واشتقاقه من اللعن؛ لأن كلأ من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة (^١) إن كان
كاذبا.
وقيل: لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبا فتحصل اللعنة
عليه، وهي: الطرد والإبعاد.
(وهو) شرعا: (شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونه بلعن
وغضب، قائمة مقام حد قذف أو تعزيبر في (^٢) جانبه، و) قائمة مقام (حبس في جانبها) ..
والأصل فيه: قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ ﴾ الآيات] النور: ٦ - ٩].
وما روى سهل بن سعد " أن عويمر العجلانى أتى رسول الله ﷺ. فقال:
يا رسول الله! أرأيت رجلا وجد مع امرأة رجلا فقتله تقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ: قد نزل فيك شيء وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله. فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها
يا رسول الله! إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل ان يأمره رسول الله ﷺ.
قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين " (^٣). رواه الجماعة إلا الترمذي.
_________________
(١) في ج: الحاجة.
(٢) في ج: من.
(٣) اخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٨٧٤) ٦: ٢٦٦٣ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو فى الدين والبدع. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٩٢) ٢: ١١٢٩ كتاب اللعان. وأخرجه أبو دأود في لأ سننه " (٢٢٤٥) ٢: ٢٧٣ أبواب الطلاق، باب في اللعان.
[ ١٠ / ٦٥ ]
إذا علمت ذلك فإنه (من قذف زوجته بزنا ولو) كان ما قذفها به من الزنا
(بطهر وطئ فيه) الزوج، وسواء كان قذفه إياها بالزنا (في قبل أو دبر فكذبته:
لزمه) أي: لزم الزوج (ما يلزم بقذف أجنبية.
ويسقط) عنه ما كان يلزمه لو لم تصدقه (بتصديقها) إياه.
(وله إسقاطه) أي: إسقاط ما كان يلزمه بقذفه (بلعانه ولو وحده) يعني:
وأن تلاعن هي، (حتى) ولو كان ما أسقطه بلعانه (جلدة) من حد القذف (لم
يبق) عليه (غيرها.
وله) أي: وللزوج (إقأمة البينة) عليها (بعد لعانه) بالزنا، (ويثبت
موجبها) أي: موجب البينة.
(وصفته) أي: صفه اللعان: (أن يقول زوج أربعا) أولا: (اشهد بالله
إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويشير إليها، ولا حاجة لأن تسمى أو تنسب إلا مع غيبتها، ثم يزيد في خامسة: وإن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين). ولا يشترط على الأصح أن يقول: فيما رماها به من الزنا.
(ثم) تقول (زوجة أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من
الزنا، ثم تزيد في خامسة: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين). ولا
يشترط على الأصح أن تقول: فيما رمانى به من الزنا.
(فإن نقص لفظ من ذلك) أي: مما يشترط ذكره (ولو أتيا بالأكثر) من
ذلك، (وحكم حاكم) به: لم يصح؛ لأنه نص القرآن أتى على خلاف القياس
بعدد. فكان واجبا؛ كسائر المقدرات بالشرع.
(أو بدأت به) أي: بدأت المرأة باللعان، (أو قدمت " الغضب "، أو
أبدلته بـ " اللعنة "، أو " السخط "، أو قدم " اللعنة "، أو ابدلها بـ " الغضب "
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٠٢) ٦: ١٤٣ كتاب الطلاق، باب الرخصة في ذلك. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٦٦ ٠ ٢) ١: ٦٦٧ كتاب الطلاق، باب اللعان. وأخرجه أحمد في " مسندهـ " (٢٢٩٠٢) ٥: ٣٣٦.
[ ١٠ / ٦٦ ]
أو " الإبعاد "، أو أبدل) لفظ: (" اشهد " بـ " أقسم " أو " أحلف "، أو أتى
به) أي: أتى الزوج باللعان (قبل إلقائه عليه، أو بلا حضور حاكم أو نائبه،
أو) لاعن (بغير العربية من يحسنها و) إن لم يحسنها (لا يلزمه تعلمها إن عجز
عنه) أي: عن اللعان (بها) أي: بالعربية، (أو علقه) أي: علق اللعان
(بشرط، أو عدمت موالاة الكلمات: لم يصح) في الأصح؛ لمخالفته للنص.
ولأن اللعان ورد في القران مسقطا للحد على غير القياس. فوجب أن يتقيد
بلفظه، كما قلنا في التكبير في الصلاة.
(ويصح من أخرس) وفي الأصح، (وممن اعتقل لسانه وأيس من نطقه
إقرار) فاعل يصح (بزنا، ولعان بكتابة) متعلق بيصح، (و) بـ (إشارة
مفهومة)؛ لأنه لا سبيل إلى نطقه في هذه الحالة. فانتقلنا إلى ما تحصل به
معرفة ما في نفسه، وهما الكتابة أو الإشارة (^١) للضرورة.
(فلو نطق) من لاعن بإشارة (وأنكر) اللعان، (أو قال: لم أرد قذفا
ولعانا قبل فيما عليه: من حد ونسب) (^٢) يعني: فيطالب بالحد ويلحقه
النسب، (لا فيما له: من عود زوجيه) فلا يملك إعادة الزوجة؛ لأنها ملكت
نفسها بذلك بحكم الظاهر. فلا يقبل إنكاره له.
(وله) أي: ولمن لاعن بالإشارة ثم نطق وأنكر، وقلنا لا يقبل إنكاره فيما
عليه من حد أو نسب (أن يلاعن لهما) أي: لإسقاط الحد ونفي نسب الولد.
(وينتظر مرجو نطقه) إذا قذف زوجته وأراد لعانها (ثلاثة ايام).
قال في " الفروع ": ومن رجي نطقه انتظر.
وفي " الترغيب ": ثلاثه أيام.
