هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الغصب. يقال: غصب الشيء يغصبه بكسر الصاد غصبًا، واغتصبه يغتصبه اغتصابًا، والشيء مغصوب وغصب.
وهو في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا. قاله الجوهري وابن سيده.
وفي الشرع (الغصب: استيلاء) إنسان (غير) كافر (حربي) بفعل يعد استيلاء (عُرفًا، على حق غيره)، حال كون استيلائه (قهرًا بغير حق) أي: على سبيل الظلم.
والغصب محرم بالإجماع.
وسنده من الكتاب قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها
إلى الحكام)] البقرة: ١٨٨].
وقوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة
عن تراض منكم)] النساء: ٢٩ [. والغصب من الباطل.
وقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى)] النحل: ٩٠ [. والغصب من جملة المنكر والبغي. وسنده من السنة؛ ما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبة يوم النحر:
" إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " (^١). رواه مسلم وغيره.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٩٠٥) ٢: ١٨٥ أول كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي ﷺ. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٠٧٤) ٢: ٠٢٦ ١ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله ﷺ.
[ ٦ / ٢٧١ ]
وقوله ﷺ: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه " (^١) . رواه ابن
ماجة والدارقطني.
وفي رواية (^٢): " إلا عن طيب نفس منه " (^٣) . رواه الجوزجانى.
وغير ذلك من الأحاديث.
وعلم مما تقدم: أن الغصب لا يحصل من غير استيلاء. فلو دخل إنسان دار
غيره أو أرضه لم يضمنها بدخوله بغير إذنه. سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن.
ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه بالعارية وهذا لا يثبت به العارية ولا
يجب به الضمان فيها. فكذلك لايثبت به الغصب.
ولا يشترط لتحقق الغصب نقل العين فيكفي مجرد الاستيلاء.
قال المجد في " شرح الهداية ": إذا ركب دابة واقفة لإنسان وليس هو
عندها فهل يصير غاصبًا بمجرد ذلك؟ على وجهين للشافعية:
أحدهما: يصير غاصبًا كمذهبنا.
والثانى: لا يصير غاصبًا حتى يسيرها فيوجد النقل. وهو قول الحنفية.
انتهى.
قال في " الفروع ": وقيل يعتبر في غصب ما ينقل: نقله.
وفي " الترغيب ": إلا في ركوبه دابة وجلوسه على فراش. انتهى.
(ويُضمن عَقار) بفتح العين. وهو: الضيعة والنخل والأرض. قاله
أبو السعادات. بغصبه. فيجب ضمانه على غاصبه.
قال في " الشرح " هذا (^٤) ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عند أصحابه،
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠١٧٢) ط إحياء التراث. عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٩١) ٣: ٢٦ كتاب البيوع. عن أنس بن مالك.
(٢) في أوب: لفظ.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٧١٤) ٥: ٧٣
(٤) في أ: وهذا.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.
وروى ابن منصور عن أحمد: فيمن غصب أرضًا فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب: غرم قيمة الأرض، وإن كان شيئًا من السماء لم يكن عليه شيء. فظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب. وإن أتلفها ضمنها بالإتلاف، لأنه لا يوجد فيها النقل والتحويل. فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع.
ولأن الغصب إثبات اليد على المتاع عدوانًا على وجه يزول به يد المالك.
ولا يمكن ذلك (^١) في العقار.
ولنا قوله ﵇: " من ظلم شبرًا من أرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين " (^٢) . متفق على معناه.
وفي لفظ: " من غصب شبرًا من الأرض ". فأخبر النبي ﷺ أنه يغصب ويظلم فيه.
ولأن ما ضُمن في البيع وجب ضمانه في الغصب؛ كالمنقول.
ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه؛ مثل: أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها. فأشبه ما لو اخذ الدابة والمتاع.
وأما (^٣) إذا حال بينه وبين متاعه، فما استولى على ماله فنظيره هنا أن يحبس المالك ولا يستولي على داره.
فأما ما تلف من الأرض بفعله أو بسبب فعله، كهدم حيطانها، وتفريقه،
_________________
(١) في ج: هذا.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٣٢١) ٢: ٨٦٥ كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦١٢) ٣: ١٢٣١ كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغير ها.
(٣) في ب: وما.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه: فيضمنه بغير خلاف بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف.
قال المجد: ويصح غصب المشاع. فلو كانت أرض أو دار لاثنين في أيديهما فينزل الغاصب في الدار أو الأرض فيخرج أحدهما ويقر الآخر معه على ما كان مع المخرج فإنه لا يكون غاصبًا إلا نصيب المخرج. حتى لو استغلا الملك أو انتفعا به لم يلزم الباقي منهما لشريكه المخرج شيء.
وكذلك لو كان لاثنين عبد فغصب الغاصب حق أحدهما بأن كف يده عنه ونزل في التسليط عليه موضعه مع إقرار الآخر على ما كان عليه حتى لو باعاه بطل بيع الغاصب للنصف وصح بيع الآخر لنصفه.
ثم قال: يتعلق بغصب المشاع إذا غصب غاصب من قوم ضيعة ثم رد إلى أحدهم نصيبه مشاعًا لم يطب له الانفراد بالمردود عليه. هذا معنى منصوصه في رواية حرب. انتهى.
(و) تُضمن (أم ولد) بغصب؛ لأنها أمة حكمها حكم سائر الإماء. بدليل
أنها لو قتلت ضمنت بقيمتها دون ديتها، وهذا دليل على ماليتها.
(و) يضمن (قن) ذكر أو أنثى (بغصب)؛ كسائر المال. (لكن لا تثبت
يد) لغاصب (على بضع) للأمة المغصوبة (فيصح) من مالكها (تزويجها) وهي بيد غاصبها.
(و) حيث تقرر: أن اليد لا تثبت على البضع بالغصب (لا يضمن) الغاصب (نفعه).
قال في " الفروع ": خلافًا لـ" عيون المسائل " في أمة حبسها كما يضمن بقية منافعها، وكذا في " الانتصار "، وفيه: ولو خلا بها لزمه مهر واحتج بنكاح فاسد. انتهى.
ووجه ذلك: أن النفع إنما يضمن إذا كان مما تصح المعاوضة عليه
[ ٦ / ٢٧٤ ]
بالإجارة، والبضع ليس كذلك.
(وإن غصب) إنسان (خمر مسلم: ضمن) الغاصب (ما تخلَّل بيده) منها
إذا تلف؛ لأنها صارت خلاَّ على حكم ملك المغصوبة منه. ويؤمر برد ما تخلل.
قال ابن رجب: لو غصب خمرًا فتخلل في يد الغاصب وجب ردها. ذكره القاضي وابن عقيل والأصحاب؛ لأن يد الأول لم تزل عنها بالغصب فكأنها تخللت في يده.
و(لا) يضمن (ما تخلل مما جمع) من خمر (بعد إراقةٍ)؛ لزوال اليد
بالإراقة.
(وتُرد خمر ذمي مستترة؛ كخمر خلاَّل)؛ لأنه غير ممنوع من إمساكها.
وعنه: وقيمتها إن تلفت.
وقال في " الانتصار ": لا يردها، وأنه يلزمه إراقتها إن حُدّوا، وإلا لزم تركه. وعليها يخرج تعزير مريقه. انتهى.
ووجه المذهب: أنها مال عند أهل الذمة. فوجب ردها لهم؛ كسائر المال.
وأما عدم وجوب قيمتها إن تلفت؛ فلأن ما حرم بيعها لا لحرمته لم تجب قيمته بتلفه؛ كالميتة.
وقيل: تجب قيمتها بتلفها على غير المسلم.
(و) يرد (كلب يقتنى)؛ لأنه يجوز الانتفاع به. أشبه سائر الأعيان المنتفع بها.
(لا قيمتهما) أي: لا تجب قيمة خمر الذمي ولا الكلب (مع تلف).
وتقدم الخلاف في قيمة خمر الذمي. وإنما لم تجب قيمتهما؛ لأنه ليس
لهما عوض شرعي.
(ولا) يرد (جلد ميتة غصب) والمراد: أنه لا يجب رده؛ (لأنه لا يطهر
[ ٦ / ٢٧٥ ]
بدبغ) فلا سبيل إلى إصلاحه.
وفيه وجه بلى؛ بناء على رواية: أنه يطهر.
وعلى المذهب: لو أتلفه أو أتلف ميتة بجلدها. فلا ضمان عليه؛ لأن ذلك لاقيمة له؛ لعدم صحة بيعه.
(ولا يُضمن حر باستيلاء عليه) يعني: لو تعدى إنسان على حرّ بأن حبسه
ولم يمنعه من تناول الطعام والشراب فمات عنده: لم يضمنه. سواء كان كبيرًا أو صغيرا؛ لأنه ليس بمال.
وقيل: بلى.
وقيل: يضمن الصغير.
(و) على المذهب: (يضمن ثياب) حر (صغير وحُليّه) الذي عليه ولو لم ينزعها عنه؛ لأن الصغير لا ممانعة منه على ذلك. أشبه ما لو غصبه منفردًا. وقيل: لا؛ لأنه تبع له. أشبه ما لو كان على كبير.
(ولا) تضمن (دابة) بغصب و(عليها مالكها الكبير ومتاعه)؛ لأنها في
يد مالكها. نقلها ابن رجب عن القاضي في " الخلاف الكبير " واقتصر عليه. (وإن استعمله) أي: استعمل إنسان حرًا (كرهًا) في أي عمل كان، (أو حبسه مدة) لمثلها أجرة: (فعليه أجرته).
أما كون من استعمل حرًا كرهًا تلزمه أجرته؛ فلأنه استوفى منافعه وهي متقومة. فلزمه ضمانها؛ كمنافع العبد.
وأما كون حابسه تلزمه أجرته مثل مدة حبسه؛ فلأنه فوت منفعته زمن الحبس وهي مالٌ يجوز أخذ العوض عنها. فضمنت بالغصب؛ كمنافع العبد.
وفي " الانتصار ": لا تلزمه بإمساكه؛ لعدم تلفها تحت يده. بخلاف العبد.
وكذا في "عيون المسائل ": لا يضمنه إذا أمسكه؛ لأن الحر في يد نفسه، ومنافعة تلفت معه؛ كما لا يضمن نفسه وثوبه الذي عليه. بخلاف العبد فإن يد
[ ٦ / ٢٧٦ ]
الغاصب ثابتة عليه ومنفعته بمنزلته.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح، صححه في " التصحيح "، وجزم به
في "الو جيز " (^١) وغيره.
(لا إن منع) إنسان إنسانًا (ولو) كان الممنوع (قنًا العمل من غير حبس)
له، فإنه لا يضمن منافعه.
قال في " الشرح " عن الحر: وجهًا واحدًا؛ لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحر أولى. انتهى.
وفي " الفروع ": ويتوجه بلى فيهما. انتهى. أي: في الحر والعبد.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. وهو في العبد آكد (^٢) . انتهى.
(ولا يُضمن ربح فات) على مالك (بحبس) غاصب لـ (مال تجارة) عن مالكه مدة يمكن وجود ربح فيها إذا لم يتجر فيها الغاصب؛ كما لو حبس عبدًا يريد مالكه أن يعلمه صناعة مدة يمكن تعليمه الصناعة فيها، فإن الصناعة لا تقوم على غاصب في تضمين منافعه ولا في تضمين عينه إن تلف؛ لأنها لا وجود لها.
_________________
(١) في أ: الوجهين.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
] فصل: في رد المغصوب]
(فصل. وعلى غاصب رد) موجود من (مغصوب قَدَر) الغاصب (عليه) أي: على رده، (ولو) لم يحصل الرد إلا (بأضعاف قيمته) أي: قيمة المغصوب، (لكونه بُني عليه) أي: بأن يكون غصب حجرًا أو خشبًا قيمته درهم فبنى عليه ويحتاج في إخراجه إلى غرم خمسة دراهم.
(أو بُعِّد) بأن حمل مغصوبًا قيمته درهم إلى بلد بعيدة بحيث تكون أجرة حمله في رده إلى البلد المغصوب فيه أضعاف قيمته.
(أو خُلط بمتميز) بأن غصب شعيرًا فخلطه بقمح بحيث إن صار يحتاج تخليصه منه إلى أجرة، (ونحوه)؛ كما لو غصب حيوانًا وأفلته بمكان لا يمكنه الخروج منه، لكنه يعسر مسكه فيه ويحتاج في ذلك إلى أجرة، فإن ذلك يكون على الغاصب.
أما كون الغاصب يلزمه رد (^١) ما غصبه مع وجوده، فلقول رسول الله ﷺ:
" على اليد ما أخذت حتى ترده " (^٢) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن.
ولما روى عبدالله بن السائب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا أو جادًا. فإذا أخذ عصى أخيه فليردها إليه أو يردها عليه " (^٣) . رواه ابو داود.
ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق. فلزمه إعادتها.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٦١) ٣: ٢٩٦ كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦٦) ٣: ٤٩٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٠٠) ٢: ٨٠٢ كتاب الصدقات، باب العارية.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٠٠٣) ٤: ٣٠١ كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
وأما كونه يلزمه غرم تخليصه ومُؤنة حمله؛ فلأن ذلك حصل بتعديه. فكان
أولى بغرمه من مالكه؛ لكون الشارع لم ينظر إلى مصلحة المتعدي.
(وإن قال) لغاصب (ربُّ) مغصوب (مبعَّد) اي: بعّده الغاصب عن بلد الغصب: (دعه) بالبلد الذي هو فيها، (وأعطني أجرة ردَّه إلى بلد غصبه)، أو طلب من الغاصب حمل المغصوب إلى مكان آخر في غير طريق الرد: (لم يجب) أي: لم يلزم الغاصب ذلك؛ لأنها معاوضة. فلا يجبر عليها؛ كالبيع. وكذا (^١) لو بذل الغاصب للمالك أكثر من قيمته ولا يسترده: فإن المالك
لا يلزمه ذلك؛ لما تقدم.
وإن أراد المالك من الغاصب رد المغصوب إلى بعض الطريق فقط: لزمه؛
لأنه يلزمه إلى جميع المسافة فلزمه إلى بعضها؛ كما لو أسقط رب الدين عن المدين بعض الدين وطلب منه باقيه.
(وإن سمَّر) الغاصب (بالمسامير) المغصوبة (بابًا) أو غيره: (قلعها) وجوبًا، (وردها)؛ للخبر المتقدم.
ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه؛ كما لو غصب فصيلًا وأدخله داره فكبر
وصار لا يمكن إخراجه لضيق بابها عليه، فإنه ينقض مجانًا ويخرج الفصيل.
(وإن زرع) الغاصب (الأرض) المغصوبة ثم ردها وقد حصد زرعه: (فليس لربها) اي: الأرض (بعد حصد) لزرع الغاصب (إلا الأجرة) اي: أجرة المثل على الأرض إلى حين تسليم الغاصب لها. يعني: أنه لا يكون لرب الأرض حق في زرع الغاصب بعد حصاده بتملك ولا غيره؛ لأنه انفصل عن ملكه. أشبه ما لو غرس فيها غراسًا ثم قلعه.
ونقل حرب: إن حكمه حكم ما لم يحصد.
(و) المذهب: التفصيل، وأن رب الأرض (يخيّر) فيما إذا أدرك القدرة
على رفع يد الغاصب والزرع في أرضه (قبله) أي: قبل حصاده (بين تركه)
_________________
(١) في أ: كذا.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
أي: ترك الزرع في أرضه (إليه) أي: إلى الحصاد (بأجرته) أي: أجرة مثله، (أو تملكه) أي: الزرع (بنفقته. وهي: مثل البذر، وعوض لواحقِه) من حرب وسقي ونحوهما.
وعنه: بقيمته زرعًا فله أجرة أرضه إلى تسليمه.
وذكر أبو يعلى الصغير: لا أجرة. نقله إبراهيم بن الحارث.
ونقل مهنا: أن رب الأرض مخير في أخذه بأيهما شاء.
والصحيح الأول؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ: " من
زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته " (^١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وقيمة الشئ لاتسمى نفقة له.
قال أحمد: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس.
ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب وعليه الأجرة. قاله في " المقنع "؛ كما
إذا رجع المستعير.
ووجه المذهب: أن في كل من تبقيته بأجرته وتملكه بنفقته تحصيلًا لغرض
رب الأرض فملك الخيرة بينهما. ولا يجبر رب الزرع على قلعه؛ لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان. فلم يجز إتلافه؛ كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها اللجة فإنه لا يجبر على تفريغها حتى ترسي صيانة للمال عن التلف كذا هنا. وفارق الشجر؛ لأن مدته تطول ولا يعلم انتهاؤها فانتظارها يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية.
وقيل: لرب الأرض قلع الزرع إن ضمن.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٤٠٣) ٣: ٢٦١ كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٦٦) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم.
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وقيل: وبدونه. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لقوله ﷺ: "ليس لعرق ظالم حق " (^١) . ولأنه وضعه ظلمًا. أشبه الغرس. وتقدم الفرق بينهما.
ويجاب عن الحديث: بأنه ورد في الغرس، وحديث رافع ورد في الزرع، فعمل كل منهما في موضعه أولى من (^٢) إبطال أحدهما.
وقيل: إن الزرع لرب الأرض. يعني: أنه ينبت على ملك رب الأرض كالولد
فإنه لسيد الأم، لكن المنيّ لا قيمة له. بخلاف البذر. ذكره الشيخ تقي الدين. قال الزركشي: وهذا القول ظاهر كلام (^٣) أحمد في عامة نصوصه والخرقي والشيرازي وابن أبي موسى فيما أظن، وعليه اعتمد الإمام احمد.
(وإن غرس) الغاصب الأرض (أو بنى فيها: أخذ بقلع غرسه أو بنائه، وتسويتها، وأرش نقصها، وأجرتها) إلى وقت تسليمها. (حتى ولو كان) الغاصب (أحد الشريكين) في الأرض، (أو لم يغصبها) الغارس أو البانى فيها، (لكن فعله بغير إذن).
أما كون الغاصب يوخذ بقلع غرسه أو بنائه إذا طولب بذلك من قبل رب الأرض؛ فلما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي ﷺ قال: " ليس لعرق ظالم حق " (^٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرنى الذي حدثني الحديث: " أن رجلًا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي ﷺ. فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله. قال: فلقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عُمٌّ " (^٥) .
_________________
(١) سيأتى تخريجه في الحديث التالي.
(٢) في أ: في.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٧٣) ٣: ١٧٨ كتاب الخراج، باب في إحياء الموات. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٧٨) ٣: ٦٦٢ كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات.
(٥) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٧٤) الموضع السابق.
[ ٦ / ٢٨١ ]
قال أحمد: العُمّ الطوال.
وقيل: معناه أنها عمت بخيرها.
وقيل: معناه تامة في طولها والتفافها. واحدها (^١) عميمة.
ولما روى الخلال بإسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ " من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة، ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ".
قال الشافعي في معنى قوله ﷺ: " ليس لعرق ظالم حق ": العروق أربعة، عرقان ظاهران الغراس والبناء، وعرقان باطنان البئر والنهر.
ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه. فلزمه تفريغه، كما لوجعل فيه قماشًا.
وأما كونه يوخذ بتسوية الأرض وأرش نقصها، فلأنه ضررٌ حصل في ملك غيره بفعله تعديًا فلزمته إزالته.
وأما كونه يؤخذ بأجرتها إلى وقت تسليمها، فلأن منافعها تلفت تحت يده العادِيَة .. فكان عليه عوضها، كالأعيان.
وكذا يلزمه أجرتها وأرش نقصها ولو لم ينتفع بها وحصل النقص بترك زرعها ذلك العام، كأراضي البصرة. أو بغير ذلك.
وأما كون أحد الشريكين والغارس أو البانى بغير إذن كالأجنبي والغاصب؛
فلأن التعدي حاصل في الجميع.
وقيل: لايُنقض بناء بدون غرض صحيح فيه.
وقيل: لا يقلع غراس (^٢) ولا بناء إلا مضمونًا؛ كغرس المستعير.
وفي " الرعاية " قول: لا يلزم قلع.
_________________
(١) في ج: واحده.
(٢) في أوب: غرس.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
ونقل ابن منصور: يكون الغاصب شريكًا بزيادة بناء.
(ولا يملك) رب الأرض (أخذه) أي: البناء أو الغراس (بقيمته)؛ لأنه عين مال الغاصب. فلم يملك رب الأرض أخذه؛ كما لو وضع فيها أثاثًا أو نحوه. ولأنها معاوضة. فلم يجبر. المالك عليها.
ونقل جعفر: بلى. وحزم به ابن رزين، وزاد: وتركه بأجرة.
وذكر ابن عقيل رواية في البناء: لا يلزم نقضه ويعطى قيمته. ونقله ابن الحكم، وروى الخلال فيه عن عائشة مرفوعًا: " له ما نقص ".
قال أبو يعلى الصغير: هذا منعنا من القياس.
وقال المجد في " شرح الهداية ": ولصاحب الأرض تملك البناء والغراس بقيمته مقلوعًا إذا كانت الأرض تنقص بقلعه.
(وإن وهب) أي: وهب الغارس أو البانى ما غرسه أو بناه (لمالكها) أي: لمالك الأرض: (لم يجبر على قبوله)؛ لأن فيه إجبارًا على عقد يعتبر له الرضى.
وقيل: بلى؛ لما فيه من دفع الخصومة. ما لم يكن له في قلعه غرض صحيح.
وإن زرع فيها نوى فصار شجرًا، فكما لو حمل إليها غرسًا فغرسه فيها.
وقيل: كالزرع؛ لدخوله في. عموم أخبار الزرع.
(ورطبة ونحوها) مما يتكرر حمله؛ كقثاء وباذنجان: (كزرع) في أن رب الأرض إذا أدركه قائمًا له أن يتملكه بنفقته؛ لأنه ليس له فرع قوي. أشبه الحنطة والشعير.
(لا غرس) أي: لا أن حكمه حكم الغراس فيما تقدم.
وفيل: بلى؛ لبقاء أصله.
ولو أثمر ما غرسه غاصب في الأرض المغصوبة: فقال في " الإنصاف ":
[ ٦ / ٢٨٣ ]
قال في " المجر د " و" الفصول " وصاحب " المستوعب " و" نوادر المذهب " الثمر لمالك الأرض كالزرع: إن أدركه أخذه ورد النفقة، وإلا فهو للغاصب. واختاره القاضي ونص عليه في رواية ابن سعيد.
قال في " الفروع ": ونصه فيمن غرس أرضًا: الثمرةُ لرب الأرض، وعليه النفقة.
وقال المصنف في " المغني " والشارح وصاحب " الفائق " وابن رزين:
لو أثمر ما غرسه الغاصب، فإن أدركه صاحب الأرض بعد الجذاذ: فللغاصب، وكذلك قبله.
وعنه: لمالك الأرض وعليه النفقة. انتهوا.
قال ابن رزين عن القول بأنه لصاحب الأرض: ليس بشيء.
قال الحارثى: وفيه وجه: أنه للغاصب بكل حال.
وحكاه ابن الزاغونى في كتاب الشروط رواية عن أحمد.
قال: وهذا أصح اعتبارًا بأصله.
قال: والقياس على الزرع ضعيف، فاختار الحارثي ما قدمه المصنف وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير ". انتهى كلامه في " الإنصاف ". (ومتى كانت آلات البناء من مغصوب)؛ كما لو غصب لبناء من تراب الأرض المغصوبة وبنى به بيتًا فيها: (فـ) عليه (أجرتها) حال كونها (مبنية)؛ لأن الأرض والبناء ملك للمغصوبة منه الأرض.
(ولا يملك) الغاصب (هدمها)؛ لأنه لا ملك له فيه، ولا يملك نقض ملك غيره بغير إذنه. فإن نقضه كان عليه أرش نقصه بنقضه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن آلات البناء من عين المغصوب، كما لو حمل إليها اللبن المضروب من غير ترابها والطين الذي بناه به (^١): كان عليه أجرة الأرض فقط. ولهذا قلنا: وإلا (فأجرتها) أي: الأرض دون البناء، لأنه إنما
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
غصب الأرض والبناء له فلم يلزمه أجرة ملكه.
(فلو آجرهما) أي: آجر الغاصب الأرض المغصوبة مع بنائه: (فالأجرة) المستقرة على المستأجر مشتركة بين رب الأرض ورب البناء (بقدر قيمتهما). نقل ابن منصور: فيمن يبني فيها ويؤجرها: الغلة على النصيب.
(ومن غصب أرضًا وغراسًا منقولًا من) مالك (واحد فغرسه) أي: غرس الغراس المغصوب (فيها) أي: في الأرض المغصوبة: (لم يملك) الغاصب (قلعه)؛ لأن مالك الغراس والأرض واحد. فلم يملك غيره التصرف في ملكه بغير إذنه. (وعليه إن فعل) أي: وعلى الغاصب إن قلعه بغير إذن المالك، (أو طلبه) أي: القلع (ربهما) أي: الغراس والأرض (لغرض صحيح) له في القلع: (تسويتها) أي: الأرض (ونقصها) أي: أرش نقص الأرض، (ونقص غراس) نقص بقلعه.
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يكن للمالك في القلع غرض صحيح لم يجبر الغاصب عليه؛ لأنه سفه.
وقيل: بلى؛ لأن المالك محكم في ملكه.
ووجه إجباره على القلع مع غرض المالك الصحيح لكونه فوت عليه غرضًا مقصودًا بالأرض. فأخذ بإعادتها إلى ما كانت عليه.
ووجه كون: أن على الغاصب أرش نقص الأرض والغراس بالقلع مع أمر المالك له به؛ لأنه نقص حصل في يده بسبب تعديه بالغرس. فكان عليه؛ كما لو قلعه بغير إذن المالك.
قال المجد في " شرح الهداية ": فإن غصب أرضًا لرجل وغرسًا من آخر وغرسه في الأرض ثم وقع النزاع في مؤنة القلع ففيه وجهان للشافعية:
أحدهما: أنها على صاحب الأرض، والآخر على صاحب الغراس (^١) . وأيهما غرمها رجع على الغاصب. قال: وعندي أنه يتخرج لأصحابنا كالوجهين.
_________________
(١) فى ب: الغرس.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
أصلهما إذا حمل السيل غرسًا لرجل إلى أرض آخر فنبت فيها هل لصاحب الأرض قلعه مجانًا أو لا؟ على وجهين سبقا. وكذلك لو كان زرعًا هل له تبقيته بأجرة أو مجانا؟ على وجهين. فإذا قلنا: ليس له قلعه مجانًا في الغرس ولا له أجرة في الزرع فالأجرة هاهنا عليه، وعلى الوجه الآخر تكون على صاحبه. انتهى.
(وإن غصب) إنسان (خشبًا، فرقَّع به سفينة) وأدركه ربه والسفينة في الساحل أو في لجة البحر ولا يخاف عليها من قلعه لكونه في أعلاها: (قلع) الخشب، ودفع لربه من غير إهمال لوجوبه فورًا. (ويمهل) القلع (مع خوف) على السفينة بقلعه، كما لو كان المغصوب في محل لو قلع منه دخل الماء إلى السفينة وهي في اللُّجة (جتى ترسى)؛ لأن في قلعه إذًا إفسادًا للمال (^١) الذي بالسفينة مع إمكان ذلك بعد زمن يسير.
(فإن تعذر) الإرسال لبُعْد البر (فلمالك) الخشب المغصوب (أخذ قيمته)؛ لوجود الضرر برد عينه والسفينة في اللجّة.
ومتى رست واسترجعه رد القيمة، كمن غصب عبدًا فأبق وأخذت منه قيمته
ثم قدر عليه ورده. ولا فرق بين كون المال الذي بالسفينة حيوانًا أو غيره ملكًا للغاصب أو لغيره.
وقيل: إن كان المال الذي بها ملكا للغاصب وليس بحيوان لزم قلعه، وإن أفضى إلى تلف مال الغاصب؛ كما لو بنى عليه.
ورد: بأن ما بني عليه لا يمكن رده بدون إتلاف. وهنا يمكن. فلا يجوز الإتلاف؛ كما لو كان المال لغير الغاصب.
(وعليه) أي: على الغاصب (أجرته) أي: الخشب المغصوب (إليه) أي: إلى وقت قلعه من السفينة؛ لأنه فوّت منافعه على مالكه إلى ذلك الوقت. (و) عليه أيضًا (نقصه)، لأنه ضرر حصل بتعديه على ملك غيره. فكان ضمانه عليه.
_________________
(١) في أ: للمالك.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
(وإن غصب) إنسان (ما) أي: خيطًا أو سيرًا أو غيرهما و(خاط به جرح) حيوان (محترم) من آدمي أو غيره، (وخيف بقلعه) أي: قلع ما خيط به الجرح (ضرر آدمي أو تلف) أي: موت حيوان (غيره) أي: غير الآدمي: (فقيمته) يعني: أنه لا يقلع ويدفع إلى مالكه قيمته.
أما كونه لا يقلع مع خوف ضرر الآدمي المحترم؛ فلتأكد حرمته. ولهذا جاز
له أخذ مال غيره لحفظ حياته.
وأما كونه لا يقلع مع خوف موت البهيمة المحترمة، كالحمار ونحوه؛ فلأن الحيوان آكد حرمة من بقية الأموال. ولهذا جاز إتلاف غيرها وهو ما يطعمه الحيوان من أجل تبقيته.
(وإن حلَّ) الحيوان المخيط جرحه (لغاصب)؛ كما لو غصب إنسان خيطًا
أو نحوه وخاط به جرح بقرته أو شاته أو جمله وخيف بقلعه موته: (أمر) الغاصب (بذبحه) أي: الحيوان، (ويرده) أي: الخيط المغصوب ولو كان في ذبحه نقص لقيمته؛ لأن ذلك ليس بمانع من وجوب رد المغصوب، كما يؤمر بهدم بناء بني على المغصوب.
وعلم مما تقدم أن المخيط جرحه لو كان غير محترم، كالمرتد والخنزير وجب
قلعه ورده في الحال، لأنه غير مضمون ولا محترم. أشبه ما لو خاط به ثوبًا.
ودل كلام المتن أيضًا: أن الحيوان لو لم يحل للغاصب لكونه محرم الأكل؛ كالبغل والحمار، أو لكونه لا يملكه: لم يقلعه؛ لأن في موت غير المأكول بالقلع إتلافًا لحياته المطلوب بقاؤها شرعًا. بدليل " نهي النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ".
ولأن في ذبح المأكول الذي ليس ملكًا للغاصب إضرارًا بمالكه. ولا يزال الضرر بالضرر.
ولأنه لا يتلف مال من لم يتعد صيانة لمال غيره.
وقيل: لا يذبح المأكول ولو كان ملكًا للغاصب، لأن للحيوان حرمة في نفسه.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
وقيل: يذبح المعد للأكل، كالبقر والغنم والدجاج. دون غيره، كالخيل
وما يقصد صوته من الطير.
ومتى مات الحيوان المأكول أو غيره غير الادمي مع بقاء المخيط به المغصوب: وجب قلعه ورده وإلى ذلك أشير في المتن بقوله: (كبعد موت غير آدمي)، لأن الحيوان غير الآدمي لا حرمه له بعد الموت.
وإن مات الآدمي تعينت قيمة مغصوب خيط به.
(ومن غصب جوهرة) من غيره (فابتلعتها بهيمة) بتفريطه أو غيره: (فكذلك) أي: فكما لو غصب خيطًا فخاط به جرح بهيمة على ما تقدم.
قال في " الشرح ": وإن غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا: حكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها.
وقال الموفق بعد نقله ذلك عن الأصحاب: ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر قيمة من الحيوان ذبح الحيوان وردت إلى مالكها وضمان الحيوان على الغاصب. إلا أن يكون الحيوان آدميا. وتفارق الخيط فإنه في الغالب أقل قيمة من الحيوان، والجوهرة أكثر قيمة. ففي ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله إليه ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه.
(ولو ابتلعت شاة (^١) شخص) أو نحوها (جوهرة آخر غير مغصوبة، ولا تخرج) أي: وتعذر إخراج الجوهرة (إلا بذبحها. وهو) أي: ذبحها (أقل ضرر) من الضرر الحاصل بتركها: (ذُبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص به) أي: بالذبح، لأنه لتخليص متاعه.
ومحل ذلك: (إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها) حين ابتلاعها الجوهرة. فإن كان التفريط من رب الشاة لم يكن على رب الجوهرة ضمان نقص الشاه بذبحها؛ لأن التفريط من غيره فكان الضرر على المفرط.
(وإن حصل رأسها) أي: رأس الشاة ونحوها (بإناء، ولم تخرج) أي:
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
وتعذر إخراج رأسها (إلا بذبحها أو كسره) أي: الإناء (ولم يفرطا) أي: ولم يوجد تفريط من رب البهيمة ولا من رب الإناء: (كسر) الإناء، (وعلى مالكها أرشه) أي: أرش الكسر، لأنه كسر لتخليص ماله.
(ومع تفريطه) أي: تفريط رب الشاة: (تذبح بلا ضمان) على رب الإناء؛
لأنه لما كان التفريط من جهته كان أولى بحصول الضرر من الذي لم يفرط.
(ومع تفريط ربه) أي: الإناء: (يُكسر بلا ارش) على رب الشاة، لأن المفرط أولى بالضمان.
وهذا الذي ذكر في المتن هو الأصح والذي عليه الأكثر من الطريقين للأصحاب فيما إذا كانت البهيمة مأكولة.
والطريق الثانى فيها: انه يعتبر مع عدم التفريط منهما أقل الضررين من الكسر أو الذبح، فإن كان الكسر أقل ضررًا من الذبح كسر الإناء، وإن كان الذبح أقل ضررًا ذُبحت البهيمة.
(ويتعين في) بهيمة (غير مأكولة) حصل لها ذلك (كسره) أي: الإناء، وعلى رب البهيمة أرشه، لأنه كسر لتخليص ماله. ما لم يكن التفريط من رب الإناء.
وفي كل من المأكولة وغيرها وجه مثل حكم الأخرى.
وفي غير المأكولة وجه ثالث: أنها تقتل إن كانت الجناية من مالكها، أو
كان القتل أقل ضررًا من الكسر.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
وإذا قال من وجب عليه ضمان نقص مال صاحبه: أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئًا: فله ذلك، لأن إتلاف مال صاحبه إنما كان لحقه وتخليص ماله. فإذا رضي بتلفه لم يجز إتلاف غيره.
(ويحرم ترك الحال على ما هو عليه) أي: يحرم ترك رأس اليهيمة في الإناء
بأن لا يُكسر ولا يُذبح، لما فى ذلك من تعذيب الحيوان. فلو لم يفرط رب الإناء
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وامتنع رب المأكولة من ذبحها أو ضمان أرش كسر الإناء أو رب غير المأكولة من ضمان أرش الكسر: أُجبر؛ لأن ذلك من ضرورة تخليصها من العذاب. فلزم ربها؛ كعلفها.
(ولو حصل مال شخص) من حيوان أو غيره (في دار) شخص (آخر، وتعذر إخراجه) من الدار (بدون نقض) لبعض الدار: (وجب) النقض وأخرج. (وعلى ربه) أي: رب المال المخرج (ضمانه) أي: ضمان ما نقص (^١) (إن لم يفرط صاحب الدار)؛ لأنه نقص حصل في الدار من غير تفريط من صاحبها لأجل تخليص مال غيره. فكان ضمانه على رب المال.
وعلم من هذا انه إن كان بتفريط صاحب الدار لم يكن على رب المال ضمان
ما هدم من الدار؛ لأن المفرط أولى بحصول الضرر، وأنه إن كان بتعديه كان أولى بحصول الضرر من المفرط.
وذكر الموفق احتمالًا فيماءإذا كان الحصول من غير تفريط: أنه يعتبر أقل الضررين. فلو كان المال خشبة وكان كسرها أقل ضررًا كسرت، أو كان جملًا وكان ذبحه أقل ضررًا ذبح، وإن كان النقض أقل ضررا نقضت في المسألتين. قال الحارثي: وهذا أولى.
وعلى هذا إن كان الحيوان غير مأكول تعين النقض، وإن كان الحصول عن تفريط مالك الحيوان ذبح المأكول وإن زاد ضرر الذبح. حكاه في " المغني ". وذكر صاحب " التلخيص " وجوب النقض (^٢) وغرم الأرش. وكلام ابن عقيل نحوه أو قريب منه. قاله الحارثي وقال: الأول الصحيح. نقل ذلك في (^٣) " الإنصاف ". وقال: لو باع دارًا وفيها (^٤) ما يعسر إخراجه فقال القاضي وابن عقيل وصاحب " التلخيص " وغيرهم: ينقض الباب وعليه ضمان النقص.
_________________
(١) في أ: نقض.
(٢) في أوج: النقص.
(٣) في أوج: من.
(٤) في ب: فيها.
[ ٦ / ٢٩٠ ]
وقال المصنف- يعني: الموفق-: يُعتبر أقلّ الضررين: إن زاد بقاؤه في الدار، أو تفكيكه إن كان مركبًا، أو ذبحه إن كان حيوانًا على النقص: نقض مع الأرش، وإن كان بالعكس فلا نقض، لعدم فائدته، وقال: ويصطلحان إما بأن يشتريه مشتري الدار أو غير ذلك. انتهى.
(ومن غصب دينارًا أو نحوه)، كجوهرة ودرهم (فحصل) ذلك (في محبرة) إنسان (آخر أو نحوها) من كل إناء ضيق الرأس بفعل الغاصب أو بغير فعله، (وعسر إخراجه) منها بدون كسرها، (فإن زاد ضرر الكسر عليه) أي: على الدينار بأن كانت قيمتها صحيحة دينارين وقيمتها مكسورة نصف دينار (فعلى الغاصب بدله) أي: فعليه أن يعطي لرب الدينار الساقط في المحبرة بدله. ولم تكسر؛ لأن في كسرها إذًا إضاعة للمال وهي منهي عنها.
(وإلا) أي: وإن لم يزد ضرر كسرها على غرم الحاصل فيها بأن تساويا أو
كان ضرر الكسر أقل: (تعين الكسر) لرد عين المال المغصوب من غير إضاعة مال، (وعليه) أي: الغاصب (ضمانه) أي: الكسر، لأنه السبب فيه.
(وإن حصل) الدينار أو نحوه في المحبرة أو نحوها (بلا غصب ولا فعل أحد)، كما لو ألقت الريح أو نحوها دينار إنسان في محبرة غيره: (كسرت) المحبرة، (وعلى ربه) أي: الدينار (أرشها) أي: أرش نقص المحبرة بالكسر، لأن الكسر لتخليص ماله.
(إلا أن يمتنع) رب الدينار (منه) أي: من كسر المحبرة مع ضمان أرشه؛
(لكونها) أي: المحبرة (ثمينة) أو غير ذلك: فلا تكسر.
قال ابن عقيل: قياس قول أصحابنا: أن يقول لرب الدينار: إن شئت أن
تأخذ فاغرم، أو فاترك ولا شيء لك.
قال الحارثي: والأقرب إن شاء الله تعالى سقوط حقه من الكسر هنا ويصطلحان عليه.
(و) إن حصل فيها (بفعل مالكها): فإنها (تكسر مجانًا) أي:
[ ٦ / ٢٩١ ]
من (^١) غير ضمان على رب الدينار؛ لأنه وجب على ربها إعادة الدينار إلى مالكه ولم يمكن ذلك بدون كسر المحبرة. فجاز كسرها لذلك. ولا يضمن نقصها أحد؛ لأن التفريط من مالكها.
(و) إن حصل فيها (بفعل رب الدينار): فإنه (يخير بين تركه) في المحبرة (و) بين (كسرها، و) أن يكون (عليه قيمتها) كاملة؛ لتعديه. وهذا قول القاضي وابن عقيل. ومعناه: أنه لا خيار لرب المحبرة في إبقائها مع اختيار رب الدينار كسرها مع ضمان قيمتها. واختار هذا القولى صاحب " التلخيص ". وقيل: لا يجبر ربها على كسرها؛ لأن الدينار لما كان حصوله بتعدي مالكه
على رب المحبرة لم يجبر على إتلاف ماله لإزالة ضرر عدوان رب الدينار عن نفسه.
وعلى هذا يكون على رب الدينار ما نقص من قيمة المحبرة؛ لوقوع الدينار
فيها إن نقصت (^٢) .
(و) على الأول (يلزمه) أي: رب الدينار (قول مثله) أي: مثل ديناره: (إن بذله) له (ربها) أي: المحبرة لكيلا يكسرها؛ لأنه بذل له مالا يتفاوت به حقه دفعًا للضرر عنه. فلزمه قبوله؛ لما فيه من الجمع بين الحقين. واختار هذا القولى صاحب "التلخيص " فيه. وقدمه في " الرعايتين "
و" الحاوي الصغير ".
وقيل: لا يلزمه قبول مثله؛ لأن المثل ليس بعين ماله.
وسواء قلنا يجبر رب المحبرة على كسرها أو قلنا لا يجبر، لو بادر رب الدينار وكسرها: لم يلزمه أكثر من قيمتها، وجها واحدًا. قاله في " الإنصاف ".
_________________
(١) في أ: في.
(٢) في ب: نقضت.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
] فصل: في زيادة المغصوب]
(فصل. ويلزم) غاصبًا (ردُّ مغصوب زاد) بيد الغاصب أو بيد غيره (بزيادته المتصلة). وهي (كقصارة) في ثوب، (وسَمِن) في حيوان، (وتعلُّم صنعة) في آدمي.
(و) بزيادته (المنفصلة؛ كولد) لبهيمة وكذا لآدمية. ما لم يكن من جاهل بالحال، فإن لربها قيمته يوم وضعه.
(و) كـ (كسب) يكسبه الرقيق المغصوب؛ لأن ذلك ونحوه نماء المغصوب وهو لمالكه. فلزم رده، كالأصل.
(ولو غصب) إنسان (قنًا أو شبكة أو شركًا فأمسك) القن أو الشبكة أو الشرك صيدًا، (أو) غصب إنسان (جارحًا أو فرسًا فصاد به) أي: بالجارحح (أو) صاد (عليه) أي: على الفرس صيدًا، (أو) غزا على الفرس فـ (غنو: فلمالكه) فالصيد في الصور المذكورة والغنيمة لمالك المغصوب؛ لأن ذلك حصل بسبب المغصوب وكان لمالكه. أشبه ما لو وهب للرقيق المغصوب شيء فإنه يكون لمالكه.
قال في " الفروع ": وجزم به غير واحد في كتب الخلاف، قالوا على قياس قوله: ربح الدراهم لمالكه، ويسقط عمل الغاصب. انتهى.
وقيل: يكون للغاصب وعليه الأجرة.
وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه فيما إذا غصب فرسًا وكسب عليه مالًا: أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفقتهما، بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما.
(لا أجرته زمن ذلك).
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: هل يلزم الغاصب أجره مدة
[ ٦ / ٢٩٣ ]
اصطياده أم لا؟ فيه وجهان. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح " و" الرعاية "
و" الفر وع " ١٠ نتهى.
يعني: وهو كون الصيد للمالك في لزوم أجرة الصائد على الغاصب مع ذلك وجهان:
أحدهما: لا يلزمه. قدمه الحارثي، وقال: هو الصحيح.
قال في " تجريد الغاية ": ولا أجرة لربه مدة اصطياده في الأظهر. ووجهه:
أن منافع المغصوب في هذه المدة عادت إلى المالك. فلم يستحق عوضها على غيره؛ كما لو زرع الغاصب الأرض المغصوبة فأخذ المالك الزرع بنفقته.
والثانى: بلى.
قال في " التلخيص " في صيد العبد: ولا تدخل أجرته تحته إذا قلنا بضمان المنافع. ووجهه: أن منافعه تلفت تحت يده. أشبه ما لو لم يصد.
أما لو غصب إنسان منجلًا وفأسًا فقطع بذلك حشيشًا أو خشبا فهو للغاصب؛ لحصول الفعل منه. أشبه ما لو غصب سيفًا فقاتل به وغنم.
(وإن أزال اسمه) أي: أزال الغاصب اسم المغصوب بعمله فيه؛ (كنسج غزل) فإنه كان يسمى غزلًا حين غصبه فصار بنسجه يسمى ثوبًا.
(وطحن حب) غصبه فإنه صار يسمى دقيقًا، (أو طبخه) أي: الحب فإنه صاريسمى طبيخًا.
(ونجر خشب) بابًا أو سريرًا أو سرجًا أو غير ذلك فإنه صار يسمى باسم المعمول.
(وضرب حديد) سيفًا أو سكينًا وإبرًا او غير ذلك. (و) ضرب (فضة) دراهم أو حليًا، (ونحوهما) أي: ضرب نحو الحديد والفضة؛ كضرب ذهب دنانير ونحاس أوانى ونحو ذلك.
(وجعل طين) غصبه (لبنًا) جمع لبنة أو آجرا (أو فخارًا)؛ كالأباريق
[ ٦ / ٢٩٤ ]
والأدنان ونحوهما: (رده) أي: لزم الغاصب (^١) أن يرده معمولًا، (و) أن يرد (أرشه إن نقص).
أما كونه يلزمه رده؛ فلأن عين المغصوب فيه قائمة. فلزم ردها إلى مالكها؛ كما لو غصب شاة فذبحها.
وأما كونه عليه أرش نقصه؛ فلأنه حصل بفعله.
ولا فرق بين كون النقص في عينه أو قيمته أو هما.
(ولا شيء له) أي: للغاصب في زيادة قيمة المغصوب بعمله فيه؛ لأنه تبرع في ملك غيره. فلم يستحق لذلك عوضًا؛ كما لو غلا زيتًا فزادت قيمته. وعنه: يكون الغاصب شريكًا بالزيادة؛ لأنها حصلت بمنافعه، والمنافع أجريت مجرى الأعيان. أشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه.
وفرق بينهما: بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره. وهذا حجة على القائل بأنه (^٢) يكون شريكًا بالزيادة؛ لأن الغاصب إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله فى ملك غيره وجعله كالصفة. فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى.
وعنه: أن الغاصب يملك المغصوب بعمله فيه ويكون عليه قيمته قبل عمله. ورد: بأن هذه الرواية قول قديم مرجوع عنه.
وعنه: يخير المالك بين العين والقيمة.
وقيل: للغاصب أجرة عمله فقط.
(و) على المذهب: (للمالك إجباره) أي: إجبار الغاصب (على رد ما أمكن رده) من مغصوب (إلى حالته) الأولى؛ كما لو غصب مسامير وضربها نعالًا فإن لمالكها إجبار الغاصب على ردها مسامير كما كانت؛ لأن عمل
_________________
(١) في أوب: المغصوب.
(٢) في ب: بأن.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
الغاصب في المغصرب محرم، فملك المالك إزالته مع الإمكان.
وإن استأجر الغاصب إنسانًا على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه فالأجر عليه. والحكم في زيادته ونقصه كما لو فعل ذلك بنفسه. وللمالك تضمين النقص
من شاءمنهما.
فإن جهل الأجير الحال وضمن الغاصب لم يرجع على أحد.
وإن ضمن الأجير رجع على الغاصب؛ لأنه غره.
وإن علم الأجير الحال وضمن لم يرجع على أحد؛ لأنه أتلف مال غيره بدون إذنه.
وإن ضمن الغاصب رجع على الأجير؛ لأن النقص حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه.
وإن استعان (^١) الغاصب بمن فعل ذلك فهو كالأجير.
(ومن حفر في) أرض (مغصوبة بئرًا، أو شق) فيها (نهرًا، ووضع التراب) الخارج بحفر البئر، أو شق النهر (بها) أي: بالأرض المغصوبة: (فله) أي: للغاصب (طمّها) أي: طم الأرض المحفورة بئرًا أو المشقوقة نهرًا (لغرض صحيع، ولو) أنه (أبرئ مما يتلف بها) أي: بالبئر؛ لأن الغرض في ذلك فد يكون خلاف خشية ضمان ما يتلف بها.
(وتصح البراءة منه)؛ لأن الضمان إنما يلزمه لوجود تعديه. فإذا رضي بفعله صاحب الأرض زال التعدي؛ لأن الرضى الطارئ كالرضى المقارن للفعل. وقيل: لا يملك طمها إلا بإذن مالك الأرض.
وقيل: لا يملكه إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها.
وقيل: له طمها ولو لم يكن له في ذلك غرض صحيح.
وقيل: لاتصح البراءة من ضمان ما يتلف بها.
_________________
(١) فى أوب: استعاره.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
(وإن أراده) أي: أراد طمها من الغاصب. (مالك: الزم) الغاصب (به) أي: بالطم؛ لوجود الحفر عدوانًا.
ولأنه يضر بالأرض.
(وإن غصب) إنسان (حبًا فزرعه) في أرضه أو أرض غيره، (أو) غصب (بيضًا) فعالجه بوضعه تحت طائر أو غير ذلك (فصار فراخًا، أو) غصب (نوى أو أغصانًا) فغرسه (فصارت شجرًا: ردها) اي: رد الزرع والفراخ والشجر لمالكه؛ لأنه عين مال المغصوب منه. (ولا شيء له) أي: للغاصب في مقابلة عمله فيه؛ لأنه متبرع به.
ويتخرج في هذا من الخلاف ما تقدم، فيما إذا نسج الغاصب الغزل ونحوه.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
] فصل: في ضمان نقص المغصوب]
(فصل. ويضمن) غاصب (نقص مغصوب) حصل بعد الغصب قبل رده. (ولو) كان النقص (رائحة مسك، أو نحوه)؛ كعنبر.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم تضمن رائحة مسك ونحوه، خلافًا
للـ" انتصار ". ووجه ضمان ذلك ظاهر؛ لأن قيمة ما يشم إنما تختلف بالنظر إلى قوة الرائحة وضعفها.
(أو) كان النقص (بنبات لحية عبد)؛ لأنه نقص في القيمة بتغير صفة.
أشبه النقص بتغير باقي الصفات. وبهذا قال الشافعي. وخالف أبو حنيفة. ولو بقطع ذنب حمار.
قال (^١) القاضي: بقيمته؛ لأنه ضمان مال من غير جناية على آدمي فكان الواجب على الغاصب ما نقص. إذ القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر ما فات عليه.
ولأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته، فإذا فات شئ وجب قدره من القيمة كغير الحيوان. فلو غصب إنسان عبدًا فعمي عنده فإنه يقوم صحيحًا ثم أعمى، ويؤخذ من الغاصب ما بين القيمتين.
وعنه: أن عين الدابة من الخيل والبغال والحمير تضمن بربع قيمتها.
وعنه: أن الرقيق يضمن بما يضمن به في الإتلاف.
قال الموفق في " المقنع ": ويتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين منهما.
وقال في " الشرح ": فأما إن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه؛ كنقصه لكبر أو مرض أو شجة دون الموضحة: فعليه ما نقص مع الرد لا غير.
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
لا نعلم فيه خلافًا. انتهى.
(وإن) غصب إنسان عبدًا و(خصاه، أو أزال) منه) ما تجب فيه دية من حر)؛ كما لو قطع يديه أو رجليه أو ذكره أو لسانه: (رده) على مالكه، (و) رد معه (قيمته) كلها. نص عليه، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة والثوري: يتخير المالك بين أن يأخذه ولا شيء له غيره،
وبين أن يأخذ قيمته ويملكه الجانى، لأنه ضمان مال. فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه؛ كسائر الأموال.
ولنا: أن المتلف البعض. فلا يقف ضمانه على زوال الملك، كقطع خصيتي ذكر المدبر.
ولأن المضمون هو المفوت. فلا يزول الملك عن عين بضمانه؛ كما لو قطع تسع أصابيع. وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الضمان في مقابلة التالف لا في مقابلة الجملة.
ووافق أبو حنيفة: أنه لو كانب الجناية من اثنين على طرفين: أن القيمة تلزمهما والعبد لسيده.
(وإن قطع) الغاصب من الرقيق المغصرب (ما) أي: شيئًا (فيه مقدر)
ولو شعرًا من حر (دون ذلك) أي: دون ما تجب فيه الدية كامله مما تقدم ذكره ونحوه؛ كما الو قطع يدًا واحدة أو رجلًا أو جفنًا أو هدبًا أو إصبعًا أو نحو ذلك: (فـ) إنه يلزمه في كلٍّ من ذلك (أكثر الأمرين) من أرش نقص قيمته أو دية ذلك المقطوع وهي بنسبتها من قيمته كنسبة ذلك من حر من ديته، لأن سبب كل واحد منهما وجد فوجب أكثرهما ودخل الاخر فيه، فإن الجناية واليد وجدا جميعا. فلو غصب عبدًا قيمته ألف فزادت قيمته عنده إلى ألفين ثم قطع يده فصار يساوي ألفًا وخمسمائه كان عليه مع رده ألف، فلو كان القاطع ليده غير الغاصب وفد نقصت قيمته مائتين وصار بعد القطع يساوي أربعمائة كان على الجانى أربعمائة؛ لأن جنايته مضمونة بنصف القيمة وهي حين القطع ثمانمائة وعلى الغاصب مائتان، لأنها نقصت من قيمة العبد وهو في يده.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وللمالك تضمين الغاصب ما عليه وعلى الجانى؛ لأن ما وجد في يده في حكم الموجود منه.
(ويرجع غاصب غرم) الجميع لمالك، (على جان، بأرش جناية)؛ لأن التلف حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه (فقط) أي: دون النقص الحاصل في يده؟ لأنه لا يلزمه أكثر مما وجب عليه من أرش الجناية.
وعنه: أن الغاصب إذا جنى على المغصوب يضمنه بما نقص فقط.
(ولا يرد مالك) اي: وليس على مالك تعيب ماله عند غاصب أن يرد عليه (أرش معيب أخذ)
_________________
(١) ه من الغاصب (معه) أي: مع المغصوب (بزواله) أي: العيب عند المالك؛ كما لو غصب إنسان عبدًا فجرحه ثم رده إلى مالكه ورد معه ارش الجرح ثم برئ عند مالكه، وبحيث لم يصر به نقص بعد البرئ: فإن المالك لا يلزمه أرش الجرح؛ لأنه عوضٌ عن نقص حصل في يد الغاصب بتعديه. فلم يكن له استرجاعه. ولأنه استقر ضمانه برد المغصوب ناقصًا عن حال غصبه نقصًا أثر في قيمته. فوجب أن يضمن نقصه. وكذا إن أخذ المالك المغصوب دون أرشه ثم زال العيب قبل أخذ أرشه: لم يسقط ضمانه. بخلاف ما لو برئ في يد الغاصب. قال الحارثي: وما يذكر من الاستقرار فغير مسلم والصواب إن شاء الله تعالى الوجوب بقدر النقص الحادث في المدة، ويجب رد ما زاد إن كان. انتهى. (ولا يضمن) غاصب رد المغصوب بحاله (نقص سعر) حصل المغصوب تحت يده؛ كما لو غصب ثوبًا يساوي مائة فلم يرده حتى نقص سعره بأن صار يساوي ثمانين فإنه لا يلزمه مع رده بحاله شيء. وذكر ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أن نقص السعر مضمون على الغاصب، وقال به أبو ثور استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنه نقص يضمنه الغاصب مع تلف العين. فوجب أن يضمنه مع
[ ٦ / ٣٠٠ ]
بقائها. قياسًا على نقص الذات؛ كالسِّمَن.
والثانى: أنه عدوان يضمن به نقص الذات. فوجب أن يضمن به نقص الثمن؛ كما لو نقصت قيمة المغصوب لنسيان صنعة.
ولنا: أنه رد العين بحالها لم تنقص منها عين ولا صفة. فلم يلزمه شئ؛
كما لو لم تنقص.
ولا نسلم أنه يضمن نقص السعر مع تلف العين. وإن سلمناه؛ فلأنه وجب
عليه قيمه العين أكثر مما كانت قيمتها فدخلت في التقويم. بخلاف ما إذا ردها فإن القيمة لا تجب. ويخالف السمن فإنه من عين المغصوب، والعلم بالصناعة صفة فيها. وهاهنا لم تذهب عين ولا صفة؛ لأنه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين وإنما حقه في العين وهي باقية كما كانت.
ولأن الغاصب إنما يضمن ما هو مغصوب، والقيمة لا تدخل في الغصب. بخلاف زيادة العين فإنها مضمونة (^١) وقد ذهبت.
ولأن نقص الذات قد لا يكون مضمونًا في بعض صور الغصب؛ (كهزال زاد
به) سعر الرقيق المغصوب. أو لم يزد به ولم ينقص؛ كما لو غصب عبدًا مفرطا في السمن قيمته يوم الغصب ثمانون فهزل عند الغاصب فصار يساوي مائة. أو (^٢) بقيت قيمته على حالها: فإن الغاصب لا يجب عليه مع رده شي؛ لأن الشرع إنما أوجب في مثل هذا ما نقص من قيمته ولم يقدر بدله ولم تنقص قيمته. فلم يجب عليه شيء غير رده، وكذا لو لم تنقص القيمة ولم تزد.
(ويضمن) الغاصب (زيادته) أي: زيادة المغصوب الحا صلة عنده؛ كما
لو سمن عنده الحيوان أو تعلم الرقيق صنعة فزادت قيمته بذلك ثم هزل أو نسي الصنعة: فإن عليه رده ورد ما نقص بعد الزيادة. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب عليه عوض الزيادة، إلا أن يطالبه المالك
_________________
(١) في أوب: مغصوبة.
(٢) ساقط من ب.
[ ٦ / ٣٠١ ]
بردها زائدة فلا يردها؛ لأنه رد العين كما أخذها. فلم يضمن قيمتها؛ كنقص سعرها.
وذكر ابن أبي موسى في " الإرشاد " رواية: أن المغصوب إذا زادت قيمته لسمن أو تعلم صنعة ثم نقصت بزوال ذلك: فلا ضمان عليه إذا رده بعينه.
ووجه المذهب: أنها زيادة في نفس المغصوب. فلزم الغاصب ضمانها؛
كما لو طالبه بردها فلم يفعل.
ولأنها زادت على ملك مالكها. فلزم الغاصب ضمانها؛ كما لو كانت موجودة حال الغصب.
وفارق زيادة السعر؛ لأنها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها. والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفه فيه. ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين وهي موجودة فلم يردها. وأجريناها هي والتعليم مجرى السمن الذي هو عين.
ولأنها صفة تتبع العين. وأجرينا الزيادة الجارية في يد الغاصب مجرى الزيادة الموجودة حال الغصب؛ لأنها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه. فتكون مملوكة له؛ لأنها تابعة للعين.
(لا مرضا) أي: ولا يضمن الغاصب نقص مرض طرأ على المغصوب وهو
بيد الغاصب ثم (برئ منه في يده) أي: يد الغاصب؛ لأن العيب الذي أوجب الضمان زال في يده. ولذلك لو حملت فنقصت ثم وضعب في يد الغاصب فزال نقصها لم يضمن شيئًا.
وقال في " الفروع " في مسألة بعد أن قدم ما في المتن: ونصه يضمن. وقدمه في " الرعاية الكبرى "، وقال: نص عليه.
(ولا إن) زاد المغصوب بيد الغاصب زيادة زادت بها قيمته ثم زالت الزيادة
ثم (عاد مثلها) أي: قدر الزيادة الأولى (من جنسها) والعين بيد الغاصب؛ كما لو غصب إنسان أمة قيمتها مائة ثم سمنت عنده فصارت قيمتها ألفا ثم هزلت
[ ٦ / ٣٠٢ ]
فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادة إلى ألف وردها إلى مالكها وهي تساوي ألف: فإنه لا شيء عليه غير ذلك، لأن ما ذهب من الزيادة عاد وهي بيده. أشبه ما لو مرضت فنقصت قيمتها ثم برأت فعادت القيمة، أو نسيت صنعة ثم تعلمتها او أبق العبد ثم عاد.
وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى، لأنه لم يعد ما ذهب. بخلاف ما هنا.
قال الحارثي: هذا المذهب لنصه في الخلخال يكسر، قال: يصلحه أحب
إليّ. وهو (^١) أحد صور المسألة. انتهى.
وصححه في " التصحيح ".
وقال الموفق وابن أخيه: إنه أقيس، وجزم به في " الوجيز " (^٢) .
وقيل: عليه نقص الزيادة الأولى كما لو كانت الزيادتان من جنسين؛ لأن
الزيادة الثانية غير الأولى.
وعلى الوجه الأول: لو سمنت بعد الهزال ولم تبلغ قيمتها إلى ما بلغت بالسمن الأول، أو زادت عليه: ضمن الغاصب أكثر الزيادتين تدخل فيها
الأخرى.
وعلم مما تقدم أنه لو عاد قدر الزيادة الأولى من غير جنسها: لم يسقط
ضمان الأولى، كما لو غصب أمة قيمتها مائة فسمنت فبلغت ألفا ثم تعلمت صنعة فبلغت ألفين ثم هزلت ونسيت الصنعة فعادت إلى مائة ثم ردها وهي كذلك: فإن عليه ضمان الزيادة وهي ألف وتسعمائة.
وإن بلغت بالسمن ألف ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم تعلمت صنعة فبلغت
ألف ثم نسيت فعادت إلى مائة: كان عليه مع ردها ألف وثمانمائة، لأنها نقصت بالهزال تسعمائة وبالنسيان تسعمائة.
وإن سمنت فبلغت ألفًا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت صنعة فعادت
_________________
(١) في أ: وهي.
(٢) في أ: الوجهين.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
إلى ألف ولم تنس الصنعة: كان عليه مع ردها تسعمائة.
ووجه ذلك: أن زوال الزيادة الأولى أوجب الضمان وقد حدثت الزيادة الثانية
على ملك مالك العين من (^١) وجه آخر: فلا ينجبر ملك الإنسان بملك نفسه.
(ولا) يضمن غاصب سوى الرد (إن نقص) المغصوب في يده (فزاد مثله
من جنسه) أي: مثل النقص من جنسه؛ كما لو غصب عبدًا نساجًا يساوي مائة فنسى الصنعة عنده فصار يساوي ثمانين ثم تعلم الصنعة التي نسيها فعاد إلى مائة فإنه لا ضمان عليه في نقصه. حتى (ولو) كان ما تعلمه (صنعة بدل صنعة
نسيها)؛ كما لو تعلم الخياطة بدل النساجة التى نسيها فعادت قيمته إلى مائة؛ لأن الصنائع كلها جنس من أجناس الزياده في الرقيق. أشبه ما لو نقصت قيمته بهزاله ثم عادت بسِمَنه. وفيه وجه.
(وإن نقص) المغصوب نقصًا (غير مستقر كحنطة ابتلّت وعفنت)،
وطلبها مالكها قبل بلوغها إلى حالة يعلم فيها قدر أرش نقصها: (خير) المالك (بين) أخذ (مثلها) من مال الغاصب، (أو تركها) بيد الغاصب (حتى يستقر فسادها، ويأخذها) مالكها (وأرش نقصها) أيضًا؛ لأنه لا يجب له المثل ابتداء لوجود عين ماله، ولا أرش العيب؛ لأنه لا يمكن معرفته ولا ضبطه إذًا. وحيث كان كذلك صارت الخيرة إلى المالك بين أخذ المثل لما في تأخير حقه بعد طلبه من الضرر وبين الصبر حتى يستقر الفساد؛ لأنه إذا رضي بالتأخير سقط حقه من التعجيل فيأخذ العين عند استقرار فسادها؛ لأنها ملكه. ويأخذ من الغاصب أرش نقصها؛ لأنه حصل بجنايته. أشبه تلف جزء من (^٢) المغصوب.
وقيل: يجب له المثل ابتداء؛ لأنه لا يعلم قدر نقصه.
وقيل: يأخذه عند الطلب وأرش نقصه الحاصل إذًا.
وكلما حصل نقص زائد ضمنه الغاصب؛ لأنه مستند إلى السبب الموجود في
يده.
_________________
(١) في أوب: في.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
وقيل: يخيّر بين أخذه مع أرش نقصه المتيقن إذًا، ولا شيء له غيره. وبين أخذ مثله.
(وعلى غاصب جناية) رقيق (مغصوب و) عليه أيضًا (إتلافه) أي: قيمة
ما يتلفه. حتى (ولو) كانت الجناية (على ربه) اي: مالكه، (أو) كان الإتلاف على (ماله) أي: مال المالك (بالأقل من أرش أو قيمته) أي: أرش الجناية أو قيمة العبد.
أما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق المغصوب؛ فلأن جنايته نقص فيها لتعلقها برقبته. فكان مضمونًا على الغاصب؛ كسائر نقصه. وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو ما يوجب المال.
وأما كونه يضمن قيمة ما أتلفه؛ فلأنها أيضًا تتعلق برقبته. أشبهت الجناية الموجبة للمال.
وأما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق على مالكه وإتلافه لماله؛ فلأن ذلك
من جملة جناياته. فكان مضمونًا على الغاصب؛ كما لو كان السيد أجنبيًا. وفيه وجه.
قال الحارثي: إذا جنى على سيده فقال المصنف- يعني به: الموفق- وأبو الخطاب: يضمن الغاصب أيضًا. واستدل له بالقياس على الأجنبي. قال: وإنما يتمشى هذا حالة الاقتصاص؛ لوجود الفوات، أما حالة عدم الاقتصاص فلا؛ لأن الفوات منتف فالضمان منتف؛ لأن الغاية إذًا تعلق الأرش بالرقبة وهو غير ممكن؛ لأن ملك المجني عليه فيها حاصل، فلا يمكن تحصيله. فيكون حالة عدم القصاص هدر.
ثم قال بعد ذلك: وأما الجناية الموجبة للمال؛ كالخطأ وإتلاف المال فمتعلقة بالرقبة، وعلى الغاصب تخليصها بالفداء وبما يفدي. انتهى.
فعلى المذهب: إذا قتل المغصرب سيده أو غيره فاقتص منه ضمنه الغاصب بقيمته؛ لأن التلف في يده. فإن عفى عنه على مال تعلق برقبته وضمانه على
[ ٦ / ٣٠٥ ]
الغاصب. ويضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته كما يفديه سيده.
وإن جنى على ما دون النفس؛ مثل: إن قطع يدًا فقطع يده قصاصًا: فعلى
الغاصب ما نقص بذلك دون أرش اليد؛ لأن اليد تلفت بسبب غير مضمون.
فأشبه ما لو سقطت.
وإن عفي عنه على مال تعلق أرش اليد برقبته، وعلى الغاصب قيمته يدفعها
إلى سيده. فإذا أخذها تعلق أرش الجناية بها؛ لأنها كانت متعلقة بالعبد فتعلقت
ببدله؛ كما أن الرهن إذا أتلفه متلف وجبت قيمته وتعلق الرهن بها. فإذا أخذ
ولي الجناية القيمة من المالك رجع المالك على الغاصب] بقيمته مرة أخرى؛
لأن القيمه التي أخذها استحقت بسبب كان في يد الغاصب [(^١) . فكانت من ضمانه.
ولو كان العبد وديعة فجنى جناية استغرقت قيمته ثم إن المودَع قتله بعدها:
فعليه قيمته، ويتعلق بها أرش الجناية. فإذا أخذها ولي الجنايه لم يرجع على المودَع؛ لأنه جنى وهو غير مضمون عليه.
ولو جنى عبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته ثم غصب فجنى في يد
الغاصب جناية تستغرق قيمته: بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما، ورجع
صاحب العبد بما أخذه الثانى منهما على الغاصب؛ لأن الجناية كانت في يده
وكان للمجني عليه أولًا، وأن يأخذه دون الثانى، لأن الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيًا. فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق
الأول، لأنه بدل عن قيمة الجانى لا يزاحم فيه.
وإن مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسم بينهما، ويرجع المالك
على الغاصب بنصف القيمة، لأنه ضامن للجناية الثانية. ويكون للمجني عليه أن يأخذه.
(وهي) أي: جناية الرقيق المغصوب (على غاصب و) على (ماله
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
هدر)؛ لأنها جناية لو كانت على غيره كانت مضمونة عليه. فإذا كانت على نفسه سقطت؛ لأنه لايجب لنفسه على نفسه شيء.
(إلا) إن كانت الجناية (في قود) فإنها لا تكون هدرًا: (فيقتل بعبد
غاصب). يعني: فإنه لو قتل عبد الغاصب عمدًا كان له أن يقتص منه؛ لأن القصاص حق تعلق بنفسه لا يمكن تضمينه لغيره فاستوفي منه. ويضمنه الغاصب بقيمته؛ لأنه تلف حصل في يده. فضمنه؛ كما لو اقتص منه غير الغاصب. وكذا إذا جنى على عبد لمالكه فإن له أن يقتص منه.
(ويرجع عليه) أي: على الغاصب (بقيمته)؛ لما تقدم.
(وزوائد مغصوب)؛ كولد الحيوان وثمر الشجر (إذا تلفت، أو نقصت)
في يد الغاصب، (أو جنت) على المالك أو على غيره: (كهو) أي: كالمغصوب بالأصالة. سواء تلفت منفردة أو مع أصلها؛ لأنها ملك لمالك الأصل وقد حصلت في يد الغاصب بغير اختيار المالك بسبب إثبات يده المتعدية على الأصل فتبعته في الحكم. فإذا غصب حاملًا أو حائلًا فحملت عنده وولدت: فالولد مضمون عليه إن ولدته حيًا، وإن ولدت ميتًا وقد غصبها حاملًا فلاشيءعليه؛ لأنه لم تعلم حياته.
وإن كانت قد حملت به عنده وولدته ميتًا فكذلك عند القاضي وعند ولده
أبي الحسين يضمنه بقيمته لوكان حيًا.
وقال الموفق ومن تبعه: والأولى أنه يضمنه بعشر قيمة أمه.
وإن ولدته حيًا ومات فعليه قيمته يوم تلفه.
[ ٦ / ٣٠٧ ]
] فصل: في حكم خلط المغصوب]
(فصل. وإن خلط) غاصبٌ (ما) أي: المغصوب الذي (لا يتميز) إذا خلط، (كزيت ونقد) غصبهما وخلطهما، (بمثلهما) بأن خلط الزيت بزيت والنقد بنقد لا يتميز منه: (لزمه) أي: لزم الغاصب (مثله) أي: مثل المغصوب في الكيل إن كان مكيلًا، وفي الوزن إن كان موزونًا (منه) أي: من المختلط الذي هو المغصوب وغيره في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه نص على أنه يكون شريكًا به إذا خلطه بغير جنسه. فيكون تنبيهًا على ما إذا خلطه بجنسه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي. فلم ينتقل إلى بدله في الجميع؛ كما لوغصب صاعًا فتلف بعضه.
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزمه مثله من حيث شاء الغاصب.
وفي " الوسيلة " و" الموجز ": قسم ثمنها بقدر قيمتهما.
(و) إن خلط المغصوب الجيد (بدونه، أو) خلط المغصوب الرديء بـ (خير منه) من جنسه، (أو) خلط المغصوب بشيء لا يتميزمنه من (غير جنسه على وجه لا يتميز)، كما لو غصب زيتًا وخلطه بشيرج أو عكس، أو دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو نحو ذلك (^١): (فـ) مالكاهما (شريكان) في المختلط (بقدر قيمتيهما، كاختلاطهما من غير غصب). نص عليه.
قال أحمد في رواية أبي الحارث: في رجل له رطل زيت وآخر له. رطل شيرج اختلطا: يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته؛ لأن بهذا يصل كل واحد منهما إلى بدل عين ماله.
وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا فعلى الغاصب ضمان نقصه؛ لأنه حصل بفعله.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
(وحرم تصرف غاصب في قدر ما) أي: الذي (له فيه) أي: في المختلط.
قال احمد في رواية أبي طالب: هذا قد اختلط أوله وآخره. أعجب إلي أن
يتنزه عنه كله، يتصدق به. وأنكر قول من قال: يخرج منه قدر ما خالطه. ومعنى النص- والله أعلم- انه قد استحال انفراد أحدهما عن الآخر.
ومحل التحريم: ما لم يأذن في ذلك مالك المغصوب؛ لأن الحق لا يعدوهما. ولأنهما قسمة فلا تجوز بغير رضى الشريكين.
وهذا كله بناء على أن الخلط اشتراك.
وعن أحمد أيضًا ما يحتمل أنه استهلاك. فإنه قال في رواية المروذي: يخرج العوض منه.
وهذا يحتمل: أنه أراد يخرج بدله عوضًا منه.
وكذا ساقه المروذي في " كتاب الورع " له: أن أحمد قال: يعطى العوض، ولم يقل منه.
وإن كان أراد أنه يخرج العوض من نفس المختلط فهو بناء على أنه شركة،
وأن له الاستبدال (^١) بقسمة ذلك. قاله في " القواعد ".
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزم الغاصب مثله؛ لأنه صار بالخلط مستهلكًا.
وكذلك لو اشترى زيتًا فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كبعض الغرماء؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله. فكان له بدله؛ كما لو كان تالفًا.
ويحتمل أن يحمل كلام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي طالب على ما إذا اختلطا من غير غصب. أما المغصوب فقد وجد من الغاصب ما منع المالك أخذ حقه من المثليات متميزًا. فلزمه مثله؛ كما لو أتلفه.
(ولو اختلط درهم) لإنسان (بدرهمين لآخر) من غير غصب (ولا تمييز)
_________________
(١) في ب: الاستبداد، وفي ج: الاستبداء.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
أي: وليس ثَم ما يتميز به أحد المالين عن الآخر (فتلف اثنان) أي: درهمان من الثلاثة: (فما بقي) بعد ذلك وهو درهم (فبينهما) أي: بين رب الدرهمين ورب الدرهم (نصفين).
قال في " الإنصاف ": قلت: الذي يظهر: أن (^١) لصاحب الدرهمين نصف
الباقي لا غير؛ وذلك لأنه يحتمل (^٢) أن يكون التالف ماله كاملًا. فيختص صاحب الدرهم به.، ويحتمل أن يكون التالف درهم لهذا ودرهم لهذا، فيختص صاحب الدرهمين بالباقي فتساويا. لا يحتمل غير ذلك، وما لكل واحد منهما متميز قطعًا. بخلاف المسائل المتقدمة. غايته: أنه أبهم علينا. انتهى.
(وإن غصب) إنسان (ثوبًا فصبغه، أو) غصب (سويقًا فلتَّه بزيت فنقصت قيمتهما) أي: الثوب والصبغ أو السويق والزيت، (أو قيمة أحدهما: ضمن) الغاصب (النقص) الحاصل في مال المغصوب منه بسبب ذلك؛ لأنه بتعديه.
(وإن لم تنقص) القيمة (ولم تزد، أو زادت قيمتهما) معًا والصبغ والزيت
من مال الغاصب: (فـ) الغاصب ورب الثوب أو السويق (شريكان بقدر ماليهما) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك. (وإن زادت قيمة أحدهما)؛ كما لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة وصار مصبوغًا يساوي عشرين: فإن كانت هذه الزيادة لغلو سعر الثوب أو لغلو سعر الصبغ (فلصاحبه) أي: فالزيادة لصاحب ما غلا سعره من الثوب أو الصبغ؛ لأن الزيادة تبع للأصل.
وإن زاد أحدهما أربعة والآخر واحدًا فهي بينهما كذلك.
وإن كانت الزيادة إنما حصلت بالعمل فهي بينهما؛ لأن ما عمله الغاصب في
العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثرًا، وزيادة مال الغاصب له (^٣) .
_________________
(١) في أ: أي.
(٢) في أ: لايحتمل.
(٣) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣١٠ ]
(فإن طلب أحدهما) أي: مالك الثوب أو مالك الصبغ (قلع الصبغ) من الثوب: (لم يجب) أي: لم يلزم الآخر الإجابة. إلى ذلك، لأن فيه إتلافًا لملك الآخر.
والمذهب: (ولو ضمن) طالب القلع (النقص) الحاصل بذلك؛ لأن الصبغ يهلك بالقلع فتضيع ماليته، وذلك سفه.
وقيل: إن أراد الغاصب قلع الصبغ كان له ذلك، ويضمن نقص الثوب إن نقص.
وقيل: لا يملك القلع إن تضرر به الثوب.
وقيل: إن أراد رب الثوب قلع الصبغ أجبر الغاصب عليه وإن استضبر به؛
كما يملك قلع شجرة من الأرض المغصوبة.
ورد: بأن الصبغ يهلك بالقلع. بخلاف الشجر.
وبأنه هنا يمكن وصول الحق إلى مستحقه بدون قلع. فلم يجبر عليه؛ كقلع الزرع.
ولأن في إبقاء شجر الغاصب في الأرض المغصوبة تفويتًا لما يريده المالك
من الانتفاع بها بغرس أو زرع أو إجارة. بخلاف الثوب.
وإن بذل الغاصب لرب الثوب قيمته ليملكه: لم يجبر رب الثوب على ذلك؛ كما لو بذل رب الغراس قيمة الأرض لمالكها.
وإن بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه: لم يجبر أيضًا؛ لأنه إجبار على بيع ماله، وإنما البيع عن تراض.
وقيل: بلى إن قيل إنه يملك إجباره على قلع الصبغ وامتنع منه؛ كتملك الشفيع ما غرسه المشتري في الأرض المشفوعة والمغصوبة على رواية فيها. (ويلزم المالك قبول صبغ) للغاصب صبغ به الثوب المغصوب، (وتزويق دار) غصبها، (ونحوه)؛ كما لو غصب غزلًا فنسجه، أو ثوبًا فقصره، أو حديدًا فضربه سيوفًا أو جعله إبرًا، أو شاة فذبحها وشواها وزادت القيمة بالعمل
[ ٦ / ٣١١ ]
(وُهب له) أي: لمالك ذلك.
وقيل: لا يلزمه قبول الصبغ والتزويق؛ لأنها أعيان متميزة. أشبهت الغراس. ورد: بأن ذلك صار من صفات العين فهو كزيادة الصفة في المسلم فيه.
قال في " الشرح ": وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال في الصداق: إذا
كان ثوبًا فصبغه فبذلت له نصفه مصبوغًا لزمه قبوله.
(لا) قبول هبة (مسامير) للغاصب إذا (سمر بها) الباب أو غيره (المغصوب)؛ لأنها أعيان متميزة. فلم يجبر على قبولها؛ كغيرها من الأعيان. وقيل: بلى.
(وإن غصب) إنسان (صبغًا فصبغ به ثوبًا) للغاصب، (أو) غصب (زيتاَ فلت به سويقاَ) له: (فـ) مالك الصبغ أو الزيت والغاصب (شريكان) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت (بقدر حقيهما) في ذلك.
(ويضمن) الغاصب (النقص) إن وجد نقص بفعله؛ لأنه تعدى بخلط المغصوب بماله.
وقيل: إنما يلزمه بدل المغصوب؛ لأن الصبغ تفرق في الثوب، والزيت استهلك في السويق. أشبه ما لو أتلفهما.
(وإن غصب) إنسان (ثوبًا وصبغًا) من (^١) واحد (فصبغه به) أي: فصبغ الثوب بالصبغ ثم طالبه المالك بما غصبه: (رده) أي: رد الثوب مصبوغًا؛ لأنه عين ملك المغصوب منه، (و) رد معه (أرش نقصه) إن نقص بفعله، لأنه متعد به، (ولا شيء له) أي: للغاصب (إن زاد) بعلمه فيه، لأنه متبرع به. قال في " الشرح ": فإن غصب ثوب رجل وصبغ آخر فصبغه به: فإن كانت القيمتان بحالهما فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت فالزيادة لهما، وإن نقصت للصبغ فالضمان على الغاصب. ويكون النقص من صاحب الصبغ؛ لأنه
_________________
(١) في أ: في.
[ ٦ / ٣١٢ ]
تبدد في الثوب ويرجع بها على الغاصب.
وإن نقص السعر لنقص سعر الثياب أو الصبغ أو لنقص سعرهما: لم يضمنه الغاصب، وكان نقص كل واحد منهما من صاحبه.
وإن أراد صاحب الصبغ قلعه أو أراد ذلك صاحب الثوب: فالحكم كما لو صبغه الغاصب بصبغ من عنده على ما مر بيانه.
والحكم فيما إذا غصب سويقًا فلته بزيت أو عسلًا ونشاء فعقده حلوى حكم
ما لو غصب ثوبًا فصبغه. انتهى.
وفال في " المبدع " بعد ما ذكر عبارة الموفق الموافقة لعبارة المتن: وظاهره
لا فرق بين أن يكونا لاثنين أو لواحد.
وفي " الرعاية ": إذا كانا من واحد وزادا فزيادتهما لغو ويحتمل الشركة،
وإن كانا من اثنين اشتركا في الأصل والزيادة بالقيمة وما نقص من أحدهما غرمه الغاصب.
وقيل: زيادة أحدهما لربه. انتهى.
[ ٦ / ٣١٣ ]
] فصل: فيما يجب بوطء الغاصب]
(فصل. ويجب بوطء غاصب) الأمة المغصوبة، حال كون الغاصب (عالمًا تحريمه) أي: الوطء: (حد) لزناه بها، لأنها ليست بزوجة ولا ملك يمين، ولا شبهة تدرأ (^١) الحد حيث كان عالمًا بالتحريم.
(و) يجب بهذا الوطء أيضًا (مهر ولو) كانت الأمة (مطاوعة)؛ لأنه حق للسيد. فلم يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
وعنه: لا مهر مع مطاوعتها. ذكره الآمدي.
قال الزركشي: وهو جيد " لأن النبي ﷺ نهى عن مهر البغي " (^٢) .
وجوابه: بأنه محمول على الحرة، لأن حق السيد لا يسقط بطواعية الأمة؛
كما لو استخدمها إنسان طائعة فإن حق سيدها لا يسقط بطواعيتها، وله مطالبة المستخدم بأجرتها.
(و) يجب بوطئه أيضًا (أرش بكارة) أزالها، لأنه بدل جزء منها.
وقيل: لا يجب أرش البكارة (^٣)، لدخوله في مهر البكر. ولهذا يزيد على
مهر الثيب عادة لأجل ما يتضمنه (^٤) من تفويت البكارة.
ووجه المذهب: أن كل واحد من المهر والأرش يضمن منفردًا. بدليل أنه
لو وطئها ثيبًا وجب مهرها، وإذا افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها فلذلك وجب أن يضمنهما إذا اجتمعا.
وعنه: لا يجب بوطء الثيب مهر، لأنه لا ينقصها ولا يؤلمها. أشبه ما لو قبّلها.
_________________
(١) في أوب: نذر.
(٢) سيأتي تخريجه حديث أبي جحيفة ص (٣٧٨) رقم (٢).
(٣) في أ: بكارتها.
(٤) في أ: يضمنه.
[ ٦ / ٣١٤ ]
(و) يجب عليه أيضًا إذا حملت منه أرش (نقص بولادة)، لحصوله بفعله المتعدي به، ولا ينجبر هذا النقص بزيادتها بالولد، كما لا ينجبر به نقص بغير
الولادة.
ولو قتلها غاصب بوطئه فالدية. نقله مهنا، واقتصر عليه في " الفروع ".
ولو استردها المالك حاملًا فماتت عنده في نفاسها ضمنها الغاصب؛ لأنه
أثر فعله، كما لو استرد الحيوان المغصوب وقد جرحه الغاصب فسرى الجرح إلى النفس عند المالك فمات.
(والولد) من الغاصب (ملك لربها) أي: لرب الأمة؛ لأنه من نمائها.
ولأنه يتبع أمه في الرق في النكاح الحلال فهنا أولى.
ويجب رده معها، كسائر الزوائد.
(ويضمنه) الغاصب (سِقطا) أي: مولودًا قبل تمامه حيًا.
(لا) إذا ولد (ميتًا) ولو تامًا (بلا جناية)، لأنه لم تعلم حياته قبل ذلك (بعشر قيمة أمه).
وقيل: بقيمته لو كان حيًا.
وقيل: إن وضعته ميتًا بجناية الغاصب ضمنه بأكثر الأمرين.
وقيل: يضمن أيضًا ما ولدته ميتًا بلا جناية.
