ثم اعلم أن ما في هذا الشرح من قولي: على الأ صح فهو من الروايتين أو الروايات عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، ومن قولي: في الأصح فمن الوجهين، أو الأوجه للأصحاب.
ثم اعلم أيضا أن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لم يؤلف كتابا مستقلا في
الفقه كما فعله بعض الأئمة، وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أجوبته عما يسأل عنه، ومن بعض تأليفه في غير الفقه، ومن أقواله وأفعاله. فإن ألفاظه إما صريحة في الحكم بما لا يحتمل غيره، أو ظاهرة فيه مع احتمال غيره، أو محتملة لشيئين فأكثر على السواء. ثم كلامه قد يكون صريحا، وقد يكون تنبيها؛ كقولنا " أوما إليه "، أو " أشار إليه "، أو نحو ذلك.
فمذهبه ما قاله بدليل ومات قائلا به. قاله في " الرعاية ".
وقال ابن مفلح في " أصوله ": مذهب الإنسان ما قاله أو جرى مجراه من
تنبيه أو غيره (^١). انتهى.
وإن قال قولا بدليل ثم آخر بدليل يخالف الأول فالثانى مذهبه دون الأول.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. اختاره في " التمهيد "،
و" الروضة "، و" العمدة " وغيرهن. وقدمه في " الرعاية " وغير ها.
فإذا (^٢) نقل عن الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - قولان صريحان،
مختلفان في وقتين، وتعذر الجمع بينهما. فإن علم التاريخ: فالثانى فقط مذهبه
_________________
(١) في ج: تنبيه ونحوه، وفي ب: وغيره.
(٢) في أ: فإن.
[ ١١ / ٥٨٠ ]
في (^١) الأصح. فيحمل عام كلامه على (^٢) خاصه، ومطلقه على مقيده. فيكون كل (^٣) واحد منهما مذهبه؛ لإمكان الجمع بينهما. وهذا في الأصح، فيعمل بكل واحد منهما في محله، وفاء باللفظ. وإن جهل التاريخ فمذهبه: أقربهما من الكتاب والسنة أو الأجماع والأثر (^٤)، أو من قواعده أو عوإئده أو مقاصده أو أدلته.
قال في (الفروع): فإن جهل- أي: التاريخ- فمذهبه أقربهما من الأدلة
ودو اعده. انتهى.
وإن تساويا نقلا ودليلا: فالوقف أولى. قاله في " الرعاية "،
فإن وافق أحد قوليه مذهب غيره: فهل الأولى ما وافقه، أو ما خالفه؛
يحتمل وجهين. قاله في " الرعاية ".
قال في " الإنصاف ": قلت: الأولى ما وافقه. انتهى.
وإن علم تاريخ أحد القولين دون الآخر، فكما لو جهل تاريخهما في الأصح.
ويخص عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة في أصح الوجهين. قاله في
" الفروع " (^٥).
والمقيس على كلامه: مذهبه في الأصح.
قال في " الفروع ": مذهبه في الأشهر. وهو مذهب الأثرم والخرقي وغيرهما. قاله ابن حامد في " تهذيب الأجوبة ".
وقيل: لا يكون مذهبه.
_________________
(١) في ج: على.
(٢) في أ: في.
(٣) في أ: على.
(٤) فى ب: أو الأثر.
(٥) في ج: " الرعاية ".
[ ١١ / ٥٨١ ]
قال ابن حامد:] قال [عامة شيوخنا- مثل: الخلال، وأبي بكر
عبد العزيز، وأبي] علي [، وإبراهيم، وسائر من شاهدناه- إنه لا يجوز نسبته إليه. وأنكروا على الخرقي ما رسمه في كتابه، من حيث إنه] قاس [على قوله.] انتهى.
وأطلقهما ابن مفلح في " أصوله " [. قاله ابن حامد.
والمأخوذ أن يفصل: فما كان من جواب له في أصل يحتوي] على [مسائل، خرج جوابه على بعضها: فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك الأصل من حيث القياس. وصور له صورا كثيرة.
فأما أن يبتدئ بالقياس في مسائل لا شبه لها في أصوله، ولا يأخذ غير منصوص يبني عليه فذلك غير جائز (^١) .
