هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام العارية.
وهي مشتقة: من عار الشيء إذا ذهب وجاء. ومنه قيل (^١) للبطال: عيّار؛
لتردده في بطالته، والعرب تقول: أعاره وعاره مثل: أطاعه وطاعه (^٢).
وقيل: إنها مشتقة من العري الذي هو التجرد؛ لتجردها من العوض، كما تسمى النخلة الموهوبة (^٣) عرية؛ لتعريها عنه.
وقيل: من التعاور وهو التناوب (^٤)؛ لجعل المالك للمستعير نوبة في الانتفاع. (العارية) بتخفيف الياء وتشديدها حقيقة: (العين المأخوذة) من مالكها ومالك منفعتها أو مأذونهما (للاتنفاع بها) مطلقًا أو زمنا مقدرا (بلا عوض) من الآخذ لها أو من غيره.
وتطلق كثيرًا على الإعارة مجازًا.
(والإعارة: إباحة نفعها) أي: أن يبيح المعير للمستعير الانتفاع بالعين المعارة (بلا عوض).
وقيل: إنها هبة المنفعة.
والأصل في مشر عيتها الإجماع. وسنده من الكتاب قوله تعالى:
(وتعاونواعلى البر والتقوى)] المائدة: ٢ [. والعارية من البر.
وقوله تعالى:) لاخير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف)
] النساء: ١١٤ [، والعارية من المعروف.
_________________
(١) في أ: وقيل.
(٢) في أ: طاعه وأطاعه.
(٣) في ب: المرهونة.
(٤) في ب: التناول.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
و" قولى تعالى: (ويمنعون الماعون)] الماعون: ٧ [، قال ابن عباس وابن مسعود: العواري " (^١) .
و" فسر العواري ابن مسعود: بالقِدْر والميزان والدلو " (^٢) .
ومن السنة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته في حجة الوداع:
" العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين يقضى، والزعيم غارم " (^٣) . قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وما روى صفوان بن أميه " أن النبي ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصبًا (^٤) يا رسول الله! فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب " (^٥) . رواه أحمد وأبو داود.
ولأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع، ولذلك صحت الوصية
بالأعيان والمنافع.
(وتستحب) الإعارة، لكونها من البر والمعروف.
وقيل: تجب لذم مانعها في الآية.
ولما روى أبو هريره أن النبي ﷺ قال: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم
_________________
(١) أما حديث ابن عباس فقد أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه " (١٠٦١٩) ٢: ٤٢٠ كتاب الزكاة، قوله تعالى: (ويمنعون الماعون). وأما حديث ابن مسعود فسيأتي في الحديث التالي.
(٢) عن عبد الله قال: " كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عَوَرَ- أي عارية- الدلو والقدر ". أخرجه أبو داود في " سننه " (١٦٥٧) ٢: ١٢٤ كتاب الزكاة، باب في حقوق المال.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٦٥) ٣: ٢٩٦ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١٢٠) ٤ ة ٤٣٣ كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث. عن أبي أمامة الباهلي. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٩٨) ٨٠١: ٢ كتاب الصدقات، باب العارية.
(٤) في ب: أغصب.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٦٢) ٣: ٢٩٦ كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية. وأخرجه اخمد في " مسنده " (٢٧٦٧٤) ٦: ٤٦٥
[ ٦ / ٢٤٤ ]
لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قَرْقر تطؤه ذاتُ الظلف بظلفها، وتنطحه ذاتُ القرن. ليس فيها يومئذ جمَّاء ولا مكسورة القرن. قلنا: يارسول الله! وما حقها؟ قال: إعارةُ دلوها وإطراقُ فحلها " (^١) . رواه أحمد ومسلم.
ورُد الاستدلال بالآية على وجوبها: بأن المفسرين اختلفوا في الماعون على خمسة تأويلات:
أحدها: ما تقدم.
والثانى: أنه الزكاة. وهو قول ابن عمر والحسن وزيد بن أسلم وعلي بن عمرو.
والثالث: أنه المعروف. وهو قول محمد بن كعب القرظي.
والرابع: أنه المال بلسان قريش. وهو قول ابن المسيب والزهري.
والخامس: أنه المنافع. وهو قول أبي جعفر الحميري.
فلا تكون نصًا في العارية.
وبأن الحديث معارض بقوله ﷺ: " إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت
ما عليك ". رواه ابن المنذر.
وبما روي عنه ﷺ أنه قال: " ليس في المال حق سوى الزكاة " (^٢) .
وبأن في " حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ: ماذا فرض الله علي من الصدقة أو من الزكاة؟ قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع شيئا " (^٣) . أو كما قال.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٩٨٧) ٢: ٦٨١ كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٩٦٥) ٢: ٣٨٣
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٦٦٠٦٥٩) ٣: ٤٨ كتاب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقًا سوى الزكاة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٧٨٩) ١: ٥٧٠ كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنز.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٦) ١: ٢٥ كتاب الايمان، باب الزكاة من الإسلام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١١) ١: ٤٠ كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
[ ٦ / ٢٤٥ ]
(وتنعقد) الإعارة (بكل قول أو فعل يدل عليها)؛ كأعرتك هذه الدابة،
أو اركبها إلى كذا، أو خذها تحتك، أو استرح عليها ونحو ذلك. وبدفعه دابته لرفيقه عند تعبه، وتغطيته بكسائه إذا راه برد ونحو ذلك؛ لأنها من البر. فصحت بمجرد الدفع؛ كدفع الصدقة.
ومتى ركب الدابة أو استبقى الكساء عليه كان ذلك قبولا لها.
قال في " الترغيب ": يكفي ما دل على الرضى من قول أو فعل. فلو سميع
من يقول: أردت من يعيرنى كذا فأعطاه كفى؛ لأنه إباحة لا عقد. نقله عنه في "الفروع " واقتصر عليه.
(وشُرط) لصحة الإعارة أربعة شروط:
أحدها: (كون عين) معارة (منتفعا بها مع بقائها)؟ كالدور والرقيق والدواب واللباس والأوانى. بخلاف ما لا يُنتفع به إلا مع تلف عينه، كالأطعمة والأشربة ونحوها. لكن إن أعطاها بلفظ الإعاره، فقال ابن عقيل: احتمل أن تكون إباجة الانتفاع على وجه الإتلاف. ذكره عنه المجد في " شرح الهداية "، واقتصر عليه.
