وهو لغه الوطء. قاله الأزهري.
وقيل: للتزويج نكاح؛ لأنه سبب الوطء.
قال أبو عمرو غلام ثعلب: الهذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد
عن البصريين: أن النكاح في أصل اللغة هو: اسم للجمع بين الشيئين.
قال الشاعر:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان (^١)
وقال الجوهري: [النكاح الوطء وقد يكون العقد، ونكحتها ونكحت هي،
أي: تزوجت.
وعن الزجاج] (^٢): النكاح في كلام العرب. بمعنى الوطء والعقد معًا،
وموضع نكح (^٣) في كلامهم: لزوم الشيء الشيء راكبًا عليه.
قال ابن جني: ممالت أبا علي الفارسي عن قولهم. نكحها، قال: فرق (^٤) العرب فرقًا لطيفًا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانه أو بنت فلان ارأدوا تزويجها والعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته لم يريدوا إلا المجامعة؛ [لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد] (^٥).
_________________
(١) الييت الثانى ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) فى ب: نكاح.
(٤) فى أ: فروت وفي ب: فرقت.
(٥) ساقط من أ.
[ ٩ / ٥ ]
(وهو) أي: النكاح في الشرع: [عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج.
وهو] (^١) (حقيقة في عقد التزويج) في الأصح؛ لصحة نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سفاح وليس بنكاح. وصحة النفي دليل المجاز.
ولأنه عند الإطلاق يصرف إليه ولا يتبادر إلى الذهن غيره فهو مما نقله العرف. وذلك؟ لأنه أشهر في الكتاب والسنة. وليس في الكتاب لفظ: النكاح بمعنى الوطء، إلا في (^٢) قوله ﷾: (حتى تنكح زوجا غيره) [البقرة: " ٢٣] على المشهور.
وحيث تقرر أنه حقيقة في العقد فهو (مجاز في الوطء).
قال القاضي في " التعليق " في كون المحرم لا ينكح: لما قيل له: إن النكاح حقيقة في الوطء، فقال: إن كان في اللغة حقيقة في الوطء فهو في عرف الشرع للعقد.
وقال الحلواني أيضا: وهو (^٣) في الشريعة عبارة عن العقد بًا وصافه. وفي اللغة: عبارة عن الجمع وهو الوطء.
وقال ابن عقيل أيضا: الصحيح أنه موضوع للجمع وهو في الشريعة في العقد أظهر. انتهى.
وقيل: إن النكاح حقيقه في الوطء مجاز في العقد عكس ما تقدم. اختاره القاضي في " شرح الخرقي " و" أحكام القرآن " و" عيون المسائل " و" الانتصار " وأبو يعلى الصغير وابن خطيب السلامية؛ لما تقدم عن الأزهري وغلام ثعلب. والأصل عدم النقل.
قال أبوالخطاب: وتحريم من عقد عليها الأب استفدناه من الإجماع والسنة. وقيل: إنه حقيقه في مجموعهما فهو من الألفاظ المتواطئة.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) زيادة من ج.
(٣) في أ: هو.
[ ٩ / ٦ ]
قال ابن رزين: والأشبه أنه حقيقة في كل واحد باعتبار مطلق الضم " لأن القول بالتواطئ خير من الاشتراك والمجاز، لأنهما على خلاف الأصل.
) والأشهر) أن لفظ النكاح) مشترك) بين العقد والوطء. يعني: أنه حقيقة
فى كل واحد منهما على انفراده.
قال في " الإنصاف ": وعليه الأكثر.
قال في " الفروع ": والأشهر أنه مشترك. انتهى.
قال القاضي في " المجرد ": الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء يعني: في كل واحد منهما بانفراده. وهو ظاهر كلامه في " التعليقة "؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج، لدخولها في قوله ﷾: (ولا ننكحوا ما نكحءابآؤكم من النساء ) الآية [النساء: ٢٢]، وذلك لورودها في الكتاب العزيز. والأصل في الإطلاق الحقيقة.
قال ابن خطيب السلامية: قال أبو الحسين: النكاح عند أحمد حقيقة في الوطء والعقد جميعا. وقاله أبوحكيم وجزم به ناظم " المفردات ". وهو منها. والفرق بين الاشتراك والتواطئ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة. بخلاف التواطئ (^١) فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير. والله ﷾ أعلم.
(والمعقود عليه) أي: والذي يتناوله عقد النكاح ويقع عليه: (المنفعة).
قال في " الفروع ": كالإجارة، لا في حكم العين خلافا لأبي حنيفة، وفيها قال أبو الوفاء: ما ذكروه من مالية الأعيان ودعواهم أن الأعيان مملوكة لأجلها يحتمل المنع؛ لأن الأعيان لله، وإنما تملك التصرفات، ولو سلم في الأطعمة والأشربة فلملكه إتلافها ولا ضمان. بخلاف ملك النكاح. انتهى.
_________________
(١) في أ: المتواطئ.
[ ٩ / ٧ ]
قال القاضى أبو الحسين في " فروعه ": والذي يقتضيه مذهبنا أن المعقود
عليه (^١) منفعة الاستمتاع، وأنه في حكم منفعة الاستخدام.
قال صاحب " الوسيلة ": المعقود عليه في النكاح منفعة الاستمتاع.
وقال القاضي في " أحكام القرآن ": المعقود عليه الحل لا ملك المنفعة.
وقال في القاعدة السادسة والثمانين: ترددت عبارات الأصحاب في مورد
عقد النكاح [هل هو الملك أو الاستباحة؟ فمن قائل هو الملك، ثم ترددوا] (^٢)
هل هو ملك منفعة البضع أو ملك الانتفاع بها؟
وقيل: بل هو الحل لا الملك. ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزوجة مع أنه لاملك لها.
وقيل: بل المعقود كليه الازدواج كالمشاركة. ولهذا فرق الله ﷾ بين الأزواج (^٣) وملك اليمين.
ومشروعية النكاح ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله ﷾: (فآنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء: ٣].
وقوله ﷾: (وأنكحوا آلأيمى منكم والصالحين من عبادكم وإماءكم)
[النور: ٣٢].
وأما السنة؛ فمنها ما روى أنس قال: " كان النبي ﷺ يأمر بالباءة وينهى عن
التبتل نهيا شديدا " (^٤) .
ويقول: " تزوجوا الودود الولود إنى مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة " (^٥) .
رواه أحمد وابن حبان.
_________________
(١) في ب زيادة: في النكاح.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: الازدواج.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٥٩٤) ٣: ٢٤٥ عن حفص عن أنس بن مالك.
(٥) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٥٩٤) ٣: ٢٤٥
[ ٩ / ٨ ]
وعن قتادة عن الحسن عن سمرة " أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. وقرأ قتادة: (ولقذ أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزوجا وذرية) [الرعد: ٣٨] " (^١) . رواه الترمذي وابن ماجه فى آي وأخبار غير ذلك كثيرة.
وأجمع المسلمون على جوازه.
(وسن) النكاح (لذي شهوة لا يخاف زنا) من الرجال والنساء على الأصح.
ثم اعلم أن للأصحاب في عدد أقسام الثكاج طرقا، أشهرها وأصحها: أن الناس في النكاح على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تقدم ذكره في المتن. ووجه كونه مسنونا في الحالة المذكورة:
ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (^٢) . رواه الجماعة. فعلل أمره به بًا نه أغض للبصر وأحصن للفرج. وخاطب الشباب؛ لأنهم أغلب شهوة.
وذكره بأفعل التفضيل فدل على أن ذلك أولى- للأمن من الوقوع في محظور النظر والزنا- من تركه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٢ ٠ ١) ٣: ٣٩٣ كتاب النكاح، باب النهي عن التبتل. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٤٩) ١: ٥٩٣ كتاب النكاح، باب النهي عن التبتل.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٧٨) ٥: ٦ ١٩٠ كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٠) ٢: ١٠١٨ كتاب التكاج، باب استحباب النكاح. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٤٦) ٢: ٢١٩ كتاب النكاح، باب التحريض على النكاح. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٠٨١ ١) ٣: ٣٩٢ كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢١١) ٦: ٥٨ كتاب النكاح، الحث على النكاح. وأخرجه ابن ماجه في " سننه" (١٨٤٥) ١: ٥٩٢ كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤١١٢) ١: ٤٣٢.
[ ٩ / ٩ ]
(واشتغاله به) أي: واشتغال ذي الشهوة بالنكاح (أفضل) له (من التخلي لنوافل العبادة)؛ لظاهر قول الصحابة وفعلهم.
قال ابن مسعود: " لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أنى أموت في آخرها يوما لي فيهن طول النكاح لتزوجت مخافة الفتنة " (^١) .
وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: " تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء" (^٢) .
وقال أحمد في رواية المروذي: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء.
ومن دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير الإسلام. ولو تزوج بشر كان قد تم أمره.
ولأن مصالح النكاح أكثر من مصالح التخلي لنوافل العبادة؛ لاشتماله على تحصين نفسه وزوجته، وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبا دة.
القسم الثانى: ما أشير إليه بقوله: (ويباح) النكاح في الأصح (لمن
لا شهوة له) أصلا كالعنين، أو كانت له شهوة وذهبت لعارض؛ كالمرض والكبر، لأن العلة التي يجب لها النكاح أو يستحب وهي خوف الزنا، أو وجود الشهوة غير موجودة فيه.
ولأن المقصود من النكاح الولد وتكثير النسل وذلك فيمن لا شهوة له غير موجود، فلا ينصرف إليه الخطاب به، إلا أنه يكون مباحا في حقه كسائر المباحات؛ لعدم منع الشرع منه.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٤٩٣) ١: ١٢٢ في النكاح، باب الترغيب في النكاح.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٨٢) ٥: ١ ٩٥ ١ كتاب النكاح، باب كثرةالنساء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٨ ٠ ٢) ١: ٢٣١. وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٤٩٤) ١: ١٢٢ في النكاح، باب الترغيب في النكاح.
[ ٩ / ١٠ ]
وعلى هذا يكون تخليه لنوافل العبادة في حقه أفضل من النكاح؛ لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره ويضرها بحبسها على نفسه.
ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها.
ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
القسم الثالث: ما أشير إليه بقوله: (ويجب على من يخاف) بترك النكاح (^١) (زنا ولو) كان خوفه من الزنا (ظنا من رجل وامرأة).
قال في " الإنصاف ": قولا واحدا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير
وا جب انتهى.
وعلة الوجوب: أنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام وطريقه النكاح. وظاهر كلام أحمد: أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه.
واحتج بأن النبي ﷺ " كان يصبح وما عندهم شيء ويمسي وما عندهم شيء" (^٢) .
ولأن النبي ﷺ" زوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد ولا وجد إلا إزاره
ولم يكن له رداء " (^٣) . أخرجه البخاري.
وقد قال أحمد في رجل قليل الكسب يضعف قلبه عن التزويج: الله يرزقهم، التزويج أحصن له.
قال (^٤) في " شرح المقنع ": وهذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من
_________________
(١) في ج: الزنا.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤١٤٧) ٢: ١٣٨٩ كتاب الزهد، باب معيشة آل محمد ﷺ، عن أنس ابن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: " والذي نفس محمد بيده! ما أصبح عند آل محمد صاع حب ولا صاع تمر ".
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٢٩) ٥: ١٩٦٨ كتاب النكاح، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.
(٤) في أ: قاله.
[ ٩ / ١١ ]
لا يمكنه فقد قال الله ﷾: (وليستعفف الذين لايجدون نكاحاحتى يغنيهم الله من فضله) [النور: ٣٣]. انتهى.
ونقل صالح: يقترض ويتزوج.
(ويقدم) النكاح (حينئذ) أي: حين إذ كان بحالة يجب عليه النكاح فيها (على حج واجب) زاحمه؛ لخشية الوقوع في المحذور بتًا خره. بخلاف الحج. (ولا يكتفى) في الامتثال (بمرة) أي: بأن يتزوج مرة، (بل يكون) التزوج (في مجموع العمر) في الأصح.
قال ابن خطيب السلامية فى " النكت ": جمهور الأصحاب أنه لا يكتفى بمرة واحدة، بل يكون النكاح في مجموع العمر. انتهى.
وفي " المذهب " وغيره: بلى لرجل وامرأة.
نقل ابن الحكم: المتبتل الذي لم يتزوج قط.
(ويجوز) النكاح (بدار حرب لضرورة لغير أسير).
قال في " الإنصاف ": يجوز له النكاح بدار الحرب للضروة، على الصحيح من المذهب.
ونقل ابن هانئ: لا يتزوج وإن خاف ولم يكن به ضرورة للنكاح، فليس له ذلك على الصحيح.
وقال ابن خطيب السلامية في " نكته ": ليس له النكاح، سواء كان به ضرورة أو لا.
قال الزركشي: فعلى تعليل أحمد لا يتزوج ولو (^١) مسلمة. [نص عليه في رواية حنبل. ولا يطًا زوجته إن كانت معه] (^٢) . ونص عليه في رواية الأثرم وغيره. وعلى مقتضى تعليله: له أن يتزوج آيسة أو صغيرة فإنه علل وقال: من أجل الولد؛ لئلا يستعبد.
_________________
(١) في أ: ولا.
(٢) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٢ ]
وقال في " المغني " في آخر الجهاد: واما الأسير فظاهر كلام أحمد لا يحل
له التزوج ما دام أسيرا.
وأما الذي يدخل إليهم بأمان، كالتاجر ونحوه فلا ينبغي له التزوج، فإن غلبت عليه الشهوة أبيح له نكاح مسلمة، وليعزل عنها ولا يتزوج منهم. انتهى.
(ويعزل) وجوبا إن حرم نكاحه وإلا استحب.
قال في " الإنصاف ": حيث حرم نكاحه بلا ضرورة وفعل وجب عزله.
ذكره في " الفصول ".
قلت فيعايا بها. انتهى.
(و) حيث وجب النكاح أو استحب فإنه (يجزئى تسر عنه)، لأن الله ﷾ خير بين النكاح وملك اليمين بقوله: (فواحدة أوماملكت أيمانكم) [النساء: ٣]. والتخيير إنما يكون بين متساويين.
(وسن) لمن أراد النكاح:
(تخير ذات الدين)، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (^١) . متفق عليه.
(الولود) [ويعرف كون البكر ولودا بأن تكون من نساء يعرفن بكثرة الأولاد] (^٢)؛ لما روى أنس قال. كان رسول الله ﷺ يقول: " تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " (^٣) . رواه سعيد.
(البكر)؛ لقول النبي ﷺ: " تزوجت يا جابر! قال: قلت: نعم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٠٢) ٥: ١٩٥٨ كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٦٦) ٢: ٠٨٦ ١ كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٤٩٠) ١: ١٢٢ في النكاح، باب الترغيب في النكاح.
[ ٩ / ١٣ ]
قال: بكرا أم ثيبا؟ قلت: بل ثيبا. قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " (^١) . متفق عليه.
(الحسيبة)؟ ليكون ولدها نجيبا فإنه ربما أشبه أهلها- ونزع إليهم. (الأجنبية)؟ فإن ولدها يكون أنجب، ولهذا يقال: اغتربوا لا تضووا. يعني: انكحوا الغرائب لا يضعف أولادكم.
ولأنه لا يؤمن الطلاق فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم المًا مور بصلتها والعداوة.
ويسن له أيضا: أن يختار الجميلة؟ لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل لمودته. ولذلك شرع النظر قبل النكاح.
وروي عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن رسول الله ﷺ أنه قال:
" إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها ".
وعن أبي هريرة قال: " قيل يا رسول الله! أي: النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره " (^٢) . رواه أحمد والنسائي.
وعن يحيى بن جعدة أن رسول الله ﷺ قال: " خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في مالها ونفسها " (^٣) . رواه سعيد.
(ولا يسأل عن دينها حتى يحمد جمالها).
قال الإمام أحمد: إذا خطب رجل امرأة سأل عن جمالها أولا، فإن حمد سأل عن دينها، فإن حمد تزوج، وإن لم يحمد يكون ردها لأجل الدين. ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٩١) ٥: ١٩٥٤ كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات. وأخرجه مسلم في (صحيحه " (٧١٥) ٢: ٠٨٧ ١ كتاب النكاح، باب استحباب ذات الدين.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٩٥٨٥) ٢: ٤٣٢ ولم نجده في النسائي.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٥٠١) ١: ١٢٤ في النكاح، باب الترغيب في النكاح.
[ ٩ / ١٤ ]
يسأل أولا عن الدين، فإن حمد سأل عن الجمال، فإن لم يحمد ردها. [فيكون رده] (^١) للجمال لا للدين.
ولا تسن الزيادة على واحدة؛ لأن في الزيادة على ذلك تعريضا للمحرم.
قال الله ﷾: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)
[النساء: ١٢٩].
وقال ﷺ: " من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه
مائل " (^٢) . رواه الخمسة.
وقال ﷾: (فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة) [النساء: ٣].
وهذا قول أبي الخطاب والمجد ومن تبعهما وصححه في " الإنصاف " إذا
حصل بها الإعفاف.
وقيل: تسن الزيادة على الواحدة؛ كما لو لم تعفه.
قال في " الفروع ": وهو ظاهر نصه فإنه قال: يقترض ويتزوج، ليت إذا
تزوج ثنتين يفلت. انتهى.
وأراد الإمام أحمد أن يتزوج أو يتسرى فقال: يكون لهما لحم، يريد كونهماسمينتين.
قال ابن عبد البر: كان يقال: لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أقوم الأعوج. وكان يقال: من تزوج امرأة فليستحد شعرها فإن الشعر وجه. فتخيروا أحد الوجهين.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٣٣) ٢: ٢٤٢ كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٤١) ٣: ٤٤٧ كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٩٤٢) ٧: ٦٣ كتاب عشرة النساء، ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٩٦٩ ١) ١: ٦٣٣ كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٥٤٩) ٢: ٣٤٧ كلهم عن أبي هريرة.
[ ٩ / ١٥ ]
وكان يقال: النساء لعب.
فينبغي أن يتخير ما يليق بمقصوده. إلا أنه ينبغي في الجملة:
أن يتخير البكر من بيت معروف بالدين والقناعة، وأن تكون ذات عقل
لا حمقاء، وأن يمنع زوجته من المخالطة بالنساء (^١) فإنهن يفسدنها عليه، وأن لا يدخل بيته مراهق، ولا يأذن لها في الخروج، وأحسن النساء التركيات، وأصلحهن الجلب الذي لم تعرف أحدا، وليعزل عن المملوكة إلى أن يتيقن جودة دينها وقوة ميلها إليه.
وليحذر العاقل إطلاق البصر فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه. وربما وقع من ذلك العشق فيهلك البدن والدين، فمن ابتلي بشيء من ذلك فليتفكر (^٢) في عيوب النساء.
قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مثانتها وما عيب نساء الدنيا بًاعجب من قوله ﷾: (ولهم فيها أزواج مطهرة) [البقرة: ٢٥].
قال ابن الجوزي: ومن ابتلي بالهوى فًا راد التزوج (^٣) فليجتهد في نكاح التي ابتلي بها إن صح ذلك وجاز، وإلا فليتخير ما يظنه مثلها.
_________________
(١) في ب: للنساء.
(٢) في ب: فليفكر.
(٣) في ب: التزويج.
[ ٩ / ١٦ ]
[فصل: في حكم النظر إلى المخطوبة]
(فصل. ولمن أراد خطبة امرأة، وغلب على ظنه إجابته) يعني: أبيح له
في الأصح، وقيل: استحب له، (نظر ما يظهر غالبا؛ كوجه ورقبة ويد وقدم)؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: " إذا خطب أحدكم المرأه فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
ولما روى محمد بن مسلمة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ألقى
الله ﷿ في قلب امرء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها " (^٢) . رواه أحمد وابن ماجه.
ولما روى المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: " انظر إليها.
فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " (^٣) . رواه الخمسة إلا أبا داود.
قال ابن الأثير في " النهاية ": معنى قوله ﷺ: " يؤدم بينكما " أي: يكون بينكما المحبة والاتفاق، يقال: أدم الله بينكما يأدم أدما بالسكون أي: ألف ووفق. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢ ٨ ٢٠) ٢: ٢٢٨ كتاب النكاح، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٨٥ ٤ ١) ٣: ٣٣٤.
(٢) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (١٨٦٤) ١: ٥٩٩ كاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتز وجها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٠٠٥) ٤: ٢٢٥.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٠٨٧) ٣: ٣٩٧ كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة. وأخرجه النسائي في " ستنه " (٣٢٣٥) ٦: ٦٩ كتاب النكاح، إباحة النظر قبل التزويج. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٦٥) ١: ٥٩٩ كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأه إذا أراد أن يتز وجها وأخرجه أحمد قي " مسنده " (١٨١٧٩) ٤: ٢٤٦.
[ ٩ / ١٧ ]
ولأن النكاح عقد يفضي إلى التمليك. فكان له النظر إلى المعقود عليه؛ كالأمة المستامة.
(ويكرره، ويتأمل المحاسن بلا إذن) يعني: أنه يباح له ذلك من غير إذن المرأة، (إن أمن الشهوة، من غير خلوة) بها؛ لما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل. قال: فخطبت جارية من بني سلمة فكنت أتخبًا لها حتى رأيت منها بعض ما دعانى إلى نكاحها " (^١) . رواه أحمد وأبو داود.
[ونقل حنبل: لا بًاس أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها من وجه أو يد أو جسم أو نحو ذلك] (^٢)، وما ذكرناه في المتن هو المذهب.
وعنه: لا ينظر إلا إلى الوجه فقط.
وعنه: لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين فقط.
وظاهر كلام أحمد في رواية حرب: أنه لا يباح النظر إلا إذا خاف ريبة؛ لما روى أبو هريرة قال: " خطب رجل امرأة فقال النبي ﷺ: انظر إليها فإن في أعين
الأنصار شيئا " (^٣) . رواه أحمد وأبو دا ود.
والأول المذهب.
(ولرجل وامرأة نظر ذلك) أي: نظر وجه ورقبة ويد وقدم.
(ورأس وساق من أمة مستامة) أي: معرضة للبيع يريد شراءها، كما يجوز ذلك لمن أراد خطبة الأمة، بل المستامة أولى؟ لأنها تراد للاستمتاع وغيره؛ كالتجارة فيها. وحسنها يزيد في ثمنها.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبا.
(٢) زيادة من ب.
(٣) ليس في أبي داود، وقد أخرجه النسانى في " سننه " (٣٢٤٧) ٦: ٧٧ كتاب النكاح، إذا استشار رجل رجلا في المرأة هل يخبر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٩٧٢) ٢: ٢٩٩. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٣٤) ٣: ٢٥٣ كتاب النكاح باب المهر.
[ ٩ / ١٨ ]
ونقل حنبل: لا بأس أن يقلبها إذا أراد الشراء من فوق الثياب، لأنها
لا حرمة لها.
قال القاضي: أجاز تقليب الصدر والظهر، بمعنى: لمسه من فوق الثياب. وروى أبو حفص بإسناده: " أن ابن عمر كان يضع يده بين ثدييها وعلى عجزها من فوق الثياب ويكشف عن ساقها " (^١) .
(و) من (ذات محرم) " لقول الله (^٢) ﷾: (وولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن أوءابآبهن أوءابآء بعولتهن ) الاية [النور: ٣١].
(وهي) أي: وذات المحرم (من تحرم عليه أبدا بنسب، او سبب مباح)؛ كرضاع ومصاهرة.
وقوله: مباح؛ ليخرج أم المزنى بها وبنتها وأم الموطوءة بشبهة وبنتها.
قاله الموفق وابن أخيه وصاحب " الفائق " وغيرهم.
وقوله: (لحرمتها)، ليخرج الملاعنة، فإنها لم تحرم على الملاعن لحرمتها بل عقوبة عليه.
ولما كان ما ذكر يشمل نساء النبي ﷺ، احتاج إلى إخراجهن بقوله: (إلا نساء النبي ﷺ فلا) يباح النظر إليهن.
وعنه: لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه.
وعنه: إلى غير الوجه والكفين.
(ولعبد) لامرأة (لا مبعض أو مشترك نظر ذلك) أي: الوجه والرقبة واليد والقدم، والرأس والساق (^٣) (من مولاته)، أي: مالكته كله؛ لقوله ﷾: (ولايبدين زينتهن إلا ماظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٣٢٩ كتاب البيوع، باب الرجل يريد شراء جارية فينظر إلى ما ليس منها بعورة.
(٢) في ب: لقوله.
(٣) في أ: ورأس وساق.
[ ٩ / ١٩ ]
يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أوءابآءهن أؤءابآء بعولتهن أوأبناءهن أو أبناء بعولتهن أوإخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نساءهن أوما ملكت أيمانهن)
[النور ٣١].
ولأنه يشق على ربة العبد التحرز منه. فأبيح أن ينظر منها ما يباح نظره لذي المحرم
(وكذا) أي: وكذي المحرم (غير أولي الإربة) من الرجال أي: غير أولي الحاجة إلى النساء. قاله ابن عباس.
وعنه: هو المخنث الذي لا يقوم عليه زبه.
وعن مجاهد وقتادة: الذي لا إرب له في النساء.
(كعنين وكبير، ونحوهما)؛ كالمريض الذي لا يرجى برؤه، يعني: أن هؤلاء يباح لهم أن ينظروا من النساء الأجانب ما يباح لذي المحرم أن ينظر من ذات محرمه؛ لقوله ﷾: (أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال) [النور: ٣١].
(وينظر) أي: ويباح لكل رجل أن ينظر (ممن) أي: من امرأة
(لا تشتهى؛ كعجوز وبرزة) لا تشتهى، (وقبيحة، ونحوهن)، كمريضة لا يرجى برؤها، إلى غير عورة صلاة؛ لقول الله (^١) ﷾: (والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكا حا ) الآية [النور: ٦٠].
قال ابن عباس في قوله ﷾: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) [النور: ٣٠ - ٣١] فنسخ، واستثني من ذلك: (والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكا حا ) الاية [النور: ٦٠].
(و) ينظر من (أمة غير مستامة، إلى غير عورة صلاة)، هكذا قال في
" التنقيح " وتبعته عليه.
_________________
(١) في ب: لقوله.
[ ٩ / ٢٠ ]
والذي يظهر التسوية بين الأمة المستامة وغير المستامة فيما يجوز النظر إليه
من كل واحدة منهما.
ويؤيد ذلك قوله في " الكافي ": ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى
ما عدا عورثها.
وما ذكره الزركشي في قطعته على " الوجيز " عن القاضي بأنه قطع قي
" الجامع الصغير " بأ ن حكم غير المستامة حكم المستامة، وأنه اختاره أبو محمد (^١) في " المغني ".
ويؤيده أيضا من جهة النظر في المعنى: أن نبيح النظر ممن لا تراد للاستمتاع
إلى شيء لا نبيحه ممن تراد للاستمتاع.
وكان ينبغي من جهة النظر أن يعكس ذلك. وهذا وجه في المذهب.
ويدل لذلك أن الزركشي في قطعته على " الوجيز " قال عند قول صاحب
" الوجيز ": وله النظر من ذوات محارمه، وأمة يستامها إلى الرأس والوجه واليدين والساقين وتقييده، يعني: تقييد صاحب " الوجيز " بالمستامة يدل على أنه لا يباح النظر إلى غير المستامة، وهو أحد الوجوه. قطع به ابن البنا. وهو ظاهر كلام أبي الخطاب وأبي محمد في " المقنع " وأبي البركات؛ لأنهم قيدوا كالمصنف. وذلك؛ لقوله ﷾: (ولايبدين زينتهن ) الآية [النور: ٣١].
ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة. والفتنة تستوي فيها الحرة والأمة؛ لأن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي.
والوجه الثانى: حكمها حكم الأمة المستامة. قطع به القاضي في " الجامع الصغير "، واختاره أبو محمد في " المغنى "؛ لأنه يروى عن عمر " أنه رأى أمة متلملمة فضربها بالدرة وقال: اتتشبهين بالحرائر يا لكاع " (^٢) .
_________________
(١) فى ب: وأنه اختار أبا محمد.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة قي " مصنفه " (٦٢٣٥) ٢: ٤١ كتاب الصلوات، في الأمة تصلي بغير خمار.
[ ٩ / ٢١ ]
وقال ابن المنذر: ثبت " أن عمر قال لأمة رآها مقنعة: اكشفي رأسك ولا تتشبهي بالحرائر " (^١) .
وروى أنس " أن رسول الله ﷺ لما أولم على صفية قال الناس: لا ندري أجعلها أم المؤمنين أو أم ولد؟ فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما ركب وطى لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس " (^٢) . متفق عليه.
وهذا يدل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا عندهم.
والوجه الثالث: إن لم تكن برزة لم يبح مطلقا، وإن كانت برزة أبيح منها ما يظهرغالبا.
قال ابن حمدان: قلت: وغير عورة. قاله ابن حمدان في " الرعاية الكبرى " ولم يذكر غيره، مع أن الخلاف المتقدم في " المغني ".
ووجه ذلك: أن البرزة يشق التحرز من رؤيتها. بخلاف غير البرزة.
ولأن غير البرزة الغالب أنها تكون جميلة فربما خيف من رؤيتها الفتنة.
وهذا كله مع أمن الفتنة، أما إن خيف الفتنة فإنه يحرم النظر كما يحرم إلى الغلام الذي يخشى الفتنة بنظره.
وقد قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب. ولا تنظر إلى المملوكة، فكم (^٣) نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل. وظاهر هذا النص يشهد للوجه الأول، أو لما قال ابن حمدان. انتهى كلام الزركشي.
وقد تحصل من كلامه ثلاثة أوجه كلها خارجة عما في " التنقيح ":
_________________
(١) ر. تخريج الحديث السابق.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٩٧) ٥: ١٩٥٦ كتاب النكاح، باب اتخاذ السراري ومن أعتق " جاريته وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٥) ٢: ٤٥ ٠ ١ كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتز وجها.
(٣) في أ: كم.
[ ٩ / ٢٢ ]
الأول: أنه لا يباح أن ينظر من غير المستامة ما يباح أن ينظر إليه من المستامة. وهو ما قطع به ابن البنا.
والثانى: أن حكمهما واحد. وهو الذي قطع به القاضي في " الجامع الصغير".
والثالث: أن غير المستامة إن كانت برزة أبيح منها النظر إلى ما يظهر غالبا،
وإن لم تكن برزة لم يبح ذلك.
وبقي قول رابع خارج ايضا عما ذكر في " التنقيح "، وهو: أن ينظر من المستامة ما عدا عورتها. وهو الذي جزم به الموفق في " الكافي ". وما في " التنقيح " مخالف للمعنى الذي أبيح النظر من أجله. والله ﷾ أعلم.
(ويحرم نظر خصي) أي: مقطوع الخصيتين فقط (ومجبوب) أي: مقطوع الذكر فقط، (وممسوح) أي: مقطوع الخصيتين والذكر (إلى أجنبية). قال الأثرم: استعظم الإمام أحمد إدخال الخصيان على النساء.
قال ابن عقيل: لا يباح خلوة النساء بالخصيان ولا بالمجبوبين " لأن العضو
وإن تعطل أو عدم، فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم. ولا يؤمن التمتع بالقبل (^١) وغيرها، ولذلك لا يباح خلوة الفحل بالرتقاء من النساء لهذه العلة. انتهى.
قال في " الفروع ": وقيل ممسوح وخصي كمحرم. ونصه لا يعني: أن المنصو ص الإمام في الممسوح والخصي أنهما ليسا كالمحرم، وحينئذ فهما كالأجنبي في تحريم النظر إلى الأجنبية.
(ولشاهد ومعامل، نظر وجه مشهود عليها).
قال أحمد: لا يشهد على امرأة، إلا أن يكون قد عرفها بعينها.
وكذا يجوز لمن عامل امرأة نظر وجه (ومن تعامله) في بيع او إجارة أو غيرهما ليعرفها بعينها فيرجع عليها بالدرك.
_________________
(١) في ب: بالقبلة.
[ ٩ / ٢٣ ]
(و) كذا له أن ينظر إلى (كفيها) ايضا (مع حاجة) (^١) .
وروي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة.
نقل حرب ومحمد بن أبي حرب في البائع ينظر كفيها ووجهها؟ إن كانت عجوزا رجوت، وإن كانت شابة تشتهى أكره ذلك.
(ولطبيب ومن يلي خدمة مريض ولو أنثى في وضوء واستنجاء، نظر ومس)
ما (^٢) (دعت إليه حاجة)؛ لأن ذلك موضع الحاجة.
وقد روي " أن النبي ﷺ لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم".
وعن عثمان " أنه أتي بغلام قد سرق فقال: انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه " (^٣) .
(وكذا لو حلق عانة من لا يحسنه) أي: لا يحسن حلق عانة ثفسه. يعني: أنه يباح له النظر إلى المحل الذي يحلقه. نص عليه، وقاله أبو يعلى الصغير وأبو الوفا. (ولامرأة مع امرأة ولو كافرة مع مسلمة، ولرجل مع رجل ولو أمرد، نظر
غير عورة. وهي) أي: والمراد بالعورة (هنا من امرأة) وغيرها: (ما بين سرة وركبة) على الأصح، إلا أن الأمرد إذا كان جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز أن يتعمد بالنظر إليه. فقد روي عن الشعبي قال: " قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره ". رواه أبو حفص.
(ولامرأة نظر من رجل إلى غير عورة) على الأصح.
وعنه ليس لها ذلك. واختارها أبو بكر؛ لما روى زهري عن نبهان عن أم سلمة قالت: " كنت قاعدة عند النبي ﷺ انا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال
_________________
(١) في ب: لحاجة.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٦: ٩٧ كتاب الحجر، باب البلوغ بالإنبات.
[ ٩ / ٢٤ ]
النبى ﷺ: احتجبا (^١) منه فقلت: يا رسول الله! إنه ضرير لا يبصر. قال: أفعمياوان أنتما لا تبصرانه " (^٢) . رواه أبو داود.
ولأن الله ﷾ أمر النساء بغض أبصارهن، كما أمر الرجال به.
ولنا: قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: " اعتدي فى بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك " (^٣) .
وقالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يسترنى بردائه وانا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد " (^٤) . متفق عليه.
و" لما فرغ النبي ﷺ من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة " (^٥) .
ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء؛
لئلا ينظرن إليهم.
فأما حديث نبهان، فقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين، هذا الحديث، والآخر " إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه " (^٦) . كأنه أشار
_________________
(١) في أ: احتجبن.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤١١٢) ٤: ٦٣ كتاب اللباس، باب في قوله ﷿: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٢٧٧٨) ٥: ٢ ٠ ١ كتاب الأدب، باب ما جاء فى احتجاب النساء من الرجال
(٣) أخرجه أبو داود في الموضع السابق.
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٤٣) ١: ١٧٣ كتاب المساجد، باب أصحاب الحراب في المسجد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٩٢) ٢: ٠٧ ٦ كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨٨٥) ١: ٣ ٠ ٦ كتاب صلاة العيدين، باب الصلاة بعد الجمعة.
(٦) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٢٨) ٤: ٢١ كتاب العتق، باب فى المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦١) ٣: ٥٦٢ كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي.
[ ٩ / ٢٥ ]
ضعف حديثه، إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول.
وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث. وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة.
ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأ زواج رسول الله ﷺ. بذلك قال أحمد وأبو داود.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان حديث نبهان لأزواج رسول الله ﷺ خاصة، وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم.
وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من أخذ بحديث مفرد
في إسناده مقال.
(ومميز لا شهوة له مع امرأة؛ كامرأة) مع امرأة على الأصح؛ لأن
الله ﷾ قال: (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) [النور: ٥٨].
وقال ﷾: (وإذابلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنواكما استئذن الذين من قبلهم) [النور: ٥٩]. فدل على التفريق بين البالغ وغيره.
وقال أبو عبد الله: حجم أبو طيبة أزواج رسول الله ﷺ وهو غلام.
(و) المميز (ذو الشهوة معها) أفي: مع المرأة، كمحرم؛ لأن الله ﷾ فرق بينه وبين البالغ بقوله: (وإذابلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا) [النور: ٥٩].
ولو لم يكن للميز ذي الشهوة النظر لما كان بينه وبين البالغ فرق. وهذا على الأصح.
(وبنت تسع مع رجل؛ كمحرم)؛ لأن عورتها مخالفة لعورة البالغة بدليل (١)
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٢٠) ٢: ٨٤٢ كتاب العتى، باب المكاتب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٥١٦) ٦: ٢٨٩.
[ ٩ / ٢٦ ]
إلى قوله ﷺ: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (^١) يدل على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة الرأس. فيكون حكمها مع الرجال حكم ذوات المحارم في الأصح، كقولنا في الغلام المراهق مع النساء. وتخصيص الحائض بهذا التحديد
دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها.
(وخنثى مشكل، في نظر) أي: نظر الرجال (إليه كامرأة)، تغليبا لجانب
الحظر. ذكره ابن عقيل.
قال في " الفروع ": ويخرج وجه من ستر العورة في الصلاة " لأنه كالرجل.
قا ل (المنقح: ونظره) أي: نظر الخنثى (إلى رجل كنظر امرأة إليه) أي:
إلى الرجل، (و) نظر الخنثى المشكل (إلى امرأة كنظر رجل إليها)؛ تغليبا
لجانب الحظر.
(ولرجل نظر لغلام) لعورته حكم وهو من تم له سبع سنين. فأما من لم
يبلغ سبعا فليس لعورته حكم. وقد روي عن ابن أبي ليلى قال: " كنا جلوسا
عند النبي ﷺ قال فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فرفع مقدم قميصه أراه قال فقبل زبيبته " (^٢) . رواه أبوحفص.
وحيث قلنا للرجل النظر إلى الغلام فإنما يجوز له ذلك: إذا كان (لغير
شهوة، ويحرم نظر لها) أي: للشهوة؛ لأنها تدعو إلى الفتنة. ومعنى الشهوة
أنه يتلذذ بالنظر إليه.
(أو) أن يقدم على النظر (مع خوف ثورانها) فإنه يحرم النظر في هاتين
الحالتين (إلى أحد ممن ذكرنا) من ذكر وخنثى وأنثى غير زوجته أو سريته.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٦٤١) ١: ١٧٣ كتاب الصلاة، باب المرأة تصلي بغير خمار. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٦٥٥) ١: ٢١٥ كتاب الطهارة وسننها، باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٨٧٥) ٦: ٢١٨.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١: ١٣٧ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الفرج بظهر الكف.
