠
[ ٢٩٨ ]
الحكم بها. فلم يبق للمظهر حكم. ولأن الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد.
فلم يجز من غير ضرورة، كالخف. لكنه مستحب.
قال في " الشرح ": نص عليه، " لأن النبي ﷺ مسح بناصيته " (^١) في حديث المغيرة وهو صحيح. انتهى.
ثم لما فرع الكلام على ما يصح المسح عليه أشير إلى ما يجب مسحه منه بقوله:
(ويجب مسح أكثرها) أي أكثر العمامة، لأنها أحد الممسوحين على وجه البدل. فأجزأ مسح بعضه؛ كالخف.
وعنه: يجب استيعابها قياسا على مسح الرأس. وقيل: يجزئ مسح بعضها.
قال في " الشرح ": والصحيح الأول. انتهى.
قال في " الفروع ": ويجزئ مسح أكثر العمامة على الأصح. انتهى.
(و) يجب مسح (جميع جبيرة) سواء كانت على كسر أو جرح. نص عليه؛ لحديث صاحب الشجة: " انما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده " (^٢) . رواه أبو داود.
وقال ابن حامد: يمسح على جبيرة الكسر، ولا يمسح على لصوق بل يتيمم ان خاف.
(فلو تعدى شدها محل الحاجة نزعها) كما لو شدها على ما لا كسر فيه.
ومحل وجوب نزعها: إذا لم يخف ضررًا، (فان خاف تيمم لزائد) على محل الحاجة " لأنه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه. فجاز التيمم له " كالجرح. وفيه وجه: يجزئه المسح على الزائد. اختاره المجد وغيره. وقيل: يجمع
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٠) ١: ١٧١ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المسح على العمامه.
(٢) سبق تخريجه ص: (٢٨٥) رقم (١).
[ ٢٩٩ ]
فيه بين المسح والتيمم.
(ودواء) على البدن (ولو قارًا في شق وتضرر بقلعه) في حكم المسح (كجبيرة). قال في " الإنصاف ": لو تألمت أصبعه فالقمها مرارة جاز المسح عليها.
قاله المجد وغيره. ثم قال: لو جعل في شق قارًا ونحوه. وتضرر بقلعه جاز له المسح عليه على الصحيح من المذهب. جزم به في " الكافي " وصححه في " الرعايتين " و" الحاويين " و" النظم ". واختاره المجد وغيره. وقدمه ابن تميم وحواشي " المقنع ".
وعنه: ليس له المسح، بل يتيمم. اختاره أبو بكر. وأطلقهما في " المستوعب " و" الفروع " والزركشي وابن عبيدان.
وقال ابن عقيل: يغسله، ولا يجزئه المسح.
وقال القاضي: يقلعه، إلا أن يخاف تلفا فيصلي ويعيد. انتهى.
(و) يجب مسح (أكثر أعلى خف ونحوه)، كالجرموق والجورب.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب أن الواجب مسح أكثر أعلى الخف وعليه الجمهور. انتهى.
قال في " الفروع ": ويجب مسح أكثر أعلى الخف. وقيل: قدر الناصيه
من الرأس. وقيل: هو المذهب. وقيل: جميعه وفاقا لمالك. لا قدر ثلاثة أصابع خلافًا لأبي حنيفه، أو ما سمي مسحا خلافًا للشافعي. انتهى.
(وسن) أن يكون المسح (بأصابع يده) مبتدئا (من أصابعه) أي: من أصابع رجليه (إلى ساقه) يمسح رجله اليمنى بيده اليمنى ورجله اليسرى بيده اليسرى، لما روى الخلال بإسناده عن المغيرة فذكر وضوء النبي ﷺ قال: " ثم توضأ ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأنى أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين " (^١) .
_________________
(١) أخرجه الحميدي في " مسنده " ٢: ٣٣٤ أحاديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٣٠٠ ]
قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيديه باليمنى اليمنى وباليسرى اليسرى.
قال في " الشرح ": والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح.
قال الحسن: خطوطًا بالأصابع.
ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفه وفرج بينهما ثم مسح على أصل الساق.
وروي عن عمر: " انه مسح حتى رؤي آثار أصابعه على خفيه خطوطًا ". انتهى.
(ولا يجزئ أسفله) أى: أسفل الخف (وعقبه) ان اقتصر عليهما.
قال في " الإنصاف ": قولًا واحدًا.
(ولا يسن) مسحهما مع أعلى الخف.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه وعليه جمهور الأصحاب وقطع به كثير منهم.
وقال ابن أبي موسى: يستحب ذلك. انتهى.
وباستحباب مسحهما قال مالك والشافعي؛ لما روى المغيره بن شعبة قال: " وضأت رسول الله ﷺ فمسح أعلى الخف وأسفله " (^١) . رواه أبو داود
والترمذي. ولأنه يحاذي محل الفر ض. أشبه ظاهره.
وبعدمه قال عروة وعطاء والحسن والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه: " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٥) ١: ٤٢ كتاب الطهارة، باب كيف المسح. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٧) ١: ١٦٢ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله.
[ ٣٠١ ]
خفيه " (^١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن عمر رضي الله تعالى- عنه قال: " رأيت رسول الله ﷺ يأمر بالمسح
على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان " (^٢) . رواه الخلال. ولأن مسحه غير واجب، ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تتنجس به يده فكان تركه أولى.
وأما حديث المغيرة فقال الترمذي: انه معلول وقال: سألت أبا زرعة ومحمدًا عنه فقالا: ليس بصحيح. وقال الإمام أحمد عنه: انه من وجه ضعيف. (وحكمه) أي: حكم مسح الخف (بأصبع) واحدة أو أصبعين (أو حائل، و) حكم (غسله حكم رأس) في وضوء، وتقدم انه كيفما فعل فهو جائز. فلو وضع يده مبلولة على ساق الخف وأمرّها إلى أسفل جاز.
(وكره غسل) الخف.
قال في " الإنصاف ": ويكره غسله، ويجزئ على الصحيح من المذهب، واختاره ابن حامد وغيره.
قال الزركشي: وبالغ القاضي فقال بعدم الإجزاء مع الغسل " لعدوله عن المأمور، وتوقف الإمام أحمد في ذلك. انتهى.
(و) وكره أيضًا (تكرار مسح) الخف " لأن في حديث المغيرة: " مسحة واحدة " (^٣) .
قال في " الفروع ": ويكره غسله وتكرار مسحه. انتهى.
(ومتى ظهر) من عمامة ممسوحة (بعض رأس وفَحُشَ) أي: كثر ما ظهر من الرأس.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٢) ١: ٤٢ كتاب الطهارة، باب كيف المسح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣٨٧) ١: ٥٤.
(٢) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١: ٢٩٢ كتاب الطهارة، باب الاقتصار بالمسح على ظاهر الخفين.
(٣) سبق تخريجه ص: (٢٩١) رقم (٣).
[ ٣٠٢ ]
قال في " الفروع ": وان رفع العمامة يسيرًا لم يضر، ذكره الشيخ للمشقة.
قال أحمد رضي الله تعالى عنه: إذا زالت عن رأسه فلا بأس ما لم يفحش.
(أو) ظهر (بعض قدم) من خف: مسح عليه (إلى ساق خف، أو انتقض بعض العمامة) الممسوحة، (أو انقطع دم مستحاضة ونحوها) كمن به سلس بول، (أو انقضت المدة) أي: مدة المسح التي تنتهي اعتبار بدليته من الغسل إليها. (ولو) وجد شيء من ذلك (في صلاة: استأنف الطهارة) لبطلانها
بما ذكر، أما كونها تبطل بظهور الرأس من العمامة أو القدم من الخف " فلأن مسح العمامة قائم مقام مسح الرأس، ومسح الخف أقيم مقام غسل الرجلين. فإذا زال الساتر الذي أقيم مسحه بدلًا عن مسح ذلك العضو، أو غسله بطل حكم طهارته؛ كالمتيمم يجد الماء.
وانتقاض بعض العمامة كنزعها.
قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت؛ لأنه زال الممسوح عليه.
أشبه نزع الخف.
وعنه: لا أثر لنقض بعضها. وعنه: ان ظهر رأس الماسح على العمامة لم تبطل طهارته، وأجزأه مسح رأسه، وغسل قدميه. وان ظهر قدم الماسح على الخف أجزأه غسل رجليه.
وأما كون من حدثه دائم تبطل طهارته بانقطاعه " فلأن الحكم بصحة طهارته (^١) انما كان لوجود العذر. فإذا زال حكم ببطلانها على الأصل.
وأما كون طهارة المسح تبطل بانقضاء مدته " فلأن طهارته مؤقتة. فبطلت بانتهاء وقتها " كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم. ويستأنف الطهارة التي هي الوضوء، لا لوجوب الموالاة فيها في الأصح، والأصح أن ذلك مبني على أن المسح يرفع الحدث، وعلى أن الحدث لا يتبعض، فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الحائل عنه، فيسري إلى بقية الأعضاء فيستأنف الوضوء وان
_________________
(١) في ج: طهارة.
[ ٣٠٣ ]
قرب الزمن. وقطع بهذه الطريقة القاضي أبو الحسين وصححه المجد في " شرحه " وابن عبد القوي في " مجمع البحرين " وغيرهم.
وقال أبو المعالي وغيره: أن هذا الصحيح من المذهب عند المحققين.
قال في " الفروع ": وان ظهر بعض قدم الماسح، أو انقضت مدة المسح ابتدأ الطهارة. وعنه: يجزئه مسح رأسه وغسل رجليه وفاقًا لأبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي. وهل هو مبني على الموالاة وفاقا لمالك؛ جزم به الشيخ، أو رفع الحدث؛ جزم به أبو الحسين، واختاره أبو البركات. وذكر أبو المعالي: أنه الصحيح من المذهب عند المحققين، ويرفعه في المنصوص وفاقًا، أو مبني على غسل كل عضو بنية، أو على أن الطهارة لا تتبعض في النقض، وان تبعضت في الثبوت كالصلاة والصوم. اختاره في " الانتصار " وقاله في " الخلاف "؛ فيه أوجه. وهو كقدرة المتيمم على الماء. وقيل:
كسبق الحدث. قال صاحب " المحرر ": ان رفعه. انتهى.
(وزوال جبيرة) في الحكم (كـ) زوال (خف) ولو قبل برء الجرح أو الكسر، لأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها. إلا انها إذا مسحت في الطهارة الكبرى وزالت أجزأ غسل ما تحتها لعدم وجوب الموالاة في الطهارة الكبرى.
ولما فرغ من الكلام على الوضوء وعلى مسح الحائل وكان له مبطلات ناسب ذكرها هنا. والله أعلم.
[ ٣٠٤ ]
[باب: مبطلات الوضوء]
هذا (باب) يذكر فيه مبطلات الوضوء.
(نواقض الوضوء): جميع ناقضة (وهي مفسداته).
انواعها: (ثمانية)، وانما قلت: وهي مفسداته؛ لأن النقض حقيقة في البناء واستعماله في المعانى مجاز كنقض الوضوء ونقض العلىة.
والأولى من الثمانية: (الخارج ولو) كان (نادرا): أما المعتاد منه؛ كالبول والغائط والريح من الدبر قبلا خلاف. وأما النادر، كالريح من القبل والدود والحصى من الدبر قالذي عليه جماهير الأصحاب ان ذلك ينقض الوضوء؛ لما روى عروة عن فاطمة بنت أبى حبيش: " انها كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: إذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف. فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلى. فانما هو دم عرق " (^١) . رواه أبو داود والدارقطني وقا ل: إسناده كلهم ثقات.
فقد أمر بالوضوء لكل صلاة ودمها غير معتاد. ولأنه خارج من سبيل. أشبه المعتاد.
ولعموم قوله ﷺ: " لا وضوء إلا من حدث أو ريح " (^٢) . رواه الترمذي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه" (٢٨٦) ١: ٧٥ كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٦٢) ١: ١٨٥ كتاب الحيض والاستحاضة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٤) ١: ٢٠٧ كتاب الحيض.
(٢) أخرجه الترمذي فى " جامعه " (٧٤) ١: ١٠٩ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من الريح.
[ ٣٠٥ ]
وصححه من حديث أبي هريرة.
وهو شامل للريح من القبل.
وقيل: لا ينقض ريح من قبل مطلقًا.
وقيل: لا ينقض خروجه من ذكر فقط.
(أو) كان الخارج (طاهرًا)؛ كولد بلا دم في الأصح فيه فانه ينقض.
ولا فرق في ذلك بين ما خرج من الجوف أو أدخل من السبيل ثم خرج كدهن يقطر في الاحليل ثم يخرج، وإلى ذلك أشير بقوله:
(أو مقطَرا) بفتح الطاء وتشديدها.
قال في " الإنصاف ": لو قطر في إحليله دهنا ثم خرج: نقض الوضوء على الصحيح من المذهب. جزم به في " المغني " وابن رزين. وصححه في
" الشرح " و" مجمع البحرين ". وقدمه ابن عبيدان، وقالوا: لأنه لا يخلو من بلة نجسة تصحبه.
وقال القاضي في " المجرد ": لا ينقض. انتهى.
وعلم من هذا انه لو قطره من غير السبيل ولم يصل إلى محل محكوم بنجاسته
ثم خرج لم ينقض.
قال في " الفروع ": ولو صب دهنا في أذنه فوصل دماغه ثم خرج منها لم ينقض (^١)، وكذا لو خرج من فمه في ظاهر كلامهم وفاقًا لأبي حنيفة خلافًا
لأبي المعالي. انتهى.
ولو احتشى قطنا أو نحوه في ذكره ثم أخرجه وعليه بلل نقض الوضوء كما لو خرج البلل منفردا. وإلى ذلك أشير بقوله:
(أو محتشى وابتلَ). وقيل: لا ينقض. ومفهومه: انه لو خرج ناشفا لم
ينقض وهو المذهب.
_________________
(١) في ج: ينتقض.
[ ٣٠٦ ]
قال في " الإنصاف ": وهو ظاهر نقل عبد الله عن أحمد. ذكره القاضي في "المجرد" ورجحه ابن حمدان وقدمه ابن رزين في "شرحه " وابن عبيدان. انتهى. ووجهه: انه ليس بين المثانة والجوف منفذ ولم تصحبه نجاسة فلم ينقض.
وقيل: بل.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم فيما تحمله لا فرق بين كون طرفه
خارجا أو لا، وعند الحنفية: ان لم يكن طرفه خارجا ثم أخرجه، أو خرج:
نقض وأفسد الصوم، وان كان طرفه خارجا فلا، إلا مع بلة ورائحة فينقض. وعند أكثر الشافعية: ان بقي بعضه خارجا، أو بلع بعض خيط فوصل المعدة ثبت حكم النجاسة، فلا تصح صلاة ولا طواف. انتهى.
وإذا دب ماء رجل إلى فرج امرأة، أو استدخلته ثم خرج وقد توضأت نقض وضوءها. وإلى ذلك أشير بقوله:
(أو منيًّا دبّ أو استُدخِل)؛ لأنه خارج من سبيل لا يخلو من بلة تصحبه من
الفرج.
قال في " الإنصاف ": إذا خرجت الحقنة من الفرج نقضت.
قال ابن تميم: نقضت وجها واحدا.
قال صاحب " النهاية ": لا يختلف في ذلك المذهب.
وهكذا لو وطئ امرأته دون الفرج فدبَ ماؤه فدخل الفرج ثم خرج منه نقض
ولم يجب عليها الغسل على الصحيح من المذهب.
وقيل: يغتسل منه.
وان لم يخرج من الحقنة أو المني شيء، فقيل: ينقض. وقيل:
لا ينقض. لكن ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزرَاقة (^١) نقض. وقدمه
ابن رزين في المني. والحقنة مثله.
_________________
(١) الزرَاقه: أنبوبه من الزجاج ونحوه، أحد طرفيها واسع والآخر ضيق، في جوفها عود يجذب السائل ثم يدفعه. " المعجم الوسيط ": ٣٩٣:١
[ ٣٠٧ ]
قلت: وهو ظاهر كلام المصنف والخرقي وغيرهما وأطلقهما في
" المغني " و" الشرح " والزركشي و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " وابن
عبيدان. وقيل: ينقض إذا كانت الحقنة في الدبر دون القبل. وأطلقهن في
" الفروع " وابن تميم وحواشي " المقنع " و" الرعاية ". انتهى.
إلا) إذا كان الحدث (دائما) كمستحاضة (ومن) به سلس فان الدائم لا ينقض
للضرورة.
والجار والمجرور المتعلق بلفظ الخارج في المتن قوله: (من سبيل) وهو
مخرج البول والغائط.
وانما ينقض الخارج إذا خرج (إلى ما) أي: محل (يلحقه حكم التطهير).
قال في " الفروع ": الخارج من السبيلين والمراد إلى ما هو في حكم الظاهر
ويلحقه حكم التطهير. انتهى.
لأن المحل الذي يصلى اليه الخارج إذا لم يلحقه حكم التطهير من الخبث
لا يلحق بسببه حكم التطهير من الحدث.
ولا يشترط انفصال الخارج. فينقض ولو لم ينفصل. وإلى ذلك أشير
بقوله:
(ولو بظهور مَقْعَدة عُلم بللُها).
قال في " الشرح ": قال أبو الحارث: سألت أحمد عن رجل به علة
وربما ظهرت مقعدته قال: ان علم أنه يظهر معها ندى توضأ وان لم يعلم
فلا شيء عليه. انتهى.
قال في " الفروع ": وان ظهرت مقعدته فعلم ان عليها بللا. وقيل: أو
يجهله، ولم ينفصل انتقض في المنصوص، وكذا طرف مصران، أو رأس
دودة. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وجزم الزركشي انه لا ينتقض إذا خرجت مقعدته
ومعها بلّة لم تنفصل عنها ثم عادت. انتهى.
[ ٣٠٨ ]
وكلام الزركشي مخالف لنص أحمد. والله تعالى أعلم.
وان شك في كونه ما خرج منه الخارج سبيلا أو لا ففيه؟ تفصيل أشير اليه بقوله:
إلا يسير نجس) يخرج (من أحد فرجي) أي: قُبُلى (خنثى مشكل غير بول
وغائط).
قال في " الإنصاف ": لو خرج من أحد فرجي الخنثى المشكل غير بول
وغائط وكان يسيرا: لم ينقض على المذهب. قاله الزركشي وغيره.
قال في " الرعاية ": لم ينقض في الأشهر. انتهى.
ووجه المذهب: أن الطهارة متيقنة فلا تبطل مع الشك في شرط الناقض وهو
كونه: من فرج أصلى.
وأما إذا كان النجس كثيرًا أو بولا أو غائطا فلا يشترط كونه من سبيل للنقض
بخروجه من سائر البدن. والله تعالى أعلم.
(ومتى استَدّ المخرج) المعتاد (وانفتح غيره ولو) كان المنفتح (أسفلَ المعدة)
على وزن كلمة. موضع الطعام قبل انحداره إلى الامعاء. وهي (^١) لنا بمنزلة
الكرش لذوي الأظلاف والأخفاف: (لم يثبت له) أي: للمخرج المنفتح (حكم)
المخرج (المعتاد).
قال في " الإنصاف ": لو انسدّ المخرج وفتح غيره فأحكام المخرج باقية
مطلقًا على الصحيح من المذهب. انتهى.
(فلا نقض بريح منه) أي: من المنفتح. وقيل: ينقض خروج الريح منه.
قال في " الفروع ": وان انسد المخرج وفتح غيره، قال ابن عقيل وغيره:
أسفل المعدة لم يثبت له أحكام المعتاد. وقيل: إلا في النقض بريح منه،
ويتوجه عليه بقية الأحكام، وفي إجزاء الاستجمار. وقيل: حتى مع بقاء
المخرج وجهان وأحكام المخرج باقية.
_________________
(١) في أ: وهو.
[ ٣٠٩ ]
قال في " النهاية ": إلا أن يكون سُد خلقة فسبيل الحدث المنفتح والمسدود كعضو زائد من الخنثى. انتهى.
النوع (الثاني): من الثمانيه: (خروج بول أو غائط من باقي البدن) أي غير السبيلين؛ لتقدم حكمهما. (مطلقًا) أي: سواء كان البول أو الغائط كثيرًا أو
قليلا.
قال في " الشرح ": لا يختلف المذهب في نقض الوضوء بخروج الغائط
والبول سواء كان من مخرجهما أو من غيره. ويستوي قليلهما وكثيرهما في ذلك.
(أو) خروج (نجاسة غيرهما) أي: غير البول والغائط من باقي البدن (كقيء
ولو بحاله) كما لو شرب ماء وقذفه في الحالى بصفته؛ لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف لا باستحالة (فاحشة) صفة لنجاسة (^١) (في نفس كل أحد بحسبه) نص عليه.
قيل لأحمد: يا أبا عبد الله ما قدر الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك.
وروي نحو ذلك عن ابن عباس.
قال الخلال: الذي استقرت عليه الرواية عن أبي عبد الله: ان الفاحش ما يستفحشه كل انسان في نفسه؛ لقول النبي ﷺ " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (^٢) .
ولأن اعتبار حالا لانسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منفيا.
وعنه: ما فحش في نفس أوساط الناس.
قال في " الإنصاف ": والنفس تميل إلى ذلك. وأطلقهما في " الفروع ". وعنه: الكثير قدر الكف. وعنه: قدر عشر أصابع. وعنه: هو ما لو انبسط جامده، أو انضم متفرقه كان شبرا في شبر. وعنه: هو ما لا يعفى عنه في
_________________
(١) في ج: لنجاسته.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٥٧١) ٣: ١٥٢.
[ ٣١٠ ]
الصلاة. حكاهن في " الرعاية ".
قال الزركشي: ولا عبرة بما قطع به ابن عبدوس، وحكى عن شيخه: ان
اليسير قطرتان. انتهى.
قال في " المقنع ": وحكي عنه: ان قليلها ينقض.
وقال الشيخ تقي الدين: لا ينقض مطلقًا. واختاره الاجري في غير القيء.
وعنه: ينقض كثير القيء ويسيره، طعاما كان أو دما أو قيحا أو دودًا ونحوه، وينقض الوضوء بخروج النجاسة الفاحشة من غير السبيل. قال ابن عباس
وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وقتادة والثوري وأصحاب الرأي.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: لا وضوء فيه؛ لأنه خارج من غيرالمخرج مع بقاء المخرج. فلم ينقض؛ كالبصاق.
ولأنه لا نص فيه. ولا يصح قياسه على الخارج من السبيلين؛ لكون الحكم
فيه غيرمعلل.
ولأن الخارج من السبيل لا فرق بين قليله وكثيره وطاهره ونجسه وما هو
بخلافه فامتنع القياس.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى أبو معدان بن أبى طلحة عن أبي الدرداء:
" ان رسول الله ﷺ قاء فتوضأ. قال: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته فقال: صدق أنا سكبت له وضوءه " (^١) . رواه الترمذي وقال: هذا أصح شيء في الباب.
قيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم.
و" لأن النبي ﷺ قال لفاطمة: انهدم عرق فتوضئي لكل صلاة " (^٢) . رواه الترمذى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "جامعه " (٨٧) ١: ٤٢ ١ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢١٢٨) ٥: ٢٧٧.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٩) ١: ٢٢٩ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة انها تغتسل عند كل صلاة.
[ ٣١١ ]
وعلل بكونه دم عرق وهذا كذلك.
ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
ولأنه خارج نجس. فنقض؛ كالخارج من السبيلين.
وقياسهم منقوض بما إذا انفتح مخرج دون المعدة. والبصاق طاهر.
بخلاف هذا.
إذا تقرر هذا فتنقض النجاسة الفاحشة إذا خرجت من بدن المتوضئ (ولو بقطنة ونحوها)؛ كخرقة، (أو بمص علق) أو قراد؛ لأن الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجة لا أثر له في نقض الوضوء وعدمه.
إلا) ما خرج بمص (بعوض ونحوه)؛ كبق وذباب وبراغيث؛ لقلته،
ومشقة الاحتراز منه.
النوع (الثالث) من الأنواع الثمانية: (زوال عقل)؛ كحدوث جنون أو
برسام. كثيرًا كان أو قليلا. وهذا بالاجماع.
(أو تغطيته) أي: تغطية العقل بسكر أو إغماء أو شرب دواء.
(حتى بنوم) وهو غشية ثقيلة تقع على القلت تمنع المعرفة بالأشياء. والأصل
في ذلك ما روي عن على رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " العين وكاء السه. فمن نام فليتوضأ " (^١) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: " العين وكاء السه، فإذا نامت
العينان استطلق الوكاء " (^٢) . رواه أحمد والدارقطني.
والسه: اسم لحلقة الدبر.
وسئل أحمد عن حديث على ومعاوية في ذلك فقال: حديث على اثبت
وأقوى.
_________________
(١) أخرجه أبوداودفي " سننه " (٢٠٣) ١: ٥٢ كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٧٧) ١: ١٦١ كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٩٢٥) ٤: ٩٧. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٢) ١: ١٦٠ كتاب الطهارة، باب ما روي فيمن نام قاعدا.
[ ٣١٢ ]
وفي إيجاب الوضوء بالنوم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه؛ كالسكر
والإغماء.
ولأن النوم ونحوه مظنة الحدث فأقيم مقامه.
قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجم على المخرج ولم يخرج شيء إلحاقا بالغالب.
(إلا نوم النبي ﷺ) يسيرا كان أو كثيرا. لأن النوم انما يقع على عينيه دون
قلته كما صح ذلك عنه ﷺ (و) إلا النوم (اليسير عرفا) على الأصح، وقيل:
ما لم يتغير عن هيئته كسقوطه وقيل: مع بقاء نومه. قال في " الفروع " وان رأى رؤيا فهو كثير خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وعنه: لا وهي أظهر. انتهى.
(من جالس) لما روي عن أنس قال: " كان أصحاب رسول الله ﷺ على عهد رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون " (^١) رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولأن النوم اليسير يكثر وقوعه من منتظري الصلاة فعفي عنه لمشقة التحرز عنه (و) إلا النوم اليسير من (قائم) لما روى ابن عباس قال: " بت عند خالتي ميمونة فقلت لها إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ، فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن فجعلت إذا اغفيت يأخذ بشحمة أذني. قال: فصلى إحدى عشرة ركعة " (^٢) رواه مسلم، ولأن الجالس والقائم يشتبهان في الأنحفاظ واجتماع المخرج وربما كان القائم ابعد من الحدث لكونه لو استثقل في النوم سقط.
وشرط عدم النقض بالنوم اليسير من جالس وقائم: ان إلا) يكون (مع احتباء أو اتكاء أو استناد).
قال في " الفروع ": ومستند ومتكئء ومحتب كمضطجع. وعنه: لا وفاقًا للشافعي، ولأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه. وعن أحمد: لا ينقض نوم
_________________
(١) أخرجه أبوداودفي " سننه " (٢٠٠) ١: ٥١ كتاب الطهاره، باب الوضوء من النوم.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٦٣) ١: ٥٢٨ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقياسه.
[ ٣١٣ ]
مطلقًا. واختار شيخنا: ان ظن بقاء ظهره. انتهى.
وفهم من قول المتن: من جالس أو قائم: ان النوم اليسير من راكع وساجد ينقض.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب على ما اصطلحناه. اختاره الخلإلى والمصنف.
قال في " الكافي ": الأولى الحاق الراكع والساجد بالمضطجع. وهو
ظاهر الخرقي و" العمدة " و" التسهيل " و" المنتخب " وغيرهم. وجزم به في
" الوجيز ". وقدمه في " الفائق " وابن رزين في " شرحه " و" المستوعب ". وعنه: ان نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره وعليه جمهور الأصحاب. انتهى.
ولم يستثن في التنقيح غير يسير نوم الجالس والقائم وتبعته على ذلك.
وعلم مما تقدم ان يسير نوم المضطجع ينقض من باب أولى.
النوع (الرابع) من الأنواع الثمانية: (مس فرج آدمي) " سواء كان ذكر رجل
أو قبل امرأة. وهو: فرجها الذي بين أسكتيها.
(و) كذا (لو) كان الفرج الممسوس (دبرا) لأحدهما: أماكون مس ذكر
الرجل ينقض الوضوء؛ فلما روت بسرة بنت صفوان: ان رسول الله ﷺ قال:
" من مس ذكره فليتوضأ " (^١) .
وعن جابر مثل ذلك (^٢) .
_________________
(١) أخرجه الترمدي في " جامعه " (٨٢) ١: ١٢٦ أبواب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٧٩) ١: ١٦١ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٣٣٣) ٦: ٤٠٦. وأخرجه مالك في " الموطأ " (٥٨) ١: ٦٣ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٨٧) ١: ٣٤ كتاب الطهارة، باب في نواقض الوضوء.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٨٠) ١: ١٦٢ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر. قال البوصيري في " الزوائد ": في إسناده مقال، عقبة بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في الثقات، قال عنه ابن المديني: شيخ مجهول.
[ ٣١٤ ]
روى حديث بسرة مالك والشافعي وأحمد وابن ماجه والترمذي وقال:
حسن صحيح، وصححه أحمد وابن معين. وقال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. وروى حديث جابر ابن ماجه.
وأما كون مس الفرج غير الذكر ينقض الوضوء؛ فلعموم قول النبي ﷺ في حديث أم حبيبة: " من مس فرجه فليتوضأ" (^١) . رواه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة.
ولقوله ﷺ: " أيضًا امرأة مست فرجها فلتتوضأ " (^٢) . رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب.
قال في " المبدع ": وإسناده جيد اليه.
ولا فرق بين كون الممسوس فرجا للماس أو لغيره؛ لأنه إذا انتقض وضوءه بمس فرج نفسه مع كون الحاجة تدعو إلى مسه وهو جائز، فلأن ينتقض بمس فرج غيره مع كونه معصية أولى.
ولأن نصه على نقض الوضوء بمس فرج نفسه مع انه لم يهتك حرمة تنبيه على نقضه بمس فرج غيره.
ولأن في بعض الفاظ حديث بسرة: " من مس الذكر فليتوضأ" (^٣) فيشمل
كل ذكر حتى ذكر الطفل والميت، ولهذا قلت: (أو ميتا).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٨١) ١: ١٦٢ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر. قال البوصيري في " الزوائد ": في إسناده مقال: ففيه مكحول الشامي وهومدلس موجب ترك حديثه، لا سيما وقد قال البخاري وأبو زرعة: انه لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، فالإسناد منقطع. قلت: وذكر الحافظ دحيم وهو أعرف بحديث الشاميين أن سماع مكحول من عنبسة ثابت. وقال الخلال في " العلل ": صحح أحمد حديث أم حبيبة، وقال ابن السكن: لا أعلم به علة. أفاد ذلك الحافظ ابن حجر في " تلخيصه " ١: ١٢٤.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٠٧٦) ٢: ٢٢٣. قال الحافظ ابن حجر في " تلخيصه ": ١: ١٢٤ نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: هو عندي صحيح.
(٣) أخرجه أبوداودفي " سننه " (١٨١) ١: ٤٦ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٦٣) ١: ٠ ٠ ١ كتاب الطهارة، الوضوء من مس الذكر.
[ ٣١٥ ]
ولأن حرمته باقية.
(متصلى) بالجر صفة للفرج فلا ينقض المنفصلى؛ لذهاب الحرمة بالقطع.
(أصلى) صفة أيضًا فلا ينقض مس أحد قبلي خنثى مشكل؛ لاحتمال ان
يكون الممسوس غير أصلى. وما يتطرق اليه الاحتمال لا ينقض الطهارة المتيقنة.
وأما الذكر الأصل فان مسه ينقض (ولو) كان (أشل) أي: لا نفع فيه؛ لبقاء
الاسم والخدمة.
وقيل: لا.
(أو) كان الممسوس (قلفة) متصلة؛ لأنه اداخلة في مسمى الذكر، وفي
حكم حرمته.
قال في " القاموس ": والقلفة بالضم ريحرك: جلدة الذكر.
(أو) كان الممسوس (قبلي خنثى مشكل)؛ لأن أحدهما فرج أصلى فنقض
كما لو لم يكن معه فرج زائد.
(أو) مس غير الخنثى من الخنثى (لشهوة ما للامس مثله) وذلك ان يمس
الرجل ذكر الخنثى لشهوة، أو تمس المرأة فرج الخنثى لشهوة. ومس غير الختتى الخنثى منحصر في اثنتي عشرة صورة؛ لأن الماس لفرج الخنثى إما ان
يكون رجلًا أو امرأة، وأما ان يمس أحد فرجيه، أو هما جميعا وفي كل هذه الصور: أما أن يكون المس لشهوة، أو لا. فتلخص من ذلك ست صور في
الرجل ومثلها في المرأة. فان كان رجلًا ومس أحدهما لغير شهوة فلا نقض؛ لأنه يحتمل زيادة الفرج الممسوس، وان كان لشهوة انتقض بمس ذكره. وهذه
إحدى صور المتن؛ لأن الخنثى ان كان رجلًا فقد حصلى المس لذكر رجل، وان
كان امرأة فقد مسها الرجل لشهوة.
وان مس الرجل قبلي الخنثى لشهوة أو لغير شهوة انتقض وضوءه. وهاتان
الصورتان أيضًا في المتن. وتقدمت الاشارة إلى توجيه ذلك، وان كان أيضًا
[ ٣١٦ ]
امرأة ومست أحد قبلي الخنثى لغير شهوة فلا نقض؛ لاحتمال زيادة الممسوس،
وان كان لشهوة والممسوس الذكر فلا نقض؛ لاحتمال زيادته، وان كان الممسوس الفرج انتقض. وهذه أيضًا من صور المتن؛ لأنه ان كان رجلًا فقد
مسته لشهوة، وان كان امرأة فقد مست فرج امرأة، وان مستهما جميعا لشهوة أو لغير شهوة انتقض. وهاتان الصورتان أيضًا من صور المتن وتقدم توجيههما.