(و) الثاني: (كون معير أهلا للتبرع شرعا)؛ لأن الإعارة نوع من التبرع لكون منه ما هو إباحة عين؛ كالإذن في أكل الطعام، والإعارة إباحة منفعة. (و) الثالث: كون (مستعير أهلا للتبرع له) بتلك العين المعارة، بأن يكون يصح منه قبول هبة تلك العين المعارة " لأن الإباحة شبيهة بالهبة (^١) . (وصح في) إعارة (مؤقتة شرط عوض معلوم، وتصير إجارة).
قال ابن رجب: قاعدة فيما (^٢) إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: فيها.
[ ٦ / ٢٤٦ ]
موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟ فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟. ويتخرج على ذلك مسائل:
منها: لو أعاره وشرط عليه العوض هل يصح أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض، فيملكه بالقبض إذا كان مكيلًا أو موزونًا. ذكره أبو الخطاب في " انتصاره " وكذلك ذكر القاضي في " خلافه " وأبو الخطاب في موضع من " رؤوس المسائل ": أنه يصح عندنا شرط العوض في العارية، كما يصح شرط العوض (^١) في الهبة؛ لأن العارية هبة منفعة ولا تفسد بذلك، مع أن القاضي قرر (^٢) أن الهبة المشروط فيها العوض ليست بيعًا، وإنما الهبة تارة تكون تبرعًا وتارة تكون بعوض. وكذلك العتق، ولا يخرجان عن موضوعهما فكذلك العارية، فهذا مأخذٌ آخر للصحة.
والوجه الثانى: أنها تفسد بذلك. وجعله أبو الخطاب في موضع آخر المذهب؛ لأن العوض يخرجها عن موضوعها.
وفي " التلخيص ": إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه فهي إجارة فاسدة غير مضمونة، وهذا رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر، والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإما لعدم تقدير المنفعتين، وعليه خرجه الحارثي. انتهى.
فعلم من ذلك: أن الراجح من الوجهين: أن الفساد؛ لعدم تقدير المنفعين.
فإذا أُقتت العارية وكان العوض معلوما كانت إجارة صحيحة. والله أعلم. (وإعارة نقد، ونحوه)؛ كالمكيلات وسائر الموزونات (لا لما يستعمل
فيه) المعار، (مع بقائه)؛ كما لو استعار النقد لينفقه أو المكيل أو الموزون ليأكله: (قرض)؛ لأن هذا معنى القرض. فانعقد القرض به؛ كما لو صرح به.
_________________
(١) في ج: التعو يض.
(٢) في ج: قرار.
[ ٦ / ٢٤٧ ]
قال في " الفروع ": وفي " الانتصار " لفظ العارية في الأثمان قرض.
وفي " المغني ": إن استعارها للنفقة فقرض.
وقيل: لا يجوز.
ونقل صالح: منحة لبن هو العارية، ومنحة ورق هو القرض.
وذكر الأزجي خلافا في صحة إعارة دراهم ودنانير للتجمل والزينة. انتهى. وعلم مما تقدم أن استعارة ذلك لما يستعمل فيه مع بقائه؛ كالوزن والتحلي ليست بقرض.
(و) الشرط الرابع: (كون نفع) في العين المعارة الذي أباحه له المعير (مباحًا) شرعا للمستعير؛ لأن الإعارة إنما تبيح له ما أباحه له الشارع، فلا يصح أن يستعير إناء من أحد النقدين ليشرب فيه، ولا حليًا محرمًا على رجل ليلبسه، ولا قنًا مسلما ليخدم كافرا، ولا أن يستعير أمة ليطأها ونحو ذلك. وحيث أبيح النفع صحت الاستعارة من أجله.
(ولو لم يصح الاعتياض عنه) يعني: أنه لا يشترط في صحة إعارة عين كونها تصح إجارتها؛ (كـ) استعارة (كلب لصيد، وفحل لضِراب)؛ لأن نفعهما في ذلك مباح، ولا محظور في إعارتهما لذلك؛ لأن المنهي عنه هو العوض المأخوذ عن ذلك.
" ولأن النبي ﷺ ذكر في حق الإبل والغنم والبقر إطراق فحلها " (^١) .
(وتجب إعارة مصحف لمحتاج لقراءة: إذا عدم) مصحفًا (^٢) (غيره).
قال ابن رجب: نقله القاضي في " الجامع الكبير " واقتصر عليه. وخرج ابن عقيل وجوب الإعارة أيضا في كتب للمحتاج إليها من القضاة والحكام وأهل الفتاوى.
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه ص (٢٤٥) رقم (١).
(٢) في أ: مصحف.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
(وتكره إعارة أمَة جميلة لذكر غير مَحْرَم) مطلقًا.
وقيل: إن خلا بها أو نظر إليها.
وقيل: يحرم.
قال في " التنقيح ": وهو أظهر. ولا سيما لشاب (^١) خصوصا العزب. انتهى.
لأنه لا يؤمن عليها.
ومتى وطئها كان زانيًا وعليه الحد إن علم التحريم ولسيدها المهر. سواء طاوعته أو أكرهها. وإن كان جاهلا فلا حد ويلحقه النسب.
قال المجد: قاله اصحابنا. وعندي: أن مدعي الجهل لا يقبل منه إلا إذا
كان مثله يجهله، فإن الجهل بذلك نادر. انتهى.
وعلم مما تقدم إباحة إعارة الشوهاء والكبيرة التي لا يشتهى مثلها لذكر غير محرم. وهو المذهب.
وقيل: يكره أيضًا.
وظاهر ما تقدم أيضًا إباحة إعارة الأمة مطلقًا لمحرمها وللمرأة؛ لأنه مأمون عليها عندهما. وهو المذهب.
وقيل: يكره.
وفي " الترغيب ": إلا البرزة.
(و) تكره (استعارة اصله)؛ كأبيه وأمه وجده وجدته وإن علوا
(لخدمته)؛ لأنه يكره أن يستخدم أصله فكرهت استعارته كذلك.
(وصح رجوع معير) في عارية (ولو قبل أمدٍ عيّنه. لا في حال يستضر به) بالرجوع في تلك الحال (مستعير).
