هذا (كتاب النفقات. جمع نفقة)، وأصلها الإخراج من النافقاء (^١) وهو
موضع يجعله اليربوع في مؤخر الجحر رقيقا يعده للخروج. إذا أتى من باب
الجحر دفعه برأسه وخرج منه. ومنه سمي النفاق؛ لأنه خروج من الإيمان، أو خروج الإيمان من القلب. فسمى الخروج نفقة لذلك.
والمقصود في هذا الكتاب: بيان ما يجب على الإنسان من النفقة بالنكاح
والقرابة والملك وغير ذلك.
(وهي) أي والنفقة شرعا: (كفاية من يمونه) المنفق (خبزا وأدما،
وكسوة وسكنا، وتوابعها) أي: وتوابع هذه الأمور؛ كماء الشرب، وطهارة،
وإعفاف لمن يجب إعفافه ممن تجب نفقته.
(وعلى زوج ما لا غناء لزوجة عنه).
والأصل في وجوب نفقه الزوجة الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
والمراد بذلك: نفقة الزوجات؛ لأنه جاء في سياق أحكامهن. فأوجب
النفقة على الموسع وعلى من قدر عليه رزقه أي: ضيق عليه بقدر ما يجد.
وأما السنة؛ فروى جابر أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: " اتقوا الله
في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله،
ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (^٢). رواه مسلم وأبو داود في حديث
صفة حج النبي ﷺ.
_________________
(١) في ج: النافق.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي صصص.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
ورواه الترمذي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص. وفيه ذكر حق الزوج ثم
قال: " ألا! وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في طعامهن وكسوتهن " (^١) .
وصححه الترمذي.
وأجمع المسلمون على وجوب نفقة الزوجة على الزوج: إذا كأنا بالغين ولم
تكن ناشزا. ذكره ابن المنذر وغيره.
ولأن الزوجه محبوسة لحق الزوج، وذلك يمنعها عن التصرف والكسب.
فوجب عليه نفقتها؛ كالقن.
وحيث تقرر وجوب نفقه الزوجة على الزوج فإنها تجب عليه (ولو) كانت
الزوجة (معتدة من وطء شبهة)، حال كونها (غير مطاوعة) للواطئ؛ لأن
الزوج له أن يستمتع منها بما دون الفرج.
وقوله: ما لا غناء لزوجة (^٢) عنه يعني: (من مأكول ومشروب، وكسوة
وسكتى بالمعروف)، لقوله ﷺ في حديث جابر المتقدم: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعر وف " (^٣) .
(ويعتبر حاكم) تقدير (ذلك: إن تنازعا) أي: الزوج والزوجة في قدر
ذلك، أو صفته (بحالهما) أي: حال الزوجين في يسارهما وإعسارهما،
ويسار أحدهما وإعسار الآخر. وكان النظر يقتضي: أن يعتبر ذلك بحال الزوجة
دون الزوج؛ لأن النفقة والكسوه لها بحكم الزوجية. فكانت معتبرة بها،
كمهرها، لكن قال الله ﷾: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. فأمر الموسر بالسعة في النفقة، ورد
_________________
(١) =وأخرجه ابو داود في "سننة" (١٩٠٥) ٢: ١٨٥ أول كتاب المناسك، باب صفة حجه النبي صصص. أخرجه الترمذي في (جامعه " (١٦٣؛ ١) ٣: ٧ - ٤٦ كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٥١) ١: ٥٩٤ كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج.
(٢) في ج.: لزوجته.
(٣) سبق قريبا.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
الفقير إلى استطاعته. فلذلك اعتبرنا حال الزوجين في قدر الواجب وجنسه؛
رعاية لكلا الجانبين.
وأما كون ذلك موكولا إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنه أمر يختلف باختلاف حال
الزوجين. فرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ كسائر المختلفات.
(فيفرض لموسرة مع موسر كفايتها: خبزا خاصا بأدمه المعتاد لمثلها)
أي: مثل الموسرة في تلك البلدة.
(و) يفرض لها أيضا (لحما عادة الموسرين بمحلهما) أي: ببلده الزوج
والزوجة التي هما بها؛ لأن ذلك يعتبر في كل موضع بحسبه.
(وتنقل) زوجة (متبرمة من أدم إلى غيره) من الأدم. قاله في " البلغة "
و" الفروع " وغيرهما.
(ولا بد) لها (من ماعون الدار، ويكتفى) منه (بخزف وخشب.
والعدل ما يليق بهما) أي: بالزوجين. قال الناظم:
ومن خير ماعون لحاجة مثلها لشرب وتطهير وأكل فعدده
(و) يفرض الحاكم لموسرة من الكسوة (ما يلبس مثلها) أي: مثل
الزوجة: (من حرير وخز، وجيد كتان و) جيد (قطن). كل ذلك على
ماجرت عادة مثلها من الموسرات في ذلك البلد.
(وأقله) أي: أقل ما يفرض من الكسوة للجسد: (قميص وسراويل،
وطرحة) وتسمى الوقاية، وهي: ما تضعه فوق المقنعه، (ومقنعة، ومداس
وجبة للشتاء.
و) أقل ما يفرض (للنوم: فراش ولحاف ومخذة.
و) أقل ما يفرض (للجلوس: بساط ورفيع الحصير.
و) يفرض الحاكم (لفقيرة مع فقير كفايتها: خبزا خشكارا (^١) بأدمه، وزيت
_________________
(١) الخشكر: ما خشن من الطحين (فارسيه)، والعامه تقول خشكار. " محيط المحيط" ص: ٢٣٤
[ ١٠ / ١٦١ ]
مصباح، ولحما العادة) على الأصح. وذكر (^١) جماعة: لا يقطعها اللحم فوق
أربعين. وقدم في " الرعاية ": كل شهر مرة.
وقال أحمد في رواية الميمونى عن عمر بن الخطاب قال: " إياكم واللحم
فإن له ضراوه كضراوة الخمر ".
قال إبراهيم الحربي: يعني: إذا أكثر (^٢) منه. ومنه كلب ضاري.
(و) يفرض لها من الكسوة (ما يلبس مثلها، وينام فيه، ويجلس عليه.
و) يفرض (لمتوسطة مع متوسط، وموسرة مع فقير، وعكسها) يعني:
ولمعسرة مع موسر (ما بين ذلك)؛ لأن ذلك هو اللائق بحالهما، إذ إيجاب
الأعلا لموسرة تحت الفقير ضرر عليه بتكليفه ما لا يسعه حاله، وإيجاب الأدنى ضرر عليها فكان المتوسط (^٣) أولى. وإيجاب الأعلا لفقيرة تحت الموسر زيادة
عما (^٤) يقتضيه حالها، والأدنى يقتضيه حالها. وقد قال الله ﷾: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] فكان المتوسط في ذلك أولى.
(وموسر نصفه حر) في ذلك (كمتوسطين) يعني: كنفقة متوسطة تحت
متوسط، (ومعسر كذلك) يعني: نصفه حر (كمعسرين) يعني: كنفقة معسرة
تحت معسر. وما في المتن هو الأصح.
وعند القاضي: الواجب ليوم رطلا خبز بحسبهما بأدمه دهنا بحسب البلد.
وفي " الترغيب " عنه: لموسرة مع فقير أقل كفاية، والبقية في ذمته.
وقدر الشافعي النفقة بالحب: فعلى الفقير مد وعلى الموسر مدان؛ لأنه
أكثر واجب في كفارة، وهي كفارة الأذى. وعلى المتوسط نصفهما.
(وعليه) أي: على الزوج (مؤنة نظافتها) أي: نظافة الزوجة: (من
_________________
(١) في أ: وذلك.
(٢) في ج: كثر.
(٣) في ج: فكانت المتوسطه.
(٤) في ج: على ما.
[ ١٠ / ١٦٢ ]
دهن، وسدر، وثمن ماء، و) ثمن (مشط، وأجرة قيمة) بتشديد الياء المثناة
من تحت، (ونحوه)، ككنس الدار وتنظيفها، لأن ذلك كله من حاجتها
المعتادة. فلزمه، كسائر النفقة.
(لا دواء) يعني: أن الزوج لا يلزمه لزوجته دواء، (و) لا (أجرة طبيب)
إذا مرضت، لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة. وإنما احتيج إلى
ذلك لعارض فلا يلزمه. (وكذا) لا يلزمه (ثمن طيب وحناء وخضاب،
ونحوه)، كثمن ما يحمر به وجه، ويسود به شعر إذا لم يرد منها التزين بذلك،
لأن ذلك ليس بضروري لها، فلذلك لا يلزمه.
(وإن أراد منها تزينا به) أي: بما ذكر، (أو) أراد منها (قطع رائحة
كريهة، وأتى به) أي: بما يريد منها التزين به، أو بما يقطع الرائحة الكريهة:
(لزمها) استعماله من أجله.
وفي " المغنى " و" الترغيب ": لا يلزمه لها خف ولا ملحفة. ولعل
ذلك، لكون المرأة لا تحتاج إلى ذلك إلا عند خروجها. وليس خروجها من
حاجتها الضرورية المعتادة.
(وعليها) أي: على الزوجة (ترك حناء وزينة نهى عنهما) الزوج. ذكره
الشيخ تقي الدين.
(وعليه) أي: على الزوج (لمن) أي: لزوجته (بلا خادم- ويخدم)
بالبناء للمفعول (مثلها)، كالموسرة والصغيرة، (ولو) كان احتياجها إلى
الخدمة (لمرض- خادم وأحد)، لقول الله ﷾: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ومن المعروف: أن يقيم لها خادما.
ولأن ذلك من حاجتها. فلزم الزوج ذلك، كالنفقة.
وأما كونه لا يلزمه أكثر من خادم واحد على الأصح. نص عليه، لأن
المستحق عليه خدمتها في نفسها وذلك يحصل بالواحد فلا يجب أكثر منه.
(وتجوز) كون الخادم امرأة (كتأبيه) في الأصح، لأنه يجوز نظرها إليها
على الأصح.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
(وتلزم) الزوجة (بقبولها) أي: قبول الخادم الكتابية، لأن تعيين الخادم
إلى الزوج كما يأتي في المتن.
(ونفقته) أي: نفقة الخادم (وكسوته) على الزوج، (كفقيرين) أي:
كنفقه فقيرة تحت فقير، (مع خف وملحفة) للخادم (لحاجة خروج ولو أنه)
أي: أن الخادم (لها) أي: للزوج، لأن الخادم إن كانت أمة لم يجب لها أكثر
من ذلك، وإن كانت حرة فهي إنما ترضى بالخدمه لفقرها. فلا يجب لها أكثر
من نفقه الفقير تحت الفقير، (إلا في نظافة) فلا يجب للخادم دهن ولا سدر
ولا مشط ولا يجوز ذلك، لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف، ولا يراد ذلك من
الخادم.
(ونفقة) خادم (مكرى ومعار على مكر ومعير)، لأن المكري ليس له إلا
الأجرة، والمعير لا تسقط النفقة عنه بإعارته.
(وتعيين خادم لها) أي: للزوجه (إليهما) أي: إلى الزوج والزوجة
يعني: إن كان الخادم لها فرضيت بخدمته لها ونفقته على الزوج جاز. وإن
طلبت منه أجره خادم فوافقها جاز، وإن أبى وقال: أنا آتيك بخادم سواه فله ذلك
إذا أتاها بمن يصلح لها.
(و) تعيين (سواه) أي: سوى الخادم الذي لها (إليه) أي: إلى الزوج،
لأن أجرته عليه فيكون تعيينه إليه.
(وإن قالت) الزوجة لزوجها:) أنا اخدم نفسي، وآخذ) منك (ما يجب
لخادمي، أو قال) الزوج: (أنا أخدمك بنفسي وأبى الآخر) يعني: أبى الزوج
أن تخدم نفسها ويعطيها ما يجب للخادم، أو أبت الزوجة أن يخدمها الزوج:
(لم يجبر) واحد منهما على ما أراده الآخر.
أما كون الزوج لا يجبر على ما أرادته، لأن في كونها يخدمها غيرها
توفيرا لها على حقوقه، وترفيها لها، ورفعا لقدرها. وذلك يفوت بخدمتها
لنفسها.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
وأما كونها لا تجبر على أن يخدمها بنفسه؛ لأن (^١) غرضها من الخدمة قد
لا يحصل به؛ لأنها تحتشمه، وفيه (^٢) غضاضة عليها؛ لكون زوجها خادما لها.
(وتلزمه) لزوجته (مؤنسة لحاجة) إلى ذلك، بأن كانت بمكان مخوف،
أو لها عدو تخاف على نفسها منه؛ لأنه ليس من المعاشره بالمعروف أن تقيم
وحدها بمكان لا تأمن على نفسها فيه.
(لا أجرة من يوضئ) زوجة (مريضة. بخلاف رقيقه) المريض الذي
لا يمكنه الوضوء بنفسسه.
_________________
(١) في: فلأن.
(٢) في ج: وفيها.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
] فصل: في نفقة الزوجة]
(فصل. والواجب) على الزوج: (دفع قوت) من الخبز والأدم ونحو
ذلك إلى زوجته وخادمها، (لا) دفع (بدله) أي: بدل القوت من نقد أو
فلوس. فلا يلزمها قبوله؛ لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى من يبتاعه لها، وقد
لا يحصل، أو يلزمها منه مشقة بخروجها له، أو تكليف من يمن عليها به.
(ولا) دفع (حب) فلا يلزمها قبوله؛ لما فيه ذلك من تكليفها طحنه وعجنه
وخبزه.
ولقول ابن عباس "في قوله ﷾: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال: الخبز والزيت ".
وعن ابن عمر: " الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر.
وأفضل ما تطعمونهن: الخبز واللحم ". ففسر إطعام الأهل بالخبز مع غيره من
الأدم.
ولأن الشرع ورد بالإيجاب مطلقا من غير تقدير ولا تقييد. فوجب أن يرد
إلى العرف، كما في القبض والإحراز. وأهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم دون الحب. والنبي ﷺ وأصحابه إنما كانوا ينفقون ذلك فكان ذلك هو الواجب.
ولأنها نفقة واجبه على المنفق (^١) . فكان الواجب فيها الخبز؛ كنفقة
المماليك.
فعلى هذا لو طلبت مكان الخبز حبا أو دقيقا أو دراهم أو غير ذلك لم يلزمه
بدله، كما أنها لا يلزمها قبوله.
_________________
(١) في ج: المنفق فيها.
[ ١٠ / ١٦٦ ]
ويكون الدفيع (أول نهار كل يوم)؛ لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز
تأخيره عنه.
(ويجوز) لهما فعل (ما اتفقا عليه: من تعجيل وتأخير) عن وقت
الوجوب، (و) من (دفع عوض) عن الواجب؛ لأن الحق لا يعدوهما. (ولا
يجبر من أبى) ذلك عليه؛ لأن الإنسان لا يجبر على ما لم (^١) يجب عليه.