[ ٩ / ٢٧ ]
وحرم ابن عقيل- وهو ظاهر كلام غيره- النظر مع شهوة تخنيث وسحاق ودابة يشتهيها ولا يعف عنها.
(ولمس كنظر، بل أولى).
قال في " تصحيح الفروع " عند قوله: واللمس، قيل: كالنظر، وقيل: أولى، واختاره شيخنا. القول الثانى: هو الصواب بلا شك وقطع به في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير ".
قال في " المغني " و" الشرح " في التحريم بالنظر إلى الفرج: لا (^١) ينشر الحرمة، لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر. انتهى.
(وصوت الأجنبية ليس بعورة)، قال فى " الفروع ": على الأصح.
(ويحرم تلذذ بسماعه ولو) كان (^٢) (بقراءة). قاله في " الفروع " وغيره.
قال القاضى: يمنع من سماع صوتها.
وقال أحمد في رواية مهنا: ينبغي للمرأة أن تخفض من صوتها إذا كانت في قراءتها اذا قرأت بالليل.
(و) تحرم (خلوة غير محرم) بذات محرم (على الجميع مطلقا) أي: مع شهوة او بدونها.
و(كرجل) واحد يكون (مع عدد من نساء، وعكسه) بأن يختلي عدد من رجال بامرأة واحدة.
قال في " االفروع ": ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه، كالقرد.
ذكره (^٣) ابن عقيل وابن الجوزي وشيخنا وقال: الخلوة بأمرد حسن ومضاجعته كامرأة ولو لمصلحة تعليم وتأديب. والمقر موليه عند من يعاشره كذلك ملعون ديوث، ومن عرف بمحبتهم أو بمعاشرة بينهم منع من تعليمهم.
_________________
(١) في أ: ولا.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: وذكره.
[ ٩ / ٢٨ ]
وقال ابن الجوزي: كان السلف يقولون في الأمرد: هو أشد فتنة من
العذارى، فإطلاق (^١) البصر من أعظم الفتن.
وروى الحاكم في " تاريخه " (^٢) عن ابن عيشة: حدثني عبدالله بن المبارك،
وكان عاقلا، عن أشياخ أهل الشام قال: من أعطى أسباب الفتنة من نفسه اولأ لم
ينج منها آخرا، وإن كان جاهدا.
قال ابن عقيل: الأمرد ينفق على الرجال والنساء، فهو شبكة الشيطان في
حق النوعين.
وكره أحمد مصافحة النساء، وشدد أيضا حتى لمحرم، وجوزه لوالد،
ويتو جه: ومحرم، وجوز أخذ يد عجوز. وفي "الرعاية ": وشوهاء.
وسأله ابن منصور: يقبل ذوات المحارم (^٣) منه؟ قال: إذاقدم من سفر ولم
يخف على نفسه منه، وذكر حديث خالد بن الوليد " أنه قدم من غزو فقبل
فاطمة "، لكنه لا يفعله على الفم ابدا، الجبهة والرأس.
ونقل حرب فيمن تضع يدها على بطن رجل لا تحل له قال: لا ينبغي إلا
لضرورة (^٤) . ونقل المروذى: تضع يدها على صدره؟ قال: ضرورة. انتهى.
(ولكل من الزوجين نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة، حتى
فرجها). نص عليه وعليه جماهير الأصحاب. وذلك؛ لما روى بهز بن حكيم
عن أبيه عن جده قال: " قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأنى مثها وما نذر؟
قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " (^٥) . رواه الترمذي
وقال: حديث حسن.
ولأن الفرج محل الاستمتاع. فجاز النظر إليه؟ كبقية البدن.
_________________
(١) فى أ: وإطلاق.
(٢) كتاب " تاريخ نيسابور" للحاكم من أجل الكتب. وهو مما فقد من التراث الاسلامى.
(٣) فى أ: ذات المحرم.
(٤) فى أ: ضرورة.
(٥) أخرجه الترمذى فى "جامعه " (٢٧٦٩) ٩٧: ٥ كتاب الأدب، باب ما جاء فى حفظ العورة.
[ ٩ / ٢٩ ]
(كبنت دون سبع) بتقديم السين؛ لأنه ليس لعورتها حكم.
(وكره النظر إليه) أي: إلى الفرج (حال الطمث) أي: حال الحيض.
يقال: طمثت تطمث، كنصر وسمع إذا حاضت فهي طامث، ويكون أيضا بمعنى الجماع، يقال: طمثها يطمثها إذا افتضها.
قال في " الإنصاف ": وجزم في " المستوعب " بأنه يكره النظر إلى فرجها
حال الطمث فقط. وجزم به في " الرعايتين "، وزاد في " الكبرى ": وحال الوطء انتهى.
(و) كره أيضا (تقبيله) أي: تقبيل الفرج (بعد الجماع، لا قبله).
قال القاضي في " الجامع ": يجوز تقبيل فرج المرأة قبل الجماع ويكره بعده. وذكره عن عطاء.
(وكذا) أي: وكزوج مع امرأة (سيد مع أمته المباحة له)؛ لحديث بهز بن حكيم (^١) .
وقوله: المباحة؛ ليخرج أمته المزوجة والمجوسية والوثنية وغيرهن ممن لاتحل له.
والسنة: أن لا ينظر كل منهما إلى فرج الآخر، لأن عائشة قالت:
" ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط " (^٢) . رواه ابن ماجه.
وفي لفظ قالت: " ما رأيته من النبي ﷺ ولا رآه مني ".
ولأنه أغلظ العورة فكان موافقة السنة فيه أولى.
(وينظر) السيد (من) أمة (مزوجة، و) ينظر (مسلم من أمته الوثنية والمجوسية إلى غير عورة) فيحرم النظر (^٣) إلى ما بين السرة والركبة؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا زوج أحدكم
_________________
(١) سبق ذكره وتخريجه ص: ٢٩.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٦٦٢) ١: ٢١٧ كتاب الطهارة وسنها، باب النهي أن يرى عورة أخيه.
(٣) ساقط من أ.
[ ٩ / ٣٠ ]
جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة " (^١) . رواه أبو داود.
ومفهومه: إباحة النظر إلى ما عدا ذلك، والوثنية والمجوسية في معنى المزوجة بجامع الحرمة.
ولأن المزوجة صارت مباحة للزوج، ولا تحل امرأة لرجلين.
(ومن لايملك) من أمة (إلا بعضا) ولو أكثرها فحكمه في تحريم الاستمتاع بها (كمن لا حق له) فيها أصلا.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم لا ينظر عبد مشترك يعني: امرأة تملك بعضه، ولا ينظر الرجل مشتركة لعموم منع (^٢) النظر إلا من عبدها وأمته. وقد عللوا منع النكاح بأنه لا يثبت الحل (^٣) فيما لا يملكه.
وقالوا أيضا: ما حرم الوطء حرم دواعيه ويؤيده (^٤) المعتق بعضه والمعتق بعضها انتهى.
(وحرم تزين) أي: أن تتزين المرأة (لمحرم غير زوج وسيد).
قال في " الفروع ": ويتوجه: يكره أي: أن تتزين لأخيها وابنه وعمها وخالها ونحوهم.
وليس كل ما أبيح نظره لمقتض شرعي يباح لمسه؛ لأن الأصل المنع في النظر واللمس وأبيح (^٥) النظر بالأدلة المتقدمة. فيبقى ما عداه على الأصل، إلا ما نص على جواز لمسه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٦) ١: ١٣٣ كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ب: لايثبت منع الحد.
(٤) في أ: يؤيده.
(٥) في أ: أبيح.
[ ٩ / ٣١ ]
[فصل: في حكم نكاح المعتدة]
(فصل. يحرم تصريح. وهو) أي: التصريح: (ما لا يحتمل غير النكاح بخطبة معتدة)؛ كقوله: إنى أريد ان أتزوجك، او إذا انقضت عدتك تزوجتك، أو زوجيني نفسك، لأن قول الله (^١) ﷾: (ولا جناح عليكم فيماعرضتم به من خطبة النساء) [البقرة: ٢٣٥] تخصيص للتعريض بنفي الحرج فدل على عدم جواز التصريح.
ولأن التصريح لما كان لا يحتمل غير النكاح لم يؤمن أن يحملها الحر ص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
ويستثنى من ذلك صورة أشار إليها بقوله: (إلا لزوج تحل له)، كالمطلقة
دون الثلاث والمبانة. فيصح؛ لأنه يباح له نكاحها في عدتها. اشبهت غير المعتدة بالنسبة إليه.
(و) يحرم ايضا (تعريض بخطبة رجعية)، لأنها في حكم الزوجات. أشبهت التي في صلب النكاح.
(ويجوز) التعريض بخطبة معتدة (في عدة وفاة)، لما روي عن سكينة
بنت حنظلة قالت: " استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلكة زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ وقرابتي من علي وموضعي من العرب. فقلب (^٢): غفر الله لك يا ابا جعفر! إنك رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي؟ قال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومن علي، وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأ يمة من أبي سلمة فقال: لقد علمت أنى
_________________
(١) في ب: قوله.
(٢) في ب: قلت.
[ ٩ / ٣٢ ]
رسول الله وخيرته من خلقه وموضعي من قومي وكانت تلك خطبته " (^١) . رواه
الدارقطني. وهذا تعريض بالنكاح في عدة وفاة.
(و) معتدة (بائن) من طلاق (ولو بغير ثلاث، وفسخ لعنة وعيب)؛ لأنها بائن. أشبهت المطلقة ثلاثا والمنفسخ نكاحها برضاع او لعان ونحوهما مما تحرم به أبدا.
(وهي) أي: والمرأة (في جواب) لخاطب (كهو) أي: كالخاطب (فيما يحل ويحرم). فيجوز للبائن الإجابة تعريضا في عدتها، ويحرم عليها الإجابة تصريحا ما دامت في العدة، ويحرم على الرجعية الإجابة تصريحا أو تعريضا ما دامت في العدة.
(والتعريض) من الخاطب مثل قوله: (إني في مثلك) لى (راغب، و) قوله: (لا تفوتيني بنفسك)، وإذا حللت فآذنيني، وما أحوجني إلى مثلك. (وتجيبه: ما يرغب عنك، وإن قضي شيء كان، ونحوهما)؛ كقولها: إن يكن (^٢) من عند الله يمضه.
(وتحرم خطبة) بكسر الخاء المعجمة (على خطبة مسلم أجيب ولو) كانت إجابته (تعريضا إن علم) الثانى بإجابة الأول. وذلك؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك " (^٣) . رواه البخارى والنسائي.
ولأن في خطبة الثانى إفسادا على الخاطب الأول وإيقاعا للعداوة.
وأما تقييد ذلك بما إذا علم الثاني بإجابة الأول؛ فلأن الثانى إذا لم يعلم بإجابة الأول كان معذورا بالجهل.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٨) ٣: ٢٢٤ كتاب النكاح.
(٢) في ب: يك.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٤٩) ٥: ٩٧٦ ١ كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع. وأخرجه النسائي في "سننه " (٣٢٤١) ٦: ٧٣ كتاب النكاح، النهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه.
[ ٩ / ٣٣ ]
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الثاني بإجابة الأول، (أو ترك) الأول الخطبة،
(أو أذن) للثانى في الخطبة جاز للثانى أن يخطب؛ لما في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب " (^١) رواه أحمد والبخاري والنسائي.
(أو سكت) الخاطب الأول (عنه) أي: عن الخاطب الثانى بأن استأذنه فسكت: (جاز) للثاني أن يخطب، لأن سكوته عند استئذانه في معنى الترك. (والتعويل في رد وإجابة) للخطبة (على ولي يجبر) وهو الأب ووصيه في النكاح إذا كانت الزوجة بكرا حرة، وكذا السيد إن كانت الزوجة أمة بكرا أو ثيبا. (وإلا) أي: وإن لم تكن مجبرة، كما لو كانب ثيبا عاقلة تم لها لسع سنين: (فعليها) أي: فالتعويل في رد وإجابة عليها، لأنه لو أجابت المجبرة لم تؤثر إجابتها " لأن العبرة بوليها " لأنه يملك تزويجها بغير اختيارها. وكذلك لو أجاب ولي غير المجبرة، لأنها أحق بنفسها فكان الأمر أمرها وقد جاء (^٢) عن عراك، عن عروة " ان النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر " (^٣) مختصر، رواه البخاري هكذا مرسلا.
وعن أم سلمة " أنه لما مات أبو سلمة أرسل إلي رسول الله ﷺ يخطبني " (^٤) مختصر، رواه مسلم.
وقد علم مما تقدم فى المتن من قوله:. "على خطبة مسلم ": أنه لو كان الخاطب الأول ذميا فيما إذا كانت المخطوبة كتابية لم تحرم الخطبة على خطبته. نص عليه أحمد فقال: لا يخطب على خطبة أخيه، ولا يساوم على سوم أخيه. إنما هو للمسلمين. ولو خطب على خطبة يهودي أو نصرانى أو
_________________
(١) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٤٨٤٨) ٥: ١٩٧٥ الموضع السابق. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٤٣) ٦: ٧٣ كتاب النكاح، خطبة الرجل إذا ترك الخاطب أو أذن له. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٠٣٦) ٢: ١٢٢.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٩٣) ٥: ١٩٥٤ كتاب النكاح، باب تزويج الصغار من الكبار.
(٤) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٩١٨) ٢: ٦٣١ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة.
[ ٩ / ٣٤ ]
ساوم على سومهم لم يكن داخلا في ذلك، لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين. (وفي تحريم خطبة من أذنت لوليها في تزويجها من) شخص (معين) مسلم (احتمالان).
قال في " الإنصاف ": لو أذنت لوليها أن يزوجها من رجل بعينه احتمل أن يحرم على غيره خطبتها، كما لو خطب فأجابت، ويحتمل أن لا يحرم، لأنه لم يخطبها أحد. قال ذلك القاضي أبو يعلى.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا دليل من القاضي أن سكوت المرأة عند الخطبة ليس بإجابة بحال. انتهى.
(ويصح عقد مع خطبة حرمت) على الأصح، لأن أكثر ما في ذلك تقديم حظر على العقد، فهو كما لو قدم عليه تعريضا أو تصريحا محرما.
(ويسن) أن يكون عقد النكاح (مساء يوم الجمعة)، لأن جماعة من السلف استحبوا ذلك.
ولأنه يوم شريف ويوم عيد والبركة في النكاح مطلوبة. فاستحب له أشرف الأيام طلبا للبركة.
والإمساء به يعني: من آخر النهار، لأنه روي عن النبى ﷺ أنه قال:
" أمسوا با لإملاك فإنه أعظم للبركة ". رواه أبو حفص العكبري.
ولأن آخر النهار من يوم الجمعة فيه أفضل ساعة في الأسبوع " لأنه قد روي
عن النبي ﷺ أنه قال: " إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو إلا استجيب له " (^١) . وهي من آخر النهار فاستحب العقد فيها، لأنها أعظم للبركة، وأحرى لإجابة الدعاء لهما.
(و) يسن أيضا (أن يخطب) العاقد (قبله) أي: قبل عقد النكاح (بخطبة
ابن مسعود، وهي) ما روى ابن مسعود قال: " علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة، (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره) (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه " (٨٩٣) ١: ٣١٦ كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة.
(٢) في ب زيادة: ونتوب إليه.
[ ٩ / ٣٥ ]
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ان لا إله إلا الله. وأشهد ان محمدا عبده ورسوله) قال: ويقرأ ثلاث آيات. ففسرها سفيان الثوري: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُواْ (^١) اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٠] " (^٢) . رواه الترمذي وصححه.
فيستحب أن يخطب بها لذلك.
قال الخلال: حدثنا (^٣) أبو سليمان إمام طرسوس قال: كان أحمد بن حنبل
إذا حضر عقد نكاح ولم يخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم.
وهذا كان من أبي عبد الله على طريق المبالغة في استحبابها، لا على الإيجاب لها.
(ويجزئ) عن الخطبة (ان يتشهد ويصلي على النبي ﷺ)؛ لما روي عن
ابن عمر " أنه كان إذا دعي ليزوج قال: الحمد لله وصلى الله على سيدنا (^٤) محمد. إن فلانا يخطب إليكم فإن أنكحتموه فالحمد لله، وإن رددتموه فسبحان الله " (^٥)،
وليس شيء من ذلك بواجب عند أحد من أهل العلم.
قال شارح " المقنع ": فيما علمنا إلا داود.
ولنا: " أن رجلا قال للنبي ﷺ: زوجنيها. فقال رسول الله ﷺ: زوجتكها
بما معك من القرآن " (^٦) . متفق عليه.
_________________
(١) في الأصول: اتقوا.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٥٥) ٣: ٤١٣ كتاب الجمعة، باب ما جاء في خطبة النكاح.
(٣) في أ: ئنا.
(٤) ساقط من أ.
(٥) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٧: ١٨١ كتاب النكاح، باب كيف الخطبة. عن أبي بكر بن حفص قال: كان ابن عمر
(٦) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٣٩) ٥: ٩٧٢ ١ كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب.=
[ ٩ / ٣٦ ]
ولم يذكر خطبة.
وروى أبو داود بإسناده عن رجل من بنى سليم قال: " خطبت إلى النبي ﷺ
أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد " (^١) .
ولأنه عقد معاوضة. فلم يجب فيه خطبة؛ كالبيع.
(و) يسن أيضا (أن يقال لمتزوج: بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما
في خير وعافية)؛ لما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ كان إذا رفأ إنسانا إذا تزوج قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير " (^٢) . رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.
وقال ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة " (^٣) .
(فإذا زفت) الز وجة (إليه) أي: إلى الزوج (قال) استحبا با: (اللهم إنى
أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)؛
لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا تزوج أحدكم امرأة واشترى خادما فليقل: اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا أخذ بذروة سنامه ولحقل مثل ذلك " (^٤) . رواه أبو داود.
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٥) ٢: ١٠٤٠ كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٢٠) ٢: ٢٣٩ كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٣٠) ٢: ٢٤١ كتاب النكاح، باب ما يقال للمتزوج. واخرجه الترمذي فى " جامعه " (١٠٩١) ٣: ٠ ٤٠ كتاب النكاح، باب ما جاء فيما يقال للمتزوج. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (١٩٠٥) ١ - ٦١٤ كتاب النكاح، باب تهنئة النكاح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٨٩٤٤) ٢: ٣٨١.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٥٧٠) ٣: ١٣٧٨ كتاب فضائل الصحابة، باب إخاء النبى ﷺ بين المهاجرين والأنصار.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٦٠) ٢: ٢٤٨ كتاب النكاح، باب في جامع النكاح.
[ ٩ / ٣٧ ]
[باب: أركان النكاح]
هذا (باب ركني النكاح و) باب (شروطه) أي: شروط النكاح.
أركان الشيء أجزاء ماهيته لا تتم بدون جزئها، فكذا الشيء لا يتم بدون ركنه. (ركناه) أي: ركنا النكاح:
أحدهما: (إيجاب) وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه (بلفظ: إنكاح، أو) بلفظ (تزويج، و) قول سيد (لمن يملكها) كلها (أو) يملك (بعضها) وباقيها حر: (أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، ونحوه) أي: ونحو هذا اللفظ. ويأتي ذلك في المتن. فلا يصح إيجاب ممن يعرف اللسان العربي بغير أنكحت وزوجت " لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن. قال الله ﷾: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا)
[البقرة: ٢٢١]، وقال ﷾: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وأما صحة الإيجاب في قوله: أعتقتها وجعلت عتقها صداقها ونحوه؛ فلورود (^١) السنة بذلك.
ومنها ما روى أنس " أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها " (^٢) . متفق عليه.
وروى الأثرم بإسناده عن صفية قالت: " أعتقنى رسول الله ﷺ وجعل عتقي صداقي ".
_________________
(١) في أ: لورود.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٦٤): ٥٣٨ ١ كتاب المغازي، باب غزوه خيبر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٥) ٢: ٤٥ ٠ ١ كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها. وسوف يأنى مزيد من التخريج له ص (٧٣).
[ ٩ / ٣٨ ]
ومتى ثبت العتق صداقا ثبت النكاح.
(وإن فتح ولي تاء زوجتك، فقيل: يصح) النكاح (مطلقا) أي: سواء
كان الولي عالما بالعربية أو جاهلا بها (^١)، وسواء كان قادرا على النطق بضم التاء أو عاجزا. وأفتى بذلك الموفق.
(وقيل): لا يصح إلا (من جاهل) بالعربية (وعاجز) عن النطق بضم التاء.
[قلت: وهذا هو الظاهر] (^٢) .
قال في " الرعاية ": يصح جهلا أو عجزا وإلا احتمل وجهين. انتهى.
وتوقف في المسألة ناصح الإسلام ابن أبي الفهم من أصحابنا فلأجل ذلك أطلقت الخلاف.
(ويصح) الإيجاب من الولي بلفظ (زوجت بضم الزاي وفتح التاء) يعني: بصيغة البناء للمفعول، لا جوزتك بتقديم الجيم.
وسئل الشيخ تقي الدين عن رجل لا يقدر أن يقول: إلا قبلت تجويزها بتقديم الجيم
فأجاب بالصحة بدليل قوله: جوزتي طالق فإنها تطلق. انتهى.
(و) الركن الثانى (قبول بلفظ: قبلت) هذا النكاح، (أو رضيت هذا النكاح، أو قبلت أو رضيت فقط، أو تزوجتها). وفي "الفروع ": أو رضيت به (^٣) . (ويصحان) أي: الإيجاب والقبول في النكاح (من هازل وتلجئة)؛ لأن النبي ﷺ قال: " ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة " (^٤) . رواه الترمذي.
وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: " من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق (^٥) لاعبا جاز " (^٦) .
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٨٤) ٣: ٤٩٠ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق.
(٥) في ب: عتق.
(٦) أخرجه الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٤: ٢٨٨.
[ ٩ / ٣٩ ]
وقال عمر: " أربع جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والتزويج والنذر " (^١) .
وقال علي: " أربع لا لعب فيهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر ".
(و) يصحان أيضا (بما) أي: بلفظ (يؤدي معناهما الخاص بكل لسان من عاجز) عن الإتيان بهما بالعربية؛ لأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والتزويج. ومفهومه: أنه لا يصح بلفظ لا يؤدي معنى النكاح والتزويج وهو صحيح؛
لأن من عدل عن لفظ يؤدي معناهما الخاص بذلك اللسان إلى غيره مشبه لمن هو عربي وعدل عن لفظهما الخاص.
(ولا يلزمه) أي: لا يلزم عاجزا عن إتيانه به بالعربية (تعلم)؛ لأن النكاح
غير واجب بأصل الشرع. فلم يجب تعلم أركانه بالعربية؛ كالبيع. بخلاف التكبير.
ولأن المقصود هنا المعنى دون اللفظ المعجز وهو حاصل. وبهذا فارق القراءة في الصلاة.
و(لا) يصح إيجاب ولا قبول (بكتابة) في الأصح، (و) لا (إشارة مفهومة، إلا من أخرس) فيصحان منه بالإشارة. نص عليه؛ لأن النكاح معنى لا يستفاد إلا من جهته. فصح بإشارته؛ كبيعه وطلاقه. وإذا صح ذلك منه بالإشارة فبالكتابة (^٢) أولى؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
(وإن قيل لمزوج) أي: قال إنسان لولي: (أزوجت) بنتك لهذا؟ (فقال: نعم، و) قال
(لمتزوج: أقبلت؟ فقال: نعم. صح) النكاح على الأصح. نص عليه؛ لأن نعم جواب لقوله: أزوجت وأقبلت؟ والسؤال يكون مضمرا في الجواب معادا (^٣) فيه. فيكون معنى نعم من الولي: زوجته ابنتي،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٣٤١ كتاب الخلع والطلاق، باب صريح ألفاظ الطلاق. عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب.
(٢) في ب: فبالكناية.
(٣) في أوب: معاد.
[ ٩ / ٤٠ ]
ومعنى نعم من المتزوج: قبلت هذا التزويج. ولا احتمال فيه فيجب أن تنعقد به. ولذلك لما قال الله ﷾ (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم)
[الأعراف: ٤٤]. يعني: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
ولو قيل لرجل: لفلان عليك ألف درهم؟ فقال: نعم. كان إقرارا صريحا
لا يفتقر إلى نية ولا يرجع في ذلك إلى تفسيره. وبمثله تقطع اليد في السرقة، والحدود تدرأ بالشبهات. فوجب أن ينعقد به التزويج، كما لو تلفظ بذلك.
و(لا) يصح النكاح (إن تقدم قبول) (^١) على الإيجاب على الأصح. وقال بعضهم: رواية واحدة، وسواء كان بلفظ الماضي، مثل أن يقول: زوجت ابنتك فيقول: زوجتكها، أو بلفظ الطلب؛ كقوله: زوجني ابنتك، فيقول: زوجتكها؛ لأن القبول إنما يكون للإيجاب فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه. فلم يصح؛ كما لو تقدم بلفظ الاستفهام.
ولأنه لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصح. فإذا تقدم كان أولى، كصيغة الاستفهام.
ولأنه لو أتى بالصيغة المشروعة متقدمة فقال: قبلت هذا النكاح، فقال الولي: زوجتك ابنتي لم يصح. فلئلا يصح إذا أتى بغيرها أولى.
فإن قال المخالف: يصح كالبيع والخلع.
قلنا: البيع لا يشترط فيه صيغة الإيجاب بل يصح بالمعاطاة ولا يتعين فيه
لفظ بل يصح بأي لفظ كان إذا أتى بالمعنى. ولا يلزم الخلع؛ لأنه يصح تعليقه على الشرط إذا كان بنية الطلاق.
(وإن تراخى) القبول عن الإيجاب (حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفا:
بطل الإيجاب)؛ لأنهما إن تفرقا قبل القبول ثم قبل بعده لا يكون قبولا؛ لأنه لا يوجد معناه فإن الإعراض قد وجد من جهة التفرق.
_________________
(١) في أ: قبوله.
[ ٩ / ٤١ ]
ولأنه إذا قبل بعد التشاغل بما يقطعه لم يصح القبول أيضا، لأنه يعرض عن العقد بالاشتغال عن قبوله. أشبه ما لو رده.
وعلم مما تقدم أنه إن طال الفصل بين الإيجاب والقبول ولم يتشاغلا بما يقطعه ولم يتفرقا أنه يصح، لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل صحة القبض فيما يشترط لصحته قبضه في المجلس، وبدليل ثبوت الخيار في عقود المعاوضات.
(ومن أوجب) أي: صدر منه إيجاب (ولو) كان الإيجاب (في غير نكاح)، كبيع أو إجارة (ثم جن أو أغمي عليه قبل قبول) لما أوجبه: (بطل) إيجابه بذلك، (ك) ما يبطل ب (موته)؛ لأن الإيجاب قبل القبول غير لازم. فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون.
(لا إن نام) من أوجب عقدا قبل القبول ثم حصل القبول في المجلس، ومن أوجبه وهو (^١) نائم فإن إيجابه لم يبطل ويصح قبوله، لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هنا.
(وكان للنبي ﷺ أن يتزوج بلفظ: الهبة) دون غيره، كما كان له أن يتزوج
بلا مهر. جزم به الأصحاب؛ لقوله (^٢) ﷾: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى ) الاية [الأحزاب: ٥٠].
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: بقوله.
[ ٩ / ٤٢ ]
[فصل: في شروط النكاح]
(فصل. وشروطه) أي: شروط صحة النكاح (خمسة) [لما سيأتي] (^١) .
واحدها (^٢) شرط بإسكان الراء وهو: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط. بمعنى
أنه يلزم من عدمه عدم صحة النكاح.
أحد الخمسة: (تعيين الزوجين)؛ لأن النكاح عقد معاوضة. أشبه تعيين
المبيع في البيع. ولأن المقصود في النكاح التعيين. فلم يصح بدونه.
إذا تقرر هذا (فلا يصح) العقد إن قال الولي: (زوجتك بنتي، وله) بنات
(غيرها حتى يميزها) عن غيرها باسمها، أو بصفة لم يشاركها فيها غيرها من أخواتها، أو يشير إليها إن كانت حاضرة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له إلا بنت واحدة (فيصح) النكاح إذا قال:
زوجتك بنتي، (ولو سماها بغير اسمها)؛ لأن عدم التعيين إنما جاء من التعدد
ولا تعدد هاهنا.
(وإن سماها باسمها) بأن قال زوجتك: فاطمة، أو زوجتك الطويلة (ولم
يقل بنتي) لم يصح النكاح؛ لأن هذا الاسم أو هذه الصفة يشتركان بينها وبين
سائر الفواطم والطوال.
(أو قال من له) بنتان كبرى وصغرى اسم إحداهما (عائشة و) الأخرى
(فاطمة: زوجتك بنتي عائشة، فقبل) الزوج النكاح (ونويا) أي: نوى الولي
والزوج (فاطمة: لم يصح) النكاح في الأصح.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: وواحدها.
[ ٩ / ٤٣ ]
وقال القاضي: يصح في التي نوياها.
قال في " شرح المقنع ": وهذا غير صحيح؛ لوجهين:
أحدهما: أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه. فأشبه ما لو قال: زوجتك عائشة فقط، أو ما لو قال: زوجتك ابنتي ولم يسمها، وإذا لم يصح فيها إذا لم يسمها. ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى: أنه لا يصح.
الثانى: أنه لا يصح النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك،
فإن اسم أختها لا يميزها بل يصرف العقد عنها. انتهى.
وإن كان الولي يريد الكبرى والزوج يقصد الصغرى لم يصح أيضا؛ (كمن سمي له في العقد غير مخطوبته، فقبل يظنها إياها) أي: يظنها المخطوبة؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيها.
(وكذا) أي: وكالصور المتقدمة في عدم الصحة لو قال أبو حمل لآخر: (زوجتك حمل هذه المرأة) لوجوه:
أحدها: أن الحمل مجهول.
الثانى: أنه لم يتحقق كونه أنثى. أشبه ما لو قال: زوجتك من في هذه الدار
ولا يعلمان من فيها.
الثالث: أنه لم يثبت له حكم الوجود.
وكذا لو قال: إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها فإنه لا يصح؛ لأنه تعليق للنكاح على شرط، والنكاح لا يتعلق على شرط.
الشرط (الثاني) من شروط صحه النكاح: (رضى زوج مكلف) وهو البالغ العاقل (ولو) كان المكلف (رقيقا). نص عليه، فلا يملك سيده إجباره. وقيل: بلى؛ لقوله ﷾: (وانكحوا آلأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإماءكم) [النور: ٣٢].
ولأنه يملك رقبته. فملك إجباره على النكاح؛ كالأمة، وكما يملك إجارته.
والأول المذهب؛ لأنه مكلف يملك الطلاق. فلا يجبر على النكاح؛ كالحر.
[ ٩ / ٤٤ ]
ولأن النكاح خالص حقه ونفعه له. فلا يجبر عليه؛ كالحر.
والأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه بدليل عطفه على الأيامى وإنما يزوجن عند الطلب.
ولأن مقتضى الأمر الوجوب وإنما يجب تزويجه عند طلبه.
وأما الأمة فإنه يملك منافع بعضها والاستمتاع بها. بخلاف العبد.
ويفارق النكاح الإجارة؛ لأنها عقد على منافع بدنه وسيده يملك استيفاءها.
(و) رضى (زوجة حرة عاقلة ثيب تم لها تسع سنين) على الأصح، ولها
إذن صحيح معتبر على الأصح. فيشترط مع ثيوبتها، ويسن مع بكارتها.
قال في " الإنصاف ": للصغيرة بعد تسع سنين: إذن صحيح معتبر حيث
قلنا: لا تجبر، أو تجبر لأجل استحباب إذنها، على الصحيح من المذهب. نص عليه، ونقله عبد الله بن منصور وأبو طالب وأبو الحارب وابن هانئ والميمونى والأثرم وعليه جماهير الأصحاب.
وجزم به القاضي في " تعليقه " و" جامعه " و" مجرده "، وابن عقيل في
" فصوله " و" تذكرته "، وأبو الخطاب في " خلافه "، والشريف أبو جعفر وابن البنا، ونصبهما الشيرازي للخلاف.
وهو ظاهر كلام أبي بكر، وجزم به ناظم " المفردات ". انتهى.
والأصل في ذلك ما روى أبو هريره أن رسول الله ﷺ قال: " لا تنكح الأيم
حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت " (^١) . متفق عليه.
ووجه تقييد ذلك ببنت تسع؛ ما روى أحمد بسنده إلى عائشة أنها قالت:
" إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخارى فى " صحيحه " (٤٨٤٣) ٥: ١٩٧٤ كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤١٩) ٢: ١٠٣٦ كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.
(٢) ذكره البيهقى في السنن الكبرى ١: ٣١٩ كتاب الحيض، باب السن التي وجدت المرأة حاضت فيها. =
[ ٩ / ٤٥ ]
وروي مرفوعا عن ابن عمر عن النبي ﷺ.
ومعناه في حكم المرأة.
ولأنها تصلح بذلك للنكاح ويحتاج إليه. أشبهت البالغة.
قال أحمد في رواية أبي طالب: تستأذن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين. وهؤلاء يقولون: كيف يجوز إذنها ولو زنت لم يقم عليها الحد؟ فأقول: الحد غير هذا، وقد قيل: " ادرؤا الحدود بالشبهات " (^١) .
وقال في رواية ابن منصور: لا أرى للولي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى
تبلغ تسع سنين فإذا بلغت تسعا فرضيت فلا خيار لها، ولا أرى للزوج أن يدخل بها إذا زوجت وهي صغيرة دون تسع سنين.
(ويجبر أب ثيبا دون ذلك) أي: دون من تم لها تسع سنين، لأنه لا إذن لها معتبر.
(و) يجبر الأب أيضا (بكرا ولو) كانت (مكلفة) على الأصح؛ لما روى
ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها " (^٢) . رواه أبو دا ود.
فلما قسم النساء قسمين وأثبت الحق لأحدهما دل على نفيه عن الآخر وهي البكر. فيكون وليها أحق منها بها.
ودل الحديث على أن الاستئمار هاهنا والاستئذان في حديثهم مستحب غير واجب؛
لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "آمروا النساء في بناتهن " (^٣) . رواه أبو داود.
_________________
(١) = ولم أجده عند أحمد ذكره المتقي الهندي في " كنز العمال " (١٢٩٥٧) ٥: ٣٠٥ كتاب الحدود، في وجوب الحدود. عن عمر بن عبدالعزيز.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٨ ٠ ٢) ٢: ٢٣٢ كتاب النكاح، باب في الثيب. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٦١) ٦: ٨٤ كتاب النكاح، استئذان البكر في نفسها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٣٦٥) ١: ٢٦١.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٩٥ ٠ ٢) ٢: ٢٣٢ كتاب النكاح، باب في الاستئمار.
[ ٩ / ٤٦ ]
(ويسن استئذانها) أي: البكر التي لها إذن صحيح (مع) استئذان
(أمها)، لحديث ابن عمر المذكور.
(ويؤخذ بتعيين) بكر (بنت تسع فأكثر كفؤا، لا بتعيين أب).
نقل أبو طالب: إن أرادت الجارية رجلا وأراد الولي غيره اتبع هواها.
قال في " الإنصاف ": حيث قلنا: بإجبار المرأة ولها إذن، أخذ بتعيينها كفؤا، على الصحيح من المذهب.
قال الشيخ تقي الدين: هذا ظاهر المذهب.
قلت: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه. انتهى.
(و) يجبر الأب أيضا (مجنونة ولو) كانت (بلا شهوة، أو) كانت (ثيبا
أو) كانت (بالغة) في الأصح، لأن ولاية الإجبار إنما انتفت عن العاقلة، لحصول الخبرة بنظرها لنفسها. وهذا بخلاف ذلك.
(و) أما إن كانت للمجنونة شهوة فإنه (يزوجها مع شهوتها كل ولي) في الأصح؛ لأن لها حاجة إلى النكاح، لدفع ضرر الشهوة عنها، وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة والعفاف، وصيانة العرض. ولا سبيل إلى إذنها. فأبيح تزويجها؛ كالبنت مع أبيها. وتعرف شهوتها من كلامها، ومن قرائن أحوالها، كتتبعها الرجال، وميلها إليهم، وأشباه ذلك.
(و) يجبر الأب أيضا (ابنا صغيرا) أي: لم يبلغ؛ لما روي " أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعا " رواه الأثرم.
قال في " شرح المقنع ": أما الغلام العاقل فلا يعلم بين أهل العلم خلافا في
أن لأبيه تزويجه كذلك.
(و) ابنا (بالغا مجنونا) في المنصو ص (ولو) كان (بلا شهوة) في الأصح؛ لأنه غير مكلف. فجاز لأبيه تزويجه؛ كالصغير، فإنه إذا جاز تزويج
[ ٩ / ٤٧ ]
الصغير مع عدم حاجته في الحال وتوقع نظره فعند حاجته أولى. فأما اعتبار الحاجة فلا بد منها، فإنه لا يجوز لوليه تزويجه، إلا إن رأى المصلحة فيه غير أن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة، بل قد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ، وربما كان النكاح دواء له يترجى به شفاؤه. فجاز التزويج له؛ كقضاء الشهوة.
ولا يتقيد تزويج الأب ابنه الصغير والمجنون بمهر المثل في الأصح؛ لأن
للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها، وهذا مثله فإنه قد يرى المصلحة فى ذلك فجاز له بذل المال فيه؛ كما يجوز في مداواته، بل الجواز هاهنا أولى،
فإن الغالب أن المرأه لا ترضى أن تتزوج المجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها فيتعذر الوصول إلى النكاح بدون ذلك.
(ويزوجهما) أي: ويزوج الصغير والبالغ المجنون لحاجة (^١) (مع عدم
أب) للصغير او المجنون (وصيه) أي: وصي الأب؛ لقيامه مقام الأب، (فإن عدم) وصي الأب (وثم حاجة ف) إنه يزوجهما (حاكم)، لأنه الذي ينظر في مصالحهما بعد الأب ووصيه.
وما تقدم من الحكم في المجنون فمحله إذا كان جنونه مطبقا، لأنه ليس
له (^٢) حالة (^٣) ينتظر فيها إذنه، اما من يجن (^٤) في الأحيان إذا كان بالغا فإنه
لا يصح تزويجه إلا بإذنه، لأن ذلك ممكن.
ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت ولاية تزويجه لغيره، كالعاقل.
ومن زال عقله ببرسام أو مرض مرجو الزوال فإن حكمه حكم العاقل.