وإن أفتى في مسألتين متشابهتين في حكمين مختلفين في وقتين: فقيل واختاره كثير من الأصحاب: أنه يجوز. نقله الحكم، وتخريجه من كل واحدة إلى الأخرى بشرط: أن لا يفضي إلى خرق إجماع.
قال في " آداب المفتي ": أو يدفع (^٢) ما اتفق عليه الجم الغفير من العلماء أو عارضه نص كتاب أو سنة.
والصحيح من المذهب: أنه لا يجوز، كقول الشارع. ذكره أبو الخطاب
في " التمهيد " وغيره. وقدمه ابن مفلح في " أصوله "، والطوفي في " أصوله "، وصاحب " الحاوي الكبير " وغيرهم. وجزم به الموفق في " الروضة "؛ كما لو فرق بينهما، أو منع النقل والتخريج.
قال في " الرعايتين " و" آداب المفتي ": أو قرب الزمن، بحيث يظن أنه ذاكر حكم الأولة حين أفتى بالثانية.
وإذا توقف الإمام أحمد في مسألة تشبه مسألتين فأكثر، أحكامهما مختلفة:
_________________
(١) ما بين الحاصرتين [] في الفقرات السابقه من كتاب " الإنصاف " ١٢: ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) في ج: ولدفع. وما أثبتناه من " الإنصاف " ١٢: ٢٤٥.
[ ١١ / ٥٨٢ ]
فهل تلحق بالأخف (^١)، أو بالأثقل، أو يخير المقلد بينهما؟ فيه ثلاثة أوجه. وأطلقهن في " الرعاية الكبرى "، و" آداب المفتي والمستفتي "،
و" الحاوي الكبير "، و" الفروع ".
قال في " الرعاية " و" آداب المفتي " و" الحاوي ": الأولى العمل بكل منهما لمن هو أصلح له. انتهى.
وإن أشبهت مسألة واحدة: جاز إلحاقها بها، إن كان حكمها أرجح من غيره. قاله في " الرعاية " و" الحاوي ".
وما انفرد به بعض الرواة وقوى دليله: فهو مذهبه في الأصح. قدمه في
" الرعايتين " و" آداب المفتي ".
واختاره ابن حامد، وقال: يجب تقديمها على سائر الروايات؛ لأن الزيادة
من العدل مقبولة في الحديث عن أحمد فكيف والرأوي عنه ثقة، خبير بما رواه عنه. انتهى.
وما دل عليه كلامه: فهو مذهبه، إن لم يعارضه ما هو أقوى منه. قاله في
" الرعايتين " و" الفروع " و" آداب المفتي ".
فقوله: " لا ينبغي "، أو " لا يصلح، أو " استقبحه "، أو " هو قبيح "،
أو " لا أراه ": للتحريم. قاله الأصحاب.
لكن ذكر صاحب " الفروع " مسائل أجاب فيهاب: لا ينبغي وليست محرمة.
وإن قال: هذا حرام ثم قال: " أكرهه "، أو " لا يعجبني ": فحرام.
وقيل: بل يكره. قاله في ". الرعاية ".
وقوله: " أحب كذا "، أو " يعجبني "، أو " هذا اعجب إلي ": للندب
في الأصح.
_________________
(١) في أ: الأخف.
[ ١١ / ٥٨٣ ]
وقيل: للو جوب.
وقوله: " لا بأس به "، أو " ارجو أن لا بأس ": للإباحه (^١) .
وقوله: " أخشى "، أو " أخاف أن يكون "، أو " أن لا يكون ": ظاهر
في المنع. قاله في " الرعايتين " و" الحاوي " وقدماه. واختاره ابن حامد والقاضي.
قال في " آداب المفتي " و" المستفتي " و" الفروع ": فهو: " يجوز "،
أو " لا يجوز ". انتهى.
وإن أجاب الإمام أحمد في مسألة في شيء، ثم قال في نحوه: " هذا أهون "، أو "أشد "، أو " هذا أشنع " فقيل هما عنده سواء.
واختاره أبو بكر عبد العزيز والقاضي.
وقيل: بالفرق.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الظاهر. واختاره ابن حامد في " تهذيب
الأجوبة ". وأطلقهما في " الرعاية " و" الفروع ".