(ولا يملك الحاكم) إذا ترافع إليه الزوجان (فرض غير الواجب؛ كدراهم
مثلا، إلا باتفاقهما) أي: اتفاق الزوجين. فلا يجبر من امتنع.
قال في " الهدي ": وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب ولا سنة، ولا
نص عليه أحد من الأئمة؛ لأنها معأوضة بغير الرضى عن غير مستقر.
(وفي " الفروع"): وهذا متجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة، (فأما مع
الشقاق والحاجة؛ كالغائب مثلا فيتوجه الفرض للحاجة إليه، على ما
لا يخفى). فلا يقع الفرض بدون ذلك بغير الرضى.
(ولا يعتاض عن) الواجب (الماضي بربوي)؛ كما لو عوضها حنطة عن
الخبز فإنه لا يصح ولو تراضيا عليه.
قال في " الفروع ": قال الشافعية: ولا يعتاض عن المستقبل وجها
واحدا؛ لعدم استقرارها، ولا عن الماضي بخبز ودقيق؛ لأنه ربا. وبغيرهما
فهل يجوز أم لا. كمسلم (^٢) فيه؟ على وجهين. وكذا مراد أصحابنا إذا اعتاضت
عن الماضى فلا يجوز بربوي.
(و) الواجب دفيع (كسوة وغطاء ووطاء، ونحوهما)؛ كالستارة المحتاج
إليها (أول كل عام من زمن الوجوب)؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى وجوب
الكسوة فيعطيها السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة عليها شيئا فشيئا، بل هو
شيء واحد يستدام إلى أن يبلى فكان عليه دفعه عند الحاجة إليه.
_________________
(١) في ج: لا.
(٢) في ج: كسلم.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
(وتملك ذلك) أي: ما وجب لها من نفقة وكسوة (بقبض)، كما يملك
رب الدين الدين بقبضه. (فلا بدل) على الزوج (لما سرق) منها من ذلك (أو
بلي)، لأنها قبضت حقها. فلم يلزمه غيره، كالدين إذا وفاها إياه ثم ضاع
منها.
(و) تملك (التصرف فيه) أي: فيما قبضته من الواجب لها على الزوج من
نفقة وكسوة (على وجه لا يضر بها)، ولا ينهك بدنها من بيع وهبة وغير ذلك،
كسائر مالها.
أما إذا عاد ذلك عليها بضرر في بدنها أو نقص في الاستمتاع بها فإنها
لا تملكه، لتفويت حق زوجها بذلك.
(وإن أكلت معه) أي: أكلت الزوجة مع الزوج (عادة) أي: كما هو
العادة، (أو كساها بلا إذن) منها أو من وليها، الكسوة المقدرة لها في الشرع: (سقطت) عملا بالعرف. ومتى ادعت أنه تبرع بذلك: حلف.
(ومتى انقضى العام والكسوة) التي قبضتها لذلك العام (باقية: فعليه
كسوة) العام (الجديد) في الأصح، لأن الاعتبار بمعنى الزمان دون حقيقة
الحاجة، بدليل أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، ولو أهدى إليها كسوة لم
تسقط كسوتها، وكذلك لو أهدى إليها طعام فأكلته وبقي قوتها إلى الغد لم يسقط
قوتها فيه. (بخلاف ماعون، ونحوه)، كمشط انقضى العام وهو باق، لأن
الاعتبار هنا بحقيقة الحاجة إلى ذلك.
(وإن قبضتها) أي: قبضت كسوتها من زوجها أول العام، (ثم مات)
الزوج قبل مضي العام، (أو ماتت) قبل مضيه، (أو بانت قبل مضيه: رجع
بقسط ما بقي) من العام في الأصح، كما لو دفع إليها نفقة مدة مستقبله ثم وقع
شيء مما تقدم قبل مضيها. وإلى ذلك أشير بقوله:
(وكذا نفقة تعجلتها) في الأصح، (لكن: لا يرجع) زوج (ببقية) نفقة
(يوم الفرقة)، لأنه وجب عليه نفقة ذلك اليوم وكسوته بابتداء نهاره فلا يرجع
بما بقي منه، للوجوب السابق عليه. والأظهر: أنه إن أعادها في ذلك لم تلزمه
[ ١٠ / ١٦٨ ]
نفقته ثانيا، (إلا على ناشز) في أثناء يوم قبضت نفقته في الأصح؛ لأنه يمكنها
أن لا تعطيه شيئا برجوعها إلى طاعته الواجبة عليها.
(ويرجع) بالبناء للمفعول على الزوجة) (ببقيتها) أي: بما أنفق عليها (من
مال غائب، بعد موته، بظهوره) أي: ظهر موته على الأصح؛ لأن وجوب
النفقة لها ارتفع بموت الزوج. فلا تستحق ما قبضته من النفقة بعد زمن موته؛
كما لو قضى وكيل غائب حقا يظنه على الغائب فبان أن لا حق عليه.
(ومن غاب) عن زوجته مدة (ولم ينفق) عليها فيها: (لزمه) نفقة الزمن
(الماضي)؛ لاستقرارها في ذمته. (ولو لم يفرضها حاكم) على الأصح.
ولا فرق بين كون ترك الإنفاق لعذر أو لغير عذر على الأصح؛ وذلك " لأن
عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم
يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى " (^١) .
ولأنه حق يجب مع اليسار والإعسار. فلم يسقط بمضي الزمان؛ كأجرة
العقار.
قال ابن المنذر: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما
وجب بهذه الجمع إلا بمثلها. وفارق نفقة الأقارب فإنها صلة يعتبر فيها اليسار
من المنفق، والإعسار ممن تجب له.
والذمية فيما يجب لها على زوجها من نفقة وكسوة ومسكن كالمسلمة؛
لعموم النصوص والمعنى.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٤٦٩ كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة امرأته.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
[فصل: في نفقة الرجعية]
(فصل. و) مطلقة (رجعية) في وجوب النفقة لها والكسوة والمسكن
في وجة؛ لأنها زوجته بدليل قوله ﷾: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقره: ٢٢٨]
ولأنها يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه. فأشبه ما قبل الطلاق.
(وبائن حامل كزوجة)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس:
" لا نفقة لك، إلا ان تكوني حاملا " (^١) -.
ولأن الحمل ولد المبين فيلزمه الإنفاق عليه، [ولا يمكنه الإنفاق عليه] (^٢)
إلا بالإنفاق عليها. فوجب؛ كما وجبت أجرة الرضاع.
(وتجب) النفقة (لحمل ملاعنة) لاعنها زوجها وهي حامل، (إلى أن
ينفيه بلعان) ثان (بعد وضعه) أي: وضع حمله؛ لأن الحمل لم ينتف بلعانها
وهي حامل على الأصح. وعلى القول بنفيه فلا نفقة عليه إلا أن يستلحقه بعد
ذلك. فيلزمه نفقة ما مضى.
قال في "الإنصاف": وإن قلنا: لا ينتفي بنفيه أو لم ينفه- وقلنا: يلحقه
نسبه- فلها السكنى والنفقة. انتهى.
(ومن أنفق) على مبانته (يظنها حاملا، فبانت حائلا) أي: غير حامل:
_________________
(١) أخرجه أبو دأود في " سننه ") ٢٢٩٠) ٢: ٢٨٧ أبواب الطلاق، باب في نفقة المبتوتة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٥٥٢) ٦: ٢١٠ كتاب الطلاق، نفقة الحامل المبتوتة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٣٧٦) ٦: ٥ ١ ٤.
(٢) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
(رجع) عليها بنظير ما أنفق، لأنها أخذت منه ما لا تستحقه. فرجع عليها،
كما لو ادعت عليه دينا وأخذته منه ثم تبين كذبها. وكذا إن ادعت الرجعية الحمل فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها، ثم تبين أن لا حمل: رجع عليها بالزيادة.
(ومن تركه) أي: ترك الإنفاق على مبانته (يظنها حائلا فبانت حاملا:
لزمه) نفقة (ما مضى) من زمن ترك الإنفاق فيه، لأنا تبينا استحقاقها للنفقة
فيه. فترجع عليه بها؛ كالدين.
(ومن) أي: ومبانة (^١) (ادعت حملا) له دون ثلاثة أشهر: (وجب) عليه
(إنفاق) تمام (ثلاثة اشهر) من ابتداء زمن ذكرت أنها حامل منه، (فإن مضت
ولم يبن)؛ كأن أريت (^٢) القوابل فقلن: ليست بحامل: (رجع) عليها بنظير ما
أنفق، لأن الحمل يتبين بعد ثلاثة أشهر وكذا إن حاضت. (بخلاف نفقة في
نكاح تبين فساده)؛ كما لو تبين أن الزوجين أخوين من الرضاع أو نحو ذلك فإنه
لا يرجع بما أنفق فيه، (و) لا إذا أنفق (على أجنبية) لم تأذن له في الإنفاق
عليها.
أما النكاح المعلوم فساده ابتداء فلا يجب على الزوج فيه نفقة، لكنه إذا أنفق
فيه الزوج لم يرجع بشيء مطلقا؛ لأنه إن كان عالما بعدم الوجوب فهو متطوع بالإنفاق، وإن لم يكن عالما فهو مفرط. فلم يرجع بشيء؛ كما لو أنفق على
أجنبية بغير إذنها، لأنه متبرع.
(والنفقة) على الحامل (للحمل) نفسه، لا لها من أجله على الأصح؛
لأنها تجب بوجوب الحمل وتسقط عند انقضائه: (فتجب) النفقة (لناشز)
حامل، لأن النفقة للحمل، فلا تسقط بنشوز أمه.
(و) تجب لـ (حامل من وطء شبهة، أو نكاح فاسد)، للحوق النسب فيهما.
_________________
(١) في أ: أي: وأي مباينة.
(٢) في ج: أرايت
[ ١٠ / ١٧١ ]
(و) لحامل في (ملك يمين ولو أعتقها)، لأن النفقة للحمل وهو ولده.
(و) تجب (على وارث زوج ميت)، للقرابة.
(و) تجب نفقة الحامل (من مال حمل موسر)، لأن الموسر لا تجب نفقته
على غيره.
(ولو تلفت) النفقة في يدها بغير تفريطها: (وجب) على من تلزمه نفقة
الحمل (بدلها)، لأن ذلك حكم نفقه الأقارب. (ولا فطرة لها) كما تقدم،
لأن الفطرة تابعة للنفقة، والحمل لا تجب فيه فطرة.
(ولا تجب على زوج رقيق)، لأن العبد لا يلزمه نفقة ولده، لأن الحمل
من العبد إن كان حرا فنفقته على قريبه وإن كان رقيقا فنفقته على مالكه، (أو
معسر أو غائب) يعني: أن نفقة حمل الغائب تسقط بمضي الزمن، كما لو كان
مولودا.
(ولا) تجب نفقة الحمل (على وارث مع عسر زوج) الذي هو أبو الحمل،
لأن نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزوجة.
(وتسقط) نفقة الحمل (بمضي الزمان)، كالمولود.
قال (المنقح: ما لم تستدن) أي: أم الحمل على أبيه (بإذن حاكم، أو
تنفق بنية الرجوع. انتهى). يعني: على من تلزمه نفقه الحمل.
(وإن وطئت) مطلقة (رجعية بشبهة أو) في (نكاح فاسد، ثم بان بها حمل
يمكن كونه منهما) أي: من المطلق والواطئ: (فتفقتها حتى تضع عليهما،
ولا ترجع على زوجها) بشيء في الأصح، (كبائن معتدة) وطئت بشبهة أو نكاح فاسد. (ومتى ثبت نسبه) أي: نسب الحمل (من أحدهما) أي: أحد الرجلين
وهما المطلق والواطئ في العدة: (رجع عليه) أي: على الذي ثبت نسبه
(الآخر) الذي لم يثبت نسب الحمل منه (بما أنفق)؛ لأنه لم ينفق متبرعا،
وإنما أنفق، لاحتمال كون الحمل منه. فإذا ثبت كونه من غيره ملك الرجوع
عليه.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
(ولا نفقة لبائن غير حامل)، لما روت فاطمة بنت قيس: " أن زوجها
طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته. فقال: والله ما لك
علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك. فقال: ليس لك عليه
نفقة ولا سكنى. فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك " (^١) . متفق عليه.
وفي لفظ: فقال رسول الله ﷺ: " انظري يا ابنة قيس. إنما النفقة للمرأة
على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة فلا نفقة ولا
سكنى " (^٢) . رواه الإمام أحمد والأثرم والحميدي.
قال ابن عبدالبر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن
تابعه أصح واحج، لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي ﷺ؛ الذي هو المبين عن الله ﷾ مراده، ولا شيء يدفع ذلك. ومعلوم: أنه أعلم بتأويل قول الله ﷾: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
(ولا) تجب النفقة (من تركة لمتوفى (^٣) عنها) زوجها، (أو لأم ولد)
مات سيدها. (ولا سكنى ولا كسوة ولو) كانت (حاملا) على الأصح، لأن
المال انتقل عن الزوج إلى الورثه، ولا سبب، لوجوب النفقة عليهم، (كزانية)
أي: كالمرأة الحامل من زنا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه ") ١٧ ٠ ٥) ٥: ٠٣٩ ٢ كتاب الطلاق، باب قصة فاطمه بنت قيس. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") ١٤٨٠) ٢: ١١١٤ كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.
(٢) أخرجه اأحمد في " مسنده " (٢٧٣٨٩) ٦: ١٦ ٤.
(٣) في ج: المتوفي. وهو تحريف.
[ ١٠ / ١٧٣ ]
] فصل: متى تلزم نفقة الزوجة]
(فصل. ومتى تسلم) الزوج (من) أي: زوجة (يلزمه تسلمها) وهي:
التي يوطًا مثلها وهي بنت تسع فأكثر، (أو بذلته) أي: بذلت تسليم نفسها
للزوج (هي أو ولي) لها (ولو مع صغر زوج أو مرضه أو عنته) بحيث لا يمكنه الوطء، (أو) مع (جب) أي: قطع (ذكره، أو) مع (تعذر وطء) من
جهتها، (لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة) أي: نحيفة الخلقة
(أو مريضة، أو حدث بها شيء من ذلك عنده) أي: مما يمكنه حدوثه: (لزمته
نفقتها وكسوتها)، لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (^١) . رواه مسلم.
ويجبر الولي مع صغر الزوج على بذل نفقتها وكسوتها من مال الصبي، لأن
النفقة عليه، وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه، كما يؤدي أروش
جناياته (^٢) من ماله.
(لكن: لو امتنعت) الزوجة من بذل نفسها وهي صحيحة، (ثم مرضت
فبذلته: فلا نفقة لها) ما دامت مريضة، عقوبة لها بمنعها نفسها في حالة يتمكن
من الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها.