وفائدة صحة قذف الأخرس ولعانه: أن عندما نأمره باللعان ونحبسه إذا نكل
حتى يلاعن. ذكره في " عيون المسائل "، وكلام غيره يقتضي: أنه يحد. انتهى.
_________________
(١) في ج: والاشارة.
(٢) في " منتهى الإرادات ": قبل في لعان في حد ونسب. ر ٢: ٢٣٥.
[ ١٠ / ٦٧ ]
(وسن تلاعنهما قياما)؛ لأن في حديث ابن عباس في خبر هلال: "أن
هلالا جاء فشهد ثم قامت فشهدت " (^١) . وهذا يدل على انهما تلاعنا قياما.
(بحضرة جماعة)؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهلا حضروه مع حداثة
أسنانهم. فدل على أنه حضره جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس
تبعا للرجال، وكذلك قال سهل: " فتلاعنا وأنا مع الناس عند
رسولى الله ﷺ " (^٢) .
(و) سن (أن لا ينقصوا عن أربعة) من الرجال؛ لأن الزوجة ربما تصدق
على الزنا فيشهدون على إقرارها عند الحاكم.
(و) أن يكون تلاعنهما (بوقت ومكان معظمين). فالوقت المعظم: بعد
العصر يوم الجمعة؛ لقول الله ﷾: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وأجمع المفسرون على أن المراد بالصلاة هنا: صلاة العصر.
والمكان المعظم إذا كانا بمكة: بين الركن والمقام، وإذا كانا بالمدينة:
عند منبر رسول الله ﷺ، وإذا كانا ببيت المقدس؛ عند الصخرة. وإذا كانا
بغير ما ذكر: عند منابر جوامعها.
(و) سن (أن يأمر حاكم من) أي: رجلا (يضع يده على فم زوج، و)
امرأة تضع يدها على فم (زوجة عند الخامسة، ويقول: اتق الله فإنها الموجبة،
وعذاب الدنيا اهون من عذاب الآخرة)، لما أخرجه الجوزجانى في حديثا ابن
عباس (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١ ٠ ٠ ٥) ٥: ٢٣ ٠ ٢ كتاب الطلاق، باب يبدأ الرجل باللاعن.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٥٩) ٥: ٢٠١٤ كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، وفيه: " فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صصص وسط الناس ".
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٣١) ١: ٢٣٨.
[ ١٠ / ٦٨ ]
وأما كون الخامسة هي الموجبة فإنه إذا كان ك (٧) اوجبت عنيه اللعنة؛
لالتؤامه إياها في الخامسة، وإن كانت كاذبة وجب عليها الغضب بالتزامها إياه في الخامسة. فينبغي التخويف عندها والإعلام أن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة؛ لأن عذاب الدنيا منقطع وعذاب الآخرة دائم؛ ليتوب الكاذب منهما،
ويرتاع عما عزم علحه.
(ويبعث حاكم إلى) امرأة (خفرة) قذفها زوجها وأراد لعانه، (من يلاعن
بينهما)؛ لحصول الغرض ببعث من يثق الحاكم به. فلا ضرورة إلى
إحضا رها.
وأصل الخفر: الحياء، والخفرة: من تترك الدخول والخروج من منزلها
صيانة.
(ومن قذف زوجتين) أي: زوجتيه (فأكثر ولو) كان قذفه لهن (بكلمة)
واحدة: (أفرد كل واحدة بلعان) على الأصح؛ لأنه قاذف لكل واحدة منهن.
فلزمه أن يلاعنها؛ كما لو لم يقذف (^١) غيرها.
ولأن القذف حق لآدمي فلا يتداخل.
_________________
(١) في ج: يقذقها.
[ ١٠ / ٦٩ ]
] فصل: في شروط اللعان]
(فصل. وشروطه) أي: شروط اللعان المعتد به شرعا (ثلاثة):
الأول: (كونه بين زوجين مكلفين، ولو) كانا (قنين) أو أحدهما،
(أو) كانا (فاسقين أو ذميين، أو أحدهما) كذلك على الأصح.
أما اعتبار الزوجية؛ فلقول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾] النور: ٦].
وأما اعتبار التكليف؛ فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدا. واللعان إنما
وجب لإسقاط الحد، فإذا لم يجب لم يجب اللعان؛ لعدم موجبه.
وإنما لم يعتبر كونهما عدلين أو حرين أو مسلمين؛ لعموم قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.] النور: ٦].
ولأن اللعان يمين، واليمين يصح من كل مكلف.
إذا تقرر هذا (فيحد) الرجل (بقذف أجنبية بزنا ولو نكحها بعد) أي: بعد
أن قذفها. ولا يملك إسقاطه باللعان؛ لأنه وجب في حال كونها غير زوجة.
(أو قال لها) أي: لزوجته: (زنيت قبل أن أنكحك) فإنه يحد للقذف.
ولا يملك أسقاطه باللعان على الأصح؛ لأنه أضافه إلى حال لم تكن فيه زوجة
له. فلا يلاعن؛ كما لو قذف غير زوجته. وفارق قذف الزوجة؛ لأنه محتاج
إليه؛ لأنها خانته. وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه.
وأما إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنا. فلا
يشرع له طريق إلى نفيه ولا إلى لعانها؛ (كمن أنكر قذف زوجته مع بينة) لها
عليه؛ لأنه منكر لقذفها فكيف يحلف على إثباته، (أو) كمن (كذب نفسه)
بعد أن قذفها؛ لأنه مكذب نفسه في قذفها فكيف يحلف على إثباته.
[ ١٠ / ٧٠ ]
(ومن ملك زوجته) الأمة (فأتت بولد لا يمكن) أن يكون (من ملك
اليمين) بًان أتت به لدون ستة أشهر من حين ملكها: (فله نفيه بلعان). وإن
أمكن كونه من ملك اليمين فلا.
(ويعزر) الزوج (بقذف زوجة صغيرة أو مجنونة، ولا لعان) يشرع
بينهما؛ لأنه قول تحصل به الفرقة المؤبدة فلا يصح من غير مكلف، أو يمين.