أما كون المعير يملك الرجوع متى شاء؛ فلأن المنافع المستقبلة لم تحصل
في يد المستعير. فلم يملكها بالإعارة؛ كما لو لم تحصل العين في يده.
_________________
(١) في ج: الشاب.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
ولأن المنافع إنما تستوفى شيئا فشيئا، فكلما استوفى منفعة فقد قبضها، والذي لم يستوفه لم يقبضه. فجاز الرجوع فيه؛ كالهبة قبل القبض.
وعنه: إن عين مدة تعينت.
وعنه: ومع إطلاقه لا يرجع قبل انتفاعه.
قال القاضي: القبض شرط في لزومها، وقال: يحصل بها الملك مع
عدم قبضها.
وأما كونه لا يملك الرجوع في حال يستضر المستعير برجوعه فيه؛ فلما فيه
من الضرر الذي أمر الشارع بإزالته.
ولا أجرة لمعير لما يستقبل من الزمان من حين رجوعه إلى أن يزول ضرر المستعير؛ لأنه ليس له الرجوع في عين المنفعة. فلم يملك طلب بدلها؛ كالعين الموهوبة.
(فمن أعار سفينة لحمل، أو أرضًا لدفن ميت أو زرع: لم يرجع حتى ترسى) السفينة (أو يبلى) الميت.
وقيل: ويصير رميما.
وقيل: بل تخرج عظامه ويأخذ أرضه.
(أو يحصد) الزرع عند أوانه.
فإن بذل له المعير قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نصًا؛ لأن له وقتًا (^١) ينتهي إليه.
(إلا أن يكون) الرجوع في حال (يحصد) فيها الزرع (قصيلًا) أي: أخضر قبل أوان حصاده فإن على المستعير قطعه في وقت جرت العادة بقطعه فيه؛ لعدم الضرر إذًا.
(وكذا حائط) أعير (لحمل خشب لتسقيف أو سترة) فإنه. ليس لمالك
_________________
(١) في أوب: وقت.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
الحائط أن يرجع في إعارتها (قبل أن يسقط) الخشب " لأن ذلك يراد للبقاء.
ولما فيه من دخول الضرر على المستعير بقلعه.
فإن قال المعير للمستعير: أنا أدفع لك قيمة ما ينقص بالقلع لم يلزم المستعير ذلك؛ لأنه إذا فعله انقلع ما في ملك المستعير منه.
ولا يجب على المستعير قلع شيء من ملكه بضمان القيمة. وفيه وجه.
(فإن سقط) الخشب عن الحائط (لهدم أو غيره: لم يعد إلا بإذنه) أي:
إذن المعير. ولو كان السقوط بسبب هدم الحائط وقد أعيدت بآلتها " لأن العارية ليست بلازمة. وإنما امتنع الرجوع قبل سقوطه " لما فيه من الضرر بالمستحير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال.
وقيل: له إعادته بدون إذنه. وصححه الحارثي. وقال: إنه اللائق (^١) بالمذهب، لأن السبب مستمر فكان الاستحقاق مستمرًا.
والمذهب: أنه متى زال الخشب ولو مع بقاء الحائط بحاله لم يملك إعارته
إلا بإذن المعير (أو عند الضرورة)، بأن لا يمكنه تسقيف إلا به؛ لوجوبه عليه إذًا. ومحل ذلك: (إن لم يتضرر الحائط). وتقدم معنى ذلك في باب الصلح.
(ومن أعير أرضا لغرس أو بناء، وشرط) على المستعير (قلعه) أي: قلع
ما يغرسه أو يبنيه (بوقت) معين (أو) بـ (رجوع: لزم) المستعير إذا بنى أو
غرس في الأرض قلع غرسه وبنائه (عنده) أي: عند الوقت الذي ذكراه أو عند رجوع المعير.
] وظاهره: ولو لم يأمره المعير [(^٢) بالقلع؛ لقوله ﷺ: " المؤمنون على شروطهم" (^٣) . قال في " الشرح ": حديث صحيح.
_________________
(١) في أ: لائق.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٢) ٣: ٦٣٤ كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس.
[ ٦ / ٢٥١ ]
ولأن العارية مقيدة. فلم تتناول ما عدا المقيد؛ لأن المستعير دخل في العارية راضيًا بالتزام الضرر المدخل عليه بالقلع.
وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه.
قال في " الشرح ": ولا نعلم في هذا خلافا.
(لا تسويتها) يعني: إذا حصل حفر في الأرض بسبب قلع المستعير غرسه
أو بناءه منها: لم يلزمه تسويتها (بلا شرط) عليه؛ لأن المعير رضي بضرر القلع من الحفر ونحوه باشتراطه على المستعير.
إلا أن يشترط على المستعير تسوية الأرض أيضا. فتلزمه؛ لدخوله على ذلك. وقيل: تلزمه التسوية باشتراط القلع.
(وإلا) أي: وإن لم يشرط المعير على المستعير قلع غرسه أو بنائه بوقت شرط عليه أو عند رجوعه وأبى المستعير القلع: لم يجبر عليه؛ لأن غراسه أو بناءه إنما حصل بإذن رب الأرض ولم يشترط عليه قلعه. فلم يلزمه؛ لدخول الضرر عليه بنقص قيمته بذلك.
ولأن العارية عقد إرفاق ومعونة، وإلزامه بالقلع مجانًا يخرجه إلى حكم العدوان والضرر.
قال المجد في " شرح الهداية ": ومتى أمكن القلع من غير نقص أجبر عليه المستعير. هذا مذهب الشافعي. وهو ظاهر (^١) كلام أبي الخطاب. وكلام القاضي في "المجرد " يقتضي: أنه لا يجبر على القلع. وهو عندي مما لا وجه له. انتهى.
ومتى لم يمكن القلع من غير نقص (فلمعير أخذه) أي: أخذ الغرس أو البناء بأن يتملكه (بقيمته) تملكًا قهريًا؛ كالشفيع مع مشتري النقص. ولو مع دفع المستعير قيمة الأرض؛ لأنها أصل والغراس والبناء تابع. بدليل تبعهما لهما في البيع دون تبعها لهما.
_________________
(١) في أ: ظاهر وهو.
