هذا (كتاب العدد. واحدها) أي: واحد العدد: (عدة.
وهي) أي: العدة: (التربص المحدود شرعا) مأخوذه من العدد، لأن
أزمنة العدة محصورة مقدرة بعدد الأزمان والأحوال، كالحيض والأشهر
ونحوهما.
والأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والاجماع.
فمما في الكتاب قوله ﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقره: ٢٢٨].
ومنه قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ومما في السنة قوله ﷺ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد
على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " (^١).
وفيها أحاديث كثيرة تجئ إن شاء الله تعالى في أثناء الباب.
وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة.
والمقصود منها: استبراء رحم المرأة من الحمل الممكن وجوده حين
الفرقة، لئلا يطأها غير الزوج المفارق لها قبل العلم ببراءة الرحم، فيحصل
الاشتباه وتضيع الأنساب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٠٣٠) ٥: ٢٠٤٤ كتاب الطلاق، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٩٠) ١: ١١٢٦ كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة ، جميعا من حديث ائم حبيبة ﵂.
[ ١٠ / ٨٩ ]
والعدة: أربعة أقسام:
معنى محض، وتعبد محض، ويجتمع الأمران والمعنى أغلب، ويجتمع
الأمران والتعبد أغلب.
فا لأول: عدة الحامل.
والثاني: عدة المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها.
والثالث: عدة الموطوءة التي يمكن حملها ممن يولد لمثله، سواء كانت
ذات أقراء أو أشهر. فإن معنى براءة الرحم أغلب من التعبد بالعدد المعتبر لغلبة
ظن البراءة.
والرابع: كما في عدة الوفاة للمدخول بها التي يمكن حملها وتمضي أقرأوها
في أثناء الشهر، فإن العدد الخاص أغلب من براءة الرحم بمضي تلك الأقراء.
(ولا عدة في فرقة) زوج (حي قبل وطء، أو) قبل (خلوة، ولا) عدة
(لقبلة أو لمس)؛ لأن العدة إنما وجبت في الأصل، لبراءة الرحم. وقد
تيقناها في هذه المسائل.
قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزأب: ٤٩].
(وشرط) في وجوب العدة الوطء:
كونها) أي: كون الموطوءة (يوطأ مثلها.
وكونه) أي: كون الواطئ (يلحق به ولد)، لأن العدة قرار لبراءة الرحم
من الحمل. فإذا كانت الموطوءة لا يوطأ مثلها، أوكان الواطئ لا يلحق به الولد لصغره فلا فائدة في العدة؛ لتيقن براءة الرحم من الحمل.
(و) شرط في وجوب العدة (لخلوة: طواعيتها) يعني: أن لا تكون
مكرهة على الخلوة؛ لأن الخلوة إنما أقيمت مقام الوطء، لأنها مظنته وإنما
تكون مظنة الوطء مع التمكين فأما مع عدمه فلا.
(و) شرط أيضا (علمه) أي: علم الزوج (بها). فلو خلت معه في بيت
[ ١٠ / ٩٠ ]
وهو أعمى لا يبصر من غير أن يعلم بذلك، أو تركت في مخدع في البيت بحيث
لا يراها البصير والزوج لا يعلم بذلك لم تجب العدة؛ لأن التمكين الموجب
للعدة لم يوجد. فلا تجب العدة؛ كما لو كانت في بيت إلى جانب البيت الذي
هو فيه. وكذا لو خلا بها من لا يولد لمثله لصغره، أو كانب لا يوطأ مثلها
لصغرها؛ لأنه لو وجدت حقيقة الوطء مع ذلك لم تجب عدة فكذا مع مظنته.
فأما مع خلو الزوج من مانع الإحرام والصوم الواجب والعنة والجب وخلو الزوجة من الرتق ونحوه وخلوهما من المرض ونحوه فغير معتبر. وإلى ذلك أشير
بقوله:
(ولو مع مانع؛ كإحرام وصوم وجب وعنة ورتق)؛ وذلك لأن الحكم
هاهنا معلق على مجرد الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها. وقد وجد ما
علق عليه الحكم فوجب وجوده.
(وتلزم) العدة الوفاة مطلقا) أي: سواء كان الزوج كبيرا أو صغيرا،
يمكنه الوطء أو لا يمكنه، خلا بها أو لم يخل بها، كبيرة كانت الزوجة أو
صغيرة؛ لعموم قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
(ولا فرق في عدة) وجبت بدون وطء (بين نكاح فاسد وصحيح). نص
عليه. والمراد بالفاسد: النكاح المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوج بلا ولي ونحو
ذلك؛ لأنه نكاح وجب إقرار الزوجين عليه ولم يجز إنكاره. فكان كالصحيح
في ثبوت أحكامه.
(ولا عدة في) نكاح (باطل) أي: مجمع على بطلانه (إلا بوطء)؛ لأن
وجود صورته كعدمها.
(والمعتدات ست) أي: ستة أصناف:
الأولى من المعتدات: (الحامل. وعدتها: من موت وغيره إلى وضع كل
الولد، أو) وضع من (الأخير من عدد) من الأولاد إن كانت حاملا بًا كثر من
واحد، سواء كانت حرة أو أمه، مسلمة أو كافرة، وسواء كانت الفرقة طلاقا أو
[ ١٠ / ٩١ ]
فسخا؛ لعموم قوله ﷾: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذا إجماع أهل العلم.
إلا ما روي عن ابن عباس وعلي من وجه: " أن المتوفى عنها زوجها تعتد
بأطول الأجلين " (^١) .
وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة.
وإنما قلت: أو الأخير (^٢) من عدد؛ لأنه إذا كان حملها أكثر من واحد فلا
تنقضي العدة إلا بوضع الأخير؛ لأن بقاء بعض الحمل يوجب بقاء العدة؛
لأن الله ﷾ قال: ﴿الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذه لم
تضع حملها بل بعضه.
(ولا تنقضي) عدة الحامل (إلا بما) أي: إلا بوضع ما (تصير به أمة أم
ولد). وتقدم ذلك في باب أمهات الأولاد.
(فإن لم يلحقه) أي: يلحق الحمل الزوج الصغره، أو لكونه خصيا مجبوبا،
أو لولادتها لدون نصف سنة منذ نكحها ونحوه)؛ كالذي تأتي به بعد أربع سنين
منذ أبانها، (ويعيش) ما ولدته لدون نصف سنة من يوم تزوجها: (لم تنقض
به) عدتها من زوجها؛ لأنه حمل منفي (^٣) عنه يقينا. فلم تنقض به عدتها منه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٦٢٦) ٤: ١٨٦٤ كتاب التفسير، باب ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: " جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتني فى امرأه ولدت بعد زوجها بأربعين ليله؟ فقال ابن عباس: آخر الأجلين، قلت: أنا ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمه يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله صصص وكان أبو السنابل فيمن خطبها ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٨٥) ٢: ١١٢٢ كتاب الطلاق، باب انقضاء عده المتوفى عنها زوجها وغيوها بوضع الحمل.
(٢) في ج: وا لأخير
(٣) في ج: ينفى.
[ ١٠ / ٩٢ ]
(وأقل مده حمل) يعيش: (ستة أشهر)، لأن الله ﷾ قال:
(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥].
والمراد بالانفصال: انقضاء أقل مدة الرضاع، لأن الولد ينفصل بذلك عن
أمه.
وقال الله ﷾ في موضع آخر: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقط الحولان التي هي مدة الرضاع والفصال من ثلاثين شهرا بقى ستة أشهر مدة الحمل.
وقد روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود: " أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت
لستة أشهر. فهم عمر برجمها. فقال له علي: ليسي لك ذلك. قال الله سبحانه
وتعالى:: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥]. فحولان وستة أشهر وثلاثون
شهرا. فخلى عمر سمبيلها فولدت مرة أخرى كذلك الحد " (^١) .
وذكو ابن قتيبة في " المعارف ": أن عبدالملك بن مروان ولد لستة أشهر.
فأما دون ذلك فلم يوجد.
(وغالبها) أي: غالب مدة الحمل: (تسعة) أي: تسعة أشهر، لأن
غالب النساء يلدن فيها.
(وأكثرها) أي: أكثر مدة الحمل: (أربع سنين) على الأصح، لأن ما
لا تقدير فيه من الشرع يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد من تحمل أربع سنين.
قال الإمام أحمد: نساء بنى عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة محمد بن
عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعه أربع سنين، وبقى محمد بن عبد الله بن
الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين. فإذا (^٢) ثبت وجود ذلك وجب أن يجعل
_________________
(١) أخرجه البيهقي كي " السنن الكبرى " ٧٤٤٢ كتاب العدد، باب ما جاء في أقل الحمل.
(٢) فى أ: واذا.
[ ١٠ / ٩٣ ]
ذلك أقصى مدة الحمل؛ لأن في الحكم (^١) بدونه مخالفة للوجود وحكم على ما
تكرر وقوعه بالبطلان من غير دليل.
(وأقل مدة تبين ولد) يعني: أقل مدة يتبين فيها الولد: (أحد وثمانون
يوما)؛ لما روى ابن مسعود: " أن النبي ﷺ قال: يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقه مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. تم يبعث
إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي هو أم سعيد. ثم ينفخ
فيه الروح " (^٢) . متفق عليه.
وإنما يكون مضغة بعد الثمانين يوما. وإنما يتبين كونه ابتداء خلق آدمي
بكونه مضغة؛ لأن المني قد لا ينعقد، والعلقة قد تكون دما انحدر من موضع من البدن.
وأما المضغة فالظاهر كونها ابتداء خلق آدمي؛ لأنها في الغالب فيها
التخاطيط فهي أظهر في ذلك مما قبلها من المني والعلقة.
(الثانية) من المعتدات: (المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه.
وإن كان) الحمل (من غيره) أي: من غير الزوج المتوفى: (اعتدت
للوفاة بعد وضع) أي: بعد وضع الحمل الذي هو من غير المتوفى عنها. ولا
يشترط لوجوب عدة الوفاة كون المتوفى خلا بها، أو يولد لمثله، ولا كون
الزوجة يوطأ مثلها فتجب العدة، (ولو) كان المتوفى (لم يولد لمثله، أو)
كانت لا (يوطأ مثلها، أو) كان موته (قبل خلوة) بها. وفي ذلك تفصيل أشير
إليه بقوله:
(وعدة حرة) يعني: كاملة الحرية: (أربعة أشهر وعشر ليال بعشرة
أيام)؛ لأن النهار تبع لليل. والإجماع منعقد على ذلك؛ لعموم قوله سبحانه
_________________
(١) في أ: ذلك.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٣٦ ٣) ٣: ١٨١ ١ كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكه. أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٦٤٣) ٤: ٣٦" ٢ كتاب القدر، باب كيفيه الخلق الآدمي في بطن أمه.
[ ١٠ / ٩٤ ]
وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ولأن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقررت أحكامه،
كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجازة بانقضاء مدتها، والعدة من
أحكام النكاح.
ولأن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان، وهذا ممتنع
في حق الميت فلا نأمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتيط بإيجاب العدة عليها بحفظها عن التصرف والمبيت (^١) في غير منزلها " حفظا لها.
إذا ثبت هذا فإنه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة في قول عأمة أهل
العلم.
(و) عدة (أمة) متوفى عنها زوجها: (نصفها) أي: نصف عدة الحرة
وذلك شهران وخمس ليال بخمسه أيام، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم
أجمعوا على تنصيف عدة الأمة في الطلاق فكذا في عدة الموت.