فلا يصح من غير مكلف؛ كسائر الأيمان.
(ويلاعن من قذفها) أي: قذف زوجته (ثم أبانها) بعد أن قذفها، (أو
قال) لها: (أنت طالق يا زانية ثلاثا)؛ كما لو لم يبنها.
أما في الصورة الأولى؛ فلأنه قذفها قبل التلفظ بالطلاق.
وأما في الثانية؛ فلأنه حصل الطلاق قبله. فلو سكت لم تبن بذلك.
وإنما بانت بقوله: ثلاثا فهو حاصل قبل البينونة، فهو كما لو قذفها ثم
أبانها.
(وإن قذفها في نكاح فاسد، أو) قذفها في حال كونها (مبانة بزنا في
النكاح، أو) بزنا في (العدة، أو قال) لها: (انت طالق ثلاثا يا زانية لاعن لنفي
ولد) إن كان بينهما ولد.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بينهما ولد: (حد) للقذف.
أما إذا قذفها في النكاح الفاسد وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم عقد النكاح.
فكان له نفيه باللعان؛ كما لو كان في نكاح صحيح. ويفارق ما إذا لم يكن بينهما
ولد، فإنه لا حاجة إلى قذفها؛ لكونها أجنبية.
أما إذا قذفها وهي بائن وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم النكاح السابق. فكان
له نفيه باللعان؛ كما لو كان النكاح باقيا. وتفارق سائر الأجنبيات فإنه لا يلحقه ولدهن، فلا حاجة به إلى قذفهن.
الشرط (الثاني: سيق قذفها) أي: سبق قذف الزوج زوجته (بزنا ولو في
دبر)؛ لأن كلا منهما قذف يجب به الحد ويسقط باللعان، وسواء في ذلك
[ ١٠ / ٧١ ]
الأعمى والبصير. نص على ذلك، لقول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾ الآية [النور: ٦]. وهذا رام لز وجته.
وذلك (كـ) قوله: (زنيت، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين)، أو زنا
فرجك.
(وإن قال) لها: (ليس ولدك مني، أو قال معه: ولم تزن، أو
لا أقذفك، أو وطئت بشبهة، أو) وطئت (مكرهة، أو) وطئت (نائمة، أو)
وطئت (مع إغماء، أو) مع (جنون: لحقه) الولد، (ولا لعان) على
الأصح، لأنه لم يقذفها بما يوجب الحد.
(ومن أقر بأحد توأمين: لحقه) التوأم (الآخر)، لأن الحمل الواحد
لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره. فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت
نسب الاخر ضرورة. فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم يجعل ما استلحقه
تابعا لما نفاه، لأن النسب يحتاط لإثباته، لا لنفيه.
(و) يترتب على هذا: أنه إذا كان قذف أمهما فإنه (يلاعن لنفي الحد) في
الأصح، لأنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها، كما لا يلزم من وجود
الزنا كون الولد منه. ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة: لم ينتف الولد عنه
بذلك.
الشرط (الثالث: أن تكذبه) الزوجة في قذفه إياها، ويستمر) تكذيبها
(إلى انقضاء اللعان)، لأنها إذا لم تكذبه لا تلاعنه، والملاعنة إنما تنتظم من
الزوجين.
(فإن صدقته) فيما قذفها به (ولو مرة) واحدة، (أو عفت) أي: أعفته
عن المطالبة بحد قذفه إياها، (أو سكتت) بأن لم تقر ولم تنكر، (أو ثبت زناها
بـ) شهادة (أربعة سواه، أو قذف مجنونة بزنا قبله) أي: قبل جنونها، (أو)
قذف (محصنة فجنت) قبل اللعان، (أو) قذفها [حال كونها] (^١) (خرساء،
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ١٠ / ٧٢ ]
أو) حال كونها (ناطقة فخرست) قبل اللعان (ولم تفهم إشارتها، أو) حال
كونها (صماء)، وهناك ولد (لحقه النسب) على أكثر نصوص الإمام أحمد،
(ولا لعان)، لأن وجوب الحد شرط اللعان، لأنه ثبت لدرء (^١) الحد عن
القاذف. فإذا لم يجب الحد لم يكن للعان فائدة كما سبق. ونفي الولد جاء تبعا
للعان، لا مقصودا لنفسه. فإذا انتفى اللعان انتفى نفي الولد.
(وإن مات أحدهما) أي: أحد الزوجين (قبل تتمته) أي: تتمة اللعان:
(توارثا وثبت النسب، ولا لعان)؛ لأن اللعان لم يوجد. فلم يثبت حكمه.
وكذا إن مات أحدهما قبل لعانها وبعد لعانه؛ لأنه مات قبل تلاعن الزوجين؛
لأن الشرع إنما رتب هذه الأحكام على اللعان التام، والحكم لا يثبت قبل كمال
سببه، ويتوارثان لبقاء الزوجية.
(وإن مات الولد: فله لعانها ونفيه) بعد موته؛ لأن شروط اللعان تتحقق
بدون الولد فلا ينتفي بموته.
(وإن لاعن، ونكلت) الزوجة عن اللعان: (حبست حتى تقر أربعا) أي:
أربع مرات، (أو تلاعن) على الأصح.
قال أحمد: فإن أبت المراة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت
أن أحكم عليها بالرجم؛ لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا
أبت اللعان؟
ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا، لأن الفراش قائم حتى تلتعن،
والولد للفراش.
_________________
(١) في ج: لدروء.