[ ٦ / ٢٥٢ ]
(أو قلعه) أي: الغراس. أو البناء. (ويضمن) المعير (نقصه) الحاصل بالقلع؛ لأن ما يخاف من ضرر المستعير بنقص قيمة غرسه أو بنائه بقلعه قد زال ببذل القيمة أو الأرش.
(ومتى اختاره) أي: اختار القلع مستعير مع بذل المعير القيمة ولم يكن القلع مشروطا عليه: (سواها) أي: جمان على المستعير تسوية الحفر الحاصلة في الأرض بسبب القلع؛ لأنه خلص ملكه من ملك غيره من غير إلجاء. فكان مأخوذًا بنقصه؛ كالشفيع إذا أخذ غرسه أو بناءه.
(فإن أباهما معير) بأن قال: لا آخذه بالقيمة ولا أعطي أرش النقص الحاصل بالقلع، (و) امتنع (المستعير من) دفع (أجرة) أي: أجرة غرسه أو بنائه، (و) من (قلع: بيعت أرض بما فيها إن رضيا أو) رضى به (أحدهما، ويجبر الآخر) بطلب من رضي؛ لأن ذلك طريق إلى تخليص كل واحد منهما من مضاررة الآخر وتحصيل ماليته.
(و) إذا أبيعا (دفع لرب الأرض) من الثمن (قيمتها فارغة، والباقي) من الثمن (للآخر) وهو رب الغراس أو البناء.
(ولكل) من ربّ الأرض وصاحبه (بيع ماله منفردًا) من صاحبه أو من غيره.
وقيل: لا يصح البيع من المستعير لغير المعير.
(ويكون مشتر كبائع) فيما تقدم.
(وإن أبياه) اي: أبى المعير والمستعير البيع (تُرك) الغراس أو البناء (بحاله) في الأرض حتى يتفقا؛ لأن الحق لهما.
وقيل: يبيعهما الحاكم.
(ولمعير) مع تبقيه الغراس أو البناء (الانتفاع بأرضه)؛ لأنه يملك عينها ومنفعتها (على وجه لا يُضَرُّ بما فيها) من غرس المستعير وبنائه؛ لاحترامهما بإذن المعير في وضعهما.
(ولمستعير) غارس (الدخول لسقي وإصلاح وأخذ ثمر)؛ لأن الإذن في
[ ٦ / ٢٥٣ ]
فعل شيء إذن فيما يعود بصلاحه.
(لا) الدخول (لتفرج، ونحوه)؛ كمبيت فيها لا يعود بصلاجح ماله؛ لأن
ما لا يعود بصلاح ماله ليس بمأذون فيه.
(ولا أجرة) على مستعير لمعير (منذ رجع) أي: من حين رجع إلى حين زوال ضرر المستعير حيث كان الرجوع يضر به إذًا، ولا إذا أجر لغرس أو بناء إلى حين تملكه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه أو بقائه إذا أبى المعير ذلك إلى أن يتفقا؛ لأنه لا يملك الرجوع في عين المنفعة فيما إذا أضر (^١) بالمستعير إذا. فلا يملك طلب بدلها، كالعين الموهوبة.
ولأنه فيما إذا لم يأخذ الغرس أو البناء بقيمته أو بقلعه مع ضمان نقصه كان إبقاوه في أرضه من جهته. فلا يملك طلب المستعير بالأجرة كما قبل الرجوع. (إلا في الزرع) أي: إلا إذا أعاره أرضا ليزرعها وزرع ثم رجع قبل أوان حصاده وهو لا يحصد قصيلًا، فإن له أجرة مثل الأرض المعارة من حين رجع إلى حين الحصاد؛ لوجوب تبقيته في أرض المعير إلى أوان حصاده قهرًا عليه؛ لكونه لم يرض بذلك. بدليل رجوعه.
ولأنه لا يملك أن يأخذ الزرع بقيمته؛ لأن له أمدًا ينتهي إليه وهو قصير بالنسبة إلى الغرس فلا داعي إليه.
ولا أن يقلعه ويضمن نقصه، لأنه لا يمكن نقله إلى أرض أخرى. بخلاف الغرس وآلات البناء.
ولأن المستعير إذا اختار قلع زرعه ربما يفوت على المالك الانتفاع بأرضه في ذلك العام فيحصل له بذلك ضرر، فتعين أن يبقى بأجرة مثله إلى حصاده جمعا بين الحقين.
وقال المجد: يبقى إلى الحصاد بلا أجرة.
قال في " القواعد ": ويشهد له ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وأطلق
_________________
(١) في أوب: ضر.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
الوجهين في الزرع وغيره في " الفائق ". وخرجه بعضهم في الغرس والبناء فقط، وخرجه بعضهم في الجميع، وجزم به في " التبصرة " بوجوب الأجرة في مسألة السفينة إذا رجع وهي في لجة البحر، واختار أبو محمد يوسف الجوزي وجوبها فيما سوى الأرض للدفن.
(وإن غرس) مستعير (أو بنى) فيما استعاره لغرس أو بناء (بعد رجوع،
أو) بعد (أمدِها) أي: بعد أمد ذكر (في مؤقتة) ولو لم يصرح بعده بالرجوع؛ لأن الإذن في الانتفاع إذا وُقّت (^١) بزمن تقيد به: (فغاصب) أي: يكون حكمه حكم غرس الغاصب أو بنائه؟ لأنه تصرف في مال غيره بغير إذنه. أشبه ما لو قهره على ذلك.
ومتى اختلفا في المدة فقال المستعير: إنها سنتان، وقال المالك: سنة.
أو استعار دابة وقال: أذنت لي في ركوبها فرسخين، وقال المالك: بل فرسخا: قدم قول المالك؛ لأن الأصل عدم العارية في القدر الزائد من الزمان والمكان.
(والمشتري) بعقد فاسد (والمستأجر بعقد فاسد) إذا غرس أو بنى فيما اشتراه أو استأجره؛ (كمستعير) في الحكم. فلا يملك البائع ولا المؤجر قلعه من غير ضمان نقص؛ لتضمنه إذًا.
قال صاحب " المحرر ": ولا أجره.
وفي " المجرد ": لو غارسه على أن الأرض والغرس بينهما فله أيضًا تبقيته
بالأجرة.