وفيما يضمن به الخلاف المتقدم في الحي.
ولو ولدته حيًا ثم مات: فقال في " الإنصاف ": ضمنه بقيمته. جزم به في
" المغني " و" الشرح " وغيرهما. وظاهر كلام الناظم: أن فيه الخلاف
المتقدم. انتهى.
(وقراره) أي: الضمان (معها) أي: مع الجناية إن سقط بها (على الجاني)؛ لأن الإتلاف وجد منه.
(وكذا) أي: وكولد الأمة المغصوبة في حكم الضمان (ولد بهيمة) مغصوبة.
[ ٦ / ٣١٥ ]
ومتى ولدت الأمة من غير الغاصب ممن يعلم الحال فهي ملك لربها، كما لو
أتت به من الغاصب العالم بالتحريم.
(والولد) الذي تأتى به (من جاهل) للحكم- ولو أنه الغاصب- لقرب عهده بالإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا. أو للحال؛ كما لو كان معها أمة له فوطئ المغصوبة في ظلمة أو نحوها ظانًا أنها أمته، أو اشتراها من الغاصب رجل جاهل بالحال، أو زوجها الغاصب على أنها بنته أو أخته رجلًا يظن حريتها فأتت منه بولد: كان في جميع هذه الصور (حر)؛ لاعتقاد الإباحة.
ويثبت نسبه من الواطئ لمكان الشبهة.
(ويُفدَى) أي: وعلى الواطئ لسيدها فداء الولد، لأنه حال بينه وبين السيد بتفويت رقه بإعتاقه (^١) .
ونقل ابن منصور: لا يلزم المشتري فداء أولاده وليس للسيد بدلهم.
قال الخلال: أحسبه قولًا أول، والذي أذهب إليه: أنه يفديهم.
ومحل وجوب فدائه: (بانفصاله) أي: الولد (حيًا)، لأنها إذا وضعته
ميتًا لم تعلم حياته قبل ذلك ولم توجد حيلولة بينه وبينه.
ويكون الفداء (بقيمته) اي: الولد نصًا.
وعنه: بمثله في صفاته تقريبًا.
وعنه: في قيمته.
وعنه: يفديه بأيهما شاء من المثل أو القيمة.
وعنه: يفدي كل وصيف بوصيفين.
ودعتبر قيمته على المذهب أو مثله (يوم وضعه)، لأنه أول حال إمكان تقويمه، لأنه لا يمكن تقويمه حملًا.
_________________
(١) في أوب: باعتقاده.
[ ٦ / ٣١٦ ]
ولأنه وقت الحيلولة بينه وبين سيده.
وظاهر إطلاق أحمد في رواية ابن منصور وجعفر يوم الخصومة.
وإن ضرب الواطئ المحكوم بحريه ولده (^١) بطنها فألقت جنينًا ميتًا فعليه غرة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه، لا يرث الضارب منها شيئًا، لأنه أتلف جنينًا حرًا. وعليه للسيد عشر قيمة أمه وضمانه له ضمان المماليك. ولهذا لو وضعته حيا قومناه مملوكًا.
وإنما لزم الضارب ذلك مع موت الجنين؛ لأنه لما تعقب الضرب نسسب إليه، لأن الظاهر حصرله به.
وإن كان الضارب أجنبيًا فعليه غرة موروثة عنه للحكم بحريته. وعلى الغاصب عشر قيمة أمه؛ لأنه يضمنه ضمان المماليك وقد فوت رقه على السيد. ومتى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب إلى غير المالك لها فالمنتقلة (^٢) إليه بمنزلة الغاصب في كون المالك يملك تضمينه العين والمنفعة الفائتة؛ لأنه إن كان عالمًا بالحال كان غاصبا وإن كان جاهلا بالحال؛ فلعموم قوله ﷺ: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (^٣) .
ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه؛ كما يملك تضمين الغاصب. لكن إنما يستقر عليه ما دخل على ضمانه من عين أو منفعة، ويستقر ما لم يدخل على ضمانه على غاصب.
وسأله مهنا عن عبد أذن له سيده في التجارة فسلمه رجل مالًا مضاربة بأمر سيده (^٤) فسلمه العبد رجلًا يشتريه من سيده به، قال: يرجع به صاحبه على مشتريه. فقلت له: ذهب المال. قال: يكون دينًا على العبد. قلت: فيكون
_________________
(١) في أوب: ولدت.
(٢) في ب وج: فالمنتقل.
(٣) سبق تخريجه ص (٢٦٠) رقم (٢).
(٤) في أوب: السيد.
[ ٦ / ٣١٧ ]
حرًا؟ قال: نعم.
قال في " الفروع ": وظاهره لا يرجع إلا على من القرار عليه. انتهى.
إذا تقرر هذا فإن اليد القابضة من الغاصب عشرة:
الأولى: القابضة تملكاَ بعوض مسمى وهي يد المشتري. فمتى غصب إنسان جارية بكرًا فاشتراها منه إنسان واستولدها ثم ماتت عنده، أو غصب دارًا أو بستانًا أو عبدًا ذا صنعة أو بهمية فاشترى المغصوب منه إنسان واستغله إلى أن تلف عنده ثم حضر المالك وضمن المشتري جميع ما وجب له من ذلك لم يرجع بالقيمة ولا بأرش البكارة على أحد؛ لأنه معتاض. بمعنى أنه تملك العين بعوض في الظاهر فقد دخل على ضمان ذلك.
ويرجع بما عدا ذلك على غاصب. وإلى هذا أشير في المتن بقوله:
(ويرجع معتاض غرم) بتضمين المالك له (على غاصب، بنقص ولادة، ومنفعة فائتة بإباق أو نحوه، ومهر، وأجرة نفع وثمر وكسب، وقيمة ولد) منه أو من زوج زوجها إياه المشتري؛ لأن المشتري لم يدخل على ضمان شيء من ذلك فيكون قراره على الغاصب. فإذا أغرمه المالك للمشتري أو شيئًا منه رجع به على الغاصب.
وعنه: أن ما حصل للمشترى به منفعة؛ كالأجرة والمهر: لا يرجع به.
وعنه: لا يرجع بقيمة ولد من زوج زوجة المشتري الجارية المغصوبة.
وعنه: لا يرجع بقيمة ولد مطلقًا.
(و) يرجع (غا صب) غرم الجميع لمالك (على معتاض) وهو المشترى
منه العين المغصوبة، (بقيمة، وأرش بكارة)؛ لأن المشتري دخل مع الغاصب على ضمان ذلك.
وحكى صاحب " المغنى " رواية في باب الرهن باستقرار الضمان على الغاصب في البيع فلا يرجع على المشتري بشيء مما ضمنه.
قال ابن رجب: وهو عندي قياس المذهب حيث قلنا في إحدى الروايتين
[ ٦ / ٣١٨ ]
برجوع المغرور بنكاح الأمة على من غره مع استيفائه منفعة البضع واستهلاكها ودخوله على ضمانها.
الثانية: يد المستأجر. وهي المشار إليها بقوله:
(وفي إجارة يرجع مستأجر غرم) على غاصب (بقيمة عين) تلفت تحت
يده (^١) بلا تفريط؛ لأنه لم يدخل على ضمانها دون قيمة المنفعة؛ لدخوله على ضمانها.
قال ابن رجب: وفي " تعليقة أبي البركات على الهداية ": يتخرج لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أن المستأجر لا ضمان عليه بحال كقول الجمهور.
والثانى: يضمن العين.
وهل القرار عليه؟ لنا وجهان:
أحدهما: عليه.
والآخر: على الغاصب. وهو الذي ذكره القاضي في " خلافه ". انتهى.
(و) يرجع (غاصب عليه) أي: على مستأجر (بقيمة منفعة) غرمها لمالك. (ويسترد مشتر) غاصب (ومستأجر) منه العين المغصوبة إذا (لم يُقرَّا بالملك له) أي: للغاصب (ما دفعاه) له (من المسمى) في عقد البيع والإجارة من ثمن وأجرة، (ولو علما) أي: المشتري والمستأجر (الحال) أي: كون العين المبيعة أو المؤجرة مغصوبة لانتفاء صحة العقد مع العلم وعدمه؛ لأن البائع والمؤجر ليس بمالك ولا بمأذون من قبل المالك. فلا يملك الثمن ولا الأجرة بالعقد الفاسد.
قال ابن رجب في مسألة الرجوع بالثمن: وسواء كانت القيمة التي ضمن للمالك وفق الثمن أو دونه أو فوقه على ما اقتضاه كلام الأصحاب هاهنا، وفي
_________________
(١) في أوب: عنده.
[ ٦ / ٣١٩ ]
البيع الفاسد وفي ضمان المغرور للمهر. وفي " التلخيص " احتمالٌ إن كانت القيمة أزيد رجعت بالزيادة على الغاصب حيث لم يدخل على الضمان بأكثر من الثمن المسمى، وبه جزم ابن المني في " خلافه ". وقد سبق في قاعدة ضمان العقود الفاسدة بالمسمى أو بعوض المثل ما يشبه هذا.
ولو طالب المالك الغاصب بالثمن كله (^١) إذا كان أزيد من القيمة: فقياس المذهب: أن له ذلك كما نص عليه أحمد في المتجر في الوديعة من غير إذن أن الربح للمالك. انتهى.
الثالثة: يد القابض تملكًا بلا عوض: إما للعين بمنافعها؛ كيد المتهب والمتصدق عليه والموصى له بالعين المغصوبه، وإما للمنفعة فقط؛ كالموصى له بمنافعها.
الرابعة (^٢): يد القابض لمصلحة الدافع فقط، كيد الوكيل بلا جُعل، والمودع عنده العين المغصوبة. وإلى هاتين اليدين أشير في المتن بقوله:
(وفي تملك بلا عوض، وعقد أمانة مع جهل: يرجع متملك وأمين) غرما بتضمين المالك لهما قيمة العين والمنفعة على غاصب (بقيمة عين ومنفعة)، لكونهما مغرورين بتغرير الغاصب لهما.
ولأنهما لم يدخلا على ضمان شيء. فكان لهما الرجوع بما ضمناه.
وقيل: لا يرجعان بشيء، لاستقرار الضمان عليهما بتلف المال تحت يدهما من غير. إذن في قبضه من مالكه.
وقيل: ليس للمالك ابتداء تضمينهما ما لا يستقر ضمانه عليهما؛ تخريجًا
من الوجه المحكي كذلك في المرتهن ونحوه.
قال ابن رجب: واعلم أن ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرهن: أن الوكيل والأمين قي الرهن إذا باعا وقبضا الثمن ثم بان المبيع مستحقًا لم يلزمهما
_________________
(١) في أ: كلها.
(٢) في أوب: الرابع.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
شيء: لا يناقض هذه المسألة كما يتوهمه من قصر فهمه؛ لأن مراد الأصحاب بقولهم: لم يلزم الوكيل شيء: أنه لا يطالبه المشتري بالثمن الذي أقبضه إياه؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل دون الوكيل. أما أن الوكيل لا يطالبه المستحق للعين بالضمان فهذا لم يتعرضوا له هاهنا البته وهو بمعزل من مسألتهم بالكلية. انتهى.
(ولا يرجع غاصب) غرم على من أودعه إذا تلفت بلا تفريط، أو وهبه ونحوهما العين المغصوبة وتلفت عنده (بشيء) عين ولا منفعة.
وقيل: بلى. ما لم يكن حصل من الغاصب ما يدل على أن العين ملك له؛
لأنه حينئذ يكون معترفًا باستقرار الضمان عليه ونفيه عن القابض.
الخامسة: يد المستعير. وله حالتان:
إحداهما: أن يكون جاهلًا بغصب العين المعارة.
والثانية: أن يكون عالمًا بالحال. وإلى الأولى أشير بقوله:
(وفي عارية مع جهل مستعير) إذا ضمنه المالك وقد تلفت العين عنده:
قيمة العين والمنفعة (يرجع) المستعير على الغاصب (بقيمة منفعة) فقط؛ لأنه لم يدخل على ضمانها، وإنما ضمنها بتغرير الغاصب. وإنما لم يرجع بقيمة العين؛ لأنه قبضها مضمونة عليه.
وعنه: لا يرجع بقيمة المنفعة أيضًا؛ لأنها في مقابلة انتفاعه كي لا يجتمع له العوض والمعوض.
قال ابن رجب: وأصل الروايتين الروايتان في رجوع المغرور بالمهر على من غره.
(و) يرجع (غاصب) أغرم قيمة العين والمنفعة على مستعير جاهل بالغصب (بقيمة عين) فقط؛ لأن المستعير دخل على أنها مضمونة عليه
وإلى الحالة الثانية أشير بقوله:
(ومع علمه) أي: المستعير بغصب العين المعارة إذا ضمنه المالك ابتداء:
[ ٦ / ٣٢١ ]
قيمة العين مع المنفعة (لا يرجع) على غاصب (بشيء)، لأنه تعدى بقبضها عالمًا بأن المعير قد غصبها وقد تلفت تحت يده، فاستقر ضمانها عليه. أشبه ما لوغصبها.
(ويرجع غاصب) أُغرم ابتداء في هذه الحالة قيمة العين والمنفعة لمالك (بهما) على مستعير عالم بالحال، لأنه قد دخل على ذلك.
السادسة: يد الغاصب من الغا صب. وإليها أشير بقوله:
(وفي غصب يرجع الغاصمب الأول بما غرم) لمالك من قيمة عين ومنفعة، لتلفهما تحت يد الثانى. لكن إن (^١) لم يغصبها الثانى عقب غصب الأول لم يطالبه الأول إلا بقيمة منفعتها زمن إقامتها عنده.
(ولا يرجع) الغاصب (الثاني) إذا غرم للمالك قيمة العين ومنفعتها زمن إقامتها عنده (عليه) أي: على الغاصب الأول (بشيء)، لأن بتلفها تحت يده استقر الضمان عليه. فلا يرجع به على احد.
السابعة: يد المتصرف في المال بما ينميه مثل: المضارب والشريك والمساقي والمز ارع. وإليها أشير بقو له:
(وفي مضاربة ونحوها يرجع عامل) غرم على غاصب (بقيمة عين) تلفت تحت يده بلا تفريط (وأجر عمل) لتغريره.
قال ابن رجب: وأما المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان
فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال. فإذا ضمنوا على المشهور رجعوا بما ضمنوا إلا حصتهم من الربح. فلا يرجعون بضمانهم، لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل. كذلك ذكره القاضي وابن عقيل في المساقي. والمزارع نظيره. أما المضارب والشريك فلا ينبغي أن يستقر عليهم ضمان شيء بدون القسمة. سواء قلنا ملكوا الربح بالظهور أو لا، لأن حصتهم وقاية لرأس المال وليس لهم الانفراد بالقسمة فلم يتعين لهم شيء مضمون.
_________________
(١) في ج: إذا.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
وحكى الأصحاب في المضارب للمضارب بغير إذن وجها آخر؛ لأنه لايرجع بما ضمنه بناء على الوجه المذكور باستقرار الضمان على من تلف المال بيده ..
ويتخرج وجه آخر: أنه لا يملك المالك تضمينهم بحال؛ لدخولهم على
الأما نة.
وأما المساقي إذا ظهر الشجر مستحقًا بعد تكملة العمل فللعامل أجره المثل
لعمله على الغاصب.
وأما الثمر إذا تلف فله حالتان:
إحداهما: أن يتلف بعد القسمة: فللمالك تضمين كلٍّ من الغاصب والعامل
ما قبضه، وله أن يضمن الكل للغاصب، فإذا ضمنه الكل رجع على العامل بما قبضه لنفسه؛ لأنه أخذ العوض. فهو كالمشتري من الغاصب.
وفي " المغني ": احتمال لا يرجع عليه؛ لتغريره، فأشبه من قال: كُلْ
هذا فإنه طعامي ثم بان مستحقًا. وهو قريب من الوجه السابق باستقرار ضمان المبيع على الغاصب بكل حال.
وهل للمالك أن يُضمّن العامل جميع الثمرة؟ ذكره القاضي فيه احتمالين: أحدهما: نعم؛ لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق. ثم يرجع العامل على الغاصب بما قبضه من الثمر على المشهور. وبالكل (^١) على الاحتمال
المذكور.
والثانى: لا؛ لأنه لم يكن قابضًا على الحقيقة وإنما كان مراعياَ حافظًا.
الحالة الثانية: أن يتلف الثمر قبل القسمة إما على الشجر أو بعد جذه: ففي
" التلخيص " في مطالبة العامل بالجميع احتمالان. وكذا لو تلف بعض الشجر. وهو ملتفت إلى أن يد العامل هل تثبت على الشجر الذي عليه أم لا؛ والأظهر أن
_________________
(١) في أ: ويأكل.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
لا؛ لأن الضمان عندنا لا ينتقل في الثمر المعلق على شجره بالتخلية، إلا أن يقال: يده هاهنا على الثمرة حصلت لبعا لثبوت يده على الشجر، فيقال وفي ثبوب يده هنا على الشجر تردد ذكرناه آنفًا. حتى لو تلف بعض الشجر ففي تضمينه للعامل الاحتمالان. صرح به في " التلخيص " أيضًا.
ولو اشترى شجرة بثمرها فهل يدخل الثمر في ضمانه تبعًا لشجره؟ قال ابن
عقيل في " فنونه ": لا يدخل. ويتخرج وجه آخر بدخوله تبعا؛ لانقطاع علق البائع عنه من السقي وغيره. وبكل حال فيتوجه: أن يضمن العامل الثمر التالف بعد جذاذه واستحفاظه. بخلاف ما على الشجر. انتهى.
(و) يرجع (غاصب) أغرم على عامل (بما قبض عامل لنفسه: من ربح)
في مضاربة، (و) بما قبضه من (ثمر في مساقاة بقسمته) أي: الربح أو الثمر (معه) أي: مع الغاصب؛ لأنه لا يستحق ما قبضه من ذلك؛ لفساد عقد المضاربة. ولأنه قد تقدم أن العامل له مطالبة الغاصب بأجرة عمله في المال أو الشجر.
فلا يجتمع له ذلك مع الجزء المشروط له من (^١) المال والثمر.
وكما لو فسدت المضاربة أو المساقاة بأي مفسد كان.
الثامنة: يد المتزوج للأمة المغصوبة من الغاصب إذا قبضها من الغاصب بمقتضى عقد النكاح وأولدها ثنم ماتت عنده. وإليها أشير بقوله:
(وفي نكاح يرجع زوج بقيمتها وقيمة ولد اشترط حريته) عند العقد على غاصب ظانًا أنه مالكها.
(أو مات) الولد بيد الزوج إذا أغرمه إياها المالك على غاصب، لأن الولد
وإن لم يفد اشتراط ذلك على الغاصب عدم رقه، لكنه دخل مع الغاصب على أنه لا غرم عليه بسبب الولد. فإذا غرم ذلك رجع به عليه؛ لأنه غره.
(و) يرجع (غاصب) على زوج (بمهر مثل) اغرمه إياه المالك؛ لاستقراره عليه بالوطء.
_________________
(١) فى أ: في.
[ ٦ / ٣٢٤ ]
(ويرد) الغاصب للزوج (ما أخذ من) مهر (مسمى)؛ لفساد العقد.
التاسعة: اليد القابضة للمغصوب تعويضًا بغير عقد البيع. وإليها أشير بقوله:
(وفي إصداق) أي: وفيما إذا تزوج الغاصب امرأة على العين المغصوبة وقبضتها على أنها صداقها (وخلع، أو نحوه)؛ كطلاق وعتق: (عليه) أي: على المغصوب؛ كما لو سأل الغاصب إنسانًا أن دخلع (^١) زوجته أو يطلقها أو يعتق أمته، أو صالح عن دم عمد على ما بيده من مغصوب معين.
(وإيفاء دين)؛ كما لو كان في ذمة إنسان عبد موصوف دين سلم فغصب
عبدًا بالصفة ودفعه عما في ذمته، فإذا جاء المالك وقد تلف المغصوب بيد الغاصب له على وجه من هذه الوجوه، فله الرجوع عليه ببدل العين والمنفعة
قال ابن رجب: ويتخرج وجه آخر: انه لا مطالبة له عليه. وهو ظاهر كلام
ابن أبي موسى في الصداق. والباقي مثله.
وعلى المذهب: (يرجع قابضر بقيمة منفعة) غرمها على غاصب؛ لتغريره إياه.
وأما فيم الأعيان فمقتضى ما ذكره القاضي ومن تبعه (^٢): أنه لا يرجع بها؛
لأنه دخل على أنها مضمونة عليه بحقه. قاله ابن رجب. ومعنى هذا: أن ضمانها يستقر عليه.
(و) على هذا يرجع (غاصب بقيمة عين) غرمها على قابض، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقه أو دونه أو أزيد منه، إلا على الوجه المذكور في البيع بالرجوع بفضل القيمة.
(والدين) فيما إذا كان القبض وفاء عن ثابت في الذمة كثمن المبيع ودين السلم والأجرة والقرض وغير ذلك؛ كقيم المتلفات باقٍ في ذمة الغاصب
_________________
(١) فى أ: يمنع.
(٢) في أوب: أتبعه.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
(بحاله)؛ لفساد القبض.
العاشرة: يد المتلف للمغصوب نيابة عن الغاصب مع جهله الحال؛ كالذابح للحيوان والطابخ له. وهذا يرجع بما ضمنه له المالك على الغاصب. وإلى ذلك أشير بقوله:
(وفي إتلاف) أي: إتلاف إنسان جاهل بالحال (بإذن غاصب: القرار عليه) أي: على الغاصب، لوقوع الفعل له فهو كالمباشر.
قال ابن رجب: كذا قال القاضي وابن عقيل والأصحاب.
(وإن علم متلف) الحال: (فعليه) أي: فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على
ما يعلمه ملك غيره بغير إذن مالكه.
وقيل: باستقرار الضمان عليه ولو لم يعلم الحال، كالوجه في المودع إذا تلف المغصوب تحت يده، بل هذا أولى، لمباشرته الإتلاف.
وقيل: لا ضمان عليه بحال من نص أحمد فيمن حفر لرجل في غير ملكه بئرًا فوقع فيها إنسان، فقال الحافر: ظننت أنها في ملكه، فلا شيء عليه.
قال ابن رجب: وبذلك جزم القاضى وابن عقيل في كتاب الجنايات مع اشتراك الحافر والآمر في التسبب (^١) وانفراد الحافر بمباشرة السبب.
وإنما سقط الضمان عنه، لعدم علمه بالحال، وهاهنا أولى؛ لاشتراكهما (^٢) في ثبوت اليد.
ولو كان الإتلاف على. وجه محرم شرعًا، كما لو فتل الحيوان المغصوب كالعبد والحمار إنسان بإذن من الغاصب: ففي " التلخيص " يستقر عليه الضمان، لأنه عالم بتحريم هذا الفعل. فهو كالعالم بأنه مال الغير.
قال ابن رجب: ورجح الحارثي دخول هذه اليد المتلفة في قسم المغرور، لأنها غير عالمة بالضمان. فتغرير الغاصب لها حاصل. والله أعلم.
_________________
(١) في أوب: السبب.
(٢) في أاشتراكهما.
[ ٦ / ٣٢٦ ]
(وإن كان المنتقل إليه) الشيء المغصوب (في هذه الصور هو المالك) له
مع جهله أنه عين ماله: (فلا شيء له) على الغاصب (لما) أي: لشيء (يستقر) ضمانه (عليه) أي: على المنتقل إليه (لو كان أجنبيًا) أي: غير المالك. (وما سواه) أي: سوى ما يستقر ضمانه على المنتقل إليه الغصب لو كان أجنبيًا: (فعلى غاصب) فلا يمتنع على المالك مطالبته به.
ومن صور ذلك: لو غصب إنسان عبدًا واستعمله مدة ثم استعاره منه مالكه
مع جهله أنه عبده فتلف تحت يده: فلا مطالبة له إذا علم بأنه عبده على غاصب بقيمته؛ لأن ضمانها يستقر عليه لو لم يكن هو مالكه. وما سوى ذلك كأجرة منافعه زمن إقامته عند الغاصب فله مطالبته بها، لأنه لم يوجد ما يسقطها.
(وإن أطعمه) أي: أطعم الغاصب المغصوب المأكول (لغير مالكه، وعلم) الآكل له (بغصبه: استقر ضمانه عليه) أي: على آكله، لكونه أتلف مال غيره بغير إذنه عالمًا من غير تغرير. وللمالك تضمين الغاصب له؛ لأنه حال بينه وبين ماله. وتضمين آكله؛ لأنه قبضه من يد ضامنه وأتلفه بغير إذن مالكه. وللغاصب إذا أغرمه المالك بدل الطعام والرجوع على الآكل، لاستقرار الضمان عليه. (وإلا) أي: وإن لم يعلم الآكل بغصبه وأكله ظانًا أنه طعام الغاصب (فعلى غاصب) ضمانه، (ولو لم يقل). للآكل (إنه طعامه)، لأن الظاهر أان الإنسان إنما يتصرف فيما يملكه وقد أكله على أنه لا يضمنه. فاستقر الضمان على الغاصب، لتغريره.
وقيل: على الآكل، إلا إن قال له الغاصب: هو لي.
وعنه: أن قرار الضمان على الآكل؛ كأكله بلا إذن، وكعالم بالحال.
(و) إن أطعم الغاصب المغصوب المأكول (لمالكه أو قِنّه) أي: قن المالك (أو دابته، او أخذه) أي: أخذ المالك المال المغصوب من غاصبه (بقرض أو شراء أو هبة أو صدقة) أي: أخذه منه على أحد هذه الوجوه، (أو أباحه له)؛ كما لو كان المغصوب شمعا فقال الغاصب للمالك: أبحت لك أن
[ ٦ / ٣٢٧ ]
تشعل هذا الشمع فأشعله وهو لا يعلم أنه ملكه، (أو استرهنه، أو استودعه، أو استأجره) أي: قبض المالك المغصوب من غاصبه على سبيل الاسترهان أو الاستيداع أو الاستئجار بأن استأجره من غاصبه، (أو استؤجر) المالك أي: استأجره الغاصب (على قصارته) أي: قصارة الثوب المغصوب (أو خياطته، ونحوهما)، كنقشه (ولم يعلم) المالك أن ذلك ملكه في هذه الصور كلها: (لم يبرأ غاصب).
أما كون الغاصب لا يبرأ بالإطعام والإباحة؛ فلأنه بغصبه له منع يد المالك وسلطانه عن المغصوب، ولم يعد إليه بذلك سلطانه؛ لأن المالك لم يتمكن من التصرف فيه بغير ما أذن له فيه الغاصب.
وفي إطعامه لمالك وجه مخرج: أنه يبرا، بناء على ما إذا أطعمه لأجنبي
فإنه يستقر الضمان على الآكل في إحدى (^١) الروايتين. فكذلك هاهنا.
وأما كونه لا يبرأ إذا تسلمه مالكه على وجه القرض أو الشراء؛ فلأنه قبضه على استقرار بدله في ذمته، وقبض الإنسان ما يستحق قبضه على أن يستقر بدله في ذمته غير مبرئ للمقبض. أشبه ما لو دفع إنسان وجبت عليه زكاة أوكفارة لمستحقها على وجه من هذين الوجهين. وبهذا فارق ما لو دفعه إليه عارية فإنه يبرأ.
وعنه: يبرأ بدفع العين لمالكها بيعًا أو قرضًا.
قال في " الفروع ": وجزم به بعضهم لعودها إلى ملكه. انتهى.
وأما كونه لا يبرأ إذا سلمه إياه على وجه الهبة أو الصدقة، فلنص أحمد معللًا بأنه تحمل منته، وربما كافأه على ذلك.
قال في "الرعاية الكبرى": إن أهداه إليه أو جعله صدقة لم يبرأ على الأصح.
قال الحارثي: والمنصوص عدم البراءه. اختاره ابن أبي موسى والقاضيان
أبو يعلى ويعقوب بن إبراهيم. انتهى.
_________________
(١) في ج: أحد.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وفيه رواية.
وأما كونه لا يبرأ إذا سلمه إليه على أنه رهن أو وديعة أو مستأجر أو ليقصره أو يخيطه ونحو ذلك؛ فإن قبضه في هذه الصور كلها على وجه الأمانة. فلم يعد إليه بذلك سلطانه. وهو تمكينه (^١) من التصرف فيه بكل ما أراد.
وفيه وجه: يبرأ بذلك.
(وإن أعيره) أي: تسلم المالك المغصوب من غاصبه على وجه العارية: (برئ) الغاصب بذلك، لأن المالك وإن جهل أن العارية ملكه فالعارية موجبة للضمان على المستعير، ولو وجب على الغاصب ضمان قيمتها لرجع بهما على المستعير، فلا فائدة في تضمينه شيئًا يرجع به على من ضمنه له.
وقيل: إذا لم يعلم لم يبرأ. وجزم به في " التلخيص ".
قال الحارثي: ومقتضى النص الضمان.
وأما قيمة المنافع فلا يبرأ الغاصب من عهدتها مع جهل المالك أن العارية ملكه.
قال المجد في " شرح الهداية ": فإن أعاره من المالك ولم يعلم: لم يبرأ
من ضمان الغصب بحيب يجب له عليه أجرة المنافع التي تلفت تحت يده وإن كان هو قد استوفاها كما يجب له عليه قيمة الطعام الذي أباحه إياه أو وهبه منه. ذكره ابن عقيل وهو صحيح. انتهى.
وكبراءة الغاصب برد العين إلى مالك على وجه الإعارة يحصل له البراءة أيضًا؛ (كصدور ما تقدم) من الصور إذا صدرت (من مالك لغاصب) بأن يأمر المالك الغاصب بأن يأكل الطعام المغصوب، أو أن يطعمه لغيره، أو يقرض المالك الغاصب الدراهم المغصوبة، أو يبيع العين المغصوبة لغاصبها، أو يهبها، او يتصدق بها عليه، أو يعيرها له، أو يرهنها منه، أو يودعه إياها، أو يؤجرها له، أو يستأجر المالك الغاصب على قصارة الثوب المغصوب على خياطته، أو على نسج الغزل المنسوج، أو على تعلم العبد المغصوب. فإن
_________________
(١) في أ: تمكنه، وفي ب: تملكه.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
ذلك كله مبرئ للغاصب من الغصب ومزيل لحكمه. وإن كان في بعض صوره ما يكون في ضمان الغاصب؛ كما لو أقرضه الدراهم المغصوبة فإن حكم الغصب فيها إذا اتجر بها الغاصب: أن الربح يكون لمالكها. والحكم فيها بعد اقتراضها من مالكها: أن الربح يكود للذي اغتصبها ثم اقترضها.
(وكما لو زوجه) أي: زوج مالك الأمة (المغصوبة) لغاصبها فإن الغاصب يبرأ من عهدة غصبها، وتصير بيده أمانة كما لو لم يغصبها قبل تزويجها؛ لأن إتلاف الغصب حصل بأمر مالكه وإبقائه في يد الغاصب حصل برضى مالكه. أشبه ما لو لم يتقدم ذلك غصب.
(ومن اشترى أرضًا فغرس) فيها (أو بنى فيها، فخرجت مستحقة) أي:
تبين أنه ليس لبائعها ولاية بيعها، (وقلع غرسه) أي: غرس المشتري (أو بناءه)؛ لكونه وضع بغير حق: (رجع) مشتر (على بائع بما غرمه) بسبب ذلك من ثمن أقبضه وأجرة غارس وبان وثمن مؤن مستهلكة وأرش نقص بقلع ونحو. ذلك؛ لأنه ببيعه إياها غره وأوهمه أنها ملكه وكان ذلك سببًا في بنائه وغراسه فرجع عليه بما غرمه. ذكر القاضي المسألة في القسمة ووافقه المتأخرون.
وعلم من ذلك: أن لمستحق الأرض قلع الغرس والبناء من غير ضمان نقص؛ لأنه وضع في ملكه بغير إذنه. فكان له قلعه مجانًا؛ كغرس الغاصب. وعنه: ليس له قلعه إلا إن ضمن نقصه. ويرجع به على البائع.
وعنه: لا قلع ويأخذه رب الأرض بقيمته. نقله حرب.
(ومن) اشترى شيئًا ثم (أخذ) أي: انتزع (منه بحجة مطلقة) أي: بإقامة
بينة شهدت للمدعي بالملك المطلق في (ما اشتراه) المدعى عليه: (رد بائعه) للمشتري (ما قبضه) منه من الثمن لفساد العقد بخروجه مستحقًا.
وقيل: إن سبق الملك الشراء بأن شهدا للمدعي بالملك في زمن سابق على
زمن الشراء: لزمه رد ما قبضه، وإلا فلا؛ لاحتمال حدوث ملك ناشئ عن المشتري؛ كما لو باعه لإنسان ثم غصبه منه.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
(ومن اشترى قِنًّا) من إنسان (فأعتقه، فادعى شخص أن البائع) للمعتق (غصبه منه) ولا بينة، (فصدقه) على ما ادعاه (أحدهما) أي: البائع أو المشتري: (لم يقبل على الآخر)، لأنه لا يقبل إقراره في حق غيره.
(وإن صدقاه) أي: البائع والمشتري (مع) القن (المبيع: لم يبطل عتقه) بذلك؛ لأن الحرية حق يتعلق به حق الله تعالى. ولهذا لو شهد شاهدان بعتق عبد مع اتفاق السيد والعبد على الرق: قبلت شهادتهما. ولو قال إنسان: أنا حر ثم أقر بالرق: لم يقبل إقراره.
(و) على هذا (يستقر الضمان) أي: ضمان (^١) الثمن حين العقد، وقيل:
بل قيمته حين العتق، (على معتقه) لمدعي الغصب، لاعتراف المعتق بإتلافه بالعتق مال غيره بغير إذنه.
ويرثه إن مات وارثه القريب ثم مدع. ولا ولاء] عليه [(^٢)، لأن المعتق معترف بفساد عتقه.
وقيل: يبطل عتقه حيث صدق الثلاثة المدعي ويأخذ قنه.
وإن كان المشتري لم يعتقه وأقام المدعي بينة بما ادعاه: انتقض البيع ورجع المشتري على البائع بالثمن، وكذلك إن أقر بذلك.
وإن أقر أحدهما لم يقبل على الآخر، فإن كان المقر البائع لزمته القيمة للمدعي، لأنه حال بينه وبين ملكه. ويقر المبيع بيد المشتري؛ لأنه ملكه في الظاهر وللبائع إحلافه. ثم إن كان البائع لم يقبض الثمن فليس له مطالبة المشتري؛ لأنه لا يدعيه. وإن كان قد قبض الثمن فليس للمشتري استرجاعه؛ لأنه لا يدعيه. ومتى عاد المبيع إلى البائع بفسخ أو غيره لزمه رده إلى مدعيه وله استرجاع ما أخذ منه. وإن كان إقرار البائع في مدة الخيار انفسخ البيع؛ لأنه يملك فسخه فقبل إقراره بما يفسخه. وإن كان المقر المشتري وحده لزمه رد
_________________
(١) في أ: الضمان.
(٢) زيادة من " شرح البهوتى" ٢: ٣١٦ وفي ب: ولاء ولا.
[ ٦ / ٣٣١ ]
المبيع ولم يقبل إقراره على بائعه ولا يملك الرجوع عليه بالثمن وعليه دفعه إليه إن لم يكن قبضه. وإن أقام المشتري بينة بما أقر به رجع بالثمن. وإن كان البائع المقر فأقام بينة فإن كان في حال البيع قال: بعتك عبدي هذا أو ملكي لم تقبل بينته؛ لأنه يكذبها، وإن لم يكن قال ذلك قبلت؛ لأنه يبيع ملكه وغيره. وإن أقام المدعي البينة سمعت وبطل البيع والعقد لكن لا تقبل شهادة البائع له؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا، وإن أنكراه جميعًا فله إحلافهما.
قال أحمد: في رجل يجد سرقته (^١) عند إنسان بعينها قال: هو ملكه
يأخذه. أذهب إلى حديث سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبى ﷺ: " من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به ويتبع المتاع من باعه " (^٢) . رواه هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة، وموسى بن السائب ثقة.
_________________
(١) في ب: رقبة.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠١١٩) ٥: ١٠ عن عبدالصمد ثنا عمر بن إبراهيم ثنا قتاده عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: " من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به ".
[ ٦ / ٣٣٢ ]
] فصل: في ضمان المغصوب]
(فصل. وإن أُتلف) بالبناء للمفعول (أو تلف مغصوب) بأن كان حيوانًا فقتله إنسان، أو مات حتف أنفه، أو كان حيًا فأحرقه إنسان، أو احترق بصاعقة، أو نحو ذلك: (ضمن) مغصوب (مثلي. وهو) أي: المثلي: (كل مكيل) من جميع المكيلات، (أو موزون لا صناعة فيه) أي: في الموزون، (مباحة) متصف بأنه (يصح السلم فيه) على من أتلفه أو تلف عنده (بمثله).
قال أحمد في رواية حرب: ما كان من الدراهم والدنانير أو ما يكال أو ما يوزن فعليه مثله. انتهى.
لأن المثل اقرب إلى ما ينضبط من القيمة لكونه مماثلا له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى. بخلاف القيمة فإنها مماثلة من طريق الظن والاجتهاد. فقدم ما طريقه المشاهدة؛ كالنص فإنه لما كان طريقه الإدراك بالسماع كان أولى من القياس؛ لأن طريقه الاجتهاد.
وظاهر النص المتقدم سواء تماثلت أجزاء المثلي أو تفاوتت؛ كالأثمان والحبوب والأدهان وغير ذلك.
وعنه: أن الجميع مضمون بقيمته.
قال الحارثي: ذكرها القاضي ابو الحسين في كتابه " التمام " وابو الحسين (^١)
بن بكروس في " رؤوس المسائل ". وذكره القاضي أيضًا، وذكر أيضًا أخذ القيمة في نقرة وسبيكة الأثمان وعنب ورطب وكمثرى، كما فيه صناعة مباحة لا محرمة. واما كون مباح الصناعة؛ كمعمول الحديد والنحاس والصوف والشعر
_________________
(١) في أوب: الحسن.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
المغزول يُضمن بقيمته؛ فلأن الصناعة تؤثر في القيمة وهي مختلفة، والقيمة فيه أخصر (^١) .
وخرج بقوله: يصح السلم فيه الجواهر الموزونة؛ كاللؤلؤ ونحوه فإنها
مضمونة بقيمتها.
وسيأتي الكلام في المتن على الحلي المصنوع من ذهب أو فضة.
(فإن أعوز) مثل التالف (^٢): (فـ) الواجب (قيمة مثله يوم إعوازه) أي: المثل؛ لأن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل. فاعتبرت القيمة حينئذ؛ كتلف المتقوم. ودليل وجوبها حينئذ أنه يستحق طلبها ويجب على الغاصب أداؤها. ولا يبقى وجوب المثل؛ لأنه معجوز عنه والتكليف يستدعي الوسع. ولأنه لا يستحق طلب المثل ولا استيفاءه ولا يجب على الآخر أداؤه. فلم
يكن واجبا.
وقال القاضي في الخصال: يضمنه بقيمته يوم القبض. يعني: قبض البدل.
قال في " التلخيص ": وذكره ابن عقيل.
قال الحارثي: اختاره ابن عقيل.
وعنه: يلزمه قيمته يوم تلفه.
وقيل: أكثر القيمتين اللتين إحداهما يوم التلف والأخرى يوم الإعواز.
وعنه: قيمته يوم المحاكمة.
وعنه: قيمته يوم غصبه.
وقيل: أكثر القيمتين اللتين إحداهما يوم غصبه والأخرى يوم إعوازه.
(فإن قدر) من وجب عليه المثل وأعوزه (على المثل) قبل أخذ المالك
القيمة (لا بعد أخذها: وجب)؛ لأنه الأصل وقد قدر عليه قبل أداء البدل.
_________________
(١) في أ: أحصر.
(٢) في أ: التلف.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
حتى ولو كان ذلك بعد الحكم عليه بالقيمة؛ كالمأمور بالتيمم عند ضيق الوقت وفقدالماء ثم يقدرعلى الماء قبل انقضاء الصلاة.
وعلم مما تقدم: أنه إذا قدر على المثل بعد أداء القيمة لم ترد. وهو كذلك.
قال في " الفروع ": في الأصح.
وقال في " التلخيص ": على الأظهر، وجزم به في " الفائق " و" الرعاية الصغرى " و" الحاوي الصغير ".
وقيل: ترد ويأخذ المثل.
(و) ضمن (غيره) اي: غير المثلي إذا أتلف أو تلف (بقيمته يوم تلفه).
قال في " الفروع ": نقله الجماعة.
وعنه: يوم غصبه.
وعنه: أكثرهما.
وعنه: في مغصوب بمثله، وقاله ابن أبي موسى، واختاره شيخنا، واحتج بعموم قوله تعالى (^١): (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا)] الممتحنه: ١١]. وعنه: مع مراعاة قيمته.
وعنه: غير حيوان بمثله. ذكره جماعة.
وعنه: لا يبلغ بقيمة رقيق يوم أتلفه دية حر.
وفي (^٢) " الواضح " و" الموجز ": فينقص منه عشرة دراهم.
ووجه المذهب: ما روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: " من أعتق شِرْكًا له في عبد قوم عليه قيمة العدل " (^٣) . متفق عليه.
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) في أ: في.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٨٦) ٢: ٨٩٢ كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠١) ٣: ١٢٨٦ كتاب الأيمان، باب من أعتق شركًا له في عبد.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل.
ولأن الأشياء سوى ما تقدم في المثلي لا تتساوى أجزاؤها وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها. فكانت أولى.
وتعتبر القيمة (في بلد غصبه من نقده) أي: نقد بلد الغصب؛ لأن ذلك
موضع الضمان بمقتضى التعدي.
وعنه: أنها تعتبر بمحل تلفه. جزم به في " الكافي ".
(فإن تعدد) نقد ذلك البلد بأن كان فيه نقود: (فـ) تعتبر القيمة (من غالبه)؛
لأنه الذي ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق؛ كما لو باع شيئًا بدينار مطلق وفي البلد نقود أحدها غالب: فإنه يصح البيع وينصرف الدينار إلى غالب النقد. (وكذا) أي: وكالمغصوب فيما تقدم مال (متلف بلا غصب، ومقبوض
بعقد فاسد) إذا تلف، (وما أجري مجراه) أي: مجرى ما تقدم ذكره (مما لم يدخل في ملكه) أي: ملك التالف تحت يده. يعني: أن محل ضمان المثلي بمثله والمتقوم بقيمته إن لم يدخل المضمون في ملكه. (فلو دخل) التالف في ملك من تلف تحت يده (بأن أخذ) إنسان من آخر شيئًا (معلومًا بكيل أو وزون) من مكيل أو موزون، (أو حوائج) متقومة؛ كفواكه وبقول ونحوهما (من بقال ونحوه، في أيام، ثم يحاسبه) على ما أخذ بعد ذلك: (فإنه) لا يجب عليه المثل في مثلي (^١) . و(يعطيه) بدل ذلك (بسعر يوم أخذه)؛ لتراضيهما على ذلك. (ويقوم) على ضامن بتلف إذا تلف عنده (مصوغ مباح)؛ كحلي النساء
المتخذ (من ذهب أو فضة) حيث زادت قيمته على مثل وزنه من أجل صناعته، (ؤبئر تخالف قيمته وزنه)؛ لنقص قيمته: (بـ) نقد (غير جنسه) فيقوم الذهب بالفضة والفضة بالذهب؛ لئلا يفضى تقويمه بجنسه إلى الربا.
(و) إن كان الحلي مصوغًا (منهما) أي: من الذهب والفضة معًا: قومه
المقوم (بأيهما) أي: بأي النقدين (شاء) للحاجة إلى التقويم بأحدهما؛
_________________
(١) في ب: المثلي.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
لأنهما قيم المتلفات. وليس أحدهما بأولى من الآخر. فكانت الخيرة في ذلك إلى من يخير التقويم.
(ويعطى) مالك الحلي المقوم المصوغ من النقدين (بقيمته عَرْضًا)؛ لأن أخذها من أحد النقدين يفضي إلى الربا.
وعلم مما تقدم أن الصناعة لو كانت محرمة في النقد كأوانى الذهب والفضة وحلي الرجال المحرم: لم يقوم ولم يضمن بأكثر من وزنه؛ لأن الصناعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا. وإلى ذلك اشير بقوله:
(ويضمن محرم صناعة بوزنه من جنسه). ولم يذكر بعضهم في ذلك خلافًا. وذكر صاحب " الرعايتين " رواية: أنه يضمن بقيمته. وزاد فى " الكبرى " قولًا: أنه إن جاز اتخاذه ضمن كالمباح، وإلا فلا.
(و) الواجب على غاصب (في تلف بعض مغصوب) عنده، (فتنقص
قيمة باقيه؛ كزَوْجَي خُفّ تلف أحدهما: رَدّ باق) منهما إلى مالكه، (وقيمة تالف، وأرش نقص) حصل في الباقي منهما؛ فإذا كانت قيمتهما مجتمعين ستة فى راهم فصارت قيمة الباقي منهما درهمين رده وأربعة دراهم.
وقيل: لا يلزمه أرش النقص.
ووجه المذهب: أنه نقص حصل بجنايته. فلزمه ضمانه؛ كما لو غصب
ثوبا ينقصه الشق فشقه ثم تلف أحد الشقين: فإنه يلزمه رد الباقي وقيمة التالف وأرش النقمن إن نقص. بخلاف نقص السعر فإنه لم يذهب به من المغصوب عين ولا معنى. وهاهنا فوت معنى وهو إمكان الانتفاع به، وهذا هو الموجب لنقص قيمته. وهو حاصل من جهة الغاصب. فينبغي أن يضمنه؛ كما لو فوت بصره أو سمعه أو عقله، أو فوت تركيب باب أو نحوه.
ومن غصب ثوبًا فلبسه حتى نقص بلبسه نصف قيمته ثم غلت الثياب حتى عادت (^١) قيمته كما كانت؛ مثل: إن غصب ثوبًا قيمته عشرة دراهم فنقصه لبسه
_________________
(١) في أوب: فعادت.
[ ٦ / ٣٣٧ ]
حتى صارت قيمته خمسة دراهم، ثم زادت قيمته فصارت عشرة: ردّه وأرش نقصه؛ لأن ما تلف قبل غلاء الثوب يثبت قيمته في الذمة، فلا يتغير ذلك (^١) بغلاء الثوب ولا رخصة. ولذلك لو رخصت الثياب فصارت قيمته ثلاثة: لم يلزم الغاصب إلا خمسة مع رد الثوب.
ولو تلف الثوب كله وقيمته عشرة ثم غلت الثياب فصارت قيمة الثوب عشرين: لم يلزمه إلا عشرة؛ لأنها تثبت في الذمة عشرة فلا تزداد (^٢) بغلاء الثياب ولا تنقص برخصها.
وإن لم يستعمله لكن أقام (^٣) عنده مدة لمثلها أجرة ونقصت منه أجزاء؛ كخمل المنشفة ونحوه: فعليه ضمان أجرته وأرش نقصه. وكذا إن ذهبت أجزاؤه باستعماله؛ لأن كل واحد منهما ينفرد بالإيجاب. فإذا اجتمعا وجبا؛ كما لو أقام في يده ثم تلف. والأجرة تجب في مقابلة ما يفوت من المنافع لا في مقابلة الأجزاء، ولذلك تجب الأجرة وإن لم تفت الأجزاء.
وقيل: إن ذهبت أجزاؤه بالاستعمال لم يجب إلا أكتر الأمرين من الأجر وأرش النقص؛ لأن ما نقص من الأجزاء في مقابلة الأجر.
وجوابه ما تقدم.
(و) الواجب على غاصب (في قن يأبق) من غاصبه، (ونحوه)؛ كمن يغصب جملًا فيشرد منه ويعجز عن رده: (قيمته) أي: المغصوب الآبق أو الشارد لمالكه للحيلولة (ويملكها) أي: القيمة (مالكه) أي: المغصوب بقبضها. فيصح تصرفه فيها؛ كسائر أملاكه من أجل الحيلولة. لا على سبيل العوض. ولهذا (لا) يملك (غاصب مغصوبًا) أبق أو شرد (بدفعها) أي: دفع قيمته؛ لأنه لا يصح أن يتملكه بالبيع؛ لعدم القدرة على تسليمه. فلا يصح أن يتملكه بالتضمين؛ كالتالف.
_________________
(١) في أوب: بذلك.
(٢) في ب: تزاد.
(٣) ساقط من ب.
[ ٦ / ٣٣٨ ]
ولأنه ضمن ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده (^١) . فلا يملكه بذلك؛ كما لو
كان المغصوب الآبق أم ولد أو مدبرًا.
وقال القاضي في " التعليق " ومن تبعه: إن رب العين المغصوبة لا يملك القيمة وإنما يباح له الانتفاع بها بإزاء ما فاته من منافع العين المغصوبة.
وقال في " التلخيص ": ولا يجبر المالك على أخذها ولا يصح الإبراء منها
ولا يتعلق الحق بالبدل فلا ينتقل إلى الذمة، وإنما يثبت جواز الأخذ دفعًا للضرر فتوقف (^٢) على خيرته. انتهى.
وحيث تقرر: أن الغاصب لا يملك المغصوب الآبق أو الشارد (^٣) بدفع قيمته (^٤) (فمتى قدر) عليه: (رده) وجوبا بزيادته، لأنها تابعة للأصل، (وأخذها) أي: القيمة التي دفعها بعينها إن كانت باقية، لأنه إنما وجب دفعها من أجل الحيلولة وقد زالت فيجب رد ما أخذ من أجلها.
قال في " الإنصاف ": ويرد زوائدها المتصلة من سمن ونحوه ولا يرد المنفصلة بلا نزاع. انتهى.
وقال المجد في " شرح الهداية ": فصل: قد ذكرنا أنه إذا غصب عبدًا فأبق وضمنه ثم رجع رده وأخذ القيمة بعينها إن كانت قائمة أو بدلها إن كانت تالفة، وأنها إذا كانت قائمة ولها زيادة منفصلة، كالولد والثمر لم يتبعها. هذا قول أصحابنا والشافعي. قال: وعندي أن هذ لا يتصور؛ لأن الشجر والحيوان لا يكون أبدًا في نفسه نفس القيمة الواجبة بل بدل عنها، فصارت الشجرة أو الأمة أو البهيمة بدلًا عن القيمة الواجبة، فإذا رجع المغصوب رد القيمة لا بدلها ولاثمراته؛ كمن باع سلعة بدراهم ثم أخذ عنها ذهبًا أو سلعة ثم رد المبيع بالعيب فإنه يرجع بدراهم لا ببدلها انتهى. وهو كما قال.
_________________
(١) في أ: مدة.
(٢) في أ: فوقف.
(٣) في أ: والشارد.
(٤) في أ: القيمة.
[ ٦ / ٣٣٩ ]
وإلى حالة التلف أشير في المتن بقوله:
(أو بدلها إن تلفت) وبدلها هو مثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو قيمتها إن كانت من المتقومات.
(و) الواجب على غاصب (في عصير تخمر) عنده (مثله)؛ لأنه بذهاب ماليته بتخمره قد صار في حكم التالف. فوجب مثله؛ كباقي المائعات.
وقيل: قيمته.
واختلفت نسخ " المقنع " في ذلك ففي بعضها فعليه مثله وفي بعضها فعليه قيمته.
قال الحارثي عن القول بوجوب القيمة: وليس بالجيد.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو بعيد جدًا. انتهى.
(ومتى انقلب خلا) عنده: (رده) إلى مالكه؛ لأنه عين ماله، (و) رد
معه (أرش نقصه) إن نقص قيمته خلا عن فيمته عصيرًا؛ لأنه نقص حصل تحت يد الغاصب. فضمنه؛ كما لوكان جزءًا منه، و(كما لونقص بلا تخمر) بأن صار ابتداء خلا، وكما لو غصب شابة فهرمت عنده فنقصت قيمتها بالهرم.
وفي عيون المسائل ": لا يلزمه قيمة العصير؛ لأن الخل عينه كحمل صار كبشًا.
(و) متى رد الغاصب الخل وأرش نقص العصير إن كان (استرجع البدل) وهو مثل العصير الذي كان دفعه لمالكه؛ لأن الخل عين العصير وقد وجب عليه رده بعود ماليته بتخلله. فكان له استرجاع ما أداه بدلًا عنه؛ كما لو عجز عن رده ثم قدر عليه.
ومن غصب صاعًا من (^١) عصير وغلاه حتى ذهب نصفه فإن لم تنقص قيمته فقيل: لا يضمن شيئا؛ لأن الذاهب منه أجزاء مائية ورطوبات (^٢) لا قيمة لها.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: من عصير ورطوبات.
[ ٦ / ٣٤٠ ]
قال المجد في " شرح الهداية " عقب حكايته هذا القول عن ابن شريح الشافعي: وهذا مذهب أصحابنا القاضي وابن عقيل. انتهى.
وقيل: عليه مثل نقصه. قدمه في " الفروع "، وحكاه في " الإنصاف " عن
الأصحاب.
وكما لو كان زيتًا أو نحوه.
قال المجد في مسألة الزيت: لزمه نصف صاع مثله فهذا مذهب الشافعي ومذهبنا. قاله القاضي وابن عقيل.
قال: ويتخرج أن يحتسب له بزيادة القيمة على رواية الجوزجانى. انتهى.
وإن نقصت قيمة العصير أو الزيت بغليانه: كان عليه أرش نقصه. سواء قلنا يلزمه مثل ما نقص من عينه أو لا.
(وما صحت إجارته: من مغصوب، و) من (مقبوض بعقد فاسد)؛ كالعقار والسفن والرقيق والدواب: (فعلى غاصب وقابض) بالعقد الفاسد (أجر مثله مدة مقامه بيده). والمراد بالعقد الفاسد: هنا ما يجب الضمان في صحيحه؛ كالبيع والإجارة. بخلاف عقود الأمانات؛ كالوكالة والمضاربة والوديعة وعقود التبرعات؛ كالهبة والوصية والصدقة فإنه لا يجب الضمان في صحيحها. ولهذا يرجع من غرم بسبب ذلك شيئًا على الغاصب بما غرمه.
قال في. " الإنصاف ": منافع المقبوض بعقد فاسد؛ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت. انتهى.
قال الشارح مشيرا إلى الغاصب: سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب.
هذا المعروف في المذهب. نص عليه أحمد في رواية الأثرم.
وقال الموفق في " المقنع ": وعنه: التوقف عن ذلك.
قال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه. انتهى.
وقال في " الفروع ": وما تصح إجارته لزمه أجرة مثله. نص عليه في
[ ٦ / ٣٤١ ]
قضايا وفيها انتفاع. ونقل ابن الحكم: لا مطلقًا. وظاهر " المبهج " التفرقة، واختاره بعضهم، وجعله شيخنا ظاهر ما نقل عنه.
نقل ابن منصور: إن زرع بلا إذن عليه أجرة الأرض بقدر ما استغلها إلى رده
أو إتلافه ورد قيمته (^١) .
وقيل: وبعدها مع بقائه. انتهى.
فمراد صاحب. " الفروع " بنقل ابن الحكم رواية التوقف المذكورة في
" المقنع "، لأن هناك نص صريح في نفي إيجاب الأجرة كما هو ظاهر العبارة؛ لأن الذي روي عن محمد بن الحكم عن أحمد: فيمن غصب دارًا فسكنها عشرين سنة: لا أجترئ أن أقول عليه أجرة سكنى. وهذا يدل على توقفه على إيجاب الأجر. واستدل أبو بكر على رجوعه عنه بأن ابن الحكم مات قبل الإمام بعشرين سنة.
قال الحارثي: الاستدلال على الرجوع بتقدم وفاة محمد بن الحكم لايصح. فإن من تًا خرت وفاته من الجائز أن يكون منهم من سمع قبل سماع محمد بن الحكم. لا سيما أبو طالب فإنه قديم الصحبة لأحمد. قال: وأحسمن منه التأنس بما روي أن ابن منصور بلغه أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي علقها. فجمعها في جراب وحملها على ظهره وخرج إلى بغداد، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة فأقر له بها ثانيًا.
فالظاهر: أن ذلك كان بعد موت محمد بن الحكم، وقبل وفاة أحمد بيسير.
وابن منصور ممن روى الضمان فيكون متأخرًا عن رواية ابن الحكم. انتهى. واحتج من لم يوجب الأجر على الغاصب بقول النبي ﷺ: " الخراج بالضمان" (^٢) . وضمان المغصوب على الغاصب.
_________________
(١) في ب: وقيمته.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥١٠) ٣: ٢٨٤ كتاب الإجارة، باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٨٦) ٣: ٥٨٢ كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد فيه عيبًا. واخرجه النسائي في " سننه " (٤٤٩٠) ٧: ٢٥٤ كتاب البيوع، الخراج بالضمان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٢٤٣) ٢: ٧٥٤ كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان.
[ ٦ / ٣٤٢ ]
ولأنه استوفى منفعة بغير عقد ولا شبهة ملك. أشبه ما لو زنى بامرأة مطاوعة.
ولنا: أن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد جاز أن يضفنه بمجرد
التلف؛ كالأعيان.
ولأنه أتلف متقومًا. فوجب ضمانه؛ كالأعيان.
أو يقال: مال متقوم مغصوب. فوجب ضمانه؛ كالعين.
وأما الخبر فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع.
ولا يشبه الزنا؛ لأنها رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض ولا عقد يقتضي العوض. فكان بمنزلة من أعاره داره. ولو أكرهها عليه لزمه مهرها.
وعلم مما تقدم أن ما لا تصح إجارته لا يكون على غاصبه وقابضه بعقد فاسد
عوض عن إقامته عنده. فلو غصب إنسان طائرًا بقصد صوته ومكث عنده مدة ثم جاء صاحبه يطلبه لم يكن له سوى أخذه. وكذا لو غصب فحلًا من غنم أو نحوها وأقام عنده مدة يستطرقه ولم تنقص قيمته فإنه ليس له عليه سوى رده.
(ومع عجز عن رد) لما تصح إجارته تلزم غاصبه أو قابضه بعقد فاسد أجرته
(إلى) وقت (أداء قيمته)؛ لأن مالكه بقبض قيمته استحق الانتفاع ببدله الذي هو قيمته. فلا يستحق الانتفاع به وببدله الذي قام مقامه.
وقيل: يجب لمالكه الأجرة إلى حين رده؛ لأن العين باقية على ملكه والمنفعة له.
(ومع تلف) للمغصوب أو المقبوض بعقد فاسد (فإليه) أي: فإلى حين
التلف تلزم أجرته للمالك؛ لأنه من حين التلف لم تبق له منفعة حتى توجب عليه. ضمانها؛ كما لو أتلفه إنسان من غير غصب أو قبض.
ويقبل قول غاصبه وقابضه في تلفه.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
قال في " الفروع ": في الأصح. فيطالبه مالكه ببدله.
وقيل: لا، لأنه لا يدعيه.
(و) كذا (يقبل قوله في وقته) أي: وقت التلف لما تصح (^١) إجارته،
لتسقط عنه الأجرة من ذلك الوقت بيمينه فيهما؛ لأنه منكر والقول قول المنكر. (وإلا) أي: وإن لم تصح إجارة المغصوب والمقبوض بعقد فاسد (فلا)
يلزم غاصبه ولا قابضه بعقد فاسد أجرة له. وذلك (كغنم وشجر وطير) ولو قصد صوتها، (ونحوها)، كشمع وكل مطعوم ومشروب (مما لا منافع لها يستحق بها عوض) غالبًا. فلا يرد عليه صحة استئجار الغنم لدياس الزرع والشجر للنشر؛ لندرة ذلك.
ومن غصب جارية ومضى عليها عنده زمن ولم يطأها: لم يلزمه مهرها؛ لأن
منفعه البضع لا تقدربزمن فيتلفها مضي الزمن (^٢) . بخلاف غيرها من المنافع.
ولأنها لا تضمن إلا بالاسيتفاء. بدليل أن من فارق قبل دخول في نكاح (^٣)
فاسد لايجب عليه شيء.
(ويلزم) غاصبًا وقابضًا بعقد فاسد (في قن ذي صنائع) أي: يحسن أكثر
من صنعة إذا اقام زمنًا لمثله أجرة عنده: (أجرة أعلاها) أي: أعلا الصنائع التي يحسنها (فقط)؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به في صنعتين معًا في آن واحد.
ولأن غاية ما يحصل لسيده به من النفع أن يستعمله في أعلا ما يحسنه من الصنائع. فكان له قيمة منفعته في تلك الصنعة .. والله ﷾ أعلم (^٤) .
_________________
(١) في أ: تصلح.
(٢) في أوب: الزمان.
(٣) في أ: النكاح.
(٤) في ب: والله أعلم.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
(فصل): في حكم تصرفات الغاصب
وغير ذلك.
(وحرم تصرف غاصب) وكذا غيره ممن يعلم الحال (في مغصوب، بما)
أي: بفعل (ليس له حكم من صحة وفساد) أي: بما لا يوصف بصحة ولا
بفساد، (كإتلاف) للمغصوب، (وإستعمال) له، (كلبس، ونحوه)،
كاستخدام، وكذبح المغصوب بآلة مغصوبة.
ولا يحرم بذلك المأكول على الأصح. وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك في
باب الذكاة إن شاء الله تعالى.
(وكذا) أي: وكما يحرم تصرف الغاصب في المغصوب بما ليس له حكم
من صحة وفساد يحرم (بما له حكم) أي: بما يوصف بأنه صحيح تارة وفاسد
اخرى (^١)، وذلك (كعبادة)، بان يتوضأ بالماء المغصوب، أو يتيمم بالتراب،
أو يصلي في الثوب المغصوب أو في الدار المغصوبة، أو يخرج الزكاة من المال المغصوب، أو يحج منه ونحو ذلك. بخلاف عبادة لا تحتاج إلى شيء من نحو
ذلك، كالصوم والذكر والاعتقاد فإنها لا مدخل لها فيها في باب الغصب.
(وكعقد)، كما لو باع المغصوب أو أجره أو أعاره أو وهبه.
(ولا يصحان) أي: عبادة الغاصب على الوجه المذكور ولا عقده فيكونان
باطلين مطلقا على الصحيح.
قال في " الفروع " في كتاب البيع: اختاره الأكثر.
وعنه: انها صحيحة.
_________________
(١) في ا: الأخرى.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
قال الشارح: وهذا ينبغي ان يتقيد بالعقود (^١) بما لم يبطله المالك، فأما إن
اختار المالك إبطاله فأخذ المعقود عليه ولا نعلم فيه خلافا. وأما ما لم يدركه
المالك فوجه " التصحيح " فيه: أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته، ففي
القضاء ببطلانها ضرر كثير وربما عاد الضرر على المالك فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه وزيادته، والحكم ببطلانها يمنع
ذلك. انتهي.
وعنه: أن تصرفاته بالعقود موقوفة على إجازة المالك.
(وإن اتجر) غاصب (بعين مغصوبة أو) عين (ثمنه)، بأن اشترى بذلك
وباع وحصل ربح، أو اشترى بذلك شيئا وظهر منه ربح وهو باق: (فالربح وما اشتراه ولو) كان الثمن الذي اشتراه به (في ذمته بنية نقده) أي: بنية أن ينقد
البائع عين المغصوب أو ثمنه، (ثم نقده) أياه: يكونان (لمالك) دون غاصب.
وظاهره: سواء قلنا بصحة الشراء أو ببطلانه لإطلاق الأكثر. وهو ظاهر ما
قدمه في" الفروع ". وعبارته: ولو اتجر بالنقد فربحه لربه. نقله الجماعة،
واحتج بخبر عروة بن الجعد (^٢) .
قال الجماعة منهم صاحب" الفنون " و" الترغيب ": إن صح الشراء نقل
حرب في خبر عروة إنما جاز لأن النبي ﷺ جوزه له.
وعنه: يتصدق به. وكذا ان اشترى في ذمته.
وقال صاحب " المحرر ": بنية نقده.
وعنه: ربحه له وله الوطء. نقله المروذي.
فعلى هذا إن أراد التخلص من شبهة بيده اشترى في ذمته ثم نقدها. وقاله
القاضي وابن عقيل وذكره عن أحمد. انتهي.
_________________
(١) في ب: في العقود.
(٢) عن عروة البارقى قال: " أعطاه النبي ﷺ دينارا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى ساتين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٣٨٤) ٣: ٥٦ ٢ كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف.
[ ٦ / ٣٤٦ ]
أما كون الربح للمالك في صورة الشراء بعين المغصوب، فلأنه نماء ملكه.
وأما (^١) كونه للمالك في صورة الشراء في الذمة، فلأن نية نقد المغصوب
قامت مقام الشراء بعينه.
ولأنه يلزم من القول بأنه للغاصب بأن يتخذ ذلك طريق إلى تملك ربح مال
الغير بغصبه ودفعه ثمنا عما يشتريه في ذمته.
ولأنه حيث تعين (^٢) جعل الربح للغاصب أو المالك: كان المالك أولى،
لأنه في مقابلة نفع ماله الذي فاته.
وعنه: فيما إذا اشترى في ذمته ثم نقدها إن الربح للمشتري ويكون عليه بدل المغصوب.
وعنه: يتصدق به. نقلها الشريف، لوقوع الخلاف فيه.
وقولي: بنية نقده تبعت فيه صاحب " المحرر " و" الوجيز " و" المنور "
وصاحب " التذكرة "، لما ظهر لي أنه مراد من اطلق. ومما يوضح ذلك: أن
الشارح نقل هذه العبارة عن صاحب " المحرر " في معرض الاستدلال
للمذهب، ولم نعهد له نقلا (^٣) عنه في غير هذه المسألة فإنه ذكر في المسألة
احتمالين، ثم قال عن الثاني الذي هو المذهب: وهذا هو المشهور في
المذهب.
قال صاحب " المحرر ": إذا اشترى في ذمته بنية نقدها فقوله.
قال صاحب " المحرر ": وكذا يدل على اعتباره عنه؟ لأنه إذا اشترى لنفسه
شيئا في ذمته ولم ينو إقباض ثمنه من المال المغصوب كان بمثابة من اشترى شيئا بدينار في ذمته ثم باع ذلك الشيء بربح ثم غصب دينارا وأقبضه عما استحق في ذمته قبل غصبه. وغاية ذلك أن الإقباض غير مبرئ لفساده. أشبه ما لو دفعه عن
_________________
(١) في أ: وإنما.
(٢) في أوب: تغير.
(٣) في ج: نقل.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
بدل قرض في ذمته.
وظاهر ما تقدم صحة شراء الغاصب في ذمته.
قال في " الإنصاف ": وصحة العقد نص عليها في رواية المروذي.
وحكى القاضي في " التعليق الكبير " وجها: يكون العقد موقوفا على إجازة
المالك، إن أجازه صح وإلا بطل. قال: وهو أصح ما يقال في المسألة.
قال الحارثي: وهو مأخوذ من مثله في مسألة الفضولي. قال: وهو
مشكل. إذ كيف يقف تصرف الانسان لنفسه على إجازة غيره؟ انتهي.
ولو اتجر مودع بالوديعة فالربح لمالكها.
قال في " الإنصاف ": على الإصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية
الجماعة، ونقل حنبل: ليس لواحد منهما ويتصدق به.
قال الحارثي: وهذا من أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب
المختار في تصرف الغاصب وهو قوي. انتهي.
ولو قارض بالمغصوب أو الوديعة بأن أعطى ذلك الغاصب أو المودع لمن
يعمل فيه بجزء من ربحه: فالربح على ما تقدم. ولا شيء لعامل علم الحال،
وإن جهله فله مطالبة الغاصب أو (^١) المودع بأجرة مثله.
(وإن اختلفا) أي: الغاصب والمالك (في قيمة مغصوب) تلف (أو
قدره، أو حدوث عيبه، أو صناعة فيه) باٌن قال المالك: كان العبد الذي
غصبتنيه وتلف عندك كاتبا، فقال الغاصب: لم يكن كاتبا.
(أو) اختلفا في (ملك ثوب) عليه، (أو) ملك (سرج عليه) أي: على
الحيوان المغصوب ولا بينه للمالك بما ينكره غاصب في جميع ما ذكر: (فقول غاصب) بيمينه، لأنه منكر. فلم يلزمه شئ لم تقم عليه به (^٢) حجه.
_________________
(١) ساقط من ا.
(٢) في أوب: به عليه.
[ ٦ / ٣٤٨ ]
وكما لو ادعى عليه بدين وأنكر بعضه.
ولأن الأصل براءة الذمة في الزائد وعدم الصناعة في المغصوب وملك الثوب
أو السرج أو نحوهما لمن هو بيده.
(و) إن اختلفا (في رده) أي:. رد المغصوب إلى مالكه (أو) في وجود
(عيب فيه)، كما لو قال الغاصب: كان يبول في الفراش، أو كانت به سلعة،
أو كانت إبهامه مقطوعة أو نحو ذلك: (فقول مالك) بيمينه على نفي ذلك " لأن الأصل عدم الرد والعيب.
وإن اتفقا على أنه كان به عيب أو قامت به بينة، وقال الغاصب: غصبته وبه
العيب، وقال المالك: بل حدث عندك. فالقول قول الغاصب بيمينه " لأنه
غارم. والظاهر: أن صفة المغصوب لم تتغير.
وفيه وجه: قول المالك.
(ومن) أي: وأي انسان (بيده غصوب) لا يعرف اربابها.
ونقل الأثرم وغيره: أو علم رب المغصوب الذي بيده ويشق دفعه إليه وهو
يسير كحبه.
(أو) كان بيده (رهون) لا لعرف أربابها.
ونقل أبو الحارث: أو علم المرتهن رب المال (^١) لكنه أيس منه.
(أو) كان بيده (أمانات)، كالودائع، (لا يعرف اربابها)، أو عرفهم
ولكنهم فقدوا وليس لهم ورثة، (فسلمهما) أي: سلم ما بيده مما تقدم ذكره
(إلى حاكم ويلزمه) أي: ويلزم الحاكم (قبولها: برى) من كانت عنده
تسليمها للحاكم (من عهدتها)، لأن قبض الحاكم لها قائم مقام قبض اربابها،
(وله) أى: ولمن بيده هذه الأشياء المذكورة إن لم يدفسها إلى الحاكم
(الصدقة بها).
_________________
(١) في أوب: الرهن.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
ونقل المروذي على فقراء مكانه أي: مكان الغاصب إن عرفه، لأن دية قتيل
يوجد عليهم.
ونقل صالح: أو بالقيمة، وله شراء عرض بنقد ولا يجوز في ذلك محاباة
قريب أو غيره (^١) نصا، وظاهر نقل حرب في محاباة غير القريب الكراهة.
قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلامه في غير موضع.
(عنهم) أي: عن أربابها بدون إذن حاكم.
قال ابن رجب: قولا واحدا على أصح الطريقين.
وعلى الثانية: فيه روايتان وهي طريقة القاضي في " كتاب الرواتين " وفي
موضع من " المجرد "، وجزم في موضع اخر منه يتوقف التصرف على إذن الحاكم. والأولى أصح. انتهي.
ثم قال عقب مسألة الغصوب: وكذلك حكم المسروق ونحوه. نص عليه،
وكلامه (^٢) المنقول أولا فيما هو أعم.
(بشرط ضمانها) لأربابها، لان الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك
لا على وجه بدل وهو غير جائز.
ونقل المروذي: تعجبني الصدقة به.
وفي " الغنية ": عنيه ذلك.
والمذهب: أنه مخير بين أن يدفعه للحاكم أو يتصدق به بشرط الضمان.
(كلقطة) حرم التقاطها] أو لم يعرفها] (^٣) .
(ويسقط عنه) أي: عن الغاصب أو السارق (إثم الغصب) أو السرقة، لأنه
معذور بعجزه عن الرد لجهله بالمالك. فإذا تصدق بها عن أربابها كان ثوابها لهم.
_________________
(١) في ا: غير.
(٢) في اوب: وكلام.
(٣) زيادة من ج.
[ ٦ / ٣٥٠ ]
ولأن في الصدقة جمعا بين مصلحة الغاصب ونحوه بتبرئة ذمته ومصلحة
المالك بتحصيل الثواب له.
ولأن قضاء الحقوق في الآخرة بالحسنات وحمل السيئات. فإذا طلب من
بيده شيء عوضه أحالهم بثواب الصدقة.
وإذا تصدق بالمال من كان بيده ثم حضر. المالك: خير بين الأجر وبين
الأخذ من المتصدق، فان اختار الأجر فذاك وإن اختار الأخذ فله ذلك والأجر
للغارم. نص عليه في الرهن. قاله الحارثي.
قال في "الفروع " ولم يذكر اصحابنا غير الصدقة. ونقل إبراهيم بن هانئ:
يتصدق أو يشتري به كراعا أو سلاحا يوقف. هو مصلحة للمسلمين (^١) .
وسأله جعفر عمن بيده أرض أو كرم ليس أصله طيبا ولا يعرف ربه، قال:
يوقفه على المساكين.
وسأله المروذي عمن مات وكان يدخل في أمور تكره فيريد بعض ولده
التنزه، فقال: إذا وقفها علي المساكين فأي شيء بقي عليه؟. واستحسن أن
يوقفها على المساكين (^٢) . ويتوجه على أفضل البر. انتهي.
(وليس له) أي: وليس لمن قلنا إن له أن يتصدق بالأشياء التي في يده عن
أربابها (التوسع بشيء منها، وإن) كان (فقيرا) أي: من أهل الصدقة. نص
عليه.
فائدة:
فال ابن رجب في القاعدة السابعة والتسعين بعد ذكره مسألة التصدق
بالغصوب التي جهل ربها: تنبيهان:
أحدهما: الديون المستحقة، كالأعيان يتصدق بها عن مستحقيها. نص
عليه. مع أنه نص على أن من قال لغريمه: تصدق عني بديني الذي عليك لم يبرأ
_________________
(١) في أ: المسلمين.
(٢) في ب وج: المسلمين.
[ ٦ / ٣٥١ ]
بالصدقة عنه. ولو وكله في قبضه من نفسه حيب لم يتعين المدفوع ملكا له، فإن
الدين لا يتعين ملكه فيه بدون قبضه أو قبض وكيله.
وفرق القاضي في " خلافه " بين أن يكون المأمور بالدفع إليه معينا أو غير
معين. فإن كان معينًا برئ بالدفع إليه، كالوكيل.
وخرج في " المجرد " المسألة على بيع الوكيل من نفسه نظرا إلى أن العلة هي القبض من نفسه حيث وكله المالك في التعيين والقبض وقد أطلق هاهنا جواز
الصدقة عنه، فأما ان يكون هذا رواية ثانية بالجواز مطلقا أو محمولا على حال (^١) تعذر وجود المالك أو وكيله وهو الأقرب. وكذلك نص في رواية أبي طالب:
فيمن عليه دين لرجل وقد مات وعليه ديون للناس، يقضى عنه دينه بالدين الذي عليه: أنه يبرأ به (^٢) في الباطن.
والثاني: إذا أراد من بيده عين جهل مالكها ان يتملكها ويتصدق بقيمتها عن
مالك، فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى اجرا وعلم أن البائع باعه ما لا يملك ولا يعرف له أربابا: أرجو أن أخرج قيمة الاجر فتصدق به أن ينجو من إثمه.
وقد يتخرج فيه خلاف من جواز شراء الوكيل من نفسه. ويشهد له اختلاف
الرواية عنه فيمن له دين وعنده به رهن وانقطع خبر صاحبه وباعه هل له أن يستوفي دينه منه ويتصدق بالفاضل أم يتصدق به كله؟ على روايتين " لأن فيه استيفاء للحق بنفسه من تحت يده. واختار ابن عقيل جوازه مطلقا. وخرجه من بيع الوكيل من نفسه ومن مواضع أخر. انتهي.
(ومن لم يقدر على) أن يًاكل من (مباح) بأن عدم المباح: (لم يأكل من
حرام ما) أي: شيئا (له غنية عنه، كحلوى، ونحوها)، كفاكهة (^٣) .
قال في " الفروع " وإن لم ييق درهم مباح ففي " النوادر " يأكل عادته لا ما له
_________________
(١) في اوب: حاله.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: كفو اكه.
[ ٦ / ٣٥٢ ]
عنه غنية، كحلوى وفاكهة (^١) .
واقتصر عليه. ولعل وجه ذلك: أنه لما لم- يقدر على غيره أبيح له الأكل منه
بقدر الحاجة فقط إذ لا داعي الى الزيادة. والله أعلم.
(ولو نوى) إنسان (جحد ما بيده من ذلك) أي: من المغصوب (^٢) أو
الأمانات أو ما في معناهما.
(أو) نوى جحد (حق) أي: دين (عليه في حياة ربه) أي: رب ما نوي
جحده: (فثوابه له) أي: لربه، لأن نية جحده قائمة مقام إتلافه إذا. فكانه لم
ينتقل لورثة ربه بموته فكان ثوابه له.
(وإلا) أي: وإن لم ينو جحده حتى مات ربه: (ف) ثوابه (لورثته).
نقله ابن الحكم، لأنه إنما عدم عليهم.
(ولو ندم) غاصب على فعله وقد مات المغصوب منه، (ورد ما غصبه على
الورثة: برئ من إثمه) أي: إثم المال المغصوب، لانه وصل إلى مستحقه.
(لا من إثم الغصب).
قال في " الفروع " نقله حرب. وعند شيخنا: له مطالبته لتفويته الإنتفاع به
حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه. ونقله حنبل.
قال شيخنا: ولو حبسه عند وقت حاجته، كمدة شبابه ثم رده في مشيبه
فتفويت تلك المنفعة ظلم يفتقر إلى جزاء.
وقال ابن عقيل- وأظن والقاضي أيضا-: معنى رواية حرب: " برئ من إثم
ذلك ": برئ من إثم الغصب وبقي إثم ما ادخل على قلب مالكه من ألم الغصب ومضرة المنع من ملكه مدة حياته فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة.
وذكر أبو يعلى الصغير أن بالضمان والقضاء بلا توبة يزول حق الآدمي ويبقي
_________________
(١) في ج: وفواكه.
(٢) في أ: الغصوب.
[ ٦ / ٣٥٣ ]
مجرد حق الله] ﷾] (^١) .
نقل عبدالله: فيمن ادان على أن يؤديه فعجز: هذا أسهل من الذي اختان.
وان مات على عدمه فهذا واجب عليه.
قال شيخنا: يرجى ان يقضيه الله عنه.
وقال جده: لا يطالب به في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال أبو يعلى الصغير: بما يقتضي أنه محل وفاق. انتهي.
(ولو) مات الغاصب والمغصوب عنده ثم (رده ورثة غاصب) إلى ورثة
المغصوب منه: (فلمغصوب منه مطالبته) أي: أن يطالب الغاصب بما غصبه
منه (في الآخرة)، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة.
ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلم تسقط عنه برد
غيره لها إلى غير المظلوم. أشبه ما لو نجهل ورثة الغاصب المغصوب منه
فتصدقوا بالغصب على اجنبي. والله أعلم.
_________________
(١) زبادة من ج.
[ ٦ / ٣٥٤ ]
(فصل): فيما يضمن به المال من غير غصب
(ومن أتلف ولو سهوا، مالا محترما لغيره) أي: غير المتلف (بلا إذنه)
أي: إذن المالك (ومثله) أي: المتلف (يضمنه)، كما لو كان المتلف مكلفا
ملتزما والمال لمعصوم غير ابنه: (ضمنه) أي: ضمن المتلف ما أتلفه.
قال في " الشرح ": لا نعلم في ذلك خلافا، لأنه فوته عليه. فوجب عليه
ضمانه، كما لو غصبه فتلف عنده.
واحترز بالمال عن الكلب والسرجين النجس ونحوهما. وبالمحترم عن
الصليب والات اللهو، كالمزمار والطنبور (^١) ونحوهما. وبقوله: لغيره عما هو
لنفسه. وبقوله: بلا إذنه عما أذن مالكه المطلق التصرف (^٢) في إتلافه فإن
المتلف يكون حينئذ وكيلا عن مالكه في الإتلاف. وبقوله: ومثله يضمنه عما
يتلفه أهل العدل من مال أهل البغي، وعكسه حال الحرب، وعما يتلف المسلم
من مال الحربي والحربي من مال المسلم، وعما يتلفه الصغير والمجنون من مال
دفعه إليهما مالكه (^٣)، وعما يتلفه الأب من مال ولده، وعما يتلفه دفعا عن
نفسه، كما لو صال عليه رقيق أو بهيمة لمعصوم. وسيأتي الكلام في المتن على معنى ذلك.
(وإن اكره) إنسان على إتلاف مال غيره المضمون: (فمكرهه، ولو على
إتلاف مال نفسه) ضامن لما أكرهه على إتلافه، كما لو أكرهه على ما ليس
بإتلاف كإكراهه على دفع الوديعة إلى غير ربها.
قال في " الفروع ": ويرجع في الأصح مع جهله.
_________________
(١) في ا: والطبول.
(٢) في ا: المتصرف.
(٣) في أ: بمالكه.
[ ٦ / ٣٥٥ ]
وقيل: وعلمه، لإباحة إتلافه ووجوبه. بخلاف قتل، ولم يختره.
بخلاف مضطر.
وقيل: الضمان على المتلف وحده، كما لو اضطر إلى طعام غيره فأكله.
قال ابن رجب: وهذا ضعيف جدا، لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من
يحال الضمان عليه.
وقيل: الضمان بينهما لاشتراكهما في الإثم.
وهذا تصريح بأن الإكراه لا يبيح مال الغير. وهو مخالف لما ذكره صاحب
" الفروع" ولعل المسألة ذات وجهين. والله أعلم.
و(لا) يضمن المال إذا كان (غير محترم) بإتلاف، (كـ) إتلاف حيوان
(صائل) لم يندفع بدونه، (ورقيق حال قطعه الطريق، ومال حربي،
ونحوهم)، [كما لوقاتل عبد مع بغاة فقتله] (^١) اهل العدل.
وهذا وإن كان قد علم إجمالا من مفهوم ما تقدم، ففيه تنبيه على صور من
غير المحترم.
(وإن فتح) انسان (قفصا عن طائر) يملكه من يضمن الفاتح إتلاف ماله،
أو فتح اصطبل حيوان له.
(أو حل قيد قن) له، (أو أسير، أو دفع لأحدهما) أي: القن أو الأسير
(مبردا قبرده) أي: برد القيد، (أو حل فرسا) أو دابة غيرها، (أو) حل
(سفينة ففات) ذلك بأن ذهب الطائر من القفص، أو دخل إليه حيوان فقتله، أو
هرب القن أو الألسير، أو شردت الفرس ونحوها، أو غرقت السفينة لعصوف
ريح أو لا.
وقيل لا تضمن مع عصوف ريح.
(أو عقر شيء من ذلك) بسبب إطلاقه، كما لو كان الطائر جارحا فقلع عين
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
انسان أو قتل شاته ونحو ذلك، أو كانت الدابة عقورا، كما لو حل سلسلة فهد (^١)
فعقر انسانا أو دابة.
(أو اتلف) شيء من ذلك (شيئا) بأن كسر الطائر في خروجه أنية، أو كان
القن الذي حل قيده مجنونا فقتل انسانا (^٢)، أو اتلف متقوما أو مثليا، أو اتلفت
الدابة التي حلها زرعا أو غيره، أو انحدرت السفينة التي حلها على شيء
فأتلفته.
(أو) حل انسان (وكاء زق) دهن (مائع أو جامد، فأذابته الشمس، أو
بقي بعد حله) منتصبا (فألقته ريح) أو زلزلة أو طير (فإندفق)، أو خرج منه
شيء بل اسفله فسقط، أو لم يزل يميل قليلا قليلا (^٣) حتى سقط فاندفق أو لم يندفق في هذه الصور (^٤)، بل خرج ما فيه قليلا قليلا: (ضمنه) أي: ضمن
المتعدي بفتح القفص، ودفع المبرد، وحل ما تقدم ذكره ما تلف بسببه. سواء
وجد منه تنفير مع ذلك لما ينفر أو لا، أو ذهب ما حله عقب حله أو لا، لأنه
تلف حصل بسبب فعله. فلزمه ضمانه.