قال (^٢) في " الرعاية ": قلت: إن اتحد المعنى، وكثر التشابه: فالتسوية أولى، وإلا فلا.
وقيل: قوله: هذا أشنع عند الناس يقتضي المنع.
وقيل: لا.
وقول الإمام عن شيء: أجبن عنه للجواز. قدمه في " الرعايتين ".
وقيل: يكره. اختاره في " الرعاية الصغرى " و" آداب المفتي ".
وقال في " الفروع ": " وأجبن عنه " مذهبه.
وما أجاب الإمام فيه بكتاب أو سنة أو إجماع أو قول بعض الصحابة: فهو
_________________
(١) في أ: أرجو ما لا بأس للإباحة.
(٢) في أ: قاله.
[ ١١ / ٥٨٤ ]
مذهبه؛ لأن قول احد الصحابة عنده (^١) حجة على الأصح.
وما رواه من سنة، أو أثر، وصححه أو حسنه، أو رضي سنده، أو دونه
في كتبه، ولم يرده ولم يفت بخلافه: فهو مذهبه في الأصح. اختاره الأكثر.
وقيل: لا.
وأطلقهما في " آداب المفتي " و" الفروع ".
وقال: فلهذا أذكر روايته للخبر، وإن كانت في الصحيحين. انتهى.
وإن أفتى بحكم، فاعترض عليه فسكت: فليس رجوعا في الأصح.
وإن ذكر عن الصحابة قولين، فمذهبه: أقربهما من الكتاب أو السنة (^٢) أو الإجماع، سواء عللهما أو لا، اذا لم يرجح أحدهما ولم يختره في الأصح. وقيل: لا مذهب له منهما عينا؛ كما لو حكاهما عن التابعين فمن بعدهم.
ولا مزية لأحدهما بما ذكر؛ لجواز إحداب قول ثالث يخالف الصحابة. قاله (^٣) في "الرعاية ".
وإن علل أحدهما واستحسن الآخر، أو فعلهما في أقوال التابعين فمن بعدهم: فأيهما مذهبه؛ فيه وجهان.
قال في " الإنصاف ": قلت: الصواب أن الذي استحسنه مذهبه، ولا يلزم
من تعليله القول أن يكون قد أخذ به، ولا يدل عليه.
ثم وجدته في " آداب المفتي " قدمه، وقال: اختاره ابن حامد. وقال- عن الثانى- فيه بعد.
وإن حسن أحدهما، أو علله: فهو مذهبه قولا واحدا. جزم به في
" الفروع " وغيره.
_________________
(١) في أ: عنه.
(٢) في أ: والسنة.
(٣) في أ: قال.
[ ١١ / ٥٨٥ ]
وإن اعاد (^١) ذكر أحدهما، أو فرع عليه: فهو مذهبه. قدمه في "اداب المفتي ". وقيل: لا. انتهى.
وإن نص في مسألة على حكم، وعلله بعلة، فوجدت تلك العلة في مسائل أخر: فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة.
قال في " الرعاية ": سواء قلنا بتخصيص العلة أو لا كما سبق.
وإن نقل عنه في مسألة روايتان، دليل إحداهما قول النبي ﷺ، ودليل الأخرى: قول صحابي وهو أخص- وقلنا هو حجة يخص به العموم- فأيهما مذهبه؛ فيه وجهان.
أحدهما: مذهبه ما كان دليله قول النبي
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. وقدمه في " تهذيب
الأجوبة ". ونصره في " آداب (^٢) المفتي ". انتهى.
وإن كان قول النبي ﷺ أخصهما وأحوطهما: تعين.
وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه: فهو مذهبه، إن سكت عن غيره.
وإن سئل مرة فذكر الاختلاف، ثم سئل (^٣) مرة ثانية فتوقف، ثم سئل مرة ثالثة فأفتى (^٤) فيها (^٥): فالذي أفتى به مذهبه.
وهل يجعل فعله، أو مفهوم كلامه مذهبا له؛ على وجهين.
قال في " تهذيب الأجوبة ": عامة أصحابنا يقولون: إن فعله مذهب (^٦) له. وقدمه هو. ورد غيره.
_________________
(١) في الأصول: عاد، وما أثبتناه من " الإنصاف " ١٢: ٢٥٢.
