هذا (كتاب الشهادات. واحِدُها شهادة). واشتقاقها من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده. يقال: شهد الشيء إذا رآه. ومن ذلك قيل لمحضر الناس مشهد؛ لأنهم يرون فيه ما يحضرونه. ومنه قوله ﷾: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يعني: علمه برؤية هلاله أو إخبار من رآه. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقال ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
وقال سبحانه وتعا لى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما السنة؛ فروى وائل بن حجر قال: " جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ. فقال الحضرمي: يا رسول الله! (^١) إن هذا غلبني على أرضٍ لي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه قال: يا رسول الله! الرجل فاجر لا يبالي طى ماحلف عليه وليس يتورع من شيء. فال: ليس لك منه إلا ذلك. قال: فانطلق الرجل ليحلف له. فقال النبي ﷺ لما أدبر: لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًا ليلقين الله وهو عنه معرض (^٢) " (^٣). فال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما الإجماع فمنعقد على قبول الشهادة في الجملة. ودليله ما تقدم.
_________________
(١) في ج: فقال يا رسول الله.
(٢) في أ: معروض.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٤٠) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
[ ١١ / ٣٩٧ ]
ولأن الحكمة تقتضي مشروعية الشهادة فإن الحاجة داعية إليها؛ لحصول التجاحد من الناس. فوجب الرجوع إليها.
قال شريح: القضاء جَمر فنحه عنك بعودين- يعني: الشاهدين- وإنما الخصم داء والشهود شفاء. فأفرغ الشفاء على الداء.
(وهي) أي: الشهادة: (حُجَّة شرعية)؛ لما تقدم من الحديث (تُظهٍرُ الحق) المدعى به أي: تُبينه، ولهذا سميت بينة (ولا تُوجبه). قاله في " الرعايتين " و" الحاوي ".
إذا علمت ذلك (فهى) أي: فالشهادة: (الإخبار بما علمه) الشاهد، (بلفظٍ خاص) وهو: أشهد أو شهدت.
وأما حكم الشهادة فقد أشير إليه بقوله:
(تَحمُّل المشهود به) أي: الشهادة، في (غير حق الله) سبحانه و(تعالى) فدخل جميع حقوق الآدميين من الأموال وغيرها، (فرضُ كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن بقية المسلمين، فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه. وإن كان عبدا لم يجز لسيده منعه.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقد قال ابن عباس وقتادة والربيع: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم.
ولأن الحاجة تدعو (^١) إلى ذلك؛ لإثبات الحقوق والعقود. فكان واجبًا؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولأن الشهادة لو لم تجب لامتنع الناس من تحملها وأدائها، وذلك يؤدي إلى ضياع الحقوق.
(وتُطلَق الشهادة على التحمُّل وعلى الأداء). فيكون الأداء أيضًا فرض
_________________
(١) في ج: داعية.
[ ١١ / ٣٩٨ ]
كفاية؛ لقول الله ﷾: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وإنما خص القلب بالإثم، لأنه موضع العلم بها.
ولأن الشهادة أمانة. فلزم أداؤها؛ كسائر الأمانات.
وقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
(ويجبان) أي: التحمل والأداء: (إذا دُعي) إنسان من أهلها إلى واحد منهما؛ لأن مقصود الشهادة لا يحصل ممن ليس من أهلها.
ومحل الوجوب: إذا دعي (لدون مسافة قصر).
قال في " الفروع ": يجب في مسافة كتاب القاضي عند سلطان لا يخاف تعديه. نقله مهنا، أو حاكم عدل. قال في " المبدع ": وهذا إذا كان دون مسافة قصر (^١) . وقيل: ما يرجع إلى منزله ليومه. حكاه ابن حمدان. انتهى.
(و) محل ذلك أيضًا: إذا (قدَرَ بلا ضررٍ يَلحقُه). فلو كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء (^٢)، أو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أو يحتاج إلى التبذّل في التزكية: لم يلزمه؛ لقول الله ﷾: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقول النبي ﷺ: " لا ضرر ولا ضرار (^٣) " (^٤) .
ولأنه لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره.
وأما إذا كان الحاكم غير عدل فنقل ابن الحكم عن أحمد: كيف أشهد عند رجل ليس عدلًا؟ لا يشهد.
_________________
(١) في ب: القصر.
(٢) في ج: والأداء.
(٣) في أوب: إضرار.
(٤) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٣٤١) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٨٦٧) ١: ٣١٣. وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٨٣) ٤: ٢٢٧ كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك. و(٨٥٨٤) ٤: ٢٢٨ بلفظ: " لا ضرر ولا إضرار ".
[ ١١ / ٣٩٩ ]
قال في " الفروع ": وقال في رواية عبد الله: أخاف أن لا يسعه (^١) أن لا يشهد عند الجهمية. عن ابن المبارك عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: " يكوُن في آخر الزمان أمراءُ ظلمة، ووزراءُ فسقة، وقضاةُ خونة، وفقهاءُ كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم كاتبًا ولا عريفًا ولا شرطيًا" (^٢) . رواه الطبرانى وقال: لم يروه عن قتادة إلا ابن أبي عروبة، ولا عنه إلا ابن المبارك، تفرد به داود بن سليمان، وهو شيخ لا بأس به. انتهى كلامه في " الفروع ".
إذا تقرر هذا (فلو) تحمّل شاهدان ثم (أدّى شاهدٌ، وأبى الآخر وقال) للمشهود له: (احلف بَدَلي: أثِم) اتفاقًا. قاله في " الترغيب ".
(ولا يُقيمُها) أي: يقيم إنسان الشهادة (على مسلم، بقتل كافر).
قال في " الفروع ": وظاهره: يحرم.
(ومتى وجبتْ) أي: وجبت الشهادة على إنسان: (وجبتْ) عليه (كتابتُها).
قال في " الفروع ": وكتابةٌ كشهادة في ظاهر كلام الشيخ وشيخنا.
(وإن دعي فاسقٌ لتحمُّلها) أي: تحمل الشهادة: (فله الحضور مع عدم غيره). ذكره في " الرعاية ".
وفي " المغني " وغيره: أن التحمل لا يعتبر له العدالة. فلو لم يؤد حتى صار عدلًا قبلت.
(ولا يحرُم أداؤه) أي: أداء الفاسق الشهادة (ولو لم يكن فسقُه ظاهرًا).
قال في " المغني ": إن من شهد مع ظهور فسقه لم يعزر؛ لأنه لا يمنع صدقه. فدل على أنه لا يحرم أداء الفاسق، وإلا لعزر. ويؤيده أن الأشهر: لا يضمن من بان فسقه، ويتوجه التحريم عند من ضمنه، ويكون علة لتضمينه. قاله في " الفروع ".
_________________
(١) في " الفروع " ٦: ٥٤٩: أن يسمعه.
(٢) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥: ٢٣٣ كتاب الخلافة، باب في عمال السوء وأعوان الظلمة.
[ ١١ / ٤٠٠ ]
(ويحرُم أخذُ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جُعْل عليها) أيضًا، (ولو لم تتعَّين عليه) في الأصح؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منه فرضًا، وذلك لا يجوز أخذ الجُعل عليه؛ كصلاة الجنازة.
(لكن: إن عجز) من دعي إلى الشهادة (عن المشى) إلى محلها (أو تأَذّى به) أي: بالمشي، (فله أخذ أجرة مركوب).
قال في " الإنصاف ": حيث قلنا بعدم الأخذ. فلو عجز عن المشي أو تأذى به، فأجرة المركوب على رب الشهادة. قاله في "الترغيب"وغيره، واقتصر عليه في " الفروع ".
قال في " الرعاية ": فأجرة المركوب والنفقة على ربها. ثم قال: قلت: هذا إن تعذر حضور المشهود عليه إلى محل الشاهد، لمرضٍ، أو كبرٍ، أو حبسٍ، أو جاهٍ، أو خَفَرٍ.
وقال أيضًا: وكذا حكم مزكٍ، ومُعرّفٍ، ومترجمٍ، ومُفتٍ، ومقيم حدٍ وقودٍ، وحافظ مال بيت المال، ومحتسب، والخليفة. واقتصر عليه في " الفر وع ". انتهى.
(ولمن عنده شهادة بحد لله) سبحانه و(تعالى إقامتُها وتركُها) أي: أن يشهد بها وأن لا يشهد؛ لأن حقوق الله ﷾ مبنية على المساهلة ولا ضرر في تركها على أحد وهو مأمور بالستر. وقد قال النبي ﷺ: " أَقيلُوا ذوي الهيئات عَثراتِهم " (^١) .
ولذلك اعتبر في الزنا أربعة شهود (^٢) وشدَّد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم؛ طلبًا للستر، ولئلا يثبت.
قال في " الفروع ": واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه" (٤٣٧٥) ٤: ١٣٣ كتاب الحدود، باب في الحد يشفع فيه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٥٥١٥) ٦: ١٨١.
(٢) زيادة من ج.
[ ١١ / ٤٠١ ]
و" الترغيب " تركه، للترغيب في الستر. وهذا يخالف ما جزم به في آخر "الرعاية " من وجوب الإغضاء عمن ستر المعصية، فإنهم لم يفرقوا. وهو ظاهر كلام الخلال. ويتوجه فيمن عُرف بالشر والفساد أن لا يستر عليه. انتهى.
(وللحاكم أن يُعرّض لهم) أي: للشهود (بالتوقُّف عنها) أي: عن الشهادة في الأصح، (كتعريضه لمُقِرٍ) بحد (ليرجع) عن إقراره؛" لأن عمر رضي الله تعالى عنه لما شهد عنده الثلاثة على المغيرة بالزنا وجاء زياد يشهد عَرّض له بالرجوع، وقال له: ما عندك يا سلح العقاب وصاح به. فلما لم يصرح بالزنا وقال: رأيت أمرًا قبيحًا فرح عمر وحمد الله ﷾ ". وكان هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد على عمر ذلك.
وقد قال النبي ﷺ للسارق: " ما أخالك سرقت. مرتين " (^١) .
وأعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربعًا (^٢)، كل ذلك طلبًا للرجوع.
وعلم مما تقدم أنه إن شهد لم يُكره له ذلك؛ لأنه إخبار بما كان على وجهه فجاز، وأنه يجوز أن يقيم الشهادة في حدود الله ﷾ من غير تقدم دعوى، [لأن أبا بكرة وأصحابه شهدوا على المغيرة من غير تقدم دعوى] (^٣) .
وشهد الجارود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم (^٤) .
(وتُقبل) الشهادة (بحدٍّ قديم).
قال في " الإنصاف ": قال في " الرعاية ": هل تقبل الشهادة بحد قديم؟
على وجهين. انتهى.
_________________
(١) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨٧٧) ٨: ٦٧ كتاب قطع السارق تعظيم السرقة، تلقين السارق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٥٦١) ٥: ٢٩٣.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤١٩) ٤: ١٤٥ كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٨: ٣١٦ كتاب الأشربة، باب من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران.
[ ١١ / ٤٠٢ ]
والصحيح من المذهب: القبول. قدمه في " الفروع ". انتهى.
ووجه ذلك: أنها شهادة بحق. فجازت مع تقادم الزمان؛ كالشهادة بالقصاص.
ولأنه قد يعرض للشاهد (^١) ما يمنع الشهادة حينها (^٢) ويتمكن منها بعد ذلك.
(ومن قال) لرجلين: (احضُرا لتسمعا قذفَ زيدٍ لي، لزمهما) ذلك.
قال في"الفروع": قار في "الرعاية ": وإن قال احضرا لتسمعا قذف زيد لي لزمهما. ويتوجه إن لزم إقامة الشهادة. انتهى.
وقال في"الفروع" أيضًا: وإن دعى زوجٌ أربعة لتحملها بزنا امرأته جاز؛ لقول الله ﷾: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ الآية [النساء: ١٥].
وقيل: لا. كغيره، أو لإسقاط الحد.
وفي " الأحكام السلطانية ": إن ظن قوم من المتطوعة استسرار قوم بمعصية في انتهاك حرمة يموت استدراكها؛ كقتل وزنا فلهم الكشف والإنكار؛ كالذي كان من شأن المغيرة وشهوده، ولم ينكر عليهم هجومهم وإنْ حدَّهم؛ لقصور الشهادة. انتهى.
(ومن عنده شهادة لآدمي) وذلك الآدمي (يعلمُها، لم يُقِمْها حتى يسأله) رب الشهادة إقامتها؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون " (^٣) . رواه البخاري.
ولأن أداءها حق للمشهود له. فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: بعينها.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٣١٧) ٦: ٢٤٦٣ كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي بالنذر.
[ ١١ / ٤٠٣ ]
(ولا يقدح فيه) يعني: ولا يقدح في عدالة الشاهد شهادته قبل أن يسأله صاحب الحق الشهادة (كشهادة حِسبة).
قال في " الفروع ": (ويقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم، ويحرُم كتمها).انتهى.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم رب الحق بأن هذا عنده شهادة له: (استُحبَّ) لمن عنده الشهادة (إعلامُه) اي: إعلام رب الحق بأن عنده له شهادة (قبل إقامتِها) وله إقامتها قبل إعلامه، لقوله ﷺ: "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (^١) . رواه مسلم.
وترك إطلاق هذا الحديث لأجل الحديث الآخر جمعًا بينهما.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب. وقطع به الأكثر وأطلقوا. وقال الشيخ تقى الدين: الطلب (^٢) العرفي أو الحالي كاللفظي، علمها أو لا.
قلت: هذا عين الصواب.
ويجب عليه إعلامه إذا لم يعلم بها وهذا مما لا شك فيه. انتهى كلامه في"الإنصاف".
(ويجب إشهادٌ على نكاح)، لأن الإشهاد شرط فيه فلا ينعقد بدونه.
(ويُسن) الإشهاد (في كل عقدٍ سواه) أي: سوى النكاح، كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك؛ لأن ذلك ليس من شرطه الإشهاد. ويحمل قوله ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] على الاستحباب؛ لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وهذا إنما يكون مع عدم الشهادة. فدل على أن المراد بالأمر: الاستحباب.
(ويحرُم أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه)؛بدليل قوله ﷾: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
_________________
(١) أخرجه مسلم في"صحيحه" (١٧١٩) ٣: ١٣٤٤ كتاب الأقضية، باب بيان خير الشهود.
(٢) في أ: المطلب.
[ ١١ / ٤٠٤ ]
قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان. ومعناه: لكن من شهد بالحق فيكون الاستثناء منقطعًا.
وقال ابن عباس: " سئل النبي ﷺ عن الشهادة. قال: ترى الشمس؟ قال على مثلها فاشهد أو دع " (^١) . رواه الخلال في " جامعه ".
وقال ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر؛ لأن مدرك الشهادة غالبًا: الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع.
قال القرافي في الفرق السادس والعشرين والمائتين: تنبيه: اعلم أن قول العلماء: لا يجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره، فإن ظاهره يقتضي: أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به وليس كذلك، بل جائز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علمًا فقط. فلو شهد بقبض (^٢) الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف، وكذلك الثمن في المبيع (^٣) مع احتمال دفعه، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورِثه، ويشهد بالإجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب. والحاصل في هذه الصور كلها هو الظن الضعيف، ولا يكاد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"١٠: ١٥٦ كتاب الشهادات؛ باب التحفظ في الشهادة والعلم بها. نحوه. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٧٠٤٥) ٤: ١١٠ كتاب الأحكام. وصححه. قال ابن حجر: [أخرجه] العقيلي والحاكم وأبو نعيم في "الحلية"وابن عدي والبيهقي من حديث طاووس عن ابن عباس، وصححه الحاكم، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول. وهو ضعيف، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه. "تلخيص الحبير " ٤: ١٩٨.
(٢) في أوب: نقيض.
(٣) في ب: البيع.
[ ١١ / ٤٠٥ ]
يوجد ما يبقى (^١) فيه العلم إلا القليل من الصور. من ذلك: النسب والولاء فإنه لا يقبل النقض (^٢) فيبقى العلم على حاله.
ومن ذلك: الشهادة بالإقرار، فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع.
ومن ذلك: الوقف إذا حَكم به حاكم. أما إذا لم يحكم به حاكم، فإن الشهادة [إنما فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف؛ لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه. فتأمّل هذه المواطن، فأكثرها] (^٣) إنما فيها الظن فقط. وإنفا العلم في أصل المدرك لا في دوامه.
قلت: وقوله: شهد بقبض الدين، وقوله: شهد بالإجارة كمسألة الإقرار؛ لأن وقوع الإجارة لفظ وقع في الزمن الماضي، وقبض الدين فعل وقع في الزمن الماضي فهو معلوم لا يرتفع. وإنما يرتفع بقاء حكمه، كما أن الإقرار لا يرتفع، بل هو معلوم. وإنما الظن في بقاء المقر به ودوام الإقرار. والذي يظهر أن مراده أنه شهد (^٤) ببقاء الإجارة وبقاء المقبوض، وتصرفه يدل على هذا المراد. انتهى.
إذا علمت ذلك فإن مدرك العلم الذي يقع به الشهادة يكون (برؤيةٍ أو سماع غالبًا، لجوازها) أي: جواز الشهادة (ببقية الحواسّ)، كالذوق واللمس (قليلًا)، كدعوى مشتر مأكولًا غبنه لمرارته أو نحو ذلك فتسمع البينة به. فإذا تحمل الشاهد الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره، وفي (^٥) غيبته على الأصح.
(فإن جَهِلَ حاضرًا) أي: جهل الشاهد اسم رجل ونسبه وقد تحمل الشهادة
_________________
(١) في ج: ينفى.
(٢) في أوب: النقل.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: يشهد.
(٥) في ب: في.
[ ١١ / ٤٠٦ ]
عليه، (جاز أن يشهد) عليه (في حضْرته) فقط؛ (لمعرفة عينه). نص على ذلك. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل يشهد لرجل بحق على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له. فقال: إذا قال: أشهد أنّ لهذا على هذا كذا وهما شاهدان جميعًا فلا بأس، فإذا كان غائبًا فلا يشهد حتى يعرف اسمه.
(و) أما (إن كان غائبًا فعرَّفه به من يسكُن إليه) الشاهد ولو واحدًا على الأصح. وعنه: اثنان. وعنه: جماعة: (جاز) له (أن يشهد) عليه، (ولو) كانت الشهادة (على امرأة).
وعنه: المنع، سواء كان الغائب رجلًا أو امرأة.
وعنه: إن عرفها لنفسه.
وعنه: أو نظر إليها شهد وإلا فلا.
ونقل حنبل: يشهد عليها بإذن زوجها. وعلله بأنه أملك لعصمتها. وقطع به في " المبهج" للخبر. وعلله بعضهم بأن النظر حق للزوج وهو سهو. قاله في " الفروع ".
(ولا تُعتبرُ إشارتُه) أي: إشارة الشاهد عند الشهادة (إلى) مشهود عليه (حاضر، مع) ذكر (نسبه ووصفه) في الأصح.
(وإن شهد) على إنسان (بإقرارٍ بحق: لم يُعتبر) أي: لم يشترط لصحة الشهادة (ذكرُ سببه) أي: سبب الحق؛ (كاستحقاق مال) أي: كما لا يشترط ذكر استحقاق المال مع الشهادة بالإقرار به، وكما لا يشترط ذلك لصحة الدعوى بالإقرار.
(ولا قوله: طَوْعًا في صحته مكلَّفًا) يعني: أن من شهد على إنسان أنه أقر بحق لم يشترط أن يقول: أنه أقر وهو مكلف مختار في حال صحته، (عملًا بالظاهر) أي: بظاهر الحال؛ لأن من سوى ذلك يحتاج إلى تقييد الشهادة بتلك الحالة.
[ ١١ / ٤٠٧ ]
(وإن شهد) الشاهد (بسببٍ يوجبُ الحقَّ)، كتفريط (^١) في أمانة، (أو) شهد بـ (استحقاق غيره) أي: غير ما يوجبه السبب؛ بأن قال: أشهد أن هذا يستحق في ذمة هذا كذا: (ذَكرَه) أي: اشترط ذكر الموجب للاستحقاق؛ لأنه قد لا يعتقده الحاكم موجبًا.
(والرؤية تختصُّ الفعل؛ كقتل، وسرقة، وغصب، وشرب خمر، ورضاع، وولادة) والعيوب المرئية في المبيع ونحو ذلك؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعًا فلا يرجع إلى غير ذلك.
(والسَّماع ضربان) أي: صنفان:
الأول: (سماعٌ من مشهود عليه؛ كعتق وطلاق، وعقد) من نكاح وغيره (وإقرار) بمال ونسب وحد وقود ورِق وغير ذلك، (وحكمٍ حاكمٍ وإنفاده) حكم غيره. فإذا سمع إنسان من غيره شيئًا من ذلك وعرف القائل يقينًا - كما ذكره في " الكافي "- (فتلزمه الشهادة بما سمع) منه، (سواء وقَّت الحاكمُ الحكمَ) بأن قال: حكمت بذلك في وقت كذا، أو لم يقل: في وقت كذا، (أو استَشْهده مشهود عليه) أو لم يستشهده. فإنا لو اشترطنا الاستشهاد لامتنع ثبوت الغصب وسائر الأفعال المتضمنة للعدوان بالإقرار، فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، (أو كان الشاهد مستخفِيًا حين تحمُّلِه أوْ لا) يعني: أو لم يكن مستخفيًا.
ومن صور المستخفي: مثل: أن يكون لإنسان على آخر حق وهو ينكره بحضور من يشهد عليه فيسمع إقراره من لا يعلم به المقر، فإنه يجوز أن يشهد عليه بما سمعه منه، لأنه بسماعه من المقر حصل له العلم بالمشهود به، كما لو رآه يفعل شيئًا من غير أن يعلم الفاعل أن أحدًا رآه فإنه يجوز أن يشهد عليه بما رآه فعله (^٢) .
(و) الصنف الثانى من الشهادة بالسماع: (سماعٌ بالاستفاضة). وهي: أن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم لبعض. ولا تسمع
_________________
(١) في ج: كتفريطه.
(٢) في ب: يفعله.
[ ١١ / ٤٠٨ ]
الشهادة بالاستفاضة إلا (فيما يَتعذَّر علمه) أي: علم المشهود به (غالبًا بدونها) أي: بدون الاستفاضة، وذلك (كنسب) إجماعًا.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا من أهل العلم منع منه.
ولو مُنع ذلك لاستحالت معرفته به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعًا بغير ذلك، ولا تمكن المشاهدة فيه. ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدًا من أقاربه. وقد قال الله ﷾: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وكولادة (وموتٍ، ومِلكٍ مطلَق) نصًا.
قال أحمد في رواية المروذي: أشهد أن دار بختان لبختان؛ لأن الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد أو الاثنين (^١) ممن يحضره ويتولى غسله وتكفينه، والملك قد يتقادم السبب المترتب عليه الملك (^٢) . فلو توقفت الشهادة في ذلك على المباشرة لأدى ذلك إلى العسر وخاصة مع طول الزمان.
(و) كـ (عتيقٍ) وهو: أن يشهد (^٣) أن هذا عتيق زيد، لا أن زيدً أعتقه.
(وولاءٍ وولايةٍ وعزل)، لأن ذلك إنما يحضره في الغالب آحاد الناس، ولكن انتشار ذلك في أهل المحلة أو القرية يغلب الظن على صحته عند الشاهد، بل ربما قطع به لكثرة المخبرين فجازت الشهادة به؛ لأن الحاجة داعية إليه.
(و) كـ (نكاح) عقد ودوامِه في الأصح.
وقال جماعة: دوامه لا عقده.
(وخُلعٍ وطلاق) نص عليهما أحمد، لأن ذلك مما يشيع ويشتهر غالبًا، والحاجة تدعو إليه.
_________________
(١) في ج: والاثنين.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ب: يشتهر.
[ ١١ / ٤٠٩ ]
(و) كـ (وقف) في الأصح. وهو: أن يشهد أن هذا وقف زيد، لا أن زيدًا وقفه.
(و) كـ (مَصْرِفِه) يعني: أن مما تجوز فيه الشهادة بالاستفاضة في الأصح مصرف الوقف. وحكاه في"المغنى" عن الأصحاب. وجزم به في"الكافي"،وكذا ما أشبه ذلك.
قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل في النكاح والموت ولا في الملك المطلق. وقال صاحبه: تقبل في الولاء مثل: أن يشهد أن عكرمة مولى ابن عباس.
ولنا: أن هذه الأشياء يتعذر (^١) الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها. فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة؛ كالنسب.
قال مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع. وقال: السماع في الأحباس والولاء جائز.
فإن قيل: يمكن العلم بذلك بمشاهدة سببه؟
قلنا: الإمكان لا ينافي التعذر غالبًا، ووجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببًا صحيحًا يقينًا، فإنه يجوز أن يشتري ما ليس ملكًا للبائع، ويصطاد صيدًا صاده غيره ثم انفلت منه. وإن تُصور ذلك فهو نادر.
وفي " عُمَد الأدلة ": تعليل أصحابنا بأن جهات الملك تختلف تعليل يوجد في الدَّين، فقياس قولهم: يقتضي أن يثبت الدين، بالاستفاضة.