(ومن بذلته) أي: بذلت تسليم نفسها (وزوجها غائب: لم يفرض لها)
الحاكم شيئا، لأنها بذلت نفسها في وقت لا يمكن زوجها تسلمها فيه (حتى
يراسله حاكم، ويمضي زمن يمكن قدومه) أي: قدوم زوجها الغائب (في
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه ") ١٢١٨) ١: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجه النبي صصص.
(٢) في ج: جنايات.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
مثله) أي: مثل ذلك الزمن. فإن سار إليها أو وكل من يجوز له حملها إليه وجب النفقة حينئذ بوصوله أو وصول وكيله، وإن لم يفعل شيئا من ذلك فرض الحاكم
عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، لأن الزوج امتنع من
تسلمها، لإمكانه وبذلها إياه. فلزمته نفقتها، كما لو كان حاضرا. فًاما إن غاب
الزوج بعد تمكينها إياها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه، بل تجب عليه في
زمن غيبته، لأنها استحقت النفقة بالتمكين ولم يوجد منها ما يسقطه.
وإن تسلم زوجته الصغيرة التي يمكن وطؤها، أو المجنونة التي يوطأ مثلها
ولو بدون إذن وليها: لزمته نفقتها، كالكبيرة والعاقلة.
(ومن امتنعت) من تسليم نفسها، (أو منعها غيرها) من أوليائها أو غيرهم
(بعد دخول ولو لقبض صداقها) الحال: (فلا نفقة لها). وكذا إن تساكنا بعد
العقد فلم تبذل نفسها هي أو وليها ولم يطلبها الزوج، فلا نفقة لها وإن طال
مقامها على ذلك.
فإن النبى ﷺ ولخص تزوج عائشه رضي الله تعالى عنها ودخلت عليه بعد سنين فلم ينفق عليها إلا بعد دخوله، ولم يدفع نفقة لما مضى.
ولأن النفقة تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح. فإذا وجد
استحقت، وإذا فقد لم تستحق شيئا.
(ومن سلم أمته ليلا ونهارا: فكحرة) يعني: فإنه يجب على زوجها نفقتها
كالحرة، لاتفاق أهل العلم على وجوب نفقة الزوجات على ازواجهن البالغين،
والأمة داخلة في عمومهن (ولو أبى زوج) من تسلمها نهارا، لأنها زوجة ممكنة
من نفسها. فوجب على زوجها نفقتها، كالحرة، حتى ولو كان زوجها
مملوكا، لأن النفقة وتوابعها عوض واجب في النكاح. فوجب على العبد،
كالمهر.
والدليل على أنها عوض: أنه يجب (^١) في مقابلة التمكين ولهذا تسقط عن
_________________
(١) في ج: انها تجب.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
الحر بفوات التمكين. وبذلك فارقت نفقة الأقارب. وحيث ثبت وجوبها على
المملوك فإنها تلزم سيده؛ لأن السيد أذن في النكاح المفضي إلى إيجاب النفقة.
(و) من سلم أمته لزوجها (ليلا فقط: فنفقة نهار على سيد) وحده؛ لأن
الزوج ممنوع منها فيه. فتكون على سيدها، لأنها مملوكته. (و) نفقة (ليل؛
كعشاء ووطاء وغطاء، ودهن مصباح، ونحوه)؛ كالوسادة (على زوج)، لأن
ذلك كله من حاجة الليل دون النهار. فاختص الزوج به لذلك.
(ولا يصح تسليمها) أي: تسليم الأمة لزوجها (نهارا فقط).
قال في " الفروع ": ولو سلمها نهارا فقط: لم يجز.
قال في " الإنصاف ": لو سلمها سيدها نهارا فقط: لم يكن له ذلك. انتهى.
ولعل هذا،لكون الليل زمن التفرغ للاستمتاع والاحتياج إلى الاستئناس.
ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل. والله ﷾ أعلم.
(ولا نفقة لـ) زوجة (ناشز ولو) كان نشوزها (بنكاح في عدة) أي: عدة
رجعية.
قال في " المستوعب ": وإذا تزوجب الرجعية في عدتها فنكاحها باطل،
ولا تصير به فراشا للثانى، ولا تنقطع به عدة الأول، ولا سكنى لها، ولا نفقة
على الأول، لأنها ناشز بتزويجها. ذكره في " المجرد ". انتهى.
(وتشطر) النفقة (لناشر ليلا) فقط بأن تطيعه نهارا وتمتنع منه ليلا، (أو)
ناشز (نهارا) فقط بأن تطيعه ليلا وتمتنع منه نهارا، (أو) ناشز (بعض
أحدهما) أي: بعض الليل أو بعض النهار.
ومعنى تشطير النفقة لها: يعني: أنها تعطى نصف نفقتها في جميع هذه
الصور في الأصح، ولا تعطى بقدر الأزمنة؛ لعسر التقدير بالأزمنة.
وقيل: تسقط في هذه الصور جميع نفقتها.
(وبمجرد إسلام) زوجة مدخول بها (مرتدة، و) بمجرد إسلام زوجة وثنية
أو نحوها (متخلفة) عن زوجها الذي أسلم قبلها (ولو في غيبة زوج)، فإن
[ ١٠ / ١٧٦ ]
زوجها (تلزمه) نفقتها في الأصح، لأن الردة وتخلفها عن الإسلام أسقط النفقة
فيهما، لحصول الفرقة بهما؛ كسقوطها بالطلاق. فإذا رجعت عن ذلك عاد
النكاح إلى حاله فعادت النفقة.
(لا إن أطاعت ناشز) في غيبة زوج وقد نشزت في حضوره، فإنها لا تعود
النفقة عليه (حتى يعلم) الزوج بطاعتها (ويمضي ما) أي: زمن (يقدم) الزوج
(في مثله)، لأن النشوز هو: الامتناع من التمكين، والرجوع عنه لا يكون مع
لى عدم العلم بذلك؛ لأن الزوج إذا لم يعلم بالبذل فالمنع مستمر في جهته. فإذا
علم وقدم عادت النفقة مع عوده، لأن التمكين حصل حينئذ، وإن لم يقدم
ومضى زمن يمدم في مثله عادت النفقة، لأن المنيع حينئذ من جهته.
(ولا نفقة لمن) أي: لزوجة (سافرت لحاجتها، أو لتزهة) ولو بإذنه
(أو) سافرت لى (زيارة ولو بإذنه) في الأصح، لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها
وقضاء إربها. فأشبه ما لو استنظرته قبل الدخول مدة فًا نظرها، إلا أن يكون
مسافرا معها متمكنا من الاستمتاع بها. فلا تسقط نفقتها، لأنها لم تفوت
التمكين. فأشبهت غير المسافرة، وكذا ما أشير إليه بقوله:
(أو لتغريب) يعني: أنها لو زنت قبل أن يطأها زوجها فغربت، (أو
حبست) عن زوجها (ولو) كان حبسها (ظلما) يعني: فإن نفقتها تسقط زمن
تغريبها وزمن حبسها، لفوات التمكين الذي النفقة في مقابلته. وكذا ما أشير إليه
بقوله:
(أو صامت لكفارة، أو) صامت (قضاء رمضان ووقته) أي: وقت القضاء
(متسع، أو صامت) نفلا (أو حجت نفلا) يعني: فإن نفقتها تسقط، لأنها
منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته فسقطت نفقتها لذللى. وكذأما أشير إليه
بقوله:
(أو) صامت أو حجت (نذرا معينا في وقته فيهما) أي: في الصوم
والحج، (بلا إذنه) في الصوم والحج حتى (ولو أن نذرفما) كان (بإذنه) في
الأصح، لأنها فوتت علمه حقه من الاستمتاع باختيارها بالنذر الذي لم يوجبه
[ ١٠ / ١٧٧ ]
الشرع عليها ولا ندبها إليه فسقطت نفقتها لذلك. (بخلاف من أحرمت) من
الزوجات (بفريضة أو مكتوبة) ولو (في) أول (وقتها بسننها)؛ لأنها فعلت ما
أوجبه الشرع عليها وندبها إليه. فلم تسقط نفقتها بذلك؛ كما لو صامت
رمضان.
(وقدرها) أي: قدر النفقة الواجبة على الزوج للزوجة في حجة فرضها
(كحضر) أي: كنفقة الحضر.
(وإن اختلفا) يعني: الزوجين (ولا بينة) لواحد منهما بما يقوله، وكان
اختلافهما (في بذل تسليم) الزوجة إلى الزوج: (حلف) الزوج؛ لأنه منكر
والأصل عدم التسليم وكذلك إن اختلفا في وقت التسليم بًان قالت: سلمت
نفسي لك في أول المحرم، وقال: بل في أول صفر، فإن القول قوله بيمينه؛
لأن الأصل براءة ذمته مما قبل الوقت الذي ذكره.
(و) إن اختلفا (في نشوز) أي: نشوز الزوجة، (أو اخذ نفقة) بًان ادعى
الزوج نشوزها أو تسليم النفقة إليها وأنكرته: (حلفت)؛ لأنها منكرة.
والأصل عدم النشوز، وعدم أخذ النفقة.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
] فصل: إذا أعسر الزوج بالنفقة]
(فصل. ومتى أعسر) الزوج (بنفقة معسر) ولم يجد القوت، (أو
كسوته) أي: كسوة معسر، (أو) أعسر (ببعضهما) أي: ببعض نفقة المعسر
أو ببعض كسوته، (أو) أعسر (بمسكنه) أي: بمسكن المعسر، (أو صار)
الزوج (لا يجد النفقة) أي: نفقة الزوجة (إلا يوما دون يوم) لحق الزوجة
الضرر الغالب بذلك؛ لأن البدن لا يقوم بدون كفايته. فإذا وجدت صورة من
هذه الصور (خيرت) الزوجة الحرة البالغة الرشيدة، وكذا الرقيقة والصغيرة
والسفيهة في الأصح (دون سيدها أو وليها)، حتى ولو كانت الزوجة مجنونة في الأصح (بين فسخ) أي: فسخ نكاحها من زوجها المعسر على الأصح؛
لقول الله ﷾: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقره: ٢٢٩]. وليس الإمساك مع ترك النفقة إمساكا بمعروف؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ " في الرجل لايجد ما ينفقه على امرأته قال: يفرق بينهما " (^١) . رواه
الدارقطني.
وقال ابن المنذر: " ثبت أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد من رجال غابوا عن
نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى " (^٢) .
ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء إذا كان الزوج عنينا مع قلة الضرر
فيه؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها. فلأن (^٣) يثبت الفسخ بالعجز عن النفقة
التي لا يقوم البدن بدونها أولى.
_________________
(١) أخرجه الدارقطنى في " سننه " (١٩٤) ٣: ٢٩٧ كتاب النكاح.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٤٦٩ كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة امرأته.
(٣) في الأصول: فلا.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
إذا تقرر هذا فإن الزوجة تملك الفسخ بإعسار الزوج (فورا ومتراخيا) في
الأصح، لأنه خيار لدفع الضرر. فكان حكمه حكم خيار العيب في المبيع.
وحيث ثبت إعسار الزوج فإن زوجته تخير بين فسخ نكاحها منه، (و) بين
(مقام) معه (مع منع نفسها) عنه بأن لا تمكنه من الاستمتاع بها، (وبدونه)
يعني: وبدون منع نفسها منه؛ لأنه لم يسلم إليها عوض الاستمتاع. فلم يلزمها أن
لا تمنع نفسها؛ كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع فإن البائع لا يلزمه تسليم إليه. (ولا يمنعها تكسبا، ولا يحبسها) يعني: أن الزوجة متى لم تفسخ نكاحها
ميع ثبوت عشرة زوجها كان عليه تخلية سبيلها لتكتسب وتحصل ما تنفقه على
نفسها؛ لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها. ولا فرق في ذلك بين كونها فقيره
أو غنية، لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه.
(ولها الفسخ بعده) يعني: أن زوجها إذا أعسر ورضيت بالمقام معه [ثم بدا
لها أن تفسخ كان لها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه] (^١) على الأصح؛ لأن النفقة
يتجدد وجوبها في كل يوم فيتجدد لها الفسخ كذلك. ولا يصح إسقاط نفقتها فيما
لم يجب لها؛ كالشفيع تسقط شفعته قبل البيع، وكما لو أشقطت النفقة أو المهر
قبل النكاح.
(وكذا) الحكم على الأصح فيما (لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته)،
حال كونها (عالمة بها) أي: بعسرته فإنها تملك الفسخ بعد ذلك؛ لأنها في
الرضى به حالة العقد كالرضى به حالة التخيير، فلا فرق.
(وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه) للزوجة التي أعسر زوجها: (إن
أقامت) معه، (ولم تمنع نفسها) منه (دينا في ذمته) في الأصح، لأنها نفقة
تجب على سبيل العوض. فثبت في الذمة؛ كالنفقة الواجبه للمرأة قوتا.
وأما ما زاد على نفقة المعسر فإنه يسقط بالإعسار.
(ومن قدر يكتسب) ولم يكتسب: (أجبر) على الكسب.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقطع به كثير من
الأصحاب. انتهى.
وتقدم في الفلس أنه إذا بقيت على المفلس بقية وله صنعة أنه يجبر على إيجار
نفسه لقضاء ما بقي من دينه على الصحيح من الروايتين. وهذا مثله أو أولى.
لم (ومن تعذر عليه) من الأزواج (كسب) في بعض زمنه، (أو) تعذر عليه
(بيع في بعض زمنه، أو مرض) فلم يقدر على الكسب في مرضه أياما يسيرة فلا
فسخ، لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال العارض وحصول الاكتساب، (أو عجز
عن اقتراض أياما يسيرة) فلا فسخ، لأن ذلك يزول عن قريب ولا يكاد يسلم منه
كثير من الناس.
(أو أعسر بـ) نفقة (ماضية، أو) أعسر (بنفقة موسر أو) بنفقه
(متوسط، أو) أعسر (بأدم (^١)، أو) أعسر (بنفقة الخادم: فلا فسخ)، لأن
الزيادة على نفقة الفقير (^٢) تسقط بإعساره ويمكنها الصبر عنها.
(وتبقى نفقتهما) أي: نفقة الموسر أو المتوسط (^٣) (و) كذا (الأدم) دينا
(في ذمته)؛ لأن ذلك واجب لا تملك بعدمه الفسخ. فبقي في ذمته إلى
اليسار؛ كالصداق إذا أعسر به بعد الدخول.
(وإن منع) زوج (موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما) أي: بعض نفقة زوجته
أو كسوة زوجته، (وقدرت على) أخذ ذلك من (ماله أخذت) منه (كفايتها
وكفاية ولدها، ونحوه)، كخادمها (عرفا) يعني: بالمعر وف، (بلا إذنه)،
لقول النبي ﷺ لهند بنت عتبة حين قالت له: " إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقه ما يكفيني وولدي: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (^٤) .
