هذا (كتاب القضاء والفُتْيا. وهي) أي: والفتيا: (تبيين الحكم الشرعي)
لمن يسأل عنه. وينبغي للمستفتي: أن يحفظ الأدب مع المفتي ويجلّه ويعظمه، ولا يفعل ما جرت عادة العوام به؛ كإيماء بيده في وجهه، ولا يقول له: ما مذهب إمامك في كذا، أو ما تحفظ في كذا، أو أفتانى غيرك بكذا، [أو أفتانى فلان بكذا] (^١)، أو كذا قلت أنا، أو إن كان جوابك موافقًا فاكتب وإلا فلا تكتب. لكن إن علم المفتى غرض السائل في شيء لم يجز أن يكتب بغيره. ولا يسأله عن ضجرٍ أو همٍ أو قيامٍ ونحوه ولا يطالبه بالحجة.
(ولا يلزم) المفتي (جوابُ ما لم يقع، ولا ما لا يحتمله سائل، ولا ما لانفع فيه).
وقد سئل الإمام أحمد عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقال للسائل: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟.
وسئل عن مسألة في اللعان. فقال: سل رحمك الله عما ابتليت به.
وسأل مهنا عن مسألةٍ فغضب. وقال: خذ ويحك فيما تنتفع به، وإياك وهذه المسائل المحدثة، وخذ فيما (^٢) فيه حديث.
وسئل عن مسألةٍ. فقال: ليت أنّا نحسن ما جاء فيه الأثر.
ولأحمد عن ابن عمر: " لاتسألوا عما لم يكن، فإن عمر نهى [عن ذلك] (^٣) ".
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: بما.
(٣) زيادة من ج.
[ ١١ / ١٧٩ ]
ولأحمد أيضًا عن ابن عباس أنه قال عن الصحابة: " ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ".
واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله سبحانه
وتعالى: (لا تسئلوا عن أشياء ٠٠٠) الآية [المائده: ١٠١].
و" كان ﷺ ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (^١) .
وفى لفظ: " إن الله كره لكم ذلك " (^٢) . متفق عليهما.
وقال ابن عباس لعكرمة: " من سألك عما لا يعنيه فلا تُفته ".
وسأل المروذي أحمد عن شيء من أمر العدل. فقال: لا تسأل عن هذا فإنك (^٣) لا تدركه.
وذكر ابن عقيل: أنه يحرم إلقاء علم لا يحتمله السامع؛ لاحتمال أن يفتنه.
وقال البخاري: قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون. أتريدون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله " (^٤) .
وفي " مقدمة مسلم " عن ابن مسمعود: " ما أنت بمُحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " (^٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٨٦٢) ٦: ٢٦٥٩ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (٥٩٣) ٣: ١٣٤١ كتاب الاقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجه والنهي عن منع وهات.
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (١٤٠٧) ٢: ٥٣٧ كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (لا تسألوا الناس إلحافًا). وأخرجه مسلم في الموضوع السابق.
(٣) في أ: فإنه.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٧) ١: ٥٩ كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا.
(٥) أخرجه مسلم في " صحيحه" ١: ١١ المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
[ ١١ / ١٨٠ ]
(ومن عَدِمَ مُفتيًا في بلده وغيرِه، فحكمه: حكمُ ما قبلَ الشرع) من إباحة
أو حظر أو وقف.
قال في " آداب المفتي ": فإن لم يجد العامي من يسأله عنها في بلده ولا غيره، فقيل: له حكم ما قبل الشرع على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف. وهو أقيس. انتهى.
وقطع به ابن مفلح في " أصوله ".
(ويحرُم تساهلُ مفتٍ) فيصا يفتي به.
(و) يحرم أيضًا (تقليد معروفٍ به) أي: بالتساهل؛ لأن أمر الفتيا خطر. فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، ويشددون فيها، ويتدافعونها حتى ترجع إلى الأول؛ لا فيها من المخاطرة.
وقد أنكر الإمام أحمد وغيره من المعلماء الأعيان على من يهجم على الجواب. وقال: لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتى فيه. وقال: إذا هاب الرجل شيئًا لا ينبغي أن يُحمل على أن يقوله (^١) .
(ويقلَّدُ العدل ولو) كان (ميتًا)؛ لأن قوله باقٍ فى الإجماع. وهذا قول جمهور العلماء. وفي هذا يقول الإمام الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها. انتهى.
وكالحاكم والشاهد لا يبطل حكمه بموته ولا شهادته بموته. وهذا الأصح
من الأقوال.
وقيل: ليس له تقليد مجتهد ميت إن وجد مجتهدًا حيًا، وإلا جاز.
(ويُفتي مجتهدٌ فاسقٌ نفسَه) فقط في الأصح؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول.
وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": قلت: الصواب جواز استفتاء
_________________
(١) في أوب: يقول.
[ ١١ / ١٨١ ]
الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته. انتهى.
(ويقلّدُ) يعني: يجوز (^١) أن يقلّد (عامّي من ظنَّه عالمًا) ولو عبدًا أو أنثى، أو أخرس بإشارة مفهومة أو كتابة، (لا إن جهل عدالته)، وكذا من رآه منتصبًا للإفتاء والتدريس معظَّمًا؛ لأنه إذا كان كذلك، كان ذلك دليلًا على علمه؛ لأن المقصود من الاستفتاء سؤال العالم العدل. ولا يجوز الاستفتاء في ضد ذلك عند العلماء. وذكره الآمدي اتفاقًا.
(ولمفتٍ ردُّ الفتيا إن كان بالبلد عالم قائم مقامه) في الأصح؛ لأن الافتاء
في حقه مع كون في البلد من يقوم مقامه سنة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد عالم يقوم مقامه: (لم يجز) له رد الفتيا؛ لأن الفتيا تتعين عليه مع عدم غيره؛ (كـ) عدم جواز (قول حاكم لمن ارتَفَع إليه) ليقضي بينه وبين خصمه: (امضِ إلى غيري) ولو كان في البلد من يقوم مقامه؛ لما يلزم على جواز تدافع الحكام الحكومات من ضياع الحقوق. (ويحرُم) على المفتي (إطلاق الفُتيا في اسم مشتَرَك).
قال ابن عقيل: إجماعًا.
(فمن سُئل: أيُؤكل في رمضان بعد الفجر؟ لا بدَّ أن يقول): الفجر
(الأول، أو) الفجر (الثانى).
قال ابن عقيل: ومن هنا إرسال أبي حنيفة من سأل أبا يوسف: عمن دفع
ثوبًا إلى قصار فقصره وجحده هل له أجره إن عاد سلمه لربه؟ وقال: إن قال: نعم أو لا فقد أخطأ. فجاء إليه فقال: إن كان قصره قبل جحوده فله الأجرة؛ وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه.
واختبر أبو الطيب الطبري أصحابًا له في بيع رطل تمر برطل تمر، فأجازوا فخطّأهم فمنعوا فخطأهم. فخجلوا. فقال: إن تساويا مكيلًا يجوز.
_________________
(١) في ج: ويجوز.
[ ١١ / ١٨٢ ]
فهذا يوضح خطأ المطلق في كل ما احتمل التفصيل.
قال ابن مفلح عن قول ابن عقيل: كذا قال. ويتوجه عمل بعض أصحابنا بظاهر. انتهى كلام ابن مفلح.
(وله) أي: وللمفتي (تخيير من استفتاه بين قوله وقول مخالفه. و) ذلك
لأن المستفتي يجوز له أنه (يتخيَّر وإن لم يُخيّره) المفتي على الأصح. اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكره ظاهر كلام أحمد فإنه سئل عن مسألة في الطلاق فقال (^١): إن فعل حنث. فقال السائل: إن أفتانى إنسان لا أحنث. قال: تعرف حلقة المدنيين (^٢)؟ قلت: فإن أفتونى حل؟ قال: نعم.
(لا لمن انتسب لمذهب (^٣) إمام أن يتخيَّر في مسألةٍ ذاتِ قولين) لإمامه، فيفتي أو يحكم بحسب ما يختار من القولين، بل عليه أن ينظر أيهما أقرب من الأدلة أو من قواعد مذهبه فيعمل به.
(ومن لم يجد إلا مفتيًا) واحدًا: (لزمه أخذه بقوله).
قال ابن مفلح: فإن لم يجد مفتيًا آخر لزمه؛ كما لو حكم عليه به حاكم، وقطع به ولم يحك فيه خلافًا.
قال ابن الصلاح: والذي تقتضيه القواعد أنه إن لم يجد سواه تعين عليه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه ولا سكون نفسه إلى صحته.
(وكذا ملتزمٌ قولَ مفتٍ وثَمَّ غيرُه).
قال في " شرح التحرير": لو أفتى المقلد مفتٍ واحد وعمل به المقلد لزمه قطعًا، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعًا. نقله ابن الحاجب والهندي وغيرهما. وإن لم يعمل به فالصحيح من المذهب: أنه يلزمه بالتزامه.
_________________
(١) في ج: فقال أحمد.
(٢) في ب: المدينين.
(٣) في ج: استنبط مذهب.