قال في " الفروع ": ويتوجه في الفاسد وجه كغصب؛ لأنهم ألحقوه به في الضمان وفاقا لأبي يوسف ومحمد، ولا يقال لرب الأرض قيمتها فقط، خلافا لأبي حنيفه ومالك. انتهى.
(ومن حمل سيل إلى أرضه بذر غيره) فنبت فيها: (فلربه) أي: فالزرع النابت لرب البذر (مُبَقى) له (إلى) أوان (حصاد بأجرة مثله).
_________________
(١) في أ: وقعت.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
أما كونه يبقى لربه محترمًا إلى أوان حصاده؛ فلأنه يلزم من القول بقلعه إتلاف للمال على مالكه ولم يوجد منه تفريط. ولا يدوم ضرره؛ كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو بقتلها فإنه لا يجبر على قتلها.
وأما كون على ربه أجر مثله؛ فلأن إلزام رب الأرض بتبقيه زرع لم يأذن فيه
في أرضه بغير أجرة إضرار به، وشغل لملكه بدون اختياره بلا عوض. فوجب على رب البذر أجر المثل؛ كما لو انقضت مدة الإجارة وللمستأجر زرع لم يفرط بتأخيره.
وقال القاضي: لا أجرة له.
وقال الموفق: ويحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته؛ كزرع الغاصب. (وحمله) أي: وحمل (^١) السيل (لغرس أو نوى، ونحوه)، كبندق ولوز وجوز (إلى أرض غيره) أي: غير مالك ذلك، (فينبت) في الأرض التي حمله السيل إليها: فإنه في الحكم (كغرس مشتر شِقْصًا يأخذه شفيع)؛ لأنه ساواه في عدم التعدي. وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى في باب الشفعة (^٢) .
وقيل: كغرس غاصب، لأنه ساواه في عدم الإذن.
(وإن حمل) السيل (أرضًا بغرسها إلى) أرض (أخرى، فنبت) أي: فصار (كما كان) قبل ذلك: (فلمالكها) أي: فهو لمالك الأرض المحمولة؛ لعدم نقل الملك فيه.
(ويجبر) رب الأرض المحمولة (على إزالتها) من الأرض المحمولة؛
لأن في بقائها اشتغال (^٣) لملك غيره بما يدوم ضرره بغير اختياره. أشبه أغصان
_________________
(١) في أوب: حمل.
(٢) ص (٤١٩) عند قوله في الشفعة وإن أدركه.
(٣) فى أ: الشغال.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
الشجرة المنتشرة في هواء ملك غيره.
(وما ترك لرب الأرض) مما انتقل إليها: (سقط طلبه بسببه).
قال في " الشرح ": وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر
أو الزرع ذلك لصاحب الأرض الذي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجرة ولا غير ذلك؛ لأنه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة إلى صاحب الأرض المشغولة به، إن شاء أخذه لنفسه وإن شاء قلعه. انتهى.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
] فصل: في حكم استيفاءالنفع]
(فصل. ومستعير في) حكم (استيفاء نفع) من عين معارة بنفسه وبمن يقوم مقامه. فإذا استعار أرضًا لزرع فله أن يباشر زرعها بنفسه وبمن يقوم مقامه، وكذا إذا استأجرها لبناء: (كمستأجر)؛ لأنه ملك التصرف فيها بإذن مالكها. فوجب أن يملك ما يقتضيه الإذن؛ كالمستأجر.
فعلى هذا إذا أعاره أرضًا لغرس أو بناء فله؛ أن يزرع فيها ما شاء، وإن استعارها لزرع لم يغرس ولم يَبْن، ولا يملك إن استعارها لغرس أن يبني. ولا إن استعارها لبناء ان يغرس؛ لأن ضررهما مختلف، ولا إن استعارها لزرع مرة أن يزرع أكثر منها، ولا إن استعارها لزرع شعير أن يزرعها حنطة؛ لأن الإذن إن اختص بشيء لم يكن له أن يتجاوزه إلى ما يزيد ضرره على ضرر المأذون فيه. وتقدم في باب الإجارة ما يدل على ذلك (^١) .
(إلا أنه) أي: المستعير (لا يعير) ما استعاره (ولا يؤجر) ــه؛ لأنه لا يملك منافعه فلا يصح أن يبيحها أو يبيعها. (إلا بإذن) من معيره الذي يملكها في مدة معلومة.
وقيل: له أن يعيره كإيجار المستأجر. وأطلق الوجهين في " المحرر ".
وقيل: له أن يؤجره أيضًا في الإعارة المؤقتة.
ولا يضمن مستأجر من مستعير تلف عارية عنده بدون تفريط؛ لأنه دخل على
أن العقد صحيح.
وقيل: يضمن.
والأجرة لمالك العين؛ لأنها نماء ملكه.
_________________
(١) ص (١٦١).
[ ٦ / ٢٥٨ ]
وقيل: للمؤجر. وتقدم ذلك في باب الإجارة (^١) .
وعلى المذهب: في جمون المستعير لا يعير بدون إذن المالك (فإن خالف) وأعار أو أجَّر بدون إذنه (فتلفت) العين (عند) المستعير (الثانى: ضمَّن) المالك قيمة العين وأجرتها (أيهما) أي: أيّ المستعيرين (شاء).
أما كونه يملك (^٢) تضمين الأول؛ فلأنه سلط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه. أشبه ما لو سلط على مال غيره دابة فأكلته.
وأما كونه يملك تضمين الثانى؛ فلأن المنفعة والعين فاتا على مالكهما في يده.
(والقرار) في ضمانهما (على الثانى)؛ لأنه المستوفي للمنفعة بدون إذن المالك والتلف إنما حصل تحت يده.
ومحل قرار ضمانها عليه: (إن علم) الحال؛ لتعديه إذا.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحال وظنها ملك المعير له: (ضمن العين)
فقط (في عارية)؛ لأنه قبضها على أنها عارية، والعارية مضمونة.
(ويستقر ضمان المنفعة على) المستعير (الأول)؛ لأنه غرَّ الثانى بدفعها له على أن يستوفي منافعها بغير عوض.
(والعواري المقوضة غير وقف؛ ككتب علم، ونحوها)؛ كأدراع موقوفة على الغزاة إذا استعارها لينظر فيها أو ليلبسها عند قتال الكفار، (إذا تلفت بلا تفريط) بأن سرقت من حرز مثلها: لم يضمنها المستعير.