ولأن الطائر وسائر الصيد من عادته النفور وإنما يبقى مع المانع، فإذ أزيل
المانع ذهب (^٥) بطبعه. فكان الضمان على من ازال المانع، كمن قطع علاقة
قنديل فسقط فانكسر.
وقيل: إن كان الطائر مستأنسا لم يضمنه، لأنه في مظنة القدرة عليه فالقفص
وعدمه سواء.
وقيل: لا يضمن السفينة إذا غرقت مع عصوف ريح (^٦) .
_________________
(١) في ج: فهده-
(٢) في ا: انسان.
(٣) ساقط من ا.
(٤) في أالصوب،
(٥) في ا: ذهبا.
(٦) في ج: الريح.
[ ٦ / ٣٥٧ ]
وقيل: ولا ما في الزق إذا ألقته ريح أو زلزلة.
وقيل: ولا الطائر ولا ما حل إذا لم يذهبوا عقب الفتح أو الحل.
وقيل: ولا دافع المبرد للمقيد الذي برد به قيده وذهب.
و(لا) يضمن (دافع مفتاح) لمكان فيه مال (للص) ما سرقه اللص من
المال، لأن مباشرة اللص للسرقة بإحالة الحكم عليها أولى من الإحالة على
السبب الصادر من دافع المفتاح.
(ولا) يضمن (حابس مالك دواب). يعني: إذا حبس انسان انسانا له
دواب (فتتلف) دوابه بسبب حبسه: لم يضمنها حابسه.
قا ل في " الفروع ": ذكره في " الانتصار " و" المغني " و" الترغيب ".
وقيل: بلى.
قال في " الترغيب ": أو فتح حرزا فجاء اخر فسرق، وعند شيخنا يتوجه
فيمن حبسه عن الإنتفاع بملكه: أن يضمنه المتسبب. انتهي.
قال في " المبدع ": وينبغي أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره. انتهي.
(ولو بقي الطائر) الذي فتح عنه القفص (أو الفرس) الذي حله واقفين بعد
ذلك (حتى نفرهما) انسان (اخر) فذهبا: (ضمن المنفر) أي: اختص
ضمانهما بالمنفر، لأن سببه أخص. فاختص الضمان به، كدافع الواقع في البئر
مع حافرها.
وكذا لو حل انسان حيوانا وحرضه آخر فجنى، فإن ضمان جنايته على المحرض.
وإن وقع طائر انسان على جداره فنفره انسان فذهب لم يضمنه، لأن تنفيره
لم يكن سبب فواته فإنه كان ممتنعا قبل ذلك.
وإن رماه فقتله ضمنه وإن كان في دار الرامي، لأنه كان يمكن تنفيره بغير قتله. وكذلك لو مر طائر في هواء داره لمحر، فقتله ضمنه، لأنه لا يملك منع الطائر
من هواء الدار، فهو كما لو رده في هواء داره غيره.
[ ٦ / ٣٥٨ ]
(ومن ربط أو أوقف دابة) له أو لغيره (بطريق ولو) كان الطريق (واسعا)
نصا.
(أو ترك) انسان (بها) أي: بطريق ولو واسعا (طينا أو خشبة أو عمودا أو
حجرا أو كيس دراهم) نص عليه.
(أو أسند خشبة إلى حائط: ضمن) ذلك الانسان (ما تلف بذلك) أي:
بسبب فعله، لأنه متعد بذلك.
قال أحمد في رواية أبي الحارث: إذا أنام دابة على الطريق فهو ضامن لما
جنت. ليس له في الطريق حق. وكذلك نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية
الدابة إذا ربطها في الطريق.
قال ابن رجب: وكذلك أطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق
بين حالة الضيق والسعة. ومأخذه إن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها.
فأيقافها في الطريق بمنزلة وضع الحجر ونصب السكين فيه.
وحكى القاضي في كتاب الروايتين رواية أخرى: بعدم الضمان إذا وقف في
طريق واسع.
(ويضمن مغرما اخذه ظالم بإغرائه ودلالته.
ومن اقتنى كلبا عقورا) ولو لصيد أو ماشية، (أو) كلبا (لا يقتنى) كلغير
ذلك، (أو) اقتنى كلبا (أسود بهيما، أو) اقتنى (اسدا أو نمر اأو ذئبا، أو هرا
تأكل الطيور وتقلب القدور) حال كون ذلك (عادة) لها، (مع علمه) أي:
المقتني بذلك، (أو) اقتنى (نحوها من السباع المتوحشة)، كالدب والقرد.
قال (المنقح: وعلى قياس ذلك الكبش المعلم النطاح). انتهي.
(فعقر) شيء من ذلك ادميا أو دابة، (أو خرق ثوب من دخل) إلى منزل
المقتني له (بإذنه)، أو فعل ذلك بمن هو خارج المنزل.
[ ٦ / ٣٥٩ ]
(أو نفحت دابة بـ) مكان (ضيق من ضربها) فتلف (^١) بذلك شيء:
(ضمنه) موقف الدابة والمقتني، لأنه المتسبب في ذلك.
وعنه: لا ضمان عليه بسبب الكلب.
وعلم مما تقدم أنه لو حصل شيء من ذلك في بيت انسان من غير اقتنائه ولا
اختياره فأفسد شيئا: لم يضمنه، لانه لم يحصل الإفساد بسببه (^٢) .
قال في " الشرح ": فإذا اقتنى حمأما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط
حبا: لم يضمنه، لأن العاده إرساله. انتهي.
(ويجوز قتل هر بأكل لحم، ونحوه)، كالفواسق. قدمه في " الفروع ".
وقيده في " الفصول " بحين اكله.
وفي " الترغيب ". إن لم يندفع إلا به كصائل.
(وإن أجج) انسان (نارا) أي: أوقدها حى صارت تلتهب (بملكه.
أو سقاه) أي: سقى ملكه من شجر أو زرع أو أرض ليزرعها، (فتعدى)
ذلك (إلى ملك كيره) أي: غير الفاعل.
(لا) إن كان تعدي النار (بطريان ريح، فأتلفه) أي: أتلف المتعدي من
النار أو الماء ملك غيره: (ضمنه) الفاعل (إن افرط) بان أجج نارا تسري في
العادة لكثرتها، أو في ريح شديدة تحتملها، أو فتح ماء كثير يتعدى مثله، (أو
فرط) بأن ترك النار مؤججة، أو الماء مفتوحا ونام فحصل التلف بذلك وهو نائم. وإنما ضمن المتلف (^٣) في هذين الحالتين، لأن في الأولى متعد وفي الثانية
مقصر، وكل من ذلك موجب لضمان ما تلف بسببه من مال غيره. اشبه ما لو
با شر إتلافه.
_________________
(١) في ا: فتلفت.
(٢) في أوب: إلا بسببه.
(٣) في ب: التلف.
[ ٦ / ٣٦٠ ]
وأما كونه لا يضمن ما أتلفته النار بطريان ريح عليها فإن ذلك ليس من فعله
ولا بسبب تفريطه حيث كان حاضرها عند ذلك.
وقال فى " الرعأية " بعد ذكر المسألة: قلت: وإن كان المكان مغصوبا
ضمن مطلقا. يعني: سواء فرط أو أسرف أو لا ان لم يكن للسطح سترة وبقربه
زرع ونحوه والريح هابة، أو ارسل في الماء ما يغلب ويفيض ضمن.
وقيل: من أجج نارأ في ملك بيده له أو لغيره بإيجار أو إعارة وأسرف ضمن
وإلا فلا، وإن منع من ذلك لأذى جاره ضمن وإن لم يسرف. انتهي.
وما يبس من أغصان شجر جاره بسبب إيقاد النار ضمنه الموقد إن لم يكن في
هوائه، لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة. قاله في " الشرح ".
(ومن حفر) بنفسه، (أو حفر قنه بأمره بئرا لنفسه) أي: ليختص بنفعها
(في فنائه) أي: فناء داره.
قال في " القاموس ": وفناء الدار، ككساء ما اتسع من أمامها، وجمعه
أفنية وفني. انتهي.
(ضمن ماتلف به).
وكذا إن حفر البئر في حده ونصفها في فنائه. نص عليه في روايه الحسن بن
ثواب. نقله المجد في " شرح الهدأية ".
ووجه تضمينه ": أنه تلف حصل بسبب تعدى به. أشبه ما لو نصب في فنائه
سكينا فتلف شيء. سواء كان في الحفر ضرر أو لا، وسواء كان بإذن الأمام أو
بغير (^١) إذنه.
قال في " الفروع ": وإن حفره لنفسه: ضمن ولو في فنائه، وتصرف وارثه
في تركته، وإذن أمام فيه، لأنه ليس له أن ياذن فيه، فدل انه لا يجوز لوكيل بيت
المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذة، وإنه ليس للحاكم أن يحكم
_________________
(١) في أوب: غير.
[ ٦ / ٣٦١ ]
بصحته، وقاله شيخنا، ويتوجه جوازه للمصلحة. انتهي.
قال ابن رجب: ولا يجوز إذن الأمام فيه عند الأصحاب.
وفي " الأحكام السلطانية " للقاضي: إن له التصرف في فنائه بما شاء من
حفر وغيره إذا لم يضر، وأما في فناء غيره فإن اضر بأهله لم يجز وإن لم يضر جاز. وهل يعتبر إذنهم أو إذن الأمام في فناء المسجد؟ على وجهين. انتهي.
(وكذا) أي: وكما يضمن صاحب الدار إذا حفرها بنفسه أو قنه بأمره ما
تلف بالبئر ضمن (حر) ليس له في الدار المحفور في فنائها حق إذا حفرها
متعديا، أو بإذن صاحب الدار بأجرة، أو بغير أجرة إذا (علم الحال) أي: علم
انها ليست في ملك الآذن. إذ الأفنيه ليست بملك ملاك الدور وإنما هي من
مرافقهم.
وعنه: فيما إذا كان بإذن رب الدار أن عليهما الضمان يشتركان فيه، وأما إن
جهل الحافر الحال كان الضمان على الآمر.
وقال المجد في " شرح الهدأية " بعد أن ذكر اشتراكهما في ضمان ما تلف
بالبئر ولم يذكر قولا غيره: وكذا من بنى له البناء حائطا" (^١) والبناء يعتقدها في
ملك المستعمل فلا شيء عليه، وإن علم أنها في غير ملكه فالضمان عليهما
جميعا. هذا نص أحمد في رواية الحسن بن ثواب، والقول قول البناء في عدم
علمه مع يمينه.
و(لا) ضمان على من حفر بئرا (في موات لتملك، أو) من أجل (ارتفاق
أو انتفاع عام). نص عليه وقطع به اكثر الأصحاب.
(أو) حفر ها (في سابلة).
قال في " القاموس ": والسابلة من الطرق المسلوكة.
(واسعة) لنفع المسلمين، كما لو حفرها لينزل فيها ماء المطر أو ليشرب
منها المارة ونحو ذلك.
_________________
(١) في ا: حائط.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
(أو بنى فيها) أي: في السابلة الواسعة (مسجدا أو خانا (^١) ونحوهما)،
كسقأية (لنفع المسلمين بلا ضرر) في إحداث ذلك. (ولو) كان فعل ذلك
جميعه (بلا إذن أمام)، لأن فعل ذلك في الموات مأذون فيه شرعا وفي غيره
إحسان فلم يكن متعديا فيهما.
وعنه: يضمن ما تلف بالبئر في السابلة مطلقا.
وعنه: إلا أن يأذن الأمام في حفرها.
وعنه في المسجد في السابلة: أكره الصلاة فيه، إلا أن يكون بإذن أمام.
ونقل المروذي: حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق: تهدم.
وسأله محمد بن يحيى الكحال: يزيد في المسجد من الطريق؟ قال:
لاتصل فيه.
ونقل حنبل: أنه سئل عن المساجد على الأنهار؟ قال: اخشى أن تكون من
الطريق.
وسأله ابن إبراهيم عن ساباط فوقه مسجد يصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه إذا
كان من الطريق.
وسئل عن الصلاة على شط (^٢) النهر والطريق أمامه قال (^٣): أرجو أن لا يكون
به بأس، ولكن طريق مكة يعجبني أن يتنحى عن الطريق. يصلي (^٤) يمنة الطرق. ونقل ابن مشيش عن ساباط فوق مسجد: لا يصلى فيه. من الطريق.
قال الموفق: ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام في البناء لنفع المسلمين دون
الحفر لدعوى الحاجة إلى الحفر، لنفع الطريق وإصلاحها، وازالة الطين والماء
_________________
(١) في ج: حانوتا.
(٢) في ا: شاط.
(٣) في ا: قالوا.
(٤) في ب: ويصلي.
[ ٦ / ٣٦٣ ]
منها، فهو كتبقيتها، وحفر هدمة (^١) فيها، وقلع حجر يضر بالمارة، ووضع
الحصا في حفرة فيها ليملأها.
و(كبناء جسر) بفتح الجيم وكسرها الذي يعبر عليه. قاله في "القاموس "،
وقال في موضع آخر: القنطرة الجسر وما ارتفع من البنيان. انتهي.
(ووضع حجر بطين ليطأ عليه الناس)، لأن في هذا ونحوه نفعا للمسلمين
فلا يضمن ما تلف به.
قال في " الفروع ": ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام، لأن مصلحته لا تعم.
وقال بعض أصحابنا في حفر البئر: ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان إذا حفرها
في مكان مائل عن القارعة وجعل عليه حاجزا يعلم به ليتوقى. انتهي.
وعلم مما تقدم أن السابلة إن لم تكن واسعة أو كانت واسعة ولكن إنما حفر
أو بنى ليختص بما حفره أو بناه فيها أو لم يختص به ولكن جعله في مكان يضر بالماره: أنه يضمن ما تلف به. ولعل هذا لا خلاف فيه.
(ومن أمر) إنسانًا (حرا بحفرها) أي: البئر (في ملك غيره) أي: غير
الامر (. بأجرة، أو لا) بأجرة فحفر امتثالا لأمره فتلف بها شيء: (ضمن ما تلف
بها حافر علم) أن الأرض التي حفر فيها ملك لغير الآمر. نص عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحافر ذلك أو كان المأمور قنا: (فآمر) ما تلف
بها، (كأمره ببناء.
وحلفا) أي: الحا فر والبانى (إن) أدعى عليهما بذلك و(أنكرا العلم) بأن
ذلك ملك غير الآمر.
(ويضمن سلطان أمر وحده) أي: دون حافر. وظاهره سواء علم أن الأرض
ملك لغير السلطان أو لا، لانه لا تسعه مخالفته. أشبه ما لو اكره على ذلك.
(ومن بسط في مسجد حصيرا أو) بسط فيه (باريه).
_________________
(١) في ب: هدفه.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
قال في " القاموس ": والبوري والبورية والبورياء والباري والبارياء
والبارية: الحصير المنسوج. انتهي.
ويطلقونه بالشام على ما نسج من القصب. ولعل هذا مراد الأصحاب، وإلا
كان مستغنى عنه بلفظ الحصير. والله أعلم.
(أو) بسط في المسجد (بساطا، أو علق) فيه (أو أوقد فيه قنديلا، أو
نصب فيه بابا، أو) نصب فيه (عمدا) لمصلحة، (أو) نصب فيه (رفا لنفع
الناس، أو سقفه، أو بنى جدارا، ونحوه)، كمنبر، (أو جلس أو اضطجع أو
قام فيه) أي: في المسجد، (أو) جلس أو اضطجع أو قام (في طريق واسع
فعثر به حيوان: لم يضمن ما تلف به).
أما في غير الجلوس والاضطجاع والقيام، فلانه محسن بفعله غير متعد.
فلم يضمن ما تلف به، كوضعه فيه حصا.
وظاهره سواء كان بإذن الأمام أو غير إذنه. وهو المذهب، لأن (^١) هذه
أفعال ينتفع بها المسلمون غالبا مأذون فيها عرفا. اشبهت المًاذون فيها نطقا.
وأما كونه لا يضمن ما تلف به إذا جلس أو اضطجع أو قام في المسجد أو في الطريق الواسع، فلأنه فعل فعلا مباحا لم يتعد فيه على أحد في مكان له فيه حق.
فلم يضمن ماتلف به، كما لوفعله بملكه.
وفي مسألة الجلوس والاضطجاع وجه بالضمان.
وقيل: يضمن إذا كان بالمسجد، ولا يضمن إذا كان بطريق واسع.
وعلم مما تقدم أن الفعل إذا كان محرما، كالجلوس مع الحيض في
المسجد، أو مع إضرار المارة في الطريق: أنه يضمن ما تلف به.
(وإن اخرج) انسان (جناحا أو ميزابا، ونحوه)، كحجر برز به في البنيان
وساباط (إلى طريق نافذ) بغير إذن أمام أو نائبه كما سيأتي.
_________________
(١) في ا: لانه.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
(أو) إلى طريق (غيره) أي: غير نافذ (بلا إذن أهله فسقط) ذلك
المخرج، (فأتلف شيئا: ضمنه) المخرج. نص عليه فيما سوى الميزاب في
رواية أبي طالب وابن منصور ومهنا.
قال ابن رجب: وأما الميازيب ومسيل المياه (^١) فكذلك عند الأصحاب.
وفي " المغني ": احتمال بجوازه مطلقا مع انتفاء الضرر. واختاره طائفة
من المتأخرين.
وقال الشيخ تقي الدين: إخراج الميازيب إلى الدرب النافذ هو السنة. وذكر
حديث العباس في ذلك. والمانعون يقولون ميزاب العباس وضعه النبي ﷺ بيده فكان أبلغ من إذنه فيه ولا كلام فيما أذن فيه الأمام. والله أعلم.
ووجه الضمان: أن التلف وجد بما أخرجه إلى هواء الطريق. فضمنه، كما
لو بنى حائطا مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في ملكه مائل إلى الطريق فًاتلفت.
(ولو) كان التلف (بعد بيع) ممن أخرج الجناج ونحوه للحائط التي أخرجه
بها، (وقد طولب) البائع قبل بيعه (بنقضه) ولم يفعل، (لحصوله بفعله).
قال في " الفروع ": ولا يضمن ولي فرط بل موليه. ذكره في " المنتخب ".
ويتوجه عكسه. انتهي.
ومحل ضمان ما تلف بسبب إخراج الميزاب ونحوه إلى الطريق النافذ: (ما
لم يأذن فيه أمام أو نائبه، ولا ضرر) على المارة بإخراجه، لأن الطريق النافذ حق للمسلمين والأمام وكيلهم فإذنه كإذنهم. أشبه ما لو أذن أهل غير النافذ له في
ذلك.
(وإن مال حائطه) أي: حائط انسان بناه مستقيما (إلى) هواء (غير
ملكه). سواء كان مشتركا، كالطريق، أو مختصا، كهواء جاره، (وكميل)
أي: وكما إذا مال حائطه إلى غير ملكه في الحكم (شقه عرضا) يخشى وقوعه
_________________
(١) في أ: في مسيل المياه، وفي ج: ومسيل الماء.
[ ٦ / ٣٦٦ ]
كالمائل. (لا) إذا كان شقه (طولا) وهو مستقيم فانه لا أثر لذلك.
وحاصل ذلك: أنه متى مال حائط إنسان إلى ملك غيره أو انشق عرضا
وخيف سقوطه وطولب ربه بهدمه (وأبي هدمه حتى اتلف شيئا) بسقوطه: (لم يضمنه). نص عليه في روايه ابن منصور ولو امكنه نقضه، لعدم تعديه بذلك،
لأنه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله. فأشبه ما لو لم يطالب بنقضه أوسقط قبل ميله
أو لم يمكنه نقضه.
وعنه: إن طالبه مستحق بنقضه وأمكنه ولم يفعل ضمن ما تلف به، واختار
هذه الرواية جصاعة.
وأومأ في موضع: أنه إن تقدم إليه بنقضه وأشهد عليه ولم يفعل ضمن.
وأجيب عن ذلك: بانه لو وجب بسقوطه ضمان لم تشترط المطالبة بنقضه،
كما لو بناه ابتداء مائلا إلى ملك غيره، فإن عليه ضمان ما يتلف به ولو لم يطالب بنقضه.
وقيل: يضمن مطلقا. اختاره ابن عقيل.
وقال الحارثي: وهو الأقوى (^١) .
_________________
(١) في ج: الأقرب.
[ ٦ / ٣٦٧ ]
] فصل: في حكم ما أتلفته البهائم]
(فصل. ولا يضمن رب) بهائم (غير ضارية، و) غير (جوارج وشبهها ما
اتلفته) إذا لم تكن يده عليها. (ولو) كان المتلف (صيدا بالحرم)، لقول
رسول الله ﷺ: " العجماء جرحها جبار " (^١) . متفق عليه. يعني: هدرا.
قال في " الفروع ": ولا يضمن ما أتلفت البهيمة صيد حرم وغيره. أطلقه
الأصحاب.
ويتوجه إلا الضارية. ولعله مرادهم. وقد قال شيخنا فيمن أمر رجلا
بإمساكها ضمنه إن لم يعلمه بها.
وفي " الفصول ": من أطلق كلبا عقورا أو دابة رفوسا أو عضوضا على
الناس وخلاه في طريقهم ومساطبهم ورحابهم فأتلف مالا أو نفسا: ضمن،
لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح، كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس
وحيواناتهم.
وفي" الانتصار ": ان البهيمة الصائلة يلزم مالكها وغيره إتلافها.
وكذا في " عيون المسائل ": إذا عرفت البهيمة بالصول يجب على مالكها
قتلها، وعلى الأمام وعلى غير الأمام إذا صالت، على وجه المعروف. ومن
وجب قتله على وجه المعروف: لم يضمن، كمرتد.
وإطلاق الأصحاب ﵏: بأنه لا يضمن ما أتلفته بهيمة لا يد عليها
ظاهره ولو كانت مغصوبة لظاهر الخبر. وعلل الأصحاب المسألة: بانه لا تفريط
من المالك ولا ذمة لها فيتعلق بها، ولا قصد فيتعلق برقبتها. بخلاف الطفل
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥ ١ ٥ ٦) ٦: ٥٣٣ ٢ كتاب الديات، باب العجماء جبار. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٠ ١٧١) ٣: ١٣٣٤ كتاب الحدود، باب جرج العجماء والمعدن والبئر جبأر.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
الصغير والعبد. ويتبين ذلك أنهم ذكروا جناية العبد المغصوب، وإن الغاصب يضمنها، قالوا: لأن جنايته برقبته فضمنها، لأنه نقص حصل في يد الغاصب.
فهذا التخصيص وتعليله يقتضي خلافه في البهيمة. وهذا فيه نظر، ولهذا قال ابن
عقيل وغيره في جنأيات البهائم: لو نقب لص وترك النقب فخرجت منه البهيمة ضمنها وضمن ما تجني بإفلاتها (^١) وتخليتها. وقد يحتمل إن جازها وتركها
بمكان ضمن، لتعديه بتركها فيه. بخلاف ما لو تركها بمكانها وقت الغصب،
وفيه نظر.
ولهذا قال الأصحاب في نقل التراب من الأرض المغصوبة: إن أراده
الغاصب وأبي المالك فللغاصب ذلك مع غرض صحيح، مثل: إن كان نقله إلى
ملك نفسه، فينقله لينتفع بالمكان، أو كان طرحه في طريق فيضمن ما تجدد به من جثأية على آدمي أو بهيمة. ولا يملك ذلك بلا غرض صحيح، مثل: إن كان
نقله إلى ملك المالك أو طرق الأرض التي حفرها. ويفارق طم البئر، لأنه
لا ينفك عن غرض، لأنه يسقط ضمان جناية الحفر. زاد ابن عقيل ولعله معنى
كلام بعضهم: أو جناية العثر بالتراب. انتهي كلامه في " الفروع ".
(ويضمن راكب) لدابة (وسائق وقائد) لها، (قادر على التصرف فيها:
جناية يدها وفمها وولدها ووطئها برجلها)، لما روى النعمان بن بشير قال: قال. رسول الله ﷺ: " من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوف من أسواقهم فأوطات بيد أو رجل فهو ضامن " (^٢) . رواه الدارقطني.
ولأن فعل البهيمة إذا كانت مع انسان منسوب إليه إذا كان يمكنه حفظها.
(لا ما نفحت) أي: ضربت (بها) أي: برجلها من غير سبب، لما روى
أبو هريرة ان النبي ﷺ فال: " الرجل جبار " (^٣) . رواه أبو داود.
_________________
(١) في ا: بإطلاقها.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٨٥) ٣: ١٧٩ كتاب الحدود والديات.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٥٩٢) ٤: ١٩٦ كتاب الديات، باب في الدابة تنفح برجلها.
[ ٦ / ٣٦٩ ]
وخصص بالنفح دون الوطء، لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا
يريد (^١) أن تطًاه بتصرفه فيها. بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه.
ونقل أبو طالب: لا يضمن ما أصابت برجلها. يعني: سواء كان وطئا أو
نفحا، لأنه لا يقدر على حبسها. وهو ظاهر كلام جماعة.
وعنه: يضمن النفح أيضا.
وعنه: يضمن سائق فقط جناية رجلها.
وقيل: لا يضمن جناية ولدها مطلقا.
وقيل: إن فرط بأن عرفه شموسا أو نحوه ضمن جنايته، وإلا فلا.
ومحل عدم ضمان ما نفتحه برجلها: (ما لم يكبحها) (^٢) أي: يجذبها
باللجام جذبا (زيادة على العادة، أو يضرب وجهها)، لانه السبب في جنايتها.
(ولا) يضمن من يده عليها (جناية ذنبها)، لأنه لا يمكن التحفظ منه.
(ويضمن) جنايتها (مع سبب، كنخس وتنفير فاعله) دون راكب وسائق
وقائد، لوجود السبب منه دونهم.
(وإن تعدد راكب) على الدابة بان كان عليها اثنان أو ثلاثة: (ضمن
الأول) ما يضمنه الراكب المنفرد، لانه المتصرف فيها والقادر على كفها.
(أو من خلفه ان انفرد بتدبيرها لصغر الأول أو مرضه، ونحوهما)،
كعماه.
(وإن اشتركا) أي: الراكبان (في تدبيرها، أو لم يكن) معها (إلا سائق
وقائد: اشتركا في الضمان)، لان كل واحد من الراكبين (^٣) المشتركين في
تدبيرها أو من السائق والقائد لو انفرد ضمن. فإذا اجتمعا ضمنا.
_________________
(١) في أ: يريده.
(٢) في ج: ما لم يكن يكبحها.
(٣) في اوب: الراكبان.
[ ٦ / ٣٧٠ ]
(ويشارك راكب معهما) أي: السائق والقائد (أو مع احدهما) كلا منهما
أو الواحد منهما في ضمان جناية الدابة، لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فكذا إذا اجتمع مع غيره.
وقيل: إن الضمان على الراكب فقط " لأنه اقوى تصرفا فيها.
وقيل: على القائد فقط، لأنه لا حكم للراكب معه.
(وإبل) مقطره (وبغال مقطرة، كواحدة) أي: كالبهيمة الواحدة، (على
قائدها الضمان) لما جنت كل واحدة من القطار، لأن الجميع إنما يسيرون بسير
الأول ويقفون بوقفه ويطؤون بوطئه. وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية.
فكان ضمانها عليه.
(ويشارك) القائد في الضمان (سائق في أولها) أي: أول المقطرة (فى)
جناية (جميعها.
و) يشارك سائق (في آخرها في) جناية (الأخير فقط.
و) يشارك سائق (فيما بينهما) أي: فيما بين الأول والأخير (فيما باشر
سوقه، و) ما (بعده) دون ما قبله.
أما كون السائق إذا كان في أولها يشارك قائدها في جناية الجميع، فلأنه لو
انفرد بذلك لضمن جناية الجميع. فإذا كان معه غيره وجب أن يشاركه في ذلك.
وأما كونه لا يشاركه في ضمان ما قبل الذي يسوقه، لأنه ليس بسائق له ولا
بتابع لما يسوقه. فانفرد به القائد.
(وإن انفرد راكب على أول قطار: ضمن جناية الجميع). قاله الحارثي
واقتصر عليه في " التنقيح ".
وقال الموفق ومن تبعه: المقطور على المركوب يضمن الراكب جنايته،
لأنه في حكم القائد له.
وأما المقطور على الثاني فينبغي الا يضمن جنايته، لأن الراكب على الأول
لا يمكنه حفظه عن الجناية.
[ ٦ / ٣٧١ ]
قال الحارثي: وليس بالقوي فان ما بعد الراكب إنما يسير بسيره ويطأً بوطئه
فأمكن حفظه عن الجنأيه. فضمن، كالمقطور على ما تحته. انتهي.
ولا فرق في الراكب والسائق والقائد بين المالك والأجير والمستأجر
والمستعير والموصى إليه بالمنفعة.
قال في " الإنصاف ": وعموم نصوص أحمد تقتضيه.
وقال أيضا: لو انفلتت الدابة ممن هي في يده وأفسدت فلا ضمان. نص
عليه.
فلو استقبلها انسان فردها فقياس قول الأصحاب الضمان. قاله الحارثي.
انتهي.
(ويضمن ربها) أي: رب الدابة (ومستعير ومستأجر) لها (ومودع) أياها،
(ما افسدت: من زرع وشجر، وغيرهما)، كثوب خرقته أو نقصته
بمضغها أياه، أو وطئها عليه أو نحوه (ليلا) فقط. نص عليه، لما روى مالك
عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة " أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم
فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ إن على أهل الأموال حفظها بالنهار،
وما افسدت بالليل فهو مضمون عليهم " (^١) .
قال ابن عبدالبر: هذا وإن كان مرسلا فهو مشهور وحدث به الأئمة الثقات
وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارا للرعي وحفظها ليلا، وعادة أهل
الحوائط حفظها نهارا. فإذا أفسدت شيئا ليلا كان من ضمان من هي بيده.
ومحل ذلك: (إن فرط) في حفظها بتركه في وقت عادته. (لا) إذا
أفسدت شيئا (نهارا)، لأن التفريط من جهة ربه بتركه التحفظ في عادته، وقد
فرق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل انسان بالحفظ في وقت عادته.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " (٣٧) ٢: ٧٣ ٥ كتاب الأقضية، باب القضاء في الضواري والحريسة.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
وعنه: لا يضمن جنايتها ليلا إلا على الزرع والشجر.
وقيل: إلا على الزرع فقط.
وعنه: إن إفسادها ليلا ونهارا مضمون.
والمذهب: أنه لا يضمن ما افسدته نهارا.
(إلا غاصبها)، لتعديه بإمسكاها.
وقيد جماعة عدم ضمان ما أفسدته نهارا بما إذا لم ترسل بقرب ما تتلفه عادة.
(ومن ادعى) وهو صاحب زرع (إن بهائم فلان رعب زرعه ليلا ولا غيرها)
أي: وليس هناك غير بهائم فلان، (ووجد أثرها) أي: أثر البهائم (به) أي:
بالزرع: (قضي له) أي: لصاحب الزرع ببدل ما اتلفته البهائم.
قال في " الإنصاف ": لو ادعى صاحب زرع إن غنم فلان نفشت في زرعه
ليلا، ووجد في الزرع اثر غنم: فضي بالضمان على صاحب الغنم. نص عليه
في رواية ابن منصور.
وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال وجعلها معتبرة، كالقيافة
في الأنساب. قاله في القاعده الثالثة عشر.
ويتخرج فيه وجه: لا يكتفى بذلك.
قال في " الإنصاف ": قلت: محل الخلاف إذا لم يكن هناك غنم لغيره.
انتهي.
قال في " القاموس ": النفش: أن ترعى الغنم والإبل ليلا بلا راع، وقد
أنفشها الرأعي ونفشت هي كضرب ونصر وسمع. وهي إبل نفش محركة ونقاش
ونوافش. انتهي.
(ومن طرد دابة من مزرعته) فدخلت إلى مزرعة غيره فأفسدت: (لم يضمن
ما افسدته. إلا أن يدخلها مزرعة غيره).
ومحل ذلك: ما لم تتصل المزارع، (فإن اتصلت المزارع) لم يطردها فإن
[ ٦ / ٣٧٣ ]
في ذلك تسليطا على مال غيره، و(صبر ليرجع على ربها) بقيمة ما تأكله حيث لأيمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.
(ولو قدر أن يخرجها) من مزرعته (وله) أي: لمخرجها (منصرف) في
إخراجها (غير المزارع فتركها) تأكل من (^١) مزرعته ليرجع على ربها: (فهدر)
أي: فلا رجوع له، وذهب ذلك عليه من غير عوض.
(كحطب على دابة خرق ثوب بصير عاقل يجد منحرفا) فإنه لا مطالبة له
بذلك على أحد، لتقصيره بعدم الانحراف، كتقصير رب الزرع بعدم صرف
الدابة.
(وكذا) أي: وكما يذهب خرق ثوبه هدرا إذا رأى الدابة مقبلة بالحطب
ووجد منحرفًا ولم ينحرف (لو كان) رب الثوب (مستدبرا) بأن كان مجيء
الدابة من خلفه، (فصاح به) من مع الدابة (منبها له) أي: لرب التوب لينحرف
وقد وجد منحرفا ولم ينحرف.
(وإلا) أي: وإن لم يجد منحرفا وهو مستقبل أو لم ينهه وهو مستدبر:
(ضمن) من مع الدابة أرش خرق الثوب. ذكر ذلك في " الترغيب " واقتصر
عليه في " الفروع ".
_________________
(١) في ا: في.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
] فصل: في حكم ما لو اصطدمت سفينتان]
(فصل. وإن اصطدمت سفينتان) واقفتان أو مصعدتان أو منحدرتان
(فغرقتا: ضمن كل) من قيمي السفينتين] (سفينة الآخر وما فيها) من نفس] (^١)
أو مال (^٢) (إن فرط) كل منهما حتى اصطدمتا، كالفارسين إذا اصطدما.
(ولو تعمداه) أي: تعمد القيمان الاصطدام (فشريكان في إتلافهما) أي:
فالقيمان شريكان في ضمان قيمة السفينتين التالفتين.
(و) في ضمان قيمة (ما) كان (فيهما)، لانه تلف قد (^٣) حصل بفعلهما،
فاشتركا في ضمانه. أشبه ما لو خرقاهما.
وإن تلف بسبب ذلك ادمي محترم (فان قتل غالبا) ما وجد من فعلهما:
(فالقود) أي: فيقتلان به بشرطه (^٤) من التكافئ ونحوه، كما لو ألقاه في البحر
من مكان لا يمكنه التخلص منه فغرق.
(وإلا) أي: وان لم يكن ذلك يقتل غالبا، كما لو فعلاه قريبا من الساحل
بحيث يمكن من فيهما الخروج إليه ولم يفعل حتى غرق: (ف) ذلك (شبه
عمد)، كما لوالقاه في ماء قليل فغرق به.
(وان كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد
(واقفة) والأخرى سائرة وغرقتا: فلا ضمان على قيم الواقفة، لانه لم يوجد منه
تعد ولا تفريط. أشبه النائم في الصحراء إذا عثر به انسان فتلف. و(ضمنها)
أي: ضمن السفينة الواقفة وما فيها (قيم السائرة: ان فرط) بان كان يمكنه ان
يردها عنها ولم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الرجال والحبال وغيرهما، لان
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) اب: ومالا.
(٣) زياده من ج.
(٤) في ا: بشرط.
[ ٦ / ٣٧٥ ]
التلف حصل بتقصيره. اشبه ما لو قام وتركها سائرة بنفسها حتى صدمتها.
(وإن كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد
(منحدرة) والأخرى مصعدة: (ضمن قيمها) أي: قيم المنحدرة (المصعدة)،
لأن المنحدرة تنحط على المصعدة من علو فيكون ذلك سببا لغرقها، ولا ضمان
على قيم المصعدة تنزيلا للمنحدرة منزلة السائرة والمصعده منزلة الواقفة. (إلا
أن يغلب) أي: يغلب قيم المنحدرة (عن ضبطها) (^١) بغلبة ريح أو نحوه.
قال في " الشرح ": أو كان الماء شديد الجرية فلا يمكنه ضبطها.
فلا ضمان عليه، لأنه لا يدخل في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ولأن التلف يمكن استناده إلى الريح أو إلى شدة جريان الماء.
قال في " الإنصاف " بعد ذكر المسالة: قال الحارثي: وسواء فرط المصعد
في هذه الحالة أو لا على ما صرح به في " الكافي " واطلقه الأصحاب وأحمد.
وقال في " المغني ": إن فرط المصعد بأن أمكنه العدول بسفينته والمنحدر
غير قادر ولا مفرط فالضمان على المصعد " لأنه المفرط.
قال الحارثي: وهذا صريح في أن المصعد يؤاخذ بتفريطه. انتهي.
(ويقبل قول ملاح). والمراد به هنا: قيم السفينة دون باقي رجالها " لأنه
الخصم (فيه) أي: في أنه غلبه ريح أو شدة جري الماء، أو أنه لم يفرط
بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته.
(ولا يسقط فعل الصادم في حق نفسه، مع عمد) أي: مع تعمده الصدم.
وما في المتن تبعت فيه عبارة صاحب " الفروع " " لأني رأيت صاحب
" الإنصاف " ذكرها بالحرف ولم ينسبها لأحد. ومعناها: أنه إذا مات أحد
القيمين المتعمدين الصدم دون الآخر بسبب تصادم السفينتين: أنه (^٢) لا يسقط
فعل الميت في حق نفسه بل يعتد به. وعلى هذا إن كان الميت حرا ليس لورثته
_________________
(١) في أوب سقطت لفظة: عن، وفي أجاء لفظ: ضبطها بعد قوله: أو نحوه.
(٢) في ج: لأنه.
[ ٦ / ٣٧٦ ]
إلا نصف ديته، وإن كان عبدا ليس لمالكه إلا نصف قيمته، لانه شارك في قتل
نفسه. أشبه ما لو تحامل هو وغيره على قتل نفسه بمحدد.
(ولو خرقها) أي: خرق السفينة قيمها (عمدا) بأن تعمد قلع لوح أو نحوه
مما تغرق به غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجه من غير ما داع إلى قلع ذلك
فغرق من فيها (أو شبهه) أي: شبه العمد بأن قلع اللوج من غير داع إلى قلعه
لكن في مكان قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبا فغرق.
(أو) خرقها (خطأ) بأن كان بها محل يحتاج إلى الإصلاج فقلع لوحا منه
ليصلحه أو ليضع عوضه في مكان لا يغرق به من فيها غالبا فغرقوا بسبب ذلك: (عمل بذلك) أي: عمل بمقتضى كل فعل من الثلاثة، فيقتص منه في صورة
العمد بشرطه، كما لو القي انسانًا فيما لا يمكنه التخلصمنه فغرق، ويفعل
ما يترتب على شبه العمد، أو الخطًا.
(و) السفينة (المشرفة على الغرق يجب إلقاء ما يظن له) أي: بإلقائه
(نجاة) بالتنوين (غير الدواب) فإنها لا تلقى. (إلا أن تلجى الضرورة إلى
إلقائها) أي: إلقاء الدواب فتلقى، لنجاة الآدميين.
(ومن قتل) حيوانا (صائلا) أي: واثبا (عليه ولو) كان الصائل (ادميا)
صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا حرا أو عبدا، حال كون القاتل (دفعا عن نفسه)
أي: نفس القاتل، (أو) قتل (خنزيرأ) ولو لم يصل عليه. لم يضمنهما.
ومحل عدم الضمان في الصائل: إذا لم يندفع بغير المتل.
ووجه عدم الضمان للصائل: أن المصول عليه إنما قتله لدفع شره. وإذا
كان كذلك كان الصائل كأنه القاتل لنفسه. أشبه ما لو نصب حربة في طريقه
فقذف نفسه عليها فمات بها.
وأما كون الخنزير غير مضمون، فلأنه مباح القتل. أشبه الكلب العقور.
ويلحى بذلك كل ما ابيح إتلافه من غير الحيوان. وإلى ذلك اشير بقوله:
(أو اتلف) أي: إنسان بكسر أو خرق أو غيرهما الة لهو (ولو) كانت حال
إتلافها (مع صغير). نص على ذلك. سواء كانت الة اللهو (مزمارأ أو طنبورا
[ ٦ / ٣٧٧ ]
أو عودا أو طبلا أو دفا بصنوج أو حلق أو نردا أو شطرنجا) أو غير ذلك، (أو)
أتلف (صليبا) وهو ما تتخذه النصارى.
(أو كسر إناء فضة أو) إناء (ذهب.
أو) كسر أو شق إناء (فيه خمر مأمور بإراقتها) وهي ما عدا خمر الخلال
وخمر الذمي المستترة: فإن إناءها غير مضمون. سواء (قدر على إراقتها
بدونه) أي: بدون الكسر أو الشق، (أو لا). نقله المروذي. وقدمه في " الفروع ".
ونقل الأثرم وغيره: إن لم يقدر على إراقتها إلا بإتلاف إنائها: لم يضمنه،
والا ضمنه.
(أو) أتلف (حليا محرما على ذكر لم يستعمله) أي: لم يتخذه مالكه
(يصلح للنساء.
أو) أتلف (الة سحر أو) الة (تعزيم أو تنجيم، أو صور خيال، أو أوثان)
جمع وثن. وهو الصنم الذي يعبده المشركون.
(أو) أتلف (كتب مبتدعة مضلة أو) كتب (كفر.
أو حرق مخزن خمر، أو كتابا فيه أحاديث رديئة: لم يضمنه) أي: لم
يضمن المتلف ما أتلفه من ذلك، لأن ما عدا أنية الذهب والفضة والحلي المحرم ومخزن الخمر محرم بيعه لا لحرمته. فلم يضمنه متلفه " كالكلب والميتة.
ويشهد لتحريم بيع أفراد من ذلك ما روى جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول:
" إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " (^١) .
وما روى أبو جحيفة " أن النبي ﷺ حرم تمن الدم وثمن الكلب وكسب
البغي " (^٢) . متفق عليهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ا (٢١٢١) ٢: ٧٧٩ كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٨١) ٣: ١٢٠٧ كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميته وا لخنزير والأصنام.
(٢) اخرجه البخاري في " صحيحه " (٠٣٢ ٥) ٥: ٥ ٤ ٠ ٢ كتاب الطلاق، باب مهر البغي والنكاج الفاسد. ولم اره في مسلم.
[ ٦ / ٣٧٨ ]
وما لم ينص عليه مما ذكر في معنى المنصوص عليه.
وأما كونه لا يضمن كسر آنية الذهب والفضة، فلأن اتخاذها على هذه الصورة
محرم. فإذا كسرها فقد اتلف الصفة المحرمة وإذا فلا يضمنها، كآلة اللهو.
وعنه: بلى بناء على جواز اتخاذها للزينة ونحوها، والحلي المحرم في
معنى ذلك.
وأما كونه لا يضمن مخزن الخمر إذا حرقه، فلأنه من أماكن المعاصى
وإتلافها جائز، لما روي أن النبي ﷺ" حرق مسجد الضرار وأمر بهدمه " (^١) . قاله في " الهدي ".
وقد نص الأمام على عدم ضمانه في رواية ابن منصور، واختاره ابن بطة
وغيره. وقدمه في " الفروع ".
ونقل حنبل: يضمنه.
ونص على عدم ضمان الكتاب الذي فيه أحاديث رديئة في رواية المروذي،
فجعله كالة لهو. وظاهره ولو كان معها غيرها، ويؤيد ذلك ما قال في " الفنون " وهو: انه يجوز إعدام الأية من كتب المبتدعة لأجل ما هي فيه وإهانة لما وضعت
له، ولو أمكن تمييزها.
وأما كون المتلف لآنية الخمر لا يضمنها ولو قدر على إراقة الخمر بدون
إتلافها، لأن النبي ﷺ قال لأبي طلحة حين قال له: " إنى اشتريت خمرا لأيتام في حجري: أهرق الخمر واكسر الدنان " (^٢) . رواه الترمذي والدارقطني.
وعن ابن عمر قال: " أمرني النبي ﷺ أن آتيه بمدية- وهي الشفرة- فأتيته
_________________
(١) ذكره السيوطي في " الدر المنثور " من حديب أبي رهم كلثوم بن الحصن الغفاري. وعزاه إلى ابن إسحاق وابن مردويه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٧٥) ٣: ٣٢٦ كتاب الأشربة، ياب ما جاء في الخمر تخلل. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٩٣) ٣: ٥٨٨ كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك. وأخرجه الدارقطني في " سننه " ٤: ٢٦٥ كتاب الأشربة، باب اتخاذ الخل من الخمر.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
بها. فأرسل بها فأرهفت ثم اعطانيها، ثم قال: اعد علي بها ففعلت فخرج
بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر وقد جلبت من الشام، فأخذ
المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا
معه ان يمضوا معي ويعاونوني أن آتي الأسواق كلها فلا اجد فيها زق خمر
إلا شققته، ففعلت. فلم أترك زقا إلا شققته " (^١) . رواه أحمد.
فلو لم يجز إتلافها لم يأمر النبي ﷺ بكسر الدنان ولا شق الزفاق.
وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره.
وعنه: لا يضمن من ذلك غير الدن.
وعلم مما تقدم: أن دف العرس الذي ليس فيه صنوج ولا حلق مضمون.
وهو المذهب.
وعنه: لا يضمن. ذكرها الحارثي.
وعلى المذهب: لا يجوز إتلافه.
وحكى القاضي في " كتاب الروايتين " رواية بجواز (^٢) إتلافه في اللعب
بما عدا النكاح. ورده الحارثي.
وظاهر ما تقدم: أنه لا فرق بين كون المتلف مسلما أو كافرا، لأن كل عين
لم تضمن بإتلافها على المسلم لم تضمن على الكافر، كالعبد والمرتد (^٣) .
وظاهره أيضا: أنه لا يجوز إتلاف غير ما ذكر أو ما في معناه.
وقال فى " الفروع ": نص على تخريق الثياب السود فيتوجه فيهما روايتان.
انتهي. والله ﷾ أعلم (^٤) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مستده " (٦١٦٥) ٢: ١٣٣.
(٢) في ب: يجوز.
(٣) في اوب: المرتد.
(٤) في ب: والله أعلم. وفي ج: والمده أعلمء تم الجزء الثانى من شرج المصنف بالتمام والكمال. والحمد لله على كل حال،
[ ٦ / ٣٨٠ ]
] باب: الشفعة]
(باب) يذكر فيه مسائل من احكام الشفعة. وهي بإسكان الفاء. وسميت
بذلك أخذا من الشفع وهو الزوج. فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه
فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به.
وقيل: من الشفاعة بمعنى الزيادة، لأن الشفيع يزيد المبيع دي ملكه.
وقال أبو محمد بن قتيبة في " غريب الحديث ": سميت بذلك لان الرجل
كان إذا أراد (^١) بيع داره أتاه جاره أو شريكه فتشفع له فيما باع فشفعه وجعله أولى
به. انتهي.
وقيل: لما سمى طالبها شفيعًا سمي طلبه شفعة، وسمي طالبها شفيعا،
لأنه جاء تاليا للمشتري فكان ثانيا بعد أول.
ثم (الشفعه) شرعأ: (استحقاق) من (الشريك) في ملك الرقبة ولو كان
مكاتبا (انتزاع) بالنصب على أنه معمول استحقاق (شقص) بكسر الشين أي:
نصيب (شريكه) المتنقل عنه إلى غيره، (ممن انتقل إليه بعوض مالي)،
كالمنتقل بالبيع المصرح، أو بما في حكمه كصلح بمعنى بيع أو هبة بشرط
الثواب (إن كان) المنتقل إليه (مثله) أي: مثل الشريك بأن كان كل من الشريك والمنتقل إليه الشقص مسلما، (أو دونه) أي: دون الشريك بان أن الشريك
مسلما أو المنتقل إليه كافرا.
وعلم من ذلك: أن المنتقل إليه لو كان أعلا من الشريك بأن كان مسلما
والشريك كافرا لم يكن له عليه شفعه. نص عليه.
وقيل: ولا لكافر محلى كافر، والبائع مسلم.
_________________
(١) في ب
[ ٦ / ٣٨١ ]
إذا تقرر هذا فقوله: الشريك مخرج للجار وللموصى له بنفغ دار إذا باعها
أو بعضها وارث " لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار.
قال الحارثي: وأورد على قيد الشركة أن لو كان من تمام الحد لما حسن أن
يقال: هل تثبت الشفعة للجار أو لا؟ انتهي.
قلت: وذلك ليس بقادح في صحة الحد، لأن معنى كونه لا يحسن أن يقال
ذلك أي: أن يقوله من عرف حد الشفعة شرعا، أما الجاهل فيحسن منه
السؤال، ولا يكون ذلك قادحا أيضا، ويكون جوابه أن الشفعة استحقاق الشريك
لا الجار. والله أعلم.
وقوله: بعوض يخرج الموروث (^١) والموصى به والموهوب بلا عوض
ونحو ذلك.
وقوله: مالي مخرج (^٢) للممهور والمجعول عوضا عن خلع أو طلاق
والمصالح به عن دم عمد ونحوها.
ثم الشفعة ثابتة بالنص. أي: نص السنة واتفاق الكافة من العلماء، إلا من
شذ عن الكافة من الأصم، وابن علية.
وسند قول الكافة ما روى جابر رضي الله تعالى عنه قال: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (^٣) .
متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت " أن النبي ﷺ قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور " (^٤) . رواه عبدالله بن أحمد في " المسند ".
ولمسلم قال: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة
_________________
(١) في ا: للموروث
(٢) في أ: يخرج.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه) ١٣٨ ٢) ٢: ٧٨٧ كتاب الشفعة، باب الشفعة ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود قلا شفعة. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦٠٨) ٣: ١٢٢٩ كتاب المساقاة، باب الشفعة.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٨٣٠) ٥: ٣٢٧ ٣٨٢
[ ٦ / ٣٨٢ ]
أوحائط. لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه. فإن شاء أخذ وإن شاء ترك.
فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به " (^١) .
وللبخاري: " إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة فيما لم ينقسم. فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (^٢) .
ويشهد أن ذلك قول كافة العلماء قول ابن المنذر: أجمع أهل العلم على
إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دور (^٣) أو حائط.
والمعنى في ذلك: أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه
لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص. فالذي
يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه، ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه، وتخليص شريكه من الضرر. فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على
صرف ذلك إلى نفسه.
(و) لأجل ذلك (لا تسقط) الشفعة (باحتيال) على إسقاطها.
(ويحرم) الاحتيال عليه.
أما كونها لا تسقط بالاحتيال، فلانها إنما وضعت لدفع الضرر فلو سقطت
بالاحتيال للحق الضرر. فلم تسقط، كما لو أسقطها المشتري عنه بوقف أو بيع (^٤) . ومعنى الحيلة على إسقاطها: ان يظهر (^٥) المتعاقدان في البيع شيئا لا يؤخذ
بالشفعة معه، ويتواطؤون في الباطن على خلافه.
وأما كون ذلك يحرم، فلما روى أبو هريرة عن النبى ﷺ أنه قال:
" لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود فتستحلوا ما حرم الله " (^٦) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٠٨) ٣: ١٢٢٩ كماب المساقاة، باب الشفعة.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٧٥) ٦: ٢٥٥٨ كتاب الحيل، باب قي الهبة والشفعة.
(٣) في اوب: دار.
(٤) في أوب: أومع فعل.
(٥) في أ: يسقط.
(٦) رواه ابن بطه قي " إبطال الحيل " ص (٤٢).
[ ٦ / ٣٨٣ ]
وقد حرم الله الحيل في مواضع من كتابه.
(وشروطها) أي: وشروط الشفعة التي يستحق الأخذ بها (خمسة):
الأول: (كونه) أي: الشقص المنتقل عن الشريك (مبيعا) " لأن الشفيع
يأخذه لمثل السبب الذي انتقل به. ولا يمكن هذا في غير المبيع.
وإنما الحق بالبيع الصلح بمعناه، والصلح عن الجنايات الموجبة للمال
والهبه المشروط فيها ثواب معلوم، لأن ذلك كله بيع في الحقيقة لكن بالفاظ اخر.
(فلا تجب) الشفعة (في قسمة)، لان القسمة إفراز على المذهب،
(ولا) في منتقل بغير عوض، كموصى به وموهوب في (هبة) لم يشترط فيها
ثواب معلوم، لأن غرض الموصي والواهب نفع الموصى له والمتهب، وذلك لايحصل مع انتقاله عنه.
وكموروث، لأنه دخل في ملك الوارث بغير اختياره، بلا عوض. أشبه ما لو دخل
في ملكه شقص من مشترك بطلاق قبل الدخول، كما لو أصمدق إنسان امراة أرضا ثم باعت نصفها لانسان تم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يرجع إليه النصف الباقي في ملكها بغير اختياره ولم يكن للمشتري من المرأة عليه مطالبة بشفعة.
(ولا) تجب الشفعة أيضًا على الأصح (فيما) أي: في شقص (عوضه غير
مال، كصداق) أي: كالمجعول صداقا، (وعوض خلع وصلح عن قود)،
لأن ذلك ليس له عوض يمكن الأخذ به. فأشبه الموهوب والموروث. وفارق
البيع لإمكان الأخذ بعوضه.
ولأنه قد جاء في بعض ألفاظ الحديث: " فإن باع ولم يستًاذن فهو أحق به
بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى.
وهذا لا ثمن له. بخلاف المبيع.
(ولا) تجب الشفعه أيضا في (ما) أي: في شقص (أخذ) من الشريك،
حال كونه (اجرة، أو ثمنا في سلم، أو عوضا في كتابة). جزم بذلك
في " الرعاية الكبرى ".
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وقال في " الفروع " بعد أن ذكر فيما عوضه غير مال كنكاح وخلع ودم عمد
روايتين: وعلى قياسه ما أخذ أجرة أو ثمنا في سلم أو عوض كتابة. انتهي.
ومقتضى ما ذكره التسوية بين الجميع في الحكم.
وجزم بنفي الشفعة في الجميع في " التنقيح ".
ووجه ذلك: أن الخبر وارد في البيع وليس غيره في معناه، لأن الشفيع
يأخذه من المشتري بمثل السبب الذي انتقل اليه به، ولا يمكن هذا في غير البيع.
ومثل ذلك: لو أخذ الشقص على وجه الجهالة.
وكلام الحارثي يقتضي وجوب الشفعة في المسائل الأربع فإنه قال: وطرد
اصحابنا الوجهين في الشقص (^١) المجعول أجرة في الإجارة. ولكن نقول
الإجارة نوع من البيع فيبعد طرد الخلاف اذأ. فالصحيح على أصلنا جريان
الشفعة قولا واحدا. ولو كان الشقص جعلا في جعالة فكذلك من غير فرق.
وطرد صاحب " التلخيص " وغيره من الأصحاب الخلاف في الشقص المأخوذ
عوضا عن نجوم الكتابة. ومنهم من قطيع بنفي الشفعة وهو القاضي يعقوب
ولا أعلم لذلك وجها. وحكى بعض شيوخنا فيما قرأت عليه طرد الوجهين أيضا
في المجعول راس المال في السلم. وهو أيضا بعيد فإن السلم نوع من البيع.
انتهي كلام الحارثي.
وهو مردود بما تقدم. فإنه يمتنع الأخذ بقيمة الشقص، لانها ليست بعوضه
في المسائل الأربع وكذا بقيمة مقابله من النفع والمثل والعين.
ومن قال لأم ولده: إن خدمت أولادي شهرا فلك هذا الشقص. فخدمتهم
استحقته ولم تثبت فيه الشفعة، لأنه موصى به بشرط.
وقيل: بلى.
الشرط (الثاني) من شروط الشفعة: (كونه) أي: الشقص المبيع
(مشاعا) أو غير مفرز، وكونه (من عقار ينقسم) أي: تجب قسمته بطلب من
_________________
(١) في أ: والشقص.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
له فيه جزء (إجبارا) على من لم يطلب القسمة ممن له فيه جزء، لما روى
الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري عن ابي سلمة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفاعة " (^١) .
ولما روى أبو داود عن أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن
أبي سلمة عن جابر قال: " إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (^٢) .
فإن قيل: إنما نفى الشفعة بصرف الطرقات وهي للجار غير مصروفة.
فالجواب: أن الطرقات التي تنصرف بالقسمة مختصة باستطراق المشاع
الذي يستطرق به الشريك ليصل به إلى ملكه. فإذا وقعت القسمة انصرف
استطراقه في ملك شريكه، وأما غيره من الطرقات المستحقة فلا تنصرف ابدا. وروى ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة أو عن ابي سعيد أو عنهما جميعا عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا قسمت الطرق وحدت فلا شفعة
فيها " (^٣) . ولأن المبيع إذا لم يكن له حال يترتب (^٤) فيها المقاسمة لم يثبت فيه الشفعة قياسا على مشاع الغراس والأبنية.
ولأن الشفعة إنما ثبتت (^٥) فيما يجب قسمته لمعنى. وهو: أن الشريك ربما
دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل
المقاسمة ولا محيد عنها فيدخل الضرر على الشريك بمنع ما يحتاج إلى إحداثة
من المرافق. وهذا لا يوجد في المقسوم.
إذا تقرر هذا (فلا شفعة لجار في مقسوم محدود).
وقيل: بلى.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٥٧٣) ٢: ١٦٥ كتاب الشفعة.
(٢) أخرجه أبو داود في " ستنه " (٣٥١٤) ٣: ٢٨٥ كتاب الإجارة، باب في الشفعة.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٠٤ كتاب الشفعة، باب الشفعه قيما لم يقسم.
(٤) في ب: يترتب.
(٥) في ب: تثبت.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
وحكاه القاضي يعقوب في " التبصرة " رواية أخذا من نصه في رواية
أبي طالب ومثنى: لا يحلف أن الشفعة لا تستحق بالجوار.
قال الحارثي: والعجب ممن يثبت بهذا رواية عن أحمد.
قال في " الفائق ": وهو مأخذ ضعيف. واحتج لهذا القول بما روى أبو رافع
قال: قال رسول الله ﷺ: " الجار أحق بصقبه " (^١) رواه البخاري وأبو داود.
وقال في " القاموس ": الجار أحق بصقبه أي: بما يليه ويقرب منه.
وبما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: " جار الدار أحق بالدار " (^٢) .
رواه الترمذي وقا ل: حديب حسن صحيح.
وقال الشيخ تقي الدين: تثبت الشفعة للجار مع الشركة في الطريق،
واختاره صاحب " الفائق "، لما روى الترمذي من حديث جابر: " الجار أحق
بشفعة جاره ينتظرها إذا كان غائبا، [إذا كان] (^٣) طريقهما واحدا " (^٤) . وقال:
حديث حسن.
وهذا ظاهر كلام الأمام في رواية أبي طالب، وقد سًا له عن الشفعة. فقال:
إذا كان طريقهما واحد شركاء لم يقتسموا فإذا طرقت الطرق وعرفت الحدود
فلا شفعة.
قال الحارثي: ومن الناس من قال بالجواز لكنه يقيد الشركة في الطريق.
وذكر كلام أحمد في رواية ابي طالب ثم قال: وهذا الصحيح الذي يتعين المصير
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٥٧٩) ٦: ٢٥٦٠ كتاب الحيل، باب احتيال العامل ليهدي له. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥١٦) ٣: ٢٨٦ كتاب البيوع، باب في الشفعة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥١٧) ٣: ٢٨٦ كتاب البيوع، باب في الشفعة. وأخرجه الترمذي قي " جامعه " (١٣٦٨) ٣: ٠ ٦٥ كتاب الأحكام، باب ما جاء في الشفعة.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥١٨) الموضع السابق. وأخرجه الترمذي في " نجامعه " (١٣٦٩ -) ٣: ٦٥١ الموضع السابق. وأخرجه ابن ماجه في " ستنه " (٢٤٩٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
إليه ثم ذكر أدلته وقال: وفي هذا المذهب جمع بين الأخبار فيكون أولى
بالصواب. انتهي.
وأجيب عن قوله: " الجار أحق بصقبه " من وجهين:
أحدهما: أنه أبهم الحق ولم يصرج به. فلم يجز أن يحمل على العموم في
مضمر، لان العموم مستعمل في المنطوق به دون المضمر.
والثاني: أنه محمول على أنه أحق بالفناء من الذي بينه وبين الجار ممن ليس
بجار أو يكون مرتفقا به.
وقيل: بل هو في الباديه إذا انتجعوا أرضا فنزلوها كان جار المنزل المقارب
له أحق بالمكان إذا دخل النازل عنه لصقبه.
والصقبة على هذا التأويل: عمود الخيمة.
واجيب عن حديث سمرة: بأن اهل الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له،
ومن اثبت لقاءه أياه قال: إنه لم يرو عنه إلا حديث العقيقة، ولو سلم لكان عنه
الجوابان المذكوران.
وأجيب عن حديث: " الجار أحق بشفعة جاره ينتظرها، وإن كان غائبا " (^١):
بأن شعبة قال: سهى فيه عبدالملك بن سليمان الذي الحديث من (^٢) روايته.
وقال الأمام اححد: هذا الحديث منكر.
وقال ابن معين: لم يروه غير عبدالملك، وقد أنكر عليه.
قال المجد: ويقوي ضعفه رواية جابر الصحيحة المشهورة.
ثم يحتمل مع تسليمه عرض المبيع على جاره، أو أنه أريد بالجار في
الأحاديث الشريك فإنه جار أيضا، لأن اسم الجوار يختص بالقريب والشريك
أقرب من اللصيق فكان احق باسم الجوار.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبا.
(٢) في اوب: في.
[ ٦ / ٣٨٨ ]
وقد أطلقت العرب ذلك على الزوجة لقربها فسمتها جارة.
قال الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقة وموموقة ما كنت فينا ووامقة
أجارتنا بيني فإنك طالقة كذاك امور الناس تغدو وطارقة
وبيني فإن البين خير من العصا وإن لا تزالي فوق رأسي بارقة
حبستك حتى لامني الناس كلهم وخفت بأن تأتي لدي ببائقة
وكان السبب في قول الأعشى ذلك: أنه تزوج امرأة كرهه قومها فطلقها.
فأخذوه بالنزول عنها فلم يقنعوا منه بالطلقة الأولى ولا بالثانية. فلما طلقها الثالثة
كفوا عنه. فعند ذلك قال عروة بن الزبير: ترك الظلاق موافقا لطلاق الأعشى.
واحتج القائل بشفعة الجوار من جهة المعنى بأنه متصل بالمبيع. فجاز أن
يستحق به الشفعة، كالخلطة.
وبأن الشفعة إنما شرعب تخوفا من سوء عشرة الشريك الداخل عليه، وهذا
قد يوجد في الجار كوجوده في الخليط.
وأجيب عن ذلك: بأنها إنما وجبت للخليط دون الجار خوفا مما لا يمكن
دفعه إلا بالشفعة. وهو تكلف (^١) القسمه عند طلبها.
وأما سوء العشرة فإنه مقدور على دفعه بالسلطان وغيره فلم تشرع الشفعة من
أجله.
(ولا) تجب الشفعة أيضا (في طريق مشترك لا ينفذ ببيع دار فيه) أي: في
هذا الطريق الذي لا ينفذ لأحد ممن دورهم فيه بسبب الشركة فيه فقط حيث
لا يمكن التوصل إلى الدار إلا منه، لحصول الضرر على المشتري بوجوبها، لأن
الدار تبقى لا طريق لها. حتى (ولو كان نصيب مشتر منها) أي: من الطريق
(اكثر من حاجته)، لان في وجوبها في الزائد تبعيض صفقة المشتري.
ولا يخلو من الضرر.
_________________
(١) في ج: تكليف
[ ٦ / ٣٨٩ ]
وقيل: تجب الشفعة فيما زاد على حاجته.
(فإن كان لها) أي: للدار (باب آخر) إلى شارع يستطرق منه إليها، (أو
امكن فتح باب لها إلى شارع: وجبت) الشفعة في الطريق المشترك الذي لا ينفذ
حيث أمكن قسمته، لأنه أرض مشتركة تحتمل القسمة. فوجبت فيها الشفعة،
كغير الطريق.
وقيل: لا تجب الشفعة فيه بحال، لأن الضرر يلحق المشتري بتحويل
الطريق إلى مكان آخر. مع ما في الأخذ بالشفعة من تفريق صفقة المشتري واخذ بعض المبيع من العقار دون بعض. فلم يجز، كما لو كان الشريك [في الطريق
شريكا في الدار فأراد أخذ الطريق وحدها.
(وكذا) أي: وكالطريق المشترك] (^١) الذي لا ينفذ إذا بيعت دار لها طريق
فيه في وجوب الشفعة وعدمه مع التفصيل المتقدم (دهليز).
قال في " القاموس ": الدهليز، بالكسر: ما بين الباب والدار، والجية.
انتهي.
(وصحن) وهو وسط الدار (مشتركان) أي: الدهليز والصحن. ومعنى
ذلك: أنه إذا بيعت دار لها دهليز مشترك أو بيب بابه في صحن دار مشترك وكان
لا يمكن التطرق إلى المبيع إلا من ذلك الدهليز أو من ذلك الصحن. فلا شفعة
في الدهليز ولا في الصحن المشتركين، لحصول الضرر على المشتري، لأن
المبيع يبقى لاطريق له.
وإن كان له باب اخر يمكن الاستطراق منه إلى شارع أو أمكن فتح باب له في
الشارع وجبت في الدهليز والصحن، لوجود المقتضي وعدم المانع.
(ولا) تجب الشفعة أيضا (فيما) أي: في عقار (لاتجب قسمته، كحمام
صغير، وبئر وطوق) ضيقة (وعراصر ضيقة) ورحى صغيرة وعضادة نصا، لما
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٣٩٠ ]
روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة " (^١) .
والمنقبة: الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد. رواه
أبو الخطاب في " رؤوس المسائل "، وأبو عبيد في " الغريب ".
وروي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: " لا شفعة في بئر ولا نخل ".
ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع، لأنه لا يمكنه إن يتخلص من إثبات
الشفعة في نصيبه (^٢) بالقسمة. وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع،
وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها.
فإن قيل: إمكان التخلص من إثبات الشفعة في نصيبه لا يصلح كونه علة.
قيل: بلى حيث فرط البائع ببيع نصيبه مشتركا مع كونه يمكنه تخليصه منها،
وكذلك المشتري حيث اشتراه مشتركا.
فإن قيل: ان الشفعة إنما تثبت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر فيما لا تجب
قسمته أكثر، لانه لا يمكنه التخلص منه بالقسمة فيتأبد.
فالجواب: أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ضرر
الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا تمكن التعدية. وفي الشفعة هنا ضرر غير موجود في محل الوفاق. وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق.
وعنه: تثبت الشفعة أيضا فيما لا تجب قسمته. اختارها ابن عقيل وأبو محمد
الجوزي والشيخ تقي الدين.
وعلى المذهب: متى أمكن أن يحصل مما ذكرنا شيئان كالبئر تقسم بئرين
يرتقي الماء منهما وجبت الشفعة. فكذلك إن كان مع البئر بياض أرض بحيث
يحصل البئر في أحد النصيبين وجبت الشفعة، لأنه تمكن القسمة.
وهكذا الرحى إن كان لها حصن (^٣) تمكن قسمته بحيث يحصل الحجر في
_________________
(١) ذكره الهروي في " غريب الحديب " بدون إسناد ٣: ١٢١
(٢) في أ: نفسه.
(٣) في ا: حصرة.
[ ٦ / ٣٩١ ]
احد القسمين، أو كان فيها اربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كل واحد بحجرين. (ولا) تجب الشفعة أيضا في (ما ليس بعقار، كشجر، وبناء مفرد،
وحيوان، وجوهر وسيف، ونحوها)، كسفينة وزرع وثمر، وكل منقول.
وقال أبو الخطاب: وعن أحمد: أن الشفعة تجب في البناء والغراس وإن
بيع مفردا.
وقال ابن أبي موسى: وعن أبي عبد الله: أن الشفعة واجبة (^١) فيما لا ينقسم،
كالحجر والسيف والحيوان وما في معنى ذلك. نقله عنهما في " المغني ".
وقال في " الإنصاف ": وعنه تجب في كل مال حاشا منقولا لا ينقسم.
قال في " الرعاية الكبرى ": وقيل: تجب في زرع وثمر مفردا. انتهي.
كلامه (^٢) في " الانصاف ".
ووجها المذهب وهو كون الشفعة لا تجب في الأرض، لأنها التي تبقى على
الدوام ويدوم ضررها. وأما غيرها فينقسم قسمين:
أحدهما: ما تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض. وهو المشار إليه (^٣) بقوله:
(ويؤخذ غراس وبناء تبعأ للأرض).
قال في " المغني ". بغير خلاف في المذهب. ولا نعرف فيه بين من أثبت
الشفعة خلافا. وقد دل عليه قول النبي ﷺ وقضاؤه بالشفعة في كل مشترك لم
يقسم ربعة أو حائطا. وهذا يدخل فيه البناء والأشجار. التهى.
والقسم الثاني": ما لا تثبت فيه الشفعة على المذهب تبعا ولا مفردا. وهو
المشار إلي (^٤) بعص أفراده بقوله:
(لا ثمر وزرع)، لأنه لا يدخل في البيع تبعا. فلا يؤخد بالشفعة، كقماش
_________________
(١) في ا: واجب
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ا: له
(٤) في ج: إليه.
[ ٦ / ٣٩٢ ]
الدار. وعكسه البناء والغراس.
وتحقيقه: أن الشفعة بيع في الحقيقة. لكن الشارع جعل للشفيع سلطان
الأخذ بغير رضى المشتري. فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع غير المؤبر: دخل في الشفعة، لأنها تتبع في البيع. فأشبهت الغراس في الأرض.
وما لا تثبت الشفعة فيه تبعا لا تثبت فيه مفردا من باب أولى.
ولأن قوله ﷺ في الحديب الصحيح: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (^١): يدل على أن المراد الأرض.
وقيل: تثبت الشفعة في الثمر والزرع تبعا، كالبناء والغراس.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لو كان السفل لشخص والعلو مشتركا،
والسقف مختص بصاحب السفل، أو مشتركا بينه وبين أصحاب العلو:
فلا شفعة في السقف، لأنه لا أرض له. فهو كالأبنية المفردة.
وان كان السقف لأصحاب العلو: ففيه الشفعة، لأن قراره كالأرض. قدمه
في " التلخيص " و" الرعاية الكبرى " و" الفائق ".
وفيه وجه آخر: أنه لا شفعة فيه، لأنه غير مالك للسفل. وإنما له عليه
حق. فأشبه مستأجر الأرض. خرجه بعض الأصحاب، قاله في " التلخيص ".
وقال: فأوضت فيها بعض اصحابنا. وتقرر حكمها بيني وبينه على ما بينت.
وهذا الوجه: قدمه في" المغني ". فقال: وإن بيعت حصته من علو دار
مشترك نظرت: فإن كان السقف الذي تحته لصاحب السفل فلا شفعة في العلو،
لانه بناء مفرد. وإن كان لصاحب العلو فكذلك، لأنه بناء مفرد، لكونه لا أرض
له. فهو كما لولم يكن السقف له.
ويحتمل (^٢) ثبوت الشفعة، لأن له قرارا فهو كالسفل. انتهي.
وأطلقهما في " شرح الحارثي ".
_________________
(١) سيق تخريجه ص (٣٨٦) رقم (١).
(٢) في ا: ويحمل.
[ ٦ / ٣٩٣ ]
ولو باع حصته من علو مشترك على سقف لمالك السفل. فقال في
" المغني " و" الشرح " و" التلخيص " وغيرهم: لا شفعة لشريك العلو، لانفراد
البناء. واقتصر عليه الحارثي.
وإن كان السقف مشتركا بينه وبين أصحاب العلو فكذلك. قاله في
" التلخيص " وعيره.
وإن كان السقف مشتركا والعلو خالص لأحد الشريكين. فباع العلو ونصيبه
من السفل: فللشريك الشفعة في السفل. لا في العلو، لعدم الشركة فيه. انتهي
كلامه في " الإنصاف ".
الشرط (الثالث) من شروط الأخذ بالشفعة: (طلبها) أي: طلب الشفييع
بها (ساعة يعلم) بالبيع وإلا بطلت. نص عليه في رواية أبي طالب فقال:
الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم (^١) .
وعنه: تختص بالمجلس. اختاره الخرقي وابن حامد والقاضي واصحابه.
وعنه: على التراخي كخيار العيب (^٢) .
ووجه الأول الذي عليه أكثر الأصحاب من جهة الدليل: ما روى ابن البيلمانى (^٣)
عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " الشفعة كحل العقال " (^٤) .
وفي لفظ أنه قال: " الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت تثبت وإن تركت
فاللوم على من تركها ".
وعنه ﷺ أنه قال: " الشفعة لمن واثبها ".
قال في " المغنى ": رواه الفقهاء في كتبهم.
_________________
(١) في أ: يعلمه.
(٢) في أوب: عيب.
(٣) في ا: السليمانى
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠ ٠ ٥ ٢) ٢: ٥ ٨٣ كتاب الشفعة، باب طلب الشفعة.
[ ٦ / ٣٩٤ ]
ومن جهة المعنى كون الأخذ بالتراخي يضر (^١) المشتري، لكونه لا يستقر
ملكه على المبيع ويمنع من التصرف بعمارته خشية أخذه منه.
ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمته، لان خسارتها في الغالب أكثر من قيمتها
مع تعب قلبه وبدنه فيها.
إذا تقرر هذا (فان اخره) أي: أخر الشفيع طلبها الشدة جوع أو عطش) به
(حتى يأكل أو يشرب، أو) أخره المحدث (لطهارة، أو) من مكانه مفتوح من
أجل) إغلاق باب، أو ليخرج من حمام) من علم وهو داخلها، أو أخر طلبها
حاقن (أو) حاقب (ليقضي حاجته، أو) مؤذن (ليؤذن ويقيم) الصلاة، (أو)
أخره من علم وقد دخل وقت مكتوبة (ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها)
باشتغاله بطلب الشفعة، (ونحوه)، كمن علم وفد انخرق ثوبه أو سقط منه مال
فأخر الطلب إلى أن يرقع ثوبه أو يلتمس ما سقط منه،) أو من علم ليلا حتى
يصبح مع غيبة مشتر) في جميع الصور المتقدمة، لأنه مع حضوره يمكنه مطالبته من غير اشتغال عن اشتغاله.
(أو) أخر الطلب (لفعل صلاة وسننها ولو مع حضوره) أي: حضور
المشتري في هذه الصورة فقط.
(أو) أخر الطلب (جهلا بأن التأخير مسقط) للشفعة (ومثله يجهله.
أو أشهد بطلبه) الشفعة (غائب) عن بلد المشتري، (أو محبوس: لم
تسقط) الشفعة في هذه الصور كلها.
أما كونها لا تسقط بتأخير الطلب باشتغاله بما تقدم ذكره، فلأن العادة تقديم
هذه الحوائج ونحوها على غيرها. فلا يكون الاشتغال بها رضى بترك الشفعة،
كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه أو يحرك دابته فلم يفعل ومضى على حسب عادته إلى المشتري، لأن الطلب المشروط هو الطلب بحكم العاده.
_________________
(١) في أ: بغير، وفي ب: لغير.
[ ٦ / ٣٩٥ ]
وأما كون من أخر الطلب جهلا بأن التأخير مسقط لا تسقط شفعته، فلأن
الجهل مما يعذر به. اشبه ما لو تركها لعدم علمه بها. وفي المسألة وجهان:
أحدهما: لا يسقط. كما في المتن.
قال الحارثي: وهو الصحيح: وجزم به في " الرعأية " و"النظم " و"الفائق ".
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
والثاني: تسقط كما لو تركها جهلا باستحقاقه لها أو نسيانا للطلب أو للبيع.
وفي هذه المسائل الثلاث أيضا وجه: أنها لا تسقط.
وقدم السقوط فيها في " المغني " و" الشرح " قياسا على ما لو امكنت
المعتقة تحت عبد زوجها من وطئها جاهلة بملك الفسخ أو ناسية للعتق.
وأما كونه إذا اشهد بطلبها معذور كغائب ومريض ومحبوس لا تسقط، لأن
إشهاده بالطلب دليل على الرغبة، وعلى أنه لا مانع له من الطلب إلا قيام العذر به. وعلم من هذا: أنه إذا علم بالبيع ولم يشهد بالطلب أن شفعته تسقط.
قال أحمد في رواية ابي طالب: في الغائب: له الشفعة إذا بلغه اشهد
وإلا فليس له شيء.
قال في " المغني ": لأنه قد يترك الطلب للعذر وقد يتركه لغيره.
وظاهر ما تقدم أن إشهاد المعذور بالطلب كاف ولو قدر على التوكيل فيه وهو
كذلك، لأن الوكيل إن كان بجعل ففيه غرم. وإن كان متبرعا ففيه منة. وقد لا
يثق به.
وقيل: إن لم يوكل قادرعلى التوكيل سقطت، لأنه تارك للطلب مع إمكانه.
(وتسقط) شفعة غائب (بسيره في طلبها بلا إشهاد) على الطلب، لأن
السير يكون لطلب الشفعة ولغيره، وقد قدر أن يبين كون سيره لطلب الشفعة
بالإشهاد عليه. فإذا لم يفعل سقطت، كتارك الطلب مع حضوره.
وقال القاضي إن سار عقب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير
[ ٦ / ٣٩٦ ]
إشهاد احتمل أن لا تبطل شفعته، لأن ظاهر سيره أنه للطلب.
(لا إن أخر طلبه) أي: الغائب بتأخر قدومه أو بوكيله مع إمكانهما (بعده)
أي: بعد الإشهاد بالطلب، لأن عليه في السفر بالتزامه كلفته، وقد يكون له
حوائج وتجارة ينقطع عنها وتضيع بغيبته.
وعليه فى التوكيل ما تقدم التنبيه عليه.
وقيل: تسقط بتأخير ذلك، لأنه ترك الطلب بها مع قدرته عليه. فسقطت،
كالحاضر.
(ولفظه) أي: لفظ الطلب الذي يكون وسيلة للمعذور إلى الأخذ بالشفعة
أن يقول: (أنا طالب) للشفعة، (أو مطالب) بالشفعة، (أو) أنا (آخذ
بالشفعة، أو قائم عليها) أي: على الشفعة، (ونحوه) أي: ونحو هذا اللفظ
(مما يفيد محأولة الأخذ) بالشفعة، كتملكت المبيع المشفوع، أو انتزعته من
مشتريه، أو ضممته إلى ما كنت أملكه من العين.
(ويملك) "الشقص المبيع (به) أي: بالطلب، لأن البيع السابق سبب.
فإذا إنضمت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع انضم إليه القبول.
وهذا القول هو اختيار القاضي وأكثر أصحابه وصاحب " التلخيص " وابن
عبدوس في " تذكرته " وقدمه في " الفروع " و" المستوعب " و" الرعايتين "
و" الحاوي الصغير ".
(فيصح تصرفه) أي: الشفيع في الشقص المشفوع لانتقال الملك فيه
بالطلب بما يصح به تصرفه في سائر املاكه.
(ويورث) عنه، وان لم يقبضه.
وقيل: لا يملكه إلا بالطلب مع القبض.
وقيل: لا يملكه إلا بلفظ يقتضي أخذه بعد وجود الطلب.
وقيل: لا يملكه إلا بحكم حاكم.
[ ٦ / ٣٩٧ ]
ورد هذا: بان الشفعة حق ثبت بالنص والإجماع. فلم يفتقر إلى حاكم،
كالرد بالعيب.
وقيل: لا يملكه إلا بدفع ثمنه ما لم يصبر مشتريه.
والمذهب: الاكتفاء بالقدرة على الثمن الحال ولو بعد ثلاثة أيام، كما
سياتى التنبيه على ذلك في المتن.
وقال ابن الصيرفي في " نوادره ": يحصل الملك بحكم الحاكم أيضا.
ولعل مراده بعد الطلب حيث لم يقل بحصول الملك به. والله أعلم.
(ولا يشترط) لانتقال الملك إلى الشفيع في الشقص المشفوع (رؤيته)
أي: روية ما منه الشقص المشفوع (لأخذه) بالشفعة قبل التملك.
قال في " التنقيح ": ولا يعتبر رويته قبل تملكه. انتهي.
ولعل الأصحاب نظروا إلى كونها انتزاعا قهريا، كرجوع نصف الصداق
المعين إلى ملك الزوج بطلاقه قبل الدخول وإن لم يكن رآه، كما لو وكل انسان
آخر في شراء عبد وتزويج امرأة وإصداقها (^١) أياه ففعل ولم يره الموكل ثم طلقها
قبل الدخول.
وقال في " الفروع ": ولا تعتبر رؤيته قبل تملكه إن صح بيع غائب.
وفي " الرعأية ": الأصح له التصرف فيه قبل قبضه ويملكه.
وفي " الترغيب ": له حبسه على ثمنه، لأن الشفعة قهري، والبيع عن رضى.
وتخالفه أيضا في خيار شرط، وكذا خيار مجلس من جهة شفيع بعد تملكه،
لنفوذ تصرفه قبل قبضه بعد تملكه كإرث.
وكذا اعتبار رؤية شقص، نظرا إلى كونه قهريا أو بيعا، ويتخرج في الكل
كذلك نظرا إلى الجهتين. انتهي كلامه في " الفروع ".
وقال في " المغني ": إذا قالط أخذت الشقص بالثمن الذي تم عليه العقد
_________________
(١) في ا: وأصدقها.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
وهو عالم بقدره وبالمبيع صح الأخذ وملك الشقص ولا خيار له ولا للمشتري،
لأن الشقص يؤخذ قهريا، والمقهور لا خيار له، والآخذ قهرا لا خيار له أيضا كمسترجع المبيع لعيب في تمنه أوالثمن لعيب في المبيع.
وإن كان الثمن مجهولًا أو الشقص لم يملكه بذلك، لأنه بيع في الحقيقة.
فيعتبر العلم بالعوضين " كسائر البيوع. وله المطالبة بالشفعة ثم يتعرف مقدار
الثمن من المشتري أو من غيره والمبيع. فيأخذه بثمنه.
ويحتمل أن له الأخذ مع جهالة الشقص بناء على بيع الغالب .. انتهي.
ومشى في " الإنصاف " على اعتبار العلم بالشقص وبالثمن. لكن اعتمدت
كلامه في " التنقيح " لقوله في خطبته: فإن وجدت فيه شيئا مخالفا لأصله
فاعتمده فإنما وضع عن تحرير.
(وإن لم يجد) الشفيع حين علم ببيع الشقص (من يشهده) على الطلب،
(أو أخرهما) أي: أخر الطلب والإشهاد عليه (عجز ا، كمريض ومحبوس ظلما.
أو) اخر الشفيع الطلب والإشهاد عليه (لإظهار) البائع والمشتري
أو أحدهما أو مخبر الشفيع (زيادة ثمن) على ما وقع العقد عليه.
(أو) لإظهار واحد ممن ذكر (نقص مبيع أو هبته) أي: هبة الشقص.
(أو) لإظهار (أن المشتري غيره) أي: غر المشتري حقيقة.
(أو) أخر الشفيع الطلب والإشهاد عليه (لتكذيب مخبر) له، لكونه
(لأيقبل) خبره: (فعلى شفعته) أي: فلا لكون ذلك مسقطا لشفعته، لأنه
أما معذور وأما غير عالم بالحال على وجهه، كما لو لم يعلم مطلقا.
ولأن خبر من لا يقبل خبره مع عدم تصديق الشفيع له يكون وجوده كعدمه.