[ ١١ / ١٨٣ ]
قال ابن مفلح في " أصوله ": هذا الأشهر. انتهى.
(ويجوز تقليد مفضول من المجتهدين) مع وجود أفضل منه على الأصح؛
لأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا على جواز استفتائه، مع القدرة على استفتاء الفاضل.
قال الله ﷾: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣].
وقال ﷺ: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (^١) .
وفيهم الأفضل من غيره.
وأيضًا العامي لا يمكنه الترجيح؛ لقصوره عنه، ولو كلف بذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد.
فائدة: لا يجوز التقليد في معرفة الله ﷾ والتوحيد والرسالة. ذكره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وذكره عن عامة العلماء. وذكر غيره أنه قول جمهور العلماء، واستدل بذلك بأمر الله ﷾ بالتدبر والتفكر والنظر.
وفي " صحيح ابن حبان ": " لما نزل في آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ) [آل عمران: ١٩٠]
قال: ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن، ويل له ويل له " (^٢) .
والإجماع على وجوب معرفة الله ﷾، ولا تحصل بتقليدٍ؛ لجواز كذب المخبر، واستحالة حصوله؛ كمن قلد في حدوث العالم، وكمن قلد في قدمه.
_________________
(١) أخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال (١٥١١) ١: ٤١٢ وفي (٢٢٩٩) ١: ٦٠٦.
(٢) قال الزبيدي: أخرجه عبد حميد وابن المنذر وابن مردوبه وابن أبي الدنيا في التفكر وابن حبان في "صحيحه" وابن عساكر، كلهم من طريق عطاء [عن عائشة]. ر "إتحاف السادة المتقين" ٩: ٤٧.
[ ١١ / ١٨٤ ]
ولأن التقليد لو أفاد (^١) علمًا فإما بالضرورة وهو باطل، وأما بالنظر فيستلزم الدليل، والأصل عدمه، والعلم يحصل بالنظر واحتمال الخطأ؛ لعدم تمام مراعاة القانون الصحيح.
ولأن الله سيحانه وتعالى ذم التقليد بقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف: ٢٢] وهي فيما يُطلب للعلم فلا يلزم الفروع.
(و) أما (القضاء) فهو في الأصل أحكام الشيء والفراغ منه؛ كقوله ﷾: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]. ويكون بمعنى إمضاء
الحكم، ومنه قوله ﷾: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ) [الإسراء: ٤] أي: أمضينا وأنهينا. وسمي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها. ويكون بمعنى أوجب فيجوز أن يكون سمي يه؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه.
والقضاء اصطلاحًا: (تبيينُه) أي: تبيين الحكم الشرعي، (والإلزام به، وفصل الحكومات).
والأصل فيه قوله سبحانه ولعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى) [ص: ٢٦].
وقوله ﷾: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء: ٦٥].
وقوله ﷺ " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر " (^٢) . متفق عليه من حديث عمرو بن العا ص.
_________________
(١) في ب: أفاده.
(٢) أخرجه البخاري في: صحيحه" (٦٩١٩) ٦: ٢٦٧٦ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. وأخرحه مسلم في "صحيحه" (١٧١٦) ٣: ١٣٤٢ كتاب الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ.
[ ١١ / ١٨٥ ]
وأجمع المسلمون على نصب القضاة؛ [للفصل بين الناس] (^١) .
(وهو: فرض كفاية) على الأصح؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
فكان واجبًا؛ (كالإمامة) والجهاد.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟.
وقال الشيخ تقي الدين: قد أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماعٍ
القليل العارض في السفر وهو تنبيه على أنواع الاجتماع، والواجب اتخاذها دينا وقربه، فإنها من أفضل القربات. وإنما فسد حال بعضهم؛ لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجزعنه.
وعنه: هو سنة.
وعنه: لا يسن دخوله فيه.
نقل عبد الله: لا يعجبني هو أسلم.
وذلك الخلاف لأن فيه فضلًا عظيمًا لمن قوي عليه وأراد الحق فيه، وفيه
خطر عظيم لمن لم يُرد الحق فيه.
(فعلى) المذهب: يجب على (الإمام أن ينصب بكل إقليم) هو بكسر
الهمزة أحد الأقاليم السبعة (قاضيًا)؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يتولى الخصومات والنظر فيها في جميع البلدان، والخصومات بين الناس تكثر. فوجب أن يرتب في كل إقليم من يتولى فصل الخصومات؛ لئلا يتوقف ذلك على السفر إلى الإمام. فتضيع الحقوق في السفر إلى الإمام من المشقة، وكلفة النفقة.
ولأن الإمام هو القائم بأمر الرعية المتكلم بمصلحتهم المسؤول عنهم فيبعث
القضاة إلى الأمصار؛ كفعل النبي ﷺ وأصحابه، وللحاجة إلى ذلك؛ " لأن النبي ﷺ بعث عليًا إلى اليمن قاضيًا " (^٢) .
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٥٨٢) ٣: ٣٠١ كتاب الأقضية، باب كيف القضاء.
[ ١١ / ١٨٦ ]
وبعث معاذًا قاضيًا أيضًا وقال له: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد الله الذي وفّق رسول الله ﷺ لما يرضي رسولَ الله ﷺ " (^١) .
وعن عقبة بن عامر قال: " جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله ﷺ فقال لي: اقض بينهما. قلت: أنت أولى بذلك. قال: وإن كان. قال: على ما أقضي؟ قال: اقض فإن أصبت فلك عشر أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد " (^٢) . رواه سعيد في " سننه ".
و" ولّى عمر شريحًا قضاء الكوفة، وولّى كعبَ بن سور قضاء البصرة " (^٣) .
و" كتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاة في الشام ".
ولأن أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضى ولا يمكنهم المصير في كل قضية
إلى بلد الإمام. فوجب إغناوهم عن ذلك.
(و) على الإمام أيضًا أن (يختار لذلك) أي: لنصب القضاء (أفضلَ من يجد علمًا وورعًا) أي: في العلم والورع؛ لأن الإمام ناظر للمسلمين فيجب عليه اختيار الأصلح لهم، فيختار أفضلهم علمًا؛ لأنه إنما يمكنه القضاء بين المترافعين مع العلم؛ لأن القضاء بالشيء فرع عن العلم به، والأفضل أولى من المفضول؛ لأنه أثبت وأمكن، وكذا كل ما كان ورعه أكثر كان سكون النفس فيما يحكم به أعظم، وكان من ترك التحري والميل في جانب أبعد.
(ويأمره) عند ولايته (بالتقوى)؛ لأن التقوى رأس الدين.
(و) يأمره أيضًا بـ (تحرّي العدل)، والعدل: إعطاء الحق لمستحقه من
غير ميل. وهذا هو المقصرد من القضاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد في"مسنده" (٢١٧٥٩) ٥: ٢٣٠.
(٢) أخرجه أحمد في"مسنده" (١٧٨٥٩) ٤: ٢٠٥.
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبري" ١٠: ٨٦ كتاب آداب القاضي.
[ ١١ / ١٨٧ ]
(و) يأمره (أن يستخلف في كل صُقْعٍ) أي: في كل ناحية من نواحي عمله (أفضلَ من يجد لهم)؛ لأن القاضي إذا كان في إقليم لم يمكنه أن يتولى الخصومات في جميع بلدانه. فلو وقف ذلك عليه يشق على الناس. فوجب أن يستخلف لهم في كل ناحية أفضل من يجد لذلك كما ذكرنا في الإمام؛ لأنه إنما يفعل ذلك لمصلحتهم .. فيجب عليه النصح لهم. وإنما يتحقق نصحه باختيار الأصلح لهم.
(ويجب على من يصلُح) للقضاء- (إذا طُلب) له (ولم يوجد غيره ممن
يوثق به - أن يدخُل فيه) على الأصح؛ لأن القضاء فرض كفاية ولا يقدرعلى القيام به غيره. فيتعين عليه؛ كغسل الميت وتكفينه.
ولأن في ترك قبوله ضياع حقوق الناس وتلف أموالهم. فوجب عليه القبول؛ كمانقاذ الهلكى وإنجاء الغرقى. وقد روى عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا " (^١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي.
ومحل وجوب الدخول في القضاء عليه: (إن لم يُشغله عما هو أهمُّ منه)
أي: من القضاء؛ لما في الاشتغال بما هو أهم من القضاء من النفع مع الأمن من الغرر.
وعنه: لا يجب نصبه القضاء ولا الإجابه إليه؛ لما في ذلك من الخطر وقد
روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من حكمٍ يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله
_________________
(١) أخرجه مسلم في"صحيحه" (١٨٢٧) ٣: ١٤٥٨ كتاب الإمارة، باب فضيلة الحاكم العادل. وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية. وأخرجه النسائي في "سننه" (٥٣٧٩) ٨: ٢٢١ كتاب آداب القضاة، فضل الحاكم العادل في حكمه. وأخرجه أحمد في"مسنده" (٦٤٩٢) ٢: ١٦٠.
[ ١١ / ١٨٨ ]
عزوجل. فإن قال: ألقه ألقاه في مهوًى فهوى اربعين خريفًا " (^١) .رواه أحمد وابن ماجه.