وأما مس الخنثى المشكل فرج الخنثى المشكل فله صور يقع النقض بواحدة
منها فقط، وهي: ما إذا مس أحدهما قبلي الآخر لشهوة أو لغير شهوة؛ وتقدم
توجيه ذلك. وان مس أحدهما ذكر الآخر ومس الآخر فرجه فلا وضوء على
واحد منهما، سواء كان المس لشهوة أو لغير شهوة؛ لأن يقين الطهارة باق في
حق كل واحد منهما فلا يزول بالشك؛ لاحتمال ان يكونا رجلين فلا ينتقض
وضوء لامس الفرج، أو امرأتين فلا ينتقض وضوء لامس الذكر. وان مس كل
واحد منهما فرج الآخر فلا نقض؛ لاحتمال كونهما رجلين، وكذا ان مس كل
واحد منهما ذكر الآخر؛ لاحتمال ان يكونا انثيين. والله ﷾ أعلم.
وانما ينقض المس المتقدم ذكره ان كان (بيد)؛ لقول النبي ﷺ: " من
أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء ") (^١) . رواه الإمام
أحمد والدارقطني.
ولأن غير اليد ليس بآلة للمس.
وعمومه شامل لليد الأصلية والزائدة.
قال في " الفروع ": واللمس بزائد ينقض فلهذا قلت: (ولو زائدة) ثم
قال: وعنه: لا؛ كمس زائد في الأصح. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٨٣٨٥) ٢: ٣٣٣. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (٦) ١: ١٤٧ كتاب الطهارة، باب ما روى في لمس القبل، من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث قد أخرجه ابن حبان في " صحيحه " والبيهقي والطبراني في " الصغير " لكن قال: تفرد به الأصبغ، وفي رواته أيضًا نافع بن أبي نعيم، وكان الإمام أحمد لا يرضاه في الحديث ويرضاه فى القراءة لكن خالفه ابن معين فوثقه. أفاد ذلك الحافظ في " تلخيصه " ١: ١٢٥، والله أعلم.
[ ٣١٧ ]
وعمومه شامل لجميع اليد إلى الكوع فينقض المس بحرف الكف وظهره على المذهب.
وقيل: لا ينقض بحرفه.
وعنه: لا ينقض بظهره.
والأولى المذهب؛ لعموم الحديث.
ولأن ظهر الكف جزء من اليد أشبه ظاهره. وهو قول عطاء والاوزاعي.
(خلا ظفر) قال في " الإنصاف ": فان مسه بالظفر لم ينقض على الصحيح
من المذهب.
قال في " القواعد الفقهية ": هو في حكم المنفصلى هذا جادة المذهب. انتهى.
(أو الذكر) بالجر معطوف على قوله: فرج آدمي. يعني: ان الوضوء
ينتقض بمس فرج الادمي باليد وبمس ذكر الادمى (بفرج) من الماس (غيره)
أي: غير الذكر كمس الرجل ذكر غيره بحلقة دبره، أو مس المرأة ذكر الرجل، بقبلها أو دبرها.
قال في " الفروع ": واختار الاكثر ينقض مسه بفرج خلافًا للأئمة الثلاثة. والمراد: لا ذكره بذكر غيره، وصرح به أبو المعالي. انتهى.
قال في " الإنصاف " بعد ان ذكر المذهب: وقيل لا ينقض، اختاره بعض الأصحاب، وهو احتمال للمجد في " شرحه ". انتهى.
اشتراط عدم الحائل في نقض الوضوء ويشترط في النقض بمس الفرج: ان
يكون (بلا حائل)؛ لما تقدم في لفظ الحديث من قوله: " ليس دونه ستر ") (^١) .
و(لا) ينقض مس (محل) ذكر (بائن)؛ لذهاب الاسم. وقيل: بل.
(و) لابنقض من (شفري امرأة مخرج)؛ لأن الفرج اسم لمخرج
_________________
(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
[ ٣١٨ ]
الحدث لا ما قاربه.
وعلم مما تقدم انه لا نقض بمس غير الفرجين من البدن. وهو قول الجمهور
من العلماء.
وروي عن عروة: الوضوء من مس الأنثيين، وعن عكرمة: الوضوء من مس ما بين الفرجين.
ورد ذلك بانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص، فكان حكمه حكم سائر البدن.
وعن الإمام رواية: لا ينقض مس الفرج بحإلى. وعنه: انما ينقض مسه ان تعمده. وعنه: لا ينقض إلا إذا مسه لشهوة. وعنه: ينقض معها ولو مسه بحائل. وعنه: يختص النقض بمس الثقب. وعنه: بمس الحشفة. وعنه: بمس ذكر نفسه.
قال في " الفروع ": وفي فرج البهيمة احتمال. وحكي عن الليث.
انتهى.
النوع (الخامس) من الأنواع الثمانية: (لمس) شخص (ذكر أو أنثى الآخر) بان يمس الرجلالمرأةأو تمسالمرأةالرجل (لشهوة) على المذهب.
قال في " الإنصاف ": وعليه جماهيرالأصحاب.
وعنه: لا ينقض مطلقًا. اختاره الاجري والشيخ تقي الدين في " فتاويه " وصاحب " الفائق " ولو باشر مباشرة فاحشة.
وقيل: ان انتشر نقض، وإلا فلا.
وعنه: ينقض مطلقًا.
وحكي عن الإمام أحمد: انه رجع عنها. وأطلقهن في " المستوعب ".
انتهى.
اللمس الناقض للوضوء والأصل في ذلك قوله ﷾: (أولامستم
النساء) [المائدة: ٦].
[ ٣١٩ ]
وأما كون اللمس لا ينقض إلا إذا كان لشهوة؛ فللجميع بين الآية والاخبار؛ لأنه روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها انها قالت: " فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش. قالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد وهما منصوبتان " (^١) . رواه مسلم.
ونصبهما دليل على أنه كان يصلى.
وروي عنها أيضًا قالت: " كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي " (^٢) . متفق عليه.
والظاهر: أن غمزه برجلها كان من غير حائل.
" ولأن النبي ﷺ صلى وهو حامل إمامة بنت أبى العاص بن الربيع. إذا سجد وضعها وإذا قام حملها " (^٣) . متفق عليه.
والظاهر: أنه لا يسلم من مسها.
ولأن اللمس ليس بحدث في نفسه وانما هو داع إلى الحدث، فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى (^٤) الحدث وهي حالة الشهوة. وهذا مذهب الشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري وإسحاق.
وأما كون المرأة ينتقض وضوؤها بلمس الرجل لشهوة؛ فلأنه ملامسة تنقض الوضوء. فاستوى فيها الذكر والأنثى؛ كالجماع.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٨٦) ١: ٣٥٢ كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٧٥) ١: ١٥٠ أبواب الصلاة في الثياب، باب الصلاة على الفراش. أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢ ٥) ١: ٣٦٧ كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٤) ١: ١٩٣ أبواب سترة المصلي، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة. وأخرجه مسلم في " صحيحه" (٥٤٣) ١: ٣٨٥ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة.
(٤) سقط من أ.
[ ٣٢٠ ]
سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها قال: ما سمعت فيها شيئًا، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ.
قال في " الإنصاف ": حكم مس المرأة بشرة الرجل حكم مس الرجل بشرة المرأة على الصحيح من المذهب. قطع به الاكثر.
وعنه: لا ينقض مس المرأة الرجل، وان قلنا: ينقض لمسه لها.
وهو ظاهر " المغني "، وأطلقهما في " الكافي " وابن عبيدان وابن تميم. انتهى.
وشرط النقض باللمس أن يكون (بلا حائل)؛ لأنه مع وجود الحائل لم يلمس بشرتها. أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة، والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها، كما لو وجدت من غير لمس شيء.
قال في " الإنصاف ": لمس المرأة من غير حائل لشهوة لا ينقض الوضوء على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه الأصحاب. وعنه: بل.
قال القاضي في " مقنعه ": قياس المذهب النقض إذا كان لشهوة.
قال في " الرعاية " عن هذه الرواية: وهو بعيد. انتهى.
(و) عموم اللمس يشمل ما (لو) كان (بزائد لزائد).
قال في " الإنصاف ": شمل قول المصنف: أن تمس بشرته بشرة أنثى
لشهوة: اللمس بخلقة زائدة من اللامس أو الملموس؛ كاليد والرجل والأصبع. وهو صحيح، وهو المذهب وعليه الأصحاب.
وقيل: لا ينقض اللمس بزائد، ولا مس الزائد.
قال ابن عقيل: ريحتمل أن لا ينقض على ما وقع لي؛ لأن الزائد لا يعطى حكم الأصل. بدليل ما لو مس الذكر الزائد فانه لا ينقض كذا ها هنا.
قال صاحب " النهاية ": وهذا ليس بشيء.
وقيل: لا ينقض مس أصلى بزائد بخلاف الأصل. انتهى.
(أو) كان اللمس لعضو (أشل) بعضو أشل.
[ ٣٢١ ]
قال في " الفروع ": ولمس زائد وبه كأصلى في الأصح، وكذا أشل. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وشمل كلامه أيضًا المس بيد شلاء وهو صحيح وهو المذهب وعليه الجمهور، وقدمه في " الفروع " و" الرعايتين " وابن عبيدان وغيرهم وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. وقيل: لا ينقض.
قال ابن عقيل: يحتمل أن يكون كالشعر؛ لأنها لا روح فيها، وأطلقهما ابن تميم و"الحاويين".
وقيل: لا ينقض مس أصلى بًاشل بخلاف العكس. انتهى.
وعمومه أيضًا: يشمل الحي والميت ولهذا قلت: (أو ميت)، وكما يجب الغسل بوطء الميت.
قال في " الإنصاف ": أما الميتة فهي كالحية على الصحيح من المذهب جزم به في " المستوعب " و" التلخيص " و" الإفادات " وابن رزين في " شرحه " واختاره القاضي وابن عبدوس المتقدم وابن البنا. وقدمه في " الرعاية الكبرى " وهو ظاهر كلام الخرقي و" المحرر " و" الكافي " و" الوجيز " وغيرهم.
وقيل: لا ينقض لمسها. اختاره المجد والشريف أبو جعفر وابن عقيل
وقدمه في " الرعاية الصغرى ". انتهى.
ولما كان عموم النص يتناول لمس الهرمة وذات المحرم قلت: (أو هرم أو محرم).
قال في " الإنصاف ": وأما العجوز فهي كالشابة على الصحيح من المذهب وهو ظاهر كلام كثيز من الأصحاب. جزم به في " المستوعب " و" المغني " و" الكافي " و" التلخيص " و" الشرح " وابن رزين في " شرحه " و" الإفادات" وابن تميم والزركشي.
وصححه الناظم وقدمه ابن عبيدان و" الرعاية الكبرى".
وقيل: لا ينقض. وأطلقهما في " الفروع " وحكاهما روايتين ابن عبيدان وغيره.
[ ٣٢٢ ]
وأما المحرم فهي كالأجنبية على الصحيح من المذهب، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب وجزم به في " المستوعب " و" التلخيص " و" المغني "
و" الكافي " وابن رزين في " شرحه " وابن تميم و" مجمع البحرين " و"الحاويين" و" الفائق " والزركشي وغيرهم وصححه الناظم وقدمه ابن عبيدان و" الرعاية الكبرى ".
وقيل: لا ينقض وقدمه في " الرعاية الصغرى ". انتهى.
و(لا) ينقض لمسِِِِ مطلقًا (لشعر وظفر وسن) وكذا لو كان المس بشعر اللامس أو ظفره أو سنه؛ لأن ذلك لا يقع الطلاق بإيقاعه عليه ولا الظهار ولا العتق؛ لكونه ينفصل في حال السلامة. أشبه لمس الدمع.
قال في " الفروع ": ولا لمس سن وشعر وظفر في الأصح خلافًا لمالك.
وقال بعضهم: وكذا اللمس به وهو متجه. انتهى.
و(لا) نقض بلمس (من) لها أو له (دون سبع).
قال في " التنقيح ": غير طفلة وعكسه. انتهى.
يعني انه لا ينقض مس الرجل الطفلة ولاالمرأة الطفل. ومن ولد فهو طفل أو طفلة إلى سن التمييز وهو تمام سبع سنين.
وقال في " الإنصاف ": وأما الصغيرة فهي كالكبيرة على الصحيح من المذهب ثم ذكر من جزم به ومن اختاره ثم قال: وقيل: لا ينقض. ثم قال:
وصرح المجد أنه لا ينقض لمس الطفلة، وانما ينقض لمس التي تشتهى.
قلت: لعله مراد من أطلق. انتهى.
وبمعنى هذا قطع في " التنقيح ". وتقدمت حكآية لفظه. وقد قال في خطبة
" التنقيح ": فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظا أو حكما مخالفا لأصله أو غيره فاعتمده فانه وضع عن تحرير، ومراده بأصله " الإنصاف ". فلهذا لم أعول على ما في " الإنصاف " من كون: ان حكم الصغيرة كالكبيرة، وذكرت معنى ما في " التنقيح ". والله أعلم.
[ ٣٢٣ ]
(ولا) نقض بلمس (رجل لأمرد).
قال في " القاموس ": والامرد الشاب طر شاربه ولم تنبت لحيته. انتهى.
قال في " الإنصاف ": ولو كان لشهوة. وهو المذهب نص عليه الإمام أحمد وقطع به أكثر المتقدمين. وخرج أبو الخطاب رواية بالنقض إذا كان لشهوة، وحكاها ابن تميم وجها، وجزم به في " الوجيز "، وحكاه في " الإيضاح" رواية.
قال ابن رجب في " الطبقات ": وهو غريب.
قال ابن عبيدان: وهذا قول متوجه ونصره.
قلت: وليس ببعيد. انتهى.
وكذا لمس امرأة امرأة لشهوة في عدم النقض على المذهب.
قال في " الفروع ": وقيل ينقض مس رجل رجلا، أو امرأة امرأة لشهوة،
فينقض مس أحدهما كخنثى ومسه لهما. انتهى.
قال في خطبته: ومتى قلت: وقيل كذا قالمقدم خلافه فعلم من هذا الصنيع: ان المقدم عنده عدم النقض في الجمع.
ووجه المذهب: عدم تناول الآية لما ذكر.
الملموس فرجه هل ينتقض وضوءه (ولا ان وجد ممسوسٌ فرجه أو ملموسٌ شهوة) ولو وجدت منه شهوة: أما الممسوس فرجه فقال في " الإنصاف ":
لا ينتقض وضوءه ذكرا كان أو أنثى رواية واحدة قاله القاضي وغيره.
قال المجد في " شرحه ": لا أعلم فيه خلافا.
قال في " النكت ": وصرح به غير واحد، وذكر بعض المتأخرين رواية بالنقض. وحكى الخلاف في " الرعاية الكبرى " وجهين وأطلقهما ثم قال: وقيل: روايتان. وقيل: لا ينتقض وضوء الملموس ذكره. بخلاف لمس قبل
المرأة. انتهى.
[ ٣٢٤ ]
وأما الملموس لشهوة؛ فقال في " المقنع ": وفي نقض وضوء الملموس
روا يتان.
قال في " الإنصاف ": أحدهما: لا ينتقض، وان انتقض وضوء اللامس وهو المذهب.
قال في " الفروع ": لا ينتقض على الأصح، وصححه المجد والأزجي في
" النهاية " وابن هبيرة وابن عبيدان وصاحب " مجمع البحرين "
و" التصحيح ". والرواية الثانية: ينتقض وضوءه أيضًا، صححه ابن عقيل.
قال الزركشي: اختاره ابن عبدوس وجزم به في " الإفادات ". ثم قال:
محل الخلاف في الملموس إذا قلنا: ينتقض وضوء اللامس، فأما إذا قلنا:
لا ينتقض، قالملموس بطريق الأولى. ثم قال: قال ابن تميم: لم يعتبر أصحابنا الشهوة في الملموس.
قال في "النكت " عن قوله: يجب أن يكون اكتفاء منهم ببيان حكم اللامس: وأن الشهوة معتبرة منه.
قال الزركشي: محل الخلاف وفاقًا للشيخين- يعني بهما المصنف والمجد- فيما إذا وجدت الشهوة من الملموس.
قال المجد: يجب أن تحمل رواية النقض عندنا على ما إذا التذ الملموس.
قال الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة ": إذا قلنا بالنقض في الملموس: اعتبرنا الشهوة في المشهور، كما نعتبرها من اللامس حتى ينتقض وضوءه إذا وجدت الشهوة منه دون اللامس، ولا ينتقض إذا لم توجد منه، وان وجدت من اللامس. انتهى.
النوع (السادس) من الأنواع الثمانية: (غسل ميت).
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: أن غسل الميت ينقض الوضوء. نص عليه، وعليه جماهيرالأصحاب. مسلما كان أو كافرا، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى. وهو من مفردات المذهب. وعنه: لا ينقض،
[ ٣٢٥ ]
اختاره أبو الحسن التميمي (^١) والمصنف وصاحب "مجمع البحرين " والشيخ تقي الدين. ولبعض الأصحاب احتمال بعدم النقض إذا غسله في قميص.
قال في " الرعاية الكبرى ": وهو أظهر. انتهى.
وبالنقض قال النخعي وإسحاق؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء.
وعن أبي هريرة أنه قال: " أقل ما فيه الوضوء "، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة.
ولأن الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا، فأقيم مقامه؛ كالنوم مع الحدث.
(أو) غسل (بعضه) أي: بعض الميت.
قال في " الإنصاف ": غسل بعض الميت كغسل جميعه على الصحيح من المذهب. وقيل: لا ينقض غسل البعض.
قال في " الرعاية ": وهو أظهر. انتهى.
وقيد في " الرعاية ": النقض من غسل الميت بما إذا قلنا: ينقض مس الفرج.
قال في " الإنصاف ": وهو ظاهر تعليل كثير من الأصحاب. وظاهر كلام كثير من الأصحاب: الاطلاق، وقد يكون تعبديا. انتهى.
(لا ان يممه) يعني أن من يمم الميت لتعذر الغسل لا ينتقض وضوؤه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه الأصحاب، وفيه احتمال: أنه كالغسل انتهى.
والمراد بالغاسل: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه.
النوع (السابع) من الأنواع الثمانية: (أكل لحم إبل) بكسرتين، وتسكن الباء.
_________________
(١) في " الانصاف " ١: ٢١٦: التيمي.
[ ٣٢٦ ]
قال في " القاموس ": واحد يقع على الجمع ليس بجمع ولا اسم جمع، وجمعه: آبال. انتهى.
فينتقض به الوضوء سواء علمه أو جهله، وسواء كان نيئا أو مطبوخا، وسواء
كان عالما بالحديث الوارد في ذلك أو لا. وبالنقض قاله جابر بن سلمة
ومحمد بن إسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر.
قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وروي عن أبى عبد الله قال: ان كان لا يعلم فليس عليه وضوء، وان كان قد
علم وسمع فعليه الوضوء واجب ليس هو كمن لم يعلم.
قال الخلالى: وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله.
وعنه: ينقض نيئه دون مطبوخه. ذكرها ابن حامد.
وعنه: لا ينقض مطلقًا، اختاره يوسف الجوزي والشيخ تقي الدين. وهذا مذهب الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " الوضوء مما يخرج لا مما يدخل " (^١) .
وقال جابر: " كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار " (^٢) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.
ولأنه مأكول. فلم ينقض، كسائر المأكولات.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى البراء بن ع (٩): " إن رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٤: ٢٦١ كتاب الصيام، باب الإفطار بالطعام وبغير الطعام. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (١) ١: ١٥١ كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن. وفي إسناده الفضيل بن المختار وهو ضعيف جدا، وفيه شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف. "تلخيص الحبير " ا: ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) أخرجه أبوداودفي " سننه " (١٩٢) ١: ٤٩ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٠) ١: ١١٦ أبواب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٨٩) ١: ١٦٤ كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك.
[ ٣٢٧ ]
سئل: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا " (^١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وروى جابر بن سمرة عن النبي ﷺ مثله (^٢) . أخرجه مسلم.
قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة،
فأما حديث ابن عباس فانما هو من قوله: موقوف عليه، ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح وأخص، والخاص يقدم على العام، وحديث جابر: لا يعارض حديثنا أيضًا لصحته وخصوصه.
فان فيل: فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا.
قلنا: لا يصح أن يكون ناسخا لوجوه أربعة:
أحدها: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإابل متًا خر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له. بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار. فأما أن يكون النسخ حصلى بهذا النهي أو بشيء قبله، فان كان حصلى به كان الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارنا لنسخ الوضوء مما مست النار فلا يكون ناسخا إذ من شرط النسخ:
تأخر الناسخ. وكذلك بما قبله؛ لأن الشيء لا ينسخ بما قبله.
الثانى: ان النقض بلحوم الإبل يتناول ما مست النار وغيره، ونسخ أحد الجهتين لا يثبت به نسخ الآخر كما لو حرمت المرأة بالرماع، وبكونها ربيبته
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٨٤) ١: ٤٧ كتاب الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨١) ١: ١٢٢، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل. قال الترمذي، قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ حديث البراء، وحديب جابر. وهو قول أحمد وإسحاق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٩٤) ١: ١٦٦ كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل. عن البراء بن عازب بلفظ: قال: " سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضؤوا منها ". وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ١٨٧٠) ٤: ٤ ٣٠.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦٠) ١: ٢٧٥ كتاب الحيض، باب الوضوء من لحم الإبل.
[ ٣٢٨ ]
فنسخ تحريم الرضاع لم يكن ناسخا لتحريم الربيبة.
الثالث: أن خبرهم عام وخبرنا خاص، فالجمع بينهما ممكن بحمل خبرهم على ما سوى صورة التخصيص، ومن شرط النسخ تعذر الجمع بين النصين. الرابع: أن خبرنا أصح من خبرهم وأخص، والناسخ لا بد وأن يكون مساويا للمنسوخ أو راجحا عليه.
فان قيل: قالأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب ريحتمل انه أراد
بالوضوء غسل اليد؛ لأن إمافته للطعام قرينة تدل على ذلك كما كان ﵇ يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره.
قلنا: أما الأولى فمخالف للظاهر من وجوه:
أحدها: أن مقتضى الأمر الوجوب.
الثانى: أن النبي ﷺ سئل عن حكم هذا اللحم فًا جاب بالأمر بالوضوء فلو حمل على غير الوجوب كان تلبيسا لا جوابًا.
الثالث: أنه ﵇ قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمراد بالنهي ها هنا نفي الايجاب لا التحريم. فتعين حمل الأمر على الايجاب؛ ليحصل الفرق.
وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة:
أحدها: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب؛ لكون غسل اليد بمفردها
غير واجب وقد بينا فساده.
الثانى: ان الوضوء في لسان الشارع انما ينصرف إلى الموضوع الشرعي إذ الظاهر منه التكلم بموضوعاته.
الثالث: أنه خرج جوابًا للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة ظاهرًا.
الرابع: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم، فان غسل اليد
[ ٣٢٩ ]
منها مستحب.
وما ذكروه من زيادة الزهومة ممنوع وان ثبت فهو أمر يسير لا يقتضي التفرقة. وصرف اللفظ عن ظاهره انما يكون بدليل قوي يعدل قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها. فأما قياسهم فهو طردي لا معنى فيه. وانتفاء الحكم في سائر المأكولات؛ لانتفاء المقتضي لا لكونه مأكولًا.
ومن العجب: ان مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول. فأبو حنيفة أوجب بالقهقهه في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبى العالية، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله دون مس سائر الأعضاء، وتركوا هذا الحديث
الصحيح الذي لا معارض له مع بعده عن التأويل وقوه دلالته؛ لقياس طردي لا معنى فيه. انتهى.
ولا نقض بأكل ما سوى لحم الإبل من اللحوم سواء كانت مباحة أو محرمة كلحوم السباع؛ لكون النقض بلحم الإبل (تعبدًا).
قال في " الإنصاف ": ظاهر كلام المصنف أن أكل الاطعمة المحرمة لا تنقض الوضوء وهو صحيح وهو المذهب وعليه الأصحاب.
وعنه: ينقض الطعام المحرم.
وعنه: ينقض اللحم المحرم مطلقًا.
وعنه: ينقض لحم الخنزير فقط.
قال أبو بكر: وبقية النجاسات تخرج عليه. حكاه عنه ابن عقيل.
وقال الشيخ تقي الدين: وأما لحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبنى الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، ولا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى، فيعطى حكمه بل هو أبلغ منه.
قلت: الصحيح من المذهب أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي وعليه الأصحاب.
[ ٣٣٠ ]
قال الزركشي: هو المشهور.
وقيل: هو معلل فقد قيل: انها من الشياطين كماجاء في الحديث
الصحيح (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها لتذهب سورة
الشيطان. انتهى.
إذا تقرر هذا (فلا نقض ببقية أجزائها) أي: أجزاء الإبل كأكل سنامها ودهنها
وقلبها وكبدها وطحالها وكرشها ومصرانها؛ لأن النص لم يتناوله.
وقيل: بل.
وقيل: الخلاف في ذلك روايتان.
و(لا) ينقض أيضًا بـ (شرب لبنها أو) شرب (^٢) (مرق لحمها)؛ لأن الاخبار
الصحيحة انما وردت في اللحم، والحكم فيه غير معقول المعنى فيقتصر على
مورد النص فيه.
ولما روى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: " مضمضوا من اللبن فان فيه
دسما" (^٣) .
فدل على أنه يكتفى بها في كل لبن.
وعنه: ينقض شرب لبنها؛ لما روى أسيد بن حضير "أن النبي ﷺ سئل عن ألبان الإبل؟ قال: توضؤوا من ألبانها" (^٤) . رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
_________________
(١) حديث البراء بن عازب قال: " سئل النبي ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال: لا تصلوا فيها، فأنها من الشياطين " أخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٤) ١: ٤٧ كتاب الطهاره، باب الوضوء من لحوم الإبل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١ ١٨٥٤) ٤: ٢٨٨.
(٢) في أ: وشربه.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٠٠) ١: ١٦٧ كتاب الطهارة، باب المضمضه من شرب اللبن.
(٤) أخرجه ابن ماجه في "سننه " (٤٩٦) ١: ١٦٦ كتاب الطهاره، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل. قال البوصيري في " الزوائد ": إسناده ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة وتدليسه. وقد خالفه غيره.=
[ ٣٣١ ]
وروي عن عبد الله بن عمر نحوه (^١) .
وأجيب عن حديث أسيد بان في طريقه حجاج بن أرطأة. قال الإمام أحمد والدارقطني: لا يحتج به، وعن حديث عبد الله بن عمر: بأن ابن ماجه. رواه من رواية عطاء بن السائب وقد اختلط في آخر عمره.
قال الإمام أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح، ومن سمع منه حديثا لم
يكن بشيء. والله أعلم.
النوع (الثامن) من النواقض: (الردة) عن الإسلام وفاقًا للشافعي في نقض
التيمم بها في أحد قوليه. وبقولنا قال الأوزاعي وأبو ثور.
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: أن الردة عن الإسلام تنقض الوضوء رواية واحدة، واختاره الجمهور وهو من مفردات المذهب.
وقال جماعة من الأصحاب: لا تنقض، وذكر ابن الزاغونى روايتين في النقض بها.
قال في " الفروع ": ولا نص فيها. انتهى.
ووجه المذهب: قوله ﷾ (لئن أشركت ليحبطن عملك)
[الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: (ومن يكفر بالأيضان فقد حبط عمله) [الماندة: ٥].
والطهارة عمل وحكمها باق. فوجب أن يحبط بالردة.
وقوله ﷺ: " الطهور شطر الإيمان " (^٢) . والردة تبطل الإيمان. فوجب أن
تبطل ما هو شطره.
قال ابن رجب في " شرح الاربعين ": والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٤١٣) ٤: ٣٩١. أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٩٧) ١: ١٦٦ كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل. قال البوصيري: في إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس، وخالد بن يزيد الفزاري وهو مجهول الحال.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " في كتاب الطهارة (٢٢٣) ١: ٢٠٣ كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
[ ٣٣٢ ]
المراد بالطهور هاهنا: التطهير بالماء من الأحداث. ولذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما. انتهى.
وقال القاضي: لا معنى لجعلها مع النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى يعني إذا عاد إلى الإسلام.
وقال الشيخ تقي الدين: له فائدة تظهر بما إذا عاد إلى الإسلام، فانا نوجب
عليه الوضوء والغسل، فان نواهما بالغسل أجزأه، وان قلنا لم ينتقض وضوءه: لم يجب عليه إلا الغسل.
قال الزركشي: قلت: ومثل هذا لا يخفى على القاضي، وانما أراد القاضي: أن وجوب الغسل ملازم لوجوب الطهارة الصغرى، وممن صرح بأن
موجبات الغسل تنقض الوضوء: السامري. وحكى ابن حمدان وجها: بأن الوضوء لا يجب بالالتقاء بحائل، ولا بالإسلام.
وإذا ينتفي الخلاف بين الأصحاب في المسألة. وإلى ذلك أشرت بقولي:
(وكل ما أوجب غسلا غير موت؛ كإسلام وانتقال مني ونحوهما)؛ كحيض ونفاس (أوجب وضوءا).
وظاهر ما تقدم: أن الوضوء لا ينتقض بغير ما ذكر هنا، وفي باب المسح
على الحائل بما إذا مسح على الخف ثم خرجت رجله إلى ساق الخف ونحو ذلك. وهذا هو المذهب.
قال في " الشرح ": ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكذب والغيبة والرفث والقذف ونحوها. نص عليه أحمد.
قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الاوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءًا في شيء من الكلام، وقد ثبت
[ ٣٣٣ ]
أن النبي ﷺ قال: " من حلف باللات فليقل: لا اله إلا الله " (^١)، ولم يأمر في ذلك بوضوء. رواه البخاري.
والقهقهة لا تنقض الوضوء بحال. روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري
ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وذهب الثوري والنخعي والحسن وأصحاب الرأي إلى أنها تبطل الوضوء داخل الصلاة دون خارجها؛ لما روى
أسامة عن أبيه قال: " بينا نحن نصلى خلف رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر فتردى في حفرة فضحكنا منه. فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملا
وإعادة الصلاة من أولها " (^٢) . رواه الدارقطني من طرق كثيرة وضعفها.
وقال: انما روي هذا الحديث عن أبى العالية مرسلا، وقال نحو ذلك
أحمد وعبد الرحمن بن مهدي.
ولنا: أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة. فلم يبطله داخلها؛ كالكلام. ولأنه لا نص فيه ولا في شيء يقاس عليه.
قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فانهما لا يباليان
عمن أخذا. والله أعلم.
والقهقهة: أن يضحك حتى يتحصلى من ضحكه حرفان. ذكره ابن عقيل.
(ولا نقض) أيضًا (بإزالة شعر ونحوه)؛ كظفر.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه الأصحاب، ونص عليه.
وقيل: ينقض.
قال في " الرعاية ": وهو بعيد غريب.
قال ابن تميم: لا يبطل بذلك في الأصح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٧٥٦) ٥: ٢٢٦٤ كتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١) ١: ١٦١ كتاب الطهارة، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها.
[ ٣٣٤ ]
فصل [حكم الشك في الحدث]
يذكر فيه مسائل في حكم الشك في الحدث، وما يحرم بالحدث، ومسائل
من أحكام المصحف.
فمن ذلك: (من شك في) وجود (طهارة) بعد يقين حدث، (أو) شك في وجود (حدث) بعد يقين طهارة (ولو) كان شكه في وجود الحدث (في غير صلاة: بنى على يقينه) أي: ما يتيقنه منهما.
أما الشك فهو خلاف اليقين. قاله في " القاموس ".
وأما اليقين فقال الشيخ موفق الدين في مقدمة" الروضة في الأصول ": هو
ما إذا عنت النفس للتصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح.
وفي " الكشاف ": هو إتيان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
وقال الفخر الرازي: هو العلم بالشيء بعد ان كان صاحبه شاكا فيه. ثم قال: ولهذا لا يوصف الله به.
فيكون اليقين على هذا: هو العلم بعد الشك وهو معنى كلام الزمخشري،
لكن كلام الرازي يقتضي دخول الظن في حد اليقين بانتفاء الشك، وكلام الزمخشري يمنع دخول الظن في حد اليقين؛ لأن الظن وان انتفى عنه الشك فما انتفت عنه الشبهة، فلما قال بانتفاء الشك خرج متساوى الطرفين وبقي الظن الذي يترجح فيه أحدهما فنفاه بقوله، والشبهة وهي الاحتمال الباقي مع الظن فيصير علما لكنه بعد جهل.
وقال البيضاوي: واليقين إتيان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لم يوصف به علم الباري ولا العلوم الضرورية. انتهى.
[ ٣٣٥ ]
وقال ابن نصر الله: في تسمية ما هنا يقينا بعد ورود الشك عليه: نظر. نعم
كان يقينا ثم صار الأن شكا، فاعتبرت صفته السابقة وقدمت على صفته اللاحقة للأحاديث الصحيحة في ذلك استصحابا للأصلى السابق لما قارنه من اليقين وتقديما له على الوصف اللاحق؛ لنزوله عن درجته. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى عبد الله بن زيد قال: " شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل اليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (^١) . متفق عليه.
