بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة]
[وهو حسبي ونعم الوكيل] (^١).
الحمد لله ذي الإكرام والجلال، المبين على لسان نبيه ما حرم من حرام وما أحل من الحلال، المنزه عما لا يليق به من الخلال، الذي ليس لخلقه بذاته اتصال، ولا لعقولهم في حقيقة معرفته مجال، المرشد إلى التفقه في الدين من
اختاره من النساء والرجال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المحمود على كل حال، شهادة أدخرها إلى يوم توزن الأعمال وتسير الجبال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله؛ خير بني ادم وأرفعهم مقاما، وأفصحهم فى المقال. صلى الله عليه وعلى صحبه واله خير صحب وآل، صلاة وسلاما دائمين متلازمين من غير زوال.
أما بعد: فان الاشتغال بالعلم من أفضل الأعمال خصوصًا علم الفقه المتعلق
بأحكام الحرام والحلال. وقد كنت ألفت (^٢) كتابا فيه على مذهب الإمام المبجل، والحبر المفضل أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه. جمعت فيه بين " المقنع " و" التنقيح المشبع " الذي هو تصحيح عليه، وزدت على مسائلهما ما ظهر لي انه من المحتاج إليه، لكنني لما بالغت في اختصار ألفاظه، صارت
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) في ج: وقد كتبت.
[ ١٤٥ ]
ألفاظه، على وجوه عرائس (^١) معانيه كالنقاب. فاحتاجت إلى شرح يبرزها لمن يريد إبرازها من الطلاب والخطاب. فتصديت لكتاب يشرحه شرحًا يبين حقائقه ويوضح معانيه ودقائقه (^٢) . راجيا من الله تعالى جزيل الثواب في يوم المرجع والمآب.
(بسم الله الرحمن الرحيم): ابتدأت بها امتثالا، لقوله ﷺ: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله (^٣) فهو أبتر " (^٤) . والباء متعلقة بمحذوف تقديره: أبدأ.
وانما كان الامتثال الإتيان بهذه الصيغة دون صيغة بالله الرحمن الرحيم " ليكون ذلك اقتداء بكتاب الله ﷾، وللتبرك بذكر اسمه، وللفرق بين التيمن واليمين.
والله: علم على الذات يوصف ولا يوصف به.
والرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة من رحم " كالغضبان من غضب، والعليم من علم. والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى.
وانما قدم والقياس يقتضي الترقي، لأنه صار كالعلم من حيث انه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها. وذلك لا يصدق على غيره، أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم " ليتناول ما خرج منها فتكون كالتتمة.
(أحمد الله) أي أصفه بجميع صفاته التي كل منها جميل. فان رعاية الجميع أبلغ في التعظيم المراد بقولي أحمد " لأن هذه الصيغة تدل على إيجاد الحمد الذي هو الثناء على الله بجميع المحامد لا الإعلام (^٥) بذلك.
_________________
(١) في ج: غير آيس.
(٢) جاء في هامش ج ما نصه: جمع دقيقة، وهي المسألة الغامضة. من دق الشيء، صار دقيقا، أي غامضا. اهـ. والمراد بذلك شرح لكلمة دقائقه.
(٣) في ج: ببسم الله الرحمن الرحيم.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٨٦٩٧) ٢: ٣٥٩ من حديث أبي هريره ﵁.
(٥) في هامش ج: أي الإخبار.
[ ١٤٦ ]
وانما أتيت بلفظ الجلالة دون بقية الأسماء كالحي والقيوم " لئلا يتوهم اختصاص استحقاقه الحمد بذلك الوصف؛ كالحياة والقيومية دون غيره. (وحق) بضم الحاء (لي أن أحمد). أي أنا جدير بأن أحمد الله ﷾؛ لتواتر نعم الله ﷾ التي لا تحصى علي، ومنها تأهيلي للاشتغال بالعلم المنتفع به امتثالا لقوله ﷾: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
ولما كان الحمد على النعمة واجبًا بدأت به.
ثم قلت: (وأصلي وأسلم على خير خلقه أحمد) امتثالا لقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
فمعنى وأصلي أي أقول: اللهم صل على النبي. ومعنى وأسلم أي أقول السلام عليك أيها النبي. وفي ذلك إشارة إلى الاعتناء بإظهار شرفه وتعظيم شانه.
وهذا من رفع ذكره المخبر به في قوله ﷾: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[الشرح: ٤].
قال الأزهري: ومعنى الصلاة من الله ﷾: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدمي: التضرع والدعاء.
وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء.
وتستحب الصلاة عليه بتآكد، وتتآكد كلما ذكر. وقيل: بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه.
(وعلى آله). وفيهم أقوال:
أحدها: انهم الأتقياء من أمته.
والثانى: انهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف.
[ ١٤٧ ]
والثالث: انهم أتباعه على دينه. وهذا الصحيح عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه (^١) .
(و) على (صحبه). وهم: من لقي النبي ﷺ مؤمنا ولو ارتد ثم اسلم ومات على إيمانه.
(و) على (تابعيهم) أي تابع الصحب (على المذهب) أي على المعتقد (الأحمد) أي الأرضى لله ﷾.
(وبعد) بالبناء على الضم أي بعد ما ذكر.