(و) من طلب ليولى القضاء (مع وجود) صالح للقضاء (غير)،
فـ (الأفضل) في حقه: (أن لايُجيب) في الأصح؛ لما في الأجابة من الخطر والغرر، ولما في ترك الإجابة من السلامة، ولما ورد في القضاء من التشديد والذم. ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي.
(وكره له طلبه إذًا) أي: مع وجود صالح للقضاء غيره؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ: " من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل ملك يسدده " (^٢) . رواه الخمسة إلا النسائي.
وفى رواية أخرى: " من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعًا وكل إلى نفسه، ومن
أكره عليه أنزل عليه ملكًا ليها يسدده " (^٣) . قال الترمزي: هذا حديث حسن عريب. قال في " الفروع ": وظاهر تخصيصهم الكراهة بالطلب؛ لأنه لا يكره توليه الحريص ولا ينفي أن غيره أولى. ويتوجه وجه: يكره.
وفي " الصحيحين " عن أبي موسى مرفوعًا: " إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدً حريصًا عليه " (^٤) . انتهى.
_________________
(١) أخرحه ابن ماجه في"سننه" (٢٣١١) ٢: ٧٧٥ كتاب الأحكام، باب التغليظ في الحيف والرشوة. وأخرجه أحمد في"مسنده" (٤٠٩٧) ١: ٤٣٠.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٥٧٨) ٣: ٣٠٠ كتاب الأقضية، باب في طلب القضاء والتسرع إليه. وأخرجه الترمذي في "جامعه" (١٣٢٣) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٣٠٩) ٢: ٧٧٤ كتاب الأحكام، باب ذكر القضاة. وأخرجه أحمد في"مسنده" (١٣٣١١) ٣: ٢٢٠
(٣) أخرجه الترمذي في"جامعه" (١٣٢٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي.
(٤) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٧٣٠) ٦: ٢٦١٤ كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الأمارة. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (١٧٣٣) ٣: ١٤٥٦ كتاب الأمارة، باب النهي عن طلب الأمارة والحرص عليها.
[ ١١ / ١٨٩ ]
(ويحرُم بذل مالٍ فيه) أي: في القضاء.
(و) يحرم على من بُذل له مال في القضاء (أخذه.
و) يحرم أيضا (طلبه) أي: طلب القضاء (وفيه مباشِر أهل) للقضاء،
حتى ولو كان الطالب أهلًا للقضاء في هذه الصورة؛ لما في ذلك من التعرض لمن هو قائم بمنصب القضاء مع أهليته من غير موجب يقتضي عزله. كما يحرم الدخول في القضاء على من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه.
(وتصحُ تولية مفضول) مع وجود من هو أفضل منه؛ لأن المفضول من الصحابة
كان يولى مع وجود الفاضل مع الاشتهار والتكرار ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا. (و) يصح أيضًا تولية (حريص عليها) أي: على توليه القضاء [بلا كراهة
في الأصح؛ لأن الحرص (^١) على تولية القضاء] (^٢) ليس بقادج في صحة الولاية. ولافي أهليه المولى.
(و) يصح أيضًا (تعليق ولاية قضاء، و) تعليق ولاية (إمارة بشرطٍ).
فإذا قال الإمام: إن مات فلان القاضي فقد وليت فلانًا عوضه، أو إن مات أمير جيش كذا ففلان عوضه [فمات صحت ولاية فلان] (^٣)؛ لتعيين الموَلّى باسمه. بخلاف ما لو قال الإمام: من نظر في الحكم في البلد (^٤) الفلانى من فلان وفلان فقد وليته؛ لأنه لم يعين الولاية لأحد منهما.
(وشُرط لصحتها) أي: صحة الولاية) (^٥): (كونها من إمام أو نائبه فيه)
اي: في القضاء؛ لأن ولاية القضاء من المصالح العامة. فلم يجز إلا من جهة الإمام؛ كعقد الذمة.
ولأن الإمام صاحب الأمر والنهي وهو واجب الطاعة، مسموع الكلمة، مالك لجميع الولايات، حسًا وشرعًا.
_________________
(١) فى ج: الحريص.
(٢) ساقط من ب.
(٣) ساقط فى أ.
(٤) فى ج: بالبلد.
(٥) فى ج: التوليه.
[ ١١ / ١٩٠ ]
(وأن يَعرِف) الإمام أو نائبه في القضاء (أن المولَّى) بفتح اللام (صالح للقضاء)؛ لأن جهالة حاله في الصلاحية كالعلم بعدمها؛ لأن الأصل العدم. فلا تجوز توليته مع عدم العلم بذلك؛ كما لا تجوز توليته مع العلم بعدم صلاحيته. وحاصله: انه إن كان يَعرف صلاحيته ولّاه، وإلا سأل أهل المعرفة به.
(و) يشترط لصحة تولية القضاء أيضًا (تعيين ما يولّيه) الإمام أو نائبه في القضاء (الحكمَ فيه: من عمل) وهو ما يجمع بلدانًا أو قرى متفرقة؛ كالعراق ونواحيه، (وبلد)؛ كمكة والقاهرة؛ ليعلم محل ولايته فيحكم فيه ولا يحكم في غيره. وقد " ولى النبي ﷺ عليًا قضاء اليمن " (^١) .
و" ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وولى كعبَ بن سور قضاء البصرة " (^٢) .
و" بعب في كل مصرٍ قاضيًا وواليًا ".
(ومشافَهتُه بها) أي: بالولاية إن كان حاضرًا بالمجلس (أو مكاتبتُه) بالولاية إن كان غائبًا؛ لأن التولية تحصل بالمشافهة في الحضرة وبالمكاتبة في الغيبة كالتوكيل. وحينئذ يكتب له الإمام عهدًا بما ولاه " لأن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن " (^٣) .
و" كتب عمر إلى أهل الكوفة، اما بعد: فإنى قد بعثت إليكم عمّارًا أميرًا وعبدالله قاضيًا فاسمعوا لهما وأطيعوا ".
(وإشهاد عدلين عليها) أي: على توليته إن كان العمل أو البلد الذي ولي قضاءه بعيدًا لا يستفيض فيه أخبار ما يكون ببلد الإمام. وهو ما زاد على خمسة أيام. وذلك بًان يكتب العهد ويُقرأ على العدلين بحضرة المولى (^٤) وهو الإمام أو
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى "سننه" (٣٥٨٢) ٣: ٣٠١ كتاب الأقضيه، باب كيف القضاء.
(٢) أخرجه البيهقى فى "السنن الكبرى " ١٠ ١٠: ٨٧ كتاب آداب القاضى.
(٣) اخرجه النسائى فى "سننه" (٤٨٥٣) ٨: ٥٧ كتاب القسامه، باب ذكر حديث عمرو بن حزم فى العقول واخرجه مالك فى "موئئته " (١) ٢: ٦٤٧ كتاب العقول، باب ذكر العقول.
(٤) فى ج: الولى.
[ ١١ / ١٩١ ]
نائبه في ذلك. ويقول لهما: اشهدوا عليَّ أنى قد وليت قضاء العمل الفلانى أو قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما يشتمل عليه هذا العهد. ليمضيا إلى محل ولايته) (^١) فيقيما له الشهادة هناك.
(أو استفاضتُها) أي: استفاضة الولاية: (إذا كان بلد الإمام) من البلد الذي ولي فيه (خمسة أيام فما دون) على الأصح؛ لأن الاستفاضة آكد من الشهادة ولهذا يثبت بها النسب والموت والأملاك المطلقة فلا ضرورة إلى الشهادة مع الاستفاضة.
(لا عدالة المولّى بكسر اللام) على الأصح؛ لأن ولاية الإمام الكبرى تصح
من كل بر وفاجر. فلو اعتبرت في المولّي العداله أفضى إلى تعذر التولية بالكلية فيما إذا كان الإمام غير عدل.
(وألفاظها) أي: ألفاظ التولية (الصريحةُ سبعةٌ):
الأول: (ولّيتُك الحكم.
و) الثانى: (قلَّدتُك الحكم.
و) الثالث: (فوَّضتُ) إليك الحكم.
و) الرابع: (رددتُ) إليك الحكم.
و) الخامس: (جعلتُ إليك الحكم.
و) السادس: (استخلفتُك) في الحكم.
و) السابع: (استنبتُك في الحكم.
فإذا وُجد أحدُها) أي: أحد هذه الألفاظ السبعة، (وقَبِل مُؤَلَّى) بفتح اللام (حاضرٌ في المجلس) انعقدت الولاية؛ كالبيع والنكاج، (أو) قبِل التولية (غائب) عن المجلس (بعده، أو شرَع الغائب في العمل: انعقدت) أيضًا في الأصح.
_________________
(١) فى ج: ولا يتهما.
[ ١١ / ١٩٢ ]
(والكناية) من ألفاظ التولية (فحو: اعتمدت) عليك، (أو عوَّلت عليك، ووكلت) إليك، (أو أسنَدت إليك لا تنعقد) الولاية (بها) أي: بألفاظ الكناية، (إلا بقرينة نحو: فاحكم) ما وكلت إليك فيه، (أو فَتوَلَّ ما عوَّلتُ عليك فيه)، لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه وغير ذلك. فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرنية تنفي الاحتمال.