ولمسلم معناه مرفوعا من حديث أبي هريرة (^٢)، ولم يذكر فيه: " وهو في الصلاة ". ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران. فيجب سقوطهما؛ كالبينتين إذا تعارضتا.
ويرجع إلى اليقين سواء غلب على ظنه أحدهما أو لا؛ لأن غلبة الظن إذا لم
يكن لهاضابط في الشرع لم يلتفت اليها كظن صدق أحد المتداعيين. بخلاف القبلة والوقت، وهذا اصطلاح الفقهاء، وعند الاصوليين: ان تساوى الاحتمالان فهو شك، والراجح ظن، والمرجوح وهم.
(وان تيقنهما) أي: تيقن كونه مرة محدثا، وكونه مرة متطهرا أحدهما قبيل الشروق والآخر بعيده (وجهل أسبقهما) أي: أسبق زمن التيقنين. فتارة يجهل حاله قبلهما وتارة يعلمها، (فان جهل حاله قبلهما تطهر) وجوبًا لفعل ما يتوقف إباحته على الطهارة؛ لوجود يقين الحدث في إحدى المرتين، والأصل بقأوه؛ لأن وجود يقين الطهارة في المرة الأخرى مشكوك فيه هل كان قبل يقين الحدث أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣٧) ١: ٦٤ كتاب الوضوء، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦١) ١: ٢٧٦ كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦٢) ١: ٢٧٦ الموضع السابق.
[ ٣٣٦ ]
بعده؟ فلا يرتفع يقين الحدث بالشك في رفعه. ولأنه لا بد من طهارة متيقنة أو مظنونة أو مستصحبة وليس هنا شيء من
ذلك. فوجب الوضوء.
(والا) أي وان لم يجهل حاله قبلهما بل كان عالما بها (فهو على ضدها) فان
كان متطهرا فهو محدث، وان كان محدثا فهو متطهر، لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة، والأصل بقاء ذلك، لأن ما يغيره مشكوك فيه فلا يلتفت اليه. وقيل: يتطهر مطلقًا، كما لو جهل حاله قبلهما.
قال الأزجي في " النهاية ": لو قيل يتطهر لكان له وجه؛ لأن يقين الطهارة
قد عارضه يقين الحدث، وإذا تعارضا تساقطا وبقي عليه الوضوء احتياطا للصلاة، فانه يكون مؤديا فرضه بيقين.
(وان علمها) أي: علم حاله قبلهما (وتيقن فعلهما) أى فعل الطهارة حال كون الفعل (رفعا لحدث، و) حال كون فعل الحدث (نقما لطهارة) يعني وجهل اسبقهما، (أو عين) لفعلهما (وقتا لا يسعهما) يفعلان فيه (فهو على مثلها) أي:
مثل حاله قبلهما في الصورتين: أما الأولى، فلأنه مع تيقن طهارته قبلهما قد تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ إذ لا يمكن ان يتوضأ مع بقاء تلك الطهارة، لتيقن كون طهارته عن حدث، ونقض هذه الطهارة مشكوك فيه فلا يزول به اليقين.
ولأنه مع تيقن حدثه قبلهما قد تيقن أنه عنه إلى الطهارة ثم أحدث
عنها، ولم يتيقن بعد الحدث الثانى طهارة.
وأما الصورة الثانية وهو ما إذا عين وقتا لا يسعهما، فلأن هذا اليقين
لما تعارض سقط، وكان على حاله قبل ذلك من حدث أو طهارة.
(فان جهل حالهما) أي: حال الحدث والطهارة بأن لم يدر هل كان الحدث على طهارة أو لا؟ ولم يدر هل كانت الطهارة عن حدث أو لا؟، (و) جهل أيضًا (أسبقهما) أي: أسبق اليقينين، (أو تيقن حدثا وفعل طهارة فقط: فبضدها.
[ ٣٣٧ ]
وان تيقن أن الطهارة عن حدث ولم يدر الحدث) هل كان (عن طهارة أو لا؟) يعني: وجهل أسبقهما: (فمتطهر مطلقًا) أي: سواء كان قبل ذلك محدثا أو متطهرا؛ لتيقنه رفع الحدث بالطهارة وشكه في وجوده بعدها.
(وعكس هذه) المسألة في التصوير وهي ما إذا تيقن أن الحدث نقض به طهارة ولم يدر هل رفع بالطهارة حدثا أولا؛ (بعكسها) في الحكم وهو أنه. لا يكون محدثا مطلقًا أي: سواء كان قبل ذلك متطهرا أو محدثا " لتيقنه نقض الطهارة بالحدث وشكه في وجود الطهارة بعده.
(ولا وضوء على) واحد من اثنين: (سامعي صوت أو شامي ريح من أحدهما لابعينه).
قال في " المبدع ": على الأصح. انتهى.
والمراد: وكل واحد منهما لا يتحقق وجوده منه فهو متيقن للطهارة شاك في الحدث فلا يحكم ببطلان طهارته بالشك في حدثه.
(و) كذا (لا) ضوء لازم (ان مس واحد ذكرخنثى وآخر فرجه)؛ لأنه لا يعلم
أيهما مس الأصل من الفرجين.
(وان أم أحدهما الآخر أو صافه وحده أعادا) صلاتهما. نص على ذلك الإمام في مسألة الإتمام؛ لاعتقاد كل منهما أن أحدهما محدث.
وقيل عنه: ينوي كل منهما الأنفراد ويتم صلاته وحده.
وأما في مسًا لة المصافة إذا لم يكن معهما في الصف غيرهما؛ فلأن كلا منهما يدفع المحدث المبهم منهما.
(وان أرادا ذلك) أي: أرادا ان يصليا جماعة، أو ان يكونا صفا وحدهما (توضأ) ثم فعلا ذلك؛ ليزول الاعتقاد الذي أبطلنا صلاتهما من أجله. ولا يكفي في ذلك وضوء أحدهما؛ لاحتمال أن يكون الذي أحدث منهما هو الذي لم يتوضأ. والله ﷾ أعلم.
(ويحرم بحدث صلاة) إجماعا؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
[ ٣٣٨ ]
" لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول " (^١) . رواه الجماعة إلا البخاري.
وهو يعم الفرض والنفل، والسجود المجرد؛ كسجود التلاوة والشكر، والقيام المجرد؛ كصلاة الجنازة، وسواء كان عالما أو جاهلا، ولا يكفر من صلى محدثا خلافًا لأبي حنيفة.
(و) يحرم به أيضًا (طواف) لقوله ﷺ: " الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباج فيه الكلام " (^٢) . رواه الشافعي في " مسنده ".
وعن طاووس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: " انما الطواف بالبيت صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام " (^٣) . رواه أحمد والنسائي.
قال في " الإنصاف ": وأما الطواف فتشترط له الطهارة على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب فيحرم فعله بلا طهارة ولا يجزئه. وعنه: يجزئه ويجبره بدم. وعنه: وكذا الحائض. وهو ظاهر كلام القاضي، واختاره الشيخ تقي الدين. قال: لادم عليها؛ لعذر، وقال: هل هي واجبة أو سنة لها؟ فيه
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٢٤) ١: ٢٠٤ كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٥٩) ١: ١٦ كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء. عن أبي المليح عن أبيه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١) ١: ٥ أبواب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٣٩) ١: ٨٧ كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧٢) ١: ١٠٠ كتاب الطهارة، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥١٢٣) ٢: ٥١. قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٩٦٠) ٣: ٢٩٣ كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " ٢: ٢٦٧ كلاهما عن ابن عباس. وأخرجه الشاقعي في " مسنده " عن ابن عمر ا: ٣٤٨ كتاب الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة. ولفظه: " أقلوا الكلام في الطواف، فانما أنتم في الصلاة ". وقد أطال الكلام عليه الحافظ ابن حجر في " تلخيصه " ١: ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٩٢٢) ٥: ٢٢٢ كتاب مناسك الحج، إباحة الكلام في الطواف. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٦٤٢) ٤: ٦٤.
[ ٣٣٩ ]
قولان في مذهب أحمد وغيره، ونقل أبو طالب: التطوع أيسر. انتهى.
(و) يحرم بالحدث أيضًا: (مس مصحف وبعضه)؛ لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩] أي: لا يمس القرآن. وهو خبر بمعنى النهي.
وقيل: ان المراد اللوح المحفوظ والملائكة؛ لأن المطهر من طهره غيره،
ولو أريد بنو آدم لقيل: المتطهرون.
وأجيب بأنه ان كان المراد هم فبنو آدم بالقياس عليهم بدليل ماروى
عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: " ان النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه: لا يمس القرآن إلا طاهر " (^١) . رواه الأثرم والنسائي والدارقطني متصلا.
قال الأثرم: واحتج به أحمد، ورواه مالك مرسلا.
والحكم شامل لما يسمى مصحفا من الكتاب والجلد والحواشي والورق الأبيض. فلهذا قلت: (حتى جلده وحواشيه) بدليل البيع.
وقيل: انما يحرم مس كتابته، واختاره في " الفنون "، قال: لشمول اسم
المصحف له فقط؛ لجواز جلوسه على بساط على حواشيه كتابة.
قال في " الفروع ": كذا قال.
وعمومه يشمل المس (بيد وغيرها).
قال في " الإنصاف ": ولو كان المس بصدره. وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم. انتهى.
وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف؛ لأن الة المس باطن اليد فينصرف
اليه النهي.
ورد بأن ذلك ممنوع بل كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه.
وانما يحرم المس إذا كان (بلا حائل)؛ لأن النهي انما تناول مسه، ومع
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٢٢) ٢: ٢٨٥ كتاب الحج، باب المواقيت.
[ ٣٤٠ ]
وجود الحائل انما يكون المس للحائل.
وإلا) يحرم على محدث: (حمله بعلاقة وفي كيس وكم) من غير مس
كما لوحمله في رحله.
ولأن النهي انما تناول المس، والحمل ليس بمس.
(و) لا يحرم على المحدث أيضًا: (تصفحه) أى تصفح المصحف (به) أي بكمه (وبعود).
قال في " الإنصاف ": لا يحرم حمله بعلاقة، ولا في غلافه، أو كمه، أو تصفحه بكمه، أو بعود أو مسه من وراء حائل على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور وقدمه في " الفروع " و" الشرح " وابن عبيدان وغيرهم. وصححه المصنف وغيره.
قال الزركشي: هو المشهور، وقطع به أبو الخطاب وابن عبدوس وصاحب
" التلخيص " واختاره القاضي وأبو محمد.
قال القاضي: وعنه: يحرم. وقيل: يحرم إلا وراق لحاجة. وعنه: المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي والمجد وغيرهما إلى بقية الحوائل، وأبى ذلك طائفة من الأصحاب منهم المصنف في " المغني "، وفرق بأن كمه وثيابه متصلة به أشبهت أعضاءه، وأطلق الروايتين في حمله بعلاقة، أو في غلافه، وتصفحه بكمه، أو عود ونحوه في " المستوعب " و" المحرر "
وابن تميم و" الرعايتين " و"الحاويين" و" مجمع البحرين " و" الفائق ". انتهى.
(و) لا يحرم على محدث أيضا (مس تفسير) ونحوه؛ ككتب الفقه، والرسائل التي فيها آيات من القرآن.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وحكى القاضي رواية بالمنع وأطلقهما في " الرعاية ".
وقيل: فيها.
[ ٣٤١ ]
وقيل: الروايتان أيضًا في حمل كتب التفسير.
وقيل: وفي مس القرآن المكتوب فيه.
وذكر القاضي في " الخلاف " من ذلك: ما نقله أبو طالب في الرجل يكتب
الحديث أو الكتاب للحاج (^١) فيكتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) [النمل: ٣٠]
فقال بعضهم: يكره، وكانه كرهه.
وقال: الصحيح المنع من حمل ذلك ومسه. انتهى.
(و) لا يحرم عليه أيضًا: مس (منسوخ تلاوته).
قال في " الإنصاف ": يجوز مس المنسوخ تلاوته، والمأثور عن الله
تعالى، والتوراة والانجيل على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يجوز ذلك. قلت: والمنع من قراءة التوراة والانجيل أقوى وأولى. انتهى.
ولا يحرم حمل رقى وتعاويذ فيها قرآن.
قال في " الفروع ": وفاقًا، وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن، أو فضة
نقشت به؟.
قال في " الإنصاف ": فيه وجهان أو روايتان. ثم قال بعد اسطر: قال
الزركشي: ظاهر كلامه الجواز. قال في " النظم " عن الدرهم المنقوش: هذا
المنصوص. انتهى.
(و) لا يحرم على ولي (صغير) تمكينه ان يمس (لوحا فيه قرآن).
قال في " الفروع ": ويجوز في رواية مس صبي لوحا كتب فيه. وعنه:
ومسه المكتوب، وذكر القاضي في موضع رواية: ومسه المصحف. انتهى.
وظاهر هذا الصنيع أن الراجح عنده: انه يجوز مس المحل الخالي من
الكتابة دون المكتوب. هذا هو المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو تارة يمس المصحف فلا يجوز على المذهب،
_________________
(١) في " الانصاف " ١: ٢٢٥: للحاجة.
[ ٣٤٢ ]
وعليه الأصحاب، وذكر القاضي في موضع رواية بالجواز وهو وجه في
" الرعاية " وغيرها، وتارة يمس المكتوب من اللوح فلا يجوز أيضًا على الصحيح من المذهب. انتهى.
(ويحرم مس مصحف بعضو متنجس).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يحرم.
قلت: هذا خطأ قطعا. ثم قال: لا يحرم مسه بعضو طاهر إذا كان على غيره نجاسة على الصحيح من المذهب. وقيل: يحرم. انتهى.
قال في " الفروع ": وكذا مس ذكر الله بنجس.
(و) يحرم (سفر به) أي بالمصحف (لدار حرب).
قال في " الفروع ": وفاقًا لمالك والشافعي. نقل إبراهيم بن الحارث:
لا يجوز للرجل ان يغزو ومعه مصحف. وقيل: إلا مع غلبة السلامة. وفي
" المستوعب ": يكره بدونها وفاقًا لأبي حنيفة. انتهى.
(و) يحرم (توسده) أي: توسد المصحف (وكتب علم فيها قرآن).
قال في " الإنصاف ": كره أحمد رحمه الله تعالى توسده، وفي تحريمه
وجهان، وأطلقهما في " الفروع "، واختار في " الرعاية " التحريم، وقطع به المصنف في " المغني " والشارح. قاله في " الآداب "، وقدم هو عدم التحريم، وهو الذي ذكره ابن تميم وجها وكذا كتب العلم التي فيها قرآن وإلا كره.
قال أحمد في كتب الحديث: ان خاف سرقة فلا بأس. انتهى.
(و) يحرم (كتبه) أي: ان يكتب القرآن (بحيث يهان).
قال في " الفروع ": ببول حيوان أو جلوس ونحوه. ذكره شيخنا إجماعًا
فتجب إزالته.
قال أحمد: لا ينبغي تعليق شيء فيه قرآن يستهان به.
قال جماعة: وتكره كتابته. زاد بعضهم: فيما هو مظنة بذله، وأنه لا يكره
[ ٣٤٣ ]
كتابة غيره من الذكر فيما لم يدنس، وإلا كره كرها شديدا، ويحرم دوسه والمراد غير حائط المسجد.
في " الفصول " وغيره: يكره ان يكتب على حيطان المسجد ذكرا وغيره؛ لأن ذلك قال يلهي المصلى.
وكره أحمد شراء ثوب فيه ذكر الله يجلس عليه ويداس.
وما تنجس أوكتب بنجس غسل.
قال في " الفنون ": يلزم غسله. وقال: فقد جاز غسله وتحريقه لنوع صناعة. وقال: ان قصد بكتبه بنجس إهانة قالواجب قتله.
وفي البخاري: ان الصحابة حرقته- بالحاء المهمله- لما جميعوه.
وقال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. ذكر القاضي: ان أبا بكر بن
أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرف قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.
وبإسناده عن طاووس: انه لم يكن يرى بأسا ان تحرق الكتب، وقال: ان الماء والنارخلق من خلق الله.
وذكر أحمد: ان أبا الجوزاء بلي مصحف له فحفر له في مسجده فدفنه. وقيل: يدفن كما لو بلي المصحف أو اندرس. نص عليه. انتهى.
(وكره مد رجل اليه واستدباره) أي ان يمد رجله إلى جهة المصحف أو يستدبره.
قال في " الفروع ": ولم يذكر أصحابنا مد الرجلين إلى جهة ذلك. يشير إلى المصحف وإلى كتب العلم التي فيها قرآن.
قال: وتركه أولى أو يكره، وكرهه الحنفية، وكذا في معناه استدباره،
وقد كره أحمد إسناد الظهر إلى القبلة فها هنا أولى، لكن اقتصر أكثر أصحابنا على استحباب استقبالها فتركه أولى ولعلى هذا أولى.
وفي " الصحيحين " في حديث الاسرًاء: " فإذا انا بإبراهيم مسندا ظهره إلى
[ ٣٤٤ ]
البيت المعمور " (^١) .
ولأحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير "أنه قال وهو مستند إلى الكعبة: ورب هذه الكعبة لِلَّهِ لقد لعن رسول الله ﷺ فلانا وما ولد من صلبه " (^٢) . ولأحمد عن كعب ين عجرة قال: " بينما نحن في مسجد رسول الله ﷺ مسندي ظهورنا إلى قبلته إذ خرج علينا رسول الله ﷺ. . وذكر الحديث " (^٣) . انتهى. (و) كره (تخطيه) أي: أن يتخطى المصحف بأن يركبه ويتجاوزه بخطوته.
قال في " الفروع " بعد أن ذكر توسده واستدباره: وفي معنى ذلك التخطي ورميه بالأرض بلا وضع ولا حاجة تدعو إلى ذلك، بل هو بمسألة التوسد أشبه، وقد رمى رجل بكتاب عند أحمد فغضب وقال: هكذا يفعل بكلام الابرار؟.
(و) تكره (تحليته) أي: تحلية المصحف (بذهب أو فضة).
قال في " الفروع ": وفاقًا لمالك والشافعي نص عليه. وعنه: لا وفاقًا لأبي حنيفة. ثم قال: وقيل: لا تكره تحليته للنساء. وقيل: يحرم، جزم به الشيخ وغيره، ككتب العلم في الأصح. ثم قال: وقال ابن الزاغونى: يحرم كتبه بذهب؛ لأنه من زخرفة المصاحف، ويؤمر بحكه، فان كان يجتمع منه ما يتمول زكاه. وقال أبو الخطاب: يزكيه ان كان نصابا، وله حكه وأخذه.
(ويباح تطييبه) ولا يكره. نص عليه. واستحب الامدي تطييبه؛ " لأنه ﵊ طيب الكعبة ". وهي دونه.
قال في " الفروع " " وهو ظاهر كلام القاضي " لأمره ﵊ بتطييب المساجد ". فالمصحف أولى. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٦٧٤) ٣: ٠ ١٤١ كتاب فضائل الصحابة، باب المعراج. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٢) ١: ١٤٥ كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦١٧٢) ٤: ٥.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨١٥٧) ٤: ٢٤٤.
[ ٣٤٥ ]
(و) يباح (تقبيله).
قال في " الفروع ": ويجوز تقبيله. وعنه: يستحب؛ لفعل عكرمة بن أبي
جهل. رواه أحمد.
ونقل جماعة الوقف فيه، وفي جعله على عينيه؛ لعدم التوقيف وان كان فيه رفعة وإكرام؛ لأن ما طريقه القرب إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله وان كان فيه تعظيم إلا بتوقيف، ولهذا قال عمر عن الحجر: " لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " (^١) .
ولما " قبل معاوية الاركان كلها أنكر عليه ابن عباس فقال: ليس شيء من البيت مهجورا فقال: انما هي السنة " (^٢) . فًا نكر عليه الزيادة على فعل النبي ﷺ وان كان فيه تعظيم. ذكر ذلك القاضي، ولهذا ذكره الامدي رواية تكره. وظاهر ذلك: انه لا يقام له؛ لعدم التوقيف. وقد ذكر الحافظ ابن
أبي الاخضر من أصحابنا فيمن روى عن أحمد في ترجمة أبي زرعة الرازي: سمعت أحمد بن حنبل- وذكره عنده إبراهيم بن طهمان وكان متكئا- فاستوى جالسا وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ.
وذكر ابن عقيل في " الفنون ": انه كان مستندا فأزال ظهره وقال: لا ينبغي ان يجري ذكر الصالحين ونحن مستندون.
قال ابن عقيل: فأخذت من هذا حسن الأدب فيما يفعله الناس عند ذكر إمام
العصر من النهوض؛ لسماع توقيعاته. ومعلوم أن مسألتنا أولى.
وقال شيخنا: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فهو أحق. انتهى.
(و) يباح (كتابة آيتين فأقل إلى الكفار) نصا.
قال في " الفروع ": نقل الأثرم: يجوز ان يكتب إلى أهل الذمة كتابا فيه
ذكر الله. قد كتب النبي ﷺ إلى المشركين.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٣٨) ١: ٤ ٥.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٩٠٤) ٤: ٩٥.
[ ٣٤٦ ]
وفي " النهاية ": لحاجة التبليغ. وهو ظاهر الخلاف.
وقال ابن عقيل: لا بأس بتضمينه لمقاصد تماهي مقصوده تحسينا للكلام، كآيات في الرسائل للكفار مقتضية الدعاية، ولا يجوز في نحو كتب المبتدعة، بل هي من الشعر لصحة القصد وسلامة الوضع. انتهى.
ويمنع الكافر من مس المصحف مطلقًا " لعدم صحة الطهارة منه.
قال في " الإنصاف ": لكن له نسخه على الصحيح من المذهب.
وقال ابن عقيل: بدون حمل ومس. قاله القاضي في " التعليق " وغيره.
قال ابن عقيل في " التذكرة ": يجوز استئجار الكافر على كتابة المصحف
إذا لم يحمله.
قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد: ان المصاحف يجوز ان يكتبها
النصارى.
قال القاضي في "الجامع ": يحتمل قول أبى بكر يكتبه بين يديه
ولا يحمله، وهو قياس المذهب، لأن مس القلم للحرف كمس العود للحرف. وقيل لأحمد: يعجبك ان تكتب النصارى المصاحف؛ قال: لا يعجبني.
قال الزركشي: فأخذ من ذلك رواية بالمنع.
قال القاضي في " خلافه ": يمكن حملها على انهم حملوا المصاحف في
حإلى كتابتها.
وقال في " الجامع ": ظاهره كراهته لذلك، وكرهه للخلاف.
وقال في " النهاية ": يمنع منه. انتهى.
[ ٣٤٧ ]
[باب: موجبات الغسل]
هذا (باب) يذكر فيه موجبات الغسل، وما يمنع منه من لزمه، وما يستحب
له الغسل، وصفته، ومسائل من أحكام المسجد والحمام.
(الغسل) بضم الغين الذي هو الاسم هو في الشرع: (استعمال ماء طهور في جميع بدنه) أي المغتسل (على وجه) مستفاد من الشرع (مخصوص) بتخصيص.
والأصل في مشروعيته قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فًا طهروا)
[المائدة: ٦]. سمي به، لأنه نهي ان يقرب مواضع الصلاة. وقيل: لمجانبة الناس حتى يتطهر. وقيل: لأن الماء جانب محله.
(وموجبه) يعني ان الحدث الموجب للغسل باعتبار انواعه (سبعة):
الأولى: (انتقال مني) يعني ان الغسل يجب بمجرد إحساس الرجل بانتقال المني عن صلبه والمرأة بانتقاله عن ترائبها، لأن الجنابة تباعد الماء عن محله وقد وجد فتكون الجنابة موجودة فيجب بها الغسل.
ولأن الغسل يراعى فيه الشهوة وقد حصلت بانتقاله. أشبه ما لو ظهر، وهذا
هو المشهور عن أحمد، وأنكر ان يكون الماء يرجع.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهيرالأصحاب ونص عليه
في رواية أحمد بن أبي عبده وحرب. انتهى.
والقول بوجوب الغسل بانتقال المني من المفردات.
وعن أحمد رواية أخرى: انه لا يجب الغسل حتى يخرج المني ولو لغير شهوة.
قال في " الرعاية ": فعليها يعيد ما صلى لما انتقل.
[ ٣٤٨ ]
قال في " الإنصاف ": وما رأيته (^١) لغيره. انتهى.
وعلى المذهب: لو اغتسل للمني المنتقل قبل خروجه ثم خرج بعد الغسل
لم تجب إعادة الغسل له. وإلى هذا أشير بقوله:
(فلا يعاد غسل له بخروجه بعده)؛ لأن وجوب الغسل تعلق بانتقاله وقد اغتسل له. فلم يجب عليه غسل ثان؛ كبقية المني إذا خرجت بعد الغسل على المشهور الذي عليه الجمهور.
قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله: أن ليس عليه إلا الوضوء
بال أو لم يبل. على هذا استقر قوله. انتهى.
لأنه جنابة واحدة. فلم يجب به غسلان؛ كما لو خرج دفعة واحدة.
وفيه رواية ثانية: أنه يجب عليه الغسل ثانيا بخروج بقية المني بكل حال.
وهو مذهب الشافعي.
وفيه رواية ثالثة: انه ان خرج قبل البول اغتسل له وان خرج بعده لم يغتسل. وهو مذهب أبي حنيفة.
(و) على المذهب أيضًا وهو وجوب الغسل بالانتقال (يثبت به حكم بلوغ وفطر وغيرهما)؛ كفساد نسك ووجوب كفارة ونحو ذلك.
قال في " الإنصاف ": قاله القاضي في " تعليقه " التزاما، وعلقه
الزركشي.
قلت: وهو أولى. انتهى.
وفيه وجه آخر: انه لا يثبت به شيء من ذلك. وهو ظاهر اختياره في
" الرعاية الكبرى " وبعد الأولى.
(وكذا) أي: وكانتقال المني في الحكم (انتقال حيض) فيثبت بانتقاله
ما يثبت بخروجه. فإذا أحست بانتقال حيضها قبل الغروت بلحظة وهي صائمة
_________________
(١) في ج: وأما روايته.
[ ٣٤٩ ]
ثبت لها حكم الفطر ولو لم يخرج الدم إلا بعد الغروت.
قال في " الإنصاف " بعد قوله فوائد: ومنها: قياس انتقال المني وانتقال الحيض. قاله الشيخ تقي الدين. انتهى.
الموجب (الثاني) من موجبات الغسل: (خروجه) أي خروج المني (من مخرجه) المعتاد (ولو دما) أي ولو كان المني الخارج من مخرجه أحمر كالدم. فلو ضرب على صلبه أو نحوه فخرج المني من غير مخرجه لم يجب غسل بذلك. (وتعتبر) لوجوب الغسل بخروجه (لذة) أي وجودها عند خروجه. وعنه:
لا تعتبر (في) حق (غير نائم ونحوه)؛ كمغمى عليه، ويلزم من وجود اللذة: ان يكون دفقا فلهذا استغنينا عن ذكر الدفق باللذة، فلو خرج من يقظان لغير ذلك لم يوجب غسلا.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم. وعنه: يوجب الغسل. انتهى.
ولما كان المني يخلق منه الحيوان؛ لخروجه من جميع البدن، وكان يضعف بكثرته جبر بالغسل.
ولو خرج ما يشبه المني لمرض أو إبردة من غير شهوة لم يجب به غسل.
قال في " الشرح ": وهذا قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: يجب.
(ولو جامع وأكسل فاغتسل ثم انزل بلا لذة لم يعد) الغسل لذلك.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. ثم قال: وجزم جماعة بوجوب الغسل هنا منهم ابن تميم فقال: وان جامع وأكسل فاغتسل ثم أنزل: فعليه الغسل نص عليه، وفيه وجه: لا غسل إلا ان ينزل لشهوة.
وقال- في " الرعاية ": والنص يغتسل ثانيا. انتهى.
(وان أفاق نائم ونحوه) كمغمى عليه وهو بالغ أو من يحتمل بلوغه (فوجد) ببدنه أو ثوبه (بللا فان تحقق انه مني) ولو لم يذكر احتلاما (اغتسل) وجوبا.
[ ٣٥٠ ]
قال في " الشرح ": وان انتبه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافا.
(فقط) يعني: انه لا يجب مع الغسل ان يغسل ما أصابه المني كما يغسل
ما أصابته النجاسة.
(والا) أي وان لم يتحقق انه مني فان سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحوه أوكان به أبردة لم يجب الغسل.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الشرح ": فان انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو
غيره، فقال أحمد: إذا وجد بلة اغتسل إلا ان يكون به أبردة أو لاعب أهله فانه ربما خرج منه المذي فأرجو إلا يكون به بأس، وكذلك ان كان انتشر من أولى الليل بتذكر أو رؤية وهو قول الحسن؛ لأن الظاهر انه مذي لوجود سببه فلا يجب الغسل بالاحتمال.
وان لم يتحقق انه مني (ولا سبب) من الاسباب المتقدمة ونحوها موجود اغتسل وجوبًا و(طهر ما أصابه) البلل (أيضا) احتياطا.
وما ذكرناه مشروط بما إذا كان الثوب لا ينام فيه غيره ممن يحتلم، فأما إذا
كان ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما مفردا شاك فيما يوجب الغسل. والأصل عدم وجوبه وليس لأحدهما الائتمام بالآخر " لأن أحدهما جنب يقينا.
(ومحل ذلك) أي: ما ذكر من قوله: وان أفاق نائم. . . إلى آخره (في)
حق (غير النبي ﷺ، لأنه لا يحتلم)؛ لكونه لا ينام قلبه.
الموجب (الثالث) من موجبات الغسل: التقاء الختانين. والمراد من التقائهما تقابلهما وتحاذيهما بتغييب الحشفة في الفرج، لا إذا تماسا من غير إيلاج. ولما كان المراد ذلك عدلت اليه بقولي: (تغييب حشفته) أي: حشفة الذكر. وهي: ما تحت الجلدة المقطوعة من الذكر في الختان ولو لم يجد بذلك
[ ٣٥١ ]
حرارة خلافًا لأبي حنيفة، (الأصلة) فلا غسل بتغييب حشفة الخنثى المشكل؛ لاحتمال ان يكون خلقة زائدة، (أو) تغييب (قدرها) من مقطوعها (بلا حائل)؛ لأنتفاء التقاء الختانين مع الحائل؛ لأن الحائل هو الملاقي لختان كل من المغيب والمغيب فيه. وقيل: ولو مع حائل (في فرج أصلى) متعلق بتغييب فلا غسل بتغييب حشفة أصلية في قبل خنثى مشكل؛ لاحتمال ان يكون فرجه خلقة زائدة، (ولو) كان الفرج الأصل (دبرا) في المنصو ص؛ لوجود الفرج الأصل، وكذا لو كان الفرج الأصل (لميت) أو طفل؛ لأنه إيلاج في فرج أصلى. فوجب به الغسل؛ كفرج الحي. وخالف في ذلك أبو حنيفة. وكذا ما أشير اليه بقوله:
(أو) كان الفرج المولج فيه فرج (بهيمة) حتى سمكة. قاله القاضي في " تعليقه " وتبعه في " الفروع "؛ لأنه إيلاج في فرج. أشبه الادمية، وخالف أبو حنيفة.
ولايشترط لوجوب الغسل بتغييب الحشفة في الفرج بلوغ ولايقظة
ولا عقل. لكن يشترط كونه: (ممن يجامع مثله)، أو يجامع مثلها (ولو نائما أو مجنونا أو لم يبلغ)، كالحدث الأصغر ينقض الوضوء في حق الكبير والصغير. والمراد بمن يجامع مثله: ابن عشر فأكثر، وبمن يجامع مثلها: بنت تسع فأكثر.
وليس معنى وجوب الغسل في حق الصغير التأثيم بتركه بل معناه: ان الغسل شرط لصحة الصلاة والطواف وإباحة قراءة القرآن وإلى ذلك أشير بقوله:
(فيلزم) أي الغسل لمن لم يبلغ ممن يجامع مثله (إذا أراد ما يتوقف على غسل أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات ولو شهيدا)؛ لاشتراط الطهارة لذلك في حق الصغير كالكبير.
(واستدخالُ ذَكر أحدِ من ذُكر)، كالمرأة تستدخل في قبلها أو دبرها ذكر ميت أو ذكر بهيمة (كإتيانه) أي: كإتيان الرجل الميتة أو البهيمة. وكذا استدخإلى الكبيرة في فرجها ذكر الطفل فانه كإتيان الكبير الطفلة، وقد تقدم ان ذلك كله موجب للغسل.
[ ٣٥٢ ]
الموجب (الرابع) من موجبات الغسل: (إسلام كافر)؛ لما روى قيس بن عاصم: "انه أسلم فأمره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر " (^١) . رواه أحمد وأبو داود والنسائى والترمذي وحسنه.
حتى (ولو) كان الذي أسلم (مرتدا)؛ لأن المرتد مساو للأصلى في المعنى وهو الإسلام. فوجب مساواته له في الحكم.
قال في " الإنصاف ": الحق المصنف المرتد بالكافر إلا صلى وهو الصحيح
من المذهب وعليه جماهيرالأصحاب.
وقيل: لا غسل على المرتد وان أوجبناه على الأصل. انتهى.