قال في " الفروع ": ولا يضمن وقف بلا تفريط، في ظاهر كلامه وأصحابه. ولعل وجه (^٣) عدم ضمانه؛ لكون قبضها ليس على وجه يختص المستعير بنفعه؛ لكون تعلم العلم وتعليمه والغزو من مصالح العامة، أو لكون
_________________
(١) ص (١٣٩).
(٢) في أوب: يمكن.
(٣) زيادة من ج.
[ ٦ / ٢٥٩ ]
الملك فيه ليس لمعين، أو لكونه من جملة المستحقين له. أشبه ما لو سقطت قنطرة موقوفة بسبب مشيه عليها. والله أعلم.
وعلم من استثناء الوقف: أن العواري المقبوضة غير الموقوفة (مضمونة) بكل حال. نص عليه. وبه قال من الصحابة: ابن عباس وعائشة وأبو هريرة، ومن التابعين: عطاء، ومن الفقهاء: الشافعي وإسحاق؛ لقوله لصفوان: " بل عارية مضمونه " (^١) .
فأثبت الضمان من غير تفريط.
ولما روى سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: " على اليد ما أخذت حتى
تؤديه " (^٢) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.
ولأن نفعها غير مستحق لقابضها.
(بخلاف حيوان موصى بنفعه) إذا قبضه الموصى له بالنفع وتلف تحت يده: فإنه غير مضمون عليه إذا لم يفرط؛ لأن نفعه مستحق لقابضه.
قال في " الفروع ": وقاسها أي: العارية جماعة على المقبوض على وجه السوم، فدل على رواية مخرجة. وهو متجه.
وذكر الحارثي خلافًا: لا تضمن. وذكره شيخنا عن بعض أصحابنا، واختاره صاحب " الهدي " فيه. انتهى.
واستدل القائل بعدم الضمان، بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " ليس على المستعير غير المُغِلّ ضمان " (^٣) .
وأجيب عنه بأنه يرويه عمرو بن عبدالجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيد ضعيفان. قاله الدارقطني.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٤٤) رقم (٥).
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٦١) كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦٦) ٣: ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٠٠) كتاب الصدقات، باب العارية.
(٣) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٦٨) ٣: ٤١ كتاب البيوع.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
وعلى تقدير صحته فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: انه محمول على ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال. وهذا وإن
كان تخصيصًا؛ فلما عارضه من الأخبار المخصصة له.
والثاني: أن المُغِلّ في هذا الموضع ليس بمأخوذ من الخيانة والغلول، وإنما هو مأخوذ من استغلال الغلة. يقال: قد أغل فهو مُغل إذا أخذ الغلة. فيكون معنى الخبر: لا ضمان على المستعير غير المستغل أي: غير القابض؛ لأنه بالقبض يصير مستغلًا.
ومرادهم: ما لم يكن المعير مستأجرًا للعين المعارة، فإن المستعير لا يضمنها بتلفها عنده من غير تَعَدٍّ ولا تفريط. وتقدم التنبيه على ذلك في باب الإجارة (^١) . وحيث تقرر: أن العارية مضمونة، فإن المستعير يضمنها (بقيمة متقومة يوم تلف)؛ لأن قيمتها بدل عنها. فوجب عند تلفها؛ كما يجب عند (^٢) إتلافها. ولأنه يوم يتحقق فيه فواتها. فوجب اعتبار الضمان به.
(ومثل مثليَّة) يعني: أن العارية إذا كانت من ذوات الأمثال؛ كما لو استعار صنجة من نحاس لا صناعة فيها ليزن بها فتلفت فإنه يضمنها بمثل وزنها من نوعها. (ويلغو شرط عدم ضمانها) يعنى: أنهما لو اتفقا واشترطا عدم ضمان العارية لغا الشرط؛ (كـ) لغو (شرط ضمان أمانة) كوديعة؛ لأن مقتضى العقد في العارية الضمان. فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه؛ كما لو اشترط (^٣) نفي ضمان ما يتعدى فيه. ومقتضى العقد في الوديعة: كونها أمانة، فإذا شرط ضمانها فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه. فلم يلزمه؛ كما لو اشترط ضمان مال في يد صاحبه.
_________________
(١) ص (١٦٠).
(٢) في أوب: عنده.
(٣) في ب: شرط.
[ ٦ / ٢٦١ ]
وعن أحمد أنه ذُكر له ذلك فقال: " المؤمنون على شروطهم " (^١) .
ولأن المعير لو أذن للمستعير في إتلاف العارية فأتلفها لم يضمنها فكذا إذا أسقط عنه ضمانها. واختاره أبو حفص والشيخ تقي الدين.
ورد القياس: بأن الإتلاف فعل يصح فيه الإذن ويسقط حكمه إذ (^٢) لا ينعقد موجبا للضمان مع الإذن فيه، وإسقاط الضمان في العارية نفي للحكم مع وجود سببه، وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه.
(ولو أركب) إنسان (دابته) إنسانًا (منقطعًا لله تعالى، فتلفت) الدابة (تحته) أي: تحب المنقطع: (لم يضمن) تلفها.
وقيل: بلى.
ووجه المذهب: كونها غير مقبوضة، لأنها بيد صاحبها لكون الراكب لم ينفرد بحفظها. أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف فحرق عليه فإنه لا يضمنه. (كرديف ربَّها) أي: كما لو أركب إنسانًا خلفه على دابته فتلفت تحتهما.
فإن الرديف لا يضمن شيئًا؛ لأن الدابة بيد مالكها.
وقيل: يضمن نصف قيمتها.
(و) كـ (رائض) يركب الدابة لمصلحتها فتتلف تحته، (و) كـ (وكيل) لربها إذا تلفت في يده، لأنهما لم يثبت لهما حكم العارية.
(ومن قال) لقائل له: اركب دابتي: (لا أركب إلا بأجرة، فقال) له رب الدابة: (ما آخذ) منك لها (أجرة) ثم ركبها، (او استعمل المودع الوديعة بإذن ربها)، كما لو أودع إنسان إنسانًا عبدا وقال له: استخدمه ففعل ولا عقد بينهما: (فعارية) أي. فحكمها حكم ما لو قال: أعرتكها، وقال الآخر: استعرتها.