(وإن قال) الإمام أو من له أن يُولي بالنيابة عن الإمام: (من نظر في الحكم
في بلد كذا، من فلان وفلان، فقد ولَّيته: لم تنعقد) الولاية (لمن نظر؛ لجهالته)، لأنه لم يعين بالولاية أحدًا منهم، فهو كما لو قال: بعتك أحد هذين الثوبين.
(وإن قال: ولَّيتُ فلانًا وفلانًا، فمن نَظر منهم) في الحكم (فهو خليفتي: انعقدت) الولاية الهما) جميعًا بقوله: وليت فلانًا وفلانًا، (ويتعيَّن) منهما (من سبَق) بالنظر بقوله: فمن نظر منهما فهو خليفتي.
[ ١١ / ١٩٣ ]
[فصل: فيما تفيده ولايةُ حكمٍ عامة]
(فصل. وتُفيد ولاية حكمٍ عامَّة) وهي: التي لم تخص بحالة دون حالة (النظرَ في أشياء، والإلزامَ بها) وهي:
(فصلُ الحكومة، وأخذُ الحق) ممن يجب عليه، (ودفعه لربّه.
والنظرُ في مال يتيم، و) مال (مجنون، و) مال (سفيه، و) مال (غائب، والحجرُ لسفه وفَلَس.
والنظرُ في وقوفِ عملِه، لتجريَ على شرطها، و) النظر (في مصالح طرقِ عمله وأفْنِيَته.
وتنفيذُ الوصايا، وتزويج من لا وليَّ لها) من النساء.
(وتصفُحُ) حال (شهودِه وأُمَنائه، ليستبدل بمن ثبت جَرحُه.
وإقامة حدٍ، و) إقامة (إمامةِ جمعةٍ وعيدٍ: ما لم يُخَصَّا بإمام)؛ لأن العادة
من القضاة تولي ذلك. فعند إطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته للقاضي.
(وجِبايةُ خَراجٍ وزكاةٍ ما لم يُخَصَّا) أي: جباية الخراج والزكاة (بعامل.
لا الاحتساب على الباعةِ والمشترين، وإلزامَهم بالشرع)؛ لأن العادة لم تثبت بتولي القضاة لذلك.
(وله) أي: للقاضي (طلبُ رزقٍ من بيت المال لنفسه وأُمنائه وخلفائه). رخص في ذلك شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم.
وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقًا ".
و" رزق شريحًا في كل شهر مائة درهم " (^١) .
_________________
(١) قال فى ابن حجر: لم أره هكذا. وروى عبد الرازق فى "مصنفه" عن الحسن بن عماره عن الحكم، أن عمر رزق شريحًا وسلمان بن ربيعه الباهلى على القضاء. وهذا ضعيف منقطع، وفى البخارى تعليقا:=
[ ١١ / ١٩٤ ]
و" بعث إلى الكوفة عمارًا وابن مسعود وعئمان بن حنيف ورزقهم كل يوم شاة: نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان. وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم " (^١) . و" كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرا رجالًا من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا إليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله تعالى ".
(حتى مع عدم حاجة) في الأصح؛ " لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا كل يوم درهمين ".
ولما ذكرناه من أن عمر رَزق زيدًا وشريحًا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن يولى من القضاه.
ولأن بالناس حاجة إلى القضاء ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل القضاء وضاعت
الحقوق.
فأما الاستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر رضي الله تعالى عنه: " لا ينبغي لقاضي المسلمين ان يأخذ على القضاء أجرًا "؛ لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. فأشبه الصلاة.
(فإن لم يُجعل له) أي: للقاضي (شيءٌ) من بيت المال (وليس له ما يكفيه) له ولعائلته، (وقال للخصمَيْن: لا أقضي بينكما إلا بجُعل، جاز) في الأصح. قاله في " المغني " و" الشرح ".
(لا من تعين أن يفتي وله كفاية.
ومن يأخذ من بيت المال: لم يأخذ أجرة لفُتياه، ولا لخطّه) في الأصح.
فال في " إعلام الموقعين ": ومن أخذ رزقًا من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه، وفي أجرة خطّه وجهان. انتهى.
_________________
(١) = كان شريح يأخذ على القضاء أجرًا. "تلخيص الحبير" أخرجه البيهقى فى "السنن الكبرى " ٦: ٣٥٤ كتاب قسم الفئ والغنيمه، باب ما يكون للوالى الأعظم ووالى الإقليم من مال الله.
[ ١١ / ١٩٥ ]
[فصل: في أنو اع الولاية]
(فصل. ويجوزُ أن يولّيه) أي: أن يولي الإمام القاضي (عمومَ النظر في عموم العمل) وذلك بأن يوليه سائر الأحكام في سائر البلدان.
(و) يجوز (أن يولّيه خاصًا في أحدهما أو) خاصًا (فيهما:
فيوليه عموم النظر) في محلة خاصة، (أو) يوليه شيئًا (خاصًا)؛ كعقود الأنكحة مَثلًا (بِمحَلّةٍ خاصَّةٍ، فَينفُذُ حكمه في مقيمٍ بها) أي: بتلك المحلة، (و) في (طارئ إليها) من غير أهلها (فقط)؛ لأن الطارئ على البلد يعطى حكم أهله في كثير من الأحكام، بدليل أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
(لكنْ: لو أذنت له) امرأة (في تزويجها) وهي في عمله، (فلم يزوّجها حتى خرجت من عمله: لم يصح) تزويجها، لأنها (^١) حالةَ التزويج لم تكن في عمله. فلم يكن له عليها ولاية، (كما لو أذنت له) في تزويجها (وهي في غير عمله، ثم) زوجها بعد أن (دخلت إلى عمله)، لأن إذن المراة في تزويجها لحاكم (^٢) ليست في عمله لا عبرة به. فلم يصح التزويج، كما لو لم تدخل إلى عمله بعد إذنها.
(و) كما (لا) يصح منه أنه (يسمع بينة في غير عمله. وهو) أي: وعمله (محلُّ) نفوذ (حكمه).
أما لو قالت امرأة في غير عمل القاضي: إذا دخلت في عمله فقد أذنت له في
_________________
(١) فى أ: لأنه.
(٢) فى أ: الحاكم.
[ ١١ / ١٩٦ ]
تزويجي، أو قالت للقاضي: إذا دخلت أنا في عملك فقد أذنت لك أن تزوجني فزوجها وقد دخلب عمله: صح تزويجها ولو كان قولها ذلك للقاضي وهو في غير عمله، لصحة تعليق الإذن بالشرط.
(وتجب إعادة الشهادة) التي سمعها في غير محل حكمه (فيه) أي: في محل حكمه، (كتعديلها) أي: تعديل البينة، لأن المحل الذي سمعها فيه لا ينفذ فيه حكمه؛ كما لو سمعها قبل أن يتولى القضاء ثم تولاه بعد ذلك.
(او يوليَه) أي: يولي الإمام القاضي (الحكمَ في المداينات) أي: في إثبات الديون (خاصَّة، أو) يوليه الحكم (في قدرٍ من المال لا يتجاوزُه)؛ كما قال أبو عبيدالله الزبيري: لمٍ تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون على المسجد الجامع رجلًا يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهم وعشرين دينارًا فما دونهما.
(أو يَجعل إليه) أي: يجعل الإمامُ إلى القاضي (عقود الأنكحة، دون غيرها) في بلد خاص أو في جميع البلاد؛ لأن ذلك جميعه إلى الإمام، وله الاستنابة في الكل فتكون له الاستنابة في البعض، فإن من ملك الاستنابة في الكل ملك الاستنابة في البعض.
وقد صح ان النبي ﷺ كان يستنيب أصحابه كلاًّ في شيء: ف " ولى عمر القضاء "، و" بعث عليًا قاضيًا إلى اليمن " (^١) .
وكان يرسل أصحابه في جمع الزكاة وغيرها وكذلك الخلفاء.
ولأن ذلك نيابة فكان على حسب الاستنابة.
(وله) أي: للمولّي بكسر اللام (أن يولّي) قاضيًا (من كير مذهبه) في الأصح.
قال في " الرعاية الكبرى ": ويجوز لكل ذي مذهب أن يولي من غير مذهبه. ذكره في مكانين من هذا الباب. وقال: فإن نهاه عن الحكم في مسالة احتمال وجهين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى "سننه" (٣٥٨٢) ٣: ٣٠١ كتاب الأقضيه، باب كيف القضاء.
[ ١١ / ١٩٧ ]
قال في " الإنصاف ": قلت: الصواب الجواز. وقال ذلك في " الرعاية الصغرى " ايضًا و" الحاوي الصغير " أيضًا.
وقال الناظم:
وتولية المرء المخالف مذهب المولي أجز (^١) من غير شرط مقيد وقال الشيخ تقي الدين: ومتى استناب الحاكم من غير أهل مذهبه إن كان
لكونه أرجح فقد أحسن مع صحة ذلك، وإلا لم يصح.