ولا فرق في ذلك بين ما إذا وجد في كفره ما يوجبه كالامناء والتقاء الختانين
(أو لم يوجد في كفره ما يوجبه)؛ لأن المظنة أقيمت مقام حقيقة الحدث.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر المذهب وقال أبو بكر: لا غسل عليه
إلا إذا وجد منه في حال كفره ما يوجب الغسل من الجنابة ونحوها. انتهى. فعل المذهب: لو وجد منه سبب من الاسباب الموجبة للغسل كتغييب الحشفة في الفرج أو نحو ذلك في حال كفره: لم يلزمه له غسل إذا أسلم بل يكتفي بغسل الإسلام على الصحيح من المذهب.
ولا فرق في ذلك بين كون من أسلم بالغا (أو مميزا)؛ لأن الإسلام موجب. فاستوى فيه الكبير والصغير كالوطء والحدث الأصغر.
(و) يكون (وقت لزومه) أى لزوم الغسل للصغير (كما مر) يعني إذا أراد
ما يتوقف على الغسل؛ لأنه يأثم بتأخير الغسل.
الموجب (الخامس) من موجبات الغسل (خروج) دم (حيض) وانقطاعه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٥) ١: ٩٨ كتاب الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٠٥) ٢: ٥٠٢ أبواب الصلاة، باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٨٨) ١: ٩ ٠ ١ كتاب الطهارة، ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٦٣٤) ٥: ٦١.
[ ٣٥٣ ]
شرط لصحة الغسل له.
وقيل: انما يجب الغسل بانقطاعه.
قال في " الإنصاف ": تظهر فائدة الخلاف: إذا استشهدت الحائض قبل الطهر فان قلنا: يجب الغسل بخروج الدم: وجب غسلها للحيض، وان قلنا:
لا يجب إلا بالانقطاع: لم يجب الغسل، لأن الشهيدة لا تغسل. ولم ينقطع الدم الموجب للغسل.
قاله المجد وابن عبيدان والزركشي وصاحب "مجميع البحر ين " و" الفر وع " و" الرعاية " وغيرهم.
قال الطوفي في " شرح الخرقي ": وتظهر فائدة الخلاف: فيما إذا استشهدت الحائض قبل الطهر هل تغسل للحيض؟ فيه وجهان ان قلنا: يجب الغسل عليها بخروج الدم: غسلت لسبق الوجوب، وان قلنا: لم يجب إلا بالانقطاع: لم يجب. انتهى.
وقطع جماعة: انه لا يجب الغسل على القولين منهم المصنف؛ لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له ولم يوجد.
قال الطوفي في " شرحه " بعد ما ذكر ما تقدم: وعلى هذا. التفريع إشكال وهو ان الموت إما ان ينزل منزلة انقطاع الدم أو لا. فان نزل منزلته لزم وجوب الغسل " لتحقق سبب وجوبه وشرطه على القولين، وان لم ينزل منزلة انقطاع الدم فهي في حكم الحائض على القولين فلا يجب غسلها " لأنا ان قلنا: الموجب هو الانقطاع فسبب الوجوب منتف، والحكم ينتفي " لانقطاع شرطه. انتهى.
الموجب (السادس: خروج دم نفاس). ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس، وانما الخلاف في وقت الوجوب. وهو: أن الغسل هل يجب بخروجهما أو بانقطاعه ما؛ والمذهب أنه يجب بالخروج كما في المتن (^١) فيهما. ومما يترتب على الخلاف لو علق انسان عتقا أو طلاقا على ما يوجب
_________________
(١) في ج: المني.
[ ٣٥٤ ]
غسل أحدهما فعل المذهب يقع المعلق على ذلك بخروج الدم، وعلى الثانى بانقطاعه.
وحيث كان الموجب خروج دم النفاس (فلا يجب) الغسل (بولادة عرت عنه) أي: عن الدم على المذهب؛ كما لو القت علقة. وفيه وجه، وفي " الكافي "
رواية: يجب.
الموجب (السابع: الموت)؛ لقوله ﷺ: " اغسلنها " (^١) إلى غيره من الأحاديث.
(تعبدًا)، لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا يصح غسلها للحيض مع جريان الدم، ولو كان عن نجس لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت.
ويستثنى من ذلك الشهيد والمقتول ظلما- كما أشير اليه بقوله:
(غير شهيد معركة ومقتول ظلما). وسيأتي الكلام على ذلك ان شاء الله تعالى في كتاب الجنائز.
(ويمنع من عليه غسل) من جنب وحائض ونفساء (من) قراءة (آية)؛
لما روى على: "أنه ﷺ لم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة " (^٢) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٩) ٢: ٦٤٦ كتاب الجنائز، باب في غسل الميت، من حديث أم عطيه ﵂.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٩) ١: ٥٨ كتاب الطهارة، باب فى الجنب يقرأ القرآن. وأخرجه الترمذي في ﷺ " جامعه " (٤٦ ١) ١: ٢٧٣ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا. وأخرجه النسائي في " سننه " (٢٦٥) ١: ١٤٤ كتاب الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥٩٤) ١: ١٩٥ كتاب الطهارة، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة.
[ ٣٥٥ ]
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: " لا تقرأ الحائض ولا النفساء شيئًا من القرآن " (^١) . رواه الدارقطني.
إلا) من قراءة (بعضها) أي بعض آية.
قال في " الفروع ": على الأصح خلافًا للشافعي.
(ولو كرر. ما لم يتحيل على قراءة تحرم) عليه. هكذا قال في " الفروع ".
قال في " الإنصاف ": وقدمه في " المحرر " و" الرعايتين " و"الحاويين"
و" الفائق ". انتهى.
ووجه ذلك: ان بعض الايه لا يحصل به إعجاز ولا يجزئ في الخطبة.
أشبه الذكر.
ولأنه يجوز إذا لم يقصد به القرآن، فكذلك إذا قصد.
قال (المنقح: ما لم تكن طويلة).
قال في " الإنصاف ": كآية الدين.
(وله) أي لمن لزمه غسل: (تهجيه) أي تهجي القرآن.
قال في " الفروع ": في الأصح. فيتوجه في بطلان صلاة بتهجيه هذا الخلاف. وفي " الفصول ": تبطل لخروجه عن نظمه وإعجازه. انتهى.
(و) له أيضًا: (تحريك شفتيه به) أي بالقرآن (ان لم يبين الحروف).
قال في " الفروع ": وله قراءة لا تجزئ في الصلاة لأسرارها في ظاهر
" نهاية الأزجي ".
وقال غيره: له تحريك شفتيه به إذا لم يبين الحروف. انتهى.
لأن هذا لا يسمى قراءة.
(و) له أيضًا: (قول ما وافق قرآنا ولم يقصده).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٥) ١: ١٢١ كتاب الطهارة، النهى للجنب والحائض من قراءة القرآن.
[ ٣٥٦ ]
قال في " الفروع ": نص عليه. انتهى.
وذلك كقول عاطس: " الحمد لله رب العالمين " ونحو ذلك.
(و) له أيضًا: (ذكر) أي: ان يذكر الله تعالى؛ لما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " (^١) .
وعنه ما أحب أن يؤذن؛ لأنه في القرآن. -
قال في " الفروع ": وفي التعليل نظر.
قال القاضي: وعلله في رواية الميمونى بأنه كلام مجموع. انتهى.
وكره الشيخ تقي الدين الذكر لجنب لا الحائض.
(ويجوز لجنب وحائض ونفساء انقطع دمهما: دخول مسجد ولو
بلا حاجة). وقيل: لا إلا لحاجة. ومنها: كون المسجد طريقا قريبا. لكن كره أحمد اتخاذه طريقا.
والأصل فى جواز دخول الجنب المسجد قوله تعالى: (ولا جنبا إلاعابرى سبيل) [النساء: ٤٣] قياسه الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما.
إلا لبث) لمن ذكر (فيه) أى بالمسجد فيحرم؛ لقول الله تعالى: (حتى تغتسلوا)
[النساء: ٤٣].
ولقول النبي ﷺ: " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (^٢) . رواه
أبو داود.
(إلا بوضوء)؛ لما روى عطاء بن يسار قال: " رأيت رجإلا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة " (^٣) . رواه سعيد بن منصور والأثرم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٧٣) ١: ٢٨٢ كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغير ها.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٢) ١: ٠ ٦ كتاب الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٦٤٦) ٤: ١٢٧٥ (طبعة آل حميد).
[ ٣٥٧ ]
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما حكم الجنب.
وعنه: لا يجوز اللبث وان توضؤوا.
وعنه: يجوز للجنب اللبث فيه وان لم يتوضأ. ذكرها في " الرعاية " ونقلها الخطابي عن أحمد.
(ف) على الأولى (ان تعذر) الوضوء على من قلنا يجوز له اللبث بالوضوء (واحتيج: للبث) في المسجد (جاز بلا تيمم).
قال في " الفروع ": وان تعذر واحتاج فبدونه نص عليه، واحتج بـ " ان
وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فانزلهم المسجد " (^١)؛ كمستحاضة ونحوها، ويأمنون تلويثه وعند أبي المعالي والشيخ: يتيمم وفاقًا للشافعي كلبثه لغسله فيه، وفيه قول. انتهى.
(ويتيمم للبث لغسل فيه) أي: في المسجد.
قال في " الإنصاف ": وأما لبثه فيه لأجل الغسل: قالصحيح من المذهب: انه يتيمم له.
وقال ابن شهاب وغيره وقدمه في " الفروع "، قال ابن تميم: وفيه بعد مع اقتصاره عليه. وقيل: لا يتيمم. انتهى.
وقال ابن قندس في " حاشيته على الفروع ": يعني إذا أراد ان يغتسل في المسجد واحتاج إلى اللبث فيه ولم يقدر على الوضوء ولا الغسل عاجلا فانه يتيمم لذلك اللبث، ولم أر هذه الزيادة فى " المغني " ولا في " شرح الهداية " لمجد الدين. انتهى.
وقول ابن قندس: واحتاج إلى اللبث فيه مخالف لما تقدم من انه إذا احتاج للبث فيه فانه يجوز بلا تيمم، والظاهر تقييده بعدم الاحتياج. والله أعلم.
(ولا يكره) غسل (ولا وضوء) في المسجد (ما لم يؤذ بهما).
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٩٧) ٣: ١٥٨٥ كتاب الأشربة.
[ ٣٥٨ ]
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع " في باب الوضوء: ويباح هو وغسل في مسجد ان لم يؤذ
به أحدا. حكاه ابن المنذر إجماعًا. وعنه: يكره
وفاقًا لأبي حنيفة ومالك. انتهى.
وقال في " الآداب الكبرى ": وحكى بعضهم بانه لا يجوز، ولعلىه على رواية: ان المستعمل في رفع الحدث نجس فان كان فهو واضح. انتهى. (ويكره إراقة مائهما) أي: ماء الغسل والوضوء به، أي: بالمسجد، (وبما يداس) أي: بمحل يداس؛ كالطريق ونحوها. وعنه: لا يكره.
قال في " الإنصاف ": فعل المذهب الكراهة تنزيها للماء جزم به في
" الرعاية ".
(ومصلى العيد) وهو المكان المتخذ لصلاة العيد فقط.
إلا) المكان المتخذ لصلاة (الجنائز مسجد). أمامصلى العيد فمسجد على الصحيح من المذهب، قاله في " الإنصاف " و" الفروع ".
ووجهه: ان صلاة العيد صلاة ذات ركوع وسجود. أشبه المكان المتخذ لجميع الصلوات. وأما مصلى الجنائز فلا خلاف في انه ليس بمسجد.
قال في " الإنصاف ": ليس بمسجد قولا واحدا.
(ويمنع) بالبناء للمفعول (منه) أي: من المسجد (مجنون).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(و) يمنع منه أيضًا (سكران).
قال في "الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وللقاضي في
" الخلاف " جواب: بانه لا يمنع.
(و) يمنع منه أيضًا: (من عليه نجاسة تتعدى).
قال في " الفروع ": وفاقًا لظاهر كلام القاضي وغيره، ولكن قد قال
[ ٣٥٩ ]
بعضهم: يتيمم لها للعذر وهذا ضعيف. انتهى.
(ويكره) للمكلف (تمكين صغير) من المسجد، نقل مهنا: ينبغي ان يجنب الصبيان المساجد.
وقال في " الآداب الكبرى ": ويسن ان يصان عن صغير. أطلقوا العبارة. والمراد والله أعلم: إذا كان صغيرا لا يميز لغير مصلحة ولا فائدة. انتهى. وقال فيها أيضًا: ويباح غلق أبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله اليه نص عليه.
(ويحرم تكسب بصنعة فيه) أي: في المسجد.
[ ٣٦٠ ]
فصلى [في الأغسال المستحبة]
قد تقدم ما يجب له الغسل. وأما ما يستحب له الغسل فقد شرع فيه بقوله:
(والأغسال المستحبة ستة عشر) غسلا. يًا تى ذكرها:
(آكدها): الغسل (لصلاة جميعة في يومها لذكر حضرها ولو لم تجب عليه) الجمعة؛ كالمسافر والعبد (ان صلى)؛ لما روي ان النبي ﷺ قال: " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " (^١) . متفق عليه.
وعنه: يجب الغسل على من تلزمه الجمعة.
وعلى الروايتين ليس الغسل بشرط لصحتها.
(و) الغسل للجميعة (عند مضي) اليها أفضل من الغسل قبل ذلك، (و) كون الغسل لها (عن جماع أفضل) من كونه من غير جماع.
(ثم) يلي غسل الجمعة في الآكدية من الأغسال المستحبة: الغسل (لغسل ميت) مسلم أو كافر.
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: استحباب الغسل من غسل الميت، وعليه جماهيرالأصحاب ونص عليه. وعنه: لا يستحب. انتهى.
وعنه: يجب الغسل؛ لغسل الميت الكافر.
قال في " الشرح ": وذكر بعض أصحابنا رواية في وجموب الغسل من غسل
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٨٧٧) ١: ١ ٣١ كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٤٤) ٢: ٥٧٩ كتاب الجمعة، كلاهما من حديث ابن عمررضي الله عنهما.
[ ٣٦١ ]
الحي الكافر قياسا على الميت. ثم قال: ولا نعلم أحدا قال به من العلماء. والله أعلم.
(ثم) الثالث من الأغسال المستحبة: الغسل (لعيد) أي لصلاته (في يومها لحاضرها) وفاقًا؛ لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد رضي الله تعالى عنهما: " ان رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى " (^١) . رواه ابن ماجه. ومحل استحباب ذلك: (ان صلى) صلاة العيد (ولو منفردا). وقيل:
لا يستحب الغسل لها إلا إذا صلى في جماعة. وقيل: يجب الغسل لصلاة العيد، وفي " التلخيص ": يستحب الغسل لمن حضر العيد ولو لم يصلى.
(و) الرابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لكسوف) أي لصلاته.
(و) الخامس: لصلاة (استسقاء)، لأنهما صلاتان يجتمع لهما الناس فاستحب الغسل لهما؛ كصلاة الجمعة والعيدين.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وقيل: لا يستحب الغسل لهما. ذكره في " التبصرة ".
(و) السادس والسابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لجنون وإغماء
لا احتلام فيهما) أي: في الجنون والإغماء، لأنه لو وجد في أحدهما احتلام وجب الغسل. ودليل الاستحباب ما روي عن النبي ﷺ: "انه اغتسل للإغماء " (^٢) . متفق عليه. ولأنه لا يؤمن ان يكون احتلم ولم يشعر، والجنون في معناه بل أولى؛
لأن مدته تطول فيكون الإحتلام فيه أكثر.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٣١٦) ١: ٤١٧ كتاب إقامه الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في في العيدين. وحديث الفاكه بن سعد، في إسناده يوسف بن خالد، قال عنه ابن معين: كذاب، خبيث، زنديق، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، أفاد ذلك البوصيري في " زوائده ".
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٥) ١: ٢٤٣ كتاب الجماعة والإمامة، باب انما جعل إلامام ليؤتم به. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤١٨) ١: ٣١١ كتاب الصلاة، باب استخلاف إلامام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلى بالناس، كلاهما من حديث عائشة ﵂.
[ ٣٦٢ ]
وحكى بعضهم رواية بوجوب الغسل للجنون والإغماء لكن المشهور عند الأصحاب الاستحباب؛ لأن الغسل لا يجب بدون تيقن الأنزال اطراحا للشك واستصحابا لليقين.
(و) الثامن من الأغسال المستحبة: الاستحاضة) أي: ان تغتسل المستحاضة (لكل صلاة).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وعنه: يجب. حكاها في " التبصرة " ومن بعده.
(و) التاسع: الغسل إلاحرام) بحج أو عمرة؛ لما روى زيد بن ثابت "انه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل " (^١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ويدخل في هذا كل مريد للإحرام (حتى حائض ونفساء).
قال في " الفروع ": وفاقًا، وللشافعي قول: لا يستحب لهما. انتهى.
وأوجب بعض العلماء دما على من ترك الغسل للإحرام.
(و) العاشر: الغسل (لدخول مكة).
قال في " المستوعب ": حتى لحائض. وظاهره: ولو كان بالحرم كالذي بمنى إذا أراد دخولصلى الله عليه وسلم مكة فانه يستحب له الغسل لذلك.
(و) الحادي عشر: الغسل لدخول (حرمها) أي: حرم مكة. نص عليه في رواية صالح.
(و) الثانى عشر: الغسل ل (وقوف بعرفة) وفاقًا. روي ذلك عن على وعبد الله بن مسعود.
(و) الثالت عشر: الغسل ل (طواف زيارة) وفاقًا.
(و) الرابع عشر: الغسل لطواف (وداع) وفاقًا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٣٠) ٣: ١٩٢ كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام.
[ ٣٦٣ ]
(و) الخامس عشر: الغسل ل (مبيت بمزدلفة).
(و) السادس عشر: الغسل ل (رمي جمار)، لأن هذه كلها أنساك يجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل، كالإحرام ودخول مكة.
(ويتيمم) استحبابا اللكل) أي: لكل الأغسال المستحبة (لحاجة) أي عند حاجة الصحيح إلى الماء لعدمه، أو لعدو يحول بينه وبين الماء، أو يكون الماء ببئر ولا يجد الة يستقى بها أو نحو ذلك.
(و) يستحب التيمم (لما يسن له وضوء)، كقراءة القرآن (لعذر)، كالمريض والجريح العاجز عن أن يمس الماء بشرته.
[ ٣٦٤ ]
فصلى في صفة الغسل
وهو ضربان: كامل ومجزئ. (وصفة الكامل) ان كان واجبًا أو مستحبا:
(أن ينوي) من يصح منه غسل الغسل، (ويسمي) بان يقول: باسم الله بعد ان
ينوي، (ويغسل يديه ثلاثًا) خارج الماء، (و) يفرغ بيمينه على شماله فيغسل
(ما لوثه) أي: لطخه من مني أو غيره بفرجه أو غيره، (ثم يتوضأ) وضوءًا
(كاملا) كوضوء المنفرد عن الغسل، (ويروي) بتشديد الواو (رأسه) أي: أصول شعر رأسه (ثلاثًا) يحثي الماء عليها ثلاث حثيات، (ثم) يغسل (بقية جسده) بإفاضة الماء عليه (ثلاثًا)؛ لماروت عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه حتى إذا ظن انه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث
مرات، ثم غسل سائر جسده " (^١) . متفق عليه.
(ويتيامن) بان يبدأ بغسل شقه الأيمن؛ لأنه قد روي في حديث عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفيه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦٩) ١: ١٠٥ كتاب الغسل، باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣١٦) ١: ٢٥٣ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٥) ١: ١٠٢ كتاب الغسل، باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣١٨) ١: ٢٥٥ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
[ ٣٦٥ ]
(ويدلكه) أي: ويدلك جسده بيديه عند غسله استحبابا. وهذا قول أكثر العلماء. وقال مالك: يجب.
ولنا قول النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: " انما يكفيك ان تحثي على
رأسك الماء ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهري " (^١) . رواه مسلم. (ويعيد غسل رجليه بمكان آخر)؛ لأن في رواية البخاري عن ميمونة " ثم
تنحى فغسل قدميه " (^٢) .
(ويكفي الظن) أي ظن المغتسل (في الإسباغ) أي في وصول الماء إلى البشرة.
قال في " الإنصاف ": يكتفي في الإسباغ بغلبة الظن على الصحيح من المذهب. وقال بعض الأصحاب: يحرك خاتمه في الغسل؛ ليتيقن وصول الماء. انتهى.
(و) الضرب (المجزئ) من الغسل: (ان ينوي) الغسل، (ويسمي) بان
يقول: باسم الله بعد نية الغسل، (ويعمم بالماء بدنه حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود) على رجليها (لحاجة) أي: لقماء الحاجة، (و) حتى (باطن شعر) من ذكر وأنثى.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهيرالأصحاب. ثم قال:
وقيل: لا يجب غسل الشعر. ثم قال: ونص في " المغني ": انه لا يجب غسل الشعر المسترسل. ثم قال: وقيل: يجب غسل الشعر في الحيض دون الجنابة.
(وينقض) شعرالمرأة وجوبًا لغسلها (لحيض).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه جمهور الأصحاب
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٠) ١: ٢٥٩ كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتسلة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٧٧) ١: ١٠٨ كتاب الغسل، باب التستر في الغسل عند الناس.
[ ٣٦٦ ]
ونص عليه، وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وعلم من هذا: انه لا يجب نقضه لغسلها من الجنابة مطلقًا.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه
جماهير الأصحاب. انتهى. وقيل: يجب ان طالت المدة. وقيل: يستحب نقضه للغسل من الحيض.
وعلم مما تقدم: انه يجب غسل حشفة الأقلف المفتوق. جزم به
ابن تميم؛ لأنه اجزء من بدنه لا مشقة في غسله. فوجب؛ كبقية الذكر.
(ويرتفع حدث) أكبر أو أصغر عن متوضئ أو مغتسل ذكر أو أنثى من جنابة
أو حيض (قبل زوال حكم خبث) أي: قبل الحكم بطهارة نجاسة على البدن
لا تمنع وصول الماء اليه. ويبقى حكمها إلى ان يغسل العدد المشترط في تطهيرها.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب ان الغسل يصح قبل زوال
النجاسة. انتهى.
ومرادهه زوال حكمها؛ لأنه قال قبل ذلك: وان منعت وصول الماء ال
البدن فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها. انتهى.
وحيث ارتفع الحدث الأكبر مع بقاء حكم النجاسة قالأصغر أولى بالإرتفاع.
(وتسن موالاة) بين غسل جميع أجزاء البدن ولا تشترط.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب كالترتيب.
وعنه: تشترط الموالاة، حكاها ابن حامد وحكاها أبو الخطاب وغيره وجها.
(فان فاتت) الموالاة بان جف ما غسله من بدنه بزمن معتدل وأراد ان يتم
غسله (جدد لإتمامه نية)؛ لأنقطاع النية بفوات الموالاة فيقع غسل ما بقي بدون نية.
(و) يسن أيضًا: (سدر في غسل كافر) أسلم كإزالة شعره أى كما يسن له
[ ٣٦٧ ]
إزالة شعره: أما مسنونية السدر في غسل الكافر؛ فلما روى قيس بن عاصم: "انه أسلم فأمره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر " (^١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن.
وأما مسنونية إزالة الشعر؛ فلما روي: " ان النبي ﷺ قال لرجل أسلم:
ألق عنك شعر الكفر واختتن " (^٢) . رواه أبو داود.
(و) يسن أيضًا: سدر في غسل (حائض) لحيض (طهرت) منه.
(و) يسن أيضًا: (أخذها) أي: الحائض (مسكا. فان لم تجد) المسك (فطيبا) من أي طيب كان. (فان لم تجد) الطيب، (فطينا تجعله) أي: تجعل ما تأخذه من مسك أو طيب أو طين (في فرجها) ويكون ذلك (في قطنة أو غيرها) مما يمسكه، ويكون جعلها ذلك (بعد غسلها) من الحيض؛ ليقطع رائحته. والأصل في ذلك ما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما سالت أسماء رضي الله تعالى عنها النبي ﷺ عن غسل الحيض: " ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها " (^٣) . رواه مسلم.
الفرصة: القطعة من كل شيء.
(و) سن لمتوضئ (توضؤ بمد) أى بزنة مد من الماء. (وزنته) أي: زنة المد (مائة واحد وسبعون) درهما إسلاميا (وثلاثة أسباع درهم. وهي) أي: وهذه الدراهم والأجزاء زنتها بالمثاقيل: (مائة وعشرون مثقالا). وهي: (رطل وثلث عراقي وما وافقه) أي: وافق الرطل العراقي في زنته، (ورطل وسبع) رطل (وثلث سبع) رطل (مصري وما وافقه) أي: وافق الرطل المصري في زنته.
(و) زنة ذلك: (ثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية بوزن دمشق وما وافقه) أي: وافق وزن دمشق من الأوزان. (و) هي (أوقيتان وستة أسباع) أوقية (ب) الوزن
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٣٥٣).
(٢) سبق تخريجه ص: (٢٣١) رقم (١).
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٢) ١: ٢٦١ كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم.
[ ٣٦٨ ]
(الحلبي وما وافقه) من الأوزان. (و) هي (أوقيتان وأربعة أسباع) أوقية (بالقدسي وما وافقه) من الأوزان.
(و) سن لمغتعسل (اغتسال بصاع) أي: بزنة صاع من الماء، (وزنته) أى
الصاع بالدراهم الإسلامية: (ستمائة) درهم (وخمسة وثمانون) درهما (وخمسة أسباع درهم، وهي) بالمثاقيل (اربعمائة وثمانون مثقالا، و) بالأرطال (خمسة أرطال وثلث) رطل (عراقية) نقله الجماعة عن أحمد وفاقًا لمالك والشافعي وأومأ في رواية ابن مشيش: انه ثمانية أرطال فى الماء. أختاره في " الخلاف " و" منتهى الغاية " نقله في " الفروع ".
فعل الأولى: يكون كصاع الفطرة والفدية والكفارة فيعتبر (بالبر الرزين) وذلك بالرطل المصري (اربعة) أرطال (وخمسة أسباع) رطل (وثلث سبع رطل مصري) وذلك (رطل وسبع دمشقي، و) الصاع بالوزن الحلبي (إحدى عشرة أوقية وثلاثة أسباع) أوقية (حلبية، و) بالوزن القدسي (عشر أواق وسبعان) من أوقية (قدسية).
قال (المنقح: وهذا) أي: ما ذكر من تقدير (^١) المد والصاع (ينفعك هنا) أي: في الطهارتين، (وفي الفطرة) أى زكاة الفطر، (و) في (الفدية) في الحج والعمرة، (و) في (الكفاره) أي: كفارة- الظهار والقتل واليمين ونحوها، (وغيرها) أي: غير ما ذكر؛ كمن نذر التصدق بمد أو بصاع من طعام فانه يحتاج إلى معرفة قدر ذلك. انتهى الكلام على كلام المنقح.
(وكره) الاغتسال حالكون المغتسل (عريانا) إذا لم يره أحد من الناس.
أما إذا كان معه أحد يراه فيحرم.
قال في " الفروع ": ويكره الاغتسال في مستحم وماء عريانا.
قال شيخنا: عليه أكثر نصوصه. وعنه: لا. اختاره جماعة وفاقًا، وعن أحمد: لا يعجبني. ان للماء سكانا. واحتج أبو المعالي للتحريم خلوة بهذا
_________________
(١) في أ: تقديم.
[ ٣٦٩ ]
الخبر، ونقل حرب: أن أحمد كرهه شديدا. انتهى.
(و) كره أيضًا: (إسراف) في الماء الذي يتوضأ أو يغتسل به، والزيادة الكثيرة فيه؛ لما روي: " ان النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؛ فقال: أفي الوضوء إسراف؛ قال: نعم وان كنت على نهر جار " (^١) . رواه ابن ماجه.
وإلا) يكره (إسباغ) في وضوء، أو غسل (بدون ما ذكر) من الوضوء بالمد والغسل بالصاع؛ لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " انها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من اناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك " (^٢) . رواه مسلم.
(ومن نوى بغسل رفع الحدثين) الأكبر والأصغر عنه، (أو) نوى بغسله رفع (الحدث وأطلق) بان لم يقيد لا بأكبر ولا بأصغر، (أو) نوى بغسله (امرا) أي:
فعل أمر إلا يباح إلا بوضوء وغسل)؛ كصلاة وطواف ونحوهما: (أجزأ) هذا الغسل (عنهما) أي: عن الطهارتين منفردتين؛ لقوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) [النساء: ٤٣] جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فإذا اغتسل وجب إلا يمنع منها.
ولأنه ما عبادتان من جنس. فدخلت الصغرى في أفعال الكبرى بالنية؛ كالعمرة في أفعال الحج فيما إذا أحرم قارنا.
وعنه: يجب مع الغسل الوضوء.
قال في " الفروع " بعد ان قدم الأولى: فعل الأولى لو نوى رفع الحدث وأطلق ارتفعا، وظاهر كلام جماعة عكسه كالرواية الثانية. وقيل: يجب الوضوء. انتهى.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٢٥) ١: ١٤٧ كتاب الطهارة، باب ما جاء فى القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه.
(٢) أخرجه مسلم فى " صحيحه " (٣٢١) ١: ٢٥٦ كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة.
[ ٣٧٠ ]
وقوله: وقيل: يجب الوضوء مختص بما إذا نوى رفع الحدث وأطلق. قال في " الإنصاف ": فائدتان:
إحداهما: مثل نية الوضوء والغسل: لو نوى استباحة الصلاة أو أمرا لا يباح
إلا بالوضوء والغسل؛ كمس المصحف ونحوه، لا قراءة القرآن ونحوه. الثانية: لو نوت من انقطع حيضها بغسلها حل الوطء صح على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يصح؛ لأنه اانما ما يوجب الغسل، وهو الوطء، ذكره أبو المعالي. انتهى.
وعلم مما تقدم: انه ان لم ينو الوضوء لم يجزئه إلا عن الغسل؛ لقوله ﵊: "وانما لكل امرئ ما نوى " (^١) .
فان نواهما ثم أحدث في أثناء غسله ثم غسله ثم إذا أراد الصلاة توضأ.
وعلم منه أيضًا: سقوط الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء. فلو اغتسل
إلا أعضاء الوضوء لم يجب الترتيب في غسلها؛ لأن حكم الجنابة باق.
(وسن لكل) ممن وجب عليه غسل (من جنب ولو) كان الجنب (أنثى، و)
كل من (حائض ونفساء انقطع دمهما غسل فرجه) أي: ان يغسل فرجه، (ووضوء) (^٢) أي: وان يتوضأ (لنوم) أى إذا أرادا نوما؛ لما روي ان عمر ﵁: " سًا ل النبي ﷺ: أيرقد أحدنا وهو جنب؛ قال: نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد " (^٣) . متفق عليه.
(وكره تركه) أي: ترك الجنب الوضوء (له) أي للنوم (فقط) أي: فلا يكره
ترك الجنب الوضوء؛ لما يأتى ذكره دون النوم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ.
(٢) في ج: ووضو ؤه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٨٣) ١: ٩ ٠ ١ كتاب الغسل، باب نوم الجنب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٠٦) ١: ٢٤٨ كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له ..
[ ٣٧١ ]
قال في " الإنصاف " في هذه المسألة: فعل القول بالاستحباب يكره تركه على الصحيح من المذهب نص عليه.
(و) سن للجنب أيضًا: الوضوء (لمعاودة وطء)؛ لما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد ان يعود فليتوضأ" (^١) .
رواه مسلم.
(والغسل) لمعاودة الوطء (أفضل) من الوضوء؛ لأنه انشط.
(و) يسن لكل من جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما: الوضوء إلأكل وشرب): أماالجنب؛ فلما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " ان النبي ﷺ كان إذا أراد ان يأكل أو ينام توضأ. يعني وهو جنب " (^٢) . رواه أبو داود.
وأما غيره؛ فبالقياس عليه.
قال في " الإنصاف ": الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم كالجنب، وقبل انقطاعه لا يستحب لهما الوضوء؛ لأجل الأكل والنوم. قاله الأصحاب. انتهى.
وحكم الشرب كالأكل. صرح به في " الرعاية " و" الفروع "
و" الإنصاف ".
(ولا يضر نقضه) أي: نقض الوضوء (بعد) فلا تسن أعادته ان أحدث قبل
ما توضأ لأجله.
قال في " الفروع ": ومن أحدث بعده لم يعده في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفة الحدث أو بالنشاط.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٠٨) ١: ٢٤٩ الموضع السابق.
(٢) أخرجه وداود في " سننه " (٢٢٢) ١: ٥٧ كتاب الطهارة، باب الجنب يأكل.
[ ٣٧٢ ]
فصلى [في حكم الحمام]
(يكره بناء الحمام وبيعه وإجارته) قدمه في " الإنصاف ". ثم قال: وحرمه القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على غير البلاد الباردة.
وقال في رواية ابن الحكم: لا تجوز شهادة من بناه للنساء. انتهى.
(و) تكره (القراءة) في الحمام (والسلام فيه). .
قال في " الإنصاف ": وتكره فيه القراءة نص عليه، ونقل صالح: لا يعجبنى. وقيل: لا تكره.
والصحيح من المذهب: يكره السلام. وقيل لا. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ان ذكر نقل صالح: وظاهره ولو خفض صوته خلافًا
لأبي حنيفة.
(يلا الذكر).
قال في " الإنصاف ": ولا يكره الذكر على الصحيح من المذهب.
قال في " الشرح ": فأما رد السلام فقال أحمد: ما سمعت فيه شيئًا.
