هذا (كتاب العتق). وهو لغة: الخلوصى. ومنه عتاق الخيل، وعتاق الطير أي: خالصها. وسمي البيت الحرام عتيقًا، لخلوصه من أيدي الجبابرة. (وهو) شرعًا: (تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق). وخصت به الرقبة
وإن تناول العتق جميع البدن، لأن ملك السيد له كالغل في رقبته، المانع له من التصرف. فإذا عَتَق صار كأن رقبته أطلقت من ذلك. يقال: عتق العبد وأعتقته أنا. فهو عتيق ومُعتَق. وهم عتقاء، وأَمَةً عتيق وعتيقة.
وقد أجمع العلماء على صحته وحصول القربة به.
وسنده من الكتاب قوله ﷾: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله ﷾: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣].
ومن السنة ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرَبِ منها إربًا منه من النار. حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج " (^١). متفق عليه. في أخبار كثيرة سوى هذا.
(و) هو من (أعظم القُرَب)، لأن الله ﷾ جعله كفارة للقتل والوطء في رمضان وكفارة للأيمان.
وجعله النبى ﷺ فكاكًا لمعتقه من النار (^٢).
ولأن فيه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه،
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٣٧) ٦: ٤٦٩ ٢ كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠٩) ٢: ١١٤٧ كتاب العتق، باب فضل العتق
(٢) ر الحديث السابق.
[ ٨ / ٣٢٩ ]
وتكميل أحكامه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه على حسب إرادته واختياره. وفي " التبصرة ": هو أحبها إلى الله ﷾.
(وأفضلها) أي: أفضل الرقاب لمن أراد العتق: (أنفسُها عند أهلها) أي:
أعظمها وأعزها في أنفس أهلها، (وأغلاها ثمنًا). نقله الجماعة عن أحمد.
قال في " الفروع ": فظاهره ولو كافرة وفاقًا لمالك. وخالفه أصحابه.
ولعله مراد أحمد. لكن يثاب على عتقه.
قال في " الفنون ": لا يختلف الناس فيه. واحتج به وبرق الذرية على أن
الرق ليس بعقوبه بل محنة وبلوى. انتهى.
(وذكر) أي: وعتق الذكر أفضل من عتق الأنثى. سواء كان معتقه ذكرًا أو
أنثى على الأصح.
وعنه: عتق الأنثى للأنثى أفضل.
وعنه: عتق أَمَتَيْن كعتق رجل.
وأما في الفكاك من النار فالأنثى كالذكر على الأصح.
(وتعدد) ولو من إناث (أفضل) من واحد ولو ذكرًا في الأصح.
(وسُنّ عتق) من له كسب، (وكتابة من له كسب)، لانتفاعه بملكه كسبَه بالعتق.
(وكُرِها) أي: العتق والكتابة: (إن كان) العتيق (لا قوة له ولا كسب)؛ لسقوط نفقته بإعتاقه. فيصير كَلاُّ على الناس ويحتاج إلى المسألة.
(أو) كان (يُخاف منه) إذا عتق (زنًا أو فساد) يعني: فإنه يكره عتقه.
وكذا لو خيف رجوعه إلى دار الحرب وترك إسلامه.
(و) أما (إن علم) ذلك منه (أو ظن ذلك منه: حرم)؛ لأن التوسل إلى
المحرم حرام.
(و) إن عتقه مع علمه ذلك أو ظنه: (صح) العتق؛ لأنه إعتاق صدر من
أهله في مَحَلّه. فنفذ؛ كعتق غيره.
[ ٨ / ٣٣٠ ]
(ويحصل) العتق بأحد شيئين: (بقولٍ) أو ملك. زاد (^١) في " الكافي ":
والاستيلاد.
ولا يحصل بمجرد نية؛ لأنه إزالة ملك. فلا يكتفى فيه بالنية المجردة؛ كالطلاق. والكلام هنا على القول.
وينقسم من أجل كونه إزالة ملك: إلى صريح وكناية؛ كالطلاق.
(وصريحُه) أي: صريح القول (لفظ: عِتْقٍ، و) لفظ: (حرية)؛ لأنهما لفظان ورد الشرع بهما. فوجب اعتبارهما (كيف صُرِّفا). فمن قال لرقيقه: أنت حر، أو محرر، أو قد حررتك، أو عتيق، أو معتق، أو قد أعتقتك: عتق ولو لم ينوعتقه بذلك.
قال أحمد: في رجل لقي امرأة في الطريق. فقال: تنحي (^٢) يا حرة. فإذا
هي جاريته. قال: قد عتقت عليه.
وقال: في رجل قال لخدم قيام في وليمة: مرَوا أنتم أحرار. وكان فيهم أم ولده لم يعلم بها. قال: هذا عندي تعتق أم ولده.
ويستثنى من تصريف لفظ العتق والحرية ثلاث صور أشار إليها بقوله:
(غير أمر ومضارع واسم فاعل) فمن قال لرقيقة: حرره أو أعتقه أو أحرره
أو أعتقه أو هذا محرِّر بكسر الراء، أو هذا معتِق بكسر التاء: لم يعتق بذلك؛ لأن ذلك طلب ووعد وخَبَر عن غيره فلا يكون واحدًا منها صالحًا للإنشاء. ولا إخبار عن نفسه فيؤاخذ به.
(ويقع) العتق (من هازل)، كالطلاق. (لا) من (نائم)؛ كالمغمى عليه والمجنون والمبرسم؛ لأنهم لا يعقلون ما يقولون.
(ولا) يقع عتق برقيق (إن) أتى سيده بلفظ الحرية، و(نوى بالحرية عفته وكرم خلقه، ونحوه)؛ كصِدْقه وأمانته.
_________________
(١) في ج: وزاد.
(٢) في ب: اتنحي.
[ ٨ / ٣٣١ ]
قال في " شرح المقنع الكبير ": وأما إن قصد غير العتق: كالرجل يقول:
عبدي هذا حرَ. يريد عفته وكرم أخلاقه، أو يقول لعبده: ما أنت إلا حر أي: أنك لا تطيعني ولا ترى لي عليك حقًا ولا طاعة. فلا يعتق في ظاهر المذهب.
قال حنبل (^١): سئل أبو عبد الله عن رجل قال لغلامه: أنت حر. ولا يريد
أن يكون حرًا، أو كلام شبه هذا: رجوتُ أن لا يعتق. وأنا أهاب المسألة، لأنه نوى بكلامه ما يحتمله. فانصرف إليه، كما لو نوى بكتابة العتقِ العتقَ. قال: وإن طلب استحلافه حلف.
وبيان احتمال اللفظ لما أراده: أن المرأة الحرة تُمدح بمثل هذا، يقال:
امرأة حرة. يَعنون عفيفة. وتمدح المملوكة أيضًا بذلك. ويقال للكريم الأخلاق: حر. قالت سبيعة ترثي عبد المطلب:
ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ويوم على حر كريم الشمائل
انتهى.
(و) قول السيد لرقيقه: (أنت حر في هذا الزمن، أو) أنت حر في هذا (البلد: يعتق مطلقًا)، لأنه إذا عتق في زمن أو بلد لا يعود رقيقًا في غيرهما. (وكنايته) أي: كناية العتق التي يقع بها (مع نيته) أي: نية العتق: (خلََََّيتُك، وأطلقتُك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت، ولا سبيل) لي عليك، (أو) لا (سلطان) لي عليك، (أو) لا (ملك) لي عليك، (أو) لا (رق) لي عليك، (أو) لا (خدمة لي عليك، وفككت رقبتك، ووهبتك لله، ورفعت يدي عنك إلى الله، وأنت لله، أو) أنت (مولاي، أو) أنت (سائبة، وملكتك نفسك).
وفي قوله: لا سبيل ولا سلطان، أو لا ملك، أو لا رق، أو لا خدمة لي عليكم، أو ملكتك نفسك، أو فككت رقبتك، وأنت لله، وأنت سائبة، وأنت
مولاي: رواية أنها صريحة.
_________________
(١) في ب: أحمد.
[ ٨ / ٣٣٢ ]
(و) من الكناية على الأصح قول السيد (للأمة: أنت طالق، أو) أنت (حرام).
وعنه: أن ذلك لغو في الانتصار، وكذا: اعتدّي. وأنه يحتمل مثله في
لفظ الظهار.
(و) من الألفاظ التي يحصل بها العتق قول السيد (لمن يمكن كونه أباه)
من رقيقه؛ كما لو كان السيد ابن خمسة عشر عامًا والرقيق ابن ثلاثين عامًا: (أنت أبي، أو) قال لرقيقه الذي يمكن كونه (ابنه: أنت ابني) فإنه يعتق بذلك. حتى (ولو كان له نسبً معروف) في الأصح؛ لجواز كون ذلك من وطء شبهة.
و(لا) عتق (إن لم يمكن) كونه أباه أو ابنه؛ (لكبر، أو صغر، أو نحوه، ولم ينو به) أي: بهذا القول (عتقه)؛ لأنه قول متحقق كذبه. فلم يثبت به حرية؛ كما لو قال لطفل: هذا أبي، أو لطفلة: هذه أمي.
وقال أبو حنيفة: يعتق.
قال ابن المنذر: هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه أحد إليه ولا تبعه أحد عليه. وهو محال من الكلام وكذب يقينًا. ولو جاز هذا لجاز أن يقول الرجل لطفل: هذا أبي.
ولأنه لو قال لزوجته وهي أسن منه: هذه ابنتي، أو قال لها وهو أسن منها:
هذه أمي: لم تطلق. كذا هذا. انتهى.
وكذا لا عتق بكلام محال أو معلوم كذبه؛ (كـ) قوله لرقيقه: (أعتقتك)
من ألف سنة، (أو أنت حر من ألف سنة، و) قوله: (أنت بنتي لعبده، و) كقوله: (أنت ابني لأمته).
ولم يذكر في المتن شرط صحة العتق بالقول وهو كون حصوله من مالك جائز التصرف في ماله؛ لأن ذلك لا يختص بالعتق؛ لكونه شرطًا في كل تصرف مالى. ولما تقدم أن العتق يحصل بأحد شيئين وهما القول والملك.
وانتهى الكلام على العتق بالقول شرع في الكلام على العتق بالملك. فقال:
[ ٨ / ٣٣٣ ]
(وبملك لذي رحم محرم)، والرحم المحرم هو: الذي لو قدر أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرم نكاحه عليه. لكن لما كان ذلك شاملًا للمحرم بالرضاع أخرج بقوله: (بنسب) يعني: أن من ملك ذا رحم محرم عليه بنسب وافقه في دينه أولا عتق عليه على الأصح. (ولو) كان المملوك (حملًا) على الأصح؛ كما لو اشترى زوجة ابنه الأمة التي هي حامل من ابنه.
وعنه: لا يعتق بالملك إلا عمودي نسبه.
وعنه: لا يعتق ما ملكه بإرث.
وعنه: لا يعتق الحمل حتى يولد في ملكه حيًا.
وقال أهل الظاهر: لا يعتق أحد بملك حتى يعتقه؛ لقول النبي ﷺ:
" لا يجزئ ولد والده إلا أن يجده أبو داود فيشتريه فيعتقه " (^١) رواه مسلم.
ولنا: ما روى حماد بن سلمه عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعًا قال:
" من ملك ذا رحم محرم فهو حر " (^٢) . رواه الخمسة وحسنه الترمذي. وقال: العمل على هذا عند أهل العلم.
ولأن ذا الرحم المحرم يعتق كما يعتق عمودا النسب عند الشافعي، وكالإخوة والأخوات عند مالك.
فأما قوله: حتى يشتريه فيعتقه فيحتمل أنه أراد فيشتريه فيعتقه بشرائه؛ كما يقال: ضربه فقتله. والضرب هو القتل، وذلك لأن الشراء لما كان يحصل به العتق تارة دون أخرى جاز عطف صفته عليه، كما يقال: ضربه فأطار رأسه. وسواء أَمَلّكَه بشراء أو هبة أو غنيمة أو إرث، لعموم الحديث.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥١٠) ٢: ١١٤٨ كتاب العتق، باب فضل عتق الولد.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٤٩) ٤: ٢٦ كتاب العتق، باب فيمن ملك ذا رحم محرم. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٦٥) ٣: ٦٤٦ كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٢٤) ٢: ٨٤٣ كتاب العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٢١٧) ٥: ١٨. ولم أره في النسائي.
[ ٨ / ٣٣٤ ]
وذكر أبو يعلى الصغير: أنه آكد من التعليق. فلو علق عتق ذي رحمه المحرم على ملكه فملكه عتق بملكه. لا بتعليقه.
ولا خلاف في أن المحارم بغير نسب لا يعتقون على سيدهم؛ كالأم من الرضاعة، والأخ من الرضاعة، والربيبة، وأم الزوجة وابنتها. إلا أنه حكي عن الحسن وابن سيرين وشريك: أنه لا يجوز بيع الأخ من الرضاعة.
وروي عن ابن مسعود: أنه كرهه.
والأول أصح.
قال الزهري: جرت السنة بأنه يباع الأخ من الرضاعة.
ولأنه لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الأصل.
ولأنهم لا رحم بينهم ولا توارث ولا تلزم نفقتهم. فأشبهوا الربيبة أو أم الزوجة.
(وأب وابن من زنا كأجنبييّن). فلو ملك أحدهما الآخر لم يعتق عليه نصًا؛ لأن أحكام الأبوة والبنوة من الميراث والحجب والمحرمية ووجوب الإنفاق وثبوت الولاية عليه: لم يثبت شيء منها في كونه أبًا ولا في كونه ابنًا. (ويعتق حمل لم يُستثن) أي: لم يستثنه المعتق عند عتق أمه (بعتق أمه)؛
لأنه يتبعها في البيع والهبة ففي العتق أولى. (ولو لم يملكه) أي: ولم يملك رب الأم الحمل؛ كما لو اشترى من ورثة ميت أمة موصى بحملها لغيره فأعتقها فإن الحمل يعتق تبعًا لها (إن كان) مالكها الذي أعتقها (موسرًا) بقيمة الحمل؛ كفطرة يوم عتقه.
(ويضمن قيمته لمالكه) الموصى له به يوم ولادته حيًا.
وعلم مما تقدم صحة استثناء الحمل في العتق على الأصح. وبصحته قاله
ابن عمر وأبو هريرة والنخعي وإسحاق وابن المنذر.
قال ابن سيرين: له ما استثنى.
[ ٨ / ٣٣٥ ]
وقال عطاء والشعبي: إذا استثنى ما في بطنها فله ثُنياه.
وقال مالك والشافعي: لا يصح استثناء الجنين، " لأن النبي نهى عن الثنيا إلا أن تعلم " (^١) .
وقياسًا على استثنائه في البيع. أشبه بعض أعضائها.
ولنا: أنه قول ابن عمر وأبي هريرة.
قال أحمد: أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ولا أذهب إليه في البيع.
ولقول النبي ﷺ: " المسلمون على شروطهم " (^٢) .
ولأنه يصح إفراده بالعتق. بخلاف البيع. فصح استثناؤه " كالمنفصل.
ويفارق البيع؛ لأنه عقد معاوضه يعتبر فيه العلم بصفات المبيع العوض ليعلم هل قام مقام العوض أم لا؟ والعتق تبرع لا يتوقف صحته على معرفة صفات المعتق، ولا تنافيه الجهالة به. ويكفي العلم بوجوده، وقد وجد.
ولأنه يصح إفراد الحمل بالعتق. بخلاف البيع.
ولأن استثناءه في البيع إذا بطل بطل البيع كله. وهاهنا إذا بطل الاستثناء لم يبطل العتق في أمه ويسري الإعتاق إليه. فكيف يصح إلحاقه به مع تضاد الحكم فيهما؟.
ولا يصح قياسه على بعض أعضائها، لأنه يصح إفراده بالحرية عن أمه فيما
إذا أعتقه دونها. وفي ولد المغرور بحرية أمه، وفيما إذا وطئت بشبهة فحملت، وفي ولد أم الولد، وغير ذلك: فإنه يصح أن يعتق وحده. ولا يصح ذلك في بعض أعضائها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٤٠٥) ٣: ٢٦٢ كتاب البيوع، باب في المخابرة وأخرجه النسائي في " سننه " (٠ ٣٨٨) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٢) ٣: ٦٣٤ كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس.
[ ٨ / ٣٣٦ ]
وروى الأثرم عن ابن عمر: " أنه أعتق أمة واستثنى ما في بطنها ".
(ويصح عتقه) أي: عتق الحمل (دونها) أي: دون أمه. نص أحمد على
ذلك. وهو قول سفيان وإسحاق.
ولأن حكمه حكم الإنسان المنفرد ولهذا تورث الغرة الواجبة على من ضرب
بطن أمة فأسقطته عنه كأنه سقط حيًا، وتصح الوصية به والوصية له، ويرث إذا مات مورثه قبل ولادته.
(ومن ملك بغير إرث)، كشراء أو هبة أو وصية أو غنيمة (جزءًا)، كثيرًا
أو قليلًا (ممن) أي: من إنسان (يعتق عليه) بالملك (وهو) أي: الذي انتقل
إليه ملك الجزء (موسر بقيمة باقيه)، وكانت قيمة باقيه (^١) (فاضلة) عن حاجته وحاجة من يمونه، (كـ) ما قلنا في (فطرةٍ)، وكان يساره ذلك (يوم ملكه: عَتَقَ) عليه (كله، وعليه ما يقابل جزء شريكه من قيمة كله) أي: كل الذي ملك جزأه، لأنه فعل سبب العتق اختيارًا منه وقصدًا إليه. فسرى ولزمه الضمان، كما لو وكل من أعتق نصيبه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن موسرًا [بقيمة باقيه كله (عَتَقَ] (^٢) ما يقابل ما هو
موسر به) ممن ملك جزأه بغير الإرث.
(و) إن ملك جزءه (بإرب: لم يعتق) عليه (إلا ما) أي: الجزء الذي
(ملكه ولو) كان (موسرًا) بقيمة باقيه على الأصح، لأنه لم ينسب إلى إعتاقه؛ لحصول ملكه بدون فعله وقصده.
(ومن مثّل) بتشديد المثلثة.
قال أبوالسعادات: مثلت (^٣) بالحيوان أمثل مثلًا: إذا قطعت أطرافه،
وبالعبد إذا جدعت أنفه أو أذنه ونحوه.
(ولو) كان ذلك (بلا قصد) في الأصح (برقيقه. فجدع أنفه أو أذنه،
_________________
(١) في ج: قيمته باقيه.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ج: مثل.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
ونحوهما)؛ كما لو خصاه، (أو خرق) عضوًا منه؛ كما لو خرق كفه بمسلة أو نحوها، (أو حرق عضوًا منه)، كأصبعه بالنار: (عتق). نص عليه بلا حكم حاكم في الأصح، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن زِنْباعًا أبا روح وجد غلامًا له مع جاريته. فقطع ذكره وجدع أنفه. فأتى العبد النبي ﷺ. فذكر ذلك له. فقال له النبي ﷺ: ما حملك على ما فعلت؛ قال: فعل كذا وكذا. قال: اذهب فأنت حر " (^١) . رواه أحمد وغيره.
(وله) أي: لسيده الذي عتق عليه بذلك (ولاؤه). نص عليه؛ كما لو عتق عليه بغير ذلك.
وقيل: ولاؤه لبيت المال.
(وكذا لو استكرهه) أي: استكره السيد عبده (على الفاحشة) أي: فعلها
به مكرهًا.
قال الشيخ تقي الدين: لو استكره المالك عبده على الفاحشة عتق عليه.
وهو أحد القولين في مذهب أحمد. وهو مبني على القول بالعتق بالمثلة. انتهى. وقال القاضي: القياس أنه لا يعتق بالمثلة، لأن سيده لم يعتقه بلفظ صريح
ولا كناية. فلم يزل ملكه عنه. أشبه ما لو جنى على دابته.
والمذهب الأول، لثبوت الحديث السابق. فحينئذ يترك القياس.
(أو وطى) أي: وطئ السيد أمة (مباحة لا يوطأ مثلها لصغر فأفضاها) أي: خرق ما بين سبيليها. يعني: فإنها تعتق عليه. قاله ابن حمدان.
ولو مثل بعبد مشترك بينه وبين غيره: عتق نصيبه، وسرى العتق إلى باقيه، وضمن قيمة حصة الشريك. ذكره ابن عقيل.
(ولا عتق) حاصل (بخدش وضرب ولعن) لرقيقه، لأن ذلك مخالف
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥١٩) ٤: ١٧٦ كتاب الديات، باب من قتل عبده أو مثّل به أيقاد منه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧١٠) ٢: ٨٢ ١.
[ ٨ / ٣٣٨ ]
للقياس، ولا نص فيه، ولا في معنى المنصوص عليه. فلم يعتق بذلك؛ كما لو هدده. (ومال معتق بغير أداء) ليخرج المكاتب والمعتق على مال، وقوله: (عند عتق) ليخرج ما ملكه بعد العتق السيد) أي: لمعتقه على الأصح. روي هذا عن ابن مسعود وأبي أيوب وأنس. وبه قال قتاده والحكم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
وعنه: أنه للعبد. وبه قال الحسن وعطاء والشعبي ومالك؛ لما روى نافع
عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " من أعتق عبدًا وله مال فالمال للعبد " (^١) . رواه أحمد بإسناده وغيره.
وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر " أنه كان إذا أعتق عبدًا
لم يتعرض (^٢) لماله ".
ولنا: ما روى الأثرم بإسناده عن ابن مسعود: " أنه قال لغلامه عمير:
يا عمير لِلَّهِ إنى أريد أن أعتقك عتقًا هنيئًا. فأخبرنى بمالك. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده ". ولأن العبد وماله كانا للسيد فأزال ملكه عن أحدهما فبقي ملكه في الآخر؛
كما لو باعه. وقد دل عليه حديث النبي ﷺ: " من باع عبدًا وله ماله فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " (^٣) .
فأما حديث ابن عمر فقال أحمد: يرويه عبيد الله بن ابي جعفر من أهل مصر.
وهو ضعيف الحديث، كان صاحب فقه. فأما في الحديث فليس فيه بالقوي.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٦٢) ٤: ٢٨ كتاب العتق، باب فيمن أعتق عبدًا وله مال. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٣٦٤) ٣: ٣٠٩.
(٢) في ب: يعرض.
(٣) أخرجه أبوداود في " سننه " (٣٤٣٥) ٣: ٢٦٨ كتاب الإجارة، باب في العبد يباع وله مال. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٤٤) ٣: ٤٥٦ كتاب البيوع، باب ما جاء في ابتياع النخل بعد التأبير والعبد وله مال.
[ ٨ / ٣٣٩ ]
[فصل: فيمن أعتق جزءًا مشاعًا]
(فصل. ومن أعتق جزءًا مشاعًا) من رقيقه، (كنصف، ونحوه)؛ كثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن، (أو) أعتق جزءًا (معينًا)؛ كيد ورجل وأصبع وأنف وأذن ونحو ذلك، (غير شعر وظفر وسن، ونحوه)؛ كدمع وريق وعرق ولبن ومنى وبياض وسواد وسمع وبصر وشم ولمس وذوق (من رقيق) يملكه: (عَتَقَ كُلُّه).
قال ابن عبد البر: عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا: يعتق كله إذا أعتق نصفه.
وقال حماد وأبو حنيفة: يعتق منه ما أعتق ويستثني في باقيه.
وروي عن مالك: في رجل أعتق نصف عبد. فقال: أرى نصفه حرًا ونصفه رقيقًا؛ لأنه تصرف في بعضه. فلم يسر إلى باقيه، كالبيع.
ولنا: قول النبي ﷺ: "من أعتق شقصًا له من مملوك فهو حر من ماله " (^١) .
ولأنه إزالة ملك عن بعض مملوكه الآدمي. فزال عن جميعه؛ كالطلاق. ويفارق البيع فإنه لا يحتاج إلى السعاية، ولا ينبني على التغليب والسراية.
وكذا إذا أعتق عضوًا معينًا منه؛ كرأسه وعينه. وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: إن أعتق رأسه أو ظهره أو بدنه أو بطنه أو جسده أو نفسه أو فرجه: عتق كله؛ لأن حياته لا تبقى بدون ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٣٨) ٤: ٢٤ كتاب العتق، باب من ذكر السعاية في هذا الحديث. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٤٨) ٣: ٦٣٠ كتاب الأحكام، باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه.
[ ٨ / ٣٤٠ ]
وإن أعتق يده أو عينه أو عضوًا لبقى حياته بدونه لم يعتق " لأنه يمكن إزالة ذلك مع بقائه. فلم يعتق " كإعتاقه شعره وسنه.
ولنا: أنه أعتق عضوًا من أعضائه. فيعتق جميعه؛ كرأسه. بخلاف ظفره ونحوه؛ لأن هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها. فأشبهت الريق والعرق.
(ومن أعتق) ممن له شرك في رقيق (كلَّ مشترك) أي: جميع الأمة أو جميع العبد الذي بينه وبين شريكه (ولو) كان الرقيق المشترك (أم ولد) بأن وطئ اثنان جارية مشتركة بينهما في طهر واحد وأتت من وطئهما بولد فألحقته القافة بهما فإنها تصير أم ولد لهما، ولم يصح من واحد منهما بيع حصته منها.
(أو) كان الرقيق المشترك (مدبرًا أو مكاتبًا، أو) كان الرقيق (مسلمًا والمعتق كافرًا، أو) لم يعتقه كله وإنما أعتق (نصيبه) منه فقط، أو أعتق دون نصيبه بأن كان له فيه نصف وأعتق منه ربعًا. (وهو) أي: المعتق (يوم عتقه) كلَّه أو بعضه (موسر كما تقدم) أي: كيساره في الفطرة (بقيمة باقيه) أي: ما لغير المعتق فيه: (عَتَقَ كلُّه) على معتق كله أو بعضه. (ولو مع رهن شقص الشريك) بيد مرتهنه، (و) كان (عليه) أي: على الشريك الراهن لشقصه (قيمتُه) أي: قيمه الشقص المرهون تجعل (مكانه) بيد المرتهن.
والأصل في ذلك ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من أعتق شِركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمه عدل. فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق " (^١) . متفق عليه.
وعموم هذا الحديث ما يشمل جميع الصور المذكورة في المتن.
(ويضمن شقص) أي: ويضمنُ الشريكُ المعتق لكل المشترك أو بعضه الشقص (من مكاتب، من قيمته مكاتبًا) يوم عتقه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦ ٢٣٨) ٢: ٨٩٢ كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠١) ٣: ١٢٨٦ كتاب الأيمان، باب من أعتق شركًا له في عبد.
[ ٨ / ٣٤١ ]
ومتى أعتق الشريك الآخر الرقيق المشترك بعد سراية عتق الأول فيه ولو قبل
أخذ قيمة حصته ممن عتق عليه كله: لم يثبت له فيه عتق، لأنه قد صارحرًا بعتق الأول له؛ لأن عتقه حصل باللفظ لا بدفع القيمة، وصار جميعه حرًا واستقرت القيمة على المعتق الأول فلا ينعتق بعد ذلك بعتق غيره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن موسرًا بقيمة باقيه كله: (فـ) إنه لا يعتق منه زيادة على ما يملكه إلا (ما قابل ما هو موسر به) من قيمته.
(والمعسر يعتق حقه) أي: حصته من الرقيق (فقط). يعني: ولا يسري
عتقه إذا كان معسرًا إلى نصيب شريكه، لقوله ﷺ: " وإلا فقد عتق منه ما عتق " (^١) .
(ويبقى حق شريكه) في ملكه على الأصح.
وعنه: يعتق كله ويستسعي الرقيق في قيمة باقيه غير مشقوق عليه.
وتعتبر قيمة حصة (^٢) الشريك حين اللفظ بالعتق؛ لأنه حين التلف.
فإن اختلفا في قدرها: رجع إلى قول المقومين.
فإن كان الرقيق قد مات أو غاب أو تأخر تقويمه زمنًا تختلف فيه القيم: فالقول قول المعتق؛ لأنه منكر لما زاد على ما يقوله، والأصل براءة ذمته من الزيادة.
وإن اختلفا في عيب ينقص قيمته: فالقول قول الشريك؛ لأن الأصل سلامته.
(ومن له نصف قِنّ، ولآخر ثلثه، ولثالث سدسه. فأعتق موسران منهم) أي: من الشركاء (حقهما) منه (معًا) بأن تلفظا بذلك في وقت واحد، أو وكلا من أعتق عنهما بكلام واحد: (تساويا في ضمان الباقي) أي: في ضمان قيمة حصة الشريك الثالث، (و) في (ولائه) أي: ولاء عتق ما تساويا في
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) في أوج: حق.
[ ٨ / ٣٤٢ ]
ضمانه؛ لأن عتق نصيب الثالث عليهما إتلاف لرقه، وقد اشتركا فيه فيتساويان في ضمانه وولائه.