_________________
(١) في ج: (بنفقة أدم)
(٢) في ج: الغير.
(٣) في ج: (وتبقى نفقتهم) أي: نفقه الموسر والمتوسط والخادم.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٧٥٨) ٦: ٢٦٢٦ كتاب الأحكام، باب القضاء على الغائب. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤ ١٧١) ٣: ١٣٣٨ كتاب الأقضية، باب قضية هند.
[ ١٠ / ١٨١ ]
فهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه، ورد لها إلى اجتهادها في قدر
كفايتها وكفايه ولدها. وهو متناول لأخذ تمام الكفاية، فإن ظاهر الحديث دل
على أنه كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتمها لها، فرخص النبي ﷺ في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها ولا قوام إلا بها.
فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى ذلك إلى ضياعها وهلاكها. فرخص لها
في أخذ قدر نفقتها ونفقة عائلتها، دفعا لحاجتها.
ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا فتشق المرافعة (^١) بها إلى الحاكم
لأ والمطالبة بها في كل يوم. فلذلك رخص لها أخذها بغير إذن من هي عليه.
(ولا تقترض) زوجة لولدها (على أب)، لأنه إشغال لذمته بدون سبب
يقتضيه، (ولا ينفق على صغير من ماله) أي: مال الصغير، (بلا إذن وليه)؛
لأن غير الولي متعد بوضع يده على مال الصغير فيضمنه.
(وإن لم تقدر) زوجة الموسر على أخذ ما يجوز لها أخذه من ماله، فلها
رفعه إلى الحاكم. فإذا ثبت عند الحاكم يساره ووجوب دفع ما هو ممتنع من
دفعه: (أجبره حاكم) عليه. (فإن أبى) أن يطيع الحاكم في دفع ما وجب
عديه: (حبسه، أو دفعها) أي: دفع الحاكم النفقة إلى زوجته (منه) أي: من
لم ماله (يوما بيوم) حيث أمكن، لأنه حق امتنع من أدائه بغير حق. فقام الحاكم
لا مقامه في أدائه؛ كسائر الديون. فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا باعه في ذلك؛
لأن ذلك مال له. فتؤخذ منه النفقة؛ كالدراهم والدنانير.
(فإن غيب ماله وصبر على الحبس) فلها الفسخ في الأصح، لأنه تعذرت
نفقتها من جهة الزوج. فكان لها الخيار في الفسخ؛ كما لو كان معسرا. وكذا ما
أشير إليه بقوله:
(أو غاب موسر) يعني: عن زوجته (وتعذرت نفقة) عليها، بأن لم يترك
لها ما تنفقه على نفسها، ولم تقدر له على مال، ولا أمكنها تحصيل نفقتها
_________________
(١) في ج: المرافقة.
[ ١٠ / ١٨٢ ]
(باستدانة) عليه (و) لا (غيرها: فلها الفسخ) في الأصح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب، جزم (^١) به في " الوجيز "
و" النظم "، و" منتخب الأدمي "، و" تذكرة ابن عبدوس " وغيرهم.
وقدمه في " المغني " و" الشرح " و" الفروع " وغيرهم. انتهى.
وقال القاضي: لا تملك الفسخ إلا إذا ثبت إعساره؛ لأن الفسخ ثبت لعيب
الإعسار. فإذا لم يثبت الإعسار لم تملك الفسخ.
ووجه المذهب: ان الإنفاق عليها من ماله متعذر. فكان لها الخيار؛ كحال
الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى. ولأن في الصبر ضرر أمكن إزالته بالفسخ. فوجبت إزالته؛ دفعا للضرر.
ولأن غيبته نوع تعذر. فلم يفترق الحال بين الموسروالمعسر؛ كأداء ثمن
المبيع، فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسر، أو بين أن
يهرب قبل أداء الثمن مع يساره.
(ولا يصح) الفسخ (فى ذلك كله بلا) حكم (حاكم: فيفسخ بطلبها، أو
تفسخ بأمره) يعني: أن كل فسخ جاز للمرأة لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم
حاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه. فافتقر إلى حكم الحاكم؛ كالفسخ بالعنة.
وإنما لم يجز الحكم إلا بطلبها؛ لأنه لحقها. فلم يجز من غير طلبها؛ كالفسخ لعنة.
فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه؛ لأنها فرقة لعجزه عن الواجب عليه. أشبهت فرقة العنة.
(وله) أي: للحاكم (بيع عقار أو عرض لغائب) ترك زوجته بلا نفقة،
(و) لا منفق (إن لم يجد) الحاكم مما ينفق عليها (غيره) أي: غير ثمن العقار
أو العرض. (وينفق عليها) أي: عليها امرأة الغائب من مال الغائب (يوما
بيوم، ولا يجوز أكثر) يعني: ولا يجوز للحاكم أن يعجل لها أكثر من ذلك اليوم
_________________
(١) في أ: وجزم.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
الذي وجبت في أوله؛ لأن ذلك تعجيل للنفقة قبل وجوبها. فلم يجز؛ كما لو
عجل لها أكثر من شهر.
(ثم إن بان) الغائب (ميتا قبل إنفاقه) أي: قبل مده استوفت نفقتها فيها:
(حسب عليها) من ميراثها من زوجها (ما أنفقته بنفسها، أو بأمر حاكم)؛ لأنا
تبينا عدم استحقاقها له.
(ومن أمكنه أخذ دينه) الذي لو كان بيده كان موسرا: (فـ) هو
(موسر)؛ كما لو كان بحانوته أو بيته. والله ﷾ أعلم.
[ ١٠ / ١٨٤ ]
[باب: نفقة الأقارب والمماليك]
هذا (باب نفقة الأقارب، و) نفقة (المماليك) من الآدميين والبهائم.
والأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب، فقوله ﷾: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال الله ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ومن الإحسان: الإنفاق عليهما عند حاجتهما.
وأما السنة " فقول النبي ﷺ لهند: " خذي ما يكفيك وولدك
با لمعروف " (^١) . متفق عليه.
وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن
ولده من كسبه " (^٢) . رواه أبوداود.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين
الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد. وأجمع كل من نحفظ
عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم.
ولأن ولد الإنسان بعضه وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على
نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله.
(و) حيث تقرر ذلك فإنها (تجب) كاملة إذا كان الفقير لا يملك شيئا،
وأن يكون الغني لم يكن معه من يشاركه في الإنفاق، (أو إكمالها) إن لم يكن
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨١) رقم (٤).
(٢) أخرجه أبو داود في " سنة " (٣٥٢٩) ٣: ٢٨٩ كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
كذلك (لأبويه وإن علوا، ولولده وإن سفل حتى ذي الرحم منهم) أي: من
الوالدين والأولاد، سواء (حجبه) أي: حجب الغني منهم (معسر)؛ كجد
معسر وأب معسر لغني فإنه محجوب عن جده بأبيه المعسر. فيلزم الغني نفقة أبيه المعسر وجده المعسر، (أو لا) يعني: أو لم يحجبه معسر؛ كمن له جد فقير
مع عدم أبيه الذي هو ابن الجد. فإن ابن الابن ليس بمحجوب عن الجد مع عدم
الأب، وكذا أبو الأم مع ابن البنت؛ لأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة.
فأشبه الولد والوالدين القريبين.
(و) تجب النفقة (لكل من) أي: لكل فقير (يرثه) قريبه الغني
(بفرض)؛ كأخيه لأمه، (أو تعصيب)؛ كابن عمه، (لا برحم)؛ كخالة
(ممن سوى عمودي نسبه، سواء ورثه الآخر؛ كأخ) للغني، (أو لا) يعني:
أو لم يرثه الآخر؛ (كعمة وعتيق) على الأصح.
وتكون النفقة على من تجب نفقته (بمعروف)؛ لقول الله ﷾: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب.
وروي: " أن رجلا سل النبي ﷺ من أبر؛ قال: أمك وأباك وأختك
وأخاك " (^١) .
وفي لفظ: " ومولاك الذى هو أدناك. حقا واجبا ورحما موصولا " (^٢) .
رواه أبو داود.
وهذا نص؛ لأن النبي ﷺ ألزمه الصلة والبر، والنفقة من الصلة جعلها حقا
واجبا.
ويشترط لوجوب النفقة على غير الزوجة ثلاثة شروط:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٤ ١ ٥) ٤: ٣٣٦ كتاب الأدب، باب في بر الوالدين.
(٢) نفس الحديث السابق.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
الأول: أن يكون من تجب عليه وارثا لمن تجب له، إلا أن يكون من
عمودي نسبه. وتقدمت الإشارة إلى ذلك.
الشرط الثانى ما أشمير إليه بقوله: (مع فقر من تجب له وعجزه عن
تكسب)، لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني يملكه، والقادر
على التكسب مستغن عن المواساة.
(و) لكن (لا يعتبر نقصه) يعني: أنه لايعتبر لوجوب النفقة نقص من
تجب له في الخلقة، كالزمن، ولا نقصه في الأحكام، كالصغير والمجنون على الأصح، لأنه فقير.
(فتجب لصحيح مكلف لا حرفة له).
الشرط الثالث ما أشير إليه بقوله: (إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه
يومه وليلته، وكسوة وسكنى) لهم (من حاصل) في يده (أو متحصل) من
صناعة، أو تجارة، أو أجرة عقار، أو ريع وقف ونحو ذلك. فأما من لا يفضل
عنده عمن ذكرنا شيء فلا شيء عليه، لما روى جابر ان النبي ﷺ قال: " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى
قرابته " (^١) .
وفي لفظ: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " (^٢) . حديث صحيح.
ولأن النفقة إنما وجبت على سبيل المواساة، والمواساة لا تجب مع
الحاجة.
إذا تقرر هذا فإن النفقة (لا) تجب (من رأس مال) لتجارة، لنقص الربح
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٥٧) ٤: ٢٧ كتاب العتق، باب في بيع المدبر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٦٥٣) ٧: ٣٠٤ كتاب البيوع، بيع المدبر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٢٨٧) ٣: ٣٠٥.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩٩٧) ٢: ٦٩٢ كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة. بلفظ: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك ".
[ ١٠ / ١٨٧ ]
بنقص رأس المال. فلو أوجبنا النفقة من رأس المال لأفنته. فيحصل بذلك
الضرر وهو ممنوع شرعا.
(و) لاتجب النفقة أيضا من (ثمن ملك، و) لا من ثمن (آلة عمل)،
لأن وجوب النفقة فيهما كوجوبها في رأس مال التجارة وليست بواجبة فيه؛
لحصول الضرر بذلك.
(ومن قدر يكتسب) وكان بحيث إذا اكتسب فضل عن كسبه فضل
للمواساة: (أجبر) على التكسب (لنفقة قريبه)، لأن ترك التكسب مع قدرته
عليه فيه تضييع لمن يعول وذلك منهي عنه.
(لا امرأة على نكاح) يعني: أنه لو كان لامرأة قريب فقير تجب عليها نفقته
لو كاثت غنية ورغب في نكاحها إنسان بما تصر به غنية: لم تجبر على نكاحها
على ذلك لتنفق منه على قريبها الفقير، لأن الرغبة في النكاح قد تكون لغير
المال. بخلاف التكسب.
(وزوجة من تجب له) النفقة، (كهو) أى: كالذي تجب له النفقة نفسه
على الأصح.
ولا فرق في ذلك بين كون الفقير من عمودي النسب أو من غيرهم على
الأ صح، لأن ذلك من حاجة الفقير اليومية، إذ الضرورة تدعو إليه. فإذا احتاج
ولم يقدر عليه ربما دعته نفسه إلى الزنا فأفضى به ذلك إلى وجوب الحد. فوجب إعفافه.
(ومن له) من المحتاجين إلى النفقه (ولو) كان (حملًا وراث دون أب)
يعني: وكانت وراثه غير أبيه: (فنفقته) عليهم (على قدر إرثهم منه) أي: من المحتاجين إلى النفقة، لأن الله ﷾ رتب النفقة على الإرث بقوله
﷾: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فيجب أن يترتب مقدار
النفقة على مقدار الإرث.
(والأب) أي: أب الفقير (ينفرد بها) أي: بالإنفاق على ولده؛ لأن الله
﷾ قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
[ ١٠ / ١٨٨ ]
وقال ﷾: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال النبي ﷺ لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (^١) . فجعل
النفقة عليه دون أمه.
قال في " شرح المقنع ": ولا خلاف فى هذا نعلمه، إلا أن لأصحاب
الشافعي فيما إذا اجتمع للفقير أب وابن موسران وجهين:
أحدهما: أن نفقته عليهما؛ لأنهما سواء في القرب.
ولنا: أن النفقة على الأب منصوص عليها، فيجب اتباع النص وترك ما عداه.
إذا تقرر هذا (فـ) من له (جد وأخ) فالنفقة (^٢) عليه بينهما سواء؛ لأنه لو
مات كان ميراثه بينهما.
(أو) كان للفقير (أم أم وأم أب) كانت النفقة عليه (بينهما سواء)؛ لأنه لو
مات ورثاه كذلك فرضا وردا.
(و) إن كان للفقير (أم وجد) كانت نفقته عليهما أثلاثا، على الأم الثلث
والباقي على الجد؛ لأنهما يرثانه كذلك.
(أو) كان له (ابن وبنت) كانت النفقة له عليهما كذلك: (أثلاثا)؛ لأنهما
يرثانه كذلك. فيكون على البنت ثلثها، وعلى الابن ثلثاها.
(و) من كان له (ام وبنت) كانت نفقته علمهما أرباعا: على الأم ربعها،
وعلى البنت ثلاثة أرباعها؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا.
[(أو) كان له (جدة وبنت) فإن نفقته عليهما: (أرباعا)؛ لأنهما يرثانه
كذلك فرضا وردا] (^٣): للأم أو الجدة الربع، والباقي للبنت.
(و) من كانت له (جدة وعاصب كير أب) كانت النفقة عليهما: (أسداسا):
على الجدة سدسها، والباقي على العاصب؛ لأنهما يرثانه كذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨١) رقم (٤).
(٢) في ب: فإن النفقة.
(٣) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
(وعلى هذا) المعنى (حسابها) أي: حساب النفقات فيكون ترتيب النفقات
على ترتيب الميراث: (فلا تلزم) النفقة (أبا أم مع أم، وابن بنت معها)، بل
يكون جميع النفقة على الأم؛ لأن إرث ابنها لها إذا انفردت فرضا وردا.
(ولا) تلزم نفقة الفقير (أخا) له (مع ابن) له، بل يكون جميع نفقته على
ابنه؛ لأنه لو مات كان ميراثه لابنه وحده.