(ويصح قبول) صبي (مميز لنكاحه) أي: نكاح نفسه، (بإذن وليه)،
كما يصح أن يتولى البيع والشراء لنفسه بإذن وليه.
(ولكل ولي) من أب ووصيه وبقية العصبات وحاكم (تزويج بنت تسع
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: حال.
(٤) فى أوب: يخنق.
[ ٩ / ٤٨ ]
فأكثر بإذنها)؟ لقول أحمد في رواية [ابي طالب: تستأذن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين.
وقال في رواية] (^١) أبي الحارث وإسحاق بن إيراهيم في يتيمة ليس لها أحد
إلا ابن عم ولها تسع سنين: يزوجها ابن عمها برضاها. وذلك؟ لما رواه
بإسناده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت لم تكره " (^٢) .
ومفهوم ذلك: ان اليتيمة تزوج بإذنها، وأن لها إذنا صحيحا وقد انتفى ذلك
فيمن لم تبلغ تسعا بالاتفاق. فيجب حمله على من بلغت تسعا جمعا بين الأدله. (وهو) أي: وإذنها (معتبر) وقد تقدمت الأدلة (^٣) على ذلك، (لا من)
لها (دونها) أي: دون تسع سنين (بحال) أي: في حالة من الحالات.
(وإذن ثيب) أي: من صارت ثيبا (بوطء في قبل، ولو) كان وطؤها (زنا، او مع عود بكارة) بعد إزالتها: (الكلام)؟ لقوله ﷺ: " الثيب تعرب عن نفسها" (^٤) .
ولأن قوله ﷺ: " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن
وإذنها أن تسكت " (^٥): يدل على أنه لابد من نطق الثيب؛ لأنه قسم النساء قسمين، فجعل السكوت إذنا لأحدهما. فوجب أن يكون الآخر بخلافه. والموطوءة بزنا ثيب موطوءة في القبل؛ لأنه لو وصى للثيب دخلت فى الوصية ولو وصى للأبكار لم تدخل.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٩٣) ٢: ٢٣١ كتاب النكاح، باب في الاستئمار. وأخرجه النسائي فى " سننه " (٣٢٧٠) ٦: ٨٧ كتاب النكاح، البكر يزوجها أبوها وهي كارهه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٥١٩) ٢: ٢٥٩.
(٣) في أ: الدلالة.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٧٢) ١: ٢ ٠ ٦ كتاب النكاح، باب استئمار البكر والثيب. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٧٧٥٨) ٤: ١٩٢.
(٥) سبق تخريجه ص ٤٨.
[ ٩ / ٤٩ ]
(و) إذن (بكر ولو وطئت في دبر الصمات)؛ لما روي عن عائشة انها قالت:
" يا رسول الله! إن البكر تستحي. قال: رضاها صماتها (^١) " (^٢) . متفق عليه. (ولو ضحكت او بكت) كان ذلك إذنا؟ لما روى أبو بكر بإسناده عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " تستأمر اليتيمة فإن بكت أو سكتت هو رضاها وإن أبت فلا جواز عليها " (^٣) .
ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها لإستئذان. فكان ذلك إذنا منها؟ كالصمات والضحك.
ولأن البكاء يدل على فرط الحياء لا على الكراهة، ولو كرهت لامتنعت فإنها لا تستحيي من الامتناع.
والحديث يدل بصريحه: على أن الصمت إذن وبمعناه على ما في معنى الصمات من الضحك والبكاء، ولذلك اقمنا الضحك مقامه.
(ونطقها) أي: نطق البكر بالإذن (أبلغ) من صماتها؛ لأنه الأصل في الإذن، واكتفي عنه بصمات البكر؟ لاستحيائها.
(ويعتبر في استئذان) ممن يشترط استئذانها (تسمية الزوج) لها بحيث تكون تلك التسمية (على وجه تقع المعرفة) أي: معرفتها (به) بأن يذكر لها نسبه ومنصبه ونحو ذلك مما هو متصف به؛ لتكون على بصيرة في إذنها في تزويجه.
_________________
(١) في أ: صمتها.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٤٤) ٥: ١٩٧٤ كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٢٠) ٢: ١٠٣٧ كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح با لنطق، والبكر بالسكوت.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٣٩) ٢: ٨٩٢٣١ كتاب النكاح، باب في الاستئمار. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٧٠) ٦: ٨٧ كتاب النكاح، البكر يزوجها أبوها وهي كارهة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٧٥١٩) ٢: ٢٥٩.
[ ٩ / ٥٠ ]
قال في " الإنصاف ": ولا يعتبر تسمية المهر على الصحيح. نقله
الز ركشي. انتهى.
(ومن زالت بكارتها بغير وطء)؛ كبإصبع أو وثبة (فكبكر) في الإذن يعني: أنه يكون إذنها صماتها؛ لأن العلة في الاكتفاء بصمات البكر الحياء ولا يزول بما ذكر.
(ويجبر سيد عبدا صغيرا او مجنونا)؛ لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه الصغير والمجنون فعبده الذي كذلك مع ملكه إياه وتمام ولايته عليه أولى.
(و) يجبر السيد أيضا (أمة مطلقا) أي: سواء كانت كبيرة او صغيرة، وسواء كانت بكرا أو ثيبا، وسواء كانت قنا او مدبرة أو أم أولاد؛ لأن منافعها مملوكة له والنكاح عقد على منفعتها. فأشبه عقد الإجارة.
وكذلك ملك الاستمتاع بها وبهذا فارقت العبد؛ لأنه ينتفع بذلك لما يحصل
له من مهرها وولدها ويسقط عنه نفقتها وكسوتها. بخلاف العبد.
ولا فرق بين كونها مباحة أو محرمة عليه؛ كما لو كانت أمه أو أخته من
رضاع أو مجوسية فإن له تزويجهما وإن كانتا محرمتين عليه؛ لأن منافعهما مملوكة له، وإنما حرمتا عليه لعارض.
(لا مكاتبا أو مكاتبة) يعني: أنه ليس للسيد أن يجبر مكاتبه أو مكاتبته ولو
كانا صغيرين؛ لما تقدم من أنه يصح كتابة القن المميز؛ لأنهما بمنزلة الخارجين عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتهما، ولا يملك إجارتهما، ولا يملك أخذ مهر المكاتبة.
(ويعتبر في) صحة نكاح (معتق بعضها: إذنها وإذن معتقها ومالك البقية)
أي: بعضها الذي لم يعتق؛ (كالمشتركين. ويقول كل) من الشريكين: (زوجتكها)، ولا يقول: زوجتك نصيبي فيها؛ لأن النكاح لا يقبل التبعيض والتجزؤ. بخلاف البيع والإجارة.
[ ٩ / ٥١ ]
[فصل: في الولي]
(فصل. الثالث) من شروط صحة النكاح: (الولي). نص عليه، (إلا على النبي ﷺ) لقوله ﷾ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وعنه: ليس الولي بشرط. وخصها الموفق وجماعة بالعذر كعدم العصبة والسلطان. والأصل في ذلك ما روى أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ: " لا نكاح إلا بولي " (^١) . رواه الخمسة إلا النسائى وصححه أحمد وابن معين. قال المروذي: سألت أحمد ويحيى بن معين عن حديث: " لا نكاح إلا بولي "، قالا: صحيح، وما روى سليمان بن موسى عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأة نُكِحَتْ بغير إذن وليها فنكاحها باطلٌ. فنكاحها باطلٌ. فنكاحها باطلٌ. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها. فإن اشتجروا، فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له " (^٢) . رواه الخمسة إلا النسائى.
وحكى بعض الحفاظ عن يحيى: أنه أصح ما في الباب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في لأ سننه " (٢٠٨٥) ٢: ٢٢٩ كتاب النكاح، باب في الولي. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٠١) ٣: ٤٠٧ كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (١٨٨١) ١: ٦٠٥ كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١ ٩٧٦ ١) ٤: ١٨ ٤.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٨٣) ٢٩٩: ٢ الموضع السابق. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٠٢) الموضع السابق. وأخرجه ابن ماجه في " سنه (١٨٧٩) الموضع السابق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٤١٧) ٦٦: ٦.
[ ٩ / ٥٢ ]
ولأن المرأة مُولى عليها فى النكاح. فلا تليه؛ كالصغيرة.
فإن قيل: الحديث الأول يحمل على نفي الكمال، والحديث الثانى يرويه سليمان بن موسى وقد ضعفه البخاري، وقال النسائي: في حديثه شيء، ثم إن ابن خزيمة نقل عن الزهري: أنه أنكر الحديث.
وقال الحسن بن محمد: سئل أحمد عن النكاح بغير ولي ثبت فيه شيء عن النبي ﷺ؟ فقال: ليس يثبت فيه شئ عن النبي ﷺ.
وقال في رواية أبي طالب: حديث عائشة: " لا نكاح إلا بولي " (^١)، ليس بالقوي.
وفي رواية المروذي: ما أراه صحيحًا؛ لأن عائشة فعلت بخلافه.
قيل له: إذا كان لا يصح لا تذهب إليه؟
قال: أكثر الناس عليه. وعلى تقدير صحته فأنه م لا يقولون بمفهومه؛ لأن مفهومه: أنه اإذا نكحت بإذن وليها فنكاحها صحيح.
ثم قد دل قوله ﷾: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] على صحة نكاحها نفسها؛ لأنه أضاف النكاح إليهن ونهى عن منعهن منه. فالجواب: أن مقتضى قوله الحديث الأول حقيقة النكاح، إلا أنه لما لم يمكن ذلك حمل على نفي الصحة؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لا سيما وقد عضده قوله ﷺ في الحديث الآخر: " فنكاحها باطل باطل باطل " (^٢) . وفد يقال أنه على مقتضاه في نفي الحقيقة، إذ كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية لا اللغوية، والحقيقة الشرعية لا توجد بغير ولي.
وأما الحديث الثانى فسليمان بن موسى ثقة عند جمهور أهل الحديث، حتى
قال الترمذي: لم يتكلم فيه أحد من المتقدمين إلا البخاري وحده، وتكلم فيه
_________________
(١) أخرجه اين ماجه فى " سننه " (١٨٨٥) الموضع السابق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٢٧٨) ٦: ٠ ٢٦.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٢) رقم (١).
[ ٩ / ٥٣ ]
لأجل أحاديث انفرد بها، ومثل ذلك لا يرد به الحديث وكذلك قول النسائي، وأما إنكار الزهري للحديث فقد قال أحمد ويحيى: لم ينقل هذا عن ابن جريج غير ابن علية.
قال ابن عبد البر: وقد أنكر أهل العلم ذلك من روايته ولم يعرجوا عليها، وعلى تقدير ثبوت ذلك عنه لا يضر؛ لأن نسيانه لا يقدح في الحديث إذا رواه عنه ثقة فإن النسيان لم يعصم منه إنسان. قال ﷺ: " نسي آدم فنسيت ذريته ".
وأما قول أحمد: ليس بالقوي، وقوله: ما أراه صحيحًا: فالمشهور عنه خلافه، ويؤكده أنه بنى مذهبه على الأخذ به.
وأما مفهوم الحديث فأنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له " لأن الغالب أن المرأة إئما تزوج نفسها بغير إذن وليها.
وأما الآية الكريمة فإن عضلها الامتناع من تزويجها، يقال: داء عضال: إذا أعيى الطبيب دواءه وامتنع عليه. ويدل على ذلك: أنها نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته فدعاه النبي ﷺ فزوجها (^١) . وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي
ولأنه لو لم يكن لمعقل ولاية في النكاح لما عاتبه الله ﷾ على ذلك، وإنما أضافه إلى النساء " لتعلقه بهن، وعقده عليهن.
_________________
(١) لفظ الحديث: عن معقل بن يسار قال: " كانت لي أخت تُخطب إليَّ فأتانى ابن عم لي، فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إليّ أتانى يخطبها فقلت: لا والله لا أنكحها أبدا، قال: ففى نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ الآية قال: فكفرت عن يميني فأنكحتها إياه ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٨٧ ٠ ٢) ٢: ٠ ٢٣ كتاب النكاح، باب في العضل. و" أن معقل بن يسار ﵁ كانت أخته عند رجل فطلقها ثم تخلى عنها حتى إذا انقضت عدتها ثم قرب يخطبها فحمى معقل من ذلك آنفًا قال: خلى عنها وهو يقدر ثم قرب يخطبها فحال بينه وبينها فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ الآية فدعاه رسول الله ﷺ فقرأها عليه فترك الحمية ثم استقاد لأمر الله ﷿ ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٠٣ كتاب النكاح، باب حتم لازم لأولياء الأيامى الحرائر البوالغ إذا أردن. . .
[ ٩ / ٥٤ ]
إذا تقرر هذا (فلا يصح) من المرأة (إنكاحها لنفسها أو) إنكاحها (غيرها).
وأما حكم تزويج إماء النساء (فـ) أنه (يزوج أمة محجور عليها) لصغر أو سفه أو جنون (وليها في مالها)؛ لأن التزويج تصرف في المال والأمة مال، لكن لا بد من وجود المصلحة في التزويج.
(و) يزوج أمة (لغيرها) أي: غير المحجور عليه وهي الرشيدة (من يزوج سيدتها) أي: ولي سيدتها في النكاح؛ لأن مقتضى الدليل كون ولاية الرقيق لمالكه. فامتنعت في حقها؛ لكونها أنثى. فثبتت لأوليائها؛ كولاية نفسها. ولأنه م يلونها لو عتقت، وفي حال رقها أولى.
لكن (بشرط إذنها) أي: إذن سيدتها في تزويجها؛ لأن ذلك تصرف في مالها ولا يتصرف في مال الرشيدة بغير إذنها، (نطقًا) يعني: أنه يعتبر النطق في إذن الرشيدة في تزويج أمتها، (ولو) كانت (بكرًا)؛ لأن صماتها إنما اكتفي به في تزويجها نفسها لحيائها ولا تستحيي في تزويج أمتها.
(ولا إذن لمولاة معتقة) في تزويجها على الأصح؛ لملكها نفسها بالعتق، وكون المولاة ليست من أهل الولاية.
(ويزوجها) أي: يزوج المعتقة (بإذنها) أي: إذن المعتقة (أقرب عصبتها) أي: عصبة المعتقة إن كان لها عصبة، فإن لم يكن لها عصبة زوجها أقرب عصبة المولاة فيقدم ابن المولاة على أبيها؛ لأن الولاية بمقتضى ولاء العتق. والولاء يقدم فيه الابن على الأب.
(ويجبرها) أي: يجبر معتقة المرأة على النكاح (من يجبر مولاتها) عليه. فلو كانت المعتقة صغيرة لم يتم لها تسع سنين وكان لمولاتها أب كان له جبر معتقة بنته على النكاح.
وعنه: أن لمالكة الأمة تزويجها بنفسها ولمولاة المعتقة تزويجها.
فعلى هذه الرواية لو طلبته المعتقة وعضلت مولاتها زوجها ولي مولاتها. والمذهب ما في المتن.
[ ٩ / ٥٥ ]
(والأحق) من الأولياء (بإنكاح حرة: أبوها) وإنما قيدت بالحرة؛ لأنه
لا ولاية لأب الأمة عليها اتفاقًا.
وعنه: ابنها.
والأول المذهب؛ لأن الولد موهوب لأبيه. قال الله ﷾: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
وقال النبي ﷺ: " أنت ومالك لأبيك " (^١) .
وإثبات ولاية الموهوب له على الموهوب أولى من العكس.
ولأن الأب أكمل نظرا وأشد شفقة. فوجب تقديمه في الولاية؛ كتقديمه على الجد.
(فأبوه) أي: فأبو أبيها (وإن علا) يعني: أن الجد أب الأب وإن علت درجته أحق بالولاية من الابن والأخ على الأصح؛ لأن الجد له أولاد وتعصيب. فقدم عليهما؛ كالأب.
فعلى هذا يكون الجد أبا الأب وإن علت درجته أحق بالولاية أولى من جميع العصبات غير الأب. فإذا اجتمع أجداد كان أولاهم أقربهم؛ كالجد مع الأب.
(فابنها) يعني: أن ولاية الحرة بعد جدها وإن علا لابنها (فابنه وإن نزل)، يقدم الأقرب فالأقرب؛ كما روت أم سلمة " أنها لما انقضت عدتها أرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها فقالت: يا رسول الله لِلَّهِ ليس أحدًا من أوليائي
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٢٩١) ٢: ٧٦٩ كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٩٠٢) ٢: ٢٠٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ٩ / ٥٦ ]
شاهد قال: ليس من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك. فقالت: قم يا عمر لِلَّهِ فزوج رسول الله. فزوجه " (^١) . رواه النسائى.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فحديث عمر بن أبي سلمة حين زوج النبي
ﷺ أم سلمة أليس كان صغيرًا؛ قال: ومن يقول كان صغيراَ ليس فيه بيان.
ولأنه عدل من عصبتها ثبت له ولاية تزويجها؛ كأخيها.
(فأخ) لها (لأبوين فلأب) على الأصح؛ لأن ولاية النكاح حق يستفاد بالتعصيب. فقدم فيه الأخ من الأبوين؛ كالميراث، وكاستحقاق الميراث بالولاء.
(فابن أخ) لها (لأبوين فلأب وإن سفلا) أي: ولد الأخ من الأبوين وولد
الأخ من الأب، يقدم الأقرب فالأقرب.
(فعم) لها (لأبوين فلأب، ثم بَنُوهما) أي: بنو الأعمام (كذلك) يعني: أنه يقدم ابن العم من الأبوين على ابن العم من الأب.
(ثم أقرب عصبة) هو (نسيب) للزوجة؛ (كالإرث).
وجملة ذلك: أن الولاية بعد الإخوة تترتب على ترتيب الميراث بالتعصب فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية. وعلى هذا لا يلي بنو أب أعلا مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم. وأولى ولد كل أب أقربهم إليه؛ لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر، وذلك معتبر بمظنته وهي القرابة فأقربهم أشفقهم.
وعلم مما تقدم أنه لا ولاية لغير العصبات؛ كالأخ من الأم، والعم من الأم والخال، وأبي الأم ونحوهم. نص على ذلك أحمد في مواضع. وهو الأصح.
وعنه: أن الولاية لكل من يرثها بفرض أو تعصيب.
والأول المذهب؛ لما روي عن علي أنه قال: " إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى " (^٢) يعني: إذا أدركن رواه أبو عبيد في " الغريب ".
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٥٤) ٦: ٨١ كتاب النكاح، إنكاح الابن أمه.
(٢) رواه أبو عبيد في " الغريب " ٢: ١٤١.
[ ٩ / ٥٧ ]
ولأن من ليس من عصباتها شبيه بالأجنبي منها.
(ثم) يلي نكاح الحرة عند عدم عصبة نسب (المولى المنعم) وهو معتقها؛ لأنه يرثها ويعقل عنها عند عدم عصبتها من النسب فكان له تزويجها. وقدم عليه المناسبون كما قدموا عليه في الإرث.
(ثم عصبته) يعني: عصبة المولى المعتق من بعده: (الأقرب فالأقرب)
منهم على ترتيب الميراث، ثم مولى المولى، ثم عصباته كذلك، ثم مولى مولى المولى كذلك أبدًا.
(ثم) إذا عدم العصبة من النسبة والولاء يلي نكاح الحرة (السلطان، وهو: الإمام) الأعظم (أو نائبه).
قال أحمد: والقاضي أحب إليَّ من الأمير في هذا.
(ولو من بغاة إذا استولوا على بلد).
قال في " الإنصاف ": وإذا استولى أهل البغي على بلد جرى حكم سلطانهم وقاضيهم في ذلك مجرى الإمام وقاضيه. قاله المصنف والشارح يعني: الموفق وشارح " المقنع " وغيرهما. انتهى.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا، فإن
أباه حاكم إلا بظلم " كطلبه جعلًا لا يستحقه صار وجوده كعدمه. انتهى.
(فإن عدم الكل) أي: عدم عصبة المرأة من النسب والولاء وعدم السلطان والقاضي من المكان الذي به المرأه (زوَّجها ذو سلطان في مكانها،. كعَضْل) أي: كما لو عضل وليها مع عدم الإمام ونائبه في مكانها.
قال في " الفروع ": والصحيح ما نقل عن أحمد وغيره: يزوجها ذو السلطان في ذلك المكان كالعضل. انتهى.
(فإن تعذر) ذو السلطان في مكأنه ا (وكلت) عدلًا في ذلك المكان
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي قي " السنن الكبرى " ٧: ١٢٠ كتاب النكاح، باب ما جاء في إنكاح اليتيمة
[ ٩ / ٥٨ ]
يزوجها، فإن أحمد قال في دهقان قرية: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفؤ والمهر، إذا لم يكن في الرستاق قاض.
ووجه ذلك: أن اشتراط الولي في هذه الحالة يمنع النكاح بالكلية. فلم يجز؛ كاشتراط كون الولي عصبة في حق من لا عصبة لها. وهذا على الأصح.
(وولي أمة ولو) كانت الأمة (آبقة: سيدها)؛ لأنه مالكها وله التصرف في رقبتها في البيع، وفي التزويج أولى. ولهذا يصح أن يزوجها.
(ولو) كان (فاسقًا)؛ لأن تزويجه إياه تصرف فى ماله، (أو) كان (مكاتبًا) وأذن له سيده في تزويج إمائه.
(وشُرط في ولي) أي: في ثبوت الولاية له سبعة شروط على خلاف في بعضها:
الأول: (ذكوريَّة)؛ لأن المرأة لا تثبت لها ولاية على نفسها فعلى غيرها أولى.
(و) الثانى: (عقل)؛ لأن الولاية إنما تثبت نظرا للمولى عليه عند عجزه
عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، ولا يلي نكاح (^١) نفسه فغيره أولى. وسواء في ذلك من لا عقل له لصغره، أو من ذهب عقله لجنون أو كبر فأما الإغماء فلا تزول الولاية به؛ لأنه يزول عن قرب فهو كالنوم. ولذلك لا تثبت الولاية على المغمى عليه. ويجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومن كان يخنق في الأحيان لم تزل ولايته؛ لأنه لا يدوم زوال عقله فهو كالإغماء.
(و) الثالث: (بلوغ)؛ لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال؛ لأنه اتنفيذ التصرف في حق غيره، والصبي مولى عليه لقصوره. فلا تثبت له ولاية؛ كالمرأة.
قال أحمد: لا يزوج الغلام حتى يحتلم، ليس له أمر.
(و) الرابع: (حرية) يعني: كمالها؛ لأن العبد والمبعض لا يستقلان بالولاية على أنفسهما فعلى غيرهما أولى.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ٥٩ ]
(إلا مكاتبًا يزوِّج أمته). وتقدم ذلك.
(و) الخامس: (اتفاق دين) أي: اتفاق دين الولي والمولى عليها. فلا تثبت لكافر ولاية على مسلمة، ولا لنصرانى ولاية على مجوسية ونحو ذلك؛ لأنه لا توارث بينهما بالنسب. ويستثنى من ذلك ثلاث صور أشير إلى الأولى منها بقوله:
(إلا أم ولد لكافر أسلمت)؛ لأنها مملوكته فيلي نكاحها؛ كما لو لم يكن كافرًا.
ولأنه عقد عليها. فيليه؛ كإجارتها.
وإلى الصورة الثانية أشار بقوله: (وأمة كافرة لمسلم) فإن له أن يزوجها لكافر؛ لأنها لا تحل للمسلمين.
وإلى الصورة الثالثة بقوله:
(والسلطان)؛ لأن له الولالة على من لا ولي لها من أهل الذمة؛ لأن ولايته عامة على أهل دار الإسلام وهذه من أهل الدار. فتثبت الولاية عليها؛ كالمسلمه التى لا ولي لها.
(و) الشرط السادس: (عدالة) نصًا؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال:
" لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد " (^١) .
قال أحمد: أصح شيء في هذا قول ابن عباس. يعني: وقد روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل. وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل " (^٢) .
وروى البرقانى بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٢٦ كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين.
(٢) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٢٤ كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولى مرشد.
(٣) أخرجه البيهقي في، السنن الكبرى " ٠ ١: ١٤٨ كتاب الشهادات، باب الشهادة في الطلاق
[ ٩ / ٦٠ ]
ولأنها ولاية نظر. فلا يستبد بها الفاسق؛ كولاية المال، لكن لا يشترط
كون الولي عدلًا باطنًا وظاهرًا، ولهذا قلت:
) ولو ظاهرة)،
قال فى " الإنصاف " بعد أن صحح اشتراط العدالة في الولي: فعلى المذهب: يكفي مستور الحال، على الصحيح من المذهب. وحمل صاحب " التصحيح " كلام المصنف عليه وجزم يه في " الكافى " و" المحرر " و" المستور " وغيرهم.
قلت: وهو الصواب. انتهى.
ويستثنى من ذلك صورتان أشير إلى الأولى منهما يقوله:
(إلا فى سلطان).
قال في " الإنصاف ": محل الخلاف في اشتراط العدالة في غير السلطان،
أما السلطان فلا يشترط فى تزويجه العدالة على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى،
وإلى الصورة الثانية بقوله:
(وسيد) يعنى: أنه لا يشترط العدالة في سيد يزوج أمته؛ لأن ذلك تصرف
في أمته؛ كما لو أجبرها.
(و) الشرط السابع فى الولي: (رشد).
قال في " الأنصاف ": اشترط في " المحرر " و" الوجيز " و" النظم "
و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " وغيرهم الرشد في الولي، انتهى.
(وهو) أي: الرشد هنا (معرفة الكفء ومصالح النكاح).
قال الشيخ تقي الدين. الرشد هنا هو المعفة بالكفء ومصالح النكاح،
ليس هو حفظ المال. فإن رشد كل مقام بحسبه.
_________________
(١) = والرجعة . .. عن عائشة.
[ ٩ / ٦١ ]
واشترط في "الواضح " كونه عالمًا بالمصالح لا شيخا كبيرًا جاهلًا بالمصلحة.
وقاله القاضي وابن عقيل وغيرهما. وهو قريب من كلام الشيخ تقي الدين.
وظاهر ما تقدم: أنه لا يشترط كونه بصيرًا وهو كذلك، لأن شعيبًا ﵊ زوج ابنته وهو أعمى.
ولأن المقصود في النكاح يعرف بالسماع وبالاستفاضة فلا يفتقر إلى النظر.
ولا كونه متكلمًا إذا فهمت إشارته، لأنه اتقوم مقام نطقه في جميع العقود. (فإن) كان لامرأة وليان أحدهما أقرب، كأخ والآخر أبعد كعم، و(كان الأقرب طفلًا، أو كافرًا، أو فاسقًا، أو عبدًا، أو) كان الأقرب متصفًا بصفة الولاية، لكنه (عضل: بأن منعها كفؤًا رضيته، ورغب) فيها (بما صح مهرًا، ويفسق) العاضل (به) أي: با لعضل: (إن تكرر) منه، (أو غاب) الأقرب (غيبة منقطعة، وهي) أي: والغيبة المنقطعة (ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة) على الأصح، (أو جهل مكأنه) أي: مكان الأقرب، (أو تعذرت مراجعته) أي: مراجعة الأقرب (بأسر أو حبس) أو نحوهما: (زوَّج) المرأة إن كانت (حرة أبعد) الوليين.
أما كون الأبعد يزوج الحرة إذا كان الأقرب طفلًا أو كافرًا وهي مسلمة أو فاسقًا
أو عبدًا " فلأن الولاية لا تثبت للقرب مع إتصافه بما ذكر. فيكون وجوده كعدمه. وأما كون الأبعد يزوجها مع عضل الأقرب على الأصح، فلتعذر التزويج من
جهة الأقرب. فأشبه ما لو جن.
ولأنه يفسق بالعضل. فتنتقل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر.
فإن عضل الأبعد أيضًا زوجها الحاكم، لقول النبي ﷺ: " فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " (^١)، لتعذر تزويجها من جهتهم، لأن قوله: " فإن اشتجروا " ضمير جمع يتناول جميع الأولياء.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٢) رقم (٢).
[ ٩ / ٦٢ ]
وأما كون الأبعد يزوجها إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة دون السلطان، لقوله ﷺ: " السلطان ولي من ولا ولي له " (^١) . وهذه لها ولي.
واختلف الأصحاب في الغيبة المنقطعة والأصح: أنها ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة كما في المتن، لنص أحمد عليه في رواية عبد الله. واختاره الموفق والمجد. وعنه: يكفي مسافة قصر.
وعنه: ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة. واختاره القاضي.
[واختار الخرقي] (^٢) ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يصل جوابه.
وقيل: ما تستضر به الزوجة.
وقيل: فوت كفء راغب.
وأما كون الأبعد يزوجها عند تعذر مراجعة الأقرب بأسر أو حبس أو نحوهما
أو جهل مكانه " لأنه إذا لم تمكن مراجعته صار كالبعيد.
(و) إن كانت المرأة (أمة) والغائب ونحوه سيدها زوجها (حاكم)، لأن
له النظر في أموال الغياب ونحوهم.
(وإن زوج) المرأه (حاكم) مع وجود ولي لها، (أو) زوجها ولي (أبعد بلا عذر للأقرب) إليها منه: (لم يصح) النكاح على الأصح، لأن الحاكم والأبعد لا ولاية لهما مع من هو أحق منهما. أشبه ما لو زوجها أجنبي ليس بحاكم.
(فلو كان الأقرب) حالة تزويج الحاكم أو تزويج الأبعد (لا يُعلم أنه عصبة) ثم علم لم يعد العقد.
(أو) زوجها حاكم أو وليها الأبعد مع كون المعهود عدم أهلية الأقرب لصغره، ثم تبين (أنه صار) أهلًا ببلوغه قبل تزويج الحاكم أو تزويج الأبعد.
(أو) جن وليها الأقرب فزوجها الحاكم أو وليها الأبعد اعتمادًا على بقاء
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٢) رقم (٢).
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٦٣ ]
جنون الأقرب، ولم يعلم أنه (عاد أهلًا) حالة تزويج الحاكم أو الأبعد (بعد مناف) وهو الجنون، (ثم عُلم) أنه عقل بعد تزويجها لم يعد العقد.
(أو استلحق بنت ملاعنة أب بعد عقد) عليها ممن له عليها ولاية: (لم يعد) العقد استصحابًا للأصل في جميع الصور المتقدمة.
(ويلي كتابي نكاح موليته الكتابية) كبنته وأخته، لقوله ﷾: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [لأنفال: ٧٣].
(حتى) لو زوَّجها (من مسلم) في الأصح، لأنه وليها. فيصح تزويجه لها؛ كما لو زوجها من كافر.
(ويباشره)، لأنها امرأة لها ولي مناسب. فجاز أن يباشر نكاحها، كما لو زوجها من ذمي.
(ويشترط فيه) أي: في ولي الذمية (شروط) الولي (المسلم) من البلوغ والعقل وغيرهما، ما عدا الإسلام.
[ ٩ / ٦٤ ]
[فصل: في وكيل الولي]
(فصل. ووكيل كل (^١) ولي). ممن تقدم (يقوم مقامه)، حالة كون الموكل (غائبًا، و) حالة كونه (حاضرًا)، وسواء كان الولي مجبرًا أو غير مجبر " لأنه عقد معاوضة. فجاز التوكيل فيه، كالبيع، وقياسًا على توكيل المزوج " لأنه روي " أن النبي ﷺ وكّل أبا رافع في تزويجه ميمونة " (^٢)، " ووكّل عمرو (^٣) بن أمية الضمري في تزويجه أم حبيبة " (^٤) .
(وله) أي: وللولي إن لم يكن مجبرًا (أن يوِّكل قبل إذنها) أي: إذن
موليته (وبدونه) أي: دون إذن موليته " لأنه إذن من الولي في التزويج فلا يفتقر إلى إذن المرأة، ولا الإشهاد عليه، كإذن الحاكم.
ولأن الولي ليس بوكيل المرأة، بدليل أنها لا تملك عزله من الولاية.
(ويثبت لوكيل) أي: وكيل الولي (ما له) أي: ما للولي (من إجبار وغيره)، لأنه نائبه فيثبت له ما يثبت للمنوب عنه.
وكذلك الحكم في السلطان والحاكم يأذن لغيره في التزويج.
(لكن لا بد من إذن) مولية (غير مجبرة) أي: وكيل وليها. (فلا يكفي إذنها لوليها بتزويج أو توكيل فيه) أي: في تزويجها، (بلا مراجعة وكيل لها) أي: لغير المجبرة.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٤١) ٣: ٠ ٢٠ كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٤ ٢٧٢) ٦: ٣٩٣.
(٣) في الأصول: عمر. والصواب ما أثبتناه.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٣٩ كتاب النكاح، باب الوكالة في النكاح.
[ ٩ / ٦٥ ]
قال في " الإنصاف ": وإن كانت ولايته ولاية مراجعة احتاج الوكيل إلى إذنها ومراجعتها في زواجها؛ لأنه نائب عنه فيثبت له ما يثبت لمن ينوب عنه. وكذا الحكم في السلطان والحاكم يأذن لغيره في التزويج فيكون المأذون له قائمًا مقامه. وقال المصنف والشارح في باب الوكالة: والذي يعتبر إذنها فيه للوكيل هو
غير ما يوكل فيه الموكل، بدليل أن الوكيل لا يستغني عن إذنها في التزويج، فهو كالموكل في ذلك. انتهى.
(وإذنها) أي: إذن المولية غير المجبرة (له) أي: لوكيل وليها إنما يكون (بعد توكيله) أي: توكيل وليها؛ لأنه قبل أن يوكله الولي أجنبي وبعد توكيله ولي. (فلو وكل ولي) في تزويج موليته التي ليست بمجبرة، (ثم أذنت لوكيله) أي: وكيل وليها في تزويجها فزوجها: (صح) تزويجه، (ولو لم تأذن للولي)؛ لأن وكيله قائم مقامه.
(ويُشترط في وكيل ولي ما يُشترط فيه) أي: في الولي من ذكورية وبلوغ وغيرهما؛ لأنها ولاية. فلا يصح أن يباشرها غير أهلها.
ولأنه لما لم (^١) يملك تزويج مناسبته بولاية النسب. فلأن لا (^٢) يملك تزويج مولية غيره بالتوكيل أولى.
(ويصح توكيل فاسق ونحوه في قبول) لنكاح؛ لأن الفاسق يصح قبوله النكاح لنفسه فصح لغيره.
ومن نحو ذلك المسلم يوكل النصراني في قبول نكاح زوجته الكتابية؛ لصحة قبوله ذلك لنفسه.
(ويصح توكيله) أي: توكيل الولي في إيجاب النكاح توكيلًا (مطلقًا؛ كـ) قوله لوكيله: (زوِّج من شئت).
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) في ج: فلا.
[ ٩ / ٦٦ ]
قال أحمد في رواية عبد الله في الرجل يولي على أخته أو بنته يقول: إذا وجدت من ترضاه فزوجه فتزويجه جائز.
وروي أن رجلًا من العرب ترك ابنته عند عمر، وقال: إذا وجدت كفؤًا فزوجه ولو بشراك نعله. فزوجها عثمان بن عفان فهي أم عمرو بن عثمان. واشتهر ذلك فلم ينكر.
ولأنه إذن في النكاح. فجاز مطلقًا، كإذن المرأة.
(ولا يملك) الوكيل (به) أي: بهذا التوكيل المطلق (أن يزوجها من نفسه) يعني: من غير إذن الموكل كالوكيل في البيع، لأن إطلاق الإذن يقتضي تزويجها غيره.
(ومقيدًا) يصح توكيله توكيلًا، (كزوِّج زيدًا)، أو زوِّج هذا.
(وإن قال) الولي لوكيله في إيجاب النكاح: (زوِّج) من وكيلي (^١) خاطب
بنتي زيد، (أو) قال الزوج لوكيله في قبول النكاح: (اقبل) النكاح (من وكيله) أي: وكيل ولي زوجتي (زيد، أو) قال الولي أو الزوج: زوج أو اقبل من (أحد وكيليه) وأبهم، وللولي أو الزوج وكيلًا ن أحدهما زيد والآخر عمرو، (فزوج) وكيل الولي من وكيله أي: وكيل الزوج عمرو، (أو قبِل) وكيل الزوج النكاح (من وكيله عمرو: لم يصح) النكاح، للمخالفة فيما إذا قال: من وكيله زيد وللإبهام فيما إذا قال: من أحد وكيليه.
(ويشترط) لصحة النكاح مع وجود التوكيل في الإيجاب والقبول أو في أحدهما (قول ولي) لوكيل زوج، (أو) قول (وكيله) أي: وكيل الولي (لوكيل زوج: زوَّجت فلانة فلانًا، أو) زوجت فلانة (لفلان، أو) يقو ل ولي أو وكيله: (زوَّجت موكلك فلانًا فلانة) ولا يقول في واحدة من الصور الثلاث منك.
(و) يشترط (قول وكيل زوج: قبلته) أي: قبلت النكاح (لموكلي
_________________
(١) في أوب: وكيل
[ ٩ / ٦٧ ]
فلان، أو) قبلته (لفلان) ولا يصح إن لم يقل لفلان في الأصح.
(و) يستفاد ولاية النكاح بالوصية على الأصح وفاقًا لمالك وهو قول الحسن وحماد بن سليمان.
وعنه: لا يستفاد بالوصية، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي وابن المنذر قالوا: لأنها ولاية تنتقل إلى غير الموصى شرعا. فلم يجز أن يوصي بها " كالحضانة.
ولأنه ولاية نكاح. فلم تجز الوصية بها؛ كولاية الحاكم.
ولنا: أنها ولاية ثابتة للموصي. فجازت وصية بها " كولاية المال.
وما ذكروه يبطل بولاية المال.
ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته ويكون نائبه قائمًا مقامه. فجاز أن يستنيب فيها بعد موته.
إذا تقرر هذا فإنه يكون (وصي ولي أب أو غيره) أي: وصي غير الأب؛ كالأخ والعم (في) إيجاب (نكاح، بمنزلته) أي: منزلة الموصي: (إذا نصَّ) الموصي (له) أي: للوصي (^١) (عليه) أي: على النكاح. فمن أوصى إنسانًا على أولاده الصغار بالنظر في أمرهم لم يملك بذلك تزويج أحد منهم.
وإن قال: أوصي إليك أن تزوج من شئت منهم ملك التزويج.
(فيُجبر) الوصي (من يجبره) الموصي لو كان حيّا: (من ذكر وأنثى).
وقال مالك: إن عين الأب الزوج ملك إجبارها، صغيره كانت أو كبيره،
وإن لم يعين الزوج وكانت ثيبًا كبيرة صحت الوصية واعتبر إذنها، وإن كانت صغيرة انتظرنا بلوغها. فإذا أذنت جاز أن يزوجها بإذنها.