(ولا يضمن) مستعير (ولد عارية سُلِّم معها) لو تلف عنده؛ لأنه لم يدخل
في الإعارة. فلم يدخل في الضمان.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٥١) رقم (٣).
(٢) في أ: إذًا.
[ ٦ / ٢٦٢ ]
ولا فائدة للمستعير فيه. أشبه الوديعة.
وقيل: بلى.
(ولا) يضمن مستعير أيضًا (زيادة) حصلت في العين المعاره (عنده).
قال في " الفروع ": في الأصح؛ لأنه لم يرد عليها عقد العارية.
وفهم من هذا: أن الزيادة لو كانت موجودة عند العقد؛ كما لو كانت الدابة سمينة فهزلت عند المستعير: أنه يضمن نقصها.
وقيل: يضمن الزيادة الحادثة عنده إذا زالت وجهًا واحدًا.
قال المجد في " شرح الهداية ": وذكر ابن عقيل والقاضي في زيادة العارية المتصلة كسِمَن أو تعلم صنعة: أنها تكون مضمونة وجها واحدًا، بحيب إذا رد الأصل وقد زالت تلك الزيادة الحادثة في يد المستعير فإنه يضمنها. ذكراه في الغصب. انتهى.
(كمؤجرة) أي: كما لا تضمن زيادة حصلت في العين المستأجرة عند المستأجر إذا زالت عنده.
وحيث قيل بعدم الضمان، فمحله إذا كان التلف (بلا تَعَدٍّ) من مستعير أو مستأجر؛ لأن التعدي موجب للضمان مطلقًا.
(ولا هي) أي: ولا يضمن عارية (أو جزؤها) إذا تلفت أو تلف جزؤها؛ كحمل المنشفة والقطيفة (باستعمال)، لأن الإذن في الاستعمال تضمن الإذن في الإتلاف الحاصل به، وما أذن في إتلافه لا يضمن، كالمنافع.
ومحل ذلك: إذا استعملت العارية (بمعروف)؛ كما لو تلف الثوب المستعار بلبسه. أما لو حمل فيه ترابًا فتلف بذلك فإنه يضمنه؛ لحصول التعدي بذلك. وفي تلف أجزائها باستعمال وجهٌ بالضمان.
(ويقبل قول مستعير بيمينه: إنه لم يتعد) على العارية؛ لأنه منكر.
(وعليه) اي: المستعير (مُؤْنة ردها) أي: العارية؛ لقول النبي ﷺ:
[ ٦ / ٢٦٣ ]
" العارية مؤداة " (^١) .
وقوله ﷺ: " على اليد ما أخذت حتى ترده " (^٢) .
ولأنه قبضها لا لمصلحة تعود على المالك. فكان عليه مُؤْنة الرد؛ (كمغصوب).
ويكون ردها إلى الموضع الذي أخذها منه إلا أن يتفقا على ردها إلى غيره.
قاله في " الشرح ".
(لا مئونتها) يعني: انه لا يجب على المستعير مُؤْنة العين المعارة زمن
الانتفاع بها (عنده)، وتكون على مالكها، كالمستأجرة.
قال ابن رجب في القاعدة الثامنة والثلاثين عقب كلام نقله: وهذا يرجع إلى
أن مؤنة العارية على المالك، وقد صرح الحلوانى في " التبصرة " بأنها على المستعير. انتهى.
فتحصّل من كلامه أن فيها وجهين.
ونقل في " المبدع " عن الشيخ تقي الدين أنه قال: لا أعرف فيها نقلًا. وخرجها على الخلاف في نفقة الجارية الموصى بنفعها فقط بعد أن نقل عن المجد في " شرح الهداية " وصاحب " الرعاية " أنهما قالا: إن مُؤْنة العين على المعير. (ويبرأ) مستعير من ضمان العارية (برد الدابة) المعارة (وغيرها) من العواري، (إلى من) أي: إلى إنسان (جرت عادته) أي: عادة الإنسان (به) أي: با لرد (على يده، كسائس) للدابة (وخازن، وزوجة، ووكيل عام) لمالك (في قبض حقوقه).
قال القاضي: في قياس المذهب؛ لأن أحمد قال في الوديعة: إذا سلمها
إلى امرأته لم يضمنها؛ لأنه مأذون في ذلك. أشبه ما لو أذن فيه نطقًا.
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب أن يبرأ بذلك: وعند
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٤٤) رقم (٣).
(٢) سبق تخريجه ص (٢٦٠) رقم (٢).
[ ٦ / ٢٦٤ ]
الحلوانى لا يبرأ بدفعها إلى السائس. وظاهر ما قدمه في " المستوعب ": أنه لا يبرأ إلا بدفعها إلى ربها أو وكيله فقط.
و(لا) يبرأ مستعير (بردها إلى اصْطَبْله) أي: اصطبل المالك (أو غلامه)؛ لأنه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه في قبضها؛ كما لو رد السارق ما سرقه إلى الحرز الذي سرقه منه فإنه لا يبرأ بذلك.
واختار صاحب " الرعايتين ": أنه يبرأ بردها إلى غلام مالكها.
(ومن سلم لشريكه الدابة) المشتركة (فتلفت بلا تفريط أو تَعَدٍّ) بًان ساقها فوق العاده ونحوه: (لم يضمن).
قال (^١) في " الفروع ": قاله شيخنا. ويتوجه كعارية إن كانت عارية، وإلا
لم يضمن. انتهى.
_________________
(١) في أ: قاله.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
(فصل): في اختلاف المالك مع القابض
(وإن اختلفا فقال) المالك: (آجَرْتُكَ، قال) القابض: (بل أعرتني)
وكان اختلافهما (قبل مضي مدة لها أجرة) من حين القبض: (فقول قابض) بيمينه أنه ما استأجر؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وترد الدابة إلى مالكها. (وبعدها) أي: وإن كان اختلافهما بعد مضى مدة لها أجرة من حين القبض: (فقول مالك) بيمينه (فيما مضى) من المدة؛ لأنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى القابض. فكان القول قول المالك؛ كما لو اختلفا في عين فقال المالك: بعتكها، وقال الآخر: وهبتنيها (^١) .