(و) لو كان بعض ورثة الفقير موسرا والبعض معسرا؛ كمن له ابنان أحدهما
موسر والآخر معسر فإنه (تلزم موسرا) منهما (مع فقر الآخر بقدر إرثه) فقط
على الأصح؛ لأن الموسر منهما إنما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر. فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه.
(وتلزم) نفقة الفقير (جدا) للفقير (موسرا مع فقر أب) للفقير على
الأصح؛ لعدم اشتراط الميراث في عمودي النسب دون غيرهم.
وتلزم (جدة موسرة مع فقر أم) كذلك.
(ومن لم يكف ما فضل عنه) أي: عمن وجبت عليه نفقة غيره (جميع من
تجب نفقته) عليه لو كان موسرا بجميعها: (بدا بزوجته)؛ لأن نفقة الزوجة
تجب على سبيل المعاوضة فقدمت على مجرد المواساة. ولذلك تجب مع
يسارهما وإعسارهما. بخلاف نفقة القريب.
(فـ) نفقة (رقيقه) بعد زوجته؛ لأنها تجب مع اليسار والإعسار. فقدمت
على مجرد المواساة.
(فـ) نفقة (أقرب) فأقرب (^١)؛ لحديث طارق المحاربي " ابدأ بمن تعول،
أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك (^٢) " (^٣) . يعني: الأدنى فالأدنى.
ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد.
_________________
(١) في ج: أي فأقرب، وسقطت من ب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه الشائي في " سننه " (٥٣٢ ٢) ٥: ١ ٦ كتاب الزكاة، باب أيتهما اليد العليا.
[ ١٠ / ١٩٠ ]
(ثم) مع استواء في الدرجة يبدأ بـ (العصبة)؛ كأخوين لأم أحدهما ابن
عم، (ثم التساوي).
إذا تقرر ذلك (فيقدم ولد على أب) في الأصح، لأن نفقته وجبت بالنص،
(و) يقدم (أب على أم) في الأصح؛ لانفراده بالولاية على ولده.
واستحقاق الأخذ من ماله.
وإضافة النبي ﷺ الولد وماله لأبيه بقوله: " أنت ومالك لأبيك " (^١) .
(و) تقدم (أم على ولد ابن)؛ لأنها تقدم على الأب في وجه؛ لما لها من
فضيله الحمل والرضاع والترتيب.
ولأنها أقرب من ولد الابن.
(و) يقدم (ولد ابن على جد)؛ لأن ابن الابن يرثه ميراث ابن.
ولأن وجوده يسقط تعصب الجد فقدم عليه.
(و) يقدم (جد على أخ) في الأصح، لأن له مزية الولاده والأبوة.
(و) يقدم (ابو أب على أبي أم) في الأصح، لأن امتياز أبي الأب
بالتعصب. (وهو) أي: وأبو الأم (مع أبي أبي أب متساويان) (^٢) في الأصح،
لأنه كما قرب أبو الأم في الدرجة امتاز عنه أبو الأب بالعصوبة، فتعارض قرب الدرجة وميز العصوبة فتساويا (^٣) لذلك.
(ولمستحقها) أي: النفقة (الأخذ) من مال من النفقة واجبة عليه (بلا
إذن) أي: إذن ممن هي عليه (مع امتناع) أي: امتناع من دفعها لمن وجبت
له؛ (كزوجة) أي: كما تجوز ذلك للزوجة.
قال في " الفروع ": وظاهر كلام أصحابنا: يأخذ بلا إذنه كزوجة. نقل
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٩٠٢) ٢: ٢٠٤.
(٢) في ج: مستويان.
(٣) في ب: متساويا.
[ ١٠ / ١٩١ ]
ابناه والجماعة: يأخذ من مال والده (^١) بلا إذنه بالمعروف، إذا احتاج، ولا
يتصدق. انتهى.
(ولا نفقة مع اختلاف دين) بقرابة ولو كان من عمودي النسب على
الأصح؛ لأنها مواساة على سبيل البر والصلة. فلم يجب مع اختلاف الدين؛
كغير عمودي النسب.
ولأنهما لا يتوارثان. فلا يجب لأحدهما على الآخر نفقة بالقرابة؛ كما لو
كان أحدهما رقيقا.
(إلا بالولاء)؛ لثبوت إرثه من عتيقه مع اختلاف دينها؛ لعموم قوله
﷾: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقول النبي ﷺ: " أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك، ومولاك
الذي يلي، ذاك (^٢) حقا واجبا ورحما موصولا " (^٣) . رواه أبو داود.
ولأنه يرثه بالتعصيب. فكانت عليه نفقته؛ كالأب.
فإن مات مولاه فالنفقة على وارثه من عصبة مولاه.
ويفارق ذلك نفقة الزوجة الذمية أيضا؛ لأنها عوض يجب مع الإعسار. فلم
ينافها (^٤) اختلاف الدين؛ كالصداق.
_________________
(١) فى ب: ولده. وهو تصحيف.
(٢) في ب: ذلك.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥١٤٠) ٤: ٣٣٦ كتاب الأدب، باب في بر الوالدين.
(٤) في ب: ينافيها.
[ ١٠ / ١٩٢ ]
] فصل: يجب إعفاف من تجب له النفقة]
(فصل. ويجب إعفاف من تجب له) النفقة: (من عمودي نسبه وغيرهم)
في الأصح، لأن ذلك مما تدعو حاجته إليه، ويستضر بفقده (^١) فلزم على من
تلزمه مؤنته. ولا يشبه ذلك الحلوى فإنه لا يستضر بفقدها.
إذا ثبت هذا فإنه يجب إعفاف من وجبت نفقته من الآباء والأجداد والأولاد
وأبنائهم والإخوة والأعمام. فإن اجتمع جدان مثلا ولا يفضل إلا ما يكفي إعفاف أحدهما قد الأقرب، إلا أن يكون أحدهما من جهة الأب والآخر من جهة الأم،
فيقدم الذي من جهة الأب وإن بعد، لانه عصبة.
ويكون الإعفاف (بزوجة حرة، أو سرية تعفه. ولا يملك) من دفع له
السرية (استرجاعها مع غناه) أي: غنى الفقير، كالزكاة.
(و) متى عين أحدهما امرأه والاخر غيرها فإنه (يقدم تعيين قريب- والمهر
سواء- على) تعيين (زوج). قدمه في " الفر وع ".
ثم قال: وفي " الترغيب ": التعيين للزوج. انتهى.
وقال في " الإنصاف ": ويقدم تعيين قريب إذا اتفقا على مقدار المهر. هذا
هو الصحيح من المذهب. جزم به في " المغني" و"الشرح".وقدمه في
" الفروع ". وجزم في " البلغة "و" الترغيب ": أن التعيين للزوج، لكن ليس
له تعيين رقيقه ولا للابن تعيين عجوز قبيحة المنظر أو معيبة. انتهى.
(ويصدق) من يجب إعفافه: (أنه تائق، بلا يمين).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
_________________
(١) في أوب: لفقده.
[ ١٠ / ١٩٣ ]
وقال في " الفروع ": ويتوجه بيمينه.
(ويعتبر) لوجوب الإعفاف (عجزه) أي: عجز من يجب إعفافه عن مهر
حرة أو ثمن أمة.
(ويكفي) إعفافه (بواحدة) زوجة حرة أو سرية. (فإن ماتت) الزوجه أو
السرية: (أعفه ثانيا)؛ لأنه لا صنع له في ذلك. (لا إن طلق بلا عذر) أو أعتق السرية مجانا بأن لم يجعل عتقها صداقها، فإنه لم يكن عليه أن يزوجه ثانيا أو
يملكه سرية ثانيا؛ لأنه فوت ذلك على نفسه.
(ويلزم إعفاف أم كأب) أي: كما يلزمه إعفاف أب.
قال في " الإنصاف ": ويلزمه إعفاف أمه؛ كأبيه.
قال القاضي: ولو سلم، فالأب آكد.
ولأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج.
قال في " الفروع ": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها. وهو ظاهر
القول الأول.
وهو ظاهر " الوجيز " فإنه قال: ويلزمه إعفاف كل إنسان تلزمه نفقته.
(و) يلزم من وجبت عليه نفقة (خادم للجميع) أي: جميع من تلزمه
نفقتهم (لحاجة) إلى الخادم؛ (كزوجة).
قال في " شرح المقنع ": والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز
والأدم والكسوة بقدر العادة كما ذكرنا في الزوجة؛ لأنها وجبت للحاجة فتقدرت
بما تندفع به الحاجة. وقد قال النبي ﷺ لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (^١) . فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية. فإن احتاج إلى خادم فعليه
إخدامه كقولنا في الزوجة؛ لأن ذلك من تمام الكفاية. انتهى.
(ومن ترك ما وجب) عليه من إنفاق على قريب أو عتيق (مدة: لم يلزمه)
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨١) رقم (٤).
[ ١٠ / ١٩٤ ]
شيء (لما مضى) من المدة التي لم ينفق عليه فيها.
قال في " الفروع ": ومن تركه لم يلزمه الماضي، (أطلقه الأكثر)، وجزم
به في " الفصول ". (وذكر بعضهم: إلا بفرض حاكم)؛ لأنه تأكد بفرضه،
كنفقة الزوجة. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وزاد غيره) أي: غير ذلك البعض وهو صاحب " المحرر ": (أو إذنه)
أي: إذن من وجبت عليه النفقة لمن وجب له (في استدانة).
قال في " المحرر ": وأما نفقة أقاربه (^١) فلا تلزمه؛ لما مضى وإن فرضت،
إلا أن يستدين عليه بإذن الحاكم. انتهى.
(ولو غاب زوج فاستدانت) زوجة (لها ولأولادها الصغار: رجعت)
نصا. نقله أحمد بن هاشم. وذكره في "الإرشاد ". وقدمه في " الفروع ".
(ولو امتنع منها) أي: من النفقة على زوجته أو قريبه (زوج أو قريب:
رجع عليه منفق) على زوجته أو قريبه (بنية رجوع) عليه بنظير ما أنفق. ذكره القاضي في " خلافه " وابن عقيل في " مفرداته ". واقتصر عليه في " القواعد "؛ وذلك لأن الامتناع قد يكون لضعف من وجبت له النفقه وقوة من وجبت عليه.
فلو لم نقل: يملك رجوع من أنفق عنه عليه لضاع الضعيف بترك الإنفاق عليه
خوف ضياعه.
(وعلى من تلزمه نفقة صغير نفقة ظئره) أي: مرضعته (حولين) كاملين؛
لقول الله ﷾: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فأثبت نفقة الأم على الأب. والوارث إنما يكون بعد
موت الأب؛ لأن الأب ما دام موجودا فنفقة الولد عليه دون غيره بلا خلاف.
ولأنه جعلها أجرة وعقبه بقوله ﷾: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١٠ / ١٩٥ ]
أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦ [. ولفظ هذا لفظ الخير، ومعناه الأمر أي: فاسترضعوا له
أخري. والاسترضاع لغير الأم إنما يكون بالأجرة. فتجب الأجرة لذلك.
ولأن الطفل إنما يتغذى بما يتولد في المرضعة من اللبن وذلك إنما يتحصل
بالغذاء. فوجبت النفقة للمرضعة؛ لأنها في الحقيقة له، كما تجب النفقة على
الولد بعد الفطام.
وإنما تجب في الحولين؛ لقوله ﷾ في أول الاية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
فجعل تمام الرضاعة الحولين وأوجب النفقة في زمن الرضاعة. فلا تجب
بعدها؛ لمفهوم الآية.
ولأن مدة الحاجة إلى الرضاع انقضت. فلا تجب نفقة المرضعة فيما بعد
ذلك.
(ولا يفطم قبلها) أي: قبل الحولين (إلا برضى أبويه، أو) رضى
(سيده: إن كان رقيقا، ما لم ينضر) بفطامه قبل الحولين؛ لمنع حصول
الضرر.
وقال في " الرعاية " هنا: يحرم رضاعه بعدهما ولهو رضيا (^١) .
(ولأبيه منع أمة من خدمته)؛ لأن ذلك يفوت حق الاستمتاع بها في بعض
الأحيان، (لا) منعها من (رضاعه ولو أنها في حباله)؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقدمهن على غيرهن. وهذا خبر يراد به الأمر، وهو عام في كل والدة.
(وهي) أي: الأم (أحق) بإرضاع ولدها (بأجرة مثلها، حتى مع)
مرضعة (متبرعه أو) مع (زوج ثان ويرضى)؛ لقوله ﷾:
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وهذا عام في جممع الأحوال.
ولأن الأم أحن من غيرها وأشفق، ولبنها أمرأ. فكانت أحق برضاعه من
_________________
(١) في ب زيادة ش به.
[ ١٠ / ١٩٦ ]
غيرها؛ كما لو طلبت الأجنبية رضاعه بأجرة مثلها مع وجود أمه.
ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة، وإضرارا بالولد.
وقد علم مما تقدم أن الأم إذا طلبت أكثر من أجر مثلها ووجمد الأب من
يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة، كان للأب انتزاعه منها؛ لأنها أسقطت حقها بطلب ما ليس لها، فدخلت في قوله ﷾: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦ [.
وإن لم يجد مرضعة إلا بتلك الأجرة التي طلبتها الأم فالأم أحق؛ لأنهما
تساويا في الأجر. فقدمت الأم؛ كما لو طلبت كل واحدة (^١) أجر مثلها.
وعلم أيضا مما تقدم أن الأم لو كانت متزوجة بغير أبي الطفل وطلبت إرضاعه
بأجر مثلها ورضي زوجها بذلك كانت أحق من غيرها؛ لأنها إنما منعت لحق
الزوج. فإذا أذن في ذلك زال المانع. وإن منعها الزوج سقط حقها؛ لتعذر
وصولها إليه.
(ويلزم حرة) إرضاع ولدها يعني: بأجر مثلها (مع خوف تلفه) بأن لم
يقبل ثدي غيرها أو نحو ذلك؛ لأنها حال ضرورة، وحفظ لنفس ولدها، كما لو
لم يكن أحد غيرها.
وعلم مما تقدم أنها لا تجبر مع عدم خوف تلف الولد، دنية كانت أو
شريفة، وسواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة؛ لقوله سبحانه وتعالي:
﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦ [. وإذا اختلفا فقد تعاسرا.
(و) يلزم (أم ولد) يعني: الأمة المستولدة إرضاع ولدها (مطلقا) أي:
سواء خيف محلى الولد إن لم ترضعه أو لا، وسواء كان من سيدها أو لا،
(مجانا) أي: من غير أجرة؛ لأنه يملك نفعها. (ومتى عتقت فكبائن)
يعني: أنه يصير حكمها حكم الحره البائن.
قال في " الإنصاف ": لو (^٢) عتقت أم الولد على السيد: فحكم رضاع
_________________
(١) في أ: واحد.
(٢) في ب: ولو.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
ولدها منه: حكم المطلقة البائن. ذكره ابن الزاغونى فى " الإقناع ". واقتصر
عليه ابن رجب.