ومقتضاه: أنه إذا صدقه تسقط الشفعة، لأن تصديقه اعتراف بوقوع البيع مع
عدم طلب الشفعة. فوجب سقوطها، كما لو أخبره ثقة فلم يصدقه.
وعلم مما تقدم أنه لو أخبر بقدر ثمن. فلم يطالب بالشفعة ثم تبين أن الثمن
أكثر مما أخبر به أنها تسقط، لان من لا يرضى بالقليل لا يرضى بًاكثر منه.
[ ٦ / ٣٩٩ ]
وصرح بذلك في " الكافي ".
وفهم من كلام المتن: أن المريض مرضا يسيرا لا يمنعه من طلب الشفعة،
والمحبوس بحق يمكنه أدأوه إذا اباه: تسقط شفعته، لأنه ليس بمعذور.
وحكم إظهار زيادة في الثمن حكم إظهار كونه من غير الجنس الذي وقع
العقد عليه، كما لو وقع العقد على دنانير فأظهر كونها دراهم أو العكس، لأنه
قد يملك النقد الذي وقع العقد عليه دون ما اظهره فيترك الشفعة لذلك.
وكما لو وقع بنقد فأظهر أنه بعرض.
وأما كونها لا تسقط إذا بأن المشتري غيره، فلأنه قد يرضى بشركة انسان
دون غيره، وقد يحابي انسانا أو يخافه فيترك الشفعة لذلك.
وكذا لو أظهر أن فلانا اشترى الشقص وحده فتبين أنه اشتراه هو واخر أو
عكس الحال.
(وتسقط) شفعته: (إن كذب) مخبرا (مقبولا) خبره، لأنه خبر من عدل
يجب قبوله في الرواية والفتيا وسائر الأخبار الدينية. فسقطت الشفعة بتكذيبه،
كما لو أخبره أكثر من عدل.
(أو قال) الشفيع (لمشتر) للشقص: (بعنيه، أو أكرنيه)، أو قاسمنى،
(أو صالحني) عليه، أو هبه لي، أو ائتمني عليه، (أو اشتريت رخيصا،
ونحوه)، كاشتريت غاليا أو بأكثر مما أعطيت أنا، لأن هذا وشبهه دليل على
رضاه بشرائه وتركه للشفعة.
وعنه: لا تسقط بتكذيبه عدل واحد.
وقيل: ولا بقوله: صالحني على الشقص.
وقيل: ولا بقوله: اشتريت رخيصا ونحوه.
وإن قيل له: شريكك باع نصيبه من زيد. فقال: إن باعني زيد وإلا فلي
الشفعة كان ذلك كقوله لزيد: بعني ما اشتريت. قدمه الحارثي. قال:
ويحتمل: أنه إن لم يبعه أنها لا تسقط.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
ولو قال المشتري ابتداء للشفيع: بعتك ما اشتريت أو وليتكه. فقال:
قبلت: سقطت شفعته ..
وتسقط أيضا بقوله للمشتري: بعه ممن شئت ونحوه.
(لا إن عمل دلالا بينهما) أي: بين شريكه وبين المشتري. (وهو السفير.
أو توكل) الشفيع (لأحدهما) في عقد البيع.
(أو جعل له) أي: للشفيع (الخيار) في البيع (فاختار إمضاءه.
أو رضي به) أي: بالبيع.
(أو ضمن) للبائع (ثمنه) أي: ثمن الشقص المبيع.
(أو سلم) الشفيع (عليه) أي: على المشتري قبل طلب الشفعة ..
(أو دعا له) بالبركة أو بغيرها (بعده) أي: بعد العقد (^١)، (ونحوه)،
كما لو سلم المشتري على الشفيع فرد ﵇ قبل الطلب.
(أو اسقطها) أي: اسقط الشفيع حقه من شفعته (قبل بيع) للشقص:
فإنها لا تسقط في جميع هذه الصور.
أما كونها لا تسقط بسفارته بين المتبأيعين، أو بتوكله في البيع، أو باختيار
إمضائه فيما اذا جعل له الخيار، أو برضاه بالبيع، أو بضمانه للثمن، فلأن ذلك
سبب ثبوت الشفعة. فلم تسقط به، كما لو أذن في البيع.
ولأن المسقط لها الرضى بتركها بعد وجوبها ولم يوجد.
وأما كونها لا تسقط بسلام الشفيع على المشتري بعد البيع وقبل الطلب،
فلأن ذلك السنة لحديث: " من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه " (^٢) . ذكره
في " المغني " ولم يعزه لأحد.
وأما كونها لا تسقط بدعائه له، فلأن دعاءه إن كان بالبركة في البيع فهو دعاء
_________________
(١) ساقط من ا.
(٢) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٢٥٣٣٦) ٩: ١٢٩ محظورات السلام.
[ ٦ / ٤٠١ ]
لنفسه، لأن الشقص يرجع عليه، وإن كان بغير ذلك متصلا بالسلام فيكون من
توابعه فيلحق به في الحكم.
ولأن هذا لا يدل على الرضى بتركها بعد وجوبها.
وأما كونها لا تسقط بإسقاطها قبل البيع، لأنه إسقاط حق قبل وجوبه. فلا
يسقط، كما لو أبرأه مما سيقرضه له.
وقيل: تسقط بتوكله للمشتري] في الشراء.
وقيل: بتوكله للبائع.
وقيل: بتوكله أحدهما أيهما كان.
وقيل: وبدعائه للمشتري] (^١) .
وعنه: بإسقاطها قبل البيع.
(ومن) أي: وأي ولي (ترك شفعة موليه) أي: الذي تحت حجره،
(ولو) كان تركه لها (لعدم حظ) رآه: (فله) أي: فللمولى عليه حالة البيع:
(إذا صار أهلا) بأن كان مجنونا فعقل، أو صغيرا فبلغ، أو سفيها فرشد (الأخذ
بها) أي: بالشفعة. ولو كان الولي قد صرح بالعفو عنها.
قال في " المغني ": وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور: له الشفعة
إذا بلغ فاختار.
ولم يفرق، لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها. سواء كان له الحظ فيها
أو لم يكن.
ولأنها لا تسقط بترك غير الشفيع، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها.
وقيل: تسقط بإسقاط الولي.
وقيل: مع عدم الحظ.
وعلم مما تقدم: ثبوت الشفعة للمحجور عليه، لعموم الأحاديث.
_________________
(١) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٠٢ ]
ولأنها خيار تثبت بالبيع لإزالة الضرر عن المال. فثبت للمحجور عليه،
كخيار الرد بالعيب.
وعلم منه أيضا: أن الولي يملك الأخذ بالشفعة، وإن لم يملك العفو
عنها، لأن في الأخذ تحصيلا واستيفاء للحق، ولا يلزم من ملك استيفاء الحق
ملك إسقاطه. بدليل سائر حقوق المحجور عليه.
إذا تقرر هذا: فمتى رأى الولي الحظ في الأخذ بأن كان الشراء رخيصا أو
بثمن المثل، وللمحجور عليه مال يشتري منه: لزم الولي الأخذ بالشفعة، لأن
عليه الاحتياط والأخذ بما فيه الحظ. فإذا أخذ بها ثبت الملك للمحجور عليه،
ولم يملك الرد إذا صار أهلا.
وليس على الولي غرم بتركها مع الحظ فيها، لأنه لم يفوت شيئا من ماله
وإنما ترك تحصيل ما له فيه حظ. أشبه ما لو ترك شراء العقار غير المشفوع مع الحظ في شرائه.
وإن رأى الولي الحظ في تركها مثل أن يكون المشتري قد عين، أو كان
الأخذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال المحجور عليه: فليس له الأخذ،
لأنه لأيملك فعل ما لاحظ لموليه فيه.
ومتى أخذ في هذه الحالة.
قال في " المغني ": فهل يصح، على روايتين:
إحداهما: لا يصح، ويكون باقيا على ملك المشتري.
والثانية: يصح الأخذ، وينتقل الملك للمحجور عليه.
وإذا باع وصي يتيمين نصيبا لأحدهما في عقار مشترك بينهما: كان له الأخذ
للاخر بالشفعة، لأنه كالشراء له.
وإن كان الوصي شريكا لمن باع عليه لم يكن له الأخذ، لأنه متهم في بيعه.
ولأنه بمنزلة من يشتري لنفسه من مال يتيمه.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
ولو باع الوصي نصيبه كان له الأخذ لليتيم بالشفعة إذا كان له الحظ فيها،
لأن التهمة منتفية. فإنه لا يقدر على الزيادة في ثمنه، لكون المشتري لا يوافقه.
ولأن الثمن حاصل له من المشتري كحصوله من اليتيم. بخلاف بيعه مال
اليتيم فأنه يمكنه تقليل الثمن ليأخذ الشقص به.
وإذا رفع الأمر إلى الحاكم فباع عليه فللوصي الأخذ حينئذ، لعدم التهمة.
وإن كان مكان الوصي أب (^١) فباع شقص الصبي: فله أن يأخذه بالشفعة،
لأن له ان يشتري من نفسه مال ولده لعدم التهمة.
وإن بيع شقص في شركة حمل لم يكن لوليه أن يأخذ له بالشفعة، لأنه
لايمكن تمليكه بغير الوصية. فإذا ولد (^٢) الحمل ثم كبر فله الأخذ بالشفعة،
كالصبى إذا كبر. ذكره في " المغني ".
الشرط (الرابع) من شروط الأخذ بالشفعة: (أخذ جميع) الشقص
(المبيع)، لئلا ينضر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع. مع
أن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل، دفعا لضرر الشركة. فإذا أخذ البعض لم
يندفع الضرر.
(ف) لهذا (ان طلب) الشفيع (بعضه) أي: بعض الشقص المبيع دون
باقيه (مع بقاء الكل) أي: كل المبيع: (سقطت) شفعته.
ولأن حق الأخذ إذا سقط بالترك في البعض سقط في الكل كعفوه عن بعض
قود يستحقه.
(وإن تلف بعضه) أي: بعض الشقص المبيع بتلف بعض ما منه الشقص،
لأنه لا يتصور تلف بعض الشقص على انفراده، كما لو انهدم بيت من الدار التي
بيع منها الشقص المشفوع بسبب أمر سماوي، كالمطر أو بفعل ادمي. سواء كان المشتري للشقص أو غيره وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة: (أخذ بافيه) أي: باقي
_________________
(١) ساقط من ا.
(٢) ساقط من أ.
[ ٦ / ٤٠٤ ]
الشقص منسوبا إلى ما لم يتلف من الدار (بحصته) أي: بحصة الباقي بعد ما
تلف (من ثمنه) أي: ثمن جميع الشقص. فلو كان الشقص. المشفوع نصفا من
الدار والبيت الذي انهدم منها ينقص بانهدامه نصف قيمتها أخذ الشفيع الشقص
فيما بقي من الدار بنصف ثمنه.
ثم إن كانت الانقاض موجودة أخذها مع العرصة وما بقي من البناء بالحصة.
وإن كانت معدومة اخذ ما بقي من البناء مع العرصة بالحصة، لأنه تعذر عليه أخذ
كل المبيع بتلف بعضه فجاز له اخذ الباقي بحصته، كما لو تعذر عليه اخذ الكل
لكون معه شفيع آخر.
وقال ابن حامد: ان كان التلف بأمر سمأوي فليس له اخذ الباقي إلا بجميع
الثمن، لأنه متى كان تلف البعض بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري. فلا
يتضرر بأخذ الباقي بحصته. ومتى كان بغير ذلك لم يرجع إليه شيء. فيكون
الأخذ منه بالحصة إضرارا به.
ورد: بأن الإضرار إنما حصل بالتلف ولا صنع للشفيع فيه والذي يأخذه
الشفيع يؤدي ثمنه. فلا ضرر على المشتري في أخذه.
وإنما قلنا بأخذ الانقاض وإن كانت منفصلة بالحصة، لأن استحقاقه للشفعة
كان حال عقد البيع، وفي تلك الحال كانت متصلة اتصالا ليس مآله إلى
الانفصال، وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حق الشفعة.
ويفارق الثمرة غير المؤبرة إذا تأبرت فان مآلها إلى الانفصال والظهور. فإذا
ظهرت (^١) فقد انفصلت. فلم تدخل في الشفعة.
وان نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع مثل: ان انشق الحائط، أو شعث
الشجر، أو بارت الأرض: فليس له إلا الأخذ بجميع الثمن أو الترك، لأن هذه المعانى لا يقابلها الثمن. بخلاف الأعيان.
ولهذا قلنا: لو بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه.
_________________
(١) في اوج: أظهرت.
[ ٦ / ٤٠٥ ]
ولو زاد المبيع زيادة متصلة دخلت في الشفعة. قاله في " المغني ".
وحكى في " الإنصاف " خلافا في بعض مسائل مما ذكرت.
وعبارته:
فائدة: لو تعيب المبيع بعيب من العيوب المنقصة للثمن مع بقاء عينه فليس
له الأخذ إلا بكل الثمن أوالترك. قطع به المصنف في " المغني وصاحب
" التلخيص " والشارح وصاحب " الرعأيتين " و" الحأوي الصغير ".
وفيه وجه اخر: له الأخذ بالحصة. اختاره القاضي يعقوب.
قال الحارثي: وأظن أو أجزم أنه قول القاضي في " التعليق "، قال: وهو
الصحيح. انتهي.
وهاهنا مسألة قد دخلت في عموم لفظ المتن عقبته بها تبعا لصاحب
" الفروع " عبارته وهي قوله: (فلو اشترى دارا بألف تسأوي ألفين. فباع بابها
أو هدمها. فبقيت بألف: اخذها بخمسمائة) بالقيمة (^١) من الثمن. نص عليه.
انتهي كلامه في " الفروع ".
والمراد بقوله: فلو اشترى دارا أي: شقصا من دار من (^٢) إطلاق الكل على
البعض، ومنه قوله تعالى: (يحعلون اصابعهم فئاذانهم من الصواعق)] البقرة: ١٩] أي: أناملهم، لأن الدار لا تؤخذ كاملة بشفعة إلا على قول من يقول بشفعة
الجوار. والله أعلم.
(وهي) أي: الشفعة (بين) شركاء (شفعاء على قدر املاكهم) فيما منه
الشقص المبيع، لأن ذلك حق يستفاد بسبب الملك. فكان على قدر الأملاك،
كالغلة. فدار بين ثلاثة نصف وثلث وسدس. فباع رب الثلث فالمسأله من ستة
والثلث يقسم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد.
وعنه: على عدد الرؤوس.
_________________
(١) في ا: باقية.
(٢) في أوب: في.
[ ٦ / ٤٠٦ ]
فعلى هذه يقسم الثلث المبيع بين صاحب النصف وصاحب السدس بالسوية.
(ومع ترك البعض) من الشركاء حقه من الشفعة: الم يكن للباقي) الذي
لم يترك حقه (أن يأخذ) بالشفعة (إلا الكل) أي: كل المبيع، (أو يترك) الكل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من اهل العلم على هذا، لأن في
اخذ البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر. ولأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل، دفعا لضرر الشريك الداخل
خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة. فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع عنه
الضرر. فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل. فلا تثبت.
(وكذا إن غاب) بعض الشركاء فإنه ليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه
فقط. نص عليه، لأنه لم يعلم مطالب سواه. ولا نرى في أخذ بعض الشقص
تبعيضا لصفقة المشتري. فلم يجز ذلك، كما لو لم يكن معه غيره. ولا يمكن
تأخير حقه إلى أن يقدم الغائب، لأن في التأخير إضرارا بالمشتري.
قال الحارثي: وإطلاق نص أحمد ينتظر بالغائب في رواية حنبل يقتضي
الاقتصار على حصته، فال: وهذا أقوى، والتفريع على الأول. فلو كان
الشفعاء ثلاثة فحضر أحدهم وأخذ جميع الشقص ملكه.
(ولا يؤخر بعض ثمنه ليحضر غائب) فيطالب، لأن الثمن قد وجب عليه
بالأخذ. فلم يملك تأخيره.
(فإن أصر) على الامتناع من أيفائه (فلا شفعة) أي: فيسقط حقه منها،
كما لو أبي اخذ جميع المبيع.
(والغائب) من الشفعاء [(على حقه) من الشفعة] (^١) لموضع العذر. فإذا
حضر ثان بعد أخذ الأول جميع الشقص قاسمه إن شاء، أو عفى فبقي للأول،
لأن المطالبة إنما وجدت منهما. فإن قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما إن أحب
أو عفى فيبقى للأولين. هذا قول الأكثر.
_________________
(١) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٠٧ ]
وقال ابن الزاغونى: القادم بالخيار بين الأخذ من الحاضر وبين نقض شفعته
في قدر حقه فيًاخذ من المشتري 'ن تراضوا على ذلك، والا نقض الحكم (^١)
كما قلنا ولم يجبر الحاضر على التسليم إلى القادم. قال: وهذا ظاهر المذهب
فيما ذكر أصحابنا. نقله عنه في " الإنصاف ".
وإن قال الأول وقد أخذ الشقص كله: لا اخذ منك نصفه بل أقتصر على قدر
نصيبي وهو الثلث: فله ذلك، لأنه اقتصر على بعض حقه. وليس فيه تبعيض
الصفقة على المشتري، والشفيع دخل على أن الصفقة تتبعض عليه. وإذا قدم
الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده فيضيفه إلى ما في يد الأول ويقتسمانه نصفين فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر سهما.
(ولا يطالبه) أي: ولا يطالب غائب مسبوق بالأخذ سابقا (بما أخذه)
السابق (من غلته) أي: غلة الشقص المشفوع من ثمر وأجر ونحوهما، لأنه
انفصل في ملكه. فأشبه ما لو انفصل في يد المشتري بل الأخذ بالشفعة.
وإن ترك الأول الأخذ توفرت الشفعة لصاحبيه. فإذا قدم الأول منهما فله
أخذ الجميع على ما ذكرنا في الأول. فإن اخذ الأول بالشفعة جميع الشقص ثم
رده لعيب فيه توفرت الشفعة على صاحبيه، لأنه رجع إلى المشتري بالسبب الأول فكان لشريكيه اخذه كما لو عفى. بخلاف ما لو عاد إلى المشتري لهبة أو نحوها،
لأنه عاد بغير السبب الذي تعلقت به الشفعة.
ولو لم يقدم الثالث حتى قاسم الثاني الأول فأخذ بحقه من الشفعة: بطلت
القسمة، لأن هذا الثالث لما أخذ بالشفعه صار كأنه مشارك في حالى القسمة
لثبوت حقه اذا.
ولهذا لو باع المشتري ثم قدم الشفيع كان له إبطال البيع.
فإن قيل: فكيف تصح القسمة مع غيبة أحد الشركاء؟
فالجواب: أن للحاكم المقاسمة عن الغائب بطلب الشريك الحاضر،
_________________
(١) في ب: الحاكم.
[ ٦ / ٤٠٨ ]
ويحتمل أن يكون الغائب وكل في القسمة قبل صدور البيع المترتبة عليه الشفعة.
ولو لم يقدم الثالث. حتى غاب أحد شريكيه اخذ من الحاضر ثلث ما بيده، لأنه
قدر ما يستحقه ثم. إن قضى له [القاضي على الغائب اخذ ثلث ما بيده (^١) أيضا،
وإن لم يقض له] (^٢) انتظر الغائب حتى يقدم، لأنه موضع عذر.
(ولو كان المشتري) للشقص (شريكا) في العقار وثم شريك آخر: (اخذ
بحصته) من الشقص المبيع. نص عليه، لأنهما تساويا في الشركة. فتساويا في
الشفعة، كما لو اشتراه غير الشريك.
(فان عفا) المشتري عن شفعته (ليلزم به) أي: بجميع الشقص (غيره)
من الشركاء: (لم يلزمه) أخذ جميعه، ولم يصح الإسقاط، لأن ملكه قد استقر
على قدر حقه. وجرى مجرى الشفيعين إذا حضر احدهما فأخذ الجميع ثم حضر الاخر وطلب حقه منها فقال الآخذ للجميع لشريكه: خذ الكل أو دعه.
(ولشفيع فيما) أي: في شقص (^٣) (بيع على عقدين الأخذ) بالشفعة
(بهما) أي: بالعقدين، لأنه شفيع فيهما.
(و) له الأخذ أيضا (بأحدهما) فقط أيهما كان، لأن كلا منهما بيع مستقل
بنفسه وهو يستحقها. فاذا أسقط البعض كان له ذلك، كما لو أسقط حقه
من الكل.
(ويشاركه) أي: يشارك الشفيع (مشتر اذا اخذ بالثاني) أي: بالعقد الثاني
(فقط) أي: دون الأول بنصيبه من الأول، لأن الشفيع اسقاطه حقه من البيع
الأول استقر ملك المشتري فيه فصار شريكه. فيشاركه في البيع الثاني.
وقيل: لا.
وقيل: إن عفى الشريك عن أولهما شاركه، والا فلا.
_________________
(١) في خ: في يده.
(٢) ساقط من ا.
(٣) في ا: الشقص.
[ ٦ / ٤٠٩ ]
وعلم مما تقدم انه ان (^١) اخذ بالبيعين أو بالأول انه لا يشاركه، لانه لم يسبق
له شركة.
وان بيع الشقص على أكثر من عقدين فللشفيع الأخذ بالجميع وببعضهما،
ويشارك المشتري فيما إذا أخذ بعقد غير الأول فقط بنصيبه مما قبله. هذا
إذا تعددت العقود. دون البائع والمشتري.
(وإن) تعددا دون العقد بأن (اشترى اثنان حق واحد) صفقة واحدة،
(أو) اشترى (واحد حق اثنين) صفقة واحدة.
(أو) تعدد العقار الذي تجب به الشفعة بأن اشترى واحد من اخر (شقصين
من عقارين صفقة) واحدة: (فللشفيع) فيما إذا اشترى اثنان حق واحد أو واحد
حق اثنين (اخذ حق احدهما) أي: احد المشترين أو البائعين، لأن الصفقة مع
الاثنين. سواء كانا بائعين أو مشتريين بمنزلة عقدين. فيكون للشفيع الأخذ بهما وبأحدهما أيهما شاء.
وعلى هذا أن باع اثنان من اثنين فهي اربعة عقود، وللشفيع الأخذ بالكل،
وبما شاء منها.
وقيل: أن العقد مع اثنين أو أكثر عقد واحد ليس للشفيع أن يأخذ إلا الكل
أو يترك.
وإن اشترى واحد لنفسه ولغيره بالوكالة شقصا من واحد أو باع أحد الشركاء
عن نفسه وعن شريكه بطريق الوكالة شقصا من واحد: كان ذلك بمنزلة عقدين، لتعدد من وقع له العقد أو منه. فللشفيع أخذ ما اشتراه الوكيل لنفسه أو لموكله
فقط، وأخذ ما باعه الوكيل عن نفسه أو عن موكله فقط.
وقيل: لا.
(و) للشفيع أيضا على المذهب فيما إذا باع شريكه في عقارين شقصين
منهما صفقة أخذ (احد الشقصين) من أحد العقارين دون الآخر، لأن كلا منهما
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٦ / ٤١٠ ]
مستحق بسبب غير الاخر. فجرى مجرى الشريكين.
ولأن الضرر قد يلحق الشفيع بًارض دون أرض.
وقيل: ليس له أن يأخذ إلا الشقصين أو يترك لما فيه من التبعيض على
المشتري.
(و) للشفيع أيضا (أخذ شقص بيع) من عقار مشفوع (مع ما) أي (^١): مع
شيء (لا شفعة فيه)، كما لو بيع شقص وسيف أو وثوب أو وفرس صفقة بثمن
واحد (بحصته) متعلق بأخذ.
ومعنى أخذه بحصته: أنه (يقسم الثمن) المسمى في العقد (على قيمتهما)
أي: قيمة الشقص المشفوع وقيمة ما معه. نص عليه. فلو كانت قيمة الشقص
ألفا وقيمة ما معه خمسمائة وكان ثمنهما ألفا ومائتين اخذ الشفيع الشقص
بثمانمائة.
الشرط (الخامس) من شروط الأخذ بالشفعة: (سبق ملك شفيع للرقبة)
أي: أن يسيق ملكه لجزء من رقبة ما معه الشقص المبيع على زمن البيع، لأن
الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك. فإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر
عليه. فلاشفعة.
(فتثبت) الشفعة (لمكاتب) سبق ملكه للرقبة لصحة ملكه كغيره.
(لا لأحد اثنين اشتريا دارا صفقة على الآخر)، لانه لا مزية لأحدهما على
الآخر، لاستوائهما في البيع في زمن واحد، لأن (^٢) شرط الأخذ سبق الملك
وهو معدوم هنا.
(و) كذا (لو) جهل السبق (مع ادعاء كل) منهما (السبق وتحالفا،
أوتعارضت بينتاهما) بأن شهدب بينة كل واحد منهما بسبق ملكه وتجدد ملك
صاحبه، لأنه لم يثبت السبق لواحد منهما.
_________________
(١) ساقط من ا.
(٢) في ا: لا.
[ ٦ / ٤١١ ]
وقيل: يقرع بينهما. فمن قرع حلف وقضي له.
وعلم مما تقدم: انه لو لم يكن لأحدهما بينة حكم عليه لمن له البينة.
(ولا) يثبت الملك لمالك (بملك غير تام، كشركة وقف) على معين.
فإن الموقوف عليه ليس له الأخذ بالشفعة.
وقيل: بلى.
وللأصحاب في المسألة ثلاثة (^١) طرق:
إحداها: أن الخلاف جار. سواء قلنا يملك الموقوف عليه أو لا.
الثانية: إن قلنا بعدم الملك فلا شفعة، وان قلنا بالملك وجهان.
الثالثة: إن قلنا الموقوف عليه يملك الوقف وجبت الشفعة، وإلا فلا.
(أو) يملك (المنفعة) أي: ولا يثبت الأخذ بالشفعة لشريك يملك
المنفعة، (كبيع شقص من دار موصى بنفعها له) فانه لا شفعة للموصى له، لأن المنفعة لا تؤخذ بالشفعة فلا تجب بها.
_________________
(١) في الأصول: ثلاث. وما أثبتناه موافق للقواعد.
[ ٦ / ٤١٢ ]
] فصل: في حكم تصرف المشتري في المشفوع]
(فصل. وتصرف مشتر) في الشقص المشفوع (بعد طلب) من الشفيع
بالشفعة (باطل)، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح. وتقدم ذكر
الخلاف في ذلك (^١) .
(و) تصرف المشتري في الشقص (قبله) أي: قبل الطلب (بوقف أو هبة
أو صدقة، أو بما لا تجب به شفعة ابتداءا، كجعله مهرا، أو عوضا في خلع،
أو صلحا عن دم عمد: يسقطها) أي: الشفعة.
قال القاضي: المنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعيد وبكر بن محمد
إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة. ذكره عنه في " المغني ".
والصدقه كالهبة، لأن في الشفعة إضرارا بالموقوف عليه والموهوب له
والمتصدق عليه، لأن ملكه يزول عنه بغير عوض، لان الثمن إنما يأخذ
المشتري، ولا يزال الضرر بالضرر.
وقال أبو بكر: لا تسقط بذلك. وللشفيع فسخ ذلك التصرف ويأخذه بالثمن
الذي وقع البيع به. حتى لو جعله مسجدا، لأن حق الشفيع أسبق وحجته
أقوى. فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفا يبطل حقه.
ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير، كما لو وقف المريض أملاكه
وعليه دين. فإنه إذا مات رد الوقف إلى الغرماء.
(ولا) تسقط بتصرف المشتري في الشقص المشفوع (برهن أو إجارة)،
لبقاء المؤجر والمرهون في ملك المشتري وسبق تعلق حق الشفيع على حق
المرتهن والمستأجر.
_________________
(١) ص (٣٩٧).
[ ٦ / ٤١٣ ]
والحق الموفق الرهن بالهبة والوقف.
قال الحارثي: وهو بعيد عن نص أحمد. فانه أبطل في الصدقة والوقف
بالخروج عن اليد والملك، والرهن غير خارج عن الملك فامتنع الإلحاق. انتهي.
وقدم في " الرعاية " سقوط الشفعة بالإجارة.
(وينفسخان) أي: الرهن والإجارة (بأخذه) أي: بأخذ الشفيع الشقص
المرهون أو المؤجر بالشفعة فلا أجرة للشفيع لما قبل الأخذ.
وقيل: بل له الأجرة.
وقيل: لا تنفسخ الإجارة ويستحق الشفيع الأجرة من يوم أخذه.
وقيل: للشفيع الخيار بين فسخ الإجارة وتركها.
وإن تصرف المشتري في الشقص بجعله صداقا أو عوضا في خلع أو صلحا
عن دم عمد: فقال في " المغني ": انبنى ذلك على الوجهين في الأخذ بالشفعة.
وقال في موضع آخر: وما كان في معانى البيع مما تجب به الشفعة فهو
كالبيع، وما كان مما لا تجب به الشفعة فهو كالهبة والوقف. انتهي.
وإن تصرف فيه بوصية: فقال في " الإنصاف ": لو أوصى بالشقص فإن
أخذ الشفيع قبل القبول بطلت الوصية واستقر الأخذ. ذكره المصنف- يعني:
الموفق- والشارح والحارثي وغيرهم.
وإن طلب ولم يأخذ بعد بطلت الوصية أيضا، ويدفع الثمن إلى الورثة، لأنه
ملكهم،
وإن كان الموصى له قبل قبل أخذ الشفيع أو طلبه فكما مر في الهبة تنقطع
الشفعة بها على المذهب. انتهي.
وقال ابن نصر الله في " حاشيته على المغني ": فلو مات المشتري وانتقل
الشقص إلى وارثه فهل تسقط الشفعة؟ لم أجد من صرح بذلك. وعموم كلام
الشيخ (^١) هنا يقتضي أنه كالهبة.
_________________
(١) في ا: الشيخ تقي الدين ..
[ ٦ / ٤١٤ ]
وفي " الوجيز ": لا تسقط الوصية بالشقص. وهذا يقتضي أن موت
المشتري لا يسقطها مع أنه اسقطها بالهبة والوقف. انتهي.
ولو ارتد المشتري وقتل أو مات فللشفيع الأخذ بالشفعة من بيت المال. قاله
الشارح واقتصر عليه الحارثي. ذكره في " الإنصاف ".
قلت: وعزوه ذلك إلى الشارح يدل على أنه لم يطلع على كلام الموفق في
" المغنى ". وعبارته: ولو اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات فللشفيع
أخذه بالشفعة، لأنها وجبت بالشراء. وإنتقاله الى المسلمين بقتله أو موته
لا يمنع الشفعة كما لو مات على الإسلام فورثه ورثته، أو صار ماله لبيت المال،
لعدم ورثته. والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال. انتهي.
وفي هذا أيضا تصريح بأن موت المشتري وإنتقال ماله إلى ورثته لا يمنع
الشفعة.
وتقدم كلام ابن نصر الله: أنه لم يجد من صرح بذلك. وقوة كلام الموفق
تعطي أنه لا خلاف فيه، لانه جعله أصلا، وقاس عليه مسألة المرتد. والله أعلم.
(وإن باع) المشتري (^١) الشقص (أخذ) ـه (شفيع بثمن أي البيعين شاء)،
لأن سبب الشفعة الشراء وقد وجد من كل منهما.
ولأنه شفيع في العقدين.
وقال ابن أبي موسى: لا يأخذه الشفيع إلا ممن هو في يده. وهو ظاهر كلام
ابن عقيل في " التذكرة "، لانه قال: إذا خرج عن يده وملكه كيف يسلمه؟
ومقتضى القولين صحة التصرف.
ولنا وجه: أنه باطل. وهو ظاهر كلام أبي بكر في " التنبيه ". قاله في
القاعدة الرابعة والعشرين.
وذكر أبو الخطاب أن تصرف المشتري في الشقص المشفوع يصح ويقف على
إجازة الشفيع.
_________________
(١) في أ: للمشتري.
[ ٦ / ٤١٥ ]
فعلى الأول وهو: أن الشفيع له الأخذ بثمن أي عقد شاء: إن تبايع ثلاثة فله
أن يأخذ المبيع بالبيع الأول وينفسخ. العقدان الآخران، وله أن يأخذ بالثاني
وينفسخ الثالث وحده، وله أن ياخذه بالثالث ولا ينفسخ شيء من العقود. فإذا
أخذه من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد، لأنه وصل
إليه الثمن الذي اشتراه به. وإن أخذه الشفيع بثمن البيع الثاني من المشتري الثاني
أو بثمن البيع الأول من المشتري الأول دفع إليه الثمن الذي اشتراه به.
(ويرجع من اخذ) أي: الذي أخذ (الشقص منه ببيع قبل بيعه) وهو من
كان الشقص بيده حال الأخذ (على بائعه بما أعطاه) من ثمنه. فإذا كان الأول
اشتراه بعشرة أرادب شعيرا، واشتراه الثاني منه بعشرة أرادب فولا، واشتراه
الثالث منه بعشرة أرادب قمحًا، وأراد الشفيع اخذه بثمن البيع الأول من المشتري الثالث دفع إلى المشتري الأول عشرة أرادب شعيرا، وأخذ الثاني من الأول عشرة ارادب فولا، وأخذ الثالث من الثاني عشرة أرادب قمحا، لأن بفسخ البيع يملك المشتري الرجوع في الثمن. وإن أخذ (^١) بالبيع الثاني دفع إلى المشتري الثاني
عشرة أرادب فولا، وأخذ المشتري الثالث عشرة أرادب قمحا من المشتري
الثاني. وإن أخذ بالبيع الثالث دفع إلى المشتري الثالب عشرة أرادب قمحا
ولا يرجع الثالث على احد.
(ولا تسقط) الشفعة برجوع الشقص إلى الشريك (بفسخ) للبيع (لتحالف)
على قدر الثمن بسبب اختلافهما فيه، لسبق استحقاق الشفعة الفسخ.
(ويؤخذ) بالشفعة (بما) أي: بثمن (حلف عليه بائع)، لأن البائع مقر
بالبيع بالثمن الذي حلف عليه ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك. فإذا بطل
حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك. فله أن يبطل فسخهما ويأخذ،
لأن حقه أسيق.
(ولا) تسقط الشفعة أيضا برجوع الشقص إلى الشريك بسبب (إقالة أو)
_________________
(١) فى أ: وأخذ.
[ ٦ / ٤١٦ ]
بسبب إنفساخ البيع، لوجود (عيب في شقص). فللشفيع إبطال الإقالة والرد
والأخذ بالشفعة، لأن حقه سابق عليهما.
وفي الإقالة رواية في الرد بالعيب وجه.
(و) فسخ البيع في الشقص بحيب (في ثمنه المعين)، كما لو باع الشريك
الشقص بعبد ثم وجد بالعبد عيبا ففسخ البيع أن كان الفسخ (قبل أخذه) أي:
الشفيع (بها) أي: بالشفعة: (يسقطها)، لأن في عدم سقوطها إضرارا بالبيع
بإسقاط حقه من الفسخ الذي استحقه بوجود العيب، والشفعة تثبت لإزالة
الضرر. فلا تثبت على وجه يحصل بها الضرر. فإن الضرر لا يزال بالضرر.
ولأن حق البائع في الفسخ أسبق، لأنه استند إلى وجود العيب وهو موجود
حال البيع والشفعة تثبت بالبيع فكان حق البائع سابقا، وفي الشفعة إبطاله فلم
تثبت. ويفارق ما إذا كان الشقص معيبا فإن حق المشتري إنما هو في استرجاع
[الثمن وقد حصل له من الشفيع فلا فائدة في الرد. وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع] (^١) الشقص ولا يحصل ذلك مع الأخذ بالشفعة فافترقا.
(لا بعده) أي: أن لم يفسخ البائع البيع حتى أخذ الشفيع الشقص يالشفعة
فإنها لا تسقط، لأن الشفيع ملك الشقص بالأخذ. فلم يملك البائع إبطال
ملكه، كما لو باعه المشتري لأجنبي.
(ولبائع) فسخ (إلزام مشتر بقيمة شقصه)، لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة
التلف للشقص.
(ويتراجع مشتر وشفيع بما بين قيمة) للشقص (وثمن) له وهو قيمة العبد،
لأن الشفيغ أخذه قبل الاطلاع على عيب العبد بقيمته، لأنه الثمن الذي وقع عليه
العقد وبعد الاطلاع على عيب العبد وفسخ البيع وتعذر رد الشقص استقر العقد
على قيمة الشقص، والشفيع لا يلزمه إلا ما استقر عليه العقد، وللمشتري
المطالبة بما أداه زيادة عليه.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٦ / ٤١٧ ]
(فيرجع دافع الأكثر) منهما على صاحبه (بالفضل).
وقيل: لا يتراجعان، لأن الشفيع أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد وهو
قيمة العبد صحيحًا. بدليل أن البائع إذا علم بالعيب ملك رده.
ويحتمل أنه يأخذه بقيمة العبد معيبا، لأنه إنما أعطى عبدا معيبا فلا يأخذ
قيمة غير ما أعطي.
(ولا يرجع شفيع على مشتر بأرش عيب في ثمن عفى عنه بائع) يعني: أن
البائع لو أبرأ مشتري الشقص من العيب الذي وجده بالعبد لا يرجع الشفيع عليه
بشيء، لأن البيع لازم من جهة المشتري لا يملك فسخه. أشبه ما لو حط البائع
عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد.
وإن اختار البائع أخذ أرش عيب العبد: لم يرجع مشتر على شفيع بشيء،
لأنه إنما دفع إليه قيمة العبد غير معيب.
وإن كان إنما اخذ قيمته معيبا رجع عليه ببدل ما أدى من أرشه.
وحيث تعذر رد الشقص على بائعه بمقتضى فسخ العقد لوجوده العبد معيبا
من أجل كون الشفيع أخذه بالشفعة لما تقدم من أن أخذه بالشفعة كتلفه، وإن على المشتري قيمته لبائعه فإنه لو عاد الشقص إلى ملك المشتري من الشفيع أو غيره
ببيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك لم يملك البائع استرجاعه بمقتضى الفسخ
السابق، لأن ملك المشتري زال عنه وانقطع حقه منه إلى القيمة. فإذا أخذ بها لم
ييق له حق. بخلاف ما لو غصب شيئا فأدى قيمته، لعدم قدرته على رده ثم قدر عليه: فإنه يرده، لأن ملك المغصوب منه لم يزل عنه.
وإن بان العبد الذي هو ثمن الشقص مستحقا فالبيع باطل ولا شفعة فيه،
لانها إنما تثبت في عقد ينتقل الملك إلى المشتري. فإن كان الشفيع قد أخذ
بالشفعة لزمه رد ما اخذه على البائع، ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو إقرار من الشفيع والمتبأيعين. فان أقر المتبأيعان وأنكر الشفيع لم يقبل قولهما عليه وله الأخذ
بالشفعة ويرد العبد إلى صاحبه ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص.
[ ٦ / ٤١٨ ]
وإن أقر الشفيع والمشتري دون البائع: لم تثبت الشفعة، ووجب على
المشتري رد قيمة العبد على صاحبه، ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع والبائع ينكره ويدعي عليه وجوب رد العبد فيشتري الشقص منه ويتباران.
وإن أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري: وجب على البائع رد العبد على
صاحبه، ولم تثبت الشفعة، ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء، لأن البيع
صحيح في الظاهر وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر.
وإن أقر الشفيع وحده: لم تثبت الشفعة، ولا يثبت شيء من أحكام البطلان
في حق المتبأيعين.
فأما ان اشترى الشقص بثمن في الذمة ثم نقد الثمن فبان مستحقا كانت
الشفعة واجبة، لأن البيع صحيح. فان تعذر قبض الثمن من المشتري لإعساره أو غيره: فللبائع فسخ البيع ويقدم حق الشفيع، لأن بالأخذ بها يحصل للمشتري ما
يؤديه ثمنا فتزول عسرته ويحصل الجمع بين الحقين. قاله في " المغني ".
(وإن أدركه) أي: أدرك الشقص المبيع (شفيع) أي: من له أخذه من
مشتريه بالشفعة (وقد اشتغل بزرع مشتر.
أو) كان الشقص من أرض وشجر فلم يدركه الشفيع حتى (ظهر ثمر) في
شجره بعد شرائه.
(أو) كان الشقص من أرض ونخل فلم يدركه الشفيع حتى (ابر طلع)
للنخل المبيع وهو على ملك المشتري، (ونحوه)، كما لو كان الشقص من
أرض بها أصول باذنجان أو قثاء أو نحوهما ولم يدركه الشفيع حتى ظهر في ذلك وهو على ملك المشتري لقطة: (فله) أي: فالزرع والثمرة التي ظهرت والطلع
الذي قد أبر واللقطة الأولى من القثاء والباذنجان ونحوهما للمشتري دون
الشفيع.
أما الزرع، فلأنه نماء البذر وهو ملك المشتري فكذلك نماؤه.
وأما الثمن، فلأنه حدث في ملك المشتري.
[ ٦ / ٤١٩ ]
(ويبقى) الزرع (لحصاد) أي: إلى أوان حصاد، (و) الثمر إلى أوان
(جذاذ.
ونحوه) أي: واللقطة الأولى من قثاء وباذنجان إلى أوان تبقى فيه بقدر ما تلقط
في العادة. (بلا اجرة) على المشتري للشفيع عما يقابل الشقص المشفوع، لأن
الأخذ بالشفعة كالشراء الثاني من المشتري فيكون حكمه حكم البيع.
ومتى كان الطلع موجودا حالة الشراء غير مؤبر ثم أبر عند المشتري: فهو له
أيضا مبقى إلى أوان جذاذه. لكن الشفيع هنا لا يلزمه أخذ الأرض والنخل بجميع الثمن، وإنما يأخذهما بحصتهما منه، لأنه قد فات عليه بعض ما شمله عقد
الشراء وهو الطلع الذي لم يؤبر حالة العقد. أشبه ما لو شمل العقد الشقص
وعرضا معه.
وأما إذا نمى المبييع في يد المشتري نماء متصلا، كالشجر يكبر، والنخل
يطلع ولم يؤبر: فإن الشفيع يأخذه بزيادته، لأن هذه زيادة تتبع الأصل في الرد
بالعيب والإقالة والخيار فتبعته في الأخذ بالشفعة.
فإن قيل: فلم لا يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول؟
فالجواب: أن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة إذا فاته الرجوع بالعين،
وفى مسألة الشفيع إذا لم يرجع قي الشقص سقط حقه من الشفعة فلم يسقط حقه
من الأصل في لاجل ما حدث من التابع، وإذا أخذ الأصل تبعه نماؤه كما ذكرنا في الفسوخ.
(وإن قاسم مشتر شفيعا أو) قاسم (وكيله) أي: وكيل الشفيع (لإظهاره)
أي: المشتري للشفيع (زيادة ثمن) على الثمن المبتاع به الشقص،
(ونحوه)، كإظهاره إن الشريك وهبه له أو وقفه عليه، (ثم غرس) المشتري
(أو بنى) فى الجزء المفروز بالقسمة ثم تبين الحال: (لم تسقط) الشفعة، لأن
الشفيع لم يترك الطلب بها إعراضا عنها بل لما أظهره المشتري.
وكذا الحكم لو كان الشفيع غائبًا أو صغيرا وطالب المشتري الحاكم بالقسمة
[ ٦ / ٤٢٠ ]
فقاسم ثم قدم الغائب وبلغ الصغير فإن لهما الأخذ بالشفعة.
(ولربهما) أي: الغرس والبناء إذا أخذ الشقص بالشفعة (أخذهما) أي:
قلعهما، لأنهما ملكه على انفراده، (ولو مع ضرر) يلحق الأرض، لأنه
تخليص لعين ماله مما كان حين الوضع في ملكه.
وقيل: ليس لرب البناء ولا الغراس القلع إلا إذا لم يكن فيه ضرر.
قال الحارثي: وهذا الخلاف الذي أورده من أورده من الأصحاب مطلقا ليس
بالجيد بل يتعين تنزيله أما على اختلاف حالين، وأما على ما قبل الأخذ. وإنما
أورده القاضي وابن عقيل في " الفصول " على هذه الحالة لا غير. وحيث قيل باعتبار عدم الضرر فيما بعد الأخذ وهو ظاهر ما أورده في " التذكرة ". انتهي. وعنه: له قيمة البناء ولأيقلعه.
(و) على المذهب: (لا يضمن) قالع بنائه أو غراسه (نقصا) حصل
(بقلع)، لانتفاء عدوانه.
فعلى هذا يخير الشفيع بين أخذه ناقصا بكل الثمن أو تركه.
وظاهر كلام الخرقي: أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع دون النقص
الحاصل بالغرس والبناء.
(فإن أبي) رب الغرس أو البناء قلعه. سواء قيل بضمانه للنقص أو لا.
(فللشفيع اخذه) أي: الغرس والبناء ملكا (بقيمته حين تقويمه).
قال الحارثي: يعتبر بدل البناء أو الغراس بما يساويه حال التقويم لا بما انفق المشتري، زاد على القيمة أو نقص. ذكره أصحابنا. انتهي.
وقال في " المغني ": أنه لا يمكن الحجاب قيمته مستحقا للبقاء في الأرض،
لأنه لا يستحق ذلك ولا قيمته مقلوعا، لأنه لو وجبت قيمته مقلوعا لملك قلعه
ولم يضمن شيئا.
ولأنه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه.
[ ٦ / ٤٢١ ]
ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة. والظاهر أن الأرض تقوم وفيها
الغراس والبناء ثم تقوم خالية منهما فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء فيدفعه
الشفيع إلى المشتري إن أحب أو ما نقص منه إن اختار القلع، لأن ذلك هو الذي
زاد بالغراس (^١) والبناء.
ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة أو لأخذه بالقيمة إذا
امتنعا من قلعه. فإن كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة، وإن قلع قبله لم
يكن له قيمة أو تكون قيمته قليلة. فاختار الشفيع قلعه قبل وقته: فله ذلك، لأنه
يضمن النقص فينجبر به ضرر المشتري. سواء أكثر النقص أو قل، ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع وقد رضي باحتماله.
وإن غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثم أخذه الشفييع: فالحكم
في اخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه. انتهي.
وجزم ابن رزين في " شرحه " بما قال في " المغني ": انه الظاهر.
إذا علمت ذلك: فالمذهب ان الشفيع مخير بين شيئين هما: الأخذ بالقيمة
حين التقويم، (أو قلعه ومن نقصه) الذي ينقصه بالقلع (من قيمته). وهذا
التخيير هو قول أكثر العلماء.
وقيل: أنه مخير بين ثلاثة أشياء، والثالث: أن يقره بأجرة.
(فإن أبي) الشفيع أحد الشيئين على المذهب: (فلا شفعة) أي: فلا
يملك المطالبة بها بعد ذلك، لأنه مضار.
(وإن حفر) المشتري في الأرض التي منها الشقص المشفوع (بئرا) لنفسه
بإذن الشفيع لإظهار زيادة في الثمن ثم علم فأخذ بالشفعة: (أخذها) أي: أخذ
البئر مع الشقص، (ولزمه) أي: الشفيع للمشتري (اجرة مثلها) أي: مثل
البئر، لأن المشتري لم يتعد بحفرها.
_________________
(١) في أوب: بالغرس.
[ ٦ / ٤٢٢ ]
(وإن باع شفيع شقصه) في الأرض التي أبيع منها الشقص المشفوع (قبل
علمه) ببيع (^١) شريكه: (فعلى شفعته)، لأنها ثبتت له حين باع شريكه ولم
يوجد منه ما يدل على عفوه عنها.
وقيل: تسقط.
وعلى هذا فيما إذا باع بعض شقصه وجهان.
(و) على المذهب: (تثبت) الشفعة (لمشتر) وهو الذي لم يعلم الشفيع
بشرائه حتى باع شقصه (في ذلك) أي: فيما باعه الشفيع قبل علمه ببيع شريكه.
سواء أخذ منه ما اشتراه بالشفعة أو لم يؤخذ، لأنه شريك في الرقبة. أشبه
المالك الذي لم يستحق عليه شفعة.
وقيل: إن أخذ المبيع من المشتري الأول بالشفعة لم تكن له شفعة على
المشتري الثاني.
وعلم مما تقدم أنه لو باع جميع حصته بعد علمه ببيع شريكه إن شفعته تسقط
وهو صحيح.
قال في " الإنصاف ": لا خلاف فيه أعلمه.
لكن لو باع بعض حصته عالما: ففي سقوط الشفعة وجهان، وأطلقهما في
" المغني " و" الشرح " و" الفائق ": أحدهما: تسقط، والثاني: لا تسقط،
لأنه قد بقي في ملكه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد فكذلك إذا بقي. قال الحارثي: وهو أصح إن شاء الله تعالى، لقيام المقتضي وهو الشركة.
وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني في هذه الصورة؟ فيه
وجهان، وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ":
أحدهما: له الشفعة.
قال الموفق في " المغني ": وهو القياس.
_________________
(١) في أ: بيع.
[ ٦ / ٤٢٣ ]
والوجه الثاني: لا شفعة له.
(وتبطل) الشفعة أي: تسقط (بموت شفيع) لم يطلب مع قدرة أو يشهد
مع عذر، لأنها نوع خيار شرع للتمليك. أشبه قبول الأيجاب في الذي به تمام
عقده، فإنه لو مات من يريد القبول بعد أيجاب صاحبه وقبل قبوله لم يقم وارثه
مقامه في القبول.
ولأنا لا نعلم بقاءه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة
ما شك في ثبوته.
وقال بعضهم: إنما لم تورث، لأن حق الميت سقط بترك الطلب وإعراضه
عنه. لا سيما على قولنا إنها على الفور.
فعلى هذا: لو كان الميت غائبا أو لم يعلم بالبيع فللورثة المطالبة.
ونقل أبو طالب: إذا مات صاحب الشفعة فلولده أن يطلبوا الشفعة
لمورثهم.
قال في " القواعد ": وظاهر هذا إن لهم المطالبة بكل حال. انتهي.
و(لا) تسقط الشفعة ان مات الشفيع (بعد طلبه) المشتري بها، (أو) بعد
(إشهاد به) أي: بالطلب (حيث اعتبر) الإشهاد، كما لو كان الشفيع مريضا
أو نحوه.
قال أحمد في رواية أبي طالب: الشفعة لا تورث. ل صه لم يكن طلبها.
فجعل العلة في إبطالها بالموت عدم العلم بطلب الميت. فيؤخذ منه إذا علم
طلب الميت بها لم تسقط.
وقد تقدم إنه بمجرد الطلب ينتقل ملك الشقص المشفوع إلى الشفيع فيكون
الحق موروثا بهذا الاعتبار.
(وتكون لورثته كلهم بقدر إرثهم).
ومن قال بأن الملك لا ينتقل بمجرد الطلب علل عدم سقوط الشفعة بالموت.
بعد الطلب بأن الطلب مقرر للحق، وإذا تقرر الحق وجب أن يكون موروثا.
[ ٦ / ٤٢٤ ]
وعلى هذا إذا عفى بعض الورثه عن حقه توفر على باقي الورثة، ولم يكن
لهم أن يأخذوا إلا الكل أو يتركوا، كالشفعاء إذا عفى بعضهم.
وعلى الأول: ليس لهم ولا لبعضهم رد ذلك، لانتقال الملك إلى مورثهم
بطلبه. أشبه ما لو اشترى شيئا ثم مات فإنه ليس لأحد من الورثة رد هذا الشراء،
إلا ان يكون بمحاباة مع وارث فإنه يبطل في قدرها فقط.
(فإن عدموا) يعني: لو طلب شريك بما يستحقه من شفعته ثم مات ولا
وارث له (فللأمام الأخذ بها)، لأن ذلك حق مستقر لميت لا وارث له. فملك
الأمام أخذه، كسائر حقوقه.
[ ٦ / ٤٢٥ ]
] فصل: في ثمن المشفوع]
(فصل. ويملك الشقص) المشفوع بالأخذ بالشفعة (شفيع مليء بقدر
ثمنه) الذي استقر عليها الشراء من الشريك الشفيع (المعلوم) للشفيع.
أما كون الشفيع لا يأخذ الشقص إلا بقدر ثمنه، فلما روي في حديث جابر أن
النبي ﷺ قال: "هو أحق بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى في" المترجم ". ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع. فكان مستحقا له بالثمن،
كالمشتري.
فإن قيل: إن الشفيع استحق أخذه بغير رضى مالكه. فينبغي أن يأخذه
بقيمته، كالمضطر يأخذ طعام غيره.
فالجواب: أن المضطر استحق أخذه بسبب حاجته (^١) خاصة. فكان المرجع
في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع. فكان المرجع في بدله إلى ثمنه.
وأما كونه يشترط أن يكون الثمن معلوما للشفيع فلأن الأخذ بالشفعة أخذ
بعوض. فاشترط أن يعلمه باذل قبل الإقدام على التزامه، كالمشتري لمبيع.
(و) حيث تقرر هذا فإن كان الثمن من المثليات، كالدارهم والدنانير، أو
غيرهما من المثليات، كالحبوب والأدهان: فإن الشفيع (يدفع) للمشتري
(مثل مثلي) أي: قدره من جنسه، لان هذا مثل من طريق الصورة والقيمة.
فكان أولى من سواه.
ولأن الواجب بدل الثمن. فكان مثله، كبدل القرض والمتلف.
(و) إن كان الثمن من الأعيان المتقومات، كالثياب والحيوان والعقارات.
فإن الشفيع يدفع للمشتري (قيمة متقوم)، لأنها بدله في الإتلاف. والمراد
_________________
(١) في ا: لحاجة.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
قيمته وقت الشراء، لانه وقت استحقاق الأخذ. ولا اعتبار بزيادة القيمة أو
نقصها بعد ذلك.
وإن كان في البيع خيار اعتبرت القيمة عند لزومه، لأنه حين استحقاق الأخذ.
(فإن تعذر) على الشفيع (مثل مثلي) لعدمه: (فقيمته، أو) تعذرت
(معرفة قيمة المتقوم) بتلفه أو نحوه: (فقيمة شقص) مشفوع، لأن الأصل في
عقود المعاوضات أن يكون العوض فيها بقدر القيمة، لأنها لو وقعت بأقل أو
أكثر لكانت محاباة (^١) والأصل عدمها.
(وإن جهل الثمن) أي: قدره، كما لو كان صبره نقد فتلفت أو اختلطت
بما لا تتميز منه، (و) الحال: أنه (لا حيلة) في ذلك على إسقاط الشفعة:
(سقطت)، كما لو علم قدر الثمن عند الشراء ثم نسي، لأن الشفعة لا تستحق
بغير بدل، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه.
(فإن اتهمه) الشفيع بأن فعل ذلك تحيلا على إسقاط الشفعة (حلفه) على
نفي ذلك، لاحتمال صدق الشفيع.
(ومعها) أي: مع الحيلة (فقيمة شقص.
وإن عجز) عن دفع ثمن الشقص المشفوع، (و) كذا (لو) كان عاجزا
(عن) دفع (بعض ثمنه)، لأنه في أخذه بدون دفع جميع الثمن إضرارا
بالمشتري ولا يزال الضرر بالضرر.
والعجز المسقط لها إنما يعتبر (بعد انظاره) أي: الشفيع بالثمن من حين
أخذ بالشفعة (ثلاثا) أي: ثلاث ليال بأيامهن.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب حتى يتبين عجزه. نص
عليه وجزم به في " الرعأية الكبرى " و" المحرر ". انتهي.
ولأنه قد لا يكون معه نقد فيمهل بقدر ما يعده فيه. والثلاث آخر حد جمع
القلة، ويمكن الإعداد فيها غالبا.
_________________
(١) في اوب: بمحاباة.
[ ٦ / ٤٢٧ ]
وعن أحمد في رواية حرب: ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى
الحاكم. فإذا كان اكثر فلا.
وعنه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب في وقتنا هذا. انتهي.
(فلمشتر) لم يرض بتأخير الثمن حيث عجز الشفيع عنه أو هرب وقد أخذ
الشقص بالشفعة (الفسخ) من غير حاكم، لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن
فملك الفسخ، كبائع بثمن حال تعذر وصوله إليه.
ولأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم الحاكم. فلا يقف فسخ الأخذ بها
عليه، كفسخ غيرها من الييوع. وكالرد بالعيب.
وقيل: يفسخه الحاكم.
وفيل: بل بأن بطلان الأخذ فلا يحتاج إلى فسخ.
وعلى المذهب: للمشتري الفسخ (ولو أتى) الشفيع (برهن) على الثمن
(أو) بـ (ضامن) له فيه، ولو كان الرهن حرزا والكفيل مليئا، لأن الضرر
بتأخير الثمن حاصل معهما والشفعة شرعت لدفع الضرر فلا تلزم معه.
ولأن المشتري لا يلزمه تسليم الشقص فبل قبض ثمنه. قاله في " التلخيص "
وغيره. وفرق بينه وبين البيع.
(ومن) أي: وأي شفيع أخذ بالشفعة الشقص و(بقي) ثمنه (بذمته حتى
فلس) أي: حكم (^١) بفلسه: (خير مشتر) اخذ منه الشقص بالشفعة (بين فسخ)
للأخذ بالشفعة (أو ضرب مع الغرماء) بالثمن، كالبائع إذا أفلس المشتري.
(و) ثمن (مؤجل) أخذ به المشتري الشقص ولم يدرك الشفيع الأخذ حتى
(حل) على المشتري: (كحال) أي: كما لو اشترى به حالا.
قال في " الفروع ": فإن مضى ثم علم فكحال.
_________________
(١) في ج: حكم الحاكم.
[ ٦ / ٤٢٨ ]
وقال الحارثي: إطلاق قول المصنف- يعني: به الموفق في " المقنع "- إن
كان مؤجلا أخذه بالأجل أن كان مليئا: يفيد ما لو لم يتفق طلب الشفيع إلا عند
حلول الأجل أو بعده: أنه يثبت له استئناف الأجل.
قال في " الإنصاف " عن الحارثي: وقطع به ونصره. انتهي.
(وإلا) أي: وإن لم يحل الثمن المؤجل قبل اخذ الشفيع الشقص بالشفعة
(فإلى اجله) أي: فيأخذه به إلى أجله (إن كان) الشفيع (مليئا، أو كفله)
كفيل (مليء). نص عليه وعليه الأكثر.
وقيل: يشترط وصف الثقة مع الملاءة فلا تستحق الشفعة بدونهما.
قال الحارثي: وليس ببعيد من النص.
أما كون الشفيع يأخذه بالثمن إلى أجله، فلأنه تابع للمشتري في قدر الثمن
وصفته والتأجيل من صفاته.
ولأن في الحلول زيادة على التأجيل. فلم يلزم الشفيع، كزيادة القدر.
وأما كون الشفيع يشترط ان يكون مليئا أو ان يأتي بكفيل مليء، فلكي يحفظ
المال إلى أجله، لكون المشتري لم يرض بذمة غير مليء.
(ويعتد) في تقدير ثمن (بما زيد) فيه (أو حط) منه (زمن خيار)، لان
زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير يلحق بالعقد فيه، لانهما على اختيارهما
فية.
ولأن حق الشفيع إنما يثبت إذا لزم العقد. فاعتبر القدر الذي لزم العقد عليه.
ولأن الزيادة بعد لزوم العقد هبة والنقص إبراء. فلا يثبت لثميء منهما في حق
الشفيع.
(ويصدق مشتر بيمينه) فيما إذا اختلف هو والشفيع (في قدر ثمن) اشترى
به الشقص حيب لا بينة، لأن العاقد أعرف بالثمن.
ولأن الشقص ملكه. فلا ينتزع منه بما يدعي به من قدر الثمن من غير بينة.
[ ٦ / ٤٢٩ ]
فإن قيل: فلم لا كان القول قول الشفيع، لأنه غارم ومنكر للزيادة. فيكون
كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق؟.
فالجواب: إن الشفيع ليس بغارم، لأنه لا شئ عليه. وإنما يريد بذلك (^١)
تملك الشقص بثمنه. بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق.
(و) كذا (لو) كان الثمن (قيمة عرض) اشترى به الشقص، وقال
الشفيع: قيمته عشرون، وقال المشتري: بل ثلاثون، فإن القول قول المشتري
في قدر قيمة العرض المشترى به بيمينه حيث لا بينة، لما تقدم.
ومحل ذلك: حيث لم يكن العوض موجودا. فإن كان موجودا عرض على
المقومين ليشهدوا بما يعلمونه من قدر قيمته.
] (و) يصدق المشتري بيمينه أيضا في (جهل به) أي: بقدر التمن،
كتصديقه بيمينه في جهل بقيمة العرض المشترى به، لجواز ان يكون اشتراه جزافا أو بثمن نسي مبلغه] (^٢) .
(و) يصدق المشتري بيمنه أيضا في (أنه غرس أو بنى) في الأرض التي
منها الشقص المشفوع فيما إذا انكر الشفيع انه أحدث ذلك، لانه ملك
المشتري، والشفيع يريد تملكه عليه. فكان القول قول المالك.
ومحل ذلك كله: مع عدم بينة تشهد بما يقوله الشفيع، ولهذا قلت:
(إلا مع بينة شفيع) فإنه يعمل بها إذا انفردت بلا نزاع.
(و) إن أقام كل واحد بينة بدعواه التي تصح إقامة البينة عليها: فبينة الشفيع
(تقدم على بينة مشتر) على المذهب، لأنه خارج، والمشتري داخل.
وقيل: يتعارضان.
وقيل: باستعمالهما بالقرعة.
وقيل: تقدم بينة مشتر.
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٣٠ ]
(وإن قال) المشتري للشقص: (اشتريته بألف.، واثبته) أي: أثبت البيع
(بائع بأكثر) من الف: (فللشفيع اخذه) بالشفعة (بألف)، لأن المشتري مقر
له باستحقاق أخذه بألف. فلم يستحق الرجوع عليه بأكثر من ذلك.
ولأن المشتري يذكر أن هذه البينة كاذبة وإن البائع ظلمه فيما زاد على
الألف. فلم يحكم له به. وإنما حكم به للبائع، لأنه لا يكذبها.
(وإن (^١) قال) المشتري: صدقت البينة و(غلطت) أنا (أو نسيت أو
كذبت: لم يقبل) رجوعه عن قوله الأول، لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق
آدمي غيره. فأشبه ما لو أقر له بدين.
وقيل: يقبل، لأنه قد حكم الحاكم بكذبه فقبل رجوعه عن الكذب.
(وإن ادعى شفيع) على من انتقل إليه شقص كان بيد شريكه (شراءه) أياه
(بألف) وطالب بالشفعة احتاج إلى تحرير الدعوى فيحدد المكان الذي منه
الشقص ويذكر قدر الشقص. فإن اعترف عن غريمه وجبت الشفعة، وان انكر
(فقال: بل اتهبته أو ورثته: حلف) على ذلك ولا شفعة. لأن الأصل معه،
والمثبت للشفعة البيع ولم يتحقق.
(فإن نكل) عن اليمين، (أو قامت لشفيع بينة) بالبيع، (أو أنكر)
المدعى عليه البيع (واقر بائع) به: (وجبت) الشفعة في المسائل الثلاث.
(و) متى إنتزع منه الشقص وأبي قبض الثمن: فإنه (يبقى الثمن حتى في)
المسالة (الأخيرة: إن أقر بائع بقبضه) أي: بقبض الثمن ممن انتزع منه الشقص
(في ذمة شفيع) متعلق بيبقى. (حتى يدعيه مشتر) فيدفع إليه.
وقيل: يأخذه الحاكم فيحفظه لمشتر إلى أن يدعيه فيدفع إليه.
وقيل: يقال لمن انتزع منه الشقص: أما إن تقبضه وإن تبرئ منه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن البائع في المسألة الأخيرة أقر بقبض الثمن: (أخذ
_________________
(١) في ا: فان.
[ ٦ / ٤٣١ ]
الشقص من بائع، ودفع إليه الثمن)، لأنه معترف بما يوجب الشفعة وهو البييع والمشتري فأخذ بإقراره، لأنه اقر بحقين للشفيع وحق للمشتري. فإذا سقط حق المشتري بإنكاره ثبت حق الآخر، كما لو أقر بدار لرجلين فأنكره أحدهما.
وقيل: لا تثبت الشفعة، لأنها فرع البييع ولم يثبب الأصل.
(ولو ادعى شريك) في عقار تثبت فيه الشفعة (على) انسان (حاضر، بيده
نصيب شريكه الغائب، أنه) أي: الحاضر (اشتراه) أي: الشقص (منه)
أي: من الغائب، (وأنه) أي: المدعي (يستحقه) أي: الشقص (بالشفعة.
فصدقه) المدعى عليه: (أخذه) أي: أخذ المدعي الشقص ممن هو بيده، لأن
من بيده العين يصدق في تصرفه فيما هو بيده.
(وكذا) الحكم (لو ادعى) الشريك على حاضر: (أنك بعت نصيب
الغائب بإذنه. فقال: نعم) فإن للمدعي أخذ الشقص بالشفعة، (فإذا قدم)
الغائب (فأنكر) البييع والإذن في البييع: (حلف)، وينتزع الشقص، ويطالب
بالأجرة من شاء منهما، (ويستقر الضمان على الشفيع)، لأن المنافع تلفت
تحت يده.
وإذا ادعى الشريك على الوكيل انك اشتريت الشقص الذي في يدك فانكر،
وفال: إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له: فالقول قوله مع يمينه.
فإن نكل فقال في " المغني ": احتمل أن يقضى عليه، لأنه لو أقر لقضي
عليه فكذلك اذا نكل. واحتمل أن لا يقضى عليه، لأنه قضاء على الغائب بغير
بينة ولا إقرار من الشقص بيده.
[ ٦ / ٤٣٢ ]
] فصل: في وجوب الشفعة فيما ادعى شراءه لموليه]
(فصل. وتجب الشفعة فيما) أي: في شقص (ادعى) المشتري (شراءه
لموليه) أي: لمن اشترى وليه، لأن الشفعة حق ثبت لإزالة الضرر. فاستوى
فيه مطلق التصرف والمحجور عليه، وقبل إقرار وليه فيه كما يقبل إقراره بعيب
في مبيعه.
وقيل: لا تجب الشفعة بإقرار الولي عليه بالشراء، لأنه أيجاب حق في مال
المحجور عليه بإقرار وليه.
وكذا لو قال مشتري الشقص: إنما اشتريته لفلان الغائب، فإن الشفعة تثبت
ويًاخذه الحاكم ويدفعه إلى الشفيع، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، لأننا لو
وقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له لكان في ذلك إسقاط الشفعة، لأن كل مشتر يدعي ان الشراء لغائب.
وأما إذا أقر المدعى عليه بمجرد الملك لموكله الغائب أو لمحجوره ثم أقر
بالشراء بعد ذلك: لم تثبت الشفعة حتى تقوم بالشراء بينة أو يقدم الغائب وينفك
الحجر عن المحجور ويعترفا بالشراء، لأن الملك إنما ثبت لهما بالإقرار
فإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره فلا يقبل.
وإن لم يذكر سبب الملك: لم يسأله الحاكم عنه، ولم يطالب ببيانه، لأنه
لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه. ذكره في
"المغني ".
و(لا) تثبت الشفعة (مع خيار) لمجلس أو مشترط في عقد التبايع لبائع أو
مشتري (قبل انقضائه).
قال في " القواعد " في الفائدة الرابعة: وأما الشفعة فلا تثبت في مدة الخيار
على الروايتين عند أكثر الأصحاب، ونص عليه في رواية حنبل. فمن الأصحاب
[ ٦ / ٤٣٣ ]
من علل بأن الملك لم يستقر، وعلل القاضي في "خلافه " بأن الأخذ بالشفعة
يسقط حق البائع من الخيار، ولذلك لم تجز المطالبة في مدته.
فعلى هذا لو كان الخيار للمشتري وحده ثبتت الشفعة. انتهي.
ووجه عدم ثبوت الشفعة مع كون الخيار للمشتري وحده: ان في الأخذ بها
إلزاما للمشتري بالعقد بغير رضاه، وإيجاب العهدة عليه، وتفويت حقه من
الرجوع في عين الثمن. فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع وحده. فاننا إنما
منعنا من الشفعة إذا، لما فيه من إبطال خياره وتفويت حقه من الرجوع في عين ماله، وهما في نظر الشارع (^١) على السواء.
وفارق الرد بالعيب فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة وذلك يزول بأخذ
الشفيع. قاله في " المغني "، وقال: فإن باع الشفيع حصته في مدة الخيار عالما
ببيع الأول سقطت شفعته وثبتت الشفعة فيما باعه للمشتري الأول في الصحيح من المذهب.
وفيه (^٢) وجه اخر: أنه يثبت للبائع بناء على الملك في مدة الخيار لمن هو
منهما، وإن باعه قبل علمه بالبيع فكذلك وهو مذهب الشافعي، لأن ملكه زال
قبل ثبوت الشفعة. انتهي.
وقيل: تثبت الشفعة مع الخيارحيث قيل بانتقال الملك.
وقيل: تثبت مع خيار الشرط إذا كان للمشتري وحده.
(وعهدة شفيع) فيما إذا ظهر (^٣) الشقص المشفوع مستحقا أو معيبا وأراد
الشفيع الرجوع بالثمن أو الأرش: (على مشتر)، لأن الشفيع ملكه من جهته.
فرجع عليه، لكونه كبائعه.
ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء أو حصول الملك للمشتري. فكانت العهدة
عليه.
_________________
(١) في أوب: الشرع.
(٢) في أوب: وفي.
(٣) في ا: فيما أظهر.
[ ٦ / ٤٣٤ ]
(إلا إذا أنكر) مشتري الشراء أو لم تقم به بينة، (وأخذ) الشقص (من
بائع) لإقراره بالبيع: (فـ) إن العهدة في هذه الصورة (عليه) أي: على بائع،
لحصول الملك للشفيع من جهته. قاله الزركشي.
قال في " الإنصاف ": وهو واضح.
(كعهدة مشتر) فإنها على بائع. والعهدة في الأصل اسم لكتاب الشراء.
(فإن أبي مشتر) لشقص مشفوع (قبض مبيع)، لئلا تكون عليه عهدته:
(أجبره حاكم)، لأن القبض واجب لتحصيل حق المشتري في تسليمه. ومن
شأن الحاكم ان يجبر الممتنع.
وقال أبو الخطاب: قياس المذهب: أن يأخذه الشفيع من يد البائع، لأن
العقد يلزم في العقار من غير قبض، ويدخل في ملك المشتري بنفس البيع.
بدليل صحة التصرف فيه قبل قبضه.
(وإن ورث اثنان) مع التساوي أو التفاضل (شقصا) عن أبيهما أو غيره من
عقار تجب فيه الشفعة، (فباع أحدهما) أي: أحد الوارثين (نصيبه) الذي ورثه
أو بعضه: (فالشفعة) فيما بيع مشتركا (^١) (بين) الوارث (الثاني) الذي لم
يبع، (و) بين (شريك مورثه) على قدر ملكها، لانهما شريكان حال ثبوت
الشفعة. فكانت بينهما، كما لو تملكاها بسبب واحد.
ولأن الشفعة ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته.
وهو موجود في حق الكل.
وهكذا لو اشترى إنسان نصف دار ثم اشترى اثنان نصفها الآخر أو ورثاه أو
اتهباه، أو وصل إليهما بسبب من أسباب الملك فباع أحدهما نصيبه. أو لو ورث
ثلاثة دارا فباع أحدهما نصيبه من اثنين ثم باع أحد المشترين نصيبه: فالشفعة بين جميع الشركاء على قدر الأملاك.
_________________
(١) في اوب: مشتركة.
[ ٦ / ٤٣٥ ]
ولو مات رجل وخلف ثلاث بنين وأرضا فمات أحدهم عن ابنين فباع أحد
العمين نصيبه فالشفعة بين أخيه وابني أخيه (^١) .
ولو خلف ابنين وأوصى بثلثه لاثنين فباع أحد الوصيين أو احد الابنين
فالشفعة بين شركائه.
(ولاشفعة لكافر على مسلم).
قال في" الإنصاف ": نص عليه من وجوه كثيرة. وهو المذهب، وعليه
الأصحاب. وهو من مفردات المذهب. انتهي.
وبه قال الحسن والشعبي.
وقيل: بلى. ذكره ناظم " المفردات "، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب
الرأي، لعموم قوله ﵇ (^٢): " لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه،
وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " (^٣) .
ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء. فاستوى فيه المسلم والكافر، كالعيب.
قال في " المغني ": ولنا ما روى الدارقطني في " كتاب العلل " بإسناده عن
أنس أن النبي ﷺ قال: " لا شفعة لنصرانى" (^٤) .وهذا يخص عموم ما احتجوا به. ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصو ص. فلم يجب للذمي
على المسلم، كالزكاة.
ولأنه معنى يختص به العقار. فأشبه الاستعلاء في البنيان. يحققه: أن
الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه. فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري. ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم بتقديم دفع ضرر
_________________
(١) في أ: فالشركة بين أخيه وابن أخيه. وفي ب: فالشركة بين أخيه. وإسقاط: وابنى أخيه.
(٢) في ب: ص.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٣) رقم (١).
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٠٨ كتاب الشفعة، باب روايه ألفاظ منكرة يذكرها بعض الفقهاء في مسائل الشفعة. واخرجه الطبرانى في " الصغير " ١: ٢٠٦،
[ ٦ / ٤٣٦ ]
الذمي. فإن حق المسلم أرجح ورعأيته أولى.
ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك
المسلم، وليس الذمي في معنى المسلم. فيبقى على مقتضى الأصل.
وثبتت الشفعة للمسلم على الذمي، لعموم الأدلة الموجبة.
ولأنها إذا ثبتت في حق المسلم على المسلم مع عظم حرمته ورعاية حقه.
فلأن تثبت على الذمي مع دناءته أولى وأخرى. انتهي.
وشمل قوله: الكافر الأصلي والمرتد والمكفرين من أهل البدع، كالدعاة
إلى القول بخلق القران. بل مثل هذا أولى بأن لا تثبت له على المسلم، لأن
الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره على المسلم. فمن لا يقر على
كفره أولى.
وتثبت للقروي على البدوي وعكسه، لعموم الأدلة واشتراكهما في المعنى
المقتضي لوجوب الشفعة.
وقال الشعبي والليثي (^١): لا شفعة لمن لا يسكن المصر.
(ولا) تثبت الشفعة (لمضارب) أي: لعامل في المضاربة (على رب المال).
وصورة ذلك: أن يشتري من مال المضاربة شقصا فيما تجب فيه الشفعة مما
للعامل فيه شركة. فإنه لا تجب فيه شفعة (إن ظهر ربح) في مال المضاربة،
لأنه يصير له جزء في مال المضاربة. فلا تجب له على نفسه.
(وإلا) أي: وإن لم يظهر ربح (وجبت) له الشفعة. نص عليه، لأن ملك
الشقص المشترى من مال المضاربة لغيره. أشبه ما لو كان وكيلًا في شرائه من
غير عقد مضاربة.
وقيل: تجب له الشفعة مع ظهور الربح أيضا.
ولبعض الأصحاب طريقة ثانية في محل الخلاف في هذه المسألة وهي: أن
الوجهين جاريين. سواء ظهر ربح أو لا، وسواء قلنا يملك العامل حصته
بالظهور أولا.
_________________
(١) في أوب: البتي.
[ ٦ / ٤٣٧ ]
(ولا) تجب الشفعة (له) لرب المال (على مضارب).
وصورة ذلك: أن يشتري العامل من مال المضاربة شقصا مما تجب فيه
الشفعة ولرب المال فيه شركة فإنه لا شفعة لرب المال فيه، لأن الملك له.
وقيل: بلى. والوجهان مبنيان على الخلاف في شراء رب المال من مال
المضاربة شيئا لنفسه.
(ولا) تجب الشفعة أيضا (لمضارب فيما) أي: في شقص (باعه من
مالها) أي: مال المضاربة، (وله) أي: للعامل (فيه) أي: في الذي منه
الشقص المبيع (ملك)، لانه متهم. أشبه شراءه من نفسه.
(وله) أي: للمضارب (الشفعة فيما) أي: في شقص (بيع) أي: باعه
مالكه الأجنبي لشخص أجنبي في مكان تجب فيه الشفعة، والحال: أن فيه
(شركة لمال المضاربة: أن كان) أي: وجد (حظ) في الأخذ بالشفعة، كما
لو كان ثمنه دون ثمن المثل، لانه بمظنة ان يربح.
(فإن أبي) العامل أخذه بالشفعة لرأي رآه من بيعه بفوق ثمن المثل أو غير
ذلك: (أخذ بها) أي: بالشفعة (رب المال)، لأن مال المضاربة ملكه،
والشركة في الحقيقة إنما هي له.
ولا ينفذ عفو العامل عن الشفعة، لأن الملك لغيره. أشبه العبد المأذون له
في التجارة.
وتثبت الشفعة للسيد على مكاتبه.
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي والمصنف- يريد به الموفق-
وغيرهما، لأن السيد لا يملك ما في يده ولا يزكيه، ولهذا جاز إن يشتري منه.
وأما العبد المأذون له وان كان لا دين عليه فلا شفعة بحال لسيده. وإن كان
عليه دين فالشفعة عليه تنبني على جواز الشراء منه على ما تقدم في أواخر
الحجر. انتهي. والله ﷾ أعلم.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
] باب: الود يعة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الوديعة.
وهي: فعيلة من ودع الشيء إذا تركه، لأنها تكون متروكة عند المودع.
وقيل: مشتقة من الدعة. فكأنها عند المودع غير مبتذلة للانتفاع بها.
وقيل: من ودع الشيء يدع إذا سكن واستقر. فكأنها ساكنة عند المودع.
قال الأزهري: وسميت وديعة بالهاء، لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (فان أمن
بعضهم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته)] البقرة: ٢٨٣].
وأما السنة، فما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " أد الأمانة إلى من
ائتمنك ولا تخن من خانك " (^١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وأجمع المسلمون على جواز الإيداع والاستيداع.
ولأن بالناس حاجة إلى ذلك. فإنه لا يمكن جميع الناس حفظ أموالهم
بانفسهم، ولا كل أحد له حرز يحفظ فيه ماله. فدعت الحاجة إلى ذلك،
ليتمكن من ليس له حرزمن حفظ ماله.
ثم (الوديعة) شرعا: (المال المدفوع إلى من) أي: انسان (يحفظه بلا
عوض) عن حفظه. فخرج بقيد المال: الكلب والخنزير ونحوهما. وبقيد
المدفوع: ما ألقته الريح أو نحوها (^٢) من ثوب أو نحوه إلى دار غيره، وما تعدى
عليه مما لم يدفعه مالكه. وبقيد بالحفظ: العارية. وبقيد عدم العوض: الأجير
على حفظ مال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٥٣٥) ٣: ٢٩٠ كتاب الإجارة، باب في الرجل يًا خذ حقه من تحت يده. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦٤) ٣: ٥٦٤ كتاب البيوع، باب رقم ٣٨.
(٢) في اوب: نحوهما.
[ ٦ / ٤٣٩ ]
(والأيداع) شرعا: (توكيل) من مالك لمال (في حفظه)، حال كون
الحفظ (تبرعا) من الحافظ.
(والاستيداع) شرعا: (توكل) من انسان (في حفظه) أي: حفظ مال غيره
(كذلك) أي: تبرعا (بغير تصرف) فيه، لعدم الإذن في التصرف بغير الحفظ. (وتعتبر لها) أي: الوديعة (اركان وكالة)، لأنها نوع منها. فتبطل بما
تبطل به وكالة، إلا إذا عزله المالك ولم يعلم بعزله.
ولو عزل نفسه فهي بعده أمانة شرعية حكمها في يده حكم الثوب إذا أطارته
الريح إلى داره يجب رده إلى مالكه. قاله في " الإنصاف ".
وقال ابن رجب في القاعدة الثانية والستين: وقد ذكر القاضي في مواضع
كثيرة من " خلافه " أن للمودع فسخها بالقول في غيبة المودع، وتنفسخ قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، كمن أطارت الريح إلى بيته ثوبا لغيره.
ثم أنه ذكر في مسألة الوكالة: أن الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنما تنفسخ
بالرد إلى صاحبها، أو بأن يتعدى المودع فيها. فلو قال المودع بمحضر من رب الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسي عنها: لم تنفسخ قبل أن
تصل إلى صاحبها ولم يضمنها. فأما أن يكون هذا تفريقا بين فسخ المودع
والمودع، أو يكون اختلافا منه في المسألة. والأول أشبه، لأن فسخ المودع
إخراج للمودع عن الاستحفاظ وهو يملكه، وأما المودع فليس له فيها تصرف
سوى الإمساك والحفظ. فلا يصح أن يرفعه مع وجوده. انتهي.
ويستحب قبولها لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره.
(وهي) أي: الوديعة (أمانة) بيد المودع، (لا تضمن) أي: لا يضمنها
المودع (بلا تعد ولا تفريط)، لما سيأتي في المتن أن شاء الله تعالى (^١)،
[لأن الله ﷾] (^٢) سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة. فلا يضها
_________________
(١) ص (٤٥٨).
(٢) ساقط من اوب.
[ ٦ / ٤٤٠ ]
المودع (ولو تلفت من بين ماله). سواء ذهب معها من ماله شيء أو لا، لما
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " من أودع وديعة فلا ضمان عليه " (^١) . رواه ابن ماجه.
ولأن المستودع يحفظها لمالكها. فلو ضمنت لامتنع الناس من الدخول فيها
مع مسيس الحاجة إليه.
وعنه: إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها، لما روى عمر رضي الله تعالى
عنه: " أنه ضمن انس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله ".
قال في " المغني ": وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في
حفظها. انتهي.
قال الزركشي: ينبغي أن يكون محل الرواية: إذا ادعى التلف، أما إن ثبت
التلف: فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة.
(ويلزمه) أي: المودع (حفظها) أي: الوديعة (في حرز مثلها عرفا)،
لان الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾] النساء: ٥٨]. ولأيمكن أداؤها بدون حفظها.
ولأن المقصود من الوديعة الحفظ. والاستيداع التزام ذلك. فإذا لم
يحفظهالم يفعل ما لتزمه.
والمراد بحرز مثلها، (كحرز سرقة). وهو في كل شيء بحسبه، كما
سيأتي في بابها.
(فإن عينه) أي: الحرز (ربها) أي: رب الوديعة، بأن قال: ضعها في
هذا البيت (فأحرز بدونه) أي: بمكان دون رتبة المعين بالنسبة إلى الحفظ
فتلفت: (ضمن)، لانه خالف المالك في حفظ ماله.
ولأن بيوت الدار تختلف فمنها ما هو أسهل نقبا ونحوه مما له أثر. فيضمنها
بوضعها في غيره.
_________________
(١) اخرجه ابن ماجه. " سننه " (٢٤٠١) ٢: ٨٠٢ كتاب الصدقات، باب الوديعة.
[ ٦ / ٤٤١ ]
(ولو ردها إلى المعين) بعد ذلك (^١) وتلفت فيه، لأنه تعدى فيها بوضعها
في الدون. فلا تعود أمانة إلا بعقد متجدد.
وقيل: ان ردها إلى الموضع الذي عينه مالكها فتلفت به بعد ان وضعها في
غيره: لم تضمن.
(و) إن أحرزها (بمثله) أي: بمثل المعين بالنسبة إلى الحفظ، (أو
فوقه) أي: أحفظ منه لها، كما لو أودعه خاتما وقال له: البسه في خنصرك
فلبسه في بنصره (ولو لغير حاجة) فتلفت: (لأيضمن).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره القاضي وابن
عقيل، وجزم به في " الوجيز " و" الكافي " وغيرهما. وقدمه في " الهدأية "
و" المذهب " و" المستوعب " في المسألة الأولى. وقدمه فيهما في " الفروع "
و" الرعأية الصغرى " و" الحاوي الصغير " و" الفائق ". انتهي.