وقال ابن عقيل: يكره.
والأولى جوازه من غير كراهة؛ لعموم قوله ﵇: " أفشوا السلام بينكم " (^١) . ولأنه لم يرد فيه نص، والأشياء على الإباحة والله أعلم. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤١٢) ١: ١٦٥. من حديث الزبير بن العوام.
[ ٣٧٣ ]
قال في " الفروع ": وسطحه ونحوه كبقيته ذكره بعضهم، ويتوجه فيه كصلاة.
(ودخوله) أي: الحمام (بسترة مع أمن الوقوع في محرم مباح) نص عليه.
فانه يروى " ان ابن عباس دخل حماما وكان بالجحفة " (^١) . ويروى ذلك عن النبي ﷺ، و" كان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام ". زواه الخلال، ذكره في "الشرح ".
(وان خيف) الوقوع في محرم بدخول الحمام (كره) دخوله.
(وان علم) الوقوع في محرم لجدخول الحمام حرم وكل هذا في حق الرجل،
جزم بالمسالتين في " الرعاية الكبرى " وغيرها.
وأما المرأة فيجوز لها دخول الحمام لعذر؛ كتعذر غسلها ببيتها، أو وجود مرض، أو لخوف ضرر، أو لحيض أو نفاس. ويحرم بدون عذر وهو المراد بقوله: (أو دخلته أنثى بلا عذر حرم).
قال في " الشرح ": لما روي ان رسول الله ﷺ قال: " ستفتح أرض العجم وستجدون فيها حمامات فامنعوا نساءكم إلا حائضا أو نفساء " (^٢) .
وروي " أن عائشة دخل عليها نساء من أهل حمص فقالت: لعلىكن من النساء اللاتي يدخلن الحمامات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترما بينها وبين الله ﷿ " (^٣) . رواهما ابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٦٣ كتاب الحج، باب دخول الحمام في الإحرام وحك الرأس والجسد.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٤٨) ٢: ٢٣٣ ١ كتاب الأدب، باب دخول الحمام، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ولفظه " تفتح لكم أرض الأعاجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجال إلا بإزار، وامنعوا النساء أن يدخلنها، إلامريضة أو نفساء ".
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٥٠) ٢: ١٢٣٤ كتاب الأدب، باب دخول الحمام.
[ ٣٧٤ ]
[باب: التيمم]
(بابٌ) بالتنوين. (التيمم) لغة: القصد. قال الله ﷾: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) [المائدة: ٦] أي: اقصدوا.
وقال امرؤ القيس:
تيممّتِ العين التي عند ضارجٍ يفيء عليها الظلُ عَرْمَضُها طامي (^١)
أي: قصدت.
وأما التيمم في عرف أهل الشرع فهو: (استعمال تراب مخصوص) وهو: ان يكون طهورًا مباحا غير محترق، له غبار يعلق باليد إذا ضرب بها (ل) مسح (وجه ويدين)، لأجل رفع حكم ما يمنع الصلاة من حدث ونجاسة على بدن (بدل طهارة ماء) بالتنوين.
(لكل ما) أي فعل (يفعل به) أي: بالماء. وذلك كالطواف ومس المصحف ونحوهما.
(عند عجز) متعلق باستعمال (عنه) أي: عن الماء (شرعا) أي: من جهة الشرع. فلا يشترط لصحة التيمم: عدم الماء حسا لصحة التيمم في بعض الصور مع وجود الماء.
(سوى نجاسة على غير بدن) مثل: النجاسة على الثوب فانه لا يتيمم لها،
(و) سوى تيمم لأجل (لبث بمسجد لحاجة) إلى اللبث فانه لا يتيمم لذلك. وهذا
_________________
(١) البيت في " لسان العرب " لابن منظور. مادة: عرمض.
[ ٣٧٥ ]
مستثنى من قوله: لكل ما يفعل به.
وأجميعتء على جواز التيمم في الجملة. وسنده الكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقوله تعالي: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيد اطيبا فامسحوا بوجوهكم وأيد يكم منه) [المائدة: ٦].
وأما السنة؛ فلما روي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال:
" كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك ان تصلى؛ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فانه يكفيك " (^١) . متفق عليه.
ولحديث عمار (^٢) وغيره.
(وهو) أي: التيمم (عزيمة) وتقدم الكلام على معناها في مسح الخفين فـ (يجوز بسفر المعصية)؛ كالمسح على الجبيرة فانه لا يجوز تركه. بخلاف الرخصة؛ كالمسح على الخف، والفطر، والقصر في السفر، فانه يجوز له غسل الرجلين والصوم والإتمام في السفر.
(وشروطه) أي شروط التيمم الذي لا يصح بدون واحد منها (ثلاثة):
الأولى: (دخول وقت لصلاة) لمن تيمم لها.
(ولو) كانت الصلاة (منذورة ب) زمن (معين)؛ كما لو نذر ان يصلى ركعتين
من يوم كذا بعد طلوع الشمس بعشر درج (فلا يصح) التيمم لهذه الصلاة قبل دخول الوقت المذكور.
ولا (ل) صلاة (حاضرة، و) لا لصلاة (عيد ما لم يدخل وقتهما) أي: وقت الصلاة الحاضرة وصلاة العيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣٧) ١: ١٣١ كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٨٢) ١: ٤٧٦ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.
(٢) سيأتي ذكر حديث عمار وتخريجه ص (٣٩٠).
[ ٣٧٦ ]
(ولا) يتيمم (لفائتة) من الصلوات المفروضات (إلا إذا ذكرها واراد فعلها.
ولا ل) صلاة (كسوف قبل وجوده، ولا ل) صلاة (استسقاء ما لم يجتمعوا)
أي الناس لها.
(ولا لـ) صلاة (جنازة إلا إذا غسل الميت أو يمم لعذر، ولا ل) صلاة (نفل
وقت نهي)؛ لأن التيمم طهارة ضرورة. فلم تجز قبل الوقت؛ كطهارة المستحاضة. ولأن ما قبل الوقت مستغن عن التيمم فيه فأشبه ما لو تيمم عند عدم العذر.
الشرط (الثاني: تعذر الماء) أي: تعذر استعماله (لعدمه) أي: لعدم الوصول اليه (ولو بحبس) للماء عن المتيمم بوضعه في مكان لا يصلى اليه، أو حبس المتيمم عن الخروج في طلب الماء، (أو قطع عدو ماء بلدة، أو عجز عن تنأولىه) أي: تناول الماء من بئر أو نحوها (ولو بفم؛ لفقد الة) يتناول بها الماء؛ كمقطوع اليدين، وكما لو كانت يداه نجستان وعجز عن تناول الماء بفمه، والماء دون قلتين. وكالصحيح يفقد ما يستقي به من حبل أو دلو أو نحوهما. ولا فرق في ذلك بين كونه مقيما أو مسافرا، سفرا قصيرا أو طويلا. فمن اتصف بصفة من هذه الصفات جاز له ان يتيمم ويصلى؛ لما روى أبو ذر رضي الله تعالى عنه ان رسول الله ﷺ قال: "ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير" (^١) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا عام فى السفر وغيره. ولأنه عادم للماء. أشبه المسافر.
فًا ما الآية فلعلى ذكر السفر فيها خرج مخرج الغالب؛ لكون الغالب ان الماء
انما يعدم فيه، كما ذكر السفر في عدم وجود الكاتب في الرهن وليس بشرط فيه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه ") ١٢٤) ١: ٢١١ أبوابالطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجدالماء.
[ ٣٧٧ ]
وأما تعذر استعمال الماء مع وجوده لعأرض فهو المشار اليه بقوله: (أو لمرض) يعجز معه عن الوضوء بنفسه (مع عدم موضئ) عنده، (أو
خوف فوت الوقب بانتظاره) أي: بانتظار المريض من يوضئه، وكذا لو عجز عن صب الماء على نفسه في الغسل ولم يجد من يصب عليه، (أوخوفه) أي المريض القادر على التوضئ بنفسه أو بموضئ (باستعماله) أي: استعمال الماء (بطء برء) أي: أن يطول مرضه، (أو بقاء) أثر (شين) أي: فاحش في جسده بسبب استعماله الماء.
قال في " الشرح ": واختلفوا في الخوف المبيح للتيمم فروي عن أحمد:
لا يبيحه إلا خوف التلف. وهذا أحد قولي الشافعي. والصحيح من المذهب: انه يباح له التيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تطأولى البرء، أو خاف شيئًا فاحشا، أو الما غير محتمل، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول ى للشا فعي، لعموم قوله تعالى: (وان كنتم مرضى) [المائدة: ٦].
ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله، أو ضررا في نفسه من
لص أو سبع أو لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن مثله. فلأن يجوز ها هنا أولىى. انتهى.
ومما يبيح التيمم أيضًا ما أشير اليه بقوله:
(أو ضرر بدنه) يعني: ان الانسان إذا خاف ضرر بدنه (من جرح) فيه، (أو)
من (برد شديد، أو) خاف (فوت رفقة، أو) فوت (مال) ان تخلف ليتوضأ، (أو) خاف ان تطهر بما معه من الماء (عطش نفسه، أو) عطش (غيره من آدمي أو بهيمة محترمين) احترازا عن نحو الحربي والخنزير والكلب الأسود البهيم، (أو احتياجه) أي: خاف ان توضأبما معه من الماء ان يحتاجه (لعجن أو طبخ). فمن خاف شيئًا من ذلك أبيح له التيمم: أماضرر بدنه من الجرح أو البرد " فلأن الخوف لا يختلف وانما اختلفت جهاته.
وأما خوف فوت الرفقة أو المال إذا تأخر ليتطهر بالماء فقد قال في
" الإنصاف ": لو خاف فوت رفقة ساغ له التيمم.
[ ٣٧٨ ]
قال في " الفروع ": وظاهر كلامه ولو لم يخف ضررًا بفوت الرفقة؛ لفوت
الألف والأنس. انتهى.
وخوف فوت الماء أولى من خوف فوت الرفقة.
وأما خوفه على نفسه أو غيره العطش ان توضأبما معه من الماء فقد قال في
" الشرح ": قال ابن المنذر: أجميع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان المسافر إذا كان معه ماء فخشي العطش انه يبقي ماءه للشرب ويتيمم. منهم على وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد والثوري ومالك والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأي. انتهى.
وأما كونه يتيمم مع وجود الماء المحتاج اليه لعجن وطبخ فنقله في
" الفروع " عن ابن الجوزي واقتصر عليه، وقاله في " الرعاية " بصيغة التمريض وعبارته: وقيل أو احتاجه لطبخ ونحوه. انتهى.
ومما يبيح التيمم أيضًا: لو لم يجد ماء إلا مع من لم يبذله إلا بزيادة كثيرة
عادة على ثمن مثله في ذلك المكان الذي هما به. وهو المشار اليه بقوله:
(أو لعدم بذله إلا بزيادة كثيرة عادة على ثمن مثله في مكانه)؛ لأن عليه في
دفع الزيادة الكثيرة ضررا كثيرا. فلم يلزمه ان يتحمله؛ كضرر النفس.
(ولا إعادة في الكل) أي: في كل ما تقدم من الصور؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته.
(ويلزم) من احتاج الى ماء يتطهر به (شراء ماء و) شراء (حبل ودلو) احتيج اليهما لاستقاء الماء. (بثمن مثل أو زائد) عن ثمن المثل شيئًا، (يسيرا) إذا كان معه ما يشتري به بدليل ما يأتي، (فاضل من حاجته)؛ لأن ى على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الأنتقال الى البدل.
ولأن ضرر الزيادة يسير، وقد اغتفر الضرر اليسير في النفس ففي المال أحر ى.
(و) يلزم أيضًا: (استعارتهما) أي: الحبل والدلو بان يطلبهما ممن هما معه
[ ٣٧٩ ]
على وجه العارية، (وقبولهما عارية) إذا بذلا له على وجه العارية، (و) قبول (ماء قرضا، و) قبوله (هبة) أي: على وجه الهبة، (و) قبول (ثمنه قرضا وله وفاء) بذلك؛ لأن المنة في ذلك يسيرة في العادة فلا يضر احتمالها.
(ويجب) على من معه ما يستغني عن شربه (بذله لعطشان) ولو كان الماء نجسا؛ لأنه انقاذ من هلكة كانقاد الغريق.
(وييمم) عوضا عن غسل (رب ماء مات لعطش رفيقه) كما يتيمم لو كان حيا لذلك. (ويغرم) الرفيق (ثمنه) أي: الماء (مكانه وقت إتلافه) أي: الماء لورثة الميت.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامه في " النهايه ": ان غرمه مكانه فمثله. وقيل: أولىى به. وقيل: رفيقه ان خاف الموت. انتهى.
(ومن أمكنه ان يتوضأ به) أي: بالماء الذي معه (ثم يجميعه) بعد وضوئه به (ويشربه لم يلزمه) لأن النفس تعاف شرب ذلك.
(ومن قدر على) استعمال (ماء بئرب) تدلية (ثوب يبله ثم) يخرجه (يعصره لزمه) ذلك (ما لم تنقص قيمته) أي: الثوب بسبب بله بذلك نقصا (اكثر من ثمن الماء) لو اشتراه فلا يلزمه. وحيث لزمه فانه يفعله (ولو خاف فوت الوقت)؛ لأنه قادر على استعمال الماء. أشبه ما لو كانت الة الاستقاء المعتادة حاضرة عنده.
(ومن) أجنب أو أحدث و(بعض بدنه) الواجب غسله لو كان سليمًا (جريح أو
نحوه) أي: نحو الجريح؛ كمن به قروح ويتضرر باستعمال الغسل في ذلك البعض (ولم يتضرر بمسحه بالماء وجب) المسح (وأجزأ) عن التيمم. نص عليه في المجروح؛ لقوله ﵊: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^١) . ولأنه عجز عن غسله وقدر على مسحه وهو بعض الغسل. فوجب الإتيان
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٢٧٥) رقم (١).
[ ٣٨٠ ]
بما قدر عليه؛ كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر محل الإيماء.
وعنه: أن فرضه التيمم.
وعنه: يجمع بينهما.
(وإلا) أي. وان لم يمكنه المسح من غير تضرر (تيمم له) أي: للجرح ونحوه، (ولما يتضرر بغسله مما قرب) من الجرح؛ لاستوائهما في الحكم.
(وان عجز عن ضبطه) أي: ضبط ما يتضرر بغسله مما قرب من الجرح
(وقدر ان يستنيب) من يضبطه (لزمه) ذلك لتعلق فرض الغسل بما عدا ما يتضرر بغسله (^١)، وان عجز عن الاستنابة أيضًا تيمم وصلى وأجزأه.
(ويلزم من جرحه ببعض أعضاء وضوئه إذا توضأ ترتيب) لوجوبه في الوضوء. (فيتيمم له) أي: للعضو الجريح (عند غسله لو كان صحيحا). فلو كان الجرح في الوجه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه تيمم أولىا ثم أتم الوضوء. وان كان في بعض وجهه خير بين غسل الصحيح منه ثم يتيمم للجرح منه، وبين التيمم ثم يغسل صحيح وجهه ويتمم الوضوء. وان كان الجرح في عضو آخر
لزمه غسل ما قبله، ثم كان فيه على ما ذكرنا في الوجه. وان كان في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله؛ ليحصل الترتيب،
ولو غسل صحيح وجهه ثم تيمم له وليديه تيممًا واحدا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي
إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه اليدين في حالة واحدة.
فان قيل: هذا يبطل بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء جملة واحدة. قلنا: إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها، وان كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض فاعتبر فيه مايعتبر فيما عنه من الترتيب. قاله في "الشرح ".
في ج زيادة: مما قرب من الجرح.
_________________
(١) في ج زيادة: مما قرب من الجرح.
[ ٣٨١ ]
(و) يلزم أيضًا من الجرح ببعض أعضاء وضوئه: (موالاة. فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم). فلو كان الجرح في رأجله فتيمم لها عند غسلها ثم بعد زمن لا تمكن فيه الموالاة خرج الوقت بطل تيممه وبطلت طهارته بالماء أيضًا " لفوات الموالاة فيعيد غسل الصحيح ثم يتيمم عقبه.
وعلم مما تقدم: أن التيمم عن جرح لو كان في غسل جنابة لم تبطل طهارته بالماء بخروج الوقت، لعدم وجوب الترتيب والموالاة فيه.
(ولو وجد) مريد الطهارة (حتى المحدث) حدثا أصغر فقط (ماء) قليلا
إلا يكفي لطهارته استعمله) وجوبًا (ثم تيمم) للباقي من أعضاء طهارته الذى لم يجد له ماء.
ولا يصح تيممه قبل استعماله، لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [المائدة: ٦]، وقوله ﷺ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^١) . رواه البخاري. ولأنه قدر على بعض الشرط. فلزمه فعله، كبعض السترة، وكما لو كان
بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا فانه يلزمه غسل الصحيح.
(ومن) لزمته طهارته وقد (عدم الماء لزمه إذا خوطب بصلاة طلبه)، لأنه
لا أثر لطلبه قبل ذلك.
ويكون طلبه للماء (في رحله) بأن يفتش في رحله ما يمكن أن يكون فيه،
(وما قرب عادة) منه بأن ينظر ورائه وأمامه وعن يمينه وعن شماله، فان رأى خضرة أو شيئًا يدل على الماء قصده فاستبرأه.
(و) يلزمه أيضًا: طلبه (من رفيقه).
وعلم مما تقدم: أنه لو تيمم قبل طلب الماء لم يصح تيممه، لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [١ المائدة: ٦]. ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب " لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٢٧٥) رقم (١).
[ ٣٨٢ ]
ولأن التيمم بدل. فلم يجز العدول إليه قبل الطلب المبدل؛ كالصيام في
الظهار.
ومحل هذا: (ما لم يتحقق عدمه) أي: عدم الماء؛ لأنه لا أثر لطلب شيء
متحقق العدم.
وعلم من ذلك: انه يجب الطلب مع ظن العدم. وعنه: لا يلزمه طلبه ان
ظن عدمه، ذكره في " التبصرة ".
(ومن تيمم) لعدم الماء (ثم رأى ما يشك معه في الماء لا في صلاة بطل
تيممه)؛ لأنه إذا راى خارج الصلاة ركبا يحتمل ان يكون معه ماء أو ما يشك معه
في الماء، من خضرة أو نحوها وجب عليه طلبه، وإذا وجب عليه الطلب بطل
تيممه.
قال في " الفروع ": وقيل: لا؛ كما لو كان في صلاة. جزم به الأصحاب. انتهى.
وأما كون الصلاة لا تبطل إذا وجد ذلك فيها؛ لأنه لا يلزمه طلبه حينئذ.
وحيث لزم عادم الماء طلبه (فان دله عليه ثقة أو علمه قريبا عرفا) منه. (ولم
يخف) بقصده إياه (فوت وقت ولو) كان الوقت الذي يخاف فوته (للاختيار) بان
يظن أنه لا يدرك الصلاة بالوضوءإلا في وقت الضرورة، (أو) لم يخف بقصده
فوت (رفقة، أو عدو، أو مال، أو) لم يخف (على نفسه) ان قصد الماء لصا أو
سبعا أو عدوا ونحو ذلك (ولو) كان المخوف منه (فساقا) يفسقون بطالب الماء.
بشرط أن لا يكون خوفه جبنا. وإلى ذلك أشير بقوله: (غير جبان)، أمامن
خوفه جبنا لا عن سبب يخاف من مثله كالذي يخاف بالليل وليس شيء يخاف منه
فلا التفات لخوفه، ولا يباح له التيمم في هذه الحالة، نص عليه.
(أو) لم يخف على (ماله) ان قصد الماء وترك دابته أو أهله أو ماله: شرود
دابته أو أن يأتي إلى أهله لص أو سبع: (لزمه قصده) أي: الماء ولم يصح تيممه
في هذه الحالة.
[ ٣٨٣ ]
(وإلا) أي: وان لم يلزمه قصده بأن خاف شيئًا مما ذكر (تيمم) وصلى
ولا إعادة؛ لأنه انما ترك استعمال الماء خوف الضرر فكان حكمه حكم المريض.
(ولا يتيمم) أي: ولا يصح التيمم مع وجود الماء، الخوف فوت جنازة) بالوضوء، (ولا) لخوف فوت (وقت فرض إلا هنا) أي: في الصورة المتقدمة وهي ما إذا كان الماء قريبا وخشي ان قصده خروج الوقت قبل وصوله اليه والطهارة به.
(و) إلا (فيما إذا وصل مسافر إلى ماء، وقد ضاق الوقت) عن طهارته به،
(أو) لم يضق الوقت عن الطهارة به ولكن (علم النوبة) أي نوبة استقائه منه (لا تصلى اليه إلا بعده) أي: بعد الوقت: فيصح تيممه حينئذ.
وفي خوف فوت الجنازة رواية يجوز التيمم.
وفي خوف فوت الوقت في الصور المتقدمة وجه: بعدم جواز التيمم.
(ومن ترك ما يلزمه قبوله أو تحصيله من ماء) كما لو وهب له ماء فًابى قبوله، أو دل عليه قريبا فلم يقصده (وغيره) أي غير الماء " كما لو أعير حبلا أو دلوا فأبى قبوله (وتيمم وصلى: أعاد)، لأنه قادر على استعمال الماء من غير ضرر يلحقه. فلم يصح تيممه؛ كالصحيح إذا كان بين يديه ما يملكه وتركه وتيمم.
(ومن خرج) من المصر إلى أرض من أعماله الحرث أو صيد ونحوه)، كاحتطاب (حمله) أي: حمل الماء معه في المنصو ص عن الإمام (ان أمكنه) حمله " لأنه لا عذر له في عدم حمله مع إمكانه. (و) متى حمله وفقده أو لم يحمله وحضرت الصلاة فانه (يتيمم ان فاتت حاجته) التي خرج اليها (برجوعه) إلى المصر ويصلى (ولا يعيد)؛ لأنه أشبه المسافر الخارج إلى قرية أخرى.
وفيه وجه يعيد إلا أن تكون الأرض التي خرج اليها من غير أرض قريبة
فلا إعادة عليه وجها واحدا؛ لأنه مسافر. قاله في " الشرح ".
[ ٣٨٤ ]
(ومن في الوقت) أي: وقت الصلاة الحاضرة (أراقه) أي: الماء (أو مر به وأمكنه الوضوء) منه (ويعلم أنه لا يجد غيره) ولم يتوضأ منه (أو باعه أو وهبه) وقد دخل الوقت ولم يترك منه ما يتطهر به: (حرم) عليه ذلك (ولم يصح العقد) الذي وقع عليه من البيع أو الهبة؛ لأنه تعلق به حق الله تعالى. فلم يصح نقل الملك فيه؛ كالأضحية المعيبة.
(ثم ان) لم يجد غيره و(تيمم وصلى لم يعد)؛ لأنه اصلاة بتيمم صحيح؛ لعدم القدرة على الماء حينئذ. أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. وفيه وجه؛ لأنه فوت على نفسه القدرة على الطهارة بالماء فبقي في عهدة الواجب.
(ومن ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه، أو) ضل (عن موضع بئر كان
يعرفها فتيمم) وصلى قبل أن يجد ماء ضل عنه: (أجزأه) ذلك، ولا تلزمه الإعادة عند وجود ماء ضل عنه؛ لأنه حال تيممه لم يكن واجدا للماء فدخل في عموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [المائدة: ٦].
ولأنه غير مفرط. حتى (ولو بان بعد) أي: بعد أن تيمم وصلى (بقربه بئر خفية لم يعرفها)؛ لعدم تفريطه.
(لا ان نسيه) أي: الماء، (أو جهله بموضع يمكنه استعماله وتيمم) وصلى
فانه لا يجزئه نص عليه؛ لأنها طهارة تجب مع الذكر. فلم تسقط بالنسيان؛ كمصلى ناسيا لحدثه ثم تذكر، و(كمصلى عريانا، ومكفر بصوم ناسيا للسترة والرقبة) فانه لا تصح صلاته ولا يجزئه الصوم والحال ما ذكر.
(ويتيمم) بالبناء للمفعول أى يشرع التيمم (لكل حدث): أماللحدث الأصغر، فبالاتفاق. وأما للأكبر؛ ففي قول أكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ومن وافقه لا يرى التيمم للجنب.
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمها حكم الجنب.
(ولكل نجاسة ببدن) أي: بدن المتيمم.
قال أحمد: هو بمنزلة الجنب يتيمم.
[ ٣٨٥ ]
(لعدم ماء أوضرر) في بدنه.
(ولو من برد حضرا) أي: في الحضر، مع عدم ما يسخن به الماء (بعد تخفيفها) عن بدنه (ما أمكن) بمسح رطبة أو حك يابسة (لزوما) أي: على وجه اللزوم.
(ولا إعادة) عليه. ولا فرق بين كون النجاسة على محل صحيح أو جريح.
قال في " الفروع ": ويتيمم لنجاسة بدن على الأصح خلافًا للأئمة الثلاثة؛ لعدم ماء، أو ضرر، ولا إعادة اختاره الاكثر. وعنه: بل. وعنه: لعدم. انتهى.
ووجه الأولى: قوله ﵊: " الصعيد الطيب طهور المسلم " (^١)، وقوله: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (^٢) .
ولأنها طهارة في البدن تراد للصلاة. فجاز لها التيمم قياسا على الحدث.
ووجه عدم وجوب الإعادة: قوله ﷺ: " التراب كافية ما لم تجد الماء " (^٣)، وقياسا على طهارة الحدث.
وعلم مما تقدم: أنه لا يتيمم للنجاسة على الثوب ولا على المكان.
(وان تعذر) على من أراد الصلاة (الماء والتراب لعدم) كمن حبس بمحل
لا ماء فيه ولا تراب، (أو) لأجل (قروح) في بدنه (لا يستطيع معها مس البشرة) بماء ولا تراب (ونحوها) أي: نحو القروح كالجراحات: (صلى الفرض فقط) أي: دون النوافل (على حسب (^٤) حاله)؛ لأن الطهارة شرط. فلم تؤخر الصلاة
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٣٧٧).
(٢) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٣٢٨) ١: ١٢٨ كتاب التيمم، باب الصلاة على النفساء وسنتها.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٤) ١: ٢١١ أبواب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجدالماء. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (١) ١: ١٨٦: كتاب الطهارة، باب في جواز التيمم لمن لم يجدالماء سنين كثيرة.
(٤) في ج: حساب.
[ ٣٨٦ ]
عند عدمه؛ كالسترة.
(ولا يزيد) ان كان جنبا (على ما يجزئ) في الصلاة.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب فلا يقرأ زائدا على الفاتحة، ولا يسبح زائدا على المرة الواحدة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود وجلوس بين السجدتين، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأول نهض في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الاخير سلم في الحال.
(ولا يؤم متطهرا بأحدهما) أي: لا يؤم هذا المصلى على حسب حاله متوضئا ولا متيمما؛ لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم حدثه.
(ولا إعادة) على هذا المصلى على حسب حاله في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": وهي المذهب. انتهى.
لأنه اتى بما أمر به. فوجب أن يخرج به عن العهدة.
والرواية الثانية: يغيد.
قال في " الفروع ": ولا إعاده. وعنه: بل. نقله واختاره الاكثر وفاقًا
للشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه ولو تيمم في المنصوص.
(وتبطل) صلاة المصلى على حسب حاله (بحدث ونحوه)؛ كطروء نجاسة
لا يعفى عنها على بدنه أو ثوبه (فيها) أي: في الصلاة؛ لأن حدوث المنافي للصلاة فيها يقتضي بطلانها على أي حالة كانت. فوجب وجود مقتضاه وهو البطلان ثم يستأنفها على حسب حاله.
(وان وجد) العادم للماء (ثلجا وتعذر تذويبه مسح به أعضاءه لزوما).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه.
وقيل: لا يلزمه. انتهى.
لأنه ماء جامد قد تعذر أن يستعمل في الطهارة الاستعمال المعتاد وهو
الغسل؛ لعدم ما يذيبه. فوجب ان يستعمل الاستعمال المقدور عليه وهو مسح
[ ٣٨٧ ]
الأعضاء الواجب غسلها به، يؤيد ذلك قوله ﵊: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^١) .
(وصلى ولم يعد) صلاته (ان جرى) أي: الثلج (بمس)، لأنه حينئذ يصيرغسلاخفيفا.
وعلم مما تقدم: أنه إذا لم يجر بمس أن عليه الإعادة ومثله لو صلى
بلا تيمم مع وجود طين يابس عنده؛ لعدم ما يدقه به ليكون له غبار.
(الشرط الثالث) من شروط صحة التيمم: (تراب). فلا يجوز التيمم بالرمل، ولا النورة، ولا الحصى، ولا نحيت الحجارة، ولا ما في معنى ذلك.
(طهور) فلا يجوز التيمم بتراب تيمم به لزول طهوريته باستعماله. وذلك
هو التراب المتناثر من الوجه اليدين بعد مسحهما به والباقي عليهما. ووجه ذلك: أنه تراب مستعمل في طهارة إباحة الصلاة. أشبه الماء المستعمل في الطهارة. وفيه وجه: أما إذا تيمم جماعة من موضع واحد فيجوز بلا خلاف كما إذا توضأ جماعة من حوض واحد يغترفون منه.
(مباح) فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب " كما لا يجوز الوضوء بالماء المغصوب.
قال في " الفروع ": وتراب مغصوب كالماء. وظاهره ولو تراب مسجد وفاقًا للشافعي وغيره، ولعله غير مراد، فانه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد. انتهى.
(غير محترق) فلا يجوز التيمم بما دق من خزف أو نحوه؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(يعلق غباره)؛ لقوله تعالى: فتيممواصعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) [المائدة: ٦]. وما لا غبار له لا يمسح بشيء منه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٢٧٥) رقم (١).
[ ٣٨٨ ]
وشمل ذلك ما لو ضرب على لبد، أو ثوب، أو بساط، أو حصير، أو حائط، أو صخرة، أو حيوان، أو بردعة حمار، أو شجر، أو خشب، أو عدل شعير، أو نحوه مما عليه غبار طهور يعلق بيديه فانه يصح التيمم. وخرج بذلك السبخة ونحوها مما ليس له غباريعلق باليد فانه لا يصح التيمم به.
(فان خالطه) أي: خالط التراب الذي يجوز التيمم به المتقدم وصفه (ذو غبار غيره) لا يجوز التيمم به؛ كالحص والنورة ونحوهما (فكماء) طهور (خالطه) ماء (طاهر) يعني: ان كانت الغلبة للتراب جاز التيمم به، وان كانت الغلبة للمخالط لم يجز التيمم به قياسا على الماء. فأما ان كان المخالط لا غبار له يعلق باليد لم يمنع التيمم؛ لأن أحمد رضي الله تعالى عنه قد نص على جواز التيمم من الشعير؛ وذلك لأنه لا يحصل على اليد منه ما يحول بين غبار التراب وبينها.
فائدتان:
الأولى: قال في " الإنصاف ": أعجب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حمل التراب لأجل التيمم، وعند الشيخ تقي الدين وغيره: لا يحمله.
قال في " الفروع ": وهو أظهر.
قلت: وهو الصواب إذا لم ينقل عن الصحابة ولا غيرهم من السلف فعل
ذلك مع كثرة أسفارهم.
الثانية: لا يجوز التيمم بالطين.
قال القاضي: بلا خلاف.
قال في " الإنصاف ": لكن ان أمكنه تجفيفه والتيمم به قبل خروج الوقت
لزمه ذلك، ولا يلزمه ان خرج الوقت على الصحيح من المذهب. وقيل: يلزمه وان خرج الوقت وهو احتمال في " المغني ". انتهى.
[ ٣٨٩ ]
فصل [في فرائض التيمم]
(وفرائضه) أي: التيمم خمس.
الأولى: (مسح وجهه سوى ما تحت شعر ولو خفيفا، وداخل فم وأنف، ويكره) إدخال التراب في الفم والأنف.
قال في " الإنصاف ": مراده بقوله: مسح جميع وجهه سوى المضمضة والاستنشاق قطعا، بل يكره. انتهى.
(و) مسح (يديه إلى كوعيه) هذا هو الفرض الثانى " لقوله تعالى: (فآمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) [المائدة: ٦].
وإذا علق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع " كقطع السارق، ومس الفرج.
ولما روى عمار قال: " بعثنى النبي ﷺ في حاجة فًا جنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك له فقال: انما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة. ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه " (^١) . متفق عليه.
(ولو أمر المحل) الذي يجب مسحه في التيمم (على تراب) ومسحه به، (أو صمده) أي: نصب المحل الذي يجب مسحه في التيمم الريح فعمه) التراب (ومسحه به: صح) التيمم في الصورتين ان نوى التيمم، كما لو صمد أعضاء الوضوء بعد نيته للمطر حتى جرى الماء على أعضائه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠ ٣٤) ١: ١٣٣ كتاب التيمم، باب التيمم ضربة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦٧) ١: ٢٧٩ كتاب الحيض، باب التيمم.
[ ٣٩٠ ]
(لا ان سفته) أي: سفت الريح التراب على المحل الذي يجب مسحه في التيمم من غير تصميد (فمسحه به) فانه لا يصح التيمم؛ لأن الله ﷾ أمر بقصد الصعيد ولم يوجد.
(وان تيمم) المتيمم (ببعض يده أو) تيمم (بحائل) كخرقة أو نحوها صح لأن الله تعالى أمر بالمسح ولم يعين اليد.