قال المجد في " شرح الهداية ": وصفة يمين المالك: أنه يحلف على الأمرين على أنه ما أعاره وإنما أجره بكذا. هذا مقتضى كلام القاضي، وصرح به في خاتمة المزارعة، ويحتمل أن يكتفى منه بالحلف على نفي الإعارة إذا قلنا له أجرة المثل. انتهى.
وقال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: يحلف على نفي الإعارة. وهل. يتعرض لإثبات الإجارة؟ قال الحارثي: ظاهر كلام المصنف- يعني: الموفق- والأكثرين: التعرض.
وقال في " التلخيص ": لا يتعرض لإثبات الإجارة ولا الأجرة المسماة،
وقطع به.
قال الحارثي: وهو الحق.
فعلى هذا الوجه: يجب أقل الأمرين من المسمى، أو أجرة المثل. جزم به
في " التلخيص ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
_________________
(١) في أ: وهبتها.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وقيل: أن القول قول القابض.
(و) على المذهب: يجب (له) أي: للمالك إذا حلف (أجرة المثل)؛ لأنهما لو اتفقا على وجوبها واختلفا في قدرها وجب للمالك أجرة المثل. فمع الاختلاف في أصلها أولى.
وقيل: ما ادعى المالك تسميته.
والأول أصح، لأن الإجارة لا تثبت بدعوى المالك بغير بينة، وإنما يستحق
بدل المنفعة وهو أجر المثل.
وقيل: يلزم القابض أقل الأمرين من المسمى وأجر المثل.
(وكذا لو ادعى) من زرع أرض غيره: (أنه زرع عارية) أي: على سبيل العارية، (وقال ربها: إجارة) أي: وقال رب الأرض: بل زرعها على سبيل الإجارة. قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". وهو ظاهر.
(و) إن قال قابض لمالك: (أعرتني، أو) قال: (آجرتني، قال) مالك: بل (غصبتني) العين وقد مضت من حين القبض مدة لها أجرة.
(أو) فال المالك ابتداء: (أعرتك فقال) قابض: (بل آجرتني، والبهيمة تالفة) حالة الاختلاف، (أو اختلفا في ردها) أي: رد العين المتفق على أنها عارية إلى مالك: (فقول مالك) بيمينه في المسائل الأربع.
أما كون المالك يُقبل قوله فيما إذا قال: غصبتني في المسألة الأولى؛ فلأن القابض يدعي إباحة المنفعة له بقوله: اعرتني والمالك ينكر ذلك، والأصل في القابض لمال غيره الضمان في العين والمنفعة. فكان القول قول المالك.
وأما في المسألة الثانية وهي: ما إذا قال القابض: آجرتني، وقال المالك: غصبتني (^١)؛ فلأن القابض يدعي انتقال الملك في منافع العين وأنها عنده أمانة والمالك ينكر ذلك. فكان القول قوله؛ لما تقدم.
_________________
(١) في أ: غصبني.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
وأما في المسألة الثالثة وهي: ما. إذا قال المالك: أعرتك (^١)، وقال القابض: آجرتني وقد تلفت البهيمة عنده، فلأن قول المالك موافق للأصل؛ لما تقدم من أن الأصل من القابض لمال غيره الضمان.
فإذا حلف المالك استحق القيمة.
والقول في قدرها قول القابض بيمينه؛ لأنه غارم.
ولأن الأصل عدم (^٢) زيادة يدعيها المالك.
ولا أجرة، لأن المالك معترف ببراءة ذمة القابض منها بدعواه العارية فقبل إقراره على نفسه.
هذا إذا كان ما يدعيه المالك من القيمة أكثر مما يعترف به القابض من الأجرة،
وإن كان ما يدعيه المالك أقل مما يعترف به القابض، قال في " الشرح ": فالقول قول القابض بغير يمين. سواء ادعى الإجاره أو الإعارة. إذ لا فائدة في اليمين على شيء يعترف له به خصمه. ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين، لأنه يدعي شيئا لا يصدق فيه ويعترف له خصمه بما لا يدعيه فيحلف على ما يدعيه.
وأما في المسألة الرابعة وهي: ما إذا اختلف المالك والمستعير في رد العين المعارة فلأن العارية مؤداة والمستعير يدعي أداءها والمالك ينكره. فكان القول قوله؛ كما لو ادعى المدين وفاء دين وأنكره رب الدين.
(وكذا) أي: وكما يقبل قول المالك فيما إذا قال القابض: أعرتني] أو آجرتني [(^٣)، وقال المالك: غصبتني مع تلف البهيمة في ثبوت القيمة، يقبل قوله فيما إذا قال القابض: (أعرتني، أو) إذا قال: (آجرتني، فقال) المالك: (غصبتني) والبهيمة قائمة وقد مضب لها مدة لمثلها أجرة وهي بيد القابض (في) ثبوت (الأجرة و) في وجوب (رفع اليد) أي: واستحقاق انتزاع العين منه.
_________________
(١) في أ: أعرتني.
(٢) في أوب: وعدم.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
وعلم مما تقدم أنه إذا ادعى أحدهما الإجارة عقب العقد والبهيمة قائمة أن القول قول منكرها بيمينه؛ لأن الأصل عدم العقد وترد البهيمة إلى مالكها.
(و) إن قال المالك: (أعرتك، فقال) القابض: بل (أودعتني: فقول ممالك) بيمينه؛ لما تقدم.
(وله قيمة) عين (تالفة)؛ لأنه بحلفه ثبت لها حكم العارية.
(وكذا) يقبل قول المالك بيمينه (في عكسها) أي: عكس هذ الصورة وهي: ما إذا قال المالك: أودعتك، وقال القابض: أعرتني.
(وله) أي: للمالك على القابض (أجرة ما انتفع بها) أي: بالعين؛ لأن الأصل أن المنافع مضمونة على القابض. ودعواه أن المالك أباحها له غير مقبولة.
وإذا قال القابض: أودعتني، وقال المالك: بل غصبتني: قال في
" المبدع ": فوجهان. انتهى.
قلت: الذي يظهر أن الأصح: أن القول قول المالك في الضمان؛ لما تقدم
من أن الأصل في القابض لمال غيره الضمان؛ لموافقته الأصل. والله أعلم.
[ ٦ / ٢٦٩ ]