ووجه ذلك: ان تعيين الحرز يقتضي الإذن في حرز مثله، كمن اكترى أرضا
لزرع الحنطة فإن له زرعها وزرع ما هو مثلها في الضرر. واقتضى الإذن فيما هو أحفظ من باب أولى كزرع ما هو دون ضرر الحنطة.
وقيل: وهو رواية في " التبصرة " أنه يضمن فيهما. إلا أن يفعله لحاجة.
قال في " المغني ": ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان، لأن الأمر بشيء
يقتضي تعيينه. فلا يعدل عنه إلا بدليل. انتهي.
وقيل: يضمن إن أحرزها بمثله، ولا يضمن إن أحرزها بأعلى منها.
تنبيه:
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: لا فرق فيما ذكر بين الجعل أو لا في
غير المعين، وبين النقل إليه.
قال في " التلخيص ": وأصحابنا لم يفرقوا بين تلفها بسبب النقل، وبين
_________________
(١) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
تلفها بغيره. وعندي: إذا حصل التلف بسبب النقل، كإنهدام البيت المنقول
إليه: ضمن. انتهي.
ولو كانت العين في بيت صاحبها فقال لرجل: احفظها في موضعها فنقلها
عنه من غير خوف: ضمنها، لأنه ليس بمودع وإنما هو وكيل في حفظها، وليس
له إخراجها من ملك صاحبها،. ولا من موضع المتاجرة بها. إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها، لأنه مأمور بحفظها، وقد تعين حفظها في إخراجها ويعلم أن
صاحبها لو حضر في هذه الحال لأخرجها.
ولأنه مأمور بحفظها على صفته. فإذا تعذرت الصفة لزمه حفظها بدونها،
كالمستودع إذا خاف عليها. ذكره في " المغني ".
(وإن نهاه) مالكها (عن إخراجها) من المكان الذي عينه لحفظها
(فأخرجها) المودع منه (لغشيان) أي: حصول (^١) (شيء الغالب منه
الهلاك)، كالنهب والحريق. فتلفت في المحل المنقولة (^٢) إليه: (لم يضمن)
المودع بنقلها شيئا (إن وضعها في حرز مثلها أو فوقه).
قال في " المغني ": بغير خلاف، لتعين نقلها عليه في هذه الحال، لأن في
تركها تضييعا لها.
(فإن تعذر) عليه إحرازها بمثل الحرز الأول (فأحرزها في دونه) أي:
بمحل دون الأول في الحفظ فتلفت به: (لم يضمنـ) ـها، لأن إحرازها به إذا
حفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه.
قال في " الإنصاف ": قلت: فيأتى بها. انتهي.
(وإن تركها إذا) أي: مع غشيان ما الغالب منه الهلاك بالمكان التي هي
به، (أو أخرجها) منه (لغير خوف) ويحرمان، (فتلفت) بالأمر المخوف أو
غيره: (ضمنـ) ـها.
_________________
(١) في ا: حصل.
(٢) في ج: المنقول.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
أما كونه يضمنها بتركها، فلأنها مفرط به.
وقيل: لا، لامتثاله أمر ربها.
وأما كونه يضمنها بإخراجها من غير خوف عليها. سواء أخرجها إلى مثل ما
كانت فيه أو أحرز منه، لأنه خالف ربها لغير فائدة. فكان متعديا بذلك.
وقيل: لا يضمن إذا، كما لو لم ينهه.
(فإن قال) له مالكها: (لا تخرجها وإن خفت عليها فحصل خوف
وأخرجها) خوفا عليها (أو لا) أي: أو لم يخرجها من حصول الخوف فتلفت
مع إخراجها أو تركها: (لم يضمن)، لأن نهي مالكها عن إخراجها مع خوف
الهلاك نص فيه فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال. فلم يضمنها، لامتثاله
أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلفها. فأتلفها.
ولا يضمن إذا أخرجها، لأنه زيادة خير وحفظ. فلم يضمن به، كما لو قال
له: أتلفها فلم يتلفها حتى تلفت.
وقيل: إن وافقه أو خالفه ضمن.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو ضعيف جدا. انتهي.
وعلم مما تقدم انه لو أخرجها من غير خوف عليها فتلفت انه يضمنها،
وصرح به الأصحاب.
(وإن لم يعلف) أو يسق مودع (بهيمة) أودعت عنده (حتى ماتت) جوعا
وعطشا: (ضمنها)، لأن العلف من كمال الحفظ الذي التزمه [بالاستيداع، بل
هو الحفظ بعينه، لأن العرف يقتضي علفها وسقيها. ويلزمه] (^١) ذلك، لان
الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقى.
وقيل: لا يضمنها ما لم يأمره مالكها بعلفها فلم يفعل.
(لا إن نهاه مالك) عن علفها فتركه حتى ماتت فإنه لا ضمان عليه لمالكها،
_________________
(١) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٤٤ ]
لأنه ممتثل لقوله. أشبه ما لو قال له: اقتلها فقتلها.
(ويحرم) ترك علفها مطلقا، لأن الحيوان له حرمة في نفسه يجب إحياؤه
لحق الله تعالى.
(وان أمره) أي: أمر ربها المودع (به) أي: بعلفها: (لزمه)، لما تقدم.
ولأنه أخذها من مالكها على ذلك.
وقيل: لا يلزمه علفها إلا ان يقبله.
(و) إن قال رب وديعة لمن إستودعه: (إتركها في جيبك. فتركها في
يده، أو) تركها (في كمه. أو) قال له: اتركها (في كمك. فتركها في يده.
أو عكسه) بأن قال له: أتركها في يدك فتركها في كمه.
(أو اخذها) أي: أخذ المستودع الوديعة (بسوقه، وأمر) بالبناء للمفعول
أي: أمره مالكها (بحفظها في بيته. فتركها إلى حين مضيه فتلفت) قبل ان
يمضي بها إلى بيته.
(أو قال) له: (احفظها في هذا البيت، ولا تدخله أحدا فخالف) بان
أدخل إليه غيره، (فتلفت بحرق أو نحوه)، كنهب (أو سرقة ولو من غير
داخل) إلى البيت الذي أمره المالك أن لا يدخله أحد: (ضمن).
أما كونه يضمنها إذا وضعها فى يده أو كمه مع أمر مالكها بتركها في جيبه
لكون الجيب احرز، لأنه ربما نسي فسقط الشيء من يده أو من كمه.
وأما كونه يضمنها إذا أمر بتركها في كمه أو يده فعكس، لأن سقوط الشيء
من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم.
ولأن تسلط الطرار بالبط على الكم. بخلاف اليد. فكان كل واحد ادنى من
الآخر حفظا من وجه. فضمن، لمخالفته.
وقيل: لا يضمن إن أمر بتركها في كمه فتركها في يده.
وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكم أحرز محند عدم المغالبة.
[ ٦ / ٤٤٥ ]
فعلى هذا إن أمره بتركها في يده فشدها في كمه عند غير المغالبة فلا ضمان
عليه. فان فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن.
وإن أمره بشدها في كمه فأمسكها بيده عند المغالبة لم يضمن، وإن فعل
ذلك عند غير المغالبة ضمن.
وأما كونه يضمنها إذا أخذها بسوقه وأمر بحفظها ببيته وتركها إلى حين
مضيه، فلان البيت أحفظ. وفي تركها إلى حين مضيه تفريط يوجب ضمانها.
قال في " المغني ": ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله
في العادة فتلفت لم يضمنها، لأن العادة ان الانسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه
أمسكه في دكانه وثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه. والموح عالم
بهذه الحالة راض بها، ولو لم يرض بها لشرط عليه خلافها أو أمره بتعجيل
حملها. فأما إن يقبلها بهذا الشرط أو يردها. انتهي.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى.
قال في " الفروع ": وهو أظهر. قلت: وهو الصواب. انتهي.
وأما كونه يضمنها بمخالفته بإدخال انسان البيت الذي هي به، لأن الداخل
ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت وعلم موضعها وطريق الوصول إليها فسرقها
أو دل عليها، لأنها مخالفة توجب الضمان حيث كانت سببا لإتلافها، كما لو
نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة فانه يضمنها.
(لا إن قال) له رب الوديعه: (اتركها في كمك، أو) قال له: اتركها (في
يدك. فتركها في جيبه) فإنه لا يضمن تلفها منه، لانه أحرز.
وكذا إن أمره ربها بحفظها ولم يعين حرزا فتركها المودع في جيبه أو شدها
في كمه وعلى عضده من جانب الجيب أو غيره، أو تركها في كمه بلا شد وهي
ثقيلة يشعربها.
(أو ألقاها) المودع (عند هجوم ناهب، ونحوه)، كقاطع طريق (إخفاء
لها): فإنه لا يضمن، لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم.
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وقال القاضي: فيما إذا قال مالكها: احفظها وأطلق، أن شدها على عضده
من جانب الجيب: لم يضمن. وإن شدها من الجانب الاخر: ضمنها، لأن
الطرار يقدر على بطها. بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب.
قال في " المغني ": وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه أو شدها في كمه فإن
الطرار يقدر على بطها ولا يضمن،
وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه إذا كان
حرزا لمثلها. وشدها على العضد حرز لها كيف ما كان، لأن الناس يحرزون به أموالهم. فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب.
ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الاخر: ضمن.
وإن أمره بشدها مما يلي الجيب الاخر فشدها مما يلي الجيب: لم يضمن،
لأنه أحرز.
وإن أمره بشدها على عضده مطلقا أو أمره بحفظها معه فشدها من أي
الجانبين كان: لم يضمن، لأنه ممتثل امر مالكها محرز لها بحرز مثلها.
وان شدها على وسطه فهو أحرز لها وكذلك إن تركها في بيته في حرزها.
وإن أمره أن يجعلها في صندوق، وقال: لا تقفل عليها ولا تنم فوقها (^١)
فخالفه في ذلك. أو قال: لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا فجعل عليه قفلين:
فلا ضمان عليه. ذكره القاضي. انتهي.
(وإن قال مودع خاتم) لمستودعه: (إجعله في البنصر. فجلعه في
الخنصر) فضاع: (ضمنـ) ـه.
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي وابن عقيل واقتصر عليه الحارثي.
(لا عكسه) أي: لا إذا قال: اجعله في الخنصر فجعله في البنصر فإنه
لأيضمنه.
_________________
(١) في ا: عليها.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب وابن عقيل وغيرهم، لأنها اغلظ
فهي أحرز.
(إلا إن انكسر) الخاتم (لغلظها) أي: غلظ البنصر. فإنه يضمن، لكونه
أتلفه بما لم يأذن مالكه فيه.
وإن جعله في الوسطى وأمكن إدخاله في جميعها فضاع لم يضمنه.
قال في " الإنصاف ": ذكره في " الكافي " واقتصر، عليه الحارثي أيضا.
وإن لم يدخل في جميعها فجعله في بعضها: ضمن، لانه أدنى من المأمور
به. انتهي.
(وإن دفعها) أي: دفع المستودع الوديعة (إلى من) أي: إلى انسان
(يحفظ ماله) أي: المستودع (عادة، كزوجته وعبده، ونحوهما)، كخادمه
وخازنه فتلفت: لم يضمنها، لأنه قد وجب عليه حفظها. فله توليه بنفسه وبمن
يقوم مقامه، كما لو كانت الوديعة ماشية فأسلمها إلى الراعي.
(أو) دفعها (لعذر)، كمن حضره الموت أو أراد سفرا وليس السفر أحفظ
لها (إلى أجنبي) ثقة (أو حاكم) فتلفت: الم يضمن)؟ لأنه لم يتعد ولم يفرط.
(وإلا) أي: وان لم يكن له عذر حين دفعها إلى الأجنبي (ضمن)،
لتعديه، لأن الموح ليس له ان يودع من غير عذر.
(ولمالك) الوديعة (مطالبة) المستودع و(الأجنبي أيضا) بالبدل مع
التلف، لأنه قبض ما ليس له قبضه. أشبه المودع من قبل الغاصب، وكما لو
قبضها على وجه الهبة.
(وعليه) أي: الأجنبي (القرار) أي: قرار الضمان (ان علم) بالحال.
قال في " الفروع ": وإن أودعها بلا عذر ضمنها (^١) وقراره عليه. فإن علم
الثاني فعليه.
_________________
(١) في أوب: ضمنا.
[ ٦ / ٤٤٨ ]
وعنه: لا يضمن الثاني ان جهل. اختاره شيخنا، كمرتهن في وجه،
واختاره شيخنا.
ويتوجه تخريج رواية من توكيل الوكيل: له الأيداع بلا عذر. انتهي.
وقيل: يجوز أيداعها للحاكم مع الإقامة وعدم العذر.
(وإن دل) مودع بفتح الدال (لصا) على الوديعة فسرقها: (ضمنا) أي،
المودع واللص.
أما المودع، فلأن دلالته منافيه للاستحفاظ المأمور. أشبه ما لو دفعها إلى
غيره من غير عذر فأتلفها.
وأما اللص، فلأنه المتلف لها.
(وعلى اللص القرار)، لوجود التلف بيده.
(ومن أراد سفرا) وعنده وديعة، (أو) لم يرد سفرا و(خاف عليفا) إن
بقيت (عنده) من غرق أو نهب أو نحوهما: (ردها إلى مالكها، أو) إلى (من
يحفظ ماله) أي: مال مالكها (عادة، أو) إلى (وكيله) أي: وكيل مالكها
(في قبضها ان كان) أي: إن وجد، لأن في ذلك تخليصا له من دركها وأيصالا
للحق إلى مستحقه.
ومقتضاه أنه إذا دفعها إلى الحاكم إذا ضمن، لأن الحاكم لا ولاية له على
الرشيد الحاضر، ويلزمه مؤنة الرد لتعديه.
(ولا يسافر بها) مع حضور المالك أو وكيله بدون إذن ربها.
(وإن لم يخف عليها) في السفر (أو كان) السفر (احفظ لها) فيضمن.
قال في " المغني ": ويقوى عندي انه متى سافر بها مع القدرة على مالكها
أونائبه بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان، لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها ويخاطر بها. فإن النبي ﷺ قال: " إن المسافر وماله لعلى فلت
إلا ما وقى الله " أي: على هلاك.
[ ٦ / ٤٤٩ ]
ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يتضمن هذا الخطر ولا يفوت
إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك. انتهي.
قال في " الإنصاف " بعد أن حكى بعض كلامه في " المغني ": قلت: وهو
ظاهر كلامه في" الهدأية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة "
و" المحرر " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الوجيز " و" الفائق "
وغيرهم. وهو الصواب. انتهي.
وقال (المنقح) في " التنقيح " بعد أن قدم معنى ما تقدم في المتن:
(والمذهب: بلى) أي: بلى له السفر (والحالة هذه) أي: إن لم يخف عليها
في السفر أو كان أحفظ لها، (ونص عليه) أي: على ان له السفر بها (مع
حضوره) أي: حضور مالكها. (انتهي).
فعلى هذا لا يضمنها إن تلفت معه. سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لا،
لأنه نقلها إلى موضع مأمون. فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد.
ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف. أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده.
قال في " الفروع ": وان أراد سفرا لضرورة أو لا ولم ينه عنه ولا خوف.
وفي " المبهج " و" الموجز ": والغالب السلامة، زاد في"عيون المسائل "
و" الانتصار " كأب ووصي: فله السفر بها. نص عليه. لا لمستأجر لحفظ شيء
سنة لملكه منافعه، وله ما انفق بنية الرجوع. قاله القاضي. ويتوجه كنظائره.
وقيل: مع غيبة ربها أو وكيله إن كان أحرز، وإن استويا فوجهان. انتهي.
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ظاهر كلام المصنف في " المقنع ":
أنه لا يحملها معه في السفر مع حضور مالكها إلا بإذن: والوجه الثاني: له السفر
بها إن كان أحفظ لها ولم ينهه عنه. وهو المذهب. نص عليه واختاره القاضي
وابن عقيل. وقدمه في " الفروع " و" النظم " و" المغني " و" الشرح " ونصراه. انتهي.
(فإن لم يجده) أي: فإن لم يجد الذي عنده الوديعة وقد أراد السفر مالكها
[ ٦ / ٤٥٠ ]
(ولا وكيله: حملها معه) على الوجهين:. (إن كان) السفر (أحفظ) لها،
(ولم ينهه) مالكها عنه، لأن ذلك موضع حاجة. فيفعل ما فيه الحظ لمالكها،
ولا يضمن تلفها بالسفر.
قال في " الإنصاف ": وعليه جماهير الأصحاب.
وقال القاضي في " رؤوس المسائل ": إذا سافر بها ضمن. انتهي.
(وإلا) أي: وإن لم يكن السفر أحفظ لها أو نهاه المالك عن السفر بها:
(دفعها) الموح (لحاكم)، لأنه قائم مقام صاحبها عند غيبته.
(فإن تعذر) دفعها لحاكم (فلثقة، كمن) أي: كمودع (حضره
الموت)، لأن كلا من الموت والسفر سبب لخروج الوديعة عن يده، لما روي
عنه ﵇ " أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن،
وأمر عليا ان يردها إلى أهلها ".
(أو دفنها وأعلم) بها (ساكنا ثقة)، لان الحفظ حاصل بذلك.
(فان لم يعلمه) فضاعت: (ضمنها) المودع، لأنه فرط في الحفظ. فانه
قد يموت في سفره. فلا تصل إلى صاحبها. وربما نسي موضعها أو أصابها آفة.
وكذا إن أعلم بها غير ثقة، لأنه ربما أخذها أو دل عليها أو أعلم بها غير
ساكن في الدار، لأنه لم يودعها أياه ولا يمكنه حفظها.
(ولا يضمن مسافر أودع) في سفره وديعة (فسافر بها فتلفت بالسفر)، لأن
أيداع المالك في هذه الحالة يقتضي الإذن في السفر بالوديعة.
(وإن تعدى) الموح في الوديعة، كما لو كانت دابة (فركبها لا لسقيها،
أو) كانت ثيابا فـ (لبسها لا لخوف من عث) جمع عثة- بضم المهملة-: سوسة
تلحس الصوف، (ونحوه)، كما لو كانت الوديعة فرشا فافترشها لا لخوف من
العث، أو كانت آلة صناعة من خشب فاستعملها لا لخوف من الأرضة.
(ويضمن) من أودع ثيابا نقصها بحصول عب بها (إن لم ينشرها).
[ ٦ / ٤٥١ ]
قال في " الإنصاف ": لو خيف على الثوب العث وجب عليه نشره. فإن لم
يفعل وتلف ضمن. انتهي.
(أو أخرج الدراهم) المودعة (لينفقها، أو) لأن (ينظر إليها ثم ردها) إلى
وعائها ولو بنية الأمانة، (أو كسر ختمها، أو حل كيسها) من غير إخراج لها،
(أو جحدها) أي: جحد المودع الوديعة (ثم أقر بها، أو خلطها) بشيء لا
تتميز منه. (لا) إن خلطها (بمتميز). حتى (ولو) كان التعدي أو الجحد أو
الخلط بما لا يتميز (في احد عينين)، كما لو كانت الوديعة كيسين ففعل ذلك في أحدهما دون الآخر: (بطلت) الأمانة (فيه، ووجب ردها فورا. ولا تعود
وديعة بغير عقد متجدد. وصح) قول المالك للمودع: (كلما خنت ثم عدت
إلى الأمانة. فأنت أمين).
قال ابن رجب في القاعدة الخامسة والأربعين: إذا تعدى في الوديعة بطلت
ولم يجز له الإمساك ووجب الرد على الفور، لأنها أمانة محضة وقد زالت
بالتعدي. فلا تعود بدون عقد متجدد. هذا هو المشهور.
ولو كانت عينين فتعدى في إحداهما فهل يصير ضامنا لهما أو ما وجد فيه
التعدي خاصه؟ فيه تردد ذكره القاضي أبو يعلى الصغير.
وذكر ابن الزاغونى: أنه إذا زال التعدي وعاد إلى الحفظ لم تبطل. وقد يوجه
بأن المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته فمتى وجدت الأمانة فالإسناد موجود
لوجود علته، كما لو صرح بالتعليق فقال: كلما خنت ثم عدت فأنت أمين فانه
يصح لصحة تعليق الأيداع على الشرط، كالوكالة. صرح به القاضي. انتهي.
قال في " الفروع ": ومتى جدد له استئمانا ًأو برأه: برئ في الأصح، كرده
إليه، أو إن خنت ثم تركت فأنت أمين. ذكره في " الانتصار ". انتهي.
وأما كونه (^١) يضمنها بكسر ختم كيسها أو حله، فلهتكه الحرز بفعل تعدى
_________________
(١) في ب: كوتها.
[ ٦ / ٤٥٢ ]
وعنه: لا يضمنها إذا كسر ختم كيسها أو حله.
وأما كونه يضمنها بجحدها ولو اقر بها بعد ذلك، فلأنه بجحده خرج عن
الاستئمان عنها. فلم يزل عنه الضمان بالإقرار بها، لأن يده صارت يد عدوان.
وأما كونه يضمنها بخلطها بما لا تتميز منه، فلأنه صيرها في حكم التالف
وفوت على نفسه ردها. أشبه ما لو ألقاها في لجة بحر. وسواء كان الخلط بماله
أو مال غيره، وسواء بنظيرها أو أجود أو ادون منها.
وأما كونه لا يضمنها إذا خلطها بما تمميز منه كدراهم بدنانير، لأنه لا يعجز
بذلك عن ردها. أشبه ما لو تركها بصندودا فيه أكياس له.
قال في " الفروع ": وإن تميز فلا، على الأصح. وظاهر نقل البغوي:
وإن لم تتميز، ولم يتأوله في " النوادر ".
وذكره الحلوانى ظاهر كلام الخرقي، وجزم به في " المنثور " عن أحمد،
قال: لأنه خلطه بماله، وجزم به في " المبهج " في الوكيل، كوديعته في أحد الوجهين. وإن لم يدر أيهما ضاع ضمن. نقله البغوي وذكره جماعة. انتهي.
وفي " الرعاية ": إذا خلط إحدى وديعتي زيد بالأخرى بلا إذن وتعذر
التمييز فوجهان.
وعنه: يضمن إذا خلط بيضا بسود. وحمله في " المغني " و" الشرح " على
أنها تكتسب منها سوادا (^١) ويتغير لونها.
قال الحارثي: وعن أحمد لا يضمن بخلط (^٢) النقود.
فعلى هذه لو تلف بعض المختلط بغير عدوان وإن جعل التلف كله من ماله
وجعل الباقي من الوديعة. نص عليه. انتهي.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لو اختلطت الوديعة بغير فعله ثم ضاع البعض
_________________
(١) في اوب: سودا.
(٢) في ب: بخلطه.
[ ٦ / ٤٥٣ ]
جعل من مال المودع في ظاهر كلأو ذكره المجد في " شرحه ". وذكر القاضي
في " الخلاف ": أنهما يصيران شريكين.
قال المجد: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما. ذكره في القاعدة
الثانية والعشرين. انتهي.
(وإن أخذ) المودع من الدراهم المودعة (درهما ثم رده) بعينه (أو) رد
(بدله متميزا، أو أذن) المودع (في أخذه) أي: الدرهم (فرد) الآخذ (بدله
بلا إذنه) أي: المودع، (فضاع الكل) أي: كل الدراهم المودعة: (ضمنه)
أي: ضمن المودع الدرهم الذي أخذه المودع أو أذن في أخذه (وحده).
وعنه: يضمن الجميع.
ووجه المذهب: أن الضمان تعلق بالأخذ. فلم يضمن غير ما أخذه. بدليل
ما لو تلف في يده قبل رده.
ومحل ذلك: (ما لم تكن مختومة أو مشدودة، أو) يكن (البدل غير
متميز: فيضمن الجميع) في المسائل الثلاث.
أما في الأوليين، فلهكته الحرز تعديا.
وأما في الثالثة، فلخلط الوديعة بما لا تتميز منه.
وعنه: لا يضمن في الثالثة غير ما أخذه، وجزم به القاضي في " التعليق "،
وذكر ان أحمد نص عليه في رواية الجماعه. وحكى عنه في روايه الأثرم: انه
انكر القول بتضمين الجميع،. وقال: انه قول سوء، لأن الضمان منوط بالتعدي
وهو مختص بالمأخوذ.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لو كان الدرهم أو بدله غير متميز، وتلف
نصف المال. فقيل: يضمن نصف درهم. ويحتمل أن لا يلزمه شيء،
لاحتمال بقاء الدرهم أو بدله، ولا يجب مع الشك. قاله الحارثي، ثم قال:
قال الزركشي: إذا رد بدل ما أخذ فللأصحاب في ذلك طرق:
أحدها: لا يلزمه إلا مقدار ما أخذ. سواء كان البدل متميزا أو غير متميز.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
وهذا مقتضى كلام الخرقي، وبه قطع القاضي في " التعليق "، وذكر أن أحمد نص عليه في رواية الجماعة. وأنكر في رواية الأثرم على من يقول بتضمين الجميع. الطريق الثاني: إن تميز البدل ضمن قدر ما أخذ فقط، وإن لم يتميز فعلى
روايتين. وهي طريقة الموفق في " المغني " و" الكافي "، والمجد.
الطريق الثالث: في المسألة روايتان فيهما. وهو ظاهر كلام أبي الخطاب
في " الهد أية ".
الطريق الرابع: إن تميز البدل فعلى روايتين، وإن لم يتميز ضمن رواية
واحدة. قاله في " التلخيص ".
ويقرب منه كلام الموفق في " المقنع "، وكلام القاضي على ما حكاه في
"المغني ". وبالجملة هذه الطريقة وإن كانت حسنة لكنها مخالفة لنصوص
أحمد. انتهي.
(ويضمن) مودع (بخرق كيس) فيه الوديعة (من فوق شد) أي: من فوق
رباط: (أرشه) أي: الكيس (فقط)، لانه لم يهتك حرزها.
(و) يضمن بخرقه (من تحته) أي: تحت الشد: (أرشه وما فيه) ان
ضاع لهتك الحرز.
قال الزركشي: وان كان من تحت الشد ضمن الجميع على المشهور عند
الأصحاب. نقله عنه في " الإنصاف ". وقال: قوة كلام المصنف وغيره
تقتضي انه لا يضمن بمجرد نية التعدي، بل لا بد من فعل أو قول. وهو
صحيح. وهو المقطوع به عند الأصحاب.
وقال القاضي: وقد قيل: إنه يضمن بالنية، لاقترانها بالإمساك وهو فعل،
كملتقط نوى التملك في احد الوجهين.
وفي " الترغيب " قال الحارثي: وحكى القاضي في " تعليقه " وجها بالضمان.
قال الزركشي: وقد ينبني على هذا الوجه، على إن الذي لا يؤاخذ به هو
الهم. أما العزم فيؤاخذ به على أحد القولين. انتهي.
[ ٦ / ٤٥٥ ]
(ومن أودعه) انسان (صغير وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه) الناظر في ماله،
كما لو كان عليه له دين في الذمه.
(ويضمنها إن تلفت، ما لم يكن) الصغير (مأذونا له) في الأيداع، (أو
يخف) من أخذها من الصغير (هلاكها معه) إن لم يأخذها منه، (كضائع
وموجود في مهلكة: فلا) ضمان عليه بالأخذ، لانه قصد به التخليص من
الهلاك. فكان الحظ فيه لمالكه.
(وما أودع أو أعير) بالبناء للمفعول أي: أودعه مالكه الجائز التصرف أو
أعاره (لصغير أو مجنون أو سفيه أو قن: لم يضمن بتلف) في يد قابضه (ولو بتفريط)، لإن المالك هو المفرط في ماله بتسليمه إلى أحد هؤلاء. هذا في
مسألة التلف.
(و) أما مسألة الإتلاف فانه (يضمن ما أتلف مكلف غير حر)، لإنه يصح
استحفاظه.
قال في " الإنصاف ": فائدة: المدبر والمكاتب والمعلق عتقه على صفة
وأم الولد كالقن فيما تقدم. قاله الحارثي وغيره. انتهي.
فلهذا (^١) قلت: غيرحر.
ويكون الضمان (في رقبته)، لإن إتلافه من جنايته.
وفهم مما تقدم: إن إتلاف الصغير والمجنون والسفيه لما أودعود هدر،
لأن المالك سلطهم على ماله. ألا ترى انه لو دفع لصغير أو مجنون سكينا فوقع
عليها فمات كانت ديته على عاقلة الدافع.
قال في " الإنصاف " في مسألة الصبي: وإن أتلفها لم يضمن هذا المذهب،
وعليه أكثر الأصحاب.
قال في " الهدأية " و" المستوعب " و" التلخيص ": وقال غير القاضى من
أصحابنا: لا يضمن. انتهوا.
قال الحارثي: قال ابن حامد: هذا قياس المذهب، وإليه صار القاضي
_________________
(١) في ا: فإذا.
[ ٦ / ٤٥٦ ]
آخرا وذكره ولده أبو الحسين. ولم يذكر القاضي في " رووس المسائل " سواه،
وكذا (^١) القاضى أبو الحسين وأبو الحسن بن بكروس.
قال ابن عقيل: وهو أصح عندي. وقدمه في " الخلاصة ".
وقال القاضي: يضمن. اختاره المصنف والشارح.
قال الحارثي: واختاره أبو علي بن شهاب. ولم يورد الشريفان أبو جعفر
والزيدي وأبو المواهب الحسين بن محمد العكبري والقاسم بن الحسين الحداد:
سواه. وصححه الناظم.
وهذا المذهب على ما اصطلحناه.
وأطلقهما في " المذهب " و" مسبوك الذهب " و" الرعأيتين " و" الحاوي
الصغير " و" المحرر " و" الفروع ". ثم قال:
فائدة:
المجنون كالصبي، وكذا السفيه عند المصنف والشارح وجماعة. ففيه الخلاف.
وقيل: إتلافه موجب للضمان كالرشيد. قطع به القاضي في " المجرد "
وصا حب " التلخيص ".
قال الحارثي: وإلحاقه بالرشيد أقرب.
قلت: وهو الصواب. انتهي.
وجزم في " التنقيح " بإلحاقه بالصغير والمجنون. فلهذا ألحقته بهما في (^٢)
مفهوم عبارة المتن.
وفي إتلاف العبد المكلف وجه بعدم الضمان تخريجا من مثله في الصبي.
ورده الحارثي.
وفي ضمان إتلافه وجه: أنه يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق.
_________________
(١) في ا: وكذلك.
(٢) ساقط من ا.
[ ٦ / ٤٥٧ ]
] فصل: المودع امين]
(فصل. والمودع أمين)، لأن الله تعالى سماها أمانة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾] النساء: ٥٨]
(يصدق بيمينه في رد) " لأنه لا منفعة له في قبضها. فقبل قوله في ردها
بغيربينه " كما لو قبضها بغير بنية.
حتى (ولو) ادعى الرد (على يد قنه) أي: قن مدعي الرد (أو زوجته أو
خازنه).
قال في " الإنصاف ": لو ادعى الأداء على يد عبده أو زوجته أو خازنه:
فكدعوى الأداء بنفسه. انتهي.
لأنه لما كان له أن يتولى حفظها بنفسه وبمن يقوم مقامه كان له دفعها كذلك.
(أو) كانت دعوى الرد (بعد موت ربها إليه). يعني: لو ادعى ورثة
المالك على المودع بالوديعة. فقال: رددتها إليه قبل موته: قبل قوله بيمينه،
كما لو كان المالك هو المدعي وأنكر الرد.
وعنه: إن دفعها إليه المالك ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة. نص عليه
في رواية أبي طالب وابن منصور.
قال الحارثي: وهذا ما قاله ابن أبي موسى في " الإرشاد " وخرجها
ابن عقيل، على ان الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينه واجب. فيكون تركه
تفريطا فيجب فيه الضمان. وفيما إذا ادعى ردها إلى ربها بعد موته وأنكر ورثته وجه: أنه لا يقبل قوله.
(و) يصدق المودع بيمينه أيضا (في قوله) لمالكها: (أذنت لي في دفعها
إلى فلان وفعلت) أي: ودفعتها إليه مع إنكار المالك الإذن في دفعها. نص عليه
أحمد في روايه ابن منصور. وهو قول ابن أبي ليلى.
[ ٦ / ٤٥٨ ]
قال في"الإنصاف ": وقطع به في" الهداية " و"المذهب" و" مسبوك
الذهب" و"المستوعب" و" الخلاصة" و"المغني" و"التلخيص" و"الشرح"
و" المحرر" و"الفائق" و"الوجيز" وغيرهم وقدمه في "الفروع". وهو من مفردات المذهب. انتهي.
ووجه ذلك: أنه ادعى دفعا يبرأ من الوديعة. فكان القول قوله فيه، كما
لو ادعى ردها على مالكها.
وقيل: لا يقبل قوله.
قال الحارثي: وهو قوي. ذكره عنه في "الإنصاف ". والمراد: مع انكار
المالك الإذن ولا بينة به.
قال في " الفروع ": وافقوا إن أقر بإذنه.
وقيل: ذلك كوكالة بقضاء دين،
ولا يلزم المدعى عليه للمالك غير اليمين ما لم يقر بالقبض.
وذكر الأزجي: إن رد إلى رسول موكل ومودع فانكر الموكل ضمن، لتعلق
الدفع بثالث، ويحتمل: لا. وان أقر، وقال: قصرت بترك الإشهاد احتمل
وجهين.
واتفق الأصحاب لو وكله بقضاء دينه فقضاه في غيبته وترك الإشهاد:
ضمن، لأن مبنى الدين على الضمان. ويحتمل إن أمكنه الإشهاد فتركه ضمن.
كذا قال. انتهي.
(و) يصدق مودع أيضا بيمينه في دعوى (تلف) الوديعة بسبب أمر خفي
كالسرقه، لتعذر إقامة البينة على مثل هذا] إلا بسبب ظاهر] (^١) .
ولأنه لو لم يقبل قوله في ذلك، لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة
إلى ذلك.
_________________
(١) في ب: السبب.
[ ٦ / ٤٥٩ ]
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المستودع إذا أحرز الوديعة ثم
ذكر انها ضاعت قبل قوله مع يمينه. وكذا ان لم يذكر السبب.
(لا) إن ادعى تلفها (بسبب ظاهر، كحريق، ونحوه)، كنهب جيش،
(إلا مع بينة تشهد بوجوده) أي: السبب. ثم يحلف انها ضاعت به.
فعلى هذا لو عجز عن إقامة البينة بالسبب الظاهر: ضمنها، لانه لا يتعذر
إقامة البينة به. والأصل عدمه.
(و) يصدق المودع بيمينه أيضا في (عدم خيانة و) عدم (تفريط).
قال في "الإنصاف ": وهذا بلا نزاع. انتهي.
وقد علم مما تقدم انه تجب اليمين على المدعي فيما يقبل قوله فيه.
قال في " الإنصاف ": والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من رد وتلف.
يعني: مع يمينه، هذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال بعد
ذلك:
فائدة:
هل يحلف مدعي الرد والتلف، والإذن في الدفع إلى الغير، ومنكر الخيانة
والتفريط ونحو ذلك؟
قال الحارثي: والمذهب: لا يحلف إلا أن يكون منهما. نص عليه من
وجوه، وكذا قال الخرقي وابن أبي موسى في الوكيل.
وأطلق المصنف- يعني به: الموفق- في كتابيه وكثير من الأصحاب:
وجوب التحليف.
قال: ولا أعلمه عن أحمد نصا ولا إيماء. انتهي.
والمذهب عند أكثر الأصحاب المتأخرين: ما قاله المصنف وغيره. انتهي
كلامه في " الإنصاف ".
(وإن ادعى) مودع (ردها) أي: دفع الوديعة (لحاكم أو ورثة مالك.
[ ٦ / ٤٦٠ ]
أو) ادعى (ردا بعد مطله) أي: تأخير دفعها (^١) إلى مستحقه (بلا عذر أو)
بعد (منعه) منها.
(أو) ادعى (ورثة) لمودع (ردا ولو لمالك: لم يقبل) ذلك (إلا ببينة).
أما كونه لا يقبل قوله (^٢) في دفعها إلى الحاكم أو ورثة المالك، لأن الحاكم
والورثة لم يأتمنوه.
قال ابن رجب: نقله في " التلخيص ".
وأما كون ورثة المودع لا يقبل قولهم في الدفع إلى المالك ولا إلى غيره إلا
ببينة، لأنهم غيرمؤتمنين عليها من قبل مالكها.
(وان) انكر المودع الوديعة بان (قال: لم يودعني، ثم أقر) بالأيداع (أو
ثبت) عليه (ببينة. فادعى ردا أو تلفا سابقين لجحوده: لم يقبل) ذلك منه
(ولو) أتى عليه (ببينة).
أما كون ذلك لا يقبل منه، فلأنه صار ضامنا بجحوده ومعترفا على نفسه
بالكذب المنافي للأمانة.
وأما كون بينته لا تقبل، فلأنه مكذب لها بجحوده.
قال في " الفروع ": فإن أقام بينة بهما متقدمه جحوده لم تسمع في
المنصوص. انتهي.
وقيل: تسمع البينة به، لأن المالك لو اعترف بذلك سقط حقه.
قال الحارثي: وهو المنصوص في رواية أبي طالب وهو الحق، وقال:
هذا المذهب عندي. نقله عنه في "والإنصاف ".
وان ادعى ردا أو تلفا بعد جحوده؟ كما لو ادعى عليه بالوديعة يوم الأحد
فجحدها ثم أقر بها يوم الإثنين ثم ادعى أنه ردها، أو تلفت بغير تفريطه يوم
_________________
(١) في ب: دفعه.
(٢) في اوب: قولها.
[ ٦ / ٤٦١ ]
الثلاثاء فأقام بذلك شاهدين: قبلا.
وإلى هذا أشير بقوله: (ويقبلان بها) أي: بالبينة (بعده) أي:
بالجحود، لأنه حينئذ ليس بمكذب لهما.
وقيل: تسمع البينة برد جحوده لا بتلف.
ولو شهدا بالرد أو التلف ولم يعينا هل ذلك قبل جحوده أو بعده؟: لم يسقط
الضمان، لأن وجوبه مستحق فلا ينتفي بأمر متردد فيه.
قال في " الإنصاف ": قلب: ويحتمل السقوط، لانه الأصل. انتهي.
(وان قال) مدعى عليه بوديعة في جوابه: (ما لك عندي شيء) ثم اقر بها
وادعى تلفها أو ردها: (قبلا) منه بيمينه، لأن ذلك ليس بمناف لجوابه، لجواز
أن يكون أودعه ثم تلفت عنده بغير تفريط أو ردها فلا يكون له عنده شيء.
(لا وقوعهما) أي: الرد والتلف (بعد انكاره).
قال في " الإنصاف ": لكن ان وقع التلف بعد الجحود وجب الضمان
لاستقرار حكمه بالجحود فيشبه الغاصب. ذكره الشارح واقتصر عليه الحارثي. وقال: والإطلاق هنا محمول عليه.
وقال الزركشي: يقبل قوله في الرد والتلف. ولا فرق بين قبل الجحود
وبعده، على ظاهر إطلاق جماعة. انتهي.
ومن أقر بوديعة ثم ادعى ظن بقائها ثم علم تلفها فهل يقبل قوله في ذلك؟ فيه
وجهان، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ":
أحدهما: لا يقبل. قدمه في " المغني " عند قول الخرقي: وإذا قال:
عندي عشرة دراهم، ثم قال: وديعة. وقدمه الشارح في باب ما إذا وصل
بإقراره ما يغيره. وهو ظاهر كلام ابن رزين.
وقال القاضي: يقبل قوله، لأن أحمد قال في رواية ابن منصور: إذا قال
لك عندي وديعة دفعتها إليك: صدق.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
(وإن تلفت) الوديعة (عند وارث) للمودع (قبل إمكان رد) إلى ربها،
كما لو جهله الوارث: (لم يضمنفا) إذا لم يفرط، لانه معذور.
(وإلا) أي: وان لم تتلف عند الوارث إلا بعد إمكان ردها: (ضمن)،
لتأخر ردها مع إمكانه لحصرلها بيده من غير أيداع.
وقيل: لا يضمنها أيضا، لانه غير متعد لحصولها في يده بغير فعله.
وقيل: إن عرف الوارث ربها ولم يعلمه بها: ضمنها، وإلا فلا، لأنه إذا
أعلمه ولم يطلبها كان كأيداعها له. فلم يضمنها، كالمودع.
(ومن أخر ردها) أي: الأمانة، (أو) أخر (ما لا أمر بدفعه بعد طلب) من
مستحقه (بلا عذر) في التأخير فتلف: (ضمن) المؤخر، لكونه أمسك مال
غيره بغير إذنه بفعل محرم. أشبه الغاصب.
وقيل: لا يضمن. واختاره أبو المعالي. بناء على اختصا ص الوجوب بأمر
الشارع.
(ويمهل لأكل ونوم وهضم طعام، ونحوه)، كصلاة وطهارة (بقدره)
أي: بقدر ذلك. فلا يضمنها ان تلفت زمن عذره، لعدم عدوانه.
وفي " الترغيب ": إن أخر لكونه في حمام أو على طعام إلى قضاء غرضه:
ضمن، وإن لم يأثم على وجه.
قال في " الفروع ": واختاره الأزجي. فقال: يجب الرد بحسب العادة،
إلا أن يكون تأخيره لعذر سببا للتلف. فلم أر نصا. ويقوى عندي: يضمن،
لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة.
وقال أيضا: وإن أمره بالرد إلى وكيله فتمكن وأبي: ضمن. والأصح ولو
لم يطلبها وكيله. انتهي كلامه في "الفروع ".
وفي " المغني ": فأما إن طلبها في وقت لا يمكن دفعها إليه
[ ٦ / ٤٦٣ ]
لبعدها (^١) أو لمخالفة في طريقها أو العجز عن حملها أو غير ذلك: لم يكن
متعديا بترك تسليمها، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وإن تلفت لم
يضمنها، لعدم عدوانه. انتهي.
وفي " الفروع ": وإن قال: هذا وديعة اليوم لا غد وبعده تعود وديعة.
فقيل: لا وديعة.
وقيل: بلى في اليوم.
وقيل: وبعد غد.
وإن أمره برده في غد وبعده يعود: تعين رده.
ومن استأمنه أمير على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من عادتهم المتقدمة
لزمه فعل ما يمكنه. وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم. لا سيما
وللآخذ شبهة. ذكره شيخنا. انتهي.
وتثبت الوديعة بإقرار المودع بها وبإقرار ورثته بعد موته.
(ويعمل) أي: ويجب أن يعمل وارث (بخط مورثه على كيس،
ونحوه)، كصندوق (هذا وديعة أو) هذا (لفلان).
قال في " الإنصاف ": وإن وجد خط موروثه " لفلان عندي وديعة "، أو
على كيس: " هذا لفلان ": عمل به وجوبا على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع ": ويعمل به على الأصح.
قال الحارثي: هذا المذهب. نص عليه في روايه إسحاق بن إبراهيم في
الو صية، ونصره. ورده غيره.
وقال: قاله القاضي أبو الحسين وأبو الحسن بن بكروس. وقدمه في
" المستوعب " و" التلخيص ". وهو الذي ذكره القاضي في " الخلاف ".
وقيل: لا يعمل به، ويكون تركة. اختاره القاصي في " المجرد "
_________________
(١) في أوب: ليعدها.
[ ٦ / ٤٦٤ ]
وابن عقيل والمصنف. وقدمه الشارح ونصره وجزم به في " الحاوي الصغير "
و" النظم ". انتهي.
(و) يجب أن يعمل وارث أيضًا بخط موروثه (بدين عليه).
قال في " الإنصاف ": قال القاضي أبو الحسين: المذهب وجوب الدفع إلى
من هو مكتوب باسمه. أومأ إليه وجزم به في " المستوعب ". وهو الذي ذكره
القاضي في " الخلاف ". وقدمه في " التلخيص " وصححه في " النظم ". وهو المذهب عند الحارثي، فإنه قال: والكتابة بالديون عليه كالكتابة بالوديعة كما
قدمناه (^١)، حكاه غير واحد. منهم السامري وصاحب " التلخيص ". انتهي.
وفيه وجه.
(أو له على فلان) يعني: أن للوارث العمل بخط أبيه بدين له على شخص
معين، (ويحلف) أي: ويجوز له الإقدام على اليمين. والمراد: إذا كان يعلم
أن مورثه لا يكتب إلا حقا.
قال المنقح في "حواشيه على التنقيح " المنقولة من خطه بهامش نسخته:
يتصور الحلف من الورثة في ثلاث أماكن:
الأول: أن يدعي الورثة عليه فينكر ويرد اليمين على القول بردها.
الثاني: أن يقيموا شاهدا واحدا فلهم ان يحلفوا معه.
الثالث: أن يقر لهم بمجهول والمكتوب بخط أبيهم معلوم فلهم الحلف
على المعلوم على القول بجواز الحلف. ومن شرط ذلك: أن يعلموا من أبيهم
الصدق والأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا. فيجوز الإقدام على اليمين لذلك.
وقد قال الموفق في " المغنى " والشارح وغيرهما: يجوز أن يحلف على
ما لا تجوز الشهادة به، مثل: أن يجد بخطه دينا له على انسان وهو يعرف أنه
لا يكتب إلا حقًا ولم يذكره، أو يجد في روزمانة أبيه بخطه دينًا له على انسان
_________________
(١) في أ: قدمنا.
[ ٦ / ٤٦٥ ]
ويعرف من أبيه الأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه، ولا يجوز ان
يشهد به. انتهوا.
وعبارته في " الإنصاف ": وان وجد خطه بدين له على فلان: حلف الوارث
ودفع إليه. قطع به في " المغني " و" الشرح " و" الفروع " و" شرح الحارثي ".
قال في " الفروع ": ويعمل بخط أبيه على كيس لفلان في الأصح، كخطه
بدين له. فيحلف. وفي عكسه وجهان.
فجعل خطه بدين له أصلا في جواز العمل به. وبقية كلامه (^١): وأستاذ الدار
والكاتب ودفتره ونحوه وكلاء كالأمير (^٢) في هذا.
وان استعمل كاتبا خائنا أو عاجزا أثم بما أذهب من (^٣) حقوق الناس،
لتفريطه. ذكره شيخنا.
(وإن ادعاها) أي: الوديعة (اثنان فأقر) المودع (لأحدهما) بها: (فله)
أي: حكم بها للمقر له (بيمينه)، لأن اليد كانت للمودع وقد نقلها إلى المدعي
فصارت اليد له، ومن كانت اليد له قبل قوله مع يمينه.
(ويحلف للآخر) الذي أنكره، لأنه منكر لدعواه ويكون يمينه على نفي
العلم. قاله في " المبدع ".
فإن حلف برئ وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها، لأنه فوتها عليه.
وكذا لو أقر له بها بعد أن أقر بها للأول فإنها تسلم للأول ويغرم قيمتها
للثاني. نص عليه.
وقيل: إن أقر بها لأحدهما لا يلزمه يمين للثاني.
(و) على المذهب: إن أقر بها (لهمما فلهما) أي: بينهما، كما لو كانت
بأيديهما وتداعياها، (ويحلف لكل منهما) يمينًا على نصفها. فإن نكل عن
_________________
(١) في ا: كلام.
(٢) في ا: كالأمين
(٣) في ا: في.
[ ٦ / ٤٦٦ ]
اليمينين (^١): لزمه عوضها يقتسمانه. وإن نكل عن اليمين لأحدهما دون الاخر:
لزمه لمن نكل عن اليمين له عوض نصفها.
(وإن قال) في جواب دعواهما: (لا أعرف صاحبها) منكما،
(وصدقاه) على إنه لا يعرف صاحبها (أو سكتا: فلا يمين) عليه، إذ لا
اختلاف، وعليه التسليم لأحدهما بالقرعة مع يمينه.
قال في " الإنصاف ": ذكره غير واحد. منهم أبو الخطاب وأبو الحسين
والشريف أبو جعفر، واقتصر عليه الحارثي.
(وإن كذباه) بأن قالا: بل تعرف أينا صاحبها: (حلف) لهما (يمينا
واحدة أنه لا يعلمه). وكذا ان كذبه احدهما.
قال الحارثي عن الحلف: وهو قول القاضي ومن بعده من الأصحاب.
قال في " التنقيح ": وقيل: لا يحلف إلا أن يكون متهما.
قال الحارثي: هذا المذهب. انتهي.
وعلى الأول إن نكل عن اليمين فحكى في"الإنصاف "عن "المجرد ":
يقضى عليه بالنكول فيلزمه الحاكم بالإقرار لأحدهما. فان أبي فقياس المذهب
يقرع بينهما. ولم يذكر غرما. وحكى عن صاحب " التلخيص " أنه قال: يقوى
عندي أن من جملة القضاء بالنكول غرم القيمة فيغرم القيمة.
قال الحارثي: وكذا قال غيره وجزم به في " الفائق " والزركشي.
فعلى هذا تؤخذ القيمة مع العين فيقترعان عليها أو يتفقان. هذه طريقة
صاحب " المحرر" [وجماعة. وقدمها الحارثي. وقال: في كلام صاحب
" المحرر"] (^٢) ما يقتضي الإقراع على العين. فمن أخذها بالقيمة تعينت القيمة
للآخر.
_________________
(١) في أ: اليمين.
(٢) ساقط من اوب.
[ ٦ / ٤٦٧ ]
قال الحارثي: وهو أولى، لان كلا منهما يستحق ما يدعيه في هذه الحالة،
أو بدله عند التعذر، والتعذر لا يتحقق بدون الأخذ. فتعين الاقتراع. انتهي.
قال في " التلخيص ": وكذلك إذا قال: أعلم المستحق ولا (^١) أحلف.
(ويقرع بينهما في الحالتين) أي: حالة ما إذا صدقاه أو كذباه وحلف.
(فمن قرع) أي: خرجت له القرعة (حلف) أنها له، لاحتمال عدمه
(وأخذها) بمقتضى القرعة.
قال في القاعدة الستين بعد المائة: إذا تداعى (^٢) اثنان عينا بيد ثالث فأقربها
لأحدهما مبهما وقال: لا أعلم عينه: فإنه يقرع بينهما. فمن قرع فهي له. وهل
يحلف؟ على وجهين. ذكرهما أبو بكر. والمنصوص عن أحمد: ان عليه
اليمين ثم قال: ولا فرق بين ان تكون وديعة أو عارية أو رهنا أو بيعا
مردودا بعيب أو خيار أو غيرهما. نص عليه في"المردود " في رواية ابن
منصور.
وإن قال من هي في يده ليست لي ولا اعلم لمن هي: ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: يقترعان عليها، كما لو أقر بها لأحدهما مبهما.
والثاني: تجعل عند أمين الحاكم.
والثالث: تقر في يد من هي في يده.
والأول ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وأبي النصر وغيرهم. والوجهان الآخران مخرجان من مسألة من في يده شيء معترف بأنه ليس له
ولا يعرف مالكه. فادعاه معين فهل يدفع إليه أم لا؟. وهل يقر بيد من هو في
يده أم ينزعه الحاكم؟ فيه خلاف معروف. انتهي كلامه في " القواعد ".
وفي " المبدع ": فإن قال ليست لواحد منهما: فعن أحمد أنه يقرع بينهما
قياسا على ما إذا قال: هي لأحد هؤلاء ولا أعرفه عينا. وحكى بعض أصحابنا
_________________
(١) في أ: حالا.
(٢) في اوج: ادعى.
[ ٦ / ٤٦٨ ]
أنه لا يقرع بينهما، وتقر بيد من هي بيده إلى أن يظهر صاحبها. ذكره في"الواضح ". (وإن أودعاه) أي: أودع اثنان واحدا (مكيلا أو موزونا ينقسم. فطلب
احدهما نصيبه لغيبة شريكه، أو) مع حضوره و(امتناعه) من أخذ نصيبه أو من الإذن لصاحبه في أخذ حقه: (سلم إليه) أي: وجب ان يسلم إلى المطالب نصيبه.
قال ابن نصر الله في " حواشي المحرر": يسأل عن فائدة قوله: ينقسم مع
العلم بأن كل مكيل وموزون ينقسم، قلت: وفائدته: أن بعض الموزونات
لا يجبر الشريك على قسمتها إذا طلب ذلك شريكه، وذلك كان يكون ذلك من
جنسين، وكالانيه النحاس والرصاص ونحوهما (^١) مما يحتاج قسمته إلى كسره المنقص لقيمته. وكذلك بعض المكيل تتعذر قسمته بدون التراضي كما إذا كان
بينهما كر حنطة وكر شعير فاختلطا. فان قسمتهما، حينئذ لا بد فيها من التراضي.
إذ لا يتيقن ان الحاصل لكل واحد منهما حصته من الحنطة وحصته من الشعير.
بل يجوز أن يكون في حصة أحدهما أكثر مما في حصة الاخر فيحتاج إلى
تراضيهما كذلك. وكذا لو كان الموزون مختلف الأجزاء كزبرة حديد أو نحاس مختلفة الأجزاء. انتهي.
وقال في " الإنصاف " عند ذكر الموفق المسألة: مراده إذا كان ينقسم وهو
معنى قول بعض الأصحاب: لا ينقص بتفرقه. انتهي.
وما قاله مأخوذ من عبارة " الفروع " وهي: وإن طلب أحد المودعين نصيبه
من مكيل أو موزون ينقسم. وهو معنى قول بعضهم: لا ينقص بتفرقه: لزمه
دفعه. وحرمه القاضي إلا بإذنه أو إذن حاكم. وفرض في " التبصرة " المسألة في عين يمكن قسمتها.
ووجوب تسليم نصيب المطالب (^٢) إليه هو الذي عليه جماهير الأصحاب.
_________________
(١) في اوب: ونحوها.
(٢) في ج: المطالبة.
[ ٦ / ٤٦٩ ]
ووجهه: أن ذلك حق مشترك يمكن تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب
الآخر بغير غبن ولا ضرر. فإذا طلب أحدهما نصيبه لزم دفعه إليه، كما لو كان متميزا.
وقال القاضي: لا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم، لأن ذلك يحتاج إلى
قسمة، ويفتقر إلى حكم أو اتفاق. وليس ذلك إلى المودع.
وعلم مما تقدم: أن ذلك لا يجوز في غير المثلي، لأن قسمته لا يؤمن فيها
الحيف، لافتقارها إلى التقويم. وذلك ظن وتخمين.
(ولمودع ومضارب ومرتهن ومستأجر ان غصبت العين) التي هي الوديعة
أو مال المضاربة أو المرهونة أو المؤجرة (المطالبة بها) من غا صبها.
وفي " الفروع ": ويلزم المستودع مطالبة غاصبها.
وقيل: ليس له. ومثله مرتهن ومستأجر ومضارب. وذكر الشيخ فيه مع
حضور رب المال لا يلزمه. انتهي.
ووجه ذلك: أن المطالبة بها من جملة حفظها المأمور به.
وقيل: ليس لغير المالك أو من يقيمه مطالبا عنه المطالبة بها.
وقدم في " الخلاصة ": أنه ليس له المطالبة في الوديعه. وجزم بالجواز في
المرتهن والمستأجر. ومالط إليه الحارثي.
(ولا يضمن مودع أكره على دفعها) أي: الوديعة (لغير ربها)، كما لو
غلب على أخذها منه قهرا، لأن الإكراه عذر يبيح له دفعها. وهذا الذي عليه
الأكثر، منهم القاضي في " المجرد " وابن عقيل في " الفصول " والموفق في
المغني " والشارح وصاحب " التلخيص " وغيرهم.
قال المجد في " شرحه ": المذهب لا يضمن.
قال في " الفروع ": ولو سلم وديعة كرها لم يضمن. انتهي.
وفي " الفتاوي الرجبيات " عن أبي الخطاب وابن عقيل الضمان مطلقا.
[ ٦ / ٤٧٠ ]
وعن ابن الزاغونى: إن أكره على التسليم بالتهديد والوعيد فعليه الضمان
ولا إثم، وإن ناله العذاب فلا إثم ولا ضمان.
وعبارة " الفروع ": وإن صادره سلطان لم يضمن. قاله أبو الخطاب.
وضمنه أبو الوفاء إن فرط. وإن أخذها منه قهرا لم يضمن عند أبي الخطاب.
وعند أبي الوفاء ان ظن أخذها منه بإقراره كان دالا ويضمن.
وفي " الخلاف " و" الانتصار ": يضمن المال بالدلالة وهو المودع.
وفي " فتاوى ابن الزاغونى ": من صادره سلطان ونادى بتهديد من له عنده
وديعة ولم يحملها إن لم يعينه أو عينه وتهدده ولم ينله بعذاب: أثم وضمن،
وإلا فلا. انتهي.
(وإن طلب يمينه) أي: طلب من (^١) المستودع أن يحلف أنه ليس عنده
وديعة لفلان (ولم يجد بدا) من الحلف، بأن يكون الطالب ليمينه متغلبا عليه
بسلطنة، أو تلصص ولا يمكنه الخلا ص منه إلا بالحلف: (حلف متأولا) ولم
يحنث.
وقال القاضي في " المجرد ": له جحدها.
(فان لم يحلف) على الأول وهو المذهب (حتى أخذت) منه:
(ضمنها)، لتفريطه بترك الحلف. (ويأثم ان) حلف و(لم يتأول.
وهو) أي: إثم حلفه بدون تأويل (دون إثم إقراره بها)، لان حفظ مال
الغير عن الضياع آكد من بر اليمين بالتأويل، (ويكفر) أي: وتلزمه كفارة اليمين
حيث قدر على التأويل ولم يفعل.
قال في " الإنصاف ": قلت: الصواب وجوب الكفارة مع إمكان التأويل
وقدرته عليه وعلمه بذلك ولم يفعله. انتهي.
وحكى أبو الخطاب في " فتاويه " في وجوب الكفارة روايتين.
_________________
(١) في أ: في.
[ ٦ / ٤٧١ ]
قال في " الإنصاف ": وإن أكره على اليمين بالطلادتى فأجاب أبو الخطاب
بانها لا تنعقد، كما لو أكره على إيقاع الطلاق.
قال الحارثي: وفيه بحث. وحاصله: إن كان الضرر الحاصل بالتغريم
كثيرا يوازي الضرر في صور الإكراه. فهو إكراه لا يقع، وإلا (^١) وقع على
المذهب. انتهي.
وأما إذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله فصاحبها غريم بها. وتقدمت
المسألة في المتن في المضاربة (^٢).
ولا فرق بين أن يوجد في التركة من جنس الوديعة أو لم يوجد.
وفيما إذا لم يعلم هل هي باقية أو تلفت؟ وجه بعدم الضمان، لأن الأصل
عدم التفريط والتعدي فيها.
والمذهب الأول، لأن الأصل وجوب الرد فيبقى عليه ما لم يوجد ما يزيله.
والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ا: ولا.
(٢) ص (٥٢).
[ ٦ / ٤٧٢ ]
(باب: إحياء الموات)
وهو مشتق من الموت.
قال في " القاموس ": والمُوات كغراب الموْت، وكسحاب ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها. والموتان بالتحريك خلاف الحيوان، أو أرض لم تُحيى بعد، وبالضم موت يقع بالماشية ويفتح. انتهى.
وفي " المغني ": الموات هو الأرض الخراب الدارسة. تسمى ميتة ومواتًا وموتانًا (^١) بفتح الميم والواو. والموتان بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع. ورجل موتان القلب بفتح الميم وسكون الواو يعني: عمي القلب لا يفهم. انتهى
(و) الموات في اصطلاح الفقهاء: (هي الأرض المنفكّة عن الاختصاصات وملك معصوم).
قال الحارثي عن هذا الحد: فيدخل فيه كل ما يُملك بالإحياء وخرج كل ما
لا يملك به. انتهى.
وسيأتي صور ذلك في المتن.
والأصل في إحياء الأرض ما روى جابر رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " من أحيى أرضًا ميتة فهي له " (^٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال " من أحيى أرضًا ميتة فهي له"
_________________
(١) في ب. وموتًا.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٧٩) ٣: ٦٦٣ كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات.
[ ٧ / ٥ ]
وليس لعرق ظالم حق " (^١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى مالك في " موطئه " وابو داود في " سننه " عن عائشة مثله (^٢) .
قال ابن عبد البر: وهو مسند (^٣) صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم.
وروى أبو عبيد في " الأموال " عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: " من أحيى أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها " (^٤) .
قال في " المغني ": وعامة فقهاء الأمصار على أن الَمَوَات يُملك بالإحياء
وأن اختلفوا في شروطه. انتهى.
(فيُملك بإحياءٍ كل ما) أى: كل مكان (لم يجرعليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه اثر عمارة).
قال في " المغني ": بغير خلاف بين القائلين بالإحياء. انتهى.
وذلك لأن الأحاديث المتقدمة متنأولة له.
نقل أبو الصقر: في أرض بين قريتين ليس فيها مزارع ولا عيون وأنهار تزعم
كل قرية أنها لهم في حرمهم: فأنهاا ليست لهؤلاء ولا لهؤلاء حتى نعلم أنهم أحيوها فمن أحياها فله .. ومعناه (^٥) نقل ابن القاسم.
(وأن) كان هذا المكان الذي لم يوجد فيه أثر عمارة تحقق أو كان قد (ملكه مَن) أى إنسان (له حرمة) وهو مسلم والذمي والمستأمن. (أو شُك) بالبناء للمفعول (فيه) أى: فيمن كان مالكًا له هل كان ممن له حرمة أو لا ولم يعلم حاله. (^٦)
_________________
(١) أخرجه الترمذى في " جامعه " (١٣٧٨) ٣: ٦٦٢ الموضع السابق.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٧٣ ٠ ٣) ٣: ٧٨ ١ كتاب الخراج والإماره والفيء، باب في إحياء الموات. عن سعيد بن زيد. وأخرجه مالك في " الموطأ " (٢٦) ٢: ٥٧٠ كتاب الأقضية، باب القضاء في عماره الموات، عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا. ولم أره فيهما عن عائشة، كما ذكره المصنف.
(٣) في ج: سند.
(٤) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٣ ٠ ٧) ص: ٢٦٤ باب إحياء الأرضين
(٥) في أوج: ومعناها
[ ٧ / ٦ ]
(فإن وجد) المالك له (أو أحد من ورثته: لم يُملك بإحياء).
قال في " المغني ": قال ابن عبدالبر: أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه. انتهى.
ومراده بإجماع العلماء فيما ملك بشراء أو عطية. وإلا فمالك يخالف فيما ملك بإحياء ثم دثر. وسيأتى الكلام عليه.
(وكذا) الحكم وهي كونها: لا تملك بإحياء على الصحيح من المذهب:
(أن جهل) المالك بأن لم تعلم عينه مع العلم بجريان الملك لذي حرمة. نص على ذلك في رواية أبي داود وأبي الحارث ويوسف بن موسى، لحديث عائشه المتقدم:: " من أحيى أرضًا ليست لأحد " (^١) . وهذه مملوكة.
ولأن هذا مكان مملوك. فلم يملك بإحياء " كما لو كان مالكه معينا.
وعنه: بلى. نقلها صالح وغيره.
وعنه: يملكه محييه مع الشك في عصمة مالكه.
(وأن علم) مالكه وأو مات (ولم يُعقِب) أى: لم يترك ذرية ولا وارثًا:
لم يملك أيضًا بإحياء، و(أقطعه الإمام) لمن شاء، لأنه فيء.
وعنه: يملكه محييه.
(وأن مٌلك) مكان (بإحياء، ثم تٌرك حتى دَثَر وعاد مواتًا لم يملك بإحياء:
أن كان لمعصوم) بغير خلاف بين الأصحاب.
وقال مالك: بلى، لعموم قوله: " من أحيى أرضًا ميتة فهي له " (^٢) . ذكره
في "المغني ".
وأجاب عنه بأن حديث: " من أحيى أرضًا ميتة ليست لأحد " (^٣): مقيد للحديث المطلق.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) سبق تخريجه ص: هـ.
(٣) سبق تخريجه قريبا.
[ ٧ / ٧ ]
وبأن هشام بن عروة قال في تفسير قوله ﵇: " وليس لعرق ظالم
[حق، العرق الظالم] (^١): أن يًا تي الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها ".
ذكره سعيد بن منصور في " سننه ".
وبأن مُلك المحيِِي أولا لم يزل عنها بالترك. بدليل سائر الأملاك.
(وأن عُلم ملكه لمعين غير معصوم) وهو الكافر الذي لا ذمة له: (فإن)
كان قد (أحياه بدار حرب وأندرس، كان) ذلك (كمَوَات أصلي) أى: فيملكه
من يحييه، لأن ملك من لاعصمة له كعدمه.
(وأن) لم يتحقق ملكه لمعصوم (^٢) لكونه ليس به أثر ملك لكن (تردد في
جريان الملك عليه، أو كان به أثر ملك غير جاهلي، كالخرب الذي ذهبت أنهارها، وأندرست آثارها، ولم يعلم لها مالك) أى: لم يعلم أنها الأن مملوكة لأحد.
(أو) كان به أثر ملك (جاهلي قديم، أو) اثر ملك جاهلي (قريب: مٌلك
بإحياء) في المسائل الأربعة.
أما في الأول ى وهي: ما إذا تردد في جريان الملك عليه؛ فلأن الأصل عدم
ذلك.
قال في " الإنصاف ": القسم الرابع: ما تردد في جريان الملك عليه، وفيه
روايتان. ذكرهما ابن عقيل في " التذكرة " والسامري وصاحب " التلخيص "
وغيرهم، وقا لوا: الأصح الجواز.
والرواية الثانية عدم الجواز. انتهى.
وأما في المسألة الثانية وهي: الخرب التي أندرست آثارها ولم يعلم لها
مالك وفيها روايتان أصحهما تُملك بالإحياء للخبر. صححه في " الحاوي الصغير " و" الفائق " و" النظم ".
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: المعصوم.
[ ٧ / ٨ ]
قال في " الإنصاف ": لفظ المصنف وغيره يقتضي تعميم الخلاف في المندرس بدار الإسلام وبدار الحرب، وقد صرج به في كل منهما: القاضي وابن عقيل والقاضي أبو الحسين وابو الفرج الشيرازي (^١) والشيرازى في " المغني " والشارح وغيرهم.
وكلامه في " التنقيح " يقتضي التعميم وتبعته عليه في المتن. لكن قال في
" الإنصاف ": والصحيح من المذهب التفرقة بين دار الحرب والإسلام. ولعله تبع في ذلك الحارثي فإنهقال في " الإنصاف ": قال الحارثي: وبالجملة. فالصحيح: المنع في دار الإسلام، وكذا قال الأصحاب.
وأما في المسًا لة الثالثة وهي: ما إذا كان به أثر جاهلي قديم، كديار عاد ومساكن ثمود واثار الروم فلم يذكر القاضي في " الأحكام السلطانية "، والموفق في " المغني " خلافًا في جواز إحيائه.
قال في " الإنصاف ": وهي طريقة صاحب " المحرر " و" الوجيز "وغيرهما.
قال الحارثي: وهو الحق الصحيح من المذهب. فإن أحمد وأصحابه
لا يختلف قولهم في البئر العاديِّة. وهو نص منه في خصوص النوع ..
وصحح الملك فيه بالإحياء: صاحب " التلخيص " و" الفائق " و" الشرح "
و" الفروع " و" التصحيح " وغيرهم. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
قال في " المغني ": لأن ذلك الملك لاحرمه له.
وقد روي عن طاووس عن النبي ﷺ أو قال: " عادي الأرض لله
ولرسوله ثم هو بعد لكم " (^٢) . رواه سعيد في " سننه " وأبو عبيد في "الأموال ".
وقال: عادي الأرض التي كان بها ساكنٌ في آباد الدهر فإنقرضوا فلم ييق منهم أنيس. وأنما نسبها إلى عاد لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وآثار كثيرة فنسب كل أثر قديم إليهم.
(٣)
_________________
(١) في أ: الشيراجي.
(٢) أخرجه أبو. عبيد في " الأموال " (٦٧٦) ص: ٥٣ ٢ كتاب أحكام الأرضين في إقطاعها، باب الإقطاع.
[ ٧ / ٩ ]
ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك ولم نعلم زواله قبل الإسلام: أنه لا يملك؛
لأنه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامراَ فاستحقوه. فصار موقوفا بوقف عمر له. فلم يملك؛ كما لو علم مالكه. انتهى كلامه في " المغني ".
وأما في المسًا له الرابعة وهو: ما إذا كان به أثر جاهلي قريب ففيه
روايتان.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أو يملك بالإحياء. قاله الحارثي وغيره.
والرواية الثانية: لا يملك. انتهى.
ووجه المذهب: أن أثر الملك الذي بها لا حرمة له. أشبه أثر الجاهلي القديم.
(ومن أحي) مما يجوز إحياؤه (ولو) كان الإحياء (بلا إذن الإمام، أو)
كان المحيي (ذميًا) أرضًا (مَواتا، سوى موات الحرم وعرفات، و) سوى ما (أحياه مسلم: من أرض كفار صولحوا على أنها) أى: الأرض) لهم، ولنا الخراج عنها، و) سوى) ما قرب من) المكان (العامر وتعلق بمصالحه، كطرقه وفنائه، ومسيل مائه، ومرعاه ومحتطبه، وحريمه، ونحو ذلك)، كمطرح ترابه: (ملكه) جواب من.
أما كون من أحيى مواتًا ملكه ولو بدون إذن الإمام في إحيائه في المنصو ص؛ فلعموم الحديث.
ولأنها عين مباحه. فلم يفتقر في ملكها إلى إذن الإمام " كأخذ المباح.
وهو فبني على أن عموم الأشخا ص يستلزم عموم الأحوال.
وفيل: لا يجوز إلا بإذنه وحكاه في " الواضح " و" الإقناع " رواية " لأن له مدخلا في النظر في ذلك.
وأما كون الذمي في ذلك كالمسلم. فقد نص عليه أحمد.
وقال مالك: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام.
[ ٧ / ١٠ ]
قال القاضي: وهو مذهب جماعة من أصحابنا، لقول النبي ﷺ: " موتان
الأرض لله ورسوله ثم هي لكم مني " (^١) .
فجمع الموتان ثم جعله للمسلمين.
ولأن موتان الأرض من حقوقها والدار للمسلمين. فكان مواتها لهم "
كمرافق المملوك.
وأجيب عن ذلك بعموم قوله ﷺ " من أحيى أرضًا ميتة فهي له " (^٢) .
وبأن الإحياء جهة من جهات التملك. فاشترك فيها المسلم والذمي، كسائر جهاته. وبأو أنما يعرف من الحديث الذي ذكروه قوله: " لله ورسوله ثم هو لكم
بعد. ومن أحيى مواتا من الأرض فله رقبتها ".
قال في " المغني ": هكذا رواه سعيد بن منصور وهو مرسل. رواه طأووس
عن النبي ﷺ.
ثم لا يمتنع أن يريد بقوله: " هي لكم " أى: لأهل دار (^٣) الإسلام.
والذمي من أهل الدار تجري عليه أحكامها.
وقولهم: أنها من حقوق دار الإسلام.
قلنا: وهو من أهل الدار فيملكها كما يملكها بالشراء، ويملك مباحاتها من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن واللقطة. وهي من مرافق فى دار
الإسلام. انتهى.
وأما كون موات الحرم وعرفات لا يملك بالإحياء، فلما فيه من التضييق على
الحاج واختصاصه بمحل الناس فيه سواء.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٤٣ كتاب إحياء الموات، باب لا يترك ذمي يحي عن ابن عباس ﵄.
(٢) سبق تخريجه ص: ٥.
(٣) في أ: دين.
[ ٧ / ١١ ]
قال في " الإنصاف ": هل يملك المسلم موات الحرم وعرفات بإحيائه؛
يحتمل وجهين. وأطلقهما في " التلخيص " و" الرعاية " و" الفر وع ".
قلت: الأول ى أو لا يملك ذلك بالإحياء. ثم وجدت الحارثي قال: هذا الحق. انتهى.
وأما كون المسلم لا يملك ما أحياه من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج عنها، لأنهم صولحوا في بلادهم. فلا يجوز التعرض لشيء منها عامرًا كان أو مواتا، لأن الموات تابع للبلد (^١) . فإذا لم يملك عليهم البلد لم يملك مواته.
ويفارق دار الحرب حيث يملك مواتها، لأن دار الخرب على أصل الإباحة. وهذه صالحناهم على تركها لهم فحرمت علينا.
قال في " المغنى ": ويحتمل أن يملكها من أحياها، لعموم الخبر.
ولأنها من مباحات دارهم. فجاز أن يملكها من وجد منه سبب. فملكها؛ كالحشيش والحطب. وقد روي عن أحمد: أو ليس في السواد موات- يعني: سواد العراق-.
قال القاضي: هذا محمول علي الدار. ويحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لكون السواد كان معمورًا كله في زمن عمر بن الخطاب وحين أخذه المسلمون من الكفار. حتى بلغنا أن رجلًا منهم سًال أن يعطى خربة فلم يجدوا له خربة فقال: أنما أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا. وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر فيها موات بعده، لأن ما دثر من أملاك المسلمين لم يصر مواتا على أحد الروايتين. انتهى.
واما كون ما فرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك بالإحياء بلا خلاف في المذهب؛ لقوله ﷺ: " من أحيى أرضًا ميتة في غير حق مسلم فهي له " (^٢)
_________________
(١) في أ: البلد.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٤٧ كتاب إحياء الموات، باب ما يكون إحياء وما يرجى فيه من الأجر
[ ٧ / ١٢ ]
فإن مفهومه: أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء.
ولأنه تابع للمملوك فأعطي حكمه.
ومفهوم كلام المتن: أن ما قَرُب من العامر ولم يتعلق بمصالحه يملك بالإحياء. وهو المذهب؛ لعموم الخبر وأنتفاء المأنع.
قال أحمد في رواية أبي الصقر: في رجلين أحييا قطعتين من موات وبقيب بينهما رقعة فجاء رجل ليحييها: فليمس لهما منعه.
وفيه رواية: لا يجوز إحياؤه.
إذا ثبت هذا فإنهلا حد يفصل بين البعيد والقريب سوى العرف.
وقال الليب: حده غلوة. وهي خمس خمس الفرسخ.
وقال أبو حنيفة: حد البعيد هو الذي إذا وقف الرجل في أدناه فصاح بأعلا صوته لم يسمع أدنى أهل المصر إليه.
ولنا: أن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف لا بالرأى ولم يرد من الشرع تحديد. فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف؛ كالقبض والإحراز. وما ذكراه لا يجوز أن يكون حدًا لكل ما قرب من عامر، لأنه يفضي إلى أن من أحيى أرضًا في موات حرم إحياء شيء من ذلك الموات على غيره ما لم يخرج عن الحد.
وحيث قلنا يملك المحيي (^١) لما أحياه فإنه يملكه (بما فيه من معدن جامد) باطن، (كذهب وفضة وحديد) ونحاس ورصا ص، (و) من معدن جامد (ظاهر؛ كجص وكحل) وزرنيخ وكبريت، لأنه مَلَك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها فدخل في ملكه على سبيل التبعية.
ويفارق الكنز فإنهلا يملك ما فيها من كنز؛ لأنه مودع فيها وليس من أجزائها. وأنما يملك المحيي المعادن في الأرض التي أحياها إذا حفرها وأظهرها،
أما ما كان ظاهرًا فيها قبل إحيائها فلا يملكه؛ لأن في ملكه إذًا قطعًا لنفع كان واصلًا إلى المسلمين ومنعًا لأنتفاعهم.
_________________
(١) في ب: الإحياء.
[ ٧ / ١٣ ]
وأما إذا ظهر بإظهاره فإنه لم يقطع عنهم شيئا.
وظاهر كلام المتن شامل لأرض العنوة وغيرها. وهو صحيح. وهو المذهب عند الأكثر.
قال الحارثي: وهو أقوى.
(وعلى ذمي خراج ما أحيي: من موات عنوة)؛ لأنها للمسلمين (^١) . فلا
تقر في يد غيرهم بدون الخراج؛ كغير الموات.
فأما غير العنوه وهي أرض الصلح وما أسلمأهله عليه إذا أحيى الذمي فيه
مواتا: فكالمسلم (^٢) .
وعنه: لا تملك أرض العنوة بالإحياء. وما أحياه مسلم منها يقر بيده بالخراج كالذمي.
وعنه: إن أحياه مسلم فعليه عشر ثمره وزرعه.
وعنه: على ذمي أحيى غير عنوة عشر ثمره وزرعه.
(ويُملك بإحياء ويُقطع) بالبناء للمفعول فيهما (ما) أى: مكان (قَََرُب من الساحل مما) أى: من محل (إذا حصل فيه الماء صار ملحًا)؛ لأنه لا تضييق على المسلمين بذلك بل يحدث نفعه بالعمل فيه. فلم يمنع منه؛ كبقية الموات وإحياء هذا بتهيئة لما يصلح له، من حفر ترابه، وتمهيده، وفتح قناه إليه يصب الماء فيه؛ لأنه يتهيأ بهذا للأنتفاع (^٣) به.
(أو من العامر) يعني: أو يملك بإحياء ويقطع ما قرب من العامر.
(ولم يتعلق بمصالحه) نصًا لعموم قوله ﷺ: " من أحيى أرضًا ميتة فهي
له " (^٤)
_________________
(١) فى أوب: للمسلم.
(٢) فى أوب: كالمسلم.
(٣) في أ: هذا للانتفاع.
(٤) سبق تخريجه ص: ٥.
[ ٧ / ١٤ ]
و" لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزنى العقيق " (^١) .
وهو يعلم أنه بين عمارة المدينة.
ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر. فجاز إحياؤه؛ كالبعيد.
وعنه: لا يجوز إحياؤه؛ لأنه في مظنة تعلق المصلحة به.
و(لا) تملك ولا تقطع (معادن منفردة) أما الظاهرة وهي التي يتوصل إلى
ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها؛ كمقاطع الطين والملح والكحل فلا خلاف؛ لأن فيه ضررًا بالمسلمين وتضييقا عليهم؛ لأن النبي ﷺ أقطع أبيض ابن حمال معدن الملح فلما قيل له: أو بمنزلة الماء العد رده. كذا قال أحمد. وروى أبو عبيد. وأبو داود والترمذي بإسنادهم عن أبيض بن حمال: " أو استقطع رسول الله ﷺ الملح الذي بمأرب فلما ولى قيل: يا رسول الله! اتدري ما أقطعت له؛ أنما أقطعته الماء العد. فرجعه منه، قال قلت: يا رسول الله! ما يحمى من الأراك؛ قال: ما لم تنله أخفاف الإبل " (^٢) . وهو حديث غريب. ولأن هذا يتعلق به مصالح المسلمين العامة. فلم يجز إحياؤه ولا إقطاعه؛ كمشارع الماء وطرقات المسلمين.
قال ابن عقيل: هذا من مداد الله الكريم، وفيض جوده العميم الذي لا غنى عنه. فلو ملكه أحد بالاحتجار ملك منعه فضاق على المسلمين. وأن أخذ العوض عنه أغلاه فخرج عن العوض الذي وضعه الله به من تعميم ذوي الحوائج من غيركلفة.
قال في " المغني ": وهذا كله مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٦٧٩) ص: ٥٣ ٢ كتاب أحكام الأرضين، باب الإقطاع.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٦٤) ٣: ١٧٤ كتاب الخراج والإماره والفيء، باب في إقطاع الأرضين. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٨٠) ٣: ٦٦٤ كتاب الأحكام، باب ما جاء في القطائع. وأخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٦٨٥ - ٦٨٦) ص: ٢٥٥ كتاب أحكام الأرضين، باب الإقطاع. والماء العد هو الدائم الذي لا ينقطع.
[ ٧ / ١٥ ]
وحكم المعادن الباطنة إذا كانب ظاهرة حكم المعادن الظاهرة الأصل. قاله
في " الإنصاف " ولم يذكر فيه خلافًا.
وأما الباطنه وهي: التي يحتاج في إخراجها إلى حفر ومُؤْنة؛ كمعدن الجواهر ونحوها: فالصحيح من المذهب: أنها كالمعادن الظاهرة لا تملك بإحياء ولا يجوز إقطاعها.
وقيل: تملك بإحياء.
قال الحارثي: ونص عليه في رواية حرب.
وقيل: يجوز إقطاعها؛ " لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارت معادن القَبَلِيِّة جَلْسِيَّها وغَورْيَّها " (^١) رواه أبو دا ود وغيره.
اختاره الموفق وابن اخيه.
والقَبَلِيِّة: بقاف وموحدة مفتوحتين وكسر اللام وتشديد المثناة تحت من ناحية " الفروع ". وجَلْسِيَّها: بفتح الجيم وسكون اللام وسين مهملة أى: نجديها، ويقال لنجد: جلس.
(ولا يملك ما) أى: محل (نضَب) أى: غار (ماؤه) من الجزائر.
قال أحمد في رواية العباس بن موسى: إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها؛ لأن فيه ضررًا. وهو أن الماء يرجع.
قال في " المغني ": يعني: أو يرجع إلى ذلك المكان. فإذا وجده (^٢) مبنيا رجع إلى الجأنب الاخر فًا ضر بأهله.
ولأن الجزائر منبت الكلأ والحطب فجرت مجرى المعادن الظاهرة.
وقد قال النبي ﷺ: " لا حمى في الأراك " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه ابو داود فى "سننه" (٣٠٦٢) ٣: ١٧٣ كتاب الخراج والأمارة والفئ؛ باب فى أقطاع الأرضين
(٢) فى أ: أوجده
(٣) أخرجه ابو داود فى "سننه" (٣٠٦٦) ٣: ١٧٣ كتاب الخراج والأمارة والفئ؛ باب فى أقطاع الأرضي
[ ٧ / ١٦ ]
وقال أحمد في رواية حرب: يروي عن عمر: " أنه أباح الجزائر ". يعني: أباح ما ينبت في الجزائر من النبات،
وقال: إذا نضب الفرات عن شيء ثم نبت فيه نبات فجاء رجل يمنع الناس
منه فليس له ذلك. فأما أن غلب الماء على ملك إنسان، ثم عاد فنضب عنه فله أخذه ولا يزول ملكه بغلبة الماء عليه. وأن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل: أن يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره؛ لأنه متحجر لما ليسن لمسلم فيه حق. فًا شبه المتحجر في الموات. انتهى
وقال في " الإنصاف ": إذا نضب الماء عن جزيرة فلها حكم الموات لكل
أحد إحياؤه بعدت أو قربت. ذكره ابن عقيل والمصنف والشارح والحارثي وغيرهم ونص عليه.
قال الحارثي: هذا مع عدم الضرر. ونص عليه. انتهى.
وقال في " التنقيح ": أو لا يملك. وتابعته عليه.
(وأن ظهر فيما أحى) من موات (عين ماء، أو معدن جار). وهو الذي كلما أُخذ منه شيء خلفه عوضه؛ (كنِفْط وقَار، أو) ظهر فيها (كلأ أو شجر: فهو أحق به)؛ لأنه لو سبق إلى المباح الذي ليس بأرضه كان أحق به؛ لقوله: " من سبق إلى ما لم يَسبق إليه مسلم فهو له " (^١). رواه ابو داود. وفي لفظ " فهو أحق به ". فهنا أولى.
(ولا يملكه) نصًا؛ لقول رسول الله ﷺ: " الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار " رواه الخلال وابن ماجه من حديث ابن عباس. وزاد فيه " وثمنه حرام " (^٢).
ولأنها ليست من أجزاء الأرض. فلم يملكها بملك الأرض؛ كالكنز.
وعنه: بلى؛ لأنها خارجة من أرض. فًا شبهت الزرع والمعادن الجامدة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٧١) ٣: ١٧٧ الموضع السابق
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٤٧٢) ٢: ٨٢٦ كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث.