ولأنه في معنى ذو عدد. فوجب أن لا يتساوى فيه الأمة والحرة، كالحد.
(و) عده (منصفة) أي: من نصفها حر ونصفها رقيق (ثلاثة أشهر وثمانية
أيام)، وعدة من ثلثها حر شهران وسبعة وعشرين يوما. وعلى هذا فقس.
(وإن مات في عدة مرتد) بًان ارتد زوج المسلمة بعد الدخول وقلنا إن الفسخ
يقف على انقضاء العدة. وهو المذهب.
وقيل: قبل انقضاء عدتها، سقط ما مضى من عدتها قبل موته وابتدأت عدة
وفاة من موته. نص عليه في رواية ابن منصور، لأنه كان يمكنه تلافي النكاح
بعوده إلى الاسلام.
(أو) مات (زوج كافرة أسلمت) بعد دخوله بها في عدتها وقبل إسلامه قبل
انقضاء عدتها.
_________________
(١) في ج: والميت.
[ ١٠ / ٩٥ ]
قال في " الإنصاف ": في قياس التي قبلها. ذكره الشيخ تقي الدين.
(أو) مات (زوج) مطلقة (رجعية) قبل انقضاء عدتها (سقطت) العدة
للطلاق، (وابتدأت عدة وفاة من موته) على الأصح، لأن الرجعية زوجة
يلحقها طلاقه وإيلاؤه. فكان عليها عدة الوفاة، كما لو لم يطلقها. وينقطع
حكم عدة الطلاق، لأنها بالموت صارت كسائر زوجاته.
(وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) عن عدة الطلاق؛ لقوله
﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولأنها أجنبية منه في النظر إليها، وعدم وقوع الطلاق بها، وعدم
توارثهما، وعدم صحة إيلائه منها.
(وتعتد من أبانها في مرض موته، الأطول من عدة وفاة و) من عدة
(طلاق) على الأصح.
وعنه: أنها تبني على عدة الطلاق، وفاقا لمالك والشافعي، لأنه مات
وليست زوجة له، لأنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة.
والأول المذهب.
ووجهه: أنها وارثة. فيجب عليها عدة الوفاة، كالرجعية، ويلزمها عدة
الطلاق، لما ذكروه في دليلهم.
ومحل ذلك: (ما لم تكن) الزوجة (أمة أو ذمية) والزوج مسلم، (أو)
تكن الزوجه ممن (جاءت البينونة منها) بًان كانت سألته الطلادتى أو نحو ذلك:
(ف) ـأنها تعتد (لطلاق لا غير)، لانقطاع أثر النكاح بعدم ميراثها، لأنها
لا ترث رواية واحدة.
(ولا تعتد لموت من انقضت عدتها قبله) أي: قبل الموت، (ولو
ورثت)، سواء كان انقضاؤها بالحيض، أو بالشهور، أو بوضع الحمل، وكذا
لو طلقها في مرضه قبل الدخول فإنه لا يكون عليها عدة لموته في الأصح،
لأن الله سبحانة وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن
[ ١٠ / ٩٦ ]
تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وقال ﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾] البقرة: ٢٢٨].
وقال سبحانه وتعالي: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
فلا يجوز تخصيص هذه النصوص في حالة إرثها منه بالتحكم.
ولأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها. فلم
يجب عليها عدة لموته؛ كما لو تزوجت.
(ومن طلق معينة) من نسائه (ونسيها، أو) طلق (مبهمة ثم مات قبل
قرعة: اعتد كل نسائه، سوى حامل، الأطول منهما) أي: من عده الطلاق
وعدة الوفاة؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون المخرجة بالقرعة وأن تكون
غير المخرجة. فكان الاحتياط أن تعتد كل واحدة أطول العدتين.
(وإن ارتابت متوفى عنها) زوجها، (زمن تربصها) وفي الأصح: (أو
بعده) أي: بعد زمن تربصها، (بأمارة حمل؛ كحركة، أو انتفاخ بطن، أو
رفع حيض: لم يصح نكاحها حتى تزول الريبة)؛ للشك في انقضاء عدتها؛ لأن الشك في انقضاء العدة يوجب التوقف عن التزويج؛ تغليبا لجانب الحرمة على
جانب الحل؛ كسائر المواضع المشتبهة. وزوال الريبه إما بعدم (^١) الموجب لها
من الحركة والانتفاخ، أو عود الحيض، أو مضي زمن لا يمكن أن تكون فيه
حاملا.
(وإن ظهرت) الريبة (بعده) أي: بعد نكاحها (دخل بها) الزوج (أو لا:
لم يفسد) النكاح بذلك؛ لأنه شك طرأ على يقين النكاح فلا يزول به، (ولم
يحل) للزوج (وطؤها حتى تزول) الريبة؛ لأنا شككنا فى صحة النكاح.
_________________
(١) في ج: بحد.
[ ١٠ / ٩٧ ]
ولأنه لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره (^١) .
(و) إذا ظهر أنها حامل فإنها (متى ولدت) ولدا وعاش (لدون نصف سنة
من عقد) أي: من حين تزوجت: (تبينا فساده) أي: فساد النكاح؛ لأنه
نكحها وهي حامل. وإن ولدته لأكثر من ذلك فالولد لاحق بالزوج.
(الثالثة) من المعتدات: (ذات الأقراء المفارقة) لزوجها (في الحياة)
بعد دخوله بها (ولو) كانت مفارقتها (بـ) طلقة (ثالثة) إجماعا. قاله في
" الفروع ".
(فتعتد حرو ومبعضة) أي: من بعضها حر، مسلمة كانت أو كافرة (بثلاثة
قروء) بغير خلاف بين أهل العلم، لعموم قوله ﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
(وهي) أي: القروء: (الحيض) على الأصح.
والقروء في كلام العرب: يقع على الحيض والطهر جميعا فهو من الأسماء
المشتركة.
وذكر عن ابن عمرو بن العلاء أنه قال: القروء الوقت. وهو يصح للحيض
وللطهر؛ لأن كل واحد منهما يأتي لوقت.
واختلف أهل العلم في المراد بقوله ﷾: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي أنها: الحيض.
قال القاضي: الصحيح عن أحمد: أن الأقراء الحيض وإليه ذهب أصحابنا
ورجع عن قوله: أنها الأطهار.
_________________
(١) إشارة إلى حديث: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسقي ماءه زرع غيره " أخرجه أبو دأود في " سننه " (٢١٥٨) ٢: ٢٤٨ كتاب النكاح، باب في وطء السبايا. وأخرجه الترمذى في " جامعه " (١٣١١) ٣: ٤٣٧ كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجاريه وهي حامل. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣٨ ١٧٠) ٤: ٨ ٠ ١ كلهم عن رويفع بن ثابت الأنصاري.
[ ١٠ / ٩٨ ]
ووجه المذهب: قول الله ﷾: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فنقلهن عند عدم
الحيض
إلى الاعتداد بالأشهر. فيدل ذلك على أن الأصل الحيض؛ كما قال
﷾: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦].
ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القروء بمعنى الحيض.
قال النبي ﷺ: " تدع الصلاة أيام أقرائها " (^١) . رواه أبو داود.
وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: " انظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي.
وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " (^٢) . رواه النسائي.
ولم يعهد في لسانه استعمال القروء بمعنى الطهر. فوجب ان يحمل كلامه
على المعهود في لسانه.
(و) عدة (غيرهما) أي: غير الحرة والمبعضة ممن يحضن (بقرأين)؛
لقول النبي ﷺ: " قروء الأمه حيضتان " (^٣) .
ولأنه قول عمر وابنه وعلي ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان
إجماعا. وهذا يخص عموم الآية.
وكان القياس يقتضي: أن تكون عدة الأمة حيضه ونصفا كما كان حدها على
النصف من حد الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض فكمل حيضتين.
_________________
(١) أخرجه ائو دأود في " سننه " (٢٩٧) ١: ٨٠ كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من ظهر إلى ظهر من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده.
(٢) أخرجه النسانى في " سننه " (٣٥٥٣) ٦: ٢١١ كتاب الطلاق، الأقراء من حديث عروة بن الزبير عن فاطمة بنت حبيش.
(٣) أخرجه أبو دأود في " سننه " (٢١٨٩) ٢: ٢٥٧ أبواب الطلاق، باب في سنة طلاق العبد. وأخرجه الترمذي في " سننه " (١١٨٢) ٣: ١٧ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٨٠ ٢) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها، كلهم عن القاسم عن عائشة. وفى (٢٠٧٩) بمعناه من حديث عطية عن ابن عمر.
[ ١٠ / ٩٩ ]
(وليس الطهر عدة).
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه يعني: أن العدة تتعلق بخروج خارج من
الرحم. فوجب أن تتعلق بالطهر؛ كوضع الحمل.
(ولا تعتد بحيضة طلقت فيها) حتى تأتي بثلاث حيضات كوامل بعدها.
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم؛ لأن الله
﷾ أمر بثلاثة قروء. فيتناول ثلاثة كاملة والتي طلق فيها لم يبق منها
ما يتم به مع اثنين ثلاثة كاملة.
(ولا تحل لغيره) أي: لغير مطلقها حيث لم يستوف ما يملكه من الطلاق
(إذا انقطع دم) الحيضة (الأخيرة حتى تغتسل) على الأصح؛ لأنه قول أكابر الصحابة، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء.
ولأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام؛ لوجود أثر الحيض الذي يمنع الزوج
الوطء كما يمنع الحيض. فوجب أن يمنع ذلك ما منعه الحيض ويوجب ما أوجبه الحيض، كما قبل انقطاع الدم.
(وتنقطع بقية الأحكام) من التوارث، ووقوع الطلاق، وعدم صحة اللعان،
وانقطاع النفقة ونحو ذلك (بانقطاعه) أي: انقطاع دم الحيضة الثالثة؛ لأن هذه الأحكام لا أثر فيها للاغتسال فلا يتوقف عليها. بخلاف ما المقصود منه الوطء.
(ولا يحتسب مدة نفاس لمطلقه بعد وضع) يعني: أن من طلقت عقب
ولادة لا يحتسب مدة نفاسها بحيضه فلا بد أن تحيض بعد الأربعين ثلاث حيضات كاملة.
(الرابعة) من المعتدات: (من لم تحض) إما (لصغر أو إياس، المفارقة
في الحياة. فتعتذ حرة ثلاثة أشهر) إجماعا؛ لقول الله سبحانه وتعالي:
﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] يعني: كذلك (من وقتها) أي. من الساعة التي فارقها فيها في
[ ١٠ / ١٠٠ ]
الأصح. فلو فارقها في نصف الليل أو نصف النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى
مثله في قول أكثر العلماء.
(و) عدة (أمة) لم تحضر لصغر أو إياس مفارقة في الحياة (بشهرين) على
الأصح. نص عليه. واحتج بقول عمر رضي الله تعالى عنه " عده أم الولد
حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين ". رواه الأثرم عنه بإسناده.
ولأن الواجب عليها لو كانت ذات قروء قرءان. فيجب شهران بدلهما؛
ليكون البدل كالمبدل.
ولأن غالب النساء يحضن في كل شهر حيضة فناسب ان يكون يدل كل حيضة
شهرا.