فلو كان اللذان أعتقا معًا صاحب النصف وصاحب السدس: كان ولاؤه بينهما أثلاثًا؛ لأنا إذا حكمنا بأن ثلث الشريك يعتق عليهما نصفين فنصفه سدس إذا ضممناه إلى النصف الذي لأحدهما صار ثلثين. وإذا ضممنا السدس الآخر إلى سدس المعتق صار ثلثًا.
ولو كان اللذان أعتقا معا صاحب النصف وصاحب الثلث (^١): صار لمن كان
له النصف ثلث الولاء وربعه ولمن كان له الثلث ربع الولاء وسدسه.
ولو كان اللذان أعتقا معًا صاحب الثلث وصاحب السدس (^٢): صار لمن كان
له الثلث ثلث الولاء وربعه، ولمن كان له السدس ربع الولاء وسدسه.
ولو كان أحد من أعتقا معًا موسرًا دون الآخر: قُوّم عليه نصيب الثالث دون شريكه المعسر؛ لأن المعسر لا يسري عتقه. فيكون ضمان نصيب الشريك الثالث على الموسر خاصة وولاؤه له.
(و) من له شريك في رقيق فقال: (أعتقت نصيب شريكي): فإن قوله ذلك (لغو) يعني: أنه لا يعول عليه في الشرع، (كقوله لقن غيره: أنت حر من مالي، أو فيه) أي: في مالي. (فـ) إنها لا يعتق ولو رضي سيده)، لأنه لا ولاية له على قِنّ غيره.
(و) لو قال من له شريك في رقيق: (أعتقت النصيب ينصرف إلى ملكه،
ثم يسري) إلى نصيب شريكه إن كان القائل موسرًا، لأن الظاهر أنه أراد نصيبه. ونقل ابن منصور عن أحمد: في دار بينهما قال: أحدهما بعتك نصف هذه الدار لا يجوز، إنما له الربع من النصف، حتى يقول: نصيبي.
(ولو) كان قِن بين اثنين نصفين فـ (وكل شريك شريكه) في عتق نصيبه،
_________________
(١) في ب زيادة: وصاحب السدس.
(٢) في ج: الولاء.
[ ٨ / ٣٤٣ ]
(فأعتق) الوكيل (نصفه) أي: نصف القن (ولا نية) أي: ولم ينو بقلبه أن الذي أعتقه نصفه أو نصف شريكه الذي وكل في عتقه: (انصرف) العتق (إلى نصيبه) أي: إلى نصيب المعتق دون نصيب شريكه الذي وكله، لأن الأصل في تصرف الإنسان أن يكون في ماله ما لم ينوه عن موكله.
قال في " الإنصاف ": ولو وكل أحدهما الآخر فأعتق نصيبه ولا نية: ففي صرفه إلى نصيب موكله، أم نصيبه، أم إليهما؛ احتمالات في " المغني ". واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: الصواب عتق نصيبه لا غير. انتهى.
(وأيهما) أي: أيّ الشريكين (سرى عليه) عتق حصة شريكه بعتقه النصف
عن نفسه أو عن شريكه موكله: (لم يضمنه) أي: لم يضمن نصيب شريكه؛ كما لو أعتقاه معًا.
(وإن ادعى كل من) شريكين (موسرين: أن شريكه أعتق نصيبه) من القن المشترك بينهما: (عتق المشترك؛ لاعتراف كل) من الشريكين (بحريته. وصار) كلٌ (مدعيًا على شريكه بنصيبه من قيمته).
فإن كانت لأحدهما بينه حكم له بها، (و) إن لم يكن لواحد منهما بينة فإنه (يحلف كل) منهما للآخر (للسراية) أي: لأجل سراية عتقه إلى نصيب شريكه.
فإن نكل أحدهما: قضي عليه للآخر. وإن نكلا جميعًا تساقط حقاهما؛ لتماثلهما.
(و) لا ولاء عليه لواحد منهما، لأنه لا يدعيه. بل يكون (ولاؤه لبيت المال). أشبه المال الضائع. (ما لم يعترف أحدهما بعتق) لكله أو جزئه: (فيثبت له) ولاؤه، (ويضمن حق شريكه) أي: قيمة حصة شريكه لاعترافه. ولا فرق في هذه الحالة بين العدلين والفاسقين والمسلمين والكافرين؛ لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في الاعتراف والدعوى.
[ ٨ / ٣٤٤ ]
(ويعتبر حق معسر فقط مع يُسرة الآخر). يعني: أنه متى ادعى كلٌ من شريكين أن شريكه أعتق نصيبه وكان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا: عتق نصيب المعسر وحده؛ لاعترافه بأن نصيبه قد صار حرًا بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه إلى حصة المعسر.
وإنما لم يعتق إلا نصيب المعسر؛ لأن الموسر يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه فعتق وحده. ولا تقبل شهادة المعسر عليه؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعًا؛ لكونه يوجب عليه بشهادته ديمة حصته له.
فعلى هذا إن لم يكن للعبد بينة سواه حلف الموسر وبرئ من القيمة والعتق جميعًا. ولا ولاء للمعسر في نصيبه؛ لأنه لا يدعيه ولا للموسر أيضًا.
فإن عاد المعسر (^١) فاعترف بالعتق: ثبت له ولاء حصته. وإن عاد الموسر واعترف بإعتاق نصيبه وصدفه المعسر مع انكار المعسر لعتق نصيبه: عتق نصيب المعسر أيضًا، وعلى الموسر غرامة نصيب المعسر، ويثبت له الولاء على جميعه. (ومع عسرتهما) أي: عسرة الشريكين المتداعيين: (لا يعتق منه) أي:
من القن المشترك (شيء)؛ لأنه ليس في دعوى أحدهما على صاحبه: أنه أعتق نصيبه: اعتراف بحرية نصيبه، ولا ادعاء استحقاق قيمتهما على المعتق؛ لكون عتق المعسر لا يسري إلى غيره. فلم يكن في دعواه أثر من أنه شاهدٌ على شريكه بإعتاق نصيبه.
فإن كانا فاسقين فلا أثر لكلامهما في الحال ولا عبرة بقولهما؛ لأن الفاسق لا تقبل شهادته.
(وإن كانا عدلين فشهدا) أي: فشهد كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه، (فمن حلف معه) الرقيق (المشترك) بينهما: (عتق نصيب صاحبه)؛ لأنه لا مانع من قبول شهادة أحدهما على الآخر؛ لأنه لا يجر بشهادته إلى نفسه نفعًا. ولا يدفع عنها ضررًا.
_________________
(١) في ب: الموسر.
[ ٨ / ٣٤٥ ]
وإن لم يحلف مع شهادة واحد منهما: لم يعتق منه شيء؛ لأن العتق لم يحصل بشهادة واحد من غير يمين.
وإن كان أحدهما عدلًا دون الآخر: فله أن يحلف مع شهادة العدل ويصير نصفه حرًا ويبقى الآخر رقيقًا.
(وأيهما) أي: وأي الشريكين المعسرين الذي ادعى كلٍّ منهما على شريكه
أنه أعتق نصيبه (ملك من نصيب شريكه المعسر شيئًا: عتق) عليه ما ملكه من نصيب شريكه، (ولم يَسْر) العتق (إلى نصيبه) في الأصح؛ لأن عتقه لما ملكه حصل باعترافه بحريته بإعتاق شريكه. ولا يثبت له عليه ولاء؛ لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف بأن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن يسترقه ظلمًا فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
ولو ملك كل واحد منهما نصيب صاحبه: صار الرقيق المشترك كله حرًا.
ولا ولاء عليه لواحد منهما.
ولو كان ملك كل واحد منهما بشراء من الآخر ثم أقر كل منهما بأنه كان أعتق نصيبه قبل بيعه وصدق الآخر في شهادته: بطل البيعان. ويثبت لكل واحد منهما الولاء على نصفه؛ لأن أحدًا لا ينازعه فيه. وكل واحد منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء.
(ومن قال لشريكه الموسر: إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر فأعتقه) أي: أعتق المقول له نصيبه: (عتق الباقي) بعد حصته عليه (بالسراية) في الأصح (مضمونًا) عليه حصة شريكه بقيمتها، ولا يقع عتق شريكه المعلق على عتقه؛ لأن السراية سبقت فمنعت عتق الشريك. ويكون ولاؤه كله له.
(وإن كان) المقول له ذلك (معسرًا) فأعتق نصيبه: (عتق على كل) منهما (نصيبه).
أما القائل؛ فبوجود الشرط المعلق عليه العتق.
وأما المقول له؛ فبتنجيز عتقه لنصيبه.
[ ٨ / ٣٤٦ ]
(و) إن قال أحد الشريكين في رقيق لشريكه: (إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فعل) أي: فأعتق نصيبه: (عتق) المشترك (عليهما مطلقًا) أي: سواء كانا موسرين أو معسرين، أو كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا.
ولم يلزم المعتق شيء؛ لأن العتق وجد منهما معًا. فهو كما لو وكل الشريكان غيرهما في إعتاقه فأعتقه بلفظ واحد.
وإن قال: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل إعتاقك فأعتق المقول له
نصيبه: وقع عتقهما معًا على الأصح.
وقيل: يعتق كله على المعتق. ولا يقع عتق القائل؛ لأنه إعتاق في زمن ماض.
وقيل: يعتق جميعه على القائل، ويضمن لشريكه قيمة نصيبه منه.
(ومن قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة قبله فصلت كذلك)
أي: مكشوفة الرأس: (عتقت) في الأصح؛ لوجود الشرط وهو صلاتها الصحيحة.
وقيل: لا تعتق؛ لبطلان الصفة بتقديم المشروط.
(و) إن قال مالك قِنّ لقنه: (إن أقررتُ بك لزيد فأنت حر قبله. فأقر به له) أي: لزيد: (صح إقراره) له (فقط). أي: دون العتق. ذكره في " الإنصاف "، ولم يذكر فيه خلافًا.
(و) لو قال: (إن اقررتُ بك لزيد فأنت حر ساعة إقراري. ففعل) أي:
فأقر به لزيد: (لم يصحا) أي: لم يصح الإقرار ولا العتق. ذكره أيضًا في
" الإنصاف "، ولم يذكر فيه خلافًا.
(ويصح شراء شاهدين من) أي: عبدًا شهدا على سيده أنه أعتقه،
و(ردت شهادتهما بعتقه، ويعتق) عليهما؛ (كانتقاله) أي: انتقال من ردت شهادتهما بعتقه (لهما بغير شراء)؛ كهبة. ولا ولاء لهما عليه؛ لأنهما يعترفان
أن المعتق غيرهما. وإنما هما مخلّصان له ممن يسترقه ظلمًا. فهما كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
[ ٨ / ٣٤٧ ]
(ومتى رجع بائع) بأن أقر بعتقه الذي شهد به الشاهدان وردت شهادته
به: (رد ما أخذ) منهما على أنه ثمن وجوبًا؛ لاعترافه بأنه قبضه بغير حق. (واختص بإرثه) بالولاء. هذا إذا رجع البائع عن إنكاره (^١) العتق وبقيت الشهود على شهادتهم.
(ويوقف) إرثه: (إن رجع الكل) أي: إن رجع الشهود عن شهادتهم بعتقه، ورجع البائع عن إنكاره العتق بعد بيعه (حتى يصطلحوا) عليه.
(وإن لم يرجع أحد) منهم عما ذكره، بأن لم يرجع البائع عن إنكاره العتق، ولم يرجع الشهود عن شهادتهما عليه بالعتق: (فـ) إن إرثه يكون (لبيت المال)؛ لأن كلاَّّ منهم مقر بأنه لاحق له فيه. فيكون فيئا لبيت المال (^٢)؛ كسائر الأموال التي لا يعلم لها مالك.
***
_________________
(١) في ج: إمكان.
(٢) في ب: في بيت المال. وفي ج: فيء لبيت المال.
[ ٨ / ٣٤٨ ]
[فصل: في تعليق العتق بصفة]
(فصل. ويصح تعليق عتق بصفة؛ كـ) قوله: (إن أعطيتني ألفًا فأنت حر)؛ لأنه تعليق محض.
وكذا يصح تعليقه على دخول الدار ومجيء الأمطار وغير ذلك؛ لأنه عتق بصفة. فصح؛ كالتدبير.
وإذا علق عتقه على مجيء وقت؛ كقوله: أنت حر في رأس الحول لم يعتق حتى يجيء رأس الحول.
قال أحمد: إذا قال لغلامه: أنت حر إلى أن يقدم فلان ويجيء فلان: واحد. وإلى رأس السنة، وإلى رأس الشهر: إنما يريد إذا جاء رأس الشهر أو جاء رأس الهلال.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا قال لعبده: أنت حر في رأس الحول عتق في الحال.
ولنا: ما روي عن أبي ذر: " أنه قال لعبده: أنت عتيق إلى رأس الحول ". فلولا أن العتق يتعلق بالحول لم يعلقه عليه.
ولأنه علق العتق بصفة. فوجب أن يتعلق بها؛ كما لو قال: إذا أديت إلي
ألفا فأنت حر.
(ولا يملك) السيد (إبطاله) أي: إبطال التعليق (ما دام ملكُه) على من علق عتقه بصفة؛ لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه. فلا يملك إبطالها بالقول، قياسًا على النذر.
وكذا إن أتفق السيد والعبد على إبطالها لم تبطل كذلك.
(و) أما إذا قال لعبده: إن أعطيتني ألفًا، أو إن أديت إليَّ ألفا فأنت حر:
[ ٨ / ٣٤٩ ]
فإنه (لا يعتق بإبراء) أي: بإبراء السيد له من الألف؛ لأنه لا حق له في ذمته يُبرئه منه، ولا يبطل التعليق بذلك.
(و) إذا أدى إليه ألفًا عتق و(ما فضل عنه) أي: عن الألف بيد العبد (فلسيد) (^١) .
قال في " الإنصاف ": لو قال: إن أعطيتني ألفا فأنت حر فهو تعليق محض
لا يبطله ما دام ملكُه، ولا يعتق بالإبراء منها بل يدفعها. نص عليه، [وما فضل عنها لسيده] (^٢) .
قال في " شرح المقنع ": وما يكسبه قبل وجود الشرط فلسيده؛ لأنه لم يوجد ما يمنعه. إلا أنه إذا علق عتقه على أداء مال معلوم فما أخذه السيد حسبه من المال. فإذا. كمل أداء المال عتق. انتهى.
قال في " الفروع ": ولا يكفيه أن يعطيه من ملكه إذ لا ملك له.
(وله) أي: وللسيد (أن يطأ) أمته التي علق عتقها بصفة قبل وجودها على الأصح؛ لأن استحقاقها العتق بوجود الصفة لا يمنع إباحة الوطء؛ كالاستيلاد. فأما المكاتبة فإنما لم يبح وطؤها؛ لأنها اشترت نفسها من سيدها بعوض وزال ملكه عن أكسابها. بخلاف مسألتنا.
(و) للسيد أيضًا أن (يقف) رقيقًا علق عتقه بصفة قبلها، (و) أن (ينقل ملك من علَّق عتقه) بصفة (قبلها) أي: قبل وجودها.
ثم إن وجدت وهو في ملك غير المعلِّق لم يعتق. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لقول النبي ﷺ: " لا طلاق ولا عتاق ولا بيع فيما لا يملك ابن ادم " (^٣) . ولأنه لا ملك له عليه. فلم يقع طلاقه وعتاقه؛ كما لو لم يتقدم عليه ملك.
_________________
(١) في ج: فلسيده.
(٢) زيادة من ج.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٧ ٢٠) ١: ٦٦٠ كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح. وأخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٧: ٣٨١ كتاب الخلع والطلاق، باب الطلاق قبل النكاح.
[ ٨ / ٣٥٠ ]
(وإن عاد ملكُه) أي: ملك المعلق على من علق عتقه بصفة (ولو بعد وجودها) أي: وجود الصفة (حال زواله) أي: زوال ملك المعلق عنه (عادت) الصفة. فمتى وجدت وهو في ملكه عتق على الأصح، لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه. فأشبه ما لو لم يتخللهما زوال ملك ولا وجود الصفة حال زواله.
ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، كالجُعل في الجعالة. فلو قال لعبده:
إذا أديت ألفًا فأنت حر لم يعتق حتى يؤدي جميعه.
قال في " شرح المقنع ": وذكر القاضي أن من أصلنا أن العتق المعلق بصفة يوجد بوجود بعضها، كما لو قال: أنت حر إن أكلت رغيفًا فأكل نصفه. ولا يصح ذلك لوجوه:
أحدها: أن أداء الألف شرط للعتق. وشروط (^١) الأحكام يعتبر وجودها بكمالها لثبوت الأحكام. وتنتفي بانتفائها، كسائر شروط الأحكام.
الثانى: أنه إذا علقه على وصفِّ ذي عدد فالعدد وصف في الشرط، ومن
علق الحكم على شرط ذي وصف لم يثبت ما لم توجد الصفة؛ كقوله لعبده: إن خرجت عاريًا فأنت حر فخرج لابسًا لم يعتق. فكذلك العدد.
الثالث: أنه متى كان في اللفظ ما يدل على الكل لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة ويصوم يومًا. ولو قال لامرأته: إن حضت حيضة فأنت طالق: لم تطلق حتى تطهر من الحيضة. وذِكْرُ الألف هاهنا يدل على أنه أراد ألفا كاملة.
الرابع: أن الأصل الذي ذكره فيما إذا قال: إذا أكلت رغيفًا فأنت حر: أنه يعتق بأكل بعضه: ممنوع.
وأما إذا حلف لا يفعل شيئًا ففعل بعضه يحنث في رواية في موضع يحتمل إرادة البعض، ويتناوله اللفظ، كمن حلف لا يصلي فشرع في الصلاة، أو لا يصوم فشرع في الصوم، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه ونحو هذا،
_________________
(١) في ج: وشرط.
[ ٨ / ٣٥١ ]
لأن الشارع في الصلاة والصيام قد صلى وصام ذلك الجزء الذي شرع فيه، والقدر الذي شربه من الإناء هو ماء الإناء. وقرينة حاله تقتضي المنع من الكل فيقتضي الامتناع من الكل، ومتى فعل البعض فما امتنع من الكل فحنث لذلك. ولو حلف على فعل شيء لم يبرأ إلا بفعل الجميع. وفي مسألتنا تعليق الحرية على أداء الألف يقتضى وجود أدائها. فلا يثبت الحكم المعلق عليها دون أدائها؛ كمن حلف ليؤدين ألفًا لا يبرأ حتى يؤديها.
الخامس: أن موضوع الشرط في الكتاب والسنة والأحكام الشرعية (^١) على
أنه لا يثبت المشروط بدون شرطه. فقول النبي ﷺ: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة " (^٢) . فلو قال بعضها لم يستحق إلا العقوبة.
وقوله: " من أحيا أرضًا ميتة فهي له " (^٣): لا تكون له بشروعه في الإحياء.
ولو قال في المسابقة: من سبق إلى خمسة إصابات فهو سابق لم يكن سابقًا
إذا سبق إلى أربع. ولو قال: من رد ضالتي فله عليَّ دينار لم يستحقه بالشروع في ردها. فكيف تخالف موضوعات الشرع واللغة بغير دليل؟ وإنما الرواية التي جاءت عن أحمد في الأيمان فيمن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعل بعضه يحنث؛ لأن اليمين على الترك يُقصد بها المنع فنزلت منزلة النهى والنهي عن فعل شيء يقتضي المنع من بعضه. بخلاف تعليق المشروط على الشرط.
(ويبطل) التعليق (بموته) أي: موت المعلِّق؛ لزوال ملكه زوالًا غير قابل للعود. (فقوله) أي: قول السيد لعبده: (إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر لغو)؛ كقوله لعبد غيره: إن دخلت الدار فأنت حر.
ولأنه علق عتقه على صفة توجد بعد موته وزوال ملكه. فلم يصح؛ كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي لك فأنت حر.
_________________
(١) في ب: وأحكام الشريعة.
(٢) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٦٣٤٨) ٧: ٤٨.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٧٣ ٠ ٣) ٣: ١٧٨ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات
[ ٨ / ٣٥٢ ]
ولأنه إعماق له بعد استقرار ملك غيره عليه. فلم يعتق به؛ كالمنجّز.
(ويصح) من مالك قوله لعبده: (أنت حر بعد موتي بشهر) على الأصح
وفاقًا للشافعي. ذكره القاضى وابن أبي موسى؛ كما لو وصى بإعتاقه، وكما لو
وصى أن تباع سلعته ويتصدق بثمتها.
(فلا يملك وارث بيعه) أي: بيع العبد الذي قيل له ذلك (قبله) أي: قبل
مضي الشهر، (كـ) ما لا يملك وأرث بيع (موصى بعتقه قبله) أي: قبل
عتقه، (أو) موصى به (لمعين قبل قبوله) أي: قبول من أوصي له به.
(وكسبه) أي: كسب العبد (بعد الموت) أي: موت سيده (وقبل انقضاء
الشهر للورثة) في الأصح، ككسب أم الولد في حياة سيدها.
(وكذا) في الحكم قول السيد لعبده: (اخدم زيدًا سنة بعد موتي، ثم أنت
حر). فإذا فعل ذلك وخرج من الثلث في هذه المسألة والتي قبلها: عتق.
(فلو أبراه زيد من الخدمة) وقد مات سيده: (عَتَق في الحال) أي: حال
إبراء زيد له؛ لأن الخدمة المستحقة عليه وهبت له فبرئ منها.
(وإن جعلها) أى: جعل السيد الخدمة (لكنيسة وهما) أي: السيد والعبد
(كافران فأسلم العبد قبلها) أي: قبل الخدمة وبعد موت سيده: (عتق مجانًا)
أي: من غير أن يلزمه شيء على الأصح؛ لأن الخدمة المشروطة عليه صار
لا يتمكن منها؛ لأن الإسلام يمنعه منها. فيبطل اشتراطها؛ كما لو شرط عليه
شرطًا باطلا فإنه يعتق ويبطل الشرط.
وأما كونه لا يلزمه شيء؛ لأن خدمة الكنيسة صارت بالنسبة إليه شرطًا
باطلًا. فلم يلزمه فعله؛ كسائر الشروط الباطلة.
(و) إن قال مالك قِنِّ له: (إن خدمت ابني حتى يستغني فأنت حر. فخدمه
حتى كبر واستغنى عن رضاع: عَتَق) في الأصح.
وقيل: لا يعتق حتى يستغنى عن إطعامه وتنجيته.
نقل مهنا: لا يعتق حتى يستغني. قلت: حتى يحتلم. قال: لا. دون الإحتلام.
[ ٨ / ٣٥٣ ]
ولا يشترط كون قدر زمن الخدمة معلومًا. فلو قال: أعتقتك على أن تخدم زيدًا مدة حياتك: صح؛ وذلك لما روي عن سفينة قال: " كنت مملوكًا لأم سلمة. فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشتَ. فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت. فأعتقيني واشترطي عليَّ " (^١) . رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
ومعناه عن ابن مسعود.
ولأن العبد ومنافعه ملكّ للسيد. فإذا أعتقه وشرط استثناء منافعه فقد أخرج الرقبة، وبقي المنفعة على ما كانت عليه.
ولأن قاعدتنا صحةُ الوقف واستثناء منافعه وكذا البيع.
لكن يشترط تقدير زمن الاستثناء في البيع، لأنه عقد معاوضة فيشترط فيه
علم الثنيا وزمنها؛ لأن الثمن يختلف من حيث طولها وقصرها.
(و) لو قال مالك قِنْ له: (إن فعلتَ كذا فأنت حر بعد موتي. ففعله):
كما لو قال له: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فدخلها (في حياة سيده: صار مُدَبْرًا)، لأنه وُجد شرط التدبير وهو دخول الدار. لا إن دخلها بعد موت سيده، لأنه جعل ما بعد الموت ظرفًا لوقوع الحرية، وذلك يقتضي سبق وجود شرط ذلك، لأن الشرط لا بد أن يسبق الجزاء.
(ويصح) على الأصح من حر (لا من رقيق تعليقُ عتق قِنّ غيره بملكه: نحو) أن يقول: (إن ملكتُ فلانًا) فهو حر، (أو) أن يقول: (كلُّ مملوك أملكه فهو حر) فإذا ملكه عتق، لأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه. فأشبه ما لوكان التعليق في ملكه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٣٢) ٤: ٢٢ كتاب العتق، باب في العتق على الشروط. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٧٨ ٢) ٥: ٢٢١. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (٢٨٤٩) ٢: ٢٣٢ كتاب العتق. ولم أره في النسائي.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
وروى أبو طالب عن أحمد أنه قال: إذا قال: إن اشتريتُ هذا الغلام فهو
حر فاشتراه عتق. بخلاف ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ لأن العتق مقصود من الملك، والنكاج لا يقصد به الطلاق. وفرق أحمد بأن الطلاق ليس لله ولا فيه قربة إلى الله تعالى.
وعلم مما تقدم أن العبد لو قال ذلك: لم يصح؛ لأنه لا يصح منه عتق حين التعليق؛ لكونه لا يملكه. ولو قيل بملكه فهو ملك ضعيف لا يتمكن من التصرف فيه، وللسيد انتزاعه منه. بخلاف الحر.
الا) تعليقُ عتق ما لا يملكه (بغيره) أي: بغير ملكه له: (نحو) أن يقول: (إن كلمت عبد زيد فهو حر. فلا يعتق إن ملكه ثم كلمه) رواية واحدة. وهو القياس، خولف في تعليقه بملكه؛ لأن العتق مقصود من الملك.
(و) إن قال مكلف حر: (أول) قِنَ أملكه، (أو) قال: (آخر قِنّ أملكه، أو) أول أو آخر من (يطلع من رقيقي حر. فلم يملك) إلا واحدًا، (أو) لم (يطلع) من رقيقه (إلا واحد: عَتَقَ)؛ لأنه ليس من شرط الأول أن يأتي بعده ثان، ولا من شرط الآخر أن يأتي قبله أول.
(ولو ملك اثنين معًا أولًا أو آخرًا، أو قال لأمته: أول ولد تلدينه حر. فولدت) ولدين (حيين معًا: عتق واحد) منهما (بقرعة). نص عليه أحمد. فإنه قال في رواية مهنا: إذا قال: أول من يطلع من عبيدي فهو حر فطلع اثنان أو جميعهم فإنه يقرع بينهم.
ووجه ذلك: أنه إذا لم يسبقهما غيرهما فقد ثبت وجود الصفة فيهما.
وإذا تقرر ذلك فإما أن يعتقا أو يعتق أحدهما وتعينه القرعة وهو المنصوص
فلا يعدل عنه.
ولأن صفة الأولية شاملة لكل واحد بانفراده، والمعلق إنما أراد عتق واحد فقط. فميزنا بالقرعة.
(و) لو قال لأمته: (آخر ولد تلدينه) فهو (حر. فولدت حيًا ثم ميتًا: لم
يعتق الأول)؛ لأنه لم يوجد شرط عتقه.
[ ٨ / ٣٥٥ ]
(وإن ولدت ميتًا ثم) ولدت (حيًا: عتق الثاني)، لوجود شرطه.
(وإن ولدت توأمين فأشكل الآخر) منهما: (أخرج بقرعة)، لأن أحدهما استحق العتق ولم يعلم بعينه (^١) . فوجب إخراجه بالقرعة.
(و) لو قال لأمته: (أول ولد تلدينه، أو) قال: (إن ولدت حيًا فهو حر. فولدت) ولدًا (ميتًا ثم) ولدت (حيًا: لم يعتق الحي)، لأن شرط العتق إنما وجد في الميت وليس بمحل العتق فانحلت اليمين به. وإنما قلنا إن شرط العتق وجد فيه، لأنه أول ولد. بدليل أنه لو قال لأمته: إذا ولدت فأنت حرة فولدت ولدًا عتقت.
(و) لو قال من له إماء وزوجات: (أول أمة) لي تطلع، (أو) قال: أول (امرأة لي تطلع). فا لأمة (حرة أو) فالمراة (طالق. فطلع الكل) أي: كل إمائه أو كل زوجاته معًا، (أو) طلع (ثنتان) من الإماء (معًا) أو ثنتان من الزوجات معًا: (عتق) من الإماء واحدة بقرعة، (وطلق) من الزوجات (واحدة بقرعة). قياسًا على ما تقدم.
(و) لو قال من يصح عتقه: (آخر قِن أملكه) فهو (حر. فملك عبيدًا ثم مات: فآخرهم حر من حين شرائه) له، لأن السيد ما دام حيًا لم يحكم بعتق واحد من رقيقه، لأنه يحتمل أن يشتري عبدًا بعد الذي في ملكه فيكون هو الأخير. فإذا مات علمنا أن آخر ما اشتراه هو الذي وقع عليه العتق، (و) كان (كسبه له) من حين شرائه.