(٢) في الأصول: وآداب. وما أثبتناه من " الإنصاف ". الموضع السابق.
(٣) في أ: سأله.
(٤) في ب وج: فتوقف.
(٥) في أ: فيهما.
(٦) في الأصول: مذهبا. وما أثبتناه من " الإنصاف " ١٢: ٢٥٤.
[ ١١ / ٥٨٦ ]
لكن إن نص في مسألة على خلاف مفهوم كلامه في مسألة أخرى: بطلت المفهومية (^١) .
وصيغة الواحد من اصحابه ورواته في تفسير مذهبه، وإخبارهم عن رأيه: كنصه في وجه. قاله في " الرعايتين ".
قال في " الفروع ": هو مذهبه في الأصح.
قال في " تهذيب الأجوبة ": إذا بين أصحاب أبي عبد الله قوله (^٢) بتفسير جواب له، أو نسبوا (^٣) إليه بيان حد في سؤال: فهو منسوب إليه، ومنوط به، وإليه يعزى. وهو (^٤) بمثابة نصه. ونصره.
قال في " آداب المفتي ": اختاره ابن حامد وغيره. وهو قياس قول الخرقي وغيره.
قال ابن حامد: وخالفنا في ذلك طائفة من أصحابنا: مثل الخلال، وأبي يكر عبد العزيز. انتهى.
_________________
(١) في أ: المرسومة. وفي ب: المفهومة.
(٢) في أ: قولا.
(٣) في أ: تفسيرا.
(٤) في أ: بغير أو هو.
[ ١١ / ٥٨٧ ]
فصل] في الألفاظ الواردة عن الأصحاب]
هذا الذي تقدم ذكره هو الوارد عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه. وأما الوارد عن الأصحاب فهو: إما وجه، واما احتمال، وإما تخريج، وزاد في " الفر وع ": التوجيه.
فأما الوجه: فهو قول بعض الأصحاب وتخريجه، إن كان مأخوذا من قواعد الإمام احمد، أو إيمائه أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوله.
وإن كان مأخوذا من نصوص أحمد ومخرجا منها: فذلك روايات مخرجة له ومنقولة من نصوصه إلى ما يشبهها (^١) من المسائل إن قلنا أن ما قيس على كلامه: مذهب له.
وإن قلنا: لا. فهي أوجه لمن خرجها وقاسها.
فإن خرج من نص ونقله إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها: صار فيها رواية منصوصة، وروايه مخرجة منقولة من نصه. إذا قلنا المخرج من نصه مذهبه.
وإن قلنا: لا. ففيها رواية أحمد ووجه لمن خرجه.
وإن لم يكن فيها وجه يخالف القول المخرج من نصه في غيرها: فهو وجه لمن خرجه.
فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم، دون طريق التخريج: ففيها للمخرج ولمن خالفه في الحكم وجهان.
_________________
(١) في ب: يشابهها.
[ ١١ / ٥٨٨ ]
وإن جهلنا مستندهما (^١) فليس لأحدهما (^٢) قولا مخرجا للإمام، ولا مذهبا له.
ومن قال من الأصحاب عن مسألة: فيها رواية واحدة: أراد نص الإمام.
ومن قال: فيها روايتان فإحداهما بنص، والأخرى بإيماء، أو تخريج من نص آخر له أو نص جهله (^٣) منكره.
ومن قال: فيها وجهان أراد: عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أو علمه. ولم يجعله مذهبا لأحمد. فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما، سواء وقعا معا أو لا، من واحد أو أكثر، وسواء علم التاريخ أو جهل.
وأما الاحتمال الذي للأصحاب: فقد يكون (^٤) لدليل مرجوج (^٥) بالنسبه إلى
ما خالفه، أو دليل مساو له (^٦) .
وأما التخريج: فهو نقل حكم مسألة الى ما يشابهها، والتسوية بينهما فيه.
_________________
(١) في أ: سندها، وفي ب: مسندها، وفي ج: مستندها. وما أثبتناه من "الإنصاف " ١٢: ٢٥٧.
(٢) في ج: أحدهما.
(٣) في ج: جهل.
(٤) في ج زيادة: عبارة " الإنصاف " وقد يكون.
(٥) في أوب: فقد يكون مرجوحًا.