(ولا يشهد) أي: ولا (^٢) يجوز لأحد أن يشهد (باستفاضة، إلا) إن علم ما يشهد به (عن عددٍ يقع بهم) أي: بأخبارهم (العلم) في الأصح. وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخود من فيض الماء؛ لكثرته. ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة. فلا يجوز أن يشهد بها عن غير
_________________
(١) في ج: متعددة.
(٢) في ج: لا.
[ ١١ / ٤١٠ ]
علم؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
ومحل النزاع: العدد الذي لا يحصل به العلم. فوجب أن لا يقبل لذلك. (ويلزم الحكم بشهادةٍ لم يُعلم تلقّيها من الاستفاضة.
ومن قال: شهدتُ بها، ففَرْع). هذه عبارة "الفروع" و"التنقيح".وعبارة " المستوعب ": ومتى لم يعلم الحاكم أنها تلقيت من طريق الخبر لزمه قبولها والحكم بها قولًا واحدًا.
وفي " المغني ": شهادة أصحاب المسائل- يعني: عن الشهود (^١) - شهادة استفاضة لا شهادة على شهادة. فيكتفى بمن يشهد بها كبقية شهادة الاستفاضة.
وفي " الترغيب ": ليس فيها فرع.
وفي " التعليق " وغيره: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة، وأنها تحصل بالنساء والعبيد.
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: هي نظير أصحاب المسائل عن الشهود على الخلاف. وذكر ابن الزاغونى: إن شهد أن جماعة يثق بهم أخبروه بموت فلان، أو أنه ابنه، او أنها زوجته، فهي شهادة الاستفاضة، وهي صحيحة. وكذا أجاب أبو الخطاب: يقبل في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة. وأجاب أبو الوفاء: إن صرحا بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قُبلت في الوفاة والنسب جميعًا. ونقل الحسن بن محمد: لا يشهد إذا ثبت عنده بعد موته. ونقل معناه جعفر، وهو غريب. وإذا شهد بالأملاك بتظاهر الأخبار فعمل ولاة المظالم بذلك أحق. ذكره في " الأحكام السلطانية "، وذكر القاضي: أن القاضي يحكم بالتواتر. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن سمع إنسانا يُقرُّ بنسبِ أبٍ أو ابنٍ، ونحوهما)، كأم وبنت (فصدَّقه المقَرُّ له): جاز أن يشهد له به؛ لتوافق المقر والمقر له على ذلك، (أو سكت) المقر له: (جاز أن يشهد له به) أيضًا على الأصح. نص عليه، لأن
_________________
(١) في ج: المشهود.
[ ١١ / ٤١١ ]
السكوت في النسب إقرار به أيضًا، بدليل من بُشّر بولد فسكت فإنه يلحق نسبه، ويكون سكوته كالإقرار به؛ لأن الإقرار على الانتساب الباطل غير جائز (^١) . بخلاف سائر الدعاوى.
ولأن النسب يغلب فيه الإثبات. ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح.
(لا إن كذّبه) المقر له، فإنه لا يجوز أن يشهد، لتكذيبه إياه.
(وإن قال المتحاسبان) لمن حضرهم: (لا تشهَدُوا علينا بما يجري بيننا لم يمنع ذلك الشهادة) عليهما بما يجري بينهما، (ولزوم إقامتها).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. انتهى.
ووجه ذلك: أن للشاهد أن يشهد بكل ما علمه وهذا منه. فكان له أن يشهد به وإن منعه المشهود عليه؛ كما لو غصب شيئًا بحضرة إنسان وقال له: لا تشهد عليَّ بذلك.
(ومن رأى شيئًا بيد إنسان يتصرَّفُ فيه مدة طويلة) عرفًا (كمالك) يعني: كتصرف الملاّك في أملاكهم، (من نقض وبناء، وإجارة وإعارة: فله الشهادة) يعنى: جاز أن يشهد له (بالملك) في الأصح؛ لأن التصرف فيه على هذا الوجه من غير منازع يدل على صحة الملك. فجاز أن يشهد به؛ (كمُعاينة السبب) أي: سبب الملك، (من بيع وإرث) مع أنه يحتمل أن البائع والمورّث ليس بمالك.
(وإلا) أي: وإن لم يره يتصرّف كما ذكر مدة طويلة: (فـ) إنما يشهد (باليد، والتصرُّف)؛لأن المدة القصيرة لا تدل على الملك غالبًا.
***
_________________
(١) في ب: الأنساب الباطل غير جائزة.
[ ١١ / ٤١٢ ]
[فصل: من شهد بعقد اعتبر ذكرُ شروطه]
(فصل. ومن شهد بعقدٍ) أي عقد كأن: (اعتُبر) لصحة شهادته به (ذكرُ شروطه)؛ لاختلاف الناس في بعض الشروط. فربما يكون ترك فيه شرط يعتقد الشاهد صحته بدونه (^١) دون الحاكم.
(فيعتبر) في الشهادة (في نكاح) أن يشهد: (أنه تزوَّجها برضاها، أن لم تكن مُجبرة، و) أن يذكر (بقية الشروط) من كونه وقع بولي مرشد وشاهدي عدل، وأنها حين العقد خالية من الموانع.
قال في " الفروع ": ومن شهد بنكاح اعتبر ذكر شروطه، وعلله الشيخ وغيره؛ لئلا يعتقد الشاهد صحته وهو فاسد. فلعل ظاهره إذا اتحد مذهب الشاهد والحاكم لا يجب التبيين.
ونقل عبد الله: فيمن ادعى أن هذه الميتة امرأته وهذا ابنه منها فإن أقامها بأصل النكاح ويصلح ابنه فهو على أصل النكاح والفراش ثابت يلحقه.
وأن ادعت أن هذا الميت زوجها لم يقبل، إلا أن تقيم بينة بأصل النكاح وتعطى الميراث. والبينة أنه تزوجها بولي وشهود في صحة بدنه وجواز من أمره. ويأتي في أداء الشهادة لا يعتبر- يعني: أن يقول الشاهد- في صحته وجواز أمره. ومراده هنا: إما لأن المهر فوق المثل، أو رواية كمذهب مالك، أواحتياطا لنفي الاحتمال. انتهى.
(و) يعتبر في الشهادة (في رَضاع): أن يذكر الشاهد (عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أومن لبن حلب منه)؛ لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات وفي الرضاع المحرم. فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها. ولا بد أن يذكر أن ذلك في الحولين.
_________________
(١) في أ: بدون.
[ ١١ / ٤١٣ ]
(و) يعتبر في الشهادة (في قتل: ذكرُ القاتل، و) أن يذكر (أنه ضربه بسيف) فمات، (أوجرحه فقتله، أو) يشهد أنه (مات من ذلك) الجرح. (ولا يكفي) أن يشهد أنه (جَرحه فمات)؛ لجواز أن يكون مات بغير هذا. وقد روي عن شريح " أنه شهد عنده رجل فقال: اتكأ عليه بمرفقه فمات. فقال شريح: فمات منه أوقتله. فأعاد القول الأول. وأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل: فقتله أومات منه. فقال له شريح: قم فلا شهادة لك ". رواه سعيد. (و) يعتبر في الشهادة (في زنًا: ذِكرُ) زانٍ، و(مزني بها، وأين) يعني: وفي أيّ مكان، (وكيف) زنى بها، من كونهما نائمين أوجالسين أوقائمين، (وفي أيّ وقت) زنى بها، لاحتمال أن يكون الزنا الذي يشهد به أحد الشهود غير الذي يشهد به الآخرون، فاعتبر ذكر ما يختلف به؛ ليزول هذا الاحتمال، (وأنه رأى ذَكَره في فرجها)؛ لأن اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الحد، وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا. فاعتبر ذكر صفته، واعتبر ذكر المرأة؛ لئلا تكون ممن تحل له، أوله في وطئها شبهة.
(و) يعتبر في الشهادة (في سرقة: ذكر مسروقُ منه، و) ذكر (نصاب،
و) ذكر (حرْزٍ، و) ذكر) صفتِها) أي: صفة السرقة. مثل أن يقول: خلع الباب ليلًا وأخذ الفرس، أوأزال رأسه عن ردائه وهو نائم في المسجد وأخذ الرداء أو نحو ذلك، لأن الحكم يختلف باختلاف السرقة، ولتتميز السرقة الموجبة للقطع من غيرها.
(و) يعتبر في الشهادة (في قذف: ذكرُ مقذوف) ليُعلم هل يجب بقذفه الحد أوالتعزير؛ (و) ذكر) صفة قذف) بأن يقول: أشهد أنه قال له: يا زانى، أوقال له: يا لوطي أوغير ذلك.
(و) يعتبر في الشهادة (في إكراه) على فعل أوقول يؤاخذ به لو لم يكن مكرها: أن يذكر (أنه ضربَه أوهدَّدَه) على ذلك (وهو قادر على وقوع الفعل) الذي هدده (به، ونحوه)؛ كما لو شهدا بأنه أوقع به شيئًا من العذاب، كعصر الساق ونحوه.
[ ١١ / ٤١٤ ]
(وإن شهدا: أن هذا ابنُ أمته) يعنى: شهد شاهدان أن (^١) هذا العبد ابن أمة
هذا، (لم يحكم له به)؛ لجواز أن تكون ولدته قبل أن يملكها (حتى يقولا): وأنها (ولدته) وهي (في ملكه).
أوادعى إنسان ثمرة شجرة فشهد له شاهدان أنها ثمرة شجرته، لم يحكم له
بها حتى يقولا: وأنها أثمرتها وهي في ملكه. فإذا شهدا بذلك حكم له بالعبد والثمرة لأن البينة شهدت أن ذلك نماء ملكه، ونماء ملكه له ما لم يرد (^٢) سبب بنقله عنه.
فإن قيل: فقد قلتم لا تقبل الشهادة بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق.
قلنا: الفرق بينهما على تقدير التسليم: أن النماء تابع للملك في الأصل،
فإثبات ملكه في الزمن الماضي [على وجه التبعية، وجرى مجرى ما لو قال: ملكته منذ سنة وأقام البينة بذلك فأن الملك يثبت في الزمن الماضي] (^٣) تبعًا للحال. فيكون له النماء فيما مضى.
ولأن البينة هاهنا شهدت بسبب الملك وهو ولادة الجارية، أو وجود الثمرة
في ملكه فقويت بذلك. ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت: أقرضه ألفا، أو باعه سلعة بألف ثبت الملك وإن لم يذكره. فمع ذكره أولى.
(وإ ن شهدا: أن هذا الغزل من قطنه، أو) شهدا: أن هذا (الدَّقيق من
حنطته، أو) شهدا: أن هذا (الطير من بيضته حُكم له به)، لأنه لا يتصور أن يكون الغزل من قطنه قبل ملكه له، أو أن يكون الدقيق من حنطته قبل ملكه للحنطة، أو أن يكون الطير من بيضته قبل ملكه للبيضة.
ولأن الغزل ليس غير القطن وإنما تغيرت صفته، والدقيق ليس غير الحنطة
_________________
(١) في ج: بأن.
(٢) في أ: له لم يرد.
(٣) ساقط من أ
[ ١١ / ٤١٥ ]
وإنما تفرقت أجزاؤها، والطير ليس غير البيضة وإنما استحالت. فكأن البينة قالت: هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك الولد والثمرة، فأن ذلك غير الأم
والشجر ة (^١) .
(لا إن شهدا: أن هذه البيضة من طَيره) فأنه لا يحكم له بالبيضة حتى يشهدا
أنها باضتها وهي في ملكه كما قلنا في ابن أمته؛ لجواز أن تكون الطيرة باضتها قبل أن يملكها، (أو) شهد شاهدأن: (أنه اشترى هذا) العبد، أوهذه الدار، أوهذا الثوب (من زيد، أو) شهدا أن زيدًا (وقفه عليه، أو) شهدا لعبد زيد أن زيدًا (أعتقه) لم يحكم بشيء من ذلك (حتى يقولا) أي: يقول الشاهدان: وأن زيدًا باع ذلك أو وقفه أو أعتقه: (وهو في مِلكه)؛ لأنه يجوز أن يكون باع أو وقف أو أعتق ما ليس في ملكه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهو في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع
شيئا من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضره شاهدين ثم ينزعه المشتري من يد صاحبه ثم يقتسمانه، وفي ذلك ضرر عظيم لا يرد الشرع بمثله. (ومن ادَّعى إرْث ميتٍ، فشهدا) أي: شهد شاهدان: (أنه وارثُه،
لا يَعلمان) له وارثًا (غيره). فإن كانا من أهل الخبرة الباطنة سلم المال إليه
وجهًا واحدًا، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي؛ لأن هذا مما لا يمكن علمه. فكفى فيه الظاهر مع شهادة الأصل بعدم وارث آخر.
وعلى المذهب: (أو قالا): لا نعلم له وارثًا غيره (في هذا البلد)؛ لأن
الأصل عدمه في غير هذا البلد وقد تيقنّا العلم به في هذا البلد. فصار في حكم المطلق.
وعلى المذهب: (سواء كانا) أي: الشاهدين (^٢) (من أهل الخبرة الباطنة، أولا) وشهدا أنهما لا يعلمان له وارثًا مطلقًا أوفي هذه البلدة سواه:
_________________
(١) في ج: أوالشجرة.
(٢) في ج: الشاهدان.
[ ١١ / ٤١٦ ]
(سُلّم) المال (إليه بغير كفيل)؛ لأنه قد ثبت إرثه والأصل عدم الشريك فيه. فلا يطالب بكفيل، كغيره من الحقوق. (وبه) أي: ويسلم إليه المال بكفيل (إن) كان شاهداه (شهدا بإرثه فقط) أي: من غير أن يقولا: ولا نعلم له وارثًا سواه؛ لعدم قولهما ذلك.
قال الأزجي: فيمن ادعى إرثًا لا يحوج في دعواه إلى بيان السبب الذي يرث
به وإنما يدعي الإرث مطلقا؛ لأن أدنى حالاته أن يرثه بالرحم وهو صحيح على أصلنا، فإذا أتى ببينة فشهدت له بما ادعاه من كونه وارثا حكم له به. انتهى.
(ثم إن شهدا لآخر: أنه وارثُه، شارَك الأول) يعني: أنه لو شهد (^١) شاهدان ل إنسان بإرثه هذا الميت ثم شهدا لآخر أنه وارثه: شارك الأول في إرث الميت.
قال في " الفروع ": ذكره ابن الزاغونى وهو معنى كلام أبي الخطاب
وابي الوفاء.
وقيل: لا يقبل في المسألة الأولى وهي إذا قالا: لا نعلم غيره. انتهى.
قال الشيخ موفق الدين (^٢) في فتأويه: إنما احتاج إلى إثبات لا وارث سواه "
لأنه يعلم ظاهرًا، فإن (^٣) بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعرف باطن أمره. بخلاف دينه على الميت لا يحتاج إلى إثبات لا دين عليه سواه؛ لخفاء الدين. ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع على يقين انتفائها. نقله عنه في "الفروع ". (ولا تردُّ الشهادة على نفي محصورٍ، بدليل هذه المسألة، و) مسألة
(الإعسار، وغيرهما).
فألقي " الفروع ": ولا ترد الشهادة على النفي مطلقًا، بدليل المسألة المذكورة والإعسار. والبينة فيه تثبت ما يظهر ويشاهد. بخلاف شهادتهما.
_________________
(١) فى ب: شهدا.
(٢) في ج: تقي الدين.
(٣) في ج: فأنه
[ ١١ / ٤١٧ ]
لا حقّ له عليه. ويدخل في كلامهم قبولها إذا كان النفي محصورًا؛ كقول الصحابي: " دُعي إلى الصلاة فقام فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ " (^١) .
ولهذا قيل للقاضي في " الخلاف ": أخبار الصلاة على شهداء أحد مُثْبِتة وفيها زيادة، وأخباركم نافية، وفيها نقصان والمثبِتُ أولى. فقال: الزيادة هاهنا مع النافي، لأن الأصل في الموتى الغسل والصلاة.
ولأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء في هذا المعنى، ولهذا نقول: أن من قال: صحبت فلانًا في يوم كذا فلم يقذف فلانًا قبلت شهادته، كما تقبل في الإثبات.
وذكر أيضًا: أنه لا تسمع بينة المدعى عليه بعينٍ بيده، كما لا تسمع بأنه
لا حقَّ عليه في دين ينكره. فقيل له: لا سبيل للشاهد (^٢) إلى معرفته، فقال: لهما سبيل وهو: إذا كانت الدعوى ثمن مبييع فأنكره وأقام البينة على ذلك، فإن للشاهد سبيلًا إلى معرفة ذلك بأن يشاهده أبرأه من الثمن أوأقبضه إياه، فكان يجب أن يقبل.
وفي " الروضة " في مسألة النافي للحكم: لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فأن ذلك إنما يعرف بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم إنتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، وهو محال.
وفي " الواضح ": العدالة بجمع كل فرض وترك كل محظور، ومن يحيط
به علما، والترك نفي، والشهادة بالنفي لا تصح. انتهى كلامه في " الفروع ". (وإن شهد اثنان: أنه ابنُه) أي: ابن هذا الميت، (لا وارثَ له غيره، و) شهد (آخران: أن هذا ابنَه، لا وارثَ له غيرُه قسم الإرثُ بينهما) ولا تعارض؛ لأنه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى.
_________________
(١) أخرجه البخاري فى " صحيحه " (٦٤٣) ١: ٢٣٩ كتاب الجماعة والإمامة، باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما ياكل.
(٢) في أ: للشاهدان.
[ ١١ / ٤١٨ ]
[فصل: فيما تبطل به الشهادة]
(فصل. وأن شهدا) أي: شهد شاهدان (أنه طلَّق) من نسائه واحدة ونسيا عينها، (أو) أنه (أعتق) من إمائه واحده ونسيا عينها، (أو) أنه (أبطل من وصاياه وأحدةً ونسيَا عينها: لم تقبل) هذه الشهادة في الأصح؛ لأنها شهادة بغير معين فلا يمكن العمل بها؛ فلم تقبل؛ كما لو قال: نشهد أن إحدى هذين الأمتين معتقة.
(وإن شهد أحدهما) أي: أحد شاهدين على إنسان (بغصبِ ثوبٍ أحمر،
و) شهد (الآخر بغصب) ثوب (أبيض، أو) شهد (أحدهما: أنه غصبه) أي: غصب التوب (اليوم، و) شهد (الآخر: أنه) غصبه (أمس: لم تَكمُل) البينة في الصورتين؛ لأن اختلاف الشاهدين فيما ذكر يدل على تغاير الفعلين؛ لأن ما شهد به أحد الشاهدين غير ما شهد به الاخر.
(وكذا كلُّ شهادةٍ على فعلٍ مُتَّحدٍ في نفسه؛ كقتل زيد) فأنه لا يكون إلا مرة واحدة، (أو) على فعل متَّحدٍ (باتفاقهما) أي: باتفاق المشهود له والمشهود عليه على أن الفعل لم يقع إلا مرة واحدة، كمسألة الغصب المتقدمة، و(كسرقة) ونحو ذلك: (إذا اختلفا) أي: اختلف الشاهدان (في وقته) أي: وقت الفعل، (أومكانه، أوصفةٍ متعلّقةٍ به) أي: بالمشهود به، (كلونه، وآلة قتل مما يدُّل على تغايُر الفعلين) فأن البينة لم تكمُل للتنافي، لأن كل واحد من الشاهدين مكذب للآخر. فيتعارضان،؛ كما لو كان المشهود به قتلًا. ويسقطان في الأصح.
(وإن أمكن تعدُّده) أي: تعدد الفعل، (ولم يَشهدا) يعني: الشاهدين (بأنه) أي: بأن الفعل (متحد)، ولم يصدق المشهود له على أن الفعل
[ ١١ / ٤١٩ ]
واحد: (ف) يكون (بكل شيء شاهد، فيعمل بمقتضى ذلك) فله أن يحلف مع حل كل شاهد يمينا ويقضى له بشهادة الشاهدين واليمينين حيث ادعى وجود الفعلين، (ولا) يكون هناك (تنافى) بين شهادة الشاهدين.
(ولو كان بدله) أي: بدل كل شاهد (بينة: ثبتا) يعني: البينتين (هنا) اي: في صورة ما إذا لم يشهد أوصدق (^١) المشهود له أن الفعل متحد (إن ادعاهما) أي: ادعى المشهود له وجود الفعلين.
(وإلا) أي: وإن لم يدع إلا أحد الفعلين: ثبت (ما ادعاه) دون الاخر، (وتساقطتا في) المسًالة (الأولى) وهي مسًاله اتحاد الفعل في نفسه أوباتفاقهما.
(وكفعل من قول) يعني: وكحكم الفعل من الأقوال (نكاح وقذف فقط) يعني: دون غيرهما من الأقوال. فإذا شهد شاهد أنه تزوجها أمس وشهد آخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة؛ لأن النكاح الذي وقع أمس غير النكاح الذي وقع اليوم، فلم يشهد بكل واحد من النكاح إلا شاهد واحد. فلم يثبت؛ كما لو كانت الشهادة على فعل.
ولأن من شرط صحته. حضور الشاهدين له، فإذا اختلفا فى الوقت لم يتحقق حصول الشرط. فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق وجود شرطه.
وإذا شهد شاهد أنه قذفه غدوة وشهد آخر أنه قذفه عشية، أوشهد أحدهما أنه قذفه خارج البلد وشهد آخر أنه قذفه داخل البلد، أوشهد أحدهما أنه قذفه بالعجميه وشهد الآخر أنه قذفه بالعربية: لم تكمل البينة على قذفه في الأصح؛ لأناختلاف الشهود في الوقت ونحوه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات.
(ولو كانت الشهاده على إقرار بفعل)؛ كقتل وسرقة وغصب، (أوغيره) يعني: أوكان الإقرار بغير فعل ولو) كان المقر به (نكاحا أوقذفا)، كما لو شهد عليه شاهد أنه
أقر أنه غصب زيدا كذا (^٢) وهو عندي بدمشق، أوأنه قتله أو
_________________
(١) فى أ: يصدق
(٢) في ج: عليه بشاهد أنه غصبه كذا.
[ ١١ / ٤٢٠ ]
قذفه، أوأن له في ذمته كذا، وشهد آخر أنه أقر عندي بهذا بمصر: جمعت شهادتهما، وعمل بمقتضاها وفاقا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن المقر واحد وفارق الشهادة على الفعل، فإن الشهادة هناك على فعلين مختلفين.
ونظير ذلك من الإقرار: أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر عندي أنه قتله يوم الجمعة، فإن شهادتهما لا تقبل هاهنها. ويحق ما ذكرناه: أنه لا يمكن جمع [الشهود لسماع الشهادة في حق كل أحد، والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى] (^١) المشهود فيمضي إليهم في أوقات متفرقة وأماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره.
(أوشهد) شاهد (واحد بالفعل، و) شهد شاهد (آخر على إقراره) بذلك الفعل: (جمعت) وحكم بها وذلك؛ كما لو شهد واحد أنه غصبه هذا العبد، وشهد أخر أنه أقر بغصبه منه؛ لأن الشهادة لم تختلف؛ كما لوشهدا على إقراره في وقتين أنه غصبه منه.
(لا (^٢) إن شهد واحد، بعقد نكاح أو قتل خطأ، و) شهد (آخر على إقراه) بذلك فإنها لا تجمع.
قال في " الإنصاف ": لو شهد واحد بعقد نكاح أوقتل خطا (^٣) وآخر على إقراره: لم تجمع.
(ولمدعي القتل أن يحلف مع أحدهما) أي: مع أحد الشاهدين، (ويأخذ الدية)، سواء حلف مع الشاهد بالقتل، أومع الشاهد على الإقرار به.
(ومتى حلف مع شاهد الفعل) وهو الشاهد بالقتل: (فعلى العاقلة) يعني: أخذ الدية من عاقلة القاتل؛ لأن القتل ثبت بالبينة.
(و) متى حلف (مع شاهد الإقرار) بالقتل: (ففي مال القاتل) يعني:
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: إلا.
(٣) ساقط من ب.
[ ١١ / ٤٢١ ]
أخذت الدية من مال القاتل؛ لأن القتل ثبت بالإقرار، والعاقلة لا تحمل ما ثبت بالإقار.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهدان (بالقتل، أو) شهد شاهدأن (الإقرار به) أي: بالقتل، (وزاد أحدهما) في شهادته: كون القتل (عمدا) ولم يذكر الاخر كونه عمدا أوخطأ: (ثبت القتل)؛ لاتفاق الشاهدين عليه، (وصدق المدعى عليه) بالقتل (في صفته) أي: في كون القتل عمدا، أوخطًا بيمينه. (ومتى جمعنا) شهادة الشاهدين (مع اختلاف وقت) أي: مع اختلافهما
في وقت، وكانت شهادتهما (في قتل أوطلاق: فالإرث) فيما إذا جمعنا شهادتهما في القتل (والعدة) فيما إذا جمعنا شهادتهما في الطلاق (يليان آخر المدتين)؛ لأن الأصل بقاء الحياة أوبقاء الزوجية إلى اخر المدتين.
(وإن شهد احدهما) أي: أحد الشاهدين على إنسان: (أنه أقر له) أي: لآخر (بألف أمس، و) شهد (الآخر: أنه اقر له به) أي: بالألف (اليوم): كملت البينة، (أو) شهد (أحدهما: أنه باعه داره امس، و) شهد (الآخر: أنه باعه إياها اليوم: كملت) أيضا وثبت الإقرار والبييع؛ لأن الألف التي شهد بها أحدهما في صورة الإقرار هي الألف التي شهد بها الآخر؛ لأن الشاهدين شهدا بًالف واحد.