(ويحرم) على من قال: آخر قن أملكه حر (وطء) كل (أمة) اشتراها بعد قوله ذلك (حتى يملك غيرها)، لاحتمال أن لا يملك بعدها قنًا فتكون حرة من حين شرائها، ويكون وطؤه في حرة أجنبية. وإنما يزول هذا الاحتمال بشرائه غيرها. (ويتبع معتقة) أي: من عتقت (بصفة) علق عتقها عليها (ولا) أي: ولدها في عتقه بعتقها إن (كانت حاملًا به حال عتقها) بوجود الصفة المعلق
_________________
(١) في ج: ولو لم يعينه.
[ ٨ / ٣٥٦ ]
عليها؛ لأن العتق وجد فيها وهي حامل به (^١) فتبعها في العتق ولدها كالمنجز عتقها. (أو) كانت حاملًا به (حال تعليقه) أي: حال تعليق سيدها العتق على وجود تلك الصفة؛ لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق إليه (^٢) . فلو وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت الصفة: عتقت هي وولدها؛ لأنه تابع في الصفة. فأشبه ما لو عتقت وهي حامل به.
(لا ما) أي: لا حملًا (حملته ووضعته بينهما) أي: بين التعليق ووجود الصفة فإنه لا يعتق في الأصح؛ لأن الصفة لم تتعلق به حال التعليق، ولافي حال العتق. (و) من قال لرقيقه: (أنت حر وعليك ألف): فإنه (يعتق بلاشيء عليه) على الأصح؛ لأنه أعتقه بغير شرط، وجعل عليه عوضًا لم يقبله. فعتق ولم يلزمه شيء.
(و) إن قال: أنت حر (على ألف، أو) أنت حر (بألف، أو) أنت حر (على أن تعطيني ألفًا، أو) يقول له: (بعتك نفسك بألف): فإنه (لا يعتق حتى يقبل) على الأصح؛ لأنه أعتقه بعوض. فلم يعتق بدون قبوله.
ولأن " على " تستعمل للشرط والعوض، قال الله ﷾: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وقال: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] وقال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
(و) من قال لقنه: أنت حر (على أن تخدمني سنة) أو شهرًا: فإنه
(يعتق) في الحال (بلا قول) من القن. (وتلزمه الخدمة) على الأصح.
(وكذا لو أستثنى خدمته مدة حياته، أو) استثنى (نفعه مدة معلومة.
وللسيد) فيما إذا استثنى خدمته أو نفعه مدة معلومة (بيعُها) أي: بيع مدة النفع المعلومة (من العبد و) من (غيره) على الأصح.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: إليها.
[ ٨ / ٣٥٧ ]
نقل حرب: لا بأس ببيعها من العبد أو ممن شاء.
(وإن مات) السيد (في أثنائها) أي: أثناء مدة الخدمة المعينة: (رجع الورثة) أي: ورثة السيد (عليه) أي: على العبد المستثني سيده خدمته مدة معلومة (بقيمة ما بقي من) مدة (الخدمة)؛ لأن العتق عقد لا يلحقه الفسخ. فإذا تعذر فيه استيفاء العوض رجع إلى قيمته؛ كالنكاح والمُصالح به عن دم عمد. (ولو باعه) أي: باع السيد العبد (نفسه بمال في يده) أي: يد العبد: (صح) على الأصح، (وعتق).
قال في " الترغيب ": مأخذهما هل هو معاوضة أو تعليق؛
(وله) أي: وللسيد (ولاؤه)؛ لعموم قوله ﷺ: " الولاء لمن أعتق " (^١) .
(و) من قال لقنه: (جعلتُ عتقك إليك، أو خيرتك) في عتقك (ونوى) بذلك (تفويضه إليه) أي: تفويض العتق إلى القن، (فأعتق) القن (نفسه في المجلس: عتق). وإلا فلا.
قال في " الفروع ": ويتوجه كطلاق.
(و) لو قال عبد لغير سيده: (اشترني من سيدي بهذا المال وأعتقني. فاشتراه بعينه) أي: بعين المال الذي اعطاه له العبد: (لم يصحا) أي: لم يصح الشراء ولا العتق إذا أعتقه؛ لأنه اشترى بعين مال غيره شيئًا بغير إذنه. فلم يصح الشراء ولم ينفذ العتق؛ لأنه أعتق مملوك غيره بغير إذنه. ويكون السيد قد اخذ ماله؛ لأن ما في يد العبد محكوم به لسيده.
(وإلا) أي: وإن لم يقع الشراء بعين المال واشتراه وأعتقه صح الشراء، و(عتق، ولزم مشتريه) الثمن (المسمى) في العقد. وما دفعه للسيد مما أخذه من العبد ملك للسيد لا يحتسب من الثمن. ويلزم المشتري أداء الثمن الذي اشتراه به في ذمته، ويكون ولاء المعتق له.
***
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥٦٨) ٢: ٩٦٨ كتاب الشروط، باب الشروط في البيع.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
[فصل: لو قال: كل مملوك حر]
(فصل. و) لو قال من يصح عتقه: (كل مملوك) لي حر، (أو) كل (عبد لي) حر، (أو) كل (مماليكي) حر، (أو) كل (رقيقي حر): فإنه (يعتق) عليه (مدبّروه ومكاتبوه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه، وعبيد عبده التاجر). نص عليه. ولو استوعبهم دين عبده التاجر؛ لأن لفظه عام فيهم. فيعتقون؛ كما لو عينهم.
ونقل مهنا: لا يعتق شقص حتى ينويه. ذكره ابن عقيل وغيره؛ لأنه لا يملكه كله.
والأول المذهب.
(و) إن قال: (عبدي حر، أو) قال: (أمتي حرة، أو) قال: (زوجتي طالق ولم ينو معينًا) من عبيده أو إمائه أو زوجاته: (عَتَقَ) كل عبيده فيما إذا قال: عبدي حر، أو كل إمائه فيما إذا قال: أمتي حرة، (أو طلق الكل) من زوجاته فيما إذا قال: زوجتي طالق على الأصح. نص عليه. وهو من مفردات المذهب؛ (لأنه) أي: لأن لفظ عبدي أو أمتي أو زوجتي (مفرد مضاف. فيعم) العبيد والإماء والزوجات. وهذا منصوص أحمد.
قال في رواية حرب: لو كان له نسوة. فقال: امرأتي طالق، أذهب إلى قول ابن عباس، يقع عليهن الطلاق. وليس هذا مثل قوله: إحدى الزوجات طالق؛ وذلك لقوله ﷾: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهذا شامل لكل نعمة ولكل ليلة.
[ ٨ / ٣٥٩ ]
ولقوله ﷺ: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " (^١) . وهي تعم كل صلاة جماعة.
وقيل: يعتق واحد بالقرعة، وتطلق واحدة وتخرج بالقرعة.
قال أبو محمد الجوزي بعد المسألة: وكذا إن قال: كل عبد أملكه قي المستقبل.
(و) إن قال: (أحد عبدي) حر، (أو) قال: أحد (عبيدي) حر،
(أو) قال: (بعضهم) أي: بعض عبيدي (حر، ولم ينوه) أي: ولم يعينه بالنية، (أو عينه ونسيه، أو أدَّى أحد مكاتبيه) ما عليه (وجُهل) المؤدي منهما، (ومات بعضُهم) أي: المبهمين أو المنسيين، (أو) مات (السيد أو لا) يعني: أو لم يمت: (أقرع) السيد بين المبهمين والمنسيين، (أو) أقرع (وارثه) أي: وارث السيد إن كان مات بين من تقدم ذكره. (فمن خرج) منهم بالقرعة (فـ) هو (حر من حين العتق) وكسبه له؛ لأن مستحق العتق في هذه المسائل واحد غير معين فيخرج بالقرعة. أشبه ما لو أعتق جميعهم في مرضه، ولم تجز الورثة فإنه يخرج بالقرعة منهم ما يقابل ثلث ماله.
(ومتى بان لناسٍ) أي: من أعتق معيّنًا ونسيه، (أو) بان لـ (جاهل) فيما
إذا أدى أحد مكاتبيه، وجهل (أن عتيقه اخطأته القرعة: عتق) الذي أخطأته القرعة؛ لأنه قد تعين أنه المعتق، (وبطل عتق المخرج) في الأصح؛ لتبين أن المعتق غيره.
ومحل ذلك: (إذا لم يحكم بالقرعة)؛ لأنه إذا حكم بالقرعة حاكم كان في إبطال عتق المخرج نقض لحكم الحاكم بالقرعة.
(و) إن قال مالك رقيقين: (أعتقت هذا. لا بل هذا: عَتَقا) جميعًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦١٩) ١: ٢٣١ كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل صلاة الجماعة.
[ ٨ / ٣٦٠ ]
(وكذا إقرار وارث) يعني: أنه لو قال وارثُ ميت: مورثي أعتق هذا.
لا بل هذا. عتق الاثنان.
(وإن أعتق) مالك رقيقين (أحدهما بشرط. فمات أحدهما) قبل الشرط (أو باعه) أي: باع السيد أحدهما (قبله) أي: قبل الشرط: (عَتق الباقي) منهما بوجود الشرط؛ كما لو قال لهما: إن قدم زيد في هذا الشهر فأحدكما حر. فمات أحدهما أو باعه السيد قبل قدوم زيد، ثم قدم زيد في الشهر المعلق العتق على قدومه فيه: عتق؛ لمصادفة وجود الشرط لمن هو محل لوقوع العتق به. (كقوله) أي: قول مالك قِنّ (له ولأجنبي): أحدكما حر، (أو) قال
عن قنه و(بهيمة: أحدهما حر: فيعتق) قنه (وحده) دون الأجنبي. واختار الموفق: أنه يقرع بين الحي والميت، وبين الباقي والمبيع؛ لأنهما محل للعتق وقت قوله.
والأول المذهب.
(وكذا طلاق) فيما إذا كان له زوجتان وعلّق طلاق إحداهما مبهمة بشرط ثم ماتت إحداهما أو بانت (^١) قبل وجود الشرط ثم وجد والأخرى في عصمته: فإنها تطلق. وكذا لو قال لها ولأجنبية: إحداكما طالق.
***
_________________
(١) في ج: ماتت.
[ ٨ / ٣٦١ ]
[فصل: فيمن أعتق في مرضه]
(فصل. ومن أعتق في مرضه) أي: مرض موته المخوف (جزءًا من) رقيق (مختص به، أو) من رقيق (مشترك) بينه وبين غيره، (أو دبّره) أي: دبر جزءًا من مختص به أو مشترك أو كل ذلك. (ومات وثلثه) أي: ثلث المخلف عنه (يحتمله) أي: يحتمل من أعتق جزءًا منه أو دبر جزءًا منه (كله: عتق) كله على الأصح " لأن عتق الميت لجزءه أو تدبيره لجزءه يسري إلى باقيه من ثلث ماله؛ لأن ملك المعتِق لثلث ماله ملكٌ تام يملك التصرف فيه بالتبرع وغيره. فأشبه عتق الصحيح الموسر.
(ولشريك في) رقيق (مشترك) بينه وبين المريض: (ما يقابل حصته) أي: حصة الشريك (من قيمته) أي: قيمة المشترك يوم عتقه يعطى له من التركة، لقوله ﷺ: " وأعطى شركاؤه حصصهم " (^١) .
(فلو مات) العبد الذي أعتق في مرضه جزءًا منه (قبل سيده: عتق بقدر ثلثه) منه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وقيل: يعتق كله؛ لأن رد الورثة هنا لا فائدة لهم فيه. انتهى.
(ومن أعتق في مرضه) أي: مرض موته المخوف (ستة) من عبيد أو إماء (قيمتهم سواء، وثلثه يحتملهم) في الظاهر، (ثم ظهر) على معتقِهم (دين يستغرقهم) أي: يستغرق الستة الذين (^٢) أعتقهم وما معهم من ماله: (بيعوا) كلهم على الأصح (فيه) أي: في الدين؛ لتبين بطلان عتقهم بظهور الدين.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٤١) رقم (١).
(٢) في ب: التي.
[ ٨ / ٣٦٢ ]
ويكون عتقهم وصية، والدين مقدم على الوصية؛ لقول علي ﵁ " أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية " (^١) .
ولأن الدين يقدم على الميراث بالاتفاق، ولهذا تباع التركة في قضاء الدين. وذكر أبو الخطاب رواية: في الذي يعتق عبده في مرضه وعليه دين يستغرقه: أنه يعتق منه بقدر الثلث ويرد الباقي، لأن تصرف المريض في ئلثه كتصرف الصحيح في جميع ماله.
والأصح الأول، لأنه تبرع في مرض الموت بما يعتبر خروجه من الثلث. فقدم عليه الدين، كالهبة. وخفاء الدين لا يمنع ثبوت حكمه ولهذا يملك الغريم استيفاءه.
(وإن استغرق) الدين (بعضهم) أي: بعض الستة التي أعتقهم: (بيع) منهم (بقدره) أي: بقدر ما يستغرقه الدين منهم.
ومحل ذلك: (ما لم يلتزم وارثه) أي: وارث المعتق (بقضائه) أي: قضاء الدين (فيهما) أي: في صورة ما إذا استغرق الدين جميعهم، وفي صورة ما إذا استغرق الدّين بعضهم في الأصح، لأن المانع من نفوذ العتق إنما هو الدين. فإذا سقط بقضاء الوارث وجب نفوذ العتق، كما لو أسقط الورثة حقهم من ثلثي التركة بعد العتق الصادر من المريض فيما لا يملك غيره.
(وإن لم) يظهر عليه دين ولم (يعلم له مال غيرهم) أي: غير الستة الذين (^٢) أعتقهم ولم تجز الورثة العتق في جميعهم: (عتق ثلثهم) فقط.
(فإن ظهر له) أي: للميت (مال) بعد ذلك (يخرجون) أي: الستة الذين (^٣) أعتقهم الميت (من ثلثه) أي: ثلث مال الميت: (عتق من أرقَّ) منهم
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١٢٢) ٤: ٤٣٥ كتاب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧١٥) ٢: ٩٠٦ كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية.
(٢) في ب: التي.
(٣) في ب: التي.
[ ٨ / ٣٦٣ ]
من حين عتق الميت لهم؛ لأن تصرف المريض في ثلثه نافذ، وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ما ظهر من المال علينا لا يمنع كون العتق موجودًا من حينه، ويكون
ما كسبوه بعد عتقهم لهم. وإن كان قد تصرف فيهم ببيع أو نحوه كان باطلًا. (وإلا) أي: وإن لم يظهر له شيء من المال غيرهم: (جزَّأناهم ثلاثة)
أي: ثلاثة أجزاء، (كل اتنين جزءًا، وأقرع نا بينهم بسهم حرية وسهمي رق.
فمن خرج له سهم الحرية) من الأجزاء الثلاثة: (عتق، ورقَّ الباقون).
وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان ومالك والشافعى وإسحاق وداود وابن جرير. وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعي في باقيه.
وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح والشعبي والنخعي وقتادة وحماد؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق. فيتساوون في الاستحقاق؛ كما لو كان يملك ثلثهم وحده وهو ثلث ماله، وكما لو وصى بكل واحد لرجل.
وأنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا: هي من القمار وحكم الجاهلية. ولعلهم يردون الخبر في هذه المسألة لمخالفة قياس الأصول. وذكر الحديث لحماد فقال: هذا قول الشيخ- يعني: إبليس-. فقال له محمد بن ذكوان: رفع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يُفيق- يعني: أنك مجنون. فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد: وأنت وما دعاك إلى هذا؟
وهذا قليل في جواب حماد وكان حريًّا أن يستتاب عن هذا. فإن تاب وإلا
ضربت عنقه. ولنا: ما روى عمران بن حصين: " أن رجلًا من الأنصار أعتق ستة مملوكين (^١) في مرضه لا مال له غيرهم. فجزأهم رسول الله ﷺ ستة أجزاء. فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة " (^٢) .
_________________
(١) في ج: مماليك.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٦٨) ٣: ١٢٨٨ كتاب الأيمان، باب من أعتق شركًا له فى عبد. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٥٨) ٤: ٢٨ كتاب العتق، باب فيمن أعتق عييدًا له لم يبلغهم الثلث. =
[ ٨ / ٣٦٤ ]
وهذا نص في محل النزاع وحجة لنا في الأم رين المختلف فيهما. وهو جمع الحرية واستعمال القرعة. وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داو د وساكر أصحاب السنن. ورواه عن عمران الحسن وابن سرين وأبو المهلب ثلاثة ائمة. ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى (^١) عن هشيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد الأنصاري، رجل من أصحاب النبي ﷺ (^٢) .
وروي نحوه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (^٣) .
ولأن العتق حق في تفريقه ضرر. فوجب جمعه بالقرعة؛ كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشركاء. ونظيره من القسمة: ما لو كانت دار بين اثنين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها، وفيها ثلاث (^٤) مساكن متساوية، لا ضرر في قسمتها. فطلب أحدهما القسمة: فإنه يُجعل كل بيت سهما، ويقرع بينهما بثلاثة أسهم، لصاحب الثلث سهم، وللآخر سهمان.
وقولهم: أن الخبر يخالف قياس الأصول يمنع ذلك بل هو موافق لما ذكرناه. وقياسهم فاسد؛ لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده لم يمكن جمع نصيبه. والوصية لا ضرر في تفريقها. بخلاف مسألتنا.
وإن سلمنا مخالفته قياس الأصول فنقول رسول الله ﷺ و (٣) الاتباع. سواء وافق القياس أو خالفه؛ لأنه قول المعصوم الذي جعل الله ﷾ قوله حجة على الخلق أجمعين، وأمر باتباعه وطاعته، وحذر بالعقاب من
_________________
(١) = وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٦٤) ٣: ٦٤٥ كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم. وأخرجه النسائي في " سننه " (١٩٥٨) ٤: ٦٤ كتاب الجنائز، الصلاة على من يحيف في وصيته. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٨٣٨ ١) ٤: ٤٣٨. في ج: عن ابن عيسى.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٩٤٣) ٥: ١ ٣٤.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٢٨٦ كتاب العتق، باب عتق العبيد لا يخرجون من الثلث.
(٤) في ب: ثلاثة.
[ ٨ / ٣٦٥ ]
مخالفة أمره، وجعل الفوز في طاعته والضلال في معصيته. وتطرق (^١) الخطأ إلى القياس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله والأئمة بعدهم في روايتهم.
على أنهم قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ضعيفة: فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها.
وقولهم في مسألتنا: يعتقون الثلث ويستسعون العبيد في الثلثين فلا يحصل للورثة شيء في الحال ويحيلونهم على السعاية. فربما لا يحصل منها شيء أصلًا، وربما لا يحصل منها في الشهر إلا اليسير، كالدرهم والدرهمين فيكون هذا كمن لم يحصل له شيء.
وفيه ضرر على العبيد، لأنهم يجبرون على التكسب والسعاية من غير اختيارهم. وربما كانوا إماء فيحملهن ذلك على البغاء، أو عبيدًا فيسرقون أو يقطعون الطريق. وفيه ضرر على الميت حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والإضرار وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه والدعاء عليه من عبيده وورثته.
وأما إنكارهم القرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة، قال الله ﷾: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال سبحانه وتعا لى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
وأما السنة. فقال أحمد: في القرعة خمس سنن:
" أقرع بين نسائه " (^٢) .
و" أقرع في ستة مملوكين " (^٣) .
_________________
(١) في ج: وتطرأ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩١٣) ٥: ١٩٩٩ كتاب النكاح، باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٦٤) رقم (٢).
[ ٨ / ٣٦٦ ]
و" قال لرجلين: استهما " (^١) .
وقال: " مثل القائم بحدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة " (^٢) .
وقال: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " (^٣) .
وفي حديث ابن الزبير: " أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة. فوجدنا
إلى جنبه قتيلًا. فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر. فأقرعناعليهما. ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي صار له ".
و" تشاحّ الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع بينهم سعد " (^٤) .
وأجمع العلماء على استعمالها في القسمة. ولا نعلم بينهم خلافًا في أن الرجل يقرع بين نسائه إذا أراد السفر بإحداهن، وإذا أراد البداءة بإحداهن بالقسمة بينهن، وبين الأولياء إذا تشاحوا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص ونحو ذلك.
(وإن كانوا) أي: الذين أعتقهم في مرضه (ثمانية) أي: ثمانية أعبد: (فإن شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق، وسهم لمن ثلثاه حر)؛ لأن الغرض خروج الثلث بالقرعة كيف اتفق، (وإن شاء جزَّأهم أربعة) أي: أربعة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦١٦) ٣: ٣١١ كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئًا وليست لهما بينة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٩٧٧) ٢: ٤٤٧.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١ ٢٣٦) ٢: ٨٨٢ كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١٧٣) ٤: ٤٧٠ كتاب الفتن، باب منه.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٩٠) ١: ٢٢٢ كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٣٧) ١: ٥ ٣٢ كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها. . .
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ٤٢٨ - ٤٢٩ كتاب الصلاة، باب الاستهام على الأذان. وعلقه البخاري في " صحيحه " ١: ٢٢٢ كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان. ولفظه: ويذكر: أن أقوامًا اختلفوا في الأذان. فأقرع بينهم سعد.
[ ٨ / ٣٦٧ ]
أجزاء، (وأقرع) بينهم (بسهم حرية وثلاثة رق، ثم أعادها) أي: أعاد القرعة (لإخراج من ثلثاه حر)، ليظهر الفريق المعتق من غيره. (وكيف أقرع جاز). قال أحمد: بأي شيء خرجت القرعة مما يتفقان عليه: وقع الحكم به. سواء كان رقاعًا أو خواتيم.
وقال أصحابنا المتأخرون: الأولى أن يقطع رقاعًا صغارًا مستوية، ثم يجعل
فى بنادق شمع أو غيره متساوية القدر والوزن، ثم تلقى في حجر رجل لم يحضر، ويغطى عليها بثوب، ثم يقال له: أدخل يدك وأخرج بندقة فيفضها ويعلم ما فيها.
وفي كيفية القرعة بالعتق ست مسائل:
إحداها: أن يعتق عددًا من الرقيق له ثلث صحيح؛ كثلاثة أو ستة أو تسعة أو اثني عشر. وقيمتهم سواء، ولا مال له غيرهم. فيجزؤون ثلاثة أجزاء جزءًا للحرية، وجزئين للرق، ويكتب ثلاثة رقاع: في واحدة حرية، وفى اثنين رق، وتترك في ثلاثة بنادق، وتغطى بثوب، ويقال لرجل لم يحضر: اخرج على اسم هذا الجزء. فإن خرجت رقعة (^١) الحرية عتق ورق الجزآن الآخران، وإن خرجت رقعة (^٢) الرق رق. وأخرجت أخرى على جزء آخر. فإن خرجت رقعة الحرية عتق ورق الجزء الثالث، وإن خرجت رقعة الرق رق وعتق الجزء الثالث؛ لأن الحرية تعينت فيهم.
وإن شئت: كتبت اسم كل جزء في رقعة (^٣)، ثم أخرجت رقعة على الحرية فيعتق المسمون فيها ويرق الباقون، وإن أخرجت على الرق رق (^٤) المسمون فيها. ثم تخرج أخرى على الرق فيرق المسمون فيها ويعتق الجزء الثالث، وإن أخرجت الثانية على الحرية عتق المسمون فيها ورق الثالث.
_________________
(١) في ج: قرعة.
(٢) مثل السابق.
(٣) مثل السابق.
(٤) إلى هنا ينتهي السقط من أ.
[ ٨ / ٣٦٨ ]
المسألة الثاتية: أن تمكن قسمتهم أثلاثأ:، وقيمتهم مختلفة يمكن تعديلها بالقيمة (^١): كسته قيمة اثنين منهم ثلاثة آلاف، وقيمة اثنين ألفان ألفان، وقيمة اثنين ألف ألف. فتجعل للاثنين الأوسطين جزءًا، وتجعل اثنين قيمة أحدهما ثلاثة آلاف مع آخر قيمته ألف جزءًا. فيكونون ثلاثة أجزاء متساوية في العدد والقيمة على ما قدمناه في المسألة الأولى.
قيل لأحمد: لم يستووا (^٢) في القيمة، قال: يقوّمون بالثمن.
المسألة الثالثة: أن يتساووا في العدد ويختلفوا في القيمة، ولا يمكن الجمع بين تعديلهم بالعدد والقيمة معًا، ولكن يمكن تعديلهم بكل واحد منهم منفردًا؛ كستة أعبد قيمة أحدهم ألف وقيمة اثنين ألف وقيمة ثلاثة ألف. فإنهم يعدلون بالقيمة دون العدد. نص عليه أحمد. فقال: إذا كانت قيمة واحد مثل اثنين قوم؛ لأنه لا يجوز أن يقع العتق حتى يكمل الثلث: فيُجعل الذي قيمته ألف جزءًا، والاثنين اللذين قيمتهما ألف جزءًا، والثلاثة الباقين جزءًا. ثم يقرع بينهم كما ذكرنا.
المسألة الرابعة: أن يمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد؛ كسبعة قيمة واحد ألف، وقيمة اثنين ألف، وقيمة أربعة ألف. فيعدلون بالقيمة دون العدد.
المسألة الخامسة: أن يمكن تعديلهم بالعدد دون القيمة؛ كستة قيمة اثنين ألف، وقيمة اثنين سبعمائة، وقيمة اثنين خمسمائة. فتجزئهم بالعدد؛ لتعذر تجزئهم بالقيمة. فتجعل كل اثنين جزءًا، وتضم كل واحد ممن قيمته قليلة إلى واحد ممن قيمته كثيرة، وتجعل المتوسطين جزءًا، وتقرع بينهم فإن وقعت رقعة الحرية على من قيمته أكثر من الثلث أعيدت القرعة بينهما. فيعتق من تقع له رقعة الحرية ويعتق من الآخر تتمة الثلث ويرق باقيه والباقون، وإن وقعت الحرية على من أقل من الثمن عتقا جميعًا ثم يكمل الثلث من الباقى بالقرعة.
_________________
(١) في أ: أن تكون قسمتهم أثلاثًا، وقيمتهم مخلفة يمكن تعديلها بالقسمة.
(٢) في ج: قيل لأحمد: يستوون.
[ ٨ / ٣٦٩ ]
المسألة السادسة: أن لا يمكن تعديلهم بالعدد ولا بالقيمة؛ كخمسة قيمة أحدهم ألف، واتنان ألف، واثنان ثلاثة آلاف. فيحتمل أن تجزئهم ثلاثة أجزاء والباقين جزءًا، ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق؛ لأن هذا أقرب إلى ما فعله النبي ﷺ، ويعدل الثلث بالقيمة على ما تقدم.
ويحتمل أن لا تجزأهم بل تخرج القرعة على واحد واحد (^١) حتى يستوفي الثلث. فتكتب خمس رقاع بأسمائهم، ثم تخرج رقعة على الحرية. فمن خرج اسمه فيها عتق، ثم تخرج الثانية فمن خرج اسمه فيها عتق منه تمام الثلث.
(وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان، و) قيمة (الآخر ثلثمائة: جمعت الخمسمائة فجعلتها الثلث)، لئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه، (ثم أقرعت) بينهما؛ ليتميز المعتق منهما.
(فإن وقعت) القرعة (على الذي قيمته مائتان، ضربتها في ثلاثة) كما يعمل في مجموع القيمة: (تكن ستمائة، ثم نسبت منه) أي: من المضروب (الخمسمائة)، لأنها الثلث تقديرًا. (فيعتق خمسة أسداسه)؛ لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة.
(وإن وقعت) القرعة (على) العبد (الآخر: عتق) منه (خمسة أتساعه)؛ لأنك إذا ضربت قيمته وهي ثلاثمائة في ثلاثة كانت تسعمائة. فإذا نسبت (^٢) منها الخمسمائة كانت خمسة أتساعها.
(وكل ما يأتي) من المسائل (من هذا) الباب (فسبيله) أي: فطريقه:
(أن يضرب في ثلاثة؛ ليخرج بلا كسر) أي: صحيحًا.
(وإن أعتق) المريض (مُبهمًا) أي: عبدًا غير معيّن (من) أعبد (ثلاثة)
لا يملك غيرها (^٣)، (فمات أحدهم) أي: أحد الثلاثة (في حياته) أي: حياة
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: قسمت.
(٣) ساقط من أ.
[ ٨ / ٣٧٠ ]
السيد: (أقرع بينه) أي: بين الميت (وبين الحيَّين) في الأصح؛ لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث. أشبه ما لو أعتقت واحدًا منهم معينًا. (فإن وقعت) القرعة (عليه) أي: على الميت: (رقَّا) أي: تبين رق الحيين؛ لأن الحرية إنما تقع على المعتق.
(و) إن وقعت القرعة (على أحدهما) أي: على أحد الحيين: (عتق إذا
خرج من الثلث)، ولم يشترط فيما إذا وقعت القرعة على الميت (^١) خروجه من الثلث؛ لأن قيمة الميت إن كانت وفق الثلث فلا إشكال، وإن كانت أكثر فالزائد على الثلث هلك على ملك الميت، وإن كانت أقل فلا يعتق من الآخر شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحد.