[ ٧ / ١٧ ]
(وما فضل من مائه) الذي لم يحزه (عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه: يجب بذله لبهائم غيره وزرعه) أى: زرع غيره؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ " (^١) متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: " من منع فضل مائه أو فضل كلئه: منعه (^٢) الله فضله يوم القيامة " (^٣) رواه أحمد. ولا يتوعد على ما يحل.
ولأن في منعه تضييقٌ على غيره بما لا نفع له فيه فلم يجز.
وعنه: لا يجب بذله لزرع غيره.
ومحل وجوب بذله: (ما لم يجد) ربُ البهائم أو الزرع ماء (مباحًا) فإنهحينئذ يكون مستغنيا به.
ولأن الخبر ظاهر في اختصاصه بمحل الحاجة. فإذا لم تكن حاجة لم يجب البذل. (أو يتضرر به) الباذل؛ لأن الضرر ممنوع شرعًا.
(أو يؤذه) أى: يؤذي طالبُ الماء مَنِ الماء في أرضه (بدخوله) إليها.
قال أحمد: إلا أن يؤذيه بالدخول.
(أو له فيه ماء السماء ويخاف عطشًا.: فلا بأس أن يمنعه).
قال في " الإنصاف ": وقدمه في " الهداية " و" المستوعب ".
قال الحارثي: هذا الصحيح واختيار أكثر الأصحاب. منهم أبو الخطاب والقاضي أبو الحسين والشيرازي والشريفان أبو جعفر واليزيدي. وهو من المفردات. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٢٢٧) ٢: ٨٣٠ كتاب المساقاة، باب من قال أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٥٦٦ ١) ٣: ٩٨ ١ ١ كتاب المساقاه، باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون بالفلاة ويحتاج إليه لرعي الكلأ.
(٢) في أ: منع.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٦٦٧٣) ٢: ١٧٩.
[ ٧ / ١٨ ]
وقال الإمام أحمد أيضًا: وليس له أن يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ. واحتج بالخبر.
وفي " الروضة ": يكره منعه فضل مائه ليسقي به للخبر. نقله في " الفروع ". وعلم مما تقدم أو لا يلزم من قلنا يلزمه بذل الماء حبل ولا دلو؛ لأنهما يتلفإن بالاستعمال. أشبها بقية ماله. قاله في " الكافي ".
(ومن حفر بئرًا بموات) أى: بأرض موات اللسابلة) أى: لنفع المجتازين (فحافر كغيره) أى: كسائر المنتفعين بها (^١) (في سقي وزرع وشرب).
قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب، وفي " الفروع " قال جماعة: من حفر بئرًا بموات للسابلة فهو كغيره في شرب وسقي وزرع.
(ومع ضيق) أى: تزاحم (يُسقى آدمي) أولا (فحيوان فزرع) بعدهما؛
لأن الحيوان له حرمة.
(و) أن حفرها في موات (أرتفاقًا) بها (كالسفارة) والمنتجعين يحتفر ون البئر. (لشربهم و) شرب (دوابهم: فهم) أى: المحتفرون (أحق بمائها) أى: ماء البئر التي احتفروها (ما أقاموا) أى: مدة إقامتهم عليها. يعني: أنهم لا يملكونها.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب.
ووجهه: أنهم جازمون بأنتقالهم عنها وتركها لمن نزل منزلتهم. بخلاف الحافر للتملك.
وقيل: بل تكون ملكًا للحافر.
قال في " الإنصاف ": وهو الصواب.
(وعليهم) أى: الحافرين لها (بذل فاضل) عنهم من مائها الشارب
_________________
(١) فى أوب: منها.
[ ٧ / ١٩ ]
فقط). قاله في " الأحكام السلطانيه "، وتبعه في " المستوعب " و" الترغيب "، واقتصر عليه في " الفروع ".
(وبعد رحيلهم) أى: رحيل الحافرين لها (تكون) البئر (سابلة
للمسلمين)؛ لأنه ليس لأحد ممن لم يحفرها أولى بها من الاخر.
(فإن عادوا) أى: الحافرين لها (كانوا أحق بها) من غيرهم؛ لأنهم لم يحفروها إلا من أجل أنفسهم ومن عادتهم الرحيل والرجوع. فلم تزل أحقيتهم بذلك.
واختار كون الحافرين أحق بها من غيرهم أبو الخطاب في بعض " تعاليقه ".
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب وقدمه في " الرعاية الكبرى "
و" الفائق ". قال في " الرعاية الصغرى " و" الحاوي الصغير ": فهو أولى بها في أصح الوجهين. انتهى.
وقيل: يكونون إذا عادوا كغيرهم. اختاره القاضي في " الأحكام السلطانية ".
(و) أن حفر إنسان بئرًا في مَوات حال كون الحفر (تملكًا فملك لحافر)؛
كما لوحفرها بملكه الحي.
قال في " الأنصاف ": جزم به الحارثي وغيره وقدمه. في " الفروع " وغيره.
قال في " الرعاية ": مَلَكها في الأقيس.
قال في " الأحكام السلطانية ": أن احتاجت طيا ملكها بعده. وتبعه في
" المستوعب "، وقال: هو وصاحب " التلخيص ": وأن حفرها لنفسه تملكا فما لم يخرج الماء فهو كالشارع في الإحياء وأن خرج الماء استقر ملكه، إلا أن تحتاج إلى طي فتمام الإحياء بطيها. انتهى.
[ ٧ / ٢٠ ]
[فصل: فيما يتحقق به الإحياء]
(فصل. وإحياءارض) موات (بحوز بحائط منيع). سواء أرادها للبناء
أو للزرع أو حظيرة للغنم أو للخشب أو غيرهما. نص عليه " لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " من أحاط حائطًا على أرض فهي له " (^١) رواه أحمد وأبو داود. ورويا أيضًا بسندهما إلى سمرة عن النبي ﷺ مثله (^٢) .
ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء. أشبه ما لو جعلها للغنم حظيرة.
وتبين بهذا (^٣) أن القصد لا اعتبار به. بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم فبناها بجص وآجر وقسمها بيوتًا فإنهيملكها. وهذا لا يصنع للغنم مثله.
والمراد بالحائط المنيع: أن يمنع ما وراءه. ولا يعتبر مع ذلك تسقيف؛-
لأنه لم يذكر في الخبر.
(أو إجراء ماء) أى: بأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر (لا تُزرع إلا به)
أى: بالماء المسوق إليها.
(أو منع ماء لا تزرع معه) يعني: أن الأرض الموات لو كانت لا يمكن زرعها إلا بحبس الماء عنها؛ كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء لكثرته: كان إحياؤها بسد الماء عنها وجعلها بحال يمكن زرعها " لأن يسوق الماء إلى ما ليس لها ماء وحبسه عما يفسدها يمكن الأنتفاع بها فيما أراد من غير حاجة إلى تكرار ذلك في كل عام.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٥١٢٩) ٣: ٣٨١.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٠٧٧) ٣: ١٧٩ كتاب الخراج والإماره والفيء، باب في إحياء الموات. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠٢٣٨ ٢) ٥: ١
(٣) فى أوب: ويبين هذا
[ ٧ / ٢١ ]
(أو حفر بئر) أو نهر نصًا.
قال أحمد في رواية علي بن سعيد: الإحياء أن يحوط عليها حائطًا أو يحفر
فيها بئرأونهرًا. انتهى.
(أو غرس شجرٍ فيها) أى: في الأرض الموات؛ كما لو كانت لا تصلح للغراس لكثرة أحجارها أو نحوها فينقيها ويغرسها.
قال في " الفروع ": ويملكه بغرس وإجراء ماء. نص عليهما.
ووجه ذلك: أن الغرس يراد للبقاء كبناء حائط.
وعنه: أن إحياء الأرض ما عُدَ إحياء في العرف؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك على الإحياء ولم يبينه ولا ذكر كيفيته. فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياء في العرف.
ولأن الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عندأهل اللسان. فكذلك يتعلق الحكم بالمسمى إحياء عندأهل العرف.
وقيل: ما يتكرر كل عام؛ كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا (^١) يتكرر
فهو إحياء.
وعلى المذهب: لا يشترط (^٢) في إحياء الأرض للسكنى تسقيف البيوت ولا نصب أبوابها؛ لأن السكنى ممكنة بدون ذلك. "
ولا يحصل الإحياء بحرث وزرع.-،
قيل لأحمد: فإن (^٣) كرب حولها، قال: لا يستحق ذلك حتى يحوط. والكرب: إثارة الأرض للزرع. قاله في " القاموس ".
قال في " المغني ": ولو خندق عليه خندقًا لم يكن إحياء وكان تحجرًا؛
لأن المسافر قد ينزل منزلًا ويحوط على رحله بنحو من ذلك. انتهى.
_________________
(١) في أ: ولا.
(٢) في أ: يشرط.
(٣) في أ: بأن.
[ ٧ / ٢٢ ]
(وبحفر بئر) في الموات (يملك) الحافر (حريمها. وهو) أى: حريم
البئر (من كل جأنب في قديمة) وهي: التي يسمونها العاديٍِّة- بتشديد الياء- نسبة إلى عادًا ولم يرد عادا بعينها لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لها آثار في الأرض نسمب إليها كل قديم.
وعند الشيخ تقي الدين: أن العادية هي التي اعيدت.
والأول هو المنصو ص عن أحمد.
نقل ابن منصور: البئر العاديَِّة القديمة.
ونقل حرب وغيره: العادية التي لم تزل.
وحيث تقرر ذلك فحريمها من كل "جأنب (خمسون ذراعًا.
و) حريم بئر (في غيرها) أى: غير القديمة (خمسة وعشرون) ذراعًا.
فنص عليه، واختاره أكثر الأصحاب " لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن سعيد ابن المسيب قال: " السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا والبدي خمسة وعشرون ذراعًا " (^١) .
وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا (^٢) .
ولا بد أن يصل الحافر إلى الماء. فإن لم يصل فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء. فالمراد بحفر البئر القديمة استخراج مائها حتى يكون إحياء لها. فًا ما البئر التي مأوها ظاهر فليس لأحد احتجار؛ كالمعادن الظاهرة.
وعند القاضي: حريم البئر قدر مد رشائها من كل جأنب.
وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها. واختاره القاضي أيضًا في
" المجرد ".
فعلى هذا إن كان يستقى منها بدولاب فحريمها قدر مدار الثور، وأن كان
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٧٢٢) ص: ٢٦٩ كتاب أحكام الأرضين، باب إحياء الأرضين
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٦٣) ٤: ٠ ٢٢ كتاب في الأقضية والأحكام.
[ ٧ / ٢٣ ]
بسانية فبقدر (^١) طول البئر، وأن كان يستقي منها بيده فبقدر (^٢) ما يحتاج إليه الواقف.
وقال في " الأحكام السلطانية ": له أبعد الأمرين من الحاجة أو قدر الأذرع. مع أن أحمد توقف في التقدير في روأىه حرب.
قال الحارثي: وهو غلط. ولو تأ ملوا النص بكماله من " مسائل حرب والخلال " لما قالوا ذلك. نقله عنه في " الإنصاف ".
(وحريم عين وقناة) احتفرهما إنسان في موات (خمسمائة ذراع). نص عليه في العين في رواية غير واحد.
وقال الحارثي عن حريم القناة: والمذهب أو كحريم العين، وقال: واعتبره القاضي في " الأحكام السلطانية " بحريم النهر. نقل ذلك في " الإنصاف ".
وقال في " التنقيح ": وحريم عين وقناة خمسمائة ذراع نصًا.
وفي " الفروع ": وحريم عين خمسمائة ذراع. نص عليه.
وعند جماعة: قدر الحاجة، ولم يتعرض للقناة. فلعل صاحب " التنقيح " وجد بما قال الحارثي أو المذهب في حريم القناه نصا عند وضعه للـ" تنقيح " بعد " الإنصاف ". والله أعلم.
(و) حريم (نهر) احتفر في موات (من جانبيه: ما يحتاج إليه لطرح كرايته) وهو: ما يلقى منه طلبا لسرعه جريه، (وطريق شأويِّه) أى: القيم عليه، والكراية والشاوي لم أجد لهما أصلا في اللغة بهذا المعنى ولعلهما مولدتأن من قبل أهل الشام، (ونحوهما) أى: ونحو مطرج كرأىته وطريق شأويه مما يرتفق به ومما يستضر صاحبه بتملكه عليه وأن كثر.
قال في " الرعاية ": وأن كان بجنبه مستقاة لغيره ارتفق بها في ذلك
_________________
(١) في أ: فبقدر.
(٢) مثل السابق.
[ ٧ / ٢٤ ]
ضرورة. وله عمل أحجار طحن على النهر ونحوه وموضع غرس وزرع
ونحو هما ٠ انتهى.
(و) حريم (شجرة) غرست في موات (قدر مد أغصأنها) حواليها؛
لماروى أبو داود بإسناده عن أبى سعيد قال: " اختصم إلى النبى ﷺ في حريم. نخلة. فأمر بجريدة من جرائدها فزرعت فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع. فقضى بذلك " (^١) .
قال في " المغني ": وإن سبق إلى شجر مباح؛ كالزيتون والخروب فسقاه وأصلحه فهو أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء. فإن طعمه ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه تهيأ للأنتفاع به لما يراد منه. فهو كسوق الماء الى الأرض الموات. ولقول النبي ﷺ: " من سبق إلى ما لم يسبق اليه مسلم فهو أحق به " (^٢) . انتهى.
وحكاه في " الإنصاف " فائدة، واقتصر عليه.
(و) حريم (أرض) من موات (تزرع: ما) أى: محل (يحتاج) إليه
(لسقيها، وربط دوابها، وطرج سبخها، ونحوه) مما يرتفق به زارعها؛ كمصرف مائها عند الاستغناء عنه.
(و) حريم (دار من موات حولها) أى: حواليها (مطرح تراب وكُناسة
وثلج وماء ميزاب، وممر لباب)؛ لأن هذا كله مما يرتفق به ساكنها.
(ولا حريم لدار محفوفة بملك) أى: بملك غيره من كل جأنب؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به.
(ويتصرف كل منهم) أى: من أرباب الأملاك (بحسب عادة) في الأنتفاع. فإن تعدى العادة منع.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٤٠) ٣: ٣١٦ كتاب الأقضية، أبواب من القضاء.
(٢) سبق تخريجه ص (١٧) رقم (١).
[ ٧ / ٢٥ ]
(وأن وقع في) قدر (الطريق نزاع وقت الإحياء: فلها سبعة أذرع)؛
للخبر (^١) .
(ولا تُغيَّر بعد وضعها)؛ لأنها للمسلمين. نص عليه.
واختار ابن بطة: أن الخبر في أرباب ملك مشترك أرادوا قسمته، واختلفوا
في قدر حاجتهم.
(ومن تَحَجَّر مَواتًا:. بأن أدار حوله أحجارًا) أو ترابًا أو شوكًا أو حائطًا غير
منيع، (أو حفر بئرًا لم يصل ماؤها). نقله حرب، (أو سقى شجرًا مباحًا وأصلحه ولم يُركّبه، ونحوه)؛ كما لو حرث الأرض أو خندق حولها، (أو أُقطعه) أى: أَقْطَعَه (^٢) له الإمام ليحييه فلم يحيه: (لم يملكه) بذلك؛ لأن الملك إنما يكون بالإحياء، ولم يوجد.
(وهو) أى: - من شرع في إحياء شيء ولم يتمه (أحق به) من غيره؛ لأنه
روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (^٣) رواه أبو دا ود.
(و) كذا (وارثه) من بعده يعني: أو يكون أحق به من غيره؛
لقول النبي ﷺ: " من ترك حقًا أو مالًا فهو لورثته " (^٤) .
ولأنه (^٥) حق للموروث. فيقوم الو ارث مقامه فيه؛ كسائر الحقوق.
(و) يكون أيضًا (من ينقله) المتحجر (إليه) أحق به ممن سواه؛ لأن المتحجر جعله مقامه فيه.
(وكذا) أى: وكما أن من تحجر مواتًا ونقله إلى غيره يكون بمنزلته (من
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال: " قضى النبي إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرع ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٤١) كتاب المظالم والغصب.
(٢) في ب: أقطع.
(٣) سبق تخريجه ص (١٧) رقم (١).
(٤) أخرجه النسائي في " سننه " (٩٦٣ ١) ٤: ٦٦ كتاب الجنائز، الصلاة على من عليه دين.
(٥) في أ: ولا.
[ ٧ / ٢٦ ]
نزل عن أرض خَراجية بيده لغيره). فإن المنزول له يكون أحق بها وورثته من بعده.
وليس للإمام أخذها منه.
قال ابن رجب في القاعدة السابعة والثمانين (^١): ومنها منافع الأرض الخَراجية. فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وتنتقل إلى الوارث فيقوم مقام مورثه (^٢) فيها. وكذلك يجوز جعلها مهرًا. نص عليه في رواية عبدالله.
ونص في رواية ابن هانئ وغيره: على جواز دفعها إلى الزوجة عوضًا عما تستحقه عليه من المهر. وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة.
فًا ما البيع فكرهه أحمد ونهى عنه، واختلف قوله في بيع العمارة التي فيها "
لئلا يتخذ طريقًا إلى بيع رقبة الأرض التي لا تملك. بل هي إما وقف وإما فيء للمسلمين جميعًا.
ونص في رواية المروذي: على أو يبيع آلات عمارته بما تساوى.
وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى.
وكذلك نقل عنه ابن هانئ أو قال: يقوم دكانه وما فيها من غلق وكل شيء يحدثه فيه فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان.
ورخص في رواية عنه: في شراءها دون بيعها؛ لأن شراءها استنقاذ لها بعوض ممن يتعدى بالتصرف فيها وهو جائز.
ورخص في رواية المروذي أيضا ً في بيع ما يحتاج إليه للنفقة منها، وأن كان
فيه فضل عن النفقة تصدق به. وكل هذا بناء على أن رقبة هذه الأرض وقفها عمر [﵁].
ومن الأصحاب من حكى رواية [أخرى] بجواز البيع مطلقًا، كالحلوانى
_________________
(١) ص: ١٩٩ - ٢٠١. وما بين الأقواس من " القواعد ".
(٢) فى أوب: موروثه.
[ ٧ / ٢٧ ]
وابنه. وكذلك خرجها ابن عقيل من نص أحمد على صحة وقفها. ولو كانت وقفًا لم يصح وقفها. وكذلك وقع في كلام أبي بكر وابن شاقلاء وابن أبي موسى ما يقتضي الجواز. وله مأخذأن:
أحدهما: أن الأرض ليست وقفًا. وهو مًا خذ ابن عقيل. وعلى هذا فإن كانت مقسومة فلا إشكال في ملكها، وأن كانت فيئًا لبيت المال، وأكثر كلام أحمد يدل عليه فهل تصير وقفًا بنفس الأنتقال إلى بيت المال [أم لا]؟ على وجهين.-
فإن قلنا: لا تصير وقفًا فللإمام بيعها وصرف ثمنها في المصالح.
وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين. ذكر ذلك القاضي في
" الأحكام السلطانية ".
والمًاخذ الثانى: أن البيع هنا وارد على المنافع دون الرقبة فهو نقل للمنافع المستحقة بعوض. وهذا اختيار الشيخ تقي الدين. ويدل عليه من كلام أحمد: أو أجاز دفعها عوضا عن المهر. ويشهد له ما تقدم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعددة. وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرحوا بعدم صحة بيع المنافع المجردة. والتحقيق في ذلك أن المنافع نوعأن:
أحدهما: منافع الأعيأن المملوكة التي تقبل المعاوضة مع أعيأنها. فهذه قد جوز الأصحاب بيعها في مواضع.
* منها: [أن] اصل وضع الخراج على أرض العنوة إذا قيل هي فيء فإنهليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردد بينها وبين البيع.
* ومنها المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها. وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدة. وهو شبيه بالبيع.
* ومنها: لو أعتق عبده واستثنى خدمته سنه فهل له أن يبيعها منه؛ على روايتين. ذكرهما ابن أبي موسى وهما منصوصتأن عن أحمد. ولا يقال: هو لا يملك بيع العبد في هذه الحال، لأن هذه المنافع كان يملك المعاوضة منها في حال الرق. وقد استبقاها بعد زوالى. فاستمر حكم المعاوضة عليها؛ كما يستمر
[ ٧ / ٢٨ ]
حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة. وهل الكتابة إلا عقد معاوضة على المنافع؟
النوع الثانى: المنافع التي ملكت مجردة عن الأعيأن، أو كانت أعيانها غير قابلة للمعاوضة. فهذا (^١) محل الخلاف الذي نتكلم فيه (^٢) هاهنا. والله أعلم. انتهى.
(أو) نزل إنسان (عن وظيفة لآهل) أى: لمن فيه أهلية لها.
قال في " الفروع ": بعد أن ذكر مسألة متحجرالموات وأن من ينقله إليه أحق به: ويتوجه مثله في نزوله عن وظيفة لزيد. هل يتقرر غيره؟ وقال شيخنا فيمن نزل عن وظيفة الإمامة: لا يتعين المنزول له ويولي من إليه الولاية من يستحق التولية شرعا. انتهى.
قال ابن أبي المجد: التوجيه المذكور إذا كان النزول متوقفًا على الإمضاء؛ كشرط واقف أو غيره فإن النزول حينئذِ لم ينبرم ولم يتم فهو شبيه بالمتحجر، إذ المتحجر لا يتم ملكه إلا بالإحياء، والنزول لا يتم إلا بالإمضاء. فما بين المتحجر والإحياء كما بين النزول والإمضاء. فكما أن المبادِرَ إلى الإحياء فيما بين ذلك لا يملكه، ولا يبطل حق المتحجر في المحيى بل حقه قائم به على المذهب، فكذلك المبادر إلى التقرير في الوظيفه المنزول عنها لا يستحقها، ولا يبطل حق المنزول له فيما نزل له عنه بل حقه قائم به متوقف لزومه على الإمضاء. فإن وجد أنبرم وتم النزول له، وإلا كان المنزول عنه للنازل؛ لأنه لم يرغب عنه ركبة مطلقة بل مقيدة بحصوله للمنزول له ولم يحصل. وليس للناظر التقرير في مثل هذا أنما يقرر فيما هو خال عن يد مستحق أو في يد من يملك أنتزاعه منه لمقتض شرعي. فحينئذ يكون تقريوه سائغا، ويكون من اطلق القول بأن الناظر يقرر من شاء محمولا على من رغب عنه ركبة مطلقة، ولم يكن المنزول لهأهلا. ففي هذا يتجه القول به.
_________________
(١) في ج: فهذه.
(٢) في ج: فيها.
[ ٧ / ٢٩ ]
وأما إذا لم يكن النزول مشروطًا بالإمضاء وكان المنزول له أهلًا فلا ريب أو ينتقل إليه عاجلًا بقبوله. ولا يتوقف على تقرير ناظر ولا مراجعته، إذ هو حق له نقله إلى غيره وهو مطلق التصرف في حقوقه ليس محجورا عليه في شيء منها. أشبه سائر حقوقه إذ لا فرق.
وله شواهد من كلامهم: منها: ما ذكروه في المتحجر أن من نقله إليه يكون أحق به من غيره. وكذا ذكروا أن من بيده أرض خراجية ليس للإمام أنتزاعها منه ودفعها إلى غيره. وأن نزل عنها أو آثر بها غيره صار الثانى أحق بها مع أن للإمام (^١) نظرا ولم يعتبروه فكذا هذا. والله أعلم. انتهى.
(أنه آثر) إنسان (شخصًا بمكانه في الجمعه) يعنى: فإنه يكون أحق به.
قال في " التنقيح " بعد أن ذكر مسًا لة النزول عن الأرض الخراجية: قلت: وقريب منه ما صححه المصنف وغيره لو آثر شخصا بمكانه في الجمعة لم يكن لغيره سبقه إليه؛ لأنه أقامه مقامه في استحقاقه. أشبه من تحجر مواتا أو سبق إليه واثر به. وخالف ابن عقيل. انتهى.
(وليس له) أى: لمن هو أحق بشيء كمتحجر الموات ونحوه (بيعه)؛
لأنه لم يملكه. فلم يملك بيعه؛ كحق الشفعة قبل الأخذ، وكمن سبق إلى مباح.
وقيل: بلى.
(فإن طالت المدة) أى: مدة التحجر (عرفًا، ولم يتم إحياؤه، وحصل مُتشَوِّف لإحيائه: قيل له) أى: قال له الإمام أو نائبه: (إما أن تحييه أو تتركه) ليحييه غيرك؛ لأنه ضَيَّق على الناس في حق مشترك بينهم. فلم يُمَكن من ذلك؛ كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع.
(فإن طلب المهلة لعذر: أُمهل ما يراه حاكم، من نحو شهر أو ثلاثة).
_________________
(١) في أ: الإمام
[ ٧ / ٣٠ ]
وإن لم يكن له عذر قيل له: إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك. فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها.
(و) حيث أمهل لعذر (لا يُملك بإحياء غيره فيها) أى: في مدة الإمهال، لمفهوم قوله ﷺ: " من أحيى أرضًا ميتة في غير حق مسلم فهي له " (^١) .
ولأنه إحياء في حق غيره. فلم يملكه، كما لو أحيى ما يتعلق به مصالح
ملك غيره.
ولأن حق المتحجر أسبق. فكان أولى، كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري. وفيه وجه: بلى.
(وكذا) أى: وكما أن محيي الموات المتحجر في مدة الإمهال لا يملكه بالإحياء لتعلق حق المتحجر به (لا يُقرر) في الأرض الخراجية ولا في الوظيفة المنزول عنهما (^٢) . لآهل (غير منزول له)، لتعلق حقه بذلك.
(و) كذا (لا) يكون (لغير المؤثر أن يسبق) إلى المكان المؤثر به غيره " لتعلق حق المؤثر به.
علم مما تقدم أو لو أحياه إنسان بعد أنقضاء مدة المهله أو يملكه وهو صحيح. قال في " الإنصاف ": لا أعلم فيه خلافًا. انتهى.
وللإمام إقطاع موات لمن يحييه، لما روي " أنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق " (^٣) .-
و" أقطع وائل بن (^٤) حجر أرضًا " (^٥) .
و" أقطع أبا بكر وعمر وعثمان وجمعا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين " (^٦) ..
_________________
(١) سبق تخربجه ص (١٢) رقم (٢).
(٢) في ب: عنها.
(٣) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٦٧٩) ص: ٥٣ ٢ كتاب أحكام الأرضين، باب الإقطاع.
(٤) ساقط من أ.
(٥) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٦) ر. " الأموال " ص: ٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ٧ / ٣١ ]
ويصير مقطَعه كمتحجره؛ لأنه ترجح بالإقطاع على غيره؛ كما ترجح المتحجر على غيره بتحجيره.
فإن طالت المدة عرفًا ولم يحيه قيل له ما يقال للمتحجر، ويمهل لعذر بقدر
ما يمهله المتحجِّر.
وأن لم يكن للمقطع عذر في ترك العمارة قيل له كما يقال للمتحجر: إما أن تعمره، وإما أن ترفع يدك. وأن لم يكن للمتحجر ولا للمقطع عذر واستمر التعطيل حتى مضت ثلاث سنين فجاء قوم فعمروا المقطع أو المتحجر من الموات فهو أحق به.
والأصل في ذلك ما روي " أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع. فلما كان عمر قال لبلال: أن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحيزه على الناس أنما أقطعك لتعمره فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي " (^١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ".
وذكر سعيد في " سننه ": حدثنا (^٢) عبد العزيز بن محمد عن ربيعة قال: سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يقول: " أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق فلما ولي عمر بن الخطاب فال: ما أُقطعته لتحتجبه. فأقطعه الناس ".
وروى علقمه بن وائل عن أبيه: " أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضرموت " (^٣) .
فال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وقال سعيد: أنبأنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب: " أن رسول الله ﷺ أقطع ناسًا من جهينة أو مزينة أرضًا فعطلوها فجاء قوم فأحيوها. فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله ﷺ إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٧١٣) ص: ٢٦٧ كتاب أحكام الأرضين، باب إحياء الأرضين
(٢) في أ: حديث.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٨١) ٣: ٦٦٥ كتاب الأحكام، باب ما جاء في القطائع.
[ ٧ / ٣٢ ]
عنه. فقال عمر: لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لم أردها، ولكنها قطيعة من رسول الله ﷺ فإنا أردها، ثم قال عمر: من كانت له أرض- يعني: من" تحجر أرضًا- فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها ".
ولا يملك الموات من أُقطعه حتى يحييه؛ لأنه لو ملكه- بمجرد الإقطاع لما
جاز استرجاعه.
وقال الحارثي: وقال مالك: يثبت الملك بنفس الإقطاع يبيع ويهب ويتصرف يورث عنه.
قال الحارثي: وهو الصحيح إعمالًا بحقيقة الإقطاع وهو التمليك. ذكره
عن في " الإنصاف ".
وقال: فائدتان:
* إحداهما: للإمام إقطاع غير الموات تمليكًا وإنتفاعا ً للمصلحة دون غيرها.
* الثانية: قسم الأصحاب الإقطاع إلى ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك،
وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق، وقسَّم القاضي إقطاع التمليك إلى: موات، وعامر، ومعادن. وجعل إقطاع الاستغلال على ضربين عشر وخراج. انتهى.
قال (^١) في " المغني ": ولا ينبغي أن يقطع الإمام أحدًا من الموات إلا
ما يمكنه إحياؤه؛ لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه. فإن فعل ثم تبين عجزه عن إحيائه: استرجعه منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عنه من عمارته من العقيق التي أقطعه إياه رسول الله ﷺ. انتهى.
وقد تقدم حكم ذلك في المتن.
(وللإمام إقطاع جلوس بطريق واسعة، ورحبة مسجد غير محوطة: ما لم
يُضيِّق على الناس).
_________________
(١) في أ: وقال
[ ٧ / ٣٣ ]
قال في " المغني ": فصل في القطائع. وهي ضربان:
أحدهما: إقطاع إرفاق، وذلك إقطاع مقاعد الأسواق والطرق الواسعة ورحاب المساجد التي ذكرنا أن للسابق إليها الجلوس فيها. فللإمام إقطاعها لمن يجلس فيها، لأن له في (^١) ذلك اجتهادًا من حيث: إنه لا يجوز له الجلوس إلا فيما لا يضر بالمارة. فكان للإمام أن يجلس فيها من لا يرى أو يضر بجلوسه.
(ولا يملكه مُقطَع) بذلك. (بل يكون أحق به) أى: بالجلوس فيها من غيره بمنزلة السابق إليها من غير إقطاع سواء، إلا في شيء وأحد وهو: أن السابق إذا نقل متاعه منها فلغيره الجلوس فيها، لأن استحقاقه لها بسبقه إليها ومقامه فيها. فإذا أنتقل عنها زال استحقاقه، لزوال المعنى الذي استحق به. وهذا استحق بإقطاع الإمام. فلا يزول حقه بنقل متاعه، ولا لغيره الجلوس فيه. (ما لم يَعُدِ الإمام في إقطاعه)؛ لأنه كما أن له اجتهاد في الإقطاع له اجتهاد في استرجاعه.
وعلم مما تقدم أن رحبة المسجد لو كانت محوطة لم يكن له إقطاع الجلوس فيها، لأنها حينئذ تكون من (^٢) المسجد.
(وأن لم يُقطع) ذلك لأحد (فالسابق) إلى الجلوس فيها (أحق) به: (مالم يُنقل قُماشه عنها)، لقول النبى ﷺ: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " (^٣) .
ولما روى الزبير بن العوام أن النبي ﷺ قال: " لأن يحمل أحدكم حبلًا فيحتطب به ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فينفقه على نفسه: خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه " (^٤) رواه أحمد.
ومحل ذلك: ما لم يضيق على أحد ولا يضر بالمارة.
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) في أ: فى.
(٣) سبق تخريجه ص (١٧) رقم (١)
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٠٧) ١: ١٦٤.
[ ٧ / ٣٤ ]
ولإتفاق أهل الأمصار في سائر الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير أنكار.
ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار. فلم يمنع منه؛ كالإجتياز.
وعلم مما تقدم أو إذا قام وترك متاعه أو لا يجوز لغيره إزالته، وأنه إذا نقل متاعه كان لغيره الجلوس فيه ولو لم يأت الليل. وهو الصحيح.
وعنه: أو يكون أحق به إلى الليل.
وظاهر ما تقدم أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام. وفيه وجه.
(فإن أطاله) أى: أطال الجلوس من غير إقطاع (أُزيل)؛ لأنه يصير كالتملك. ويختص بنفع يسأويه فيه غيره. وفيه وجه.
(وله) أى: لمن هو أحق بالجلوس بإقطاع الإمام أو بسبقه (أن يستظل بما) ليس ببناء مما (لا يضر؛ ككساء) ونحوه؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك. (وأن سبق اثنان فأكثر إليه) أى: إلى ما تقدم ذكره، (أو إلى خان مسبَّل،
أو رباط أو مدرسة أو خانكاة ولم يتوقف) الأنتفاع (فيها إلى تنزيل ناظر) وضاق المكان عن أنتفاع جميعهم: (أقرع)؛ لأنهم استووا في السبق. والقرعة مميزة.
وقيل: يقدم الإمام من يرى منهم؛ لأنه أعلم بالمصلحة في ذلك.
(والسابق إلى معدن أحق بما يناله) منه. سواء كان المعدن باطنًا أو ظاهرًا؛ لقول النبي ﷺ: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (^١) . (ولا يمنع إذا طال مقامه)؛ للخبر.
وقيل: بلى.
وقيل: أن أخذ قدر حاجته واراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره: مُنع منه.
(وأن سبق عدد) إلى معدن، (وضاق المحل عن الأخذ جملة: أقر ع)؛
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧) رقم (١).
[ ٧ / ٣٥ ]
لأنه لا أحقيِّه لبعضهم فيُقدم، ولا نقص في بعضهم فيؤخر. فلم ييق إلا القرعة. وقيل: يقسم بينهم.
وقيل: يقدم الإمام من يرى تقديمه.
وذكر القاضي وجهًا رابعًا وهو: أن الإمام ينصب من يأخذ لهم ويقسم عليهم.
(والسابق إلى) أخذ شيء (مباح؛ كصيد وعنبر وحطب وثمر) وما ينبع
من المياه في الموات، (ومنبوذ رغبة عنه)؛ كالعظم الذي به شيء من اللحم رغب عنه، وكالنِّثار في الأعراس ونحوها، وما يتركه الحصاد من الزرع واللقاط من الثمر رغبة عنه: (أحق به). فيملكه بأخذه. سواء كان الآخذ مسلمًا أو ذميًا.
(ويقسم بين عدد) لم يسبق أحد منهم إليه ولم يتًاخر عن باقيهم (بالسويَّه)؛ لأنهم استووا في السبب. والقسمة ممكنة. وحذارًا من تًا خير الحق.
وقيل يقرع.
وقيل: يقدم الإمام باجتهاده.
وظهور الأحقية منهم من أداه اجتهاده إليه؛ كأموال بيت الصال. ولا فرق
بين ذي الحاجة منهم وغيره؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة.
[ ٧ / ٣٦ ]
فصل: في الحِمى
قال في " القاموس ": حِمى الشيء يحميه حِميًا وحِمأىة بالكسر، ومحمية منعه. ثم قال: وأحمى المكان جعله حمى لا يقرب. انتهى.
وكان في الجاهلية من إذا أنتجع بلدا أوفى بكلب على نشز ثم استعواه ووقف
له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيب ما انتهى صوته حماه من كل جانب (^١) لنفسه، ورعى مع العامة فيما سواه.
فنهى رسول الله ﷺ عنه؛ لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الأنتفاع بشيء لهم فيه حق، وجاء الشرع: بًا نه لا حمى إلا لله ورسوله.
روى الصعب بن جث امة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا حمى إلا لله ولرسوله " (^٢) . رواه ابو دا ود.
ولم يحم النبي ﷺ لنفسه شيئًا وإنما حمى للمسلمين.
روى ابن عمر قال: " حمى النبي ﷺ النقيع لخيل المسلمين " (^٣) . رواه
أبو عبيد.
والنقيع: بالنون موضع لنبع فيه الماء فيكثر فيه الخصب لمكان ما يصير فيه
من الماء.
وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهبم شيئًا، ولهم على
_________________
(١) فى أوب: ناحية.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٨٣ ٥ ٣) ٣: ٥ ٨ ١ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل. أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٠ ٧٤) ص: ٢٧٤ كتاب أحكام الأرضين،
(٣) باب حمى الأرض ذات الكلأ.
[ ٧ / ٣٧ ]
أصح قولي العلماء: أن يحموا مواضع ليرعى فيها خيل المجاهدين، ونَعم الجزية، وإبل الصدقة، وضوالٌ الناس التي يقوم بحفظها، وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستضر به من سواه من الناس. وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولإمام) أى: القائم بأمر المسلمين (لا غيره إقطاع غير موات: تمليكًا وإنتفاعا ً للمصلحة، وحمى مَوات لرعي دواب المسلمين التي يقوم بها ما لم يُضيِّق) على الناس؛ لما روى ابو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال: " أتى أعرابي عمر فقال: يا أمير المؤمنين! بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها؛ فًا طرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه. وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ. فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك. فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله. والله! لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر " (^١) .
قال مالك: "بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر" (^٢) .
وعن أسلم قال: " سمعت عمر يقول لهنُيِّ حين استعمله على حمى الرَّبَذَة:
يا هني! أضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصُريمة والغُنَيمة. ودعني من نَعَم ابن عوف ونعم ابن عفإن. فإنهما أن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وأن هذا المسكين أن هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين! فالكلأ أهون عليًَ أم غرم الذهب والوَرِق؟ أنها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. وأنهم ليرون أنا نظلمهم. ولولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٧٤٢) ص: ٢٧٥ الموضع السابق
(٢) أخرجه مالك في " موطئه " (٣٨) ٢: ٠ ٣٧ كتاب الجهاد، باب ما يكره من الشيء يجعل في سبيل الله.
(٣) أخرجه أبو عبيد في " الأموال " (٧٤١) ص: ٢٧٤ كتاب أحكام الأرضين، باب حمى الأرض ذات الكلأ.
[ ٧ / ٣٨ ]
ووجه هذا القول: أن ما كان من مصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام
النبي ﷺ.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده " (^١) .
وروي أيضًا: أن عثمان حمى. واشتهر ولم ينكر فكان كالإجماع.
واحتج القائل بأنه ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي بقوله " لا حمى إلا لله
ولرسو له " (^٢) .
وأجيب عنه: بأنه مخصو ص بما يحميه الإمام لنفسه فإنه يفارق حمى
النبي ﷺ لنفسه؛ لأن صلاحه يعود إلى صلاج المسلمين، وماله كان يرده في المسلمين. ففارق الأئمة في ذلك وسأووه فيما كان صلاحًا للمسلمين. ولهذا اشترط في جواز الحمى: أن لا يكون في قدر يضيق على المسلمين؛ لأنه أنما جاز لما فيه من المصلحة، وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر المسلمين بالتضييق عليهم.
(وله) أى: وللإمام إذا حمى محلًا (نقضُ ما حماه) باجتهاده (أو) حماه
(غيره من الأئمة)؛ لأن حمى الأئمة اجتهاد فيجوز نقضه باجتهاد آخر. وينبغي على ذلك أنه لو احياه إنسان ملكه؛ لأن ملك الأرض بالإحياء منصو ص عليه. والنص مقدم على الاجتهاد.
وقيل: لا يجوز لإمام نقض ما حماه غيره من الأئمة، كما لا يجوز له نقض
حكمه.
(لا ما حماه رسول الله ﷺ) فإنهلا يجوز لأحد نقضه؛ لأن النص (^٣) لا
ينقض با لاجتهاد.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤) ١: ٤ بمعناه
(٢) سبق تخريجه ص (٣٧) رقم (٢)
(٣) في أ: النقض.
[ ٧ / ٣٩ ]
(ولا يملك بإحياء ولو لم يحتج إليه) أى: إلى ما حماه النبي ﷺ.
قال في " الإنصاف ": لكن لو زالت الحاجة إليه فهل يجوز نقضه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز. وهو الصحيح من المذهب. وهو ظاهر كلام كثير من
الأصحاب، وجزم به في " الوجيز " وغيره. انتهى.
وإذا كان الحمى لكافة الناس تسوى فيه جميعهم. فإن خص به المسلمون اشترك فيه غنيهم وفقيرهم ومنع منهأهل الذمة. وإن خص به الفقراء منع منه الأغنياء وأهل الذمة.
ولا يجوز أن يخص به الأغنياء دون الفقراء ولاأهل الذمة. فلو امتنع الحمى
المخصو ص لعموم الناس جاز أن يشتركوا به؛ لإرتفاع الضرر على من يخص به، ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس لم يجز أن يختص به أغنياؤهم.
وفي فقرائهم قول.
ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا من رعي موات أو حمى؛
لأنه ﵇ شرِّك الناس فيه. قاله في " الأحكام السلطانية ".
[ ٧ / ٤٠ ]
[فصل: في أحكام الأنتفاع بالمياه غير المملوكلة]
(فصل) يذكر فيه مسائل من أحكام الأنتفاع بالمياه غير المملوكة ونحو ذلك.
ثم الماء لا (^١) يخلو من حالين: إما أن يكون جاريًا أو واقفًا. فإن كان جاريًا
فهو ضربان:
* أحدهما: أن يكون في نهرٍ غير مملوك. وهو قسمان:
أحدهما: أن يكون نهرًا عظيمًا؛ كالنيل والفرات وما أشبههما من الأنهار العظيمة التي لا يستضر أحد بسقيه منها. فهذه لكل أحد أن يسقي منها ما شاء متى شاء.
القسم الثانى: أن يكون نهرًا صغيرًا أو سيلًا يتشاحِّ الناس في مائه. وهذا المشار إليه بقوله:
(ولمن في أعلا ماء غير مملوك؛ كالأمطار والأنهر الصغار: أن يسقي ويحبسه) أى: الماء (حتى يصل إلى كعبه، ثم يُرسله إلى من يليه) أى: من يلي من سقى أولاُ، (ثم هو) أى: الذي أرسل إليه الماء (كذلك) أى: يفعل كما فعل الأول، (مرتبًا) أى: ثم الذي يليه يفعل كما فعلا. وعلى هذا يكون الحال إلى أن تنتهي الأراضي كلها (أن فضل شيء) عمن قلنا له السقي والحبس، (وإلا فلا شيء للباقي) أى: لمن بعده؛ لأنه ليس له إلا ما فضل. فهو (^٢) كالعصبة مع أهل الفروض في الميراث.
والأصل في هذا ما روى عبادة أن النبي ﷺ: " قضى في شرب النخل من
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) فى أوب: فهم.
[ ٧ / ٤١ ]
السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين. ثم يرسل إلى الأسفل الذي عليه. وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء " (^١) . رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد.
وما روى عبد الله بن الزبير " أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شَرَاج الحرّة التي يسقون بها إلى النبي ﷺ. فقال ﷺ: اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري. وقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك. فتلوَّن وجه النبي ﷺ. ثم قال: يا زبير! اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. قال الزبير: فوالله! أنى لأحسب هذه الآية نزلت فيه:
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥"] (^٢) . متفق عليه.
رواه مالك في " موطئه " عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: " نظرنا في قول النبي: ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر وكان ذلك إلى الكعبين ".
قا ل أبو عبيد: الشراج جمع شرح، والشرح: نهر صغير، والحرة: أرض ملبسة (^٣) بحجارة سود. والجدر الجدار.
وأنما أمر النبي ﷺ الزبير أن يسقي ثم يرسل الماء؛ تسهيلًا على غيره. فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي ﷺ للزبير حقه.
وروى مالك في " الموطًا " أيضا ً عن عبد الله بن ابي بكر بن حزم أو بلغه:
" أن رسول الله قال في سيل مهزور ومذينيب: يمسك حتى الكعبين. ثم يرسل الأعلى على الأسفل" (^٤) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٨٣ ٢) ٢: ٨٣٠ كتاب الرهون، باب الشرب من الأودية ومقدار حبس الماء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٨٣٠) ٥: ٣٢٧
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٣٣ ٢) ٢: ٨٣٢ كتاب المساقاة، باب شرب الأعلى إلى الكعبين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٥٧) ٤: ١٨٢٩ كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ
(٣) في ب: ملتبسة.
(٤) أخرجه مالك في " موطئه " (٢٨) ٢: ٥٧٠ كتاب الأقضية، باب القضاء في المياه.
[ ٧ / ٤٢ ]
قال ابن عبد البر: هذا حديث مدنى مشهور عند أهل المدينة، معمول به عندهم.
قال عبد الملك بن حبيب: مهزور ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما.
وروى ابو داود بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك " أو سمع كبراءهم يذكرون أن رجلًا من قريش كان له سهم في بني قريظة. فخاصم إلى رسول الله ﷺ في مهزور السيل الذي يقتسمون ماءه. فقضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء إلى الكعبين. لا يحبس الأعلى على الأسفل " (^١)
ولأن من أرضه قريبة من فوهة النهر أسبق إلى الماء. فكان أولى به؛ كمن سبق إلى المشرعة.
(فإن كان لأرض أحدهم أعلى وأسفل) يعني: أو من كانت أرضه مختلفة
منها مستعلية ومنها مستفلة: (سقى كلًا) من ذلك (على حدته) أى: على انفراده.
(ولو استوى اثنان فأكثر في قرب) من أول النهر، (قُسم) الماء بينهم (على قدر الأرض) أى: أرض كل منهم. فلو كان لأحدهم جريب ولآخر جريبان ولآخر ثلاثة: كان لرب الجريب السدس، ولرب الجريبين الثلث، ولرب الثلاثة النصف؛ لأن الزائد في أرض من أرضه أكثر مسأى في القرب. فاستحق جزءًا من الماء؛ كما لو كانوا ستة لكل وأحد منهم جريب فإنهم كانوا يستوون في الماء.
ومحل ذلك: (أن أمكن) قَسّمه، (وإلا) أى: وأن لم يمكن قسمه (أقرع) بينهم. فمن خرجت له القرعة قدم بالسقي. فيسقي منه بقدر حقه. ثم يقرع بين الآخرين فمن قرع سقى بقدرحقه ثم تركه للاخر.
وليس لمن تخرج له القرعة أن يسقي بجميع الماء؛ لأن من لم تخرج له
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٣٨) ٣: ٣١٦ كتاب الأقضية، أبواب من القضاء.
[ ٧ / ٤٣ ]
يساويه في استحقاق الماء، وإنما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق. بخلاف الأعلى مع الأسفل فإنه ليس للأسفل حق إلا فيما فضل عن الأعلى. وهذا معنى قول المتن:
(فإن لم يفضل عن وأحد سقى القارع بقدر حقه) يعني.: أن الماء لو كان قليلًا بحيث لا يفضل عن كفاية أرض من خرجت له القرعة لا يسقي منه إلا بقدر ماله فيه؛ لئلا يستهلك شيئًا من حصة شريكيه أو شريكه فيفوت به الحق أو بعضه.
(وأن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه) أى: من السيل والنهر الصغير:
(لم يمنع) أى: ليس لمن له حق في هذا الماء منعه من الإحياء؛ لأن حقه في الماء لا في الموات. (ما لم يضر بأهل الأرض الشاربه منه) فإنهم يملكون منعه؛ لأنه حيث كان ذلك يضرهم كان لهم دفيع الضرر الحاصل من ذلك يمنعه.
(و) حيث كان ذلك لم يضرهم وفعل (لا يسقي قبلهم)؛ لأنهم أسبق إلى النهرمنه.
ولأن من ملك أرضًا ملكها بحقوقها ومرافقها فلا يملك غيره إبطال حقوقها، وسبقهم إياه بالسقي من حقوقها.
وقيل: لهم منعه أن كان ما يريد إحياءه أقرب إلى رأس النهر من (^١) أرضهم؛ لئلا يصير ذلك ذريعه إلى منعهم حقهم من السقي؛ لتقديمه عليهم بالقرب إذا طال الزمان وجُهل الحال.
وقيل: وله أن يسقي قبلهم.
(و) على الأول (لو أحى) إنسان (سابق) غيره مواتًا (في أسفله) أى: النهر، (ثم) أحيى إنسان (آخر) مكانًا (فوقه) أى: فوق الذي أحياه الأول، (ثم) أحيى إنسان (ثالث) مكانًا (فوق) مكان (ثان) وأرادوا السقي: (سقى
_________________
(١) فى أوب: في.
[ ٧ / ٤٤ ]
المحي أولًا) وهو الأسفل، (ثم ثان) في الإحياء وهو الذي فوق الأسفل، (ثم ثالث) في الإحياء وهو الذي فوق الثانى. وإنما كان كذلك، لأن العبرة في التقدم بالسبق إلى الإحياء لا إلى أول النهر.
وقيل: بل العبرة بالسبق إلى أول النهر فينعكس ذلك.
في الضرب الثانى: الماء الجاري في نهر مملوك. وإلى ذلك أُشير بقوله:
(وأن حُفر نهر صغير وسبق ماؤه من نهر كبير: مُلك) أى فيصير حافره مالكًا للماء الداخل إليه وقراره وحافتيه بأنتهاء الحفر إلى قصده.
(وهو) أى: هذا النهر يكون (بين جماعة) اشتركوا في حفره، (على حسب عمل ونفقة)، لأنه أنما مُلك بالعمارة، والعمارة بالنفقة.
(فإن) كفاهم لما يحتاجون إليه منه فلا كلام، وأن الم يكفهم وتراضوا على قسمته) بالمهأىأة أو غيرها: (جاز)، لأنه حقهم لا يخرج عنهم.
(وإلا) أى: وأن لم يتراضوا على قسمته بأن تشاحوا في قسمته (قسمه حاكم على قدر ملكهم) أى: قسم لكل وأحد من الماء بقدر ما يملك من النهر.
فتؤخذ خشبة صلبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط فيوضع على موضع مستوٍ من الأرض في مصدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوىة في السعة.
فإن كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك.
فإن كان لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللاخر سدسه: جعل فيه ستة ثقوب: لصاحب النصف ثلاثة نصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان ولصاحب السدس واحد.
وأن كان لوأحد الخمسان والباقي لأثنين يتساوىان فيه: جعل عشرة ثقوب لصاحب الخمسان أربعة نصب في ساقيته، ولكل وأحد من الاخرين ثلاثة نصب في ساقية له،
وأن كان النهر لعشرة لخمسة منهم أراضي قريبة من أول النهر ولخمسة أراضي بعيدة: جعل لأصحاب القريبة خمسه ثقوب، لكل واحد ثقب، وجعل
[ ٧ / ٤٥ ]
للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم ثم يقسم بينهم قسمة أخرى.
وأن أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقيه غيره ليقاسمه في موضع آخر لم يجز إلا برضاه؛ لأنه متصرف في ساقيته ويخرب حافتيها بغير إذنه ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز. فلم يجز ذلك.
إذا تقرر هذا (فما حصل لأحدهم في ساقيته تصرف فيه بما أحب)؛ لأنه أنفرد بملكه. فله أن يسقي به ما شاء من الأرض. سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لا؛ كما لو أنفرد به من أصله. وله أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب من إجراء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو غير ذلك؛ لأنها ملكه لأحق لغيره فيها.
(والمشترك ليس لأحدهم أن يتصرف فيه بذلك) ولا نحوه بغير إذن شركائه. لكن لكل إنسان أن يًا خذ من الماء الجاري المملوك وغيره لشربه ووضوءه وغسله وغسل ثيابه والأنتفاع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه من غير إذن مالكه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه.
ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل " (^١) رواه البخاري.
فًا ما ما يؤثر فيه؛ كسقي الماشية الكثيرة ونحو ذلك فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله كذلك، وإلا فلا. وقد تقدم حكمه.
(ومن سبق إلى قناة لا مالك لها. فسبق) إنسان (آخر إلى بعض أفواهها من فوق أو) من (أسفل: فلكل) منهما (ما سبق إليه) من ذلك.
(ولمالك أرض منعه من الدخول بها، ولو كانت رسومها) أى: القناة (في
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صمحيحه " ("٢٢٣) ٢: ٨٣١ كتاب المساقاة، باب إثم منع ابن السبيل من الماء
[ ٧ / ٤٦ ]
أرضه، و) أو (لا يملك تضييق مجرى قناة في (رضه: خوف لص)؛ لأنه لصاحبها. نص على الكل.
وقال أبو بكر: إن لم يصل إلى عمارتها إلا في الأرض فليس له منعه.
قال في " الفروع ": يعني على رواية حنبل، وقد ذكر إجبار عمر محمد بن مسلمة على إجراء الماء في أرضه كل ما كان على هذه الجهة. وفيه ضرر يمنع صاحبه. فإن أجاب وإلا أجبره السلطان.
ونقل المروذي في نهر لضياع: أكره الاستئجار عليه.
ونقل يعقوب فيمن غصب حقه من ماء مشترك: للبقية أخذ حقهم.
(ومن سَدَّ له ماء لجاهه. فلغيره السقي منه لحاجة: ما لم يكن تركه يردُه على من سُدَّعنه).
نقل مثنى: من سد له الماء لجاهه أفأسقي منه إذا لم يكن تركي له يرده على
من يسد عنه؟ فأجازه بقدر حاجتي. انتهى.
[ ٧ / ٤٧ ]
[باب: الجعالة]
هذا (باب) يذكر (^١) فيه مسائل من أحكام الجُعالة. بتثليث الجيم عن ابن مالك.
وهي مشتقة من الجُعْل بمعنى التسمية. ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾
[الزخرف: ١٩]. أى: سمو هم.
ولأن الجاعل يسمي الجُعْل لمن يعمل له العمل بذكره له.
وقيل: من الجُعْل بمعنى الآيجاب، يقال: جعلت له كذا، أى: أوجبت. ويسمى ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله جُعلًا وجُعالة وجعيلة. قاله ابن فارس. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) [يوسف: ٧٢].
وكان معلومًا عندهم، كالوسق. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يكن في شرعنا ما يخالفه.
وحديث اللديغ (^٢) شاهد بذلك (^٣) .
_________________
(١) فى ب: تذكر.
(٢) في ب: اللذيع
(٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁: " أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم فبينماهم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أوراق فقالوا: إنكم لم تعرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأ بأم القرأن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٤٠٤) ٥: ٢١٦٦ كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب
[ ٧ / ٤٨ ]
مع أن الحكمة تقضيه والحاجة تدعو إليه. فإن قد لا يوجد من يتبرع بالعمل فاقتضت جواز ذلك.
ثم (الجعالة) شرعا: (جَعْلُ) أى: تسمية مال (معلوم) إن كان من مسلم ٠ (لا) إن كان (من مال محارب) فإنه لا يشرط فيه العلم. (يصح مجهولًا لمن) متعلق بجعل (يعمل له) أى: للجاعل (عملًا ولو.) كان العمل (مجهولًا)، كمن خاط لي ثوبًا فله كذا. (أو) لمن يعمل له (مدة ولو مجهولة) " كمن حرس زرعي (^١) فله في كل يوم كذا.
ومثاله في العمل المعلوم والمدة المعلومة، (كمن رد لقطتي، أو بنى لي
هذا الحائط، أو) من (أقر ضني زِيدَ بجاهه ألفًا، أو أذن بهذا المسجد شهرًا فله كذا، أو من فَعَلهُ من مِدِينيّ) أى: ممن لي عليهم الدين (فهو بريء من كذ).
قال في " الإنصاف ": فائدة: الجُعالة نوع إجارة لوقوع العوض في مقابلة منفعة. وإنما تُميز بكون الفاعل لم يلتزم الفعل، وبكون العقد قد يقع مبهما لا مع معين.
ويجوز في الجعالة الجمع بين تقدير المدة ؤالعمل، على الصحيح من المذهب.
وقيل: لا، كالإجا رة.
وتقدم ذلك في الإجاره أيضًا. انتهى.-
أما كون ذلك يصح مع كونه تعليقًا؛ فلأنه في معنى المعاوضة لا تعليقًا محضًا.
وأما كونه يصح في قوله: فهو بريء من كذا، فلأن تعليق الإسقاط أقوى من تعليق الإشغال.
_________________
(١) في أ: زرعين.
[ ٧ / ٤٩ ]
ومن كون ذلك في معنى المعاوضة اشتُرط كون الجُعْل من مسلم معلوم (^١) "
لأنه يستقر على الجاعل بتمام العمل " كالأجرة.
وقيل: بصحتها مع جهالة الجُعْل إن لم يمنع التسليم، كقوله: من رد ضالتي فله ثلثها. بخلاف قوله فله شيء. أخذًا من قول الإمام قي الغزو: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس.
فعلى هذا لو كانت الجهالة تمنع من التسليم لم تصح الجعالة وجهًا واحدًا. وحينئذ فيستحق العامل أجرة المثل، لأنه عمل بعوض لم يسلم له. فاستحق أجر المثل، كالإجارة.
وأما كون الجُعالة تصح في: من أقر ضني زِيدَ بجاهه ألفًا فله كذا، فلأنه في مقابلة ما بذله من جاهه، من غير تعلق له بالمقرض.
وأما كونه يشترط أن يكون العمل للجاعل، فلأن النفيع الواقع لفاعله لا تنعقد الجُعالة عليه، لأجتماع الأمرين له. ولهذا امتنع عقد الإجارة عليه. فلو قال: من ركب دابته أو خاط قميصه فله كذا لم ينعقد ذلك جعالة. والله أعلم.
وقيل: بلى.
وقيل: إن كان لأجنبي، كمن بنى حائط فلان فله كذا أنعقدت جعالة.
إذا تقرر هذا (فمن بلغه) الجُعْل على ذلك الفعل الذي ليس نفعه لفاعله ولا لأجنبي (قبل فعله: استحقه به) أى: بفعله إياه؛ لأن العقد استقر بتمام العمل. فاستحق ما جعل له؛ كالربح في المضاربة.
(و) من بلغه الجُعْل (في أثنائه) أى: العمل: (فحِصَّة تمامه) أى: فأنه يستحق من الجُعْل بقسط ما بقي من العمل فقط، لأن عمله قبل بلوغه الجُعْل وقع غير مًاذون فيه. فلم يستحق عنه عوضًا؛ لأنه بذل منافعه متبرعًا بها.
ومحل ذلك: (أن أتمه بنية الجُعْل.
_________________
(١) في أوب: معلوما.
[ ٧ / ٥٠ ]
و) لهذا لو لم يبلغه الجُعْل إلا (بعده) أى: بعد تمام العمل: (لم يستحقه) أى: الجُعْل والأشياء منه، لأنه لم يبلغه إلا بعد تمام العمل، (وحرُم) عليه (أخذه).
نقل حرب: في اللقطة: أن وجد ما سمع النداء فلا بًاس أن يًا خذ منه وإلا ردها ولا جُعل. انتهى.
وعلم مما تقدم أن لو اشترك جماعة في العمل الذي يستحق به الجُعْل اشتركوا في استحقاق الجُعْل. بخلاف ما لو قال: من دخل النقب فله دينار فدخله جماعة استحق كل واحد منهم دينارًا، لأنه قد دخل دخولًا كاملًا. بخلاف رد اللقطة ونحوها فإنه لم يردها وأحد منهم ردًا كاملًا.
ومن نحو ذلك لو قال: من نقب (^١) السور فله دينار. فنقبه ثلاثة نقبًا واحدًا اشتركوا في الدينار، وإن نقب كل واحد نقبًا استحق كل واحد دينارًا.
ولو جعل لإنسان في رد آبق دينارًا ولآخر ديناران ولآخر ثلاثة دنانير فرده الثلاثة. فلكل وأحد منهم ثلث ما جُعل له في رده.
فلو جعل لواحد دينارًا ولأخرين عوضًا مجهولًا. فردوه: فلصاحب الدينار
ثلث الدينار، وللأخرين أجرة عملهما.
وإن جعل لإنسان جعلًا فرده هو وآخران معه وقالا: رددناه معاونة له: استحق جميع الجُعْل. وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض فلا شيء لهما وله ثلث الجُعْل.
فائدة:
قال في " الإنصاف ": لو قال: من داوى له هذا حتى يبرأ من جرحه أو رمده فله كذا: لم يصح مطلقًا، على الصحيح من المذهب، قدمه في " الرعايتين " و" الحا وي الصغير " و" الفائق " وغيرهم، واختاره القاضي.
_________________
(١) في أ: ثقب.
[ ٧ / ٥١ ]
وقيل: يصح جعالة. اختإره ابن أبي موسى والمصنف. نقله الزركشي في
الإجارة.
وقيل: يصح إجارة. انتهى.
(و) إن قال إنسان: (من رد عبدي فله كذا. وهو) أى: الجُعْل المسمى
(أقل من دينار، أو) أقل من (اثني محشر درهما) من فضة، (اللذين قدرهما الشارع) في رد الآبق: (فقيل: يصح) ذلك، (وله) أى: للذي يرد (برده)
أى: الآبق (الجُعْل ققط). قدم ذلك في " الفروع ". وهو ظاهر كلام غيره.
ووجهه: أو رده على ذلك فلم يستحق غيره.
(وقيل): لا تصح التسمية. ولمن (^١) يرده (ما قدر الشارع) له. قطع به
الحا رثي.
ووجهه: أن من أوجب عليه الشارع شيئًا مقدارًا من المالط عند وجود سبب:
استقر عليه كاملًا بوجود سببه؛ كدفع ربع مال الكتابة عند اداء مالها كاملًا للمكاتب. وما ذكرت من كون الشارع قدر في رد الابق دينارًا أو اثني عشر درهمًا هو الصحيح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب.
قال في " الرعاية " و" شرح الحارثي " وغيرهما: وسواء كان يساويها
أو لا. انتهى.
قال في " الفروع ": ويستحق برد آبق مطلقًا؛ لئلا يلحق بدار الحرب أو
يشتغل بالفساد دينارًا أو اثني عشر درهما.
وعنه: أربعين درهما من خارج المصر.
وعنه: ومنه عشرة. استقرت عليه الرواية. قاله الخلالط وجزم به في " عيون
_________________
(١) في أ: لمن.
[ ٧ / ٥٢ ]
المسائل "، وأن الرواية الصحيحة من خارج المصر دينارًا أو عشرة دراهم. انتهى.
ونقل ابن منصور: سئل أحمد عن جُعل الآبق؛ فقال: لا أدري قد تكلم الناس فيه. لم يكن عنده فيه حديث صحيح.
قال في " المغني ": فظاهر هذا أن لا جُعل فيه. وهو ظاهر قول الخرقي ..
فإنه قال: وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ولم يذكر جعلا. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وعنه: لا شيء لراده من غير جعالة. اختاره المصنف. انتهى.
والقول بتقدير الدينار أو اثني عشر درهمًا يروى عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما.
وروى عمرو بن دينار وابن أبي مليكة مرسلا " أن النبي ﷺ جعل في جُعل الآبق إذا جاء به خارجًا من (^١) الحرم دينارًا " (^٢) .
(ويستحق من ردَّ) آبقًا (من دون معينة) أى: من دون مسافة عينها الجاعل
في الجعالة (القسط) من الجُعْل المسمى. فإن كان المحل الذي رده منه نصف المسافة استحق نصف المسمى وإن كان أقل أو أكثر فبحسابه.
(و) إن رده (من أبعد) من المسافة فله (المسمى فقط)؛ لأنه لم يجعل للزائد على المسافة عوضًا. فلم يستحق الراد في مقابله شيئا.
(و) يستحق (من ردَّ أحد آبقين نصفه) أى: نصف الجُعْل عن ردهما؛
لأنه رد نصفهما.
ولا يستحق واجد آبق بهربه قبل تسليمه شيئًا؛ لأنه شرط الجُعْل برده ولم
_________________
(١) في أ: عن.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢١٩٣٢) ٤: ٤٤٦ كتاب البيوع والأقضية، جعل الآبق
[ ٧ / ٥٣ ]
يرده. وكذا لو مات؛ كما لو (^١) استأجره لخياطة ثوب فخاطه ولم يسلمه حتى تلف. فإن كان الجاعل قال: من وجد لقطتي فله دينار فقد وُجد الوُجدان.
قلنا: قرينة الحال تدل على اشتراط الرد، والمقصود هو الرد لا الوجدان المجرد. وأنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرد. فصار كأن قال: من وجد لقطتي فردها علي. قاله في " المغنى ".
والجعالة: عقدٌ جائز من الطرفين. لكلٍ من الجاعل والمجعول له المعين فسخها.
(وبعد شروع عامل) في العمل: (إن فسخ جاعل فعليه) للعامل (أجرة)
مثل (عمله)؛ لأنه عمل بعوض ولم يسلم له. فكان له أجرة مثله.
وعلم مما تقدم أنه إذا عمل شيئًا بعد الفسخ أنه لا أجرة له؛ لأنه عملٌ غير مأذون فيه.
(وإن فسخ عامل) قبل إتمام العمل: (فلا شيء له)؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شُرِط عليه؛ كعامل المضاربة.
ومتى زاد الجاعل أو نقص في الجُعْل قبل الشروع في العمل جاز وعمل به بعده؛ لأنه عقد جائز. فجاز فيه ذلك؛ كالمضاربة.
(ويصح) في جعالة (الجمع بين تقدير مدة وعمل)؛ كمن بنى لي هذا الحائط في يوم فله كذا؛ لأنه عقد يصح مع جهالة المدة والعمل، للحاجة إلى ذلك؛ لأن الجُعْل قد يكون على رد شئ لا يدرى محله ولا متى يقدر عليه. فكونها تصح مع تقدير المدة والعمل من باب أولى.
(وإن اختلفا) أى: الجاعل والعامل (في أصل جُعل: فقول من ينفيه) منهما؛ لأن الأصل عدمه.
(و) إن اختلفا (في قدره) أى: الجُعْل (أو) في قدر (مسافة)؛ كما لو
قال الراد للآبق لسيده: جعلت في رده عشرين درهما. فقال: بل خمسة عشر.
_________________
(١) ساقط من أ
[ ٧ / ٥٤ ]
أو قال: جعلت هذا الجُعْل لمن يرده من بريد. فقال: إنما جعلته لمن يرده من بريدين: (فقول جاعل) فيهما؛ لأنه منكر، والأصل براءة ذمته مما لم يعترف وقيل: يتحالفان فيهما كالأجير، ويجب أجر المثل.
وقيل: في آبق المقدر شرعًا.
وكذا لو اختلفا في عين العبد الذي جعل الجُعْل في رده، بأن قال العامل: جعلت لمن رد عبدك فلانًا دينارين وقد رددته. فقال المالك: إنما جعلتهما لمن رد عبدي الآخر: فالقول قوله؛ لأنه أعلم بشرطه.
ولأنه منكر والأصل براءة ذمته.
(وإن عمل) إنسان (ولو المعد لأخذ أجرة) على عمله (لغيره عملًا بلا إذن
أو) بلا (جُعل) ممن عمل له العمل: (فلاشيء له)؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض. فلم يستحقه.
ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه ولم تطب نفسه به.
(إلا في تخليص متاع غيره، ولو) كان المتاع (قنا من بحر أو فلاة) يظن هلاكه في تركه (فأجر مثله).
قال في القاعدة الرابعة والسبعين (^١) ومنها: من أنقذ مال غيره من التلف؛ كمن خلص عبد غيره من فلاة مهلكة أو متاعه من موضع يكون هلاكه فيه محققًا أو قريبًا منه؛ كالبحر وفم السبع: فنص أحمد على وجوب الأجرة له في المتاع. وذكره القاضي وابن عقيل وصاحب " المغني " في العبد أيضًا. وحكى القاضي فيه احتمالا بعدم الوجوب كاللقطة. وأورد في " المجرد " عن نص أحمد: فيمن خلص من فم السبع شاة أو خروفا أو غيرهما. فهو لمالكه الأول ولا شيء للمخلص.
_________________
(١) في الأصول: الرابعة والثمانين. والنص المنقول من القاعدة الرابعه والسبعين. ر"القواعد " ص: ١٣٦
[ ٧ / ٥٥ ]
والصحيح الأول؛ لأن هذا يخشى هلاكه وتلفه على مالكه. بخلاف اللقطة.
وكذلك لو أنكسرت السفينة فخلِّص قوم الأموال من البحر فأنه تجب لهم الأجرة على الملاك (^١) . ذكره في " المغني "؛ لأن فيه حثا وترغيبا في إنقاذ الأموال من الهلكه. فإن الغواص إذا علم أنه يستحق الأجر ة غرر بنفسه وبادر إلى التخليص (^٢) . بخلاف ما إذا علم أن لا شيء له فهو في معنى رد الآبق.
وفي مسودة " شرح الهداية " لأبي البركات: وعندي أن كلام أحمد على ظاهره في وجوب الأجرة على (^٣) تخليص المتاع من المهالك دون الادمي؛ لأن الادمي أهل (^٤) في الجملة لحفظ نفسه. انتهى.
وفيه نظر فقد يكون صغيرًا وعاجزًا، وتخليصه أهم وأولى من المتاع. وليس في كلام أحمد تفرقة.
فًا ما من عمل في مال غيره على غير ما ذكرنا فالمعروف من المذهب: أن
لا أجرة له.
ونقل أبو جعفر الجرجرائي عن أحمد: في رجل عمل في قناة رجلٍ بغير إذنه فقال: لهذا الذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة. وهذه تتخرج على أصلين:
أحدهما: أن الغاصب يكون شريكا بآثار عمله.
والثانى: أن يجبر على أخذ قيمة آثار عمله من المالك ليتملكها عليه.
وصرح القاضي في " خلافه " بًا نه يكون شريكًا بآثار عمله إذا زادت به القيمة حتى في غسل الثوب ونحوه. وذكر نص أحمد في العمل في القناة من رواية حرب وابن هانئ. انتهى.
_________________
(١) كذا في " القواعد "، وفى أوب: الأملاك. وفي ج: المالك.
(٢) في ب: التخلص
(٣) فى أوب: من
(٤) كذا في " القواعد ". وفي الأصول: الأصل
[ ٧ / ٥٦ ]
(و) إلا في (رد آبق: من ّقِن ومُدَبِّر وأمَّ ولد أن لم يكن) الراد (الإمام:
فـ) إن لراده (ما قدر الشارع) في رده.
قال ابن رجب: والمعني فيه الحث على حفظه على سيده وصيانة العبد عما
يخاف من لحاقه بدار الحرب والسعي في الأرض بالفساد. ولهذا المعنى اختص الوجوب برد الآبق دون غيره من الحيوان والمتاع، وسواء كان معروفا برد الآبق أو لم يكن، إلا السلطان فإنه لا شيء له. نص عليه في رواية حرب، لأنتصابه للمصالح وله حق في بيت المال على ذلك ولذلك لم يكن له الأكل من مال اليتيم كماسبق. انتهى.
ومحل ذلك: (ما لم يمت سيد مدبر وأم ولد، قبل وصول: فيعتقا، ولا
شيء له) " لأن العمل لم يتم؛ لكون العتيق لا يسمى آبقا.
(أو يهرب) الآبق ممن وجده قبل وصوله؛ لأنه لم يرد شيئا.
(ويأخذ) واجده (ما أنفق عليه أو على دابة) يجوز التقاطها (في قوت،
ولو هرب أو لم يستأذن مالكًا مع قدرة) على استئذانه.
أما كونه يرجع بما أنفق ولو لم يستأذن المالك مع القدرة على استئذانه؛
فلأن الإنفاق مأذون فيه شرعا لحرمة النفس.
وأما كون النفقة لا تسقط عن ذمة المالك بهرب المنفق عليه. نص عليه؛
فلأنها وقعت مأذونًا فيها شرعًا. أشبه ما لو وقعت بإذن المالك.
قال في " الفروع ": ويرجع بنفقته ولو لم يستحق جُعلًا؛ كرده من غير بلد سماه، أو هربه منه. لص عليه.
وقيل: بنية رجوعه.
وفي جواز استخدامه بها روايتان.
قال في " الإنصاف ": حكاهما أبو الفتح الحلوانى في " الكفاية "؛ كالعبد المرهون، وذكرهما في " الموجز " و" التبصرة ".
[ ٧ / ٥٧ ]
والصحيح من المذهب: أنه لا يجوز ذلك في العبد المرهون. فكذا هنا بطريق أولى. والله أعلم. انتهى.
(ويؤخذان) أى: الجُعْل والنفقة (من تركة) سيد (ميت)، لأنهما عوضان عن عمله وما أنفقه. فلا يسقطان بالموت، كسائر الحقوق.
ومحل ذلك: (ما لم ينو) الراد (التبرع) بالعمل والنفقة فإنه لا حق له إذا.
(وله ذبح مأكول خيف موته، ولا يضمن ما نقصه)، لأن العمل في مال الغير متى كان أنقاذًا له من (^١) التلف المشرف عليه كان جائزًا بغير إذن من مالكه، ومن غير ضمان على المتصرف أن حصل به نقص. صرح بذلك في " المغني " و" الشرح" و" شرح ابن رزين " وغيرهم.
(ومن وجد آبقا: أخذه).
قال في " المغني ": ويجوز أخذ الآبق لمن وجده. وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأى ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده واشتغاله بالفساد في سائر البلاد. بخلاف الضوال التي تحفظ نفسها.
(وهو أمانة) عند أخذه إن تلف بغير تفريط فلا ضمان عليه.
قال ابن رجب في القاعدة الثالثة والأربعين: ونص أحمد على من أخذ عبدا
ابقا ليرده فأبق منه فلا ضمان عليه. لكن قد يقال: هنا إذن شرعي في اخذ الآبق لر ده (^٢) . انتهى.
وليس لواجده بيعه ولا يملكه (^٣) بعد تعريفه، لأن العبد يتحفظ بنفسه فهو كضوال الإبل.
_________________
(١) في أ: في.
(٢) في أوج: ليرده.
(٣) في أ: تملكه
[ ٧ / ٥٨ ]
(ومن ادعاه) أى: ادعى على واجده أن الآبق ملكه من غير بينة، (فصدقه الآبق) على ذلك: (أخذه) أى: استحق أخذه من واجده؛ لأنه إذا استحق أخذه بوصفه إياه. فبتصديقه على أنه مالكه أولى.
(ولنائب إمام) حصل الآبق في يده (بيعه لمصلحة)؛ لأنتصابه لذلك. (فلو قال) سيده: (كنت اعتقته) قبل البيع: (عمل به) أى: بهذا القول، ومن العمل به إلغاء البيع. وأنما قبل منه (^١) ذلك؛ لأنه لا يجر به إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرارً ولم يصدر منه ما ينافيه.
وقيل: لا؛ كما لو باعه السيد ثم أقر بعتقه.
وعلى هذا يرد ثمنه إلى بيت المالك؛ لأن السيد يدعي عدم استحقاقه.
لكن أن عاد فإنكر العتق وطلب الثمن دفع إليه؛ لأنه لا منازع (^٢) له فيه.
والله سبحنه وتعالى أعلم (^٣) .
_________________
(١) في أوب: قيل فيه.
(٢) في ج: منافع.
(٣) في ب: والله أعلم.
[ ٧ / ٥٩ ]
[باب: اللقطة]
(باب) يذكر فيه مسائل من أحكام اللُقَطَة.
قال في " القاموس ": واللقطة محرَّكْة وكحُزمْةِ وهُمزِة وثُمامةِ: ما التقط. انتهى.
ومراده بقوله: محر كه أى: مفتوحة اللام.
ثم (اللقطة) شرعًا: (مال)، كنقد ومتاع، (أو مختصٍ)؛ كخمرة الخلال (ضائع)، كالساقط من ماله من غير علمه (أو في معناه) أى: معنى الضائع " كالمتروك قصدًا لأمر يقتضيه. ومنه المال المدفون (^١) مستقر فيه الملك والاختصاص (لغير حربي)، لأنها إن كانت لحربي ملكها واجدها، كما لو ضل الحربي الطريق فأخذه إنسان فإنه يكون لأخذه.
والأصل في جواز ما يجوز من اللقطة ما روى زيد بن خالد الجهني قال:
" سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق؛ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة. فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك. فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه. وسأله عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقائها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
وسأله عن الشاة فقال: خذها. فمإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " (^٢) متفق عليه. والوكاء: الخيط الذي يشد به المال في الخرقة.
والعفاص: الذي هي فيه من خرقة أو قرطاس أو غمره. قاله أبو عبيد.
_________________
(١) في ج: المد فوع.
(٢) أخرجه البخاري في " صهحيحه " (٢٢٩٦) ٢: ٨٥٦ كتاب في اللقطة، باب ضالة الغنم وأخرجه مسملم في " صحيحه " (١٧٢٢) ٣: ٣٤٩؛ كتاب اللقطة.
[ ٧ / ٦٠ ]
والأصل في العفاص (^١): أو الجلد الذي يلبسه رأس القارورة.
وقوله: معها حذاؤها يعني: خفها؛ لأنه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء.
وسقأوها: بطنها؛ لأنها تًاخذ فيه ماء كثيرًا فيبقى معها يمنعها العطش (^٢) .
والضالة: اسم للحيوان خاصة دون سائر اللقطة. والجمع: ضوال، ويقال لها أيضًا: الهوامي والهوافي والهوامل، قاله في " المغني ".
ثم الالتقاط يشتمل على أمانة واكتساب.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: وللناس خلاف في الغالب منهما،
منهم من قال: الكسب. ووجه بأنه مآل الأمر. ومنهم من قال: الأمانه وهو الصحيح؛ لأن المقصود أىصال الشيء إلى أهله ولأجله شرع الحفظ والتعريف أولًا. والملك أخرًا عند ضعف الترجي للمالك. انتهى.
(ومن أُخذ) بالبناء للمفعول (متاعه، وتُرك) بالبناء للمفعول أيضًا (بدله "
أى: شيء متمول غيره (فكلقطة).
قال في " الإنصاف ": نص عليه فى رواية ابن القاسم وابن بختان.
قال في " المغني ": ومن أخذ ثيابه من حمام ووجد بدلها أو أخذ مداسه وترك له بدلها: لم يملكه بذلك. قال ابو عبد الله فيمن سرقت ثيابه ثم وجد غيرها: لم يأخذها. فإذا أخذها عرفها منه ثم تصدق بها. إنما قال ذلك؛ لأن سارق الثياب لم يجر بينه وبين مالكها معاوضه تقتضى زوال ملكه عن ثيابه فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره ولا يعرف صاحبها فيعرفه كاللقطة. انتهى.
وقيل: لا يعرفه مع قرينة ققتضي السرقة بأن تكون ثيابه أو مداسه خيرًا من. المتروكة وكانت مما لا تشتبه على الآخذ بثيابه ومدا سه؛ لأن التعريف إنما جعل في الضال الضائع عن ربه ليعلم به ويأخذه. وتارك هذه عالمأ بها راض
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) في أ: للعطش.
[ ٧ / ٦١ ]
ببدلها عوضًا عما أخذه ولا يعترف أنه له. فلا يحصل في تعريفه فائدة.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو عين الصواب.
قال الحارثي: وهذا أحسن. انتهى.
(ويأخذ) الواجد (حقه منه) أى: من الموجود مكان متاعه (بعد تعريفه) على المذهب من غير رفعه إلى حاكم.
قال الموفق عن هذا: أو أقر ب إلى الرفق بالناس؛ لأن فيها نفعًا لمن سرقت ثيابه بحصول عوضٍ عنها، ونفعًا للآخذ إن كان سارقًا بالتخفيف عنه من الإثم، وحفظًا لهذه الثياب عن الضياع.
وقيل: يرفعها للحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها عوضًا عن ماله.
وقيل: يتصدق بالموجود بعد تعريفه.
وعلى الأول لو كانت الثياب المتروكة أكثر قيمة من المًاخوذة فإنما يًاخذ منها بقدر قيمة ثيابه؛ لأن الزائد فاضل عما يستحقه، ولم يرض صاحبها بتركها عوضا عما أخذه ويتصدق بالباقي.
(وهي) أى: اللقطة (ثلاثة اقسام): قسم يجوز التقاطه ويملك به، وقسم لا يجوز التقاطه ولا يملك بتعريفه، وقسم يجوز التقاطه ويملك بتعريفه. فالقسم الأول: (ما لا تتبعه همة أوساط الناس) يعني: ما لا يهتمون في طلبه.
قال في " القاموس ": والهِمة بالكسر وتفتح: ما هم به من أمر ليفعل. انتهى.
وذلك (كسوط) وهو الذي يضرب به. وفي " شرح المهذب ": هو فوق القضيب ودون العصا.
وفي " المختار ": هو سوط لا ثمرة له.
(وشِسْع) بتقديم المعجمة: أحد سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين. (ورغيف) وتمرة، وكل ما لا خطر له، كخرقة وحبل لا تتبعهما الهمة:
[ ٧ / ٦٢ ]
(فيملك بأخذ) ويباج الأنتفاع به. نص عليه؛ لما روى جابر قال: " رخص النبي ﷺ في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به " (^١) . رواه أبو داود. وفي " التبصرة ": صدقته به أولى.
(ولا يلزمه تعريفه)؛ لأنه من قبيل المباحات. وعنه: بلى.
وقيل: مدة يظن طلب ربه له.
(ولا) يلزمه أيضًا (بدله) أى: بدل ما وجده مما لا تتبعه الهمة (إن وجد ربه) الذي سقط منه؛ لأن لاقطه ملكه بأخذه.
قال في " الفروع ": خلافًا للـ" تبصرة "، وكلامهم فيه يحتمل وجهين. انتهى.
(وكذا) في الحكم (لو لقي كناس ومن في معناه)؛ كالمقلش (قطعا صغارًا متفرقة) من فضة فإنه يملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها ولا بدلها إن وجد ربها (ولو كثرت) بضم بعضها إلى بعض؛ لأن وجودها متفرقة يدل على أن أربابها متغأىرة.
وعنه: لا يعرض للشيء (^٢) اليسير.
قيل لأحمد في التمرة (^٣) يجدها أو يلقيها عصفورًا يأكلها؛ قال: لا. قال: أيطعمها (^٤) صبيا أو يتصدق؛ فال: لا يعرض لها. نقله ابو طالب وغيره واختاره عبدالوهاب الوراق.
(ومن ترك دابة بمهلكة أو فلاة لأنقطاعها) بعجزها عن المشي، (أو عجزه) أى: عجز مالكها (عن علفها) بأن لم يجد ما يعلفها فتركها: (ملكها أخذها).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧١٧) ٢: ١٣٨ كتاب اللقطة، باب في الشح
(٢) في أ: الشيء.
(٣) في ج: التمرة
(٤) في أ: أطعمها
[ ٧ / ٦٣ ]
قال في " المغني ": ومن ترك دابة بمهلكة فًاخذها إنسان فًا طعمها وسقاها
وخلصها ملكها. وبه قال الليث والحسن بن صالح وإسحاق، إلا أن يكون تركها ليرجع إليها أو ضلت عنه.
وقال مالك: هي لمالكها الأول ويغرم ما أنفق عليها.
وقال الشافعي وابن المنذر: هي لمالكها. والاخر متبوع بالنفقة لا يرجع بشيء؛ لأنه ملك غيره. فلم يملك بغير عوض من غيررضاه؛ كما لو كانت في غير مهلكة. ولا يملك الرجوع؛ لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه. فلم يرجع بشيء؛ كما لو بنى داره.
ولنا: ما روى الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: " من وجد دابة قد عجز عنهاأهلها فسيبوها فأخذها فًا حياها فهي له ".
قال عبيد الله ين حميد بن عبد الرحمن فقلت: - يعني: للشعبي- من حدثك بهذا؛ قال: غير وأحد من اصمحاب رسول الله ﷺ " (^١) ورواه ابو داود بإسناده.
وفي لفظ عن الشعبي عن النبي ﷺ أنه قال: " من ترك دابة بمهلكة
فأحياها رجل فهي لمن أحياها ".
وروى الأول الدارقطني أيضًا.