ولأن البيع الذي شهد به أحدهما في صورة البيع هو البيع الذي شهد به الآخر.
وكذا إذا شهد أحدهما أنه طلق زوجته أمس وشهد الاخر أنه طلقها اليوم؛
لأن المشهود به شيئ واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحدا، فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه. فلم يؤثر؛ كما لو شهد أحدهما أنه أقر أوباع أوطلق بالعربية وشهد الآخر أنه أقر أوباع أوطلق بالفارسية.
(وكذا كل شهادة على قول غير نكاح وقذف). وتقدمت الإشارة إلى تعليلها.
(ولو شهد أحدهما: أنه أقر له بألف، و) شهد (الآخر: أنه اقر له بألفين): كملت البينة بألف واحد؛ لاتفاقهما عليه. (أو) شهد (أحدهما:
[ ١١ / ٤٢٢ ]
أن له عليه ألفا، والآخر: أن له عليه ألفين: كملت) البينة (بألف) أيضا) (^١)؛لاتفاقهما عليه. (وله) أي: وللمشهود له (^٢) (أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده) ويستحقه. وهذا فيما إذا أطلق الشهادة أو لم تختلف الأسباب والصفات. ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهد أن لآخر (بمائة، و) شهد (اخران بعدد
أقل) من المائة: (دخل) الأقل من المائة في المائة، (إلا مع ما) أي: مع شيء (يقتضي التعدد)، كما لو شهد اثنان بمائة قرضا وشهدا اخران بخمسين من ثمن مبيع: (فيلزمانه) يعني: أن يلزمه المائة والخمسون، لاختلاف سببهما. (ولو شهد واحد بألف) وأطلق، (و) شهد (آخر بألف من قرض: كملت) شهادتهما، حملا للمطلق على المقيد.
لا إن شهد واحد بألف من قرض، و) شهد (آخر بألف من ثمن مبيع) فإن شهادتهما لم تكمل، وكان للمشهود له أن يحلف مع واحد منهما ويستحقهما، أويحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به.
(وإن شهدا) أي: شهد شاهدان على إنسان: (أن عليه ألفا) لزيد،
(وقال أحدهما: قضاه بعضه: بطلت شهادته). نص عليه، وذلك لأنه شهد بأن الألف جميعه عليه. فإذا قضاه بعضه لم يكن الألف كله عليه. فيكون كلامه
متناقضا فتفسد شهادته.
(وإن شهدا: أنه اقرضه الفا، ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما)، لأن ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه وهذا
لا يقول ذلك على وجه الرجوع. والمنصوص عن أحمد: أن شهادته تقبل بخمسمائة، فأنه قال: إذا شهدا بألف ثم قال أحدهما قبل الحكم: قضاه منه خمسمائة أفسد شهادته يعني: في الخمسمائة وللمشهود له ما اجتمعا عليه وهو
_________________
(١) في ج: واحد أيضا.
(٢) في ب: عليه
[ ١١ / ٤٢٣ ]
خمسمائة. فصحح شهادته في نصف الألف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضماه، لأنه بمنزلة الرجوع عن الشهادة به. فأشبه ما لو قال: أشهد بًالف بل بخمسمائة
قال أحمد: ولو جاء بعد هذا المجلس فقال: أشهد (^١) أنه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه، لأنه قد أمضى الشهادة.
قال في " شرح المقنع ": فهذا يحتمل أنه أراد إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه، لأن الألف قد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل لشهادته بالقضاء؛ لأنه لا يثبت بشاهد واحد. فأما إن شهدا (^٢) أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الألف وجها واحدا، لأنه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف. انتهى.
(ولا يحل لمن) تحمل شهادة بحق إذا (اخبره عدل باقتضاء الحق أوانتقاله، أن يشهد به).
قال في " الإنصاف ": لو شهد عند الشاهد عدلان أوعدل: أنه اقتضاه ذلك الحق، أوقد باع ما اشتراه: لم يشهد له. نقله ابن الحكم.
وسأله ابن هانئ: لو قضاه نصفه، ثم جحده بقيته: أله أن يدعيه أو بقيته؛ قال: يدعيه كله وتقوم البينة فتشهد على حقه كله، ثم يقول للحاكم: قضانى نصفه. نتهى.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهدان (على رجل: أنه أخذ من صغير الفا) من الدراهم أوالدنانير أوغيرهما، (و) شهد (اخران على) رجل (آخر: أنه اخذ من الصغير الفا) من دراهم ودنانير أوغيرهما الزم وليه) أي: ولي الصغير (مطالبتهما) أي: أن يطالب الرجلين (بألفين)؛ لأن الأصل أن الألف التي أخذها أحد الرجلين غير التي أخذها الاخر، فيلزم الولي أن يطالب بمال
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في اب: شهد.
[ ١١ / ٤٢٤ ]
محجوره خشية ضياعه، (إلا أن تشهد البينان على ألف بعينها) يعني: أن الألف الذي أخذها أحد الرجلين هى عين الألف التي أخذها الاخر: (فيطلبها) أي: يطلب الولي الألف المعينة (من أيهما) يعني: من أي الرجلين (شاء) الولي؛ لأنها مضمونة على كل من الرجلين،
(ومن له بينة بألف فقال: أريد أن تشهد إلي بخمسمائة لم يجز) على الأصح، (ولو كان الحاكم لم يول الحكم فوقها) أي: فوق الخمسمائة في الأصح.
قال أحمد: إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائتين فقال له صاحب الحق: أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بألف.
قال القاضي: وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد. قال الله ﷾: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾] المائدة: ١٠٨].
ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما شهد لساغ للقاضي أن يقضي ببعض
ما شهد به الشاهد.
ولأن شهادته بمائة ربما أوهم أن هذه المائة غير الألف فيؤدي إلى إيجاب المائة عليه مرتين، مرة في ضمن الألف ومرة عند الشهاده بها منفرده عن الألف. قال أحمد: إذا فال: أشهد على مائة درهم، ومائة درهم [ومائة درهم] (^١)، فشهد على مائة دون مائة: كره. إلا أن يقول: أشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان. انتهى كلام احمد.
وعبارته في " المحرر ": إذا قال من له بينة بألف: أريد أن تشهد بخمسمائة (^٢) لم يجزذلك، إذا كأن الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها. وأجازه ابو الخطاب. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قال شيخنا في حواشيه على " المحرر ": وهذا مشكل من جهة المعنى والنقل.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: تشهدا بخمسمالة
[ ١١ / ٤٢٥ ]
أما من جهة المعنى: فأنه إذا كان قد ولى بأكثر منها، فليس معنا حاجة داعية
إلى الشهادة بالبعض. بخلاف العكس فأنه إذا لم يول بأكثر منها، فالحاجة داعيه إلى الشهادة بالبعض. وهو المقدار الذي يحكم به. ولهذا لم يذكر الشيخ في " المقنع "
وهذا القيد، ولا " الكافي " " لأنه- والله أعلم- فهم أنه ليس بقيد يحترز به.
ولا يقال: أنه لم يطلع عليه، لأنه في كلام أبي الخطاب وهو قد نقل كلامه.
وأما النقل فقال الإمام أحمد: إذا قال: اشهد على مائة درهم، ومائة درهم، ومائة درهم، فشهد على مائة دون مائة: كره. إلا أن يقول: أشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كأن.
وقال الإمام أحمد: إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين. فقال صاحب الحق: أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بالألف. وأطال الكلام على ذلك ولعل في كلام " المحرر " تقديم وتأخير تقديره
- والله ﷾ أعلم-: وأجازه أبو الخطاب إذا كأن الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها.
(ولو شهد اثنان- في محفل- على واحد منهم: أنه طلق أو أعتق، أو على خطيب: أنه قال أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما، مع المشاركة في سمع وبصر: قبلا). ذكره في " المغني " وغيره.
(ولا يعارضه) أي: يعارض ما تقدم (قول الأصحاب: إذا انفرد) شاهد (واحد فيما) أي: في نقل شيء (تتوفر الدواعي على نقله) أي: تدعو الحاجة إلى نقله، (مع مشاركة) خلق (كثيرين، رد) قوله، للفرق بين ما إذا شهد واحد، وبين ما إذا شهد اثنان، وبين تقييدهم بكون ذلك الشيء مما تتوفر الدواعي على نقله، وبين عدم ذلك القيد. والله ﷾ أعلم.
[ ١١ / ٤٢٦ ]
[باب: شروط من تقبل شهادته]
هذا (باب شروط من تقبل شهادته). وذلك لأنه لو لم يعتبر لقبول من يقول: أشهد بكذا شروط يغلب على الظن صدقه مع توفرها فيه لأدى ذلك إلى أن يشهد الفجار بعضهم لبعض، فتؤخذ الأموال بذلك بغير حق ولا سابق ملك. فلذلك اعتبر أحوال الشهود بخلوهم عما يوجب التهمة فيهم، ووجود ما يوجب تيقظهم وتحرزهم.
(وهي) أي: والشروط المعتبرة لذلك (ستة:
أحدها: البلوغ. فلا تقبل) الشهادة (من صغير)، ذكرا كان أو أنثى (ولو) كان الصغير ممن هو (في حال أهل العدالة مطلقا) أي: سواء شهد بعضهم على بعض، أوفي جراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها على الأصح، وفاقا لأبي حنيفة وأصحابه والشافعي؛ لقول الله ﷾: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والصبي لا يسمى رجلا.
ولأنه غير مقبول القول في حق نفسه. ففي حق غيره أولى.
ولأنه غير كامل العقل. فهو في معنى المعتوه.
(الثانى: العقل، وهو: نوع من العلوم الضرورية) يستعد بها لفهم دقيق العلوم وتدبير الصنائع الفكرية. وإنما قالوا نوع منها؛ لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم (^١) بالمدركات لعدم الإدراك المعلق عليها غير عاقل. والعلم الضروري هو الذي لا يمكن ورود الشك عليه.
_________________
(١) في ج: لعلم
[ ١١ / ٤٢٧ ]
(والعاقل: من عرف الواجب عقلا- الضروري وغيره- والممكن، والممتنع)، كوجود البارئ ﷾، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، واستحالة اجتماع الضدين، وكون الواحد أقل من الاثنين، (و) عرف (ما ينفعه و) ما (يضره غالبا)، لأن الناس لو اتفقوا على معرفة ذلك لما اختلفت الآراء.
ولأن من لا عقل له لا يمكنه لحمل الشهاده ولا أداؤها (^١) لاحتياجها إلى الضبط وهو لا يعقله.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من معتوه، ولا مجنون إلا من يخنق أحيانا: إذا شهد) أي. تحمل الشهاده وأداها (فى إفاقته)، لأنها شهادة من عاقل. أشبه من لم يخنق (^٢) .
(الثالث: النطق) أي: كون الشاهد متكلما.
وقال مالك والشافعي وابن المنذر: تقبل الشهادة من الأخرس إذا فهمت إشارته " لقيام الإشارة منه مقام نطقه في أحكامه من طلاق ونكاح وغير ذلك فكذلك في شهادته. واستدل ابن المنذر بأن النبي ﷺ أشار وهو جالس إلى الناس وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا (^٣) .
ولنا: أنها شهادة بالإشارة فلم تجز كإشارة الناطق؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين. ولذلك لا يكتفى بإيماء الناطق. وإنما اكفتي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به للضرورة.
وما استدل به أبن المنذر لا يصح، فأن النبي ﷺ كان قادرا على الكلام وعمل بإشارته في الصلاة. ولو شهد الناطق بالإشارة أو الإيماء (^٤) لم تصح شهادته إجماعا.
_________________
(١) في ج: ولا من أدائها
(٢) في ج: يجن
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٢ ٠ ١) ١: ٣٧٤ أبواب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد.
(٤) في ج: للإيماء
[ ١١ / ٤٢٨ ]
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من أخرس). نص على ذلك أحمد،
(إلا إذا أداها) الأخرس (بخطه) في الأصح. واختاره في " المحرر ".
قال في " الإنصاف " قلت: وهو الصواب.
(الرابع) من شروط الشهادة: (الحفظ)؛ لأن من لا يحفظ لا تحصل
/ الثقة بقوله ولا يغلب على الظن صدقه، لاحتمال أن يكون من غلطه.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من مغفل، و) لا من (معروف- بكثرة
غلط و) كثرة (سهو).
وعلم مما تقدم أنها تقب ممن يقل منه الغلط والسهو، لأن ذلك لا يسلم منه أحد.
(الخامس: الإسلام) إلا في مسًاله تأتي، لقول الله ﷾: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) الطلاق: ٢ [والكافر ليس منا.
وقوله ﷾ (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)] البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا ولو قبلت شهادة غير
المسلمين لم يكن لقوله "منكم" فائدة.
ولأن الكافر غير مأمون.
وعنه: تقبل شهادة بعضهم على بعض. نقلها حنبل، لما روى جابر " أن
النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض (^١) . رواه ابن ماجه
وكالمسلمين. -
وجواب ذلك: أن الخبر مردود بضعفه، فأنه من رواية مجالد (^٢) . ولو سلم فيحتمل أنه أراد اليمين، لأنها تسمى شهاد؛ لقوله سبحانه، وتعالى (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) [النور: ٦].
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه ي " سننه " (٢٣٧٤) ٢: ٧٩٤ كتاب الأحكام باب شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض
(٢) في ج: مجاهد.
[ ١١ / ٤٢٩ ]
ولأن من لا تقبل شهادته على غير أهل دينه لا تقبل شهادته على أهل دينه.
إذا تقر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من كافر- ولو على مثله- غير رجلين كتابيين، عند عدم) أي: عدم مسلم، (بوصية ميت بسفر مسلم أوكافر) أي: سواء كان الموصي مسلما أوكافرا على أصح الروايتين. نقلها الجماعه عن أحمد حتى قال الموفق وغيره: روى ذلك عن أحمد نحو من عشرين نفسا. (ويحلفهما) أي: يحلف الشاهدين الكتابيين (حاكم وجوبا) في الأصح. وقيل: لا يجب بل يندب.
(بعد العصر)؛ لخبر أبي موسى الآتي.
وقال ابن قتيبة: لأنه وقت تعظمه أهل الأديأن.
فيحلفان لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، وما خانا ولا حرفا، وإنها لوصيته) أي: وصية الرجل الموصي.
قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر الماضين.
والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾] المائدة: ١٠٦]. وممن قال بذلك شريح والنخعي والأوزاعي
ويحيى بن حمزة. وقضى بذلك عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما.
(فإن عثر على أنهما) يعني: الشاهدين الكتابيين (استحقا إثما، قام اخران) أي: رجلأن (من أولياء الموصي فحلفا بالله تعالى: لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما. ويمضى لهم)؛ لقوله (^١) ﷾: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ
_________________
(١) فى ب: لقول الله
[ ١١ / ٤٣٠ ]
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧].
وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقالوا: لا تقبل، لأن من
لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل على الوصية، كالفاسق. واختلفوا في تأويل الآيه فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال المراد بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من غير عشيرتكم، ومنهم من قال المراد بالشهادة: اليمين.
ولنا: نص الكتاب.
وقد قضى به رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده؛ فروي عن ابن عباس قال:
" خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن زيد. فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جام (^١) فضة مخوصا بذهب. فأحلفهما رسول الله ﷺ. ثم وجد الجام بمكة. فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي: فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام (^٢) لصاحبهم. فنزلت فيهم: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية [المائد-: ١٠٦] " (^٣) .
وعن الشعبي " أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (^٤) ولم يجد حدا
من المسلمين يشهد على وصيته. فًاشهد رجلين من أهل الكتاب. فقدما الكوفة. فآتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته. فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ. فًاحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته
_________________
(١) في ج: لجام
(٢) في ج: اللجام
(٣) ٣ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٦٢٨) ٣: ١٠٢٢ كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (يخايها اثذينءامنوا ثهد- ٠٠٠) الاية.
(٤) دقوقاء: بلد بين بغداد هاربل، تقصر وتمد
[ ١١ / ٤٣١ ]
فأمضى شهادتهما" (^١) . رواه أبو داود. وروى الخلال حديث أبي موسى بإسناده. وأما حمل الاية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح، لأن الاية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين.
وقد فسر الآية بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير وسليمان التيمي وغيرهم. ودلت عليه (^٢) الأحاديث.
ولأنه لو صح ما ذكروه لم يجب عليهما يمين، لأن الشاهدين من المسلمين
لاقسامة عليهما.
وحملها على التحمل لا يصح أيضا، لأنه أمر بإحلافهم ولا يمين في التحمل. وحملها على اليمين لا يصح أيضا، لقوله ﷾: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وقد روى أبو عبيدة في " الناسخ والمنسوخ ": أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان.
قال أحمد: أهل المدين ليس عندهم حديث أبي موسى من أين يعرفونه؛
وقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله ﷾، وقضاء رسول الله ﷺ، وقضاء الصحابة به، وعملهم بما ثبت (^٣) في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به، سواء وافق القياس أوخالفه.
الشرط (السادس: العدالة). وهي في اللغة: عبارة عن الاستقامة
وا لاستواء " لأن العدل ضد الجور، والجور: الميل.
(وهي) في الشرع: (استواء أحواله) أي: أحوال المتصف بها (في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله.
_________________
(١) أخرجه أيو داود في (سنته " (٥ ٣٦٠) ٣: ٣٠٧ كتاب الأقضية، باب شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر.
(٢) في ج: عليها.
(٣) فى ج: وعملهم به أثبت
[ ١١ / ٤٣٢ ]
ويعتبر لها) أي: لكون ال إنسان متصفا بها (شيئان): -
أحدهما: (الصلاح في [الدين. وهو) نوعان:
أحدهما: (أداء الفرائض) أي: الصلوات الخمس والجمعة (برواتبها) أي: بسننها الراتبة في الأصح. وأومأ إلى ذلك أحمد بقوله فيمن يواضب (^١) على ترك سنن الصلاة: رجل سوء.
ونقل أبو طالب: الوتر سنة سنها النبي ﷺ فمن ترك سنة من سننه فهو رجل سوء.
ووجه ذلك: أن تهاون ال إنسان بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) شهادة (ممن داوم على تركها) أي: ترك السنن
الراتبة.
وعلم مما تقدم أن الشهاده تقبل ممن تركها في بعض الأيام.
(و) الثاني من النوعين: (اجتناب المحرم)، وذلك: (بأن لا يأتي كبيرة
ولا يدمن) أي: يداوم (على صغيره) في الأصح.
وقيل: ولا يتكرر منه صغيرة.
وقيل: ثلاثا.
وفي " الترغيب ": بأن لا يكثر منها ولا يصر على واحدة منها (^٢) .
وفي الخبر الذي رواه الترمذي: " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار (^٣) .
وذلك لأن اعتبار اجتناب كل محرم يؤدي إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنه
_________________
(١) في ج: وا ضب.
(٢) في ج زيادة: وقيل: العدل هو الذي لا يظهر منه إلا الخير.
(٣) ٣ أخرجه الترمذي في " جامعه " عن أبي بكر قال قال رسول الله عي: " ما أصر من استغفر، ولو فعله في اليوم سعبين مرة " (٣٥٥٩) ٥: ٥٥٨ كتاب الدعواب
[ ١١ / ٤٣٣ ]
لا يخلو من ذنب. وقد قال الله ﷾ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]
مدحهم [الله سبحاله وتعالى] (^١) " لاجتنابهم ما ذكر، وأن كان وجد منهم الصغائر.
واللمم: صغائر الذنوب.
وقيل: أن يلم بالذنب ولا يعود فيه.
ولأن التحرز من ذلك عسر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: " أن تغفر اللهم
تغفر جما وأي عبد لك لا ألما (^٢) أي: لم يلم. فأن" لا " مع الماضي بمنزلة " لم "مع المستقبل.
وقد نهى الله ﷾ عن قبول شهادة القاذف؛ لكون القذف كبيرة فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة.
(والكذب صغيرة). فلا ترد الشهادة بالكذبة الواحدة.
وعنه: ترد بكذبه. وهو ظاهر " المغني "،] لأن الشهادة إخبار عما يعلمه، ومن علم منه كذب فهو غير مأمون في شهادته فوجب رد شهادته] (^٣) . (إلا) الكذب (في شهادة زور، وكذب على نبي، و) كذب في (رمي فتن، ونحوه) " ككذب على أحد الرعية عند حاكم ظالم: (فكبيرة).
قال أحمد: ويعرف الكذب بخلف المواعيد. نقله عبد الله.
(ويجب) الكذب التخليص مسلم من قتل). جزم به في " الفروع ".
قال ابن الجوزي: أو كان المقصود واجبا.
(ويباج) الكذب الإصلاج) بين الناس، (و) لى (حرب، و) لى (زوجة فقط) في الأصح، للخبر (^٤) .
_________________
(١) زيادة من ج
(٢) ٢ الترمذي في " جامعه (٣٢٨٤) ٥: ٣٩٦ كتاب تفسير القران، باب ومن سورة والنجم.
(٣) ساقط من أوب.
(٤) ٤ عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، قالت: ما سمعت رسول الله ﷺ ويرخص في-
[ ١١ / ٤٣٤ ]
وقال ابن الجوزي: وكل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا به، وهو التورية
في ظاهر نقل حنبل وظاهر نقل ابن المنصور والأصحاب مطلقا.
ومن جاءه طعام فقال: لا آكله ثم أكله فكذب لا ينبغي أن يفعل. نقله المروذي. ومن كتب لغيره كتابا فأملى عليه كذبا لم يكتبه. نقله الأثرم.
وقال ابن حامد: وقد يقع الفسق بكل ما فيه ارتكاب لنهي وأن خلا عن حد
أو وعيد. وأنه مذهب مالك. وأن الشافعي لم يفسقه بشرب مسكر للخلاف، ولا بكذبة أوتدليس، في بيع وغش في تجارة.
قال في " الفروع ": وظاهر " الكافي ": العدل من رجح خيره ولم يأت كبيرة؛ لأن الصغائر تقع مكفرة أولا فأولا فلا تجتمع.
قال ابن عقيل: لولا الإجماع لقلنا به. - وظاهر " العدة " للقاضي: ولو أتى كبيرة.
قال شيخنا: صرح به في قياس الشبه.
واحتج في " الكافي " و" العدة " بقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ ) الآية [المؤمنون: ١٠٢]،.
وعنه: فيمن أكل الربا: إن أكتر لم يصل خلفه.
قال القاضي وابن عقيل: فاعتبر الكثرة.
وفي " المغنى ": إن أخذ صدقة محرمة وتكرر ردت.
(والكبيرة (^١): ما) أي: كل شيء (فيه حد في الدنيا)؛ كالزنا والسرقة، (أو) فيه (وعيد) خاص (في الآخرة)؛ كأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
_________________
(١) شيء من الكذب إلا في ثلاث كأن رسول الله يقول: " لا أعده كاذبا الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث أمرأته، والمرأه تحدث زوجها ". أخرجه أبو دأود في " سننه " (٤٩٢١) ٤: ٢٨١ كتاب الأدب؛ باب في إصلاج ذات البين.
(٢) في ب: وعنه والكببرة
[ ١١ / ٤٣٥ ]
وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وما أشبه ذلك. والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات مثل: التجسس، وسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب لغير ضرورة، والنظر المحر، والنبز باللقب
قال البيضاوي فى قوله ﷾: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]: ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء، فإن النبز يختص بلقب السوء عرفا. انتهى. وفي " الفصول " و" الغنية " و" المستوعب ": الغيبة والنميمة من الصغائر.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل شهادة فاسق بفعل؛ كزان وديوث، أو باعتقاد، كمقلد في خلق القرآن، أو) في (نفي الرؤية، أو) في (الرفض، أو) في (التجهم) بتشديد الهاء، (ونحوه) " كمقلد في التجسيم وفيما يعتقده الخوارج والقدرية ونحوهم على الأصح.
(ويكفر مجتهدهم الداعية). فالرافضة: هم الذين يعتقدون كفر الصحابة
أو فسقهم بتقديم غير علي عليه في الخلافة.
والجهمية: هم الذين يعتقدون أن الله ليس بمستو على عرشه، وأن القرآن المكتوب في المصاحف ليس بكلام الله ﷾، بل هو عبارة عنه. والمعتزلة: هم الذين يقولون أن الله ﷾ ليس بخالق للشر، وإن العبد يخرج من الإيمان بالمعصية، وينكرون الشفاعة.
قال في " الإنصاف ": من قلد في خلق القرآن، ونفي الرؤية ونحوهما:
فسق على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر. قاله في " الواضح ".
وعنه: يكفو كمجتهد.
وعنه فيه: لا يكفر. اختاره المصنف في رسالته إلى صاحب
" التلخيص "؛ لقول أحمد للمعتصم: يا أمير المؤمنين
[ ١١ / ٤٣٦ ]
ونقل يعقوب الدورقي- فيمن يقول: القرآن مخلوق-: كنت لا أكفره حتى قرأت: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾] النساء: ١٦٦ [وغيرها.
فمن زعم أنه لا يدري: علم الله مخلوق أولا؛ كفر.
وقال في " الفصول "- في الكفارة، في جهمية وواقفيه وحرورية وقدرية ورافضية (^١) - إن ناظر ودعا: كفر، وإلا لم يفسق؛ لأن أحمد قال: يسميع حديثه ويصلى خلفه.