وأما إذا وقعت على أحد الحيين فلا بد من اعتبار القيمة؛ لأن العبرة بالثلث
عند الموت، والعبد الميت هلك قبله من أصل المال.
(وإن أعتق) المريض عبيده (الثلاثة) التي لا يملك غيرهم (في مرضه:
فمات أحدهم في حياته، أو وصى بعتقهم) أي: بعتق الثلاثة التي لا يملك غيرهم، (فمات أحدهم بعده) أي: بعد موت الموصي (وقبل عتقهم، أو دبَّرهم) أي: دبّر الثلاثة (أو) دبّر (بعضهم ووصى بعتق الباقي) ولم تجز الورثة ذلك، (فمات أحدهم: أقرع بينهم) أي: بين الميت (وبين الحيين) في الأصح؛ لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث. فأشبه ما لو أعتق واحدًا منهم مبهمًا، إلا إن الميت هنا لو كانت قيمته أقل من الثلث ووقعت القرعة عليه عتق من أحد الآخرين تكملة الثلث بالإقراع (^٢) بينهما. والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في أ: ملك الميت.
(٢) في أ: بالأقرع.
[ ٨ / ٣٧١ ]
[باب: التدبير]
(باب) يذكر فيه مسائل من أحكام التدبير.
وسمي تدبيرًا؛ لأن الموت (^١) دبر الحياة. يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة: إذا مات. فسمي العتق بعد الموت تدبيرًا.
وقال ابن عقيل: هو مشتق من إدباره من الدنيا.
ولا يستعمل في شيء بعد الموت من وصية ووقف وغيرهما. فهو لفظ يختص به العتق بعد الموت.
ثم (التدبير) شرعًا: (تعليق العتق بالموت) أي: موت المعلِّق. (فلا تصح وصية به) أي: بالتدبير.
والأصل فيه السنة والإجماع.
أما السنة، فما روى جابر " أن رجلًا أعتق مملوكًا له عن دبر فاحتاج. فقال رسول الله ﷺ: من يشتريه مني؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: أنت أحوج منه " (^٢) متفق عليه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين إن كان عليه، وإنفاذ وصاياه إن كان وصى، وكان السيد بالغًا جائز الأمر: أن الحرية تجب له أولها. انتهى.
يعني: للعبد أو للأمة.
_________________
(١) في أوج: الميت.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٣٤ ٢) ٢: ٧٥٣ كتاب البيوع، باب بيع المزايدة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٩٧) ٣: ١٢٨٩ كتاب الأيمان، باب جواز بيع المدبر.
[ ٨ / ٣٧٢ ]
وقوله: ولم يرجع عن ذلك يعنى: عند من يرى صحة رجوعه.
وقوله: وكان السيد بالغًا جائز الأمر يعنى: عند من يرى اشتراط ذلك.
(و) لكن (يعتبر) لصحة التدبير (كونه ممن تصح وصيته). فيصح من محجور عليه لفلس وسفه، ومن مميز يعمله.
(و) يكون التدبير في الصحة أو المرض (من ثلثه) أي: ثلث مال السيد
يوم موته على الأصح. نص عليه في رواية المروذي وصالح وحرب وأبي طالب؛ لأنه تبرع بعد الموت. فاعتبر من ثلث ماله؛ كالوصية. ويفارق العتق (^١) في الصحة فإنه لم يتعلق به حق الورثة. فنفذ في جميع المال؛ كالهبة المنجزة.
وأما الاستيلاد فإنه أقوى من التدبير؛ لأنه ينفذ من المجنون. بخلاف التدبير.
فإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق؛ لأنه أسبق.
وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعًا عتق بعد الموت.
(وإن) كان عبد بين اثنين و(قالا لعبدهما: إن متنا فأنت حر. فمات أحدهما: عتق نصيبه، وباقيه بموت الآخر). قاله أحمد واختاره الموفق وغيره.
وقيل: هو تعليق للحرية بموتهما جميعًا. ذكره القاضى وجماعة. وقدمه
في " الفروع ".
ولا يعتق بموت أحدهما شيء من العبد (^٢)، ولا يبيع وارث (^٣) حقه من العبد لتعلق العتق (^٤) به تعليقًا لا ينفك. إلا أنه متوقف على موت السيد الثاني.
ومعنى قول أحمد: أنه قابل الجملة بالجملة (^٥) فينصرف إلى مقابلة البعض
_________________
(١) في: المعتق.
(٢) في أ: العبيد.
(٣) في ب: وارثه.
(٤) في أ: المعتق.
(٥) ساقط من أ.
[ ٨ / ٣٧٣ ]
بالبعض؛ كقوله: ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم وأخذوا (^١) رماحهم. يعني: كل إنسان ركب دابته ولبس ثوبه وأخذ (^٢) رمحه.
وقال القاضي: إنما قال أحمد: يعتق نصيبه بناء على أن وجود بعض الصفة
يقوم مقام جميعها.
قال الموفق: ولا يصح هذا؛ لأنه لو كانت العلة هذه لعتق العبد كله؛ لوجود بعض صفة كل واحد منهما.
وقا ل في " الإنصاف " عن قول أحمد: وهذا المذهب.
(وصريحُه) أي: صريح التدبير: (لفظ: عتقٍ، و) لفظ: (حريةٍ معلَّقين بموته) أي: بموت السيد، كقوله: أنت حر بعد موتي، أو عتيق بعد موتي، ونحو ذلك؛ كأنت بعد موتي معتق أو محرر. (ولفظ: تدبير)؛ كأنت مُدبّر، (وما تصرَّف منها) أي: من لفظ الحرية والعتق المعلقين (^٣) بالموت، ولفظ التدبير: كدبرتك، (غير أمر)، كدَبِّرْ، (ومضارع)، كأُدَبِّرُ، (واسم فاعل)؛ كمُدبِّر. بكسر الباء.
(وتكون كناياتُ عتقٍ منجَّز، لتدبير: إن عُلِّقت بالموت)؛ كقوله: إن مت فأنت لله، أو فأنت مولاي، أو فأنت سائبة.
(ويصح) التدبير (مطلقًا) أي: غير مقيد ولا معلق " (كـ) قوله: (أنت مدبر.
و) يصح (مقيدًا، كـ) قوله: (إن مت في عامي) هذا، (أو) في (مرضي هذا فأنت مدبر). فيكون ذلك جائز على ما قال: إن مات على الصفة التي قالها عتق، وإلا فلا.
(و) يصح التدبير أيضًا (معلقا، كـ) قوله: (إذا قدم زيد فأنت مدبر)،
_________________
(١) في أ: واحذروا.
(٢) في أ: وأحذر.
(٣) في أ: المتعلقين.
[ ٨ / ٣٧٤ ]
أو إن شفى (^١) الله عليلي فأنت حر بعد موتي. فهذا لا يصير مدبرًا حتى يوجد الشرط في حياة سيده، لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في حياة المعلق. بدليل ما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر فدخلها بعد موت السيد لم يعتق. (و) يصح (مؤقتًا، كأنت مدبر اليوم، أو) أنت مدبر (سنة).
قال مهنا: سألت أحمد عمن قال لعبده: أنت مدبر اليوم؛ قال: يكون مدبرًا ذلك اليوم. فإن مات السيد في ذلك اليوم صار حرًا.
(و) من قال لقنه: (إن) شئت فأنت مدبر، (أو متى) شئت فأنت مدبر،
(أو إذا شئت فأنت مدبر. فشاء في حياة سيده: صار مدبرًا. وإلا) أي: وإن لم يشأ ذلك في حياة سيده (فلا) يصير مدبرًا؛ لأن المدبر من علق عتقه بالموت. فلو لم يشأ إلا بعد الموت لا يكون مدبرًا، لأنه لا يمكن حدوث التدبير بعد الموت.
وقال ابو الخطاب: إن شاء في المجلس صار مدبرًا، وإلا فلا " كما لو خيره في ذلك.
ولو قال لعبده: إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي (^٢) . فقرأ القرآن جميعه: صار مدبرًا. وإذا قرأ بعضه لم يصر مدبرًا.
وإن قال: إذا قرأت قرآنًا فأنت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن: صار مدبرًا؛ لأنه في الأولى عرفه بالألف واللام المقتضية للاستغراق فعاد إلى جميعه، وهاهنا نكره فاقتضى بعضه.
فإن قيل: فقد قال الله ﷾: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، ولم يرد القرآن جميعه.
قلنا: قضية اللفظ تتناول جميعه؛ لأن الألف واللام للاستغراق. وإنما
_________________
(١) في أ: أشفى.
(٢) في أ: بعد موتي حر.
[ ٨ / ٣٧٥ ]
حمل على بعضه. بدليل فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل. ولأن قرينة الحال تقتضي قراءة جميعه، لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القران. فتتعلق الحريه به. أو أن يجازيه على قراءته بالحرية. والظاهر: أنه لا يجازى بهذا الأمر الكبير الذي هو العتق إلا بما تشق قراءته. أما قراءة آية أو آيتين فلا. (وليس) التدبير (بوصية)، لأن الموصي (^١) إذا أبطل الوصية أو رجع عنها. بطلت، وأما التدبير (فلا يبطل بإبطال و) لا (رجوع). فلو قال: قد رجعت في تدبيري، أو أبطلته: لم ييطل على الأصح، لأنه تعليق للعتق بصفة (^٢) . فلا يبطل، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم قال. قد رجعت عن ذلك لم يبطل.
ولا يصح القول بأنه وصية به لنفسه، لأنه لا يملك نفسه، وإنما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرق. ولهذا لا تقف الحرية على قبوله واختياره، ويتنجز عتقه عقيب الموت، كتنجزه عقيب سائر الشروط.
ولأنه غير ممتنع أن يجمع أمرين. فيثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع، ويجتمعان في حصول العتق بالموت.
(و) لا يمنع التدبير نفوذ تصرف سيده فيه. فـ (يصح وقف مدبر وهبته وبيعه، ولو) كان المدبر (أمة، أو) كان بيعه (في غير دين) على الأصح.
قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن بيع المدبر إذا كا ن بالرجل حاجة
إلى قنه. فقال: له أن يبيعه، محتاجًا كان أو غير محتاج.
وروي مثل هذا عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاووس ومجاهد. وهو
قول الشافعي.
قال أبو إسحاق الجوزجانى: صحت أحاديث بيع المدبر باستقامة الطرق،
وإذا ثبت الخبر استغني به عن غيره من رأي الناس.
_________________
(١) في ب: الوصي.
(٢) في أ: العتق بعضه.
[ ٨ / ٣٧٦ ]
ولأنه عتق بصفة ثبت (^١) بقول المعتق. فلم يمنع البيع؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
ولأنه تبرع بمال بعد الموت. فلم يمنع البيع في الحياة؛ كالوصية.
قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حر رأس الشهر فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدا فله بيعه اليوم، وإن قال: إذا مت قال: لا يبيعه. فالموت أكثر من الأجل. ليس هذا قياسًا. إن جاز أن يبيعه قبل رأس الشهر فله أن يبيعه قبل مجيء الموت. وهم يقولون فيمن قال: إن مت من مرضي هذا فعبدي حر ثم لم يمت من مرضه ذلك فليس بشيء. فإن قال: إن (^٢) مت فهو حر لا يباع، هذا متناقض (^٣) . إنما أصله الوصية من الثلث فله أن يغير وصيته ما دأم حيًا. فأما ما ذكر أن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: " لا يباع المدبر ولا يشترى " (^٤): فلم يصح عن النبي ﷺ. ويحتمل أنه أراد بعد الموت أو على الاستحباب. ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن عتقها ثبت بغير اختيار سيدها. وليس بتبرع، ويكون عن جميع المال. والوقف والهبة؛ كالبيع. وعنه: لا تباع الأنثى.
قال الموفق: لا نعلم التفريق بين المدبر والمدبرة من غير إمامنا. وإنما احتاط في إباحة فرجها وتسليط مششريها على وطئها مع الخلاف في بيعها وحلها. والظاهر: أن منعه منه على سبيل الورع. فإنه إنما (^٥) قال: لا يعجبني بيعها. والصحيح جوازه. فـ " إن عائشه رضي الله تعالى عنها باعت مدبره لها سحرتها " (^٦) .
(ومتى عاد) المدبر إلى ملك من دبره: (عاد التدبير)؛ لأنه علق عتقه
_________________
(١) في أ: ويثبت.
(٢) في أ: فإن.
(٣) في أ: مناقض.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣١٤ كتاب المدبر، باب من قال: لا يباع المدبر.
(٥) ساقط من أ.
(٦) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤١٧٢) ٦: ٤٠.
[ ٨ / ٣٧٧ ]
بصفة. فإذا باعه ثم عاد إليه عادت الصفة؛ كما لو قال: أنت حر إن دخلت الدار ثم باعه (^١) ثم اشتراه ودخلها. كذلك إذا مات السيد بعد أن باع المدبر ثم اشتراه ثم مات وهو في ملكه.
(وإن جنى) مدبر: (بيع) أي: جاز بيعه في الجناية.
(وإن فدى) أي: فدى المدبرَ سيدُه بدفع أرش جنايته من غير أن يبيعه:
(بقي تدبيره) بحاله وصار كأن لم يجن.
(وإن بيع بعضُه) أي: بعض المدبر في جنايته: (فباقيه) الذي لم يُبع (مدبر) بحاله.
(وإن مات) سيد المدبر (قبل بيعه) وقبل فدائه، (عتق: إن وفى ثلثه). أي: ثلث مخلف سيده (بها) أي: بالجناية.
وإن أوجبت الجناية قودًا، أو قلنا يملك الجاني ولي الجناية: لم يعتق.
(وما ولدت مدبرة بعده) أي: بعد تدبيرها: فولدها (بمنزلتها). سواء
كانت حاملًا به حين التدبير أو حملت به بعد التدبير، لما روي عن عمر وابنه وجابر أنهم قالوا: " ولد المدبرة بمنزلتها " (^٢) . ولم يعلم لهم في الصحابة مخالف.
ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها. فيتبعها ولدها؛ كأم الولد.
ويفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية، لأن التدبير آكد من كل واحد منهما. (ويكون) ولدها (مدبرًا بنفسه). فلو ماتت الأم أو زال (^٣) ملك السيد عنها: لم يبطل التدبير في ولدها فيعتق بموت سيد أمه " كما لو كانت أمه باقية على التدبير.
ولا يتبع المدبرة ولدٌ ولدته قبل تدبيرها، لأنه لا يتبع في العتق المنجز ولا
_________________
(١) في ب: فباعه.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣٤٨ كتاب عتق أمهات الأولاد، باب ولد أم الولد من غير سيدها بعد الاستيلاد. عن عبد الله بن عمر.
(٣) في أ: زالت.
[ ٨ / ٣٧٨ ]
في حكم الاستيلاد ولا في الكتابة. فلأن لا يتبع في التدبير أولى. نص على ذلك. قال الميموني: قلت لأحمد: ما كان من ولد المدبرة [قبل أن تدبر] (^١) . فيتبعها؟ قال: (^٢) لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك. إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت.
(فلو قالت) المدبرة: (ولدت) ولدي (بعده) أي: بعد التدبير، (وأنكر سيدها) بأن قال: إنما ولدته قبله: (فقوله).
أو قالت ذلك بعد موت سيدها وأنكر ورثته: فالقول قول الورثة بأيمانهم؛
لأن الأصل بقاء رق الولد وانتفاء الحرية عنه.
فإذا لم يكن مع المدبرة بينة بأنها ولدته بعد التدبير: كان القول قول من يوافق قوله الأصل.
(وإن لم يف الثلث) أي: ثلث تركة السيد (بمدبرة وولدها) بًان لم يخرجا جميعًا من الثلث: (أُقرع) بينها وبين ولدها؛ كمدبرين لا قرابة بينهما إذا ضاق الثلث عنهما.
(وله) أي: ولسيد المدبرة (وطؤها وإن لم يشترطه) أي: يشترط وطأها حال تدبيرها، وسواء كان يطؤها قبل تدبيرها أو لا.
وقد روي عن ابن عمر: " أنه دبر أمتين له وكان يطؤهما " (^٣) .
قال أحمد: لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري.
ووجه جواز وطئها أنها مملوكته ولم تشتر نفسها منه. فحل له وطئها؛ لقول الله ﷾: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦].
وقياسًا على أم الولد.
(و) للسيد أيضًا (وطء بنتها) أي: بنت مدبرته التابعة لأمها في التدبير. ومحل جواز وطء بنت المدبرة: (إن لم يكن وطئ أمها).
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: قالا.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣١٥ كتاب المدبر، باب وطء المدبرة.
[ ٨ / ٣٧٩ ]
وعنه: ليس له وطؤها؛ كبنت المكاتبة.
ووجه المذهب: أن ملك سيدها تام فيها فحل له وطؤها للآية. واستحقاقها الحرية لا يزيد على استحقاق أمها ولم يمنع ذلك وطئها. وأما بنت المكاتبة فألحقت بأمها، وأمُّها يحرم وطؤها فكذلك بنتها.
(ويبطل تدبيرها بإيلادها) يعني: أن المدبرة متى ولدت من سيدها بطل تدبيرها وصارت أم ولد، لأن مقتضى التدبير العتق من الثلث، ومقتضى الاستيلاد العتق من رأس المال وإن لم يملك غيرها، ولا يمنع الدين عتقها. وحيث كان الاستيلاد أقوى وجب أن يبطل به الأضعف الذي هو التدبير؛ كملك الرقبة إذا طرأ على ملك النكاح فإنه يبطله.
(وولد مدبر من أمة نفسه كهو) أي: كأبيه. وهذا مبني على إباحة تسري العبد؛ لأن إباحة التسري تنبني على ثبوت الملك. وولد الحر من أمته يتبعه في الحرية دون أمه المملوكة كذلك ولد المدبر (^١) من أمته يتبعه فى دون أمه.
ولأنه ولد من يستحق الحرية من أمته. فيتبعه في ذلك، كولد المكاتب من أمته. (و) ولده (من غيرها كأمه) يعني: أنه يكون حكم الولد حكم أمه حرية أو رقًا. (ومن كاتب مدبره أو) كاتب (أم ولده، أو دبَّر مكاتبه: صح) ذلك.
أما صحة كتابة المدبر فقد نص عليها أحمد. وهي قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن. ولفظ حديث قال: " دبرتِ امرأة من قريش خادمًا لها ثم أرادت أن تكاتبه. فكتب الرسول إلى أبي هريرة فقال: كاتبيه. فإن أدى كتابته فذلك، وإن حدث بك حدث عتق. قال: وأراه قال: ما كان عليه له " (^٢) .
ولأن التدبير إن كان عتقًا بصفة لم يمنع الكتابة، كالذي علق عتقه بدخول الدار. وإن كان وصية لم يمنعها، كما لو وصى بعتقه ثم كاتبه. وكذا لو كاتب أم الولد، لأن الاستيلاد والكتابة سببان للعتق. فلم يمنع أحدهما الآخر؛ كتدبير المكاتب واستيلاد المكاتبة.
_________________
(١) في ج: المدبرة.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "١٠: ٣١٤ كتاب المدبر، باب كتابة المدبر.
[ ٨ / ٣٨٠ ]
(و) حيث. أدى المدبر الذي كاتبه سيده ما كوتب عليه: (عتق بأداء) وبطل تدبيره.
(فإن مات سيده قبله) أي: قبل أدائه، (و) كان (ثلثه) أي: ثلث مخلف السيد (يحتمل ما عليه) أي: ما على المكاتب من ممال الكتابة: (عتق كله) وبطلت الكتابة.
(وإلا) أي: وإن لم يحتمل الثلث ما عليه كله (^١): (فـ) إنه يعتق منه (بقدر ما يحتمله) ثلثه، (وسقط عنه) من مال الكتابة (بقدر ما عتق) منه، (وهو على كتابته فيما بقي) عليه؛ لأن محلها لم يعارضه شيء.
فعلى هذا لو خرج نصفه من الثلث عتق نصفه وسقط نصف الكتابة وبقي نصفه.
والذي يحسب من الثلث إنما هو قيمة المدبر وقت موت سيده؛ لأن المدبر
لو لم يكن مكاتبًا لاعتبرت قيمته.
(وكسبُه) أي: كسب المدبر الذي كاتبه سيده كله (إن عتق) كله بموت سيده، (أو) بعض كسبه الذي (بقدر عتقه- لا لِبْسُه- لسيده) فيكون تركة.
قال في " شرح المقنع الكبير ": ومتى عتق بالتدبير كان ما في يده لسيده؛
لأنه كان له قبل العتق. فيكون له بعد العتق؛ كما لو لم يكن مكاتبًا وبطلت الكتابة. ذكره أصحابنا. انتهى.
لكن تعتق أم الولد بموته مطلقًا ويسقط ما عليها من مال الكتابة.
(ومن دبَّر شِقْصًا) له من رقيق: (لم يسر إلى نصيب شريكه)، معسرًا كان المدبر أو موسرًا في الأصح؛ لأن التدبير تعليق للعتق بصفة. فلم يسر؛ كتعليقه بدخول الدار.
ويفارق الاستيلاد فإنه آكد. ولهذا تعتق من جميع المال. ولو قتلت سيدها
لم يبطل حكم استيلادها، والمدبر بخلاف ذلك.
_________________
(١) في أ: كل.
[ ٨ / ٣٨١ ]
فعلى هذا إن مات الذي دبر شقصه عتق نصيبه إن خرج من الثلث.
(فإن أعتقه) أي: أعتق المشترك الذي دبر الشريك بعضه (شريكه: سرى) عتقه إن كان موسرًا (إلى) الشقص (المدبر، مضمونًا) على الشريك المعتق قيمة الشقص مدبرًا؛ لحديث ابن عمر المذكور في سراية العتق إلى نصيب الشريك إذا كان موسرًا (^١) .
(ولو أسلم مدبر) لكافر، (أو قِنّ) لكافر، (أو مكاتب لكافر: ألزم بإزالة ملكه) عنه؛ لئلا يبقى الكافر مالكًا للمسلم مع إمكان بيعه.
(فإن أبى) أن يزيل ملكه عنه: (بيع عليه) أي: باعه الحاكم على الكافر.
ولا يبقى في ملكه، لقوله ﷾: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
(ومن أنكر التدبير فشهد به) رجلان (عدلان، أو) رجل (عدل وأمراتان،
أو) رجل عدل (وحلف معه المدبر: حكم به) أي: بالتدبير على الأصح؛ لأن البينة بالتدبير تتضمن إتلاف مال. والمال يقبل فيه ما ذكر.
(ويبطل) التدبير (بقتل مدبر سيده)؛ لأنه استعجل ما أجل له. فعوقب بنقيض قصده، كما حرم القاتل الميراث.
ولأن ذلك مما يتخذ وسيلة إلى القتل المحرم لأجل العتق. فمنع العتق سدًا لذلك.
ولا يرد على هذا أم الولد، لأن إبطال الاستيلاد فيها يفضي (^٢) إلى نقل الملك فيها، ولا سبيل إلى ذلك. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) سبق ذكره حديث ابن عمر ص (٣٤١) رقم (١).
(٢) في أ: يقتضي.
[ ٨ / ٣٨٢ ]
[باب: أحكام الكتابة]
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام الكتابة.
وهي اسم مصدر بمعنى المكاتبة. وأصلها من الكتب وهو الجمع؛ لأنها تجمع نجومها (^١)، ومنه سمي الخراز كاتبا.
قال الحريري رحمه الله تعالى:
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفًا ولا قرأوا ما خط في الكتب
وقيل: لأن السيد يكتب بينه وبين عبده كتابًا بما اتفقا عليه.
ثم (الكتابة) شرعًا: (بيعُ سيد رقيقة) ليشمل الذكر والأنثى، (نفسه) أي: نفس الرقيق، (بمال). فلا تصح على خمر ونحوه، (في ذمته) أي: ذمة الرقيق وليست مخالفة للأصل؛ لأن محلها الذمة، (مباح) فلا يصح على آنية ذهب وفضة ونحو ذلك، (معلوم) فلا تصح على مجهول؛ لأنها بيع ولا يصح مع جهالة الثمن، (يصح السَّلَم فيه) فلا يصح بجوهر ونحوه؛ لإفضاء ذلك إلى التنازع، (منجَّم نجمين فصاعدًا) أي: فأكثر من نجمين، (يُعلم قسط كل نجم ومدته).
أما اشتراط النجمين فأكثر؛ فلأنها مشتقة من الكَتْب وهو الضم. فوجب افتقارها إلى نجمين؛ ليضم أحدهما إلى الآخر.
وأما كونه يشترط العلم بمال كل نجم (^٢) من القسط والمدة؛ فلئلا يؤدي جهل ذلك إلى التنازع.
_________________
(١) في أ: نحوه، وفي ب: نجومًا.
(٢) في أ: منجم.
[ ٨ / ٣٨٣ ]
لكن لا يشترط التساوي. فلو جعل أحد النجمين شهرًا والآخر سنة، وجعل (^١) قسط أحد النجمين عشرة والآخر خمسة عشر: جاز ذلك، لأن القصد العلم بقدر الأجل وقسطه. وهو حاصل بذلك.
والمراد بالنجم هنا: الوقت، لأن العرب كانت لا تعرف الحساب وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم (^٢) . كما قال بعضهم:
إذا سهيل أول الليل طلع فابن اللبون الحق والحق الجذع
(أو منفعة) مؤجله (على أجلين) يعني: أن الكتابة إما أن تكون بمال في الذمة، وأما ان تكون بمنفعة مؤجلة.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾ ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].
وأما السنة، فقصة بريرة (^٣) .
وقوله ﷺ: " المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم " (^٤) . رواه أبو داود.
وما روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة
أن النبي ﷺ قال: (إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب
منه) (^٥) . رواه أبو داود وابن ماجه في أحاديث كثيرة سواهما.
وأجمع المسلمون على مشروعية الكتابة.
_________________
(١) فى ب: أو جعل.
(٢) في ب: النجم.
(٣) سيأتي ذكر حديث بريرة ص (٤٠٤) رقم (١).
(٤) سبق تخريجه ص (٣٠٠) رقم (٢).
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٢٨) ٤: ٢١ كتاب العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيحجز أو يموت. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٢٠) ٢: ٨٤٢ كتاب العتق، باب المكاتب.
[ ٨ / ٣٨٤ ]
(ولا يشترط) لصحة الكتابة (أجل له وقع في القدرة على الكسب فيه) في الأصح. فيصح توقيت النجمين بساعتين.
قال في " تصحيح الفروع ": مسألة. قوله: فيما إذا قلنا: لا تصح إلا منجمة في توقيتها بساعتين، أو يعتبر ما له وقع في القدرة على الكسب. فيه خلاف في
" الانتصار ".
قلت: ظاهر كلام كثير من الأصحاب الصحة، ولكن العرف والعادة والمعنى:
أنه لا يصح. قياسًا على السلم. لكن السلم أضيق. والله أعلم. انتهى.
(وتصح) الكتابة (على خدمة مفردة، أو) خدمة (معها مال: إن كان) المال (مؤجلا ولو إلى أثنائها) اي: اثناء مدة الخدمة. فلو كاتبه على مدة شهر ودينار لم يشترط تسمية الشهر. ويكون عقيب العقد " لأن الإجارة تقتضيه (^١) .
فإن عين الشهر بوقت [لا يتصل] (^٢) بالعقد: مثل: أن يكاتبه في المحرم
على أن يخدمه في رجب وشعبان، أو في رجب ورمضان: صح.
ولو كاتبه على خدمته شهر رجب ودينار، وجعل أجل الدينار فيما بعد رجب
بيوم أو اكثر: صح بلا خلاف.
وإن جعل محله في نصف رجب أو على (^٣) انقضائه: صح ايضا في الأصح؛ لأن الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها فيكون محلها غير محل الدنيار.
وإنما جازت الخدمة حالة فيما إذا كان أولها عقيب العقد؛ لأن المنع من الحلول في غيرها لأجل العجز عنه في الحال، وهذا غير موجود في الخدمة فجازت حالة.
_________________
(١) في أ: تقضيه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: في.
[ ٨ / ٣٨٥ ]
ويصح أن يكون أجل الدينار قبل الخدمة إن لم تكن متصلة بالعقد: [مثل:
أن يكاتبه في المحرم] (^١) على دينار سلخ صفر وخدمته شهر رجب.
(وتسن) الكتابة) لمن) أي: لرقيق (علم فيه خير. وهو) أي:
والخير: (الكسب والأمانة).
قال أحمد: الخير صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابه. ونحوه قول إبراهيم
وعمرو بن دينار وغيرهما، وعباراتهم في ذلك مختلفة.
وعن أحمد رواية أخرى وهى: أنه متى ابتغاها (^٢) رقيق قادر على الكسب من سيده: وجب عليه أن يكاتبه.
ووجه ذلك: قوله سبحانة وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، لأن ظاهر الأمر الوجوب.
وروي " أن سيرين أبا محمد بن سيرين كان عبدأ لأنس بن مالك. فسًاله ان يكاتبه فأبى. فًا خبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك (^٣) . فرفع الدرة على انس وقرأ
عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. فكاتبه أنس " (^٤) .