(فالتنقيح)، أي: فالكتاب الموسوم بـ " التنقيح " (المشبع في تحرير أحكام المقنع في الفقه) المقرر (على مذهب الإمام المبجل) أى المعظم (ابي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنب- بكسر الهاء - بن أفصى- بالفاء والصاد المهملة- بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الشيباني) نسبة لشيبان بن ذهل بن ثعلبة المذكور (رضي الله تعالى عنه: قد كان المذهب)، أى الطريقة المنسوبة إلى الإمام المتقدم (^٢) ذكره في أحكام أفعال المكلفين (محتاجا إلى مثله)، أي مثل " التنقيح "؛ فانه صحح ما أطلقه الشيخ الموفق في " المقنع " من الروايتين أو الروايات، ومن الوجهين أو الأوجه، وقيّد ما أخل به من شرط، وفسر ما فيه من إبهام في حكم أو لفظ، واستثنى من عموم ألفاظه ما هو مستثنى على المذهب، حتى خصائص النبي ﷺ، وما هو مقيد للإطلاق، وكمّل على بعض فروع مسائله ما هو مرتبط بها، وزاد عليه مسائل محررة مصححة، فصار تصحيحًا لغالب ما في المطولات.
_________________
(١) في ج: ﷾.
(٢) في ج: المقدم.
[ ١٤٨ ]
وأما ما قطع به الشيخ في " المقنع " من المحكم، أو قدمه، أو صححه، أو ذكر انه المذهب وكان موافقا للصحيح ومفهومه مخالفا لمنطوقه: فانه لم يتعرض إليه غالبا، ولم يذكره في " التنقيح ". فاحتاج من عنده " التنقيح " أن يكون عنده " المقنع ". فلهذا قلت: (إلا انه) أي " التنقيح " (غير مُسْتَغنٍ عن أصله) الذي هو " المقنع ".
(فاستخرت الله) سبحانه و(تعالى أن أجمع مسائلهما)، أي: مسائل الكتابين اللذين هما " المقنع " و" التنقيح " (في) كتاب (واحد) يحيط بهما، (مع ضم ما تيسر عقله من الفوائد) - جمع فائدة- وهي: ما يكون الشيء بها أحسن حالًا منه بدونها (الشوارد) أي المتفرقة إلى مسائل الكتابين. تشبيها بعقل الإبل النافره، وهي أن يشد وظيفها إلى ذراعها؛ لئلا تنفر.
(ولا أحذف منهما) أي من الألفاظ المكتوبة فيهما (إلا) اللفظ (المستغنى عنه): إما للعلم به، أو لكونه زائدا، أو تذكر المسألة بعبارة أخصر من عبارتهما أو عبارة احدهما.
(و) إلا القول (المرجوح وما بني عليه) من فرع.
(ولا اذكر) أي في هذا الكتاب (قولا غير ما قدّم) صاحب " التنقيح " في " التنقيح " (أو صحح في " التنقيح "؛ إلا إذا كان) غير المقدم، أو المصحح (عليه العمل)، أي عمل الناس في الغالب، أو عمل الحكام من الحنابلة. (أو شُهِرَ)، أي شهره أحد من أصحابنا. (أو قوي الخلاف) بأن اختلف التصحيح ولم يبلغ من صحح الثاني رتبة من صحح الأول في الكثرة أو التحقيق (^١)، (فربما أشير إليه) ليعلم قائل ذلك وما الناس واقعون فيه، ورتبة المشهور، وما قوي الخلاف فيه.
(وحيث قلت) في مسألة: (قيل) كذا (وقيل) كذا (ويندر ذلك) أي يقل هذا الصنيع في هذا الكتاب؛ (فلعدم الوقوف على تصحيح) لأحد القولين.
_________________
(١) في ج: والتحقيق.
[ ١٤٩ ]
(وان كانا) أي القولان منسوبين الواحد) من الأصحاب، (فلإطلاق احتماليه)، كما لو قال واحد من الأ صحاب: وان فعل كذا فيحتمل الجواز ويحتمل المنع، ولم تنقل المسألة عن غير قائل هذا القول.
(وسميته: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات)، لأنه لا يراد كتاب أكثر مسائل منه في أقل من لفظه.
(واسأل الله تعالى العصمة)، أى الامتناع بلطفه من الزلل.
(و) أسًال الله ﷾ أيضًا (النفع)، أي أن ينفع (به)، أى بهذا الكتاب من يقف عليه طالبا للاستفادة (^١)، (وان يرحمني) أى يغفر لي (وسائر الأمة) أي أمة محمد ﷺ، فانه على ذلك قدير وبالإجابه جدير.
قال القاضى أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بابن الفراء شيخ حنابلة زمانه: وانما اخترنا مذهب أحمد على مذهب غيره من الأئمة، ومنهم من هو أسن منه وأقدم هجرة مثل مالك وسفيان وأبي حنيفة؛ لموافقته الكتاب والسنة والقياس الجلي. فانه كان إماما في القرآن، وله فيه التفسير العظيم، وكتب من علم العربية فاطلع به على كثير من معاني كلام الله ﷿. انتهى.
وقال أبو الحسين ابن المنادي في كتابه الذي صنفه في " فضائل أحمد ": انه صنف " المسند " وهو ثلاثون ألفا، و" التفسير " وهو مائة وخمسون ألفا، و" الناسخ والمنسوخ "، و" التاريخ "، و" المقدم والمؤخر في كتاب الله سبحانه ﷿ "، و" جوابات القرآن "، و" المناسك الكبير، والصغير ". وقال: أن ابنه عبد الله سمع منه جميع ذلك إلا التفسير فانه سمع منه ثمانين ألفا والباقي إجازة.
وروى بسنده إلى الحسين بن إسماعيل انه قال: سمعت أبى يقول: كنا نجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة
_________________
(١) في ج: للاشتغال.
[ ١٥٠ ]
يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت. فمن أعيانهم ابناه صالح وعبد الله وأبو بكر الأثرم وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي وأبو داود السجستاني وغير ذلك.
واما سنه فقال عبد الله: سمعت أبي يقول: ولدت في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.
قال عبد الله: ومات ﵀ في ربيع الآخر لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة إحدى وأربعين ومائتين. والله ﷾ أعلم.
[ ١٥١ ]