(أو يممه غيره فكوضوء) يعني: أنه صح كما لو وضأه غيره. وتعتبر النية
في المتيمم دون الميمم؛ لأنه الذي يتعلق به الإجزاء والمنع.
(و) الفرض الثالث: (ترتيب.
و) الرابع: (موالاة لحدث أصغر) في المسألتين؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والتراب والموالاة فرضان في الوضوء فكذا في التيمم القائم مقامه.
(وهي) أي: الموالاة في التيمم (بقدرها في وضوء).
قال في " الرعاية ": والموالاة بقدرها زمنا في الوضوء عرفا. انتهى.
(و) الفرض الخامس: (تعيين نية استباحة ما يتيمم له) من صلاة أو طواف أو
غيرهما (من حدث) أكبر، كحيض ونفاس وجنابة، أو أصغر وهو ما أوجب وضوءًا (أو نجاسة) على بدنه. فلو نوى بتيممه رفع الحدث لم يصح تيممه؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ لأن التيمم طهارة ضرورة. فلم ترفع الحدث؛ كطهارة المستحاضة.
ولو اجتمع حدث ونجاسة على بدن وعين بتيممه أحدهما دون الآخر لم يكتف بهذا التيمم. وهذا هو المراد بقوله: (فلا يكفي أحدهما) أي: عن الآخر.
وكذا لو كان عليه حدثان أكبر وأصغر فنوى بتيممه أحدهما لم يجزه عن
الآخر. وهذا هو المراد بقوله: (ولا أحد الحدثين عن الآخر).
وكذا لو كان التيمم عن جرح في عضو من أعضائه فلا بدأن ينوي التيمم عن
[ ٣٩١ ]
غسل ذلك العضو. والأصل في ذلك قوله "ﷺ: " انما الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " (^١) .
(وان نواهما) أي: الحدثين بتيممه الواحد أجزأ عن الحدثين (أو أحد أسباب أحدهما): أي أحد الحدثين كما لو بال ومس ذكره، ولمس امراه لشهوة، ونوى بتيممه أحد هذه الاسباب (أجزأ) هذا التيمم (عن الجمع). أي جميع الأسباب المذكورة.
وكذا إذا وجد منه موجبات للغسل ونوى بتيممه أحدها فانه يجزئ عن جميعها.
(ومن نوى) بتيممه (شيئًا) أي فعل شيء من العبادات التى تشترط لها الطهارة " كالصلاة: (استباحه) أي: استباح ما نواه، (ومثله). فمتى نوى بتيممه فرضا معينا " كظهر أو عصر استباح فعله وفعل مثله؛ كقضاء فائتة.
(ودونه)؛ كفعل صلاة منذورة وراتبة، وطواف، ومس مصحف. (فأعلاه) أي: أعلى ما يستباح بالتيمم: (فرض عين)، كواحدة من الخمس، (ف) يليه
(نذر) أي: ما نذر لله أن يصليه، (ف) فرض (كفآية) " كصلاة العيد، (فنافلة) " كتحية المسجد، (فطواف نفل، فمس مصحف، فقراءة) قرآن، (فلبث) بمسجد ..
أما كونه إذا نوى استباحة الأعلى يستبيح به ما دونه، لأن الأدنى تبع للأعلى
في الاستباحة.
وأما كونه إذا نوى استباحة الأدنى لا يستبيح به الأعلى، لأنه لا يملك ما لم ينوه، ولا متبوعه. وقد قال النبي ﷺ: " وانما لامرئ ما نوى " (^٢) .
(وان أطلقها) أي: أطلق نية الاستباحة (لصلاة أو طواف) بأن لم يعين
_________________
(١) أخرجه البخاري في " ضحيحه " (٦٥٥٣) ٦: ٢٥٥١ كتاب الحيل، باب في ترك الحيل .. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " انما الأعمال- بالنية .. ".
(٢) سبق تخريجه في الحديث السابق.
[ ٣٩٢ ]
فرضهما ولا نفلهما: (لم يفعل) بهذا التيمم (إلا نفلهما)، لقوله ﷺ: " انما الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " (^١) . وهذا ما نوى الفرض فلا يحصل له. وفارق طهارة الماء، لأنها ترفع الحدث المانع من فعل الصلاة فيباج له جميع ما يمنعه الحدث، ولا يلزم استباحة النفل بنية الفرض، لأن الفرض اعلى ما في الباب، فنيته تضمنت نية ما دونه، فإذا استباحه استباح ما دونه تبعا.
(وتسمية فيه) أي: في التيمم (كوضوء) فتجب مع الذكر وتسقط مع السهو.
ولما تم الكلام على النية في التيمم شرع في مبطلاته فقال:
(ويبطل) التيمم (حتى تيمم جنب لقراءة) قرآنا، (ولبث) بمسجد، (و) تيمم (حائض لوطء بخروج الوقت)، لأن التيمم طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة (ك) ما لو تيمم (لطواف، و) صلاة (جنازة، و) صلاة (نافلة ونحوها)؛ كتيممه لسجود شكر، وكذا لو تيمم عن (نجاسة) ببدنه قاله في " الرعاية "، فان التيمم في جميع هذه الصور يبطل بخروج الوقت " لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة. ولو كان في صلاة بطلت. وقيل: لا.
ومحل هذا الخلاف: (ما لم يكن في صلاة جمعة) فانها لا تبطل؛ لأنها لاتنقض.
قال في " الإنصاف ": تنبيه: محل الخلاف في هذه المسألة: إذا كان في
غير صلاة الجمعة، أما إذا خرج وقت الجمعة وهو فيها لم تبطل، ذكره الأصحاب وجزم به في " الفروع " والزركشي وغيرهما. قلت: فيعايى بها. انتهى.
(أو) ما لم (ينو الجمع في وقت ثانية) من يباح له بأن يتيمم في وقت الظهر لصلاتها مجموعة مع العصر جمع تأخير (فلا يبطل) تيممه (بخروج وقت الأولى)
_________________
(١) سبق تخريجه فى الصفحة السابقة.
[ ٣٩٣ ]
التي هي الظهر؛ لأن نية الجمع صيرت الوقتين كالوقت الواحد.
(و) يبطل التيمم أيضًا: (بوجود ماء) مقدور على استعماله من غير ضرر على
ما مر في موضعه.
قال في " الفروع ": وان قدر عليه في تيممه بطل، وكذا بعده قبل الصلاة. ذكره بعضهم إجماعا.
(و) يبطل التيمم أيضًا: بـ (زوال مبيح) للتيمم؛ كما لو تيمم لمرض فعوفي
أو لبرد فزال؛ لأن التيمم طهارة ضرورة فتزول بز وال تلك الضرورة.
(و) يبطل التيمم أيضًا: بـ (مبطل ما تيمم له) من الطهارتين، فيبطل تيممه
عن الوضوء بما يبطل الوضوء من بول ونحوه، ويبطل تيممه للغسل بما يبطل الغسل من خروج مني دفقا بلذة ونحوه.
(و) يبطل التيمم أيضًا: بـ (خلع ما يمسح)؛ كخف وعمامة (ان تيمم وهو عليه).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب المنصو ص عن أحمد في رواية عبد الله على الخفين، وفي رواية حنبل: عليهما وعلى العمامة. انتهى.
وكذا ان انقضت مدة المسح.
(لا) إذا تيمم (عن حيض ونفاس بحدث غيرهما) يعنى: أنه لا يبطل تيمم المرأة التي انقطع عنها دم الحيض لأجل وطء زوجها بحدث غير وجود الحيض، ولا من انقطع دم نفاسها بدون وجود دم النفاس.
قال في " الفروع " وتبعه في " الإنصاف ": فلو تيممت بعد طهرها من
الحيض له ثم أجنبت فله الوطء؛ لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء انما يوجب حدث الجنابة. انتهى.
(وان وجد الماء) من تيمم لعدمه (في صلاة أو طواف بطلا) أي: الصلاة والطواف لبطلان طهارته. فيتوضأ ان كان محدثا، ويغتسل ان كان جنبا ويبتدأ الصلاة.
[ ٣٩٤ ]
(وان) تيمم لعدم الماء وصلى أو طاف ثم وجد الماء بعد ان (انقضيا لم يجب إعادتهما) ولو لم يخرج الوقت. واحتج أحمد " بأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تيمم وهو يرى بيوت المدينة فصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ". فلم يعد.
ﷺ ولأنه أدى فرضه كما أمر. فلم تلزمه الإعادة، كما لو وجد بعد الوقت. ولأن عدم الماء عذر معتاد. فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة " كالمرض، وكما لو وجده بعد الوقت.
(و) ان وجد الماء من تيمم لعدمه وهو (في قراءة، و) كذا ان كان في (وطء، و) كذا ان كان في (نحوهما)، كلبث بمسجد (يجب الترك) أي: ترك القراءة والوطء ونحوهما. والأصل في ذلك قوله ﵊:. " الصعيد الطيب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك " (^١) . أخرجه أبو داود والنسائي.
فهذا يدل بمفهومه على أنه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده.
(ويغسل ميت) يمم لعدم الماء، (ولو صلى عليه) ولم يدفن حتى وجد الماء،) وتعاد) الصلاة عليه ولو كانت الأولى بوضوء.
(وسن لعالم وراج وجود ماء، أو مستو عنده الأمران) وهما الوجود والعدم (تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار)، لقول على رضي الله تعالى عنه في الجنب: " يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت. فان وجد الماء وإلا تيمم ". ولأنه يستحب تأخير الصلاة لإدراك الجماعة فتأخيرها لإدراك الطهارة أولى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٢) ١: ٠ ٩ كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٢) ١: ١٧١ كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، كلاهما من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٣٩٥ ]
وعلم مما تقدم: أنه لو تيمم وصلى أولى الوقت أجزأه ولو وجد الماء بعد ذلك في الوقت؛ لأنه أتى بما أمر في حال العذر. فلا إعادة عليه بزواله؛ كمن صلى عريانا ثم قدر على السترة في أولى الوقت، وكمن صلى جالسا لمرض ثم برا في الوقت.
(وصفته) أى التيمم: (أن ينوي) بالتيمم استباحة ما يتيمم له مع تعيين الحدث الذي يتيمم عنه. (ثم يسمي) ان ذكر التسمية. (ويضرب التراب بيده مفرجتي الأصابع) ليصلى التراب إلى ما بينها (ضربة) واحدة. ولو كان التراب ناعما فوضع يديه على التراب وضعا من غير ضرب فعلق التراب بيديه أجزأه. ثم (يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه). .
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: أن المسنون والواجب ضربة واحدة نص عليه، وعليه جمهور الأ صحاب. انتهى.
قال في " الشرح ": قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله التيمم ضربة واحدة؛ فقال: نعم للوجه والكفين، ومن قال: ضربتين فانما هو شيء زاده. انتهى. والأصل في ذلك ما روى عمار قال: " بعثني النبي ﷺ في حاجة فًا جنبت
فلم أجد الماء. فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة. ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك. فقال: انما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه " (^١) . متفق عليه. ولأنه حكم علق بمطلق اليدين. فلم يدخل فيه الذراع؛ كقطع السارق،
ومس الفرج، وقد احتج ابن عباس بهذا.
فان قيل قد روي في حديث عمار: " إلى المرفقين " (^٢)، فعلى هذه الرواية
يحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٣٩٠).
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٣١٩) ١: ١٧٠ كتاب الطهارة، نوع آخر.
[ ٣٩٦ ]
قلنا: حديث: " إلى المرفقين " لا يعول عليه، انما رواه سلمة، وشك
فيه. ذكر ذلك النسائي، فلا يثبت مع الشك. مع أنه قد أنكر عليه، وخالف به
سائر الرواة الثقات.
(وان بذل) بالبناء للمفعول ماء لأولى جماعة، (أو نذر) ماء لأولى جماعة، (أو وقف) ماء على أولى الجماعة، (أو وصي بماء لأولى جماعة قدم غسل طيب
محرم)؛ لما يترتب عليه من وجوب الفدية بتأخير غسل الطيب من غير عذر.
(ف) ان فضل عن غسل طيب المحرم شيء قدم به غسل (نجاسة ثوب)؛ لوجوب
إعادة الصلاة على من صلى في ثوب نجس لعدم غيره. (ف) ان فضل عن غسل
نجاسة الثوب شيء قدم به غسل نجاسة (بقعة) تعذرت الصلاة في غيرها؛ لأنه
وان لم تجب على المصلى فيها إعادة لا يصح التيمم لها. (ف) ان فضل عن غسل
نجاسة بقعة المصلى شيء قدم به غسل نجاسة على (بدن)؛ لاختلاف العلماء في
صحة التيمم لها بخلاف الحدث. (ثم) ان فضل شيء عن غسل النجاسة على
البدن قدم (ميت) به؛ لأن غسله خاتمة طهارته، والاحياء يرجعون إلى الماء
فيغتسلون.
ولأن القصد بغسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتيمم، والحي يقصد يغسله
استباحة ما هو محرم عليه بدونه وذلك يحصل بالتراب.
(ف) ان فضل عن غسل الميت شيء قدمب به (حائض) انقطع دمها لغسلها من
الحيض؛ لأن حدثها أغلظ من الجنب. بدليل وجوب نقض شعرها للغسل من
الحيض دون الجنابه.
ولأنها تقضي به حق الله تعالى وحق زوجها في إباحة وطئها.
(ف) ان فضل شيء قدم به (جنب) يكفيه الماء لغسله من الجنابة؛ لأن حدث
الجنابة أغلظ من حدث المحدث حدثا أصغر.
ولأنه يستفيد به ما لا يستفيده المحدث به.
(ف) ان فضل عن الجنب شيء توضأبه (محدث إلا ان كفاه) أي: كفى الماء
[ ٣٩٧ ]
لوضوء المحدث (وحده) أي: دون أن يكفي الجنب لغسله (فيقدم) به المحدث
(على جنب)؛ لأن استعماله في طهارة كاملة أولى من استعماله في بعض طهارة.
وان كان الماء لا يكفي الجنب ولا المحدث لطهارة كاملة قدم به الجنب؛ لأنه يستفيد به تطهير بعض أعضائه.
(ويقرع مع التساوي) وهو ما إذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر بأن يجتمع حائضان أو محدثان والماء لا يكفي إلا أحدهما فانه يقرع بينهما. فمن قرع صاحبه قدم به؛ لأنه صار أولى بخروج القرعة له.
(وان تطهر به) أي: بالماء (غير الأولى) به؛ كما لو تطهر به حي مع وجود ميت يحتاجه (أساء) الحي (وصحت) طهارته؛ لأن الأولى لم يملكه بكونه أولى وانما رجح لشدة حاجته.
(والثوب) المبذول للأولى من حي وميت محتاج كل منهما اليه (يصلى فيه) الحي. (ثم يكفن به) الميت جمعا بين المصلحتين. والله ﷾ أعلم.
[ ٣٩٨ ]
[باب: إزالة النجاسة]
هذا (باب) كيفية (إزالة النجاسة الحُكْميَّة) أي: الطارئة على الأعيان الطاهرة، وحكم زوالها، وذكر النجاسات، وذكر ما يعفى عن يسيره منها،
وما يلتحق بذلك.
(يشترط لـ) تطهير (كل متنجس حتى) لو كان المتنجس (أسفل خف، و) أسفل (حذاء) وهو النعل، (و) حتى (ذيل امرأة سبع غسلات).
أما أسفل الخف والحذاء؛ فقياسا على الرجل، وأما الذيل؛ فقياسا على
بقية الثوب.
وأما كون الغسلات سبعا؛ فلما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " أمرنا بغسل الأنجاس سبعا " (^١) . فينصرف إلى أمر النبي ﷺ.
وقياسا على نجاسة الكلب والخنزير تستوعب كل غسلة المحل المتنجس.
وهي كافية (ان أنقت) النجاسة، (وإلاف) يزاد على السبع (حتى تنقى) النجاسة (بماء) متعلق بغسلات، (طهور) صفة للماء يعني: أنه يشترط أن تكون كل غسلة من السبع بماء طهور، فلو كانت إحداهما بغير الماء، أو بماء طاهر غير طهور لم يعتد بها (مع حت وقرص) للمحل المتنجس (لحاجة) إلى شيء من ذلك ولو في كل مرة (ان لم يتضرر المحل) المتنجس بالحت أو القرص، (و) مع (عصر مع إمكان) للعصر (فيما) أي في متنجس (تشزب) النجاسة (كل مرة) من الغسلات، ويكون العصر (خارج الماء، وإلا) أي: وان لم يكن العصر خارج الماء بأن عصر داخل الماء ولو مرات (ف) ذلك (غسلة) واحدة (يبني عليها) أي:
_________________
(١) ر. " إرواء الغليل، ١: ١٨٦.
[ ٣٩٩ ]
يتمم ما بقي من الغسلات السبع، (أو دقه) أي: دق ما تشرب نجاسة، (وتقليبه) ان لم يمكن عصره، (أوتثقيله) كل غسلة حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
(و) يشترط (كون إحداها) أي: أحد الغسلات السبع (في متنجس بكلب،
أو) متنجس (بخنزير، أو) بـ (متولد من أحدهما) أي: الكلب والخنزير (بتر اب طهور). ومحل هذا: إذا كانت النجاسة على غير الأرض. والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب " (^١) . رواه مسلم.
ويشترط كون التراب: (يستوعب المحل؛ إلا فيما يضر) يعني: إلا إذا
كان المتنجس محلا يضره التراب (فيكفي مسماه) أي: مسمى التراب.
قال في " الفروع ": وهل يعتبر استيعاب محل الولوغ به، أم مسمى التراب، أم مسماه فيما يضره، أم ما يغير الماء؛ فيه أوجه. انتهى.
قال في " الإنصاف " عما في المتن: قلت: وهو الصواب. انتهى.
(ويعتبر مائع يوصله) أي: التراب (اليه) أي: إلى المحل المتنجس.
قال في " الفروع ": ذكره أبو المعالي و" التلخيص " وفا قا للشافعي. ريحتمل أن يكفي ذره ويتبعه الماء، وهو ظاهر كلام جماعة، وهو أظهر. انتهى.
(و) الغسلة (الأولى أولى) بجعل التراب فيها.
قال في " الشرح ": والمستحب أن يجعل التراب في الغسلة الأولى لموافقة
لفظ الخبر، وليأتي الماء بعده فينظفه. ومتى غسل به أجزأه؛ لأنه روي في حديث: " إحداهن " (^٢)، وفي حديث: " أولاهن " (^٣)، وفي حديث: " في الثامنة " (^٤) . فيدل على أن محل التراب من الغسلات غير مقصود. انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٧٩) ١: ٢٣٤ كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٧) ١: ١٧٧ كتاب المياه، باب تعفير الاناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه.
(٣) إحدى روايات مسلم قبل السابق.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٨٠) ١: ٢٣٥ كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب.
[ ٤٠٠ ]
(ويقوم أشنان ونحوه) أي: نحو الأشنان، كالصابون والنخالة (مقامه) أي: التراب، لأن هذه الأشياء أبلغ من التراب في الإزالة، فنصه على التراب تنبيه عليها.
ولأنه جامد، أمر به في إزالة النجاسة. فًا لحق به ما يماثله؛ كالحجر في الاستجمار. وفيه وجه: لا يقوم شيء مقام التراب.
(ويضر بقاء طعم) فلا يحكم بطهارة المحل المغسول مع بقاء طعم النجاسة فيه؛ لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته؛ لأنه جزء من أجزاء النجاسة.
قال في " الإنصاف ": ويضر بقاء الطعم على الصحيح من المذهب.
وقيل: لا يضر.
(لا) بقاء (لون أو ريح) للنجاسة (أو هما) أي: اللون والريح (عجزا) عن إزالتهما. فان ذلل لا يضر.
وقيل: يضر بقاؤهما أو أحدهما.
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب يطهر مع بقائهما أو بقاء أحدهما على الصحيح من المذهب، وقال جماعة: يعفى عنه. انتهى.
(وان لم تزل النجاسة) من المحل المتنجس (إلا بملح أو نحوه)؛ كالأشنان
(مع الماءلم يجب) ذلك.
قال في " الفروع ": في ظاهر كلامهم. ويتوجه احتمال. ويحتمله كلام أحمد، وذكره ابن الزاغونى في التراب تقوية للماء.
فعل هذا أثر المداد يلطخ بغسل قصب ثم يحط في الشمس، ثم يغسل بماء وصابون، ويلطخ أثر الحبر بخردل مطحون مجبول بماء، ثم يغسل بماء
وصا بون.
(ويحرم استعمال مطعوم) كالدقيق (في إزالتها)؛ لما فيه من إفساد الطعام بالتنجيس.
(وما نجس) من محل طاهر (ب) إصابة ماء (غسله يغسل) ذلك
[ ٤٠١ ]
المحل (^١) (عدد ما بقي بعدها).، أى بعد تلك الغسلة؛ لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات فطهرت به في مثله قياسا عليه. فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلا غسل ثلاث غسلات إحداهن (بتراب طهور حيث اشترط ولم يستعمل).
وفيه وجه: انما تنجس بما غسله. ولو كانت السادسة يغسل سبعا.
(ويغسل) بالبناء للمفعول (بخروج مذي) من ذكر (ذكر) نائب الفاعل
(وأنثيان).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه، جزم به
ناظم " المفردات " وهو منها، وقدمه ابن تميم و" الفائق " و" الحواشي "، واختاره أبو بكر والقاضي. انتهى.
وفي الغسل تفصيل: أما ما لم يصبه فيغسل (مرة، و) أما (ما أصابه) المذي
من الذكر والأنثيين فيغسل (سبعا) كباقي النجاسات. وما قلنا: أنه يغسل مرة فقيل: لتبريدهما. وقيل: لتلويثهما غالبا؛ لنزوله متسبسبا.
وعنه: لا يغسل إلا ما اصابه المذي من الذكر والأنثيين.
وعنه: يغسل ما أصابه المذي وما لم (^٢) يصبه من الذكر فقط.
(ويجزئ في بول غلام لم يأكل طعاما لشهوة نضحه. وهو غمره بماء)
ولا يحتاج إلى مرس وعصر؛ لما روت أم قيس بنت محصن: " أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه. فدعى بماء فنضحه ولم يغسله " (^٣) . متفق عليه.
وعن لبابة بنت الحارث قالت: " كان الحسين بن على في حجر
_________________
(١) في ج زيادة لفظ: حينئذ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢١) ١: ٩٠ كتاب الوضوء، باب بول الصبيان. وأخرجه مسلم في " صحيحه ﷺ (٢٨٧) ١: ٢٣٨ كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله.
[ ٤٠٢ ]
رسول الله ﷺ فبال عليه. فقلت: البس ثوبا آخر وأعطني إزارك حتى أغسله. قال: انما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر " (^١) . رواه أبو داود.
وعن على رضي اليه تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل. قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام فإذا طعما غسل بولهما " (^٢) . رواه الإمام أحمد.
وقال: الصبي إذا طعم الطعام وأراده واشتهاه غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ساعة يولد، و" النبي ﷺ حنك يالتمر " (^٣) .
(و) يجزئ (في صخر وأجرنة وأحواض ونحوها، وأرض تنجست بمائع
ولو من كلب وخنزير مكاثرتها بالماء حتى يذهب لون نجاسة وريحها)؛ لأن بقاءهما أو بقاء أحدهما يدل على بقاء النجاسة. (ما لم يعجز) عن إذهابهما أو إذهاب أحدهما فلا يضر ذلك- كما تقدم ذلك- في غير الأرض.
ويطهر ما تنجس ببول الصبي الذي لم يأكل الطعام لشهوة بالنضح والأرض النجسة بالمكاثرة بالماء (ولو لم يزل) الماء (فيهما).
قال في " شرح المقنع الكبير ": والدليل على أن الأرض تطهر بذلك
ما روى أنس قال: " جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ. فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فًا ريق عليه " (^٤) .
متفق عليه. ولا نعلم في ذلك خلافا. (ولا يطهر دهن) تنجمس؛ " لأن النبي ﷺ سئل عن السمن إذا وقعت فيه الفأرة ققال: ان كان مائعًا فلا تقربوه " (^٥) . رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٥) ١: ٢ ٠ ١ كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦٣ ٥) ١: ٧٦.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٢٨١٨) ٣: ١٧٥. من حديث أنس ﵁.
(٤) أخرجه البخاري في" صحيحه " (٢١٩) ١: ٨٩ كتاب الوضوء، باب يهريق الماء على البول. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٨٤) ١: ٢٣٦ كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ..
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٨٤٢) ٣: ٣٦٤ كتاب الاطعمة، باب في الفأرة تقع في السمن من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٠٣ ]
ولو كان يمكن تطهيره لم يأمر بإراقته.
(ولا) تطهر (أرض اختلطت بنجاسة ذات أجزاء).
قال في " شرح المقنع الكبير ": فان كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرمم والدم إذا جف والروث فاختلطت بأجزاء الأرض لم تطهر بالغسل؛ لأن عينها لا تنقلب ولا تطهر إلا بإزالة أجزاء المكان بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة. (ولا باطن حب و) لا باطن (اناء وعجين ولحم تشربها) بغسل، لأن الغسل
لا يستًا صل أجزاء النجاسة مما ذكر، (ولا سكين سقيتها) أي: سقيت النجاسة (بغسل) أي: بغسل الحب ولأن والعجين واللحم والسكين.
قال أحمد في العجين: يطعم النواضح ولا يطعم شئ يؤكل في الحال،
ولا يحلب لبنه؛ لئلا يتنجس به ويصير كالجلالة.
(ولا) يطهر (صقيل)؛ كالسيف والمرآة والزجاج (بمسح) له دون أن
يغسله؛ لأنه محل لا تتكرر فيه النجاسة. فلا يكفي فيه المسح كالأوانى.
(ولا) تطهر (أرض بشمس وريح وجفاف)؛ " لأن النبي ﷺ أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوبا من ماء " (^١) . والأمر يقتضي الوجوب. ولأنه محل نجس. . فلم يطهر بغير الغسل؛ كالثياب والأوانى.
(ولا) تطهر (نجاسة بنار فرمادها نجس)، [والأمر يقتضى الوجوب] (^٢)؛ لأنه انما تغيرت هيئة جسمها؛ كالميتة النجسة تصير بتطاول بتطاول ترابا.
(ولا) تطهر النجاسة أيضًا: (باستحالة. قالمتوالد منها)، أي: من النجاسة؛ (كدود جرح، وصراصير كنف) جميع كنيف، أو كالكلاب تلقى في الملاحة فتصير ملحا (نجسة)؛ كالدم إذا استحال قيحا، و" لأن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلالة وألبانها " (^٣) لأكلها النجاسة. فلو كانت النجاسة تطهر
_________________
(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود في " سنته " (٣٧٨٥) ٣: ١ ٣٥ كتاب الاطعمة، باب النهي عن أكل الجلالةوألبانها.
[ ٤٠٤ ]
بالاستحالة لم يؤثر أكلها النجاسة؛ لأنها تستحيل.
(إلا علقة يخلق منها) حيوان (طاهر) فانها تصير طاهرة بعد أن كانت نجسة، (وخمرة انقلبت بنفسها) خلا فانها تطهر.
قال في " شرح المقنع الكبير ": لا نعلم في ذلك خلافا، لأن نجاستها لشدتها المسكره الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها. فوجب أن تطهر " كالماء الذي تنجس بالتغيرات إذا زال تغيره بنفسه. ولا يلزم عليه سائر النجاسات؛ لكونها لا تطهر بالاستحالة، لأن نجاستها لعينها، والخمرة نجاستها بالانقلاب.
(أو) انقلبت خلا (بنقل لا لقصد تخليل) فانها تطهر أيضًا.
وعلم من هذا: أنها لو خللت أو نقلت لقصد التخليل أنها لا تطهر وهو المذهب.
(ودنها) أي: دون الخمر وهو وعاؤها (مثلها) فيطهر بطهارتها.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب مطلقًا وعليه الأصحاب.
قال في " الفروع ": ويتوجه فيما لم يلاق الخل مما فوقه مما أصابه الخمر
في غليانه وجهان.
(كمحتقر) من الأرض فيه ماء كثير حكم بنجاسته بتغيره بها، ثم زال تغيره بنفسه فانه يحكم بطهارته وطهارة محله من الأرض تبعا له. ويلحق بذلك ما بني با لأرض، كا لصهاريج والبحيرات.
(لا اناء طهر ماؤه) فان انائه لا يطهر، لأن الأوانى وان كانت كبيرة لا تطهر
إلا بسبع غسلات.
(ويمنع غير خلال) وهو بائع الخل (من إمساكها) أي: إمساك الخمرة (لتتخلل) أي: لتصير خلا بيد غير الخلال، (ثم ان تخللت) بيد غير الخلال، (أو اتخذ) غير الخلال (عصيرا ليتخمر) أي: ليصير خمرا (فتخلل بنفسه حل) وطهر.
[ ٤٠٥ ]
قال في " الفروع ": على الأصح، والخل المباح: أن يصب على العنب أو على العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي. نقله الجماعة عن الإمام. قيل له: فان صب عليه خل فغلى؛ قال: يهراق.
(ومن بلع لوزا أو نحوه) كبندق (في قشره ثم قاءه أو تحوه) بأن خرج على أية صفة كانت: (لم ينجس باطنه) لصلابة الحائل؛ (كبيض صلق فى خمر) فانه لا يتنجس باطنه.
قال في " الرعاية ": ومن بلع شيئًا طاهرًا ثم قائه أو قذفه ولو بقي استحال؛ كلحم وخبز فنجس، وإلا فطاهر الباطن؛ كجوز ولوز وفستق وبندق. انتهى. (واي نجاسة خفيت) في بدن أو ثوب (غسل) كل محل احتمل أن النجاسة أصابته من البدن أو الثوب (حتى يتيقن غسلها) منه. نص عليه. فان لم يعلم جهتها من البدن أو الثوب بأن لم يعلم هل كانت مما يقع عليه بصره من ذلك أو لا؟ غسله كله. وان علمها في إحدى الكمين ونسيه غسلهما. وان رآها في بدنه أو ثوبه الذي عليه غسل كل ما يدركه بصره من بدنه أو ثوبه. فلو صلى مع وجود النجاسة الخفية في بدنه أو في الثوب الذي خفيت فيه بدون الغسل المذكور لم تصح صلاته؛ لأنه تيقن المانع من الصلاة. فلم تبح له الصلاة إلا بيقين زواله؛ كمن تيقن الحدث وشك في الطهارة ان خفيت النجاسة.
(لا في صحراء ونحوها)؛ كالحوش الواسع فانه لا يجب غسل جميعه؛ لأن ذلك يشق.
(ويصلى فيها بلا تحر)؛ لأنه لو منع من الصلاة في ذلك افضى إلى الحرج والمشقة.
وأما إذا كان المكان التي خفيت فيه النجاسة صغيرا؛ كالبيت والحوش الصغير فانه إذا أراد الصلاة فيه يلزمه غسله كله؛ كالثوب. والله ﷾ أعلم.
[ ٤٠٦ ]
[فصل في الأعيان النجسة]
هذا (فصل) يذكر فيه الأشياء المتفق على نجاستها والمختلف في نجاستها
سوى ما تقدم في باب الآنية، وما يعفى منها عن يسيرها وغير ذلك.
(المسكر): نجس سواء كان خمرًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ انمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠].
ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر. أشبه الدم.
أو كان نبيذًا؛ لأن النبي ﷺ قال:" كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " (^١) . رواه مسلم.
ولأنه شراب فيه شدة مطربه. أشبه الخمر، وكذا الحشيشة المسكرة.
(وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة) أي: في الخلقة نجس فدخل فيما لا يؤكل من الطير سباعها؛ كالعقاب والصقر والحدأة والبومة،
وما يأكل الجيف منها؛ كالنسر والرخم واللقلق وغراب البين والأبقع، ودخل فيما لا يؤكل من البهائم الفيل والبغل والحمار وسباعها مما فوق الهر " كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والدب والقرود، وما تولد بين مأكول وغيره؛ كالسِّمع ولد الضبع من الذئب، والعسبار ولد الذئبة من الذيخ.
وعلم مما تقدم: أن ما دون ذلك في الخلقة طاهر؛ وذلك كالنمس والنسناس وابن
عرس والقنفذ والفأر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٠٠٣) ٣: ١٥٨٨ كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر. . .
[ ٤٠٧ ]
(وميتة غير آدمي، و) غير (سمك، و) غير (جراد، وغير ما لا نفس له
سائلة؛ كالعقرب) نجسة: أما ميتة الآدمى فطاهرة، لأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل، كالحيوانات التي تنجس بالموت. وحكم أجزأء الآدمى وأبعاضه حكم جملته.
وأما ميتة السمك وسائر حيوان البحر مما لا يعيش إلا فى الماء فطاهرة
أيضًا؛ لأنها لو كانت نجسة لم يبح أكلها. وكذا الجراد.
وعلم من هذا: أن ميتة ما يعيش في البحر والبر؛ كالضفدع ونحوه من
بحري محرم له نفس سائلة نجسة.
وأما ميتة ما لا نفس له سائلة، أي: لا دم لها سائل؛ كالعقرب والخنفساء والعنكبوت والذباب والنحل والزنبور والنمل والدود والقمل والصراصر التي لم تتولد من النجاسة ونحوها فانها طاهرة، لقوله ﷺ: " إذا وقع الذباب في اناء أحدكم فليمقله فان في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء " (^١) رواه البخاري.
وفي لفظ: " فليغمسه كله، ثم ليطرحه " (^٢) .
فان قيل: مَقْلُه ليس بقتله.