ولأن في الحكم بملكها إحياءها وأنقاذها من الهلاك وحفظًا للمال عن الضياع ومحافظة على حرمة الحيوان. وفي القول بًا نها لا تملك تضييع لذلك كله من غير مصلحة تحصل.
ولأنه نبذ (^٢) رغبة عنه وعجز عن أخذه. فملكه أخذه؛ كالساقط من السنبل وسائر ما ينبذه الناس رغبة عنه. انتهى.
_________________
(١) وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٥٩ ٢) ٣: ٦٨ كتاب البيوع
(٢) في أ: بذل.
[ ٧ / ٦٤ ]
(وكذا) أى: وكالقول فيما تقدم من كون أخذه يملكه بأخذه يقال في (ما يُلقى) من سفينة (خوف غرق) أى: من أجل ذلك؛ لأن هذا مال ألقاه صاحبه فيما يتلف بتركه فيه اختيارًا منه فملكه من أخذه؛ كالذي ألقاه رغبة عنه.
القسم (الثانى) من أقسام اللقطة: وهو الذي لا يجوز التقاطه ولا يملك بتعريفه: (الضوال التي تمتنع من صغار السباع)؛ كالأسد الصغير والذئب وابن آوى.
وامتناعها إما لكبر جثتها؛ (كالإبل وبقر وخيل وبغال وحمر) أهلية.
وخالف الموفق فيها.
(و) إما لسرعة عدوها؛ (ظباء، و) إما لطيرانها؛ (طير، و) إما بنابها؛ (فهد، ونحوها) أى: نحو ما تقدم؛ كفيل وزرافة ونعامة وقرد وهر وقن كبير.
(فغير) القن الكبير (الابِق) مما تقدم ذكره (يحرُم التقاطُه)؛ لـ " قول النبي لما سئل عن ضالة الإبل: ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاها ترد الماء وتًاكل الشجر حتى يجدها ربها " (^١) . وتقدم الحديث وهو متفق عليه.
ولما روى منذر ين جرير قال: " كنت مع أبي جرير بالتواريخ في السواد. فراحت البقر فرأى بقرة أنكرها. فقال ما هذه البقرة؛ قالوا: بقرة لحقت بالبقر. فأمر بها فطردت حتى توارت. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يًا وي الضالة إلا ضال " (^٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٦٠) رقم (٢)
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ١٧٢) ٢: ١٣٩ كتاب اللقطة، باب في الشح. وأخرجه ابن ماجه في سننه ") ٥٣ ٥ ٢) ٢ " ٨٣٦ كتاب اللمطة، باب ضالة الأبل والبقر والغنم وأخر ج أحمد في " مسنده، (١٩١٦٩) ٤:
[ ٧ / ٦٥ ]
ولأحمد ومسلم من حديث زيد بن خالد قوله (^١): " لا يًا وي الضالة إلا ضال " (^٢) . وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه: " من أخذ ضالة فهو ضال " (^٣)
أى: مخطئ.
ولأن الأصل عدم جواز الالتقاط؛ لأنه مال غيره. فكان الأصل عدم جواز أخذه؛ كغير الضالة. وأنما جاز لحفظ المال على صاحبه، وإذا كان محفوظا لم يجز أخذه.
وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد.
وقال مالك والليث في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرفها ومن وجدها
في الصحراء لايَقْرْبها.
ورواه المزنى عن الشافعي.
وكان الزهري يقول: من وجد بدنة فليعرفها فإن لم يجد صاحبها فلينحرها
قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة.
وقال أبو حنيفة: هي لقطة. أشبهت الغنم.
قال في " المغني ": وقياسهم يعارض صريح النص. وكيف يجوز ترك نص النبي ﷺ وصريح قوله بقياس نصه في موضع اخر: على أن الإبل تفارق الغنم لضعفها أو قلة صبرها عن الماء. انتهى.
(ولا يُملك) ما حرُم التقاطه (بتعريف) له؛ لأنه متعد لعدم إذن المالك، وعدم إذن الشارع في ذلك. فهو كالغاصب.
ولا فرق في ذلك بين زمن الأمن والفساد، وبين الإمام وغيره.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٢٥) ٣: ١٣٥١ كتاب اللقطة، باب في لقطة الحاج.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٥٠) ٢: ٥٨١ كتاب الأ قضية، باب القضاء في الضوال. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٩١ كتاب اللقطه، باب ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده ..
[ ٧ / ٦٦ ]
(و) لكن (لإمام ونائبه أخذه ليحفظه لربه). لا على أو لقطة؛ لأن للإمام
نظرا في حفظ مال الغائب.
وفي أخذ هذه على وجه الحفظ مصلحة لمالكها؛ لصيأنتها.
(ولا يلزمه) أى: يلزم الإمام أو نائبه (تعريفه) أى: تعريف ما أخذه ليحفظه،
لـ." أن عمر رضى الله تعالى عنه لم يكن يعرف الضوال ".
ولأنه إذا عرف من الإمام حفظ الضوال فمن كانت له ضالة فإنه يجيء إلى موضع الضوال. فمن عرف ماله اقام البينة عليه.
(ولا يؤخذ منه) أى: من الإمام أو نائبه (بوصف) أى: لا يكتفي فيها بالصفة؛ لأن الضالة قد كانت ظاهرة للناس حين كانت في يد مالكها فلا يختص بمعرفة صفاتها دون غيره. فلم يكن ذلك دليلًا. وتمكنه إقامة البينة عليها؛ لظهورها للناس ومعرفة خلطائه وجيرأو بملكه إياهًا.
وما يحصل عند الإمام من الضوال فإنه يشهد عليها ويجعل عليها وسمًا بًانها ضالة، ثم أن كان له حِمى تركها ترعى فيه أن رأى ذلك، وإن رأى المصلحة في بيعها وحفظ ثمنها أو لم يكن له حمى باعها بعد أن يحلبها ويحفظ. صفاتها ويحفظ ثمنها لصاحبها فإن ذلك أحفظ لها، لأن تركها يفضي إلى أن تًا كل جميع ثمنها. وأن أخذها غير الإمام أو نائبه ليحفظها لصاحبها: لم يجز له ذلك ولزمه ضمانها؛ لأنه لا (^١) ولاية له على صاحبها.
قال في " المغني ": وهذا (^٢) ظاهر مذهب الشافعي. ولأصحابه وجه: أن
له أخذها لحفظها قياسا على الإمام. ولا يصح؛ لأن النبي ﷺ منع أخذها من غير تفريق بين قاصد الحفظ وقاصد الالتقاط.
ولا يصح القياس على الإمام؛ لأ ن له ولاية وهذا لا ولاية له. انتهى.
(ويجوز التقاط صيود متوحشة) بحيب (لو تركت رجعت إلى الصحراء
_________________
(١) ساقط من أ
(٢) من ب: وهو
[ ٧ / ٦٧ ]
بشرط عجز ربها) عنها؛ لأن تركها والحالة هذه أضيع لها من سائر الأموال. والمقصود حفظها لصاحبها لا حفظها في نفسها، ولو كان المقصود حفظها في نفسها لما جاز التقاط الأثمان. فإن الدينار دينار حيثما كان.
قال في " الإنصاف ": قطع به المصنف والشارح واقتصر عليه الحارثي.
قلت: فيعاى بها، وظاهر ما قدمه في " الفروع " عدم الجواز.
قلت: وهو ضعيف. انتهى.
(ولا يملكها بالتعريف)؛ لما تقدم من كونه يحفظها لصاحبها؛ لأنه يكون كالمودَع.
وقال في " المغنى " عن الضالة التي لا يجوز التقاطها من غير مقتض: وأن وجدها في موضع يخاف عليها به مثل أن يجدها في أرض مسبعة يغلب على الظن أن الأسد يفترسها أن تركت به، أو قريبا من دار الحرب يخاف عليها من أهل ها، أو بموضع يستحلأهله أموال المسلمين كوادي التيم، أو في بريه لا ماء فيها ولا مرعى: فالأول جواز أخذها للحفظ. ولا ضمان على أخذها؛ لأن فيه أنقاذها من الهلاك. فأشبه تخليصها من غرق أو حريق. فإذا حصلت في يده سلمها إلى نائب الإمام وبرئ من ضمانها. ولا يملكها بالتعريف؛ لأن الشرع لم يرد بذلك فيها. انتهى.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر المسًا لة عن الموفق ومن تبعه: قال الحا رثي: وهو كما قال، وجزم به في " تجريد العناية ".
قلت: لو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه. انتهى.
و(لا) يجوز التقاط (أحجار طواحين، وقُدور ضخمة، وأخشاب كبيرة) ونحوها مما يتحفظ بنفسه؛ كمدافع النفط؛ لأن هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكا نها فهي أولى بعدم التعرض من الضوال؛ لأن الضالة متعوضة في الجمله للتلف إما بالسبع وإما بالجوع والعطش وغير ذلك. وهذه بخلاف ذلك. قال في " الإنصاف ": قال ابن عقيل في " الفصول " والمصنف والشارح
والزركمثي وجماعة: احجار الطواحين والقدور الضخمة والأخشاب الكبيرة ونحوها: ملحقة بالإبل في منع الالتقاط.
[ ٧ / ٦٨ ]
قال الحارثي: وظاهر كلام غير واحد من الأصحاب: جواز الالتقاط.
وكذا نصه في رواية حنبل. انتهى.
وقال في " الفروع " بعد أن ذكر أنه يحرم التقاط ممتنع عن سَبُع صغير: وله
التقاط غيره من حيوان، وغيره غير ممتنع بنفسه؛ كخشبة كبيرة.
وعنه: نحو شاه.
وعنه: وعوض ٠ انتهى.
فتحصل من ذلك وجود خلاف في المسألة. وقد قدم في " التنقيح " عدم
جواز الالتقاط وتابعته على ما قدمه. والله أعلم بالصواب.
(وما) أخذه إنسان مما (حرُم التقاطه: ضمنه أخذه إن تلف أو نقص؛)
ضمان (غا صب) ولو كان الإمام أو نائبه وأخذه على سبيل الالتقاط لا على سبيل الحفظ؛ لأن التقاط ذلك غير مأذون فيه من الشارع.
(لا) إذا كان المًا خوذ (كلبًا): فإنه لا ضمان فيه مع كونه يحرم التقاطه.
وفيه وجه؛ لأنه ليس بمال.
(ومن) التقط ما لا يجوز التقاطه و(كتمه) عن ربه ثم أقر به أو قامت بينة (فتلف: فقيمته مرتين) عليه لربه.
قال في " المحرر ": ومن التقطه وكتمه حتى تلف ضمنه بقيمته مرتين. نص
عليه. انتهى.
قال في " الفروع ": ونصه، وقال أبو بكر: يضمن ضالة مكتومة بالقيمة
مرتين للخبر. انتهى.
قال ابو بكر في " التنبيه ": ثبت خبر عن النبي ﷺ أنه قال: " في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها (^١)
_________________
(١) عن أبي هريرة عن النبي ع قال: " ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ١٩١ كتاب اللقطة، باب ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده.
[ ٧ / ٦٩ ]
قال: وهذا حكم رسول الله ﷺ فلا يرد. انتهى.
قال في " الإنصاف ": ضمنها بقيمتها مرتين على المذهب. نص عليه في رواية ابن منصور، إمامًا كان أو غيره. واختاره أبو بكر وغيره وجزم به في " المحرر " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفائق " وغيرهم.
قال الحارثي: وقال به غير واحد. انتهى.
وقيل: بقيمتها فقط. وهو ظاهر كلام الأكثر " لأنهم نزلوها منزلة الغصب. والله أعلم.
(ويزول ضمانه) أى: ضمان ما حرم التقاطه عمن أخذه (بدفعه إلى الإمام
أو نائبه) " لأن للإمام نظر في ضوال الناس فيقوم مقام المالك.
(أو رده) أى: رد ما أخذه (إلى مكانه) الذي أخذه منه (بأمره) أى: الإمام أو نائبه " لما روى الأثرم عن القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن ثابت بن الضحاك عن عمر " أو قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته ". لأن أمره برده (^١) كًاخذه منه.
وقيل: يبرأ برده إلى مكانه، ولو بدون إذن الإمام أو نائبه.
وعلم مما تقدم أنه أن رده بغير أمر الإمام أو نائبه فتلف كان من ضمانه " لأنه
أمانة حصلت في يده. فلزمه حفظها. فإذا ضيعها لزمه ضمانها؛ كما لو ضيع الود يعة.
ولأنها لما حصلت في يده لزمه حفظها، وتركها تضييع لها.
وبهذا قال الشافعي وروي عن طاووس.
ولأن ما لزم ضمانه بأخذه لا يزول إلا برده إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ كالمسروق والمغصو ب.
وقيل: يبرأ برده ولو لم يأمره به الإمام. ذكره في " الفروع ".
_________________
(١) فى أ: يرده
[ ٧ / ٧٠ ]
القسم (الثالث) من أقسام اللقطة: وهو ما يجوز التقاطه ويملك بتعريفه المعتبر شرعًا: (ما عداهما) أى: ما عدا ما ذكر من القسمين المتقدمين (من ثمن) أى: نقد (ومتاع)؛ كالثياب والفرش والأنهانى والآت الحرف ونحوها، (وغنم وفصلان) بضم الفاء وكسرها جمع فصيل. وهو: ولد الناقة إذا فصل عن امه، (وعجاجيل) جمع عجل. وهو: ولد البقره، (وافلاء) بالمد جمع فلو بوزن سحر، وجرو وعدو وسمو. وهو: الجحش والمهر إذا فطما أو بلغا السنة. قاله في " القاموس ".
(وقن صغير). قال في " الرعاية ": والعبد الصغير كالشاة.
قال الحارثي: وصغار الرقيق مطلقا يجوز التقاطه. ذكره القاضي وابن عقيل واقتصر على ذلك، نقله عنه في " الإنصاف ".
ثم قال: وقيل: لا يملك بالتعريف. انتهى.
والمريض من كبار الإبل ونحوها كالصغير.
قال في " الفائق ": قلت: وكذا مريض لا ينبعث ولو كان كبيرا. انتهى. (ونحو ذلك)؛ كالخشبة الصغيرة والقطعة من الحديد والنحاس والرصاص والزق من الدهن أو العسل والغرارة من الحب والورق والكتب وما جرى مجرى ذلك.
إذا تقرر هذا فتارة يكون الالتقاط لذلك محرما وتارة يكون مباحا باعتبار النظر
إلى حالة الواجد.
(فيحرم على من لا يأمن نفسه عليها) أى: على اللقطة (أخذها)؛ لما في ذلك من تضييع مال غيره. فحرم؛ كإتلافه. وكما لو نوى تملكها في الحال أو كتمانه.
(ويضمنها به) أى: بأخذها أن تلفت. سواء كان تلفها بتفريط أو بدونه؛
لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه. فضمنه؛ كالغاصب.
[ ٧ / ٧١ ]
(ولم يملكها ولو (^١) عرفها)؛ لأن السبب المحرم لا يفيد الملك. بدليل السرقة.
وقيل: بلى؛ لأن الملك بالتعريف والألتقاط. قد وجدا.
ولأن عموم النص يتناوله. ورد: بأنه مخصص.
(وإن أمِن نفسه) عليها (وقوي على تعريفها: فله) أى: أبيح له (أخذها) أى: اللقطة. وهي منصوص عليها في النقدين. وقيس عليهما كل متمول غير الحيوان. ومنصوص عليها أيضًا في الشاة. وقيس عليها كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع.
وظاهر ما تقدم أنه لا فرق في ذلك بين الإمام وغيره. وهو المذهب.
وعنه: لا يلتقط الشاة ونحوها إلا الإمام.
وعنه: ي شاة وفصيل وعجل وفِلْو لا يجوز التقاطه.
وعلم مما تقدم أن العاجز عن تعريفها ليس له أخذها. وهو صحيح ولو أخذها بنية الأمانة ثم طرأ قصد الخيانة.
قال في " التلخيص ": يحتمل وجهين:
* احدهما: لا يضمن؛ كما لا يضمن لو كان أودعه.
قال الحارثي: وهو اختيار المصنف- يعني: الموفؤ- وهو الصحيح. انتهى.
* والثانى: يضمن. قا ل في " التلخيص ": وهو الأشبه بقول أصحابنا في التضمين بمجرد اعتقاد الكتمأن. ويخالف المودَع فإنه مسلط من جهة المالك. نقله عنه في " الإنصاف ".
(والأفضل) لمن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها (تركها) أى: عدم التعرض لها.
_________________
(١) في ب: أن
[ ٧ / ٧٢ ]
قال أحمد رحمه الله تعالى: الأفضل ترك الالتقاط.
وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر. وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خيثم وعطاء.
و" مرَّ شريح بدرهم فلم يعرض له ".
حتى (ولو) وجدها (بمضيعة)؛ لأن في الالتقاط تعريض لنفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من تعريفها واداء الأمانة فيها. فكان ترك ذلك أولى وأسلم؛ كولاية مال اليتيم.
وقيل: الأفضل أخذها بمضيعة. وخرج وجوبه إذا.
(ومن أخذها ثم ردها إلى موضعها أو فرط) فيها فتلفت: (ضمنها)؛ لأنها أمانة حصلت في يده. فلزمه حفظها؛ كسائر الأمانات. وتركها والتفريط فيها تضييع لها. فلزمته إذا تلفت؛ كما لو ضيع الوديعة.
(إلا أن يأمره إمام أو نائبه بردها) إلى موضعها فإنه يبرأ من ضمانها؛ لأن للإمام (^١) نظرًا في المال الذي لا يعلم مالكه.
وكذا لو التقطها ودفعها إلى الإمام أو نائبه فإنهيبرا من ضمانها.
وعلم مما تقدم أنه لو تلفت منه في حول التعريف بغير تفريط أنه لا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده. فلم يضمنها؛ كالوديعة.
فإن ضاعت منه فالتقطها آخر لزمه مع علمه بالحالي ردها إلى الأول؛ لأنه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ فلا يزول ذلك بالضياع.
فإن لم يعلم الثانى بالحال حتى عرفها حولًا: ملكها؛ لأن سبب الملك وجد منه من غير عدوان فيثبت الملك به كالأول. ولا يملك الأول أنتزاعها؛ لأن الملك مقدم على حق التملك. وإذا جاء صاحبها فله أخذها من الثانى وليس له مطالبه الأول؛ لأنه لم يفرط.
_________________
(١) في أ: لإمام
[ ٧ / ٧٣ ]
وأن علم الثانى بالأول فردها إليه فأبى أخذها وقال: عرفها أنت فعرفها ملكها أيضًا، لأن الأول ترك حقه فسقط.
وإن قال: عرفها ويكون ملكها لي فهو مستنيب له في التعريف ويملكها الأول " لأنه وكله في التعريف فصح، كما لو كانت بيد الأول.
وأن قال: عرفها وتكون بيننا ففعل صح أيضا ً وكانت بينهما، لأنه (^١) أسقط حقه من نصفها ووكله في الباقي.
وإن قصد الثانى بالتعريف تملكها لنفسه دون الأول.
قال في " المغني ": احتمل وجهين:
أحدهما: يملكها الثانى " لأن سبب الملك وجد منه. فملكها " كما لو
أذن له الأول في تعريفها لنفسه.
والثانى: لا يملكها " لأن ولاية التعريف للأول. فأشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرفها وكذلك الحكم إذا علم الثانى بالأول فعرفها ولم يعلمه بها. ويشبه هذا المتحجر في الموات إذا سبقه غيره إلى ما حجره فأحياه بغير إذنه.
فأما إن غصبها غاصب من الملتقط فعرفها لم يملكها وجهًا واحدًا " لأنه متعد بأخذها ولم يوجد منه [سبب تملكها. فإن الالتقاط من جملة السبب ولم يوجد منه] (^٢) .
ويفارق هذا: ما إذا التقطها ثان فإنه وجد منه الالتقاط والتعريف. انتهى. ***
_________________
(١) في أ: لا
(٢) ساقط من: أ
[ ٧ / ٧٤ ]
[فصل: فيما أُبيح التقاطه ولم يملك به]
(فصل. وما أُبيح التقاطه ولم يملك به). وهو القسم الثالث من اقسام اللقطة المتقدم ذكرها (ثلاثة أضرب):
الضرب الأول: (حيوان) مًاكول؛ كالفصيل والشاة والدجاجة: (فيلزمه) أى: الملتقط (فعل الأصلح) لمالكه (من) أمور ثلاثة:
١ - (أكله بقيمته) في الحال.
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ: " هي لك أو لأخيك أو للذئب" (^١)
فجعلها له في الحال؛ لأنه سوى بينه وبين الذئب. والذئب لا يستًانى بأكلها.
ولأن في أكل الحيوان في الحال إغناء عن الأنفاق عليه وحراسة لماليته على صاحبه إذا جاء (^٢) فإنه يًاخذ قيمته بكمالها.
ومتى أراد (^٣) أكله حفظ صفته. فمتى جاء صاحبه فوصفه: غرم قيمته له؛
لأنه عين يجب ردها مع بقائها. فيجب غرمها مع تلفها؛ كلقطة النقد بعد تعريفها في أكلها وإنفاقها. وقال: هي كسائر مالك.
٢ - (أو بيعه) أى: الحيوان (وحفظ ثمنه) ولو لم يًاذن في ذلك الإمام؛
لأنه إذا جاز أكله بغير إذن فبيعه أولى.
٣ - (أو حفظه ويُنفق عليه) الملتقط (من ماله)؛ لما في ذلك من حفظه على مالكه عينًا ومالًا.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٦٠) رقم (٢). من حديث زيد بن خالد الجهني
(٢) ساقط من أ
(٣) في أ: أراده.
[ ٧ / ٧٥ ]
فإن ترك الأنفاق عليه حتى تلف: ضمنه؛ لأنه مفرط.
(وله) أى: للملتقط (الرجوع) على مالكه أن وجده بما أنفق (بنيته) أى: بنية الرجوع. نص عليه في رواية المروذي: في طيرة أفرخت عند قوم فقضى أن الفراخ لصاحب الطيرة، ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعا.
"وقضى عمر بن عبدالعزيز: فيمن وجد ضالة فإنفق عليها وجاء ربها فإنه يغرم
له ما أنفق؛ وذلك لأنه أنفق على اللقطة لحفظها. فكان من مال صاحبها؛ كمؤنة الرطب والعنب إذا جعله تمرا أو زبيبا.
وعنه: لا يرجع بشيء.
(فإن استوت) الأمور (الثلاثة) في نظر الملتقط فلم يظهر له أن أحدها
أحظ: (خُير) بين الثلاثة؛ لجواز كل منها، وعدم ظهرر الأحظ في أحدها (^١) .
وفي " الترغيب ": لا يبيع بعض الحيوان.
وأفتى أبو الخطاب وابن الزاغوني بأكله بمضيعة بشرط ضمانه، وإلا لم يجز
تعجيل ذبحه؛ لأنه يطلب.
وقال ابو الحسين وابن عقيل: لا يتصرف قبل الحول في شاة ونحوها بًا كل
أو غيره رواية واحدة.
الضرب (الثانى: ما) التقط مما (يُخشى فساده) بتبقيته؛ كالبطيخ والخضر وات ونحو ها: (فيلزمه) أى: الملتقط (فعل الأحظ من:
١ - بيعه) بقيمته وحفظ ثمنه من غير إذن حاكم؛ لأنه مال أبيح للملتقط
أكله. فًا بيح له بيعه؛ كماله.
وعنه: يبيع اليسير ويرفع الكثير إلى الحاكم.
_________________
(١) في أ: فلم يظهر له أن أخذها أحظ (خير) بين الثلاثة لجواز كل منهما وعدم ظهرر الأحظ في أخذها.
[ ٧ / ٧٦ ]
٢ - (أو اكله بقيمته)؛ لأن في كل منهما حفظ لماليته على مالكه. ويحفظ صفاته في الصورتين؛ ليدفع لمن وصفه ثمنه أو قيمته.
٣ - (أو تجفيف ما) أى: شيء (يجفف)؛ كالعنب والرطب؛ لأن ذلك أمانة بيده. وفعل الأحظ في الأمانة متعين.
وإن احتاج في تجفيفه إلى غرامة باع بعضه في ذلك.
(فإن استوت) الثلاثة في نظر الملتقط: (خُير) بينها. فًا يها فعل جاز.
وإن تركه حتى تلف ضمنه؛ لأنه فرط في حفظ ما بيده أمانة. فضمنه؛
كا لو د يعة.
قال في " المغني ": ويقتضي قول أصحابنا أن العروض لا تملك بالتعريف: أن هذا كله لا يجوز له أكله. لكن يتخير بين الصدقة به وبين بيعه. وقد قال أحمد: فيمن يجد في منزله طعاما لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده. فإن خشي فساده تصدق به. فإن جاء صاحبه غرمه.
وكذلك قال مالك وأصحاب الرأى في لقطة ما لا يبقى سنة: يتصدق به.
وقال الثوري: يبيعه ويتصدق بثمنه.
ولنا: على جواز أكله؛ قول النبي ﷺ في ضالة الغنم: " خذها فإنما هي
لك أو لأخيك أو للذئب " (^١) .
وهذا تجويز للأكل فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه ففيما يفسد ببقائه أولى. انتهى
الضرب (الثالث: باقي المال) أى: ما عدا الضربين المذكورين من المال؛ كالأثمان والمتاع ونحوهما.
(ويلزمه). أى: الملتقط (حفظ الجميع)؛ لأنه صار أمانة في يده بالتقاطه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٦٠) رقم (٢
[ ٧ / ٧٧ ]
(و) يلزمه أيضًا (تعريفه) أى: الجميع من حيوان وغيره. سواء أراد الملتقط تملكها أو حفظها لصاحبها؛ لأن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب (^١) . ولم يفرق.
ولأن حفظها لصاحبها أنما يفيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف. أما بقاؤها
في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان.
ولأن إمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها. فلم يجز؛ كردها إلى موضعها أو إلقأوها في غيره.
ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط؛ لأن بقاءها في مكانها إذا أقر ب
إلى وصولها إلى صاحبها، إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإما بأن يجدها من يعرفها. وأخذ هذا لها يفوت الأمرين فيحرم. فلما جاز الالتقاط وجا التعريف؛ لئلا يحصل الضرر.
ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها فكذلك على من أراد حفظها.
وكلام المتن شامل للملتقط لها بدار الحرب.
قال في " المغني ": ومن وجد لقطه في دار الحرب فإن كان في جيش فقال أحمد: يعرفها سنة في دار الإسلام ثم يطرحها في المقسم. إنما عرفها في دار الإسلام؛ لأن أموال أهل الحرب مباحة، ويجوز أن تكون لمسلم.
ولأنه قد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها.
ومعناه والله أعلم يتمم التعريف في دار الإسلام فأما ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه؛ لأنه يحتمل أن تكون لأحدهم. فإذا فعل أتم التعريف في دار الإسلام.
فأما أن كان دخل دارهم بأمأن فينبغي أن يعرفها في دارهم؛ لأن أموالهم محرمه عليه. فإذا لم (^٢) تعرف ملكها؛ كما يملكها في دار الإسلام.
_________________
(١) سبق تخريج حديث زيد بن خالدص (٠ ٦) رقم (٢)، وسياتي تخريج حديث أبي بن كعب ص (٩٦) رقم (٢).
(٢) ساقط من أ
[ ٧ / ٧٨ ]
وإن كان في الجيش طرحها في المغنم بعد التعريف؛ لأنه وصل إليها بقوة الجيش. فأشبهت مباحات دار الحرب إذا اخذ منها شيئا.
وإن دخل إليهم متلصصا فوجد لقطة عرفها في دار الإسلام؛ لأن أموالهم مباحة له ثم يكون حكمها حكم غنيمة. ويحتمل أن تكون غنيمة له لا تحتاج إلى تعريف؛ لأن الظاهر أنها من أموالهم غنيمة. انتهى.
وحيب تقرر وجوب التعريف فإنه يكون (فورًا)؛ لظاهر الأمر. إذ مقتضاه (^١)
الفور.
ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها. فإذا عرفت إذا كان أقرب إلى وصولها إليه.
(نهارًا)؛ لأن النهار مجمع الناس وملتقاهم، (أول كل يوم) فبل اشتغال الناس بمعاشهم، (اسبوعا) أى: سبعة أىام؛ لأن الطلب فيه أكثر.
ولأن أكثر توالي طلب صاحبها لها في كل يوم باعتبار غالب أحوال الناس
اسبوعًا.
(ثم) لا يجب تعريفها بعد الأسبوع متواليا وإنما يجب (عادة) أى: بالنظر
إلى عادة الناس في ذلك.
وقيل: على العادة من حين الالتقاط (^٢) .
وفيل: يعرفها في كل يوم شهرًا ثم مرة في كل شهر.
وقيل: يعرفها في كل يوم اسبوعًا، ثم في كل أسبوع مرة شهرًا، ثم في كل شهر مرة.
(حولًا) كاملًا (من التقاط) أى: يكون أول الحول من ساعة التقاطه.
وروي تقديره بالسنة عن عمر وعلي وابن عباس. وبه قال ابن. المسيب والشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأى.
_________________
(١) في أ: مقتضاها
(٢) في أ: التقاط.
[ ٧ / ٧٩ ]
وعن عمر أيضًا: أو ثلاثة أشهر.
وعنه: أيضًا أو ثلاثة أعوام.
ويدل للأول حديث زيد بن خالد الصحيح فإن النبي ﷺ أمره بعام واحد (^١) .
ولأن السنة لا تتأخر عنها القوافل ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد
من الحر والبرد والاعتدال. فصلحت قدرًا؛ كمدة أجل العنين.
وصفة التعريف (بأن ينادي: من ضاع منه شيئًا أو نفقة).
قال في " المحرر": ولا يصفها فيه، بل يقول: من ضاع منه شيء أو نفقة.
وفي " المغني ": السادس في كيفية التعريف. وهو: أن يذكر جنسها
لا غير. فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دنانير أو دراهم أو ثياب ونحو ذلك. انتهى.
لكن اتفقوا على أن لا يصفها؛ لأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها ويذكر صفتها التي يجب دفعها بوصفها فيأخذها فتضيع على مالكها.
ومقتضى قولهم: لا يصفها أن لو وصفها فأخذها غير مالكها بالوصف: ضمنها الملتقط لمالكها، كما لو دل المودَع لصًا على مكان الوديعة فسرقها. ويكون مكان النداء (في الأسواق) عند أجتماع الناس، (وأبواب المساجد وأوقات الصلاة)؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها ويحصل ذلك عند أجتماع الناس للصلا ة.
(وكره) التعريف (داخلها) أى: المساجد؛ لما روى ابو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " من سمع رجلأ ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا اداها الله اليك. فإن المساجد لم تُبنَ لهذا " (^٢) .
_________________
(١) سبق ذكره وتخريجه ص (٦٠) رقم (٢).
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٥٦٨) ١: ٣٩٧ كتاب المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد.
[ ٧ / ٨٠ ]
وفي " عيون المسائل ": لا يجوز. وقاله ابن بطة في " الإنشاد " دون
التعريف.
وقيل: تعرف لقطة صحراء بقرية.
إذا تقرر هذا فللملمتقط أن يتولى التعريف بنفسه، وله أن يستنيب فيه
متبرعًا (^١)، وله أن يستنيب فيه بًا جرة.
(وأجرة منادٍ على ملتقط) نص عليه؛ لأنه سبب في العمل. فكانت أجرته
عليه؛ كما لو اكترى شخصًا يقطع له مباحًا.
وقال أبو الخطاب: ما لا يملك بالتعريف وما يقصد حفظه لمالكه يرجع
بالأجرة عليه.
وكذا قال ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف.
وقيل: على ربها مطلقًا.
وعند الحلوانى وابنه: الأجرة من نفس اللقطة؛ كما لو جفف العنب ونحوه. .وقيل: من بيت المال. فإن تعذر أخذها الحاكم من ربها.
وأجيب عن ذلك: بأن التعريف واجب على الملتقط. فكانت أجرته عليه؛
كما لو كانت تملك بالتعريف، أو قصد تملكها به.
ولأنه لو وليه بنفسه لم يكن له عليه اجرة فكذلك إذا استأجر عليه.
قال المنقح: ولم يذكر الأكثر للحيوان تعريف. انتهى.
وسبقه بذلك صاحب " الفروع " وعبارته: وهو كالقطة. ولم يذكر الأكثر
تعريفه. انتهى.
وقد تقدم في المتن: أنه يعرف الجميع.
قال الزركشي: وظاهر كلام الخرقي أن الحيوان يعرف كغيره. وهو مقتضى
كلام صاحب " التلخيص " وأبي البركات وغيرهما.
_________________
(١) في ج: متبرعأ به.
[ ٧ / ٨١ ]
(ويُنْتَفَع بمباح من كلاب ولا يُعرَّف).
قال في " الفروع ": وينتفع بكلب مباح. وقيل: يعرفه سنة. انتهى.
وظاهره (^١): جواز التقاطه.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: اختلف (^٢) الأصحاب في الكلب المعلم
فأدخله المصنف- يعني: الموفق- فيما يمتنع التقاطه كما اقتضاه ظاهر لفظه هنا (^٣) يعني: في " المقنع "- وصريح لفظه في " المغني " اعتبارًا بمنعته بنابه.
وجوز التقاطه القاضى وغيره. وهو أصح؛ لأنه لا نص في المنع، وليس (^٤) في معنى الممنوع، وفي أخذه حفظ على مستحقه. أشبه الأثمان. وأولى من جهة أو ليس مالًا فيكون أحق.
وعلى هذا هل ينتفع به بعد حول التعريف؛ فيه وجهان. وفيهما طريقأن: إحداهما: بناء الخلاف على الخلاف في تملك الشاة بعد الحول. وهو طريقة القاضي.
والأخرى: بناء الأنتفاع على التملك لما يتملك بعد الحول، وبناء منع الأنتفاع على أن لا يضمن لمن ضاع منه بالقيمة لو تلف؛ لأنتفاء كونه مالا فيؤدي إلى الأنتفاع مجأنا وهو خلاف الأصل. انتهى.
(وإن أخره) أى: أخر الملتقط التعريف (الحول) كله (أو بعضه لغير عذر: أثم) للأمر به وهو يقتضي الوجوب، (ولم يملكها به) أى: بالتعريف (بعد) أى: بعد الحول؛ لأن شرط الملك التعريف فيه ولم يوجد.
_________________
(١) في أ: فظاهره.
(٢) ساقط من أ
(٣) في أ: هذا
(٤) ساقط من أ
[ ٧ / ٨٢ ]
ولأن الظاهر أن التعريف بعد الحول لا فائدة فيه، لأن ربها بعده يسلو عنها ويترك طلبها.
ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأول في المنصوص عن أحمد " لأن حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأول، وإن تركه في بعض الحول عرف بقيته فقط.
قال في " المغني ": ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخيره، لأنه واجب ولا يسقط بتأخيره عن وقته، كالعبادات وسائر الواجبات.
ولأن التعريف في الحول الثانى يحصل به المقصود على نوع من القصور. فيجب الإتيان به، لقول النبي ﷺ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^١) .
فعلى هذا أن اخر التعريف بعض الحول أتى بالتعريف في بقيته وأتمه في الحول الثانى.
وعلى كلا القولين لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول، لأن شرط الملك التعريف في الحول الأول ولم يوجد.
وهل له أن يتصدق بها أو يحبسها عنده أبدا؛ على روايتين. ويحتمل أن يلزمه دفعها إلى الحاكم، كقولنا فيما إذا التقط ما لا يجوز التقاطه.
ولو ترك التعريف في بعض الحول الأول لم يملكها أيضًا بالتعريف فيما
بعده " لأن الشرط لم يكمل. وعدم بعض الشرط كعدم جميعه " كما لو أخل (^٢) ببعض الطهارة أو ببعض السترة في الصلاة. انتهى.
وظاهر عبارة المتن المنقولة من " التنقيح ": أن لو اخر التعريف عن الحول
أو بعضه لعذر ومرض وحبس ونحوهما أو يملكها بتعريفها حولًا بعد زوال
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.
(٢) في أ: أخذ. وهو تصحيف
[ ٧ / ٨٣ ]
العذر. وفي ذلك وجهان مطلقان في " المغني " و" الشرح " و" شرح الحارثي " و" الفر وع " و" الفائق ":
أحدهما: أن يملكها بذلك؛ لأنه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه. فأشبه ما لو عرفها في الحول الأول.
والثانى: لا يملكها بذلك؛ لأن تعريفها في الحول الأول سبب الملك. والحكم ينتفي لأنتفاء سببه. سواء أنتفى لعذر أو لغير عذر.
قال في " الإنصاف " عن هذا الوجه: قدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" شرح ابن رزين ". لكن كلامه في " التنقيح " مفهومه: أن الأول المذهب. والله أعلم.
إذا تقرر هذا فحكم اللقطة في كون واجدها لا يملكها بدون تمليك ربها له أن علم: (كالتقاط) لها (بنية تملك، أو لم يرد تعريفًا) أى: بنية أو لا يعرفها ولو عرفها؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه. فأشبه الغاصب. قال في " المغني ": نص على هذا أحمد. ويحتمل أن يملكها " لأن ملكها بالتعريف والالتقاط، وقد وجد. فيملكها به؛ كالإصطياد والاحتشاش. فإنه لو دخل حائطًا لغيره بغير إذنه فاحتش أو اصطاد منه صيدا: ملكه وإن كان دخوله محرمًا. كذا هاهنا (^١).
ولأن عموم النص يتنلول هذا الملتقط فيثبت حكمه فيه.
ولأننا لو اعتبرنا فيه التعريف وقت الالتقاط لافترق الحال بين ذا عدل والفاسق والصبي والسفيه؛ لأن الغالب على هؤلاء الالتقاط للتملك من غير تعريف. انتهى.
(وليس خوفه) أى: الملتقط (أن يأخذها) أى: اللقطة (سلطان جائر، أو) خوف الملتقط أن (يطالبه) السلطان (بأكثر) مما وجد (عذرًا) له (في ترك تعريفها).
_________________
(١) في أ: محرما هنا.
[ ٧ / ٨٤ ]
قال في " الفروع ": فإن أخر لم يملكها إلا بعده. ذكره أبو الخطاب
وا بن (^١) الزغوانى.
ومرادهم والله أعلم: أن ليس عذرًا (حتى يملكها) بلا تعريف. وهو المراد بقولي: (بدونه) قال: ولهذا جزم بًانه يملكها بعده. وقد ذكروا أن خوفه على نفسه أو ماله عذر في ترك الواجب.
وقال أبو الوفاء: تبقى بيده فإذا وجد أمنا عرفها حولًا. انتهى.
قلت: فيؤخذ من هذا ما يرجح أن تأخير التعريف للعذر لا يؤثر.
والله أعلم.
(ومن) وجد لقطة و(عرفها حولًا فلم تعرف) فيه. وهي (^٢) مما يجوز التقاطه: (دخلت فى ملكه)، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا.
وعنه: إنما يملكها إذا كان فقيرًا من غير ذوي القربى. نقلها حنبل وأنكرها الخلال وبمثلها قال ابو حنيفة؛ لما روى عياض بن حمار المجاشعي أن النبي ﷺ قال: " من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب. فإن وجد صاحبها فليرددها عليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء " (^٣) رواه النسائي.
وما يضاف إلى الله أنما يتملكه من يستحق الصدقة.
وقال مالك والثوري والحسن بن صالح: يتصدق بها فإذا جاء صاحبها خيرهم بين الأجر والغرم؛ لما روى ابو هريرة عن النبي ﷺ: " أنه سُِئل عن اللقطة؛ فقال: عرفها حولًا- وروي ثلاثة أحوال-. فإن جاء ربها وإلا تصدق بها. فإذا جاء ربها فرضي بالأجر وإلا غرمها ".
_________________
(١) في أ: وفي. وهو تصحيف.
(٢) في أ: وهو
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٠٩) ٢: ١٣٦ كتاب اللقطة، باب في الشح.
[ ٧ / ٨٥ ]
قال في " المغني ": ولنا: قول النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد: " فإن
لم تعرف فاستنفقها " (^١) .
وفي لفظ: " وإلا فهي كسبيل مالك " (^٢) .
وفي لفظ: " ثم كلها " (^٣) .
وفي لفظ: " فإنتفع بها ".
وفي لفظ: " فشأنك بها " (^٤) .
وفي حديث أبي بن كعب: " فاستنفقها " (^٥)
وفي لفظ: " فاستمتع بها " (^٦) . وهو حديث صحيح.
ولأن من ملك بالقرض ملك اللقطة؛ كالفقير. ومن جاز له الالتقاط ملك به
بعد التعريف؛ كالفقير.
وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت، ولم ينقل في كتاب يوثق به.
ودعواهم في حديث عياض: أن ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة لا برهان لها ولا دليل عليها. وبطلانها ظاهر. فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقا وملكا. قال الله تعالى: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: ٣٣]. (حكما) كا لمير اث.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٢٢) (٣) ٣: ١٣٤٩ كتاب اللقطة
(٢) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٦ ٠ ٥ ٢) ٢: ٨٣٧ كتاب اللقطة، باب اللقطة.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٢٢) ٣: ١٣٤٦ كتاب اللقطة.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٣ ٢٢) ٢: ٨٣٦ كتاب المساقاه، باب شرب الناس والدواب من الأنها ر.
(٥) أخرجه مسلم في "صحيحه " (١٧٢٢) (٥) ٣: ١٣٤٩ كتاب اللقطة، من حديث زيد ين خالد الجهني
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٢٣) (٩) ٣: ٠ ١٣٥ كتاب اللقطة.
[ ٧ / ٨٦ ]
قال أحمد في رواية الجماعة: إذا جاء صاحبها وإلا كان كسائر أمواله.
واختار أبو الخطاب: أنها لا تدخل في ملكه حتى يختار؛ لأن هذا
تملك بعوض. فلم يحصل إلا باختيار المتملك؛ كالقرض. وهو رواية في
" الو اضح ".
ووجه الأول: قول النبي ﷺ: " وإلا فهي كسبيل مالك " (^١) .
وقو له: " فاستنفقها " (^٢) .
ولو وقف ملكها على تملكها لبينه له؛ لأنه لا يجوز له التصرف قبله.
ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك. فإذا نما وجب أن يثبت الملك
حكمًا؛ كالإحياء والاصطياد.
ولأنه سبب يملك به. فلم يقف الملك بعده على قوله ولا اختياره؛ كسائر الأسباب. وذلك لأن المكلف ليس إليه إلا مباشرة الأسباب. فإذا أتى بها ثبت الحكم قهرًا
أو جبرًا من الله تعالى غير موقوف على اختيار المكلف.
وأما الاقتراض فهو السبب في نفسه. فلم يثبت الملك بدونه.
وعلى المقدم في " التنقيح " تملك اللقطة (ولو) كانت (عرضًا) فإنه قال:
وتملك عروض كأثمان.
وعنه: لا. اختاره الأكثر. انتهى.
وعبارته في " الإنصاف ": تنبيه: قدم المصنف أن غير الأثمان كالأثمان.
وهو إحدى الروايتين. وهو ظاهر كلام الخرقي.
قال في " عيون المسائل ": هذا الصحيح من المذهب. وصححه الناظم،
واختاره ابن أبي موسى والمصنف وغيرهما.
قال في " الفائق ": وهو المختار.
_________________
(١) سبق قريبا
(٢) سبق قريبا
[ ٧ / ٨٧ ]
وقال (^١) ابن رزين: الأظهر.
وقدمه في " الكافي " و" المحرر " و" الشرح " و" الفروع " وغيرهم، وجزم به في " العمدة " و" الوجيز " و" المنور "، ثم ذكر الرواية المحكية في " المقنع " بلفظه فقال: وعن أحمد: لا يملك إلا الأثمان. وهي ظاهر المذهب، وكذا قال في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الفائق " وغير هم.
قال في " الرعاية الكبرى ": هذا أشهر.
قال في " الخلاصة " و" الرعاية الصغرى ": وتملك الأثمان، ولا تملك العروض على الأصح. أنتهيا.
واختاره أبو بكر والقاضي وابن عقيل وغيرهم.
قال (^٢) المصنف والشارح والحارثي وصاحب " الفروع ": اختاره أكثر
الأصحاب.
قال القاضي: نص عليه في رواية الجماعة. وقدمه في " الرعاية "
و" الحاوي الصغير " و" الفائق " وغيرهم، وجزم به ناظم " المفردات " فقال: ملتقط الأثمان مذ عرفها حولًا فقهرًا ذا الغنا يملكها
قال الزركشي: وعنه: وهي المشهورة في النقل والمذهب عند عامة الأصحاب: أن الشاة ونحوها تملك دون العروض. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وعبارته في " الفروع ": وعنه: لا تملك نحو شاة. ونقل الجماعة: تملك الأثمان فقط. اختاره الأكثر. انتهى.
ووجه كون العروض كالأثمان: عموم الأحاديب التي في اللقطة جميعها.
_________________
(١) فى أوب: قال
(٢) فى أ: قال
[ ٧ / ٨٨ ]
فإن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: " عرفها سنة- ثم قال في آخره-: فإنتفع بها، أو فشأنك بها " (^١)
وفي حديث عياض بن حمار: " من وجد لقطة " (^٢) . وهو لفظ عام.
وروى الجوزجانى والأثرم في كتابيهما قال: أنبًانا أبو نعيم قال: حدثنا هشام بن سعد قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة؛ فقال: عرفه سنة فإذا جاء صاحبه وإلا فشأنك به " (^٣) .
ورويا " أن سفيان بن عبدالله وجد عيبه. فأتى بها عمر بن الخطاب فقال: عرفها سنة فإن عرفت وإلا فهي لك.- زاد الجوزجانى-: فلم تعرف فلقيه العام المقبل فذكرها له. فقال عمر: هي لك أن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك " (^٤) . ورواه النسائى أيضًا.
وهذا (^٥) نص في غير الأثمان.
وروى الجوزجانى بإسناده عن الحر بن الصباح قال: " كنت عند ابن محمر بمكة إذ جاءه رجل فقال: أنى وجدت هذا البرد وقد نشدته وعرَّفته فلم يعرفه أحد وهذا يوم التروية ويوم يتفرق الناس. فقال: أن شئت قومته قيمة عدل ولبسته وكنت له ضامنًا، متى (^٦) جاءك صاحبه دفعت إليه ثمنه، وإن لم يجئ له طالب فهو لك أن شئت ".
فإن قيل: أن النص خا ص في الأثمان.
قلنا: بل هو عام في كل لقطة. فيجب العمل بعمومه. وإن ورد فيها نص
_________________
(١) رص (٨٦)،
(٢) سبق تخريجه ص (٨٥) رقم (٣).
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٢٤٩٤) ٥: ٤٤ كتاب الزكاة، باب المعدن.
(٤) أخرجه الدارمي في " سننه " (٢٥٩٥) ٢: ١٨٢ كتاب البيوع، باب في اللقطة.
(٥) قي ي: في هذا.
(٦) فى ج: فمتى
[ ٧ / ٨٩ ]
خاص فقد روي خبر عام فيعمل بهما. ثم قد روي نص خاص في العروض. فيجب العمل به كما وجب العمل بالخاص من الأثمان. ثم لو اختص (^١) الخبر بالأثمان لوجب أن يقاس عليها ما كان في معناها كسائر النصوص التي عقل معناها ووجد في غيرها، وهاهنا قد وجد المعنى. فيجب قياسه على المنصوص عليه. أو نقول أن المعنى هاهنا آكد فيثبت الحكم فيه بطريق التنبيه. بيانه أن الأثمان لا تتلف بمضى الزمن عليها وإنتظار صاحبها بهذا أبدًا والعروض تتلف بذلك. ففي النداء عليها دائمًا هلاكها وضياع ماليتها على صاحبها وملتقطها وسائر الناس. وفي إباحة الأنتفاع بها وملكها بعد (^٢) التعريف حفظ لماليتها على صاحبها بدفع قيمتها إليه ونفع لغيره. فيجب ذلك؛ لـ " نهي النبي عن إضاعة المال " (^٣) .
ولما فيه من المصلحة والحفظ لمال المسلم عليه وعلى أخيه.
ولأن في إثبات الملك فيها حثًا على التقاطها وحفظها وتعريفها؛ لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للادمي. وفي نفي ملكها تضييع لها لما في التقاطها من الخطر والمشقة والكلفة من غير نفع يصل إليه فيؤدي إلى أن لا يلتقطها أحد لتعريفها فتضيع.
وعلى القول بأن العروض لا تملك بالتعريف اختلفوا فيما يصنع بها. فقال
ابو بكر وابن عقيل: يعرفها أبدا.
وقال القاضي: هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء صاحبها وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها.
_________________
(١) في أوب: اختصر.
(٢) في أ: بغير.
(٣) عن المغيرة عن النبي ك قال: " أن الله حرم عليكم عُقوق الأمهات، ومنعًا وهات ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإاضاعة المال ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٦٣٠) ٥: ٢٢٢٩ كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٥٩٣) ٣: ١٣٤١ كتاب الأقضية، باب النهى عن كثرة المسائل من غيرحاجة
[ ٧ / ٩٠ ]
وهل له بيعها بعد الحول ويتصدق بها؛ على روايتين.
(أو) كانت اللقطه (لقطة الحرم) فإنها (^١) تملك بالتعريف حكمًا كلقطة الحل.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.
قال الحارثي: عدم الفرق هو المشهور في المذهب واختيار أكثر الأصحاب، ونص عليه.
قال الزركشي: هو اختيار الجمهور. وقدمه في " المحرر " و" الشرح "
و" الفروع " وغيرهم، واختاره ابن أبي موسى والموفق والشارح وصاحب " النها ية " وغيرهم.
قال في " المغني ": وظاهر كلام أحمد والخرقي: أن لقطة الحل والحرم سواء. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب. وهو مذهب مالك وابي حنيفة.
وروي عن أحمد رواية أخرى: أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتملك وإنما يجوز لحفظها لصاحبها. فإن التقطها (^٢) عرفها أبدًا حتى يأتي صاحبها. وهو قول عبدالرحمن بن مهدي وأبي عبيد. وعن الشافعي كالمذهبين.
والحجة لهذا القول قول النبى ﷺ فى مكة: " لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (^٣) متفق عليه.
قال أبو عبيد: المنشد المعرف، والناشد الطالب. وينشد إصاخة الناشد
_________________
(١) فى أوب: فإنها.
(٢) في أ: التقاطها
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢ ٢٣٠) ٢: ٨٥٧ كتاب في اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٥٥) ٢: ٩٨٨ كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها
[ ٧ / ٩١ ]
للمنشد فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها، لأنها خصت بهذا من بين سائر البلاد (^١) .
وروى يعقوب بن شيبة في " مسنده " عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي " أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج " (^٢) .
قال ابن وهب: يعني: يتركها حتى يجدها صاحبها.
ورواه أبو داود أيضًا.
ووجه الرواية الأول: عموم الأحاديث، وأنه أحد الحرمين. فأشبه حرم المدينة.
ولأنها أمانة. فلم يختلف حكمها بالحل والحرم؛ كالوديعة.
وقول النبي ﷺ: " إلا لمنشد " (^٣): يحتمل أن يريد إلا لمن عرفها عامأ. وتخصيصها بذلك لتًا كدها لا لتخصيصها، كقوله ﵇ (^٤): " ضالة المسلم حرق النار " (^٥) . وضالة الذمي مقيسة عليها.
وعنه: لا تملك لقطة بحال.
وقول المتن: ولو عرضًا أو لقطة الحرم: تصريح بما شمله العموم ليعلم أنهما مقصودان بالتعميم وليتكلم على الخلاف فيهما.
وقوله: (أو لم يختر) هو مفهوم قوله: دخلت في ملكه حكمًا. يعني:
من غير اختيار من الملتقط. وتقدم الكلام على الخلاف في ذلك.
وكذا قوله: (أو اخَّره لعذر) فإنه مفهوم قوله: وإن أخر التعريف الحول أو بعضه لغير عذر أثم ولم يملكها به بعد. وتقدم الكلام عليه.
_________________
(١) فى أوب: من سائر البلاد.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧١٩) ٢: ١٣٩ كتاب اللقطة، باب في الشح.
(٣) سبق تخريجه قريبا.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه ابن ماجه في " سننه (٢ ٠ ٥ ٢) ٢: ٨٣٦ كتاب اللقطة، باب ضالة الإبل والبقر والغنم.
[ ٧ / ٩٢ ]
(أو ضاعت) يعني: لو ضاعت اللقطة من واجدها من غير تفريط فالتقطها
ثان (فعرفها الثانى مع علمه بالأول) أى: بأنها ضاعت من ملتقط أول، (ولم يعلمه) أى: ولم يعلم الثانى الأول بها، (أو أعلمه) وعرفها الثانى (وقصد بتعريفها) تملكها (لنفسه): فأنها تدخل في ملك الملتقط الأول حكما بإنقضاء الحول الذي عرفها فيه؛ لأن حق التمول للأول. أشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرفها.
وقيل: يملكها الثانى؛ كما لو أذن له الأول في أن يعرفها لنفسه.
وتقدم الكلام على ذلك عند قوله: ويلزمه حفظ الجميع بأتم من هذا (^١) .
والله ﷾ أعلم (^٢) .
_________________
(١) ص (٧٨)
(٢) فى ب: والله أعلم
[ ٧ / ٩٣ ]
[فصل: فيما يشترط لإباحة التصرف في اللقطة]
(فصل. ويحرم تصرفه) أى: الملتقط (فيها) أى: في اللقطة بعد. التعريف (حتى يَعْرف وعاءها. وهو كيسُها، ونحوه)، كالخرقة التي تكون مشدودة فيها. والقدر أو الزق الذي يكون فيه المائع. واللفافة التي تكون فيها الثياب.
(و) حتى يَعرف (وكاءَها) أى: اللقطة (وهو: ما شُّد به) الكيس أو الزق ونحوهما هل هو سير أو خيط، وهل هو من إبريسم أو كتان
(و) حتى يعرف (عِفاصها) بكسر العين المهملة (وهو: صفة الشد).
قال في " الإنصاف ": والعفاص، قال في " المستوعب ": هو الشد والعقد.
وقيل: هو صمام القارورة. وذكر ابن عقيل في " التذكرة ": أو الصرة.
وهو ظرفها.
قال الزركشي: هو الوعاء التي تكون فيه من خرقة أو غيرها.
قال الحارثي: العفاص مقول على الوعاء. وورد: " احفظ عفاصها ووعاءها ". والعفاص في هذه الرواية: صمام القارورة أى: الجلد المجعول على راسها. يقالى عليه أيضًا. انتهى.
وفي " المبدع ": حتى يعرف وعاءها. وهو: العفاص التي تكون فيه من خرقة أو غيرها.-
وقيل: هو صفة شده وعقده. انتهى.
فحيب جمع بين الوعاء والعفا صفي الحديث تعين أن يكون غيره.
[ ٧ / ٩٤ ]
قال في " القاموس ": والقارورة عفَصها: شَّد عليها العفا ص
كًاعفصها. ثم قال: وككتاب: الوعاء فيه النفقة، جلدًا أو خرقة، وغلاف القارورة، والجلد يغطى به رأسها. انتهى.
وقال في فصل الصاد المهملة من باب الميم: وصِمَام القارورة وصمامتها وصمتها، بكسرهن: سدادها. وضمها: سدها. وأصمها: جعل لها صمامًا. انتهى.
إذا تقرر هذا فحيث ذكر العفا صفي رواية دون الوعائين تعين أن يكون معناه الوعاء، وإن (^١) ذكر مع الوعاء فالأول حمله على صفة الشد، لقول القاضي وابن عقيل وغيرهما،
ويتعرف المربط هل هو عقدة (^٢) أو عقدتان وأُنْشوطة أو غيرها، للاتفاق
على الأمر بمعرفة صفاتها. وهذا منها.
والأنشوطة قال في " القاموس ": كانبوبة: عقدة يسهل أنحلالها كعقد (^٣) التّكّة. انتهى.
(و) حتى يعرف (قدرها) بالعد أو الوزن أو الكيل بمعيارها الشرعي، (وجنسها، وصفتها) التي تتميز بها من الجنس وهي نوعها ولونها.
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ فى حديث زيد بن خالد: " اعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها " (^٤) . رواه الترمذي.
وفي بعض حديثه: " فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها
فًاعطها إياه وإلا فهي لك " (^٥) . رواه مسلم.
_________________
(١) في ب: اذا.
(٢) في ب: عقد ..
(٣) في ج: كعقده
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (١٣٧٢) ٣: ٥ ٦٥ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧٢٣) ٣: ٠ ١٣٥ كتاب اللقطه.
[ ٧ / ٩٥ ]
وفي لفظ عن أبي بن كعب أو قال: " وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ فقال: عرّفْها حولًا. فعرفتها حولًا. فلم تعرف. فرجعت إليه (^١) فقال: اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها واخلطها بمالك. فإن جاء ربها فًا دها إليه " (^٢) .
لأن (^٣) دفعها إلى ربها يجب بوصفها، وإذا تصرف فيها قبل معرفه صفاتها لم
يبق سبيل إلى معرفة وصفها بأنعدامها بالتصرف.
ولأنه حيث وجب دفعها إلى ربها بوصفها. فلا بد من معرفته؛ لأن ما لا يتم
الواجب إلا به واجب.
(وسُن) للملتقط أن يكون (ذلك عند وجدانها)؛ لأن في بعض
ألفاظ حديث أبي بن كعب: " اعرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم عرفها سنة" (^٤) .
ولأنها ربما تضيع منه في حول التعريف فيصفها لواجدها أو ربما يحصل منه
تفريط في حول التعريف. فيعرف القدر الواجب عليه بذلك.
ولأن فى ذلك تحصيلا للعلم بذلك.
(و) سن أيضا ً عند وجدانها (إشهاد عدلين عليها).
قال أحمد رحمه الله تعالى: لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها. وهذا
النص ظاهر في الاستحباب، وأو أن لم يشهد عليها لا ضمان عليه.
وعنه: يلزمه الإشهاد. اخماره أبو بكر وابن أبي موسى.
فعلى هذا أن لم يشهد ضمنها.
_________________
(١) في أ: عليه
(٢) أخرجه الترمذى قي " جامعه " (١٣٧٤) ٣: ٦٥٨ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٤١٦) ٥: ١٢٦.
(٣) فى أوب: لأنه
(٤) سبق تخريجه قريبا.
[ ٧ / ٩٦ ]
والدليل على وجوبه قول رسول الله ﷺ: " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل " (^١) .
ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه. وبهذا قال ابو حنيفة.
قال في " المغني ": ولنا خبر زيد بن خالد وأبي بن كعب. فإنه أمرههما بالتعريف دون الإشهاد (^٢) .
ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلو كان واجبًا لبينه النبي ﷺ.
سيَّما وقد سئل عن حكم اللقطة. فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها. فتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب.
ولأنه أخذ أمانة. فلم يفتقر إلى الإشهاد؛ كالوديعه.
والمعنى الذي ذكروه غير صحيح فإنهإ ذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه.
وفائدة الإشهاد: صيانة نفسه من الطمع فيها وكتمها، وحفظها من ورثته أن مات، ومن غرمائه أن أفلس.
و(لا) يستحب الإشهاد (على صفتها)؛ لئلا ينتشر ذلك فيدعيها من
لا يستحقها. ويذكر صفتها كما قلنا فى التعريف، ولكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع.
قال أحمد في رواية صالح وقد سأله: إذا أشهد عليها. هل يبين كم هي؟ قال: لا. ولكن يقول: قد اصبت لقطة.
قال في " المغني ": ويستحب أن يكتب صفاتها؛ ليكون أثبت لها، مخافة
أن ينساها أن اقتصر على حفظها بقلبه. فإن الإنسان عرضة النسيان. انتهى. (وكذا لقيط) يعني: أو يسن لمن وجد لقيطًا أن يشهد على وجدانه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٧٠٩) ٢: ١٣٦ كتاب اللقطة، باب في الشح. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٥، ٥ ٢) ٢: ٨٣٦ كتاب اللقطه، باب اللقطة
(٢) سبق تخريج حديث زيد بن خالد ص (٦٠) رقم (٢)، كما صا سبق تخريج حديث أبى بن كعب ص (٩٦) رقم (٢).
[ ٧ / ٩٧ ]
قال في " الفروع ": وقيل يلزمه، لئلا يسترقه (^١) . فلو تركه فلا ولاية. ذكره في " الترغيب ". انتهى.
(ومتى وصفها) أى: اللقطة (طالبُها) أى: مدع ضياعها بصفاتها التي أمر الملتقط بأن يتعرفها: (لزم دفعها) له (بنمائها.
ومع رِقِّ ملتقط، وإنكار سيده فلا بُّد من بينة). وإنما احتيج إلى بينة على التقاط الرقيق، لأن إقرار العبد لا يصح فيما يتعلق برقبته. ذكره في " الإنصاف "
وقا ل: صححه في " المستوعب " وقدمه في " الفر وع " وغيره.
وقيل: لا يلزمه. انتهى.
ولا يشترط في لزوم الدفيع بينة تشهد بالملك للواصف، ولا أنها (^٢) ضاعت منه، ولا يمينه على شيء من ذلك، ولا أن يغلب على ظن الملتقط صدق طالبها.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه. انتهى.
وقيل: لا يدفعها إليه إذا وصفها إلا مع ظن صدقه. قدمه في " الرعاية الكبرى ".
وقال في " المبهج " و" التبصرة ": جاز الدفع. ونقل ابن هانئ ويوسف بن موسى: لا بًاس به.
وبالأول قال مالك وأبو عبيد ودا ود وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجبر على ذلك إلا ببينة. ويجوز له دفعها إليه
إذا غلب على ظنه صدقه.
_________________
(١) في أ: يسرقه.
(٢) في أ: ولأنها
[ ٧ / ٩٨ ]
وقال أصحاب الرأى: إن شاء دفعها إليه وأخذ كفيلًا بذلك؛ لأن النبي ﷺ
قال: " البينة على المدعي " (^١) .
ولأن صفة المدعي لا يستحق بها؛ كالمغصوب.
قال في " المغني ": ولنا قول النبى ﷺ: " فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه " (^٢) .
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ. وبه أقول.
ورواه ابن القصار: " فإن جاء باغيها ووصف عفاصها وعددها فادفعها
إليه ".
وفي حديث زيد الذي ذكرناه: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن
لم تعرف فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه " (^٣) .
يعني: إذا ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث، ولم. يذكر البينة في شيء من الحديث. ولو كانت شرطًا للدفع لم يجز الإخلال به ولا الأمر بالدفع بدونه.
ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر؛ لأنها إنما تسقط حال الغفلة والسهو.
فتوقف دفعها عليها منع لوصولها إلى صاحبها ابدا.
وهذا يفوت مقصود الالتقاط، ويفضي إلى تضييع أموال الناس. وما هذا
سبيله يسقط اعتبار البينة فيه، كالأنفاق على اليتيم.
والجمع بين هذا القول وبين تفضيل الالتقاظ على تركه متناقض جدًا؛ لأن الالتقاط حينئذ يكون تضييعًا لمال المسلم يقينًا، وإتعابًا لنفسه بالتعريف الذي
_________________
(١) أخرجه الجاري في " صحيحه " (٤٢٧٧) ٤: ١٦٥٦ كتاب التفسير، باب: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا) وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١ ١٧١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأ قضية، باب اليمين على المدعى عليه.
(٢) سبق تخريجه ص (٩٦) رقم (٢). عن أبي بن كعب ﵁.
(٣) سبق تخريجه ص (٦٠) رقم (٢).
[ ٧ / ٩٩ ]
لا يفيد، والمخاطرة بدينه بترك الواجب من تعريفها. وما هذا سبيله يجب أن يكون حرامًا فكيف يكون فاضلًا.
وعلى هذا نقول: لو لم يجب دفعها بالصفة لم يجز التقاطها لما ذكرناه.
وقول النبي ﷺ: " البينة على المدعي " (^١): يعني: إذا كان ثم منكر " لقوله في سياقه: " واليمين على من أنكر "، ولا منكر هاهنا. على أن البينة تختلف، وقد جعل النبي ﷺ بينة مدعي اللقطة وصفها. فإذا وصفها فقد أقام بينة.
وقياس اللقطه على المغصوب غير صحيح فإن النزاع ثم في كونه مغصوبا والأصل عدمه، وقول المنكر يعارض دعواه فاحتيج إلى البينة. وهاهنا قد ثبت كون هذا المال لقطة وإن له صاحبًا غير من هو في يده ولا مدعي له إلا الواصف، وقد ترجح صدقه فينبغي أن يدفع إليه. انتهى.
قال في " الفروع ": ومثله وصفه مغصوبًا ومسروقًا. ذكره في " عيون المسائل " والقاضي وأصحابه على قياس قوله: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في دفن الدار في وصفه فهو له.
وقيل: لا، كوديعة وعارية ورهن وغيره، لأن اليد دليل الملك ولا تتعذر البينة. انتهى.
وظاهر ما تقدم أو لو جاء مدع للقطة (^٢) ولم يصفها ولا أقام بينة أنها له: لم
يجز دفعها إليه (^٣) . سواء غلب على ظنه صدقه أو لا، لأنها أمانة. فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أو صاحبها، كالوديعة. فلو دفعها فجاء آخر فوصفها أو اقام بها يينة: لزم الدافع غرامتها له، لأنه فوتها على مالكها بتفريطه. وله الرجوع على مدعيها، لأنه أخذ مال غيره. فإذا ضمنها لأخذها: لم يرجع على
_________________
(١) سبق قريبًا
(٢) في ج: اللقطة
(٣) ساقط من أ
[ ٧ / ١٠٠ ]
أحد. وإن لم يًات لها طالب فللملتقطمطالبة آخذها بها، لأنه لا يؤمن مجيء صاحبها فيغرمه إياهًا.
ولأنها أمانة في يده. فملك أخذها ممن أخذها بغير حق " كالوديعة.
وحيث وجب الدفع فإنه يكون بنمائها المتصل " لأنه ملك مالكها ولا يمكن أنفصالها عنه.
ولأنه يتبع في العقود والفسوخ. وكذا المنفصل قبل تمام حول التعريف "
لأنه نماء ملكه.
(والمنفصل بعد حول تعريفها لواجدها)، لأنه ملك اللقطة بأنفصال الحول. فنمأوها إذًا نماء ملكه.
وقيل: لربها كالنماء المتصل، وكمن استرجع ماله ممن أفلس وقد زاد زيادة منفصلة. والفرق بينهما: أن الملتقط يضمن النقص بعد الحول فتكون له الزيادة " ليكون الخراج بالضمان. والمفلس لا ضمان عليه في النقص لغيره فأمكن أن لا يكون الخراج له. والله أعلم.
ثم أعلم أن أكثر الأصحاب حكى في المسًا لة الخلاف وجهين وهما روأىتات
في " الترغيب " و" التلخيص ".
(وإن تلفت) اللقطة (أو نقصت قبله) أى: قبل الحول بيد الملتقط،
(ولم يفرِّط: لم يضمنها)، لأنها أمانة بيده. فلم تضمن بغير تفريط " كالوديعة. (و) أن تلفت أو نقصت (بعده) أى: بعد الحول فإن الملتقط (يضمنها مطلقًا) أى: سواء فرَّط فيها أو لم يفرط، لأنها دخلت في ملكه. فكان تلفها من ماله.
قال فى " المغني ": وتملك اللقطة ملكًا مراعى يزول بمجئ صاحبها، ويضمن له بدلها أن تعذر ردها. والظاهر أنه يملكها بغير عوض يثبت في ذمته. وإنما يتجدد وجوب العوض بمجيء صاحبها كما يتجدد زوا ل الملك عنها بمجيئه، وكما يتجدد وجوب نصف الصداق للزوج أو بدله أن تعذر ثبوت الملك فيه بالطلاق. وهذا قول بعض اصحاب الشافعي.
[ ٧ / ١٠١ ]
وقال أكثرهم: لا يملكها إلا بعوضٍ يثبت في ذمته لصاحبها. وهذا قول
القاضي وأصحابه. بدليل أو يملك المطالبة به. فأشبه القرض.
ولنا: قول النبي ﷺ: " فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من
يشاء " (^١) . فجعلها من المباحات.
ولأنه لو مات لم يعزل من تركته بدلها، ولا يستحق أن يًاخذ من الزكاة بسبب
الغرم، ولا يلزمه أن يوصي به، ولا يمتنع وجوب الزكاة من ماله بسبب الدين،
ولا يثبت شيء من أحكام الدين في حقه. وإنتفاء أحكامه دليل (^٢) على أنتفائه.
وقال القاضي: يمنع ذلك وجوب الزكاة.
ولأنه لو ملكها بعوض لم يزل ملكه عنها بمجيء صاحبها، ولو وقف ملكه
لها على رضاه بالمعاوضة (^٣) واختياره كالقرض والأمر بخلاف ذلك. وإنما يستحق صاحبها المطالبه بعد مجيئه بشرط تلفها. فأنها لو كانت موجودة لأخذها
ولم يستحق لها بدلًا، وإن كانت تالفة تجدد له ملك المطالبة ببدلها، كما يتجدد
له الملك فيها لو كانت موجودة، وكما يتجدد له الملك في نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، وفي بدله أن كان معدومًا. وهذا أشبه بمسألتنا، وبه يبطل ما ذكروه.
وأما القرض فإنه لما ثبت بدله في الذمة لم يعد الملك له في المقرض إلا
برضى المقترض واختياره. انتهى.
وعنه: لا يضمنها الملتقط إذا تلفت. حكى ابن ابي موسى عن أحمد: أنه
لوح في موضع إذا أنفقها بعد الحول والتعريف: لم يضمنها؛ لحديث عياض بن حمار المرفوع (^٤): " فإن جاء ربها وإلا فهي (^٥) مال الله يؤتيه من يشاء " (^٦) .
_________________
(١) سبق تخريجه صى (٨٥) رقم (٣).
(٢) في ج.: حمل دليل.
(٣) ساقط من ب.
(٤) في ج: المعر وف
(٥) فى أوب: فهو.
(٦) سبق تخريجه ص (٨٥) رقم (٣).
[ ٧ / ١٠٢ ]
وقيل: ولا يردها إذا كانت باقية.
(وتعتير القيمة) في اللقطة إذا تلفت وقد زادت أو نقصت (يوم عرف ربُها)، لأنه قد وجب على الملتقط رد العين إليه يوم معرفته به. فإذا لم يمكنه ردها إليه وجبت عليه قيمتها يومئذ.
وقيل: يوم ملكها.
وقيل: يوم تصرفه فيها.
وقيل: يوم غرم بدلها.
وأما إذا كانت من ذوات الأمثال فإنه يلزمه مثلها.
قال بعض الأصحاب: لا أعلم في هذا خلافًا.
(وإن وصفها) أى: اللقطة (ثان قبل دفعها للأول: أقرع) بينهما، (ودُفعت إلى قارع بيمينه). نص عليه، وبه جزم القاضي وابن عقيل.
قالب الحارثي: والمذهب القرعة ودفعها إلى القارع مع يمينه. نص عليه.
قال في " المغني ": فإن وصفها اثنان أقرع بينهما. فمن وقعت له القرعة حلف أنها له وسلمت إليه. وهكذا أن أقاما بينتين أقرع بينهما. فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه. ذكره القاضي.
وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما، لأنهما تساوىا فيما يستحق به الدفع. فتساوىا فيها؛ كما لو كانت في أيديهما.
والذي قلناه أصح وأشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عينًا في يد غيرهما.
ولأنهما تداعيا عينًا في يد غيرهما وتساوىا في البينة أو فى عدمها: فتكون لمن وقعت له القرعة. كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان. فقال: هي لأحدكما لا أعرفه عينا.
وفارق ما إذا كانت في أيديهما، لأن يد كل وأحد على نصفها فرجح قوله فيه. (و) أن وصفها إنسان فدفعت إليه ثم جاء ثان (بعده) فادعاها ووصفها:
(لا شيء للثانى)؛ لأن الأول يستحقها لوصفه إياه وعدم المنازع فيها حين
[ ٧ / ١٠٣ ]
أخذها وثبتت يده عليها ولم يوجد ما يقتضي أنتزاعها منه. فوجب إبقاؤها له؛ كسائر ماله.
وقال أبو يعلى الصغير: إن زاد في الصفة احتمل تخريجه على بينة النتاج والنتاج. فإن رجحنا به رجحنا هنا.
(وإن) وصفها إنسان وأخذها ثم (اقام آخر بينة أنها له: أخذها من واصف)؛ لأن البينة أقوى من الوصف. فيرجح صاحبها بذلك.
ولأنه يحتمل أن يكون الواصف رآها عند من أقام البينة فحفظ أوصافها فجاء وادعاها وهو مبطل.
(فإن) كانت قد (تلفت) عند الواصف كان عليه ضمانها؛ لأن يده يد
عادية. فضمنها؛ كا لغصب.
و(لم يضمن ملتقط) لمن أقام البينة شيئا؛ لأنه دفعها إلى الواصف بإذن الشرع. فلم يضمنها؛ كما لو دفعها بًا مر الحاكم.
ولأن الدفع واجب عليه فكان بغير اختياره. فلم يضمن؛ كالمكره.
وقيل: لمن اقام البينة تضمين من شاء من الواصف والملتقط الدافع إليه،
إلا أن يكون قد دفعها بًا مر حاكم؛ لأن أخذها بأمر الحاكم على سبيل القهر يشبه ما لو غصبها منه غاصب.
وإن كان الملتقط أنما أعطى الواصف بدل اللقطة بمقتضى أنها قد كانت تلفت عنده: لم يكن لذي البينة طلب الواصف؛ لأن ما أخذه ليس من ماله وإنما هو من مال الملتقط. وتعين طلبه على الملتقط؛ لأن ماله أنما تلف تحت يده. وللملتقط الرجوع على الواصف بما أخذه؛ لتبين عدم استحقاقه له.
ومحل ذلك: ما لم يكن أقرللواصف بملكها فإنه حينئذ يكون مدعيا أن مقيم البينة ظلمه بتضمينه. فلا يملك الرجوع به على غير من ظلمه.
وإن التقطها اثنان فعرفاها حولًا فلم تعرف كانت بينهما بالسويه. وكذا لو كان الملتقط أكثر من اثنين.
[ ٧ / ١٠٤ ]
وإن رأياه معا فبادر أحدهما فًا خذها، أو رآها أحدهما وأعلم بها صاحبه فأخذها: فهي لأخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ لا بالرؤية؛ كالاصطياد. وإن قال أحدهما لصاحبه: هاتها فرفعها. نظرت في نيته فإن رفعها لنفسه
فهي له دون الأمر، وإن رفعها للأمر فهي له، كما لو وكله في الاصطياد له. ذكره في " المغني ".
قال ابن نصر الله في حاشيته على هذا المحل: فإن رفعها من غير نية احتمل وجهين: أقواهما أنها للاخذ. وجزم في " الكافي " بأنها للآخذ؛ لأنه لا يصح التوكيل فيه ولم يذكر النية ليكون كلامه في " الكافي " على ما إذا لم تكن له نية، وهنا على ما إذا كانت له نية. وإن قال: ارفعها لي (^١) فيتوجه أنها للامر، إلا أن ينوي نفسه. انتهى.
(ولو أدركها ربها بعد الحول مبيعة أو موهوبة) بعد الحول والتعريف وهي
بيد من أنتقلت إليه: (فليس له) أى: لربها (إلا البدل)، لأن تصرف الملتقط وقع صحيحًا؛ لكونها صارت في ملكه.
(ويُفسخ) العقد أن أدركها ربها (زمن خيار، وترد) له؛ ما لو أدركها (بعد عودها) إلى الملتقط (بفسخ أو غيره)، لأنه وجد عين ماله في يد ملتقطه. فكان له أخذه؛ كالزوج إذا طلق (^٢) قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
(أو) كما لو أدركها بعد (رهنها) فإن ربها ينتزعها من يد المرتهن؛ لقيام ملكه وإنتفاء إذنه. قاله الحارثي.
قال- في " الإنصاف ": قلت: يتوجه عدم الأنتزاع؛ لتعلق حق المرتهن به. (ومؤُنْة الرد) أى: رد اللقطة إلى مالكها أن احتاج إلى مؤنة (على ربها).
_________________
(١) في ج: إليَّ.
(٢) في أ: إلى طلقا. وهو تصحيف.
[ ٧ / ١٠٥ ]
ذكره في " التعليق " و" الأنتصار "؛ لتبرع الملتقط بحفظها. ومعناه في " منتهى الغاية " في عدم سقوط الزكاة بتلف المال قبل التمكن.
وفي " التغريب " و" الر عا ية ": عليه.
(ولو قال مالكها بعد تلفها) بيد الملتقط قبل زمن التعريف المشروع:
عليك ضمانها بتعديك لكونك إنما (أخذتها لتذهب بها) لا لأن تعرفها، (وقال الملتقط): إنما أخذتها (لأعرفها: فقوله) أى: الملتقط (بيمينه). ذكره المجد في
" شرحه ".
ووجهه: أنه منكر، وإن الأصل براءة ذمته.
(ووارث) للملتقط أو لرب اللقطة (فيما تقدم) من الأحكام (كمورثه).
ومن ذلك: أن الملتقط إذا مات واللقطة موجودة بعينها قام وارثه مقامه في
إتمام تعريفها إن مات قبل الحول. ودخولها في ملكه بعد إتمام التعريف. وإن مات بعد الحول ورثها الوارث؛ كسائر أموال الميت.
ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يًا خذها من الموروث. وإن كانت. معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثنها أن كانت من ذوات الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك. فيًا خذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك.
وإن ضاقت زاحم الغرماء. سواء تلفت بعد الحول بفعله أو بغير فعله؛ لأنها
قد دخلت في ملكه بمضي الحول.
وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريط فلا شيء لصاحبها؛ لأنها أمانة
تلفت بغير تفريط. فلم تضمن؛ كالوديعة.
فأما أن لم يعلم تلفها ولم توجد في التركة: فقال في " المغني ": أن ظاهر
كلام الخرقي: أن صاحبها غريم بها. سواء كان قبل الحول أو بعده؛ لأن الأصل بقاؤها. قال: ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء ويسقط حق صاحبها؛ لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها، ويحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريطه فلا تشتغل ذمته بالشك.
[ ٧ / ١٠٦ ]
ويحتمل أنه إن كان الموت قبل الحول فلا شيء عليه، لأنها كانت أمانة عنده
لم تعلم خيانته فيها. والأصل براءة ذمته منها.
وإن مات بعد الحول فهي في تركته؛ لأن الأصل بقاؤها إلى ما بعد الحول،
ودخولها في ملكه، ووجوب بدلها عليه.
فإن قيل: قد (^١) قلتم أن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط لها أوهبته لم يكن
له إلا بدلها فلم قلتم أنها إذا أنتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها؛
قلنا: لأن الوارث خليفة الموروث. وإنما (^٢) يثبت له الملك فيها على
الوجه الذي كان ثابتا لموروثه، وملك موروثه فيها كان مراعى مشروطا بعدم مجيء صاحبها فكذلك ملك وارثه. بخلاف ملك المشتري والمتهب فإنه اما يملكان ملكًا مستقرًا. انتهى.
قال ابن نصر الله: ولأن البيع والهبة اختياري، والإرث قهري.
(ومن استيقظ) من نوم وإغماء (فوجد في ثوبه) أو كيسه (مالا) دراهم أو
غيرها (لا يدري من صره) أو وضعه: (فهو له) ولا تعريف عليه؛ لأن قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
قال في " الإنصاف ": ولأحمد نص يوجب التعريف وينفي الملك.
(ولا يبرأ من أخذ من نائم شيئًا، إلا بتسليمه له) بعد أنتباهه.
قال في " الإنصاف ": وكذلك الساهي. انتهى.
يعني: أن من أخذ من إنسان ساه شيئًا في حال سهوه: لم يبرأ إلا برده عليه بعد زوال حالة السهو عنه.
ووجه ذلك: أن الأخذ في حالة من هاتين الحالتين موجب لضمان المأخوذ
على آخذه؛ لوجود التعدي؛ لأنه إما سارق أو غاصبٌ. فلأ يبرأ من عهدته إلا برده على مالكه لمحي حإلة يصح قبصه له فيها. والله أعلم ..؛ ""
_________________
(١) في أ: فلم.-
(٢) في ا: فإنما.
[ ٧ / ١٠٧ ]
(ومن وجد في حيوان نقدًا)، كما لو اشترى إنسان شاة فذبحها فوجد في بطنها دنانير ودراهم (أو دُرَّة) أو عنبرة: (فلقطة) يلزمه تعريفها. ويبدأ بالبائع " لاحتمال أن يكون ذلك من ماله. فإن لم يعرف كان (لواجده).
قال في " الفروع ": نص عليه.
ونقل ابن منصرر: ولبائع ادعاه. إلا أن يدعي مشترِ أو أكله عنده فله.
(وإن وجد) إنسان (دُرَّة غير مثقوبة في سمكة: فلصياد).
قال في " الفروع ": لأن الظاهر ابتلاعها من معدنها.
قال في " المغني ": لأن الدر يكون في البحر. بدليل قول الله تعالى (^١): (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) [فاطر: ١٢].
حتى ولو باعها الصياد. نص عليه، لأنه إذا لم يعلم ما في بطنها لم يبعه ولم يرض بزوال ملكه. فلم يدخل في البيع، كمن باع دارا له مال مدفون فيها.
وإن كانت الدرة فيها أثر لادمي، مثل: أن كانت مثقوبة ومتصلة بذهب أو فضة
أو غيرها: فلقطة لا يملكها الصياد، كما لو وجد في بطن السمكة دراهم أو دنانير.
ومن صاد غزالًا أو نحوه فوجده مخضوبًا أو في عنقه خرزًا وفي إذنه قرط أو نحوه ذلك مما يدل على ثبوت اليد عليه قبل ذلك: فهو لقطة.
وقال أحمد: فيمن ألقى شبكة في البحر فوقعت بها سمكة فجذبت السمكة فمرت بها في البحر فصادها رجل: فإن السمكة للذي حازها والشبكة يعرفها ويدفعها إلى صاحبها.
فجعل الشبكة لقطة، لأنها مملوكه لادمي. والسمكة لمن صادها " لأنها كانت مباحة ولم يملكها صاحب الشبكة، لكون شبكته لم تثبتها. فبقيت على الإباحة. ذكره في " المغني ".
ونقل عن أحمد: في رجل انتهى إلى شرك فيه حمار وحشي أو ظبية قد
_________________
(١) في أ: قوله تعالى.
[ ٧ / ١٠٨ ]
شارف الموت فخلصه وذبحه: هو لصاحب الأحبولة. وما كان من الصيد فى الأحبولة فهو لمن نصبها وإن كان بازيًا أو صقرًا أو عقابًا.
قال: وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم أو فهد ذهب من (^١) صاحبه فدعاه فلم يجبه ومر في الأرض حتى أتى لذلك أيام فأتى قرية فسقط على حائط فدعاه رجل فأجابه قال: يرده على صاحبه. قيل له: فإن دعاه فلم يجبه فنصب له شركًا فصاده به؛ قال: يرده على صاحبه.
قال في " المغني ": فجعل هذا لصاحبه؛ لأنه قد ملكه فلم يزل ملكه عنه بذهابه عنه. والسمكة في الشبكة لم يكن مالكها ولا حازها. ولذلك جعل ما وقع في الأحبولة من البازي والصقر والعقاب لصاحب الأحبولة ولم يجعله هاهنا لمن وقع في شركه؛ لأن هذا فيما علم أو قد كان مملوكًا لإنسان فذهب. وإنما يعلم هذا بالخبر، ويوجد ما يدل على الملك فيه؛ مثل: وجود السير في رجله. واثار التعليم؛ مثل: استجابته للذي يدعوه ونحو ذلك. ومتى لم يوجد ما يدل على أو مملوك فهو لمن اصطاده؛ لأن الأصل عدم الملك فيه وإباحته. انتهى. (ومن ادعى ما) أى: مالا (بيد لصٍ أو ناهب أو قاطع طريق) قد قدر عليه، (ووصفه) أى: وصف ما ادعاه بصفة تُميِّره: (فهو له) بمجرد الوصف. ولا يكلف بينة تشهد بملكه إياه؛ لأنه بيد من لم يدع ملكه.