ولنا: أن من ملك التزويج إذا عين له الزوج ملكه مع الإطلاق.
(ولا خيار) لمن زوجها الوصى صغيرة (ببلوغ)؛ لأن الوصي قائم مقام الموصي. فلم يثبت في تزويجه خيار؛ كالوكيل.
_________________
(١) في ب: للموصي.
[ ٩ / ٦٨ ]
[فصل: إذا تساوى الوليان في الدرجة]
(فصل. وإن استوى وليان فأكثر) لامرأة، (فى درجة)؛ كإخوة لها كلهم لأبوين أو كلهم لأب، أو أعمام كذلك، أو بني إخوة كذلك، أو بني أعمام كذلك: (صح التزويج من كل واحد) من المستويين، لأن سبب الولاية موجود في كل واحد منهم.
(والأولى: تقديم أفضل) أي: أفضل المستويين في الدرجة، فأن استووا
في الفضل (فأسن)؛ " لأن النبي ﷺ لما تقدَّم إليه محيصة وحويصة وعبدالرحم بن سهل وكان أصغرهم، فقال النبى ﷺ: كبِّر كبِّر. أي: قدم الأكبر. فتكلم حويصة " (^١) .
ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ.
(وإن تشاحوا) أي: الأولياء المستوون في الدرجة فيمن يزوج منهم (أُقرع) بينهم " لأنهم تساووا في الحق وتعذر الجمع بينهم (^٢) . (فإن سبق غير من قرع) أى: غير من خرجت له القرعة (فزَّوج وقد أذنت لهم) أي: لكل واحد منهم: (صح) في الأصح؛ لأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية بإذن. موليته. فصح منه، كما لو انفرد بالولاية.
ولأن القرعة إنما شرعت لإزالة المشاحة.
(وإلا) أي: وإن لم تأذن إلا لبعضهم: (تعيَّن) للتزويج (من أذنت له). فلا يصح أن يزوجها من لم تأذن له.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٠٠٢) ٣: ١١٥٨ كتاب الجزية، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره .
(٢) زبادة من ج.
[ ٩ / ٦٩ ]
(وإن زوَّج وليان) امرأة مستويان في الدرجة من لهما الولاية عليها (لاثنين)
بأن زوجها أحدهما لزيد والآخر لعمرو، (وجهل السبق مطلقًا) بأن جهل هل وقعا معًا أو أيهما زوج أولًا، (أو عُلم سابق ثم نُسي، أو عُلم السبق) بأن علم أن أحد العقدين سبق الآخر (وجُهل السابق: فسخَهما حاكم) على الأصح. نص على ذلك أحمد في رواية الجماعة.
(وإن علم وقوعهما معًا) أي: وقوع العقدين في وقت واحد: (بطلا)
أي: كان الحكم فيهما أنهما باطلان من أصلهما لا يحتاجان إلى فسخ، ولا توارث فيهما، ولا مهر لها على واحد منهما.
(ولها في غير هذه) الصورة، وهي: ما إذا عُلم وقوعهما معًا (نصف المهر) على أحدهما (بقرعة) في الأصح بأن يقرع بين الزوجين. فمن خرجت عليه القرعة أخذ منه نصف المسمى؛ لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ نكاحه قبل الدخول. فوجب عليه نصف المهر.
(وإن ماتت) قبل فسخ الحاكم نكاحهما (فلأحدهما نصف ميراثها بقرعة) يعني: يقترعان عليه فيأخذه من خرجت له القرعة، (بلا يمين) في الأصح.
(وإن مات الزوجان) أي: الرجلان (فإن كانت أقرَّت بسبق لأحدهما: فلا إرث لها من الآخر، وهي تدَّعي ميراثها ممن أقرَّت له) بالسبق، (فإن كان ادَّعى ذلك) أي: ادعى السبق (أيضًا) قبل موته: (دُفع إليها) إرثها منه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ادعى ذلك قبل موته (فلا) تأخذ شيئًا (إن أنكر ورثته). ولها تحليفهم، فإن نكلوا قضي عليهم.
(وإن لم تكن) امرأة (أقرَّت بسبق) لواحد منهما: (ورثت من احدهما بقرعة)
في الأصح، بأن يقرع بين الرجلين، فمن خرجت عليه القرعة فلها إرثها منه.
وقد روى حنبل عن أحمد في رجل له ثلاث بنات زوج إحداهن من رجل ثم
مات الأب ولم يعلم أيتهن زوج: يقرع فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه.
[ ٩ / ٧٠ ]
(ومن زوَّج عبده الصغير بأمته) جاز أن يتولى طرفي العقد بلا نزاع؛ لأنه
عقد بحكم الملك لا بحكم الإذن.
(أو) زوج (ابنه ببنت اخيه، أو) زوج (وصي في نكاح صغيرًا بصغيرة
تحت حِجره، ونحوه: صح أن يتولى طرفي العقد.
وكذا ولي) امرأة (عاقلة تحل له؛ كابن عم، ومولى، وحاكم: إذا أذنت له) في تزويجها. فإنه يصح أن يتولى طرفي العقد أيضًا على الأصح؛ لما روى البخاري قال: " قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة قارظ (^١) أتجعلين أمرك إليّ؛ قالت: نعم. قا ل: قد تزوجتك " (^٢) .
ولأنه يملك الإيجاب والقبول. فجاز أن يتولاهما؛ كما لو زوج أمته عبده الصغير. ولأنه عقد وجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية والقبول من زوج هو أهل للقبول. فصح؛ كما لو وجدا من رجلين.
(أو وكّل زوج وليّا) أي: ولي المخطوبة في قبول نكاح الزوج من نفس
الولي يعني: فإنه يجوز للولي تولي طرفي العقد.
(أو عكسه) وهو: أن يوكل الولي الزوج في إيجاب النكاح لنفسه. فإذا
فعل ذلك جاز للزوج أن يتولى طرفي العقد.
(أو وكَّلا) أي: الولي والزوج رجلًا (واحدًا)، بأن يوكله الولي في الإيجاب ويوكله الزوج في القبول. فإذا فعلا ذلك جاز للوكيل عنهما تولي طرفي العقد.
(ونحوه) أي: ونحو ما تقدم من الصور. ويمكن أن يقال: ونحو النكاح
من العقود؛ كما لو وكل البائع والمشتري واحدًا، أو المؤجر والمستأجر واحدًا فإنه يجوز له أن يتولى طرفي العقد.
_________________
(١) في الأصول: قارض. وما أثبتناه من " الصحيح ".
(٢) ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا ٥: ١٩٧٢ كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب.
[ ٩ / ٧١ ]
ولا يشترط فيمن يتولى طرفي العقد أن يأتي بالإيجاب والقبول في الأصح. (ويكفي) قوله: (زوّجت فلانًا فلانة) من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها، (أو) يقول: (تزوجتها) أي: تزوجت فلانة (إن كان هو الزوج)، من غير أن يقول: وقبلت نكاحها لنفسي، (أو وكيله). فيصح أن يقول وكيل الزوج: تزوجت فلانة لوكيل فلان من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها. ويستثنى من ذلك صورتان أشار إليهما بقوله: (إلا بنت عمه وعتيقته المجنونتين) فإنه لا يكفي تولي طرفي العقد إذا أراد أن يتزوجهما، (فيشترط) لصحة النكاح إذا أراد أن يتزوجهما (ولي غيره أو حاكم)؛ لأن الولي إثما جعل للنظر للمولى عليه وللاحتياط له. فلا يجوز له التصرف لنفسه فيما هو مولى عليه لمكان التهمة؛ كالوكيل في البيع لا يبيعه من نفسه لذلك. فيزوجه ولي غيره، إما قريب أبعد منه إن وجد أو الحاكم؛ لتنتفي التهمة بذلك.
[ ٩ / ٧٢ ]
[فصل: في جعل العتق صداق الأمة]
(فصل. ومن قال لأمته التي يحل له نكاحها إذا) أي: في ذلك الوقت (لو كانت حرة) " لتدخل الكتابية، ولتخرج المجوسية والوثنيه والمعتدة " لعدم حل كل منهن حين ذاك. ويشمل قوله: لأمته جميع الإماء: (من قِنِّ، أو مدبرة، أو مكاتبة، أو معلَّق عتقها بصفة، أو أم ولده: أعتقتُك وجعلت عتقك صداقك، أو جعلت عتق أمتي صداقها، أو) جعلت (صداق أمتي عثقها، أو) قال: (قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها، أو) قال: (أعتقتها على أن عتقها صداقها، أو) قال: (أعتقتُك على أن أتزوجُك، وعتقي) صداقك، (أو وعتقُك صداقُك: صح) النكاح والعتق في جميع هذه الصور على الأصح. (وإن لم يقل: وتزوجتك، أو) لم يقل: (وتزوجتها) في الأصح، لأن قوله: وجعلت عتقها صداقها تضمن ذلك.
والأصل في ذلك ما روى أنس " أن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها " (^١) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٦٤) ٤: ٥٣٨ ١ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٦٥) ٢: ١٠٤٥ كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٥٤) ٢: ٢٢١ كتاب النكاح، باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها. وأخرجه الترمذي في " جامعه (١١١٥) ٣: ٤٢٣ كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يعتق الأمة ثم يتزوجها. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٤٢) ٦: ٤ ١ ١ كتاب النكاح، باب التزويج على العتق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٩٧٥) ٣: ٩٩.
[ ٩ / ٧٣ ]
وما روى الأثرم بإسناده عن صفية قالت: " أعتقني رسول الله ﷺ وجعل
عتقي صداقي ".
وبإسناده عن علي أنه كان يقول: " إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها فلا بأس بذلك ".
ولأن العتق يجب تقديمه على النكاح ليصح وقد شرطه صداقًا. فيتوقف صحة العتق على صحة النكاح؛ ليكون العتق صداقًا فيه، وقد ثبت العتق فيصح النكاح.
ومحل صحة ذلك: (إن كان) الكلام (متصلًا). فلو قال: أعتقتك وسكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي ئم قال: وجعل عتقك صداقك لم يصح النكاح؛ لأنها صارت بالعتق حرة فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد.
ومحل صحة ذلك أيضًا: إن كان ذلك (بحضرة شاهدين) على الأصح.
نص على ذلك في رواية الجماعة؛ لقوله ﷺ: " لا نكاح إلا بولي وشاهدين " (^١) . ذكره أحمد في راوية ابنه عبد الله.
(ويصح جعل صداق مَن بعضها حر عتق البعض الآخر) بشرطه.
قال في " الإنصاف ": وأما المعتق بعضها فصرح القاضي في " المجرد "
بأنها كالقن في ذلك. وتبعه ابن عقيل والحلوانى. انتهى.
ومعنى ذلك: أن عتق البعض يصح أن يكون صداقًا.
(ومن طُلِّقت) ممن جعل عتقها صداقها (قبل الدخول: رجع عليها)
سيدها (بنصف قيمة ما أعتق) منها. نقله الجماعة. فتجبر على الإعطاء إن كانت مليئة بذلك، (وتجبر على الاستِسْعاء غير مليئة) بذلك، أو بما فضل عليها إن كانت غير مليئة بكله على الأصح؛ لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها وقد فرض لها نفسها، ولا سبيل إلى الرجوع في
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٥٥.
[ ٩ / ٧٤ ]
رق بعد زواله. فرجع بنصف قيمة ما أعتق منها، لأنه صداقها.
(ومن أعتقها) سيدها (بسؤالها) أن يعتقها (على أن تنكحه، أو قال)
لها: (أعتقتُك على أن تنكحيني فقط) يعني: ولم يزد على ذلك، (ورضيت: صح) العتق، ولم يلزمها أن تنكحه، لأن العتق وقع سلفًا في نكاح. فلم يلزمها " كما لو أسلف حرة ألفًا على أن يتزوجها.
(ثم إن نكحته) لم يكن عليها له شيء، لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض وقد سلم له. فلم يكن عليها غيره.
(وإلا) أي: وإن لم تنكحه (فعليها قيمة ما أعتق) من كلها أو بعضها "
لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض لم يسلم له. فاستحق الرجوع بقيمته " كالبيع الفاسد إذا تلفت السلعة بيد المشتري، والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول. وتعتبر القيمة حال الإعتاق " لأنه حاله الإتلاف.
(وإن قال) لأمته: (زوّجتُكِ لزيد وجعلتُ عتقك صداقك ونحوه) وقيل: صح.
قال الشيخ تقي الدين: لو أعتقها وزوجها لغيره وجعل عتقها صداقها فقياس المذهب صحته، ويحتمل: أن يكون مخصوصا بالسيد. انتهى.
(أو) قال لها: (أعتقتك وزوجتُك له) أي: لزيد (على ألف، وقبل فيهما) أي: في الصورتين: (صح، كأعتقتُك وأكريتُك منه) أي: من زيد (سنة بألف).
قال الشيخ تقي الدين: لو قال: أعتقت أمتي وزوجتكها على ألف فقياس المذهب جوازه، فإنه مثل قوله: أعتقتها وأكريتها (^١) منك سنة بألف. وهذا بمنزلة استثناء الخدمة.
_________________
(١) في ب: واكتريتها.
[ ٩ / ٧٥ ]
[فصل: في الشهادة]
(فصل. الرابع) من شروط صحة النكاح: (الشهادة) عليه على الأصح،
احتياطًا للنسب خوف الإنكار، (إلا على النبي ﷺ) إذا تزوج أو زوّج للأمن من الإنكار.
والأصل في ذلك ما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا بد في النكاح من
حضور أربعة: الو لي والزوج والشاهدان " (^١) رواه الدارقطني.
وعن أبن عباس أن النبي ﷺ قال: " البغايا اللواتي ينكحن أنفسهن بغير بينة " (^٢) رواه الترمذي.
ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد. فاشترطت الشهادة فيه؛
لئلا يجحده أيوه فيضيع نسبه. بخلاف غيره من العقود.
إذا تقرر هذا (فلا ينعقد) النكاح (إلا بشهادة ذكرين بالغين) على الأصح
(عاقلين، متكلمين سميعين، مسلمين ولو أن الزوجة ذمية، عدلين ولو ظاهرًا)
في الأصح؛ لأن الغرض من الشهادة إعلان النكاح، وأن لا يكون مستورًا ولهذا
يثبت بالتسامع.
فإذا حضر من يشتهر بحضوره صح (فلا يُنقض لو بانا فاسقين)؛ لأن النكاح
يكون في القرى والبوادي وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار
ذلك يشق فاكتفي بظاهر الحال فيه.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩) ٣: ٢٢٤ كتاب النكاح.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٠٣) ٣: ٤١١ كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا ببينة.
[ ٩ / ٧٦ ]
ولو أقر رجل وامرأة أنهما متناكحان بولي وشاهدي عدل مبهمين ثبت النكاح
باقراهما.
(غير متهمين لرحم) يعني: أنه يشترط في الشاهدين كونهما غير متهمين لرحم، كأبا الزوج أو الزوجة أو أبنائهما في الأصح، لأنهم لا تقبل شهادتهم للزوجين، سواء كانوا آبائه م أو أبنائهم.
ولا يشترط كون الشاهدين بصيرين فيصح (ولو أنهما ضريران)، لأنها شهادة على قول. فقبلت من الضريرين، كالشهادة بالاستفاضة، لكن يعتبر أن يتيقن الصوت على وجه لا يشك فيهما، كما يعلم ذلك من رآهما.
(أو) أن الشاهدين (عدّوا الزوجين، أو) عدوا (أحدهما) أي: أحد الزوجين، (أو) عدوا (الولي). يعني: أن النكاح ينعقد مع كون الشاهدين عدوين للزوجين والولي في الأصح، لأنه ينعقد بهما نكاح غير هذين الزوجين. فانعقد بهما هذا النكاح " كسائر العدول.
(ولا يبطله) أي: يبطل العقد (تواص بكتمانه) على الأصح. قدمه في" الفروع "، لأنه لا يكون مع الشهادة عليه مكتومًا.
(ولا تشرط الشهادة بخلوِّها) أي: خلو الزوجة (من الموانع) لصحة النكاح، لأن الأصل عدمها.
(أو) الشهادة على (إذنها) فينعقد النكاح بدون الشهادة على إذنها ومتى أنكرته ففيه تفصيل يأتي في المتن.
(والاحتياط: الإشهاد) بخلوها من الموانع وبإذنها.
(وإن ادَّعى زوج إذنها، وأنكرت: صُدقت قبل دخول) أي: دخول الزوج عليها مطاوعة؛ [لأن الأصل عدمه] (^١) .
(لا بعده) أي: بعد الدخول؛ لأن في دخول الزوج بها مطاوعة دليلأ على كذبها.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٧٧ ]
الشرط (الخامس) من شروط صحة النكاح: (كفاءة زوج على رواية) وهي المذهب عند أكثر المتقدمين.
(فتكون) الكفاءة على هذه الرواية (حقًا لله تعالى) سبحانه، (ولها) أي: وللزوجة (ولأوليائها كلهم.
فـ) على هذه الرواية (لو رضيت) امرأة (مع أوليائها) أن تتزوج (بغير كفء: لم يصح) النكاح " لفوات شرطه.
(و) على هذه الرواية فالمعتبر وجودها حالة العقد، و(لو) وجدت حالته
ثم (زالت بعد عقد) لم ينفسخ، قيل لأحمد فيمن يشرب المسكر: يفرق بينهما؛ قال: أستغفر الله.
وحيث لم تنفسخ (فلها فقط) أي: دون أوليائها (الفسخ)، كعتقها تحت عبد. واحتج من اختار هذه الرواية بأن منعها تزويج نفسها، لئلا تضعها في غير كفء. فبطل العقد، لتوهم العار فهاهنا أولى.
ولأن لله (^١) فيها نظرّا.
ولأن الولي إذا زوجها بغير كفء يكون فاسقًا.
(وعلى) رواية (أخر ى: أنها) أي: الكفاءة (شرط للزوم) أي: لزوم النكاح، (لا للصحة) أي: صحة النكاح. وهي المذهب عند أكثر المتأخرين.
قال في " المقنع ": وهي أصح.
قال في " الإنصاف ": قال في " الرعايتين ": وهي أولى للآثار. وقدمه
في " المحرر " و" الفروع ".
قلت: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه. انتهى.
وهذا قول أكثر أهل العلم. ويدل له ما روت عائشة " أن أبا حذيفة بن عتبة
_________________
(١) في ب: الله.
[ ٩ / ٧٨ ]
ابن ربيعة تبنى سالمًا وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار " (^١) . رواه البخاري والنسائى وأبو داود.
وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: " رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال " (^٢) رواه الدارقطني.
فتزويج سالم وبلال امرأتين من قريش تدل على جوازه.
وقد " أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد فنكحها بأمره " (^٣) . متفق عليه.
ولأن الكفاءة حق لا يخرج عن المرأة وأوليائها. فإذا رضوا به صح " لأنه إسقاط لحقهم، ولا حجر عليهم فيه.
(فـ) على هذه الرواية (يصح) النكاح مع فقد الكفاءة.
(ومن لم يرض) بغير الكفؤ بعد أن يعقد: (من امرأة وعصبةٍ، حتى من يَحدث منهم (^٤) الفسخ) أي: فسخ النكاح؛ لاشتراط رضى المرأة وجميع الأولياء؛ للزوم العقد على الأصح.
(فيفسخ) أي: فيملك الفسخ (أخ مع رضا أب)، لأن العار في تزويج من
ليس بكفؤ عليهم أجمعين.
(وهو) أي: خيار الفسخ لعدم الكفاءة (على التراخي)، لأنه خيار نقص
في المعقود عليه. أشبه خيار العيب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٧٧٨) ٤: ٤٦٩ ١ كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراَ. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٦١) ٢: ٢٢٣ كتاب النكاح، باب فيمن حرم به. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٢٣) ٦: ٦٣ كتاب النكاح، تزوج المولي العربية. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٦٩٢) ٦: ١ ٢٠.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٠٧) ٣: ٣٠١ باب المهر.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٨٠) ٢: ١١١٤ كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. ولم أره في البخاري.
(٤) ساقط من أ.
[ ٩ / ٧٩ ]
(فلا يسقط إلا بإسقاط عصبة، أو بما يدل على رضاها) أي: رضى الزوجة: (من قول و) من (فعل)؛ كما لو مكنته عالمة بأنه غير كفؤ. (والكفاءة) لغة المماثلة والمساواة، ومنه قوله ﷺ: " المسلمون تتكافأ دماؤهم " (^١) أي: تتساوى. فيكون دم الرفيع منهم؛ كدم الوضيع.
وهي هنا (دين، فـ) على الرواية الأولى (لا تزوج عفيفة) عن الزنا (بفاجر) وهو الفاسق؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته فلا يكون كفؤًا لعدل. ويشهد لذلك قوله ﷾: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وهدا صريح في نفي المساواة.
(ومَنْصِب، وهو: النسب فلا تُزوَّج عربية) من ولد إسماعيل؛ لأنه أبو العرب (بعجمي)؛ لأن عمر قال: " لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء " (^٢) رواه الدارقطني.
ولأن العرب يعتدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصًا وعارًا. فوجب اعتبار النسب لذلك.
(وحرية، فلا تُزوَّج حرة بعبد)؛ لأنه منقوص بالرق ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له.
ولأن ملك السيد لرقبته لشبه (^٣) ملك البهيمة. فلا يساوي الحرة لذلك.
(ويصح) النكاح (إن عتق) العبد (مع قبوله) النكاح؛ كما لو قال له
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٥١) ٣: ٨٠ أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه النسائي في " سننه " (٤٧٤٦) ٨: ٢٤ كتاب القسامة، سقوط القود من المسلم للكافر. عن علي. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٦٨٣) ٢: ٨٩٥ كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماوهم. عن ابن عباس. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٥٩) ١: ١١٩ عن أبي حسان أن عليَّا.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١٩٥) ٣: ٢٩٨ كتاب النكاح، باب المهر.
(٣) في ج: يشبه.
[ ٩ / ٨٠ ]
سيده: أنت حر مع قبولك النكاح، أو يكون السيد وكيلًا عن عبده في قبول النكاح فيقول بعد إيجاب النكاح للعبد: قبلت له هذا النكاح وأعتقته.
قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحته، لأنه لم يمض زمن بعد العقد يمكن الفسخ فيه.
قال في " الإنصاف " أما إن كان قد مسَّه رق أو أباه فالصحيح من المذهب جواز تزويجه بحرة الأصل. اختاره ابن أبي موسى والمصنف والشارح وغيرهم، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في " الأنتصار " وقدمه في " الفروع ". قال في " الرعاية ": فلا تزوج به في رواية. انتهى.
(وصناعة غير زَريَّة) أي: دنيئة. (فلا تُزوج بنت بَزَّاز) أي: الذي يتجر
في البز وهو القماش (بِحجَّام) أي: بمن صناعته الحجامة، (ولا) تزوج (بنت تانىَ صاحب عقار بحائك)، ونحوه، كالكساح والدباغ؛ لأن ذلك نقص في عرف الناس. فأشبه نقص النسب. وقد جاء في حديث: " العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكًا أوحجامًا " (^١) .
فيل لأحمد: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟
قال: العمل عليه يعني: لأنه ورد موافقًا لأهل العرف.
(ويسارٌ بحسب ما يجب لها، فلا تُزَوَّج موسرة بمعسر)، لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها؛ لإخلاله بنفقتها، ومؤنة أولاده. ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة فكذلك إذا كان مقارنًا.
ولأن ذلك نقصًا في عرف الناس يتفاضلون فيه؛ كتفاضلهم في النسب.
وإنما اعتبرت الكفاءة في الرجل دون المرأة؛ لأن الولد يشرف بشرف أبيه
لا بشرف أمه. فلا يعتبر ذلك في الأم.
وتزوج رسول الله ﷺ بصفيه بنت حيي وتسرى بالإماء وقال: " من كانت
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى " مستدركه " عن ابن عمر. ر. " نيل الأوطار " ٦: ١٢٨.
[ ٩ / ٨١ ]
عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " (^١) . متفق عليه.
قال في " الفروع ": وموالي بنى هاشم لا يشاركونهم في الكفاءة في النكاح. نقل الميمونى: مولى القوم من أنفسهم في الصدقة، ولم يكن عنده هذا كهذا في التزويج. ونقل مهنا: إنه كفؤ لهم. ذكرهما في " الخلاف ". وزاد الشافعية على ما سبق أن غير المنتسب إلى العلماء والصلحاء المشهورين ليس كفؤًا للمنتسب إليهما، وأن من به عيب مثبت للفسخ ليس كفؤًا للسليمة منه، وإن لم يثبت الفسخ، فلهم فيه وفي تأثير رق الأمهات وجهان، وأن الحائك ونحوه ليس كفؤًا لبنت الخياط ونحوه، ولا المحترف لبنت العالم، ولا المبتدع للسنية. انتهى.
***
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٩٥) ٥: ١٩٥٥ كتاب النكاح، باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها. عن بردة عن أبيه. وأخرجه ابن ماجه في "سننه " (١٩٥٦) ١: ٦٢٩ كتاب النكاح، باب الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها عنه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٧٢٧) ٤: ٤ ١ ٤.
[ ٩ / ٨٢ ]
[باب: المحرمات في النكاح]
هذا (باب) يذكر فيه من يحرم نكاحهن وما يحرمه.
ثم (المحرمات في النكاح ضربان) أي: صنفان:
(ضرب) منهما يحرمن (على الأبد، وهن) أي: واللائي يحرمن على
الأبد (أقسام) خمسة:
(قسم) منها وهو الأول: اللائي يحرمن (بالنسب. وهن سبع: الأم) وهي الوالدة، (والجدة لأب) وهي أم الآباء وإن علت، (أو أم) أي: والجدة لأم وهي أم الأم وأم آبائها (وإن علت)؛ لقوله ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وأمهاتك: كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك، أو مجازًا وهي التي ولدت من ولدك وإن علت. ومن ذلك جدتاك أم أمك وأم أبيك، وجدتا أمك، وجدتا أبيك، وجدتا جدتيك، وجدتا أجدادك وإن علون، وارثات [كن أو غير وارثات] (^١) كلهن أمهات محرمات. ذكر أبو هريرة (^٢) هاجر أم إسماعيل فقال رسول الله: " تلك أمكم يا بني ماء السماء ".
وفي الدعاء المأثور: " اللهم لِلَّهِ صلي على أبينا آدم وأمنا حوى ".
(والبنات) لصلب، (وبنات الولد وإن سفل)، وارثات كن أو غير وارثات كلهن بنات محرمات؛ لقوله ﷾: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، حتى (ولو) كن (منفيات بلعان، أو) كن (من زنا)؛ لدخولهما في عموم اللفظ؛ لأن نفي المنفية باللعان لا يمنع احتمال كونها خلقت من مائه.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) في ب: أبا هريرة.
[ ٩ / ٨٣ ]
وأما ابنته من الزنا؛ فلكونها خلقت من مائه. فحرمت عليه؛ كتحريم الزانية على ولدها من الزنا.
(والأخت من الجهات الثلاث) وهي الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم؛
لقو له ﷾: (وَأَخَوَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣].
(وبنت لها) أي: للأخت، (أو) بنت (لابنها) أي: لابن الأخت،
(أو) بنت (لبنتها) أي. بنت الأخت؛ لقوله ﷾: (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) [النساء: ٢٣].
(وبنت كل أخ شقيق) [أي: سواء كان شقيقًا أو لأب أو لأم، (وبنتها) أي: بنت بنت الأخ، (وبنت ابنها) أي: بنت ابن بيت الأخ؛ لقوله ﷾: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾] (^١) [النساء: ٢٣].
(وإن نزلن كلهن)؛ لدخولهن في عموم اللفظ.
(والعمة) من كل جهة (والخالة من كل جهة)؛ لقوله ﷾: وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣]. حتى (وإن علتا) أي: العمة والخالة؛ (كعمة أبيه، و) عمة (أمه، وعمة العم لأب)؛ لأنها عمة أبيه، (لا) عمة العم الذي هو عم (لأم)، لأنها أجنبية منه، (وعمه الخالة لأب)؛ لأنها عمة الأم، (لا عمة الخالة لأم)؛ لأنها أجنبية منه، (وخالة العمة لأم)؛ لأنها عمة الأم، (لا خالة العمة لأب)؛ لأنها أجنبية؛ لدخول من قلنا: يحرمن ممن ذكرنا في عموم لفظ العمات والخالات.
إذا تقرر هذا (فتحرم كل نسيبة، سوى بنت عم و) بنت (عمة، وبنت خال و) بنت (خالة).
القسم (الثانى) من المحرمات على الأبد: المحرمات (بالرضاع، ولو)
كان الإرضاع (^٢) (محرمًا؛ كمن غصب (^٣) امرأة على إرضاع طفل)، لأن سبب
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: الرضاع.
(٣) في ب: أكره.
[ ٩ / ٨٤ ]
التحريم لا يشترط كونه مباحًا، بدليل أن الزنا يثبت به تحريم المصاهرة، وكذا لو غصب لبن امرأة وسقاه طفلًا سقيا محرمًا، فإن التي منها اللبن يحرم على هذا الطفل، وإن كانت طفلة فإنها تحرم على الرجل الذي ثاب هذا اللبن من الحمل الناشئ عن وطئه.
(وتحريمه) أي: تحريم الرضاع؛ (كـ) تحريم (نسب) يعني: أن كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع؛ لما روى ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة. فقال: إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم. وفي لفظ. من النسب ") (^١) . متفق عليه.
وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب " (^٢) . رواه أحمد والترمذي وصححه.
ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن في قوله ﷾: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات. فيدخل في هذا البنات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وأخوات المرضعة وأمهاتها، وأمهات صاحب اللبن وأخواته، وكل امرأة من أنسابه، أو أنساب المرضعة؛ كعمته وعمتها وخالته وخالتها.
قال (^٣) أبن البنا وابن حمدان وصاحب " الوجيز ". إلا أم أخته وأخت ابنه يعني: فلا يحرمن بالرضاع.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢ ٠ ٥ ٢) ٢: ٥ ٩٣ كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم. وأخرجه مسلم في، صحيحه " (١٤٤٧) ٢: ١٠٧١ كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة. وأخرجه النسائي فى " سننه " (٦ ٠ ٣٣) ٦: ١٠٠ كتاب النكاح، تحريم بنت الأخ من الرضاعة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٤٤) ١: ٣٣٩.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٤٦) ٣: ٤٥٢ كتاب الرضاع، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ولم أجده في أحمد.
(٣) قي أ: قاله.
[ ٩ / ٨٥ ]
وفيها أربع صور، ولهذا قيل: إلا المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه
من النسب، وإلا أم المرتضع وأخته من النسب لا يحرمان على أبي المرتضع [ولا ابنه الذي هو أخو المرتضع في الرضاع. والحكم الذي هو الإباحة صحيح في المسائل الأربع وهي أن أم المرتضع] (^١) وأخته من الرضاع لا تحرمان على أبيه ولا أخيه من النسب، وأن أمه وأخته من النسب لا تحرمان على أبيه ولا أخيه من الرضاع. فالمسألتان اللتان استثناهما ابن البنا ومن تبعه هما من جملة الأربع. قال في " التنقيح ": لكن الصواب عدم الاستثناء " لأن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة، لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب لا ما يحرم بالمصاهرة. انتهى.
وحيث تقرر أن تحريم الرضاع كتحريم النسب كان حلائل آبائه وأبنائه من الرضاع كحلائل آبائه وأبنائه من النسب، وإلى ذلك أشير بقوله:
(حتى في مصاهرة. فتحرم زوجة أبيه وولده من رضاع، كـ) ما تحرم عليه زوجة أبيه وولده (من نسب)، إلا أنه (لا) تحرم على الرجل (أم أخيه) من رضاع، (و) لا (أخت ابنه من رضاع). وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
القسم (الثالث) من المحرمات على الأبد: المحرمات (بالمصاهرة، وهن أربع) أي: المحرمات بالمصاهرة:
الأولى منهن: (أمهات زوجته وإن علون) من نسب ومثلهن من رضاع فيحرمن بمجرد العقد. نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم " لقوله ﷾: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمعقود عليها من نسائه. فتدخل أمها في عموم الآية.
قال ابن عباس: " أبهموا ما أبهم القرآن " بمعنى: عموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " من تزوج امرأة
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٩ / ٨٦ ]
فطلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج ربيبته، ولا يحل له أن يتزوج أمها " رواه أبو (^١) حفص بإسناده.
(و) الثانية والثالثة: (حلائل عمودي نسبه). وعمودا نسبه: آباؤه وأبناؤه وحلائلهم زوجاتهم. سميت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها محل إزار زوجها، وهي محللة له.
(ومثلهن) أي: ومثل زوجات الآباء والأبناء من النسب زوجات الآباء والأبناء (من رضاع. فيحرمن) أي: زوجات الآباء وإن علو. فتحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، من نسب أو رضاع؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢].
وسواء في هذا امرأة أبيه وامرأة جده لأبيه وجده لأمه، قرب أم بعد. ويحرم عليه أيضًا من وطئها أحد آبائه بشبهة أو ملك يمين.
قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النكاح والنسب.
قال في " شرح المقنع ": وممن حفظنا ذلك عنه عطاء وطاووس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم.
ويحرم على الرجل أيضًا زوجة ابنه، وزوجة ابن بنته، وزوجة ابن بنت بنته، وزوجة ابن بنت ابنه ونحوهم، قربوا أو بعدوا، من نسب أو رضاع (بمجردعقد) في حلائل الآباء والأبناء.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافًا.
(لا بناتهن وأمهاتهن) يعني: أنه لا يحرم على الرجل بنات حلائل آبائه وأبنائه ولا أمهات حلائل آبائه وأبنائه. فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ٨٧ ]
والده وولده (^١)؛ لقوله ﷾: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(و) الرابعة: (الربائب، وهن: بنات زوجة دخل بها وإن سفلن) من نسب أو رضاع؛ لقوله ﷾: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣].
(أو كُنَّ) بنات (لربيب، أو) كن بنات (ابن ربيبة) وسواء في ذلك القريبات والبعيدات، والوارثات وغير الوارثات، وسواء كن في حجره أو لا في قول عامة الفقهاء؛ لأن الربيبة لا تأثير لها في التحريم.
وأما قوله ﷾: ﴿فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: ٢٣] فإنه لم يخرج مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك؛ تعريفًا لها بغالب أحوالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه.
(فإن ماتت) الزوجة (قبل دخول) لم يحرمن بناتها على الأصح.
وعنه: يحرمن؛ لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق وفي العدة. فتقوم مقامه في تحريم الربيبة.
والأول قول علي وعامة الفقهاء؛ لقوله ﷾: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا نص لا يُترك بقياس ضعيف.
(أو أبانَها) أي: أبان الزوجة (بعد خلوة وقبل وطء: لم يحرمن) أي: لم تحرم عليه بناتها على الأصح؛ لأن الخلوة لا تسمى دخولًا.
(وتحل زوجة ربيب) أبانها لزوج أمه.
(و) تحل (بنت زوج أم) لابن امرأته.
(و) تحل (زوجة زوج أم)؛ لقوله ﷾: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(و) تحل (لأنثى ابن زوجة ابن) أي: ابن زوجة ابنها، (وزوج زوجة
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٨٨ ]
أب) أي: وأن تتزوج زوج زوجة أبيها، (أو زوجة ابن) يعني: وأن تتزوج زوج زوجة ابنها؛ لأن الأصل في الفروج الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه.
(ولا يحرَم) بتشديد الراء (في مصاهرة، إلا تغييب حشفه أصلية في فرج أصلي ولو دبرًا)؛ لأنه فرج يتعلق به التحريم إذا وجد في الزوجة والأمة وكذلك في الزنا.
(أو) كان الوطء (بشبهة أو) كان (زنًا بشرط حياتهما) أي: حياة الواطئ والموطوءة في الأصح. فلو أولج الرجل ذكره في فرج ميتة، أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة.
(و) بشرط) (^١) (كون مثلهما بَطَأ ويُوطَأ) في الأصح. فلو أدخل ابن ست سنين حشفته في فرج امرأة، أو أدخل كبير حشفته في فرج بنت سبع سنين لم يؤثر في تحريم المصاهرة.
أما ثبوت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال؛ فإجماع.
وأما بوطء الشبهة وبالزنا؛ فعلى الصحيح من المذهب.
قال في " الإنصاف ": ظاهر كلام الخرقي أن وطء الشبهة ليس بحلال ولا بحرام. فقال: ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة. وصرح القاضي في " تعليقه ": أنه حرام. انتهى.
ووجه كون وطء الحرام محرم: أنه لما كان الوطء يسمى نكاحًا بدليل قول الشاعر: إذا زنيت فأجد نكاحًا.
دخل في عموم قوله ﷾: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢]. وفي الآية أيضًا قرينة تصرفه إلى الوطء وهي قوله ﷾: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء.
ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض.
_________________
(١) في ب: يشترط.
[ ٩ / ٨٩ ]
(ويحرم بوطء ذكر ما يحرم بـ) وطء (امرأة) على الأصح.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى. وهذا من مفردات المذهب، وهو قول الأوزاعي.
(فلا يحل) على هذا القول (لكل: من لائطٍ ومَلُوط به أمّ الآخر ولا ابنته) أي: ولا ابنه الآخر.
ووجهه: أنه وطء في فرج. فنشر الحرمة، كوطء المرأة.
وقال أبو الخطاب: يكون ذلك كالمباشرة فيما دون الفرج فيكون فيه الروايتان.
قال في " شرح المقنع ": والصحيح إن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن، ولا هن في معنى المنصوص عليه. فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن، وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن. انتهى.
القسم (الرابع) من المحرمات على الأبد: المحرمة (باللعان) نصًا. (فمن لاعن زوجته ولو في نكاح فاسد، أو بعد إبانة لنفي ولد) في الأصح: (حرمت أبدًا، ولو أكذب نفسه).
قال في " شرح المقنع ": أما إذا لم يكذب نفسه فلا نعلم أحدًا قال بخلاف ذلك إلا قولًا شاذًا. انتهى.
قال في " الفروع ": وتحرم الملاعنة أبدًا على الملاعن. نقله الجماعة.
وعنه: حلها بتكذيبه نفسه ذكره ابن رزين.
القسم (الخامس) من المحرمات أبدًا: (زوجات نبينا ﷺ على غيره)، لقوله ﷾: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
(ولو مَن فارقها) في الحياة، لأنها من زوجاته.
(وهُنَّ أزواجُه دنيا وأخرى).