[ ١٠ / ٧٣ ]
] فصل: فيما يترتب على اللعان]
(فصل. ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام):
الحكم الأول: (سقوط الحد) عنه إن كانت الزوجة محصنه، (أو
التعزير) إن لم تكن محصنه، (حتى) أنه يسقط عنه حد القذف أو التعزير
(لمعين) أي: لرجل معين (قذفها به) بًان قال لها: زنيت بزيد فإنه يسقط عنه
حد القذف لزيد، (ولو اغفله) أي: أغفل ذكر الرجل الذي عينه (فيه) أي:
في اللعان؛ لأن اللعان بينة في أحد الطرفين باتفاق. فكان بينة في الطرف
الاخر؛ كالشهادة.
ولأن به حاجة إلى قذف الزانى لما أفسد عليه من فراشه، وربما يحتاج إلى
ذكره ليستدل بشبه الولد للمقذوف على صدق قاذفه.
والأصل في ذلك ما روى ابن عباس: " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند
النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي ﷺ: البينة أو حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إنى لصادق. ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل ﵇ بقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]. فانصرف النبي ﷺ. فأرسل إليها. فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كان عند الخامسة وقفوها. فقالوا: إنها موجبة. ونكصت حتى
ظننا أنها ترجيع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت. وقال
النبي ﷺ: انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ: لولا ما مضى من
[ ١٠ / ٧٤ ]
كتاب الله ﷿ لكان لي ولها شأن " (^١) . رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.
فأسقط الحد باللعان مع تعيين قذفها به.
الحكم (الثاني: الفرقة) بين المتلاعنين (ولو بلا فعل حاكم) يعني: ولو
لم يفرق الحاكم بينها على الأصح.
الحكم (الثالث: التحريم المؤبد)؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه
أنه قال: " المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا " (^٢) رواه سعيد.
ولأن اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد. فلم يقف على حكم الحاكم؛ كالرضاع.
ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهاه؛
كالتفريق للعيب والإعسار. ولوجب أن الحاكم إذا لم يفرق بينهما: أن يبقى
النكاح مستمرا.
فعلى المذهب: يحصل التحريم المؤبد (ولو أكذب نفسه) على الأصح؛
لأن الأخبار جاءت عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم " أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا " (^٣) .
(أو كانت أمة فاشتراها بعده) يعني: أن اللعان يثبت التحريم المؤبد حتى
ولو لاعن زوجته الأمة ثم اشتراها من سيدها بعد أن لاعنها لم يحل له وطئها في
الأصح؛ لأنه تحريم مؤبد. فحرمت على مشتريها؛ كتحريم الرضاع.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٤٧٠) ٤: ١٧٧٢ كتاب التفسير، باب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾. وأخرجه أبو داود في " سنته " (٢٢٥٤) ٢: ٢٧٦ ابواب الطلاق، باب في اللعان. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧٩ ٣) ٥: ١ ٣٣ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سوره النور. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٦٧ ٢) ١: ٦٦٨ كتاب الطلاق، باب اللعان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢١٣٢) طبعة إحياء التراث.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (١٥٦١) ١: ٣٦٠ كتاب الطلاق، باب الرجل ما جاء في اللعان.
(٣) سبق تخريجه عن عمر قي الحديث السابق.
[ ١٠ / ٧٥ ]
ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا
أولى.
الحكم (الرابع: انتفاء الولد) عن الملاعن. (ويعتبر له) أي: لانتفائه
(ذكره صريحا) في اللعان؛ (كأشهد بالله: لقد زنت، وما هذا بولدي،
وتعكس هي) فتقول: أشهد بالله لقد كذب وهذا الولد ولده؛ لأنها أحد
الزوجين. فكان ذكر الولد منها شرطا في اللعان؛ كالزوج.
(أو) ذكره (تضمنيا؛ كقول) ملاعن (مدع زناها في طهر لم يصبها فيه،
وأنه اعتزلها حتى ولدت) عند التلاعن: (أشهد بالله إني لصادق فيما ادعيت
عليها، أو) فيما (رميتها به من زنا ونحوه) فينتفي.
(ولو نفى عددا) من الأولاد: (كفاه لعان واحد). ولم يحك في
" الإنصاف " في ذلك خلافا.
(وإن نفى حملا، أو استلحيقه، أو لاعن عليه مع ذكره: لم يصح) نفيه.
(ويلاعن) أولا (لدرء حد، وثانيا بعد وضع لنفيه)؛ لأنه من الجائز أن
يكون ما في بطنهما ريحا فهو حمل غير متيقن. فيصير الإقرار به أو نفيه مشروطا بوجوده، وكذا اللعان عليه، ولا يصح ذلك بشرط.
ولأن الإجماع منعقد على أنه لو تركه فلم ينفه لم يلزمه بذلك، وله أن ينفيه
بعد وضعه. وهذا يدل على اعتبار التعيين في وجوده، لكن إذا قال هو: من زنا
فهو قاذف فيلاعن لدرء الحد لا لنفيه؛ كما لو لم تكن حاملا فإذا وضعته وشاء
نفيه لاعن ثانيا لنفيه.
قال في " المحرر" بعد أن ذكر أن الحمل لا ينتفي باللعان: إلا أن يصف زنا
يلزم منه نفيه؛ كمن ادعى زناها في طهر لم يصبها فيه واعتزالها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك، ثم وضعته لمدة الإمكان من دعواه: فإنه ينتفى عنه. انتهى.
قال شارحه: فإن كان وصف ما يلزم منه نفي الولد؛ كمن ادعى أنها زنت
في ظهر لم يجامعها فيه، وأنه اعتزلها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك فإنه
[ ١٠ / ٧٦ ]
ينتفي الحمل إذا وضعته لمدة الإمكان من حين ادعى ذلك؛ لأنه ادعى ما يلزم منه نفيه. فانتفى عنه؛ كما لو لاعن عليه بعد ولادته. انتهى.
ولم يذكرا في ذلك خلافا.
(ولو نفى) إنسان (حمل اجنبة) أي: مخير زوجته: (لم يحد)؛ لأن
ذلك ليس بقذف؛ (كتعليقه) أي: تعليق الزوج أو غيره (قذفا بشرط)؛ كما
لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت زانية، أو إن دخلت الدار فأنب زانيه.