قال ابن رجب في القاعدة الثامنه والتسعين: من ادعى شيئا ووصفه دفع إليه بالصفه إذا جهل ربه ولم تثبت عليه يدٌ من جهة مالكه، وإلا فلا. ويتخرج على ذلك مسائل. ثم قال: ومنها: الأموال المغصربة والمنهوبة والمسروقة؛ كالموجوده مع اللصر صوقطاع الطريق ونحوهم يكتفى فيها بالصفة. انتهى.
_________________
(١) فى أوب: عن ج
[ ٧ / ١٠٩ ]
[فصل: لا فرق بين ملتقط غني وفقير]
(فصل. ولا فرق بين ملتقط غني و) بين ملتقط (فقير، و) لا بين ملتقط
(. مسلم و) ملتقط (كافر، و) لا بين ملتقط (عدل و) ملتقط (فاسق يأمن نفسه عليها)؛ لأن الالتقاط نوع اكتساب. فكان الفاسق والكافر من أهله؛ كالاحتشاش والاحتطاب.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب. جزم به في " الوجيز " وغيره. وقدمه في " الهداية " و" المستوعب " و" الرعاية الصغرى " و" الحا وي الصغير " و" الفروع ".
قال ابن منجى في " شرحه ": هذا المذهب. انتهى.
وقيل: تدفع لقطة الكافر لعدل؛ لتعذرحفظها منه.
وقيل: يضم إليه عدل.
قال في " المغني ": وإن علم بها الحاكم أو السلطان أقرها في يده وضم إليه مشرفًا عدلًا يشرف عليه ويعرفها؛ لأننا لا نأمن من الكافر على تعريفها، ولا نًامنه أن يخل بالتعريف بشيء من الواجب عليه فيه. وأجر المشرف عليه فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط.
ويحتمل أن تنزع من يد الذمي وتوضع على يد عدل؛ لأنه غير مأمون عليها
انتهى. وقيل: يضم إلى الفاسق أمين في تعريفها وحفظها وقطع به جماعة.
قال في " المغني ": ويستحب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة؛ لأنه
[ ٧ / ١١٠ ]
يعرض نفسه للأمانة وليس هو من أهل ها. فإن التقط صح (^١) التقاطه، لأنها جهة من جهات الكسب وهو من أهل الكسب.
ولأنه إذا صح التقاط الكافر فالمسلم أولى. فإذا التقطها فعرفها حولًا ملكها، كالعدل (^٢) .
وإن علم الحاكم أو السلطان بها أقرها في يده وضم إليه مشرفًا يشرف عليه ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي، لأنه لا يأمنه (^٣) عليها، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه. وقال في الاخر: ينزعها من يده ويضعها في يد عدل.
ولنا: أن من خلى بينه وبين الوديعة لم تزل يده عن اللقطة كالعدل. والحفظ يحصل بضم المشرف إليه، وإن لم يمكن المشرف حفظها منه انتزعت من يده وتركت في يد عدل. فإذا عرفها وتمت السنة ملكها ملتقطها، لأن سبب الملك وجد منه. انتهى.
وتقدمت رواية: أن لا يملكها بعد حول التعريف ملتقطها، إلا إذا كان فقيرًا
من ذوي القربى.
(وإن وجدها) أى: اللقطة (صغير أو سفيه أو مجنون): صح التقاطه،
لأنه نوع تكسب. فصح منه، كالاصطياد والاحتطاب. و(قام وليه) أى: ولي واجدها من هؤلاء (بتعريفها)، لأنه قد ثبت لواجدها حق التمول فيها فكاد على وليه القيام بها.
(فإن تلفت بيد احدهم) أى: بيد الواجد لها منهم (و) كان قد (فرط)
في (^٤) حفظها: (ضمن) ما تلف منها بتفريطه في ماله.
_________________
(١) في أ: اللقط يصح.
(٢) في أ: لها كالعدول.
(٣) فى أوب: نأمنه.
(٤) ساقط من أ.
[ ٧ / ١١١ ]
قال في " الفروع ": نص عليه في صبي.
(كإتلا فه) وكعبد.
وفي " المنتخب " وغيره: لا يضمن.
(وإن كان) تلفها (بتفريط الولي) أى: ولي الواجد لها بأن علم بها ولم
يًا خذها منه؛ لكونه ليس أهلًا للحفظ حتى تلفت: (فعليه) أى: على الولي ضمانها؛ لأنه هو المُضيِّع لها؛ لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق موليه.
(فإن) لم تتلف وعرفها الولي و(لم تعرف: فلواجدها) أى: فتدخل في ملك واجدها؛ لأن سبب الملك تم بشرطه فيثبت الملك عقبه.
ولو كان الصغير مميزًا فعرفها بنفسه فقال في " الإنصاف ": قال الحارثي: فظاهر كلامه في " المغني " عدم الإجزاء. والأظهر الإجزاء؛ لأنه يعقل التعريف. فالمقصود حاصل. واقتصر على كلامهما في " القواعد الأصولية ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وإن لم يعرفها الصغير ولا الولي فقال في " المغني ": قال أحمد في رواية العباس بن موسى: في غلام له عشر سنين التقط لقطة ثم كبر: فإن وجد صاحبها دفعها إليه، وإلا تصدق بها قد مضى أجل التعريف فيما تقدم من السنين. ولم ير عليه استقبال أجل التعريف. قال: وقد كنت سمعته قبل هذا أو بعده يقول في أنقضاء أجل التعريف: إذا لم يجد صاحبها. أيتصدق بمال الغير؟.
وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما تقدم (^١) إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها فإنه لا يملكها، وإن عرفها فيما بعد ذلك؛ لأن التعريف بعده لا يفيد ظاهرًا لكون صاحبها يئس منها ويترك طلبها. وهذه المسألة تدل على أو إذا ترك التعريف لعذر كان كتركه لغير عذر؛ لكون الصبي من أهل العذر، وقد ذكرنا في هذا الوجهين فيما تقدم.
_________________
(١) ص (٨٣).
[ ٧ / ١١٢ ]
وقال أحمد: في غلامٍ لم يبلغ أصاب عشرة دنانير فذهب بها إلى منزله فضاعت. فلما بلغ أراد ردها فلم يعرف صاحبها: تصدق بها. فإن لم يجد عشرة وكان يحجف به، تصدق قليلًا قليلًا.
قال القاضي: معنى هذا أنها تلفت بتفريط الصبي. وهو أنه لم يعلم وليه حتى يقوم بتعريفها. انتهى.
(والرقيق) يصح التقاطه، لعموم الأحاديث.
ولأن الالتقاط سبب يملك به الصغير ويصح منه. فصح (^١) من الرقيق "
كا لاصطياد.
قال في " الفروع ": ولعبد أن يلتقط (^٢) ويعرف بلا إذن سيده في الأصح فيهما، لأنه فعل حسي كاحتطابه. فلم يمكن رده. انتهى.
وقيل: ليس له ذلك بدون إذن السيد. اختاره أبو بكر. وهو رواية ذكرها الزركشي وغيره، وجزم به في " البلغة ".
ومع (^٣) كونه يصح التقاطه وتعريفه بغير إذن سيده (لسيده أخذها) منه ليتولى تعريفها؛ لأنها من كسبه وللسيد انتزاع كسبه من يده
وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول عرفها السيد تمامه.
(و) لسيده أيضًا (تركها معه) أى. مع الرقيق الملتقط (إن كان عدلًا يتولى تعريفها) وكان (^٤) السيد مستعينًا به في حفظها كما يستعين به في حفظ سائر ماله. وإن كان العبد غير أمين كان السيد مفرطًا بإقرارها في يده فيضمنها إن تلفت، كما لو أخذها من يده ثم ردها إليه، لأن يد العبد كسيده وما يستحق بها فهو لسيده.
_________________
(١) في أ: فيصح.
(٢) في أ: يلقط.
(٣) في أ: ومن.
(٤) في أ: وإن كان.
[ ٧ / ١١٣ ]
وإن أعتق السيد عبده بعد التقاطه كان له انتزاع اللقطة من يده " لأنها من كسبه.
(وإن لم يأمن) الرقيق الملتقط (سيده) عليها أى: على اللقطة: (لزمه سترها عنه)، لأنه يلزمه حفظها، وذلك وسيلة إليه ويسلمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان.
فإن أعلم سيده بها فلم يأخذها منه وأخذها فعرفها وأدى الأمانة فيها فتلفت
في الحول الأول بغير تفريط: فلا ضمان فيها " لأنها لم تتلف بتفريط من أحدهما.
(ومتى تلفت) اللقطه (بإتلافه) أى: إتلاف الرقيق الملتقط، (أو تفريطه) بأن دفعها لسيده وهو لا يأمنه عليها أو غير ذلك فتلفت: (ففي رقبته) ضمانها. نص عليه؛ لأنه أتلف مال غيره. فكان ضمانه في رقبته؛ كغير اللقطة.
وعنه: أن وجد ذلك قبل الحول فالضمان في رقبته، وإن وجد بعد الحول
فهو في ذمته.
وقيل: إن تلفت بتفريطه بدفعها لسيده وهو لا يأمنه عليها تعلق الضمان برقبة العبد وذمة السيد جميعًا.
ونقل ابن منصور: جنايته في رقبته، وإذا خرق ثوب رجل هو دين عليه. (ومكاتب) في التقاطه (كحر)؛ لأن المكاتب يملك اكتسابه، وهذا منها. ومتى عاد قنًا بعجزه كانت كلقطة القن.
(و) أما (مُبَعَّض) يلتقط شيئًا (فبينه وبين سيده) على قدر ما فيه من الحرية والرق؛ كسائر اكتسابه.
(وكذا) في الحكم (كل نادر من كسب؛ كلهبة وهدية ووصية، ونحوها)؛ كنثار يقع في حجره.
[ ٧ / ١١٤ ]
(ولو أن بينهما) أى: بينه وبين سيده (مُهايأة) أى: موافقة على أن يكون كسبه لنفسه مده معلومة ولسيده مدة معلومة؛ لأن الكسب النادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلا يدخل في المهايأة.
وقيل: بلى.
فعلى هذا أن وجد اللقطة [في نوبته (^١) كانت له، وإن وجدها] (^٢) في نوبة سيده كانت لسيده.
وإن كان الرقيق الملتقط بين شركاء فاللقطة بينهم على قدر حصتهم منه.
والله ﷾ أعلم (^٣) .
***
_________________
(١) في أ: ثبوته. وهو تصحيف.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ب: والله أعلم
[ ٧ / ١١٥ ]
[باب: اللقيط]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام اللقيط. فعيل بمعنى (^١) المفعول؛
كقتيل وجري وطريح.
ثم (اللقيط) شرعًا: (طفل لا يعرف نسبه ولا) يعرف (رقه، نُبذ) بالبناء للمفعول. أى: طرح في شارع أو غيره، (أو) لم ينبذ بل (ضَلَّ) ما بين ولادته (إلى سن التمييز).
قال في " الإنصاف ": فقط على الصحيح من المذهب. انتهى.
(وعند الأكثر: إلى البلوغ).
قال في " التنقيح ": وقيل: والمميز إلى البلوغ، وعليه الأكثر. انتهى.
قال في " الفائق ": وهو المشهور.
قال الزركشي: هذا المذهب.
قال في " التلخيص ": والمختار عند أصحابنا: أن المميز يكون لقيطًا؛
لأنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معا من له أكثر من سبع سنين: أقرع. ولم يخير. بخلاف الأبوين. فلو نبذ أو ضل طفل معروف النسب أو معلوم الرق فرفعه من يعرفه أو غيره فهو لقيط لغة لا شرعا.
(والتقاطه) أى: اللقيط شرعا (فرض كفاية)؛ لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)] المائدة: ٢].
ولأن فيه إحياء نفسه. فكان واجبا؛ كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق. فلو تركه جميع من راه أثم الجميع.
_________________
(١) فى ا: معنى.
[ ٧ / ١١٦ ]
وقال الحلوإني: يستحب لمن رآه أن يأخذه ويربيه إن كان أمينًا، وإن كان سفيهًا فللحاكم رفع يده عنه وتسليمه إلى أمين ليربيه.
وله ثلاثه أركان:
* اللقيط. وقد عُرف.
* والالتقاط، وفي وجوب الإشهاد عليه ما في اللقطة (^١) .
وقيل: يجب قولًا واحدًا؛ لئلا يسترقه.
- والملتقط وهو: كل حر مكلف رشيد عدل ولو ظاهرًا. وسيأتي التنبيه على ذلك.
(ويُنفق عليه مما معه) إن كان معه شيء، لأن نفقته واجبه في ماله.
وما وجد معه فهو ماله، لأن الطفل يملك وله يد صحيحة. بدليل أنه يرث ويورث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع من ماله.
(وإلا فمن بيت المال)، لما روي عن سنين أبي جميلة قال: " وجدت ملقوطًا. فأتيت به عمر رضي الله تعالى عنه. فقال: عريفي يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال نعم. قال: فاذهب فهو حر ولك ولآؤه وعلينا نفقته " (^٢) . رواه سعيد عن سفيان عن الزهري سمع سنينًا أبا جميلة بهذا، وقال: " علينا رضاعه ". ذكره في " المغني ".
(فإن) لم يكن معه شيء و(تعذر) اخذ نفقته من بيت المال، لكونه لا مال فيه، إن لكون البلد ليس بها بيت المال أو نحو ذلك: (اقترض عليه) أى: على بيت المال (حاكم). قاله الحارثي، نقله عنه في " الإنصاف ". وظاهره ولو مع وجود متبرع يها؛ لأنه امكن الأنفاق عليه بدون منة تلحقه في المستقبل. اشبه الأخذ بها من بيت المال.
_________________
(١) رص (٩٦).
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٦: ٢٥٣ كتاب اللقطة، باب التقاط المنبوذ وإن لا يجوز تركه ضائعا.
[ ٧ / ١١٧ ]
(فإن تعذر) الاقتراض عليه: (فعلى من علم حاله) الأنفاق عليه؛ لقول
الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢].
ولأن في ترك الأنفاق عليه هلاكه. وحفظه عن ذلك و(٣)؛ كانقاذه من الغرق.
(ولا يرجع) إذًا منفق بما أنفقه؛ لوجوبه عليه. (فهى) أى: فالنفقة على
من علم به (فرض كفاية) إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وإن تركه الكل أثموا.
قال في " التنقيح ": وقيل: يرجع عليه بنية الرجوع. وقدمه في
" الفر وع " انتهى.
قال في " الإنصاف ": الأنفاق يجب مجانًا عند القاضي وجماعة. منهم صاحب " المستوعب " و" التلخيص "، واختاره صاحب " الموجز " و" التبصرة " وقالا: له أن ينفق عليه من الزكاة. وقدمه في " الرعاية ".
قال الحارثي: وهو أصح.
وقال: وكلام المصنف في " المغني " يقتضي ثبوت العوض للمنفق أن اقترن بالأنفاق قصد الرجوع. وقدمه في " الفروع "؛ لأنه جعل الأنفاق عليه بنية الرجوع، كمن ادى حقًا واجبا عن غيره على ما تقدم في باب الضمان.
وقال في القاعدة الخامسة والسبعين: نفقة اللقيط خرجها بعض الأصحاب على الروايتين فيمن أدى حقا واجبًا عن غيره، على ما تقدم في باب الضمان. ومنهم من قال: يرجع هنا قولًا واحدا، وإليه ميل صاحب " المغني "؛ لأن
له ولاية على اللقيط "-- ونص أحمد: أو يرجع بما أنفقه على بيت المال. انتهى.
وقال الناظم: أن نوى الرجوع واستأذن الحاكم: رجع لى الطفل بعد الرشد، وإلا رجع على بيت المال.
قال الحارثي: وناقض السامري وصاحب " التلخيص " فقالا: بعد تعذر
[ ٧ / ١١٨ ]
الاقتراض على بيت المال، وامتناع من وجب الأنفاق عليه مجانًا إن أنفق الملتقط رجع على اللقيط في إحدى الروايتين.
والأخرى: لا يرجع ما لم يكن الحاكم أذن له في الأنفاق. زاد في
" التلخيص ": والأصح أنه يرجع. انتهى.
قال الحارثي: والوجوب مجانًا واستحقاق العوض لا يجتمعان، وإنما ذلك- والله أعلم- ما إذا كان للقيط مالٌِ تعذر إنفاقه لمانع، أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وعبارته في " الفروع ": وإن أنفق ففي رجوعه بنيته الخلاف. ولا يلزمه. واختار في " الموجز " و" التبصرة ": لا يرجع، وفيهما: له أن ينفق عليه من الزكاة، وما حكي من أنه لا يرجع مع إذن الحاكم سهو. وإنما اعتبر في أنفاق المودع من (^١) الوديعة على ولد ربها الغائب إذن حاكم؛ لأنه يشترط (^٢) عنده إثبات حاجته؛ لعدم ماله وعدم نفقة متروكة برسمه. انتهى.
(ويحكم بإسلامه) أى: اللقيط (وحريته).
أما كونه يحكم بإسلامه بوجوده في دار الاسلام مع وجود مسلم أو مسلمه يمكن كونه من أحدهما، فلظاهر الدار وتغليب الاسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه.
وأما كونه يحكم بحريته؛ فلأنها الأصل في الادميين فإن الله تعالى خلق ادم وذريته أحرارًا، وإنما الرق لعارض. فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل. (إلا أن يوجد) اللقيط (في بلدأهل حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلم؛ كالتاجر وأسير: فكافر رقيق)؛ لأن الدار لهم. وإذا لم يكن فيها مسلم كان أهلها منهم، وإن كان فيها قليل من المسلمين غلب فيها حكم الأكثر من أجل كون الدار لهم.
_________________
(١) فى أوب: في.
(٢) في أ: لأنه لا يشترط. وهو تصحيف.
[ ٧ / ١١٩ ]
وقيل. يحكم بإسلامه في الصورتين.
أما في الأولى " فلأحتمال أن يكون بها مؤمن يكتم إيمانه واللقيط منه.
وأما في الثانية، فلتغليب الإسلام.
وقيل يحكم بإسلامه في الصورتين اعتبارًا بفقد أبويه.
وقال في " الرعاية ": وإن كان فيها مسلم ساكنٌ فاللقيط مسلم. وإلى ذلك أشار الحارثي فقال: مثل الأصحاب في المسلم هنا بالتاجر والأسير واعتبروا إقامته زمنًا حتى صرح في " التلخيص " أو لا يكفي مروره مسافرًا. انتهى. (وإن كثُر المسلمون) في دار الحرب (فـ) اللقيط فيها (مسلم). قاله في
" الفائق " و" الحاوي الصغير " وابن عبدوس في " تذكرته " وصاحب " الرعايتين " وغيرهم. ومثِّل مسًا لة الخلاف في " الرعاية " بالمسلم الواحد. (أو) إلا أن يوجد (في بلد إسلام كلأهله ذمة: فكافر)، لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال، وهذه لا مسلم فيها يحتمل كونه منه.
وقيل: بل يحكم بإسلامه، لأن الدار للمسلمين. واحتمال كونه من مسلم يكتم أىمانه.
(وإن كان بها) أى: ببلد الإسلام التي كلأهله ذمة (مسلم يمكن كونه) أى: اللقيط (منه) أى: من المسلم: (فـ) اللقيط بها (مسلم).
قال بعض الأصحاب: قولًا واحدًا، تغليبا للإسلام. ولظاهر الدار.
(وإن لم يبلغ من) أى: اللقيط الذي (قلنا بكفره تبعًا للدار) أى: لدار الكفر، (حتى صارت) دار الكفر (دار إسلام: فمسلم) أى: حكمنا بإسلامه تبعًا للدار، لأنها صارت دار إسلام.
(وما وجد معه) أى: مع اللقيط (من فراش تحته، أو) من (ثياب) فوقه، (أو مال في جيبه أو تحت فراشه، أو) وجد ذلك (مدفونًا تحته) دفنًا (طريًا) بأن كان الحفر متجددًا،) أو (وجد ذلك) مطروحًا) حال كون الطرح
[ ٧ / ١٢٠ ]
(قريبًا منه، أو) وجد معه (حيوان مشدود بثيابه)، أو وجد اللقيط مشدودًا على دابة أو في سرير أو صندوق: (فله).
قال في " الإنصاف ": وقال في " المغني " و" الكافي " و" الشرح " وابن رزين في " شرحه " وغيرهم: وكذا لو كان مجعولًا في دار أو خيمة تكون له. وظاهر كلام المجد وجماعة: خلافه. انتهى.
ووجه كون ما وجد معه له: أن الطفل يملك ملكًا صحيحًا، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة؛ كالبالغ. فيحكم بثبوت ملكه على ما معه لثبوت يده عليه.
وفي بعض صور ما تقدم خلاف. فمن ذلك: المال المدفون تحته، وقد
علم من المتن: أن المذهب: أنه إذا كان الدفن طريا كان له، وإلا فلا، اعتمادًا على القرينة.
قال في " الإنصاف " عن هذا التفصيل: وهو المذهب في " التصحيح "، وقطع به ابن عقيل وصاحب " الخلاصة " و" المحرر " و" الوجيز " و" المنور " و" تذكرة ابن عبدوس ".
قلت: وهو الصواب.
والوجه الثانى: لا يكون له. قدمه في " الهداية " و" المستوعب "
و" الكافي " و" التلخيص " و" النظم " و" شرح ابن رزين ". وهو المذهب على المصطلح في الخطبة.
وحكى في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفائق " وجهًا: أنه له
ولو لم يكن الدفن طريًا. وهو ظاهر كلام المصنف هنا- يعني: في " المقنع "- وهو بعيد جدًا، ولم يذكره في " المغني " و" الفروع " و" شرح الحارثي ". انتهى.
ومن ذلك المال المطروح قريبًا منه، وقد علمت من المتن: أن المذهب أنه
له؛ لأن الظاهر أنه تُرك له فهو بمنزلة ما هو تحته.
[ ٧ / ١٢١ ]
ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه وحكم بًانه في يده. والحمَّال إذا جلس للاستراحة ترك حمله قريبا منه.
قال في " الإنصاف " عن هذا القول: وهو الصحيح من المذهب صححه في
" المغني " و" الشرح " و" الفائق " و" التصحيح "، وجزم به في " الخلاصة " و" المحرر " و" الوجيز " و" المنور ".
وقيل: لا يكون له؛ لأنه منفصل عنه. أشبه المطروح بعيدًا منه.
قال في " الإنصاف ": وكذا قول ثالث في أصل المسًالتين بالفرق بين الملقى قريبا منه وبين المدفون تحته. فيكون الملقى القريب له دون المدفون تحته. قاله في " المجرد " وقطع به.
قال الحارثي: ويقتضيه إيراده في " المغني ".
قلت: قدم في " الكافي " و" النظم ": أنه لا يملك المدفون، وأطلق في الملقى القريب الوجهين. انتهى.
قال في " الفروع " بعد إطلاق الوجهين في المسألتين: وقيل: أن وجد رقعة فيها أنه له: فله. انتهى.
يعني: وإن لم توجد رقعة أو له فليس له على هذا القول. والله أعلم.
وكلما حكمنا بًا نه ليس له فحكمه حكم اللقطة. قاله في " المغني ".
(والأول ى بحضانته) أى: اللقيط (واجده: أن كان أمينًا عدلًا)؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه: " إنه رجل صالح " (^١) .
ولأنه سبق إليه فكان أولى به.
(ولو) لم يعلم باطن حاله كفى كونه عدلًا (ظاهرًا)؛ لأن هذا حكمه حكم
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١١٧) رقم (٢).
[ ٧ / ١٢٢ ]
العدل باطنًا وظاهرًا في لقطة المال، والولاية في النكاح، والشهادة فيه، وفي أكثر الأحكام.
ولأن الأصل في المسلمين العدالة.
ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: " المسلمون عدول بعضهم على بعض " (^١) .
ويشترط مع ذلك أن يكون (حرًا) تام الحرية؛ لأن كلا من القن والمدبر والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد منافعه مستحقة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه. وكذلك المكاتب فإنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن يًا ذن له سيده في ذلك. وكذلك المبعض فإنه لا يتمكن من استكمال الحضانة.
وعلم مما تقدم أنه يقر في يده مع إذن سيده؛ لأنه يصير كأن السيد التقطه واستعان برقيقه في (^٢) حضأنته.
قال ابن عقيل: أن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه.
ويشترط مع ذلك كونه (مكلفًا)؛ لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه فلا يلي
أمر غيره.
ويشترط في الملتقط أيضًا مع ما تقدم كونه (رشيدًا) فلا يقر بيد سفيه. جزم
به في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" التلخيص " وغيرهم؛ لأنه لا ولاية له على نفسه فإنه الى أن لا يكون وليًا على غيره.
قال في " الإنصاف ": وظاهر كلام المصنف هنا وصاحب " المحرر " وغيرهما: أنه يقر بيده؛ لأنهأهل للأمانه والتربيه.
قال- الحارثي: وهذا أصح. وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع ".
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ١٩٧ كتاب الشهادات، باب من جرب بشهادة زور لم تقبل شهادته.
(٢) ساقط من أ
[ ٧ / ١٢٣ ]
قلت: وهو الصواب. انتهى.
ويجوز لكل من قلنا لا يقر اللقيط بيده التقاطه؛ لأن عدم الإقرار بيده دواما
لا يمنع أخذه ابتداءً.
ولأن أخذ اللقيط قربة فلا يختص بوأحد دون آخر. إلا الرقيق فإنه لا يجوز له التقاطه إلا بإذن سيده. إلا أن لا يعلم به سواه. فيجب عليه التقاطه " لأنه تخليص له من الهلاك. أشبه تخليصه من الغرق.
(وله) أى: لواجده المتصف بالصفات المتقدمة (حفظ ماله) أى: مال اللقيط؛ لأنه وليه.
ووجه كونه وليه: أو الأول ى بحضانته لا من أجل قرابته منه. فكانت ولايته
له؛ كالحاكم.
إذا تقرر هذا فلا يحتاج في حفظ مال اللقيط إلى إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": قطع به في " المغني " وغيره.
وقال في " التلخيص ": يحتمل اعتبار إذن الحاكم فيه.
(و) له (الأنفاق عليه منه) أى. من مال اللقيط بغير إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب.
قال في " المغني ": ذكره ابو عبدالله بن حامد؛ لأنه ولي له. فلم يعتبر في الأنفاق عليه في حقه إذن الحاكم؛ كوصي اليتيم.
ولأن هذا من الأمر با لمعروف فاستوى به الإمام وغيره، كتبديد الخمر.
وروى أبو الحارث عن أحمد: في رجل أوح رجلًا مالًا وغاب وطالت غيبته
وله ولد ولا نفقة له: هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؛ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالأنفاق عليهم. فلم يجعل له الإنفاق من غير إذن الحاكم. فقال بعض اصحابنا هذا مثله. قال: والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين:
[ ٧ / ١٢٤ ]
أحدهما: أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله. فإن له ولاية أخذه وحفظه.
والثانى: أن ينفق على اللقيط من ماله. وهذا بخلافه.
ولأن الأنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط بكون الصبى محتاجًا إلى ذلك؛ لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه. وذلك لا يقبل فيه قول المودع. فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم. ولا كذلك في مسًالتنا. فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط.
ثم قال بعد أسطر: فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع
يجد حاكمًا؛ لأنه أبعد من التُهمة وأقطع للمظنة، وفيه خروح من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق. فإذا ثبت هذا فينبغي أن ينفق عليه بالمعروف (^١) كما ذكرنا في ولي اليتيم. فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفى وفي التفريط في الأنفاق فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم. انتهى كلامه في " المغني ".
(و) له أيضًا (قبول هبة ووصية له) أى: للقيط (بغير حكم حاكم).
قال الحارثي: مقتضى قوله في " المغني " أنه أى قبول ذلك للملتقط ومقتضى كلام صاحب " التلخيص ": أنه للحاكم. ذكره عنه في " الإنصاف "، ثم قال: قلت: كلام صاحب " المغنى " موافق لقواعد المذهب في ذلك. انتهى.
(ويصح التقاط قِنًَ لم يوجد غيره). وتقدم التنبيه على ذلك وتعليله في
" الشرح" قريبًا (^٢)
(و) يصح التقاط (ذمي لذمي) أى: لمن حكم بكفره-؛ لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.
_________________
(١) في أ: كالمعروف.
(٢) ص (١١٣).
[ ٧ / ١٢٥ ]
(ويُقر) اللقيط (بيد من) التقطه بالبادية إذا كان (مقيمًا في حِلّة) بكسر الحاء المهملة أى: في بيوت مجتمعة للاستيطان بها " لأن الحله كالقرية في كون أهلها لا يرحلون عنها لطلب الماء والكلأ.
(أو) لم يكن في حِلّه ولكنه (يريد نقله) أى: نقل اللقيط (إلى الحضر)،
لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى أرض الرفاهية والدَّعة والدَّين.
(لا) أن كان ملتقطه (بدويًا ينتقل في المواضع)؛ لأن في إقراره بيده إتعابًا للطفل بتنقله. فيؤخذ منه ويدفع إلى من في قرية، لأنه أرفه له وأخف عليه.
وقيل: يقر بيده " لأن الظاهر أنه ابن بدويًا (^١) وإقراره في يد (^٢) ملتقطه أرجى لكشف نسبه. وصوَّبه في " الإنصاف " بعد أن ذكر: أن الأول المذهب.
(أن من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية) فإنه لا يقر بيده.
قال في " المغني ": لوجهين:
أحدهما: أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له.
والثانى: أنه إذا وجده في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه. فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهورأهله واعترافهم به.
وفي " الإنصاف ": وقيل: يقر. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ". انتهى.
قلت: الوجهان مطلقان في " المغني " فيما إذا أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر، وأما إذا اراد نقله من الحضر إلى الباديه فإنه لم يذكر فيه خلافًا. وقوله في " الإنصاف " وقدمه في " الفروع " قبل قوله: وقيل يقر: يدل على أن في " الفروع " قولًا بإقراره بيده فيما إذا وجده في الحضر وأراد نقله إلى البادية.
_________________
(١) فى أوب: بدويين.
(٢) فى أوب: يدي.
[ ٧ / ١٢٦ ]
وليس كذلك فليراجع " الفروع " بتأمل من شاء. بل لم أقف على خلاف في المسألة في المذهب. والله أعلم.
(أو مع فسقه أو رقه أو كفره: واللقيط مسلم) يعني: لو كان واجده فاسقًا
أو رقيقًا أو كان كافرًا واللقيط مسلم فإنه لا يقر في يده لفقد شرط الأهلية.، وتقدم الكلام على ذلك.
(وإن التقطه في الحضر من يريد النقلة إلى بلد آخر) من الحضر، (أو) إلى (قرية، أو) من يريد النقلة (من حلة إلى حلة لم يقر بيده).
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب، قدمه في " الفروع "
و" شرح ابن رزين ". انتهى.
ووجه ذلك: أن إبقاءه (^١) في بلده أو قريته أو حِلته أرجى لكشف نسبه. فلم
يقر في يد المنتقل عنه. قياسًاعلى المنتقل به إلى البادية.
وقيل: يقر؛ لأن المنتقل إليه كالمنتقل عنه في الرفاهة. أشبه ما لو أنتقل
من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر.
قال في " الإنصاف ": والوجه الثانى: يقر. وهو ظاهر ما جزم به في
" الوجيز " وصححه الناظم وصاحب " التلخيص ". انتهى.
ومحل المنع: (ما لم يكن المحل الذي كان) أى: وجد (به وباء) أى: وخيمًا؛ (كغور بِيسَان) بالباء الموحدة المكسورة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم سين مهمله مفتوحة ونون: بلدة بًارض الشام، (ونحوه) أى: نحو غور بيسان من الأراضي الوبيئة؛ كالجحفة بًا رض الحجاز. فإن اللقيط يقر بيد المنتقل عنها إلى البلاد التي لا وباء فيها أو دونها في الوباء لتعين المصلحة في النقل.
قال في " التنقيح ": قاله الحارثي: وهو جيد. انتهى.
وفي "الترغيب " و" التلخيص ": متى وجده في فضاء خال فله نقله إلى حيث شاء.
_________________
(١) فى أوب: بقاءه
[ ٧ / ١٢٧ ]
(ويقدَّم موسر ومقيم من ملتقطين) للقيط معا (على ضدهما). فيقدم الموسر على المعسر، لأن ذلك أحظ للطفل. ويقدم المقيم على المسافر " لأن ذلك أرفق بالطفل.
قال في " المغنى ": وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل؛ لأن حظ الطفل منه أكثر من الجهة التى يحصل الحظ فيها باليسار، وربما تخلق بأخلاقه وتعلم من جوده. انتهى.
وقال في " التلخيص " و" الترغيب ": يقدم البدوي على ضده. انتهى.
وفيل: يقدم ظاهر العدالة على مستورها، لأن المانع في حق ظاهر العدالة منتفٍ بلاشك.
وأُجيب عنه بأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح.
(فإن استويا) بأن لم يتصف أحدهما بما يكون أولى به من الاخر فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه وتسليم اللقيط إلى صاحبه جاز، لأن الحق لا يعدوهما ولا يمنع أحدهما من الإيثار به.
وإن تشاحا (أقرع) بينهما، لقول الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [ال عمرآن: ٤٤].
ولأنه لا يمكن أن يكون عندهما (^١) في حالة واحدة.
وإن تهإياه بأن جُعل عند كل واحد يومًا أو أكثر: أضر بالطفل، لأنه تختلف
عليه الأغذية والأنس والألف.
ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بالتحكم، لتساوى حقهما. فتعين الأقراع بينهما " كالشريكين في تعيين السهام بالقسمة، وكما يقرع بين النساء في البداءة بالقسم.
_________________
(١) في أ: غيرهما.
[ ٧ / ١٢٨ ]
ولا ترجح المرأة في الالتقاط كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه؛ لأنها
إنما رجحت هناك لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها، والأب يحضنه بأجنبية. فكانت أمه أحظ له. وأما هاهنا فهي اجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا.
(وإن اختلفا في الملتقط منهما: قُدِّم) به منهما (من له بينة) دون الآخر؛ لثبوت حقه بالبينة.
(فإن عَدِماها) أى: عدم المختلفإن في التقاطه البينة وكان بيد أحدهما: (قُدم ذو اليد)؛ لأن اليد دليل استحقاق الإمساك (بيمينه). ذكره- أبو الخطاب ونصره في " المغني " و" الشرح ".
قال الحارثي: وهو الصحيح.
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح.
(فإذا كان) الملتقط (بيديهما) أى: مع عدمهما البينة: (أقرع) بينهما؛ لاستوائهما في السبب وعدم المرجح. (فمن قَرع) صاحبه: (سُلِّم إليه مع يمينه) على الصحيح. وعلى قول القاضي بلا يمين.
وإن كان لكل وأحد منهما بينة وأرختا قدم أسبقهما تاريخًا؛ لأن الثانى إنما
أخذ من قد ثبت الحق فيه لغيره. وإن اتحد تاريخهما أو اطلقتا معا أو ارخت احدهما واطلقت الأخرى فقد تعارضتا. ويصيران (^١) كما لو عدماها في الأصح. وقد علم الحكم فيه.
(وإن لم لكن لهما) أى: لمن عدمت بيناتهما (^٢) أو تعارضتا (يد) على الملتقط، (فوصفه أحدهما بعلامة مستورة في جسده) بأن يقول: بظهره أو ببطنه أو كتفه أو فخذه شامة أو أثر جرج أو نار أو نحو ذلك، فيكشف فيوجد كما ذكر: (قُدم) باللقيط على صاحبه الذي لم يصف. ذكره أبو الخطاب.
_________________
(١) فى أوب: فيصيران.
(٢) فى أوب: بينتاهما.
[ ٧ / ١٢٩ ]
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب، وجزم به في " الهداية "
و" المذهب "، و" الخلاصه "، و" الوجيز "، و" شرح الحارثي " و" المحرر " و" القواعد الفقهية " في القاعدة الثامنة والتسعين وغيرهم. وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى.
قال في " المغني ": وهو قول أبي حنيفة، لأن هذا فرع من اللقطة. فقدم بوصفها " كلقطة المال.
ولأن ذلك يدل على سبق يده عليه.
وقيل: لا يقدم واصفه. ذكره القاضي في " الخلاف " وصاحب " المبهج "
و" المنتخب " و" الو سيلة ".
قال في " الإنصاف ": وذكره في " الفنون " و" عيون المسائل " عن أصحابنا انتهى.
قال في " المغني ": وقال الشافعي: لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي
المدعى. انتهى.
(وإن وصفاه) أى: وصف اللقيطُ كلٌ من المختلفين فيه الذين عدمت بينتاهما أو تعارضتا: (أقرع) بينهما.
قال في " الإنصاف ": قاله في " التلخيص "، واقتصر عليه الحارثي. انتهى.
ولعل وجه ذلك: أن وصفهما له يدل على تقدم عهدهما به. فًا شبه ما لو تنازعاه وهو بأيديهما. والله أعلم.
(وإلا) أى: وإن لم يكن لوأحد منهما بينة ولا يد ولا وصفه: (سلمه الحاكم إلى من يرى منهما، أو من غيرهما).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
لأنه لا حق لهما فيه.
[ ٧ / ١٣٠ ]
وقيل: بل يُقرع بينهما " لأنهما تنازعا حقًا فى يد غيرهما. أشبه لو تنازعا وديعةً بيد غيرهما.
وعلى الأول فلا مهايًا ة ولا تخيير للصبي. قاله في " الفروع ".
وإن رأى اثنان جميعا اللقيط فسبق احدهما فًاخذه أو وضع يده عليه: فهو
أحق به " لقوله ﵇: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (^١) .
وإن رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الاخر فالسابق إلى أخذه أحق؛
لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤيه.
ولو قال أحدهما لصاحبه: ناولنيه فًا خذه الاخر: نظرلا إلى نيته، فإن نوى
أخذه لنفسه فهو أحق " كما لو لم يًا مره الاخر بمناولته إياه، وإن نوى مناولته فهو للامر؛ لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه. فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح. ذ كره في " المغني ".
(ومن أسقط حقه) من اللقيط من المختلفين فيه: (سقط). قاله في
" الفروع "؛ كسائر الحقوق.
ومن ادعى من المختلفين فيه: أن الآخر أخذه منه قهرًا وسًال يمينه، قال فى
" الفروع ": فيتوجه يمينه.
وفي " المنتخب ": لا؛ كطلاق. انتهى.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧) رقم (١).
[ ٧ / ١٣١ ]
[فصل: في ميراث اللقيط]
(فصل. وميراثه) أى: اللقيط (وديته إن قُتل لبيت المال).
ومحل ذلك: أن لم يكن له وارث كغير اللقيط، لأنه مسلم ولا وارث له
فكان ماله وديته لبيت المال. فإن كانت له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال.
وإن كانت لقيطة لها زوج فله النصف والباقي لبيت المال. وإن كافت له بنت أو
ذو رحم كبنت بنت، أو ابن بنت: أخذ جميع المال " لأن الرد وذا الرحم مقدم
على بيما المال.
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ما في المتن المذهب وإن عليه الأصمحاب: وذكر ابن أبي موسى في " الإرشاد ": أن بعض شيوخه حكى رواية
عن أحمد: أن الملتقط يرثه، واختاره الشيخ تقي الدين. ونصره، وصاحب
" الفائق ".
قال الحارثي: وهو الحق. انتهى.
وقال في " المغني " بعد أن ذكر أن الأول قول مالك والشافعي وأكثرأهل
العلم: وقال شريح وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه " لما روى واثلة بن الأسقع (^١) فال: قال رسول الله ﷺ: " المرأه تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه " (^٢) . أخرجه ابو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
_________________
(١) فى أ. أبي سقع. وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابو داود في " سننه " (٢٩٠٦) ٣: ١٢٥ كتاب الفرائض، باب ميراث ابن الملاعنة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١١٥) ٤: ٤٢٩ كتاب الفرائض، باب ما جاء ما يرث النساء من الولاء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٧٤٢) ٢: ٩١٦ كتاب الفرائض، باب تحوز المرأة ثلاث مواريث
[ ٧ / ١٣٢ ]
وقال عمر لأبي جميلة في لقيطه: " هو حرٌ ولك ولاؤه وعلينا نفقته " (^١) .
قال: ولنا: قول النبي: " إنما الولاء لمن أعتق " (^٢) .
ولأنه لم يثبت عليه رق ولا (^٣) على آبائه. فلم يثبت عليه ولاء؛ كالمعروف نسبه.
ولأنه أن كان ابن حرين فلا ولاء عليه وإن كان ابن معتقين فلا يكون عليه لغير معتقهما.
وحديث وآثلة لا يثبت. قاله ابن المنذر. انتهى.
وعنه: إن قتل خطأ فديته لملتقطه. ذكره في " الرعاية "، نقلًا عنه في "المبدع ".
(ويخير الإمام في) قتل (عمد بين أخذها) أى: الدية، (و) بين (القصاص). نص عليه، أيهما فعله جاز إذا رآه اصلح؛ لقوله ﷺ: " السلطان ولى من لا ولي له " (^٤) .
ومتى عفا على مال أو صالح عليه كان لبيت المال؛ كجناية الخطأ لموجبة للمال.
وقال في " الإنصاف ": وذكر في " التلخيص " وجها: أنه لا يجب له حق الاقتصاص، وإن أبا الخطاب خرَّجه.
قال: ووجهه: أو ليس له وارث معين. فالمستحق جميع المسلمين، وفيهم صبيانُ ومجانين فكيف يستوفى؟
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١١٧) رقم (٢).
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٧١) ٦: ٢٤٨١ كتاب الفرائض، باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط. عن ابن عمر رضى الله عهما.
(٣) في ج: ولا ولاء.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠٨٣ ٢) ٢: ٢٢٩ كتاب النكاج، باب في الولي. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٧٩) ١: ٦٩٥ كتاب النكاج، باب لا نكاج إلا بولي.
[ ٧ / ١٣٣ ]
قال: وهذا يجري في قتل كل من لا وارث له. انتهى.
(وإن قُطع طرفه) أى: طرف اللقيط وهو صغير أو مجنون حال كون القطع (عمدًا: أنتُظر بلوغه) أى: اللقيط (ورشدًه) ليقتص أو يعفو؛ لأن مستحق الاستيفاء المجني عليه وهو حينئذ لا يصلح للاستيفاء. فإنتظرتأهليته ليستوفي حقه .. ويحبس الجأني إلى أن يصيرأهلًا.
وعنه: للإمام استيفاؤه قبل ذلك؛ لأنه أحد نوعي القصاص. فكان له استيفاؤه عن اللقيط؛ كالنفس.
وجوابه: أنه قصاص لم يتحتم (^١) استيفاؤه. فوقف على مستحقه؛ كما لو
كان بالغًا غائبًا. وفارق القصاص في النفس؛ لأن القصاص ليس له بل لوارثه والإمام هو المتولي عليه.
(إلا أن يكون) اللقيط (فقيرًا: فيلزم الإمام العفو على ما) أى: شيء من المال يكون في العفو عليه حظ للقيط (يُنفق عليه) منه. وظاهره سواء كان اللقيط عاقلأ أو مجنونًا. وهو المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.
قال القاضي والمصنف- يعني به الموفق- في باب القود عند قول الخرقي:
وإذا اشترك جماعة في القتل: هذا أصح، وكذا قال في " الكافي " في باب العفو عن القصاص. ومحي وصححه في " الشرح " في باب استيفاء القصا ص، وحكاه المجد عن ذص أحمد. انتهى.
وقيل: ليس للأمام العفو على مال ولو كان اللقيط فقيرًا مع كونه عاقملأ.
فعلى هذا لشى للأمام ذلك إلا أن يكون اللقيط فقيرًا مجنونًا. وهو ظاهر
ما فطع به في " الهداية "، و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " وغيرهم وجزا به في " المغني " و" الشرح " في. باب اللقيط.
_________________
(١) في ج: يحتم.
[ ٧ / ١٣٤ ]
وعُلم مما تقدم أن اللقيط لو كان مجنونًا غنيًا لم يكن للإمام العفو على مال بل نتظر إفاقته. وهو المذهب.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: هذا المذهب وقطع به في
" الشرح"، وذكر في " التلخيص " وجهًا: أن للإمام ذالك، وجزم به في " الفصول " و" المغني ". وهو ظاهر كلامه في " الوجيز "، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية". انتهى.
(وإن ادعى جان عليه) جناية موجبة للقصا ص [أو المال رقَّه] (^١)، (أو) ادعى (قاذفه رقََّّه، وكذَّبه لقيط بالغ: فقوله)؛ لأنه محكوم بحريته فقبل قوله؛ لأنه موافق للظاهر. بدليل أو لو قذف إنسانًا وجب عليه حد الحر في الأصح. وعلى هذا اللقيط طلب حد القذف واستيفاء القصاص من الجانى وإن كان حرًا.
وقيل: يقبل قول القاذف؛ لاحتمال صحة فوله بأن يكون اللقيط ابن أمة. فيكون ذلك شبهة، والحد يدرأ بالشبهات.
وفارق القصاص له في دعوى الجانى رقه؛ لأن القصاص ليس بحد وإنما وجب حقًا لآدمي. ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله. بخلاف حد القذف.
ويتخرج من هذا: أن اللقيط إذا كان قاذفًا فادعى أو عبد ليجب عليه ما يجب على العبد: قبل منه لذلك.
قال في " المغني ": والأول أصح؛ لأن من كان محكوما بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقه. بدليل مجهول النسب، ولو سقط الحد لهذا الاحتمال لسقط وإن لم يدع القاذف رقه؛ لأنه موجود، وإن لم يدعه. انتهى. وعلم مما تقدم أن اللقيط إذا صدق قاذفه أو الجانى عليه على كونه رقيقا لم يكن عليه إلا ما يجب في قذف الرقيق أو جنايته عليه.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٧ / ١٣٥ ]
(وأن ادعى أجنبي) أى: غير واجده (رقه) أى: رق اللقيط (وهو بيده)
أى: يد المدعي رقه: (صُدِّق) المدعي.
قال في " الإنصاف ": قاله الحارثي، وقاله في " التلخيص " وغيره؛
لدلالة اليد على الملك.
(بيمينه). قال الحارثي: ومقتضى كلام المصنف، في " المغني "
و" الكافي " وجوب يمينه وهو الصواب؛ لإمكان عدم الملك. فلا بد من يمين تزيل أثر ذلك، ثم إذا بلغ وقال: أنا حر لم يقبل. انتهى.
(ويثبت نسبه) أى: اللقيط (مع رقه) أى: مع كونه رقيقًا.
قال في " الفروع ": ولو ادعى أجنبي لنسبه ثبت مع بقاء ملك سيده ولو مع
بينه بنسبه.
قال في الترغيب " وغيره: إلا أن يكون مدعيه امرأة حرة فتثبت حريته،
وإن كان رجلأً عربيًا فروايتان. انتهى.
وعلم مما تقدم أنه لو لم يكن بيد مدعي رقه لم يصدق، وإن المدعي لو كان ملتقطه لم يصدق أيضًا.
قال في " الإنصاف ": ذكره في " التلخيص " وغيره. انتهى.
وقيل: تسمع دعواه؛ لأنها ممكنة ولا يقضى له بشيء من غير بينة، لأنها دعوى تخالف الظاهر. وتفارق دعوى النسب من وجهين:
أحدهما: أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر، ودعوى الرق مخالفة له.
والثانى: أن دعوى النسب يثبت بها حق اللقيط، ودعوى الرق يثبت بها حقًا عليه. فلم تقبل بمجردها؛ كما لو ادعى رق غير اللقيط.
(وإلا) أى: وإن لم يكن اللقيط بيد من ادعى رقه وكاد غير ملتقطه (فشهدت له بينة بيد)، كما لو قالا: نشهد أو كان بيده: حكم له باليد، (وحلف أو) أى: اللقيط (ملكه) حكم له به؛ لأن ثبوت اليد دليل على الملك فقبل قوله فيه.
[ ٧ / ١٣٦ ]
وذكر القاضي: أنه لا يكفي قول البينة نشهد أو كان بيده حتى يقولا: وأنه
ضل عنه أو ذهب أو غصب ونحو ذلك.
(أو) شهدت له بينة (بملك) بأن قالا: نشهد أو جار في ملكه، أنه جار ملكه أو مملوكه أو عبده أو قنه أو رقيقه حكم له به ولو لم يذكرا سبب الملك؛ كما لو شهدا بملك دار أو ثوب. ذكره في " المغني " و" الشرح" والقاضي وابن عقيل وصا حب " المحرر " وغيرهم.
وقيل: لا بد من ذكر السبب؛ لاحتمال التعويل على ظاهر اليد.
(أو) تشهد (^١) له بينة (أن امته) أى: المدعي (ولدته) أى: اللقيط (في ملكه) أى: المدعي: (حُكم له به)؛ لأن الغالب أنها لا تلد في ملكه إلا ملكه.
وعلم مما تقدم أن البينة لو شهدت أو ابن امته أو أن امته ولدته ولم تقل في ملكه: لم يثبت الملك بذلك؛ لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه لها. فلا يكون له مع كونه أبن أمته وكونها ولدته. وفيه وجه.
وهل يكفي في البينة التي تشهد أن أمته ولدته في ملكه امرأه واحدة أو رجل واحد؛ لأنه مما لا يطلع عليه في غالب الأحوال رجال، وبه جزم في " المغني "، أو لا بد في ذلك من رجلين أو رجلٌ وامراتين كما ذكره (^٢) القاضي؛ فيه وجهان. قال الحارثي عن قول القاضي: أو أشبه بالمذهب.
(وإن ادعاه) أى: ادعى رق اللقيط (ملتقط) له: (لم يقبل) منه ذلك (إلا ببينة) تشهد بملكه له، أو أن أمته ولدته في ملكه. فيحكم له به إذًا؛ كما لو لم يكن ملتقطه.
وقيل: لا تستعمل بينة الملتقط؛ لاحتمال تعويلها في الملك على يده،
ويده لا تقبل الملك. اختاره صاحب " التلخيص ".
_________________
(١) فى أوب: شهد.
(٢) في أ: ذكر
[ ٧ / ١٣٧ ]
(وإن أقر به) أى: بالرق (لقيط بالغ) بأن قال: أنا ملك زيد: (لم يُقبل) إقراره ولو صدقه زيد أو لم يعترف بالحرية قبل ذلك.
قال في " المغني ": وهو الصحيح، لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها. فلم يصح؛ كما لو أقر قبل ذلك بالحرية.
ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها. ولم يتجدد له حال يعرف
به رق نفسه " لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلًا. وهذا قول ابن القاسم وابن المنذر. انتهى.
وعنه: يقبل إقراره مطلقًا. اختاره ابن عقيل في " التذكرة "، لأنه مجهول الحال. فيقبل إقراره بالرق؛ كما يقبل بالحد والقصا ص، وإن تضمن فوات نفسه.
وقال القاضي: يقبل فيما عليه رواية واحدة.
وهل يقبل في غيره على روايتين حكاه الموفق عنه في " المقنع ".
وقيل: أن تقدم إقراره بالرق تصرفٌ ببيع أو شراء أو نكاح أو صداق ونحوه: لم يقبل إقرار هـ. وإلا قُبل.
وقيل: إن كان اعترف قبل ذلك لنفسه بالحرية: لم يقبل إقراره بالرق بعده " لأن الحريه حقٌ لله تعالى، وقد اعترف به فلا يقبل رجوعه في إبطاله. وإن قام برق اللقيط المكلف بينة عادلة سمعت وحكم بها. فإن كان اللقيط
قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء أو غيرهما: نقضت تصرفاته " لأنه بان أنه كان تصرف بغير إذن سيده.
(و) أن أقر لقيط بالغ (بكفر) بأن قال: أو كافر (و) كان (قد نطق بإسلام وهو يعقله) أى: الإسلام، (أو) أقر لقيط بالغ (مسلم حكمًا) تبعا للدار: (فمرتد) أى: فحكمه حكم سائر المرتدين يستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا قتل في الصورتين:
[ ٧ / ١٣٨ ]
أما في الأولى وهي (^١): ما إذا نطق بالإسلام وهو يعقله ثم قال بعد بلوغه: أنه كافر؛ فبلا نزاع في المذهب؛ لأن إسلامه متيقن فلا يقبل إقراره بما ينافيه.
وأما في الثانية وهي: ما إذا كان محكومًا بإسلامه تبعا للدار ثم قال بعد بلوغه: أنه كافر، فالصحيح من المذهب أنه لا يقبل منه ذلك؛ لأن دليل الإسلام وجد عريًا عن المعارض وثبت حكمه واستقر. فلم تجز إزالة حكمه بقوله؛ كما لو قال ذلك ابن مسلم. وقوله لا دلالة فيه أصلًا؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه، وإنما يقول ذلك من تلقاء نفسه. وذكر القاضي في هذا وجهًا: أو يقر على كفره؛ لأن قوله أقوى من ظاهر الدار.
قال في " المغني ": وهذا وجه مظلم. انتهى.
(وإن أقر به) أى: بأن اللقيط- ولده (مَن) أى: إنسان (يمكن كونه) أى: كون اللقيط (منه) أى: من المقر (ولو) كان المقر الذي يمكن كونه منه كافرًا أو (أنثى ذات زوج أو) ذات (نسب معروف) أو ذات إخوة أو كان المقر رقيقًا: (أُلحق) اللقيط (ولو) كان اللقيط (ميتًا به) أى: با لمقر؛ لأن الإقرار بالنسب مصلحة محضة للقيط؛ لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه. فقبل؛ كما لو أقر له بمال. وهذا بلا خلاف في المذهب فيما إذا كان المقر رجلًا حرًا مسلمًا يمكن كونه منه. نص عليه أحمد في رواية جماعة.
وعلى الصحيح فيما إذا كان المقر كافرًا وهو داخل في عموم نص أحمد؛
لأنه إقرار بنسب مجهول النسب، وليس في إقراره إضرار بغيره؛ لأنه إنما يلحقه في النسب لا في الدين. فصح إقراره؛ كالمسلم.
وفيه وجه: لا يلحق به في النسب. ذكره في " الرعاية ".
وعلى الصحيح أيضًا فيما إذا كان المقر أنثى ذات زوج أو نسب معروف أو أخوة؛ لأنها أحد الأبوين. فثبت النسب بدعواها؛ كالأب.
_________________
(١) في أ: وهو ج
[ ٧ / ١٣٩ ]
ولأنه يمكن أن يكون منها كما يكون ولد الرجل بل أكثر " لأنها تًاتي من زوجٍ
ومن وطءٍ شبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
وعن أحمد في المسألة ثلاثُ روايات:
الأولى: هذه.
والثانية: أنها إن كان لها زوج لم يثبت النسب بإقرارها، لإفضائه إلى أن امرأته وطئت بالزنا أو شبهة. وفي ذلك ضرر عليه.
والثالثة: نَقَلَها الكوسج عن أحمد. في امرأة ادعت ولدا إن كان لها إخوة أو نسب معروف: فلا تصدق إلا ببينة.
وقيل: لا يثبت النسب بدعواها بحال. وهذا قول أكثرأهل العلم، لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة. فلا يقبل قولها بمجرده، كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها.
قال في " المغني ": ولنا: أنها أحد الوالدين. فًا شبهت الأب. وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل. فإنه يمكنه إقامة البينة أن هذا ولد على فرا شه. انتهى.
وعلى الصحيح أيضا ً فيما إذا كان المقر رقيقًا.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب.
قال الحارثي: استلحاق العبد كاستلحاق الحر في لحاق النسب (^١) . قاله
الأصحاب. انتهى.
قال في " المغني ": وإن كان المدعي أمةُ فهي كالحرة. إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه لم يقبل قولها في رقه، لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره،
_________________
(١) في ج: قال الحارثي: استحقاق العبد كاستحقاق الحر في حال النسب
[ ٧ / ١٤٠ ]
كما لم (^١) نقبل الدعوى في كُفره إذا ادعى نسبه كافر. انتهى.
قال الحارثي: والأمة كالحرة في دعوى النسب على ما ذكرنا. قاله الأصحاب. إلا أن الولد لا يحكم برقه بدون بينة حكاه المصنف- يعني: الموفق-. ونص عليه في رواية ابن مشيش.
وأما كونه يلحقه نسبه وإن كان اللقيط ميتًا؛ فلأن الحي والميت في ذلك
سواء معنى. فوجب استوأوهما حكما.
و(لا) يلحق بـ (زوج) امرأة (مُقرة)؛ لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد
لم يولد على فراشه ولم يقر به.
وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته.
فإن قيل: الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة اخرى أو من امته .. والمرأة
لا يحل لها نكاج غير زوجها ولا يحل وطؤها لغيره.
قلنا: يمكن أن تلد من وطء شبهة أو غيره. وإن كان الولد يحتمل أن يكون
موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر.
فإن قيل: إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج؛ لما فيه من المصلحة بدفع
العار عن الصغير، وصيأنته عن النسبة إلى كونه ولد زنا، ولا يحصل هذا بإلحاق
نسبه بالمرأة بل إلحاقه بها دون زوجها يطرق العار إليه وإليها.
قلنا: بل قبلنا دعواه؛ لأنه يدعي حقا لا منازع له فيه ولا مضرة على أحد فيه؛ كدعوى المال. وهذا متحقق في دعوى المرأة.
(ولا) يتبع رقيقا ادعى نسبه (في رق). وتقدم تعليل ذلك عند الكلام على
صحة دعوى الرقيق النسب.
(ولا) يتبع (كافرًا) أقر بنفسه (في دينه. إلا أن يقيم) مدعيه الكافر (بينة
أو ولد على فراشه).
قال فى " الإنصاف ": قال الحارثي: قال الأصحاب: أن أقام الذمي بينة
_________________
(١) ساقط من أ
[ ٧ / ١٤١ ]
بولاته على فراشه لحقه في الدين أيضًا؛ لثبوت أنه ولد ذميين. فكما لو لم يكن لقيطًا. وهذا مقيد باستمرار أبويه على الحياة والكفر. وقد أشار إليه في
" الكافي "؛ لأن أحدهما لو مات أو أسلم لحكم بإسلام الطفل فلا بد فيما قالوا من ذلك. انتهى.
ولأن الدعوى في النسب إنما قُبلت لعدم الضرر والكفر بخلافه فإن فيه ضررًا عظيمًا؛ لأنه سبب الخزي في الدنيا والآخرة. فاحتيج إلى البينة؛ لتحقق الولادة. والولد المحقق يتبع مطلقا.
(وإن ادعاه) أى: ادعى أن اللقيط ابنه (^١) (اثنان) أى: رجلأن (فأكثر معًا: قُدِّم من له بينة)؛ لأن البينة علامة واضحة الحق لمن قامت له. (فإن تساووا) أى: المدعين (فيها) بأن أقام كُل منهم بينة بأنه ولده، (أو) تساووا (في عدمها) بأن لم يكن لوأحد منهم بينه بدعواه: (عُرض) اللقيط (مع) كل (مُدع) موجود (أو) مع (أقاربه) أى: أقارب مدعي النسب كأبيه وجده وأخيه وابنه وابن ابنه (أن) كان قد (مات على القافة).
والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل
[كل من] (^٢) عرف (^٣) منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف.
قال في " المغني ": وقيل: أكثر ما يكون هذا في بني مدلج رهط مجزز بجيم وزايين المدلجي، الذي رأى أسامة وأباه زيد قد غطيا رؤوسهما وبدت اقدامهما فقال: أن هذه الأقدام بعضها من بعض (^٤) . وكان إياس بن معاوية المزنى قائفا وكذلك قيل في شريح. انتهى.
(فإن ألحقته) القافة (بوأحد أو اثنين) من المدعين له أو أكثر: (لحق)
نسبه بمن ألحقوه به من وأحد أو أكثر.
_________________
(١) في أ: ابن.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في ج عرفت.
(٤) سيأتى تخريجه ص (١٤٤) رقم (٣).
[ ٧ / ١٤٢ ]
أما كون البينة هنا إذا قامت لأكثر من وأحد تتساقط؛ فلأن (^١) استعمالها في المال، إما بقسمته بين المتداعين ولا سبيل إلى القسمة هنا، وإما بالأقراع والقرعة لا يثبت بها النسب.
فإن قيل: فإن ثبوته هاهنا يكون بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة.
قلنا: فيلزم أو إذا اشترك رجلأن في وطء امرأة فأتت بولد أن يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة.
وعلم من قولي: فإن تساووا أنه لو ترجح وأحد بكونه خارجًا بأن يكون اللقيط ليس بيده، بل بيد الباقي: قدمت بينته وعمل بها.
وأما عرضه على القافة مع المدعيين أو أقاربهم أن فقدوا وإلحاقه بمن ألحقته القافه به فهو قول الجمهور من العلماء.
قال في " المغني ": هذا قول أنس وعطاء ويزيد بن عبدالملك والأوزاعي والليث والشافعي وأبي (^٢) ثور.
وقال أصحاب الرأى: لا حكم للقافة. ويلحق بالمدعيين جميعا؛ لأن الحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين*. فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب.
ولهذا روي عن النبيﷺ " أن رجلا أتاه. فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. قال: فهل لك من إبل؛ قال: نعم. قال: فما ألوانها؛ قال: حمر. قال: فهل فيها من أَوْرَق؛ قال: نعم. قال: أنى أتاها ذلك. قال: لعل عرقًا نزع. قال: - وهذا لعل عرقا نزع " (^٣) . متفق عليه.
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) في أ: وابن.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٨٤) ٦: ٢٦٦٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلا معلوما بًا صل مبين وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٠٠) ٢: ١١٣٧ كتاب اللعان.
[ ٧ / ١٤٣ ]
قالوا: ولو كان الشبه (^١) كافيا لاكتفي به في ولد الملاعنة، وفيما إذا أقر أحد الورثة بًاخٍ (^٢) فًا نكره البا قون.
قال: ولنا: ما روي عن عائشة " أن النبي ﷺ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه. فقال: الم تر أن مجززًا المدلجي نظر أنفا إلى زيد وأسامه وقد غطيا رووسهما وبدب اقدامهما. فقال: أن هذه الأقدام بعضها من بعض " (^٣) . متفق عليه.
فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سُر به النبي ﷺ ولا اعتمد عليه.
ولأن عمر رضي الله تعالى عنه قضى به بحضرة الصحابة. فلم ينكره منكر فكان إجماعًا.
ويدل على ذلك قول النبى ﷺ في ولد الملاعنة: " أنظروها فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها. وإن جاءت به أكحل جعدًا جماليًا سابغًا الأليتين خَدَلَّجَ الساقين فهو للذي رميت به. فًا تت به على النعت المكروه. فقال النبي ﷺ: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " (^٤)
فقد حكم به النبي ﷺ للذي أشبهه منهما. وقوله: " لولا الأيمان لكان لي
ولها شأن ": يدل على أو لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان. فإن أنتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه.
وكذلك " قول النبي ﷺ في ابن أمة زمعة حين رأى به (^٥) شبها بينا بعتبة بن
_________________
(١) في أ: التشبه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٨٨) ٦: ٤٨٦ ٢ كتاب الفرائض، باب القائف. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٥٩) ٢: ١٠٨١ كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٥٦) ٢: ٢٧٧ أبواب الطلاق، باب في اللعان.
(٥) فى أوب: بها.
[ ٧ / ١٤٤ ]
ابي وقاص: احتجبي منه يا سودة " (^١) فعمل بالشبه في حجب سودة منه.
فإن قيل: فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي ي بالشبه فيهما بل
الحق الولد بزمعة، وقال لعبد بن زمعة: " هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر " (^٢) . ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف.
قلنا: إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة؛ لأن الفراش أقوى. وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض. ولذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أىمانها. بدليل قوله " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".
على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب. فإن
الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات وأكثرها عددًا، وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات، ويدرأ بالشبهات. والنسب يثبت بشهادة امراة واحدة على الولادة، ويثبت بمجرد الدعوى ويثبت مع ظهور أنتفائه. حتى لو أن امراة اتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد.
ولأنه حكم بظن غالب ورأى راجح ممن هوأهل الخبرة. فجاز؛ كقول المقومين. وقولهم: أن الشبه يجوز وجوده وعدمه.
قلنا: الظاهر وجوده، ولهذا قال النبي ﷺ حين قالت أم سلمة: " أو ترى
ذلك المرأة؛ قال: فمن أين يكون الشبه " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٦٨) ٦: ٢٤٨١ كتاب الفرائض، باب الولد للفراش، حرة كانت أو أمة.
(٢) سبق تخريجه في الحديث السابق
(٣) عن أم سليم " أنها سالت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. فقال رسول الله ﷺ: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل. فقالت أم سليم واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ: نعم فمن أين يكون الشبه؟ أن ماء الرجل غليظ أبيض. وماء المرأة رقيق أصفر. فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ". أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣١١) ١: ٢٥٠ كتاب الحيض،=
[ ٧ / ١٤٥ ]
والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم، لأن أنكار الرجل لولده لمخالفة
لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على أن العادة خلافه وإن في طباع الناس أنكاره. وإن ذلك إنما يوجد نادرا. وإنما ألحقه النبي ﷺ به لوجود الفراش. وتجوز مخالفة الظاهر لدليل، ولا يجوز تركه من غير دليل.
ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته. فإن النسب يحتاط لثبوته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه.
ولأنه لا ينتفي إلا بًا قوى الأدلة كما أن الحد لما أنتفى بالشبه لم يثبت إلا
بًا قوى دليل. فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور: أن لا يثبت به النسب في مسًالتنا.
فإن قلنا: فهاهنا إذا عملتم بالقيافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به. قلنا: إنما أنتفى النسب هاهنا لعدم دليله؛ لأنه لم يوجد إلا بمجرد الدعوى
وقد عارضها مثلها فسقط حكمها. فكان الشبه مرجحا لأحدهما فإنتفت دلالة الأخرى. فلزم أنتفاء النسب " لأنتفاء دليله. وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه، كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها. انتهى.
فإن ألحقه القافة باثنين (فيرث) اللقيط (كلًا منهما) أى: من الاثنين اللذين ألحقته القافة بهما (إرث ولد). فلو لم يخلفا غيره ورث جميع مالهما. (ويرثانه) جميعا (إرث أب) وا حد.
(وإن وصُي له: قبلا) أى: قبل الوصية له أبواه.
(وإن خلَّف احدهما: فله) أى: للمخلف منهما (إرب اب كامل، ونسبه) مع ذلك (ثابت من الميت).
قال في " المغني ": قال أحمد: إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه. فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء.
ومعنى قوله: هو للباقي منهما- والله أعلم- أو يرثه ميراث أبِ كامل، كما (١)
_________________
(١) = باب وجوب الغسل على المرأة بخروح المني منها. والحديث مروي عن أم سليم وليس عن أم سلمة.
[ ٧ / ١٤٦ ]
أن الجده إذا أنفردت أخذت ما تأخذه الجدات والزوجة تأخذ وحدها ما تأخذه جميع الزوجات. انتهى.
(ولأمِّي أبويه) إذا مات وخلفهما (مع ام أم) وعاصب (نصف سدس، ولها) ولأم امه (نصفه) أى: نصف السدس، كما لو اجتمعت مع أم اب واحد. (وكذا) الحكم (لو ألحقته) القافة (بأكثر) من اثنين فإنه يلحق بهم وإن كثر وا.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه
في رواية جماعة.
قال في " المغنى ": وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة فنص أحمد
في رواية مهنا: أو يلحق بثلاثة. ومقتضى هذا: أو يلحق ممن ألحقته القافة وإن كثروا.
وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف،
لأننا صرنا إلى ذلك للأكثر فيقتصر عليه.
وقال القاضي: لا يلحق بًا كثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن. وروي
ذلك عن أبي يوسف أيضًا.
ولنا: أن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه. وإذا جاز أن يخلق من اثنين جاز أن يخلق بأكثر من ذلك.
وقولهم: أن إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع، وإن سلمناه لكنه
ثبت لمعنى موجود في غيره. فيجب تعدية الحكم به، كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات، لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك.
وأما قول من قال: أو يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد على ذلك فتحكمٌ. فإنه
لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدى الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى. ولا
[ ٧ / ١٤٧ ]
نعلم في الثلاثة معنى خاص يقتضي إلحاق النسب بهم. فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم. انتهى.
(وإن) ادعاه أكثر من واحد و(لم توجد قافة، أو نفته) عمن ادعياه أو ادعوه، (أو اشكل) الأمر على القافة بأن قالوا: لم يظهر لنا شيء، أو قالوا: أُشكل علينا حاله أو نحو ذلك، (أو اختلف قائفان) فيه فقال أحدهما: هو ابن هذا، وقال الآخر: بل ابن هذا، (أو) اختلف (اثنان) من القافة (وثلاثة) منهم. فقال اثنان: هو ابن هذا، وقال ثلاثة: بل ابن هذا: (ضاع نسبه) في هذه الصور كلها في الأصح مما فيه الخلاف منها؛ لأنه لا دليل ولا مرجح لبعض من يدعيه. أشبه من لم يدع نسبه.
ونص عليه فيما إذا نفته القافة عنهم.
فال في " الإنصاف ": ضاع نسبه في أحد الوجهين. وهو المذهب، وجزم
به في " العمده " و" الوجيز "، واختاره أبو بكر.
قال المصنف: قول أبي بكر أقر ب.
قا ل الحارثي: وهو الأشبه با لمذهب. وقدمه في " الفووع ". انتهى.
فعلى هذا لا يرجح أحدهم بذكر علامة في جسده؛ لأنه لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المالية.
وقيل: يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء ممن ادعوه.
قال القاضي: وقد أنهمًا إليه أحمد واختاره ابن حامد، وقطع به في
" التلخيص " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفائق "؛ لأن الإنسان يميل بطبعه إلى قريبه دون غيره.
ولأنه مجهول نسبه أقر به من هوأهل للإقرار وصدقه المقر له. فيثبت نسبه؛ كما لو أنفرد.
ورده في " المغني ": بأنه إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنه قرابته. فالمعرفة بذلك سبب الميل فلا يثبت قبله. ولو ثبت أو يميل إلى قرابته لكنه يميل
[ ٧ / ١٤٨ ]
إلى من أحسن إليه. فإن القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه، وقد يميل إلى أحسنهما خلقا وأعظمهما قدرًا أو جاهًا أو مالًا فلا يقع للميل اثر في الدلالة على النسب.
وقولهم: أو صدق المقر بنسبه.
قلنا: لا يحل (^١) له تصديقه. فـ " أن النبي ﷺ لعن من ادعى إلى غير أبية أو تولى غير مواليه " (^٢) . وهذا لا يعلم أو ابوه فلا يأمن أن يكون ملعونًا بتصديقه. ويفارق ما إذا أنفرد. فإن المنفرد يثبت النسب بقوله من غير تصديق.
وقيل: يلحق باثنين ادعياه. اختاره في " المحرر "، ونقل ابن هانئ: يُخير بينهما، ولم يذكر قافة.
وعنه: يقرع بينهما فيلحق نسبه بالقرعة. ذكرها في " المغني " في كتاب الفرائض، نقله عنه في " القواعد ".
ويعمل بالقافة في غير البنوة (^٣)؛ كأخوة وعمومة عند أصحابنا. قاله في
" الإنصاف ".
وعند أبي الخطال: لا يعمل بها في غير البنوه؛ كإخبار راعٍ بشبه.
وقال في " عيون المسائل ": في التفرقة بين الولد والفصيل، لأنا وقفنا على مورد الشرع. ولتأكد النسب لثبوته مع السكوت.
وإن ادعاه امرأتان في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد: في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف. فقيل: يرى القافة. فقال: ما أحسنه.
_________________
(١) فى أوب: يميل.
(٢) عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من ادعى إلى غير أبيه أو أنتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٥١١٥) ٤: ٣٣٠ كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه.
(٣) في ب: من غير بنوة.
[ ٧ / ١٤٩ ]
ولأن الشبه يوجد بينها وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر " لاختصاصها بحمله وتغذيته.
والكافرة والمسلمة والحرة والأمه في الدعوى واحدة كما قلنا في الرجال.
وإن ألحقته القافة بأمتين لم يلحق بهما وبطل قول القافة؛ لأننا (^١) نعلم خطًاه يقينا.
وإن ادعى نسب اللقيط رجل وامرأة فلا تنافي بينهما (^٢)؛ لأنه يمكن أن يكون منهما بنكاح كان بينهما أو وطء شبهة. فيلحق بهما جميعا. ويكون ابنهما بمجرد دعواهما؛ كما لو أنفرد كل واحد منهما بالدعوى.
وإذا قال الرجل: هذا ابني من زوجتي وادعب زوجته ذلك وادعت امرأة أخرى: فهو ابن الرجل؛ وهل (^٣) ترجح زوجته على الأخرى؟ قال في " المغني ": يحتمل وجهين:
أحدهما: ترجح، لأن زوجها أبوه. فالظاهر أنها أمه.
ويحتمل أن يتساويا " لأن كل واحدة منهما لو أنفردت لألحق بها. فإذا
اجتمعتا (^٤) تساوتا. انتهى.
وإن ولدت امرأة ذكرا وأخرى أنثى وادعت كل واحدة أن الذكر ولدها دون الأنثى: فقال في " المغني ": يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يرى المرأتان القافة مع الولدين فيلحق كل منهما بما ألحقته القافة بها؛ كما لو لم يكن لهما ولد اخر.
والثانى: أن يعرض لبنهما على أهل الطب والمعرفة، فإن لبن الذكر يخالف
لبن الأنثى في طبعه وزنته. وقد قيل: لبن الأنثى ثقيل ولبن الابن خفيف.
_________________
(١) في ج: لأنا.
(٢) في أ: ملكهما.
(٣) في أ: وهو ..
(٤) في ب: اجتمعا.
[ ٧ / ١٥٠ ]
فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عندأهل المعرفة، فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت للأخرى. فإن لم يوجد قافة اعتبر باللبن خاصة.
وإن تنازعا أحد الولدين وهما جميعا ذكرأن وإنثيان عُرضوا على القافة كما
ذكر نا.
قال الحارثي عن الوجه الأول: - وهو العرض على القافة أن وجدت- قلت: وهذا (^١) المذهب على ما مر من نصه. وفال عن الثانى: - وهو اعتبار اللبن- أن كان مطردًا في العادة غير مختلف فهو أن شاء الله تعالى أظهر من الأول. فإن أصول الشبه قد تخفى على القائف.
(ويُؤخذ باثنين) أى: بقو ل قائفين (خالفهما) قائف (ثالث).
قال في " الإنصاف ": نص عليه.
(كبيطارين) خالفهما بيطار (وطبيبين) خالفهما طبيب (في عيب). قاله
في "المنتخب ".
ويثبت النسب (ولو رجع عن دعواه) النسب (من الحقته به القافة: لم يقبل) منه الرجوع؛ لأنه حق عليه. فلم يقبل رجوعه عنه.
(ومع عدم إلحاقها بوأحد من أننين) مدعيين لنسبه، (فرجع أحدهما) عن دعواه: (يلحق بالاخر)؛ لأن رجوع احدهما لا يلزم منه أن يضيع نسبه. والله أعلم.
(ويكفي) في ذلك (قائف واحد).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه في رواية
أبي طالب وإسماعيل بن سعيد، واختاره القاضي وصاحب " المستوعب " وصححه في " النظم " وقدمه في " الرعايتين " و" الفروع " و" الحاوي الصغير ". انتهى.
لأنه حكم ويكفي في الحكم قول واحد.
_________________
(١) في ب: وهو.
[ ٧ / ١٥١ ]
(وهو كحاكم فكيف مجرد خبره).
قال في " الإنصاف ": القائف كالحاكم عند أكثر الأصحاب. قاله في
" القواعد الأصولية " والحارثي، وقطع به في " الكافي ".
وقيل: هو كالشاهد. وهو الصحيح على ما تقدم. يشير بذلك إلى قوله قبل
ذلك.
وعنه: يشترط اثنان - أى: قائفان-. نص عليه في رواية محمد بن داود
المصيصى والأثرم وجعفر بن محمد. والخلاف في كونه هل يكفي واحد أو لا بد
من اثنين؛ مبنيٌ عند كثير من الأصحاب على أو هل هو شاهد أو حاكم: فإن قلنا: هو شاهد اعتبرنا العدد، وإن قلنا: هو حاكم فلا.
وقال جماعة من الأصحاب: ليس الخلاف مبنيا على ذلك، بل الخلاف
جار سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد؛ لأنا أن قلنا هو حاكم فلا يمتنع التعدد
في الحكم كما يعتبر حاكمين في جزاء الصيد.
وإن قلنا: شاهد فلا يمتنع شهادة الوأحد كما في المرأة حيب قبلنا شهادتها والطبيب والبيطار.
وقال طائفة من الأصحاب: هذا الخلاف مبني على أو شاهد أو مخبر. فإن
جعلناه شاهدا اعتبرنا التعدد، وإن جعلناه مخبرًا لم يعتبر كالخبر في الأمور الدينية. نقله في " الإنصاف ".
ومتى ألحقته قافة بوأحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته باخر كان لاحقًا بالأول؛ لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم. ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له. وكذلك لو ألحقته بوأحد ثم عادت فًا لحقته بغيره كذلك.
وإن أقام الاخر بينة أو ولده حكم له به وسقط قول القائف؛ لأنه بدل.
فيسقط بوجود الأصل؛ كالتيمم مع الماء. قاله في " المغني ".
(وشُرط كونه) أى: القائف (ذكرًا)؛ لأن القيافة حكم مستندها النظر
وا لاستد لال. فاعتبرت الذكورية فيه؛ كالقضاء.
[ ٧ / ١٥٢ ]
(عدلًا)؛ لأن الفاسق لا يُقبل قوله.
وعلم من اشتراط عدالته اشتراط إسلامه؛ لأن العدل لا يكون إلا مسلما. والعجب من خفاء مثل هذا على صاحب " المستوعب ". فإنه قال: لم اجد أحدًا من اصحابنا اشترط إسلام القائف، وعندي: أو يشترط. انتهى. (حرًا). جزم به القاضي وصاحب " المستوعب " و" الموفق "
و" الشارح "، وذكره في " الترغيب " عن الأصحاب.
قال في " القواعد الأصولية ": الأكثرون على أو كحاكم. فتشترط حريته. وقدمه في " الرعاية الكبرى " و" الحاوي الصغير ".
قال في " المغني ": لأن قوله حكم والحكم يعتبر له هذه الشروط. انتهى.
واما قوله في " الإنصاف ": أن عدم اشتراط الحرية هو المذهب فقد رجع
عنه بدليل أو قال في " الإنصاف " بعد ذكر القولين: فعلى الأول وهو عدم اشتراط الحرية يكون بمنزلة الشاهد، وعلى الثانى: وهو اشتراطها يكون بمنزلة الحاكم. ثم لما ألف " التنقيح " جزم بأن القائف كحاكم. فإذا تشترط حريته. والله أعلم.
(مجرَّبًا في الإصابة)، لأنه امر علمي. فلا بد من العلم بحكمه له وذلك
لا يعرف بغير التجربة له فيه.
قال القاضي في كيفية التجربة: هو أن يترك اللقيط مع عشرة من الرجال غير
من يدعيه ويرى إياه م فإن الحقته بوأحد منهم سقط قوله، لأنا نتبين خطؤه، وإن لم يلحقه بوأحد منهم اريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه فإن الحقه به لحق. ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم ابوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته، وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز.
قال في " المغني ": وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته. وإن لم يجربه في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز.
[ ٧ / ١٥٣ ]
(وكذا) أى: وكاللقيط (أن وطئ اثنان امرأة) لا زوج لها (بشبهة) في ظهر، (أو) وطئ اثنان (أمتهما) المشتركة بينهما (في ظهر، أو) وطئ (اجنبي بشبهة زوجة) لاخر (أو سرية لآخر) وقد ثبت افتراشه لها (واتت بولد يمكن كونه منهما) أى: من الواطئين الأجنبية لشبهة، أو الواطئين أمتهما، أو (^١) الزوج والأجنبي، أو السيد والأجنبي. فإنه يرى القافة.
قال في " المحرر ": سواء ادعياه (^٢) أو جحداه أو أحدهما وقد ثبت الافتراش. ذكره القاضي وغيره.
وشرط أبو الخطاب في وطء الزوجة: أن يدعي الزوج أو من الشبهة. فعلى قوله: أن ادعاه لنفسه اختص به " لقوة جانبه. انتهى.
ويقول أبي الخطاب جزم في " المقنع ". وعبارته: وكذلك الحكم أن وطئ
اثنان امراة بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في ظهر وأحد أو وطئت زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أو من الواطئ: أري القافة معهما. انتهى.
وما قدمه في " المحرر " هو المذهب، ولهذا مشيب عليه في المثن.
قال في " الفروع ": وكذا أن وطئت امرأة بشبهة أو اشتراك في ظهر واحد،
واختار أبو الخطاب أن ادعاه لنفسه لحقه.
وفي " الأنتصار ": رواية مثله، ورواية كا لأول. انتهى.
فعلم من قوله: واختار أبو الخطاب إلى آخره: أو أنفرد به عن الأصحاب قبل مجيءمن تبعه عليه.
وكلامه في " الإنصاف " في هذا المحل مشكل فليراجعه بتأمل من شاء.
ونقل أبو الحارث: فيمن غصب امرأة رجل فولدت عنده ثم رجعت إلى
_________________
(١) في أ: و.
(٢) في أ: ادعاه.
[ ٧ / ١٥٤ ]
زوجها كيف يكون الولد للفراش مثل هذا؛ إنما يكون له إذا ادعاه وهذا لا يدعيه
فلا يلزمه. انتهى.
وعلم من قول المتن: وكذا إلى اخره: أن القافة إذا ألحقت الولد
لًاحدهما لحق به دون الآخر، وإن نفته عنهما، أو أشكل على القافة، أو اختلف
قائفان أو اثنان وثلاثة، أو لم توجد قافة أو: يضيع نسبه؛ لاستوائهما في
؛ كاستواء مدعي اللقيط في الدعوى.
استوائهما في الفراش: أن كلا منهما في الصورة الأول ى- واطئ بشبهة.
وفي الثانية: كل واحد منهما لو ابنفرد بالملك كان صاحب الفراش فهما سواء.
وفي الثالثة والرابعة: قد استوى الواطئ بالشبهة والزوج أو السيد في حكم الفراش فلا مزية. فلا أثر لجحود أحدهما للولد مع ثبوت الافتراش كالزوج والسيد إذا نفى الولد المولود من زوجته أو من أمته.
وقيل: إن عدمت القافة ألحق بالزوج أو السيد لأنه صاحب الفراش الحقيقي.
ورد: بأن الفراش الحكمي كالحقيقي في اعتبار الشارع فلا مزية.
والمراد بعدم القافة في قول الأصحاب: العدم الحقيقي فلو وجدت بعيدة سافروا إليها.
(وليس لزوج ألحق به) الولد بإلحاق القافة له وهو يجحده (اللعان لنفيه) لأن شرط صحة اللعان: أن يكون معه قذف لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وهذا ليس بقاذف فلا يصح اللعان لعدم شرطه.
وعنه: له أن يلاعن لنفي الولد فينفي عنه بلعانه لوحده
قال في المحرر: وهي أصح عندي انتهى.
والله ﷾ أعلم.
[ ٧ / ١٥٥ ]