قال: وعندي أن عامة المبتدعة فسقة كعامة أهل الكتابين كفار مع جهلهم.
قال: والصحيح لا كفر، لأن أحمد أجاز الرواية عن الحرورية والخوارج. وذكر ابن حامد: أنقدرية أهل الأثر، كسعيد بن أبي عروبة، والأصم: مبتدعة. وفي شهادتهم وجهان، وأن الأولى: لا تقبل " لأن اقل ما فيه: الفسق. وذكر جماعة في خبر غير الداعية: روايات. الثالثة: إن كانت مفسقة: قبل، وإن كانت مكفرة: رد.
واختار الشيخ تقي الدين: لا يفسق أحد. وقاله القاضي في " شرح الخرقي " في المقلد، " الفروع ".
وعنه: للداعية، كتفضيل علي على الثلاثة أو أحدهم، أولم ير مسح الخف أوغسل الرجل.
وعنه: لا يفسق من فضل عليا على عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال في " الفروع ": ويتوجه فيه- وفيمن رأى " الماء من الماء " ونحوه: التسوية.
نقل ابن هانى: في الصلاة خلف من يقدم عليا على ابي بكر وعمر: إن كان جاهلا لا علم له: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال المجد: الصحيح أن كل بدعة لا توجب الكفر لا يفسق المقلد فيها
_________________
(١) في أ: ورافضة
[ ١١ / ٤٣٧ ]
لخفتها مثل: من يفضل عليا على سائر الصحابة، ونقف عن تكفير من كفرناه من المبتدعة.
وقال المجد أيضا: الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها؛ كمن يقول بخلق القران، أو بأن ألفاظنا به مخلوقة، أو أنعلم الله ﷾ مخلوق (^١)، أو أن أسمائه مخلوقة، أوأنه لا يرى في الآخرة،- أويسب الصحابة تدينا، أوأن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك. فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه: فهو محكوم بكفره. نص أحمد صريحا على ذلك في مواضع.
قال: واختلف عنه في تكفير القدرية بنفي خلق المعاصي، على روايتين.
وله في الخوراج كلام يقتضي في تكفيرهم روايتين.
نقل حرب: لا تجوز شهادة صاحب بدعة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وبعدم قبول شهادة المبتدعة يقول مالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
قال القاضي شريك (^٢) أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضي يزعم أن له إماما مفترضه (^٣) طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرث، وقدري يزعم أن المشيئه إليه، ومرجئ. ورد شهادة يعقوب وقال: ألا أرد شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان؛.
(ولا) تقبل شهادة (قاذف حد أولا) يعني أولم يحد (حتى يتوب)؛
لقول الله ﷾ ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] فدل
أنه لا تقبل شهادتهم قبل التوبة وهذا عام فيما قبل الحد وبعده.
ولأنه قال (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (ضضض ٤» [النور: ٤] فأخرجه مخرج التعليل لرد
_________________
(١) في أ: علم الله سبحانه مخلوق
(٢) في أ: علم الله سبحانه مخلوق
(٣) في أ: مفترضا
[ ١١ / ٤٣٨ ]
الشهادة. ثم استثنى من ذلك الذين تابوا من بعد. ذلك. فدل على عدم الفسق مع التوبة. فوجب قبول الشهادة حينئذ؛ لزوال علة المنع وهي: الفسق بالتوبة. وروي عن عمر " أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا: تب أقبل شهادتك " (^١) . ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعا.
قال سعيد بن المسيب: " شهد على المغيرة ثلاثة رجال: أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن الحارث، ونكل زياد. فجلد عمر الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته. وكان قد عاد مثل النصل من العبادة ".
ولأنه تائب من ذنبه. فقبلت شهادته، كالتائب من الزنا. يحققه: أن الزنا أعظم
من القذف به، وكذلك سائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته. فهذا أولى. ومحل ذلك: ما لم يحقق القاذف قذفه ببينة، أو إقرار مقذوف، أو لعان قاذف أن كان زوجا، فإن حققه لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة. (وتوبته) أي: توبة القاذف: (تكذيب نفسه ولو كان صادقا) في الأصح. فيقول: كذبت فيما قلت. وهذا منصوص الشافعي.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والشعبي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي ﷺ " أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥]، قال: توبته إكذاب نفسه ".
ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه.، فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث.
ولأن الله ﷾ سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق بقوله ﷾: ﴿لَوْلا جَاؤُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. فتكذيب الصادق نفسه يرجع
إلى أنه كاذب في حكم ألله ﷾ وإن كان في نفس الأمر صادقا
_________________
(١) أخرجه الشافعي في " مسنده " (٦٤٢) ٢: ١٨١ كتاب الشهادات.
[ ١١ / ٤٣٩ ]
قال في " شرح المقنع ": والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب، والشاهد بالزنا إذا لم تكمل (^١) البينة تقبل روايته دون شهادته.
وحكي عن الشافعي: أن شهادته لا ترد.
ولنا: أن عمر رضي الله تعالى عنه: لم يقبل شهادة أبي بكرة وقال له:
" تب أقبل شهادتك (^٢) . وروايته مقبولة. ولا نعلم خلافا في قبول روايه أبي بكرة مع رد عمر شهادته. انتهى.
(وتوبة غيره) أي: غير القاذف (ندم) بقلبه على ما مضى من ذنبه، (وإقلاع) بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، (وعزم على أن لا يعود) وهو:
أن يضمر أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه. ولا يعتبر مع ذلك إصلاج العمل على الأصح.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاج الحمل سنة.
والأول المذهب؛ لأن الله ﷾ يغفر الذنب بمجرد التوبة " لقوله سبحنه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها
وهو الفسق، لأنه لا فسق مع زوال الذنب.
(وإن كان) فسق الفاسق (بترك واجب: فلا بد) لصحة توبته (من فعله)
أي: فعل الواجب الذي تركه، (ويسارع). فمن تاب من ترك الصلاه أو نحوها سارع إلى قضائها، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي (^٣)؛ كقصاص وحد قذف اشترط لصحته توبته التمكين من نفسه ببذلها للمستحق.
(ويعتبر رد مظلمة) يعني: وإن كان فسقه بترك رد مظلمة " كمغصوب ونحوه: رده أورد بدله إن تلف، فإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه،
_________________
(١) في ج: يحمل
(٢) سبق تخريجه قى الحديث السابق
(٣) في ج: الآدمي
[ ١١ / ٤٤٠ ]
(أويستحله) اي: يستحل رب المظلمة بأن يطلب أن يحالله (^١)، (ويستمهله معسر) أي: ويستمهل التائب رب المظلمة إن عجز عن ردها، لعسرته.
وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
(ولا تصح) التوبة (معلقة) على شرط لا (^٢) في الحال ولا عند وجود الشرط.
(ولا يشترط لصحتها) أي: صحة التوبة إن كانت (من قذف وغيبة، ونحوهما)؛ كنميمة (إعلامه) اي: إعلام المقذوف أو إعلا الذي اغتابه التائب أو نم عليه (والتحلل منه) على الأصح.
قال أحمد: إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قد قذفتك، هذا يستغفر الله. انتهى.
قال بعض الأصحاب: ولعل أحمد إنما منع من قوله له: قد قذفتك؛ لما
فيه من تكرير قذفه وتجديد اذاه صريحا. ولم يمنع أحمد من استحلاله بغير هذه الصفة، ولا بلفظ عام مبهم. فإن الإبراء من المجهول صحيح.
(ومن أخذ بالرخص) بأن كان يتبع الرخص من المذاهب فيعمل بها: (فسق).
قال في " الفروع ": ومن إخذ بالرخص فنصه: يفسق. وذكره ابن عبد البر إجماعا.
وقال شيخنا: كرهه العلماء. وذكر القاضي غير متأول ولا مقلد (^٣) . ويتوجه أيضا تخريج ممن ترك شرطا أوركنا مختلفا فيه لا يعيد في رواية. ويتوجه تقييده بما لم ينقض فيه حكم حاكم.
_________________
(١) في ج: يحله
(٢) في ج: إلا
(٣) في أوب: أو لا مقلد
[ ١١ / ٤٤١ ]
وقيل: لا يفسق إلا العالم مع ضعف الدليل فروايتأن.
وأما لزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره في مسألة فيها ففيها وجهان، وفاقا لمالك والشافعي، وعدمه أشهر.
وفي لزوم طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه. وهو خلاف الإجماع.
قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال: وإن قال ينبغي كان جاهلآ ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو يكون لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته، بلا نزاع.
وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام.
وقال أيضا: بل يجب، وأن أحمد نص عليه. انتهى كلامه في
" الفروع ".
(ومن إتى فرعا) من فروع الفقة) مختلفا فيه) أي: في جوازه؛) كمن تزوج بلا ولي، أو) تزوج (بنته من زنا، أوشرب من نبيذ ما لا يسكر) أي: شيئا (^١) لم يسكر به، (أو أخر الحج قادرا) أي: حال كونه مستطيعا) أن أعتقد تحريمه) أي: تحريم شيء مما ذكر: (ردت) شهادته على الأصح المنصوص عن أحمد؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه عمدا. فوجب أن ترد شهادته؛ كما لو كان ذلك الفعل مجمعا على تحريمه.
(وإن تأول) أي: وأنفعل شيئا من ذلك مستدلا على حله (^٢) باجتهاده أومقلدا للمستدل: (فلا) ترد شهادته؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يختلفون في " الفروع "، وقبلوا شهادة كل مخالف لهم فيها (^٣) .
ولأنه اجتهاد سائغ. فلا يفسق به المخالف فيه؛ كالمتفق عليه.
_________________
(١) في ج: شربا.
(٢) في ج: حكمه
(٣) ساقط من أ
[ ١١ / ٤٤٢ ]
الشيء (الثانى) مما يعتبر للعدالة (استعمال المروءة).
قال في القاموس: مرؤ ككرم، مروءه فهو مريء، أي: ذو مروءة وإنسانية انتهى.
ويكون استعمالها (بفعل ما يجمله ويزينه) في العاده؛ كالسخاء وحسن الخلق، وبذل الجاه (^١)، وحسن المجاورة ونحو ذلك، (وترك ما يدنسه ويشينه عادة) اي: في العادة من الأمور الدنيئة (^٢) المزرية (^٣)
(فلا شهادة) مقبولة المصافع ومتمسخر ورقاص ومشعبذ ومغن.
ويكره الغناء) بالمد وكسر الغين المعجمة. وهو: رفع الصوت بالشعر،
أو ما قاربه من الرجز على نحو (^٤) مخصوص (واستماعه.
وطفيلي ومتزي بزي يسخر منه).
قال في " القاموس ": سخر منه وبه كفرح، سخرا وسخرا وسخرة ومسخرا وسخرا وسخرا: هزى، كا ستسخر انتهى.
(ولا لشاعر يفرط في مدح بإعطاء، و) يفرط (في ذم بمنع) من إعطاء،
(أو يشبب بمدح خمر، أوبمرد، أو بامرأة معينة- محرمة، ويفسق بذلك، ولا تحرم روايته.
ولا للاعب بشطرنج غير مقلد كمع عوض.
أوترك واجب، أو) مع (فعل محرم إجماعا، أو) لاعب (بنرد. ويحرمان) اي: الشطرنج والنرد، (أو) لاعب (بكل ما فيه دناءة حتى في ارجوحة، أو رفع ثقيل.
وتحرم مخاطرته بنفسه فيه) اي: في رفع الثقيل، (وفي ثقاف، أو) لاعب (بحمام طيارة.
_________________
(١) في ج: الحيا ة.
(٢) في ج: الشنيئة.
(٣) في ب: المزرية به.
(٤) في ب: نوع.
[ ١١ / ٤٤٣ ]
ولا) شهادة مقبولة أيضا (لمسترعيها) أي (^١): مسترعي الحمام (من المزارع (^٢)، أو) لمن يقتنيها (^٣) (ليصيد بها حمام غيره.
ويباح) اقتناؤها (للأنس بصوتها واستفراخها، وحمل كتب. ويكره حبس طير لنغمته. .
ولا) شهادة مقبوله أيضا (لمن يأكل بالسوق) شيئا كثيرا، (لا) شيئا (يسيرا؛ كلقمة وتفاحة، ونحوهما) من الأشياء اليسيرة.
(ولا) شهادة مقبولة ايضا لمن يمد رجليه بمجمع الناس، أويكشف من
بدنه ما العاده تغطيته)؛ كصدره وظهره، (أو يحدث بمباضعة أهله) أي: زوجته (أو أمته (^٤)، أو يخاطبهما بـ) ـخطاب (فاحش بين الناس، أو يدخل الحمام بغير مئزر، أو ينام يين جالسين، أويخرج عن مستوى الجلوس بلا عذر، أو يحكي المضحكات، ونحوه) أي: ونحو ذلك من كل ما فيه سخف ما ودناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة ولا تحصل الثقة بقوله.
وقد روى أبو مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (^٥) . يعنى: أن من لم يستحيي (^٦) صنع ما شاء.
ولأن المروءة تمنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمنع منه ذو المروءة وأن لم يكن متدينا.
ولأن الكذب دناءة والمروءة تمنع من الدناءة، وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة؛ كالدين.
_________________
(١) في أ: أو
(٢) في ج: الزارع.
(٣) في أ: يقنيها
(٤) في ج: أوسريته.
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه (٠٧٦٩) ٤: ٢٢٦٨ كتاب الأدب، باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت
(٦) في ج: يستح.
[ ١١ / ٤٤٤ ]
قال في " شرح المقنع ": ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته؛ لأن مروءته لا تسقط به، وكذلك أن فعله مرة أوشيئا قليلا لم ترد شهادته؛ لأن صغير المعاصي لا يمنع قبول (^١) الشهادة إذا قل فهذا أولى.
ولأن المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم لكن عادة. انتهى.
ثم أعلم أن المصافعين هم: الذين يصفع بعضهم بعضا لا يرون بذلك بأسا.
وأما المتمسخرون هم: الذين يسمونهم العامه المحبظين.
وأما المشعبذون وهم: المشعوذون فصفتهم الشعوذ.
قال ابن فارس: ليست هذه الكلمة في كلام أهل البادية. وهي: خفة في اليدين كالسحر. انتهى.
وأما الغناء فقد تقدم في المتن: أنه مكروه. وهو الذي قدمه صاحب
" الرعاية "-وصا ب " الفروع ".
وعبارة " الرعاية ": ويكره سماع الغناء والنوح بلا آلة لهو، ويحرم معهما. وقيل: وبدونهما، من رجل وامرأة.
وقيل: يباح، ما لم يكن معه منكر اخر.
وأن داومه أو اتخذه صناعه يقصد له، أواتخذ مخلاصا أوجارية مغنيين يجمع عليهما الناس: ردت شهادته.
وأن ستتر به وأكثر منه: ردها من حرمه أو كره (^٢) .
وقيل: أ. وأباحه، لأنه سفه ودناءة يسقط المروءه.
وقيل: الحداء ونشيد (^٣) الأعراب، كالغناء في ذلك.
وقيل: يباح سماعهما. انتهى.
_________________
(١) ساقط من أوب.
(٢) في ج: حرمة أو كراهة.
(٣) في " الانصاف " ١٣: ١: الحداء: نشيد.
[ ١١ / ٤٤٥ ]
وعبارة " الفروع ": ويكره غناء.
وقال جماعة: يحرم.
قال في " الترغيب ": اختاره الأكثر.
قال أحمد: لا يعجبني.
وقال في الوصى: يبيع أمة للصبي على أنها غير مغنية، وعلى أنها لا تقرأ
بالألحان.
وذكر في " الشفاء " للقاضي عياض: الإجماع على كفر من استحله.
وقيل: يباح، وكذا استماعه.
وفي " المستوعب " و" الترغيب " وغيرهما: يحرم مع آلة لهو، بلا خلاف بيننا. وكذا قالوا هم وابن عقيل: إن كان المغني امرأة أجنبية.
ونقل المروذي ويعقوب: أن أحمد سئل عن الدف في العرس بلا غناء: فلم يكرهه. انتهى.
وأما الحداء بضم الحاء المهملة وهو: الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح فعله واستماعه؛ لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر. وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال. وكان أنجشة مع النساء. فقالط النبي ﷺ لابن رواحة: حرك بالقوم. فاندفع ينشد فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل. فقال النبى ﷺ لأنجشة: رويدك. رفقا بالقوارير. يعني: النساء" (^١) .
وكذلك سائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء.
وأما الشعر: فقيل لأحمد في رواية ابن منصور ما تكره منه؟ قال: الهجاء والرقيق الذي يشبب به النساء، وأما الكلام فما أنفعه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨٥٧) ٥: ٢٢٩٤ كتاب الأدب، باب المعاريض مندوحة عن الكذب. عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١١ / ٤٤٦ ]
وقال الشافعي: الشعر كالكلام حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أن من الشعر حكما " (^١) .
و"كأن يصنع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله ﷺ والمسلمين".
وأنشده كعب بن زهير (^٢) قصيدته:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
في المسجد (^٣) .
وقال عمرو بن الشريد: " أردفني رسول الله ﷺ فقال: أمعك من شعر أمية؟ قلت: نعم. فأنشدته بيتا فقال: هيه. فأنشدته بيتا. فقال: هيه حتى أنشدته مائة قافية " (^٤) .
قال في " شرح المقنع ": وليس لنا (^٥) في إباحة الشعر اختلاف. وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير، ويعرف معاني كلام الله ﷾ وكلام رسوله ﷺ، ويستدل به أيضا على النسب (^٦) والتاريخ وأيام العرب، ويقال: الشعر ديوان العرب.
فإن قيل: فقد قال الله سبحاله وتعالى: [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ] [الشعراء: ٢٢٤].
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٥٦) ٢: ١٢٣٦ كتاب الأدب؛ باب الشعر. عن ابن عباس.
(٢) كعب بن زهير: أحد فحول الشعراء المخضرمين المجيدين، صنفه ابن سلام في الطبقة الثانية من فحول الجاهلية مع أوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، والحطيئة. وقصيدته هذه من أشهر قصائده. ر. " جمهرة أشعار العرب في الجاهلحة والاسلام " لأبي زيد القرشي ٢: ٢٨٩.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ٢٤٣ كتاب الشهادات، باب باب من شبب فلم يسم أحدا.
(٤) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٧٥٨) ٢: ١٢٣٦ كتاب الأدب، باب الشعر.
(٥) زيادة من ج.
(٦) في ج: ويستبدل به على النسب.
[ ١١ / ٤٤٧ ]
وقال النبي ﷺ: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " (^١) . رواه أبو دأود وأبو عبيد (^٢) .
وقال: معنى " يريه ": يأكل جوفه، يقال: وراه يريه.
قال الشاعر:
وراهن ربي مثل ما قد ورينني وأحمى على أكبادهن المكاويا
قلنا: أما الآية فالمراد بها من أسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله:
[أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] [الشعراء:
٢٢٥ - ٢٢٦]. ثم استثنى المؤمنين بقوله: [إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ٥] [الشعراء: ٢٢٧].
ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الأبرياء،
لا سيما من كان في ابتداء الإسلام ممن يهجو المسلمين ويهجو النبي ﷺ ويعيب الإسلام ويمدح الكفار. فوقع الذم على الأغلب واستثني منهم من لا يفعل الخصال المذمومة. فالآية دليل على إباحته ومدج أهله المتصفين بالصفات الجميلة.
وأما الخبر فقال أبو عبيد (^٣) معناه: أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه.
وقيل: المراد به: ما كان هجاء وفحشا، فما كان من الشعر يتضمن هجاء المسلمين والقدح في أعراضهم أو التشبب بامرأة بعينها بالإفراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم (^٤) . انتهى.
وأما ما اتخذه أرباب الدنيا من العادات والنزاهة التي لم يقبحها السلف ولا اجتنبها أصحاب رسول الله ﷺ مثل: تقذرهم عن حمل الحوائج وأقوات العيال،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه " (٥٠٠٩) ٤: ٣٠٢ كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر.
(٢) في ب: وأبو عبيده.
(٣) في ب: عبيدة.
(٤) في ج: يحرم.
[ ١١ / ٤٤٨ ]
ولبس الصوف، وركوب الحمار، وحمل الماء على الظهر، والرزمة (^١) إلى السوق فلا يعتبر شيء من ذلك فى المروءة الشرعية. فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ هذا يحمل الماء لأهله، وهذا يحمل الرزمة لسوقه وقد " ركب النبي ﷺ الحمار "، و" لبس الصوف واحتذى المخصوف " (^٢) مع كونه قد أوتى مكارم الأخلاق، فلا ازدراء (^٣) في ذلك ولا إسقاط مروءة. قاله في "المستوعب ".
وأما قراءة القرآن بالألحان من غير تلحين فلا بأس بها. وإن حسن صوته فهو أفضل، فإن النبي ﷺ قال: " زينوا أصواتكم بالقرآن" (^٤) .
وروي أن النبي ﷺ قال لأبي موسى: " لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ، ولقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو أعلم أنك تسمع لحبرته. تحبيرا (^٥) " (^٦) .
وقال صالح في روايته: قلت لأبي: زينوا القرآن بأصواتكم ما معناه؟ قال: أن يحسنه.
وقيل له: ما معنى قوله ﷺ: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (^٧) قال: يرفع صوته به. وهكذا قال الشافعي.
وقال الليث: يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به.
وقال ابن عيينة وعمرو بن الحارث ووكيع والقاضي وأبو يعلى: يستغني به.
_________________
(١) في ج: والرزية.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٣٥٥٦) ٢: ١١٧٨ كتاب اللباس، باب لباس رسول الله ﷺ.
(٣) في أوب: إزراء.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (١٤٦٨) ٢: ٧٤ كتاب الوتر، باب استحباب الترتيل في القراءة.
(٥) في أوب: لخيرته تخييرا.
(٦) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣: ١٢ كتاب الصلاة، باب من جهر بها إذا كان من حوله لا يتأذى بقراءته.
(٧) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٧٠٨٩) ٦: ٢٧٣٧ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: [وأسروا قولكم أواجهروا به إنه عليم بذات الصدور].
[ ١١ / ٤٤٩ ]
وقال ﷺ: " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر
به " (^١) .
ومعنى قوله: " أذن " أي: استمع.
فأما من أسرف في المد والتمطيط وإشباع الحركات بحيث يجعل الضمة وأوا، والفتحة ألفا، والكسرة ياء: كره له ذلك.
وقد روي عن أحمد أن رجلا سأله عن ذلك. فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أيسرك أن يقال لك يا: موحامد؟
قال في " شرح المقنع ": واتفق العلماء على أنه يستحب قراءة القرآن بالتحزن (^٢)
والتحسين.
وروى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: " اقروا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن" (^٣) .
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله قال لرجل: لو قرأت. وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه.
وقال زهير بن حرب: كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد الترمذي. فقال له يحيى: اقرأ. فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل فأدخل.
وقال محمد بن صالح العدوي: قرأت عند يحيى بن سعيد القطان فغشي
عليه حتى فاته خمس صلوات. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٧١٠٥) ٦: ٢٧٤٣ كتاب التوحيد، باب قول النبي ﷺ: " الماهر بالقرآن مع السفرة ". وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٩٢) ١: ٥٤٥ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن.
(٢) في ب: بالتحزين.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٣٣٧) ١: ٤٢٤ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في حسن الصوت بالقرآن. عن سعد بن أبي وقاص.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
وأما الطفيلي وهو: الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة فترد شهادته. وبهذا قال الشافعي.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: " من أتى إلى الطعام لم يدع إليه، دخل سارقا وخرج مغيرا " (^١) .
ولأنه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة. انتهى.
وأما اللعب فكل لعب فيه قمار فهو حرام أي لعب كان. وهو من الميسر الذي أمر الله ﷾ باجتنابه. ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته. وما خلا من القمار وهو العوض من الجانبين أومن أحدهما، فمنه ما هو محرم؛ كالنرد وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لعب بالنردشير فقد عصى الله ور سو له " (^٢) .
وروى أبو دأود عن بريدة أن النبي ﷺ قال: " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه " (^٣) . رواهما أبو داود.
وأما الشطرنج فهو في معنى النرد في التحريم، إلا أن النرد آكد؛ لورود النص في تحريمه.
وممن ذهب إلى تحريم الشطرنج علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومطر الوراق، وأبو حنيفة، ومالك.
وذهب الشافعي إلى إباحته، وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن جبير.
فأن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته، إلا أن يشغله عن الصلاة في
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٤١) ٣:٣٤١ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٣٨) ٤: ٢٨٥ كتاب الأدب، باب في النهي عن اللعب بالنرد.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٣٩) الموضع السابق.
[ ١١ / ٤٥١ ]
أوقاتها، [أويخرجه] (^١) إلى الحلف الكاذب أو نحوه من المحرمات، أويفعل في لعبه ما يستخف به من أجله مما يخرجه عن المروءة فترد شهادته.
ومنه ما هو مباح؛ كالمسابقة بالخيل وغيرها، وكذا ما في معنى ذلك من الثقاف واللعب بالحراب.
وقد " لعب الحبشة بين يدي النبي ﷺ، وقامت عائشة رضي الله تعالى عنها تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت " (^٢) .
وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضررا ولا شغلا عن فرض فالأصل إباحته، فما كان منه فيه دناءة يترفع عنه ذو المروءات؛ كاللعب بحمام يطيرها منع الشهادة.
أما مع أذى جيرانه وإشرافه على دورهم ورميهم بالحجارة فحرام، وما كان من اللعب لا دناءة فيه لا ترد به الشهاده بحال.
وأما الذي يتحدث بمباضعته أهله أو أمته؛ فلما فيه من الدناءة وقلة المبالاة.
وقد روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: " أن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة ثم ينشر سرها " (^٣) .
(ومتى وجد الشرط) اي: شرط قبول الشهادة ممن منعنا قبولها قبل وجود الشرط: (بأن بلغ صغير، أوعقل مجنون، أو أسلم كافر، أو تاب فاسق: قبلت شهادته بمجرد ذلك)؛ لأن ردها إنما كان لمانع وقد زال.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاح العمل سنة.
وعنه: يعتبر ذلك في توبة المبتدع.
وقيل: يعتبر مضي مدة يعلم حاله فيها.
* * *
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٣٣٧) ٣: ١٢٩٨ كتاب المناقب؛ باب قصة الحبش.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٨٧٠) ٤: ٢٦٨ كتاب الأدب، باب في نقل الحديث. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٦٧٣) ٣: ٦٩.
[ ١١ / ٤٥٢ ]
[فصل: فيما لا يشترط في الشاهد]
(فصل. ولا تشترط) في الشاهد (الحرية. فتقبل شهادة عبد وأمة في كل
ما يقبل فيه حر وحرة) على الأصح؛ لعموم آيات الشهادة وهو داخل فيها، فإنه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية.
وروى عقبة بن الحارث قال: "تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب. فجاءت أمة سوداء فقالت: قد (^١) أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله وفقال: كيف وقد زعمت ذلك" (^٢) . متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: " فقلت يا رسول الله!: إنها لكاذبة. قال: وما يدريك؟ وقد قالت ما قالت. دعها عنك " (^٣) .
ولأن القن إذا كان عدلا غير متهم، فإن شهادته تقبل؛ كالحر.
وقول المخالف: أنه ليس للقن مروءة ممنوع، بل هو كالحر ينقسم إلى من
له مروءة ومن لا مروءة له. وقد يكون من الأرقاء العلماء والأمراء والصالحون (^٤) والأتقياء.
سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد، فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز صهيب.
(ومتى تعينت) الشهادة (عليه) أي: على الرقيق: (حرم) على سيده (منعه) منها.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢٥١٦) ٢: ٩٤١ كتاب الشهادات، باب شهادة الإماء والعبيد. ولم أره في مسلم.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٠٣) ٣:٣٠٦ كتاب الأقضية، باب الشهادة في الرضاع.
(٤) في ج: العلماء والصالحين.
[ ١١ / ٤٥٣ ]
نقل المروذي: من أجاز شهادته فلم يجز لسيده منعه من قيامها ولو عتق بمجلس الحكم فشهد: حرم رده.
قال في " الانتصار " و" المفردات ": فلو رده الحاكم مع ثبوت عدالته فسق أي:
الحاكم.
(ولا) يشترط أيضا (كون الصناعة) أي: صناعة الشاهد (غير دنيئة عرفا)
في الأصح؛ (فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال) وهو: الذي يجمع الزبل.
(وقمام) وهو: الذي يقم المكان من زبل وغيره.
(وكناس) وهو: الذي يكنس الأسواق وغيرها.
(وكباش) وهو الذي يربي الكباش.
(وقراد) وهو: الذي يربي القرود ويطوف بها في الأسواق وغيرها متكسبا.
(ودباب) وهو: الذي يفعل بالدب كما يفعل القراد بالقرود.
(ونفاط) وهو: الذي يلعب بالنفط.
(ونخال) وهو: الذي تسميه العامة: المقلش. وهو: الذي يغربل في الطريق على فلوس وغيرها.
(وصباغ ودباغ وجمال وجزار، وكساح) وهو: الذي ينظف الحشوش.
(وحائك وحارس، وصائغ، ومكار، وقيم) إذا حسنت طريقتهم بأن كانوا محافظين على أداء الفرائض واجتناب المعاصي والريب؛ لأن بالناس حاجة إلى هذه الصناعات. فإن كل أحد لا يليها بنفسه. فلو قلنا: ترد الشهادة بذلك أفضى إلى أن يتركها الناس (^١) فيشق ذلك عليهم.
(وكذا) تقبل شهادة (من لبس غير زي بلد يسكنه، أو زيه المعتاد بلا عذر: إذا حسنت طريقتهم) كما تقدم.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٤٥٤ ]
(وتقبل شهادة ولد زنا)؛لأنه مسلم عدل في نفسه. فيدخل في عموم الآية، (حتى به) أي: حتى إذا شهد بالزنا؛ لأن كونه ولد من زنا ليس من فعله.
ولأنه لا مانع من جهته في شهادته بالزنا. فوجب أن يستوي في قبول شهادته الزنا وغيره.
(و) تقبل شهاده (بدوي على قروي) على الأصح. وفاقا لأبي حنيفة والشافعي.
وعن أحمد: أخشى أن لا تقبل.
واحتج من قال: لا تقبل بما روى أبو داود في " سننه " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " (^١) .
ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قرويا، وأشهد بدويا.
قال أبو عبيد: ولا أرى شهادتهم ردت، إلا لما فيه من الجفاء لحقوق الله ﷾، والجفاء في الدين.
واحتج من قال: تصح شهادته بأن الحديث محمول على من لم تعرف عدالته
من أهل البدو (^٢) ونخصه بهذا.
(و) تقبل شهادة (أعمى بما سمع: إذا تيقن الصوت) خلافا لأبي حنيفه والشافعي، (وبالاستفاضة) وفاقا للشافعي.
قال المانع: لأن من لا تجوز شهادته على الأفعال لا تجوز على الأقوال؛ كالصغير.
ولأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين. فلم يجز أن يشهد بها؛ كالخط.
ولنا: قول الله سبحأنهوتعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ] [البقرة: ٢٨٢].
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٦٠٢) ٣:٣٠٦ كتاب الأقضية، باب شهادة البدوي على أهل الأمصار.
(٢) في ج: البلد.
[ ١١ / ٤٥٥ ]
ولأنه رجل عدل مقبول الرواية. فقبلت شهادته؛ كالبصير، وفارق الصغير
فأنه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية.
ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت (^١) صحبته له، وعرف صوته يقينا ولا يشك فيه.
فوجب أتقبل شهادته؛ كالبصير. ولا سبيل إلى إنكار (^٢) حصول اليقين في بعض الأحوال.
قال قتادة: السمع قيافة كقيافة البصر.
إذا ثبت هذا فأنه لا يجوز أن يشهد إلا إذا علم صوت المشهود عليه يقينا.
فأن جوز الأعمى أن يكون صوب غيره لم يجز أن يشهد على الصوت؛ كما لو
اشتبه على البصير المشهود عليه فإنه لا يشهد.
(و) تصح شهادة الأعمى أيضا (بمرئيات: تحملها قبل عماه) إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به؛ لأن العمى فقد حاسة تخل بالتكليف. فلم تمنع قبول الشهادة؛ كالصمم فيما طريقه السمع.
(و) كذا (لو لم يعرف المشهود عليه إلا بعينه: إذا وصفه للحاكم بما يتميز به) في الأصح؛ لأن المقصود تميز المشهود عليه من (^٣) غيره وقد حصل. فوجب فبوله لذلك.
قال في " المقنع ": ويحتمل أن لا يجوز؛ لأنهذا مما لا ينضبط غالبا.
(وكذا) في الحكم: (إن تعذرت رؤية مشهود له، أو) مشهود (عليه، أو) مشهود (به لموت أوغيبة) فوصفه الشاهد للحاكم بما يتميز به.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: وكذا أن تعذر رؤية العين المشهود لها أو
عليها أو بها لموت أوغيبة واقتصر عليه ولم يذكر ما يخالفه.
_________________
(١) في ج: وكثر.
(٢) في ج: إمكان.
(٣) في أ: عن.
[ ١١ / ٤٥٦ ]
(والأصم كسميع فيما رآه) مطلقا؛ لأنه فيما رآه كغيره، (أو) فيما (سمعه قبل صممه) كغيره ممن ليس به صمم.
(ومن شهد بحق عند حاكم، ثم عمي أوخرس أوصم أوجن أو مات لم يمنع الحكم بشهادته أنكان عدلا)؛لأن ما طرأ بعد أداء الشهادة معنى لا يقتضي تهمته في حال الشهادة فلم يمنع قبولها. ولا يقاس ذلك على الفسق فأنه يورث تهمة حال الشهادة.
(وأنحدث مانع) للشاهد: (من كفر، أوفسق، أوتهمة قبل الحكم: منعه) أي: منع الحكم بشهادته؛ لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة وانتفاء ذلك (^١) حال الشهادة شرط (^٢) لصحة الحكم. فوجب أن يمنعه.
(غير عداوة ابتدأها مشهود عليه: بأن قذف البينة، أو قاولها عند الحكومة)
فإن ذلك لا يمنع الحكم؛ لأنا لو منعنا الحكم بذلك لتمكن كل مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بابتداء عداوة الشاهد. فوجب أن لا يمنع لذلك.
قال في "الفروع": وإن شهد عنده ثم حدث مانع لم يمنع الحكم إلا فسق أو كفر أوتهمة، إلا عداوة ابتدأها المشهود عليه؛ كقذفه البينة، وكذا مقاولة وقت غضب ومحاكمة بدون عداوه ظاهرة سابقة.
قال في " الترغيب ": ما لم يصل إلى حد العداوة أو الفسق. وحدوث مانع
في شاهد أصل كحدوثه فيمن أقام الشهادة.
وفي " الترغيب ": إن كان بعد الحكم لم يؤثر. انتهى.
(وبعده) أي: وإن حدث المانع بعد الحكم وقبل استيفاء المحكوم به: (يستوفى مال) حكم به فقط، (لا حد مطلقا) أي: سواء كأن لله أو لآدمي؛ كحد قذف في الأصح، (ولا قود)؛ لأن ذلك إتلاف لا يمكن تلافيه.
_________________
(١) في أ: ملك.
(٢) في أ: بشرط.
[ ١١ / ٤٥٧ ]
(وتقبل شهادة الشخص على فعل نفسه؛ كحاكم على حكمه بعد عزل (^١)، وقاسم ومرضعة على قسمته وإرضاعها ولو بأجرة)؛لأن كلا ممن ذكرنا يشهد لغيره. فصح على فعل نفسه؛ كما لوشهد على فعل غيره.
ولحديث عقبة بن الحارث في الرضاع (^٢) . والباقي بالقياس عليه. والله ﷾ أعلم.
* * *
_________________
(١) في ج: عزله.
(٢) سبق ذكره وتخريجه ص (٤٥٣) رقم (٢) و(٣).
[ ١١ / ٤٥٨ ]
[باب: موانع الشهادة]
هذا (باب موانع الشهادة). الموانع: جمع مانع. وهو: اسم فاعل من منع الشيء، إذا حال بينه وبين مقصوده. فهذه الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها. فإن المقصود من الشهادة قبولها والحكم بها.
(وهي) أي: موانع قبول الشهادة (سبعة:
أحدها: كون مشهود له يملكه) أي: يملك الشاهد له جميعه (أو بعضه)؛ لأن العبد يتبسط (^١) في مال سيده، وتجب نفقته على سيده إن كان واحدا، أوعلى جميع المشتركين فيه، فهو كالأب مع ابنه.
(أو) كون مشهود له (زوجا) للشاهد (ولو في الماضي) يعني: ولو كانت شهادة أحد الزوجين للآخر بعد الطلاق البائن (^٢) أوالخلع.
قال في " التنقيح ": ولو بعد الفراق.
وقال في " المبدع ": وظاهره ولو بعد الفراق. انتهى.
ولعل ذلك؛ لتمكنه من بينونتها ثم تشهد في حال البينونة ثم يعيدها.
ومنع قبول شهادة أحد الزوجين على الأصح؛ لتبسط كل واحد منهما في مال الآخر، واتساعه بسعته، وإضافة مال كل واحد من الزوجين إلى الآخر. قال الله سبحاله وتعالى: [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣]. وقال ﷾: [لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ] [الأحزاب: ٥٣] فأضاف البيوت إليهن تارة، وإلى رسول الله ﷺ أخرى.
_________________
(١) في ب: ينبسط.
(٢) ساقط من أ.
[ ١١ / ٤٥٩ ]
ولأن يسار الرجل يزيد في نفقة امرأته، ويسارها يزيد في قيمة بضعها المملوك لزوجها.
ولأن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب. فأوجب التهمة في شهادته.
(أو) كون مشهود له (من عمودي نسبه) أي: نسب الشاهد؛ فلا تقبل شهادة والد لولده، ولا ولد لوالده على الأصح. وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات. وسواء في ذلك الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، وآباؤهما وأمهاتهما من قبل الأب والأم وإن علو. (ولو لم يجر) الشاهد بما شهد (به نفغا غالبا) للمشهود له؛ (كـ) ما لو شهد له (بعقد نكاح أوقذف).
وذكر الترمذي أن هذا قول أكثر العلم. وذلك؛ لما روى الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا ولاء " (^١) . وفي إسناده يزيد بن زياد وهو ضعيف. قال الترمذي: لا يصح عندنا من قبل إسناده. ورواه الخلال بنحوه من حديث عمر وأبي هريرة.
والظنين: المتهم، وكل من الوالدين والأولاد متهم في حق صاحبه؛ لأنه يميل إليه بطبعه بدليل قوله ﷺ: " فاطمة بضعة (^٢) مني يريبني ما أرابها " (^٣) . وسواء اتفق دينهما أو اختلف.
(وتقبل) شهادة الشاهد (لباقي أقاربه؛ كأخيه وعمه).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنشهادة الأخ (^٤) لأخيه جائزة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في"جامعه" (٢٢٩٨) ٤: ٥٤٦ كتاب الشهادات، باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته.
(٢) في ب: مضغة.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٣٢) ٥: ٢٠٠٤ كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والأنصاف.
(٤) في أزيادة: مع قربه كان ذلك تنبيها. وسوف تأتى هذه العبارة بعد عدة أسطر.
[ ١١ / ٤٦٠ ]
روي ذلك عن ابن الزبير (^١) . وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأصحاب الرأي؛ لعموم الآيات.
ولأنه عدل غير متهم. فتقبل شهادته له؛ كالأجنبي.
ولا يصح القياس على الوالد والولد؛ لأن بينهما بضعية (^٢) وقرابة قوية.
بخلاف الأخ. وأما العم ونحوه كالخال فإنه لما أجيزت شهادة الأخ مع قربه كان ذلك تنبيها على قبول شهادة من هو أبعد منه بطريق الأولى.
(و) تقبل شهادة العدل (لولده) من زنا ورضاع (^٣)، (ووالده من زنا ورضاع) (^٤)؛لعدم وجوب الإنفاق والصلة، وعتق أحدهما على صاحبه، وعدم التبسط في ماله. قاله القاضي وأصحابه والموفق وصاحب "الترغيب".
(و) تقبل (لصديقه وعتيقه ومولاه).وهذا قول عامة أهل العلم؛ لعموم الآيات.
ولأنه لا تهمة في ذلك.
ورده ابن عقيل بصداقة وكيدة، وعاشق لمعشوقه؛ لأن العشق يطيش.
(وإن شهدا) أي: شهد عدلان (على أبيهما بقذف ضرة أمهما وهي تحته)
أي: وأمهما تحت أبيهما، (أو) بـ (طلاقها: قبلا) في الأصح.
قال في " الفروع ": وأنشهدا على أبيهما بقذف ضوة أمهما وهي تحته أو
طلاقها فاحتمالان في "المنتخب".وفي "المغني" في الثانية وجهان في القذف بناء على أن جر النفع (^٥) للأم مانع. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قطع الشارح بقبولها فيهما، وقطع الناظم بقبولها في
_________________
(١) في: أبي الزبير.
(٢) في أ: بعضية.
(٣) في ج: أو رضاع.
(٤) في ج: أو رضاع.
(٥) في أ: المنفع.
[ ١١ / ٤٦١ ]
الثانية. وفي " المغني ": في الثانية وجهان. قاله في " الفروع ".
قلت: قطع في " المغني " بالقبول في كتاب الشهادات عند قول الخرقي:
ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا. انتهى.
(ومن ادعى على معتق عبدين: أنه غصبهما منه) أي: غصب العبدين اللذين أعتقهما، (فشهد العتيقان بصدقه) أي: صدق مدعي غصبهما: (لم تقبل) شهادتهما، (لعودهما) بقبولها (إلى الرق).
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي وغيره.
(وكذا لو شهدا) بعد عتقهما: (أن معتقهما كان حين العتق) أي: عتقه إياهما (غير بالغ، ونحوه)؛كشهادتهما أنه كان مجنونا حين عتقهما، (أو جرحا شاهدي حريتهما) فإن شهادتهما لا تقبل؛ لعودهما إلى الرق بذلك.
(ولو عتقا بتدبير أو وصية، فشهدا بدين)؛ كما لو شهدا بدين مستوعب للتركة، (أو
وصية مؤثرة في الرق: لم تقبل) شهادتهما؛ (لإقرارهما بعد الحرية برقهما لغير سيد).
قال في " الإنصاف ": ولا يجوز.
قلت: فيعايا بذلك كله. انتهى.
(الثانى) من موانع الشهادة: (أن يجر بها) أي: يجر الشاهد بشهادته (نفعا لنفسه؛ كشهادته) أي: شهادة (^١) الإنسان (لرقيقه ولو) كان مأذونا له أو (مكاتبا)؛ لأن المكاتب رقيق، بدليل قول النبي ﷺ: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (^٢) .
(أو) شهادته (^٣) (لمورثه بجرح قبل اندماله) فإنها لا تقبل؛ لأنه ربما
_________________
(١) في ج: كشهادة.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٩٢٦) ٤:٢٠ كتاب العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت.
(٣) في ج: شهادة.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
يسري الجرح إلى النفس. فتجب الدية للشاهد بشهادته، فيصير كأنه شهد لنفسه.
(أو) شهادته (لموصيه) (^١)؛ لأنه ثبت له فيه حق التصرف فهو متهم في هذه الشهادة.
(أو) شهادته لـ (موكله فيما وكل فيه)؛ لأنه ثبت له فيه حق التصرف، حتى (ولو) كانت شهادة الوصي والوكيل (بعد انحلالهما) أي: انحلال الوصية والوكالة في الأصح.
قال في " الإنصاف ": ترد الشهادة من وصي ووكيل بعد العزل لموليه وموكله. على الصحيح من المذهب. انتهى.
ولعل ذلك: لوجود التهمة؛ لتمكنه من عزل نفسه ثم يشهد.
(أو) شهادته (لشريكه فيما هو شريك فيه).
قال في " المبدع ": لا نعلم فيه خلافا لاتهامه، وكذا المضارب بمال المضاربة. انتهى.
وإنما لم تقبل؛ لأنها شهادة لنفسه.
(أو) شهادة (لمستأجره بما استأجره فيه). نص عليه.
ومن أمثلة ذلك: ما لو استأجر إنسان قصارا على أن يقصر له ثوبا ثم نوزع في الثوب فشهد القصار أنه ملك لمن استأجره على قصارته فإنها لا تقبل.
(أو) شهادة ولي صغير أو مجنون أو سفيه لـ (من في حجره)؛ لأنها شهادة بشيء هو خصم فيه، فإنه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها. فلم تقبل شهادته بها؛ كما لو شهد بمال لنفسه.
ولأنه يأكل من أموالهم عند الحاجة فيكون متهما بالشهادة بها.
(أو) شهادة (غريم بمال لمفلس بعد حجر)؛ لتعلق حق غرمائه بماله
_________________
(١) في ج: لوصيه.
[ ١١ / ٤٦٣ ]
بالحجر عليه، أو لمفلس مات، فأنه لو ثبت للمفلس أو للميت دين أو مال، تعلقت حقوقهم به فكأنهم شهدوا لأنفسهم.
(أو) شهادة (^١) (أحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته)؛ لأنه متهم في ذلك بأخذ الشقص (^٢) كله بالشفعة.
فإن قيل: فلم قبلتم شهادة الوارث لمورثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى
نفسه بشهادته نفعا.
قلنا: لا حق له في ماله حين الشهادة، وإنما يحتمل أن يتجدد له حق.
وهذا لا يمنع قبول الشهادة؛ كما لو شهد لامرأة يحتمل أن يتزوجها أو لغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه أو يفلس فيتعلق حقه به. وإنما المانع ما يحصل به نفع حال الشهادة.
فإن قيل: فقد منعتم شهادته لموروثه بالجرح قبل الاندمال لجواز أن يتجدد
له وإن لم يكن له حق في الحال، فإن قلتم: قد انعقد سبب حقه. قلنا: فالشاهد لموروثه المريض بحق، فإن شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل أن عطيته له لا تنعقد، وعطيته لغيره تتوقف على الخروج من الثلث.
قلنا: إنما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح؛ لأنه ربما أفضى إلى الموت به.
فتجب الديه للوارث الشاهد به ابتداء. فيكون شاهدا لنفسه، موجبا له بها حقا ابتداء. بخلاف الشاهد للمريض أو المجروح بمال فإنه إنما يجب للمشهود له.
ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل. فلم لمنع الشهادة له؛ كالشهادة لغريمه.
فإن قيل: قد أجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بالمال.
قلنا: إنما أجزناها؛ لأن الدية لا تجب للشاهد إبتداء إنما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها. فأشبهت الشهادة بالمال.
_________________
(١) في ب: شهادته.
(٢) في ج: الشخص.
[ ١١ / ٤٦٤ ]
(أو) شهادة (من له كلام أو استحقاق وإن قل) ذلك (في رباط أو مدرسة بمصلحة لها).
قال في " الإنصاف ": قال في " الفروع ": ظاهر كلام الأصحاب: عدم القبول ممن له الكلام في شيء، أويستحق منه، وإن قل نحو مدرسة ورباط.
قال الشيخ تقي الدين في قوم في ديوان أجروا شيئا: لا تقبل شهادة أحد منهم على مستأجره؛ لأنهم وكلاء أو ولاة.
قال: ولا شهادة ديوان الأموال السلطانية على الخصوم. انتهى.
(وتقبل) شهادة الوارث (لمورثه في مرضه بدين) في الأصح؛ لأن المانع من قبول الشهادة ما يحصل للشاهد به نفع حال أداء الشهادة، وهذا الذي يجوز أن ينتقل إلى الشاهد، ويجوز أن لا ينتقل. (وإن حكم بها) أي: بهذه الشهادة (ثم مات) المريض فانتقل الدين إلى الشاهد، (فورثه: لم يتغير الحكم)؛ لوقوعه صحيحا ولم يطرأ عليه ما يفسده.
ولأنه حكم ساغ فيه الخلاف. فلا ينقض؛ كسائر الأحكام.
الأمر (الثالث) من موانع قبول الشهادة: (أن يدفع بها) أي: يدفع الشاهد بشهادته (ضررا عن نفسه؛ كـ) شهادة (العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ)؛ لأنهم متهمون؛ لما في ذلك من دفع الدية عن أنفسهم. حتى ولو كان الشاهد بالجرح فقيرا أوبعيدا في الأصح؛ لجواز أن يؤسر أو يموت من هو أقرب منه.
(و) كشهادة (الغرماء بجرح شهود دين على مفلس)؛ لما في ذلك من توفير المال عليهم، وكشهادة الولى بجرج الشاهد على من في حجره، وكشهادة الشريك بجرج الشاهد على شريكه للتهمة.
(و) كشهادة (كل من لا تقبل شهادته له: إذا شهد بجرح شاهد عليه)؛ كالسيد يشهد بجرح من شهد على مكاتبه أوعبده يدين؛ لأنه متهم فيها؛ لما يحصل بها من دفع الضررعن نفسه. فكأنه شهد لنفسه.
وقد قال الزهري: مضت السنه في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا
[ ١١ / ٤٦٥ ]
ظنين، والظنين: المتهم، وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال: " قضى رسول الله ﷺ أن لا شهادة لخصم ولاظنين " (^١) .
الأمر (الرابع) من موانع قبول الشهادة: (العداوة)، ويعتبر كونها (لغير الله) سبحانه و(تعالى، سواء كانت موروثة أو مكتسبة).
وفي " الترغيب ": ظاهره (كفرحه بمساءته، أوغمه بفرحه، وطلبه له الشر).
قال في " الفنون ".: اعتبرت الأخلاق فإذا أشدها وبالا الحسد.
وقال ابن الجوزي: الإنسان مجبول على حب الترفع على جنسه، وإنما يتوجه الذم إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر، أو ينتصب لذم المحسود. قال: وينبغي أن يكره ذلك من نفسه.
قال في " الفروع ": وذكر شيخنا أن عليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه ويستعمل معه الصبر والتقوى، وذكر قول الحسن: لا يضرك ما لم تعد به يدا أو لسانا. قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه، ولا يقوم بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقه، ولا يذكر محامده، وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور لا معتد.
وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب.
ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه، كما جرى لزينب بنب جحش.
وفي الحديث: " ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الحسد والظن والطيرة. وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ". انتهى.