ولو باعها، أو وهبها، أو زوجها: سقطت حضانتها، على ظاهر ما ذكره
ابن عقيل في " فنونه ".
وعلى هذا يسقط حقها من الرضاع أيضا. قاله ابن رجب. انتهى.
(ولزوج ثان) أي: غير أبي ولدها (منعها من إرضاع ولدها من) الزوج
(الأول)، أو من شبهة أو زنا، (إلا لضرورته) أي: ضرورة الولد بأن لا يوجد
من لا يرضعه غيرها، أو لا يقبل ثدي غيرها، (أو شرطها) يعني: أو تشترط
عليه عند التزويج أن لا يمنعها من رضاع ولدها، لأن عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل الزمان سوى أوقات الصلوات. والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات. فكان له منعها، كمنعها من الخروج من منزله.
أما في حال اضطراره إليها فإنه يجب، لأنه حال ضرورة، وحفظ لنفس
الولد. فقدم على حق الزوج، كتقديم المضطر إلى شيء على مالكه غير
المضطر.
واما إذا اشترطت ذلك على الزوج عند عقد النكاح، فلأنه دخل على ذلك،
فصار كأن زمن الإرضاع مستثنى من زمن الاستمتاع.
ومن أرضعب ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه،
لقول الله ﷾: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقره: ٢٣٣].
ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها. فإذا زادت حاجتها زادت كفايتها.
ولما فرع من الكلام على نفقة الأ قارب شرع في الكلام على نفقة المماليك
فقال:
[ ١٠ / ١٩٨ ]
] فصل: في نفقة المماليك]
(فصل. وتلزمه) أي: تلزم سيد الرقيق نفقة (وسكنى عرفا) أي:
بالمعروف (لرقيقه- ولو) كان رقيقه (آبقا، أو) كان أمة (ناشزا، أو) كان
(ابن أمته من حر- من غالب قوت البلد)، سواء كان ذلك قوت سيده أو دونه،
أو قوته وأدم مثله.
(و) تلزمه أيضا (كسوته) أي: كسوة رقيقه (مطلقا) أي: سواء كان
المالك غنيا أو فقيرا أو متوسطا، وذلك لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " (^١) .
رواه الشافعي في " مسنده ".
وعن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت
أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا
تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه " (^٢) . متفق عليه.
وأجمع العلماء على أن نفقة المملوك على سيده.
ولأنه لا بد له من نفقة. ومنافعه لسيده وهو أخص الناس به. فوجبت نفقته
عليه، كبهيمة.
(ولمبعض) على مالك بعضه من نفقته وكسوته (بقدر رقه، وبقيتها) أي:
_________________
(١) أخرجه الإمام الشافعي في " مسنده " (٢١٥) ٢: ٦٦ كتاب العتق، باب فيما جاء في العتق وحق المملوك.
(٢) اخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٠) ١: ٢٠ كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهليه وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٦١) ٣: ١٢٨٢ كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما ياكل.
[ ١٠ / ١٩٩ ]
بقية نفقته (عليه) أي: على نفس المبعض؛ لأن بعضه الحر ليس بملك لأحد
فطلب منه نفقته. والسيد مخير بين أن يجعل نفقة رقيقه في كسبه إن كان له
كسب، وأن ينفق عليه من ماله ويأًخذ كسبه، أو يجعله برسم خدمته وينفق عليه
من ماله " لأن الكل ماله. وإن جعل نفقته في كسبه فكانت وفق الكسب صرفه
إليها، وإن فضل من الكسب شيء فهو لسيده، وإن أعوز فعليه تمامه.
وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبيد في ذلك البلد الذي
هو به، والمستحب أن يلبسه من لباسه؛ لحديث أبي ذر (^١) . وأن يسوي بين
عبيده الذكور في الكسوة وبين إمائه إن كن للخدمة أو للاستمتاع. وإن كان فيهن
من هو للخدمة ومن هو للاستمتاع فلا بأس بزيادة من هي للاستمتاع في الكسوة، لأنه العرف.
(وعلى حرة نفقة ولدها من عبد). نص على ذلك، (وكذا مكاتبة ولو أنه)
أي: أن ولدها (من مكاتب، وكسبه لها)، لأنه لما كان كسبه لها كان عليها
نفقته.
(ويزوج) الرقيق أي: يجب أن يزوجه (بطلب) منه، لقوله ﷾: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
والأمر يقتضي الوجوب.
ولأنه مكلف محجور عليه طلب أن يزوج. فلزمت إجابته، كالمحجور عليه
لسفه.
ولأن النكاح مما تدعو إليه الحاجة غالبا ويتضرر بفواته. فأجبر عليه،
كالنفقة.
ولأنه يخاف من ترك إعفافه الوقوع في المحظور. بخلاف ما لو طلب من
سيده أن يطعمه الحلوى.
ومحل ذلك: إذا كان (غير أمة يستمتع بها) سيدها، (ولو) كانت
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٩) رقم (٢).
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
(مكاتبة بشرطه) أي: كاتبها بشرط أن يطأها زمن كتابتها، لأن المقصود قضاء الحاجة، وإزاله ضرر الشهوة. وذلك يحصل باستمتاعه بها فلم يتعين غيره.
(وتصدق) أمة طلبت التزويج، وادعى سيدها أنه يطأها: (في أنه لم
يطأ)؛ لأنه الأصل.
قال في " الترغيب ": على الأصح. نقله عنه في " الفروع ".
وقال: وفي " المستوعب ". يلزمه تزويج المكاتبه بطلبها ولو وطأها وأبيح
بالشرط. ذكره ابن البنا. وكأن وجهه؛ لما فيه من اكتساب المهر. فملكته؛
كأنواع التكسب. وظاهر كلامهم خلافه، وهو أظهر؛ لما فيه من إسقاط حق
السيد وإلغاء الشرط. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن غاب عن أمته غيبة منقطعة فطلبت التزويج: زوجها من يلي ماله)
أي: مال الغائب.
قال في " الانتصار": أومأ إليه في رواية أبي بكر. واقتصر عليه في " الفروع ". (وكذا أمة صبي ومجنون) طلبت التزويج فإنه يزوجها من يلي ماله.
(وإن غاب) سيد (عن أم ولده: زوجت لحاجة نفقة).
قال (المنقح: وكذا لوطء).
قال في " الفروع ": ومن غاب عن أم ولد زوجت في الأصح؛ لحاجة
نفقة، ويتوجه: أو وطء عند من جعله كنفقة. انتهى.
والصحيح: انه يجب الإعفاف كما تجب النفقة.
(ويجب) للعبيد والإماء على من يملكهم (أن لايكلفوا مشقا) يعني:
عملا يشق (كثيرا)؛ لحديث أبي ذر (^١) . (وأن يراحوا) يعني: أن سيدهم
يريحهم (وقت قيلولة، و) وقت (نوم، ولـ) تأدية (صلاة مفروضة)؛ لأن
العادة جارية بذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٩) رقم (٢).
[ ١٠ / ٢٠١ ]
ولأن عليهم في ترك ذلك ضررا، ولا يحل الإضرار بهم.
(ويركبهم عقبة لحاجة) إذا سافر بهم، لئلا يكلفهم ما لا يطيقون.
(ومن بعث) بالبناء للمفعول (منهم) أي: من الأرقاء (في حاجة، فإن
علم أنه لا يجد مسجدا يصلي فيه) ولم يكن له عذر في التأخير: (صلى) أولا
ثم قضاها، لتمكنه من ذلك. (فلو عذر) بأن لم يتمكن من ذلك خشية إضرار
سيده به أو غير ذلك: (أخر) الصلاة، (وقضاها) أي: قضى الحاجة ثم صلى.
(وإن لم يعلم) أنه لا يجد مسجدا (فوجد مسجدا: قضى حاجته، ثم
صلى) تقديما لحق الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة. (فلو صلى قبل) قضائها
ثم قضاها (فلا بأس). نقله صالح، لأنه قضى حق الله وحق سيده.
(وتسن مداواتهم) يعني: أنه يسن للسيد أن يداوي رقيقه (إن مرضوا).
قاله في " التنقيح " وتبعته عليه.
وقال في " الإنصاف ": قوله: ويداويهم إذا مرضوا: يحتمل أن يكون
مراده الوجوب. وهو المذهب.
قال في " الفروع ": ويداويه وجوبا. قاله جماعة.
قال ابن شهاب في كفن الزوجة: العبد لا مال له، فالسيد أحق بنفقته
ومؤنته. ولهذا النفقة المختصة بالمرض من الدواء وأجرة الطبيب تلزمه.
بخلاف الزوجة. انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده بذلك الاستحباب.
قال في " الفروع ": وظاهر كلام جماعة: يستحب. وهو أظهر. انتهى.
قلت: المذهب أن ترك الدواء أفضل على ما تقدم في أول كتاب الجنائز.
ووجوب المداواة قول ضعيف. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(و) يسن للسيد (إطعامهم) أي: إطعام رقيقه (من طعامه)؛ وإلباسهم
من لباسه، لحديث أبي ذر (^١) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٩٩) رقم (٢).
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
(ومن وليه) أي: ولي (^١) طعامه من رقيقه: (فـ) إنه يسن له أن يطعمه
(معه أو منه)، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا ولي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه معه. فإن أبى فليروغ له اللقمة
واللقمتين " (^٢) . رواه البخارى.
ومعنى الترويغ: غمسها في المرق والدسم وترويتها بذلك ودفعها إليه.
وسن فعل ذلك، ولو أنه لا يشتهيه، لحضوره فيه وتوليه إياه. وقد قال الله
﷾: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨].
ولأن نفس الحاضر تتوق إلى ما لا تتوق إليه نفس الغائب.
(ولا يأكل) العبد شيئا من طعام سيده (إلا بإذنه). نص على ذلك.
(وله) أي: وللزوج- والوالد والسيد (تأديب زوجة، و) تأديب (ولد
- ولو) كان (مكلفا مزوجا- بضرب غير مبرح.
وكذا) في الحكم (رقيق) إن أذنبوا، لا إن لم يذنبوا، ولا ان يضربوا ضربا
مبرحا، لأن النبي ﷺ قال: " لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله ﷿ " (^٣) . رواه الجماعة إلا النسائي. من حديث أبي بردة بن نيار (^٤) .
وقد روي عن ابن مسعود قال: " كنت أضرب غلاما لي. فإذا رجل من
_________________
(١) في ج: وولي.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٤ ٥١) ٥: ٢٠٧٨ كتاب الأطعمة، باب الأكل مع الخادم.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٤٥٨) ٦: ٢٥١٢ كتاب المحاربين، باب كم التعزير والأدب. وأخرجه مسملم في " صحيحه " (١٧٠٨) ٣: ١٣٣٢ كتاب الحدود، باب قدر أسو اط التعزير. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٩١) ٤: ١٦٧ كتاب الحدود، باب في التعزير. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٦٣) ٤: ٦٣ كتاب الحدود، باب ما جاء في التعزير. وأخرجه ابن ماجه قي " سننه " (١ ٠ ٢٦) ٢: ٨٦٧ كتاب الحدود، باب التعزير. وأخرجه أحمد في " مسنده ") ١٦٥٢٣) ٤: ٤٥.
(٤) في ب: دينار. وهو تصحيف.
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
خلفي يقول: أعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا الغلام " (^١) .
ولأنه تعذيب لإنسان من غر ضرورة إليه؛ لأنه يمكنه أن يبيعه ويستبدل به
غيره. فلم يجز؛ كتكليفه ما لا يطيق من العمل.
وظاهر هذا: أنه لا يزيد في تأديب رقيقه على تأديب ولده وامرأته.
وقال في "التنقيح": قلت: الأظهر جواز الزياده على ذلك؛ للأحاديث
الصحيحه. انتهى.
(ويقيده) يعني: أن له تقييد رقيقه: (إن خاف عليه) من الإباق؛ نقله حرب.
ونقل غيره: لا يقيده. ويباع أحب إلي.
(ولا يشتم ابويه) أي: أبوي المملوك (الكافرين).
قال أحمد: لا يعود لسانه الخنا والردا، ولا يدخل الجنة سيء الملكة.
وهو الذي يسيء إلى مملوكه.
(ولا يلزمه بيعه) يعني: أنه لا يلزم السيد بيع مملوكه (بطلبه مع القيام
بحقه) أي: حق المملوك؛ لأن الملك للسيد والحق له. فلا يجبر على إزالته
من غير ضرر بالعبد؛ كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها، ولا على بيع بهيمته مع الإنفاق عليها.
وقد روى أبو داود عن أحمد أنه قيل له: استباعت المملوكة وهو يكسموها
مما يلبس ويطعمها مما يأكل؟ قال: لا تباع وإن أكثرت من ذلك، إلا ان تحتاج
إلى زوج فتقول: زوجني.
(وحرم أن تسترضغ أمة) لها ولد (لغير ولدها) مع كونه لا يفضل عن ولدها
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٥٩) ٣: ١٢٨٠ كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٥١٥٩) ٤: ٣٤٠ كتاب الأدب، باب في حق المملوك. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٩٤٨) ٤: ٣٣٥ كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠٢ ٢٢١) ٥: ٢٧٤.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
شيء؛ لأن في ذلك إضرار بالولد؛ لنقصه عن كفايته ومؤنته، (إلا بعد ريه)
أي: ري الولد، لأنه إذا روي فقد استغنى عما فضل. فكان لسيدها استيفاؤه، كالفاضل من كسبها، وكما لو مات ولدها وبقي لبنها.
(ولا تصح إجارتها) أي: إجارة الأمه المزوجة (بلا إذن زوج زمن حقه) أي:
حى الزوج.
قال في " الفروع ": قال الشيخ: لاشتغالها عنه برضاع وحضانه. وهذا
إنما يجيء إذا أجرها في مدة حق الزوج. فلو أجرها في غيره توجه الجواز. وإطلاقه مقيد بتعليله (^١): وقد يحتمل أن لا يلزم تقييده به، فأما إن ضر ذلك بها
لم يجز. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ولا جبر) يعني: أنه لا يجوز جبر العبد (على مخارجة، وهي) يعني:
المخارجة: (جعل سيد على رقيق، كل يوم أو) كل (شهر، شيئا معلوما له)
أي: للسيد؛ لأن ذلك عقد بينهما. فلا يجبر عليه واحد منهما، كعقد الكتابة.
(وتجوز) المخارجة (باتفاقهما)؛ لما روي: " أن أبا طيبة حجم
النبي ﷺ فأعطاه أجره وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه " (^٢) .
وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا.
فروي ان الزبير " كان له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم " (^٣) .
ومحل جواز المخارجة: (إن كان قدر كسبه فأقل بعد نفقته)؛ لما روي
عن عثمان أنه قال: " لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب
سرق، ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب
كسبت بفرجها " (^٤) .