(و) عدة (مبعضة) أي: من بعضها حر وبعضها رقيق لم تحض لصغر أو
إياس مفارقة في حياة (بالحساب) فتزيد على الشهرين من الشهر الثالث بقدر ما
فيها من الحرية. فمن ثلثها حر فعدتها شهران وثلث، ومن نصفها (^١) حر
فعدتها شهران ونصف، ومن ثلثاها حر فعدتها شهران وعشرون يوما. وعدة أم الولد التي (^٢) ليس بعضها حرا عدة الأمة؛ لأنها (^٣) مملوكة.
(وعدة بالغة لم تمر حيضا ولا نفاسا، ومستحاضة ناسية لوقت حيضها، أو)
مستحاضة (مبتدأة؛ كآيسة) يعني: أن عدة هؤلاء كعدة الآيسة؛ لدخول البالغة
التي لم تحض في عموم قوله ﷾: ﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. ولأن المستحاضة الناسية لوقت حيضها والمبتدأة لا يعلمان زمن حيضهما،
والغالب على النساء أن يحصل لهن في الشهر طهر وحيضة. فمن كانت تحيض ثلاث حيضات فعدتها مع عدم الحيض ثلاثة أشهر، ومن كانت عدتها لو كانت
تحيض حيضتين فحدتها مع عدم الحيض شهران.
_________________
(١) فى أ: بعضها
(٢) فى ج: الذي
(٣) في أ: كأنها.
[ ١٠ / ١٠١ ]
(ومن علمت ان لها حيضة في كل أربعين) يوما (مثلا) ثم استحيضت
ولسيت وقت حيضها: (فعدتها ثلاثة أمثال ذلك)؛ لأنه لا يتحقق زمن فيه ثلاث حيضات إلا بمضي ذلك.
(ومن لها) من المستحاضات (عادة) علمت بها، (أو) كان لها (تمييز:
عملت به) إذا صلح أن يكون حيضا.
(وإن حاضت صغيرة في) أثناء (عدتها: استأنفتها) أي: ابتدأت عدتها
(بالقرء)؛ لأن العدة بالأشهر إنما شرعت بدلا عن الأقراء لعدمها في حق
الصغيره. فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل؛ كالمتييمم يجد الماء وقد تيمم
لعدمه.
(ومن يئست في) أثناء (عدة أقراء: ابتدات عدة آيسة) يعني: أن من
بلغت سن الإياس في أثناء عدتها وقد حاضت بعض أقرائها أو لم تحض انتقلت
إلى عدة الشهور؛ لأنها حينئذ آيسة، وقد جعل الله ﷾ عدة الآيسات بالشهور. فلا تعتد بما حاضته.
(وإن عتقت معتدة) وقد بقي من عدتها شيء (أتمت عدة أمة)، وفي
الأصح (إلا الرجعية: فتتم عدة حرة)؛ لأنها إذا عتقت وهي رجعية فقد وجدت
الحرية وهي في حكم الزوجات، بدليل انه لو مات زوج الرجعية انتقلت إلى عدة الوفاة. فوجب أن تعتد عدة الحرائر؛ كما لو طلقها زوجها بعد عتقها.
وإن عتقت وهي بائن فلم توجد الحرية في الزوجية. فلم (^١) يجب عليها عدة
الحرائر؛ كما لو أعتقت بعد مضي القرءين.
ولأن الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات فتنتقل إلى عدة الحرائر، والبائن
لا تنتقل إلى عدة الوفاة. فلا تنتقل إلى عدة الحرائر؛ كما لو انقضت عدتها.
(الخامسة) من المعتدات: (من ارتفع حيضها، ولم تدر سببه. فتعتد
للحمل غالب مدته) وذلك تسعة أشهر؛ ليعلم براءة رحمها. فإذا مضت ولم يبن
_________________
(١) في أ: ولم.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
حمل علم براءة رحمها ظاهرا، (ثم تعتد) بعد ذلك (كآيسة على ما فصل).
قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكر
علمناه، لأن الفرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا يحصل به براءة الرحم فاكتفي به. وإنما وجبت العدة بعد التسعة الأشهر التي علم برائتها من الحمل
فيها، لأن عدة الشهور إنما تجب بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل [إما بالصغر
أو الإياس، وهاهنا لما احتمل انقطاع الحيض للحمل واحتمل انقطاع للإياس
اعتبرنا البراءة من الحمل] (^١) بمضي مدته فتعين كون الانقطاع للإياس فأوجبنا
عدته عند تعينه ولم يعتبر ما مضى، كما لم يعتبر ما مضى من الحيض قبل
الإياس، لأن الإياس طرأ عليه.
(ولا تنتقض) العدة (بعود الحيض بعد المدة)، لأن عدتها انقضت، كما
لو اعتدت الصغيرة بثلاثة أشهر ثم حاضت، وكذا لو حاضت حيضة بعد طلاقها
ثم ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فإنها تعتد (^٢) للحمل تسعة أشهر، ثم تعتد
كآيسة.
(وإن علمت) المعتدة (ما رفعه) أي: ما رفع الحيض: (من مرض، أو
رضاع، ونحوه)، كنفاس: (فـ) ـإنها (لا تزال) في عدة (حتى يعود)
الحيض (فتعتد به) وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الدم. فتجب
عليها العدة بالأقراء وإن تباعدت، كما لو كانت ممن بين حيضتيها مدة طويلة.
(أو تصير آيسة) يعني: أو تصير إلى سن الإياس: (فتعتد عدتها) أي:
عدة الآيسة. نص على ذلك في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور (^٣) .
وعنه: ينتظر زوال ما رفع الحيض ثم إن حاضت اعتدت بالأقراء وإلا اعتدت
بسنة.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ا: تقعد.
(٣) في أ: ومنصور
[ ١٠ / ١٠٣ ]
(و) متى اختلف الزوج والمطلقة في أي وقت وقع الطلاق فإنه (يقبل قول
زوج: إنه لم يطلق إلا بعد حيضة أو ولادة) يعني: إلا بعد أن حاضت أو
ولدت، (أو) أنه لم يطلق إلا (في وقت كذا) حيب لا بينة للمطلقة تشهد
بدعواها، لأنه يقبل قوله في أصل الطلاق وعدده فقبل في وقته.
ولأنه أمر لا يعلم إلا منه. فقبل قوله فيه، كالنية في اليمين.
(السادسة) من المعتدات: (امرأة المفقود.
فتتربص حرة و) كذا (أمة) على الأصح، لأن الأربع سنين مضروبه لكونها
أكثر مدة الحمل، [ومدة الحمل] (^١) في الأمة والحرة سواء (ما تقدم في ميراثه)
أي: ميراث المفقود، وذلك أنه إذا كان ظاهر غيبته الهلاك، كالذي يفقد من
بين أهله، أو في مفازة مهلكة، أو بين الصفين حال الحرب (^٢)، أو كان في
سفينة فانكسرت، فهلك قوم ونجا آخرون فإنها تتربص أربع سنين.
وإن كان ظاهر غيبته السلامة، كالتاجر والسائح المنقطع خبره فإنها تتربص
تسعين سنة من يوم ولد. وهذا على الأصح؛ لأن أكثر الناس لا يبلغ التسعين،
(ثم تعتد) في الحالتين (للوفاة.
ولا تفتقر) في ذلك (إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة) على
الأصح، لأنها فرقة تعقبها عدة الوفاة. فلا تتوقف على حكم الحاكم، كما لو
قامت البينة على موته، وكما نقول في العدة ومدة الإيلاء ومدة التربص في التي تباعدت حيضتها.
(ولا) تفتقر أيضا (إلى طلاق ولي زوجها بعد اعتدادها) للوفاة لتعتد بثلاثه
قروء بعد ذلك على الأصح. فإن ولي الرجل لا ولاية له في طلاق امرأته.
ولأننا حكمنا عليها بعدة الوفاة. فلا يجب عليها مع ذلك عدة الطلاق، كما
لو تيقنت وفاته.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
(وينفذ حكم) أى: حكم حاكم (بالفرقة ظاهرا فقط بحيث) إن حكمه
بالفرقة: (لايمنع) وقوع (طلاق المفقود) بعد زمن حكم الحاكم؛ لأن حكم
الحاكم بالفرقة بناء على أن الظاهر هلاكه. فإذا تيقنت حياته انتقض ذلك الظاهر
ولم يبطل طلاقه، كما لو شهدت به بينة كاذبة. ولذلك يخير إذا قدم بينها وبين
صداقها الذي أعطاها الثانى كما يأتي تفصيله، لأن تخييره يدل على بقاء نكاحه.
وهذا (^١) المذ هب.
وقيل: ينفذ الحكم ظاهرا وباطنا فتكون امرأة الثانى، ولا خيار للأول.
(وتنقطع النفقة) الجارية عليها من مال المفقود (بتفريقه) أي: تفريق
الحاكم وهو حكمه بالفرقة [إن وقعت من الحاكم. وقد تقدم أن الفرقة لا تتوقف
على الحاكم، (أو بتزويجها) إذا تزوجت من غير أن يحكم الحاكم
بالفرقة] (^٢)؛ لما تقدم، وأنه يصح تزويجها من غير حكم الحاكم بالفرقة؛ لعدم
افتقارها إلى الحكم. وذلك لأنها أسقطت نفقة نفسها بخروجها عن حكم
نكاحه. فإن قدم الزوج واختارها ردت إليه وعادت نفقتها من حين الود.
وقد روي الأثرم والجوزجاني جمن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما
قالا: " تنتظر امرأة المفقود أربع سنين.
قال ابن عمر: وينفق عليها من مال زوجها.
وقال ابن عباس: إذا يجحف ذلك بالورثة ولكنها تستدين، فإن جاء زوجها
أخذت من ماله وإن مات أخذت من تركته نصيبها من الميراث. وقالا: يتفق
عليها بعد في العده بعد الأربع سنين من مال زوجها جميعه أربعة أشهر وعشرا ". وقيل: وتنقطع النفقة بالعدة أيضا.
(ومن تزوجت قبل ما ذكر) من التربص المذكور والاعتداد بعدة: (لم
يصح) نكاحها، (ولو بان أنه كان طلق) وانقضت عدتها حين التزويج، (أو)
_________________
(١) في ج: وهو.
(٢) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
تبين أنه كان (ميتا) وانها انقضت عدة الوفاه (حين التزويج) في الأصح، لأنها
معتقدة تحريم نكاحها.
ولأنها تزوجت في مدة منعها الشرع النكاح فيها. فلم يصح؛ كما لو
تزوجت المعتدة في عدتها، والمرتابة قبل زوال الريبة.
(ومن تزوجت بشرطه) أي: بعد أن تربصت المدة المقدرة شرعا واعتدت
للوفاة، (ثم قدم) زوجها (قبل وطء) الزوج (الثاني) دفع إليه ما أعطاها من
الصداق، و(ردت إلى قادم) أي: إلى المفقود الذي قدم، لأنا تبينا بقدومه
بطلان نكاح الثاني، وليس هناك مانع من الرد. فترد إليه، لبقاء نكاحه.
(ويخير) المفقود (إن وطئ) الزوج (الثاني) قبل قدومه (بين أخذها)
أي: أخذ زوجته (بالعقد الأول ولو لم يطلقـ) ـها (الثانى، ويطأ) ها الأول
(بعد عدته) أي: عدة الثانى، (وبين تركها معه) أي: مع الثاني (بلا تجديد
عقد) الثاني (^١) .
قال (المنقح: قلت: الأصح بعقد. انتهى).
وذلك لما روى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان
قالا: " إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو ".
رواه الجوزجاني والأثرم.
وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة في
عصرهم فكان إجماعا.