(فلا يقبل) من شهد (على عدوه) في شيء (إلا في عقد نكاح). وتقدم ذلك في النكاح؛ لأن العدو متهم في حق عدوه وفاقا لمالك والشافعي.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "المراسيل " ص: ٢٠٣.
[ ١١ / ٤٦٦ ]
إذا علصت ذلك (فتلغو) الشهادة (من مقذوف على قاذفه، ومقطوع عليه الطريق على قاطعه) فلا تقبل شهادتهم إن شهدوا أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا أوعلى القافلة، بل على هؤلاء. وليس للحاكم أن يسأل هل قطعوها عليكم معهم أولم يقطعوها عليكم معهم، لأنه لا يبحث عما شهد به الشهود. وإن شهدت البينة أنهم (^١) عرضوا لنا وقطعوا الطريق على غيرنا، ففي " الفصول ": تقبل.
قال: وعندي لا. يعني: لا تقبل.
(و) تلغوا الشهادة أيضا (من زوج) إذا شهد على امرأته (في زنا).
قال في " المغني ": لأنه يقر على نفسه بعداوته لها، لإفسادها فراشه.
(بخلاف) شهادته عليها في (قتل وغيره)؛كسرقة ومال؛ لما في ذلك من بيع آخرته بدنيا غيره فافترقا.
(وكل من) قلنا (لا تقبل شهادته له)؛كعمودي النسب ونحو ذلك ممن قلنا لا تقبل شهادته له (فإنها) أي: فإن شهادته (تقبل عليه)؛ لأنه لا تهمة.
فوجب أن تقبل عليه، كغيره.
الأمر (الخامس) من موانع الشهادة: (الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أوبعدها).
قال في " الإنصاف ": فائدتان:
إحداهما: قال في " الترغيب ": ومن موانع الشهادة: الحرص على أدائها
قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أوبعدها. فترد.
وهل يصير مجروحا بذلك؟ يحتمل وجهين.
وكذا ذكره في " الفروع " عن صاحب " الترغيب " وأقره عليه. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا في عتق وطلاق، ونحوهما)؛ كظهار؛ لعدم اشتراط تقدم الدعوى على الشهادة بذلك.
_________________
(١) في أوب: أنه.
[ ١١ / ٤٦٧ ]
الأمر (السادس) من موانع الشهادة: (العصبية. فلا شهادة لمن عرف بها وبالإفراط في الحمية).
قال في " الإنصاف " عن صاحب " الترغيب ": ومن موانعها العصبية. فلا شهادة لمن عرف بها، وبالإفراط في الحمية؛ كتعصب قبيلة على قبيلة وإن لم يبلغ رتبة العداوة. انتهى.
واقتصر عليه في " الفروع ".
وقال في " الرعايتين " و" الحاوي ": ومن حرص على شهادة لم يعلمها، وأداها قبل سؤاله: ردت، إلا في عتق وطلاق ونحوهما من شهاده الحسبة.
قلت: والصواب عدم قبولها مع العصبية خصوصا في هذه الأزمنة. وهو في بعض كلام ابن عقيل. لكنه قال: في حيز العداوة. انتهى كلامه في "الإنصاف ". الأمر (السابع) من موانع الشهادة: (أن ترد) شهادة شاهد (لفسقه ثم يتوب، ويعيدها فلا تقبل للتهمة) فى أدائها؛ لكونه يعير بردها. فربما قصد بأدائها أن تقبل لإزالة العار الذي يلحقه بردها.
ولأنها ردت باجتهاد فقبولها نقض لذلك الاجتهاد.
وعنه: تقبل. حكاها في " الرعاية ".
(ولو لم يؤدها حتى تاب: قبلت)؛ لأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الرد وهو منتف هنا.
(ولو شهد) إنسان حال كونه (كافرا، أو) شهد حال كونه (غير مكلف، أو) شهد حال كونه (أخرس، فزال ذلك) المانع، بأن أسلم الكافر، أو بلغ الصغير، أو زال الخرس، (وأعادوها) بعد ذلك: (قبلت)؛ لأن رد الشهادة في الحالات المذكورة لا غضاضة فيها فلا تقع تهمة في إعادة الشهادة. بخلاف المسألة التي قبلها.
(لا إن شهد) إنسان (لمورثه بجرح قبل برئه) فردت، (أو) شهد إنسان (لمكاتبه) بشيء فودت، (أو) شهد شريك (بعفو شريكه في شفعة عنها)
[ ١١ / ٤٦٨ ]
أي: عن شفعته (^١) (فردت) شهادته، (أو ردت)؛ لكونها (لدفع ضرر، أو جلب نفع، أوعداوة فبرأ مورثه) من الجرح، (وعتق مكاتبه، وعفا الشاهد عن شفعته، وزال المانع ثم أعادوها) فإنها لا تقبل في الأصح؛ لأن ردها كان باجتهاد الحاكم. فلا ينقض بالاجتهاد (^٢) الثانى.
ولأنها ردت للتهمة. أشبهت المردودة للفسق.
(ومن شهد بحق مشترك بين من ترد شهادته له وأجنبى ردت).نص عليه؛ (لأنها) أي: الشهادة (لا تتبعض في نفسها).
وقيل: تصح للأجنبي. والله ﷾ أعلم.
* * *
_________________
(١) في ج: الشفعة.
(٢) في ج: اجتهاد.
[ ١١ / ٤٦٩ ]
[باب: أقسام المشهود به]
هذا (باب أقسام المشهود به) من جهة عدد الشهود؛ لأن عدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به. قال الله ﷾: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] [البقرة: ٢٨٢]. وهذا في الأموال.
وقال في الزنا: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] [النور: ١٣].فدل هذا على اعتبار العدد في الجملة.
(وهي) أي: وأقسامه (سبعة:
أحدها: الزنا. وموجب حده)؛كاللواط. (فلا بد) في ثبوته (من أربعة رجال) عدول ظاهرا وباطنا (يشهدون به) أي: بالزنا أو اللواط، (أو أنه) أي: المشهود عليه بذلك (أقر أربعا) أي: أربع مرات بذلك على الأصح؛ لقوله ﷾: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [النور: ١٣].فجعلهم كاذبين إذ لم يأتوا بالأربعة. فوجب أن لا تقبل الثلاثة؛ لأن الله ﷾ أثبت كونهم كاذبين، وقد قال النبي ﷺ لهلال بن أمية: "أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك " (^١) .
وأما اعتبار الأربعة في الإقرار بالزنا؛ فلأنه إثبات للزنا. فاعتبر فيه أربعة؛ كشهود الفعل.
القسم (الثاني: إذا ادعى من عرف بغنى: أنه فقير) ليأخذ الزكاة، (فلا بد من ثلاثة رجال). وتقدم دليل ذلك في باب ذكر أهل الزكاة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في"جامعه" (٣١٧٩) ٥: ٣٣١ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النور. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٦٧) ١: ٦٦٨ كتاب الطلاق، باب اللعان.
[ ١١ / ٤٧٠ ]
القسم (الثالث: القود) أي: ما يوجبه، (والإعسار، ووطء يوجب التعزير).
قال ابن نصر الله عند قول صاحب " الفروع": ومن عزر بوطء فرج ثبت برجلين، وقيل: أربعة: يدخل في هذا مني وطئ زوجته في حيض، أو إحرام، أو صوم، أو واطئ البهيمة (^١) ونحو ذلك. فأما إن (^٢) كان الوطء مباحا لا يوجب حدا ولا تعزيرا؛ كوطء الرجل أمته أو زوجته إذا احتاج إلى إثبات ذلك فالظاهر أن حكمه كذلك. وهو: أن يثبت برجلين؛ لأنه لا يوجب حدا وليس مما يختص به النساء غالبا حتى يكتفى فيه بامرأة. ولم أجد هذه المسألة في كلام الأصحاب مصرحا بها. انتهى.
(وبقية الحدود)؛ كحد القذف وحد الشرب (فلا بد من رجلين).
وعنه: لا يقبل في القود إلا أربعة.
والأول المذهب؛ لأنه أحد نوعي القصاص. فيقبل فيه اثنان؛ كقطع الطرف.
وأما كونه لا يقبل فيه شهادة النساء؛ فلأن الشهادة بذلك شهادة بما يحتاط فيه ويسقط بالشبهة. فلم يقبل فيه شهادة النساء؛ لنقصهن بدليل قوله ﷾: [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى] [البقرة: ٢٨٢].
ولأنه لا تقبل شهادتهن منفردات وإن كثرن.
(ويثبت القود بإقرار مرة).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وعنه: أربع.
نقل حنبل: يردد، ويسأل عنه لعل به جنونا أوغير ذلك، على ما ردد النبي ﷺ انتهى.
_________________
(١) في ب: وواطئ البهيمة.
(٢) في ج: إذا.
[ ١١ / ٤٧١ ]
القسم (الرابع: ما ليس بعقوبة ولا مال، ويطلع عليه الرجال غالبا؛ كنكاح ورجعة، وخلع وطلاق، ونسب وولاء. وكذا توكيل وإيصاء في غير مال فـ) إن حكم ذلك (كالذي قبله) على الأصح؛ لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال. فلم يكن للنساء في شهادته مدخل؛ كالحدود والقصاص.
قال القاضي: المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال.
وقد نص أحمد ﵀ في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق.
وقد نقل عن أحمد (^١) في الوكالة: إن كانت بمطالبة دين- يعني: تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين- فأما غير ذلك فلا.
ووجه ذلك: أن الوكالة في اقتضاء الدين يقصد منها المال. فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ كالحوالة.
القسم (الخامس: المال، وما يقصد به المال؛ كقرص، ورهن، ووديعة، وغصب، وإجارة، وشركة، وحوالة، وصلح، وهبة، وعتق، وكتابة، وتدبير، ومهر وتسميته، ورق مجهول، وعارية، وشفعة، وإتلاف مال وضمانه)، وعلى الأصح (وتوكيل) فيه (وإيصاء فيه، ووصية به لمعين ووقف عليه، وبيع وأجله وخيار، وجناية خطأ وعمدا: لا توجب قودا بحال، أو توجب مالا وفي بعضها قود؛ كمأمومة وهاشمة ومنقلة، له قود موضحة في ذلك، وفسخ عقد معاوضة، ودعوى قتل كلافر لأخذ سلبه، ودعوى أسير تقدم إسلامه لمنع رقه، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يقصد به المال؛ لأن المال لما انحطت رتبته عن غيره من الأشياء المشهود بها لكونه يدخله البدل والإباحة وتكثر
فيه المعاملة، وهو مما يطلع عليه النساء والرجال وسع الشرع باب ثبوته.
إذا علمت ذلك: (فيثبت المال برجلين، ورجل وامرأتين)؛ لقوله سبحانه
_________________
(١) في ج: حنبل.
[ ١١ / ٤٧٢ ]
وتعالى: [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] [البقرة: ٢٨٢].وسياق الآية يدل على اختصاص ذلك بالأموال. والإجماع منعقد على ذلك.
(و) يثبت المال أيضا (برجل ويمين)؛ لما روى ابن عباس "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد " (^١) .رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. وأحمد في رواية:
"إنما ذلك في الأموال" (^٢) .
وعن جابر " أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد " (^٣) .رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
ولأحمد من حديث عمارة بن حزم وحديث سعد بن عبادة مثله (^٤) .
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي " أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق " (^٥) .
و" قضى به علي رضي الله تعالى عنه بالعراق " (^٦) .رواه أحمد والدارقطني وذكره الترمذي.
وعن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال: " قضى رسول الله ﷺ باليمين
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٤٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد، عن جابر. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٧٠) ٢: ٧٩٣ كتاب الاحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٩٧٠) ١: ٣٢٣.
(٢) هو جزء من الحديث السابق عند أحمد.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٤٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد. وأخرجه ابن ماجه في "سننه " (٢٣٦٩) ٢: ٧٩٣ كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (١٤٢٩٢) ٣: ٣٠٥.
(٤) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٢٥١٣) ٥: ٢٨٥.
(٥) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "١٠: ١٧٠ كتاب الشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد.
(٦) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٢٩٢) ٣: ٣٠٥. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (٢٩) ٤: ٢١٢ كتاب الأقضية والأحكام. وذكره الترمذي في " جامعه "٣: ٦٢٨ كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
[ ١١ / ٤٧٣ ]
مع الشاهد الواحد " (^١) . رواه ابن ماجه والترمذي وأبو داود.
وهذا الحديث هو الذي كان سهيل يقول: حدثني ربيعة عني أنى حدثته؛ لأنه كان أصاب سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه. وهذا الحديث يروى عن ثمانية من الصحابة على وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن عمر وأبي وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة، وعن عمارة بن حزم أيضا كما سبق.
ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه ولذلك شرعت في حق
صاحب اليد والمنكر، لقوة جانبهما. فصاحب اليد بالتصرف، والمنكر لموافقة الأصل، والمدعي هاهنا قوي جانبه بالشاهد وظهر صدقه. فوجب أن يشرع اليمين في حقه لذلك. وسواء كان المدعي مسلما أو كافرا، رجلا أو امرأة؛ لأن من شرعت اليمين في حقه لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف كالمنكر.
(لا) بشهادة (امرأتين ويمين) يعني: أنه لا يثبت المال بشهادة امرأتين ويمين مكان رجل ويمين في الأصح، لأن النساء لا تقبل شهادتهن في الأموال منفردات. ولهذا لو شهد أربع نسوة لم يقبلن (^٢) . فكذلك هاهنا.
(ويجب تقديم الشهادة) أي: شهادة الرجل الواحد (عليه) أي: على الحلف (^٣)؛ لأن اليمين إنما شرعت في حق من قوي جانبه، ولا يقوى جانب المدعي إلا بشهادة الشاهد قبل حلفه. ولا يشترط أن يقول المدعي في حلفه: وأن شاهدي صادق في شهادته في الأصح، لأنه لا يعتبر يمين المشهود له في ثبوت شهادة الشاهد. ولذلك لو طلب المشهود عليه ذلك لم يلزمه أن يجيبه. وقد ثبتت (^٤) شهادة الشاهد هاهنا. فلم يجب حلف المشهود له على صحتها؛ كما لو كان مع الشاهد غيره.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه " (٣٦١٠) ٣: ٣٠٩ كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٤٣) ٣: ٤٩٢ الموضع السابق. وأخرجه ابن ماجه في "سننه " (٢٣٦٨) ٢: ٧٩٣ كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين.
(٢) في ج: يقبلهن.
(٣) في ج: الحالف.
(٤) في ج: ثبت.
[ ١١ / ٤٧٤ ]
(ولو نكل عنه) أي: عن الحلف (من أقام شاهدا) واحدا: (حلف مدعى عليه، وسقط الحق. فإن نكل) المدعى عليه عن الحلف (حكم عليه) بالنكول. نص عليه. ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأنها كانت في جنبته وقد أسقطها بنكوله عنها وصارت في جنبة غيره. فلم تعد إليه؛ كالمدعى عليه إذا نكل عنها.
(ولو كان لجماعة حق بشاهد) واحد (فأقاموه. فمن حلف: أخذ نصيبه)؛ لكمال النصاب من جهته. (ولا يشاركه) فيما يأخذه (من لم يحلف)؛ لأنه لاحق له فيه؛ لأنه لم يجب له شيء قبل حلفه. (ولاتحلف ورثة ناكل) أقام شاهدا ونكل عن اليمين مع شاهده ثم مات، إلا أن يموت قبل امتناعه من الحلف فيحلف وارثه ويأخذ ما شهد به الشاهد.
القسم (السادس) من أقسام المشهود به: (داء دابة وموضحة، ونحوهما)؛ كداء بالعين. (فيقبل) في ذلك (قول طبيب) واحد، (وبيطار واحد)، وكحال واحد؛ (لعدم غيره في معرفته) أي: معرفة ما تقدم ذكره ونحوه. نص أحمد على ذلك؛ لأن ما يقوله الطبيب أوالبيطار (^١) [أو الكحال] (^٢) في ذلك حكم يخبر به عن بصره واجتهاده. فوجب قبول قوله وإن كان واحدا؛ كالقاضي يخبر عن حكمه في غير ذلك. واطلق في
" الروضة " قبول الواحد.
(فإن لم يتعذر) بأن كان بالبلد أكثر من واحد يعلم ذلك: (فاثنان) يعني: فلا يثبت ذلك إلا بشهادة طبيبين، أو بيطارين، أوكحالين.
(وإن اختلفا) بأن قال أحدهما بوجود الداء، وقال الآخر بعدمه: (قدم قول مثبت) على قول ناف؛ لأنه يشهد بزيادة لم يدركها النافي.
القسم (السابع) من أقسام المشهود به: (ما لا يطلع عليه الرجال غالبا؛
_________________
(١) في ب: والبيطار.
(٢) ساقط من أوب.
[ ١١ / ٤٧٥ ]
كعيوب النساء تحت الثياب، والرضاع والاستهلال، والبكارة والثيوبة، والحيض ونحوه) فيدخل في ذلك البرص في الجسد تحت الثياب، والرتق والقرن والعفل ونحو ذلك، (وكذا جراحة وغيرها في حمام وعرس، ونحوهما مما لا يحضره رجال. فيكفي فيه امرأة عدل) على الأصح. (والأحوط اثنتان)؛ لما روى حذيفة " أن النبي أجاز شهادة القابلة وحدها " (^١) . ذكره الفقهاء في كتبهم.
وروى أبو الخطاب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال:
" يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة ".
ولأن ذلك معنى يثبت بقول النساء المنفردات (^٢) .فلا يشترط فيه العدد؛ كالرواية وأخبار الديانات.
(وإن شهد به) أي: بما يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة (رجل) واحد، (فأولى) أي: فالاكتفاء بقبوله فيه أولى؛ (لكماله) أي: لأنه أكمل من المرأة.
ولأن كل ما يقبل فيه قول المرأة يقبل فيه قول الرجل؛ كالرواية.
* * *
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى " ١٠: ١٥١ كتاب الشهادات، باب ما جاء فى عددهن.
(٢) في ج: المفردات.
[ ١١ / ٤٧٦ ]
[فصل: مسائل في الشهادة]
(فصل. ومن ادعت إقرار زوجها بأخوة رضاع) أي: بأن زوجته أخته من الرضاع، (فأنكر) ذلك الإقرار: (لم يقبل فيه) أي: في ثبوته (إلا رجلان)؛ لأن الإقرار بذلك ليس بمال ولا يقصد به المال، ومما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال.
(وإن شهد بقتل العمد رجل وامراتأن: لم يثت شيء) يعني: لا قصاص ولا دية على الأصح؛ لأن قتل العمد يوجب القصا ص، والمال بدل منه. فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله. وإن قلنا موجبه أحد شيئين لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار. فلو أوجبنا بذلك الدية أوجبنا معينا بدون الاختيار.
ومن ادعى على رجل أنه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأ، وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أوشاهدا وحلف معه ثبت قتل الثانى لأنه خطأ موجبه المال (^١) ولم يثبت قتل الأول؛ لأنه عمد موجب للقصاص.
(وإن شهدوا) أي: الرجل والمرأتان (بسرقة: ثبت المال)؛ لكمال بينته (دون القطع)؛ لأن السرقة توجب المال والقطع. فإذا قصرت عن أحدهما ثبت الآخر. (ويغرمه ناكل) يعني: أنه متى ادعى إنسان على آخر بسرقة فأنكر فالتمس يمينه فنكل عن اليمين غرم المال، ولا يلزمه قطع؛ لأنه لا يقضى بنكول في غير المال.
(وإن ادعى زوج خلعا) أي: عوضا في خلع: (قبل فيه رجل وامرأتان، أو) رجل (ويمينه)؛ لأنه يدعي بالمال الذي خالعته به زوجته. (فيثبت العوض) بشهادة الرجل والمرأتين، (وتبين بمجرد دعواه).ذكره أصحابنا.
_________________
(١) في ج: أنه خطأ موجب للمال.
[ ١١ / ٤٧٧ ]
(وإن ادعته) أي: ادعت الخلع المرأة: (لم يقبل فيه إلا رجلان)؛لأنها لا تقصد بذلك إلا الفسخ ولا يثبت إلا بعدلين.
(ومن أقامت رجلا وامرأتين) فشهدوا (^١) على رجل (بتزوجها بمهر) معين: (ثبت المهر) دون النكاح؛ لأن النكاح حق للرجل. فلا يصح إقامة البينة به من قبل المرأة ولا الدعوى به منها، إلا لإثبات مهرها.
(ومن حلف بطلاق: ما سرق أو ما غصب، ونحوه)؛ كما لو حلف بالطلاق ما باع، أوما اشترى، أوما وهب، أوما قتل، (فثبت فعله) أي: فعل ما حلف على عدمه (برجل وامرأتين، أو) برجل (ويمين: ثبت المال ولم تطلق) زوجته في الأصح؛ لأنه لم تكمل البينة المثبتة للطلاق.
(وإن شهد رجل وامرأتان لرجل): أن فلانة أم ولده وولدها منه، (أو) شهد له (رجل وحلف معه: أن فلانة أم ولده، وولدها منه قضي له بها) أي: بالجارية (أم ولد)؛ لأن أم الولد مملوكه. ولهذا يملك وطئها وإجارتها وتزويجها، ويثبت له حكم الاستيلاد (^٢) بإقراره؛ لأن إقراره نافذ في ملكه. والملك يثبت بشهادة الرجل والمرأتين والشاهد واليمين. (ولا تثبت حرية ولدها ولا نسبه) من المدعي على الأصح؛ لأنه لم يدع الولد ملكا وإنما يدعي حريته ونسبه، وهذان لا يثبتان بهذه البينة.
فعلى هذا يقر الولد في يد المنكر مملوكا له.
(ولو وجد على دابة مكتوب: حبيس في سبيل الله) حكم بأنها حبيس.
قال في " المغني " في كتاب الجهاد: وإن وجد شيء موسوم عليه حبيس في سبيل الله رد كما كان. نص عليه أحمد. وبه قال الأوزاعي والشافعي. انتهى.
(أو) وجد (على أسكفة (^٣) دار) مكتوب: وقف، أومكتوب: مسجد،
_________________
(١) في ج: يشهدوا.
(٢) في أ: الاستيلاء.
(٣) في ج: أسقفة.
[ ١١ / ٤٧٨ ]
(أو) وجد على (حائطها) أي: حائط دار مكتوب (وقف أو مسجد حكم به) أي: حكم بأن الدار وقف أو مسجد بمقتضى الكتابة المذكورة. ذكر ذلك ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية ".
قال في " التنقيح ": نصا. وصرح به الحارثي في الثانية. انتهى.
(ولو وجده) أي: وجد الحاكم مكتوبا (على كتب علم في خزانة مدة طويلة): هذا وقف: (فكذلك) يعني: فإنه يحكم بوقفيتها.
(وإلا) أي: وإن لم تكن مدتها طويلة (عمل بالقرائن) فيتوقف حتى تظهر له قرينة فيعمل بمقتضاها.
قال في " التنقيح " ذكره ابن القيم. والله ﷾ أعلم.
* * *
[ ١١ / ٤٧٩ ]
[باب: الشهادة على الشهادة]
هذا (باب الشهادة على الشهادة، و) باب (الرجوع عنها) أي: عن الشهادة، (و) باب (أدائها) أي: الألفاظ التي يحصل بها أداء الشهادة.
قال جعفر بن محمد: سمعت أحمد يسأل عن الشهادة على الشهادة فقال (^١): هي جائزة. وكان قوم يسمونها التأويل.
والأصل فيها الإجماع.
قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال.
والمعنى شاهد بذلك، والحاجة داعية إليها، لأنه (^٢) لما كانت الشهادة وثيقة مستدامة لحفظ الأموال والاحتياط في تحصيلها؛ لأنه ربما مات المقر بها فتعذر (^٣) الرجوع إلى إقراره واستيفاء الحق ممن هو عليه جوز الإشهاد عليه لهذا المعنى. وقد يطرأ على الشاهد من اخترام المنية (^٤)، والعجز عن الشهادة بغيبة أومرض أونسيان، وما أشبه ذلك ما يوجب ضياع حق المشهود له، فاستدرك ذلك بتجويز الإشهاد على الشاهد؛ لتدوم الوثيقة بذلك، ولا يضيع الحق على مستحقه.
ولأن من الحقوق ما يحتاج فيه إلى التأبيد مثل: الوقوف الدارة على أهلها.
فلو لم تجز الشهادة على الشاهد ربما أدى إلى تلفها، لأن الشاهد لا يعيش أبدا.
_________________
(١) في ج: قال.
(٢) في ج: لأنها.
(٣) في ج: فيتعذر.
(٤) في أ: احترام الميتة.
[ ١١ / ٤٨٠ ]
فاقتضت هذه المصلحة قبول الشهادة على الشهادة كالأصل.
ثم اعلم أنها (لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا يثمانية شروط).
قال ابن نصر الله: فائدة لخصتها من كلام الأصحاب يشترط لقبول شهادة الفرع ثمانية شروط:
الأول: كونها في حق الله تعالى على الصحيح.
الثانى: تعذر شهود الأصل.
الثالث: استرعاؤهم لشهود الفرع.
الرابع: أن يؤدي شاهد الفرع ما يحمله على صفته وكيفيته.
الخامس: أن يعين شهود الأصل.
السادس: ثبوت عدالة شهود الأصل والفرع.
السابع: دوام تعذر الأصول إلى صدور الحكم.