ولنا على من يقول بوجوبها قوله ﷺ: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (^٥) .
ولأنه دعاء إلى إزالة ملك بعوض. فلم يجبر السيد عليه، كما لو دعاه إلى البيع والكتابة بأقل من قيمته.
ولأن الكتابة إعتاق بعوض. فلم تجب، كالاستسعاء.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: انتفاها.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣١٩ كتاب المكاتب، باب من قال: يجب على الرجل مكاتبة عبده قويا أمينًا. . .
(٥) اخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٩٦ كتاب الغصب، باب لا يملك أحد بالجناية شيئًا. . .
[ ٨ / ٣٨٦ ]
والآية محمولة على الندب. وقول عمر يخالفه فعل انس.
(وممره) الكتابة (لمن) أي: لرقيق (لا كسب له) على الأصح، لئلا يصير كلا على الناس، ويحتاج إلى المسأ لة.
(وتصح لمبعض) يعني: أنه يصح أن يكاتب السيد بعض عبده الرقيق مع حرية بعضه.
(و) تصح الكتابة لرقيق (مميز)؛ لأنه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليه. فصحت منه الكتابة كذلك (^١)؛ كالمكلف.
ودليل صحة تصرفه قول الله ﷾: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] والابتلاء الاختبار له بتفويض التصرف إليه؛ ليعلم هل يقع
منه على وجه المصلحة أو لا؛ وهل يغبن في بيعه وشرائه أو لا؟؛ وإيجاب السيد لعبده المميز الكتابة إذن له في قبولها.
(لا منه) يعني: انه لا يصح من السيد المميز كتابة رقيقه (إلا بإذن وليه)؛
لأن الكتابة تصرف في المال. فلم تصح من المميز إلا بإذن وليه؛ كالبيع.
(ولا) تصح الكتابة أيضا (من) سيد (غير جائز التصرف)؛ كالسفيه والمحجور عليه لفلس؛ لأن الكتابة نقل الملك بعوض. فلم تصح منهما؛ كالبيع.
(أو بغير قول) يعني: انه لا تصح الكتابة إلا بالقول.
(وتنعقد) الكتابة (بـ) قول السيد لمن يريد أن يكاتبه: (كاتبتك على كذا، مع قبوله) اي: قبول العبد، لأنه لفظها الموضوع لها فانعقدت بمجرده.
(وإن لم يقل) السيد: (فإذا اديت) إلي ما كاتبتني عليه (فأنت حر)؛ لأن الحرية موجب عقد الكتابة. فتثبت (^٢) عند تمامه؛ كسائر أحكامه.
ولأن الكتابة عقد وضع للعتق. فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته؛
_________________
(١) في ب ج: بذلك.
(٢) في أ: فثبت.
[ ٨ / ٣٨٧ ]
كالتدبير. وليس قول المخالف: أن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة بمشهور حتى يحتاج أن يميز أحدهما عن الآخر بشيء غيره (^١)، على أن اللفظ (^٢) المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمليه.
(ومتى أدى) المكاتب (ما عليه) من مال الكتابة، (فقبضه) منه (سيد أو وليه) (^٣) أي: ولي سيده إن كان محجورا عليه، (أو أبرأه) من مال الكتابة (سيده) اي: سيد المكاتب، (أو) أبرأه (وارث) لسيده (موسر من حقه) من مال الكتابة: (عتق)، لأنه لم ييق لسيده عليه شئ.
إلا أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة على الأصح، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (^٤) . رواه أبو داود.
فقد دل هذا الحديث بمنطوقه على أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع ما عليه (^٥) .
وبمفهومه على أنه إذا أدى جميع كتابته لا يبقى عبدا.
وأما كونه يعتق بالإبراء، فلأن ذمته خلت من مال الكتابة. فًاشبه ما لو أداه.
ولو أبرأه من بعضه برئ منه وهو على الكتابة فيما بقي.
(وما فضل بيده) اي: بيد المكاتب بعد أداء ما عليه من مال الكتابة:
(فله)، لأنه كان له قبل ان يعتق فبقي على ماكان.
(وتنفسخ) الكتابه (بموته) أي: بموت المكاتب (قبل ادائه) أي: قبل
أداء جميع كتابته. سواء خلف وفاء أم لا، (وما بيده لسيده) على الأصح.
نقل أبو الحارث وبكر بن محمد وابن منصور: إذا مات المكاتب وترك وفاء
_________________
(١) في ج: يميزه.
(٢) في أ: لفظ، وفي ج: لفظ العتق.
(٣) في أ: سيده.
(٤) سبق تخريجه ص (٣٠٠) رقم (٢).
(٥) في ب: كتابته.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
لكتابته وله ورثة أحرار: فماله لسيده، لأنه مات (^١) وهو عبد. وماله لسيده. ولأنه مات قبل البراءه من مال الكتابة. فانفسخت كتابته، كما لو لم يخلف وفاء.
ولأن الكتابة عقد معاوضة على المكاتب وقد تلف المعقود عليه قبل التسليم فبطل.
وقتل المكاتب كموته في انفساخ الكتابة. سواء كان قاتله سيده أو اجنبيا.
ولا قصاص إن كان قاتله حرا، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. فلو كان القاتل سيده لم يجب عليه شيء، لأنه لو وجب شيء لوجب له وكان ما في يده لسيده.
فإن قيل: أن القاتل لا يستحق شيئًا من تركة المقتول.
قلنا: إن ما في يده لا يرجع إلى سيده ميراثا، بل الحكم بملكه عليه؛
لزوال الكتابة. وإنما منع القاتل من الميراث خاصة.
وأما إن (^٢) كان القاتل اجنبيا فإنه يجب عليه قيمته لسيده؛ لأنه عبده.
(ولا بأس ان يعجلها) اي: أن (^٣) يعجل المكاتب مال الكتابة قبل حلوله لسيده، (ويضع عنه) اي: عن (^٤) المكاتب (بعضها) أي: بعض الكتابه: مثل: أن يكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، ثم يقول له (^٥): عجل لي خمسمائة حتى أضع عنك الباقي، أو حتى ابرئك من الباقي، أو قال: صالحني منه على خمسمائة معجلة جاز ذلك. وبه يقول أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، لأن هذا بيع ألف بخمسمائة. وهو ربا الجاهلية وهو: أن يزيد في الدين لأجل الأجل وهذا يضاهيه.
_________________
(١) في أ: مال.
(٢) في أ: وإن.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
(٥) ساقط من أ.
[ ٨ / ٣٨٩ ]
ولأن هذا لا يجوز بين الأجانب. فلم يجز بين السيد ومكاتبه؛
كالأجانب (^١) .
ولنا: أن مال الكتابة غير مستقر وليس بدين صحيح. بدليل انه لا يجبر على
أدائه ولا تصح الكفالة به، وما يؤديه إلى سيده كسب عبده. وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق. وأوجب فيه التأجيل؛ مبالغة في تحصيل العتق، وتخفيفا عن المكاتب (^٢) . فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط به عنه بعض ما
عليه كان أبلغ في حصول العتق، وأخف على العبد، ويحصل من السيد إسقاط بعض ماله على عبده، ومن الله ﷾ إسقاط بعض ما أوجبه عليه من الأجل لمصلحته (^٣) . ويفارق سائر الديون بما ذكرنا. ويفارق الأجانب من حيث: إن هذا عبده فهو أشبه بعبده القن.
وأما إن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين: مثل: أن يكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة يؤدي خمسمائة في نصفها والباقي في اخرها ويجعلانه إلى سنتين بألف ومائتين. في كل سنة ستمائة. أو مثل: أن يجعل عليه نجم فيقول: اخرنى إلى كذا وأزيدك كذا: فلا يجوز، لأن الدين المؤجل إلى وقت لا يتأخر اجله عن (^٤) وقته باتفاقهما عليه، ولا يتغير أجله بتغييره، وإذا لم يتأخر عن وقته لم تصح الزيادة التي في مقابلته.
ولأن هذا يشبه ربا الجاهلية المحرم. وهو الزيادة في الدين للزيادة في الأجل.
ويفارق المسألة الأولى من هذين الوجهين.
فإن قيل: فكما أن الأجل لا يتأخر فكذلك لا يتقدم بتعجيل ولا يصير المؤجل حالا. فلم جاز في المسألة الأولى؛
قلنا: إنما جاز فى المسألة الأولى فعلا. فإنه إذا دفع إليه الدين المؤجل قبل
_________________
(١) في ب: كالمكاتب.
(٢) في أ: الكاتب.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: من.
[ ٨ / ٣٩٠ ]
أجله جاز، وجاز للسيد إسقاط باقي حقه عليه، وفي هذه المسألة يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد فهو ضد المسألة الأولى.
(ويلزم سيدا) عجل له مكاتبه الكتابة (اخذ معجلة بلا ضرر) على السيد في قبضها. ويعتق على الأصح.
(فإن ابى) السيد اخذها: (جعلها إمام في بيت المال، وحكم بعتقه)؛
لما روى الأثرم بإسناده عن أبي بكر بن حزم " أن رجلا اتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! إنى كوتبت على كذا وكذا وإنى أيسرت بالمال واتيته به. فزعم أن لا يأخذها إلا نجوما. فقال عمر: يا برقا خذ هذا المال فاجعله في بيت المال وأد إليه نجوما في كل عام، وقد عتق هذا. فلما رأى ذلك سيده أخذ المال " (^١) . وعن عثمان نحو هذا (^٢) .
ورواه سعيد بن منصور في " سننه " عن عمر وعثمان جميعًا.
ولأن الأجل حق لمن عليه الدين. فإذا قدمه فقد رضي بإسقاط حقه. فسقط؛ كسائر الحقوق.
وأما كون السيد لا يلزمه أخذ معجله مع وجود الضرر بأخذها؛ كما لو كان دفعها بطريق مخوف، أو كان مما يحتاج إلى مخزن إلى حين حلوله؛ كالطعام والقطن ونحو ذلك؛ فلأن الإنسان لا يلزمه التزام ضرر لا يقتضيه العقد. ولا يعتق ببذله مع حصول الضرر بأخذه.
(ومتى بان بعوض دفعه) المكاتب لسيده عن مال الكتابه (عيب: فله) أي: فللسيد (ارشه) إن أمسكه، (أو عوضه) أي: عوض العيب (برده) على المكاتب. (ولم يرتفع عتقه) في الأصح أي: عتق المكاتب برد المعيب (^٣) عليه؛ لأن إطلاق عقد الكتابة يقتضي سلامة العوض فيها، وقد تعذر
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣٣٥ كتاب المكاتب، باب تعجيل الكتابة.
(٢) ر الموضع السابق.
(٣) في أ: العيب.
[ ٨ / ٣٩١ ]
رد المكاتب رقيقا. فوجب أرش العيب أو عوض المعيب؛ جبرا لما اقتضاه
إطلاق العقد.
وأما تعذر رد المكاتب رقيقا؛ لأن عتقه بالكتابة إزالة ملك بعوض. فلا
يبطله رد العوض بالعيب؛ كالخلع.
ولأنه ليس المقصود منه المال. أشبه الخلع.
(ولو اخذ سيده) من المكاتب (حقه ظاهرا) يعني: عملا بالظاهر في كون
ما بيد الإنسان ملكه، (ثم قال) سيده: (هو حر) يعني: بمقتضى ادائه مال الكتابه، (ثم بان) ما دفعه (مستحقا) لغيره بأن كان قد سرقه المكاتب أو غصبه
أو نحوه: (لم يعتق)؛ لفساد القبض.
ولكون قوله: هو حر إنما قاله اعتمادا على صحة القبض.
(وإن ادعى) السيد (تحريمه) أي: تحريم ما أحضره له مكاتبه ليقبضه له،
بأن قال سيده: هذا حرام أو غصب فلا يصح ان أقبضه منك، وانكر المكاتب
وكانت للسيد بينة بدعواه: (قبل) قول السيد (ببينة)، وسمعت بينته؛ لأن له
حقا في أن لا يقبض (^١) دينه من حرام، ولا يأمن أن يرجع صاحبه عليه به.
(وإلا) أي: وإن لم يكن للسيد بينة: (حلف العبد) أنه ملكه، (ثم يجب) على السيد (اخذه. ويعتق) المكاتب (به) أي: بأ خذه؛ لأن. الأصل انه ملكه.
(ثم) إن كان السيد اضاف ملك ما بيد المكاتب لشخص معين؛ كما لو
قال: هذا المال غصبه أو سرقه من زيد: فإنه (يلزمه) أي: يلزم السيد إذا قبضه
(رده) اي: رد ما اضاف ملكه إلى معين (إلى من أضافه إليه)؛ لأن قوله: إنه
ملك (^٢) وإن لم يقبل في حق المكاتب فإنه يقبل في حق نفسه؛ كما لو قال رجل
لعبد في يد غيره: هو حر وانكر ذلك من العبد في يده: لم يقبل قوله عليه.
_________________
(١) في أوب: يقتضي.
(٢) في أزيادة: يه.
[ ٨ / ٣٩٢ ]
فإن انتقل ملك العبد إلى من قال: إنه حر بسبب من الأسباب: لزمته حريته. (وإن نكل) عن ان يحلف أن المال الذي بيده ليس بحرام: (حلف سيده)
أنه حرام ولم يلزمه قبوله. قاله ابن حمدان وجزم به في " الفروع ".
(وله) أي: ولسيد المكاتب إذا كان له بذمة مكاتبه دينان (^١) دين الكتابة (^٢) ودين غيره (قبض ما) أي: (^٣) شيئًا من مال الكتابة (لا يفي بدينه ودين الكتابة، من دين له على مكاتبه) أي: بصرف نية السيد لما (^٤) قبضه إلى دينه الذي غير دين الكتابة، (وتعجيزه) أي: وتعجيز السيد لمكاتبه؛ لأنه لما نوى بما قبضه غير مال الكتابة بقي مال الكتابة في ذمة المكاتب فملك تعجيزه بذلك (لا قبل) نية السيد بـ (أخذ (^٥) ذلك عن جهة الدين) في الأصح.
(والاعتبار) في هذه المسألة: (بقصد سيد) دون مكاتبه الدافع.
(وفائدته) أي: فائدة اعتبار قصد السيد: (يمينه) أي: وجوب حلفه (عند النزاع).
فلو أخذه من غير قصد لم يكن له ذلك.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر المسألة: قلت: قد تقدم في باب الرهن:
أنه لو قضى بعض دينه، أو أبرئ منه وببعضه رهن أو كفيل: كان عما نواه الدافع، أو المبرئ من القسمين. والقول قوله في النية بلا نزاع. فيخرج هنا مثله. انتهى.
***
_________________
(١) في أ: المكاتب دينا.
(٢) في أوب: المكاتبة.
(٣) في أزيادة: قبض.
(٤) في أ: يصرف نية السيد إلى ما.
(٥) في ب: أخذه.
[ ٨ / ٣٩٣ ]
] فصل: في ملك المكاتب كسبه]
(فصل. ويملك) المكاتب (^١) (كسبه ونفعه.
و) يملك أيضًا (كل تصرف يصلح ماله، كبيع وشراء وإجارة واستئجار واستدانة. وتتعلق) استدانته (بذمته) أي: ذمة المكاتب (يتبع بها بعد عتق).
أما كونه يملك اكتسابه ومنافعه، فلأن موضوع عقد الكتابة لتحصيل العتق،
ولا يحصل العتق إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب (^٢)، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب. فإنه قد جاء في بعض الآثار " ان تسعة أعشار الرزق في التجارة ".
وأما كونه يملك الاستدانة، فلأنه لما ملك الشراء ملكه بالنقد (^٣) والنسيئة.
وأما كون الاستدانة تتعلق بذمته على الأصح؛ فلأنه لما ملك كسبه صارت
ذمته قابله للاشتغال.
ولأنه في يد نفسه فليس من السيد غرور. بخلاف المأذون له.
(وسفره) اي: وحكم سفر المكاتب (كغريم). فيملكه مع توثقة برهن
يحرز (^٤)، أو كفيل مليء.
(وله) أي: وللمكاتب (أخذ صدقة) واجبة ومستحبة (^٥)، لأن الله سبحا نه
وتعالى جعل للمكاتبين الأخذ من الصدقة الواجبة بقوله ﷾:
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وإذا جاز الأخذ من الواجبة فالمستحبة أولى.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: بالكسب.
(٣) في أ: بالنفقة.
(٤) في أ: يرهن محرز، وفي ج: بحرز.
(٥) في أ: ومستحقة.
[ ٨ / ٣٩٤ ]
(ويلزم) المكاتب (شرط) السيد عليه في (تركهما) اي: ترك السفر وأخذ الصدقة على الأصح؛ (كالعقد. فيملك تعجيزه) بسفره.
وقيل: لا يملكه؛ لإمكانه رده.
ووجه المذهب: قوله ﷺ: " المسلمون على شروطهم " (^١) .
ولأن للسيد في هذا الشرط فائدة. فلزم؛ كما لو شرط نقدا معلوما.
وبيان فائدة ترك السفر: أنه لا يؤمن إباقه بسفره.
ولأنه ربما لا يرجع فيفوت العبد والمال الذي عليه.
وكذا لو شرط عليه أن لا يسًال (^٢) الناس.
قال أحمد: قال جابر بن عبد الله: هم على شروطهم: إن رأيته يسأل تنهاه. فإن قال: لا أعود لم يرده عن كتابته في مرة.
قال في " شرح المقنع ": فظاهر هذا ان الشرط صحيح لازم، وأنه إن خالف مرة لم يعجزه، وإن خالف مرتين أو أكثر فله تعجيزه.
قال أبو بكر: إذا رآه يسأل مرة في مرة عجزه، كما إذا حل نجم في نجم عجزه. فاعتبر المخالفة في مرتين (^٣)؛ كحلول نجمين.
وإنما صح الشرط؛ لقوله ﷺ: " المسلمون على شروطهم " (^٤) .
ولأن له في هذا فائدة وعوضا صحيحًا. وهو: أن لا يكون كلا على الناس، ولا يطعمه من صدقتهم وأوساخهم. انتهى.
(لا شرط نوع تجارة). يعني: انه لا يصح أن يشرط على المكاتب (^٥) أن لايتجر مطلقا، أو أن لا يتجر إلا في نوع كذا؛ لأن ذلك ينافي مقتضى عقد الكتابة الموضوع لتحصيل العتق.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٦) رقم (٢).
(٢) في أ: يلزم.
(٣) في أ: محلين.
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣٦) رقم (٢).
(٥) في أ: الكاتب. ٣٩٥
[ ٨ / ٣٩٥ ]
(وينفق على نفسه) يعني: أن المكاتب يملك أن ينفق من كسبه (ورقيقه، وولده التابع له) في الكتابة (كـ) ولده (من أمته)؛ لأن النفقة تابعة للكسب، وكسب من ذكر كله للمكاتب.
واحترز بقوله: التابع له ممن ولد له قبل الكتابة؛ لأنه إن كان من أمة فنفقته على سيد أمه، وإن كان من حرة فلا تعلق للمكاتب به.
(فإن) عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة وعن نفقة من ذكر و(لم يفسخ سيده كتابته لعجزه: لزمته) أي: لزم السيد (النفقة) على من ذكر؛ لأنهم كلهم في الحكم أرقاء للسيد. فتجب عليه نفقتهم.
(وليس للمكاتب النفقة على ولده من أمة لغير سيده) ولو ولد له حال كتابته، لأن ولد الرقيقة تابع لأمه.
(ويتبعه) ولده في الكتابة (من أمة سيده بشرطه) أي: باشتراطه ذلك على سيده حال العقد؛ لقوله ﷺ: " المؤمنون على شروطهم " (^١) .
وأما إن لم يشترط ذلك (^٢) على سيده كان ولده قناّ لسيده تبعًا لأمه؛ كما لو كانت لغير سيده.
(ونفقته) اي: نفقة ولد (^٣) المكاتب (من مكاتبة. ولو) كانت المكاتبة
(لسيده) أي: سيد المكاتب (على أمة)، لأن ولد المكاتبة بعد كتابتها يتبعها في عتق بأداء أوإبراء.
(وله) أي: وللمكاتب على الأصح (أن يقتص لنفسه) أي: من غير إذن سيده (من جان على طرفه) أي: طرف المكاتب؛ لأنه لو عفا على مال كان له فكذلك بدله.
قال في " الإنصاف ": وقد ذكر الأصحاب قاطبة: ان العبد لو وجب له
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٦) رقم (٢).
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: ذلك.
[ ٨ / ٣٩٦ ]
قصاص أن له طلبه والعفو عنه، كما ذكره المصنف في آخر باب العفو عن (^١) القصاص. فهاهنا أولى وأحرى.
(لا) أن يقتص (من بعض رقيقه الجانى على بعضه)؛ لما في ذلك من تفويت حق السيد بإتلاف جزء من رقيقه الجانى من غير إذن سيده في ذلك؛ لأنه ربما يعجز فيعود الرقيق لسيده ناقصًا.
ولأن تصرفه قاصر على ما يبتغي بفعله المصلحه دون غيره. فيملك ختن رقيقه؛ لأنه من مصلحتهم.
(ولا) أي: وليس للمكاتب (أن يكفّر بمال) إلا بإذن سيده؛ لأنه في حكم المعسر. بدليل أنه لا تلزمه زكاة ولا نفقة. ويباح له أخذ الزكاة لحاجته (أو يسافر لجهاد) يعني: أنه ليس للمكاتب أن يسافر لجهاد؛ لتفويت حق سيده، وعدم وجوبه عليه إلا بإذن سيده؛ لأنه إنما منع منه لحق السيد. فإذا أذن له فقد رضي بإسقاط حقه.
(أو يتزوج) يعني: أنه ليس للمكاتب أن يتزوج إلا بإذن سيده؛ لأنه عبد. فيدخل
في عموم (^٢) قوله ﵇. " أيما (^٣) عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر " (^٤) .
ولأن على السيد في ذلك ضررًا؛ لأنه يحتاج أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه، وربما عجز فيرق فيرجع ناقص القيمة.
(أو يتسرّى) يعني: أنه ليس للمكاتب أن يتسرى إلا بإذن سيده؛ [لأن ملكه غير تام.
ولأن على السيد في ذلك ضررا؛ لأنه ربما أحبلها فتتلف أو تلد فتصير أم ولد فيمتنع عله بيعها في أداء كتابته.
_________________
(١) في أ: على.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: أي.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠٧٨٢) ٢: ٢٢٨ كتاب النكاج، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده.
[ ٨ / ٣٩٧ ]
(أو يتبرع) إلا بإذن سيده] (^١)، لأن ذلك إتلاف للمال باختياره. فمنع
منه " لتعلق حق السيد به.
(أو يقرض) إلا بإذن سيده، لأنه بفرضية أن لا يرجع إليه، لأنه ربما أفلس المقترض أو مات ولم يترك شيئًا، أو هرب ولم يرجع.
(أو يحابي) إلا بإذن سيده " لأن المحاباه في معنى التبرع. وتقدم الكلام عليه.
(أو يرهن، أو يضارب، أو يبيع نساء ولو برهن، أو يهب ولو بعوض، أو
يزوج رقيقه، أو يحدّه، أو يعتقه ولو بمال، أو يكاتبه إلا بإذن سيده) في جميع ما تقدم " لأن حق السيد لم ينقطع عنه " لأنه ربما يعجز فيعود إليه جميع ما في ملكه. ولأنه إنما منع من جميع ما ذكر لحق السيد. فإذا أذن له زال المانع.
(و) متى كاتب المكاتب أو أعتق بإذن سيده: كان (الولاء للسيد)، لأنه
كوكيله في ذلك.
(وله) أي: وللمكاتب (تملك رحمه المحرم) " كًا بيه وأخيه وعمه وخاله
(بهبة ووصية) أي: (^٢) إذا وهبوا له أو وصي له بهم.
(و) كذا له (شراؤهم وفداؤهم) بمال إذا جنوا وهم بيده في الأصح،
(ولو أضر ذلك بماله) أي: مال المكاتب، لأن في ذلك تحصيلا لحريتهم بتقدير عتقه. فكان (^٣) له ذلك، لأن العتق مطلوب شرعًا.
(وله) أي: وللمكاتب (كسبهم) أي: كسب ما صار إليه من ذوي (^٤)
رحمه المحرم " لأنهم عبيده. فكان له كسبهم " كعبيده الأجانب.
(ولا يبيعهم) أي: ليس له بيعهم، لأن من يعتق على من صار إليه ينزل
منزلة جزئه. فلم يملك بيعه " كبعضه.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: فكانه.
(٤) ساقط من أ.
[ ٨ / ٣٩٨ ]
(فإن عجز رقّوا معه)؛ لأنهم من ماله. فيصيرون للسيد؛ كعبيده الأجانب. (وإن أدّى عتقوا معه)؛ لأنه إذا عتق كمل ملكه فيهم، وزال تعلق حق سيده عنهم. فعتقوا حينئذ؛ لزوال المعارض.
(وكذا) أي: وكحكم ذي رحمه المحرم إذا صار إليه يكون (ولده من أمته) أي: أمة المكاتب؛ لأنه من ذوي رحمه. أشبه ما لو تملكه. وإذا عتق بأداء [أبيه صارت امه أم ولد يمتنع بيعها على المكاتب.
(وإن أعتق) المكاتب بأن أعتقه سيده بدون اداء] (^١) مال الكتابة: (صاروا) أي: صاروا ذوو رحمه ورقيقه كلهم وأولاده من أمته (أرقّاء للسيد)؛ لأن من عتق على غير مال يكون ما بيده لسيده. وتقدم ذلك (^٢) . (وله) أي: وللمكاتب (شراء من) أي: شراء رقيق (يعتق على سيده):
كأبي سيده واخيه. (وإن عجز) المكاتب أو أعتقه سيده من غير أداء: (عتق) من كان بيده ممن يعتق على السيد بملكه؛ لأنه قد زال عنه تعلق المكاتب. فعتق عليه حين عجزه؛ لزوال المعارض.
(وولد مكاتبة ولدته بعدها) أي: بعد كتابتها (يتبعها) أي: يتبع أمه المكاتبة (في عتق بأداء) أي: بإعطائها لسيدها مال الكتابة، (أو) عتقها بـ (إبراء) من مال الكتابة؛ لأن الكتابة سبب قولي للعتق لا يجوز إبطاله من قبل السيد بالاختيار. فسرى إلى الولد؛ كالاستيلاد.
ومفهومه: أن ما ولدته قبل الكتابة لا يتبعها. وهو صحيح؛ لأنه لو باشرها بالعتق لا يتبعها ولدها. فلأن لا يتبعها في الكتابة بطريق الأولى.
و(لا) يتبعها (بإعتاقها) بدون أداء أو إبراء؛ كما لو لم تكن مكاتبة. (ولا) يعتق ولد المكاتبة (إن ماتت) قبل أداء مال الكتابة أو إبراءها منه كغير المكاتبة. (وولد بنتها) في الحكم (كولدها). يعني: أنه متى ولدت المكاتبة بعد
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ص (٣٣٩)
[ ٨ / ٣٩٩ ]
كتابتها بنتا ثم أتت البنت بولد ثم عتقت الجدة بأداء أو إبراء تبعتها (^١) بنتها وولد بنتها، ذكرا كان أو أنثى.
(لا ولد ابنها) يعني: أن المكاتبة لو أتت بعد كتابتها بابن، ثم ولد لهذا الابن ولد، ثم عتقت بأداء أو إبراء: تبعها (^٢) ابنها في العتق دون ولده، ذكرا كان أو أنثى؛ لأن ولده تابع لأمه دون أبيه.
(وإن اشترى مكاتب زوجته: انفسخ نكاحها)؛ وذلك لأن المكاتب يملك
ما يشتريه. بدليل أنه يثبت (^٣) له الشفعة على سيده ولسيده عليه، ويجري الربا بينه وبينه في غير مال الكتابة.
(وإن استولد) المكاتب (أمته) يعني: ثم عتق بأداء أو إبراء: (صارت أم ولده) على الأصح، وامتنع عليه بيعها؛ لأن ولدها له حرمة الحرية. ولهذا لا يجوز ييعه ويعتق بعتق أبيه. أشبه ولد الحر من أمته.
(وعلى سيده) أي: سيد المكاتب (بجنايته عليه) أي: على مكاتبه (أرشها)؛ لما تقدم أن السيد مع مكاتبه كالأجنبي.
(و) على السيد لمكاتبه (بحبسه مدة) لمثلها أجرة (ارفق الأمرين به) أي: بالمكاتب: (من إنظاره مثلها) أي: مثل تلك المدة التي حبسه فيها بعد تقضي مدة الكتابة (^٤)، (أو أجرة مثله) زمنها في الأصح؛ لأن عقد الكتابة ملحوظ فيه حظ المكاتب، وقد تنازعه أمران. فاعتبر أحظهما له لذلك (^٥) .
_________________
(١) في أ: تتبعها. وفي ب: يتبعها.