(٦) في أ: أي ما خالفه أو دليله مساو له.
[ ١١ / ٥٨٩ ]
فصل] في أقسام المجتهد]
ثم اعلم أن صاحب هذه الأوجه والاحتمالات والتخاريج: لا يكون إلا مجتهدا.
وينقسم المجتهد إلى أربعة اقسام:
الأول: " المجتهد المطلق " وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد المذكورة في كتاب القضاء إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها. ولا يتقيد بمذهب أحد.
قال في " آداب المفتي والمستفتي ": ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق
مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات، والآثار، وأصول الفقه، والعربية، وغير ذلك. لكن الهمم قاصرة، والرغبات فاترة (^١) . وهو فرض كفاية، قد أهملوه وملوه، ولم يعقلوه ليفعلوه. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قلنا: قد ألحق جماعة من الأصحاب المتأخرين بأصحاب هذا القسم: الشيخ تقي الدين بن تيمية. وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك.
القسم الثانى: " مجتهد في مذهب إمامه وإمام غيره ".
وأحواله أربعة:
الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه (^٢) في الحكم والدليل. لكن سلك طريقه
_________________
(١) في حاشية أزيادة: ونار الجد والحذو خامدة، وعين الخوف والخشية جامدة، اكتفاء بالتقليد، واستغناء عن التعب الوكيد، وهربا من الأثقال.
(٢) في أ: لإمام.
[ ١١ / ٥٩٠ ]
في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه. وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه، مستقلا بتقديره بالدليل.
لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائله- أي: مسائل الفقه- عالما بالقياس ونحوه. تام الرياضة. قادرا على التخريج والاستنباط، وإلحاق " الفروع " بالأصول، والقواعد التي لإمامه.
وهذا شأن أهل الأوجه والطرق في المذاهب.
وهو حال أكثر علماء الطوائف الآن.
فمن علم يقينا هذا، فقد قلد إمامه دونه؛ لأنه مقر له على إضافة ما يقول إلى إمامه؛ لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه. والظاهر: أنه لا بد من معرفة ما يتعلق بذلك من حديث، ولغة، ونحو.
فالمجتهد في مذهب أحمد مثلا إذا أحاط بقواعد مذهبه، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل- من إلحاق منصوصاته وقواعد مذهبه- منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه.
وهذا أقدر على ذا من ذاك. فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة، وضوابط مهذبة، ما لم يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه.
والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه: هو الذي يتمكن من التفريع على أقراله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع، ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط.
وليس على المجتهد: أن يفتي في كل مسألة. بل يجب عليه أن يكون على بصيرة فيما يفتي به (^١) .
الحالة الثالثة: أن لا يبلغ باجتهاده رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق. غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم
_________________
(١) في ب: فيه.
[ ١١ / ٥٩١ ]
بتقديره ونصرته، يصور ويحرر، ويمهد ويقرر، ويزيف ويرجح. لكنه قصر عن درجة أولئك: إما لكونه لم يبلغ- في حفظ المذهب- مبلغهم. وإما لكونه غيرمتبحر في أصول الفقه ونحوه. على أنه لا يخلو مثله- في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته- عن أطراف من قواعد اصول الفقه ونحوه.
وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من المعلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل (^١) لأصحاب الوجوه والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الذي رتبوا المذاهب، وحرورها، وصنفوا
فيها تصانيف، بها يشتغل الناس.
وأما فتاويهم فكانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو نحوه ويقيسون على المنقول
نحو قياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله وفهمه.
فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهب: من منصوصات
إمامه أو تفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه، وتخريجاتهم.
وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه: فإن وجد في المنقول ما هذا في معناه،
بحيب يدرك من غير فضل فكر وتأمل (^٢) أنه لا فارق بينهما كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك: جاز له إلحاقه به والفتوى به. وكذلك (^٣) ما يعلم اندراجه تحت ضابط، ومنقول ممهد في المذهب.
وما لم يكن كذلك: فعليه الإمساك عن الفتيا به.
ثم إن هذا الفقيه: لا يكون إلا فقيه النفس، لأن تصور المسائل على وجهها، ونقل أحكامها: لا يقوم به إلا فقيه النفس. ويكفيه استحضار أكثر المذهب، مع قدرته على استحضار بقيته قريبا.