قال في " الفروع " في باب الوكالة: ويتوجه جوازها إذا جاز له الحكم ولم
يمنع منه مانع، وذلك مبني على جواز تقليد غير إمامه، وإلا (^٢) انبنى على أنه هل. يستنيب فيما لا يملكه؟ كتوكيل مسلم ذميًا في شراء خمر ونحوه. انتهى.
(و) له أيضا أن يولي (قاضيين فأكثر ببلد) واحد (وإن اتَّحد عملُهما) في الأصح، لأنه يجوز للقاضي أن يستخلف في البلد الذي هو فيه فيكون فيه قاضيان. فجاز أن يكون فيها (^٣) قاضيان أصليان؛ لأن الغرض فصل الخصومات، وإيصال الحق إلى مستحقه وهو حاصل بذلك. فأشبه القاضي وخلفائه.
ولأنه يجوز للقاضي ان يستخلف خليفتين في موضع واحد فالإمام أولى؛
لأن توليته أقوى.
ولأنه لا مانع أن يُخص واحد بالنظر في بعض الأحكام فلا مانع أن يخص
واحد بمن يحتكم إليه من الغرماء، لعدم الفرق بينهما.
ولكل منهما ان يحكم بمذهبه وليس للآخر الاعتراض عليه.
(و) على هذا لو تنازع خصمان في الحكم عند أحدهما بأن قال أحدهما:
لا نتحاكم إلا عند هذا، وقال الآخر: لا نتحاكم إلا عند الآخر فإنه (يقدَّم قول طالبٍ). من الخصمين (ولو) كان الطالب (عند نائبٍ) وكان الآخر عند
_________________
(١) فى ب: أجزه.
(٢) فى أ: ولا.
(٣) فى ب: فيهما.
[ ١١ / ١٩٨ ]
مستنيب، (فإن استويا) بأن كان كل منهما طالبًا؛ (كمُدّعيَيْن اختلفا في ثمن مبيع باق: ف) إنه يقدم بالحكم بينهما (أقرب الحاكمين)؛ لأنه لا حاجة إلى التكلف إلى المضي إلى الأبعد منهما.
(ثم) إذا استوى (^١) الحاكمان في القرب كان المقدم من الحاكمين من خرجت له (قرعةٌ)؛ لعدم الترجيح بدون القرعة.
مسألة:
قال في " شرج المقنع ": ولا يجوز أن يقلّد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه. وهذا مذهب الشافعي. ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الله ﷾ قال: (فاحكم بين الناس بالحق)] ص: ٢٦] والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط. وفي فساد التولية وجهان بناءً على الشروط الفاسدة في البيع. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال: وإن قال: ينبغي كان جاهلًا ضالًا، قال: ومن كان متبعًا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع. قال: وفي هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضًا: بل يجب، وأن الإمام احمد نص عليه. انتهى.
(وإن زالت ولاية المولّي بكسر اللام) بموتٍ أو غيره، (أو عَزل المولَّى بفتحها) أي: فتح اللام (مع صلاحيته لم تبطل ولايته) في الأصح.
أما كونه لا ينعزل بزوال ولاية المولي له؛ لأن الخلفاء رضي الله تعالى عنهم
ولوا حكاما في زمانهم. فلم ينعزلوا بموتهم.
ولأن في عزل المولى بفتح اللام بموت الإمام ضررًا على المسلمين فإن البلد تتعطل من الحكام، وتقف أحكام الناس إلى أن يولي الإمام الثانى قاضيًا وفي ذلك ضرر عظيم.
_________________
(١) فى ج: استويا.
[ ١١ / ١٩٩ ]
وأما كون القاضي لا ينعزل اذا عزله الإمام مع صلاحيته؛ (لأنه نائب المسلمين، لا الإمام)؛ لأن ولاية القضاء الصادرة من الإمام للقاضي عقدٌ لمصلحة المسلمين. فلم يملك عزله مع سداد حاله، كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه.
وقيل: ينعزل.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف " لما ذكر الوجهين أحدهما: لا تبطل ولايته ولا ينعزل، وهو الصحيح من المذهب. جزم به الأدمي (^١) في " منتخبه "، وقدمه. في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفروع " و" المحرر "، واختاره الشيخ تقي الدين. انتهى.
(ولو كان المستنيبُ قاضيًا، فعَزَل نُوَّابَه، أو زالت ولايتُه بموت أو غيره:
انعز لو ا).
قال في " شرج المقنع ": وأما إذا استخلف القاضي خليفة فإنه ينعزل بموته وعزله؛ لأنه نائبهء أشبه الوكيل. وهذا بخلاف من ولاه الإمام قاضيًا فانه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم عنده وعند نوابه بالبلدان فيشق ذلك على المسلمين. (وكذا والٍ، ومحتسِبٌ، وأميرُ جهادٍ، ووكيلُ بيتِ المال، ومن نُصِب لجبايةِ مالٍ وصرفه).
قال في " الفروع " بعد أن تكلم على مسألة عدم انعزال القاضي بزوال ولاية
من ولاه: ومثله (^٢) كل عقد لمصلحة المسلمين؛ كوال، ومن ينصبه لجبايه مال وصرفه، وأمير الجهاد، ووكيل بيت المال، والمحتسب. ذكره شيخنا، وهو ظاهر كلام غيره.
وقال أيضًا في الوكيل: لا ينعزل بانعزال المستنيب وموته حتى يقوم غيره
_________________
(١) فى ج: الآمدى.
(٢) فى ب: ومسألة.
[ ١١ / ٢٠٠ ]
مقامه. وفي " الرعاية ": في نائبه في الحكم وقيّم الأيتام وناظر الوقف ونحوهم أوجه، ثالثها: إن استخلفهم بإذن من ولاه، وقيل وقال: استخلف (^١) عنك: انعزلو ا.
(ولا يبطل ما فرضه فارضٌ في المستقبل) يعني: بموت فارض.
(ومن عَزَل نفسه) ممن ذكرنا (انعزل).
قال في " الفروع ": في الأصح.
وقال صاحب " الرعاية ": إن لم يلزمه قبوله.
وقال القاضي: عزل نفسه يتخرج على روايتين، بناء على أنه هل هو وكيل المسلمين أم لا؟ وفيه روايتان نص عليهما في خطأ الإمام. فإن قلنا: في بيت المال فهو وكيل، فله عزل نفسه، وإن قلنا: على عادلته فلا.
(لا بعزلٍ قبل علمه)؛ لأنه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم فيشق. بخلاف الوكيل فإنه متصرف في أمر خاص.
(ومن أُخبر بموت) قاض (مولًّى ببلدٍ، وولَّى غيره، فبان حيًا: لم ينعزل) في الأصح. فيؤخذ من هذه المسألة: أن من أنهى شيئًا فولي بسبب إنهائه ولاية ثم تبين بطلان إنهائه: أن ولايته لا تصح؛ لأنها كالمعلقه على صحة الإنهاء. وهذه مسألة كثيرة الوقوع، فليتنبه لها.
_________________
(١) فى ب: استخلفت.
[ ١١ / ٢٠١ ]
[فصل: في صفات القاضي]
(فصل. ويُشترط كون قاضٍ) متصفًا بعشر صفات. أشار اليها بقوله: (بالغًا عاقلًا)؛ لأن غير البالغ العاقل تحت ولاية غيره. فلا يكون واليًا على غيره.
(ذكرًا)؛ لقول النبي ﷺ: " ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة " (^١) .
ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأي، ليست أهلًا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة ما لم يكن معهن رجل، وقد نبَّه الله ﷾ على ضلالهن ونسيانهن بقوله ﷾: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان. ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه امرأة قضاء.
(حرًا)؛ لأن غير كامل الحرية منقوص بما فيه من الرق، مشغول بحقوق سيده. فلم يكن أهلًا للقضاء؛ كالمرأة.
(مسلمًا)؛ لأن الإسلام شرط للعدالة. فأولى أن يكون شرطا للقضاء.
(عدلًا ولو تائبًا من قذف).نص على ذلك الإمام أحمد؛ فلا تجوز تولية الفاسق، ولا من (^٢) فيه نقص يمنع قبول شهادته؛ لقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فأمرنا بالتبين (^٣) عند
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٤١٦٣) ٤: ١٦١٠ كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر.
(٢) في ج: ولأن من.
(٣) في ج: بالتبيين.
[ ١١ / ٢٠٢ ]
قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبين (^١) عند حكمه.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدًا. فلئلا يجوز أن يكون قاضيا أولى.
(سميعًا)؛ لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
(بصيرًا)؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعِي من المدعَى عليه، ولا يعرف المقر من المقر له.
(متكلّمًا)؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته.
(مجتهدًا). قال في " الفروع ": إجماعًا. ذكره ابن حزم، وأنهم أجمعوا: أنه لا يحل لحاكم ولا مفتي تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله.
ولأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.
ولقوله ﷾: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال الله ﷾: َ ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
ولقوله: " القضاة ثلاث: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار " (^٢) . رواه أبو داود ورجاله ثقات.
لأن المفتي لا يجوز أن يكون عاميًا مقلدًا فالحاكم أولى.
وفي " الإفصاح ": أن الإجماع انعقد على تقليد كلٍّ من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم.