(إلا) إن قال لها: (أنت زانية إن شاء الله) فيكون قذفا.
(لا) إن قال لها: (زنيب إن شاء الله) فإنه لا يكون قذفا.
وأكثر ما قيل في الفرق بين الصورتين: أن الجملة الإسمية تدل على ثبوت
الوصف فلا تقبل التعليق. والجملة الفعلية تقبله؛ كقولهم، للضعيف: طبت إن
شاء الله ويكون مرادهم بذلك التبرك والتفاؤل بالعافية.
(وشرط لنفي ولد بلعان:
أن لا يتقدمه) أي: يتقدم اللعان (إقرار به) أي: بالولد الذي يرلد نفيه.
(أو) إ قرار (بتوأمه.
أو) لا يتقدم اللعان (بما يدل عليه) أي: على الإقرار به؛ (كما لو نفاه
وسكت عن توأمه، أو هنئ به فسكت، أو أمن على الدعاء) بالهناء به، (أو أخر
نفيه مع إمكانه) من غير عذر، أو أخره (رجاء موته) فيلحقه؛ لأنه خيار ثبت
لدفع ضرر متحقق. فكان على الخيار؛ كخيار الشفعة.
وقيل: له نفيه ما دام في المجلس.
لا إن أخره مع عذر مثل: أن تلده ليلا، أو يكون جائعا أو ظمآنا، أو يخاف
ضياع ماله باشتغاله بنفيه فيؤخره إلى زوال عذره فقط فلا يلحقه.
(وإن قال: لم أعلم به) أي: بالولد، (أو) لم أعلم (أن لي نفيه، أو)
لم أعلم (أنه) أي: نفيه (على الفور وأمكن صدقه قبل) منه بيمينه؛ لأن
الأصل عدم العلم. وإن لم يمكن صدقه بأن ادعى عدم العلم به وهو معها في
[ ١٠ / ٧٧ ]
الدار، أو ادعى عدم العلم بملك نفيه وهو فقيه لم يقبل منه، لأن ذلك مما
لا يخفى على الفقيه.
(وإن أخره) أي: أخر نفيه (لعذر؛ كحبس، ومرض، وغيبة، وحفظ
مال، أو ذهاب ليل، ونحو ذلك)؛ كملازمة غريم يخاف فوته أو غيبته: (لم
يسقط نفيه).
وإن علم بولادته وهو غائب عن البلد فأمكنه السير فاشتغل به لم يسقط نفيه،
وإن أقام من غير حاجة سقط.
(ومتى أكذب نفسه بعد نفيه: حد لمحصنة) أي: إن كانت أم ولد
محصنة، (وعزر لغيرها) أي: لغير المحصنة؛ كما لو كانب أم الولد أمة أو
ذمية، وسواء كان قد لاعن قبل ذلك أو لم يلاعن؛ لأن اللعان يمين أو بينة درأت
عنه الحد أو التعزير. فإذا أقر بما يخالف المحلوف بعد ذلك سقط حكمها؛ كما
لو حلف أو أقام بينة على حق غير ذلك ثم أقر به.
(وانجر النسب) أي: نسب الولد الذي نفاه أولا (من جهة الأم إلى جهة
الأب) الذي أكذب على نفسه بعد نفيه؛ (كولاء) يعني: كما ينجر الولاء من
موالي الأم إلى موالي الأب بعتق الأب.
(وتوارثا) أي: وورث كل من الأب الذي أكذب نفسه والولد الذي
استلحقه بعد نفيه الآخر؛ لأن الإرث تابع للنسب. فإذا ثبت النسب ثبت
الإرث.
ولا فرق في ذلك بين كون] [أحدهما غنيا أو فقيرا، ولا بين كون] (^١) الولد
حيا أو ميتا، ولا بين كون الولد له ولد أو لا؛ لأن ولد الولد يتبع نسب الولد.
فإن قيل: يستلحق الولد الميت إذا كان غنما إنما يدعي مالا.
قلنا: إنما يدعي النسب، والميراث تبع له.
فإن قيل: [هو متهم في أن غرضه حصول الميراث.
_________________
(١) ساقط من ا.
[ ١٠ / ٧٨ ]
قلنا: النسب لا تمنيع التهمة لحوقه، بدليل أنه لو كان الابن حيا غنيا والأب
فقيرا فاستلحقه [(^١) فهو متهم في إيجاب نفقته على الابن، ولا يمنع ذلك ثبوت
النسب، لأن النفقة تابعة للنسب؛ كالإرث.
(ولا يلحقه) يعني: أن الملاعن لا يلحقه نسب الولد الذي نفاه ثم مات
(باستلحاق ورثته بعده) على الأصح. نص عليه، لأن الوارث إذا حمل على
غيره نسبا قد نفاه عنه لم يقبل منه.
ولأن نسب الولد انقطع بنفيه عن الميت، لتفرده بالعلم به دون غيره.
ولذلك لا تقبل الشهادة به، إلا أن تستند إلى قوله. فلا يقبل إقرار غيره به عليه،
كما لو شهد به.
(والتوأمان المنفيان: أخوان لأم) فقط في الأصح، لانتفاء النسب من جهة
الأب.
(ومن نفى من) أي: ولدا (لا ينتفي)؛ كمن أقر به قبل ذلك، أو وجد منه
ما يدل على الرضى به، (وقال: إنه من زنا حد إن لم يلاعن) على الأصح،
لأنه قذف زوجته. فكان له إسقاط الحد باللعان.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ٧٩ ]
(فصل: فيما يلحق من النسب)
(من أتت زوجته بولد، بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها، ولو مع غيبة
فوق أربع سنين).
قال في " الفروع ": ولو مع غيبته (^١) عشرين سنة. قاله في " المغني " في
مسًا لة القافة، وعليه نصو صأحمد. ولعل المراد ويخفى سيره، وإلا فالخلاف
على ما يأتي. انتهى.