_________________
(١) في أ: والحاصل.
(٢) في أ: وتأمله.
(٣) في أ: كذلك.
[ ١١ / ٥٩٢ ]
القسم الثالث من المجتهدين.: " المجتهد في نوع من العلم ".
فمن عرف القياس وشروطه: فله أن يفتي في مسائل منه قياسية، لا تتعلق بالحديث.
ومن عرف الفرائض: فله أن يفتي فيها، وإن جهل أحاديث النكاح وغيرها وعليه الأصحاب.
وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون. غيرها.
وقيل: بالمنع فيهما. وهو بعيد. ذكره في " آداب المفتي ".
القسم الرابع من المجتهدين: " المجتهد في مسائل، أو مسألة واحدة ".
وليس له الفتوى في غيرها، وأما فيها فالأظهر (^١): جوازه.
ويحتمل المنع؛ لأنه مظنة القصرر والتقصير. قاله في "آداب المفتي والمستفتي ".
قال في " الإنصاف ": قلت: المذهب الأول.
قال ابن مفلح في أصوله: يتجزأ الاجتهاد عند أصحابنا وغيرهم. وجزم به الآمدي خلافا لبعضهم. وذكر بعض أصحابنا مثله.
وذكر أيضا قولا يتجزأ في باب، لا في مسألة. انتهى.
وقد ختم صاحب " الرعاية " كتابه بفصل من الآداب، فأحببت أن أختم به
هذا الكتاب. وهو قوله (^٢):
يا أخي عليك بتقوى الله ﷿، وإيثار طاعته ورضاه على كل شيء سرا وجهرا، مع صفاء القلب من كل كدر، وترك حب العلو والترأس والترفع، وكل وصف مذموم شرعا أو عقلا أو عرفا؛ كغل وحقد وحسد ونكد وغضب وعجب وكبر وخيلاء وزهو ورياء وهوى، وغرض سوء، وقصد رديء، ومكر وخديعة، ومجانبة كل مكروه لله ﷾.
_________________
(١) في أ: وما فيها قال أظهر.
(٢) في أ: وقوله.
[ ١١ / ٥٩٣ ]
وإذا جلست مجلس (^١) ذكر أو غيره فاجلس بسكينة ووقار، وتلق الناس بالبشر والاستبشار (^٢)، وحادثهم بما ينفع من الأخبار، ولا تجالس غير الأمناء الأتقياء الأخيار، وأقبل على من يقبل عليك (^٣)، وارفع منزلة من عظم لديك، وأنصف حيث يجب الإنصاف، واستعفف (^٤) حيث يجب الاستعفاف، ولا تسرف فإن الله ﷿ لا يحب المسرفين (^٥).
وإن رأيت نفسك مقبلة على الخير فاشكر الله ﷿، وإن رأيتها مدبرة عنه فازجر، وإن بليت بضر فاصبر، وإن جنيت فاستغفر، وإن غفوت فاعتذر، وإن ذكرت بالله ﷿ فاذكر.
وإذا قمت من مجلسك فقل: سبحانك الله وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك. انتهى.
وهذا آخر الكتاب. والحمد لله الفتاح العليم الوهاب (^٦).
وصلى الله على سيدنا محمد الذي جاء بالحق المبين وعلى آله وصحبه أجمعين آمين (^٧).
_________________
(١) في ج: في مجلس.
(٢) في ب: والاستبشارة.
(٣) في أ: وأقبل على طريقتك.
(٤) في ب: واستعف.
(٥) في ب: الإسراف.
(٦) في ج: الفتاح الوهاب.
(٧) في ب: والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين دائما أبدا آمين آمين. وفي ج: والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين دائما أبدا آمين. انتهى هذا الكتاب الجليل وهو كتاب " شرح منتهى الإرادات " لمؤلفه الشيخ الإمام الحبر اليمام محمد تقي الدين بن شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد الفتوحي الحنبلي. وكان الفراغ من انتهائه يوم الاثنين المبارك اثني عشر شعبان سنة ١٢٨٤ ألف ومائتين وأربعة وثمانون على يد كاتبه الفقير محمد برعي السقطي الشافعي. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١١ / ٥٩٤ ]