[ ٩ / ٩٠ ]
[فصل: في المحرمات إلى أمد]
(فصل. الضرب الثاني) من المحرمات في النكاح المحرمات: (إلى أمد. وهن) أي: المحرمات إلى أمد (نوعان:
نوع) منها حرم (لأجل الجمع. فيحرُم) الجمع (بين أختين)، سواء كانتا
من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة (^١)، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم قوله ﷾: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
(و) يحرم الجمع أيضًا (بين امرأة وعمتها أو خالتها وإن علتا من كل جهة
من نسب أو رضاع).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافًا وهم الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ، وهي ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تجمعوا بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " (^٢) . متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: " لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى " (^٣) .
_________________
(١) في ب: أو أمة.
(٢) أخرجه اليخاري في " صحيحه " (٤٨٢٠) ٥: ١٩٦٥ كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٨) ٢: ٠٢٨ ١ كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٩١) ٦: ٩٧ كتاب النكاح، الجمع بين المرأة وعمتها.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٠٦٥) ٢: ٢٢٤ كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء.
[ ٩ / ٩١ ]
ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاء
ذلك إلى قطيعة الرحم المحرم (^١) . فإن احتجوا بعموم قوله ﷾: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، خصصناه بما روي من الحديث الصحيح.
(و) يحرم الجمع أيضًا (بين خالتين أو) بين (عمتين أو) بين (عمة وخالة). وصورة الجمع بين خالتين: أن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر وتلد له بنتًا فالمولودتان كل واحدة منهما خالة الأخرى.
وصورة الجمع بين العمتين: أن يتزوج كل من رجلين أم الآخر وتلد له بنتًا فالمولودتان كل واحدة منهما عمة الأخرى لأم.
وصورة الجمع بين العمة والخالة: أن يتزوج الرجل امرأة ويتزوج ابنه أمها
وتلد كل واحدة بنتًا من الابن خاله بنت الأب وبنت الأب عمة بن الإبن.
(أو) بين (امرأتين: لو كانت إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرُم نكاحه)
أي: نكاح الذكر (لها) أى: للأنثى، (لقرابة أو رضاع) أي: لأجل ما بينهما من القرابة، لأن المعنى الذي حرم الجمع من أجله إفضاؤه إلى قطيعة الرحم القريبة، لما في الطباع من التنافس والغيرة من الضرائر. وألحق بالقرابة الرضاع، لقوله ﷺ: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (^٢) .
(لا) الجمع (بين أخت شخص من أبيه وأخته من أمه) ولو في عقدٍ واحد.
ذكره في " الرعاية " وغيره " لأنه لو كانت إحداهما ذكرًا حلت له الأخرى. (ولا) الجمع (بين مُبانة شخص وبنته من غيرها ولو في عقد) واحد، لأنه
وإن حرمت إحداهما على الأخرى لو قدرناها ذكرًا لم يكن تحريمها إلا من أجل المصاهرة، لأنه لا قرابة بينهما.
_________________
(١) في أوب: المحرمات.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٤٦) ٣: ٤٥٢ كتاب الرضاع، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
[ ٩ / ٩٢ ]
قال في " الإنصاف ": لو كان لكل رجل (^١) بنت، ووطئا أمة، فألحق ولدها بهما، فتزوج رجل بالأمة وبالبنتين: فقد تزوج أم رجل وأختيه. ذكره ابن عقيل واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: فيعايا بها، وقد نظمها بعضهم لغزًا. انتهى.
إذا تقرر هذا (فمن تزوج أختين أو نحوهما)؛ كامرأة وبنت أخيها أو بنت أختها (فى عقد) واحد، (أو) في (عقدين معًا) أي: في وقت واحد: (بطلا) أي: بطل العقدان في حق المرأتين؛ لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما، ولا مزية لإحداهما على الأخرى فيبطل فيهما. وكذا لو تزوج خمس زوجات في عقد واحد فإنه يبطل في الجميع؛ لما تقدم.
(و) إن تزوجهما في عقدين (في زمنين: يبطل) عقد (متأخر)؛ لأن الجمع حصل به (فقط) أي: دون " العقد الأول؛ لأن الأول لا جمع فيه؛ (كواقع) أي: كما لو وقع عقد الأخت الثانية (في عدة) الأخت (الأخرى، ولو بائنًا) أي: ولو كانت معتدة من خلع أو طلاق بائن، وكما لو تزوج خامسة في عدة رابعة أبانها.
(فإن جُهل) أسبق العقدين (فُسخا).
قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيتهما تزوج أولًا: يفرق بينه وبينهما؛ لأن إحداهما محرمه عليه ونكاحها باطل ولا يعرف المحللة له فقد اشتبهتا عليه، ونكاح إحداهما صحيح، ولا يتيقن بينونتها منه إلا بفسخ نكاحهما. فوجب ذلك؛ كما لو زوَّج الوليان ولم يعرف الأول منهما.
قال في " شرح المقنع ": وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس، وسواء فعل ذلك بقرعة أو غيرها.
(ولإحداهما) أي: إحدى من لا يجوز الجمع بينهما إذا عقد عليهما في زمنين وجهل أسبقهما ولم يدخل بواحدة منهما (نصف مهرها بقرعة) بين
_________________
(١) فى ج: من رجلين
[ ٩ / ٩٣ ]
الزوجتين لمن خرجت له. وإن أصاب واحدة منهما أقرع بينهما أيضًا فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر، وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها، وإن وقعت للمصابة فلا شيء للأخرى، وللمصابة المسمى جميعه، وإن كان أصابهما فلإحداهما المسمى وللأخرى مهر المثل يقترعان عليهما.
(ومن ملك أخت زوجته، أو) ملك (عمتها، أو) ملك (خالتها: صح) ملكه لها؛ لأن الملك يراد للاستمتاع ولغيره، ولذلك صح شراء من لا تحل له؛ كأخته من الرضاع، (وحرُم أن يطأها) أي: أن يطأ التي ملكها (حتى يفارق زوجته وتنقضي عدتها)؛ لأن لا يكون جامعًا بينهما في الفراش، أو جامعًا ماءه في رحم أختين [أو نحوهما. وذلك لا يحل؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين " (^١)] (^٢) .
(ومن ملك أختين، أو نحوهما)؛ كامرأة وعمتها أو خالتها (معًا) أي:
في عقد واحد: (صح) العقد.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافًا في ذلك. انتهى.
وكذا لو اشترى جارية ووطئها حل له شراء أختها وعمتها وخالتها، كما يحل شراء المعتدة من غيره والمزوجة مع كونهما لا يحلان له.
(وله وطء أيهما شاء) منهما؛ لأن الأخرى لم تصر فراشًا؛ كما لو كان في ملكه إحداهما وحدها.
(وتحرم به) أي: بوطء إحداهما (الأخرى). نص على ذلك أحمد في
وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٤٩) ٢: ١٧٠٢ كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة.
_________________
(١) لا أصل له. كذا أفاده الحافظ ابن حجر ٣: ٣٤٣. وروي في " الصحيحين " عن أم حبيبة قالت: " يا رسول الله انكح أختي قال: لا تحل لي ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨١٣) ٥: ١٩٦١ كتاب النكاح، باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾
(٢) ساقط من أ.
[ ٩ / ٩٤ ]
رواية الجماعة؛ لعموم قوله ﷾: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فإنه يريد بها العقد والوطء جميعًا، بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن.
ولأنها امرأة صارت فراشًا. فحرمت أختها؛ كالزوجة.
ويستمر التحريم (حتى يحرَّم الموطوءة) منهما (بإخراج عن ملكه، ولو ببيع للحاجة) إلى التفريق. قاله الشيخ تقى الدين وابن رجب.
(أو هبة أو تزويج بعد استبراء).
قال الخرقي: وإذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى، حتى
تحرم عليه الأولى ببيع أو نكاح أو هبة وما أشبههما، ويعلم أنها ليست بحامل منه. انتهى.
(ولا يكفي) في ذلك (مجرَّد تحريم)؛ لأن هذا يمين مكفرة ولو كان يحرمها، إلا أنه لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام.
(أو كتابةٍ) يعني: أنه لا يكفيه أن يكاتبها؛ لأنه سبيل من استباحتها بما
لا يقف على غيرهما.
(أو رهنٍ) يعني: أنه لا يكفيها أن يرهنها، لأن منعه (^١) من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها. ولهذا يحل له وطؤها بإذن المرتهن في وطئها.
ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه.
(أو بيع بشرط خيار له) يعني: أنه لا يكفيه بيعها بشرط الخيار له؛ لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع.
قال في " الوجيز ": فإن وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى تحرم " الموطوءة بما لا يمكن أن يرفعه وحده. وجزم به ابن عبدوس في " تذكرته "، فشمل كلامهما هذه الصورة، وشمل قوله في المتن: حتى تحرم الموطوءة
_________________
(١) في الأصول: منعها، ولعل الصواب ما أثبتناه. وهو موافق لما في شرح منتهى الإرادات " ٢: ٦٥٧.
[ ٩ / ٩٥ ]
بإخراج عن ملكه، ما لو خرج عن ملكه بعضها فإن ذلك محرم لها.
(فلو خالف) بأن لم يخرج الموطوءة ولا بعضها عن ملكه (ووطئ) الأخرى:) لزمه أن يُمسك عنهما) أي: عن الموطوءة أولًا والموطوءة ثانيًا (حتى يحرم إحداهما، كما تقدم) في الأصح؛ لأن الثانية قد صارت فراشًا له يلحقه نسب ولدها. فحرمت عليه أختها؛ كما لو وطئها ابتداء.
واستدلال من قال: أن الأولى باقية على الحل بحديث: " إن الحرام لا يحرم الحلال " لا يصح؛ لأن الخبر ليس بصحيح، ويرد عليه إذا وطئ الأولى وطئًا محرمًا كفي حيض أو إحرام أو صوم فرض فإن أختها تحرم عليه بذلك.
(فإن عادت) الأولى (لملكه ولو) كان عودها (قبل وطء الباقية: لم يُصِبْ واحدة) منهما (حتى يحرَّم) على نفسه (الأخرى).
قال (ابن نصر الله: إن لم يجب استبراء، فإن وجب: لم يلزم ترك الباقية فيه) أي: في زمن الإستبراء.
قال (المنقح: وهو) أي: ما قاله ابن نصر الله (حسن)؛ لأنها محرمة
عليه زمن الاستبراء.
ومثل ذلك: لو عادت إليه معتدة فإنه لا يلزمه ترك الباقية حتى تنقضي عدة
العائدة.
(ومن تزوج أخت سُرُيته ولو بعد إعتاقها زمن استبرائها: لم يصح) النكاح
على الأصح؛ لأن عقد النكاح تصير به المرأة فراشًا. فلم يجز أن يرد على فراش الأخت؛ كالوطء.
ولأن لوطئ مملوكته معنى يحرم أختها لعلة الجمع. فمنع صحة النكاح؛ كالزوجية. ويفارق ذلك صحة شراء أختها، فإن الشراء يكون للوطء وغيره. بخلاف النكاح، ولهذا صح شراء الأختين في عقد وشراء من لا تحل لمشتر برضاع أو غيره. بخلاف النكاح.
(وله) أي: وللمتسري (نكاح أربع سواها) أي: سو ى أخت سُريته.
(وإن تزوَّجها) أي: تزوج أخت سُريته (بعد تحريم السُرِّية واستبرائها، ثم
[ ٩ / ٩٦ ]
رجعت إليه السُرِِّية) ببيع أو غيره، (فالنكاح) باقٍ (بحاله)؛ لأن النكاح صحيح وهو أقوى، ولا يحل له وطؤها حتى تبين الزوجة وتنقضي عدتها. (ومن وطئ امرأة بشبهة أو زنًا: حرم في) زمن (عدتها نكاح أختها) وكذا عمتها وخالتها.
(و) كذا يحرم عليه (وطؤها: إن كانت زوجة أو أمة) له.
(و) حرم عليه أيضًا (أن يزيد على ثلاث غيرها) أي: غير الموطوءة بشبهة
أو زنا (بعقد) فإن (^١) كان معه ثلاث زوجات لم يحل له أن يتزوج رابعة حتى تنقضي عدة موطوءته بشبهة أوزنا.
(أو وطء) يعني: أنه لو كان معه أربع زوجات ووطئ امرأة بشبهة أو زنا لم يحل أن يطأ أكثر من ثلاث منهن حتى تنقضي عدة موطوءته بالشبهة أو الزنا؛ لأن لا يجتمع ماؤه في أكثر من أربع نسوة.
(ولا يحل نكاح موطوءة بشبهة في عدتها)؛ كمعتدة من فراق زوج، (إلا من واطئ) على الأصح يعني: إلا أن يتزوجها واطئها بالشبهة؛ لأن المنع من نكاح المعتدة كونه يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وهو مأمون في هذه الصورة، فإن النسب كما يلحق في النكاح يلحق في وطء الشبهة. أشبه ما لو نكح معتدته من طلاق.
(لا إن لزمتها) أي: لزمت المعتدة من وطء الشبهة (عدة من غيره) أي:
من غير واطئها فلا.
(وليس لحر جمع) أي: أن يجمع (أكثر من أربع) أي: من أربع زوجات؛ لأن النبي ﷺ قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: " أمسك أربعًا وفارق سائرهن " (^٢) .
وقال نوفل بن معاوية: " أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) في أ. يعنى: أنه لو كان معه أربع زوجات وهو وهم. ومحلها بعد سطر.
(٢) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٤٣) ٢: ٦ ١ كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح.
[ ٩ / ٩٧ ]
فارق واحدة منهن " (^١) رواهما (^٢) الشافعي في " مسنده ".
وإذا مُنع من استدامة زيادة على أربع فالابتداء أولى.
وقوله ﷾: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورُبَاع) [النساء: ٣] أريد به التخيير بين اثنين وثلاث وأربع، كما قال تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ولم يرد أن لكل تسعة أجنحة، ولو أراد ذلك لقال تسعة، ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال غير ذلك فقد جهل اللغة العربية.
(إلا النبي ﷺ فكان له أن يتزوَّج بأيِّ عدد شاء)؛ لأنها من خصائصه.
(ونسخ تحريم المنع) وهو قوله ﷾: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] بقوله ﷾: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾] الأحزاب: ٥١].
(ولا لعبد) يعني. وليس لعبد (جمع أكثر من ثنتين) أي: من زوجتين،
وفاقًا للشافعي وأصحاب الرأي، وهو قول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف. وقد روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن قتيبة أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح أكثر من ثنتين.
ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين " أن عمر سأل
الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: " اثنتين وطلاقه اثنتين ". فدل هذا على أن ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر.
وهدا يخص عموم الآية مع أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار، وهو قوله ﷾: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
ولأن النكاح مبني على التفضيل ولهذا فارق النبي ﷺ فيه أمته.
ولأن فيه ملكًا.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٤٤) الموضع السابق.
(٢) في ب: رواه.
[ ٩ / ٩٨ ]
(ولمن نصفه حر فأكثر، جمع ثلاث) أي: ثلاث زوجات على الأصح.
نص عليه. .
وفي " الفنون " قال فقيه: شهوة المرأة فوق شهوة الرجل بتسعة أجزاء فقال حنبلي: لو كان هذا ما كان له أن يتزوج بأربع وينكح من الإماء ما شاء، ولا تزيد المرأة على رجل، ولها من القَسْم الربع، وحاشا حكمته أن تضيق على الأحوج.
وذكر ابن عبد البر عن أبي هريرة. وبعضهم يرفعه: " فضلت المرأة على الرجل بتسعة وتسعين جزءًا من اللذة أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء ".
(ومن طلَّق واحدة من نهاية جمعه)؛ كالحر يطلق واحدة من أربع، والعبد
يطلق واحدة من ثنتين: (حرُم) عليه (تزوجه بدلها حتى تنقضي عدتها). نص عليه؛ لأن المعتدة في حكم الزوجة؛ لأن العدة أثر للنكاح وهو باق. فلو جاز له أن يتزوج غيرها لكان جامعًا بين أكثر ممن يباح له.
(بخلاف موتها) يعني: بخلاف ما لو ماتت. نص عليه؛ لأنه لم يبق
لنكاحها أثر.
(فإن) طلق واحدة من نهاية جمعه مدعيًا انقضاء عدة المطلقة بأن (قال: أخبرتني بانقضائها، فكذبته) لم يقبل قولها عليه في عدم جواز نكاحه؛ لأنه لا حق لها في هذه الدعوى. وإنما الحق في (^١) ذلك لله ﷾ فنديُنُه في ذلك ونصدقه.
ولأنها متهمة في ذلك بإرادة منعه نكاح غيرها. فلذلك لا يقبل قولها عليه.
إذا تقرر هذا (فله نكاح أختها و) نكاح (بدلها) في الأصح.
(وتسقط الرجعة) يعني: أنه لو كان الطلاق رجعيًا ولو لم يتزوج بدلها
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ٩٩ ]
وأراد رجعتها لم يملك ذلك مؤاخذة له بإقراره بانقضاء عدتها، (لا السكنى والنفقة) يعني: أنه لا يسقط عنه بما يدعيه من إخبارها بانقضاء عدتها مع تكذيبها إياه سكناها إن كانت رجعية ولا نفقتها، لأن ذلك حق لها يدعيه عليها وهي منكرة له والأصل معها، لأنه لا مانع من صدقها. فكان القول قولها فيه دونه.
(و) لا يسقط أيضًا (نسب الولد) إذا أتت به المطلقة لمدة تلحقه فيها ما لم يثبت إقراره بانقضاء عدتها بالقروء ثم يأتي به لأكثر من ستة أشهر بعدها، لأن إقرار المطلق لا يقبل عليها.
[ ٩ / ١٠٠ ]
[فصل: في المحرمات لعارض]
(فصل. النوع الثاني) من المحرمات في النكاح إلى أمد: المحرمات
(لعارض يزول. فتحرم) عليه (زوجة غيره)؛ لقوله ﷾ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(ومعتدَّته) أي. معتدة غيره؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
(ومستبرأة منه) أي: من غيره؛ لأن تزويجها زمن استبرئها يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وسواء في ذلك المعتدة من وطء مباحٍ أو محرم أو من غير وطء؛ لأنه لا يؤمن أن تكون حاملًا.
(و) تحرم (زانية على زان وغيره حتى تتوب: بأن تُراود) على الزنا (فتمتنع) على الأصح؛ لما روي عن عمر (^١) " أنه قيل له: كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت ". فصار أحمد إلى قول عمر اتباعًا له.
قال في " الفروع ": والتوبة كغيرها، ونصه: الامتناع من الزنا بعد الادعاء
به، وروي عن عمر وابن عباس. انتهى.
وصحح الموفق: أن توبتها كتوبة غيرها.
وعلم مما تقدم أنها إذا تابت حلت للزانى وغيره مع انقضاء عدتها، كما
سيأتى في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر. وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة: أنها لا تحل للزانى
_________________
(١) في أوب: ابن عمر.
[ ٩ / ١٠١ ]
بحال. فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها. فيكون كقولنا (^١) .
(و) يحرم أيضًا على الرجل (مطلَّقته ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، وتنقضي عدتهما) أي: عده الزانية وعدة مطلقته ثلاثًا من الزوج الذي نكحته.
والأصل في تحريم الزانية قوله ﷾: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] لفظه لفظ الخبر والمراد النهي،
" وقوله ﷾: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] وهن العفائف. ومفهومه: أن غير المحصنة لا تباح.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي
كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عَنَاق وكانت صديقته قال: فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله لِلَّهِ أنكح عَنَاقًا قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فدعاني فقرأها عليّ وقال: لا تنكحها " (^٢) رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
والأصل في تحريم المطلقة ثلاثًا قوله ﷾: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بالنكاح هنا الوطء، بدليل أن النبي ﷺ قال لامرأة رفاعة لما أن أرادت أن ترجح إليه بعد أن طلقها ثلاثًا وتزوجت بعبد الرحمن بن الزَّبير: " لا. حتى تذوقي عسيلته " (^٣) .
(و) تحرم (محرِمة حتى تُحِل)، لما روى عثمان بن عفان أن
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه. أبو داود في " سننه " (٢٠٥١) ٢: ٢٢٠ كتاب النكاح، باب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً﴾. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٧٧ ١ ٣) د/ ٣٢ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النور. - وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٢٢٨) ٦: ٦٦ كتاب النكاح، تزويج الزانية.
(٣) أخرجه البخاري قي " صحيحه " (٢٤٩٦) ٢: ٩٣٣ كتاب الشهادات، باب شهادة المختبي.
[ ٩ / ١٠٢ ]
رسول الله ﷺ قال: " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (^١) رواه الجماعة إلا البخاري. ولم يذكر الترمذي الخطبة.
ولأنه عارض منع الطيب. فمنع النكاح؛ كالعدة. (و) تحرم (مسلمة على كافر. حتى يُسلم)؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله ﷾: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. (و) يحرم (على مسلم، ولو) كان (عبدًا كافرة)؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة: ١٠].
(غير حرة كتابية، أبواها كتابيان)؛ لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]. (ولو) كان أبواها (من بني تغلب ومن في معناهم) من نصارى العرب ويهودهم على الأصح (حتى تسلم). فإن قيل: قوله ﷾: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عام فيقتضي التحريم مطلقًا. قلنا: يتخصص بما ذكرناه، على أنه قد قيل عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] نسخ بآية المائدة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٩) ٢: ١٠٣١ كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته. وأخرجه أبو داود في " سننه " (١٨٤١) ٢: ١٦٩ كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (٨٤٠) ٣: ١٩٩ كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم. وأخرجه النسائي في" سننه " (٢٨٤٤) ٥: ١٩٢ كتاب مناسك الحج، النهي عن ذلك. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٩٦٦ ١) ١: ٦٣٢ كتاب النكاح، باب المحرم يتزوج. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٠١) ١: ٥٧.
[ ٩ / ١٠٣ ]
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية صالح فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وقيل: إن المشركين لا يتناول بإطلاقه أهل الكتاب، بدليل قوله سبحانه
وتعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]، وقال ﷾: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥].
وظاهر كلامه في المتن: "أنه لا فرق بين الحربية (^١) وغير الحربية وهو كذلك
في الأصح.
(ومُنع النبي ﷺ من نكاح كتابية، كأمة) أي: كما منع من نكاح أمة (مطلقًا) أى: في كل زمان وعلى كل حال على الأصح.
وقال في " عيون المسائل " يباح له ملك اليمين، مسلمة كانت أو مشركة. والأول المذهب.
(ولكتابي نكاح مجوسية، ووطؤها بملك) في الأصح، (لا مجوسي لكتابية)، لأنها أعلا منه في المنصوص.
(ولا يحل لحر مسلم نكاح امة مسلمة إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة متعة، أو) لحاجة (خدمة) إلى المرأة، لكونه كبيرًا أو مريضًا أو عيرهما. . نص عليه.
وأدخل القاضي وأبو الخطاب في " خلافيهما " الخصي والمجبوب: إذا
كان له شهوة يخاف معها من التلذذ بالمباشرة حرامًا، وهو عادم الطول، وهو ظاهر كلام الموفق والخرقي وغيرهما.
(ولو) كان خوف عنت العزوبة (مع صغر زوجته الحرة، أو غيبتها، أو
_________________
(١) في أوب: الحربيات.
[ ٩ / ١٠٤ ]
مرضها) أي: مرض زوجته الحرة. نص عليهما.
قال في " شرح المقنع ": أو وجد مالًا ولم يزوج، لقصور نسبه فله نكاح الأمة. نص عليه أحمد في الغائبة، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وقال بعضهم: لا يجوز، لوجدان الطول.
ولنا: أنه غير مستطيع الطول إلى حرة تعفه فأشبه من لم يجد شيئًا، ألا ترى
أن الله ﷾ نزل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيرًا لعدم قدرته عليه في الحال. انتهى.
ولهذا قالوا: (ولا يجد طَوْلًا) أي: (مالًا حاضرًا يكفي لنكاح حرة ولو) كانت الحرة (كتابية فتخل) له الأمة حينئذ (ولو قدر على ثمن أمة). قدمه في "التنقيح "، ثم قال: وقيل لا ولو كتابية، واختاره جمع كثير وهو أظهر. انتهى.
وممن اختار القول الثانى القاضي في " المجرد " وأبو الخطاب في " الهداية " والمجد في " المحرر " وابن عقيل وصاحب " المذهب " و" مسبوك الذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " و" النظم " والموفق في " المقنع " و" الشرح " و" الحاوي الصغير " و" الوجيز " وابن عبدوس وغيرهم.
واشترط في المتزوج عدم الطول وفي الأمة الإسلام، لقوله ﷾: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
واشترط خوف العنت، لقوله ﷾: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
والصبر عن نكاح الأمة مع وجود الشرطين أفضل، لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
وعلم مما تقدم أنه متى عدم أحد الشرطين لم يحل له نكاح الأمة لما في ذلك
من إرقاق الولد مع الغنى عنه، وفاقًا لمالك والشافعي.
(ولا يبطل نكاحها) أي: نكاح الأمة التي تزوجها وفيه الشرطان: (إن
[ ٩ / ١٠٥ ]
أيسر) بملك ما يكفي لنكاح حرة، (و) لو (نكح حرة عليها، أو زال خوف العنت، ونحوه)؛ كما لو نكح الأمة لحاجة خدمة " لكونه مريضًا فعوفي.
أما كون النكاح لا يبطل إن أيسر على الأصح، لأن فقْد الطَّول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة. فلم يعتبر استدامته لخوف العنت والاستدامة للنكاح يخالف ابتداءه، بدليل أن العدة والردة وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته.
وأما كون نكاح الأمة لا يبطل إذا نكح حرة عليها على الأصح " فلما روي
عن علي أنه قال: " إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة ". ولأنه لو بطل بنكاح الحرة لبطل بالقدرة عليه، فإن القدرة على المبدل كاستعماله، بدليل الماء مع التراب.
(وله) أي: ولمن تزوج الأمة وفيه الشرطان: (إن لم تُعفَّه) الأمة التي نكحها (نكاح أمة أخرى) عليها (إلى أن يصرن أربعًا.
وكذا) له أن يتزوج الأمة (على حرة لم تُعفَّه، بشرطه)، وهو: أن لا يجد طولًا لنكاح حرة على الأصح في المسألتين، لعموم قوله ﷾: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا ﴾ الآية [النساء: ٢٥].
قال أحمد: إذا لم يصبر كيف يصنع؛
فأما إن كان تحته حرة أو أمة تعفه فلا خلاف في تحريم نكاح أمه أخرى،
وأما إن نكح أمتين في عقد واحد وهو يستعف بواحدة فنكاحهما باطل؛ لأنه يبطل في إحداهما وليست بأولى من الأخرى. فبطل فيهما، كما لو جمع بين أختين.
(وكتابي حر في ذلك) أي: في إباحة نكاح الأمة بوجود الشرطين فيه (كمسلم).
قال في " الترغيب " وغيره: فإن اعتبر فيها الإسلام اعتبر في الكتابي كونها كتابية. (ويصح نكاح أمة من بيت المال)، مع أن فيه شبهة تسقط الحد، لكن
لا يجعل الأمة أم ولد. ذكره في " الفنون " واقتصر عليه في " الفروع " ويأتي؛ لأن للإمام التصرف في بيت المال بما يرى أنه مصلحة.
[ ٩ / ١٠٦ ]
ولأن حق الزوج في بيت المال لم يتعين في المنكوحة.
(ولا تصير) الأمة التي ينكحها من بيت المال (إن ولدت) منه (أم ولد)، لأن
الأمة لا تصير بحملها من زوجها أم ولد، لأنها لو كان يملكها لما صح نكاحه إياها. (ولا يكون ولد الأمة) الذي ليس بذي رحم محرم من مالكها (حرًا، إلا باشتراط) من الزوج على مالكها حرية ولدها، لقوله ﷺ: " المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا " (^١) .
ولقول عمر: " مقاطع الحقوق عند الشروط " (^٢) .
ولأن هذا لا يمنع المقصود من النكاح. فكان لازمًا؛ كشرط سيدها زيادة في مهرها.
(و) يجوز (^٣) (لقن ومدبر ومكاتب ومبعض نكاح أمة ولو) كانت ملكًا
(لابنه) الحر، لأن الرق قطع ولاية والده عنه وعن ماله. ولهذا لا يلي ماله ولا نكاحه، ولا يرث أحدهما صاحبه فهي كالأجنبي منه، (حتى) لو تزوجها (على حرة) وهذا مضى على أن الكفاءة ليست شرطًا لصحة النكاح، فإن الحرية لا تعتبرفي الكفاءة.
قال في " الإنصاف ": وهل له يعني: العبد أن ينكحها على حرة؛ على روايتين، وأطلقهما في " الهداية " و" المستوعب " و" الخلاصة " و" المغني " و" الشرح " و" شرح ابن منجا "، إحداهما: يجوز وهو المذهب، صححه في " التصحيح " و" النظم "، وجزم به في " الوجيز "، وقدمه في " المحرر " و" الفروع " و" الحاوي الصغير "، واختاره ابن عبدوس في " تذكرته ".
والرواية الثانية: لا يجوز.
(وجمع بينهما) أي: وللعبد أن يجمع بين الأمة والحرة (في عقد) واحد
على الأصح.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح.
(٢) أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٧: ٢٤٩ كتاب الصداق، باب الشروط في النكاح.
(٣) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٠٧ ]
قال في " الإنصاف ": فإن جمع بينهما في العقد جاز يعني (^١): على الرواية
الأولى. قاله في " المحرر " و" الفروع " وغيرهما. انتهى.
ولأنه إذا جاز إفراد كمل واحدة بالعقد جاز الجمع بينهما؛ كالأمتين.
(لا نكاح سيدته) يعني: أنه لا يجوز للعبد ولا يصح منه نكاح من تملكه أو تملك بعضه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل (^٢) العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل؛ لأن أحكام الملك والنكاح تتناقض، إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك.
ولما روى الأثرم بإسناده عن أبي الزبير عن جابر " أنه سأله عن العبد ينكح سيدته فقال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية وقد نكحت عبدها فأشهرها عمر وهم أن يرجمها وقال: لا يحل لك ".
(ولأمة نكاح عبد ولو) كان العبد (لابنها)؛ لأن رقها قطع التوارث بينها وبين ابنها، فهو كالأجنبي منها.
إلا أن تتزوج) الأمة (^٣) (سيدها)؛ لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقًا من القسم والمبيت وغيرهما، وذلك يمنعه ملك اليمين. فلا يصح مع وجود ما ينافيه. ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع. فلا يجتمع معه عقد أضعف منه.
(ولا) يجوز (لحر أو حرة نكاح امة أو عبد ولدهما) يعني: أنه لا يجوز للحر أن يتزوج أمة ولده، ولا للحرة أن تتزوج عبد ولدها.
قال في " الفروع ": ولحر نكاح أمة والده دون أمة ولده في الأصح فيهما. ومثله حرة نكحت عبد ولدها. وقيل: يجوز. انتهى.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أوب: أمة.
[ ٩ / ١٠٨ ]
ووجه ذلك: أن الابن لو ملك جزءًا من امة لم يجز لأبيه أن يتزوجها ما دام للابن فيها ملك، ولو ملك جزءًا من عبد لم يجز لوالدته أن تتزوجه ما دام لابنها فيه ملك فمع كونها أو كونه كلها أو كله للولد أولى بالتحريم.
(وإن ملك أحد الزوجين) الزوج الآخر] بشراء أو إرث أو هبة ونحو ذلك] (^١)، (أو) ملك (ولده) أي: ولد أحد الزوجين (الحر) الزوج الآخر، (أو) ملك (مكاتبه) أي: مكاتب أحد الزوجين، (أو مكاتب ولده) أي: ولد أحد الزوجين (الزوج الآخر، أو بعضه) أي: بعض الزوج الآخر: (انفسخ النكاح).
قال في " الفروع ": وإن ملك أحد الزوجين وعلى الأصح أو ولده الحر،
وفي الأصح: أو مكاتبه الزوج الآخر أو بعضه: انفسخ النكاح. فلو بعثت إليه زوجته: حرمت عليك ونكحت غيرك وعليك نفقتي ونفقة زوجي، فقد ملكت زوجها وتزوجت ابن عمها. انتهى.
ولا ينقص بهذا الفسخ عدد الطلاق، فمتى أعتقته ثم تزوجها لم يحتسب
عليه بتطليقه، لأنه لم يلفظ بصريح الطلاق ولا كنايته. أشبه انفساخ النكاح بإسلام أحد الزوجين أو ردته.
أما إذا ملك أحد الزوجين الآخر فلا خلاف في فسخ النكاح بذلك. وأما انفساخه بملك ولد احد الزوجين الزوج الآخر على الأصح فإن ملك (^٢) أحد الزوجين كملك أصله في إسقاط الحد فكان كملكه في إبطال النكاح.
(ومن جمع في عقد) واحد (بين مباحة ومحرمة؛ كأيِّم) بتشديد المثناة من تحت، وهي: من لا زوج لها، (ومزوجة: صح في الأيِّم) على الأصح؛ لأنها محل قابل (^٣) للنكاح أضيف إليها عقد صادر من أهله لم يجتمع معها في
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: ملك ولد.
(٣) في أ: قليل.
[ ٩ / ١٠٩ ]
مثلها. فصح؛ كما لو انفردت به. وفارق العقد على الأختين؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى وهاهنا قد تعينت التي بطل النكاح فيها، فعلى الصحة يكون لها من المسمى لهما بقسط مهر مثلها منه في الأصح.
وقيل: يكون لها نصف المسمى.
(و) من جمع في عقد (بين أم وبنت: صح) العقد (في البنت) على الأصح؛ لأنه عقد تضمن عقدين يمكن تصحيح أحدهما دون الآخر، فصح فيما يصح، وبطل فيما يبطل.
بيانه: أنا لو فرضنا أن العقد على الأم بطل ثم عقد على البنت صح نكاح البنت، ولو فرضنا أن العقد على البنت سبق وبطل تم عقد على الأم لم يصح فإذا وقعا معًا فنكاح البنت أبطل نكاح الأم؛ لأنها تصير أم زوجته، ونكاح الأم لا يبطل نكاح البنت؛ لأنها تصير ربيبته من زوجة لم يدخل بها. فصح لذلك نكاح البنت، وبطل نكاح الأم.
(ومن حرُم نكاحها: حرُم وطؤها بملك)؛ لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقًا
إلى الوطء. فلأن يحرم الوطء نفسه بطريق الأولى.
(إلا الأمة الكتابية)؛ لدخولها في عموم قوله ﷾: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]
ولأن نكاح الإماء من أهل الكتاب إنما حرم من أجل إرقاق الولد وإبقائه مع كافره، وهذا معدوم في وطئهن بملك اليمين.
(ولا يصح نكاح خنثى مشكل حتى يتبين أمره). نص عليه في رواية الميمونى. وذلك؛ لأنه لم يتحقق وجود ما يبيح له النكاح. فلم يبح له؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات.
ولأنه قد اشتبه المباح والمحظور في حقه فحرم.
(ولا يحرم في الجِنة زيادة العدد.
و) لا يحرم فيها أيضًا (الجمع بين المحارم وكيره). قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". والله ﷾ أعلم.
[ ٩ / ١١٠ ]
[باب: الاشتراط في النكاح]
هذا (باب الشروط في النكاح). والمراد بالشرط في النكاح: ما يشرطه الزوجين على الآخر مما له فيه غرض صحيح، وليس بمناف لمقتضى النكاح. (ومحل المعتبر منها) أي: من الشروط في النكاح: (صلب العقد) أي: عقد النكاح.
قال في " التنقيح ": قلت: (وكذا لو اتفقا عليه قبله) وقاله جماعة. انتهى.
قال في " الإنصاف ": الشروط المعتبرة في هذا الباب محل ذكرها: صلب العقد. قاله في " المحرر " وغيره، وجزم به في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" تذكرة ابن عبدوس "، وقاله القاضي في موضع من كلامه.
وقال الشيخ تقي الدين: وكذا لو اتفقا عليه قبل العقد، في ظاهر المذهب. وقال: على هذا جواب أحمد في مسائل الحيل، لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا.
قال الزركشي: وهذا ظاهر إطلاق الخرقي وأبي الخطاب وأبي محمد وغيرهم.
قال: وقال الشيخ تقي الدين في " فتاويه ": إنه ظاهر المذهب ومنصوص أحمد، وقول قدماء أصحابه، ومحققي المتأخرين.
قلت: وهو الصواب الذي لا شك فيه. انتهى.
أما إذا لم يقع الشرط إلا بعد لزوم العقد، فالمنصوص عن أحمد: أنه
لا يلزمه. قاله في " الإنصاف ".
(وهي) أي: الشروط في النكاح (قسمان):
[ ٩ / ١١١ ]
أحدهما: (صحيح لازم للزوج فليس له فكُه) أي: فك ما اشترطت عليه زوجته من الشروط الصحيحة (بدون إبانتها)، لأنه بزوال العقد يزول ما هو مرتبط به.
(ويسن وفاؤه) أي: وفاء الزوج (به) أي: بالشرط (^١) .
قال في " الإنصاف ": وهو ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله، ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب الوفاء.
ومن أمثلة الشرط الصحيح (^٢) قوله:
(كزيادة مهر) يعني: كاشتراطها على الزوج زيادة قدر معين على مهرها،
(أو) لو اشترط كون مهرها من (نقد معين) فيتعين كالثمن في البيع، (أو) يشترط عليه أنه (لا يُخرجها من دارها، أو لا يتزوَّج) عليها، (أو) لا (يتسرى عليها، أو لا يفرِّق بينها وبين أبويها، أو) لا يفرق بينها وبين (أولادها).
وفي " المستوعب ": (أو أن تُرضع ولدها الصغير)، وعلى الأصح: (أو) أن
(يطلق ضرَّتها، أو يبيع أمته)، لأن لها في ذلك قصدًا صحيحًا، كما لو اشترطت أن لا يتزوج عليها.
وفي القاعدة الموفية للسبعين من " قواعد ابن رجب ": لو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته صح وكانت من المهر. انتهى.
قال ابن نصر الله: وظاهره: أنه لا يشترط مع ذلك تعيين مدة " كنفقة الزوجة وكسوتها فإنه ذكرها بعدها. انتهى كلام ابن نصر الله.
ويروى صحة الشرط في عقد النكاح وكون الزوج لا يملك فكه، عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص (^٣) رضي الله تعالى عنهم. وبذلك قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والأوزاعي وإسحاق.
_________________
(١) فى ج: بالشروط.
(٢) في ب: الشروط الصحيحة.
(٣) في أوب: العاصي.