وقال الموفق في خطبة " المغني ": النسبة إلى إمام في " الفروع " كالأئمة
_________________
(١) في ج: التبيين.
(٢) أخرجه أبو داود في"سننه " (٣٥٧٣) ٣: ٢٩٩ كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ.
[ ١١ / ٢٠٣ ]
الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة واتفاقهم حجة قاطعة.
(ولو) كان اجتهاده (في مذهب إمامه) إذا لم يوجد غيره (للضرورة). واختاره في
" الترغيب ". واختار في " الإفصاح " و" الرعاية ": أو مقلدًا.
قال في " الإنصاف ": قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا تعطلت أحكام الناس. انتهى.
(فـ) على ما اختاره في " الترغيب " وعلى ما قاله في " الإنصاف " فإنه (يراعي ألفاظ إمامه، و) يراعي من أقواله (متأخّرَها، ويقلّد كبار مذهبه في ذلك) أي: في كون ذلك لفظ إمامه، وفي كون هذا القول متأخرًا عن هذا القول، (ويَحُكم به ولو اعتقد خلافه).
قال في " الفروع ": وظاهره أنه يحكم ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، وأنه لا يخرج عن الظاهر عنه، فيتوجه مع الاستواء- أي: استواء القولين عنده- الخلاف في مجتهد. ثم قال بعد أسطر: ويحرم الحكم والفتوى بالهوى إجماعًا، وبقولٍ أو وجهٍ عن غير نظر في الترجيح إجماعًا. ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا. قاله شيخنا. انتهى.
ثم قال بعد ذلك: وقال شيخنا: الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله ﷾. وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان.
ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وأن على هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدمٍ أنفع الفاسقين وأقلهما شرًا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد. وهو كما قال، فإن المروذي نقل فيمن قال: لا أستطيع الحكم بالعدل: يصير الحكم إلى أعدل منه.
قال شيخنا: قال بعض العلماء: إذا لم يوجد إلا فاسق عالم، أو جاهل دَيّن قُدّم ما الحاجة إليه أكثر إذا. وقد وجدت بعض فضلاء أصحابنا في زماننا كتب للأنس به ما يوافق ذلك. وهو ما قاله أبو بكر الخوارزمي: الولاية أنثى تكبر
[ ١١ / ٢٠٤ ]
وتصغر بواليها، ومطيّة تحسن وتقبح بممتطيها، فالأعمال بالعمال كما أن النساء بالرجال، والصدور مجالس ذوي الكمال.
وقد عرف (^١) مما سبق أنه لا يعتبر غير ذلك.
و(لا) يعتبر (كونه كاتبًا) في الأصح؛ لأن رسول الله ﷺ كان أميًا وهو سيد الحكام، وليس من (^٢) ضرورة الحكم الكتابة فلا يعتبر شرطها.
(أو) كونه (ورِعًا، أو زاهدًا، أو يقِظًا، أو مثبِتًا للقياس) في الأصح في الجميع، (أو حسَنَ الخُلق. والأولى كونه كذلك)؛ كالأسن مع مساواته للشاب في جميع الصفات.
(وما يمنعُ التولية ابتداءً: يمنعها دوامًا). فمتى جُن أو فسق أو وجد منه نحو ذلك أزال الولاية؛ لأن وجود العقل والعدالة ونحو ذلك شروط (^٣) في صحة الولاية. فتبطل بزوالها؛ لفقد شرطها.
(إلا فقْد السمع والبصر فيما ثبت عنده) في حال كونه سميعًا وبصيرًا (ولم يحكم به) حتى عمي أو طرش، (فإن ولاية حكمه باقية فيه) فإنها إنما منع منهما ابتداء؛ لأن الأعمى لا يفرق بين المدعي والمدعى عليه، والأصم لا يفرق بين اللفظ إذا سمعه فلا يمكنه الحكم. فإذا كان قد عرفهما قبل العمى وسمع منهما قبل الصمم وثبت عنده المحكوم عليه من الخصم، واللفظ (^٤) لم يمنع العمي والصمم الحكم؛ لأن فقدهما ليس من مقدمات الاجتهاد. فيصح الحكم منه مستندًا إلى حال السمع والبصر. وإذا جاز الحكم مع ذلك لم يوجب ذلك العزل عن الولاية. بخلاف غيرهما من الفسق والجنون والردة ونحوها.
(ويتعيَّن عزلُه) أي: عزل القاضي (مع (^٥) مرض يمنعُه القضاء).
_________________
(١) في ج: علم.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) في ج: شرط.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في ب: عن.
[ ١١ / ٢٠٥ ]
قال في " الإنصاف ": لو مرض مرضًا يمنعه القضاء تعين عزله. قدمه في" الفروع ".
وقال المصنف والشارح: ينعزل. ومراده بالمصنف: الموفق.
(ويصح أن يولى عبدُ إمارةَ سرية، وقَسْم صدقة، و) قسم (فيءٍ، وإمامةَ صلاة).
قال في " الإنصاف ": يصح ولاية العبد إمارة السرايا، وقسم الصدقات، والفيء، وإمامة الصلاة. ذكره القاضي محل وفاق.
(والمجتهد) مأخوذ من الاجتهاد وهو: استفراغ الفقيه وسعه؛ لتحصيل ظن بحكم شرعي. وهو: (من يَعرف من الكتاب) أي: كتاب الله ﷾ (و) من (السنة) أي: سنة رسول الله ﷺ: (الحقيقة) من القول وهي: اللفظ المستعمل في وضع أول.
(والمجاز) وهو: اللفظ المستعمل في غير وضع أول. زاد بعضهم على وجه: يصح استعماله فيه.
(والأمر) وهو: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.
(والنَّهي) وهو: اقتضاء كفٍ عن فعلٍ لا بقول كف.
(والمُجْمَل) وهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
(والمُبيَّن) وهو: الشيء المخرج من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وقال الشافعي: هو اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة " الفروع ".
(والمحْكَم) هو: اللفظ المتضح المعنى.
(والمتشابَه): مقابله إما الاشتراك أو ظهور تشبيه.
(والعام): ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا.
(والخاص): قصر العام على بعض (^١) مسمياته.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٠٦ ]
(والمطلَق): ما دل على شائع في جنسه.
[(والمقَّيد) هو: ما دل على شيء معين] (^١) .
(والناسِخ) هو: الرافع لحكم شرعي.
(والمنسُوخ) هو: ما ارتفع حكمه شرعًا بعد ثبوته شرعًا.
(والمستثنى) هو: المخرج بإلا وما في معناها من لفظ شامل له.
(والمستثنى منه) هو: العام المخصوص بإخراج بعض ما دل عليه بـ " إلا "وما في معناها.
(و) يَعرف (صحيح السنة) وهو: ما نقله العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة.
(وسقيمَها) أي: سقيم السنة وهو: ما لم يوجد فيه شروط الصحة؛ كالمنقطع والمنكر والشاذ وغيرها.
(و) يَعرف (مُتواترها) وهو: الخبر الذي نقله جمعُ لا يتصور تواطؤهم على الكذب، مستوفيًا في ذلك طرفاه ووسطه. والحق: أنه لا ينحصر في عدد، بل يُستدل بحصول العلم على حصول العدد. والعلم الحاصل عنه ضروري في الأصح.
(و) يعرف (آحادَها) أي: آحاد السنة وهي: ما عدا المتواتر. وليس المراد به أن يكون رواية واحد، بل كل ما لم يبلغ التواتر فهو آحاد.
(و) يعرف (مُسنَدَها) أي: مسند السنة وهو: ما اتصل إسناده من رواته إلى منتهاه. وأكثر استعماله فيما جاء عن النبي ﷺ.
(و) يعرف (المنقطِعَ) من الأحاديث. وهو: ما لم يتصل سنده على أيّ وجه كان الانقطاع.
وزاد بعضهم (و) يعرف (مرسلَها) أي: مرسل السنة. وهو: قول غير
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
الصحابي، قال رسول الله ﷺ. وأما مرسل الصحابي فهو حجة عند الجمهور. (و) يعرف (متصلَها) أي: متصل السنة. وهو: ما اتصل إسناده وكان كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه، سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا.
(مما يتعلَّق بالأحكام) خاصة.
وظاهر ما تقدم أنه لا يجب على المجتهد حفظ القرآن، وإنما المعين عليه حفظ خمسمائة آية كما نقله المعظم؛ لأن المجتهد هو من يعرف الصواب بدليله؛ كالمجتهد في القبلة. ولكل مما ذكرنا دلالة لا يمكن معرفتها إلا بمعرفته. فوجب معرفة ذلك؛ لتعرف دلالته ووقف الاجتهاد على معرفه ذلك.
(و) يعرف (المجمَعَ عليه، والمختلَفَ فيه)؛ لأنه إذا كان الحكم مجمعًا عليه يكون الاجتهاد فيه خطأ. فيحتاج إلى العلم به؛ لئلا يؤديه الدليل إلى مخالفته فيكون مخطئًا قطعًا. ويحتاج إلى معرفة المختلف فيه وأقوال الأئمة فيه؛ لئلا يؤديه اجتهاده إلى قولٍ يخرج عن أقوال السلف، وذلك لا يجوز عند من يقول: لا يجوز إحداث قول في المختلف فيه لا قائل به.