قال في " شرح المقنع ": فعلى هذا فإن أمسكها الأول فهي زوجته بالعقد
الأول. والمنصوص عن أحمد: أن الثانى لا يحتاج إلى طلاق، لأن نكاحه كان
باطلا في الباطن، ثم قال بعد يسير: ويجب على الأول اعتزالها حتى تنقضي
عدتها من الثاني، وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثاني ولم يذكروا لها عقدا جديدا.
_________________
(١) في ج: للثاني.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
قال شيخنا: والصحيح: أنه يجب أن يستأنف لها عقدا؛ لأنا (^١) تبينا بطلان عقده بمجيء الأول. ويحمل قول الصحابة على هذا لقيام الدليل عليه. فإن زوجة الإنشان لا تصير زوجة لغيره بمجرد تركه لها. انتهى.
وقال في "الرعاية": وإن قلنا يحتاج الثانى عقدا جديدا طلقها الأول كذلك. (ويأخذ.) الزوج الأول (قدر الصداق، الذي أعطاها) إياه على الأصح (من) الزوج (الثانى) إذا تركها له؛ لقضاء علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق. إليها هو.
ولأنه اتلف عليه المعوض. فرجع عليه بالعوض؛ كشهود الطلاق إذا رجعوا
عن الشهادة.
فعلى هذا: إن كان لم يدفع إليها الصداق لم يرجع بشيء وإن كان دفع بعضه رجع بنظير ما دفع. ". (ويرجع) الزوج (الثاني عليها) أي: على الزوجة (بما اخذ منه) الزوج الأول على الأصح؛ " لأنها غرأمة لزمت الزوج بسبب وطئه لها. فرجع بها؛ كا لمغرور.
ولأن عدم الرجوع يقضي إلى أن يلزمه مهران بوطء واحد.
والأصل في ذلك ما روى الأثرم والجوزجانى بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال: " فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر. فذكرت ذلك له. فقال.: انطلقي فتربصي أربع سنين. ففعلب ثم اتته. فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا. ففعلت ثم اتته. فقال: اين ولي هذا الرجل؛ فجاء وليه. فقال: طلقها ففعل. فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت. فتزوجت. ثم جاء زوجها الأول. فقال له عمر: اين كنت؛ قال: يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين. فوالله ما ادري في اي ارض. كنت عند قوم يشتعبدونني حتى اعتراهم منهم قوم مسلمون فكنت فيمن غنموه. فقالوا لي: أنت رجل من الإنس وهؤلاء
_________________
(١) في ج: لأننا.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
الجن فمالك ولهم؟ فأخبرتهم خبري. فقالوا: بأيت أرض الله تحب أن
تصبح؛ قلت: بالمدينة هي أرضي فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة. فخيره عمر
إن شاء امرأته (^١) وإن شاء الصداق. فاختار الصداق وقال: قد حبلت لا حاجة
لي فيها".
قال أحمد: يروى عن عمر من ثمانية وجوه. ولم يعرف في الصحابة له
مخالف، فلعل بعض وجوهه ليس فيها طلاق وليه.
(وإن لم يقدم) الزوج الأول (حتى مات) الزوج (الثاني) معها:
(ورثته)؛ لصحة نكاحها في الظاهر. (بخلاف ما إذا مات الأول بعد تزوجها)
فإنها لا ترثه، لأنها أسقطت حق نفسها من إرثه بتزويج الثانى.
وإن ماتت بعد قدوم الأول فإن اختارها ورثها وإن لم يخترها ورثها الثانى.
(ومن ظهر موته باستفاضة أو بينة فكمفقود) يعنى: أنه متى عاد بعد ذلك
فحكمه حكم المفقود في أنه متى حضر بعد أن تزوجت زوجته فإنه يخير بعد وطء الزوج الثانى بين أخذها بالعقد الأول، وبين تركها للزوج الثاني ويأخذ منه قدر صداقها الذي أصدقها الثاني على التفصيل المتقدم.
(وتضمن البينة) التي شهدت بوفاته (ما تلف من ماله) أي: مال من
شهدت بوفاته، لأن شهادتهما سبب استيلاء الغير على ماله.
(و) ضمنت أيضا (مهر) الزوج (الثاني) الذي أخذه منه الزوج الأول،
لأن شهادة اليينة سبب ذلك.
وللمالك أيضا: تضمين من باشر إتلاف ماله؛ لأنه أتلفه بغير إذن مالكه.
(ومتى فرق) بالبناء للمفعول أي: فرق الحاكم (بين زوجين لموجب)
شرعي يقتضي التفريق بينهما، (ثم بان انتفاؤه) أي: انتفاء الموجب للتفريق،
كمن له زوجتان تزوجهما مرتين، تم قامت بينة أن الثانية أخت للأولى ففرق
الحاكم بينهما وتزوجت بآخر، ثم تبين خطأ الشهود وظهر أن أخت زوجته غير
_________________
(١) في ج: المرأة.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
التي كانت في عصمته: (فكمفقود) يعنى: فإن حكم ذلك حكم المفقود إذا
تربصب زوجته المدة الشرعية واعتدت وتزوجت فإنها ترد إليه إن لم يكن وطئها الزوج الثانى، ويخير بعد وطئه بين أخذها وأخذ صداقها الذي أصدقها الثانى.
ذكره في " الفروع " عن الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه، وعبارته كما في المتن. وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: خروج البضع من ملك الزوج متقوم
بالمسمى كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وهو أخص الروايتين عن أحمد. ثم
قال: ونظير هذا أن يشهد قوم بتعذر النفقة من جهة الزوج فيفرق الحاكم بينهما ثم يظهر أن النفقة لم تكن تتعذر وقد تزوجت من دخل بها، فقياس المفقود: أن يخير الزوج بين امرأته وبين مهرها. وكذلك لو فرق الحاكم لكونه عنينا ثم تبين خلافه. وبالجملة فكل صورة فرق بينه وبين امرأته لسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو يشبه المفقود. والتخيير فيه بين المرأة والمهر أعدل الأقوال.
(ومن أخبر بطلاق) زوج (غائب و) أخبر (انه وكيل) شخص (آخر في
إنكاحه بها) أي: بالزوجة التي أخبر أن زوجها الغائب طلقها، (وضمن المهر)
أي: مهر الشخص الذي ذكر أنه وكيله في إنكاحه بها، (فنكحته) أي: نكحت الشخص بمباشرة من ذكر أنه وكيله، (ثم جاء الزوج) الغائب (فأنكر) ما ذكر
عنه من طلاقها: (فهى زوجته) أي: فهي باقية على نكاحه، لأنه لم يثبت ما
يرفعه، (ولها المهر) على من نكحته معتمدة على ما ذكر لها بوطئه.
قال في " الفروع " بعد أن قدم ما في المتن: وقيل: كمفقود. ذكره في
" المنتخب ". انتهى.
(وإن طلق غائب) زوجته في غيبته، (أو مات: اعتدت منذ الفرقة)
يعني: فعدتها من يوم طلق أو من يوم مات مطلقا على الأصح؛ لأن معنى
العدة: ان تستمر بعد الفرقة على حالها في منع نكاح الغير حتى تنقضي مدة
العدة، وهذه ممنوعه من النكاح مدة العدة بعد الطلاق أو الموت .. فوجب
انقضاؤها بذلك.
(وإن لم تحد) يعني: وإن لم تأت بالإحداد عليه في صورة الموت، لأن
[ ١٠ / ١٠٩ ]
الإحداد ليس شرطا لانقضاء العدة، لأنها لو تركت الإحداد قصدا مع موت
زوجها عندها لم تجب عليها إعادة العدة، فكذا مع غيبته، وسواء ثبت ذلك ببينة
أو أخبرها من تثق به.
(وعدة موطوءة بشبهة أو زنا؛ كمطلقة) أي: كعدة مطلقة، سواء كانت
حرة أو كانت أمة مزوجة، وكذا موطوءة في نكاح فاسد؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم. فوجبت العده منه، كالوطء في النكاح الصحيح .. وهذا على الأصح.
وعنه: يكفي في الزنا استبراء بحيضة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا أمة) أي: إلا إذا وطئت أمة (غير مزوجة: فـ) ـأنها (تستبرأ
بحيضة) فقط؛ لأن استبرائها من الوطء المباح يحصل بذلك فكذا غيره.
(ولا يحرم على زوج) وطئت زوجته الحرة أو الأمه بشبهه أو زنا (زمن
عدة) من ذلك (غير وطء في فرج) في الأصح؛ لأنها زوجة حرم وطؤها
لعارض مختص بالفرج. فأبيح الاستمتاع منها بما دونه، كالحيض.
(ولا ينفسخ نكاح بزنا). نقله الجماعة عن أحمد. وقال حديث
النبي ﷺ: " لا ترد يد لامس " (^١): لا يصح.
(وإن أمسكها) زوجها بأن لم يطلقها من أجل زناها (استبرأها) بأن لم
يطأها حتى تنقضي عدتها كغيرها من المعتدات. والحديث على ظاهره: أنها
كانت وطئت.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٦٥) ٦: ١٧٠ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٤٩) ٢: ٢٢٠ كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء بمعناه.
[ ١٠ / ١١٠ ]
] فصل: إذا وطئت معتدة]
(فصل. وإن وطئت معتد؛ بشبهة، أو) وطئت بـ (نكاح فاسد: أتمت عدة
الأول)، سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد أو من وطء شبهة،] ما لم
تحمل من الثاني. فتنقضي عدتها بوضع الحمل قبل أن تتم عدة الأول، كما يأتي
في المتن] (^١) .
(ولا يحسب منها) أي: من عدة الأول (مقامها عند الثاني) يعني: أن
المعتدة لو تزوجت في عدتها زوجا ثانيا غير الأول فوطئها ثم لم يفرق بينهما إلا
بعد مدة لم يحتسب من عدة الأول زمن مقامها عند الثانى في الأصح؛ لأن عدة الأول انقطعت بوطء الثانى.
(وله) أي: وللزوج الأول إن كان طلاقا رجعيا (رجعة رجعية في التتمة)
في الأصح. يعني: انه إذا فرقنا بينهما بعد أن وطئها الثانى وأمرناها بأن تتم
عدتها من الأول، فإن كان طلاقه رجعيا فله رجعتها في زمن تتمة عدتها، لأن
حقه من رجعتها لم تنقطع، وكما لو وطئت بشبهة أو زنا.
(ثم اعتدت) بعد أن تتم عدة الأول (لوطء الثانى)؛ لما روى مالك
بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه قضى في الذي تزوج في عدتها: أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها " (^٢) .
وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الاخر.
ولأنهما حقان اجتمعا لرجلين. فلم يتداخلا وقدم اسبقهما، كما لو تساويا
في مباح غير ذلك.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٤٤١ كتاب العدد، باب اجتماع العدتين.
[ ١٠ / ١١١ ]
(وإن ولدت من أحدهما) أي: الزوج والواطئ بشبهة، أو الزوج الأول
والزوج الذي تزوجته في عدتها (عينا) أي: يعينه، ويكون للأول عينا إذا أتت
به لدون ستة أشهر من وطء الثانى، ويكون للثانى عينا إذا أتت به لأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول، (أو ألحقته به) أي: بأحدهما (قافة، وأمكن)
كونه ممن ألحقته به القافة: (بأن تأتي به لنصف سنة فأكثر من وطء الثاني،
ولأربع سنين فأقل من بينونة الأول: لحقه) أي: لحق بمن ألحقته به القافة مع
إمكان كونه منه، (وانقضت عدتها) ممن لحق به الولد (به) أي: بوضع
الولد، لأنه حمل وضعته فانقضت عدة أبيه به دون غيره. (ثم اعتدت للآخر)
أي: للذي لم يلحق به الولد؛ لبقاء حقه من العدة.