[ ٩ / ١١٢ ]
وأبطل الشرط في النكاح الزهري وقتادة وهشام (^١) بن عروة ومالك وأصحاب
الرأي.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يفسد المهر ولها مهر المثل.
واحتج المبطل للشرط بقول النبي ﷺ: " كل شرط ليس في كتاب الله فهو
باطل وإن كان مائة شرط " (^٢) وهذا ليس في كتاب الله.
وبقول النبي ﷺ: " المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو
حرم حلالًا " (^٣) وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر.
ولأن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا من مقتضاه ولا مبنية على التغليب والسراية. فكانت فاسدة؛ كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها.
ولنا: قول النبي ﷺ: " إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج " (^٤) متفق عليه.
وقوله: " المسلمون على شروطهم " (^٥) .
ولأن ذلك قول من سَمََّينا من الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم.
وروى الأثرم بإسناده " أن رجلًا تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر. فقال عمر: لها شرطها. فقال الرجل: إذا يطلقننا. فمال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط " (^٦) .
_________________
(١) في الأصول: وهاشم.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧ ٥ ٢) ٢: ٧٥٦ كتاب البيوع، باب البيع والشراء مع النساء.
(٣) سبق تخريجه ص (١٥٧) رقم (١).
(٤) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٥٦) ٥: ١٩٧٨ كتاب النكاح، باب الشروط في النكاح. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤١٨) ٢: ١٥٣٥ كتاب النكاح باب الوفاء بالشروط في النكاح،
(٥) سبق تخريجه ص (١٠٧) رقم (١).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٦٥٨) ١ ١٨٠ باب ما جاء في الشرط في النكاح. وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ٢٤٩ كتاب الصداق، باب الشروط في النكاح.
[ ٩ / ١١٣ ]
ولأنه شرط لها منفعة مقصودة لا يمنع المقصود من النكاح. فكان لازمًا؛
كما لو اشترطت كون المهر من غير نقد البلد.
وأما قوله ﷺ: " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " (^١) أي: ليس في حكم الله وشرعه وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل.
وقولهم: أن هذا يحرم الحلال ليس كذلك وإنما يثبت للمرأة إذا لم يفِ لها
به خيار الفسخ.
وقولهم: ليس من مصلحة العقد ممنوع فأنه من مصلحة المرأة وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة العقد كاشتراط الرهن والضمين في البيع.
وإذا ثبت هذا (فإن لم يف) للزوجة بما شرطت عليه: (فلها الفسخ)؛ لقول عمر للذي قضى عليه بلزوم الشرط حين قال: " إذًا يطلقننا، مقاطع الحقوق عند الشروط " (^٢) . ولم يلتفت إلى قوله.
ولأنه شرط لازم في عقد. فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرهن والضمين في البيع.
(على التراخي)؛ لأنه خيار ثبت لدفع الضرر. فكان على التراخي؛ تحصيلًا لمقصوده؛ كخيار القصاص.
(بفعله) أي: بفعل ما اشترطت عليه أن لا يفعله، (لا عزمه) على فعله خلافًا للقاضي في كونها تملك الفسخ بالعزم على الفعل.
(ولا يسقط) ملكها الفسخ بعدم وفائه بما اشترطته، (إلا بما يدل على رضا) منها: (من قول أو تمكين) أي: بأن تمكنه من نفسها، (مع العلم) أي: مع علمها بعدم وفائه لها بما اشترطت عليه، لا إن لم تعلم؛ لأن الاختيار والاستمتاع والتمكين منه قبل العلم بعدم وفائه لا أثر له؛ لأن موجبه لم يثبت. فلا يكون له أثر؛ كالمسقط لشفعته قبل البيع.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١١٣) رقم (٢).
(٢) سبق تخريجه ص (١١٣) رقم (٦).
[ ٩ / ١١٤ ]
(لكن: لو شرط) لها (أن لا يسافر بها، فخدعها وسافر بها، ثم كرهته،
ولم تُسقط حقها من الشرط: لم يُكرهها بعد).
قال في " الإنصاف ": قال الشيخ تقي الدين: لو خدعها فسافر بها ثم كرهته: لم يكن له أن يكرهها بعد ذلك.
قال ابن نصر الله في " حواشيه على الفروع ": هذا إذا لم تسقط حقها واضح، أما إذا لو أسقطت حقها من الشرط: احتمل أن يكون لها الرجوع فيه، كهبة حقها من بعض مهرها المسمى. والفرق واضح وذكره. انتهى.
قلت: الصواب أنها إذا سقط حقها يسقط مطلقًا. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
فقولي في المتن: " ولم يسقط حقها من الشرط " موافق لقول ابن نصر الله:
هذا إذا لم تسقط حقها واضح. والله ﷾ أعلم.
(ومن شرط) لزوجته: (أن لا يخرجها من منزل أبويها، فمات أحدهما) أي: أحد أبويها: (بطل الشرط)؛ لأن المنزل بعد أن كان للأبوين صار لأحدهما فاستحال إخراجها من منزل أبويها فبطل الشرط.
قال ابن نصر الله: لو شرط أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب فالظاهر أن الشرط يبطل، ويحتمل أن لا يخرجها من منزل أمها إلا أن تتزوج الأم. ولو تعذر سكنى المنزل لخراب أو غيره فهل يسقط حقها من الفسخ بنقلها عنه؟ أفتيت بأنه إن نقلها إلى منزل لا ترتضيه فلها الفسخ، لم أقف فيه على نقل. انتهى.
قال في " الإنصاف " بعد حكايته لكلام ابن نصر الله: قلت: الصواب أن له
أن يسكن بها حيث أراد، سواء رضيت أو لا؛ لأنه الأصل، والشرط عارض وقد زال فرجعنا إلى الأصل، وهو محض حقه.
(ومن شرطت) على زوجها (سُكناها مع أبيه، ثم أرادتها) أي: أرادت سكناها (منفردة: فلها ذلك) أي: لها طلبه بأن يسكنها منفردة.
[ ٩ / ١١٥ ]
قال في " الفروع ": قال شيخنا فيمن شرط لها أن يُسكنها بمنزل) (^١) أبيه فسكنت ثم طلبت سكنى منفردة وهو عاجز: لا يلزمه ما عجز عنه، بل لو كان قادرًا فليس له (^٢) عند مالك وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما غير ما شرطت لها، كذا قال. والظاهر أن مرادهم صحة الشرط في الجملة، بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه، لا أنه يلزمها؛ لأنه شرط لحقها لمصلحتها لا لحقه لمصلحته حتى يلزم في حقها، ولهذا لو سلمت نفسها من شرطت دارها فيها أو في داره لزم. انتهى.
يعني: لزمه تسلمها. وما قاله صاحب " الفروع " ظاهر. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في أ: بمنزلة.
(٢) كذا في الأصول. وفي " الفروع " ٥: ٢١٣: لها.
[ ٩ / ١١٦ ]
[فصل: في الشروط الفاسدة في النكاح]
(فصل. القسم الثاني) من الشروط في النكاح: شرط (فاسد، وهو) أي: القسم الفاسد (نوعان:
نوع) منهما (يبطل النكاح من أصله. وهو) أي: والنوع الذي يبطل النكاح من أصله (ثلاثة أشياء)؛
أحد الثلاثة: (نكاح الشغار. وهو: أن يزوجه) أي: يزوج رجل رجلًا (وليَّتَه على أن يزوِّجه الآخر وليَّتَه ولا مهر بينهما).
قيل: إن ما سمي هذا النكاح شغارًا، تشبيهًا في القبح برفع الكلب رجله ليبول، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
وحكي عن الأصمعي أنه قال: الشغار الرفع فكأن كل واحد منهما رفع رجله للآخر عما يريد.
ولا تختلف الرواية عن أحمد: أن نكاح الشغار فاسدً. رواه عنه جماعة.
قال أحمد: وروي عن عمر وزيد (^١) بن ثابت: أنهما فرقا فيه يعني: بين المتناكحين. وهو قول مالك والشافعي وإسحاق.
وحكي عن عطاء وعمرو بن دينار ومكحول والزهري والثوري: أنه يصح، وتفسد التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد؛ كما لو تزوج على خمر أو خنزير.
ولنا: ما روى ابن عمر " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار " (^٢) متفق عليه.
_________________
(١) في أ: وابن زيد.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٨٢٢) ٥: ١٩٦٦ كتاب النكاح، باب الشغار.
[ ٩ / ١١٧ ]
وروى أبو هريرة مثله (^١) . أخرجه مسلم.
وروى (^٢) الأثرم بإسناده عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام " (^٣) .
ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفًا في الآخر. فلم يصح؛ كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي، وليس فساده من قبل التسمية بل من جهة: أنه وقفه على شرط فاسد. ولأنه شرط تمليك البضع لغير الزوج. فإنه جعل تزويجه إياها مهرًا للأخرى. فكأنه ملكه إياها بشرط انتزاعها منه.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يقول: على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى، أو لم يقل ذلك. وقال الشافعي: هو أن يقول ذلك، ولا يسمي لكل واحدة صداقًا؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى عن الشغار " (^٤) .
والشغار: أن يقول الرجل للرجل زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى.
ولنا ما روى ابن عمر " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق " (^٥) .
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤١٥) ٢: ١٠٣٤ كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٠٧٤) ٢: ٢٢٧ كتاب النكاح، باب في الشغار. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٣٨) ٦: ١٢ ١ كتاب النكاح، تفسير الشغار. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٨٨٤) ١: ٦ ٠ ٦ كتاب النكاح، باب النهي عن الشغار. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٥٢٨٩) ٢: ٦٢. أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤١٦) ٢: ١٠٣٥ الموضع السابق.
(٢) في أ: وروي عن.
(٣) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٣٦) ٦: ١١١ كتاب النكاح، باب الشغار. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٩٩٦٠) ٤: ٤٣٩ كلاهما عن أنس بن مالك.
(٤) سبق تخريجه ص: ١٦٠.
(٥) سبق تخريجه ص: ١٢٤.
[ ٩ / ١١٨ ]
هذا لفظ الحديث الصحيح المتفق عليه وهذا يجب تقديمه لصحته.
وعلى أنه قد أمكن الجمع بينهما بأن يعمل بالجميع ويفسد النكاح بأي ذلك كان.
(أو يُجعل) في الأصح (بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهرًا للأخرى).
قال في " الإنصاف ": لو جعلا بضع كل واحدة ودارهم معلومة مهرًا للأخرى: لم يصح على الصحيح.
وقيل: يبطل الشرط وحده. انتهى.
(فإن سمَّوا مهرًا مستقلًا غير قليل، ولا حيلة: صح) النكاح. نص عليه، سواء كان المسمى مهر المثل أو أقل.
وقيل: يصح إن كان مهر المثل، وإلا فلا.
(وإن سُمي) المهر (لإحداهما) دون الأخرى: (صح نكاحها) أي: نكاح من سمى لها (فقط).
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو سمى لإحداهما مهر (^١) ولم يسم للأخرى شيء: فسد نكاح من لم يسم لها صداق لا غير.
قال المصنف والشارح: هذا أولى.
وقال أبو بكر: يفسد النكاح فيهما. وجزم به في " الرعاية الصغرى " وقدمه
في " الكبرى ". انتهى.
ووجه ما في المتن: أن في نكاح من سمي لها مهر تسمية وشرطًا. فأشبه ما
لو سمى لكل واحدة منهما مهرًا. ذكره القاضي هكذا.
ومن قال: زوجتك جاريتي هذه على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبتها صداقًا لابنتك لم يصح تزويج الجارية في قياس المذهب؛ لأنه لم يجعل لها صداقًا سوى تزويج ابنته.
_________________
(١) في ب: مهرًا.
[ ٩ / ١١٩ ]
وإذا زوجه ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها صح؛ لأن الجارية تصلح أن تكون صداقًا.
وإن زوج عبده امرأة وجعل رقبته صداقًا لها لم يصح الصداق؛ لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح، فيفسد الصداق، ويصح النكاح، ويجب مهر المثل. قال ذلك في " شرح المقنع ".
(الثانى) من الثلاثة أشياء: (نكاح المحلل. وهو: أن يتزوجها) أي: المطلقة ثلاثًا (على أنه إذا أحلها: طلقها، أو) على أنه إذا أحلها (فلا نكاح بينهما) وهذا باطل حرام في قول عامة أهل العلم، منهم الحسن والنخعي وقتادة ومالك والليث والثوري وابن المبارك والشافعي، وسواء قال: زوجتكها إلى أن تطأها، أو شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما.
وحكي عن الشافعي فيما إذا شرط عليه على أنه إذا أحلها للأول طلقها: قولان.
وحكي عن أبي حنيفة صحة النكاح في الجميع وبطلان الشرط.
ولنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لعن الله المحلل والمحلل له " (^١) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم من اصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وابنه وعثمان بن عفان. وهو قول الفقهاء من التابعين. وروي ذلك عن علي وابن عباس.
وقال ابن مسعود: " المحلل والمحلل له ملعونان على لسان محمد ﷺ ". وروى ابن ماجه عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: " ألا اخبركم بالتيس
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠٧٦ ٢) ٢: ٢٢٧ كتاب النكاح، باب في التحليل. وأخرجه النسائى في " سننه " (٣٤١٦) ٦: ١٤٩ كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا وما فيه من التغليظ. عن عبد الله. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٣٥) ١: ٦٢٢ كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له. عن علي.
[ ٩ / ١٢٠ ]
المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله لِلَّهِ قال: هو المحلِّل (^١)، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له " (^٢) .
وروى الأثرم بإسناده عن قبيصة بن جابر فال: سمعت عمر وهو يخطب الناس وهو يقول: " والله لِلَّهِ لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما ".
ولأنه نكاح إلى مدة، أو فيه شرط يمنع بقائه. فأشبه نكاح المتعة.
(أو ينويه) أي: ينوي الزوج التحليل (ولم يذكر) في العقد. يعني: أنه
متى نوى الزوج التحليل من غير شرط في العقد فالنكاح باطل أيضًا على الأصح. قال إسماعيل بن سعد: سألت أحمد عن الرجل يتزوج المرأة وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك، فال: هو محلل، إذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.
وهذا ظاهر قول الصحابة فروى نافع عن ابن عمر " أن رجلًا قال له: تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم. قال: لا. إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها (^٣) . قال: وإن كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه يريد أن يحلها ". وهذا قول عثمان بن عفان.
و" جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، أيحلها له رجل؟ قال: من يخادع الله يخدعه ".
وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي وقتادة وبكر المزنى والليث ومالك والثوري وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والشافعي: العقد صحيح، وذكر القاضي في صحته وجهًا
مثل قولهما.
_________________
(١) في أ: المحل.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٣٦) ١: ٦٢٣ كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له.
(٣) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٢١ ]
(أو يتفقا عليه) أي: على أنه نكاح محلل (قبله) أي: قبل العقد ولم يذكر حال العقد يعني: أنه لا يصح على الأصح.
ومحل ذلك: إذا لم يرجع عن هذا الاتفاق على أنه محلل حين العقد، فإن رجع عن ذلك ونوى عند العقد أنه نكاح رغبة صح العقد؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه. فصح؛ كما لو لم يتفقا عليه قبله.
وعلى هذا يحمل حديث ذي الرقعتين. وهو ما روى أبو حفص بإسناده عن محمد بن سيرين قال: " قدم مكة رجل ومعه إخوة له صغار وعليه إزار من بين يديه رقعة ومن خلفه رقعة، فسأل عمر فلم يعطه شيئًا. فبينما هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته فطلقها ثلاثًا، فقال: هل لك أن تعطي ذا الرقعتين شيئًا ويحلك لي؟ قالت (^١): نعم إن شئت. فأخبروه بذلك. قال: نعم. فتزوجها فدخل بها فلما أصبحت أدخلتُ إخوتَه الدار. فجاء القرشي يحوم حول الدار ويقول: يا ويله غُلب على امرأته. فأتى عمر. فقال: يا أمير المؤمنين لِلَّهِ غُلبت على امرأتى. قال: من غلبك؛ قال ذو الرقعتين. قال: أرسلوا إليه. فلما جاءه الرسول. قالت له المرأة: كيف موضعك من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس. قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: طلق امرأتك، فقل: لا والله لِلَّهِ لا أطلقها. فإنه لا يكرهك، فألبسته حلة. فلما رآه عمر من بعيد قال: الحمد الله الذي رزق ذا الرقعتين. فدخل عليه. فقال: أتطلق امرأتك؛ قال: لا والله لِلَّهِ لا أطلقها. قال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط " (^٢) . ورواه سعيد عن هشيم عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين بنحو من هذا، وقال: من أهل المدينة.
(أو يزوِّج عبده بمطلقته ثلاثًا، بنية هبته) منها، (أو) هبة (بعضه) منها،
(أو بيعه) منها، (أو) بيع (بعضه منها: ليفسخ نكاحها) يعني: فإنه لا يصح النكاح نصًا.
_________________
(١) في أ: قال.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (١٩٩٩) ٢: ٥٢ في الطلاق، باب ما جاء في المحلل والمحلل له.
[ ٩ / ١٢٢ ]
قال أحمد في رواية حنبل: إذا طلقها ثلاثًا وأراد أن يراجعها فاشترى عبدًا وزوجها إياه فهذا نهى عنه عمر. يؤدبان جميعًا. وعلل أحمد فساده بشيئين: أحدهما: أنه شبه (^١) المحلل " لأنه إنما زوجها إياه ليحلها له.
والثانى: كونه ليس بكفء لها.
(ومن لا فُرقة بيده لا أئر لنيته.
فلو وهبت مالًا لمن تثق به ليشتري مملوكًا، فاشتراه وزوَّجه بها، ثم وهبه أو بعضه لها: انفسخ نكاحُها، ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منويّ ممن تؤثر نيتُه، أو شرطه وهو: الزوج).
قال في " التنقيح ": ولو دفعت مالًا هبة لمن تثق به ليشتري مملوكا فاشتراه وزوجه بها ثم وهبه لها: انفسخ النكاح ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه وهو الزوج، ولا أثر لنية الزوج والولي. قاله في " إعلام الموقعين "، وقال: صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها. وذكر كلامه في " المغني " فيها.
قال في "المحرر " و"الفروع " وغيرهما: ومن لا فرقة بيده لا أثر لنيته. انتهى.
(والأصح قول المنقح) بعد ذلك: (قلت: الأظهر عدم الإحلال).
قال في " الواضح ": نيتها كنيته.
وقال في " الروضة ": نكاح المحلل باطل إذا اتفقا فإن اعتقدت ذلك باطنًا
ولم تظهره صح في الحكم وبطل فيما بينها وبين الله تعالى. انتهى.
(الثالث) من الثلاثة أشياء المبطلة للنكاح: (نكاح المتعة، وهو: أن يتزوجها) أي: يتزوج الرجل المرأة (إلى مدة، أو) يتزوجها (يشرط طلاقها فيه) أي: في النكاح (بوقت)؛ كزوجتك ابنتي شهرًا، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو إلى قدوم الحاج، أو إلى قدوم زيد. فإن النكاح في هذه الصور كلها باطل. نص على ذلك أحمد وعليه جماهير الأصحاب.
_________________
(١) في ب: شبيه.
[ ٩ / ١٢٣ ]
وعنه: يكره ويصح. ذكرها أبو بكر في " الخلاف " وأبو الخطاب وابن عقيل، وقال: رجع عنها أحمد، وغير أبي بكر يمنع هذا، ويقول: المسألة رواية واحدة.
(أو ينويه) أي: ينوي الزوج طلاقها في وقت (بقلبه، أو يتزوج الغريب
بنية طلاقها إذا خرج).
قال في " الإنصاف ": لو نوى بقلبه فهو كما لو شرطه على الصحيح من المذهب. نص عليه وعليه الأصحاب.
قال في " الفروع ": وقطع الشيخ فيها بصحته مع النية. ونصه: والأصحاب خلافه.
ونقل أبوداود فيها: هو شبيه بالمتعة. لا، حتى يتزوجّها على أنها امرأته (^١) ما حييت. انتهى.
وعلى تحريم المتعة مالك في أهل المدينة وأبو حنيفة في أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر والشافعي، وسائر أصحاب الآثار.
وقال زفر: يصح النكاح ويبطل الشرط.
وحكي جوازها عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وإليه ذهب الشيعة؛ لأنه قد ثبت " أن النبي ﷺ أذن فيها " (^٢) .
وروي أن عمر قال: " متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة النساء ومتعة الحج " (^٣) .
ولأنه عقد على منفعة. فجاز مؤقتًا؛ كالإجارة.
_________________
(١) في أ: امرأة.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٥) ٢: ١٠٢٢ كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى " سننه " (٨٥٢) ١: ٢١٨ كتاب النكاح، باب ما جاء في المتعة.
[ ٩ / ١٢٤ ]
ولنا: ما روى الربيع بن سبرة أنه قال: " أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله نهى عنه في حجة الوداع " (^١) .
وفي لفظ: " أن رسول الله ﷺ حرم متعة النساء " (^٢) رواه أبوداود.
وفي لفظ رواه ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: " يا أيها الناس لِلَّهِ إنى كنت أذنت في الاستمتاع. ألا لِلَّهِ وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة " (^٣) .
وروى سبرة قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة
ئم لم يخرج حتى نهانا عنها " (^٤) رواه مسلم.
وقد حكي عن ابن عباس الرجوع عن قوله بجواز المتعة. فروى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن جبير قال: " قلت لابن عباس لقد أكثرت في المتعة حتى قال فيها الشاعر:
أقول وقد طال الثوا بنا معًا يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقام ابن عباس خطيبًا فقال: إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير " (^٥) .
وأما إذن النبي ﷺ فيها فقد ثبت نسخه.
قال الشافعى: لا أعلم شيئًا أحله الله (^٦) ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة.
(أو يعلّق) النكاح (على شرط غير " زوجت أو قبلت إن شاء الله).
وإنما يبطل إذا كان التعليق على شرط (مستقبل؛ كـ) قوله: (زوجثك إذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٥٧٢) ٢: ٢٢٦ كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة ".
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠٧٣ ٢) ٢: ٢٢٧ الموضع السابق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٦١) ١: ٦٣٠ كتاب النكاح، باب النهي عن نكاح المتعة.
(٣) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٩٦٢ ١) ١: ٦٣١ الموضع السابق.
(٤) أخرجه مسلم فى " صحيحه " (١٤٥٦) ٢: ١٠٢٣ كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى ٧١: ٢٠٥ كتاب النكاح، باب نكاح المتعة،
(٦) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٢٥ ]
جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، أو إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها) فهذا كله باطل من أصله؛ لأنه عقد معاوضة. فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل؛ كالبيع.
ولأن ذلك وقف للنكاح على شرط ولا يجوز وقفه على شرط.
(ويصح) تعليق النكاح على شرط (ماض أو) على شرط (حاضر).
فالماضي (كـ) قوله: زوجتكها (إن كانت بنتي، أو كنت وليها، أو إن انقضت عدتها، وهما) أي: والزوجان (يعلمان ذلك) أي: أنها بنته، وأنه وليها، وأن عدتها انقضت.
والشرط الحاضر ما أشير إليه بقوله:
(أو) زوجتكها إن (شئتَ، فقال: شئتُ وقبلتُ، ونحوه)، أو زوجتكها حيث لا مانع من صحة نكاحها.
(النوع الثانى) من الشرط الفاسد. وهو ما يصح معه النكاح.
ومن أمثلة ذلك: (أن يشرط أن لا مهر) لها، (أو لا نفقة) لها، (أو يقسم لها أكثر من ضرتها، أو) أن يقسم لها (أقل) من ضرتها، (أو أن يشرطا) عدم وطء،
(أو) أن يشرط (أحدهما عدم وطء، أو نحوه) أي: نحو ذلك؛ كما لو شرط لها أن يعزل عنها، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه، أو أن تعطيه شيئًا.
(أو إن فارق رجع بما أنفق، أو) شرطا (خيارًا في عقد، أو) شرطا خيارًا
في (مهرٍ، أو) شرطت أنه (إن جاءها به) أي: بالمهر (في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما، أو) شرطت عليه (أن يسافر بها) ولو إلى بلد معين، (أو) أن (تستدعيَه لوطءٍ عند إرادتها، أو أن لا تسلِّم نفسها إلى مدة كذا، ونحوه)؛ كأن ينفق عليها في كل يوم عشرة دراهم. (فيصح النكاح دون الشرط) يعني: أن هذه الشروط كلها باطلة في نفسها؛ لأنها تنافي مقتضى العقد وتتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده. فلم تصح؛ كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل
[ ٩ / ١٢٦ ]
البيع. فأما العقد نفسه فهو صحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره. ولا يضر الجهل به. فلم يبطله؛ كما لو شرط في العقد صداقًا محرمًا.
ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض. فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد؛ كالعتاق.
وقد نص أحمد فيمن تزوج امرأة وشرط عليها: أن يبيت عندها في كل جمعة
ليلة ثم رجعت، وقالت: لا أرضى إلا ليلة وليلة، فقال: لها أن تترك بطيب نفس منها فإن ذلك جائز، وإن قالت: لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقًا لها تطالبه إن شاءت.
ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشرط ليها أن يأتيها في الأيام: يجوز الشرط، فإن شاءت رجعت.
وفيما إذا شرطا الخيار في النكاح أو إن جاءها بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما رواية، بعدم صحة النكاح.
(ومن طلَّق بشرطِ خيارٍ: وقع) طلاقه (^١) .
***
_________________
(١) في ب: طلاقها. وهو تصحيف.
[ ٩ / ١٢٧ ]
] فصل: إن شرط صفة ولم تتحقق]
(فصل. وإن شرطها) أي: شرط الزوج الزوجة (مسلمة، أو قيل) أي:
قال الولي للزوج: (زوجتك هذه المسلمة، أو ظنَّها) أي: ظن الزوج الزوجة (مسلمة ولم تُعرف بتقدم كفر فبانت كتابية، أو) شرطها الزوج، (بكرًا أو جميلة أو نسيبة، أو شرط) الزوج في العقد (نفي عيب) في الزوجة (لا يفسخ
به النكاح) أي: لا يملك به الزوج فسخ النكاح؛ كما لو شرطها سميعة أو بصيرة (فبانت بخلافه: فله) أي: فللزوج (الخيار) في الأصح؛ لأنه شرط صفة مقصودة فبانت بخلافها فثبت له الخيار. أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة ولو مع قيام الشرطين فيه. وكذا لو شرطها حسناء فبانت شوهاء، أو ذات نسب فبانت دونه، أو بيضاء فبانت سوداء، أو طويلة فبانت قصيرة.
(لا إن شرطها) أي: شرط الزوج الزوجة (كتابية أو أمة فبانت مسلمة)
فيما إذا شرطها كتابية، (أو) فبانت (حرة) فيما إذا شرطها أمة، (أو شرط) فيها (صفة فبانت أعلى منها) فإنه لا خيار له؛ لأن ذلك زيادة خير فيها.
(ومن تزوج أمة وظن) أنها حرة، (أو شرط أنها حرة فولدت) منه مع جهله رقها: (فولده حر)؛ لأنه اعتقد حريتها. فكان ولده حرًا (^١)؛ لاعتقاده ما يقتضي حريته. (ويفدي) يعني: أن الزوج يجب عليه أن يفدي (ما ولد) أي: ما ولدته زوجته الأمة (حيا) على الأصح؛ لقضاء عمر وعلي وابن عباس، وهو قول مالك والشافعي (^٢) وأصحاب الرأي.
_________________
(١) في الأصول: حر.
(٢) في أ: زيادة: لأنه محكوم بحريته عند الوضع فوجب أن يضمنه حينئذ؛ لأنه فات رقه من حينئذ. ولأن القيمة التي تزيد بعد الوضيع لم تكن مملوكه. وسوف تانى بعد عدة أسطر.
[ ٩ / ١٢٨ ]
ولأن الولد نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكًا لمالكها وقد فوت رقه باعتقاده الحرية. فلزمه ضمانه؛ كما لو فوت رقه بفعله.
ويكون فداء الولد (بقيمته) على الأصح؛ لأنه حيوان والحيوانات كلها متقومة (يوم ولادته) على الأصح. قضى بذلك عمر وعلى وابن عباس وهو قول الشافعي؛ لأنه محكوم بحريته عند الوضع. فوجب أن يضمنه حينئذ؛ لأنه فات رقه من حينئذ،
ولأن القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة. فلم يضمنها؛ كما بعد الخصومة.
(ثم إن كان) الزوج (ممن لا يحل له نكاح الإماء)؛ كما لو كان واجد
الطول أو غير واجده ولا يخاف العنت: (فُرِّق بينهما)؛ لأنا تبيتا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه. وهكذا إن كان تزويجها بغير إذن سيدها، أو اختل شرط من شروط صحه النكاح.
(وإلا) بأن كان ممن يباح له نكاح الإماء (فله الخيار) بين فسخ النكاح
والمقام عليه؛ لأنه عقد غر فيه أحد الزوجين بحرية الآخر. فثبت فيه الخيار؛ كالآخر.
(فإن رضي بالمقام) معها بعد ثبوب رقها بالبينه على الأصح، فلو أقرت لإنسان بالرق لم يقبل قولها على زوجها.
قال أحمد في رواية أبي الحارب: لا يستحقها بإقرارها؛ لأن إقرارها يزيل
النكاح عنها ويثبت حقا على غيرها. فلم يقبل؛ كإقرارها بمال على غيرها.
وولدت عنده (فما ولدت بعد) أي: بعد ثبوت رقها: (فرقيق) لمالك
الأمة؛ لأن ولد الأمة من نمائها، ونماؤها لمالكها.
(وإن كان المغرور) وهو الذي ظن أن الزوجة حرة، أو شرط كونها حرة
(عبدا: فولده) منها (حر)؛ لأنه وطئها معتقدا حريتها. فأشبه الحر، فإن هذا هو العلة المقتضية للحرية في محل الوفاق، ولولا ذلك لكان رقيقًا فإن علة
[ ٩ / ١٢٩ ]
رق الولد رق الأم خاصة، ولا عبرة بالأب بدليل ولد الحر من الأمة، وولد الحرة من العبد. و(يفديه) أي: يفدي العبد ولده بقيمته يوم ولادته (إذا عتق؛ لتعلقه) أي: تعلق الفداء (بذمته) في الأصح؛ لأنه فوت رقه باعتقاده الحرية وفعله، ولا مال له في الحال. فتعلق الفداء بذمته.
(ويرجع زوج)، سواء كان حرًا أو عبدًا (بفداء) غرمه على من غرّه إن كان الغارّ له أجنبيا على الأصح. قضى بذلك عمر وعلي وابن عباس. وبه قال الشافعي في القديم.
(و) يرجع الزوج أيضا (بـ) المهر (المسمى)؛ لأنه الواجب عليه،
لا مهر المثل على الأصح (على من غرّه: إن كان) الغارّ له (أجنبيًا) على الأصح؛ لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع عليه بالمهر.
(وإن كان) الغارّ للزوج (سيدها ولم تعتق بذلك) أي: ولم يكن التغرير بلفظ تثبت به الحرية، (أو) كان الغارّ للزوج (إياها) أي: الزوجة نفسها (وهي مكاتبة: فلا مهر له) أي: للسيد إن كان هو الغارّ، (ولا) مهر (لها) أي: للمكاتبة إن كانت هي الغارّة؛ لأنه لا فائدة في أن يجب لأحدهما ما يرجع به عليه.
(وولدها) أي: ولد الزوجة المكاتبة من الزوج المغرور (مكاتب، فيغرم
أبوه قيمته لها) إن لم تكن هي الغارّة، ويرجع بذلك على من غرّه.
(وإن كانت قنًا) الزوجة الغارة لم يسقط مهرها، ويغرمه ويغرم فداء ولدها ولسيدها في الأصح، وملك الرجوع عليها بنظير ما غرمه لسيدها، و(تعلق) ما يرجع به (برقبتها) في الأصح. فيخير السيد بين فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها، أو يسلمها. فإن اختار فدائها بقيمتها سقط قدر ذلك عن الزوج، فإنه لا فائدة في أن نوجبه عليه ثم ترده إليه، وإن اختار تسليمها سلمها وأخذ ما وجب له.
(والمعتق بعضها) إذا غرَّت زوجها بأن قالت: إنها حرة وتبين أنها مبعضة
[ ٩ / ١٣٠ ]
(يجب لها البعض) أي: ما يقابل حريتها من المهر، (فيسقط)؛ لأنه لا فائدة في أن نوجبه عليه ثم ترده، ويجب باقيه لمالك البقية، ويتعلق برقبتها كما قلنا في كاملة الرق.
(وولدها) أي: ولد المعتق بعضها (يغرم أبوه قدر رقه) أي: قيمة قدر ما
فيه من الرق؛ لأن باقيه حر بحرية أمه، لا باعتقاد الواطى.
(ولمستحق غرم) من سيد وزوجة مكاتبة ومبعضة (مطالبة غارٍّ) للزوج (ابتداء) أي: من غير أن يطالب الزوج.
قال في " الإنصاف ": لمستحق الفداء مطالبة الغار ابتداء. نص عليه، وجزم به في "المحرر " و" الرعايتين " و" الفروع " و" الحا وي " وغيرهم.
قال في " الرعاية ": قلت: كما لو بان عبدًا أو عتيقًا أو مفلسًا.
وجعل الشيخ تقي الدين: في المسألة روايتين.
قال ابن رجب: وكذلك أشار إليه جده في " تعليقته على الهداية ".
قال ابن رجب: (^١) وهو الأظهر.
ويرجع هذا إلى أن المغرور: هل يطالب ابتداء ما يستقر ضمانه على الغار،
أم لا يطالب به سوى الغار؟ كما نص عليه في رواية جماعة هنا.
ومتى قلنا: يخير بين مطالبة الزوج والغار ابتداء، وكان الغار معسرًا والآخر موسرًا فهل يطالب هنا؟ فيه تردد.
وقد تشتبه المسألة بما إذا كان عاقلة القاتل خطأ ممن لا تحمل العقل فهل يحمل القاتل الدية أم لا؟ انتهى.
(والغارُّ: من علم رقها) أي: رق الزوجة أو رق بعضها (ولم يبينه) للزوج. (ومن تزوجت رجلًا على أنه حر أو تظنه حرًا فبان عبدًا فلها الخيار: إن صح النكاح).
_________________
(١) في أزيادة: ولذلك أشار إليه جده. وهو وهم.
[ ٩ / ١٣١ ]
قال في " الإنصاف ": بلا نزاع. نص عليه. انتهى.
قال في " شرح المقنع ": أما النكاح فهو صحيح. وهو قول أبي حنيفه وأحد قولي الشافعي، لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحه العقد؛ كما لو تزوج أمة على أنها حرة، وهذا إذا كملت شروط النكاح وكان بإذن سيده، وإن كانت المرأة حرة وقلنا: الحريه ليست من شروط الكفاءة، أو أن فقد الكفاءه لا يبطل النكاح فهو صحيح وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن اختارت إمضائه فلأوليائها الاعتراض عليها، لعدم الكفاءة، وإن كانت أمة فينبغي أن يكون لها الخيار أيضًا، لأنه لما ثبت الخيار للعبد إذا غر من أمة ثبت للأمة إذا غرت بعبد. (وإن شرطت) الزوجة في الزوج (صفة)، ككونه نسيبًا، أو عفيفًا، أو جميلًا، أو نحوه، (فبان أقل) مما شرطته (فلا فسخ) لها، لأن ذلك ليس بمعتبر في صحة النكاح. أشبه ما لو شرطته طويلًا أو قصيرًا، (إلا بشرط حرية) يعني: إلا أن تشترط (^١) كونه حرا فيبين عبدا، لأنها لو كانت أمه وعتقت تحته كان لها فسخ النكاح. فهاهنا أولى.
_________________
(١) فى أوب تشترط.
[ ٩ / ١٣٢ ]
] فصل: في تخيير الأمة المعتقة]
(فصل. ولمن) أى: ولأمة ومبعضه (عتقت كلها تحت رقيق كله، الفسخ) بلا نزاع في المذهب. وحكاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما إجماعًا. لا إن كان حرًا على الأصح. وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أصحاب الرأي: لها الخيار؛ لما روى الأسود عن عائشة " أن النبي (^١)
ﷺ خير بريرة وكان زوجها حرا " (^٢) رواه النسائي.
ولأنها كملت بالحرية. فكان لها الخيار؛ كما لو كان زوجها عبدًا.
ولنا: أنها كافأت زوجها في الكمال. فلم يثبت لها خيار، كما لو أسملت الكتابية تحت مسلم.
فأما خبر الأسود عن عائشة فقد روى عنها القاسم بن محمد وعروة " أن زوج بريرة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يقال له: مغيث " (^٣) رواه البخاري وغيره. وهما أخص بها من الأسود، لأنهما ابن أخيها وابن أختها.
وقال ابن عباس: " كان زوج بريرة عبدًا أسود لبني المغيرة يقال له:
_________________
(١) في ب: رسول الله.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣٥) ٢: ٢٧٠ تفريع أبواب الطلاق، باب من قال: كان حرّا. وأخرجه النسائي في " سننه" (٣٤٥٩) ٦: ١٦٣ كتاب الطلاق، باب خيار الأمة تعتق وزوجها حر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٧٨) ٦٧١: ١ كتاب الطلاق، باب خيار الأمة إذا أعتقت. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٤٠٥) ٦: ١٧٠.
(٣) لم أجده في البخاري، وقد أخرجه أبو داود في "سننه " (٢٢٣٣ - ٢٢٣٤) ٢٧٠: ٢ كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد. وأخر جه أحمد في "مسنده " (٢٥٧٩٦) ٢٠٩: ٦
[ ٩ / ١٣٣ ]
مغيث " (^١) . رواه البخاري وغيره.
قال أحمد: هذا ابن عباس وعائشة قالا في زوج بريرة إنه عبد رواية علماء المدينة وعملهم (^٢)، وإذا روى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو أصح شيء. وإنما يصح أنه حر عن الأسود وحده. قال: والعقد صحيح فلا يفسخ بالمختلف فيه، والحر فيه اختلاف والعبد لا اختلاف فيه، ويخالف الحر العبد، لأن العبد نافص. فإذا كملت تحته تضررت ببقائها عنده. بخلاف الحر.
(وإلا) أي: وإن لم تعتق كلها تحت رقيق كله؛ كما لو أعتق مشتركة تحت
عبد شريك معسر فلا تصح.