(٢) في أ: أتبعها.
(٣) في أ. ثبت، وفي ج: ثبتت.
(٤) في أ: المكاتبه.
(٥) زيادة من ج.
[ ٨ / ٤٠٠ ]
] فصل: في شرط وطء مكاتبة]
(فصل. ويصح) في عقد الكتابة (شرط وطء مكاتبة) على الأصح. نص عليه؛ لبقاء أصل الملك؛ كراهن يطأ بشرط. ذكره في " عيون المسائل ". ولأن بضعها من جملة منافعها. فإذا استثنى نفعه صح؛ كما لو استثنى منفعة أخرى.
وجاز وطؤه لها؛ لأنها أمته. وهي في جواز وطئه لها كغير المكاتبة؛ لاستثنائه.
(لا) شرط وطء (بنت لها) أي: لمكاتبته.
(فإن وطئها) أي: وطئ مكاتبته (بلا شرط) عليها عند عقد الكتابة، (أو) وطئ (بنتها) أى: بنت مكاتبته (التي في ملكه، أو) وطئ (أمتها) أي: أمة مكاتبته: (فلها) أي: فللمكاتبة (^١) على سيدها (المهر. ولو) كانت من وطئها السيد المكاتبة أو بنتها أو أمتها (مطاوعة) في الأصح؛ لأن عدم منحها من وطئه ليس بإذن لها منه في الفعل.
ولهذا لو رأى مالك المال انسانا يتلفه فلم يمنعه لم يسقط عنه الضمان بذلك. (ومتى تكرر) وطؤه لواحدة (^٢) منهن، (وكان قد أدى) المهر (لما قبله)
من الوطء: (لزمه) مهر (آخر) لوطئه الذي صدر بعد أداء مهر الوطء الأول؛ لأنه لما أدى مهر الوطء الأول صار كأن لم يكن تقدم الوطء الثانى وطء (^٣) .
_________________
(١) في أوب: فلمكاتبته.
(٢) في أوب: بواحدة.
(٣) ساقط من ب.
[ ٨ / ٤٠١ ]
(وإلا) أي: وإن لم يكن أدى مهرا لما قبل الوطء الثانى: (فلا) يلزمه (^١)
إلا مهر واحد؛ لاتحاد الشبهة. وهي: كون الموطوءة مملوكته أو مملوكة مملوكته. (وعليه) أي: على سيد المكاتبة (قيمة أمتها) أي: أمة مكاتبته: (إن أولدها)؛ لأن استيلادها إتلاف لها؛ لأنها امتنعت من تصرفها فيها. (لا) قيمة (بنتها) إن أولد بنتها؛ لأنها كانت ممنوعة من التصرف فيها قبل استيلادها. فلم يفت عليها شيء باستيلادها.
(ولا) يلزم السيد أيضا (قيمة ولده من أمة مكاتبه، أو) أمة (مكاتبته) إذا استولدهما؛ لأن ولد السيد كجزء منه. فلا يجب عليه أن يدفع قيمته لرقيقه. (ويؤدب) سيد وطئ مكاتبته من غير شرط: (إن علم التحريم)؛ لأنه فعل
ما ليس له فعله مما هو محرم عليه، ولهذا لزمه مهرها.
(وتصير إن ولدت) من وطئه بشرط أو غيره (أم ولد) له؛ لأنها أمة له ما بقي عليها درهم.
(ثم إن أدت عتقت) وكسبها لها؛ لأن كتابتها لم تنفسخ باستيلادها؛ لأن الكتابة لو وقعت ابتداء على أم الولد صحت. فمع عقدها قبل اسيتلادها من باب أولى.
(وإن مات) سيدها) و(قد بقي) عليها شيء (من مال الكتابة: (سقط، وعتقت)؛ لكونها أم ولد. (و) كان (ما بيدها لورثته) أي: لورثة سيدها؛ كما لو اعتقها قبل موته، (ولو لم تعجز) في الأصح؛ لأنها عتقت من غير وطء. فكان ما في يدها لسيدها أو ورثته.
(وكذا) في الحكم (لو أعتق سيد مكاتبه) من غير أداء فإنه يكون ما في يده لسيده.
(وعتقه) أي: وعتق السيد لمكاتبه (فسخ للكتابة)؛ لأنه صار حرًا
(ولو) كان عتقه (في غير كفارة) في الأصح.
_________________
(١) في أوب: يلزم.
[ ٨ / ٤٠٢ ]
(ومن كاتبها) أي: كاتب الأمة (شريكان) فيها، (ثم وطئاها فلها على
كل واحد) من الشريكين (مهر)؛ لأن (^١) منفعة البضع لها. فإذا تلفت بالوطء
ضمنها متلفها، وكان سيدها كالأجنبى.
(وإن ولدت من أحدهما: صارت أم ولده، ولو لم تعجز) فتبقى على
كتابتها. (ويغرم) من صارت أم ولده (^٢) (لشريكه قيمة حصته) منها مكاتبة؛
لأن نصفها سرى عليه بالاستيلاد مكاتبًا. فبقيت على حالها في الكتابة؛ كما لو
اشترى أحد الشريكين من شريكه حصته منها.
(و) يغرم لشريكه أيضا (نظيرها) أي: نظير حصته (^٣) (من ولدها)؛ لأنه حصل من وطء في ملك غيره بشبهة. فكان عليه قيمة حصة شريكه منه.
(وإن ألحق) الولد الحاصل من وطئه (بهما) أي: بالشريكين الواطئين:
(صارت) الموطوءة (أم ولدهما)، لأنه لا يمكن سرايته على واحد منهما؛ لاستوائهما في المعنى.
وكتابتهما بحالها. فإن أدت إليهما ما كاتباها عليه عتقت في حياتهما، وإلا
فإنه (يعتق نصفها بموت أحدهما)؛ لأن نصفها أم ولد له فيعتق بموته، (و)
يعتق (باقيها بموت الآخر)؛ لما ذكر.
_________________
(١) في أ: لأنه
(٢) في أوب: ولد له.
(٣) في أ: ماحصته.
[ ٨ / ٤٠٣ ]
] فصل: في نقل ملك المكاتب]
(فصل. ويصح نقل الملك في المكاتب)، ذكرا كان أو أنثى على الأصح، لما روت عائشة: " ان بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. فقالت لها عائشة: ارجعى إلى أهلك. فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت ذلك. فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ. فقال لها رسول الله ﷺ: ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن
اعتق " (^١) . متفق عليه.
فأمرها بشرائها، ولو لم يجز لم يأمرها بذلك.
ولأن المكاتب عبد. فجاز بيعه؛ كالقن.
وقولي: نقل الملك، يشمل البيع والهبه والوصية به.
(ولمشتر) مكاتبا (جهلها) أي: جهل كتابته (الرد أو الأرش) بحسب ما
يختاره المشتري " لأن الكتابة عيب في الرقيق " لأنها نقص فيه لمنعه من منافعه (^٢) بفرض أن يعتق.
(وهو) أي: والمشتري إذا أمسك (كبائع: في عتق بأداء، وله الو لاء) "
لأن الكتابة عقد لازم. فلم تنفسخ بنقل الملك في المكاتب.
(و) كذا يكون المشتري كبائع في (عوده) أي: عود المكاتب (قنا
بعجز) عن أداء مال الكتابة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٠٦٠) ٢: ٧٥٩ كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطا في البييع لاتحل. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠٤) ٢: ١١٤١ كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق.
(٢) في أوب: منافعها.
[ ٨ / ٤٠٤ ]
(فلو اشترى كل أي: كل واحد (من مكاتبي شخص) واحد، (أو) كل واحد من مكاتبي شخصين (اثنين الآخر: صح شراء الأول وحده)؛ لأن للمكاتب شراء العبيد. فصح شراؤه للمكاتب؛ كشرائه للقن. وبطل شراء الثانى؛ لأنه لا يصح أن يملك العبد سيده؛ لإفضائه إلى تناقض الأحكام. إذ كل واحد (^١) يقول لصاحبه: أنا مولاك ولي ولاؤك. فإن عجزت صرت لي رقيقا.
(فإن جهل أسبقهما) أي: اسبق البيعين: (بطلا)؛ لأنه اشتبه الصحيح بالباطل. فبطلا؛ كما لو اشتبه نكاح الأولى من أختين منكوحتين. ورد كل واحد منهما إلى كتابته (^٢) .
(وإن أسر) المكاتب أي: أسره الكفار (فاشتري) منهم، (فأحب سيده أخذه) أي: أن يأخذه ممن اشتراه من الكفار (بما اشتري به): كان له ذلك. (وإلا) أي: وإن لم يحب السيد ان يأخذه من مشتريه (فأدى) المكاتب
(لمشتريه ما بقي) عليه (من) مال (كتابته: عتق)؛ لأن الكتابة عقد لازم لا يبطل بالبيع. فلئلا يبطل بالأسر بطريق الأولى. (وولاؤه له) أي: لمشتريه؛ لأنه عتق في ملكه. أشبه ما لو نجز عتقه.
قال في " الإنصاف ": هذا الحكم مبني على ثلاث قواعد:
الأولى: أن الكفار يملكون أموال (^٣) المسلمين بالمهر.
الثانية: أن من وجد ماله من مسلم أو معاهد بيد من اشتراه منهم: فهو أحق
به بثمنه. وهذا المذهب فيهما على ما تقدم محررا في باب قسمة الغنيمة (^٤) .
الثالثة: أن المكاتب يصح نقل الملك فيه. وهو المذهب وعليه
الأصحاب. انتهى.
_________________
(١) زياده من ج.
(٢) في أ: كتابة.
(٣) في أوب: أولاد. وهو تصحيف.
(٤) ٤: ٤١٠.
[ ٨ / ٤٠٥ ]
(ولا يحتسب عليه) أي: على المكاتب (بمدة الأسر) أي: المدة التي
كان فيها مع الكفار (^١) في الأصح. (فلا يعجز) المكاتب (حتى يمضي) عليه (بعد الأجل) المذكور في عقد الكتابة (مثلها) أي: مثل مده الأسر.
قال في " الإنصاف ": فإن قيل: لا يحتسب وهو الصواب لغت مدة الأسر، وبنى (^٢) على ما مضى. انتهى.
(وعلى مكاتب جنى على سيده) جناية توجب قيمة فأكثر فداء نفسه بقيمة
فقط " لأنه الجانى على نفسه. وقد ورد: " لا يجني جان إلا على نفسه " (^٣) . ولأنه مع سيده كالحر في باب المعاملات فكذا في باب الجنايات.
(أو) جنى المكاتب أيضا على (أجنبي) جناية توجب قيمته فأكثر فعليه (فداء نفسه بقيمته فقط)، لأن أرش الجناية إذا كان أكثر من قيمته لا يستحق ولي الجناية أكثر من قيمته؛ لأن حقه متعلق بالرقبة، إذ هو في الحقيقة عبد والقيمة بدل عن رقبته.
ويكون فداء نفسه (مقدما على) أداء دين (كتابته)؛ لأن أرش الجناية يتعلق برقبة المكاتب. نص عليه أحمد في رواية حرب. ومال الكتابة يتعلق بذمة المكاتب.
ولأنه إذا قدم حق المجني عليه على السيد في العبد القن. فلأن يقدم عليه
في المكاتب بطريق الأولى.
(فإن أدى) المكاتب مال الكتابة (مبادرًا) أي: بعد جنايته وقبل فداء نفسه. (و) الحال أن المكاتب (ليس محجورًا عليه) في ماله (^٤): (عتق) بأدائه مال الكتابة لصحة الأداء؛ لأنه قضى حقًا واجبًا عليه. فصح قضاؤه؛ كما لو قضى المفلس بعض غرمائه قبل الحجر عليه.
_________________
(١) في أوب: الكفر.
(٢) في أ: ومبني.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١٥٩) ٤: ٤٦١ كتاب الفتن، باب ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم حرام.
(٤) في أوب: مال.
[ ٨ / ٤٠٦ ]
وأما كونه عتق بهذا الأداء؛ لأنه قد وجد شرط العتق وهو الأداء (واستقر الفداء) الواجب عليه بالجناية في ذمته؛ لأنه كان (^١) واجبًا قبل العتق فكذلك بعده. وقد علم من قوله: وليس محجورًا عليه: أن ولي الجناية لو سأل الحاكم الحجر عليه قبل دفعه مال الكتابة وحجر عليه: ما صح دفعه إلى سيده وارتجعه الحاكم فدفعه إلى ولي الجناية؛ لأن أرش الجناية مقدم على دين الكتابة؛ لأن أرش الجناية مستقر، ومال الكتابة غير مستقر.
ولأن أرش الجناية مقدم على ملك السيد في عبده القن. فيجب تقديمه على عوض عبده وهو مال الكتابة.
(وإن قتله) أي: قتل المكاتب الجانى (سيده: لزمه) ما كان (^٢) يلزم المكاتب بسبب الجناية وهو أرشها إن كان أقل من قيمة الجانى، أو قيمته إن كان أرشها اكثر من قيمته؛ لأنه بقتله فوت على ولي الجناية محل تعلقها (^٣) وهو رقبة الجانى. فلزمه ما كان واجبًا على الجاني.
(وكذا) يلزمه ذلك: (إن اعتقه) أي: أعتق السيد مكاتبه الجانى؛ لأنه أتلف ماليته (^٤) بعتقه. فكان عليه ما كان على المكاتب لولي الجناية.
(ويسقط) أرش جناية المكاتب (إن كانت على سيده) بعتقه؛ لأنه أتلف ماليته (^٥) على نفسه، ولا يجب على أحد دين لنفسه.
(وإن عجز) المكاتب الجانى عن فداء نفسه (وهي) أي: والجناية (على سيده: فله) أي: فلسيده (تعجيزه) بعوده إلى الرق؛ لأن أرش الجناية حق ثبت للسيد عليه. فإذا عجز عنه رجع إلى بدله وهو رقبته.
(وإن كانت) جناية المكاتب (على غيره) أي: غير سيده وعجز عن فداء نفسه: (فـ) إن (فداه) سيده، (وإلا بيع) المكاتب (فيها) أي: في الجناية
_________________
(١) في أوب: كل.
(٢) زيادة من ج.
(٣) في أوب: متلفها.
(٤) في أ: مالية.
(٥) مثل السابق.
[ ٨ / ٤٠٧ ]
(قنًا) أى: غير مكاتب؛ لأن كتابته بطلت بتعلق حق المجني عليه برقبته.
(ويجب فداء جنايته مطلقًا) أي: سواء كانت على سيده أو أجنبي (بالأقل
من قيمته) أي: قيمة المكاتب إن كان أرش الجناية أكثر من قيمته (^١)، (أو أرشها) إن كان أقل من قيمته على الأصح، لأن الزيادة مع كون الأرش أكثر من قيمته لا موضع لها، وإن كان أقل لم يكن للمجني عليه أكثر من أرشها.
(وإن عجز) المكاتب (عن ديون معاملة لزمته: تعلقت بذمته) فقط على الأصح، لأن حكم المكاتب في حال كتابته حكم الأحرار، والحر إذا استدان ديونًا تعلقت بذمته. فكذلك المكاتب. وفائدة تعلقها بذمته: أنه يتبع بها بعد العتق؛ لأنه حال يساره. وإنما قال: ديون معامله ليخرج أرش الجناية " لتقدم (^٢) حكمه.
(فـ) على هذا (يقدمها) أي: يقدم المكاتب أداءها لغرمائه على دين الكتابة إذا كان (محجورًا عليه)، بأن سأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه وكانت الديون حاله؛ وذلك (لعدم تعلقها برقبته) أي: رقبة المكاتب. (فلهذا إن لم يكن بيده) أي: بيد المكاتب (مال: فليس لغريمه تعجيزه) عن دين الكتابة ليعود إلى الرق. (بخلاف أرش ودين كتابة)، لكون الأرش يتعلق بالرقبة، ولكون دين الكتابة بدلًا عن الرقبة.
(ويشترك رب دين) في معاملة) و(رب) (أرش) بسبب جناية في تركة مكاتب (بعد موته) بقدر ما لكل منهما (^٣)، لفوب الرقبة في الأصح.
وقيل: يقدم دين المعاملة.
(ولـ) لمكاتب (^٤) (غير المحجور عليه، تقديم أي دين شاء) من دين
كتابة (^٥) ومعاملة وغير هما.
***
_________________
(١) في أ: قيمة.
(٢) في أوب: لتقديم.
(٣) في أوب: منهم.
(٤) في أ: (و) مكاتب.
(٥) في أ: مكاتبة.
[ ٨ / ٤٠٨ ]
] فصل: الكتابة عقد لازم]
(فصل. والكتابة عقد لازم) من الطرفين؛ لأنها بيع، والبيع من العقود اللازمة، (لا يدخلها خيار)؛ لأن المراد منها تحصيل العتق فكانت سببأ له. فكأن المكاتب علق عتق المكاتب على أداء مال الكتابة.
ولأن الخيار إنما شرع استدراكًا لما يحصل لكل من المتعاقدين (^١) من الغبن، والمكاتب وسيده دخلا في العقد متطوعين راضيين بالغبن. فلم يثبت لواحد منهما خيار.
(ولا يملك أحدهما فسخها) أي. فسخ الكتابة؛ لأن ذلك شأن العقود
اللا زمة.
(ولا يصح تعليقها على شرط مستقبل)؛ كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد كاتبتك على كذا؛ كبقية العقود اللازمة.
وقوله: مستقبل يحترز به عن الماضي؛ كقوله: كاتبتك إن كنت عبدي ونحوه. (ولا تنفسخ) الكتابة (بموت سيد ولا جنونه، ولا حجر عليه) لسفه ولا لفلس؛ كبقية العقود اللازمة.
(ويعتق) المكاتب (بأداء إلى من يقوم مقامه) أي: مقام سيده؛ كوكيله، وكالحاكم مع غيبه سيده وعدم وكيله.
(أو) بأداء إلى (وارثه) أي: وارث سيد المكاتب بعد موته.
(وإن حل) على المكاتب من مال الكتابة (نجم فلم يؤده: فلسيده الفسخ) على الأصح؛ لأن مال الكتابة حق للسيد. فكان له الفسخ بالعجز عنه؛ كما لو أعسر المشتري ببعض ثمن المبيع قبل قبضه.
_________________
(١) في أ: المتعددين.
[ ٨ / ٤٠٩ ]
وعنه: لا يعجز حتى يحل نجمان.
وعنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت.
وحيث ملك السيد الفسخ فإنه يصح منه (بلا حكم) من حاكم بصحة الفسخ، كرد معيب.
(ويلزم) السيد (إنظاره) أي: إنظار المكاتب قبل فسخ الكتابه (ثلاثا) أي: ثلاثة أيام إن استنظره المكاتب (لبيع عرض، ولمال غائب دون مسافة قصر يرجو قدومه، ولدين حال على مليء، أو مودع)؛ لأن عقد الكتابة ملحوظ فيه حظ المكاتب والرفق به.
(ولمكاتب قادر على كسب) أي: على أن يتكسب (^١) (تعجيز نفسه) بترك التكسب؛ لأن معظم المقصود من الكتابة تخليصه من الرق فإذا لم يرد ذلك لم يجبرعليه. .
ومحل ذلك: (إن لم يملك وفاء) لمال المكاتبة به. فإن ملكه لم يملك تعجيز نفسه؛ لأن سبب الحرية وهو الأداء حاصل يمكنه فعله من غير كلفة، والحرية حق لله ﷾ فلا يملك إبطالها مع حصول سببها. بخلاف ما إذا لم يكن يملك الوفاء فإن السبب غير حاصل، وعليه في السعي فيه كلفة ومشقة. فكان له تركه لذلك.
(لا فسخها) يعني: أن للمكاتب أن يعجز نفسه إن لم يملك وفاء. لا أن (^٢) يفسخ الكتابة، لأنها عقد لازم.
إذا تقرر هذا (فإن ملكه) أي: ملك المكاتب وفاء مال الكتابة لم يعتق بنفس الملك (^٣) على الأصح، و(أجبر على ادائه) لسيده، (ثم عتق) بالأداء (^٤) . وإنما لم يعتق بنفس الملك، لجواز أن يتلف قبل أدائه فيفوت على السيد.
_________________
(١) في ب: يكتسب.
(٢) في أ: لأن.
(٣) في ب: بنفس العتق. وفي ج: بفسخ الملك.
(٤) ساقط من أ.
[ ٨ / ٤١٠ ]
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " أيما عبد كوتب على مائة أوقية أداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق " (^١) . رواه الخمسة إلا النسائي.
وهذا تعليق للعتق (^٢) على أداء مال الكتابة لا على ملكه.
(فإن مات) مكاتب ملك وفاء (قبله) أي: قبل أدائه: (انفسخت) كتابته على الأصح؛ لأنه إذا مات قبل الأداء فقد مات رقيقا فيكون ماله جميعه لسيده. (ويصح فسخها) أي: فسخ الكتابة (باتفاقهما) أي: المكاتب وسيده. فيصح إن تقايلا (^٣) أحكامها، قياسًا على البيع. قاله في " الكافي ".
قال في " الإنصاف ": لو اتفقا على فسخها جاز. جزم به في " الكافي " وغيره.
قال في " الفروع ": ويتوجه أن لا تجوز لحق (^٤) الله ﷾. انتهى. (ولو زوج) السيد (امرأة ترثه) أي: ترث السيد إذا مات (من مكاتبه،
وصح) هذا النكاح بأن حكم به من يرى صحته، (ثم مات) السيد: (انفسخ النكاح) في الأصح؛ لأنها ملكت زوجها أو سهما منه. فانفسخ نكاحها، كما لو لم يكن مكاتبًا.
وحكى أبو الخطاب ومن بعده احتمالًا: بًان النكاح لا ينفسخ حتى يعجز؛ لأنها لا ترثه. وإنما يملك نصيبها من الدين الذي بذمته. بدليل ان الوارث إذا أبرأ المكاتب عتق وكان الولاء للميت لا للوارث.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٢٧) ٤: ٢٠ كتاب العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦٠) ٣: ٥٦١ كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥١٩) ٢: ٨٤٢ كتاب العتق، باب المكاتب وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧٢٦) ٢: ١٨٤
(٢) في أ: للمعتق.
(٣) في ب: يتقايلا.
(٤) في أ: بحق.
[ ٨ / ٤١١ ]
وأجيب عن هذا بًان الولاء إنما ثبت (^١) للميت، لأن السبب وجد منه فنسب العتق إليه.
(وكذا) الحكم (لو ورث زوجته المكاتبة أو غيرها) فإن نكاحه ينفسخ،
لأنه ملك زوجته.
(ويلزم) من كاتب رقيقا (ان يؤدي إلى من أدى كتابته) أي: وفاها، (ربعها) أي: ربع مال الكتابة.
أما وجوب الإيتاء من غير تقدير. فلقوله ﷾: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر الأمر الوجوب.
وبوجوب إيتاء (^٢) ما يقع عليه الاسم قاله الشافعي.
وأما كونه ربع مال الكتابة، فلما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ
" في قوله ﷾ ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]
قال: ربع المكاتبة " (^٣) . وروي موقوفا على علي (^٤) .
ولأنه مال يجب إيتاؤه بالشرع مواساة. فكان مقدرا، كالزكاة.
ولأن الحكمة في إيجابه الرفق بالمكاتب وإعانته على تحصيل العتق، وهذا لا يحصل بأقل ما يقع عليه الاسم.
فإن قيل: إنه ورد غير مقدر.
فجوابه: ان السنة بينته وقدرته كالزكاة.
وفارقت الكتابة في ذلك سائر العقود، لأن القصد بها رفق المكاتب. بخلاف غيرها.
_________________
(١) في أ: يثبت.
(٢) في ب: الإيتاء.
(٣) أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٣٥٠١) ٢: ٤٣١ كتاب التفسير، تفسير سورة النور.
(٤) أخرجه التسائي في " السنن الكبرى " (٥٠٣٤ - ٨٣٠٥) ٣: ١٩٨ - ١٩٩ كتاب العتق، باب تأويل قول الله جل ثناؤه: (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ü د%©! $# آَتَاكُمْ).
[ ٨ / ٤١٢ ]
ولأن الكتابة يستحق بها على العبد مع المعاوضة فكذلك يجب أن يستحق
المكاتب على السيد شيئًا.
وحمل الأمر على الندب مخالف لمقتضى الأمر فلا يصار إليه إلا بدليل.
ولأن المكاتب ولي جمع (^١) هذا المال وتعب فيه. فاقتضى الحال مواساته
منه؛ كما " أمر النبي ﷺ بإطعام عبده من الطعام الذي ولي حره ودخانه " (^٢) . واختص هذا بالعتق (^٣)؛ لأن فيه معونه على العتق، وإعانة لمن يحق على الله ﷾ عونه. فإن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف " (^٤) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(ولا يلزمه) أي يلزم المكاتب (قول بدله) أي: بدل ربع مال الكتابة إذا
دفعه له سيده (من غير الجنس) أي: جنس المال الذي وقعت الكتابة عليه؛
كما لو كاتبه على دراهم فأعطاه عن ربعها دنانير أو كاتبه على دنانير فأعطاه عن ربعها دراهم، أو أعطاه عن ذلك عروضًا؛ لأنه لم يؤته من مال الكتابة ولا من جنسه. لكن الأولى أن يؤتيه (^٥) من عينه فإن لم يكن فمن جنسه؛ لأنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء من عينه والإيتاء من غيره من جنسه. فوجب أن يتساويا في الإجزاء؛ كالزكاة، وغير المنصوص إذا كان في معناه ألحق به.
(فلو وضع) السيد عن المكاتب من مال الكتابة (^٦) (بقدره) اي: بقدر ربعه
جاز؛ لأن الصحابة فسروا الآية بذلك.
_________________
(١) في أ: جميع.
(٢) أخرجه أبوداود فى " سننه " (٣٨٤٦) ٣: ٣٦٥ كتاب الأطعمة، باب في الخادم يأكل مع المولى.
(٣) في ب: بالوجوب.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٦٥٥) ٤: ١٨٤ كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله إياهم. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣١٢٠) ٦: ١٥ كتاب الجهاد،، فضل الروحة في سبيل الله ﷿.
(٥) في أ:. يعطيه.
(٦) في أ: المكاتب.
[ ٨ / ٤١٣ ]
ولأنه ابلغ في النفع وأعون على حصول العتق. فيكون (^١) أفضل من الإيتاء، وتدل الآيه عليه من طريق التنبيه.
(أو عجله) أى: عجل السيد إعطاء قدر ربع مال الكتابة للمكاتب: (جاز)، لقوله ﷾: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم﴾ [النور: ٣٣]. وذلك يحتاج إليه من حين العقد.
وكلما عجله كان أفضل، لأنه يكون أنفع؛ كالزكاة.
ووقت وجوب أداء السيد ربع مال الكتابة للمكاتب عند العتق، لأن الله ﷾ أمر بإيتائه من المالالذي أتاه، وإذا أدى مال الكتابة عتق فيجب إيتاؤه حينئذ.
قال علي ﵁: " الكتابة على نجمين والإيتاء من الثانى ".
فإن مات السيد وقد استوفى مال الكتابة قبل إيتاء مكاتبه ربعه فهو دين في تركته " لأنه حق واجب. فهو كسائر ديونه. فإنه ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم.
(ولسيد الفسخ) أى: فسخ الكتابة (بعجز) أى: عجز المكاتب (عن ربعها) أى: ربع مال الكتابة على الأصح، لما روى الأثرم عن عمر وابنه وعائشة وزيد بن ثابت أنهم قالوا: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (^٢) . وروي ذلك أيضا عن أم سلمة. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأى.
ولأن مال الكتابة عوض عن المكاتب فلا يعتق قبل أداء جميعه.
ولأنه لو عتق بعضه (^٣) لسرى إلى باقيه، كما لو باشره بالعتق.
وما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أصاب المكاتب حدًا أو
_________________
(١) في أ: فكان.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣٢٥ كتاب المكاتب، باب المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. عن عمر ﵁.
(٣) في أ: بعض.
[ ٨ / ٤١٤ ]
ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه، ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية (^١) عبد " (^٢) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن: فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر، وأدى (^٣) المقر. أو ما أشبههما (^٤) من الصرر. جمعًا (^٥) بين الأخبار، وتوفيقًا بينها وبين القياس. ويؤيد ما تقدم ما روى سعيد بإسناده عن أبي قلابة قال: " كن أزواج رسول الله ﷺ لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار " (^٦) .
(وللمكاتب أن يصالح سيده عما في ذمته) من مال الكتابة، (بغير جنسه) أى: جنس مال الكتابة؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
(لا مؤجلا)؛ لأنه بيع دين بدين. ولا أن يتفرقا قبل القبض إذا كان الجنسان مما يجري فيهما (^٧) ربا النسيئة.
(ومن أبرى) من المكاتبين (من) جميع (كتابته: عتق)؛ لأن مفهوم
قوله ﷺ: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (^٨): أنه إن لم يبق عليه شيء لم يكن عبد ًا، ومع البراءة لم يبق عليه شيء.