(وإن ألحقته) أي: ألحقت القافه الولد (بهما) أي: بالواطئين:
(لحق) بهما، (وانقضت عدتها به منهما)، لأن الولد قد ثبت نسبه منهما.
فتنقضي عدتها به لكل وأحد منهما، كما لو لم يكن مع أحد الواطئين اخر (^١) .
(وإن أشكل) على القافة، (أو لم توجد قافه، ونحوه)؛ كما لو اختلف
قائفان: (اعتدت بعد وضعه بثلاثة قروء)؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت
بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثانى فعليها أن تكمل عدة الأول ليسقط الفرض بيقين. وإن نفته القافة عنهما لم ينتف؛ لأن عمل القافة ترجيح أحد
صاحبي الفواش، لا في النفي عن الفواش كله.
(وإن وطئها مبينها فيها) أي: في عدتها منه (عمدا) من غير شبهة:
(فكأجنبي) أي: فكوطء أجنبي تتم العدة الأولى ثم تبتدئ العدة الثانية للزنا،
لأنهما عدتان من وطئين يلحق النسب في أحدهما دون الاخر. فلم يتداخلا؛
كما لوكانا من رجلين.
(و) إن وطئها مبينها في عدتها منه (بشبهة: استأنفت عدة للوطء،
ودخلت فيها بقية الأولى)، لأنهما عدتان من وأحد لوطئين يلحق النسب فيهما
لحوقا وأحدا. فتداخلا، كما لو طلق الرجعية في عدتها.
_________________
(١) في أ: الاخر.
[ ١٠ / ١١٢ ]
(ومن وطئت زوجته بشبهة، ثم طلق: اعتدت له) أي: للطلاق بعد
الدخول؛ لأنها عدة مستحقة بالزوجية. فقدمت على غيرها؛ لقوتها، (ثم
تتم) العدة (للشبهه)؛ لأنها عدة مستحقة بالوطء. فلا تبطل بتقديم حق الغير
عليها؛ كالدينين إذا قدم صاحب الرهن فيهما.
(ويحرم وطء زوج) أي: زوج من وطئت بشبهة (ولو مع حمل منه) أي:
من الزوج (قبل عدة واطئ)؛ لأنها عدة قدمت على حق الزوج فمنع من الوطء
قبل انقضائها، فإذا ولدت اعتدت للشبهة، فإذا انقضت حل للزوج وطؤها.
(ومن تزوجت في عدتها: لم تنقطع) عدتها بصورة العقد (حتى يطأ) ها
الثانى؛ لأن عقده باطل لا تصير به المرأة فراشا، ولا يستحق عليه بالعقد شيء.
فإذا وطئها انقطعت العده، (ثم إذا فارقها) من تزوجته في عدتها بنفسه أو
بتفريق: (بنت على عدتها من الأول)؛ لأن (^١) حقه أسبق.
ولأن عدتها منه وجبت عن دخول في نكاح صحيح.
(واستأنفتها) أي: ابتدأت عدة كاملة (للثاني)؛ لأنهما عدتان من رجلين
فلا يتداخلان.
وإن ولدت من أحد الرجلين وهما المطلق ومن وطئها في العدة: انقضت
عدتها منه؛ لبراءة رحمها منه بالولادة، وتعتد للآخر الذي لم تلد منه. وإن
أمكن كون ما ولدته منهما فكما سبق.
(وللثاني) وهو الذي تزوجته في عدلها ووطئها (أن ينكحها بعد) انقضاء
(العدتين) على الأصح، لأنه لا يخلو إما ان يكون تحريمها على زعم من
يحرمها أبدا بالعقد، أو بالوطء في النكاح الفاسد، أو بهما. وجميع ذلك
لا يقتضي التحريم بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها.
ولأنه لو زنا بها لم تحرم عليه على التأبيد فهذا أولى.
_________________
(١) في ج: لأنه.
[ ١٠ / ١١٣ ]
ولأن آيات الإباحة عامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].وقوله: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] فلا يجوز تخصيصها بغير
دليل.
وما روي عن عمر في تحريمها عليه على التأبيد فقد خالفه علي فيه.
وروي عن عمر أيضا: أنه رجع عن قوله بالتحريم إلى قول علي فإن عليا
قال: " إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فقال عمر: ردوا الجهالات
إلى الشبه ". ورجع إلى قول علي رضي الله تعالى عنهما.
(وتتعدد) العدة (بتعدد واطئ) حرة (بشبهة)؛ لحديث عمر.
ولأنهما حقان مقصودان لآدميين. فلم يتداخلا؛ كالدينين؛ لأن كل واحد
من الواطئين له حق في عدته؛ للحوق النسب في وطء الشبهة.
الا) إن تعدد الواطئ (بزنا) فإن العدة لا تتعدد في الأصح؛ لعدم لحوق
النسب فيه. فيبقى القصد العلم ببراءة الرحم. ولهذا يكفي فيه الاستبراء في
رواية، وتكون أول عدة الزانية من آخر وطء.
(وكذا أمة في استبراء) يعني: أن الأمة إذا تعدد واطئها بشبهة لزمها استبراء
بعدده، قياسا على قول عمر في الحرة.
وإن تعدد واطئها بزنا لزمها استبراء واحد. فإن كانت غير مزوجة كفاها
حيضة، وإن كانت مزوجة اعتدت بحيضتين كما سبق.
(ومن طلقت طلقة) رجعية (فلم تنقض عدتها) ولم يراجعها (حتى طلقت
أخري بنت) على ما مضى من عدتها؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا
رجعة. فأشبها الطلقتين في وقت واحد.
(وإن راجعها ثم طلقها) قبل الدخول أو بعده: (استأنفت) العدة على
الأصح؛ لأن الرجعة إزاله لشعث الطلاق الأول، وإعادة إلى النكاح الذي كانت
فيه. فوجب أن تستأنف العدة للطلاق الثانى؛ (كفسخها) نكاحها (بعد
[ ١٠ / ١١٤ ]
رجعة) من طلاق رجعي (لعتق أو غيره)، وطئها بعد الرجعة أو لم يطأها.
وقد علم مما تقدم أن الفسخ لو وقع من غير رجعة أنها تبني على ما مضى من
عدتها؛ لأنهما فراقان لم تتخللهما رجعة ولا وطء. فكانت العدة لهما؛
كالطلاقين اللذين لم تتخللهما رجعة ولا وطء.
(وإن أبانها، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها قبل دخوله بها: بنت) على
ما مضى من عدتها على الأصح، لأنه طلاق في نكاح ثان قبل المسيس والخلوة
فلم يوجب عدة، لعموم قوله ﷾: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
والفرق بين هذه وبين ما إذا راجعها ثم طلقها قبل الدخول: أن الرجعة إعادة
إلى النكاح الأول فالطلاق في عدة الرجعية طلاق عن نكاح واحد. فكان استئناف
العدة في ذلك أظهر، لأنها مدخول بها، ولولا الدخول ما كانت رجعية (^١)،
والطلاق في البائن بعد النكاح طلاق عن نكاح متجدد ولم يتصل به دخول ولذلك
يتنصف به (^٢) المهر. فكان البناء فيه أظهر.
(و) أما (إن انقضت) عدتها (قبل طلاقه: فلا عدة له)، لأنه طلاق من
نكاح قبل الدخول، فلا يقال فيه: تبني ولا تستأنف.
_________________
(١) في ج: رجعة.
(٢) في ج: فيه.
[ ١٠ / ١١٥ ]
[فصل: في الإحداد]
(فصل. يحرم إحداد) - وسيأتي تعريفه- (فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال،
وتدخل الأيام بالتبعيه (على ميت غير زوج)؛ لما روت زينب بنت أم سلمة
قالت: "دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان.
فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضها. وقالت: والله! مالي بالطيب من حاجة، غير أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول:
لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق تلاث ليال، إلا على زوج أربعة (^١) أشهر وعشرا " (^٢) . متفق عليه.
(ويجب) الإحداد (على زوجته) أي: زوجة الميت إن كانت (بنكاح
صحيح)؛ لأن النكاح إن كان فاسدا فهي ليست زوجة على الحقيقة الشرعية.
ولأنها من كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده.
(ولو) كانت (ذمية) والزوج مسلم أو ذمي، (أو) كانت (أمة) والزوج
حر أو عبد، (أو) كانت (غير مكلفة) والزوج مكلف أو غير مكلف (زمن
عدته)؛ لعموم الأحاديث فيهن، ولتسأويهن في اجتناب المحرمات، وكذلك
في حقوق النكاح. فتساوين في الإحداد؛ لأنه اجتناب محظور. وإنما تفارق
غير المكلف في عدم الإثم.
وعلم مما تقدم: أن الإحداد لا يجب على البائن على الأصح، سواء كانت
بطلقة أو بثلاث أو بفسخ.
_________________
(١) في أ: فوق أربعة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٠٢٤) ٥: ٢٠٤٢ كتاب الطلاق، باب تحد المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٨٦ ١) ١: ١١٢٣ كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة
[ ١٠ / ١١٦ ]
(ويجوز) الإحداد (لبائن).
قال في "الفروع ": إجماعا، لكن لا يسن لها. قاله في "الرعاية". انتهى.
(وهو) أي: والإحداد: (ترك زينة، و) ترك (طيب؛ كزعفران ولو كان
بها سقم)؛ لأن الطيب يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة. فلا يحل لها
استعمال الأدهان المطيبة؛ كدهن الورد والبنفسج والياسمين واللبان (^١) وما أشبه
ذلك؛ لأن الأدهان بذلك استعمال للطيب.
(و) ترك (لبس حلى ولو خاتما) في قول عامة أهل العلم؛ لقول
النبى ﷺ: " ولا الحلي " (^٢) .
ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى مباشرتها.
(و) ترك لبس (ملون من ثياب لزينة؛ كأحمر، وأصفر، وأخضر وأزرق
صافيين. وما صبغ قبل نسج؛ كـ) الذي صبغ (بعده) في الأصح.
(و) ترك (تحسين بحناء أو اسفيذاج (^٣) .
و) ترك (تكحل ب) كحل (أسود بلا حاجة) إلى الكحل الأسود.
(و) ترك (ادهان بـ) دهن (مطيب.
و) ترك (تحمير وجه، وحفه، ونحوه)؛ كنقشه. ومن ذللى: تنقيطه
والتخطيط. وذلك لما روت أم عطية قالت: " كنا ننهى أن تحد على ميت فوق
ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس
ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " (^٤) . رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) في أ: والبان.
(٢) عن أم سلمة زوج النبي صصص، عن النبي صصص أنه قال: " المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقه، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٠٤) ٢: ٢٩٢ أبواب الطلاق، ياب فيما تجتنبه المعدة في عدتها.
(٣) الاسفيذاج هو: رماد الرصاص والآنك.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٧ ٠ ٥) ٥: ٤٣ ٠ ٢ كتاب الطلاق، باب القسط للحادة عند الطهر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٨) ٢: ١٢٨ ١ كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الو فاة
[ ١٠ / ١١٧ ]
وفي رواية قالت: قال النبي ﷺ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر
أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبا
مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا ظهرت نبذة من قس أو
أظفار " (^١) . متفق عليه.
والعصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد،] يصبغ غزلها ثم ينسج] (^٢) .
(ولا تمنع) المعتدة لوفاه (من صبر) تطلي به بدنها؛ لأنه لا طيب فيه،
(إلا في الوجه) فلا تطلي به وجهها؛ لما روت أم سلمة قالت: " دخل على
رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا. فقال: ماذا يا أم سلمة؛ فقلت: إنما هو صير ليس فيه طيب. قال: إنه يشب (^٣) الوجه.
لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه
خضاب" (^٤) .
(ولا) تمنع أيضا من (لبس) ثوب (أبيض ولو) كان الأبيض (حسنا) من
إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته. فلا يلزم تعييره؛ كما أن المرأة إذا كانت
حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير نفسها في عدة الوفاة وتشوه نفسها.
(ولا) تمنع من (ملون لدفع وسخ؛ ككحلي، ونحوه)؛ كالأسود
والأخضر الذي ليس بالصافي.
(ولا) تمنع (من نقاب) في الأصح.
وقيل: بلى؛ لأنها شبيهة بالمحرمة.
والأول أصح؛ لأن ذلك ليس منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٢٨ ٥) ٥: ٤٣ ٠ ٢ كتاب الطلاق، باب تلبس الحادة ثياب العصب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٣٨) ٢: ١٢٧ ١ الموضع السابق.
(٢) ساقط من أ ..
(٣) في ج: يشبه
(٤) أخرجه أبو دأود في " سننه " (٢٣٠٥) ٢: ٢٩٢ أبواب الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتده في عدتها.
[ ١٠ / ١١٨ ]
وإنما منعت منه المحرمة، لكونها ممنوعة من تغطية وجهها. بخلاف الحادة
على زوجها.
ولأن المحرمة يجوز لها لبس المعصفر من الثياب والمزعفر. بخلاف الحادة
فلا يصح القياس عليها.
(و) لا تمنع الحادة أيضا (من أخذ ظفر، ونحوه)، كنتف إبط، وأخذ
شعر مندوب إلى أخذه.
(ولا من تنظف وغسل)؛ لأن ذلك لا يراد للزينة ولا للطيب.
(ويحرم تحولها) أي: تحول المعتدة للوفاه (من مسكن وجبت فيه)
العدة. روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وأم سلمة. وبذلك
يقول مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من فقهاء الأمصار.
(إلا لحاجة) يعني: إلا أن تدعو الحاجة إلى خروجها منه،
(كـ) ـالخروج منه (لخوف ولحق) يجب عليها الخروج من أجله، (و) من
أجل (تحويل مالكه) أي: مالك المسكن (لها) أي: للمعتدة للوفاة.
[(وطلبه) أي: طلب مالك المسكن من المعتدة للوفاة (فوق أجرته)
أي: أجرة مثله، (أو لا تجد) المعتدة للوفاة] (^١) (ما) أي: مالا (تكتري به
إلا من مالها)، لأن الواجب عليها السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت
السكنى سقطت، (فيجوز) تحولها (إلى حيث شاءت)؛ لأن ذلك محل
ضرورة وعذر. وهذا الأصح.
وقيل: إنما تنتقل إلى أقرب موضع يمكنها؛ لأنه أقرب إلى موضع
الوجوب.
والأول أصح؛ لأن الواجب سقط بالعذر، والشرع لم يرد بالاعتداد في
معين غيره. فاستوى فيه القريب والبعيد.
والأصل في ذلك ما روت فريعة بنب مالك قالت: " خرج زوجي في طلب
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١١٩ ]
أعبد له. فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه. فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور
أهلي. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا، وليس المسكن له فلو تحولت
إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني. قال: تحولي. فلما خرجت
إلى المسجد دعانى أو أمر بي (^١) فدعيت. فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه
نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا " (^٢) .
رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وزادوا إلا النسائي وابن ماجه قالت: " فأرسل إلي عثمان فأخبرته فأخذ به فأمرها بالمكث في بيتها الذي أتاها فيه نعي زوجها بعد الرخصة في الخروج منه " (^٣) .
وذلك يدل على المنع منه، لأنه لو جاز لاستمر على الإذن فيه، وإنما يجب
عليها المكث مع عدم الضرورة إلى النقلة. فإن اضطرت إلى النقلة بأن وجد شيء
من الأعذار المذكورة في المتن، أو خافت على نفسها فيه من سيل، أو نار، أو
فتنة، أو لص، أو نحو ذلك: جاز لها أن تنتقل؛ لأن ذلك كله موضع
ضرورة.
(وتحول) المعتدة بالبناء للمفعول (لأذاها، لا من حولها) يعني: أن
المعتدة إذا حصل منها أذى لمن حولها حولت عنهم في الأصح.
وقيل: يحولون عنها.
_________________
(١) في ج: أمرني.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٣٠٠) ٢: ٢٩١ أبواب الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل. وأخرجه الترمذي في " سننه " (١٢٠٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٥٣٢) ٦:. ٢٠٠ كتاب الطلاق، عدة المتوفى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٣١) ١: ٦٥٤ كتاب الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٢٧٤٠) ٦: ٤٢١.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٣١ ٢٧) ٦: ٠ ٣٧.
[ ١٠ / ١٢٠ ]
(ويلزم) معتدة (منتقلة) من المنزل الذي وجبت فيه العدة (بلا حاجة) إلى
نقلها، (العود) إليه؛ لتتم عدتها فيه.
(وتنقضي العدة) أي: عدة المتوفى عنها (بمضي الزمان) الذي تنقضي به
العدة (حيث كانت) أي: في أي مكان، لأن المكان ليس شرطا لصحة الاعتداد.
(ولا تخرج) المعتدة للوفاة (إلا نهارا)؛ لأن الليل مظنة الفساد، وإذا
خرجت نهارا فإنما يكون خروجها (لحاجتها)، من بيع وشراء ونحوهما
للضروره.
(ومن سافرت) زوجته دونه (بإذنه، أو) سافرت (معه لنقلة) من بلد
(إلى بلد، فمات) زوجها (قبل مفارقة البنيان) أي: بنيان البلد التي خرجت
منها رجعت (^١) فاعتدت بمنزله؛ لأن من لم يفارق بنيان البلد في حكم المقيم
بالبلد. فيجب عليها العدة في المنزل الذي هي ساكنة فيه،
(أو) سافرت (لغير النقلة)، كتجارة وزيارة (ولو) كان سفوها (لحج
ولم تحرم) ومات (قبل مسافة قصر: اعتدت بمنزله) أيضا، لما روى سعيد
بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: "توفي (^٢) أزواج نساء وهن حاجات أو
معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن " (^٣) .
ولأنها أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن تبعد. فلزمها؛ كما لم تفارق البنيان.
ولأن البعيدة وهي التي سافرت مسافة قصر لا يلزمها الرجوع، لأن عليها في
ذلك مشقة وتحتاج إلى سفو طويل فى رجوعها. أشبهت من بلغت مقصدها.
(و) إن مات زوجها (بعدهما) أي: بعد مفارقة البنيان فيما إذا كان سفوها
لنقلة، أو بعد مسافة القصر فيما إذا كان سفرها لغير النقلة، فإنها (تخير) بين أن ترجع فتعتد في منزلها، أو تمضي إلى مقصدها فتعتد هناك، لأن كلا من البلدين
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: توفي نساء.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (١٣٤٣) ١: ٣١٧ باب المتوفى عنها زوجها أين تحتد.
[ ١٠ / ١٢١ ]
صار منزلا لها، لأن الأول قد كانت ساكنة فيه (^١)، وقد خرج الآن عن كونه منزلا بإذنه في الانتقال عنه، كما لو حولها قبل ذلك، والثانى لم يصر بعد منزلا، لأنها
لم تسكنه. فوجب تخييرها بينهما، لأنهما سواء في عدم كونهما الآن منزلا لها.
(وإن أحرمت) بالحج (ولو) كان إحرامها (قبل موته)، أو كان بعده
ومات زوجها قبل بلوغها مسافة قصر (وأمكن الجمع) بين اعتدادها في منزلها
وبين الحج، بأن كان الوقت يتسع لهما من غير فوات الحج: (عادت) إلى
منزلها فاعتدت به، كما لو لم تحرم.
(وإلا) أي: وإن لم يمكنها الجمع بأن كان الوقت يتسع لهما: (قدم
حج) أي: قدمت الحج (مع بعد) بأن كانت بعدت عن البلدة التي سافرت منها
مسافة قصر فأكثر" لأن الحج وجب بالإحرام، وفي منعها من إتمام سفرها ضرر عليها بتضييع الزمان والنفقة، ومنع أداء الواجب فلا يجب الرجوع لذلك، فإذا
رجعت من الحج وقد بقي من عدتها بقية أتمتها في منزلها.
(وإلا) أي: وإن لم تبعد مسافة قصر وقد أحرمت: (فالعدة) أي:
قدمت العدة على الأصح، (وتتحلل لفوته) أي: فوت الحج (بعمرة) فتبقى
على إحرامها حتى تنقضي عدتها، ثم تسافر للعمرة فتأنى بها، لأنها محرمة
منعها مانع من الحج. فوجب أن تتحلل منه بعمرة، كالمحصرة.
ولما فرغ من الكلام على المعتدة للوفاة شرع في الكلام على المفارقة في
الحياة فقال:
(وتعتد بائن) بطلقه أو أكثر أو بفسخ (بـ) مكان (مأمون من البلد) الذي
بانت فيها (حيث شاءت) منه. نص عليه.
وذلك لما روت فاطمة بنت قيس قالت (^٢): " طلقني زوجي ثلاثا فأذن لي
رسول الله ﷺ أن أعتد في أهلي" (^٣) . رواه مسلم.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: قال.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٨٠) ٢: ١١١٨ كتاب الطلاق، باب المطلقه ثلاثا لا نفقة لها.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
(ولا تبيت إلا به) أي: بالمكان المأمون الذي شاءته من البلد على الأصح.
(ولا تسافر) قبل انقضاء عدتها على الأصح؛ لما في البينونة عن منزلها
والسفر إلى غير بلدها من التبرج والتعرض للريبة. فمنعت لأجل ذلك.
(وإن سكنت علوا)، وسكن مبين في السفل، (أو) سكنت (سفلا، و)
سكن (مبين في الآخر و) كان (بينهما باب مغلق) جاز؛ كما لو (^١) كانا
بحجرتين متجاورتين، (أو) كان (معها محرم) ولو لم يكن بينهما باب مغلق:
(جاز)؛ فحفظها بمجردها، وترك ذلك أولى. قاله في " شرح المقنع ".
ولا يجوز ذلك مع عدم المحرم؛ لأن الخلوة بالأجنبية محرمة.
(وإن أراد) مبينها (إسكانها بمنزله، أو غيره) أي: غير منزله (مما يصلح
لها) أي: أن يكون سكنا لمثلها، حال كون إرادته لذلك (تحصينا لفراشه ولا
محذور فيه) من خوف على نفسها منه، أو من غيره، أو غير ذلك من
المحذور: (لزمها) ذلك؛ لأن الحق له فيه وضرره عليه. فكان إلى اختياره؛
كسائر الحقوق، حتى (وإن لم تلزمه نفقة؛ كمعتدة لشبهة) أي: من وطء شبهة،
(أو) من (نكاح فاسد، أو مستبراة لعتق) فإنه لا تجب السكنى عليهن؛
لاختيار السيد والواطئ. ولا خلاف: أنه لا يلزم الواطئ ولا السيد إسكانهن.