الثامن: دوام عدالة الأصول والفروع إلى صدور الحكم. انتهى.
ونحن نمشي على ذلك مفصلا على ترتيب المتن:
(أحدها) أي: أحد الشروط. (كونها) أي: كون الشهادة على الشهادة (في حق: يقبل فيه كتاب قاض لقاض) (^١) . والذي يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي حقوق الآدميين دون حقوق الله ﷾؛ لأن الحدود (^٢) مبنية على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار. والشهادة على الشهادة فيها شبهة فإنها (^٣) يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الأصل. وهو معتبر بدليل أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل. فوجب أن لا يقبل فيما يندرء بالشبهات.
_________________
(١) في ج: قاضي إلى قاض.
(٢) في ج: الحقوق.
(٣) في ج: فإنه.
[ ١١ / ٤٨١ ]
ولأنها إنما تقبل للحاجة ولا حاجة إليها في الحد؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه.
ولأنه لا نص فيها ولا يصح قياسها على الأموال؛ لما بينهما من الفرق في الحاجة والتساهل فيها. ولا يصح قياسها على شهادة الأصل لما ذكرنا.
الشرط (الثاني: تعذر) شهادة (شهود الأصل بموت)، وعلى الأصح:
(أو مرض، أو خوف من سلطان أوغيره، أوغيبة مسافة قصر)؛ لأنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهاده شاهدي الأصل استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع، وكان أحوط للشهادة. فإن سماعه من شهود الأصل معلوم، وصدق شاهدي الفرع عليهما مظنون، والعمل باليقين مع إمكانه أولى من اتباع الظن.
ولأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق، وشهادة الفرع إنما تثبت الشهادة عليه.
الشرط (الثالث: دوام تعذرهم) أي: تعذر شهود الأصل (إلى صدور الحكم)؛ لأن الشرط الذي هو تعذر الأصول زال.
إذا علمت ذلك (فمتى أمكنت شهادتهم) أي: شهادة شهود الأصل (قبله) أي: قبل الحكم: (وقف) الحكم (على سماعها)؛ كما لو كانوا حاضرين أصحاء.
الشرط (الرابع: دوام عدالة) شاهدي (أصل و) شاهدي (فرع إليه) أي: إلى صدور الحكم. (فمتى حدث قبله) أي: قبل الحكم بشهادة شاهدي الفرع (من أحدهم) أي: أحد شهود الأصل والفرع (ما يمنع قوله) من فسق وجنون ونحوهما: (وقف) الحكم؛ لأنه مبني على شهادة الجميع.
وقد علم مما تقدم أنه يشترط استمرار عدالة الشهود إلى صدور الحكم. فإذا فقد شرط الصحة قبل وجود المشروط وقف الحكم (^١) .
الشرط (الخامس: استرعاء) شهود (الأصل) شهود (الفرع، أو) أن يسترعوا (غيره) وهو: أن يسترعي شاهد الأصل إنسانا غير شاهد الفرع،
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ١١ / ٤٨٢ ]
(وهو) أي: وشاهد الفرع (يسمع) استرعاء شاهد الأصل ذلك الإنسان.
وأصل الاسترعاء من قول المحدث لمن يحدثه: أرعني (^١) سمعك يريد: اسمع مني. وصفة الاسترعاء ما أشير إليه بقوله:
(فيقول) شاهد الأصل لشاهد الفرع: (اشهد على شهادتي) أنى أشهد،
(أو) يقول له: (اشهد أني أشهد: أن فلانا بن فلان، وقد عرفته، أشهدنى على نفسه، أو) يقول: (شهدت عليه، أو) يقول: (أقر عندي بكذا.
وإلا) أي: وإن لم يسترعه: (لم يشهد)؛لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة ولا ينوب عنه إلا بإذنه.
(إلا إن سمعه) أي: سمع شاهد الفرع شاهد (^٢) الأصل (يشهد عند حاكم، أو يعزوها) أي: يعزو شهادته (إلى سبب؛ كبيع وقرض ونحوهما) فيشهد على شهادته على الأصح؛ لأنه بالشهادة عند الحاكم وبنسبة الحق إلى سببه يزول الاحتمال. أشبه ما لو استرعاه.
الشرط (السادس: أن يؤديها) أي: يؤدي الشهادة (الفرع بصفة تحمله).
قال في " الفروع ": ويؤديها الفرع بصفة تحمله. ذكره جماعة. قال في" المنتخب " وغيره: وإلا لم يحكم بها. وفي " الترغيب ": ينبغي ذلك. انتهى.
(وتثبت شهادة شاهدي الأصل بفرعين، ولو على كل) شاهد (أصل) شاهد (فرع) على الأصح. نص عليه؛ كما لو شهدا بنفس الحق.
ولأن شهود الفرع بدل من شهود الأصل. فاكتفي بمثل عددهم.
ولأن شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقا عليهما. فوجب أن
يقبل في كل واحد قول واحد؛ كأخبار الديانات فإنهما إنما ينقلان الشهادة
_________________
(١) في أ: أوعني.
(٢) في ج: شاهدي.
[ ١١ / ٤٨٣ ]
وليست حقا عليهما. ولهذا لو أنكراهما لم يعد الحاكم عليهما ولم يطلبها منهما.
وقال أبو عبد الله ابن بطة: لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل شاهد أصل شاهدا (^١) فرع.
(ويثبت الحق) أيضا (بـ) شهادة (فرع) واحد (مع أصل آخر)، لأن شاهد الفرع بدل من شاهد الأصل فيكفي في عددهما ما يكفى في شهادة الأصل.
(ويصح تحمل فرع على فرع).
قال في " الفروع " في باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي: يؤيده قولهم في؛ التعليل: أن الحاجة داعية إلى ذلك وهذا موجود في فرع الفرع. انتهى.
وقال في باب الشهادة على الشهادة: وهل يتحمل فرع على فرع؟ تقدم في أول كتاب القاضي [إلى القاضي] (^٢) . انتهى.
(و) يصح (أن يشهد النساء في أصل وفرع، و) في (فرع فرع) على الأصح، لأن المقصود بشهادتهن إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصمل فيدخل النساء فيه.
إذا علمت ذلك (فيقبل رجلان على رجل وامرأتين، و) يقبل (رجل وامرأتان على مثلهم أوعلى رجلين أصلين أو فرعين، و) تقبل (امرأة على امرأة فيما تقبل فيه المرأة) الواحدة وتقدم (^٣) .
وقال القاضي: لا تجوز شهادة رجلين على رجل وامرأتين. نص عليه أحمد.
قال أبو الخطاب: وفي هذه الرواية سهو من ناقلها، لأنه إذا قبل شهادة امرأة على مثلها. فلأن يقبل شهادة رجل على امرأة بطريق الأولى؛ لأن الرجل أحسن حالا منها.
ولأن ناقل هذه الرواية دال فيها: أقبل شهادة رجل على شهادة رجلين وهذا مما لا وجه له.
_________________
(١) في ج: شاهدى أصل شاهدي.
(٢) زيادة من ج.
(٣) زيادة من ج.
[ ١١ / ٤٨٤ ]
الشرط (السابع: تعيين) شاهدي (فرع لأصل) أي: لشاهدي الأصل.
قال في " الفروع ": ويعتبر تعيينهم لهم.
قال القاضي: حتى لو قال تابعيان: أشهدنا صحابيان لم يجز حتى يعيناهما. انتهى.
الشرط (الثامن: ثبوت عدالة الجميع) أي: عدالة شهود الأصل وشهود الفرع؛ لأنهما شهادتان. فلا يحكم بهما بدون عدالة الشهود.
قال في " شرح المقنع ": لأن الحكم ينبني على الشهادتين جميعا. فاعتبرت الشروط في كل واحدة منهما. ولا نعلم في هذا خلافا. فإن عدل شهود الأصل شهود الفرع فشهدا بعدالتهما وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه.
وإن شهدا بعدالتهما جاز ويتولى الحاكم ذلك، فإذا (^١) علم عدالتهما حكم وإن لم يعرفهما بحث عنهما. انتهى.
(ولا يجب على) شهود (فرع تعديل) شهود (أصل)؛ لأنه يجوز أن لا يعرفهما فيرجع في ذلك إلى بحث الحاكم. ويجوز أن يعرفا عدالتهما ويتركاها اكتفاء بما ثبت عند الحاكم من عدالتهما.
(وتقبل به) يعني: أنه تقبل شهادة الفرع بتعديل أصله. وتقدمت الإشارة إلى ذلك. (وبموته، ونحوه)؛ كمرضه وغيبته يعني: أنه تقبل شهاده الفرع بموت أصله وتعذر حضوره.
قال ابن نصر الله في "حواشي الفروع " عند قوله: ولا يجب على الفروع تعديل أصولهم: ويقبل. أي: ويقبل تعديلهم لهم إن عدلوهم. وصرح به في "الرعاية " وقال: وفيه نظر، وكذا شهادتهم بموت أصولهم أوغيبتهم أو مرضهم. ولم أجده في كلام الأصحاب، لكنه قياس القول بقول تعديلهم لهم.
[وتوقف (^٢) فيه قاضي القضاة علاء الدين بن المغلي. انتهى.
_________________
(١) في ج: فإن.
(٢) في ب: ووافق.
[ ١١ / ٤٨٥ ]
(لا تعديل شاهد لرفيقه).
قال ابن نصر الله عند قول صاحب " الفروع ": ولا يزكي أصل رفيقه: يريد بالأصل كل من صلح كونه أصلا برجوع فرع له، سواء كان أصلا أو فرعا فإن الفرع أصل بالنسبة إلى من قد يشهد على شهادته. ولو قيل: ولا يزكي شاهد رفيقه كان أبين] (^١) . ووافق فيه قاضي القضاة علاء الدين بن مغلي. والمراد منع تزكيته له بعد شهادتهما. فلو كان قد زكاه قبل ذلك ثم شهدا (^٢) قبلت شهادتهما؛ لانتفاء التهمة إذا. ولم أجد ذلك مصرحا به ولكنه مفهوم من قولهم: رفيقه، إذ المراد رفيقه في شهادته. انتهى.
(ومن شهد له شاهدا فرع على أصل) واحد، (وتعذر الآخر) أي: شهادة الأصل الآخر أوالشهادة على شهادته: (حلف) المشهود له على استحقاق ما شهد له به، (واستحقـ) ـه. ذكره في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفروع ".
(وإذا أنكر الأصل شهادة الفرع: لم يعمل بها).
قال في " الفروع ": وأطلق جماعة إذا انكر الأصل شهادة الفرع لم يعمل بها؛ لتأكد الشهادة. بخلاف الرواية. انتهى.
(ويضمن شهود الفرع) المحكوم بتلف شهادتهم (برجوعهم بعد الحكم)؛ لأن الإتلاف كان بشهادتهم؛ كما لو باشروا التلف بأيديهم، (ما لم يقولوا: بان لنا كذب الأصول، أوغلطهم) يعني: فلا يضمنون. ذكره في"المحرر" و" الوجيز " و" الفروع "؛ لأن هذا القول منهما ليس برجوع عن شهادتهما؛ لأن ذلك لا ينافي شهادتهما على الأصول. فلم يضمنا لذلك.
(وإن رجع شهود الأصل بعده) أي: بعد الحكم، (لم يضمنوا) شيئا في الأصح من الوجهين؛ لأن الإتلاف حصل بشهادة غيرهم. فلم يلزمهم ضمان؛ كالمتسبب. مع المباشر.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: شهد.
[ ١١ / ٤٨٦ ]
ولأنهم لم يلجئوا الحاكم الى الحكم.
(إلا إن قالوا: كذبنا، أو) قالوا: (غلطنا) فيلزمهم الضمان؛ لاعترافهم بتعمد الإتلاف بقولهم: كذبنا، أو بخطإهم بقولهم: غلطنا.
(وإن قالا) أي: قال شاهدا الأصل (بعده) أي: بعد الحكم: (ما أشهدناهما) أي: ما أشهدنا شاهدي الفرع (بشيء) مما شهدا به على شهادتنا، (لم يضمن الفريقان) يعني: لا شهود الأصل ولا شهود الفرع (شيئا) مما حكم بتلفه؛ لأن شاهدي الفرع لم يثبت كذبهما، وشاهدي الأصل لم يثبت رجوعهما، لأن الرجوع إنما يكون بعد الشهادة. فإنكار أصل الشهادة لا يكون رجوعا عنها فلذلك لم يضمنا.
* * *
[ ١١ / ٤٨٧ ]
[فصل: فيمن غير شهادته]
(فصل. ومن زاد في شهادته أو نقص) بحضرة الحاكم أو قبل أن يحضر إلى الحاكم، (لا بعد حكم) يعنى: ما لم يحكم بشهادته: قبل. نص عليه. وذلك مثل: أن يشهد بمائة ثم يقول: بل هي مائة وخمسون، أو: بل هي تسعون، فأنه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به أخيرا. وبهذا قال أبو حنيفة "لأن شهادته الأخيرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها. فوجب الحكم بها؛ كما لو لم يتقدمها ما يخالفها. ولا تعارضها الشهادة الأولى؛ لأنها قد بطلت برجوعه عنها. ولا يجوز الحكم بها، لأن شرط الحكم بالشهادة استمرارها إلى القضاء به. ويفارق ذلك رجوعه بعد الحكم؛ لأن الحكم قد تم باستمرار شرطه فلا ينقض بعد تمامه.
(أو أدى بعد إنكارها: قبل) يعني: أنه لو شهد إنسان على آخر بعد قوله: ليس لي عليه شهادة ثم شهد عليه وقال: كنت أنسيتها: قبل. نص عليه؛ لأن الله ﷾ قال في حق المرأتين: [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى] [البقرة: ٢٨٢] فقبلها بعد إثبات الضلال والنسيان في حقها. فوجب أن يقبل قول العدل فيما نسيه ثم ذكره بعد ذلك.
ولأن الإنسان معرض للخطإ والنسيان. فلو لم يقبل منه ما ذكره بعد أن نسيه لضاعت الحقوق بتقادم العهد عنها.
(وكذا قوله: لا أعرف الشهادة ثم يشهد)؛ لأن شهادته إذا قبلت مع إنكارها فمع قوله: لا أعرفها من باب أولى.
(وإن رجع) الشاهد عن شهادته قبل الحكم بها: (لغت) شهادته؛ لأنه رجع عنها قبل العمل بها. فوجب أن تلغو، إذ الرجوع أوجب ظنا في الشهادة
[ ١١ / ٤٨٨ ]
ببطلانها، ومع الظن لا يجوز العمل بها؛ كما لو كانت من جهة أخرى.
(ولا حكم) أي: ولا يجوز الحكم بها بعد رجوعه عنها ولو أداها بعد ذلك، (ولم يضمن)؛ لأن الحكم لم يتم.
(وإن لم يصرح برجوع) عن شهادته، (بل قال للحاكم: توقف) عن الحكم، (فتوقف) كما قال له الشاهد، (ثم أعادها) أي: أعاد شهادته بعد أن قال للحاكم: توقف: (قبلت) فى الأصح. ففي وجوب إعادتها احتمالان.
قال في " الإنصاف ": قلت: الأولى عدم الإعادة. انتهى.
(وإن رجع شهود مال أو) شهود (عتق بعد حكم قبل استيقاء) لمال (^١) (أو بعده: لم ينقض) الحكم؛ لأن الحكم قد تم ووجب المشهود به للممثمهود له، ورجوع (^٢) الشاهد عن شهادته المحكوم بها لا توجب نقضه؛ لأنهما إن قالا: عمدنا فقد شهدا على أنفسهما بالفسق فهما متهمان بإرادة نقض الحكم. فلا ينقض؛ كما لو شهد فاسقان على الشاهدين بالفسق، فإنه لا يوجب التوقف في شهادتهما، وإن قالا: أخطأنا لم يجب النقض أيضا؛ لجواز أن يكونا قد أخطآ في قولهما الثانى بأن اشتبه عليهما الحال ونحو ذلك.
(ويضمنون) بدل المال الذي شهدوا به، سواء قبض أو لم يقبض، وسواء كان قائما أو تالفا؛ لأنهما أخرجاه من يد مالكه بغير حق وحالا بينه وبينه. فلزمهما ضمانه؛ كما لو أتلفاه. وإن كانت الشهادة بعتق غرما قيمة من شهدا بعتقه؛ لأنهما أزالا يد السيد عن عبد أوأمته بشهادتهما المرجوع عنها. أشبه ما لو قتلا من شهدا بعتقه.
ومحل ذلك: (مالم يصدقهم) على بطلان شهادتهم (مشهود له) فلا يضمن الشهود (^٣) . ثم إن كان قبض شيئا من مال المحكوم عليه لزمه رده أو بدله
_________________
(١) في ج: مال.
(٢) في ج: ورجع.
(٣) في ج: المشهود.
[ ١١ / ٤٨٩ ]
إن تلف؛ لاعترافه بأخذ ذلك بغير حق، وإن لم يكن قبض شيئا بطل حقه من المشهود به (^١) .
(أو) ما لم (تكن الشهادة بدين فيبرأ منه) المشهود له (قبل أن يرجعا) عن شهادتهما. ذكره في " المغني " في كتاب الصداق؛ لأن المشهود عليه لم يغرم شيئا.
وكذا لو شهدا على سيد عبد أنه أعتقه على مائة وقيمته مائة ثم رجعا عن شهادتهما لم يغرما شيئا؛ لأنهما لم يفوتا على رب العبد شيئا.
(ولو قبضه) أي: قبض المال المشهود به (مشهود له، ثم وهبه لمشهود عليه، ثم رجعا) عن شهادتهما به: (غرماه) أي: غرما المال المشهود به؛ كما لو تنصف الصداق بعد هبتها إياه لزوجها فإن المرأة تغرم للزوج نصفه. وتقدم ذلك في كتاب الصداق.
(ولا يغرم مزك) شيئا (برجوع مزكى) عن شهادته؛ لأن الحكم تعلق بشهادة الشهود ولا تعلق له بالمزكين؛ لأن المزكين أخبروا بظاهر حال الشهود، وأما باطنه فعلمه إلى الله ﷾. فلم يدخلوا في الضمان لذلك.
(وإن رجع- بعد حكم- شهود طلاق) بعد دخول: (فلا غرم)؛لأن المهر قد تقرر عليه كله بالدخول. فلم يقرروا عليه شيئا برجوعهم، ولم يخرجوا عن ملكه شيئا متقوما. أشبه ما لو أخرجوا البضع عن ملكه بقتلها، أو أخرجته هي بردتها.
(إلا) إذا أخرجوه بشهادتهم (قبل الدخول) أي: دخول الزوج بها، فإنهم يغرمون (نصف المسمى أوبدله) أي: بدل مهرها أنلم يكن سمي لها مهر؛ لأن الشهود ألزموه للزوج بشهادتهم بطلاقها؛ كما يغرم ذلك من يفسخ نكاحه برضاع أونحوه قبل الدخول.
(وإن رجع شهود القرابة وشهود الشراء). وصورة ذلك: أن يشهد اثنان
_________________
(١) في ج: المشهود له.
[ ١١ / ٤٩٠ ]
على إنسان أنه اشترى هذا العبد وشهد (^١) اثنان أن العبد أب للمشتري أو ابنه فحكم الحاكم بعتقه عليه بالقرابة، ثم رجع الأربعة عن شهادتهم: (فالغرم على شهود القرابة) دون شهود الشراء؛ لأن شهود القرابة هم المفوتون عليه العبد؛ كما لو شهدا (^٢) بعتقه.
(وإن رجع شهود قود، أو) رجع شهود (حد بعد حكم) بما شهدوا به (وقبل استيفاء) للقود أوللحد: (لم يستوف) القود ولا الحد؛ لأن المحكوم به عقوبة لا سبيل إلى جبرها إذا استوفيت. بخلاف المال.
ولأن رجوع الشهود شبهة في وجوب الاستيفاء؛ لاحتمال صدقهم. فوجب أن لا يستوفى؛ كما لو رجعوا قبل الحكم.
(ووجبت دية قود) شهدوا به للمشهود له على الأصح من كون الواجب أحد شيئين، وأما إن قلنا أن الواجب القصاص عينا فلا يجب للمشهود له شيء، ويرجع المشهود عليه بما غرمه من دية على الشهود.
(وإن استوفي) يعني: وإن لم يرجع الشهود حتى استوفي القود أوالحد (ثم قالوا: أخطأنا غرموا دية ما تلف، أو أرش الضرب) نصا. نقله أبو طالب. ولا تحمل العاقلة شيئا من ذلك.
(ويتقسط الغرم على عددهم)؛ لأن التفويت حصل منهم كلهم. فوجب تقسيط الغرامة على عددهم؛ كما لو اتفق جماعة واتلفوا ملكا لإنسان (^٣) .
إذا تقرر هذا (فلو رجع رجل وعشر (^٤) نسوة) شهدوا (في مال، غرم) الرجل (سدسا وهن) أي: والنساء (البقية) كل واحدة (^٥) نصف سدس في الأصح. وقيل: مناصفة.
_________________
(١) في ج: ويشهد.
(٢) في ج: شهدوا.
(٣) في ج: أو أتلفوا مالا لإنسان.
(٤) في ج: وعشرة.
(٥) في ب: واحد.
[ ١١ / ٤٩١ ]
(وكذا رضاع) (^١) يعني: وكذا لو شهدوا برضاع بين زوجين وفرق بينهما قبل الدخول.
ولو كان الشهود رجل وثمانى نسوة غرم الرجل خمسا وكل امرأة العشر؛ لأن الرجل بامرأتين في الشهادة.
وقيل: مناصفة. .
(ولو شهد ستة بزنا) فزجم المشهود عليه ثم رجعوا، (أو) شهد (أربعة) بالزنا (واثنان) من غيرهم (بإحصان) أي: إحصان: المشهود عليه بالزنا، (فرجم ثم رجعوا) أي: رجع الشهود الستة عن شهادتهم في الصورتين: (لزمتهم الدية أسداسا)؛لأن قتله حصل بشهادة الجميع. (وإن كانوا) أي: كان الشهود (خمسة بزنا: فأخماسا) أي: كانت دية المرجوم بشهادتهم عليهم أخماسا. (ولو رجع بعضهم) أي: بعض الشهود: (غرم بقسطه). فلو شهد عليه ستة بزنا فرجم، ثم رجع منهم اثنان غرما ثلث الدية؛ لأنهما ثلت البينة.
(ولو شهد أربعة بزنا و) شهد (اثنان منهم بالإحصان، فرجم ثم رجعوا: فعلى من شهد بالإحصان) والزنا (ثلثا الدية) في الأصح. الثلث لشهادتهما بالإحصان، والثلث الآخر لشهادتهما بالزنا، (وعلى الآخرين (^٢) ثلثهما) أي: ثلث الدية لشهادتهما بالزنا وحده.
(وإن رجع زأئد على البينة)؛كما لو شهد بالزنا خمسة ثم رجع واحد منهم (قبل الحكم (^٣) أوبعده: استوفي) حد الزنا، (ويحد الراجع) من الخمسة حد القذف؛ (لقذفه) برجوعه عن شهادته.
(ولو رجع شهود زنا) دون إحصان، (أو) رجع شهود (إحصان) فقط: (غرموا الدية) أي: دية المرجوم بشهادتهم (كاملة).
_________________
(١) في ب: إرضاع.
(٢) في ب: الآخر.
(٣) في ب: حكم.
[ ١١ / ٤٩٢ ]
أما ضمان شهود الزنا برجوعهم الدية كاملة؛ لأن الإحصان فرع على الشهود بالزنا، لأن الإحصان ليس بموجب وإنما هو شرط. فالرجم حصل بشهادة شهود الزنا، فإذا رجعوا ضمنوا الدية كاملة لذلك.
وأما ضمان شهود الإحصان برجوعهم الديه كاملة؛ لأن القتل حصل بشهادتهم، إذ لولا ثبوت الإحصان لم يجب القتل. فإذا رجعوا ضمنوا الدية كاملة؛ لأنهم لو لم يشهدوا بالإحصان لم يرجم.
(ورجوع شهود تزكية كرجوع من زكوهم) في جميع ما تقدم من المسائل.
(وإن رجع شهود تعليق عتق) وشهود شرطه، (أو) رجع شهود (طلاق) قبل دخول، (وشهود شرطه: غرموا بعددهم) في الأصح؛ كما قلنا في رجوع شهود الزنا مع رجوع شهود الإحصان، لأن شهود العتق هاهنا كشهود الزنا، وشهود شرطه كشهود
الإحصان. والطلاق كالعتق.
وقيل: تغرم كل جهة النصف.
وقيل: يغرم الجميع شهود التعليق.
(وإن رجع شهود كتابة: غرموا ما بين قيمته) أي: قيمتي (^١) المشهود له بالكتابة (قنا ومكاتبا) أي: حالة كونه قنا وحالة كونه مكاتبا لنقص قيمة المكاتب عن القن الحاصل بشهادتهما. (فإن عتق) المكاتب بأداء مال الكتابة ثم رجعوا عن شهادتهم بالكتابة: (فـ) إنهم يغرمون (ما بين قيمته ومال كتابة) إن نقص مال الكتابة وعن قيمته، وإلا فلا يغرمون شيئا.
(وكذا) أي: وكشهود إذا رجعوا (شهود باستيلاد) إذا رجعوا. قا له في"الفروع".
قال: وقال بعضهم في طريقته في بيع وكيل بدون ثمن مثل: لو شهدا بتأجيل وحكم ثم رجعا: غرما تفاوت ما بين الحال والمؤجل.