قلنا: اللفظ عام في كل شراب بارد وحار ودهن مما يموت بغمسه فيه. فلو
كان ينجس الشراب كان أمرًا بإفساده.
(لا الوزغ والحية) فان ميتتهما نجسة، لأن لهما نفس سائلة.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أن الوزع لها نفس سائلة.
نص عليه؛ كالحية. قدمه في " الفروع " واختاره القاضي. انتهى.
(والعلقةُ يخلق منها حيوان ولو) كان ذلك الحيوان (آدميًا أو طاهرًا) نجسة.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٤٢) ٣: ١٢٠٦ كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ..
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٤٥) ٥: ٢١٨٠ كتاب الطب، باب إذا وقع الذباب في الاناء، عن أبي هريرة.
[ ٤٠٨ ]
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب أنها نجسة؛ لأنها دم خارج
من الفرج. انتهى.
(والبيضة تصير دمًا) نجسة.
قال المجد: حكمها حكم العلقة. وأطلق في " الفروع " في نجاستها
وجهين. ثم قال: وذكر أبو المعالي و" التلخيص " نجاسة بيض مذر، واقتصر عليه، ونقل في " الإنصاف " من ابن تميم: أن الصحيح طهارتها.
(ولبن) غير آدمى ومأكول؛ كلبن الهر نجس، (ومني غير آدمى ومأكول) نجس، (وبيضه) أي: بيض غير المأكول نجس، (والقيء) مما لا يؤكل
نجس، (والودي) مما يؤكل نجس وهو ماء أبيض يخرج عقب البول غير لزج، (والمذي) مما لا يؤكل نجس وهو ماء أبيض رقيق لزج؛ كماء السيبسبان يخرج عند مبادئ الشهوة والانعاظ. وهو الانتشار.
(والبول والغائط مما لا يؤكل أو آدمي) نجس.
(والنجسُ منا طاهرٌ منه ﷺ وسائر الأنبياء) صلى الله وسلم عليهم.
(وماء قروح) نجس، (ودم غير عرق مأكول ولو ظهرت حمرته) أي: حمرة
دم العرق المأكول، (و) دم غير (سمك، و) دم غير (بق، و) غير (قمل، و)
غير (براغيث، و) غير (ذباب ونحوها، و) دم غير (شهيد عليه) نجس، (وقيح) نجس، (وصديد نجس).
هذا خبر لجميع ما تقدم ما عدا ما استثني.
(ويعفى في غير مائع، و) في غير (مطعوم عن يسير لم ينقض) الوضوء خروج قدره من البدن (من دم ولو) كان الدم (حيضًا ونفاسًا واستحاضة، و) من (قيح وصديد ولو) كان الدم والقيح والصديد (من غير مصل).
قال في " الفروع ": ويعفى على الأصح عن يسير دم وما تولد منه وفاقًا.
وقيل: من بدنه.
(لا) ان كان الدم أو القيح أو الصديد (من حيوان نجس)؛ كالكلب فانه
[ ٤٠٩ ]
لايعفى عنه؛ لأنه لا يعفى عن يسير شيء من فضلاته؛ كعرقه وريقه فدمه أولى.
(أو) كان من (سبيل) أي: خارجًا من قبل أو دبر فانه لا يعفى عنه؛ لأن
حكم الخارج من السبيل حكم البول والغائط.
(و) يعفى (عن أثر استجمار بمحله).
قال في " شرح المقنع الكبير ": ولا نعلم خلافًا في العفو عنه بعد الانقاء واستيفاء العدد.
(و) يعفى أيضًا: عن (يسير سلس بول)؛ لمشقة التحرز منه.
(و) يعفى أيضًا: عن (دخان نجاسة وغبارها وبخارها ما لم تظهر له) أي:
للدخان أو الغبار أو البخار (صفة) في الشيء الظاهر.
وقال جماعة: ما لم يتكاثف؛ لعسر التحرز عن ذلك.
(و) يعفى أيضًا: عن (يسير ماء نجس بما) أي بشيء (عفي عن يسيره)؛
كالدم ونحوه. (قاله ابن حمدان) في " رعايته ". وعبارته: ويُعفى عن يسير دم كل حيوان طاهر له نفس سائلة يؤكل أو لا يؤكل، وعن دم البق ونحوه ان قلنا:
انه نجس، وعن يسير الماء النجس بما عفي عنه من دم ونحوه في الأصح فيهما. انتهى.
(وأطلقه) أي: أطلق القول بالعفو عن يسير الماء النجس (المنقح) في
" التنقيح " (عنه) أي: عن ابن حمدان. فلم يقيده بماتنجس بما عفي عن
يسيره.
ووجه ذلك: أن كل نجاسة نجست الماء فحكم هذا الماء المتنجس بها
حكمها؛ لأن نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع فيه، فهي فرع فان كانت هذه النجاسة مما يعفى عن يسيرها فيعفى عن يسير هذا الماء وإلا فلا؛ لأن الفرع يثبت له حكم أصله.
(ويُضم) نجس يعفى عن يسيره (متفرق بثوب) واحد؛ كما لو كان بثوب بُقَع
[ ٤١٠ ]
من دم أو قيح، فان كان يصير بضمه كثيرًا منع من الصلاة فيه، (لا) ان كان في ثوبين فـ (أكثر) فانه لا يضم ويكون لكل ثوب حكم نفسه.
(و) يعفى (عن نجاسة بعين)، وقد تقدم عدم وجوب غسلها.
(و) يعفى عن (حمل كثيرها في صلاة خوف) للضرورة.
(وعرق وريق من) حيوان (طاهر) مأكول أو غير مأكول طاهر، (والبلغم) الخارج من الرأس أو الصدر (ولو أزرق) طاهر؛ لما روى مسلم عن أبى هريرة: " أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل عليّ فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فينتخع أمامه. أيجب أن يُستقبل فينتخع في وجهه؟. فإذا انتخع أحدكم فلينتخع عن يساره أو تحت قدمه. فان لم يجد فليقل هكذا.
ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض " (^١) .
ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه.
ولأنه لو كان نجسا لنجس الفم ونقض الوضوء كثيره. ولم ينقل عن الصحابة
رضي الله تعالى عنهم ما يخالف ذلك.
ولأنه منعقد من الأبخرة. أشبه المخاط.
(ورطوبة فرج آدمية) طاهرة، لأن المني طاهر وان كان من جماع، فلو
حكمنا بنجاسة رطوبة فرجها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يتنجس برطوبة فرجها؛ لخروجه منه، وفي ذلك رواية النجاسة.
(وسائل من فم) لآدمي (وقت نوم) طاهر.
قال في " الفروع ": وما سال من الفم وقت النوم طاهر في ظاهر قولهم.
انتهى.
(ودود قز) طاهر. قال بعضهم: بلا خلاف.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ٥٥) ١: ٣٨٩ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن اليصاق في المسجد. .
[ ٤١١ ]
(ومسك وفأرتُه) طاهران وهو سرة الغزال. ولا يضر كونه جزءًا منفصلًا من حيوان حي؛ لأنه ينفصل بطبعه؛ كالجنين.
وقيل: انه من دابة في البحر لها أنياب.
وكذا الزباد طاهر؛ لأنه عرق سنور بري. وقيل: لبن سنور بحري.
وكذا العنبر طاهر. واختلف من أى شيء هو، فقيل: نبات ينبت في قعر
البحر فيبتلعه بعض دوابه فإذا ثملت منه قذفته رجيعًا فيقذفه البحر إلى ساحله.
وقيل: طل ينزل من السماء في جزائر البحر فتلقيه الأمواج إلى الساحل.
وقيل: روث دابة بحرية تشبه البقرة.
وقيل: هو خثاء من خثاء البحر أي: زبد.
وقيل: هو فيما يُظن نبع من عين في البحر.
(وطينُ شارع ظُنت نجاسته طاهر).
قال في " الرعاية ": وطين الشوارع طاهر ان جهل حاله. أومأ إليه أحمد. وعنه: أنه نجس. وقيل: من ظن نجاسته غالبًا ويعفى إذًا عن يسيره في
الأصح. وقيل: ان شق التحرز منه، وترابها طاهر. انتهى.
يعني: أن تراب الشوارع وطينها طاهران على المقدم.
(ولا يكره) استعمال (سؤر طاهر) أي: حيوان طاهر. وسؤره: فضل
ما أكل أو شرب منه.
(غير) سؤر (دجاجة مخلاة).
قال في " الإنصاف ": يكره سؤر الدجاجة إذا لم تكن مضبوطة. نص عليه
قاله ابن تميم وغيره. انتهى.
وقيل: يكره سؤر الكافر. وقيل: يكره سؤر الفأر أيضًا؛ لأنه ينسي.
(ولو أكل هر ونحوه) من الحيوانات الطاهرة كالنمس والفأر والقنفذ،
(أو طفل نجاسة ثم شرب ولو قبل أن يغيب من ماء يسير) أو مائع لم يؤثر، (أو
[ ٤١٢ ]
وقع فيه) أي: في الماء القليل (هر ونحوه مما ينضم دبره إذا وقع في مائع)؛ كالفأر (وخرج حيًا لم يؤثر) ذلك.
قال في " الإنصاف ": فهو طاهر على الصحيح من المذهب. نص عليه. (وكذا) لو وقع (في جامد وهو) أى الجامد: (ما يمنع انتقالها) أي:
النجاسة (فيه) أي: في الجامد لكثافته.
(وان مات) حيوان ينجس بالموت،
(أو وقع ميتًا رطبًا في دقيق ونحوه أُلقيَ
وما حوله) واستعمل الباقي.
(وان اختلط ولم ينضبط حرم) الكل. نقله صالح وغيره. والله أعلم.
[ ٤١٣ ]
[باب: الحيض]
هذا (باب) يذكر فيه حكم الحيض والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بذلك. (الحيض) لغة: السيلان. وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا
ومحيضاٍ، فهي حائض وحائضة. مأخوذ من قولهم: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم وهو الصمغ الأحمر. واستحيضت المرأة استمر منها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة. وتحيضت أي: قعدت أيام حيضها عن الصلاة.
ومن أسمائه: الطمث، والعراك، والضحك، والإعصار، والإكبار،
والنفاس، والفراك، والدراس، وهل المحيض: الحيض؟ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والأذى انما هو الدم وهو الحيض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ﴾
[الطلاق: ٤]، وانما يئسن من الحيض أو المحيض مكان الحيض؛ كالمقيل والمبيت مكان القيلولة والبيتوتة، وما جاء في القرآن يحمل على المجاز: خلاف. وفائدته: أنا إذا قلنا المحيض اسم لمكان الحيض اختص التحريم به، وإذا قلنا: أنه اسم للدم جاز أن ينصرف إلى ما عداه لأجله.
ودم الحيض (دم طبيعة) أي: سجية (وجبلَة) بضم الجيم وكسرها أي:
خلقة جبل الله بناتِ آدم عليها (تُرخيه الرحم). ومخرجه من قعر الرحم.
والرَّحِم بفتح الراء وكسر الحاء، وبكسر الراء مع سكون الحاء: بيت منبت
الولد ووعائه.
(يعتاد) ذلك (أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة). وليس هو بدم فساد بل
[ ٤١٤ ]
خلقه الله تعالى لحكمة غذاء الولد وتربيته؛ لأن المرأة إذا حملت انصرف الدم بإذن الله تعالى إلى غذاء الولد. ولذلك لا تحيض الحامل. فإذا وضعته قَلَبه الله بحكمته لبنًا يتغذى به، ولذلك قلّ أن تحيض المرضع. فإذا خلت عنهما بقي
الدم لا مصرف له فيستقر في مكانه، ثم يخرج في الغالب من كل شهر ستة أيام أو سبعة. وقد يزيد على ذلك وقد ينقص، وقد يطول شهرها وقد يقصر بحسب
ما كتبه الله تعالى في الطباع.
(ويَمنع) وجود الحيض اثني عشر شيئًا: (الغسل له) هذا هو الأول أي:
صحة الطهارة له (لا لجنابة، بل يسن) أن تغتسل للجنابة وهي حائض.
(و) يمنع (الوضوء) المبيح للصلاة ونحوها.
(و). يمنع (وجوب صلاة) زمنه.
قال في " الفروع ": إجماعًا، ولا تقضيها إجماعًا. قيل لأحمد في رواية الأثرم: فان أحبت أن تقضيها؟ قال: لا، هذا خلاف. فظاهر النهي التحريم. ويتوجه احتمال يكره، لكنه بدعة، كما رواه الأثرم عن عكرمة. ولعل المراد:
إلا ركعتي الطواف، لأنها نسك لا آخر لوقته. فيعابى بها.
ويتوجه أن وصفه ﵇ لها بنقصان الدين بترك الصلاة زمن الحيض
يقتضي أن لا تثاب عليها.
ولأن نيتها تركها زمن الحيض، وفضل الله يؤتيه من يشاء. بخلاف المريض
والمسافر. انتهى.
(و) يمنع أيضًا: (فعلها) أي: صحة فعل الصلاة، ولو سجدة تلاوة
لمستمعة لقيام المانع بها.
(و) يمنع أيضًا: (فعل طواف) أي: صحة فعله لقيام المانع بها. وعنه:
يصح وتجبره بدم وفاقًا لأبي حنيفة.
(و) يَمنع أيضًا: فعل (صوم) إجماعًا، لقول النبي ﷺ: " أليست إحداكن
[ ٤١٥ ]
إذا حاضت لم تصم ولم تصلي؛ قلن: بلى " (^١) . رواه البخاري. .
لا وجوبه فتقضي الصوم إجماعًا؛ لما روت معاذة قالت: " سألت عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُوريةٌ أنتِ؟ فقلت: لست بحرورية ولكني أسأل. فقالت:
كنا نحيضُ على عهد رسول الله ﷺ فنؤمرُ بقضاء الصوم ولانؤمر بقضاء الصلاة " (^٢) . متفق عليه.
ويكون قضاؤها بالأمر السابق لا بأمر جديد.
قال في " الفروع ": في الأشهر. انتهى.
(و) يمنع أيضًا: (مس مصحف) وفاقًا؛ لقوله ﷾: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]
(و) يمنع أيضًا: (قراءة قرآن)؛ لقول النبي ﷺ: " لا تقرأ الحائض
ولا الجنب شيئًا من القرآن " (^٣) . رواه أبو داود والترمذي.
قال في " الإنصاف ": مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وقيل: لا يمنع منه. وحكي رواية.
قال في " الرعاية ": وهو بعيد.
(و) يمنع أيضًا: (اللبث بمسجد) وفاقًا؛ لقول النبي ﷺ: " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (^٤) . رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه الجاري في " صحيحه " (٢٩٨) ١: ١١٦ كتاب الحيض، "باب ترك الحائض الصوم، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁
(٢) ٢ اخرجه الجاري في " صحيحه " (٣١٥) ١: ١٢٢ كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٥) ١: ٢٦٥ كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة.
(٣) ٣ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٩) ١: ٥٩ كتاب الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن. وأخرجه الترمذي في " جامعه ") ١٣١) ١: ٢٣٦، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض انهما لا يقرآن القرآن من حديث ابن عمر ﵄
(٤) أخرجه أبو داود فى " سننه " (٢٣٢) ١: ٠ ٦ كتاب الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد
[ ٤١٦ ]
(ولو) كان اللبث (بوضوء).
قال في "الإنصاف ": مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وقيل: لا يمنع إذا توضأت وأمنت التلويب.
و(لا) يمنع الحيض: (المرور) بالمسجد (ان أمنت تلويثه). ونصه في رواية
ابن إبراهيم: تمرّ ولا تقعد.
وقيل: يمنع دخوله. وحكي رواية: كخوفها تلويثه.
(و) يمنع الحيض أيضًا: (وطأً في فرج)؛ إجماعًا لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ
النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(إلا لمن به شَبَقٌ بشرطه). وشرطه: أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف شق أنثييه ان لم يطأ، وأن لا يجد غير زوجته الحائض بأن
لا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمة.
(و) يمنع الحيض أيضًا: (سنة الطلاق)؛ لما روي عن ابن عمر: " أنه طلق امرأته وهي حائض. فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ فقال: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا " (^١) . متفق عليه، ولم يقل البخاري: " أو حاملًا ".
ولأنه إذا طلقها فيه كان محرمًا وهو طلاق بدعة؛ لما فيه من تطويل العدة.
ومحل ذلك: (ما لم تسأله) أي: تسأل المرأة زوجها (خلعًا أو طلاقًا على عوض) ويجيبها؛ لأن المنع لتضررها بتطويل العدة. فاذا سألته ذلك فقد أدخلت الضرر على نفسها.
(و) يمنع الحيض أيضًا: (اعتدادًا بأشهر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فأوجب العدة بالقروء على من تحيض، وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ ان ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في " صجحه " (٤٩٥٤) ٥: ٢٠١١ كتاب الطلاق، باب إذا طلقت الحالض يعتد بذلك الطلاق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٧١) ٢: ١٠٩٥ كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ..
[ ٤١٧ ]
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. يدل على أن شرط الاعتداد بالأشهر عدم الحيض. (إلا) الاعتداد (لوفاة) فانه بالأشهر، ولو أن الزوجة تحيض؛ لقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولم يفصل بين من تحيض ومن لا تحيض، وقد انقضى ما يمنعه الحيض.
وأما الذي يوجبه الحيض فثلاثة أشياء:
الأول: الغسل، وإلى ذلك أشير بقوله: (ويوجب الغسل) عند انقطاع دم
الحيض، لقول النبي ﷺ: " دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلى وصلي " (^١) . متفق عليه.
الثانى: مما يوجبه الحيض: البلوغ. وإلى ذلك الإشارة بقوله:
(والبلوغ)؛ لقول النبي ﷺ: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (^٢) . رواه أحمد وغيره.
فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به.
والثالث: مما يوجبه الحيض: الاعتداد به لغير الوفاة. وهو المشار إليه
بقوله: (والاعتداد به إلا لوفاة). وتقدم الكلام على معنى ذلك.
(ونفاس) مبتدأ (مثله) خبره أي: مثل حيض يمنع ما يمنعه الحيض ويوجب
ما يوجبه. (إلا) في ثلاثة أشياء:
الأول: (في اعتداد)؛ لأن انقضاء العدة يكون بالقرء، والنفاس ليس
بقرء.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه " (٣١٩) ١: ١٢٤ كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلات حيض .. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٤) ١: ٢٦٤ كتاب الحيض، باب المستحاضه وغسلها وصلاتها.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٨٧٥) ٦: ٢١٨.٢ وأخرجه أبو داود في " سننه " (٦٤١) ١: ١٧١ كتاب الصلاة، باب المرأة تصلي بغير خمار. كلاهما من حديث عائشة ﵂. قال الحافظ ابن حجر في " التلخيص " ١: ٢٧٩: أعله الدارقطني بالو قف، وأعله الحاكم بالإرسال.
[ ٤١٨ ]
(و) الثانى: في (كونه) أى النفاس: (لا يوجب بلوغًا)؛ لحصول البلوغ
بالانزال السابق للحمل.
(و) الثالث: في كونه (لا يحتسب به) أي: النفاس (في مدة إيلاء) أي: في
زمن تربص الأربعة الأشهر. بخلاف زمن الحيض فانه محتسب على المولي من الأربعة الأشهر.
(ولا يباح قبل غسل بانقطاع دم) الحيض (غير صوم)؛ لأن وجوب الغسل
لا يمنع فعله؛ كالجنب. (و) غير (طلاق)؛ لأن تحريمه لتطويل العدة بالحيض
وقد زال ذلك.
(ويجوز أن يستمتع) زوج وسيد (من حائض بدون فرج) مما بين سرتها وركبتها. وبهذا قال عطاء وعكرمة والشعبي والثوري وإسحاق.
وعنه: لا يجوز الاستمتاع من الحائض إلا بما عدا ما بين السرة والركبة
وفاقًا للأئمة الثلاثة.
ووجه المذهب: ما روى عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما " في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
أي: اعتزلوا نكاح فروجهن ".
ولأن المحيض: اسم لمكان الحيض؛ كالمقيل والمبيت. فيختص
التحريم بمكان الحيض وهو الفرج. ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ:
" اصنعوا كل شيء إلا النكاح " (^١) . رواه مسلم.
وفي لفظ: " إلا الجماع " (^٢) . رواه أحمد وغيره.
ولأنه وطء منع لأجل الأذى. فاختص بمحل الأذى؛ كالدبر.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٠٢) ١: ٢٤٦ كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ..، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) ٢ أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٧٦ ١) ٣: ١٣٣ ولفظه: " إلا النكاح ". عن انس. ولفظ: " إلا الجماع " أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٦٤٤) ١: ٢١١ كتاب الطهارة، باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها.
[ ٤١٩ ]
وعنه: لا يجوز الاستمتاع من الحائض بما بين السرة والركبة؛ لما روى
عبد الله بن سعد: " أنه سأل رسول الله ﷺ ما يحل من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار " (^١) . رواه أبو داود.
وأجيب: بأنه من رواية حزام بن حكيم وقد ضعفه ابن حزم وغيره. وعلى
تسليم صحته فانه يدل بالمفهوم، والمنطوق راجح عليه.
وما روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " أن النبي ﷺ كان
يأمرنى أن أتزر فيباشرنى وأنا حائض " (^٢)؛ لأنه كان يترك بعض المباح تعذرًا؛ كتركه أكل الضب. ولا شك أن الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز إجماعًا فكذا ما بينهما.
(و) على المذهب (يسن ستره) أى الفرج (إذًا) أي: حين استمتاعه
بما دونه؛ لما روى عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ: " أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها خرقة " (^٣) . رواه أبو داود.
(فان أولج) في فرج حائض (قبل انقطاعه) أي: دم الحيض (من يجامع مثله) حشفته أو قدرها من مقطوعها ولو بحائل (فعليه) أي: المولج (كفارة). وعلى
هذا جمهور الأصحاب.
قال في " الإنصاف ": وعنه: ليس عليه إلا التوبة. وهو قول الأئمة الثلاثة.
وعلى المذهب فالكفارة (دينار أو نصفه على التخيير). نقله الجماعة عن
أحمد؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ: " في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار " (^٤) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٢) ١: ٥٥ كتاب الطهارة، باب في المذي، عن حزام بن حكيم عن عمه وهو عبد الله بن سعد، قلت: وقد أخرج أبو داود ﵀ هذا الحديث في غير موضعه، فقد أدرجه تحت باب: المذي، مع انه أورد أحاديث في هذا الموضوع في باب الرجل يصيب منها دون الجماع.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩٥) ١: ١١٥ كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض. ٢
(٣) ٣ أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٧٢) ١: ٧١ كتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع.
(٤) ٤ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٦٤) ١: ٦٩ كتاب الطهارة، باب في إتيان الحائض وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٦) ١: ٢٤٤ أبواب الفهارة، باب ما جاء في الكفارة في ذلك. وهذا الحديث قد روي بأسانيد كثيرة وألفاظ مختلفة وله نحوا من خمسين طريقأ أو أكثر أشار إليها الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على " الترمذي ". وأخرجه التسائي في " سننه. " (٣٧٠) ١: ١٨٨ كتاب الحيض والاستحاضة، ذكر ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضها مع علمه بنهي الله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٩٥) ١: ٢٨٦.
[ ٤٢٠ ]
فان قيل: يخيربين شيء ونصفه.
قلنا: كما خير المسافر بين القصر والإتمام.
وعنه: أن الكفارة نصف دينار.
وعنه: أن وطئ في إقبال الحيض فدينار، وان وطئ في إدباره فنصف
دينار.
وعنه: أن كان في الدم الأسود فدينار، وان كان في الأحمر فنصف دينار.
وعلى المذهب تجب (ولو) كان الواطئ (مكرها) على الوطء، (أو ناسيًا) للحيض، (أو جاهل الحيض والتحريم)؛ لعموم الخبر، وقياسا على الوطء في
الاحرام.
(وكذا هي) أي وكالرجل المرأة في وجوب الكفارة عليها (ان طاوعته) أى طاوعت الواطئ على الوطء.
(وتجزئ) الكفارة أن أعطاها (إلى) مسكين (واحد؛ كنذر مطلق).
ويستوي في ذلك التبر والمضروب؛ لوقوع الاسم عليه.
(وتسقط) الكفارة (بعجز) عنها.
قال في " المبدع ": على الأصح؛ ككفارة الوطء في نهار رمضان.
(وأقل سن الحيض) أى سن امرأة يمكن أن تحيض فيه (تمام تسع سنين).
فمن رأت دما قبل بلوغ هذا السن لا يكون حيضا.
قال في "الشرح": لا نعلم في ذلك خلافًا في المذهب.
[ ٤٢١ ]
ولأن المرجع في ذلك إلى الوجود، ولم يوجد من النساء من تحيض عادة
فيما دون هذا السن.
ولأن الله ﷾ خلق دم الحيض لحكمة تربية الولد. وهذه
لاتصلح للحمل فلا توجد فيها حكمته. فينتفي، لانتفاء حكمته.
ومن رأت من الدم ما يصلح أن يكون حيضا وقد بلغت هذا السن حكم بكونه
حيضا، وحكم ببلوغها، وثبت في حقها أحكام الحيض كلها، لأنه روي عن
عائشة رضي الله تعالى عنها انها قالت:" إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي
امرأة " (^١)، وروي ذلك مرفوعا من رواية ابن عمر.
والمراد به: أن حكمها حكم المرأة.
وعنه: لا حيض قبل تمام اثنتي عشرة سنة؛ لأنه الزمان الذي يصح فيه بلوغ
الغلام.
قال في " الشرح ": والأول أصح.
(وأكثره) أى أكثر سن تحيض فيه النساء (خمسون سنة) " لقول عائشة
رضي الله تعالى عنها: " إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض ".
وروي عنها أيضًا انها قالت: " لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد
الخمسين ".
وعنه: ستون في نساء العرب.
وعنه: أنها لا تيأس من الحيض يقينا إلى ستين سنة، وما تراه فيما بين
الخمسين والستين حيض مشكوك فيه لا تترك الصلاة ولا الصوم؛ لأن وجوبها
متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضي الصوم المفروض احتياطا.
وعنه: أن تكرر بعد الخمسين فهو حيض، وإلا فلا.
والأول اختيار عامة المشايخ، قاله ابن الزاغونى في " شرحه ".
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ا: ٣١٨ كتاب الحيض، باب السن التي وجدت المرأة حاضت فيها.
[ ٤٢٢ ]
(والحامل لا تحيض) في المنصوص وفاقًا لأبي حنيفة، لما روى أبو سعيد
" أن النبي ﷺ قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض " (^١) . رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي.
فجعل الحيض علما على براءة الرحم فدل على انه لا يجتمع معه.
وقال ﵊ في حق ابن عمر لما طلق زوجته وهي حائض:
" ليطلقها طاهرًا أو حاملا " (^٢) .
فجعل الحمل علما على عدم الحيض؛ كالطهر. احتج به أحمد.
ولأنه زمن لا ترى الدم فيه غالبا. فلم يكن ما تراه حيضا، كالايسة.
قال أحمد: انما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم.
وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة والشعبي وحماد
والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر وأبو عبيد. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وروي عنها أيضًا أنها قالت: " إذا رأت الدم لا تصلي " (^٣) . وهو محمول على ما إذا قاربت الوضع جمعا بين قوليها.
وعنه: انها تحيض.
قال في " الفروع ": وهي أظهر.
وعلى الرواية الأولى التي هي المذهب: إذا رات دما فهو دم فساد،
ولا تترك له الصلاة، ولا يمنع زوجها من وطئها.
ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه. نص عليه.
(وأقله) أي: أقل زمن دم يصلح أن يكون حيضا (يوم وليلة).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه ") ٢١٥٧) ٢: ٢٤٨ كتاب النكاج، باب في وطء السبايا. ١ وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٢٤٤) ٣: ٢٨
(٢) ٢ سبق تخريجه ص:٤١٧)
(٣) ٣ أخرجه الدارمي في " سننه " (٩٢٧) ١: ١٦١ كتاب الصلاة، باب في الحبلى إذا رأت الدم.
[ ٤٢٣ ]
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وعنه: يوم.
(واكثره خمسة عشر يومًا).
قال الخلال: مذهب أبي عبد الله رحمه الله تعالى أن أكثر الحيض: خمسة
عشر يومًا لا اختلاف فيه عنده. ولعله الذي استقر عليه مذهبه. فانه قد روي عنه انه: سبعة عشر يومًا.
والأول موافق لقول علي رضي الله تعالى عنه: " ما زاد على خمسة عشر
استحاضة " (^١)، و" أقل الحيض يوم وليلة " (^٢) .
(وغالبه ست أو سبع)، لقول النبي ﷺ لحمنة رضي الله تعالى عنها:
" تحيضي في علم الله سته أيام أو سبعة ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات " (^٣) .
(وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر) يومًا، لما روى الإمام أحمد
رحمه الله تعالى. واحتج به عن علي رضي الله تعالى عنه: " أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت انها حاضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: قل لي فيها. فقال شريح: أن جاءت ببينة من بطانة أهل ها ممن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك وإلا فهي كاذبة فقال علي: قالون. أي جيد بالرومية " (^٤) .
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: هذا اللفظ لم أجده عن علي، لكنه يخرج من قصة علي وشريح. " تلخيص الحبير ا: ٥. وسوف يأتي ذكر قصة علي وشريح قريبأ.
(٢) ٢ قال ابن حجر: كانه يشير إلى ما ذكره البخاري تعليقًا (١: ١٢٣ - ١٢٤ كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض) عن علي وشريح: انهما جوزا ثلاث حيض في شهر. " للخيص الحبير"ا:٣٠٤.
(٣) ٣ أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٨) ١: ١ ٢٢ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضه انها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٥١٤) ٦: ٤٣٩.
(٤) ٤ أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٤١٨ كتاب العدد، باب تصديق المرأه فيما يمكن فيه انقضاء عدتها. وقد ذكره البخاري في " صحيحه! تعلمقا ا: ١٢٣ كتاب الحيض، باب إذا حاضب في شهر ثلاث حيض
[ ٤٢٤ ]
وهذا لا يقوله إلا توقيفا وهو قوك صمحابي انتشر ولم يعلم خلافه. ووجود
ثلاث حيض في شهر دليل على أن الثلاثة عشر طهريقينا.
قال أحمد: لا يختلف أن العدة تصح في أن تنقضي في شهر إذا فامت به
البينة. وعنه: خمسة عشر يومًا. وعنه: لا توقيت فيه.
(و) أقل ظهر (زمن حيض) أي: في أثناء الحيضة: (خلوص النقاء بأن
لا تتغير معه قطنة احتشت بها).
قال في " الفروع ": نقل بكر: هي طاهر إذا رأت البياض. وذكر شيخنا انه قول أكثر أصحابنا أن كان الطهر ساعة. وعنه: أقله ساعة. وعنه: يوم اختاره الشيخ وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه. انتهى.
(ولا يكره وطؤها) أي: وطء من انقطع دمها في أثناء عادتها واغتسلت
(زمنه) أى زمن ظهرها في أثناء حيضتها؛ لأن الله تعالى وصف الحيض بكونه اذى فإذا انقطع الدم واغتسلت فقد زال الأذى.
وعنه: أن أقل الطهر زمن العادة يوم.
وعنه: يكره الوطء في الطهر زمن الحيض.
(وغالبه) أي: غالب الطهر بين الحيضتين (بقية الشهر) بعد القدر الذي
تجلسه. فمن كانت تحيض في كل شهر ستا أو سبعا، فالغالب أن ظهرها ثلاثة وعشرين يومًا واربعة وعشرين؛ لأن غالب النساء تحيض من كل شهر حيضة. (ولا حد لأكثره) أي: لأكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنه لم يرد لأكثره تحديد من الشرع.
ولأن من النساء من تطهر الشهر والثلاثة والسنة واكثر من ذلك، ومنهن من
لا تحيض أصلا.
***
[ ٤٢٥ ]
فصل [في المبتدأة]
(والمبتدأة بدم أو صفرة أو كدرة) في وقت يمكن أن تحيض فيه (تجلس)
أي: تدع الصلاة والصيام (بمجرد ما تراه) أي: الدم أو الصفرة أو الكدرة (أقله)
أي: أقل الحيض وهو يوم وليلة. (ثم تغتسل وتصلي)، ولاتصلي قبل
اغتسالها، لوجوبه عليها للحيض.
وعلم من هذا: انه لو انقطع لدون أقل الحيض كما لو انقطع لنصف يوم أو
نحو ذلك لم يجب عليها غسل، لأنه لا يصلح أن يكون حيضا.
(فإذا انقطع) بعد ذلك (ولم يجاوز اكثره) أي: أكثر الحيض بأن انقطع لستة
أيام أو سبعة أو نحو ذلك (اغتسلت أيضًا) وجوبًا لصلاحيته لأن يكون كله حيضا. (تفعله) أي: تكرر هذا الفعل وهو جلوسها يومًا وليلة، وغسلها عند آخرهما، وغسلها عند انقطاع الدم (ثلاثًا)، لأن العادة لا تثبت بدون الثلاث على المذهب، لقول رسول الله ﷺ: " دعي الصلاة أيام أقرائك " (^١) . وهي صيغة جمع، وأقله تلاثة.
ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث، كالأقراء في عدة الحرة
والشهور، وخيار المصراة، ومهلة المرتد.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٦) ١: ٩١ كتاب الوضوء، باب غسل الدم. وأخرجه مسلم في " صحمحه " (٣٣٣) ١: ٢٦٢ كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها. ولفظهما: " فإذا أتتك الحيضة فدعي الصلاة ". واما اللفظ الذي ساقه المصنف فقد أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٦) ١: ٢١٢ كتاب الحيض. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى ": ٧: ٤١٦ جماع ائواب عدة المدخول بها، باب من- قال: الأقراء الحيض.
[ ٤٢٦ ]
(فان لم تختلف صار عادة تنتقل إليه). فعلى هذا تجلس جميع زمن الدم
الصالح أيضًا في الشهر الرابع.
(وتعيد صوم رمضان) بأصل الشرع أو بإيجابها عن نفسها (ونحوه)،
كالطواف والاعتكاف الواجبين إذا وقعا (فيه)، لأنا تبينا فعل ذلك في زمن الحيض
الا أن أيست قبل تكراره) ثلاثًا، (أو لم يعد) ولم تيأس فلا تعيده.
وعنه: أن الدم يصير عادة بتكرره مرتين، لأن العادة مأخوذة من المعاودة،
وقد عاودها في المرة الثانية.
فعلى هذا تجلس جميع زمن الدم الصالح حيضا في الشهر الثالث.
ولا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة.
(ويحرم وطؤها) زمن الدم الزائد على اليوم والليلة (قبل تكراره) " لأن
الظاهر انه حيض، وانما امرناها بالعبادة فيه احتياطا لبراءه ذمتها فيجب ترك وطئها احتياطا أيضًا.
(ولا يكره) وطؤها (ان ظهرت) في أثنائه (يومًا فأكثر)، لأنها رأت النقاء الخالص.
ويشترط لحل الوطء: غسلها فبله.
وعنه: يكره الوطء في أثنائه؛ لأنه لا يؤمن معاودة الدم؛ كالنفساء إذا انقطع دمها لأقل من أربعين.
(وان جاوزه) أي: جاوز دم المبتدأة أكثر الحيض (ف) هي (مستحاضة)؛
لأن دمها لا يصلح أن يكون حيضا لمجاوزته أكثر الحيض.
والاستحاضة: سيلان الدم في غير زمن الحيض من العرق العاذل- بالذال المعجمة-. وقيل: بالمهملة حكاها ابن سيده، والعاذر لغة فيه. من أدنى الرحم دون قعره، إذ المرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر. منه الحيض،
وخارج بمنزلة الإليتين. منه الاستحاضة.
[ ٤٢٧ ]
ثم أن المستحاضة لا تخلو من أحد حالين: إما أن تكون مميزة، أو غير مميزة. وأشير إلى المميزة بقوله:
(فما بعضه) أي: بعض دم استحاضتها (ثخين) وبعضه رقيق، (او) بعضه (اسود) وبعضه أحمر، (او) بعضه (منتن) وبعضه غير منتن، (وصلح) الثخين أو الأسود أو المنتن (حيضا) بأن لم ينقص عن يوم وليلة ولم يزد على خمسة عشر يومًا، ولم يكن بين طرفيهما زمن يزيد على أكثر الحيض: (تجلسه) أي: تدع الصلاة والصوم والطواف وكل فعل تشترط له الطهارة زمنه. فإذا مضى اغتسلت وصلت، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسو ل الله! انى أستحاض فلا أظهر. افأدع الصلاة؟ فقال النبي ﷺ: انما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا اقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلى عنك الدم وصلي " (^١) . متفق عليه. وللنسائي وأبي داود: " إذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي فانما هو عرق " (^٢) .
وقال ابن عباس: " اما ما رأت الدم البحرانى فانها تدع الصلاة، انها والله!
ان ترى الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم " (^٣) .
ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل. فرجع إلى صفته عند الاشتباه،
كالمني والمذي.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٤) ١: ١٢٢ كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٣) ١: ٢٦٢ كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها.
(٢) ٢ سبق تخريجه ص: (٣٠٥) رقم (١)
(٣) ٣ أخرجه ابن أبي شيية نحوه في " مصنفه " عن ائس بن سيرين قال: " اشحيضت امرأه من ال أنس فأمروني فسألب ابن عباس فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي. وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل ولتصلي " ١٠: ١٢٨. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٣٤٠ كتاب الحيض، باب المرأه تحيض يومًا وتطهر يومًا. مثله. وذكره أبو داود تعليقًا ١: ٧٥ كتاب الطهارة، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة.
[ ٤٢٨ ]
وحيث صلح زمن الدم الأسود أو الثخين أو المنتن أن يكون حيضا فانها
يجب عليها أن تجلسه، (ولو لم يتوال أو يتكرر). فمن صور عدم التوالي فقط: بأن كانت ترى يومًا أسود ويومًا أحمر إلى خمسة عشر ثم اطيق الأحمر، فانها
تضم الأسود إلى الأسود فيصير زمن الاسود ثمانية أيام من كل شهر فيكون
حيضًا، وزمن الدم الأحمر استحاضة. وكذا لو كانت ترى يومًا اسود ثم تسعة
احمر ثم يومًا اسود ثم ستة (^١) أحمر ثم يومًا أسود ثم اطبق الأحمر خمسة عشريومًا، فانها تضم أيام الأسود الثلاثة إلى بعضها، فيكون حيضها ثلاثة أيام من كل شهر.
ومن صور عدم التكرار: بأن رات في الشهرالأولي خمسه عشريوما أسود ثم
في الشهر الثانى اربعة عشر، ثم فى الشهر الثالث ثاثة عشر يومًا، فتجلس زمن
الدم الأسود فقط من كل شهر وان لم يتكرر.
ومن صور عدم التوالي وعدم التكرار: لو راب فى الشهر الأول يومًاا سود ثم
يومًا أحمر ثم يومين أسود ثم الباقي احمر، وفي الشهر الثانى ثمانية أيام أحمر،
تم يومين اسود ثم ثمانية أيام أحمر ثم يومين اسود ثم الباقي احمر، وفي الشهر الثالث يومين أسود ثم يومين أحمر ثم ثلاثة أسود ثم الباقي أحمر. فانها تجلمس
زمن الدم الأسود حيث وقع ما لم يجاوز أكثر الحيض؛ وذلك لأن التمييز إمارة بمجرده. فلم يحتج إلى ضم غيره إليه؛ كالعادة.
(وإلا) أي: وان لم يكن دم المبتدأة التي جاوز دمها أكثر الحيض متميزا (ف)
انها تجلس (أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر) ذلك في ثلاثة أشهر (فتجلس
من) مثل (اول وقت ابتدائها) من كل شهر ستا أو سبعا بتحر أن علمت وقت ابتداءالدم بها، (او) جلست من (أول) كل (شهر هلالي أن جهلته) أي: جهلت وقت بتداء الدم بها (ستا أو سبعا بتحر)؛ لما روي: " أن حمنة بنب جحش قالت: يا رسول الله! انى أستحاض حيضة شديدة كبيرة قد منعتني الصوم والصلاة.
_________________
(١) ١ في أ: تسعه.
[ ٤٢٩ ]
فقال: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي " (^١) . رواه أحمد وغيره. وعملا بالغالب.
ولأنها ترد إلى غالب الحيض وقتا، فكذا قدرا.
وعنه: تجلس أقل الحيض فقط؛ لأنه المتيقن. وكحالة الابتداء.
وعنه: تجلس أكثر الحيض من كل شهر؛ لأنه زمنه. فإذا رأت الدم فيه جلسته؛ كالمعتا دة.
وعنه: تجلس زمن عادة أقاربها؛ كأمها وأختها وعمتها وخالتها من كل
شهر، وتقدم القربى فالقربى؛ لأن الغالب عليها ان تشبههن. وعلى هذه أن اختلفت عادتهن جلست الأقل من عادتهن وقيل: الأكثر منها وقيل:
تتحرى.
(وان استحيضت من لها عادة جلستها) أي: جلست عادتها ولو كان دمها
متميزا؛ لما روت أم حبيبة: " انها سألت النبي ﷺ عن الدم فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي" (^٢) . رواه مسلم.
وهو عام في كل مستحاضة.
ولأن العادة أقوى؛ لكونها لا تبطل دلالتها. بخلاف اللون فانه إذا زاد على
أكثر الحيض تبطل دلالته.
وعنه: يقدم التمييز. وهو اختيار الخرقي.
ومحل الخلاف إذا خالف التمييز العادة. أما إذا وافق العادة كان العمل بهما
على الروايتين.
ثم العادة على ضربين: متفقة ومختلفة: فالمتفقة أن تكون أياما متساوية؛
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في " جامعه "- (١٢٨) ١: ٢٢١ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة انها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٥١٢) ٦: ٤٣٩.
(٢) ٢ أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٣٤) ١: ٢٦٤ كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها.
[ ٤٣٠ ]
كخمسة في كل شهر. فإذا استحيضت جلستها فقط، وأما المختلفة فان كانت
على ترتيب؛ مثل: أن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثانى أربعه، وفي الثالث خمسه، ثم تعود إلى ثلاثة، ثم إلى أربعة، ثم إلى خمسة على ما كانت: فهذه
إذا استحيضت في شهر فعرفت نوبته عملت عليه ثم على الذي بعده والذي بعده على العادة، وان نسيت نوبته حيضناها اليقين وهو ثلاثة أيام، ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر، وان علمت انه غير الأول وشكت هل هو الثانى أو الثالث؛ جلست أربعة؛ لأنها اليقين، ثم تجلس من الشهرين الأخرين ثلاثة ثلاثة وتجلس في الرابع اربعة؛ ثم تعود إلى الثلاثة كذلك ابدا.
وكذا (لا) تجلس (ما نقصته) عادتها (قبل)؛ كان كانت عادتها خمسة أيام
من كل شهر، ثم صارت تحيض من كل شهر يومين، ثم استحيضت فانها
لا تجلس إلا اليومين التى استقرت عليها عادتها قبل الاستحاضة، ولا يشترط لنقصها تكرار.
وحيث قلنا تجلس عادتها فمحله: (ان علمتها)؛ وذلك أن تعرف شهرها
وهو: ما يجتمع لها فيه حيض وظهر صحيحان، وتعرف وقت حيضها منه وظهرها وعدد أيامها؛ لما روت أم سلمة: " أن امرأة كانب تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فقال: لتنظر الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي اصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي " (^١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
وهذا أحد الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: أن
الحيض يدور عليها.
(وإلا) أي: وان لم تعلم عادتها بأن جهلت شهرها ووقت حيضها وعدد
أيامها (عملت) وجوبًا (بتمييز صالح) لأن يكون حيضا
؛ بأن لا ينقص عن يوم
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٤) ١: ٧١ كتاب الطهارة، باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٦٢٣) ١: ٤ ٠ ٢ كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة.
[ ٤٣١ ]
وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا؛ لما روى أبو داود والنسائى من حديث فاطمة بنت أبى حبيش: " إذا كان دم الحيض فانه دم اسود يعرف فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضئي فانما هو عرق " (^١) .
ولأنها مستحاضة لا تعلم لها عادة. فلزمها العمل بالتمييز؛ كالمبتدأه.
والمذهب (ولو تنقل) التمييز (أو لم يتكرر)؛ كما تقدم في المبتدأة.
(و) المذهب أيضًا أن التمييز (لا تبطل دلالته بزيادة الدمين) اللذين هما
الأسود والأحمر، أو الثخين والرقيق، أو المنتن وغير المنتن (على شهر) أي:
على ثلاثين يومًا بأن كانت ترى عشرة أيام أسود وثلاثين أحمر دائما؛ لأن الأحمر بمثابة الطهر، ولا حد لأكثره فلا يضر ذلك.
(ولا يلتفت لتمييز إلا مع استحاضة)؛ لأنه يجب عليها أن تجلس جميع دم
لم يجاوز أكثر الحيض ولو كان مختلف الصفة لصلاحيته أن يكون حيضا كله. (فان عدم) تمييز دمها مع جهلها عادتها (فمتحيرة)؛ لأنها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز. وهذه (لا تفتقر استحاضتها إلى تكرار).
قال في " الإنصاف "؛ على أصح الوجهين. بخلاف غير المتحيرة على الصحيح. انتهى.
ولهذه التي يسميها الفقهاء متحيرة أحوال:
أحدها: أن تنسى عدد ايامها دون موضع حيضها ولذلك أشير بقوله:
(وتجلس ناسية العدد فقط غالب الحيض) أي: ستا أو سبعا بالتحري (في
موضع حيضها) من اوله، وستأتي الإشارة إلى ذلك في المتن.
وعنه: تجلس فيه أقل الحيض فقط.
(فان لم تعلم إلا شهرها وهو: ما يجتمع) لها (فيه حيض وظهر صحيحان
ففيه) أي: فتجلس فيه ستا أو سبعا) أن اتسع له) أي لهذا القدر. وذلك بأن
_________________
(١) ١ سبق تخريجه، ص: (٣٠٥) رقم (١).
[ ٤٣٢ ]
تقول: كان يتحصل لي حيض وطهر في كل عشرين يومًا فتجلس في أولها ستا أو سبعا بالتحري، ثم تغتسل وتصلي إلى أن تمضي بقية العشرين، ثم تجلس
كذلك أبدا.
(والا) أي: وان لم يتسع لذلك بأن قالت: كان يتحصل لي في كل ستة عشر
يومًا حيض وطهر: (جلست الفاضل بعد أقل الطهر). وقد تقدم أن أقل الطهر
ثلاثة عشر يومًا فيكون الفاضل بعد ذلك من الستة عشر يومًا ثلاثة فتجلسها من اول الستة عشر، ثم تغتسل وتصلي بقية الستة عشر يومًا ثم تجلس ثلاثة ابدا.
الحال الثانى: أن تذكر عدد أيام حيضها وتنسى موضعه وإلى ذلك أشير
بقوله:
(وتجلس العدد به من ذكرته ونسيت الوقت) من أول كل مدة علم الحيض
فيها وضاع موضعه كنصف الشهر الثانى، وان لم تعلم لحيضها مدة بأن كانت
لا تعلم هل كان حيضها في اول الشهر أو وسطه وأخره؟ فانها تجلس العدد من
اول كل شهر هلالي.
الحال الثالث: أن لا تذكر عددا ولا وقتا لحيضها وإلى ذلك أشير بقوله:
(و) تجلس (غالب الحيض من نسيتهما) أي: نسيت العدد والوقت (من أول
كلل مدة علم الحيض فيها وضاع موضعه؛ كنصف الشهر الثانى)، أو نصف
الشهر الأول، أو العشر الأوسط من الشهر. .
(وان جهلت) كون موضعها في شيء من ذلك (فـ) انها تجلس غالب الحيض
(من اول كل) شهر هلالي (كمبتدأة)؛ لأن النبي ﷺ قال لحمنة: " تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي وصلي اربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا
وعشرين ليلة وأيامها وصومي " (^١) . فقدم حيضها على الطهر ثم أمرها بالصلاه
والصوم في بقية الشهر.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٧) ١: ٧٦ كتاب الطهارة، باب من قال: إذا أقيلت الحيضه تدع الصلاة، من حديث عمران بن طلحة بن عبد الله، عن أمه حمنة بنت جحش ﵂.
[ ٤٣٣ ]
وفي ذلك وجه: انها تتحرى فأي وقت أداها اجتهادها إلى الجلوس فيه
جلسته. سواء كان ذلك الوقت من أول الشهر أو وسطه أو اخره.
(ومتى ذكرت) ناسية العادة (عادتها رجعت إليها) فجلستها، لأن ترك
الجلوس فيها انما كان لعارض النسيان وإذا زال العارض رجعت إلى الأصل. (وقضت الواجب زمنها) أي زمن عادتها، (و) قضت أيضًا الواجب (زمن جلوسها في غيرها) أي غير عادتها. فلو كانت عادتها خمسة من آخر العشر الأول فجلست سبعة من أوله ثم ذكرت لزمها قضاء ما تركت من الصلاة والصيام المفروض في الخمسة الأولى، وقضاء ما صامت من الفرض في الثلاثة الأيام الأخيرة؛ لأنها صامتها في زمن حيضها.
(وما تجلسه ناسية) لعادتها (من) حيض (مشكوك فيه كحيض يقينا) أي:
كالحيض المتيقن في أحكامه. (وما زاد) على ذلك أي: على ما تجلسه (إلى أكثره) أي أكثر الحيض من ظهر مشكوك فيه (كطهر متيقن) في أحكامه.
قال في " الرعاية ": والحيض والطهر مع الشك فيهما؛ كاليقين فيما يحل ويحرم ويكره ويجب ويستحب ويباح ويسقط. وعنه: يكره الوطء في طهر مشكوك فيه كالاستحاضة. انتهى.
(وغيرهما) أي: وغير الحيض المشكوك فيه والطهر المشكوك فيه (استحاضة). ووجه ذلك: خبر حمنة، وكالمبتدأة والمعتادة فان الشك قائم في حقهما.
ولأن الاستحاضه تطول مدتها غالبا ولا غاية لانقطاعها تنتظر، فتعظم مشقة
قضاء ما فعلته في الطهر المشكوك فيه من صوم مفروض. بخلاف النفاس المشكوك فيه؛ لأنه لا يتكرر غالبا، وبخلاف ما زاد على الأقل في المبتدأة ولم يجاوز الأكثر، وعلى عادة المعتادة لانكشاف أمره قريبا بالتكرار.
وقيل: تقضي ما صامته فيه.
وقيل: يحرم وطؤها فيه.
[ ٤٣٤ ]
وقيل: به في مبتدأة استحيضت، وقلنا لا تجلس الأكثر.
(وان تغيرت عادة) معتادة (مطلقًا) يعني بزيادة أو تقدم أو تًا خر (فـ) حكم
زمن الدم الزائد على العادة أو المتقدم عليها أو المتأخر عنها (كدم زائد على اقل
حيض من مبتداة في إعادة صوم ونحوه). يعني: انها لا تلتفت إليه حتى يتكرر
ثلاث مرات. فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار وتغتسل عند انقطاعه غسلا ثانيا حيث كان أنفطاعه في زمن ظهر معتاد. فإذا تكرر فقد صار عادة فتعيد ما صامته فيه من فرض وما فعلته من طواف واجب؛ لأنا تبينا انها صامت وطافت في حيض. ولا تقضي الصلاة؛ لأن الحائض لا يلزمها صلاة. وفي ذلك وجه: انها تجلسه من غير تكرار.
(ومن انقطع دمها) في أثناء عادتها اغتسلت وصلت وجوبًا (ثم) أن (عاد) الدم
(في عادتها جلسته)؛ لأنه صادف زمن العادة. فأشبه ما لو لم ينقطع.
وعنه: انه ليس بحيض. وهو ظاهر كلام الخرقي.
(لا ما جاوزها) أي: جاوز العادة، (ولو لم يزد على اكثره) أي: أكثر
الحيض (حتى يتكرر) ثلاث مرات فتجلسه بعد التكرار؛ لأنه قد تبين انه
حيض.
(وصفرة وكدرة في أيامها) أي: أيام العادة (حيض) نص عليه؛ لقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهو يتناول الصفرة والكدرة. و" لأن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيض " (^١) .
(لا) أن وجد شيء من ذلك (بعد) أي: بعد العادة (ولو تكرر) فلا تجلسه.
نص عليه؛ لقول أم عطية: " كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا " (^٢) .
_________________
(١) ١ ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقًا ١: ١٢١ كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره.
(٢) ٢ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٢٠) ١: ١٢٤ كتاب الحيض، باب الصفره والكدره في غير أيام الحيض وأخرجه أبو داود في " سننه " (٧ ٠ ٣) ١: ٨٣ كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر.
[ ٤٣٥ ]
رواه أبو داود والبخاري، ولم يذكر: " بعد الطهر ".
وعنه: أن ذلك حيض أن تكرر.
(ومن) كانت (ترى يومًا أو أقل) من يوم (أو اكثر) من يوم (دما) متفرقا (يبلغ مجموعه) أي: مجموع مما ترى من الدم (اقله) أي: أقل الحيض، (ونقاء متخللا) بين الدماء: (فالدم حيض)؛ لأنه دم في زمن يصلح كونه حيضا. أشبه
ما لو لم يفصل بينهما طهر. والنقاء المتخلل طهر؛ لما تقدم من أن الطهر في أثناء الحيضة صحيح.
(ومتى انقطع قبل بلوغ الأقل وجب الغسل) إذا.
وفيه وجه: لا يحتاج إلى غسل حتى ترى من الدم ما يبلغ أقل الحمض.
وشرط ذلك: أن لا يجاوز مجموعهما أكثر الحيض، (فان جاوز أكثره)
كمن ترى يومًا دما ويومًا نقاء إلى ثمانية عمثر يومًا مثلا (فمستحاضة) ترد إلى عادتها أن كانت لها عادة، وان نسيت عادتها عملت بتمييز صالح أن كان لها تمييز، وان كانت مبتدأة ولا تمييز لها جلست اليقين في ثلاثه أشهر تم تنتقل إلى غالب الحيض.
قال في " الشرح ": وهل تلفق لها السبعة من خمسه عمثر يومًا، أو تجلس أربعة من سبعة؟ على وجهين.
[ ٤٣٦ ]
فصل [في حكم دائم الحدث]
(يلزم كلل من دام حدثه) دائما من مستحاضة ومن به سلس بول أو مذي أو
ريح وجريح لا يرقى دمه ومن به رعاف دائم (غسل المحل) الملوث بالحدث لإزالة ما عليه منه. (وتعصيبه) تعصيبا يمنع الخارج حسب الإمكان من حشو بقطن، وشد بخرقة طاهرة. وتستثفر المستحاضة أن كان دمها كثيرًا بخرقة مشقوقة الطرفين تشدهما على جنبيها ووسطها على الفرج " لأن في حديث:
" لتستثفر بثوب " (^١) .
وقال لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: " أنعت لك الكرسف- يعني:
القطن- تحشين به المكان. قالت: انه أكثر من ذلك قال: تلجمي " (^٢) .
و(لا) يلزم (إعادتهما) أي: إعادة الغسل والتعصيب الكل صلاة أن لم
يفرط)، لأن الحدث مع غلبته وقوته لا يمكن التحرز من خروجه قالت عائشة: " اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأه من ازواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي " (^٣) . رواه البخاري.
(وتتوضأ لوقت كل صلاة أن خرج شيء)، لما روى عدي بن ثابت عن ابيه
عن جده عن رسول الله ﷺ: " في المستحاضة: تدع الصلاة أيام اقرائها، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، وتتوضأعند كل صلاة " (^٤) . رواه أبو داود والترمذي.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨٤) ١: ٧٤ كتاب الطهارة، باب إذا أقبلت الحيضه تدع الصملاة.
(٢) ٢ أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٨) ١: ٢٢١ أبواب الطهارة، باب ما جاء فى المستحاضة انها تجمع يين الصلاتين بغسل واحد.
(٣) ٣ أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٩٣٢) ٢: ٧١٦ كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف المستحاضة.
(٤) ٤ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٨١) ١: ٧٣ كتاب الطهارة، باب في المرأة تستحاض وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦) ١: " ٢٢ أبواب الطهارة، باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ كل صلاة.
[ ٤٣٧ ]
وعن عائشة قالت: " جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكر
خبرها. ثم قال: وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت " (^١) . رواه الإمام- أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنها طهارة عذر وضرورة. فتقيدت بالوقت؛ كالتيمم.
وعلم مما تقدم: انه إذا لم يخرج شيء لم يجب وضوء. نص عليه فيمن به
سلس البول، وانه إذا كان الوضوء قبل الوقت بطل بدخول الوقت أو خرج شيء.
(وان اعتيد انقطاعه) أي: انقطاع الحدث (زمنا يتسع للفعل) أي: فعل
الصلاة المفروضة والطهارة لها (فيه: تعين) فعل العبادة في زمن انقطاع الحدث؛ لأنه قد أمكن الإتيان بالعبادة على وجه لا عذر معه ولا ضرورة. فتعين فعلها على هذا الوجه؛ كمن لا عذر له.
(وان عرض هذا الانقطاع) يعني المتسع لفعل الطهارة والصلاة (لمن عادته الاتصال) أي: اتصال الحدث وهو متوضئ (بطل وضوءه)؛ لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم غير من حدثه دائم.
وعلم مما تقدم: أن الانقطاع زمنا لا يتسع لفعل الطهارة والصلاة لا أثر له.
(ومن) أي: والذي (تمتنع قراءته) في الصلاة قائما لا قاعدا، (أو يلحقه
السلس) في الصلاة (قائما) لا قاعدا: (صلى قاعدا).
ولو كان لو قام وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه: صلى قائما؛ لأن
المستلقي لا نظير له اختيارا.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٩٨) ١: ٨٠ كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من ظهر إلى ظهر. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٥) ١: ٢١٧ أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٦٦٣) ٦: ١٩٤.
[ ٤٣٨ ]
(ومن لم يلحقه) السلس (إلاراكعا أو ساجدا) لا يكفيه الإيماء و(ركع
وسجد). نص عليه كالمكان النجس.
قال في " الفروع ": ويتخرج انه يومئ. وجزم به أبو المعالي" لأن فوات
الشرط لا بدل له.
(وحرم) على زوج (وطء مستحاضة من غير خوف عنت منه أو منها):
أما كون وطئها يحرم مع عدم خوف العنت منه أو منها؛ فلما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها انها قالت: " المستحاضة لا يغشاها زوجها " (^١) .
ولأن بها أذى. فحرم وطؤها، كالحائض.
وأما كونه يباح مع خوف العنت، لأن حكمه أخف من حكم الحيض،
ومدته تطول. بخلاف الحيض.
ولأن وطء الحائض قد يتعدى إلى الولد. بخلاف المستحاضة.
وعنه: أن وطئها مباح مطلقًا. وهو قول أكثر العلماء.
وعنه: انه يكره.
وحيث قلنا: يحرم لا كفاره فيه في الأشهر.
(ولرجل شرب) دواء (مباح يمنع الجماع)، ككافور ونحوه.
(ولانثى شربه) أي: شرب الدواء المباح الإلقاء نطفة).
قال في " الفروع ": ذكره في " الوجيز ". وفي " أحكام النساء "
لابن الجوزي: يحرم انتهى.
(و) لها أيضًا: شرب دواء مباح لأجل (حصول حيض). ذكره الشيخ
تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ".
قال أبو يعلى الصغير: (إلا قرب رمضان لتفطره).
قال في " الانصاف": قلت: وليس له مخالف. والظاهر انه مراد من ذكر المسألة.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٣٢٩ كتاب الحيض، باب صلاة المستحاضة.
[ ٤٣٩ ]
(و) لها أيضًا: شرب دواء مباح (لقطعه) أي: قطع الحيض. نص عليه.
قال في" الفروع ": وقال القاضي: بإذن الزوج؛ كالعزل. يؤيده قول
أحمد في بعض جوابه: المزوجة تستاذن زوجها، ويتوجه يكره. انتهى.
الا فعل الأخير بها) أي: ليس لأحد أن يسقيها دواء لقطع الحيض
(بلا علمها) لإسقاط حقها مطلقًا من الغسل المقصود.
قال في " الإنصاف ": قال في " الفائق ": ولا يجوز ما يقطع الحمل.
ذكره بعضهم.
[ ٤٤٠ ]
فصل [في النفاس]
(النفاس لا حد لأقله). وبه قال الثوري والشافعي؛ لأنه لم يرد في الشرع تحديده فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلا وكثيرا وقد روي: " أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر دما فسميت ذات الجفوف " (^١) .
ولأن اليسير دم وجد عقيب سببه. فكان نفاسا؛ كالكثير. وعنه: أقله
يوم.
(وهو) أي: النفاس (دم يرخيه الرحم مع ولادة وقبلها) أي: قبل الولادة
(بيومين أو ثلاثة بإمارة) متعلق بقوله وقبلها. (وبعدها) أي: بعد الولادة (إلى تمام اربعين) يومًا. اولها (من ابتداء خروج بعض الولد) وهو بقيه الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله.
وأصله لغه: من التنفس. وهو الخروج من الجوف، أو من نفس الله كربته
أي: فر جها.
وعلم من قوله: إلى تمام الأربعين: أن أكثر النفاس أربعون يومًا.
وعنه: ستون.
والأول المذهب.
_________________
(١) ١ ذكر البخاري في " التاريخ الكبير " ٤: ١٩٤ عن موسى بن إسماعيل عن سهم مولى بني سليم " أن ألاته أم يوسف ولدت بمكة فلم تر دمًا. فلقيت عائشة. فقالت: انت امرأة طهرك الله. فلما نفرت وأخرج البيهقي هذا الأثر في " السنن الكبرى " ٢: ٣٤٣ كتاب الحهيض، باب النفاس. من طريق البخاري.
[ ٤٤١ ]
قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي (^١) . قال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس.
(وان جاوزها) أي: جاوز دم النفاس أربعين يومًا (وصادف عادة حيضها ولم يزد) عن العادة. فالمجاوز حيض، لأنه دم في زمن العادة. أشبه ما لو يتصل بزمن النفاس.
(أو زاد وتكرر ولم يجاوز اكثره) أي أكثر الحيض: (فحيض) أي: فالزائد حيض، لأنه دم متكرر في زمن يصلح أن يكون حيضا. أشبه ما لو لم يكن قبله نفاس.
(وإلا) أي: وان جاوز أكتر الحيض تكرر أو لا، (أو لم يصادف) ما جاوز الأربعين (عادة: فاستحاضة) أي: فالدم المجاوز لأكثر الحيض والذي لم يصادف عادة استحاضة.
(ولا تدخل استحاضة في مدة نفاس) كما انها لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى.
(ويثبت حكمه) أي: حكم النفاس (بوضع ما يتبين فيه خلق انسان) نص
عليه. فلو وضدت علقة أو مضغة لاتخطيط فيها لم يثبت لها بذلك حكم النفاس. نص عليه.
وعنه: يثبت بوضع مضغة. وعنه: وعلقة.
(والنقاء زمنه) أي: زمن النفاس (طهر) ولو كان أقل من يوم، كالنقاء زمن عادة الحيض.
وعنه: أن رأت النقاء أقل من يوم لا يثبت لها أحكام الطاهرًات.
(ويكره وطؤها فيه).
_________________
(١) ١ جامع الترمذي " ١: ٢٥٨.
[ ٤٤٢ ]
قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص:
" انها اتته قبل الأربعين. فقال: لا تقربيني " (^١) .
ولأنه لا يؤمن من عود الدم في زمن الوطء. فيكون وطئها في نفاس.
ويجب عليها الصلاة وفعل الصوم المفروض.
وعنه: لا يكره وطؤها فيه. وعنه: يحرم.
(وان عاد الدم في الأربعين أو لم تره) عند الولادة (ثم راته فيها) أي: في الأربعين (فمشكوك فيه) أي: فهذا الدم مشكوك فيه: في كونه دم نفاس، أو دم فساد.
وعنه: هو نفاس.
وعلى المذهب: وهو كونه مشكوكا فيه (تصوم وتصلي) معه؛ لأن سبب العادة متيقن وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه.
(وتقضي الصوم المفروض) ونحوه؛ لأن فعله مع الشك في صحته ليس بمبرئ لما تيقن شغل ذمتها به.
(ولا توطأ) في هذا الدم، كما لا توطا المبتدأة في الدم الزائد على اليوم
والليله قبل تكراره.
(وان صارت نفساء بتعديها) على نفسها بضرب أو شرب دواء أو غيرهما (لم تقض) الصلاة زمن نفاسها.
قال في " الفروع ": والمذهب أن صارت نفساء بتعديها لم تقض؛ لأن
وجود الدم ليس بمعصية من جهتها، فقيل للقاضي وغيره: وخوف التلف في سفر المعصية ليس معصية من جهته؟ فقال: إلا انه يمكنه قطعه، والنفساء
_________________
(١) ١ لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج الدارقطنى في " السنن " عن عثمان بن أبي العاص " انه كان يقول لنسائه: لا تشوفن لي دون الأربعين، ولا تجاوزن الأربعين ". كتاب الحيض (٦٧) ١: ٠ ٢٢. وعنه (٦٨): " انه قال لامرأته لما تعلب من نفاسها وتزينت: ألم أخبرك أن رسول الله ﷺ أمرنا أن نعتزل النفساء أربعين ليلة.
[ ٤٤٣ ]
لا يمكنها؛ كالسكر يعلق عليه حكم سببه وهو الشرب، وان كان حدث بغير فعله، إلا أن سببه من جهته. فهما سواء. كذا قال.
وقال أيضًا: السكر جعل شرعًا كمعصية مستدامة يفعلها شيئًا فشيئًا بدليل جريان الإثم والتكليف.
ولأن الشرب يسكر غالبا. فأضيف إليه؛ كالقتل يحصل معه خروج الروح
فأضيف إليه. انتهى.
(وفي وطء نفساء ما في وطء حائض). نقله حرب. وقاله غير واحد فتلزمه الكفارة الواجبة في وطء الحائض.
(ومن وضعت توأمين) أي: ولدين (فأكثر فأول نفاس واخره من الأول)؛
لأنه دم خرج عقب الولادة. فكان نفاسا؛ كحمل واحد ووضعه.
(فـ) على هذا الو كان بينهما اربعون) فأكثر (فلا نفاس للثانى). نص عليه؛ لأن الولد الثانى تبع للأول. فلم يعتبر في آخر النفاس، كما لا يعتبر في اوله. وعنه: أن آخر النفاس من الولد الأخير. فلو كان بينهما أربعون فأكثر فهما نفاسان. والله أعلم.
[ ٤٤٤ ]