(ورجعيه في لزوم منزل؛ كمتوفى عنها) زوجها. نص عليه؛ وذلك لقول
الله ﷾: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] فنهاهن عن الخروج. فلو لم يكن ترك الخروج واجبا لم ينههن عنه، وسواء أذن
لها الزوج في الخروج أو لم يأذن؛ لأن ذلك من حقوق العده، والعدة حق لله
﷾. فلا يملك الزوج إسقاط شيء من حقوقها؛ كما لا يملك
إسقاطها.
(وإن امتنع من) أي: زوج أو مبين (لزمته سكنى) زوجته أو مبانته الحامل
أو نحو ذلك: (أجبر) أي: أجبره الحاكم.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
(وإن غاب) من لزمته: (اكترى عنه حاكم من ماله) أي: مال الغائب
سكنا لمن لزمته سكناها، (أو اقترض) الحاكم (عليه) إن لم يجد له مالا،
(أو فوض) الحاكم (أجرته) أي: أجرة ما وجب على الغائب من المسكن
لتاأخذ منه إذا حضر نظير ما فرضه.
(وإن اكترته) أي: اكترت من وجبت لها السكنى المسكن (بإذنه) أي:
بإذن من وجبت عليه، (أو) بـ (إذن حاكم، أو بدونهما) أي: بدون إذنه
وإذن الحاكم (^١) (لعجز) عن استئذان أحدهما، وكذا مع القدرة على استئذان
الحاكم على الأصح من الروايتين في قضاء الدين عن الغير بغير إذن الحاكم: (رجعت) عليه بنظير ما اكترت به، كما لو قام بذلك أجنبي بنية الرجوع.
(ولو سكنت) مع غيبته (في ملكها) بنية الرجوع كليه بأجرته: (فلها
أجرته)، لأنه وجب عليه إسكانها. فلزمته أجرته.
(ولو سكنته) أي: سكنت ملكها، (أو اكترت) مكأنا وسكنته (مع
حضوره وسكوته: فلا) رجوع لها عليه بشيء من ذلك، لأنه ليس بغائب ولا
ممتنع ولا إذن؛ كما لو أنفق على نفسه من لزمت غيره نفقته في مثل هذه الحالة.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في أ: أي بدون إذن الحاكم.
[ ١٠ / ١٢٤ ]
] باب: الاستبر اء]
هذا (باب استبراء الإماء).
والاستيراء: استفعال من البراءة. وهو: التمييز والانقطاع، يقال: برئ
اللحم من العظم: إذا قطع عنه وفصل منه.
(وهو) أي: الاستبراء في عرف أهل الشرع: (قصد علم براءة رحم ملك
يمين) من فن ومكاتبة وأم ولد (حدوثا) أي: عند حدوث الملك بشراء أو قبول
هبة أو وصية أو إرث، (أو زوالا) أي: (^١) عند إرداة زوال الملك ببيع أو هبة،
أو زوال استمتاعه؛ كما لو أراد تزويجها (من حمل) متعلق ببراءة (كالبا) أي: في الغالب، (بوضع) متعلق يعلم أي: وضع الحمل، (أو) بـ (حيضة (^٢)،
أو) بـ (شهر، أو) بـ (عشرة) أي: عشرة أشهر. وسيأتي كل صورة في
محلها.
وخص الاستبراء بهذا الاسم؛ لتقديره بأقل ما يدل على البراءة من غير تكرار
وتعدد فيه. وخص التربص الواجب بسبب النكاح باسم العدة؛ اشتقافا من
العدد؛ لما فيه من التعدد.
والأصل في وجوب الاستبراء؛ ما روى رويفع بن ثابت عن النيي ﷺ أنه
قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره " (^٣) . رواه أحمد والترمذي وأبو داود.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: أو حيضة.
(٣) أخرجه ابو داود في " سننه " (٢٠١٥٨) ٢: ٢٤٨ كتاب النكاح، باب في وطء السبايا. وأجرجه الترمذي في " جامعه، (١١٣١) ٣: ٤٣٧ كتاب النكاح، با ب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل. وأخرجه أحمد في "مسنده " (٣٣ ٠ ٧ ١.) ٤: ١٠٨.
[ ١٠ / ١٢٥ ]
وروى أبو سعيد " أن النبي ﷺ قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة " (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
(ويجب) الاستبراء (في ثلاثة مواضع) لا أكثر:
(أحدها: إذا ملك ذكر ولو) كان (طفلا) بأي نوع من أنواع التملكات
(من) أي: أمة (يوطأ مثلها)، بكرا كانت أو ثيبا [(ولو مسبيه) على
الأصح] (^٢)، تحيض (أو لم تحض) لصغر أو إياس، (حتى) ولو كان ملكها
(من طفل وأنثى لم يحل استمتاعه بها، ولو بقبلة) على الأصح، (حتى
يستبرئها)، لعموم حديث رويفع وحديث أبي سعيد المتقدمين.
ولأنه ملك جارية محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها. فلم يفترق الحال
فيه بين البكر والثيب، والتي تحمل والتي لا تحمل، كالعدة.
قال أبو عبد الله: بلغني أن العذراء تحمل فقال له بعض أهل المجلس: نعم
قد كان في جيراننا.
(فإن عتقت قبله) أي: قبل الاستبراء: الم يجز أن ينكحها) يعني:
يتزوجها، (ولم يصح) نكاحها منه إن تزوجها على الأصح (حتى يستبرئها)،
لأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها فحرم عليه أن يتزوجها. فإن تزوجها لم يصح العقد.
] ومقدمات الوطء من. القبلة واللمس ونحو ذلك كالوطء، لأن الاستبراء
يحرم الوطء. فحرم الاستمتاع، كالعقد.
ولأنه لا يؤمن كونها حاملا من بائعها فتكون أم ولد فلا يصح بيعها، فيكون
مستمتعا بأم ولد غيره] (^٣) .
(وليس لها نكاح كيره) أي: غير سيدها (ولو لم يكن بائعها يطأ).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٥٧) الموضع السابق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٦١٤) ٣: ٦٢.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. قدمه
في " المحرر " و" النظم " و" الفروع " و" المستوعب ".
(إلا على رواية).
قال (المنقح) في " التنقيح ": (وهي أصح).
وقال في " الإنصاف ": هذا إحدى الروايتين.
قال في " المحرر ": وهو أصح.
قال في " الرعاية الصغرى ": ولها نكاح غيره على الأصح.
وقال في " الكبرى ": ولها نكاح غيره على الأقيس. وقواه الناظم، وجزم
به في " المغني " و" الشرح " و" الوجيز " و" شرح ابن منجا " و" تذكرة ابن عبدوس ". وقدمه في " الحاوي الصغير ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
ووجه (^١) عدم صحة تزويجها؛ لأنها أمة حرم عليها وطؤها قبل استبرائها.
فحرم عليه تزويجها؛ كما لو اشتراها وهي مطلقة لم تنقض عدتها.
ووجه رواية صحة تزويجها إذا لم يكن بائعها يطؤها: أن عقد التزويج تصرف
بغير الوطء، وكان يملكه البائع قبل نقل الملك عنه فكان للمشتري ما كان يملكه
البائع؛ لأنه لا محذور فيه. فوجب أن يصح؛ كما لو صدر من البائع قبل البيع. (ومن أخذ من مكاتبه أمة حاضت عنده) أي: عند المكاتب، (أو باع)
أمته، (أو وهب (^٢) امته، ثم عادت إليه) الأمة (بفسخ أو غيره) ولو قبل
تفرقهما عن المجلس على الأصح (حيث انتقل الملك: وجب استبراؤها ولو)
كان ذلك (قبل قبض) أي: قبض المشتري أو المهتب الأمة على الأصح؛ لأنه
تجديد ملك، وسواء كان المشتري رجلا أو امرأة.
وهنا مسائل لا يجب فيها استبراء أشير إليها بقوله:
_________________
(١) في أ: وجه.
(٢) في ج: وهبت.
[ ١٠ / ١٢٧ ]
(لا إن عادت مكاتبته) إليه، (أو) عاد إليه (رحمها المحرم، أو) عاد
إليه (رحم مكاتبه المحرم بعجز) أي: عجز مكاتبته أو مكاتبه عن أداء مال
الكتابة، (أو فك أمته من رهن، أو أخذ من عبده التاجر أمة وقد حضن قبل
ذلك) أي: قبل العود، وقبل فك الرهن، وقبل أخذها من عبده التاجر، فإنه
لا يجب عليه استبراء، لأنه ملكه سبق على العود إليه.
أما المكاتبة، فلأن ملكه لها متقدم على الكتابة ومملوكتها ملكه بملكه لها؛
لأن مملوك المكاتب قبل الوفاء مملوك للسيد فإذا عجز عاد إليه. والمرهونة ملكه
لم يزل الملك عنها بالرهن فالملك فيها (^١) بحاله، وأمة عبده التاجر ملكه يملكها
بشراء (^٢) العبد لها كالوكيل. وإنما يجب الاستبراء بالملك المتجدد وهذه لم
يتجدد ملك له فيها وقد حضن في ملكه. فلم يجب عليه استبرأوهن مرة أخري.
(أو أسلمت) أمة (مجوسيه) حاضت عند سيدها المسلم، (أو) أسلمت
(وثنيه) حاضت عنده، (أو مرتدة حاضت عنده) يعني: فلا استبراء في
الأصح؛ لأنه لم يتجدد له ملك في واحدة من هؤلاء. والاستبراء إنما يكون
لمعرفة براءة الرحم من ماء الغير، وهؤلاء قد علم برائتهن بالاستبراء عقب الملك فأما بعد ذلك فلا فائدة فيه.
(أو) أسلم (مالك بعد ردة، أو ملك صغيرة لا يوطأ مثلها) فلا استبراء في
الصورتين على الأصح.
اما في الأولى؛ فلأن ملك المرتد (^٣) لم يزل في الأ صح، فلم يحصل تجديد ملك.
وأما في الثانية؛ فلأن الصغيرة التي لا يوطًا مثلها براءة رحمها ثابتة بالحس،
فلا فائدة إلى استبرائها.
(ولا) يجب استبراء أيضا (بملك أنثى من أنثى)، لأن المرأة لا استبراء
عليها بتجدد ملكها.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: شراء.
(٣) في أ: المرتدة.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
(وسن) الاستبراء (لمن ملك زوجته) بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك
(ليعلم وقت حملها) إن بانت حاملأ.
(ومتى ولدت لستة أشهر فأكثر) منذ ملكها: (فأم ولد) يعني: فإنها تصير
أم ولد (ولو أنكر الولد بعد أن يقر بوطئها)؛ لأنه بماقراره بوطئها تصير فراشا له،
(لا) إن أتت بالولد الأقل) من ستة اشهر منذ ملكها، فإنها لا تصير به أم
ولد، (ولا) إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر (مع دعوى استبراء)؛ لإنكاره
كونها فراشا.
(ويجزئ استبراء من) أي: أمة (ملكت بشراء وهبة ووصية وغنيمة
وغيرها) أي: غير هذه الصور، إذا كان الاستبراء (قبل قبض) أي. قبض
الأمه الصبيعة أو الموهوبة أو الموصى بها.
(و) يجزئ استبراء (لمشتر زمن خيار) في بيع في الأصح في الجميع؛
لأن الاستبراء وجد وهي في ملكه. فأجزأه؛ كما لو كان بعد القبض.