(و) يَعرف (القياس) وهو: رد فرع إلى أصل.
(و) يَعرف (شروطَه)؛ لأنه ليس كل مسألة يوجد فيها نص. فاحتيج إلى القياس؛ ليعلم به الحكم فيما لا نصَّ فيه (^١) برده إلى أصله، (وكيف يستنبط) القياس؟ فإنه تارة ينظر إلى الأصل، وتارة إلى الفرع، وتارة إلى العلة على الكيفية المذكورة في محالّها.
(و) يعرف (العربيَّة المتداولَة بالحجاز والشام والعراق).
قال في " المستوعب " و" المحرر ": واليمن.
(وما يُواليهم) أي: ومن يوالي (^٢) هذه البلاد من العرب. قيل: المراد بالعربية الإعراب والألفاظ العربية. والأشهر: أنها اللغة العربية من حيث
_________________
(١) في أزيادة: أي ومن في بوادي هذه البلاد من العرب. وسوف تأتي بعد عدة أسطر.
(٢) فى أ: أي ومن في بوادي، وفي ب: أي ومن بوادي.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
اختصاصها بأحوال هي الإعراب لا توجد في غيرها من اللغات، ليعرف بذلك استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة. وقد نص أحمد على اشتراط ذلك في المفتى، فالقاضي مثله، بل أشد. وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه.
(فمن) وقف عليه ورُزق فهمه و(عرف أكثر ذلك فقط: صلُح للفُتْيا والقضاء)، لأنه صار يمكنه الاستنباط والاجتهاد والترجيح بمن الأقوال. وبالله التوفيق لصالح الأعمال.
قال في " آداب المفتي ": ولا يضر جهله ببعض ذلك (^١)؛ لشبهة أو إشكال، لكن يكفيه معرفة وجود دلالة الأدلة، ويكفيه أخذ الأحكام من لفظها ومعناها. زاد ابن عقيل في
"التذكرة": ويعرف الاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبهة المخالف، وإقامة الدليل (^٢) على مذهبه. انتهى.
***
_________________
(١) في ج: جهله بذلك.
(٢) في أ: الدلائل.
[ ١١ / ٢٠٩ ]
[فصل: في الحَكَم]
(فصل. وإن حكَّم) بتشديد الكاف (اثنان فأكثر بينها) رجلًا (صالحًا للقضاء) يعني: متصف بصلاحيته للقضاء فحكَم بينهما: (نفذ حكمه في كل ما ينفذُ فيه حكم من ولاَّه إمام أو نائبه) في الأصح؛ لما روى أبو شريح أن رسول الله ﷺ قال له: " إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتونى فحكمت بينهم فرضي عليّ الفريقان. قال: ما أحسن هذا لِلَّهِ فمن أكبر ولدك؟ قال: شريح. قال: فأنت أبو شريح " (^١) أخرجه النسائي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما
فهو ملعون " (^٢) . ولولا أن حكمه يلزمهما (^٣) لما لحقه هذا الذم.
و" لأن عمر وأبيًا تحاكما إلى زيد بن ثابت " (^٤) .
و" تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم " (^٥) . ولم يكن أحد ممن ذكرنا قاضيًا.
_________________
(١) أخرجه النسائي في "سننه" (٥٣٨٧) ٨: ٢٢٦ كتاب آداب القضاة، إذا حكموا رجلًا فقضى بينهم.
(٢) أخرجه ابن الجوزي في "التحقيق" ر. " تلخيص الحبير " ٤: ١٨٥
(٣) في ج: ولو أن حكمهما يلزمه.
(٤) عن الشعبى، قال: " كان بين عمر وأُبيّ ﵁ خصومة فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا. قال: فجعلا بينهما زيد بن ثابت. قال: فأتوه قال: فقال عمر ﵁: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتي الحكم. قال: فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه. قال: فقال: هذا أول جور جرت في حكمك أجلسني وخصمى مجلسًا. قال: فقصا عليه القصة. قال: ففال زيد لأبيِّ: اليمين على أمير المؤمنين فإن شئت أعفيته. قال: فأقسم عمر ﵁ على ذلك. ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة ". أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ١٠: ١٤٤ كتاب آداب القاضي، باب القاضي لا يحكم لنفسه.
(٥) عن ابن أبي مليكة " أن عثمان إبتاع من طلحة بن عبيد الله أرضا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة، فلما =
[ ١١ / ٢١٠ ]
(لكنْ: لكلٍّ منهما) أي: من المتحاكمين (الرجوع) عن تحكيمه (قبل شُروعه في الحكم)، لأنه لا يلزم حكمه إلا برضى الخصمين. أشبه رجوع الموكل عن التوكيل قبل التصرف فيما وكّله فيه.
وقال القاضي: لا ينفذ حكم غير من ولاه الإمام إلا في المال خاصة.
وعلى الأول الذي هو المذهب: له أن يشهد على نفسه بحكمه، ويلزم الحكام قبوله. وكتابه ككتاب حاكم الإمام. والله ﷾ أعلم.
وفي " عُمَد الأدلة " بعد ذكر التحكيم: وكذا يجوز أن يتولى متقدموا (^١) الأسواق والمساجد الوساطات (^٢)، والصلح عند الغورة، والمخاصمة، وصلاة الجنازة، وتفويض المال إلى الأوصياء، وتفرقة زكاته بنفسه، وإقامة الحدود على رقيقه، وخروج طائفة إلى الجهاد تلصصًا وبياتًا، وعمارة المساجد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعزير لعبيد وإماء وأشباه ذلك.
وقال في " المستوعب" عمن حكاه: وينبغي أن يشهد عليهما بالرضى بحكمه قبل أن يحكم بينهما؛ لئلا يجحد المحكوم. عليه منهما أنه حكمه، فلا يقبل قوله عليه إلا ببينة. انتهى.
***
_________________
(١) = تباينا ندم عثمان. ثم قال: بايعتك ما لم أره. فقال طلحة: إنما النظر لي إنما ابتعت مغيبًا وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت فجعلا بينهما حكمًا. فحكما جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبًا ". أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥: ٢٦٧ كتاب البيوع، باب من قال يجوز بيع العين الغائبة. في ب: مقدموا.
(٢) في ج: والرباطات.
[ ١١ / ٢١١ ]
[باب: أدب القاضي]
هذا (باب أدب (^١) القاضي. وهو) أي: وأدبه (^٢): (أخلاقه التي ينبغي)
له (التخلُّق بها. والخُلُق: صورتُه الباطنة). والحاصل: أن هذا الباب معقود لما يجب على القاضي أن يأخذ به نفسه وأعوانه من الآداب والقوانين التي تنضبط بها أمور القضاء وتحفظهم عن الميل والزيغ.
إذا علمت ذلك فإنه (يُسن كونه) أي: كون القاضي: (قويًا بلا عُنْف) وهو ضد الرفق. وذلك " لئلا يطمع فيه الظالم.
(ليّنًا بلاضعف)، لئلا يهابه صاحب الحق.
(حليمًا) لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه ذلك من الحكم بينهم.
(متأنيًا) اسم فاعل من التأنى وهو ضد العجلة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لاينبغي.
(متفطّنًا)؛ لئلا يخدع من بعض الخصوم لغرة.
قال في " شرح المقنع ": عالمًا بلغات أهل ولايته.
(عفيفًا) وهو الذي يكف نفسه عن الحرام؛ لأنه لا يطمع في ميله بأطماعه. (بصيرًا بأحكام الحكَّام قبله)؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه: " لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم " (^٣) .
_________________
(١) في ج: آداب.
(٢) في ج: وآدابه.
(٣) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى " ١٠: ١١٠: من قول عمر بن عبد العزيز كتاب آداب القاضي، باب مشاروة الوالي والقاضى في الأمر.
[ ١١ / ٢١٢ ]
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: " ينبغي للقاضي أن يكون فيه سبع خصال إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل، والعفة، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحكم ". رواه سعيد.
ولأنه إذا كان بصيرًا بأحكام الحكام قبله سهل عليه الحكم واتضح له طريقه.
(و) يسن (سؤاله) أي: سؤال القاضي: (إن وُلّيَ في غير بلده عن علمائه)؛ ليشاورهم فى حوادثه ويستعين بهم على قضائه، (و) عن (عُدوله)؛ لأنهم هم الذين يثبت بهم الحقوق عنده، وهم الذين يستند أحكامه إليهم فيَقبل من يرى قبوله ويَترك من يرى تركه، وليكون على بصيرة منهم، (وإعلامُهم) بأن يُنفذ عند مسيره من يُعلمهم (يومَ دخولهِ؛ ليتلقّوه)؛ لأن ذلك أعظم لحشمته وأوقع له في النفوس. (من غير أن يأمرهم بتلقّيه) في الأصح. وقال جماعة: ولأمرهم (^١) بتلقّيه.