(ولا ينقطع الإمكان) عن الاجتماع (بحيض).
قالط في " الفروع ": ولا ينقطع الإمكان عنه بالحيض. قاله في
" الترغيب ". انتهى.
(أو) الت به (لدون أربع سنين منذ أبانها) زوجها، (ولو) كان الزوج
(ابن عشر فيهما) أي: في حين إمكان اجتماعه بها وفي حين إبانتها: (لحقه
نسبه) على الأصح؛ لقولط النبي ﷺ: " الولد للفراش " (^٢) .
_________________
(١) في ج: غيبه.
(٢) أخرجه البخاري في " صمحيحه " (١٩٤٨) ٢: ٧٢٤ كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات من حديث عائشة. وأخرجه أبو دأود في " سننه " (٢٢٧٤) ٢: ٢٨٣ أبواب الطلاق، ياب الولد للفراش من حديث عمرو ابن شعيب عن ائيه عن جده. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (" ٢١٢) ٤: ٤٣٣ كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث من حديث أبي أمامة الباهلى. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٨٤) ٦: ١٨٠ كتاب الطلاق، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش من حديث عائشة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٧ ٢٠) ١: ٦٤٧ كتاب النكاح، باب الولد للفراش وللعاهر الحجر من حديث أبي أمامة الباهلي.
[ ١٠ / ٨٠ ]
ولأن مع ذلك يمكن كونه منه.
وقدرنا بعشر سنين فما زاد؛ لقول النبي ﷺ: "واضربوهم عليها لعشر
وفرقوا بينهم في المضاجع " (^١) .
ولأن تمام عشر سنين زمن يمكن فيه البلوغ. فيلحق فيه الولد؛ كالبالغ.
وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عافا.
وأمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة.
(ومع هذا) أي: مع لحوق النسب به (لا يحكم ببلوغه)؛ لأن الحكم
بالبلوغ يستدعي يقينا لترتيب الأحكام عليه من التكاليف ووجوب الغرامات فلا
يحكم به مع الشك. وإنما ألحقنا الولد به حفظا للنسب احتياطا.
(ولا يكمل به) أي: بإلحاقنا به النسب (مهر)؛ لأن الأصل براءة ذمته فلا
نثبته عليه بدون ثبوت نسبه الموجب له.
(ولا تثبت) به (عدة ولا رجعة)؛ لأن السبب الموجب لهما غير ثابت فلا
يثبتان بدون ثبوت سببهما.
(وإن لم يمكن كونه منه) أي: من الزوج؛ (كلأن) أي: مثل ما لو (أتت
به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش) لم يلحقه؛ لأنها مدة لا يمكن ان تحمل
وتلد فيها. فعلم أنها كانت حاملا به قبل تزوجها.
(أو) أتت به (لأكثر من أربع سنين منذ أبانها) لم يلحقه؛ لأن بقاءها حاملا
به بعد البينونة إلى تلك المدة غير ممكن فعلم انها حملت به بعد بينونتها.
(أو أقرت بانقضاء عدتها بالقروء، ثم ولدت لفوق نصف سنة منها) أي:
من عدتها التي أقرت بانقضائها بالقرء لم يلحقه؛ لأنها أتت به بعد الحكم بانقضاء
_________________
(١) =وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٤٣ ٠ ٢٦) ٦: ٢٣٧ من حديث عائشة. أخرجه أحمد في " مسنده ") ٦٧٥٦) ٢: ١٨٧ من حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ١٠ / ٨١ ]
عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه. فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل. وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى
بإلإمكان للحاق النسب وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه؛ وذلك لأن الفراش سبب
ومع وجود السبب يكتفى بالإمكان. فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم
بالإمكان لانتفاء سببه.
وعلم مما تقدم أنها إن ولدت قبل مضي ستة أشهر من آخر أقرائها: أنه يلحق
الزوج؛ لأنا تيقنا (^١) أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها، وأنها كانت حاملا به في
زمن (^٢) روية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا. فلم تنقض عدتها به.
(أو فارقها حاملا فوضعت، ثم) وضعت (آخر بعد نصف سنة) لم يلحقه
الولد الثانى، لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا. فعلم أنها علقت به
بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة، وكونها حملت به وهي أجنبية.
(أو علم انه) أي: أن الزوج (لم يجتمع بها) زمن الزوجية: (بأن تزوجها
بمحضر حاكم أو غيره ثم ابانها) بالمجلس، (أو مات) الزوج (بالمجلس، أو
كان بينهما) أي: بين الزوجين (وقت عقد مسافة لا يقطعها في المدة التي ولدت
فيها)، كمشرقي تزوج بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه نسبه؛
لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمن
الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منها الوطء.
ولأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد. فلم يلحق به الولد؛ كزوجة
الطفل.
(أو كان الزوج لم يكمل له عشر) من السنين، (أو قطع ذكره مع أنثييه: لم
يلحقه) نسبه، لأنه يستحيل منه الإيلاج والإنزال.
(ويلحق) النسب زوجا (عنينا) في الأصح، (ومن قطع ذكره فقط) أي:
_________________
(١) في ج: بالزوج لأنا بينا.
(٢) ساقط من أ
[ ١٠ / ٨٢ ]
دون أنثييه في الأصح، (وكذا من قطعت أنثياه فقط، عند الأكثر) من الأصحاب.
قال في "المقنع ": وإن قطع أحدهما فقالط أصحابنا: يلحقه نسبه. وفيه بعد.
ووجه بعده: أنه لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك. فأشبه ما لو قطع ذكره
مع أنثييه في الأصح.
(وقيل: لا) يلحقه نسبه مع قطيع أنثييه.
قال (المنقح: وهو الصحيح).
ووجهه: ما تقدم.