ولأنه متى كلف غير ذي الكسب خراجا كلف ما يغلبه.
_________________
(١) في أ: بتعليقه.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٦، ١٢٩) ٣: ١٨٢.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨: ٩ كتاب النفقات، باب مخارجة العبد برضاه إذا كان له كسب.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨: ٨ كتاب النفقات، باب ما جاء في النهي عن كسب الأمة
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
وقد قال النبي ﷺ: " لا تكلفوهم ما يغلبهم " (^١) .
وربما حمله ذلك على أن يأتي به من غير وجهه فلم يكن للسيد أخذه.
قال في" الفروع ": ويؤخذ من" المغني ": لعبد مخارج هدية طعام
وإعارة متاع وعمل دعوة. قاله في" الترغيب "وغيره.
وظاهر هذا: أنه كعبد مأذون له في التصرف.
وظاهر كلام جماعة: لا يملك ذلك، وأن فائدة المخارجة ترك العمل بعد
الضريبة.
وفي " كتاب الهدي ": له التصرف فيما زاد على خراجه. ولو منع منه كان
كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد تمليك من سيده له يتصرف فيه كما أراد. كذا قال. انتهى.
(ولا يتسرى عبد مطلقا) يعني: سواء قلنا يملك بالتمليك أو لا، وسواء
كان التسري بإذن سيده أو لا. قدمه في " التنقيح ". فقال (^٢): ولا يتسرى عبد
ولو بإذن سيده " لأنه لا يملك. انتهى.
(ويصح) تسريه (على مرجوح بإذن سيد) ـه بالنسبة لما قدمه في
" التنقيح "، لأنه قال: وقيل: بلى بإذنه (^٣)، ثم قال (المنقح: وهو الأظهر،
ونص عليه في رواية الجماعة، وأختاره كثير من المحققين. انتهى).
وهذا الذي حكاه في "التنقيح " بقوله: وقيل. جعله في "الإنصاف " المذهب.
وعبارته في"الإنصاف ": وللعبد أن يتسرى بإذن سيده. هذا إحدى الطريقتين.
وهي الصحيحة من المذهب. نص عليها في رواية الجماعة. وهي طريقة
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٠) ١: ٢٠ كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها لارتكابها إلا بالشرك. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٦١) ٣: ١٢٨٢ كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، والباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه.
(٢) في ب: لأنه قال.
(٣) في ب: بإذن سيده.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
الخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى وأبي إسحاق بن شاقلا. ذكره عنه في "الواضح ". ورجحها المصنف لمحي " المغني " و" الشارح ".
قال في" القواعد الفقهية": وهي أصح. فإن نصوص أحمد لا تختلف في
إباحة التسري له. وصححه الناظم، وقدمه الزركشي ونصره.
وقيل: ينبني على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، وهي طريقة القاضي
والأصحاب بعده. قاله في" القواعد ".
قال القاضي: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان
على الروايتين في ثبوت الملك بتمليك سيده.
وقدمها في" الرعايتين "و" الحا وي "و" الفروع ".
وهي المذهب على ما أسلفناه في الخطبة. انتهى كلامه في" الإنصاف ".
وحيث قلنا أن للعبد التسري (فلا يملك سيد رجوعا) في أمة أذن لعبده في
التسري بها (بعد تسر) بها. نص على ذلك في رواية محمدبن باهان
وإبراهيم بن هانى ويعقوب بن بختان، لأن العبد يملك به البضع. فلم يملك
سيده فسخه، قياسا على النكاح.
(ولمبعض) أي: وللعبد الذي بعضه حر (وطء أمة ملكها بجزئه الحر بلا
إذن) من أحد، لأنها خالص ملكه.
(وعلى سيد امتنع مما) يجب عليه (لرقيق) في ملكه (إزالة ملكه) عنه
(بطلبه)، سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه، لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بما يجب له إضرار به، وإزالة الضرر واجبة. فوجبت إزالته. (كفرقة زوجة) يعني: كما يجب للمرأة فسخ النكاح عند تعذر نفقة زوجها
عليها. وقد روي في بعض الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "عبدك يقول:
أطعمني وإلا فبعني، وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني " (^١) .
وحيث انتهى الكلام على نفقة المماليك. شرع في الكلام على نفقة البهائم فقال:
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٧٤٢٣) ٢: ٢٥٢.
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
] فصل: في نفقة البهائم]
(فصل. وعلى مالك بهيمة إطعامها وسقيها)، إما بعلفها وإما بإقامة من
يرعاها، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فلا أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض" (^١) .
متفق عليه.
ولو لم يكن ذلك واجبا لم تعذب عليه.
(وأن عجز عن نفقتها: أجبر على بيع، أو إجارة، أو ذبح مأكول)، لأن
بقاءها في يده بترك (^٢) الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.
ولأن ذلك مما تتلف به.
ولا جوز إضحاعة المال، لنهي النبى ﷺ عنه (^٣) .
فوجب إلزامه بما يزيل ذلك، (فإن أبى) أن يفعل شيئا من ذلك: (فعل
حاكم الأصلح) من هذه الأمور الثلاثة، (أو اقترض عليه) وأنفق على بهيمته،
لأن على الحاكم فعل الأصلح.
(ويجوز انتفاع بها) أي: بالبهيمة (في غير ما خلقت، كبقر لحمل
وركوب، و) كـ (إبل وحمر لحرث ونحوه).
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٢٩٥) ٣: ١٢٨٤ كتاب الأنبياء، باب (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤ ٩٠) ١: ٦٢٣ كتاب الكسوف، باب ما عرض علي النبي صصص في صلاه الكسوف من أمر الجنة.
(٢) في أ: ترك.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٥٩٣) ٣: ١٣٤١ كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات.
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
قال في" الفروع ": ذكره الشيخ وغيره في الإجارة؛ لأن مقتضى الملك
جواز الانتفاع به فيما يمكن، وهذا ممكن كالذي خلق له، وجرت به عادة بعض الناس. ولهذا يجوز أكل الخيل، واستعمال اللؤلؤ في الأدوية، وأن لم يكن
المقصود منها ذلك.
وقوله ﷺ: " بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها. قالت: إنى لم أخلق
لذلك إنما خلقت للحرث " (^١) متفق عليه.
أي: أنه معظم النفع، ولا يلزم منه منع غيره.
وقال ابن حزم في الصيد: أختلفوا في ركوب البقر، فيلزم المانع منع (^٢)
تحميل البقر، والحرث بالإبل والحمر، وإلا فلم يعمل بالظاهر ولا بالمعنى.
انتهى كلامه في" الفروع ".
ولو عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الإنفاق عليها؛ كالعبد الزمن، وأن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها كما تقدم.
(وجيفتها) أن ماتت (له) أي: لمالكها؛ لأنها لاتخرج عن ملكه
بالموت، (ونقلها) أي: ونقل جيفتها (عليه) أي: على مالكها؛ لأنه لما
كان له نفعها كان عليه غرمها.
(ويحرم لعنها) أي: لعن البهيمة؛ لما روى أحمد ومسلم عن عمران
" أنه كان في سفر. فلعنت امرأة ناقة. فقال: خذوا ما عليها ودعوها مكانها
ملعونة. فكأنى أراها الأن تمشي في الناس ما تعرض لها أحد " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٤٦٣) ٣: ١٣٣٩ كتاب فضائل الصحابة، باب قول النيي صصص: " لو كتت متخذا خليلا ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٣٨٨) ٤: ٨٥٧ ١ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق.
(٢) في ج: منه.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٥٩٥) ٤: ٢٠٠٤ كتاب البر والصلة والاداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
ولهما من حديث أبي برزة: " لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة " (^١) .
قال في" الفروع ": فيتوجه احتمال أن النهي عن مصاحبتها فقط. ولهذا
روى أحمد من حديث عائشة: " أنه ﷺ أمر أن ترد، وقال: لا يصحبني شيء ملعون " (^٢) .
ويحتمل مطلقا من العقوبة المالية؛ لينتهي الناس عن ذلك. وهو الذي ذكره
ابن هبيرة في حديث عمران.
ويتوجه على الأول احتمال: إنما نهى لعلمه باستجابة الدعاء. وللعلماء
كهذه الأقوال.
وقال ابن حامد: إذا لعن أمته أو ملكا من أملاكه فعلى مقالة أحمد يجب
إخراج ذلك عن ملكه، فيعتق العبد ويتصدق بالشيء؛ لأن المرأة لعنت بعيرها،
فقال النبي ﷺ: " لا يصحبنا ملعون. خليه".انتهى كلامه في" الفروع ".
(و) يحرم (تحميلها) أي: تحميل الدابة شيئا (مشقا)؛ لما في ذلك من
تعذيب الحيوان.
(و) يحرم (حلبها ما) أي: شيئا (يضر ولدها)؛ لأن كفايته واجبة على
مالكه.
ولأن لبنه مخلوق له. فأشبه ولد الأمة.
(و) يحرم (ذبح) حيوان (غير مأكول لإراحته) من مرض أو غيره؛ لأنه
مال ما دام حيا، وذبحه إتلافه، وقد نهي عن إتلاف المال.
(و) يحرم (ضرب وجه، ووسم فيه) أي: في الوجه.
قال في" الفروع ": و" لعن النبي ﷺ من وسم أو ضرب الوجه " (^٣) .
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٧٧٨ ١) ٤: ٤٣١. أخرجه حمد في " مسنده " (١٩٧٠٦) ٤: ٤٢٣
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٢٥٣) ٦: ٢٥٨.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧ ٢١) ٣: ١٦٧٣ كتاب اللباس والزينة، باب النهى عن ضرب
[ ١٠ / ٢١٠ ]
و"نهى عنه " (^١) .
فتحريم ذلك ظاهر كلام الإمام والأصحاب. وذكروه في ضرب الوجه في الحد.
وفي" المستوعب " في الوسم: يكره. فيتوجه في ضربه مثله، والأول
أظهر، وهو في الآدمي أشد.
قال ابن عقيل: لا يجوز الوسم إلا لمداواة.
وقال أيضا: يحرم لقصد المثلة. انتهى.
(ويجوز) الوسم (في غيره) أي: غير الوجه (لغرض صحيح).
نقل ابن هانئ: يوسم ولا يعمل في اللحم.
(ويكره خصاء).
قال في" الفروع": وكره أحمد خصاء غنم وغيرها إلا خوف غضاضه،
وقال: لا يعجبني أن يخصى شيئا. وحرمه القاضي وابن عقيل كالآدمي. ذكره
ابن حزم فيه إجماعا.
وفي " الغنية ": لا يجوز خصاء شيء من حيوان وعبيد. نص عليه في رواية
أبي طالب. وكذلك (^٢) السمة في الوجه، على ما نقله أبو طالب، للنهي. وإن
كان لا بد للعلامة ففي غير الوجه. انتهى.
(و) يكره (جز معرفة، و) جز (ناصية، و) جز (ذنب، وتعليق جرس
أو وتر).
_________________
(١) =الحيوان في وجهه ووسمه فيه. بلفظ: " أن النبي صصص مر عليه حمار قد وسم في وجهه. فقال: لعن الله الذي وسمه ". وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٤١٨١) ٣: ٢٩٧ بلفظ: " رأى النبي صصص حمارأ قد وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل هذا ". وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ٣٥ باب ما جاء في موضع الوسم وفي صفة الوسم. أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢١١٦) ٣: ١٦٧٣ كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.
(٢) في أ: وكذا.
[ ١٠ / ٢١١ ]
قال في" الفروع ": ويكره تعليق جرس أو وتر، وجز معرفة وناصية. وفي
جز ذنبها روايتان، أظهرهما يكره، للخبر.
وعن سهل بن الحنظلية (^١) قال: " مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره
ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم العجمة، فاركبوها صالحه، وكلوا لحمها
صالحة " (^٢) . إسناده جيد. انتهى.
قال فى" الغنية ": ويكره له إطعامه فوق طاقته، وإكراهه على الأكل على
ما اتخذه الناس عاده لأجل التسمين.
(و) يكره (نزو حمار على فرس).
قال في" الفروع ": ويتوجه تحريمه على الخصاء، لعدم النسل فيهما.
(وتستحب نفقته) أي: نفقة الإنسان (على ماله غير الحيوان).
قال في" الفروع ": ويتوجه وجوبه، لئلا يضيع ماله. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في الأصول: الحنظلة. وما أثبتناه من" السنن ".
(٢) أخرجه أبو داود في" سننه " (٢٥٤٨) ٣: ٢٣ كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.
[ ١٠ / ٢١٢ ]
] باب: الحضانة]
هذا (باب الحضانة). واشتقاقها من الحضن وهو: الجنب؛ لأن المربي
والكافل يضم الطفل إلى حضنه.
(وتجب)؛ لأن الطفل يهلك بتركه ويضيع فلذلك وجبت كفالته؛ حفظا
له، وانجاء له من الهلكة والضياع.
(وهي) شرعا: (حفظ صغير ومعتوه- وهو: المختل العقل- ومجنون،
عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم)، من غسل يدنهم وثيابهم ودهنهم
وتكحيلهم، وربط الطفل في المهد ولحركيه لينام ونحو ذلك.
(ومستحقها: رجل عصبة، وامرأة وارثة؛ كأم) وجدة، (أو مدلية
بوارث؛ كخالة وبنت أخت، أو) مدلية بعصبة؛ (كعمة وبنت اخ و) بنت
(عم، وذو رحم؛ كأبي أم، ثم حاكم)؛ لأنه الوالي لأمور المسلمين والنائب
عنهم في الأمور العامة. وحضانه طفل ونحوه إذا لم لكن له قريب تجب على
جميع المسلمين فلذلك تنتقل إلى الحاكم.
(وأم) للمحضون (أولى) بحضانته من جميع أقاربه؛ لما روى عبد الله بن
عمرو بن العا ص: " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له
وعاء، وثديي له سقاء، وحجري لهه حواء. وإن أباه ظلمني وأراد أن ينزعه
مني. فقال رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي" (^١) . رواه أبو داود.
ولأنها أشفق عليه وأقرب ولا يشاركها في القرب إلا الأب، وليس له مثل
شفقتها ولا يتولى الحضانة بنفسه وإنما يدفعه إلى امرأته أو غيرها من النساء،
وأمه أولى ممن يدفعه إليها فتقدم على غيرها،
_________________
(١) أخرجه أبو دأود في " سننه " (٢٢٧٦) ٢: ٢٨٣ أبواب الطلاق، باب من أحق بالولد.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
(ولو بأجرة مثلها كرضاع). قاله في" الواضح ".