(أو عتقا) أي: عتق الزوجان (معًا) بأن كانا لمالك واحد فأعتقهما بكلمة واحدة، أو كانا لاثنين ووكلا واحدًا فأعتقهما الوكيل بكلمة واحدة: (فلا) فسخ؛ لأنها لم تعتق كلها تحت رقيق كله.
وإذا اختارت الفسخ (فتقول: فسخت نكاحي، أو اخترت نفسي)، أو اخترت فراقه.
(و) قولها: (طلقتها) أي: طلقت نفسي (كناية عن الفسخ). فيفسخ النكاح إن نوت بذلك المفارقة؛ لأن قولها ذلك يؤدي معنى الفسخ. فصلح كونه كناية عنه؛ كالكناية بالفسخ عن الطلاق، ولا يكون فسخها لنكاحها طلاقًا، لقول النبي ﷺ: " الطلاق لمن أخذ بالساق " (^٣) .
ولأنها فرقة من قبل الزوجة. فكانت فسخًا؛ كما لو اختلف دينهما، أو أرضعت من ينفسخ نكاحه برضاعها.
ويصح فسخها (ولو متراخيًا)، كخيار العيب فيستمر بيدها، (ما لم يوجد
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٧٨) ٢٠٢٣: ٥ كتاب الطلاق، باب خيار الأمة تحت العبد. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣١) ٢: ٢٧٠ كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد.
(٢) في أ: وعلمهم.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٨١) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب طلاق العبد.
[ ٩ / ١٣٤ ]
منها ما يدل على رضا) بالمقام معه. روي ذلك عن عبد الله بن عمر وأخته حفصة؛ لما روى أبو داود " أن بريرة عتقت وهي عند مغيث عبد لآل أبي محمد. فخيرها النبى ﷺ، وقال لها: إن قربك فلا خيار لك " (^١) .
ولأنه قول من سمّينا من الصحابة.
قال ابن عبدالبر: لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفا من الصحابة.
(ولا يحتاج فسخها) أي: نفوذه (لحكم حاكم)؛ لأنه فسخ مجمع عليه
غير مجتهد فيه. فلم يفتقر إلى حكم حاكم؛ كالرد بالعيب في البيع. بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه مجتهد فيه. فافتقر إلى حكم الحاكم؛ كالفسخ للإعسار.
وروى الحسن بن عمرو بن أمية قال: سمعت رجالًا يتحدثون عن النبي ﷺ
أنه قال: " إذا عتقت الأمة فهي بالخيار مالم يطأها، إن شاءت فارقت، فإن وطئها فلا خيار لها " (^٢) . رواه الإمام أحمد.
وروي ذلك عن أحمد.
(فإن عتق) الزوج (قبل فسخ) بطل خيارها؛ لأن الخيار لدفع الضرر بالرق
وقد زال بعتقه. فيسقط؛ كالمبيع إذا زال عيبه.
(أو أمكنته) أي: أمكنت المعتقة زوجها العبد (من وطئها)، (أو) من (مباشرتها، ونحوه)؛ كما لو أمكنته من قبلتها (ولو جاهلة عتقها، أو) جاهلة (ملك الفسخ: بطل خيارها) على الأصح؛ لما تقدم من حديث عمرو بن أمية. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة: " أن مولاة لبني عدي يقال لها زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد] وهي أمة يومئذ [فعتقت. قالت: فأرسلت إليّ حفصة] زوج النبي [فدعتني. فقالت:] إنى مخبرتك خبرًا. ولا أحب أن تصنعي شيئا [إن أمرك بيدك، ما لم يمسك زوجك. فإن مسك فليس لك من
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣٦) ٢: ٢٧١ تفريع أبواب الطلاق، باب حتى متى يكون لها الخيار.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٦٦٧٠) ٤: ٦٥.
[ ٩ / ١٣٥ ]
الأمر شيء. فقالت: هو الطلاق. ثم الطلاق] ثم الطلاق [، ففارقته ثلاثا" (^١) . وروى مالك عن نافع عن ابن عمر " أن لها الخيار ما لم يمسها " (^٢) .
ويجوز للزوج وطؤها بعد عتقها مع عدم علمها بالعتق.
قال في " شرح المقنع ": ولا يمنع الزوج من وطئها.
وقال في "الإنصاف ": يجوز للزوج الإقدام على الوطء إذا كانت غير عالمة.
قال المجد في " شرحه ": قياس مذهبنا جوازه.
قال في القاعدة الرابعة والخمسين: وفيما قاله نظر، والأظهر تخريجه على الخلاف يعني: الذي ذكره في أصل القاعدة فإنه لا يجوز الإقدام عليه. انتهى.
وليس لمن لها دون تسع ولا لمجنونة خيار؛ لأنهما لا قول لهما معتبر.
(ولبنت تسع أو دونها: إذا بلغتها) أي: بلغت تسع سنين كاملة، (ولمجنونة
إذا عقلت الخيار) حينئذ؛ لكونهما صارا على صفة لكلامهما حكم.
وهكذا لو كان بزوجيهما عيب يوجبا الفسخ. فإن كان زوجاهما قد وطآهما فعلى قياس ما تقدم: أنه لا خيار لهما؛ لأن مدة الخيار انقضت.
(دون ولي) يعني: أنه لا يملك ولي المجنونة ولا من لها دون تسع الاختيار عنهما؛ لأن هذا (^٣) طريقه الشهوة. فلا يدخل تحت الولاية؛ كالاقتصاص. (فإن طُلقت) من عتقت تحت عبد (قبله) أي: قبل اختيارها الفسخ: (وقع) الطلاق؛ لأنه طلاق من زوج عاقل يملك العصمة. فنفذ؛ كما لو لم تعتق الزوجة، (وبطل خيارها: إن كان) الطلاق (بائنا) في الأصح.
وقال القاضي: طلاقه موقوف فإن اختارت الفسخ لم يقع وإن لم تختر وقع. (وإن عتقت) الأمة (الرجعية) في عدتها، (أو عتقت ثم طلقها) زوجها
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في " موطئه " (٢٧) ٢: ٤٤١ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخيار. وما بين الحاصرتين تتمة من " الموطأ ".
(٢) أخرجه مالك في " موطئه " (٢٦) ٢: ٤٤١ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخيار.
(٣) في أوب: هذه.
[ ٩ / ١٣٦ ]
طلاقا (رجعيا: فلها الخيار) يعني: ما دامت في العدة؛ لأن نكاحها باق يمكن فسخه ولها في الفسخ فائدة، فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ. وإذا فسخت
بنت على ما مضى من عدتها؛ لأن الفسخ لا ينافي عدة الطلاق ولا يقطعها، فهو
كما لو طلقها طلقة أخرى وتبني على عدة حره؛ لأنها عتقت في عدتها وهي رجعية.
(فإن رضيت) الرجعية (بالمقام) مع زوجها العبد بعد عتقها: (بطل)
خيار خيارها في الأ صح؛ لأنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ. فصح اختيار المقام؛ كصلب النكاح. وإن لم تختر شيئا لم يسقط خيارها؛ لأنه على التراخي.
ولأن سكوتها لا يدل على رضاها.
(ومتى فسخت) المعتقة نكاحها (بعد دخول: فمهرها لسيد)؛ لأنه وجب
بالعقد وهي ملكه حالته؛ كما لو لم تفسخ، والواجب المسمى في الحالين؛ لأنه
عقد صحيح اتصل به الدخول قبل الفسخ. فأوجب المسمى؛ كما لو لم تفسخ.
(و) متى فسخت نكاحها (قبله) أي: قبل الدخول: فـ (لا مهر). نص
عليه؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوجة. فسقط بذلك مهرها؛ كما لو ارتدت أو أرضعت من يفسخ نكاحها رضاعه.
(ومن شرط معتقها) عند إرادة إعتاقها: (أن لا تفسخ نكاحها ورضيت)
صح ولزمها.
قال في " الإنصاف ": قال الشيخ تقي الدين: لو شرط المعتق عليها دوام
النكاح تحت حر أو عبد إذا اعتقها، فرضيت: لزمها ذلك.
قال: ويقتضيه مذهب أحمد فإنه يجوز العتق بشرط.
قال في القاعدة الرابعة والثلاثين: إذا عتقت الأمة المزوجة: لم تملك منفعة
البضع، وإنما يثبت (^١) لها الخيار تحت العبد.
قال: ومن قال بسراية العتق، قال: قد ملكت بضعها. فلم يبق لأحد
_________________
(١) في ب: ثبت.
[ ٩ / ١٣٧ ]
عليها ملك. فصار الخيار لها في المقام وعدمه، حرًا كان أو عبدًا.
قال: وعلى هذا لو استثنى منفعة بضعها للزوج: صح، ولم تملك الخيار، حرًا كان أو عبدا. ذكره الشيخ. قال: وهو مقتضى المذهب. انتهى.
(أو بذل لها) أي: لمن عتقت تحت عبد (عوض لتسقط حقها من فسخ ملكته) بسبب العتق: (صح) ذلك (ولزمها).
قال في " الإنصاف ": لو بذل الزوج لها عوضا على أنها تختاره: جاز.
نص عليه في رواية مهنا. ذكره أبو بكر في " الشافي ".
قال ابن رجب: وهو راجع إلى صحة إسقاط الخيار بعوض. وصرح الأصحاب بجوازه في خيار البيع. انتهى.
(ومن زوج مدبرة لا يملك غيرها وقيمتها مائة بعبد، على مائتين مهرا، ثم مات: عتقت. ولا فسخ) أي: ولا خيار لها حيث كان موت سيدها (قبل الدخول) في الأصح؛ (لئلا يسقط المهر) على الأصح؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها أو يتنصف على رواية (^١)، (فلا تخرج من الثلب) على الروايتين، وإذا لم تخرج من الثلث كلها (فيرق بعضها) فيفضي إثبات الخيار لها إلى إسقاطه، (فيمتنع الفسخ).
قال في " الإنصاف ": ذكره في " المحرر " و" الرعايتين " و" الحاوي
الصغير " و" الفروع " وغيرهم.
قلت: فيعايا بها. انتهى.
(فهذه) الصورة (مستثناة من كلام من أطلق) وإذا عتقت الأمة فقالت لزوجها: زدنى في مهري ففعل فالزيادة لها دون سيدها، سواء كان زوجها حرا أو عبدا، وسواء عتق معها أو لم يعتق. نص عليه فيما إذا زوج عبده أمته ثم عتقا جميعا، فقالت الأمة: زدنى في مهري، فالزيادة للأمة لا للسيد.
_________________
(١) في ج زيادة: وإذا سقط.
[ ٩ / ١٣٨ ]
فقيل: أرأيت إن كان الزوج لغير السيد لمن تكون الزيادة؟ قال: للأمة.
قال في " شرح المقنع ": وعلى قياس هذا لو زوجها سيدها ثم باعها فزادها زوجها في مهرها فالزيادة للثانى. انتهى.
(ولمالك زوجين، بيعهما و) بيع (أحدهما. ولا فرقة بذلك) أي: ببيع السيد؛ لأن ذلك لا أثر له في عقد النكاح.
ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما البداءة بالرجل؛ لئلا يثبت للمرأة خيار عليه فتفسخ نكاحه.
وقد روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن عائشة " أنه كان لها غلام وجارية فتزوجا فقالت (^١) للنبي ﷺ: إنى أريد أن أعتقهما. فقال لها: ابدئي بالرجل قبل المرأة " (^٢) .
وعن صفية بنت أبي عبيد أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: " إنى بدأت بعتقك؛ لئلا يكون لها عليك خيار ". والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: فقلت.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣٧) ٢: ٢٧١ تفريع أبواب الطلاق، باب في المملوكين يعتقان معًا هل تخير امرأته. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٥٣٢) ٢: ٨٤٦ كتاب العتق، باب من أراد عتق رجل وامرأته فليبدأ بالرجل.
[ ٩ / ١٣٩ ]
] باب: العيوب في النكاح]
هذا (باب حكم العيوب في النكاح.
وأقسامها) أي: أقسام العيوب (المثبتة للخيار ثلاثة):
منها: (قسم يختص بالرجل).
ومنها: قسم يختص بالمرأة.
ومنها: قسم مشترك بين الرجل والمرأة.
ويروى ثبوت الخيار لكل من الزوجين إذا وجد بالآخر عيبا في الجملة عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس، وبه قال جابر بن زيد والشافعي وإسحاق.
وروي عن علي: " لا ترد الحرة بعيب "، وبه قال اصحاب الرأي.
وعن ابن مسعود: لا يفسخ النكاح بعيب، وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا، فإن للمرأة الخيار فإن اختارت الفراق فرق الحاكم بينهما بطلقة. ولا يكون فسخا؛ لأن وجود العيب لا يقتضي فسخ النكاح؛ كالعمى والزمانة وسائر العيوب.
ولنا: أن المختلف فيه يمنع الوطء. فأثبت الخيار؛ كالجب والعنة.
ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح. فجاز ردها بعيب؛ كالصداق وأحد العوضين في عقد النكاح. فجاز رده بالعيب.
ولأن الرجل أحد الزوجين. فيثبت له الخيار بالعيب في الآخر؛ كالمرأة.
فاما العمى والزمانة ونحوهما فلا يمنع المقصود بعقد النكاح وهو الوطء. بخلاف العيوب المختلف فيها.
[ ٩ / ١٤٠ ]
فإن قيل: فالجذام والجنون والبر ص لا يمنع الوطء.
قلنا: بل يمنعه فإن ذلك لوجب نفرة تفنع من فربانه بالكلية، ويخاف منه التعدي إلى نفسه ونسله، والمجنون يخاف منه الجناية. فصار كالمانع الهحسِّى. (وهو) أي: القسم المختص بالرجل ثلاثة أشياء:
أحدها: (كونه) أي: كون الرجل (قد قطع ذكره) كله، (أو) قطع (بعضه، ولم يبق) منه (ما يمكن جماع به و). متى ادعى الزوج إمكان الجماع بما بقي من ذكره وأنكرت امرأة فإنه (يقبل قولها في عدم إمكانه) في الأصح؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء.
الشيء الثانى: ما أشير إليه بقوله: (أو قُطع خُصيتاه، أو رُضَّ بيضتاه، أوسلا) أي: سل بيضتاه في الأصح؛ لأن في ذلك نقصا يمنع الوطء أو يضعفه. وقد روى أبو عبيد بإسناده عن سليمان بن يسار " أن ابن سند تزوج امرأة وهو خصي فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا. قال أعلمها ثم خيرها ".
الشيء الثالث: ما أشير إليه بقوله: (أو عنينا لا يمكنه وطء، ولو لكبر أو مرض). والعنين: هو العاجز عن إيلاج ذكره في الفرج مأخوذ من عن يعن إذا اعترض؛ لأن ذكره يعن إذا أراد أن يولجه أي: يعترض.
وثبوت خيار المرأة بعنه الرشل بعد تأجيله سنة، يروى عن عمر وعثمان
وابن مسعود والمغيرة بن شعبة. وعليه فتوى فقهاء الأمصار، منهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعى والشافعي.
وشذ الحكم بن عيينة وداود فقالا: لا يؤجل وهي امرأته. وروي ذلك عن
علي؛ " لأن امرأة أتت النبى ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة طلقنى فبت طلاقي فتزوجت بعبدالرحمن بن الزبير وإن ما له مثل هدبه الثوب، فقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " (^١) . ولم يضرب له مدة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٤٩٦) ٢: ٩٣٣ كتاب الشهادات، باب شهادة المخبي. عن عائشة.
[ ٩ / ١٤١ ]
ولنا: ما روي " أن عمر أجل العنين سنة " (^١) .
وروى ذلك الدارقطني عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة (^٢) ولا مخالف
لهم. ورواه أبو حفص عن علي.
ولأنه عيب يمنع الوطء. فأثبت الخيار؛ كالجب في الرجل، والرتق في المرأة.
وأما الخبر فلا حجة للمخالف فيه فإن المدة إنما تضرب له مع اعترافه أو
ثبوت العنة بالبينة وطلب المرأة ذلك ولم يوجد واحد منها.
وقال ابن عبدالبر: وقد صح أن ذلك كان بعد طلاقه فلا معنى لضرب المدة.
إذا تقرر هذا فمتى ادعت المرأة عجز زوجها عن الوطء لعنة (فإن اقر بالعُنّة، أو ثبتت) عنته (ببينةٍ، أو عدما) أي: الإقرار والبينة (فطلبت يمينه فنكل) عن اليمين (ولم يدّع وطئا) سابقا على دعواها: (أجِّل سنة هلالية منذ ترافُعه)؛ لأنه قول من سمّينا من الصحابة.
ولأن هذا العجز قد يكون لعنةٍ وقد يكون لمرض فضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة، فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل اليبس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراق مزاج زال في فصل الاعتدال، فإذا مضت الفصول الأربعة ولم يزل علم أنه خلقة.
(ولا يحتسب عليه منها) أي: من السنه (ما) أي: مدة (اعتزلته) الزوجة
فيها (فقط). قاله في " الترغيب " واقتصر عليه في " الفروع ".
قال في " الإنصاف ": لو اعتزلت المرأة الرجل لم تحتسب عليه من المدة،
ولو عزل نفسه أو سافر: احتسب عليه ذلك. ذكره في " البلغة ".
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٢١) ٣: ٣٠٥ باب المهر.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٢٢٤) ٣: ٣٠٥ باب المهر عن عبد الله بن مسعود، و(٢٢٥ - ٢٢٦ - ٢٢٧) ٣: ٣٠٦ باب المهر عن المغيرة بن شعبة.
[ ٩ / ١٤٢ ]
وذكر في "عمد الأدلة" احتمالين. هل يحتسب عليه في مدة نشوزها، أم لا؟
(فإن مضت) السنة (ولم يطأها فلها الفسخ) أي: فسخ نكاحها منه.
(وإن قال: وطئتها وأنكرت وهي ثيب: فقولها إن ثبتت عنّته) يعني: إن
كان دعواه وطئها بعد ثبوت عنته وتأجيله على الأصح.
قال في " الفروع ": وإن ادعاه بعد ثبوت عنته وتأجيله قبل قولها.
وعنه: قو له.
وعنه: يُخلا معها ويُخرج ماؤه على شيء، فإن قالت: ليس منيًا فإن ذاب
بنار فمني وبطل قولها، وإلا قوله. اختاره الخرقي والقاضي وأصحابه. انتهى.
ووجه كون القولط قولها في هذه الحالة: أنه انضم إلى عدم الوطء وجود ما يقتضي الفسخ وهو ثبوت العنة.
(وإلا) أي: وإن لم تثبت عنته (فـ) القول (قوله.
وإن كانت) المدعية لعنته (بكرًا وثبتت عنته وبكارتها: أجِّل) سنة، كما
لو كانت ثيبا، لأن الوطء يزيل العذرة. فوجودها يدل على عدم الوطء.
(وعليها اليمين إن قال: أزلتها وعادت)، لاحتمال صدقه.
(وإن شُهد) بالبناء للمفعول أي: قامت البينة (بزوالها) أي: زوال بكارتها (لم يؤجل) أي: لم يثبت له حكم العنين في تأجيله سنة؛ لبيان كذبها بثبوت زوال بكارتها، (وحلف) أي: وعليه اليمين (إن قالت): إن بكارتها (زالت بغيره) أي: بغير وطئه؛ لاحتمال صدقها.
(وكذا) الحكم في كونه لم يضرب له أجل العنين (إن لم تثبت عنته، وادعاه) أي: ادعى الوطء ولو مع دعواها البكارة ولم تقم ببكارتها بينة؛ لأن الأصل السلامة في الرجال، ويحلف على ذلك، لقطع دعواها.
(ومن اعترفت بوطئه) أي: وطء زوجها (في قُبُل) أي: قبلها (بنكاح ترافعا فيه، ولو) قا لت: وطئني (مرة) واحدة، (أو في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو ردة، ونحوه)؛ كفِي صوم واجب، ولو كان إقرارها بذلك (بعد
[ ٩ / ١٤٣ ]
ثبوت عنة)؟ لأنها إذا أقرت بذلك (فقد) أقرت أن عنته قد (زالت.
وإلا) أي: وإن كان إقرارها بذلك قبل ثبوت عنته (فليس بعنين)، لاعترافها بما ينافي دعواها.
ولأن حقوق الزوجية من استقرار المهر وثبوت العدة يثبت بالوطء مرة وقد وجد.
(ولا تزول عنة بوطء غير مدّعية) ولو في قُبُل، (أو) وطء مدعية (في دبر) في الأصح فيهما.
أما كون العنة لا يزول بوطء غير المدعية؛ لأن حكم كل امرأة معتبر بنفسها.
ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بعجزه عن وطئها، وهو لا يزول بوطء غيرها. وأما كون العنة لا تزول بالوطء في الدبر، لأنه ليس محلا للوطء. فأشبه الوطء فيما دون الفرج، ولذلك لا يتعلق به إحصان ولا إحلال لمطلقها ثلاثًا. (ومجنون ثبتت عنته كعاقل في ضرب المدة) عند ابن عقيل.
قال في " الإنصاف ". وهو الصواب. وعند القاضي: لا تضرب، وأطلقهما في "الفروع ". انتهى.
ووجه قول ابن عقيل: أن مشروعيته ملك الفسخ، لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء وذلك يستوي فيه المجنون والعاقل.
(ومَن) أي: والمرأة إن (حدث بها جنون فيها) أي: في المدة التي ضربت للعنين (حتى انتهت، ولم يطأ) فيها: (فلوليها) أي: " ولي المجنونة (الفسخ)، لتعذره من جهتها وتحقق احتياجها للوطء، بدليل دعواها عنته قبل جنونها.
(ويسقط حق زوجة عنين ومقطوع بعض ذكره بتغييب الحشفة) من سليمها
(أو قدرها) أي: قدر الحشفة من مقطوعها في الأصح، ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من الصحيح.
[ ٩ / ١٤٤ ]
وقيل: لا يخرج من العنة إلا بتغييب جميع الباقي بعد المقطوع.
القسم الثانى من العيوب المثبتة للخيار ما أشير إليه بقوله: (وقسم يختص
بالمرأة وهو) شيئان:
أحدهما: (كون فرجها مسدودًا لا يسلكه ذكر، فإن كان) ذلك (بأصل
الخلقة: فرتقاء) بالمد.
والرتقاء: المسدودة الفرج لرتق، وهو: تلاحم الشفرين.
(وإلا) أي: وإن لم تكن كذلك بأصل الخلقة (فقرناء)، وهي: من نبت
في رحمها لحم زائد فيسده.
(وعفلاء) والعفل: ورم يكون في اللحمة التي بين مسلكى المرأه فيضيق عنها فرجها فلا ينفذ فيه الذكر. حكاه الأزهري.
فعلى هذا العفل غير القرن.
وعدّ (^١) القاضي القرناء والعفلاء في العيوب شيئًا واحدًا. وهو ظاهر كلام الخرقي.
وقيل: القرن عظم، والعفل: رغوة فيه تمنع لذة الوطء.
الشيء الثاني من القسم المختص بالمرأه ما أشير إليه بقوله.
(أو به بَخَرٌ) أي: بالفرج، وهو: نتن في الفرج يثور عند الوطء، (أو) بالفرج (قروح سيَّالة، أو كونها فتقاء: بانخراق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج بول ومني، أو مستحاضة) في الأصح.
لقسم الثالث من؟ العيوب المثبتة للخيار في النكاح ما أشير إليه بقوله:
وقسم مشترك) يعني: بين الرجال والنساء، (وهو: الجنون ولو أحيانًا)
يعني ولو كان يخنق في الأحيان، (والجذام والبرص وبَخَرُ فم) وهو: نتن الفم. قال في " الفروع ": قال بعض أصحابنا: يستعمل للبخر السواك ويأخذ في
_________________
(١) فى ب: وعند.
[ ٩ / ١٤٥ ]
كل يوم ورقة آس مع زبيب منزوع العجم بقدر الجوزة، واستعمال الكرفس ومضغ النعناع جيد فيه.
قال بعضهم: والدواء القوي لعلاجه أن يتغرغر بالصبر كل ثلاثة أيام على الريق، ووسط النهار، وعند النوم، ويتمضمض بالخردل بعد الثلاثة أيام ثلاثة أيام أخر، يفعل ذلك في كل ما يتغير فمه إلى أن يبرأ، وإمساك الذهب في الفم يزيل البخر.
(واسْتِطْلاق بول، و) استطلاق (نَجْوٍ وباسُور وناصُور)، وهما داآن في المقعدة، فالباسور منه ما هو يأتي كالعدس أو كالحمص أو كالعنب أو كالتوت، ومنه ما هو غائر داخل المقعدة وينقسم كل من ذلك إلى ما يسيل وإلى ما لا يسيل. والناصور: قروح غائرة يحدث في المقعدة يسيل منها صديد، وينقسم إلى نافذة وغير نافذة. وعلامة النافذة: أن يخرج الريح والنجو بلا إرادة، وإذا أدخل في الناصور ميل وأدخل الإصبع في المقعدة فإن التقيا فالناصور نافذ.
(وقَرَعُ رأس، و) محله: إن كان (له) أي: لقرع الرأس (ريح منكرة.
وكون أحدهما خنثى) أي: غير مشكل، فإن المشكل لا يصح نكاحه على المذهب.
قال في " الرعايتين ": ويكون أحدهما خنثى غير مشكل أو مشكلا وصح نكاحه في وجه. انتهى.
(فيفسخ بكل من ذلك). أما في الجذام والبرص والجنون فرواية واحدة،
وأما ما عدا ذلك ففي الأصح؛ لأن من ذلك ما يخشى تعدي أذاه، ومنه ما فيه نفرة ونقص، ومنه ما يتعدى نجاسته.
فيملك الفسخ بكل من ذلك (ولو حدث) ذلك (بعد دخول) في الأصح؛
لأن كلا من ذلك عيب في النكاح ثبت به الخيار مقارنا. فأثبته طارئًا؛ كالإعسار. ولأنه عقد على منفعة. فحدوث العيب بها يثبت الخيار؛ كالإجارة.
[ ٩ / ١٤٦ ]
(أو كان) أي: ولو كان (بالفاسخ عيب مثله) أي: مثل العيب الذي فسخ
به في الأصح؛ لوجود سببه؛ كما لو غر عبد بأمة.
ولأن الإنسان قد يأنف من عيب غيره ولا يأنف من عيب نفسه.
(أو) كان بالفاسخ عيب (مغاير له) أي: بالعيب (^١) الذي فسخ به؛ كالأبرص يجد المرأة مجذومة أو نحو ذلك. فإنه يثبت لكل منهما الخيار على الآخر في الأصح؛ لوجود سببه.
قال في " شرح المقنع ": إلا أن يجد المجبوب المراة رتقاء فلا ينبغي أن يثبت لهما خيار؛ لأن عيبه ليس هو المانع لصاحبه من الاستمتاع، وإنما امتنع لعيب نفسه. انتهى.
(لا بغير ما ذكر) يعني: أنه لا يثبت الخيار لأحد الزوجين على الآخر بغير
ما ذكر من العيوب؛ (كعور، وعرج، وقطع يد ورجل، وعمى، وخرس، وطرش) وقرع لا ريح له، (وكون أحدهما عقيمًا أو نضوًا) أي: نحيف جدا، (ونحوه)؛ كالسمين جدا والكسيح؛ لأن ذلك كله لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم، إلا أن الحسن قال: إذا وجد الآخر عقيما يخير.
وأحب أحمد أن يبين أمره، قال: عسى امرأته تريد الولد.
وهذا في ابتداء النكاح فأما الفسخ فلا يثبت به، ولو ثبت لذلك لثبت في الآيسة؛ لأن ذلك لا يعلم، فإن رجالًا لا يولد لأحدهم وهو شاب ثم يولد له وهو شيخ، ولا يتحقق ذلك منهما.
وأما سائر العيوب فلا يثبت بها فسخ عندهم. والله اعلم.
_________________
(١) في ب: للعيب.
[ ٩ / ١٤٧ ]
] فصل: في العيوب غير المثبتة للخيار [
(فصل. ولا يثيت خيار في عيب زال بعد عقد، ولا لعالم به) أي: بالعيب (وقته) أي: وقت العقد.
قال في " الفروع ": ومتى زال العيب فلا فسخ، وكذا إن علم حالة العقد. ومنعه في "المغنى " في عنين. ذكره في المصراة. ويتوجه في غيره مثله. انتهى. (وهو) أي: وخيار العيب (على التراخي) في الأ صح؛ لأنه خيار ثبت لدفع ضرر متحقق. فكان على التراخي، كخيار القصاص.
(لا يسقط في عنّة إلا بقول) أي: بقول امرأة العنين: أسقط حقي من الخيار بعنته.
(ويسقط) خيارها (به) أي: بالقول (ولو أبانها ثم أعادها)؛ لأن العلم بعدم قدرة العنين على الوطء لا تعلم بدون التمكين] فلا يكون التمكين [(^١) دليلا على الرضى. فلم يبق في العنة سوى القول. بخلاف غيرها من العيوب.
وأما كونها يسقط حقها من خسار العنه إذا أبانها ثم أعادها؛ فإن عودها
لا يصح بغير رضاها، وإذا عادت عالمة بالعنة فقد رضيت بها، وسقط حقها من الخيار.
(ويسقط) الخيار (في غير عنه بما يدل على رضا: من وطء أو تمكين مع
علم به) أى: بالعيب (كَبِقَول) أي: كما يسقط بصريح القول. أشبه مشتري المعيب، فيسقط خياره بالقول، وبالدلالة على الرضى بالعيب.
(ولو جهل الحكم) أي: حكم ملك الفسخ، (أو زاد) العيب، كما لو
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٤٨ ]
كان برصه صغيرا فانبسط في جلده؛ لأن رضاه به رضى بما يحدث منه (^١) .
(أو ظنه) أي: ظن العيب (يسيرًا) فبان كثيرًا؛ كمن ظن البرص في قليل
من جسده فبان في كثير منه فإنه يسقط خياره أيضا؛ لأنه من جنس ما رضى به. (ولا يصح فسخ) أي: فسخ من له الخيار (بلا) حكم (حاكم فيفسخه) الحاكم بطلب من ثبت له الخيار (أو يرده إلى من له الخيار)؛ لأنه فسخ مجتهد فيه، فهو كفسخ العنه والفسخ للإعسار بالنفقه. ويخالف خيار المعتقه] تحت العبد [(^٢)؛ لأنهه متفق عليه.
(ويصح) الفسخ للعيب (مع غيبة زوج).
قال فى " الفروع ": وإن فسخ مع غيبته أو فرق بين متلاعنين بعد غيبتهما
ففي " الانتصار ": الصحة وعدمها. انمهى.
قا ل فى " تصحيح الفروع ": أحدهما: يصح.
قلب: وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب. ولم ينسب القول بعدم الصحة لأحد.
(فإن فسخ) النكاح (قبل دخول: فلا مهر) عليه، سواء كان الفسخ من الرجل أو من المرأة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقه من جهتها. فسقط مهرها؛ كما لو فسخت نكاحها برضاع زوجة له أخرى، وإن كان منه فإنما فسخ بعيب بها (^٣) دلسته بالإخفاء. فصار الفسخ كأنه منها.
فإن قيل: فهلا جعلتم فسخها لِعِنّة (^٤) كأنه منه؛ لحصوله بتدليسه.
قلنا: العوض من الزوج في مقابلة منافعها. فإذا اختارت فسخ العمد مع سلامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج. وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر للحقها، لا لمعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضًا فافترقا.
_________________
(١) في أوب: به.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أوب: لها.
(٤) فى ب: لعنته.
[ ٩ / ١٤٩ ]
(ولها) أي: للزوجة التي (^١) فسخت لعيب الزوج أو فسخ الزوج لعيبها (بعد دخول أو خلوة) المهر (المسمى) في العقد على الأصح، (كما لو طرأ العيب) " لأنه يجب بالعقد ويستقر بالدخول. فلم يسقط بحادث بعده. ولذلك لا يسقط بردتها ولا بفسخ نكاحها من جهتها.
ولنا: أنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح. فوجب المسمى؛ كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد.
والدليل على أن النكاح صحيح: أنه وجد بشروطه وأركانه. فكان صحيحا؛ كما لو لم يفسخه.
(ويرجع) الزوج (به) أي: بنظير المسمى الذي وجب عليه (على مغر من زوجة عاقلة، وولي ووكيل) على الأصح.
قال أحمد: كنت أذهب إلى قول علي فهبته فملت إلى قول عمر: إذا تزوجها فرأى جذامًا أو برصًا فإن لها صداقها بمسيسه إياها، ووليها ضامن للصداق.
وبهذا قالى مالك والشافعي في القديم. وذلك؛ لأنه غره في النكاح بما يثبت
به الخيار. فكان المهر عليه؛ كما لو غره بحرية أمة.
إذا ثبب هذا فإن كان الولي علم غرم، وإن لم يكن علم فالتغرير من المرأة فيرجع عليها بجميع الصداق.
(ويقبل قول ولي ولو محرما)، كأبيها وعمها وأخيها (في عدم علم به) أي: بالعيب. يعني: إن اختلفوا في علم الولي فشهدت عليه بينة بالإقرار بالعلم، وإلا فالقول قوله بيمينه أنه لم يعلم بعيبها.
ولنا على أن الولي إذا لم يعلم لم يغرم: أن التغرير من غيره. فلم يغرم؛
كما لو كان أجنبيا منها كالحاكم.
_________________
(١) في أوب: الذي.
[ ٩ / ١٥٠ ]
(فلو وُجد) التغرير من كل (من زوجة وولي: فالضمان على الولي) وحده. قاله القاضي وابن عقيل والموفق وغيرهم؛ لأنه المباشر.
وقال الموفق: فيما إذا كان الغرر من المرأة والوكيل: أن الضمان بينهما نصفان.
قال في " الإنصاف ": فيكون في كل من الولي والوكيل قولان. انتهى.
(ومثلها) أي: ومثل هذه المسألة، وهي: ما إذا غر الزوج في تزويج معيبة (في رجوع على غار: لو زوج) رجل (امرأة) معيبة (فأدخلوا عليه غيرها) أي: غير زوجته فوطئها فإن عليه مهر المثل؛ لوطء الشبهة، ويرجع به على من غره بإدخالها عليه.
(ويلحقه الولد) إن حملت. نص على ذلك.
(وإن طلقت) المعيبة (قبل دخول) بها، وقبل علم بالعيب، ثم علم به
بعد طلاقها قعليه نصف الصداق، ولا يرجع به على أحد؛ لأنه قد رضي بالتزامه بطلاقه. فلم يكن له أن يرجع به على أحد.
(أو مات أحدهما) أي: أحد الزوجين مع عيبهما أو عيب أحدهما (قبل العلم به) أي: بالعيب: استقر الصداق بالموت، وأما الرجوع (فلا رجوع) به على غارٍّ ولا غيره؛ لأن سبب الرجوع الفسخ ولم يوجد.
[ ٩ / ١٥١ ]
] فصل ليس لولي صغير تزويجه بمعيب]
(فصل. وليس لولي صغير أو صغيرة، أو) ولي (مجنون أو مجنونة،
أو) سيد (أمة تزويجهم بـ) امرأة أو رجل (معيب) عيبا (يرد به) في النكاح؛ لأنه ناظر لهم بما فيه الحظ والمصلحة، ولا حظ لهم في هذا العقد.
فإن فعل لم يصح؛ لأنه عقد لهم عقدا لا يجوز عقده. فلم يصح؛ كما لو
باع عقارا لمن (^١) في حجره لغير غبطة.
(ولا لولي حرة مكلفة تزويجها بلا رضاها).
قال في " شرح المقنع ": بغير خلاف نعلمه.
(فلو فعل) أي: زوجها بمعيب بغير رضاها (لم يصح) النكاح: (إن علم) أنه معيب؛ لأنها تملك الفسخ إذا علمت بعد العقد. فامتناع صحته أولى.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الولي أنه معيب: (صح) العقد.
(وله الفسخ إذا علم) بالعيب من غير أن ينتظرها في الأصح.
(وإن اختارت مكلفة) أن تتزوج (مجبوبًا) أي: مقطوع الذكر، (أو) أن تتزوج (عنينا: لم تمنع) أي: لم يكن للولي أن يمنعها في الأصح؛ لأن الحق في الوطء لها دون غيرها.
(و) إن اختارت المكلفة أن تتزوج (مجنونًا أو مجذومًا أو أبرص: فلوليها العاقد منعُها) في الأصح؛ لأن ذلك عارًا عليها وعلى أهلها، وضررًا يخشى تعديه إلى الولد؛ كمنعها من تزويجها بغير كفءٍ.
_________________
(١) في ج: لمن هو.
[ ٩ / ١٥٢ ]
(وإن) تزوجت بمعيب لم تعلم عيبه ثم (علمت العيب بعد عقد، أو) كان الزوج غير معيب حالة العقد ثم (حدث به) العيب:) لم تجبر) أي. لم يملك وليها إجبارها (على الفسخ) إذا رضيت؛ لأن حق الولي في ابتداء العقد لا في دوامه. ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم تلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ. والله ﷾ أعلم.
[ ٩ / ١٥٣ ]
] باب: أنكحة الكفار]
(باب نكاح الكفار. وهو) صحيح، وحكمه (كنكاح المسلمين فيما يجب به) من وقوع الطلاق والظهار والإيلاء، ووجوب المهر والقسم، والإباحة للزوج الأول والإحصان.
وممن أجاز طلاق الكفار عطاء والشعبي والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي.
ولم يجوزه الحسن وقتادة وربيعه ومالك.
ولنا: انه طلاق من، بالغ عاقل في نكاح صحيح. فوقع؛ كطلاق المسلم.
فإن قيل: لا نسلم صحة أنكحتهم.
قلنا: دليل ذلك: أن الله ﷾ أضاف النساء إليهم فقال: (وامرأته حمالة الحطب)] المسد: ٤ [، وقال: (امرأت فرعون)] التحريم: ١١ [وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
وقال النبي ﷺ: " ولدت من نكاح لا من سفاح " (^١) .
(و) إذا ثبتت صحتها ثبتت أحكامها كأنكحة المسلمين في (تحريم
المحرمات).
فعلى هذا إذا طلق الكافر زوجته ثلاثًا ثم تزوجها قبل زوج وإصابة ثم أسلما
لم يقرا عليه. وإن طلق امرأته أقل من ثلاث ثم أسلما فهي عنده على ما بقي من طلاقها. وإن نكح الكتابية كتابي وأصابها بشرطه حلت لمطلقها ثلاثا، سواء كان المطلق مسلمًا أو كافرًا.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٧: ١٨٩ كتاب النكاح، باب نكاح أهل الشرك وطلاقهم. بلفظ قوله ﷺ: " خرجت من نكاح غير سفاح ".