ولأن البراءة في معنى الأداء. بجامع سقوط حق السيد في الحالتين.
(وإن أبرئ) المكاتب (من بعضها) أى: بعض كتابته؛ كما لو كاتبه سيده على
مائة فأبرأه سيده من خمسين: (فهو على الكتابة فيما بقي) من المائة. وهو خمسون.
_________________
(١) في أ: ديته.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٥٩) ٣: ٥٦٠ كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي.
(٣) في ب: فأدى.
(٤) في أ: وما أشبههما. وفي ج: أو ما أشبههما.
(٥) في أ: جميعأ.
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٣٢٥ كتاب المكاتب، باب المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
(٧) في ب: بينهما.
(٨) سبق تخريجه ص (٣٠٠) رقم (٢) و(٤١٤) رقم (٢).
[ ٨ / ٤١٥ ]
[فصل: كتابة عدد من رقيقه بعوض واحد]
(فصل. وتصح كتابه عدد) من رقيقه (بعوض) واحد. مثل: أن يكاتب ثلاثة أعبد بألف، كما لو باعهم لواحد. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه.
(ويقسط) العوض بينهم (على القيم) أى: على قدر قيمة كل منهم (يوم العقد)، لأنه زمن المعاوضة وزمن زوال سلطان السيد عنهم. لا على عدد رؤوسهم على الأصح، لأن هذا عوض. فيتقسط على المعوض: كما لو اشترى شقصًا وسيفًا، وكما لو اشترى عبيدًا فرد واحدًا منهم بعيب، أو تلف أحدهم ورد الآخر.
(و) حيث تقرر ذلك فإنه (يكون كل) من الثلاثة (مكاتبًا بقدر حصته) من الألف: (يعتق بأدائها، ويعجز بعجز عنها) أى: عن قدر حصته (وحده)، لأن الكتابة عقد معاوضه مع ثلاثة. فيبرأ كل واحد منهم بأداء حصته؛ كما لو اشتروا عبدا.
وشرط ضمان كل واحد منهم للباقين فاسد، ولا يؤثر في صحة العقد " لأن
مال الكتابة ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم. فلم يصح ضمانه.
ولأن الضامن (^١) لا يلزمه أكثر مما يلزم المضمون عنه، ومال الكتابة لا يلزم المكاتب ولا الضامن.
ولأن الضمان تبرع، وليس للمكاتب أن يتبرع.
وأما العقد فصحيح؛ لأن الكتابة لا تفسد بفساد الشوط. بدليل خبر بريرة (^٢) .
_________________
(١) في أ: الضمان.
(٢) سبق ذكره وتخريجه ص (٤٠٤) رقم (١).
[ ٨ / ٤١٦ ]
ومتى مات (^١) بعضهم سقط قدر حصته. نص عليه أحمد في رواية حنبل.
وكذا إن أعتق السيد بعضهم.
(وإن أدوا) جميع مال الكابة وعتقوا (واختلفوا) بعد الأداء (في قدر ما
أدى كل واحد) منهم، بأن قال أكثرهم قيمه: أدينا على قدر قيمتنا، وقال الأقل قيمة: بل أدينا على السواء فبقيت كذا على الأكثر قيمة بقية: (فـ) الأصح أن القول (قول مدع اداء الواجب) أى: قدر الواجب عليه؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يؤدي إلا ما عليه.
(ويصح ان يكاتب) السيد (بعض عبده) كنصفه؛ لأن الكتابة عقد معاوضة. فصحت في بعضه؛ كالبيع.
ويجب أن يؤدي إلى سيده مثلي (^٢) كتابته؛ لأن نصف كسبه يستحقه سيده بما
فيه من الرق، ونصفه (^٣) يؤدى في الكتابة. إلا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة فيصح.
(فإن أدى) ما عليه: (عتق كله)، نصفه بالكتابة وباقيه بالسراية؛ لأن العتق إذا سرى إلى ملك غير السيد. فبأن يسري إلى ملك السيد من باب أولى. ويصح أيضا أن يكاتب عبده على ألفين في رأس كل شهر ألف، وأن يكون العتق عند أداء الألف الأول. فإذا أدى الألف الأول عتق؛ لأن السيد لو أعتقه بغير أداء شيء صح. فكذلك إذا جعل عتقه عند أداء بعض الكتابة. ويبقى الألف الآخر دينًا عليه بعد عتقه؛ كما لو باعه نفسه به.
(و) يصح ايضا أن يكاتب (شقصًا) أى: جزءًا له (من مشترك) عبد أو
أمة (بغر إذن شريكه)، موسرًا كان الشريك أو معسرًافي الأصح. وبه قال مالك.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أوب: مثل.
(٣) في أوب: ومثله.
[ ٨ / ٤١٧ ]
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن كان باقيه حرًا صحت كتابته، وإن كان ملكًا لم تصح. سواء أذن فيه الشريك أو لم يأذن؛ لأن كتابته تقتضي إطلاقه في الكسب والسفر، وملك بعضه يمنع ذلك، ويمنعه أخذ نصيبه من الصدقات؛ لئلا يصير كسبًا فيستحق سيده حصته منه.
ولأن ذلك يفضي إلى أن يؤدي بعض الكتابة فيعتق جميعه.
ولنا على المخالف: أن الكتابة عقد معاوضة على نصيبه. فصح؛ كبيعه.
ولأنه ملك يصح بيعه وهبته. فصحت كتابته؛ كالعبد الكامل، وكما لو كان باقيه حرًا عند الشافعي، أو أذن فيه الشريك عند (^١) من يرى صحته بإذن الشريك.
وقول من قال: إن الكتابة تقتضي المسافرة.
فجوابه: أن المسافرة ليست من المقتضيات الأصلية في الكتابة. بدليل صحة شرط تركها في عقد الكتابة. فوجود مانع منها لا يمنع أصل العقد.
وأما الكسب وأخذ الصدقة: فإنه لا يمنع كسبه، وأخذه الصدقة بجزئه المكاتب. ولا يستحق الشريك شيئًا منه؛ لأنه إنما استحق ذلك بالجزء المكاتب. فكذلك فيما حصل به؛ كما لو ورث شيئًا بجزئه الحر.
ومتى هايأه (^٢) مالك البقية فكسب في نوبته شيئًا اختص به. وإن لم يهايئه فكسب بجملته شيئًا كان لمن كاتبه بقدر ما فيه من الجزء المكاتب، ولسيده الذي لم يكاتبه الباقي؛ لأنه كسبه بجزئه المملوك. فأشبه ما لو كسب شيئًا قبل كتابته فقسم بين سيديه.
وقولهم: أن ذلك يفضي إلى عتق جميعه بأداء بعض الكتابة: لا يصح. فإنه
لا يعتق به حتى يؤدي جميع الكتابة. فإن جميع الكتابة هو الذي كاتبه عليه مالك ذلك البعض فلايعتق منه شيء حتى يؤدي جميعها.
_________________
(١) في أ: عندي.
(٢) في أ: عاياه.
[ ٨ / ٤١٨ ]
ولأنه لا يعتق جميعه بالأداء وإنما يعتق الجزء المكاتب لا غير، وأما باقيه
فإن كان المكاتب معسرًا لم يعتق منه غير الجزء المكاتب، وإن كان موسرًا عتق الباقي بالسراية لا بالكتابة. ولا يمتنع (^١) هذا، كما لو أعتق بعضه فإنه يعتق جميعه، وإذا جاز عتق جميعه بعتق بعضه بطريق السراية جاز ذلك فيما يجري مجرى (^٢) العتق.
(ويملك) المكاتب بعضه (من كسبه بقدره) أى: بقدر جزئه المكاتب،
لأن ذلك مقتضى الكتابه.
إذا تقرر هذا (فإذا أدى) المكاتب المشترك (ما كوتب عليه) لمن كاتبه، (و) أدى (للآخر) أي: للشريك الذي لم يكاتبه (ما يقابل حصته: عتق) كله (إن كان من كاتبه) أي: الشريك الذي كاتبه حصته منه (موسرًا)؛ وذلك لأنه ليس للعبد المشترك الذي كوتب بعضه أن يؤدي إلى سيده الذي كاتبه شيئًا حتى يؤدي إلى (^٣) الشريك الذي لم يكاتبه ما يقابل حصته منه. سواء أذن الشريك في كتابته أو لم يأذن؛ لأنه إذا أذن إنما ينصرف إذنه إلى كتابة نصيب شريكه وذلك يقتضي أن يكون نصيبه باقيًا له. وذلك يقتضي أنه لو أدى الكتابة من جميع كسبه لم يعتق؛ لأن الكتابة الصحيحة تقتضي العتق ببراءته من العوض، وذلك لايحصل بدفع ما ليس له. وإذا أدى (^٤) لكل واحد من الشريكين ما وجب عليه: عتق كله: الجزء المكاتب بالأداء، والجزء الذي لم يكاتب بالسراية على مكاتبه الموسر. (وعليه) بسبب (^٥) سراية العتق إلى حصه شريكه (قيمة حصة شريكه)؛
لأن عتق حصته بسبب من جهة الشريك المكاتب. اشبه ما لو باشره بالعتق، أو علق عتق نصيبه بصفة فعتق بها.
_________________
(١) في أوب: يمنع.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) في أوب: إليه.
(٤) في أوب: وأدى.
(٥) في ج: أى بسبب.
[ ٨ / ٤١٩ ]
وعلم مما تقدم أنه لو كان الشريك المكاتب معسرًا لم يعتق إلا نصيبه من المكاتب.
(وإن أعتقه) أى: أعتق (الشريك) الذي لم يكاتب العبد الذي كاتبه شريكه في حصته (قبل ادائه) مال الكتابة: (عتق عليه كله) بالسراية في الأصح: (إن كان موسرًا)، كما لو لم يكن بعضه مكاتبًا، (وعليه) أي: على الشريك المعتق (قيمة ما للشريك) ًاي: قيمة حصة الشريك الذي كاتب حصته. مع ملاحظة كون المشترك (مكاتبًا) " لنقص القيمة بكونه مكاتبًا.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. انتهى.
وقال أبو بكر والقاضي: لا يسري العتق إلى الجزء المكاتب " لأنه قد انعقد (^١) لمكاتبه سبب الولاء. فلا يجوز إبطاله إلا أن يعجز فيقوم عليه حينئذ
والجواب عن ذلك: أنه حين كان العتق يؤثر في إبطال الملك الثابت الذي الولاء من بعض اثاره (^٢) . فلأن يؤثر في نقل الولاء بمفرده من باب أولى.
ولأنه لو أعتق عبده ولعبده أولاد من معتقه قوم نقل ولاؤهم إليه. فإذا نقل العتق الولاء الثابت اعتاق غيره. فلأن ينقل الولاء الذي لم يثبت بعد إعتاق من عليه الولاء من باب أولى.
ولأن العتق نقل الولاء في هذه الصورة من غير عوض. فلأن ينقله بالعوض
في صورة المتن من باب أولى.
وعلم مما تقدم أن المعتق لو كان معسرًا لم يسر عتقه وكان نصيب شريكه
باقيًا على الكتابة. فإذا أداهما كملت حريته عليهما، وكان (^٣) ولاؤه بينهما بقدر ما عتق على كل واحد منه.
_________________
(١) في أوب: أنفقه.
(٢) في أ: آثار.
(٣) في أوب: ولأن.
[ ٨ / ٤٢٠ ]
(ولهما) أى: وللشريكين (^١) في قن (كتابة عبدهما). سواء تساوت حصتاهما فيه؛ كما لو كان بينهما نصفين. أو تفاضلتا؛ كما لو كان بينهما أثلاثًا (على تساو) في مال الكتابة؛ كما لو كاتباه على مائتين لكل واحد مائة، (و) على (تفاضل)؛ كما لو كاتباه على ثلاثمائة لواحد مائتان وللآخر مائة. وسواء كانت كتابتهما في عقد واحد أو عقدين. وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لايصح أن يتفاضلا في المال مع التساوي في الملك، ولا التساوي في المال مع التفاضل في الملك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر؛ لأنه إذا دفع (^٢) إلى أحدهما أكثر من قدر ملكه ثم عجز رجع عليه الآخر بذلك.
ولنا: أن كل واحد منهما يعقد على نصيبه عقد معاوضة. فجاز أن يختلفا
في العوض؛ كالبيع.
وما ذكره لا يلزم؛ لأن انتفاع أحدهما بمال الآخر إنما يكون عند العجز، وليس ذلك (^٣) من مقتضيات العقد، وانما يكون عند زواله فلا يضر.
ولأنه إنما يؤدي إليهما على التساوي، وإذا عجز قسم ما كسبه بينهما على
قدر الملكين. فلم يكن أحدهما ينتفع إلا بما يقابل ملكه، وعاد الأمر بعد زوال الكتابه إلى حكم الرق كأ نه لم يزل.
(ولا يؤدي) المكاتب مال الكتابة (إليهما) أى: إلى (^٤) الشريكين فيهما (إلا على قدر ملكيهما) منه. فلا يجوز أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا يقدم أحدهما على الآخر. ذكره القاضي. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
قال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا؛ لأنهما سواء فيه. فيتساويان في كسبه،
_________________
(١) في أوب: للشريكين.
(٢) في أوب: وقع.
(٣) في أوب: هذا
(٤) ساقط من أوب.
[ ٨ / ٤٢١ ]
وحقهما متعلق بما في يده تعلقًا واحدًا. فلم يكن له ان يخص أحدهما بشيء منه دون الآخر.
ولأنه ربما عجز فيعود إلى الرق ويتساويان في كسبه. فيرجع أحدهما على
الآخر بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة.
فإن قبض أحدهما دون الآخر شيئًا لم يصح القبض. وللآخر أن يأخذ منه
حصته إذا لم يكن أذن في القبض.
إذا تقرر هذا فإن عجز مكاتبهما فلهما الفسخ والإمضاء. فإن فسخا (^١) جميعًا
أو أمضيا الكتابة جاز ما اتفقا عليه. وإن فسخ أحدهما وأمضى الآخر جاز في. الأصح وعاد نصفه [رقيقا ونصفه] (^٢) مكاتبًا.
وقال القاضي: ينفسخ من جميعه وفاقًا للشافعي؛ لأن الكتابة لو بقيت في
نصفه لعاد ملك الذي فسخ الكتابة إليه ناقصًا.
وجوابه: أنها كتابة في ملك أحدهما. فلم ينفسخ بفسخ الآخر؛ كما لو
انفرد بكتابته.
ولأنهما عقدان. فلم ينفسخ أحدهما بفسخ الآخر؛ كالبيع. وما حصل من
النقص لايمنع؛ لأنه إنما حصل ضمنًا؛ لتصرف الشريك في نصيبه. فلم يمنع؛ كإعتاق الشريك.
وأما ضرر الذي فسخ فلم يعتبره الشرع في موضع، ولا (^٣) يعرف له نظير.
فيكون بمنزلة المصلحة المرسلة التي وقع الإجماع على اطراحها، وضرر شريكه بفسخ عقده (^٤) معتبر في سائر عقوده من بيعه وهبته ورهنه وغير ذلك فيكون أولى.
_________________
(١) في أوب: فسخها.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) في أوب: وما.
(٤) في أوب: عقد.
[ ٨ / ٤٢٢ ]
إذا تقرر هذا فلا يخلو إما ان يكاتباه مفردين في عقدين أو يكاتباه كتابة واحدة
في عقد واحد، بأن يوكلا من يكاتبه، أو يوكل أحدهما الآخر فيكاتبه صفقه واحدة.
(فإن كاتباه) أى: كاتب الشريكان عبدهما (منفردين) في صفقتين، (فوفى أحدهما) أى: أحد الشريكين ما كاتبه عليه، (أو أبرأه) منه: (عتق نصيبه خاصة إن كان) الذي استوفى كتابته أو الذي أبرأه (معسرًا، أو لا) أى: وإن لم يكن معسرًا: عتق عليه (كله) وعليه قيمة (^١) حصة شريكه مكاتبًا. ويكون ولاؤه كله لمن أعتق عليه.
(وإن كاتباه كتابة واحدة) في صفقه (^٢) واحده، (فوفى أحدهما) أى:
أحد الشريكين ماعليه له (بغير إذن الآخر: لم يعتق منه شيء)، [لعدم صحة القبض، لتعلق حق الشريك بما في يد المكاتب (^٣) تعلقًا واحد ًا.
(وإن كان) وفاه أحدهما] (^٤) (بإذنه) أى: إذن الشريك الآخر: صح القبض و(عتق نصيبه) في الأصح، لأن المنع من صحة القبض لحق الشريك الآخر. فإذا أذن فيه صح، كما لو أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه، أو أذن البائع للمشتري في قبض المبيع (^٥) قبل توفيه ثمنه، أو أذن الشريكان للمكاتب في التبرع. ولأنهما لو أذنا له في الصدقة بشيء صح قبض المتصدق عليه له. كذلك هاهنا.
وحيث عتق (^٦) نصيب المستوفي كتابته بإذن شريكه (سرى) العتق إلى باقيه
_________________
(١) في أ: قيمته.
(٢) في أ: صفة.
(٣) في ج: الكتابة، ولعل الصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في (شرح البهوتي) ٢: ٦١٢
(٤) ساقط من أوب.
(٥) في أ: البيع.
(٦) في أ: عينه.
[ ٨ / ٤٢٣ ]
(إن كان) المستوفي كتابته (موسرًا، وضمن نصيب شريكه) في الحال في الأصح (بقيمته مكاتبًا)؛ لعتقه عليه. مبقى على ما بقي (^١) من كتابته. وولاؤه كله له. وما في يده من المال الذي (^٢) لم يقبض منه شيئًا مع كونه بينهما نصفين بقدر ما قبضه صاحبه، والباقي بين العبد وبين سيده الذي عتق عليه؛ لأن نصفه؛ عتق بالكتابة ونصفه عتق بالسراية فحصة ما عتق بالكتابة للعبد وحصة ما عتق بالسراية للسيد.
وقال أبو بكر والقاضي: لا يسري العتق في الحال وإنما يسري عند عجزه.
(وإذا كاتب ثلاثة عبدًا) بينهم، (فادعى الأداء إليهم) كلهم، (فأنكره)
أى: أنكر وفاء مال كتابته (أحدهم) أى: أحد الثلاثة وأقر الآخران: (شاركهما) أى: شارك المنكر المقرين (فيما أقرا بقبضه) من العبد. فلو كانت كتابته؛ أي ثلاثمائة واعترف اثنان منهم بقبض مائتين وأنكر الثالث قبض مائة فإنه (^٣) يشاركهما في المائتين اللتين اعترفا بقبضهما؛ لأنهما اعترفا (^٤) بأخذ مائتين من ثمن العبد، والعبد مشترك بينهم فثمنه (^٥) يجب أن يكون بينهم.
ولأن ما في يد العبد لهم، والذي أخذه (^٦) كان في يده. فيجب أن يشترك
فيه الجميع، ويكون بينهم بالسوية.
ولو شهدا على شريكهما الثالث بما ادعى المكاتب دفعه إليه وهو المائة الثالثة، (فنصه) أي: نص الامام أحمد: (تقبل شهادتهما عليه) أي: على المنكر (^٧) بقبض المائة من العبد؛ لأنهما شهدا للعبد بأداء ما يعتق به. فقبلت
_________________
(١) في أ: أبقى، وفي ب: يبقى على ما أبقى.
(٢) في أ: للذي.
(٣) في أوب: فإنهما.
(٤) في أ: لا عن اعترافأ، وفي ب: لا عن اعترفا.
(٥) في ب: قيمته.
(٦) في أ: أخذاه.
(٧) في ب: القن.
[ ٨ / ٤٢٤ ]
شهادتهما؛ كالأجنبين، الا أن ذلك لا يمنع رجوع المشهود عليه (^١) عليهما بحصته مما قبضاه.
وفي " المغني " و" شرح المقنع " و" المحرر ": قياس المذهب لا تقبل شهادتهما عليه. واختاره ابن أبي موسى وصاحب " الروضة ".
قال في " الإنصاف ": وهو الصواب، لأنهما يدفعان عن أنفسهما مغرمًا.
ومن شهد بشهادة تجر إلى نفسه نفعًا بطلت شهادته في الكل. وإنما يقبل ذلك في الإقرار؛ لأن العدالة غير معتبرة فيه، والتهمة لا تمنع من صحته. بخلاف الشهاده.
فعلى هذا القياس يعتق نصيب الشاهدين بإقرارهما، ويبقى نصيب المشهود
عليه موقوفًا على القبض، وله مطالبته بنصيبه أو مشاركة صاحبيه بما أخذا. فإن شاركهما أخذ منهما ثلثي مائة ورجع على العبد بتمام المائة. ولا يرجع المأخوذ منه على الباقين بشيء؛ لأنه إن أخذ من العبد فهو يقول: ظلمني وأخذه مني مرتين، وإن أخذ من الشاهدين فهما يقولان: ظلمنا وأخذ منا ما لا يستحقه علينا. ولا يرجع المظلوم على غير من ظلمه. وإن كان الشريكان غير عدلين فكذلك. سواء قلنا أن شهادة العدل (^٢) مقبولة أو لا؛ لأن غير العدل لا تقبل شهادته وإنما يؤاخذ بإقراره.
وإن أنكر الثالث الكتابة فنصيبه باق على الرق إذا حلف أنه ما كاتبه، إلا أن. يشهد عليه بالكتابة ويكونان عدلين. فتقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه الشهادة نفعًا.
ولو كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها إليهما فصدقاه:
عتق. وإن أنكراه ولم تقم بينة: فالقول قولهما مع أيمانهما. وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر: عتق نصيب المقر.
وأما المنكر فعلى نص الإمام: تقبل شهادة شريكه عليه إذا كان عدلآ. فيحلف
_________________
(١) في أ: الشهود عليه. وفي ب الشهود. وإسقاط عليه.
(٢) في أوب: العدلين.
[ ٨ / ٤٢٥ ]
العبد مع شهادته ويصير حرًا، ويرجع المنكر على الشاهد فيشاركه فيما أخذه.
وأما القياس فيقتضي أن لا تسمع شهادة شريكه عليه؛ لأنه يرفع بشهادته عن
نفسه مغرمًا، والقول قول السيد مع يمينه. فإذا حلف فله مطالبة شريكه بنصف ما اعترف به وهو خمسة وعشرون؛ لأن ما قبضه كسب العبد وهو مشترك بينهما.
فإن قيل: فالمنكر ينكر قبض شريكه عن الكتابة فكيف يرجع عليه؟
قلنا: إنما ينكر قبض نفسه وشريكه مقر بالقبض، ويجوز ان يكون قبض ولم يعلم به.
ومن أقر بمتصور وقوعه: لزمه حكم إقراره. ومن حكمه (^١) جواز رجوع شريكه عليه.
(ومن قبل) رقيق (كتابة) من سيده (عن نفسه و) عن رقيق لسيده (غائب)؛ كما لو قال السيد لبعض عبيده: كاتبتك وفلانًا الغائب على مائتين تؤديانهما على قسطين سلخ كل شهر النصف. فقال العبد: قبلت ذلك لنفسي ولفلان الغائب: (صح) ذلك؛ (كتدبير) أى: كما يصح التدبير مع غيبة المدبر. بجامع كون التدبير والكتابة سببين للعتق وإن انفردت الكتابة بشروط ليست للتدبير.
إذا تقرر هذا (فإن جاز الغائب) ما قبله له الحاضر من الكتابة انعقدت له
وصار المال عليهما على حكم ما قبل الحاضر.
(وإلا) أى: وإن لم يجز الغائب ما قبله (^٢) الحاضر: (لزمه الكل) أى:
لزم الحاضر المائتان اللتان كاتبهما السيد عليهما؛ للقبول الحاصل من الحاضر. قال في " الفروع ": ذكره أبو الخطاب، ويتوجه: كفضولي وتفريق الصفقة. انتهى.
_________________
(١) في أوب: حكم.
(٢) في أوب: فعله.
[ ٨ / ٤٢٦ ]
] فصل: فيما إذا اختلفا في كتابة]
(فصل. وإن اختلفا) أى: السيد وعبده (في كتابة): كما لو ادعى العبد على سيده أنه كاتبه على كذا فأنكر أو ادعى ذلك السيد على عبده فأنكر: (فقول منكر) منهما بيمينه لأن الأصل معه.
(و) إن اتفقا على الكتابة واختلفا (في قدر عوضها) بأن قال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: بل على ألف: فالقول قول السيد على الأصح. نص عليه أحمد في رواية الكوسج.
وعنه: يتحالفان؛ كالمتبايعين، وفاقًا للشافعي.
وعنه: القول قول العبد وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأنه منكر للألف الزائدة، والقول قول المنكر.
ووجه المذهب: أنه اختلاف في الكتابة. فالقول قول السيد فيه؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة. وتفارق البيع من وجهين:
أحدهما: أن الأصل في البيع عدم ملك كل واحد منهما لما صار إليه، والأصل في المكاتب وكسبه أنه للسيد. فكان القول قوله فيه.
الثانى: أن التحالف في البيع مفيد ولا فائده في التحالف في الكتابة. فإن الحاصل منه يحصل بيمين السيد وحده.
وبيان ذلك: أن الحاصل بالتحالف فسخ الكتابه، ورد العبد إلى الرق إذا لم يرض بما حلف عليه السيد. وهذا يحصل عند من جعل القول قول السيد مع يمينه. فلا يشرع التحالف مع عدم فائدته.
وإنما قدم قول المنكر في سائر المواضع؛ لأن الأصل معه، والأصل هاهنا
مع السيد؛ لأن الأصل ملكه للعبد وكسبه.
[ ٨ / ٤٢٧ ]
إذا ثبب هذا فمتى حلف السيد ثبتت (^١) الكتابة بألفين؛ كما لو اتفقا عليهما. وسواء كان اختلافهما قبل العتق أو بعده: مثل: أن يدفع إلى سيده ألفين فيعتق ثم يدعي (^٢) المكاتب أن أحدهما عن الكتابة والآخر وديعه، ويقول السيد: بل هما جميعًا مال الكتابة.
(أو) اختلف السيد والعبد في (جنسه) أى: جنس مال الكتابة، بأن قال السيد: كاتبتك على ألف درهم، وقال العبد: بل (^٣) على عشرة دنانير.
(أو) اختلفا في (أجلها)، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفين على شهرين
كل شهر ألف، وقال العبد: بل على سنتين كل سنة ألف. فقول سيده بيمينه؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة؛ للعلة المتقدمة.
(أو) اختلفا في (وفاء مالها) أى: وفاء مال الكتابة للسيد، بأن قال العبد: وفيتك مال الكتابة وعتقت وأنكر السيد: (فقول سيد) أى: بيمينه؛ لأن الكتابة عقد معاوضة.
وكذا لو ادعى العبد أن السيد أبرأه من مال الكتابه وأنكر السيد. فإن القول
قول السيد بيمينه؛ لقوله ﷺ: " ولكن اليمين على المدعى عليه " (^٤) .
(وإن قال) السيد (قبضتها) أى: قبضت مال الكتابة (إن شاء الله، أو) قبضتها إن شاء (زيد: عتق) العبد، (ولم يؤثر) هذا الاستثناء. (ولو) كان (في مرضه)؛ لأنه لا مدخل له في الإقرار.
قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا قال له علىّ ألف إن شاء الله كان مقر ًا بها.
_________________
(١) في أوب: ثبت.
(٢) في ج: يدعي على.
(٣) في زيادة من ج.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٧٩) ٢: ٨٨٨ كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه. . . وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١ ١٧١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأقضيه، باب اليمين على المدعى عليه.
[ ٨ / ٤٢٨ ]
ولأن هذا الاستثناء تعليق شرط، والذي يتعلق بالشرط إنما هو المستقبل. وقوله: قبضتها ماض فلا يمكن تعليقه؛ لأنه قد وقع على صفه لا يتغير عنها بالشرط. وإنما يدل الشرط على الشك فيها فكأنه قال: قبضتها وأنا أشك في القبض فيلغو الشك ويثبت الإقرار.
وإن قال: استوفيت آخر كتابتي، وقال: إنما أردت أنى استوفيت النجم الآخر دون ما قبله وادعى العبد إقراراه باستيفاء الكل: فالقول قول السيد؛ لأنه اعترف بمراده.
(ويثبت الأداء) أى: أداء مال الكتابة (ويعتق) به المكاتب: (بشاهد) أى: برجل واحد (مع امرأتين، أو) برجل واحد مع (يمين) يحلفها العبد، لأن النزاع بينهما في أداء المال، والمال يقبل فيه الشاهد مع اليمين، والرجل مع المرأتين.
***
[ ٨ / ٤٢٩ ]
[فصل: في الكتابة الفاسدة]
(فصل. و) الكتابة (الفاسدة: كـ) ما لو كاتبه (على خمر، أو) كاتبه (على خنزير، أو) كاتبه على شيء (مجهول): كما لو قال: كاتبتك على ثوب أو حمار أو نحوهما (يغلب فيها حكم الصفة: في أنه) أى: أن العبد (إذا أدى) ما سمي في الكتابة (عتق). سواء خرج بالصفة بأن يقول: إذا أديت إلي فأنت حر، أو لم يقل ذلك، لأن معنى الكتابة تقتضي هذا فيصير كالمصرح به. فيعتق بوجوده، كالكتابة الصحيحة.
وإذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بإعطائه.
ذكره أبو بكر، وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه عقد كتابة حصل العتق فيه للأداء. فلم يجب فيه تراجع " كما لو كان صحيحًا.
ولأن ما يأخذه السيد فهو من كسب عبده الذي يملك كسبه. فلم يجب رده. والعبد عتق بالصفة. فلم يجب عليه قيمة نفسه، كما لو قال له: إذا دخلت الدار فأنت حر، ودخلها.
(لا إن أبرئ) العبد من العوض الفاسد. فإنه لا يعتق، لعدم صحة البراءة، لأنه غير ثابت في الذمة.
(ويتبع ولد) في الأصح في الكتابة الفاسدة، لأنها كتابة يعتق فيها بالأداء. فيعتق ولدها به، كالكتابة الصحيحة.
(لا كسب فيها) أى: في الكتابة الفاسدة. فما كان بيده حين العتق فهو لسيده، كما لو علق عتقه على دخول الدار فدخلها. فإن ما في يده يكون لسيده.
(ولكل) من السيد والعبد (فسخها)، لأنها عقد جائز. بدليل ما يأتي.
[ ٨ / ٤٣٠ ]
وحاصل الكلام: أن الكتابة الفاسده تساوي الصحيحة في أربعة أحكام: أحدها: أنه يعتق بأداء ما كوتب عليه مطلقا.
الثانى: إذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بما أعطاه له. الثالث: أن المكاتب يملك التصرف في كسبه ويملك أخذ الصدقات
والزكوات.
الرابع: إذا كاتب جماعة كتابة فاسدة فأدى إلى أحدهم حصته عتق على قول
من قال: إنه يعتق في الكتابة الصحيحة بأداء حصته، ومن لا فلا.
وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام:
أحدها: إذا أبرئ من العوض لم يصح الإبراء ولم يعتق.
الثانى: أن لكل واحد من السيد والعبد (^١) فسخها. سواء كان ثم صفة أو لم تكن؛ لأن الفاسد لا يلزم حكمه والصفة هاهنا مبنية على المعاوضة وتابعة لها؛ لأن المعاوضة هي المقصود. فلما بطلت المعاوضة التي هي الأصل بطلت الصفة المبنية عليها. بخلاف الصفة المجردة.
ولأن السيد لم يرض بهذه الصفة إلا بأن يسلم له العوض المسمى. فإذا لم يسلم كان له إبطالها. بخلاف الصحيحة فإن العوض لازم له. فكان العقد لازما له. الثالث: انه لا يلزم السيد ان يؤدي إليه ربع الكتابة ولا شيئًا منها؛ لأن العتق هاهنا بالصفة. أشبه ما لو قال: إذا أديت إلي فأنت حر.
(وتنفسخ) الكتابة الفاسدة (بموت سيد وجنونه، وحجر عليه لسفه) في الأصح، وفاقًا للشافعي؛ لأنها عقد جائز من الطرفين لا يؤول إلى اللزوم. فبطل بالموت.
ولأن المغلب فيها حكم الصفة المجردة، والصفة تبطل بالموت، كذلك هذه الكتابة.
ويملك السيد اخذ ما في يد العبد في الكتابة الفاسدة.
_________________
(١) في أوب: العبد والسيد.
[ ٨ / ٤٣١ ]
] باب: أحكام أم الولد]
هذا (باب أحكام الولد). وأصل الأم أمهة. ولذلك جمعب على أمهات باعتبار الأصل، وعلى أمات باعتبار اللفظ. والهاء في أمهة زائدة عند الجمهور. وقيل: أصلية.
والأصل في إباحة التسري ووطء الإماء قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾
] المؤ منون: ٥ - ٦].
(وهي) أى: وأم الولد (شرعًا: من ولدت ما فيه صورة، ولو خفيه، من مالك) لها، حتى (ولو) كان مالكًا (بعضها) ولو جزءًا يسيرًا، (أو) كان مالكها كلها أو بعضها (مكاتبًا)، حتى (ولو) كانت (محرمة عليه)؛ كما لو كانت الأمة أخت سيدها أو بنته أو عمته أو خالته من رضاع، أو كانت مجوسية أو وثنية، أو كان وطئها شريك فيها أو نحوه؛ كما لو كان وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام، (أو) كان الوطء من (^١) (أبي مالكها) وإنما (^٢) تصير أم ولد لأبي مالكها: (إن لم يكن الابن وطئها) نصًا.
قال أحمد: فيمن وقع على جارية ابنه: إن كان الأب قابضًا (^٣) لها ولم يكن الابن وطئها فهي أم ولده فليس للابن فيها شيء.
قال القاضي: فظاهر هذا أن الابن إن كان قد وطئها لم تصر أم ولد للأب
_________________
(١) في ب: كان الواطئ. وإسقاط: من.
(٢) في ب: فإنها.
(٣) في ب: كان الأب قاضيأ. وفي ج: كان الابن قابضا.
[ ٨ / ٤٣٢ ]
باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه تحريما مؤبدًا بوطء ابنه لها ولا تحل له بحال. فأشبه وطء الأجنبي.
فعلى هذا القول لا يملكها ولا تعتق بموته. فأما ولدها فيعتق على أخيه (^١)؛
لأنه ذو رحمه؛ لأنه من وطء يدرأ فيه الحد لشبهة الملك فلحق فيه النسب.
(وتعتق بموته وإن لم يملك غيرها)؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
" من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه " (^٢) . رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ: " أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه، أو قال:
من بعده " (^٣) . رواه أحمد.
وعنه أيضا قال: " ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ ققال: أعتقها ولدها " (^٤) . رواه ابن ماجه والدارقطني.
وأما كونها تعتق وإن لم يملك غيرها؛ فلظواهر الأحاديث.
ولأن الاستيلاد إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية وهي الوطء. فكان من رأس المال؛ كالأكل ونحوه.
(وإن وضعت جسما لا تخطيط فيه؛ كالمضغة، ونحوها)؛ كالعلقة:
(لم تصر به) أى: بهذا الجسم الذي لا تخطيط فيه (أم ولد). هذا مفهوم قوله: من ولدت ما فيه صورة ولو خفية. وهذا على الأصح؛ لأنه إذا شهد ثقات من النساء بأن في هذا الجسم صورة خفية تعلقت بها الأحكام؛ لأنهن اطلعن على الصورة التي خفيت على غيرهن.
(وإن أصابها في ملك غيره) بنكاح أو شبهة، (لا بزنًا، ثم ملكها حاملًا:
_________________
(١) في ب: أخته.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥١٥) ٢: ٨٤١ كتاب العتق، باب أمهات الأولاد. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٩٣٩) ١: ٣٢٠.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٩١٢) ١: ٣١٧.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥١٦) ٢: ٨٤١ كتاب العتق، باب أمهات الأولاد وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (٢٢) ٤: ١٣١ كتاب المكاتب.
[ ٨ / ٤٣٣ ]
عتق الحمل، ولم تصر أم ولد) على الأصح. نص عليه في روايه إسحاق بن منصرر. .
أما كون الحمل يعتق، فلأنه ولده.
وأما كونها لا تصير أم ولد، فلظاهر قوله ﷺ: " من وطئ أمته فولدت " (^١) . وهذا الحمل لم يحصل من وطئه حال كونها أمته.
ولأن الأصل في ولد الأمة الرق، خولف فيما إذا حملت به في ملك سيدها. فيبقى فيما عداه على الأصل.
وقوله: " لا بزنًا " قيد في عتق الحمل يعني: أنه لو زنى بأمة فحملت منه ثم اشتراها فولدت في ملكه لم يعتق هذا الحمل الذي حملت به من الزنا.
(ومن ملك حاملًا) من غيره، (فوطئها) قبل وضعها: (حرم) عليه (بيع الولد) ولم يصح، (ويعتقه) نصًا.
قال أحمد: فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فإن الولد
لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه لكن يعتقه؛ لأنه قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في الولد. نقله صالح وغيره.
ونقل الأثرم ومحمد بن حبيب: يعتق عليه. وجزم به في " الروضة ".
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: يستحب. وفي وجوبه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
وقال أيضًا: يعتق وأنه يحكم بإسلامه وهو يسري كالعتق. انتهى.
وقوله: وأنه يحكم بإسلامه يعني: لو كانت الأمة كافرة.
وقوله: وهو يسري كالعتق يعني: الإسلام.
(ويصح قوله) أى: قول السيد (لأمته: يدك أم ولدي) ويكون ذلك في الحكم مثل قوله لها: أنت أم ولدي، لأنه إذا أقر أن جزءا منها مستولد سرى
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٣٣) رقم (٢).
[ ٨ / ٤٣٤ ]
إقراره بالاستيلاد إلى جميعها؛ كما لو قال لعبده: يدك حرة فإن العتق يسري إلى جميعه.
(أو لابنها) أى: ابن أمته: (يدك ابني) يعني: وكذا لو قال لولد أمته:
يدك ابني في سراية ذلك إلى جميعه؛ كما لو قال له: أنت ابني. ذكر ذلك في
" الانتصار " في طلاق الزوجة بطلاق جزء منها. واقتصر عليه في " الفروع ". لكن لو قال لولدها: أنت ابني، أو قال: هو ابني ولم يقل (^١): ولدته في ملكي ومات لم تصر أم ولد له في الأصح. على ما يأتى في المتن في باب الإقرار. (وأحكام أم ولد؛ كأمة) أي: كأحكام أمة غير مستولدة: (في إجارة واستخدام ووطء)؛ لأنها مملوكة. أشبهت الأمة القن.
والدليل على أنها أمة قوله ﷺ: " فهي معتقة عن دبر منه، أو قال: معتقة
من بعده " (^٢) . فدل على أنها قبل ذلك باقية على الرق.
ومعلوم أن رسول الله ﷺ كان يطأ مارية مع قوله: " اعتقها ولدها " (^٣) . والوطء لا يباح إلا في عقد نكاح أو ملك يمين.
فعلى هذا تجوز إجارتها؛ كالأمة، وقياسًا على المدبرة.
ويجوز استخد امها؛ كالأمة.
ولأنها إذا جازت إجارتها فاستخدامها أولى.
ويجوز وطؤها؛ كالأمة.
(و) كذا يكون الحكم في (سائر امورها) أى: باقي أمورها؛ كإعارتها
وإيداعها.
ويستثنى من إطلاق ذلك صور أشار (^٤) إليها بقوله:
_________________
(١) في ب: تكن.
(٢) سبق تخريجه ص (٤٣٣) رقم (٣).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٣٣) رقم (٤).
(٤) في ب: أشير.
[ ٨ / ٤٣٥ ]
(إلا في تدبير) فإنه لا يصح؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن السبب الذي انعقد فيها أقوى من التدبير. ألا ترى أنه لو طرأ الاستيلاد على التدبير أبطله. قاله ابن حمدان.
(أو ما ينقل الملك) يعني: وإلا فيما ينقل الملك في رقبتها؛ (كبيع،
غير كتابة)؛ لما تقدم في باب التدبير في المتن: أنه يصح أن يكاتب أم ولده (^١) . (وكهبة ووصية ووقف) على الأصح.؛ وذلك لما روى ابن عمر عن النبي
ﷺ " أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيًا. فإذا مات فهي حرة " (^٢) . رواه الدارقطني. ورواه مالك في " الموطأ " والدارقطني من طريق اخر عن ابن عمر] عن عمر] (^٣) من قوله (^٤) .
وفي حديث أم سعيد وحديث ابن عباس: " أعتقها ولدها " (^٥): إشعار بذلك.
ويروى المنع من بيع أمهات الأولاد عن عمر وعثمان وعائشة وأكثر الفقهاء. وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير إباحة بيعهن.
وروى صالح بن أحمد قال: قلت لأبي: إلى أى شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: اكرهه، وقد (^٦) باع علي بن أبي طالب.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا يعجبني بيعهن.
_________________
(١) ص (٣٧٩).
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٤) ٤: ١٣٤ كتاب المكاتب. وأخرجه مالك في " الموطأ " (٦) ٢: ٥٩٤ كتاب العتق والولاء، باب عتق أمهات الأولاد وجامع القضاء في العتاقة.
(٣) ساقط من ب.
(٤) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٣) ٤: ١٣٤ كتاب المكاتب.
(٥) سبتى تخريجه ص (٤٣٣) رقم (٤).
(٦) في ب: وقال.
[ ٨ / ٤٣٦ ]
قال أبو الخطاب: وظاهر هذا أنه يبعهن مع الكراهة. فجعل هذا رواية ثانية
عن أحمد.
قال الموفق: والصحيح أن هذا ليس برواية مخالفة لقوله: إنهن لا يبعن؛
لأن السلف كانوا يطلقون الكراهة على التحريم. ومتى كان التحريم والمنع مصرحًا به في سائر الروايات عنه وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به، ولا يجعل ذلك اختلافًا (^١) .
وحجة من أجاز بيع أمهات الأولاد ما روى جابر قال: " بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر. [فلما كان عمر نهانا فانتهينا " (^٢) .
وما كان جائزا في عهد النبي ﷺ وأبي بكر] (^٣) لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره.
ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر النبي ﷺ؛ لأن النص إنما ينسخ بنص.
وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه ولو بلغه لم يتعده.
ولأنها مملوكة لم يعتقها سيدها ولا شيئًا منها ولا قرابة بينه وبينها؛ كما لو ولدت منه بنكاح أو شبهته؛ لأن الأصل الرق ولم يرد بزواله نص ولا إجماع. ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجودها؛ كسائر أسبابه.
والجواب عن ذلك ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير: أنهم رجعوا
عن مخالفته فيكون ذلك إجماعًا.
وأما قول جابر: " بعنا امهات الأولاد على عهد رسول الله (^٤) وعهد
أبي بكر " (^٥) . فليس فيه تصريح بأنه كان ذلك بعلم رسول الله ﷺ وعلم أبي
_________________
(١) في أوب: احتمالًا.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٥٤) ٤: ٢٧ كتاب العتق، باب في عتق أمهات الأولاد.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في ب: النبي.
(٥) سبق تخريجه في الحديث السابق.
[ ٨ / ٤٣٧ ]
بكر. فيكون ذلك واقعًا منهم (^١) على انفرادهم فلا يكون فيه حجة.
ويتعين حمل قول جابر على هذا؛ لأنه لو كان واقعًا بعلم رسول الله ﷺ
وأبي بكر وأقرا عليه لم تجز مخالفته، ولم تجمع الصحابة بعد ذلك على مخالفتهما، ولم يخل إجماعهم من منكر عليهم، ولا احتج به علي حين رأى بيعهن، واحتج به كل من وافق على بيعهن. فيجب أن يحمل قول جابر على ما حملناه عليه.
(أو يراد له) أى: لنقل الملك؛ (كرهن)؛ لأن المقصود منه نقل الملك
ببيعه في الدين إن لم يكن له مال غيره، قياسًا على البيع.
(وولدها) أى: وحكم ولدها (من غير سيدها) إذا أتت به (بعد إيلادها)
أى: بعد أن صارت أم ولد (كهي). سواء أتت به من نكاح أو شبهة أو زنا، وسواء عتقت بموت سيدها أو ماتت قبل سيدها. ويجوز فيه من التصرفات كل ما يجوز في أم الولد ويمتنع فيه من التصرفات كل ما يمتنع في أم الولد؛ وذلك لأن الولد يتبع أمه في الحرية والرق فكذلك في سبب الحرية.
قال أحمد: قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: " ولدها (^٢) بمنزلتها ".
وأما كون حكم الولد كذلك سواء عتقت أو ماتت قبله؛ فلأن سبب الحرية
قد انعقد. وهو شبيه بنفس العتق. فكما لا يرتفع العتق بعد وقوعه كذلك سببه.
فإن قيل: ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة فإذا بطلت الكتابة في الأم بطلت في الولد.
فجوابه: ان سبب العتق في الكتابة، إما الأداء في العقد أو وجود (^٣) الصفة. وتبطل الكتابة بتعذر كل واحد منهما، والسبب في أم الولد موت السيد ولا يتعذر ذلك بموتها.
_________________
(١) في ج: بينهم.
(٢) في ج: ولدهما.
(٣) في ب: ووجود.
[ ٨ / ٤٣٨ ]
ويستثنى من ذلك ما أشار (^١) إليه بقوله:
(إلا انه لا يعتق) ولدها (بإعتاقها) يعني: أن السيد إذا أعتق أم ولده وكان
لها ولد أتت بعد استيلادها من غير سيدها لم يعتق بإعتاقها؛ لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها. ويبقى عتقه موقوفا على موت سيدها؛ كما لو أعتق ولدها فإنها لا تعتق بعتقه ويبقى عتقها موقوفًا على موت سيدها.
(أو بموتها قبل سيدها) يعني: أنه لو ماتت أم الولد قبل سيدها لم يعتق ولدها بموتها؛ كما لو عتقت قبله. ولا تبطل تبعية ولدها لها في الحكم ويبقى عتقه موقوفًا على موت سيدها.
(وإن مات سيدها وهي حامل) منه: (فنفقتها لمدة حملها من مال حملها) على الأصح؛ لأن الحمل له نصيب في الميراث فتجب نفقته في نصيبه.
ومحل ذلك: إن كان للحمل مال، (وإلا) أى: وإن لم يخلف السيد شيئًا يرث منه الحمل: (فـ) نفقة الحمل (على وارثه).
ويتعلق أرش جناية أم الولد برقبتها على الأصح.
(وكلما جنت أم ولد) على غير سيدها: (فداها سيدها بالأقل من الأرش) أى: أرش الجناية، (أو) بالأقل من (قيمتها) على الأصح أى: قيمتها (يوم الفداء)؛ لأنه الوقت الذي تعلق الأرش برقبتها فيه. فلو كانت يوم الفداء مريضة أو مزوجة أو نحو ذلك أخذت قيمتها معيبة بذلك العيب.
قال في " شرح المقنع ": وينبغي أن تجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد؛
لأن ذلك ينقصها. فاعتبر؛ كالمرض وغيره من العيوب. انتهى.
أما كونه يلزمه فداؤها؛ فلأنها مملوكة له بملكه كسبها، وقد تعلق أرش جنايتها برقبتها. فلزمه فداؤها؛ كالقن.
وأما كونه يلزمه فداؤها كلما جنت، قال أبو بكر: ولو ألف مرة؛ فلأنها
_________________
(١) في ب: أشير.
[ ٨ / ٤٣٩ ]
أم ولد جنت جناية. فلزمه فداؤها، كأول مرة.
وأما كونه لا يلزمه اكثر من قيمتها إذا كان أرش الجناية أكثر منها؛ لأنه لم يمتنع من تسليمها، وإنما الشرع منع من ذلك، لكونها لم تبق محلًا للبيع ولا لنقل الملك فيها. بخلاف القن.
(ولو اجتمعت أروش) بجنايات صدرت منها (قبل إعطاء شيء منها) أى:
من الأروش: (تعلق الجميع) أى: جميع الأروش (برقبتها، ولم يكن على السيد) فيها كلها (إلا الأقل من أرش الجميع) أى: جميع الجنايات، (أو) الأقل من (قيمتها) يشتركون فيه [جميع أرباب الجنايات. (فإن لم تف) الو (٣) (بأرباب الجنايات) أى: بأروشهم (تحاصٌوا) فيه] (^١) (بقدر حقوقهم)، لأن السيد لا يلزمه أكثر من ذلك، كما لو كانت الجنايات على شخص واحد.
(وإن قتلت) أم الولد (سيدها عمدًا. فلوليه) أى: ولي سيدها: (إن لم يرث ولد لها شيئًا (^٢) من دمه) أى: دم سيدها (القصاص)، كما لو لم تكن أم ولده؛ لما في
القصا ص من مصلحة الزجر عن تعاطي القتل.
وأما كونها لا قصاص عليها إذا ورث ولدها شيئًا من دم سيدها، لأنه لو وجب القصاص لوجب لولدها منه شيء، ولا يجب لولد على أمه قصاص. وقد توقف أحمد عن هذه المسألة في رواية مهنا، وقال: دعنا من هذه المسائل. ونقل مهنا ايضا: أنه يقتلها أولاده من غيرها.
قال في " شرح المقنع الكبير ": وهذه الرواية تخالف أصول مذهبه. والصحيح: أنه لا قصاص عليها.
(فإن عفا على مال) أى: اختار ولي سيدها المال، (أو كان القتل) أى: قتلها سيدها (خطأ: لزمها الأقل من قيمتها، أو) الأقل من (ديته) أى: دية
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: ولدها.
[ ٨ / ٤٤٠ ]
سيدها؛ لأنها جناية من أم ولد. فلم تجب بها أكثر مما ذكر؛ لأن اعتبار الجناية في حق الجانى بحال الجنايه. بدليل ما لو جنى عبد فأعتقه سيده. وهي في حال الجنايه أمه فإنها إنما عتقت بالموت الحاصل بالجناية. فيكون عليها فداء نفسها بالأقل من قيمتها، أو دية سيدها التي هي أرش جنايتها.
(وتعتق في الموضعين) وهما القتل عمدًا والقتل خطأ؛ لأن المقتضي لعتقها زوال ملك سيدها عنها وقد زال.
فإن قيل: ينبغي أن لا تعتق كما منع القاتل الميراث؛ لاستعجالها ما أجل لها.
فالجواب: أنها لو لم تعتق بذلك لزم، جواز نقل الملك فيها ولا سبيل إلى ذلك.
وقيل: لأن (^١) العتق لغيرها وهو الحرية فلهذا لم يسقط بفعلها.
وأورد عليه المدبرة.
وأجيب (^٢) بضعف السبب في المدبرة.
(ولا حد بقذف أم ولد) على الأصح؛ لأنها أمة حكمها حكم غيرها من الإماء في أكثر الأحكام. ففي الحد أولى؛ لأنه يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه.
ولأنها أمة تعتق بالموت. أشبهت المدبرة.
(وإن اسلمت أم ولد لكافر: منع من غشيانها) أى: من وطئها والتلذذ بها؛ لئلا (^٣) يفعل الكافر ذلك بالمسلمة. (وحيل بينه وبينها)؛ لئلا يفضي عدم الحيلولة إلى الوطء المحرم، ولم تعتق بذلك بل يبقى ملكه عليها على ما كان عليه قبل إسلامها.
_________________
(١) في ب: إن.
(٢) في ب: أو أجيب.
(٣) في ب: كيلا.
[ ٨ / ٤٤١ ]
(وأجبر) سيدها (على نفقتها: إن عدم كسبها) على الأصح.
أما وجوب نفقتها عليه إن لم يكن لها كسب؛ فلأنه مالك لها، ونفقة
المملوك على سيده.
وأما كون نفقتها في كسبها إذا كان لها كسب؛ فلئلا يبقى له ولايه عليها بأخذ
كسبها. وينفق عليها مما شاء.
ومتى فضل من كسبها شيءعن نفقتها كان لسيدها.
(فإن أسلم: حلت له) أى: حل له ما يحل للمسلم من أم ولده؛ لأن
المانع من ذلك بقاؤه على الكفر، وقد زال.
(وإن مات) حال كونه (كافرًا: عتقت) على الأصح؛ لأنها أم ولده، وشأن أم الولد العتق بموت سيدها.
وعنه: أنها تستسعي في حياته فتعتق.
(وإن وطئ أحد اثنين أمتهما: أدب) على ذلك على كل حال؛ لأنه وطئ
وطئا محرما.
قال في " شرح المقنع ": بغير خلاف علمناه بين أهل العلم.
ولا حد فيه؛ لأنه وطء صادف ملكًا. فلم يجب به حد؛ كوطء أمته
الحائض أو زوجته الحائض.
ويفارق ما لا ملك له فيها فإنه لاشبهة له فيها.
ولهذا لو سرق عينًا له فيها شرك لم يقطع، ولو لم يكن له فيها ملك قطع.
(ويلزمه) أى: يلزم واطئ الأمة المشتركة (لشريكه من مهرها بقدر
حصته) منها؛ لأنه وطء سقط فيه الحد للشبهة. فأوجب مهر المثل؛ كما لو وطئها يظنها زوجته.
وسواء طاوعته أو أكرهها؛ لأن وطء جارية الغير يوجب المهر وإن طاوعت؛ لأن المهر لسيدها. فلا يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع بعض أعضائها.
[ ٨ / ٤٤٢ ]
(فلو ولدت) من وطء الشريك (صارت أم ولده) أى: أم ولد الواطئ؛
كما لو كانت خالصة له. وتخرج من ملك الشريك كما تخرج بالإعتاق، موسرًا كان الواطئ أو معسر ًا؛ لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق.
(وولده حر)، لأنه من وطء [في محل] (^١) للواطئ فيه ملك. أشبه ما لو
وطئ زوجته في حيض أو حرام.
(وتستقر فى ذمته) أي: ذمة الواطئ (ولو) كان (معسرًا). نص عليه (قيمة نصيب شريكه) من الموطوءة؛ لأنه أخرج نصيب شريكه من ملكه. فلزمه قيمته؛ كما لو أخرجه بالإعتاق أو الإتلاف.
وإنما سرى الإيلاد إلى نصيب الشريك مع عسرته. بخلاف الإعتاق مع العسرة؛ لأنه أقوى؛ لكون الإيلاد ليس من فعل الشريك وإن كان الوطء من فعله لوجود الوطء من غير إيلاد. فهو من الأسباب التي لا يمكن رفع مسبباتها؛ كزوال الشمس لوجوب الظهر، ووجوب الدية بتلف الآدمي المعصوم بالسبب. سواء وجبت على المتسبب أو على عاقلته. وهذا على المذهب.
وعند القاضي في " الجامع الصغير " وأبي الخطاب في " الهداية ": إن كان الواطئ معسرًا لم يسر استيلاده فلا يقوم عليه نصيب شريكه، بل يصيرها أم ولد ونصفها قن باق على ملك الشريك.
(لا من مهر وولد) يعني: أنه لا يلزم الواطئ لشريكه شيء من مهر الموطوءة ولا من قيمة الولد على الأصح؛ لأن حصة (^٢) الشريك انتقلت إلى ملك الشريك الواطئ بمجرد العلوق. فلا يلزمه شيء من مهر مملوكته. وأما الولد فقد انعقد حرًا، والحر لا قيمة له.
(كما لو أتلفها) بأن ماتت من الوطئ (^٣) فإنه لا يلزمه في هذه الصورة بالاتفاق إلا قيمة نصيب شريكه؛ كما لو قتلها.
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) في أ: حصته.
(٣) في ب وج: الواطى.
[ ٨ / ٤٤٣ ]
(فإن أولدها) الشريك (الثانى بعد) أى: بعد إيلاد الشريك الأول عالمًا
به: (فعليه مهرها) كاملا؛ لأنه وطء صادف ملك الغير. فأشبه ما لو وطئ أمة أجنبية.
(وولده) منها (رقيق)؛ لأنه من وطء في أمة غيره فكان حكمه حكمها.
(وإن جهل) الواطئ الثانى (إيلاد شريكه) الأول، (أو) علمه وجهل (أنها صارت أم ولده) أى: جهل الثانى أن حصته انتقل ملكها للواطئ الأول بإيلادها وأنها صارت أم ولد للأول بذلك: (فولده حر)؛ لأنه من وطء شبهة. (وعليه) أى: على الواطئ الثانى (فداؤه) أى: فداء ولده الذي أتت به
من وطئه، مع جهله كونها صارت أم ولد للأول؛ لكونه فوت رقه على الأول. (يوم الولادة) أى: بقيمته يوم ولدته؛ لأنه قبل الولادة لا يمكن تقويمه.
ولا فرق في ذلك بين كون الأمة بينهما نصفين، أو بين (^١) كون لأحدهما جزء
من ألف جزء وللآخر البقية.
والله ﷾ أعلم (^٢).
_________________
(١) في أوب: أو وبين.
(٢) إلى هنا نهاية الجزء الثانى من نسخة أ، وقد جاء في أخر هذا الجزء: والله الموفق بمنه وكرمه وخفي لطفه، وصلى الله على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا. وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء المبارك الذي هو من " شرح منتهى الإرادات " للإمام العالم العلامة مفتي المسلمين الشيخ تقي الدين الفتوحي الحنبلي في اليوم المبارك الأزهر يوم الجمعة المبارك الذي هو العاشر من شهر الله شوال الخير من شهور سنة خمسة وعشرين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عليه وعلى آله وأصحابه الكرام عدد قطر الغمام. على يد أقل خلقه وأحوجهم إلى رحمته ومنه وكرمه العبد الفقير الفاني صالح القبانى الشافعي ابن المرحوم الشيخ سراج الدين عمر الغمري المديني الشافعي. والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٤٤٤ ]