فأن لم تكن الأم من أهل الحضانة؛ لفقدان شرط الحضانة فيها، انتقلت إلى
من يليها في الاستحقاق؛ لأنها صارت كالمعدومة.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأم (أمهاتها: القربى فالقربى) على الأصح؛
لأنهن نساء ولادتهن مستحقة فهي في معنى الأم.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأم وأمهاتها (أب)؛ لأنه أصل النسب إلى
الطفل وأحق بولاية ماله فكذلك في الحضانة.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب (أمهاته كذلك) يعني: القربى فالقربى
من أمهات الجد؛ لأنهن يدلين بعصبة قريبة.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب وأمهاته (جد)؛ لأنه في معنى ابنه الذي
هو أبو المحضون (كذلك) يعني: الأقرب فالأقرب من الاباء، (ثم أمهاته)
أي: أمهات الجد (كذلك) يعني: القربى فالقربى من أمهات الجد؛ لأنهن
يدلين بعصبة.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد أمهات آباء الآباء (أخت) يعني: أنه متى عدم
من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وأن علون انتقلت الحضانة إلى
الأخوات، وقدمن على سائر القرابات من الخالات والعمات وغيرهن؛ لأنهن
شاركن في النسب وقدمن في الميراث. والأولى (^١) من كانت (لأبوين)؛ لقوة
قرابتها.
(ثم) أخت (لأم) على الأصح؛ لأن هؤلاء نساء يدلين بالأم فكان من
يدلي منهن بالأم أولى من يدلي بالأب؛ كالجدات.
(ثم) أخت (لأب) على الأصح.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأخوات خالات المحضون. فتقدم (خالة
_________________
(١) في أ: وأولى.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
لأبوين) يعني: أخت أم المحضون لأبويها، (ثم) خالة (لأم، ثم) خالة
(لأب)؛ لأن الخالات يدلين بالأم.
(ثم) الأولى بالحضانة بعد الخالات (^١) العمات وإنما أخرن عن الخالات؛
لأن العمات يدلين بالأب وهو مؤخر عن الأم. فتقدم (عمة لأبوين)، ثم عمة
لأم، ثم عمة لأب وإلى ذلك أشير بقوله: (كذلك) أي: كالخالات.
(ثم خالة أم، ثم خالة أب، ثم عمته) أي: عمة الأب؛ لأنهن نساء من
أهل الحضانة فيقدمن على من في درجتهن من الرجال؛ لتقديم الأم على الأب،
والجدة على الجد، والأخت على الأخ.
ولا حضانة لعمات الأم مع عمات الأب؛ لأنهن يدلين بأبي الأم وهو من
ذوي الأرحام، وعمات الأب يدلين بالأب وهو من أقوى العصبات.
(ثم) يقدم بعد ما ذكرنا (بنت أخ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (و)
كذا (^٢) بنت (أخت) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب. (ثم بنت عم) لأبوين، ثم
لأم، ثم لأب، (و) كذا بنت (عمة) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (ثم بنت
عم أب و) بنت (عمته) أي: عمة أب (على التفصيل المتقدم.
ثم) تنتقل الحضانة (لباقي العصبة) أي: عصبة المحضون: (الأقرب
فالأقرب) فتقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم، ثم أعمام الأب ثم
بنوهم، ثم أعمام الجد ثم بنوهم.
(وشرط كونه) أي: كون العصبة (محرما ولو برضاع، ونحوه)؛
كمصاهرة (لأنثى) يعني: لمحضون أنثى (بلغت سبعا) في الأصح.
وفي" الترغيب ": تشتهى.
قال في" الفروع ": وأختار صاحب " الهداية " مطلقا.
ويسلمها إلى ثقة يختارها هو، أو إلى محرمه؛ لأنه أولى من أجنبي
_________________
(١) في أ: الخاله.
(٢) فى ب: كذلك.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
وحاكم، وكذا قال فيمن تزوجت وليس للولد غيرها ولهذا قلت:
(ويسلمها (^١) غير محرم تعذر) حاضر (غيره إلى) امرأة (ثقة يختارها)
العصبة، (أو) إلى (محرمه. وكذا أم تزوجت وليس لولدها غيرها).
قال في" الفروع " بعد نقله ذلك عن صاحب" الهدي": وهذا متوجه وليس
بمخالف؛ لعدم عمومه.
(ثم) تنتقل الحضانة في الأ صح (لذي رحم، ذكر وأنثى، غير ما تقدم)؛
لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى منهم. فأشبهوا البعيد من العصبات.
(و) على هذا (أولاهم) بالحضانة: (أبو أم، فأمهاته، فأخ لأم،
فخال، ثم لحاكم)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وصي، والحضانة
ولاية.
(وتنتقل) الحضانه (مع امتناع مستحقها، أو) مع (عدم أهليته) أي:
عدم أهلية من في درجة المستحى لها لو كان أهلا (إلى من بعده) أي: إلى من
يليه كولايه النكاح؛ لأن وجود غير المستحق كعدمه.
(وحضانة) صغير (مبعض لقريب وسيد بمهايأة). فمن نصفه حر يوم
لقريبه ويوم لسيده، ومن ثلته حر يوم لقريبه ويومان لسيده. وهكذا.
(ولا حضانة لمن فيه رق) ولو قل؛ لأنها ولاية. فلا تثبب لمن فيه رق؛
كولاية النكاح.
(ولا) حضانة (لفاسق)؛ لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة في
حق الولد، ولا حظ للولد في حضانته؛ لأنه ربما ينشأ على طريقته.
(ولا) حضانة لى (كافر على مسلم)؛ لأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر
أولى.
_________________
(١) في ب: ويتسلمها.
[ ١٠ / ٢١٦ ]
(ولا). حضانة (لـ) امرأة (مزوجة بأجنبي من محضون من زمن عقد)؛
لما تقدم من قوله ﷺ: " أنت أحق به ما لم تنكحي " (^١) . وقد وجد النكاح.
ولأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد ويستحق منعها من الحضانة. فزال
بذلك حقها؛ كما لو دخل بها (ولو رضي زوج) بولدها.
(وبمجرد زوال مانع) من كفر أو فسق أو رق أو تزويج (ولو بطلاق
رجعي، ولم تنقض عدتها ورجوع ممتنع) من الحضانة، (يعود الحق) له في
الحضانه؛ لأن سببها دائم وهو القرابة. وإنما امتنعت لمانع، فإذا زال المانع
عاد الحق بالسبب السابق المداوم (^٢) .
(ومتى أراد احد أبوين) لمحضون (نقلة إلى بلد آمن، وطريقه) أي:
طريق البلد الآمن: (مسافة قصر فأكثر، ليسكنه) وكان الطريق أيضا آمنا:
(فأب أحق) بالحضانة على الأصح؛ لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير وتخريجه وحفظ نسبه. فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع نسبه.
(و) إن أراد احد أبويه نقلة (إلى) بلد (قريب) من بلد الآخر (لسكنى:
فأم) أحق يعني: أنها تكون باقية على حضانتها؛ لأنها أتم شفقة؛ كما لو لم
يسافر واحد منهما.
(و) أن كان سفر احد الأبوين (لحاجة) ويعود، سواء (بعد) البلد الذى
يريده (أو لا) يعني: أو لم يبعد: (فمقيم) من الأبوين أولى بحضانة الولد؛
لأن في السفر بالولد إضرار به فتعين المقيم منهما.
_________________
(١) سيق تخريجه ص (٢١٣) رقم (١).
(٢) في ب: الملازم.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
] فصل: إذا ميز الصبي المحضون]
(فصل. وإن بلغ صبي) محضون (سبع سنين عاقلا) أي: تمت (^١) له سبع
سنين وهو عاقل: (خير بين أبويه) فكان عند من اختار منهما على الأصح.
وقضى بذلك عمر وعلي وشريح؛ وذلك لما روى أبو هريرة: " أن النبي ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه " (^٢) . رواه سعيد والشافعي.
وفي لفظ عن أبي هريرة قال: " جاءت امرأة إلى النبي فقالت:
يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقانى من بئر أبي عنبة وقد
نفعني. فقال رسول الله ﷺ: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت. فأخذ
بيد أمه فانطلقت به " (^٣) . رواه أبو داود.
ولما روي عن عمر: " أنه خير غلاما بين أبيه وأمه " (^٤) . رواه سعيد.
وروي عن عمارة الجرمي أنه قال: " خيرنى علي بين أمي وعمي وكنت ابن
سبع أو ثمأن " (^٥) . وروي نحو ذلك عن أبي هريرة (^٦) .
_________________
(١) في ب: تم.
(٢) أخرجه الإمام الشافعي في " مسنده " (٢٠٥) ٢: ٦٢ كتاب الطلاق، باب في الحضانة. واخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٢٧٥) ٢: ١١٠ كتاب الطلاق، باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به.
(٣) أخرجه ابو داود في " سننه " (٢٢٧٧) ٢: ٢٨٣ كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد.
(٤) أخرجه سعمد بن منصور في " سننه " (٢٢٧٧) ٢: ٠ ١ ١ باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، (٢٢٧٩) ٢: ١ ١ ١ باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به. بلفظ: " أنا الذي خيره علي ﵁ بين أمه وعمه ". وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٤ كتاب النفقات، باب الأبوين إذا افترقا بلفظ: " خيرني علي بين أمي وعمي، ثم قال لأخ أصغر مني: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته ".
(٦) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٣ الموضمع السابق. بلفظ: " خير غلامًا بين أبيه وأمه ".
[ ١٠ / ٢١٨ ]
وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت كالإجماع.
ولأن التقديم في الحضانة لحق الولد فيقدم من هو أشفق، ومن حظ الولد
عنده أكبر. واعتبرنا الشفقة بمظنتها إذا لم يكن اعتبارها بنفسها. فإذا بلغ الغلام
حدا يعرب فيه عن نفسه ويميز بين الإكرام وضده فمال إلى أحد الأبوين دل على
أنه أرفق به وأشفق عليه فقدم بذلك. وقيدناه بالسبع، لأنها أول حال أمر الشارع
فيه بمخاطبته بالأمر بالصلاة.
ولأن الأم قدمت في حال الصغر، لحاجته إلى من يحمله ويباشر خدمته "
لأنها أعرف بذلك وأقوم به. فإذا استغنى عن ذلك تساوى والداه لقربهما منه.
فرجح باختياره.
(فإن اختار أباه: كان عنده ليلا ونهارا)، لأن الأب مستحق. فالزمان كله
متعين له، كما في الطفل.
(ولا يمنع زيارة أمه)، لأن في منعه من ذلك إغراء له بالعقوق وقطيعة
الرحم (^١) .
(ولا) تمنع (هي تمريضه) إن مرض بدارها، لأنه صار بالمرض كالصغير
في الحاجة إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك. فكانت أولى من
غيرها.
(وإن اختارها) أي: اختار الصبي أمه: (كان عندها ليلا) فقط؛ لأنه
وقت السكن وانحياز الرجال إلى المنازل، (و) كان (عنده) أي: عند الأب
(نهارا)، لأنه وقت التصرف في قضاء الحاجات وعمل الصنائع، (ليؤدبه
ويعلمه)، لئلا يضيع حظه من ذلك.
(وإن) اختار الصبي أحد أبويه ثم (عاد فاختار الآخر نقل إليه، ثم أن اختار
الأول: رد إليه) وهكذا أبدا كلما اختار أحدهما نقل إليه؛ لأنه اختيار شهوة
لحظ نفسه. فاتبع ما يشتهيه، كما يتبع ما يشتهيه من المأكول.
_________________
(١) في لا: للرحم.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
(ويفرع) بين الأبوين: (إن لم يختر) ابنهما واحدا منهما، (أو
اختارهما) جميعا؛ لأنه لا مزيه لأحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما
على حضانته. فقدم أحدهما بالقرعة.
(وإن بلغ) الصبي حال كونه (رشيدا: كان حيث ضاء)؛ لأنه لم تبق عليه
ولاية لأحد.
ولأنه استقل (^١) بنفسه وقدر على إصلاح أموره بنفسه. فوجب انفكاك الحجر
محنه في سائر أحواله.
(ويستحب له أن لا ينفرد عن أبويه)؛ لأنه ربما يحدث عليهما شيء فيكون
حاضره.
(وإن استوى اثنان فأكثر فيها) أي: في الحضانة؛ كأختين أو أخوات
شقيقتين أو أشقاء: (أقرع) بينهما أو بينهن، (ما لم يبلغ محضون سبعا) أي:
يتم له سبع سنين (ولو) كان (أنثى، فيخير) بينهما أو بينهن؛ لأنه لا مزية
للبعض، ولا يمكن الجمع.
(والأحق من عصبة) للمحضون (عند عدم أب أو أهليه) أي: أهليه
الأب؛ (كأب في تخيير وإقامة ونقلة، إن كان محرما لأنثى)؛ كجدها وعمها. (وسائر النساء المستحقات لها) أي: للحضانه (كأم في ذلك) أي: في
التخيير والإقامه والنقلة.
(وتكون بنت سبع) أي: تم لها سبع سنين (عند أب، إلى زفاف،
وجوبا) على الأصح؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره. فوجب أن تكون
تحت نظره؛ ليؤمن عليها من دخول النساء؛ لكونها معرضة للآفات لا يؤمن
عليها الانخداع لغرتها.
ولأنها إذا بلغت السبع قاربت الصلاحية للتزويج. وقد " تزوج النبي ﷺ
_________________
(١) في ب: انتقل.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
عائشة وهي بنت سبع" (^١) . وإنما تخطب الجارية من أبيها، لأنهه وليها والمالك لتزويجها، وهو أعلم بالكفاءة وأقدر على البحث عن ذلك فينبغي أن يقدم على
غيره. ولا يصار إلى تخييرها، لأن الشرع لم يرد بالتخيير فيها. ولا يصبح
قياسها على الغلام، لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه البنت.
(ويمنعها) أبوها (ومن يقوم مقامه، أن تنفرد) بنفسها، لأنها لا تؤمن
على نفسها.
(ولا تمنع أم) أي: أمها (من زيارتها: إن لم يخف منها) أي: من أمها.
قال في" الفروع ": ولا خلوة لأم مع خوفه أن تفسد فلبها. قاله في
" الواضح ". ويتوجه فيه مثلها. انتهى.
(ولا) تمنع الأم من (تمريضها ببيتها) أي: بيت الأم. (ولها) أي:
للبنت (زيارة أمها: إن مرضت) الأم؛ لأن ذلك من الصلة والير. فكان لها
ذلك ولا تمنع منه.
(والمعتوه ولو) كان (أنثى) يكون (عند أمه مطلقا) يعني: صغيرا كان أو
كبيرا، لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره. والنساء أعرف بذلك.
(ولا يقر من يحضن) أى: من تجب حضانته لصغر أو عته، (بيد من
لا يصونه ويصلحه)، لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه فينتقل عنه إلى من يليه. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) اخرجه مسلم في "صحيحه " (١٤٢٢) ٢: ١٠٣٩ كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
]
[ ١٠ / ٢٢٢ ]