[ ٩ / ١٥٤ ]
وإن ظاهر الذمي من امرأته ثم أسلما فعليه كفارة الظهار؛ لقول الله سبحانه وتعا لى: (والذين يظاهرون من نسائهم ٠٠٠) الاية] المجادلة: ٣].
ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين على ما ذكرنا في باب المحرمات في النكاح.
(ويقر ون) أي: الكفار (على) أنكحة (محرمة) بشرطين:
أحدهما: ما أشير إليه بقوله: (ما اعتقدوا حلها) أي: إباحتها؛ لأن ما
لا يعتقدون حله ليس من دينهم. فلا يقرون عليه؟ كالربا والسرقة.
الشرط الثانى: ما أشير إليه بقوله: (ولم يرتفعوا إلينا)؛ لقول الله ﷾: (فإن جاءوك فأحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا)] المائدة: ٤٢].
فيدل هذا على أنهم يُخَلّون وأحكامهم إذا لم يجيئوا إلينا.
و"لأن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر" (^١) .
ولم يعترض عليهم في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم.
ولأنه أسلم خلق كثير في عصر النبي ﷺ فأقرهم على أنكحتهم ولم يكشف
عن كيفيتها.
فإذا لم يرتفعوا لم يعترض عليهم؛ لأنا صالحناهم على الإقرار على دينهم.
وعن أحمد في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية: يحول بينهما
الإمام.
فيخرج من هذا: أنهم لا يقرون على نكاح محرم.
(فإن أتونا قبل عقده: عقدناه على حُكمنا) يعني: لم نمضه إلا على الوجه الصحيح، مثل: أنكحة المسلمين بالإيجاب والقبول والولي والشهود؛ لأنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٩٨٧) ٣: ١١٥١ أبواب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب.
[ ٩ / ١٥٥ ]
لا حاجة إلى عقد يخالف ذلك. قال الله ﷾: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط)] المائدة: ٤٢].
(وإن أتوْنا بعده) أي: بعد أن عقد النكاح فيما بينهم، (أو أسلم الزوجان) على نكاح لم نتعرض لكيفية العقد من وجود صيغة أو ولي أو شهود.
نقل مهنا: من أسلم على شيء فهو عليه.
قال ابن عبدالبر: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حال واحده: أن لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع. وقد أسلم خلق كثيرون في عهد النبي ﷺ وأسلم نساؤهم فأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم النبي ﷺ عن شروط النكاح ولا كيفيته.
إذا تقرر هذا (فإن كانت المرأة تباح) للزوج (إذًا) أي: حالة (^١) الترافع؛ (كعقد في عدة فرغت) نصا (^٢)، (أو على أخت زوجة ماتت، أو) وقع (بلا شهود، أو) بلا (ولي، أو) بلا (صيغة: أقرا) على نكاحهما؛ لأن ابتداء النكاح حينئذ لا مانع منه. فلا مانع من استدامته؛ لأنه إذا لم يمنع الابتداء فا لاستدامة أولى.
(وإن) كانت الزوجة ممن (حرم ابتداء نكاحها الآن) أي: حالة (^٣) الترافع؛ (كذات محرم) من نسب أو رضاع، (أو في عدة) من غيره (لم تفرغ) حين الترافع، (أو) كانت (حبلى) حين الترافع (ولو) كان ذلك (من زنا) على الأصح، (أو) كان النكاح (شرط الخيار فيه مطلقا) بأن لم يقيد بمدة، (أو) شرط الخيار فيه (مدة لم تمض) حالة الترافع، (أو استدام نكاح مطلقته ثلاثًا ولو معتقدًا حلها) مع وقوع الطلاق الثلاث: (فرق بينهما) على الأصح، فيما إذا كان المفسد مختلفا فيه؛ كالنكاح بشرط الخيار ونحوه إذا كان
_________________
(١) في ج: في حالة.
(٢) في ج: فى حالة.
(٣) ساقط من أ.
[ ٩ / ١٥٦ ]
ذلك قبل انقضائه؛ لأنه حال يمنع من ابتداء العقد. فمنع من استدامته؛ كنكاح ذوات المحارم.
ولأن من شرط النكاح اللزوم، والمشروط فيه الخيار لا يعتقدان لزومه؛ لجواز فسخه. فلا يقران عليه، لعدم جواز ابتدائه.
(وإن وطئ حربي حربية. واعتقداه نكاحًا: أقرا) عليه؛ لأنا لا نتعرض لكيفية النكاح بينهم.
(وإلا) أي: وإن لم يعتقداه نكاحًا (فلا) يفران عليه؛ لأنه ليس بنكاح عندهما.
وإنما لم نتعرض لما اعتقداه نكاحًا؛ تأسيًا بفعل النبي ﷺ، وهذا سفاح.
فيجب إنكاره والتفريق بينهما.
(ومتى صح) المهر (المسمى) في نكاح أقرا عليه: (أخدته) دون غيره؛ لكونه الواجب؛ لأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح. فكان الواجب دون غيره؛ كتسمية السلم.
(وإن) فسد المسمى؛ كما لو كان خمرًا أو خنزيرًا و(قبضت الفاسد كله: استقر)؛ لأنهما تقابضا بحكم الشرك. فيصح التقابض وبرئت ذمة من هو عليه؛ كما لو ئبايعا بيعًا فاسدًا وتقابضاه والتعويض للمقبوض بإبطاله يشق، لتطاول الزمان، وكثرة تصرفاتهم فى الحرام، ودي ذلك تنفير عن الاسلام. فعفى عنه؛ كما عفى عما تركوه من الفرائض والواجبات.
(وإن بقي) من الفاسد (شئ) لم تقبضه: (وجب قسطه) أى: قسط الباقى معتبرًا (من مهر المثل)؛ كأنه أصدقها شيئا صحيحًا قبضت بعضه.
(ويعتبر) القسط (فيما يدخله كيل) بالكيل، (أو) ما يدخله (وزن) بالوزن، (أو) ما يدخله (عَدّ به) أى: بالعد فى الأصح؛ لأن العرف فيه كذلك.
فلو أصدقها عشرة خنازيرفقبضت خمسة وجب لها قسط ما بقى وهو نصف
مهر المثل؛ لأنه لا قيمة لها، فاستوى كبيرها وصغيرها. وهذا المذهب.
[ ٩ / ١٥٧ ]
وقيل: يعتبر في المعدود قيمته عند أهله؛ لأن أجزاء المعدود تختلف
بالكبر والصغر.
(ولو أسلما) أي: أسلم الزوجان وقد أصدقها خمرًا (فانقلبت خمر)
أصدقها إياها (خلًا، ثم طلق ولم يدخل) أي: قبل دخوله بالزوجة: (رجع بنصفه) أي: نصف الخل في الأصح.
والقول الثانى: لا يرجع بشيء.
(ولو تلف الخل قبل طلاقه: رجع) إذا طلقها (بنصف مثله)، لأنه مثلي.
(وإن) كان المسمى فاسدًا؛ كالخمر والخنزير و(لم تقبض) منه (شيئًا،
أو) تزوجها ولم (يُسمِّ) لها (مهر) في العقد: (فلها مهر مثلها) في الصورتين، لأن المسمى في الصورة الأولى لا يجوز إيجابه في الحكم، ولا يكون صداقا لمسلمة، ولا في نكاح مسلم: فبطل، وإذا بطل رجع إلى مهر المثل.
وأما في الصورة الثانية وهي: ما إذا لم يسم لها مهر؛ فلأنه نكاح خلا عن تسمية يجب فيه مهر المثل؛ كالمسلمة. وإنما وجب المهر في حق المسلمة؛ لئلا تصير كالموهوبة. وهذا يوجد في حق الذمية.
[ ٩ / ١٥٨ ]
] فصل: فيما إذا أسلم الزوجان]
(فصل. وإن أسلم الزوجان) الكافران (معًا) أي: بأن تلفظا با لإسلام دفعة واحدة؛ لئلا يسبق أحدهما صاحبه فيفسد النكاح. فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دين.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس: " أن رجلا جاء مسلمًا على عهد النبي ﷺ
ثم جاءت امرأته مسلمة بعده. فقال: يا رسول الله لِلَّهِ إنها كانت أسلمت معي فردها عليه " (^١) .
(أو) أسلم (زوج كتابية)، سواء كان كتابيا أو غير كتابي: (فـ) هما (على نكاحهما)؛ لأن للمسلم ابتداء نكاح الكتابية فاستدامته أولى.
ولا خلاف في هذا بين القائلين بجواز نكاح الكتابية للمسلم. ولا فرق في ذلك بين كون إسلامه قبل الدخول أو بعده.
(وإن أسلمت كتابية تحت كافر) قبل دخول انفسخ نكاحها، سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي، إذ لا يجوز لكافر نكاح المسلمة.
(أو) أسلم (أحد) زوجين (غير كتابيين قبل دخول: انفسخ) نكاحهما.
أما إذا كانت الزوجة هى المسلمة؛ فلقوله ﷾: (فلاترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)] الممتحنه: ١٠].
وأما إذا كان الزوج هو المسلم وليست الزوجة كتابية؛ فلقوله سبحانه
وتعا لى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)] الممتحنة: ١٠].
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٣٨) ٢: ٢٧١ تفريع أبواب الطلاق، باب إذا أسلم أحد الزوجين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٠٥٩) ١: ٢٣٢
[ ٩ / ١٥٩ ]
ولأن اختلاف الدين سبب للعداوة والبغضاء بدليل قوله سبحانه ولعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)] المجادلة: ٢٢].
والمقصود من النكاح: الاتفاق والائتلاف. فيكون منافيا؛ لاختلاف الدين. فكان من الزوج سببا للفرقة؛ كالطلاق من الزوجة سببا لتخليصها من ربقة النكاح الذي يملكه الكافر بالعقد.
(ولها) أي: وللزوجة (نصف المهر: إن أسلم) الزوج (فقط) أي: وحده دونها على الأصح؛ لأن الفرقة جاءت من قبله بإسلامه. فيكون لها نصف المهر؛ كما لو طلقها.
(أو أسلما) يعني: أنه يكون لها نصف المهر أيضا إذا أسلما (وادعت سبقه) أي: أنه أسلم قبلها، وقال الزوج: بل هي سبقت فقولها. فتحلف أنه سبق بالإسلام وتأخذ نصف مهرها.
ووجه ذلك: أن المهر ثابت في ذمته إلى حين الفرقة وهو يدعي ما يسقطه.
فلا يقبل، ويكون القول قول من يثبته.
(أو قالا) أي: قال كل من الزوجين الكافرين اللذين أسلما: (سبق أحدنا) بالإسلام، (ولا نعلم عينه) يعني: فإنه يكون له نصف المهر في الأصح؛ لأن الأصل بقاؤه في ذمته، والمسقط مشكوك فيه. فيرجع إلى الأصل.
(وإن قال) الزوج: (أسلمنا معا فنحن على النكاح، فأنكرته) بأن قالت:
سبق أحدنا فانفسخ النكاح: (فقولها) في الأصح؛ لأن الظاهر معها إذ يبعد اتفاق الإسلام منهما دفعة واحدة، والقول قول من الظاهر معه. ولذلك كان القول قول صاحب اليد.
(وإن أسلم أحدهما) أي: أحد الزوجين غير الكتابيين (بعد الدخول: وقف الأمر إلى انقضاء العدة) على الأصح؛ لما روى مالك في " موطئه " عن ابن شهاب قال: "كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو
[ ٩ / ١٦٠ ]
من شهر (^١) . أسلمت يوم الفتح وبقى صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر ثم أسلم فلم يفرق النبي ﷺ بينهما. واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح " (^٢) .
قال ابن عبدالبر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهاب: " أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى
أتى اليمن فارتحلت حى قدمت عليه اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم فبايع النبي ﷺ. فثبتا على نكاحهما " (^٣) .
وقال ابن شبرمه: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته. فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما.
ويفارق ذلك ما قبل الدخول: فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة؛ كالمطلقة، وهاهنا لها عدة. فإذا انقضت تبينا وقوع الفرقة من حين أسلم الأول فلا تحتاج إلى عدة ثانيه؛ لأن اختلاف سبب الفرقة. فتحتسب الفرقه منه؛ كالطلاق.
إذا تقرر هذا (فإن أسلم الثاني) أي: المتأخر عن المتأخر عن الإسلام (قبله) أي: قبل انقضاء العدة: (فـ) ـهما (على نكاحهما.
وإلا) أي: وإن لم يسلم الثانى قبل انقضاء العدة (تبينا فسخه) أي: فسخ النكاح (منذ أسلم الاول) من الزوج أو الزوجة.
(فلو وطئ) الزوج الزوجه قبل انقضاء عدتها (ولم يسلم الثاني فيها) أي:
في العدة: (فلها مهر مثلها)؛ لأنا تبينا أنه وطئها بعد البينونة وانفساخ النكاح. فيكون واطئًا في غير ملك.
(وإن أسلم) الثاني قبل انقضاء العدة وبعد الوطء (فلا) مهر عليه؛ لأنا
تبينا أنه وطئها في نكاحه. فلم يكن عليه شيء.
_________________
(١) أخرجه مالك في "موطئه " (٤٥) ٢: ٤٢٩ كتاب النكاح، باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله.
(٢) أخرجه مالك في "موطئه " (٤٤) ٢: ٤٢٨ الموضع السابق.
(٣) أخرجه مالك في " موطئه " (٤٦) ٢: ٤٢٩ الموضع السابق.
[ ٩ / ١٦١ ]
(وإن أسلمت قبله: فلها نفقة العدة ولو لم يسلم)؛ لأنه متمكن من الاستمتاع بها وإبقاء نكاحها بإسلامه في عدتها. فكان لها النفقة؛ كالرجعية. فإن قيل: إذا لم يسلم في عدتها تبينا أنها بانت من حين إسلامها فكيف تجب النفقة للبائن؟
قلنا: لأنه كان يمكن الزوج تلاقي نكاحها بإسلامه فكانت في معنى الرجعية.
(وإن أسلم قبلها: فلا) نفقة لها زمن العدة؛ لأنه لا سبيل له إلى تلاقي نكاحها. فأشبهت البائن، وسواء أسلمت بعد ذلك أو لم تسلم.
(وإن اختلفا) أي: الزوجان (في السابق) منهما إلى الإسلام، بأن قال الزوج: أسلمت قبلكِ فلا نفقة لك، وقالت المرأة: بل أنا المسلمة أولًا فلي النفقة، (أو جهل الأمر). قاله في " التنقيح ": (فقولها، ولها النفقة) في الأصح، لأن الأصل وجوبها. فلا يعدل عنه إلا بالبينة.
أما إن (^١) اتفقا على أن إسلامها بعد إسلامه وقالت: أسلمت في العدة، وقال هو: بل بعدها فقوله، لأن الأصل عدم إسلامها في العدة.
(ويجب الصداق بكل حال)، لأنه استقر بالدخول. فلم يسقط بشيء،
فإن كان مسمى صحيحًا فهو لها؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها حكم الصحة. ثم إن كان محرما وقد قبضته فليس لها غيره، لأنا لا نتعرض لما مضى مما تقابضاه. وإن لم تكن قبضته فلها مهر المثل، لأن المحرم لا يكون صداق المسلمة ولا في نكاح مسلم وقد صارت أحكامهم أحكام المسلمين.
ولا فرق في ذلك بين كونهما في دار الإسلام، أو دار الحرب أو كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام،؛ لأن أبا سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته بمكة لم تسلم وهي حينئذ دار حرب.
_________________
(١) في ب: إذا.
[ ٩ / ١٦٢ ]
ولأن أم حكيم أسلمت بمكة وزوجها عكرمة قد هرب إلى اليمن ثم أسلم المتخلف، وأقروا على أنكحتهم مع اختلاف الدين والدار.
فعلى هذا لو تزوج مسلم مقيم بدار الإسلام كتابية بدار الحرب صح نكاحه؛ لأنها امرأة يباح نكاحها إذا كانت بدار الإسلام. فأبيح نكاحها في دار الحرب؛ كالمسلمة. وعند المخالف: لا يصح.
(ومن هاجر إلينا بذمة مؤبدة، أو مسلمًا، أو مسلمة والآخر بدار الحرب:
لم ينفسخ) أي: نكاحه. قاله في " الفروع "، يشير بهذا إلى خلاف أبي حنيفة فإنه يقول: ينفسخ النكاح في هذه الصور.
[ ٩ / ١٦٣ ]
] فصل: إذا أسلم وتحته أكثر من أربع]
(فصل. وإن أسلم) كافر (وتحته أكثر من أربع) من النساء، (فأسلمن)
في عدتهن، (أو كنَّ) نساؤه (كتابيات) لم يكن له إمساكهن كلهن بغير خلاف، وأمر أن يختار منهن أربعا، فإن (اختار ولو) مع كونه (محرمًا أربعا منهن ولو من ميتات) صح اختياره، لأن الاختيار استدامة للنكاح، وتعيين للمنكوحة. فصح من المحرم في الأصح. بخلاف ابتداء النكاح.
وإنما صح الاختيار من الميتات، لأن الاعتبار في الاختيار بحال ثبوته، وحال ثبوته كن أحياء.
(إن كان مكلفًا، وإلا) أي. وإن لم يكن مكلفا (وقف الأمر حتى يكفف)، سواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود، وسواء اختار الأوائل أو الأواخر. نص على ذلك أحمد. وبه قال الحسن ومالك والليث والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفه وأبو يوسف: إن كان تزوجهن في عقد واحد انفسخ النكاح
في جميعهن، وإن كان في عقود فنكاح الأوائل صحيح ونكاح ما زاد على أربع باطل؛ لأن العقد إذا تناول أكثر من أربع فتحريمه من طريق الجمع. فلا يكون مخيرًا فيه بعد الاسلام؛ كما لو تزوجت المرأة بزوجين في حال الكفر ثم أسلموا. ولنا: ما روى قيس بن الحارث قال: " أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت للنبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: اختر منهن أربعًا " (^١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٤١) ٢٧٢: ٢ تفريع أبواب الطلاق، باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٥٢) ٦٢٨: ١ كتاب النكاح، بالب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة.
[ ٩ / ١٦٤ ]
وروى محمد بن سويد الثقفي: " أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة
فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا " (^١) . رواه الترمذي.
ورواه مالك في " موطئه " عن الزهري مرسلًا. ورواه الشافعي في "مسنده "
عن ابن علية عن معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه، إلا أنه غير محفوظ، غلط فيه معمر، وخالف فيه أصحاب الزهري. كذلك قال الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.
ولأن كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه جاز له إمساكه بنكاح مطلق فى حال الشرك؛ كما لو تزوجهن بغير شهود.
وأما إذا تزوجت زوجين فنكاح الثانى باطل، وإن جمعت بينهما لم يصح؛
لأنها لم تملكه جميع بضعها.
ولأن ذلك ليس بسائغ عند أحد من أهل الأديان.
ولأن المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه. بخلاف الرجل.
وأما كون الأمر يوقف مع عدم تكليف الزوج إلى أن يكلف؛ لأن غير المكلف لا حكم لقوله، وليس لوليه الاختيار؛ لأن ذلك حق يتعلق بالشهوة فلا يقوم غيره مقامه. فإذا كلف كان له أن يختار حينئذ.
(ويعتزل) وجوبًا (المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات)؛ لئلا يكون
واطئًا لأكثر من أربع فإن كن خمسا ففارق إحداهن فله وطء، ثلاث من المختارات ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة المفارقة، وإن كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات، وإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات، ولا يطأ الباقيات حتى تنقضي عدة المفارقات. فكلما
_________________
(١) أخرجه الترمذى في " جامعه " (١١٢٨) ٣: ٤٣٥ كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده عشر نسوة. وأخرجه الشافعي في " مسنده" (٤٣) ٢: ١٦ كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح. ولم أره في " الموطا ".
[ ٩ / ١٦٥ ]
انقضت عدة واحدة من المفارقات فله وطء واحدة من المختارات.
قال في " شرح المقنع ": هذا قياس المذهب.
وإذا تزوج أختين فدخل بهما ثم أسلم وأسلما معه فاختار إحداهما لم يطأها
حتى تنقضي عدة أختها؛ لئلا يكون واطئًا لإحدى الأختين في عدة الأخرى.
وإن كان إسلامهم قبل الدخول بالأختين فاختار إحداهما فلا مهر للأخرى؛
لأننا تبينا أن الفرقة وقعت بإسلامهم جميعًا. فلا يستحق مهرًا؛ كما لو فسخ
النكاح لعيب في إحداهما.
ولأنه نكاح لا يقر عليه في الإسلام. فلا يجب به مهر إذا لم يدخل بها؛ كما
لو تزوج المجوسي أخته ثم أسلما قبل الدخول.
وهكذا الحكم فيما زاد على الأربع إذا اسلموا جميعًا قبل الدخول فاختار
أربعًا منهن فإنه لا مهر للبواقي. وسيأتي التنبيه على ذلك في المتن.
(وأولها) أي: أول العدة: (من حين اختياره) للمختارات (أو يَمُتنَ) المفارقات يعني: أنه يجب عليه أن يعتزل المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات أو حتى يمتن.
(وإن أسلم بعضهن) أي: بعض الزوجات الزائدات على أربع (وليس
الباقي) أي: المتخلفات عن الإسلام (كتابيات ملك إمساكًا وفسخًا في مسلمة
وله تعجيل إمساك مطلقا، وتأخيره حتى تنقضي عدة البقية أو يسلمن) من الزوجات (خاصة) يعني: فليس له أن يختار واحدة ممن لم يسلمن. فمن أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم أربع منهن فله اختيارهن، وله الوقوف إلى أن يسلم البواقي. فإن مات اللائي أسلمن ثم أسلم الباقيات فله اختيار الميتات، وله اختيار الباقيات، وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء؛ لأن الاختيار ليس بعقد، وإنما هو تصحيح العقد الأول فيهن.
(فإن لم يسلمن) الباقيات (أو أسلمن وقد اختار أربعا فعدتهن منذ أسلم)
في الأصح؛ لأن الإسلام هو السبب الذي منع استدامة نكاحها. وإنما كانت
[ ٩ / ١٦٦ ]
مبهمة قبل الاختيار، إذ ليست إحداهن أولى بالفسخ من غيرها فبالاختيار تعينت، وكان العدة من حين السبب لا من حين التعيين.
(فإن لم يختر) من نسائه ما للفسخ وما للإمساك: (أجبر) على الاختيار (بحبس ثم تعزير) إن حبس ليختار فلم يختر، لأن الاختيار حق عليه. فألزم بالخروج منه إذا امتنع، كسائر الحقوق.
(وعليه نفقتهن) أي: نفقة جميعهن (إلى أن يختار)، لأن نفقة زوجاته واجبة عليه، وقبل الاختيار لم تتعين زوجاته من غيرهن بتفريطه. فيلزمه نفقتهن جميعًا؛ لأنه ليست إحداهن أولى بالنفقة من الأخرى.
(ويكفي) في الاختيار أن يقول: (أمسكت هؤلاء، أو تركت هؤلاء، أو اخترت هذه لفسخ، أو) اخترت هذه (لإمساك، ونحوه) أي: ونحو هذه الكلمات، كأبقيت هذه، وباعدت هذه.
(ويحصل اختيار بوطء أو طلاق)، لأنهما لا يكونان إلا في زوجة، (لا بظهار أو إيلاء) في الأصح، لأن الظهار والإيلاء كما يدلان على التصرف في المنكوحة يدلان على اختيار تركها. فيتعارض الاختيار وعدمه. فلا يثبت واحد منهما.
(وإن وطئ الكل) قبل التعيين بالقول: (تعين الأول) أي: الموطوءات
أولًا للإمساك، وتعينت الموطوءة بعد أربع وما بعدها للترك.
(وإن طلق الكل ثلاث ا: أُخرج) منهن (أربع بقرعة) للاختيار في الأصح
فكن المختارات، لأنه لا يملك الطلاق على أكثر من أربع. فإذا أوقع (^١) الطلاق على الجميع أخرج الأربع المطلقات بالقرعة، كما لو طلق أربعًا منهن لابعينهن.
واكتفى بقوله: فكن المختارات عن قوله: أنه يقع الطلاق بهن دون غيرهن؛ لأنه إذا اختاره كن زوجات فوقع الطلاق بهن دون غيرهن.
(وله نكاح البواقي) يعني: بعد عدة الأربع المخرجات بالقرعة، لأن الطلاق لم يقع بهن.
_________________
(١) في ب: وقع.
[ ٩ / ١٦٧ ]
(و) يجب (المهر لمن انفسخ نكاحها بالاختيار: إن كان دخل بها)؛ لأنه
مهر استقر بالدخول. فلم يسقطه شيء، كالدين.
(وإلا) أي: وإن لم يكن دخل بها (فلا) يجب.
قال فى " الفروع ": والمهر لمن انفسخ نكاحها بالاختيار. قاله
الأصحاب. انتهى.
وعبارته في " التنقيح " كما في المتن.
(ولا يصح تعليق اختيار بشرط). فلا يصح أن يقول: كلما أسلمت واحدة
فقد اخترتها.
(ولا) يصح (فسخ نكاح مسلمة لم يتقدمها إسلام أربع) سواها، وليس (^١) فيهن أربع كتابيات (^٢)؛ لأن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع، والاختيار للأربع، وهذه من جملة الأربع، إلا أن يزيد بالفسخ الطلاق فيقع، لأنه كناية. ويكون طلاقه إياها اختيارًا لها.
وإن قال: اخترت فلانة قبل أن تسلم لم يصح اختياره، لأنه ليس بوقت الاختيار. وإن فسخ نكاحها لم ينفسخ، لأنه لما لم يجز الاختيار لم يجز الفسخ. (وإن مات) من أسلم على أكثر من أربع نسوة (قبل اختيار) لأربع منهن، (فعلى الجميع) أي: جميع النسوة اللاتي أسلم عليهن (أطول الأمرين: من عدة وفاة، أو ثلاثة قروء) إن كن ممن يحضن، وحامل بوضعه، وصغيرة وآيسة بعدة وفاة، لتقضي العدة بيقين، لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة، وعدة المختارة عدة الوفاة، وعدة المفارقة ثلاثة قروء فأوجبنا أطولهما. ولأن فيهن زوجات وفيهن موطوءات بشبهة فالزوجة عليها عدة الوفاة والموطوءة بشبهة عليها عدة؛ كعدة الطلاق لتقضي العدة بيقين، كما قلنا فيمن نسي صلاة لا يعلم عينها: عليه خمس صلوات.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) ساقط من أوب.
[ ٩ / ١٦٨ ]
(ويرث منه) أي: من الميت (أربع) ممن أسلم عليهن (بقرعة).
قال في " شرح المقنع " قي قياس المذهب: وعند الشافعي يوقف حتى يصطلحن. انتهى.
(وإن أسلم) كافر (وتحته أختان) فأسلمتا معه أو كن كتابيات. (اختار منهما واحدة)؛ لما روى الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: " أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرنى النبي ﷺ أن أطلق إحداهما " (^١) . رواه الخمسة.
وفي لفظ الترمذي: " اختر أيهما شئت " (^٢) .
ولأن المبقاة امرأة يجوز له ابتداء نكاحها. فجاز له استدامته؛ كغيرها.
ولأن أنكحة الكفار صحيحة وإنما حرم الجمع وقد أزاله. فصح؟ كما لو طلق إحداههما قبل الإسلام. ولا مهر لغير المختارة إن لم يكن دخل بها؛ لأنه نكاح لا يقر عليه في الإسلام. فلا يجب به مهر إذا لم يدخل بها؛ كما لو تزوج المجوسي أخته ثم أسلما قبل الدخول.
وهكذا الحكم فيما زاد على الأربع إذا أسلموا جميعًا قبل الدخول فاختار أربعا وانفسخ نكاح البواقي فإنه لا مهر لمن انفسخ نكاحهن؛ لأن النكاح ارتفع من أصله؛ لأنه ممنوع من ابتدائه واستدامته. فوجوده كعدمه.
(وإن كانتا) أي: من أسلم عليهما كافر (^٣) (أمًّا وبنتًا، فسد نكاحهما: إن
كان دخل بالأم).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٤٣) ٢: ٢٧٢ تفريع أبواب الطلاق، باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٩٥١) ١: ٦٢٧ كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أختان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٠٧٠) ٤: ٢٣٢.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٣٥) ٣: ٤٣٦ كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان.
(٣) في أوب: كافرًا.
[ ٩ / ١٦٩ ]
أما فساد نكاح الأم؛ فلقوله ﷾: (وأمهات نسائكم)
] النساء: ٢٣ [وهذه أم زوجته. فتدخل في عموم الآية.
ولأنها أم زوجته. فتحرم عليه؛ كما لو طلق بنتها في حالة شركه.
ولأنه لو تزوج البنت وحدها ثم طلقها حرمت عليه أمها إذا أسلم. فإذا لم يطلقها وتمسك بنكاحها فمن باب أولى.
وأما فساد نكاح البنت؛ فلأنها ربيبة مدخول بأمها.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
(وإلا) أي: وإن لم يكن دخل بالأم (فنكاحها) أي: فيفسد نكاح الأم (وحدها)؛ لأن الأم تحرم بمجرد العقد على ابنتها على التأبيد فلم يمكن اختيارها، والبنت لا تحرم قبل الدخول بأمها فتعين النكاح فيها. بخلاف الأختين.
[ ٩ / ١٧٠ ]
] فصل: إذا أسلم حر وتحته إماء]
(فصل. وإن أسلم) حر (وتحته) زوجات (إماء) أكثر من أربع، (فأسلمن معه، أو) كن مدخولا بهن، أو خلا بهن فأسلمن (في العدة)؛ لأن إسلامهن في العدة كإسلامهن معه (مطلقا) أي: سواء كان إسلامهن قبله أو بعده؛ لأن العدة حيث وجبت لا تشترط المعية في الإسلام، (اختار) منهن (إن جاز له نكاحهن) أي: نكاح الإماء (وقت اجتماع إسلامه بإسلامهن) بأن كان عادمًا للطول خائفًا العنت. فيجوز أن يختار منهن واحدة، فإن كانت لا تعفه فله أن يختار منهن من تعفه على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم يجز له نكاح واحدة منهن وقت اجتماع إسلامه بإسلامهن: (فسد) نكاحهن؛ لأنهم لو كانوا جميعا مسلمين لم يجز ابتداء نكاح واحدة منهن. فكذلك استدامته.
(فإن كان) زوج الإماء (موسرًا) قبل إسلامهن، (فلم يسلمن حتى أعسر)
فله الاختيار منهن؛ لأن شرائط النكاح إنما تعتبر في وقت الاختيار فلو أسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى أيسر فليس له الاختيار؛ لما تقدم.
(او أسلمت إحداهن بعده ثم عتقت ثم أسلم البواقي: فله الاختيار) منهن؛
لأن العبرة بحالة الاختيار وهي حالة اجتماعهم على الإسلام، وحالة اجتماعهما على الإسلام كانت أمة.
(وإن عتقت) إحداهن (ثم أسلمت ثم أسلمن) أي: البواقي لم يكن له أن
يختار من الإماء، وتعينت التي أسلمت أولًا إن كانت تعفه؛ لأنه مالك لعصمة حرة حين اجتماعهما على الإسلام.
(أو عتقت) واحدة من الإماء (ثم أسلمن) أي: البواقي غير من عتقت
(ثم أسلمت) المعتقة تعينت إن كانت تعفه، ولم يكن له أن يختار من البواقي في
الأصح.
[ ٩ / ١٧١ ]
قال في " الإنصاف ". تنبيه: مفهوم قوله: وإن عتقت ثم أسلمت لم يكن
له الاختيار من البواقي: انها لو عتقت ثم أسلمت بعد إسلامهن كان له الاختيار، وهو أحد الوجهين.
والوجه الثانى. ليس له الاختيار بل تتعين الأولى إن كانت تعفه، وهو المذهب قدمه في " الفروع ". انتهى.
(أو عتقت) إحداهن (بين إسلامه وإسلامها تعينت الأولى إن كانت تعفه) وانفسخ نكاح البواقي في الصور الثلاث؛ لأن البواقى لا يصح نكاحهن إلا مع الحاجة وهي عدم الطول وخوف العنت، وذلك غير موجود هاهنا؛ لأن العفة حصلت له بالحرة وهي في نكاحه، ومتى قدر على نكاح حرة تعفه لم يجز له نكاح أمة فلذلك تعينت.
وعلم مما تقدم أنه لو عتقت إحداهن بعد إسملامه وإسلامها لم يؤثر؛ لأن الاعتبار في ثبوت الاختيار بحالة اختلاف الدين لا بحالة الاتفاق فيه، وثبوت النكاح والحرية إنما طرأت هنا بعد ثبوت النكاح، ولهذا كان له حينئذ ابتداء نكاحها فكذلك استدامته فلذلك لم يؤثر، ويختار منهن؛ لأنهن في باب النكاح سواءفيختار من جميعهن.
(وإن أسلم) حر (وتحته حرة وإماء، فأسلمت الحرة في عدتها قبلهن أو بعدهن: انفسخ نكاحهن، وتعينت الحرة: إن كان تعفه)؛ لأنه قادر على الحرة التي تعفه فلا يختار أمة عليها.
ومحل (هذا: إن لم يعتقن) الإماء (ثم يسلمن فى العدة. فإن وجد ذلك فكالحرائر) فله أن يختار منهن أربعًا.
وإن أسلمت الحرة معه دون الإماء ثبت نكاحها وانقطعت عصمة الإماء، وابتداء عدتهن من حين أسلم.
وإن أسلم الإماء دون الحرة ولم تسلم الحرة حتى انقضت عدتها بانت باختلاف الدين، وله أن يختار من الإماء مع وجود الشرطين فيه؛ لأنه لم يقدر على الحرة.
[ ٩ / ١٧٢ ]
وليس له أن يختار من الإماء قبل انقضاء عدة الحرة؛ لأننا لا نعلم أنها
لا تسلم في عدتها.
وإن طلق الحرة ثلاثا قبل إسلامها ثم لم تسلم في عدتها لم يقع الطلاق؛ لأنا
تبينا أن النكاح انفسخ باختلاف الدين. وإن أسلمت في عدتها بان أن نكاحها كان ثابتا ووقع فيه الطلاق.
(وإن أسلم عبد وتحته إماء فأسلمن معه، أو) أسلمن متفرقات (في العدة، ثم عتق أو لا) يعني: أو لم يعتق: (اختار) منهن (ثنتين) فقط؛ لأن العبد لا يحل له أكثر من ثنتين.
ولأن السبب الموجب لفسخ نكاح الزائد على الثنتين قائم، وهو كونهم مسلمين في حال رقه، وهذا موجود ولا يزول بعتقه بعد ذلك.
(وإن أسلم وعتق ثم أسلمن، أو أسلمن تم عتق ثم أسلم: اختار أربعًا بشرطه) وهو عدم الطول وخوف العنت؛ لأن السبب الموجب لبقاء النكاح بينهم هو اجتماعهم في الإسلام وقد حصل وهو حر؛ لأنه يجوز له ابتداء نكاحهن حينئذ، فيجوز له إبقاؤه.
(ولو كان تحته) أي: تحت العبد (حرائر فأسلمن معه: لم يكن لهن خيار الفسخ).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره المصنف يعنى: الموفق وغيره.
قال القاضي وابن عقيل: هذا قياس المذهب.
وقال القاضي في " الجامع ": هو كالعيب الحادث. انتهى.
(ولو أسلمت من تزوجت باثنين في عقد: لم يكن لها أن تختار أحدهما،
ولو اسلموا معًا).
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي محل وفاق. انتهى.
[ ٩ / ١٧٣ ]
] فصل: إذا ارتد الزوجان قبل الدخول]
(فصل. وإن ارتد أحد الزوجين، أو هما) أي: أو الزوجان (معًا، قبل الدخول: انفسخ النكاح) في قول عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن داود: أنه لا ينفسخ بالردة؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
ولنا: قول الله ﷾: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)
] الممتحنة: ١٠ [، وقوله ﷾: (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)] الممتحنه: ١٠].
ولأن الارتداد اختلاف دين وقع قبل الإصابة. فوجب فسخ النكاح؛ كما لو أسلمت تحت كافر.
(ولها) أي: وللزوجة (نصف المهر: إن سبقها) زوجها با لارتداد، (أو ارتد) الزوج (وحده) دون الزوجة، لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج. فتنصف المهر بها، كالطلاق.
وعلم مما تقدم أنها إن كانت هي السابقة بالارتداد أو كانت هي المرتده وحدها: أنه لا مهر لها؛ لأن الفرقه جاءت من قبلها. فسقط بذلك مهرها؛ كما لو أرضعت قبل الدخول من يفسخ به نكاحها.
(وتقف فُرقة) بردة (بعد دخول، على انقضاء عدة) على الأصح، لأن الردة لفظ تقع به الفرقة. فإذا وجد بعد الدخول جاز أن يقف على انقضاء العدة؛ كالطلاق الرجعي، أو نقول اختلاف (^١) دين بعد الإصابة. فلا يوجب فسخه في الحال؛ كإسلام الحربية تحت الحربي.
_________________
(١) في أ: اخلاف.
[ ٩ / ١٧٤ ]
(وتسقط نفقة العدة، بردتها وحدها)؟ لأنه لا سبيل للزوج إلى رجعتها وتلافي نكاحها. فلم تكن لها نفقة، كما بعد العده.
وعلم مما تقدم أنه لو كان هو المرتد كان عليه نفقه العدة؟ لأنه لا سبيل إلى رجعتها وتلافي نكاحها بعوده إلى الإسلام. أشبه زوج المطلقة طلاقا رجعيا. (وإن لم يعد) المرتد منهما إلى الإسلام في العدة (فوطأها فيها، أو طلق: وجب المهر) بوطئها في العدة، (ولم يقع الطلاق)، لأنا تبينا أن الفرقة وقعت حين اختلف الدينان، وان الوطء وقع في غير زوجة. ولا حد عليه بهذا الوطء، لشبهة النكاح.
(وإن انتقلا) أي: الزوجان (او احدهما إلى دين لا يمر عليه) المنتقل؟ كاليهودي يتنصر، والنصرانى يتهود، (او تمجس كتابي تحته كتابية،. او تمجست) الكتابية (دونه) أي: دون زوجها الكتابي: (فكردة) يعني: أن الفرقة تقف إلى انقضاء العدة إذا كان ذلك بعد الدخول، وتتنجز إذا كان ذلك قبل الدخول، لأن ذلك انتقال إلى دين قد أقر ببطلانه. فلم يقر عليه؟ كالمرتد. والله ﷾ اعلم.
[ ٩ / ١٧٥ ]