(وإن ولدت) مطفقة (رجعية بعد أربع سنين منذ طلقها وقبل) أربع سنين
منذ (انقضاء عدتها، أو لأقل من أربع سنين منذ انقضت) عدتها: (لحق نسبه)
أي: نسب ما ولدته بالمطلق في الأصح؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في
السكنى والنفقة ووقوع الطلاق عليها والظهار والإيلاء والحل. فأشبهت ما قبل الطلاق.
(ومن أخبرت) بالبناء للمفعول (بموت زوجها فاعتدت) للوفاة، (ثم
تزوجت) ثم ولدت: (لحق بثان) أي: بالزوج الثاني الذي تزوجته (ما ولدت)
وعاش (لنصف سنة فأكثر) منذ تزوجته. نص عليه؛ لأن ما ولدته لدون ذلك
ليس منه يقينا.
[ ١٠ / ٨٣ ]
] فصل: متى يلحق الولد]
(فصل. ومن ثبت) أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه، (أو أقر أنه وطئ أمته
في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة) فأكثر (لحقه) نسب ما ولدته؛ لأن أمته
بوطئه صارت فراشا له. فإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه نسبه؛
" لأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن ولمدة زمعة. فقال: هو أخي وابن وليدة
أبي، ولد على فراشي. فقال النبي ﷺ: هو لك يا عبد بن زمعه. الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^١) . متفق عليه. فيلحقه.
(ولو قال: عزلت، أو) قال: (لم أنزل)؛ لما روى ابن عمر أن عمر
رضي الله تعالى عنه قال: " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون. لا تأتني
وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد أو أنزلوا " (^٢) .
رواه الشافعي في " مسنده ".
وهي (^٣) قضية اشتهرت ولم تنكر فتكون إجماعا.
ولأنها ولدت على فراشه ولدا يمكن كونه منه، بأن يكون أنزل ولم يحس
به، أو أصاب بعض الماء فم الرحم وعزل بافيه فيلحقه نسبه.
(لا إن ادعى استبراء) بعد الوطء بحيضة فلا يلحقه؛ لأن بالاستبراء تيقن
براءة رحمها. فإذا ولدت بعد ذلك تيقنا أنه من غيره فلا يلحق به.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٦٨) ٦: ٤٨١ ٢ كتاب الفرائض، باب الولد للفراش، حرة كانب أو أمه. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٥٧) ٢: ١٠٨٠ كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات.
(٢) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٩٤) ٢: ٣٠ كتاب النكاح، باب فيما جاء في النسب.
(٣) في ج: وفي.
[ ١٠ / ٨٤ ]
(ويحلف عليه) أي: على الاستبراء في الأصح؛ لأنه حق لولد لولا دعواه
للحق به. فيحلف لنفيه، كما يحلف الزوج لنفي الولد في اللعان.
(ثم تلد لنصف سنة بعده) أي: بعد الاستبراء؛ لأنها إن ولدت قبل نصف
سنه من حين الاستبراء تبينا ان لا استبراء، ويلحقه.
(وإن أقر) سيد أمة (بالوطء) أي: بوطء أمته (مرة) واحدة، (ثم ولدت
ولو بعد أربع سنين من وطئه: لحقه) نسب ما ولدته فى الأصح؛ لأنه باعترافه
بالوطء صارت فراشا له. فلحقه ما ولدته بعد ذلك وإن جاوز أكثر مدة الحمل؛ لإمكان كونه منه.
(ومن استلحق ولدا) من أمته ثم ولدت بعد ذلك ولدا آخر: (لم يلحقه ما
بعده) أي: بعد الذي استلحقه (بدون إقرار آخر) أي: غير الإقرار الأول في
الأصح انه (^١) وطئها بعد ما ولدت الولد الأول؛ لأن الوطء الذي اعترف به أولا
قد ولدت منه وحصل به استبرأوها من الوطء الأول، فلا يلحقه ما بعده إلا بوطء
يمكن أن يكون منه.
(ومن أعتق) أمة اقر بوطئها (أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف
سنة) من حين عتقها أو لدون نصف سنة من حين بيعها: (لحقه) أي: لحق.
المعتق أو البائع ما ولدته؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. فإذا أتت به لدونه وعاش
علم ان حملها كان قبل عتقها وقبل بيعها حين كان فراشا له، (والبيع باطل)؛
لأنها صارت أم ولد له، حتى (ولو) كان (استبرأها قبله) أي: قبل أن يبيعها؛
لأنها لما ولدت لدون نصف سنة من حين البيع تبينا أن ما رأته من الدم دم فساد؛
لأن الحامل لا تحيض.
(وكذا) الحكم: (إن لم يستبرئها) بل بيعها (وولدته لأكثر) من نصف
سنة وأقل من أربع سنين من حين بيع، (وادعى مشثر انه) أي: أن الولد (من
بائع) فإنه يلحق بالبائع؛ لأنه وجد منه سبب الولادة وهي الوطء، ولم يوجد ما
_________________
(١) في ج: لأنه.
[ ١٠ / ٨٥ ]
يعارضه ولا ما يمنعه. فتعين إحالة حكمه على من وجد السبب منه، سواء ادعاه
البائع أو لم يدعه.
(وإن ادعاه) أي: ادعى الولد (مشتر لنفسه) فيما إذا باعها قبل استبرائها
وولدته لأكثر من نصف سنة من حين بيع، (أو) ادعى في هذه الصوره (كل
منهما) أي: من البائع والمشتري (أنه) أي: أن الولد (للآخر والمشتري مقر
بوطئها) في هذه الصورة: (أري) الولد (القافة) على الأصح. نقله صالح
وحنبل؛ لأن نظر القافة طريق شرعي إلى معرفة النسب عند الاحتمال، بدليل ما روت عائشه قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورا، تبرق أسارير (^١) وجهه. فقال: ألم تري أن مجززا نظر انفا إلى زيد بن حارثة وأسأمة بن زيد،
فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (^٢) . رواه الجماعة. وهذا لفظ أحمد
والبخاري.