ولا يضر كون البيع زمن الخيار بفرض أن ينفسخ؛ لانتقال الملك فيه
للمشتري على الأصح.
(ويد وكيل كيد مؤكل)؛ يعني: أن قبض الوكيل كقبض موكله في الأصح؛
لأنه قائم مقامه.
(ومن ملك) أمة (معتدة من غيره، أو) أمة (مزوجة فطلقـ) ـها زوجها
(بعد دخول) بها، (أو مات) زوجها، (أو زوج) سيد (أمته ثم طلقت بعد.
دخول: اكتفي بالعدة) في الجميع في الأصح؛ لأن الإستبراء لمعرفة براءة
الرحم، والبراءة قد حصلت بالعدة فلا فائدة في الاستبراء بعد العدة، بل هو
ضرر على السيد بمنعه عن أمته بلا ضروره.
(وله) أي: ولمشري أمة في عدتها منه (وطء معتدة منه) بغير طلاق ثلاث
(فيها)؛ لأن المعتدة منه فراش له. فلا يلزمه استبراؤها من مائه، وله أن يطأها
في الحال. ومتى باعها قبل وطئها حلب للمشتري بانقضاء عدتها في الأصح.
[ ١٠ / ١٢٩ ]
(وإن طلقت من) أي: أمة (ملكت) بالبناء للمفعول حال كونها
(مزوجة). يعني: أن من اشترى أمة (^١) مزوجة فطلقها زوجها (قبل دخول:
وجب استبراؤها) نص عليه. وقال: هذه حيلة وضعها أهل الراي لا بد من
استبرائها، لأنه تجدد له الملك فيها، ولم يحصل استبراؤها في ملكه. فلم تحل
له بغير استبراء، كما لو لم تكن مزوجة.
ولأن إسقاط الاستبراء هنا ذريعة إلى جواز سقوط الاستبراء، بأن يزوج
البائع أمته قبل بيعها فإذا تم البيع طلقها زوجها قبل دخوله.
الموضع (الثاني) من الثلاث مواضيع التي يجب فيها الاستبراء: (إذا وطئ
أمته ثم أراد تزويجها، أو) وطئها ثم أراد (بيعها: حرما) أي: التز ويج والبيع
(حتى يستبرأها).
أما إذا أراد تزويجها فإنه يجب عليه استبرأوها وجها وأحدا، لأن الزوج
لا يلزمه استبراء فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب.
وأما إذا أراد بيعها فإنه يجب استبرأوها على الأصح، لأن عمر أنكر على
عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل استبرائها، فروى عبيد الله بن
عمير قال: " باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يقيع عليها قبل أن يستبرئها. فظهر بها حمل عند الذي استبرأها. فخاصموه إلى عمر. فقال له عمر: كنت
تقع عليها قال: نعم. قال: فبعتها قبل ان تستبرئها؟ قال: نعم. قال: ما
كنت لذلك بخليق. قال: فدعا القافة فنظروا إليه فألحقوه به ".
ولأنه يجب على المشتري الاستبراء لحفظ (^٢) مائه فكذلك البائع.
ولأنه قبل الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه، لاحتمال أن تكون
أم ولد. فيجب الاستبراء، لإزالة (^٣) الاحتمال.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: لحفظه.
(٣) في ج: لزوال.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئها، فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه
الأنساب.
(فلو خالف) بأن زوجها أو باعها قبل استبرائها: (صح البيع) على الأصح
في الظاهر، لأن الأصل عدم الحمل (دون النكاح) يعني: أن النكاح لا يصح
على الأصح، لأن استبراءها واجب حفظا لمائه. فلم يصح تزويجها في زمن
الاستبراء، كالمعتدة.
(وإن لم يطأ) ها: (أبيحا) أي: البيع والنكاح (قبله) أي: قبل
الاستبراء، لعدم وجوبه في هذه الحالة.
الموضع (الثالث) من المواضع الثلاثة التي يجب فيها الاستبراء: (إذا
أعتق أم ولده، أو) أعتق (سريته) وهي الأمة المتخذة للوطء، مأخوذ من السر
وهو الجماع، لأنه لا يكون إلا في السر.
قال الأزهري: خصوا الأمة بهذا الاسم فرقا بين المرأة التي تنكح وبين الأمة.
(أو مات عنها: لزمها استبراء نفسها)، لأنها فراش لسيدها وقد فارقها
بالعتق أو الموت. فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره قبل الاستبراء.
(لا إن استبرأها قبل عتقها). فلا يلزمها استبراء نفسها بعد العتق،
لاستغنائها باستبرائها قبل العتق عن الاستبراء بعده.
(أو أراد) بعد عتقها (تزوجها) أي: أن يتزوجها فإنها لا يلزمها استبراء
نفسها، لأنها لم تنتقل إلى فراش غيره.
(أو) استبراء الأمة المبيعة بائعها (قبل بيعها فأعتقها مشتر) منه قبل
وطئها، فإنه لا يلزمها استبراء نفسها استغناء بالاستبراء الذي قبل بيعها.
(أو أراد) مشتر أمة استبرءها بائعها قبل بيعها (تزويجها) من غيره (قبل
وطئها) أي: قبل أن يطأها المشتري لم يلزمها استبراء نفسها في هذه الصورة،
للعلم ببراءة رحمها بالاستبراء السابق للبيع.
(أو كانت) أم الولد والسرية حال عتقها (مزوجه أو معتدة) فلا يلزمها
[ ١٠ / ١٣١ ]
استبراء؛ لأنها ليست فراشا لسيدها. فلا يجب عليها استبراء؛ كأمة غيره.
(أو فرغت عدتها) أي: عدة أمة (من زوجها فأعتقها) سيدها (قبل
وطئه) بعد فراغ عدتها لم يلزمها استبراء؛ للعلم ببراءة رحمها بفراغ العدة.
(وإن أبانها) أي: أبان الأمة زوجها (قبل دخوله) بها (أو بعده) أي:
بعد الدخول فاعتدت، (أو مات) زوجها (فاعتدت ثم مات سيدها) في الصور
الثلاث (فلا استبراء) عليها: (إن لم يطأ) ها سيدها بعد عدتها من زوجها؛
لزوال فراش السيد بتزويجها، (كمن لم يطأها) سيدها (أصلا) أي: قبل
تزويجها ولا بعده.
(ومن أبيعت) بالبناء للمفعول من الإماء (ولم تستبرأ) قبل بيعها،
(فأعتقها مشتر قبل وطء و) قبل (استبراء: استبرأت) نفسها، (أو تممت ما
وجد عند مشتر) من الاستبراء إن عتقت في أثنائه.
(ومن اشترى أمة وكان بائعها يطؤها ولم يستبرئها) بائعها قبل بيعه: (لم
يجز) لمشتر (أن يزوجها قبل استبرائها)؛ حذرا من اختلاط المياه، وحفظا
للأنساب.
(وإن مات زوج أم ولد وسيدها، وجهل أسبقهما) موتا، (فإن كان
بينهما) أي: كان بين موتهما (فوق شهرين وخمسة أيام، أو جهلت المدة)
التي بين موت زوجها وسيدها: (لزمها بعد موت آخرهما، الأطول من عدة حرة
لوفاة أو) من زمن (استبراء) على الأصح.
أما عده الوفاة إن كانت اطول؛ فلأنها تجب على تقدير أن يكون الزوج مات
أخيرا فقد مات السيد وهي مزوجة فلا يجب استبراء. وتجب عدة الوفاة دون
الاستبراء لأن ذلك، أحوط لدخول مدته في عدة الوفاة.
وإن كانت مدة الاستبراء أطول وجبت؛ لأنه يمكن أن يكون السيد مات
أخيرا فيجب الاستبراء؛ لأنه بعد انقضاء العدة من الزوج فأوجبناه احتياطا؛ لأنه إنما يجب بعد انقضاء العدة فهو أحوط، لدخول العدة فيه.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
(ولا ترث) أم الولد في هذه الصورة شيئا (من الزوج)، لأنها لم تتحقق
حرمتها قبل موت زوجها.
(وإلا) أي: وإن علم أن بين موت سيدها وزوجها شهرين وخمسة أيام
فأقل: (اعتدت كحرة لوفاة فقط)؛ لأنه يحتمل. أن يكون الزوج هو المتأخر.
فلزمها عدة الوفاة من حين موته، لأنه أحوط، لأنه على تقدير أن يكون الزوج هو المتقدم تكون المدة أقصر من هذه فأوجبناه من حين موت الآخر، للاحتياط
لدخول تلك المدة فيها. فسقط به الفرض بيقين، كما أوجبنا فيه عهدة الوفاة.
ولا يلزمها استبراء، لأنه إن كان الزوج هو المتقدم فقد مات السيد وهي معتدة
منه، وإن كان هو المتأخر فقد مات وهي مزوجة. فلا يلزمها استبراء على كلا
التقديرين.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
] فصل: في استبراء الحامل]
(فصل. و) يحصل (استبراء حامل: بوضع) أي: وضع ما تنقضي به
العدة، (و) استبراء (من تحيض: بحيضة) كاملة، (لا بقيتها. ولو حاضت
بعد شهر) من حين ملكها: (فـ) استبرائها (بحيضة) كاملة أيضا. نص عليهما
حتى ولو كانت أم ولد على الأصح.
(و) يحصل استبراء (آيسة، وصغيرة، وبالغة لم تحض: بشهر) على
الأصح؛ لأن الله ﷾ جعل الشهر مكان الحيضة. ولذلل اختلفت
الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الآيسة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء،
وعدة الأمة شهرين مكان قرئين، وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه عشرة أشهر (^١)، تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة.
(وإن حاضت فيه) أي: في أثناء الشهر: (فبحيضة) يعني: فتنتقل إلى
القروء كالصغيرة إذا حاضت في عدتها.
(و) اما استبراء (مرتفع حيضها ولم تدر ما رفعه: فبعشرة أشهر) على
الأصح.
(وإن علمت) ما رفع حيضها (فكحرة) يعني: أنها لا تزال في استبراء
حتى يعود الحيض. فتستبرئ نفسها بحيضة، إلا ان تصير آيسة فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات.
(ويحرم وطء زمن استبراء)؛ كالوطء قبله، (ولا ينقطع) الاستبراء (به)
أي: بالوطء في اثنائه.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
(فإن حملت قبل الحيضة: استبرأت بوضعه) أي: وضع الحمل.
(و) إن أحبلها (فيها) أي: في أثناء الحيضة (وقد ملكها حائضا:
فكذلك) يعني: أنه يحصل استبرأوها بوضع حملها.
(و) إن أحبلها (في. حيضة ابتدأتها عنده) أي: عند المنتقل ملكها إليه:
(تحل في الحال، لجعل ما مضى) قبل إحبالها (حيضة) على الأصح.
ونقل أبو داود: من وطئ قبل الاستبراء: يعجبني أن تستقبل بها حيضة.
(وتصدق) الأمة (في حيض). فلو قالت: حضت جاز له وطؤها.
(فلو) وطئها بعد زمن يمكن أن تحيض فيه حيضة كاملة مدعيا حيضها (أنكرته، فقال: أخبرتني به صدق) عليها؛ لأنه الظاهر.
(وإن ادعت) أمة (موروثة تحريمها على وارث بوطء مورثه)؛ كما لو
ورث أمة عن أبيه، فقالت: أبوك وطئني صدقت.
(أو) ادعت أمة (مشتراة ان لها زوجا: صدقت) في ذلك؛ لأنه لا يعرف
إلا من جهتها.
[ ١٠ / ١٣٥ ]