_________________
(١) في ج: قيمة.
[ ١١ / ٤٩٣ ]
(ولا ضمان برجوع شهود كفالة بنفس، أو براءة منها) أي: من الكفالة بنفس، (أو أنها زوجته) يعني: أو رجع شهود بزوجية (^١)، (أو) شهود على ولي قتيل: (أنه عفا عن دم عمد؛ لعدم تضمنه) أي: تضمن الرجوع (مالا).
قاله (^٢) في " الفروع ".
وفي " المبهج " قال القاضي: وهذا لا يصح؛ لأن الكفالة تتضمن المال بهرب المكفول والقود قد يجب به مال. انتهى.
(ومن شهد- بعد الحكم- بمناف للشهادة الأولى: فكرجوع) عن شهادته، (وأولى).
قال في " الفروع ": قاله شيخنا. وقال في شاهد (^٣) قاس بلدا وكتب خطه بالصحة فاستخرج الوكيل على حكمه، ثم قاس وكتب خطه بزيادة فغرم الوكيل الزيادة قال: يضمن الشاهد ما غرمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمد الكذب أو أخطأ؛ كالرجوع. انتهى.
(وإن حكم بشاهد ويمين، فرجع الشاهد: غرم المال كله).نص على ذلك أحمد (^٤) في رواية الجماعة (^٥)؛ وذلك لأن الشاهد حجة الدعوى. فكان الضمان عليه؛ كالشاهدين. يحققه: أن اليمين قول الخصم، وقول الخصم ليس بحجة على خصمه، وإنما هو شرط الحكم. فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالحكم.
وإن شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه، وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها، فعلى شهود النكاح الضمان دون شهود الدخول؛ لأنهم ألزموه المسمى. وأن شهد مع ذلك شاهدان بالطلاق لم يلزمهما شيء؛ لأنهما لم يفوتا عليه شيئا يدعيه، ولا أوجبا عليه شيئا لم يكن واجبا.
_________________
(١) في ب: بز وجة، وفي ج: بزوجته.
(٢) في ب: قال.
(٣) في ج: شاهد فاسق.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في ج: في روايته.
[ ١١ / ٤٩٤ ]
ولو شهد أربعة بأربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد عن مائة وآخر عن مائتين والثالث عن ثلاثمائة والرابع عن الأربعمائة، فعلى كل واحد مما رجع عنه بقسطه. فعلى الأول: خمسة وعشرون، وعلى الثانى: خمسون، وعلى الثالث: خمسة وسبعون، وعلى الرابع: مائة، لأن كل واحد منهم مقر بأنه فوت على المشهود عليه ربع ما رجع (^١) عنه.
(وإن بان- بعد حكم- كفر شاهديه) أي: الشاهدين اللذين وقع الحكم بشهادتهما، (أو) بان (فسقهما، أو) بأن (أنهما من عمودي نسب محكوم له، أو) بان أنهما (عدوا محكوم عليه: نقض) الحكم بلا خلاف إن بانا كافرين، وعلى الأصح إن بانا فاسقين، أو من عمودي نسب محكوم له، أو عدوا محكوم عليه، (ورجع بمال) قائم، (أو ببدله) أن كان تالفا على محكوم له.
(و) يرجع أيضا (ببدل قود مستوفى على محكوم له)؛لأن الحكم قد نقض فيرجع الحق إلى مستحقه.
(وإن كان الحكم لله تعالى) جل وعز (بإتلاف حسي)؛كالرجم في الزنا، (أوبما سرى إليه)؛كالجلد في شرب المسكر إذا سرى إلى النفس (ضمنه مزكون إن كانوا)؛لأن المحكوم به فد تعذر رده وشهود التزكية ألجؤا الحاكم إلى الفعل فلزمهم الضمان. ولا ضمان على الحاكم؛ لأنه أتى بما عليه من تزكية الشهود. ولا على شاهدي الأصل؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان في شهادتهما، وإنما الشرع منع قبول شهادتها. بخلاف الراجعين في شهادتهما؛ لاعترافهما بكذبهما.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مزكون، (أو كانوا) أي: كإن المزكون (فسقة: فحاكم) أي: فيكون الضمان على الحاكم، لأن التلف حصل بفعله وهو حكمه. فلزمه الضمان؛ لتفريطه بتركه التزكية.
_________________
(١) في ج: شهد.
[ ١١ / ٤٩٥ ]
(وإذا علم حاكم بشاهد زور: بإقراره) على نفسه أنه شهد بالزور، (أو) بـ (تبين كذبه يقينا)؛ وذلك بأن يشهد بما يقطع يكذبه [بأن يشهد بقتل رجل وهو حي، أو أن هذه البهيمة ملك هذا منذ ثلاثة أعوام وسنها دون ذلك، أو يشهد على رجل أنه فعل كذا في وقت كذا وقد علم موته قبل ذلك، وأشباه ذلك مما يعلم به كذبه ويعلم تعمده لذلك] (^١) (عزره).وفي الأصح: (ولو تاب)؛كما لو تاب من وجب عليه حد فإنه لا يسقط بتوبته.
ثم أعلم أن شهادة الزور من أكبر الكبائر، وقد نهى الله ﷾ عنها في كتابه الكريم مع نهيه عن عبادة الأوثان. فقال ﷾: [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ] [الحج: ٣٠].
وروى أبو بكرة (^٢) أن النبي ﷺ قال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى
يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس. فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " (^٣) .متفق عليه.
وروى أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
" شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار " (^٤) .
وبتعزيره يقول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والأوزاعى وابن أبي ليلى ومالك والشافعي؛ لأنه قول محرم يحصل به. الضرر للناس. فأوجب العقوبة على قائله؛ كالسب والقذف.
ولا يتقدر تعذيره، بل يكون (بما يراه) حاكم إن رأى ذلك؛ بالجلد فعله،
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: أبو بكر.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٥١١) ٢: ٩٣٩ كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور. وأخرجه مسلم في "صحيحه " (٨٧) ١: ٩١ كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"١٠: ١٢٢ كتاب آداب القاضي، باب وعظ القاضى الشهود وتخويفهم وتعريفهم عند الريبة.
[ ١١ / ٤٩٦ ]
وإن رآه بحبسه أو كشف رأسه وتوبيخه فعل، (ما لم يخالف) في ذلك (نصا أو معناه)، أويخالف معنى النص.
(وطيف به) أي: بشاهد الزور (في المواضع التي يشتهر فيها)؛فيوقف في سوقه إن كان من أهل السوق، أوفي قبيلته إن كان من أهل القبائل، أو في مسجده أن كان من أهل المساجد، وينادى عليه (فيقال: إنا وجدناه شاهد زور، فاجتنبوه).يعني: لقول الموكل به: إد الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول: هذا شاهد الزور فاعرفوه.
(ولا يعزر) شاهد (بتعارض البينة)، فإن التعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها، (ولا بغلطه في شهادته)؛ لأن الغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده، (أو رجوعه) يعني: ولا يعزر شاهد برجوعه عن شهادته. ذكره فى " المغني"؛ لاحتمال أن رجوعه لما تبين له من خطئه.
ولا يعزر أيضا لظهور فسقه؛ لأن الفسق لا يمنع الصدق.
(ومتى ادعى شهود قود خطأ عزروا). قاله في "الترغيب" واقتصر عليه في
"الفروع ".
* * *
[ ١١ / ٤٩٧ ]
] فصل: في ألفاظ الشهادة]
(فصل. ولا تُقبل الشهادة إلابـ) لفظ: (أشهدُ، أو) بلفظ: (شَهِدتُ) لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة. فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق (^١) منها.
ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات بدليل أنها تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها (^٢) .
إذا علمت ذلك: (فلا يكفي) قوله: (أنا شاهد)؛ لأن ذلك إخبار عما هو متصف به؛ كما لو قال: أنا متحمل شهادة على زيد بكذا. بخلاف قوله: أشهد، أو: شهدت بكذا فإن هذه جملة فعلية تدلُّ على حدوث فعل الشهادة بقوله: أشهد، أو شهدت.
(ولا) يكفي قوله: (أعلم، أو أُحِق) أو أعرف، أو أتحقق، أو أتيقن؛ لأنه لم يأت بالفعل المشتق من لفظ الشهادة.
(ولو قال) الشاهد: (أشهدُ بما وضعتُ به خطّي، أو مّن تقدَّمَه غيرُه) بشهادة: (أشهدُ بمثل ما شَهد به، أو: وبذلك) أشهد (أو كذلك أشهد صحَّ في الأخيرتين) وهما قوله: وبذلك أشهد، أو كذلك أشهد (فقط).
قال في " الإنصاف ": لو شهد شاهد عند حاكم، فقال آخر: أشهد بمثل ما شهد (^٣) به، أو بما وضعت به خطي، أو وبذلك أشهد، أو وكذلك أشهد، فقال في " الرعاية ": يحتمل أوجهًا: الصحة، وعدمها.
_________________
(١) في ب: المستحق.
(٢) في ب: في غيرها.
(٣) في " الإنصاف " ١٢: ١٠٩: شهدت.
[ ١١ / ٤٩٨ ]
والثالث: يصح في قوله: وبذلك أشهد، وكذلك أشهد.
قال: وهو أشهر وأظهر. انتهى.
وقال في " النكت ": والقول بالصحة في الجميع أولى.
واقتصر في " الفروع " على حكاية ما في " الرعاية ".
والله ﷾ أعلم.
***
[ ١١ / ٤٩٩ ]
] باب: اليمين في الدعاوَى]
هذا (باب اليمين في الدعاوى) أي: ذكر ما يجب فيه اليمين، وذكر صفتها ولفظها.
(وهي: تَقطع الخصومة حالًا) أي: في الحال، (ولا تُسقِط حقًا).
فتسمع البينة بعد اليمين ولو رجع الحالف إلى الحق وأدى (^١) ما عليه قبل منه وحل للمدعي أخذه.
(ويُستحلَفُ منكر) توجهت عليه يمينٌ في دعوى صحيحة (في كل حق آدمي) إلا ما يستثنى على الأصح لقوله ﷺ: " لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى قومٌ دماءَ رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه " (^٢) . فجعل اليمين على المدعى عليه بعد ذكر الدماء.
ومحل ذلك: إذا كانت (^٣) بقتل خطأ أو شبه عمد بدليل ما أشير إلى استثنائه بقوله: (غير نكاح ورجعة، وطلاق وإيلاءٍ) إلا إذا أنكر المولي مضي الأربعة أشهر فإنه يستحلف، (وأصل رقٍ؛ كدعوى رق لقيط) فإنه لا يستحلفه إذا أنكر، (و) غير (ولاءٍ، واستيلادٍ ونسبٍ، وقذفٍ وقصاصٍ في غير قَسامة) يعني: فلا يمين في واحد من هذه العشرة.
(ويُقضى في مال، وما يُقصد به مالٌ بنُكول). وكل ناكلٍ قلنا لا يُقضى عليه بالنكول ولم تقم عليه بينه فإنه يخلى سبيله في الأصح.
_________________
(١) في ج: وادعى.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٢٧٧) ٤: ١٦٥٦ باب (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لاخلاق لهم). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧١١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه.
(٣) في ج: كان.
[ ١١ / ٥٠٠ ]
وقيل: يحبس حتى يقر أو يحلف.
قال في " الإنصاف " قلت: هذا المذهب في اللعان. انتهى.
(ولا يُستحلَف) منكر (في حقٍ لله تعالى؛ كحدٍ، وعبادةٍ، وصدقةٍ، وكفارةٍ، ونذرٍ).
أما الحدود فلا خلاف في أنها لا تشرع فيها يمين لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قبل منه وخلي سبيله من غير يمين. فلئلا يستحلف مع عدم الإقرار أولى. ولأنه يستحب ستره، والتعريض للمقر بالحد ليرجع عن إقراره، وللشهود ترك الشهادة بالحد والستر عليه.
وقد قال النبي ﷺ لهَزّال في قصة ماعز: " يا هَزّال لِلَّهِ لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك " (^١) . فلا تشرع في الحدود يمينٌ بحال.
وأما ما عدا ذلك من حقوق الله ﷾ من دعوى دفع الزكاة، والكفارة، والنذر فالقول في ذلك قول المخرِج بغير يمين؛ لأن ذلك حق لله ﷾. فأشبه الحد.
ولأن ذلك عبادة. فلا يستحلف عليها؛ كالصلاة.
(ولا) يستحلف (شاهد) أنكر تحمّل الشهادة، (و) لا (حاكم) أنكر الحكم، (ولا وصيٌ على نفي دين موصٍ (^٢) .
ولا) يستحلف (مدَّعِّى عليه بقول مدَّعٍ ليحلف: أنه ما حلَّفني، أني ما أُحلّفه.
ولا) يستحلف (مدَّعٍ طلب يمين خصمه، فقال: ليحلف أنه ما أحْلَفني)؛ لأن ذلك كله لا يقضى فيه بنكول. فلا تحصل فائدة بإيجاب اليمين.
(وإن ادَّعى وصيٌ وصيةً للفقراء فأنكر الورثة) وصية مورثهم للفقراء:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٣٧٧) ٤: ١٣٤ كتاب الحدود؛ باب في الستر على أهل الحدود.
(٢) في ج: دين على موصيه.
[ ١١ / ٥٠١ ]
(حُلّفوا) على نفي ذلك، (فإن نكلوا) عن اليمين: (قُضي عليهم) بما ادعاه الوصي في الأصح؛ لأن ذلك دعوى بمال.
(ومن حلف على فعل غيره) مثل: أن] يدعي أن [(^١) زيدًا غصب (^٢) ثوبًا أو غير ثوب، أو أنه استعار منه شيئًا أو اشتراه منه، أو استأجره منه فينكر ويقيم المدعي شاهدًا بذلك ويريد أن يحلف (^٣) مع شاهده: حلف على البت وهو القطع.
(أو دعوى عليه) أي: على غيره (في إثبات)؛ كما لو ادعى على غيره أنه يستحق في ذمته دينارًا فأنكر فأقام المدعي شاهدًا بدعواه: حلف معه على البت. (أو) على (فعل نفسه)؛ كما لو ادعى عليه إنسان أنه غصبه شيئا فأنكر ولم
يكن للمدعي بينة وأراد يمينه حلف على البت؛ لأن فعل نفسه تمكنه الإحاطة به. فوجب أن يحلف عليه على البت.
(أو) على (دعوى عليه)؛ كما لو ادعى عليه إنسان أنه يستحق فى ذمته دينارًا فأنكر ولم يكن للمدعي بينة وأراد يمينه: (حلف على البَتّ)] على الأصح؛ لما روى ابن عباس " أن النبى ﷺ قال لرجلٍ حلّفه قل: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء " (^٤) . رواه أبو داود.
ومن ذلك: لو ادعى عليه إنسان عينًا في يده فأنكر وأراد تحليفه فيقول:
والله الذي لا إله إلا هو هذه العين ملكي، ولا يكفي قوله: والله لا أعلم إلا (^٥) أنها ملكي] (^٦) .
(ومن حلف على نفي فعلِ غيره) فإنه يحلف على نفى العلم، (أو) من
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: غصبه.
(٣) في ب: يحلفه.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٢٠) ٣: ٣١١ كتاب الأقضية، باب كيف اليمين.
(٥) ساقط من ب.
(٦) ساقط من أ.
[ ١١ / ٥٠٢ ]
حلف على (نفي (^١) دعوى عليه) أي: على غيره: (ف) إنه يحل (على نفي العلم)؛ " لأن النبي صص قال للحضرمي: ألك بينة؛ قال: لا. ولكن أحلفه، والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه فتهيأ الكندي لليمين " (^٢) . رواه أبو داود. ولم ينكر ذلك النبي ﷺ.
ولأنه لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره. بخلاف فعل نفسه. فوجب أن لا يكلف اليمين فيه على البت؛ لئلا يكون حملا له على اليمين على ما لا يعلمه (^٣) . (ورقيقه كأجنبي في حلفه على نفي علمه). فمن ادعى على إنسان أن عبده جنى عليه فأنكر وأراد تحليفه، حلف أنه لا يعلم أن عبده جنى على المدعي. (وأما بهيمته) اي: جناية بهيمة المدعى عليه، (فما ينسب) المدعى عليه (إلى تقصير وتفريط) فيه: (فـ) إنه يحلف (على البت).
ومن أمثلة ذلك: لو ادعى إنسان على آخر بأن بهيمة المدعى عليه أفسدت زرعه ليلا بترك ربها إياها من غير ربط ولا حبس فأنكر ذلك وأراد المدعي تحليفه، فإنه يحلف على البت.
(وإلا) أي: وإن لم ينسب المدعى عليه جناية بهيمته إلى تقصير وتفريط: (فـ) إنه يحلف (على نفي العلم).
ومن أمثله ذلك: لو ادعى إنسان على راكب بهيمة أو سائقها أنها أتلفت شيئا بوطئها بيدها او رجلها فأنكر وأراد المدعي تحليفه، فإنه يحلف على نفي العلم. (ومن توجه عليه حلف لجماعة: حلف لكل واحد يمينا)؛ لأن لكل (^٤) واحد منهم حقا غير حق الآخر. فإذا طلب كل واحد منهم يمينا كان له ذلك؛ كسائر الحقوق إذا انفرد بها.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٢٢) ٣: ٣١٢ كتاب الأقضية، باب الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه.
(٣) في ب: يفعله.
(٤) في أ: كل.
[ ١١ / ٥٠٣ ]
وقد حكى الاصطخري: أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلا بحق لرجلين يمينا واحدة. . فخطأه أهل عصره.
(ما لم يرضوا) كلهم (بـ) يمين (واحدة) فيكتفى بها؛ لأن الحق لهم وقد رضوا بإسقاطه فسقط.
وقيل: لا يكفي حتى يحلف لكل واحد يمينا؛ لأن اليمين حجه في حق الواحد. فإذا رضوا بيمين واحدة صارت الحجة في حق كل واحد ناقصة، والحجة الناقصة لا تكمل- برضى الخصم؛ كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد.
والصحيح الأول؛ لأن الحق لهم فإذا رضوا به جاز. ولا يلزم من رضاهم بيمين واحدة أن يكون لكل واحد بعض اليمين؛ كما أن الحقوق إذا قامت بها بينة واحدة لجماعة لا يكون لكل واحد (^١) بعض البينة.
** *
_________________
(١) في ج: واحدة.
[ ١١ / ٥٠٤ ]
[فصل: تجزئ اليمين بالله وحده]
(فصل. وتجزى) اليمين (بالله تعالى وحده) سبحانه. فلو قال الحاكم في يمين وجبت على إنسان قل: والله ما له عندك شيء. كفى.
وقال مالك: لا يكفي حتى يقول: والله الذي لا إله إلا هو.
قال ابن المنذر: وهذا أحب إلي، لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روى " أن رسول الله ﷺ استحلف رجلا. فقال له قل: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء " (^١) . رواه أبو داود.
ولنا: قول الله ﷾: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) [الما ئدة: ١٠٦].
وقال ﷾ أيضا: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) [الما ئدة: ١٠٧].
وقال ﷾ أيضا: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [النحل: ٣٨].
قال بعض المفسرين: من أقسم بالله فقد أقسم بالله جهد اليمين.
و" استحلف النبي ﷺ ركانة بن عبد يزيد في الطلاق. فقال: والله لِلَّهِ ما أردت إلا واحدة " (^٢) .
وقال عثمان لابن عمر رضي الله تعالى عنهم: " تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه " (^٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٥٠٢) رقم (٤).
(٢) أخرجه الترمذى فى " جامعه " (١١٧٧) ٣: ١٧ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٢٠٥١) ١: ٦٦١ كتاب الطلاق، باب طلاق البتة.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٥: ٣٢٨ كتاب البيوع، باب بيع البراءه.
[ ١١ / ٥٠٥ ]
ولأن في الله ﷾ كفاية. فوجب أن يكتفى (^١) باسمه في اليمين. (ولحاكم تغليظها فيما فيه خطر) وهو المثل في الغلو كالخطير: وذلك؛ (كجناية لا توجب قودا، وعتق، ونصاب زكاة). ومن التغليظ تغليظها (بلفظ: كوالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الطالب، الغالب، الضار، النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) فالطالب: اسم فاعل من طلب الشيء إذا قصده.
والغالب: اسم فاعل من غلبه بمعنى قهره.
والضار النافع: من أسماء الله الحسنى أي: قادر على ضر من شاء ونفع من شاء. وخائنة الأعين: يفسر بأنه يضمر في نفسه شيئا ويكف لسانه عنه ويومئ بعينه. فإذا ظهر ذلك سميت خائنة الأعين.
وقال الشافعي: رأيتهم يؤكدون اليمين بالمصحف. ورأيت ابن مازن قاضي صنعاء يغلظ اليمين به.
قال ابن المنذر: لا نترك سنة النبي ﷺ لفعل ابن مازن ولا غيره.
(ويقول يهودي) مع التغليظ باللفظ: (والله لِلَّهِ الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، وأنجاه من فرعون وملائه.
ويقول نصرانى) مع التغليظ باللفظ: (والله لِلَّهِ الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعله يحصي الموتى، ويبرى الأكمه والأبرص.
ويقول مجوسي ووثني) مع التغليظ باللفظ: (والله لِلَّهِ الذي خلقني وصورنى ورزقني)؛ لأنه يعظم خالقه ورازقه. أشبه كلمة التوحيد عند المسلم. (ويحلف صابئي) وهو: الذي يعظم النجوم (ومن يعبد غير الله تعالى: بالله تعالى).
(و) لحاكم تغليظ اليمين أيضا (بزمن؛ كبعد العصر)؛ لقوله ﷾: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) [المائدة: ١٠٦].
_________________
(١) في أ: يكفى.
[ ١١ / ٥٠٦ ]
قال بعض المفسرين: المراد صلاة العصر.
(أو بين أذان وإقامة)؛ لأن ذلك وقت ترجى فيه إجابة الدعاء. فترجى به معاجلة الكاذب بالعقوبة.
(و) لحاكم تغليظ اليمين أيضا (^١) (بمكان؛ فـ) يحلف (بمكة: بين الركن والمقام)؛ لأنه مكان شريف زائد على غيره في الفضيله.
(و) يحلف (بالقدس: عند الصخرة)؛ لأنها زائدة على غيرها في الفضيلة. وقد ورد في " سنن ابن ماجه " أن النبي ﷺ قال: " هي من الجنة" (^٢) .
(و) يحلف (ببقية البلاد: عند المنبر) قياسا على الخبر الوارد في منبر النبي ﷺ رواه مالك والشافعي وأحمد من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: " من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار " (^٣) .
وفي " الواضح ": هل يرقى متلاعنان المنبر؛ الجواز وعدمه.
(ويحلف ذمي: بموضع يعظمه)؛ لأن اليمين تغلظ في حق أهل الذمة بالزمان فكذا (^٤) بالمكان (^٥) .
قال الشعبي لنصرانى: اذهب إلى البيعة.
وقال كعب بن سوار (^٦) في نصرانى: اذهبوا به إلى المذبح.
(زاد بعضهم: وبهيئة؛ كتحليفه قائما مستقبل القبلة).
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٣٤٥٦) ٢: ١١٤٣ كتاب الطب، باب الكمأة والعجوة.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٤٧٠٤) ٣: ٣٤٤. وأخرجه مالك في موطئه (١٠) ٢: ٥٥٨ كتاب الأقضية، باب ما جاء في الحنث على منبر النبي ﷺ. وأخرجه الشافعي في " مسنده " (٢٤١) ٢: ٧٣ كتاب الأيمان والنذور. باب فيما يتعلق باليمين.
(٤) في ب: فكذلك.
(٥) ساقط من أ.
(٦) في أوب: سور.
[ ١١ / ٥٠٧ ]
قال ابن نصر الله في " حواشيه على المحرر": ومن التغليظ التغليظ بالهيئة؛ ككون الحالف قائما؛ كالملاعن، وكونة مستقبل القبلة. انتهى. (ومن أبى تغليظا) بأن قال: ما أحلف إلا بالله فقط: (لم يكن ناكللا) عن اليمين.
قال في " الإنصاف ": لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ: لم يصر ناكلا. وحكى إجماعا، وقطع به الأصحاب.
قال في " النكت ": لأنه قد بذل الواجب عليه. فيجب الاكتفاء به، ويحرم التعرض له.
قال: وفيه نظر؛ لجواز أن يقال: يجب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه.
قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابه ادعى ما ادعى به. ولو لم يكن كذلك ما كان في التغليظ زجر قط. قال في " النكت ": وهذا الذي قاله صحيح. والردع والزجر علة التغليظ.
فلو لم يجب برأي الإمام لتمكن كل أحد من الامتناع منه؛ لعدم الضرر عليه في ذلك، وانتفت فائدته.
وقال الشيخ تقي الدين أيضا: متى قلنا هو مستحب فينبغي أنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلا. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(وإن رأى حاكم تركه) أي: ترك التغليظ، (فتركه: كان مصيبا) في ذلك؛ لموافقته مطلق النص.
ومن وجبت عليه يمين فحلف وقال: إن شاء الله أعيدت عليه اليمين؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين. وكذلك إن وصل يمينه بشرط أو كلام غير مفهوم.
والله ﷾ أعلم.
[ ١١ / ٥٠٨ ]