(وإن استبرئت) أي: استبرأ البائع الجارية التي وطئها ثم باعها (ثم ولدت
لفوق نصف سنة) من حين البيع، (أو لم تستبرا) يعني: أو باعها ولم يستبرئها
وولدت لفوق نصف سنة من حين البيع، (ولم يقر مشتر له) أي: للبائع (به)
أي: بالولد الذي ولدته: (لم يلحق) الولد (بائعا)؛ لأنه ولد أمة المشتري
فلا يقبل دعوى غيره له إلا بإقرار من المشتري.
(وإن ادعاه) أي: ادعى البائع أن الولد ولده (وصدقه مشتر) على ذلك
_________________
(١) في ج: البخاري.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣٦٢) ٣: ٤ ١٣٠ كتاب المناقب، باب صفة النبي صصص. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٥٩) ٢: ١٠٨١ كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٦٧) ٢: ٢٨٠ كتاب الطلاق، باب في القافة. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢١٢٩) ٤: ٤٤٠ كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في المافة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٩٣) ٦: ١٨٤ كتاب الطلاق، باب القافة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٤٩) ٢: ٧٨٧ كتاب الأحكام، باب القافة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٩٣٧) ٦: ٢٢٦.
[ ١٠ / ٨٦ ]
(في هذه) الصورة، (أو في) صورة (ما إذا باع) إنسان جارية لآخر (ولم
يقر) البائع (بوطء) أي: بأنه وطئها، (وأتت به) أي: بولد (لدون نصف
سنة) من حين بيع، وادعى البائع أنه ولده وصدقه المشتري على ذلك:
(لحقه) أي: لحق الولد البائع، (وبطل البيع)؛ لأن الحق في ذلك
لا يعدوهما. فإذا تصادقا على شيء لزمهما.
(وإن لم يصدقه مشتر) أي: يصدق المشتري البائع في دعواه في
الصورتين: (فالولد عبد له) أي: للمشتري (فيهما) أي: في الصورتين،
ولا يثبت نسبه من البائع في الأصح، لأن فيه ضررا على المشتري فإنه لو أعتقه
كان أبوه أحق بميراثه من مولاه.
(وإن ولدت من مجنون، من) أي: أمة (لا ملك له) أي: للمجنون
(عليها) أي: على الأمة (ولا شبهة ملك: لم يلحقه) أي: يلحق المجنون
نسب ما ولدته منه، لأن وطئه لم يستند إلى ملك ولا اعتقاد إباحة. فإن كان قد
أكرهها على الوطء. فعليه مهر مثلها، كالمكلف، لأن الضمان يستوي فيه
المكلف وغيره.
(ومن قال عن ولد بيد سريته، أو) بيد (زوجته، أو) بيد (مطلقته: ما
هذا ولدي، ولا ولدته) أنت (فإن شهدت) امرأة واحدة في الأصح (مرضية
بولادتها له: لحقه) نسب الولد.
(وإلا) أي: وإن لم تشهد امرأة مرضية: (فلا) يقبل قولها عليه، لأن
الولادة يمكن إقأمة البينة عليها. والأصل عدمها. فكانت البينة على مدعيها،
وكان القول قول من ينكرها.
(ولا آثر لشبه) لأحد مدعي ولد (مع) وجود (فراش) ينتمي إليه الولد؛
لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " اختصم سعد بن أبي وقاص
وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ. فقال سعد: يا رسول الله! ابن اخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي
يا رسول الله! ولد على فراش أبي. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بينا
[ ١٠ / ٨٧ ]
بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي
منه يا سودة بنت زمعة " (^١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
فألحق الولد بصاحب الفراش مع تحققه أنه من عتبة بالشبه، ولذلك قال
لسودة: " احتجبي منه ".
ولأن الفراش كاليد على غير الولد. فقدم صاحب الفراش كما يقدم صاحب اليد. (وتبعيه (^٢) نسب لأب) إجماعا، (ما لم ينتف، كابن ملاعنة) فولد قرشي
من غير قرشية قرشي. بخلاف ولد قرشية من غير قرشي فإنه لا يكون قرشيا. (وتبعيه ملك أو) تبعية (حرية لأم، إلا مع شرط) بأن يشترط زوج الأمة
على سيدها عند تزويجها أن ما تأتي منه بولد يكون حرا، (أو) مع (غرور) بأن يتزوج امراة على أنها حرة فتبين أمة، فإن ولدهما في الصورتين يكون حرا.
(وتبعية دين) أي: دين ولد (لخيرهما) أي: خير أبويه دينا. فلو تزوج
مسلم حرة كتابية، أو تسرى مسلم بأمة كتابية فما تلده يكون مسلما، وإذا تزوج
كتابي بحرة مجوسية، أو تسرى بأمة مجوسية فما تلده منه يكون كتابيا.
(وتبعية نجاسة وحرمة أكل لأخبثهما) أي: أخبث الأبوين. فالبغل نجس
محرم الأكل لتبعيته لأخبث أبويه وهو الحمار الذي هو نجس محرم الأكل دون أطيبهما الذي هو الفرس الطاهر المباح الأكل. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣٦٨) ٦: ٢٤٨١ كتاب الفرائض، باب الولد للفراش، حرة كانت أو أمة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٥٧) ٢: ١٠٨٠ كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات. وأخرجه أبو داود في " سنمه " (٢٢٧٣) ٢: ٢٨٢ أبواب الطلاق، باب الولد للفر اش. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٨٥) ٦: " ١٨ كتاب الطلاق، باب الحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٤ ٢٠) ١: ٦٤٦ كتاب النكاح، باب الولد للفراش وللعاهر الحجر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٣ " ٢٦) ٦: ٢٣٧.
(٢) في ج: ويتبعه.
[ ١٠ / ٨٨ ]