(و) يست (دخولُه) البلد الذي ولي الحكم فيه (يوم اثنين، أو) يوم (خميس، أو) يوم (سبت)؟ " لأن النبي ﷺ دخل في الهجرة المدينة يوم الإثنين " (^٢) .
و"دخل ﷺ من غزوة تبوك المدينة يوم الإثنين ".
ولقوله ﷺ: " بورك لأمتي في سبتها وخميسها ".
وينبغي أن يكون دخوله (ضَحْوَة)؛ لاستقبال الشهر تفاؤلًا، (لابسًا أجملَ ثيابه) أي: أحسنها؛ لأن الله ﷾ جميل يحب الجمال، وقد قال الله ﷾:
﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛لأنها مجامع الناس وهذا موضع يجتمع فيه ما لا يجتمع في المساجد. فكان أولى بالزينة.
(وكذا أصحابه)؛ ليكون ذلك أعظم له في النفس فإن النفوس تزدري الإنسان لرثاثة حاله، وتعظمه بحسن ملبوسه ونظافته.
_________________
(١) في ج: يأمرهم.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٣٦٩٤) ٣: ١٤٢١ كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
[ ١١ / ٢١٣ ]
(ولا يتطيَّر) بشيء، (وإن تفاءل فحسن.
فيأتي الجامع: فيصلي) فيه (ركعتين، ويجلس مستقبلًا) القبلة، لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة، (ويأمُرُ) القاضي (بعهده فيُقرأُ على الناس)؛ ليعلموا توليته، ويعلموا احتفاظ الإمام على اتباع أحكام الشرع والنهي عن مخالفته، وقدر المولَّى بفتح اللام عنده، ويعلموا حدود ولايته وما فُوض إليه الحكم فيها.
(و) يأمرُ (بمن يناديهم بيوم جلوسه للحكم)، ليعلم من له حاجة ليأتي إليه يوم جلوسه للحكم.
(ويُقلُّ من كلامه إلا لحاجة) إلى الكلام.
(ثم يمضي إلى منزله) الذي أُعد له ليستريح من نصب سفره، (ويُنْفِذُ: فيتسلَّم ديوانَ الحكم) بكسر الدال وحكي فتحها، وهو فارسي معرب (ممن) كان قاضيًا (قبله)، وديوان الحكم هو: الدفتر المنصوب المعدّ لكَتْب ثبوت (^١) حجج الناس ووثائقهم وسجلاتهم وودائعهم؛ لأنه الأساس الذي ينبني عليه، وهو في يد الحاكم بحكم الولاية (^٢)، وقد صارت إليه فوجب أن ينتقل ذلك إليه.
قال في " التبصرة ": (و) لـ (يأمر كاتبًا ثقةً: يُثْبتُ ما تسلَّمه بمحضَر عَدْلين.
ثم يخرُج يومَ الوعد) أي: يوم وعد الناس بالجلوس فيه للحكم (بأعدل أحواله: غير غضبان، ولا جائع، ولا حاقن، ولا مهموم بما يَشغلُه عن الفهم) " ليكون ذلك أجمع لقلبه، وأبلغ في تيقظه للصواب. فإن كلًا من هذه الصفات مما يشغل خاطره عن الفهم ويمنعه عن الفكر. (فيسلّمُ على من يَمُرُّ به ولو صبيًا) " لأن السنة في الراكب والماشي أن يسلما على الجالس وهو لا يخلو أن يكون راكبًا أو ماشيًا (ثم) يسلم (على من بمجلسه) " لأن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ج: الولاة.
[ ١١ / ٢١٤ ]
" إن (^١) من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه " (^٢) . وهذا وقت لقاء من في مجلسه. فوجب أن يسلم عليهم لذلك.
(ويصلّي إن كان بمسجد تحيتَه)، لاستحباب ذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بمسجد: (خُيّر) بين أن يصلي وأن لا يصلي؛ كسائر المجالس. (والأفضل: الصلاة)، لما فيها من الثواب.
(ويجلس على بِساط ونحوه) يختص به؛ ليتميز به عن غيره في المجلس؛ لأن ذلك أهيب له، وأوقر لحرمته، وأوفى لوقاره في النفوس؛ لأن هذا مقام عظيم يجب فيه إظهار الحرمة؛ تعظيمًا للشرع والناس سيّما العوام فإنهم قل أن يعظموا إلا ذوي الهيئات من الملابس وغيرها.
(ويدعو) الله ﷾ (بالتوفيق) للحق (والعِصْمة) من زلل القول والعمل، لأنه مقام خطر يجب ان يكون (مستعينًا) بالله و(متوكلًا) عليه.
ويسن أن يدعو بذلك كله (سرًا)، لأن ذلك أرجى للإجابة.
(وليكُن مجلسُه) [في موضع] (^٣) (لا يتأذى فيه بشيء)؛ لئلا يلام مع وجود التأذي.
وليكن مجلسه (فسيحًا، كجامع).
ويجوز القضاء في الجامع والمساجد من غير كراهة في قول أحمد ومالك وإسحاق وابن المنذر. وروي عن عمر وعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يقضون في المسجد.
قال مالك: القضاء في المسجد من أمر الناس القديم.
ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس. فلا يمتنع كونه بالمسجد.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢٧٣٦) ٥: ٧٥ كتاب الأدب، باب ما جاء في تشميت العاطس. وأخرجه ابن ماجه في"سننه " (١٤٣٣) ١: ٤٦١ كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض.
(٣) ساقط من أوب.
[ ١١ / ٢١٥ ]
وأما الحائض فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكّلت أو أتت القاضي في منزله، والجنب يغتسل ويدخل. وقد كان النبي ﷺ يجلس في المسجد مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائج المسلمين، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا أصواتهم (^١) . فقد روي عن كعب بن مالك قال: " تقاضيت ابن أبي حَدْرد دينًا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا. فخرج النبي ﷺ فأشار إليّ أن ضع الشطر. فقلت: نعم يا رسول الله! فقال: قم فاقضه " (^٢) .
وما روي " أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا يقضي في المسجد؛ لأنه تأتيك الحائض والجنب "، فلم يعلم له صحة، وقد روي عن عمر خلاف ذلك.
(ويصُونُه) أي: يصون المسجد (مما يُكره فيه) أي: في المسجد، (و) كـ (دار واسعة وسط البلد: إن أمكن)؛ ليستوي أهل البلد في المضي إليه.
(ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا بلا عذر)؛ لما روى عمرو بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجات والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته " (^٣) . رواه أحمد والترمذي.
ولأن الحاجب والبواب إنما جعلا ليمنعا وإنما هو منتصب لحاجاب الناس.
فإذا جَعل له حاجبًا أو بوابًا ربما منعا ذا الحاجة عن حاجته لهوى النفس أو غرض الحطام (^٤) .
(إلا في غير مجلس الحكم إن شاء)؛ لأنه يحتاج الى الخلوة بنفسه.
_________________
(١) في ج: له أصواتهم.
(٢) أخرجه البخاري فى "صحيحه " (٤٥٩) ١: ١٧٩ أبواب المساجد، باب رفع الصوت في المسجد.
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٣٢) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في إمام الرعية. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (١٨٠٦٢) ٤: ٢٣١.
(٤) في ب: الحكام.
[ ١١ / ٢١٦ ]
(ويعرض القِصَص، ويجب تقديم سابق)؛ كسبقه الى مباح، و(لا) يقدم سابق (في أكثر من حُكومة) واحدة؛ لئلا يستوعب المجلس فيضر بغيره، (ويُقرع) بينهم: (إن حضروا دفعة) واحدة (وتشاحُّوا) في أيهما يقدم.
(وعليه) أي: على القاضي (العدلُ) أي: أن يعدل (بين متحاكمين) ترافعا إليه: (في لَحْظه، ولفظه، ومجلسه، ودخولٍ عليه. إلا إذا سلَّم احدهما فيردُّ) عليه (ولا ينتظر سلام الثاني) في الأصح.
(وإلا المسلم) إذا تخاصم (مع كافر: فيقدَّم) المسلم (دخولًا) أي: في الدخول على القاضي، (ويُرفَعُ (^١) جلوسًا) أي: في الجلوس في الأصح؛ لحرمة الإسلام، قال الله ﷾: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. ووجه
وجوب العدل بين الخصمين ما روى عمرو بن شَبَّة (^٢) في كتاب القضاء بإسناده عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ولا يرفعه على الآخر " (^٣) .
وفي رواية: " فليسوي بينهم في النظر والمجلس والإشارة ".
ولأنه إذا ميَّز أحد الخصمين عن الآخر حصر وانكسر وربما لم تقم حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه.
(ولا يُكره قيامه) أي: قيام القاضي (للخَصمَين) في الأصح. فإن قام لأحدهما وجب أن يقوم للآخر.
(ويحرم أن يُسارَّ أحدهما، أو يلقّنه حُجة، أو يُضيّفه)؛ لما في ذلك (^٤) من الإعانة على خصمه وكسر قلبه.
_________________
(١) في ب: ويرفعه.
(٢) فى أوب: شيبة.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ١٣٥ كتاب آداب القاضى، باب إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما.
(٤) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢١٧ ]
وقد روي عن علي رضى الله تعالى عنه " أنه نزل به رجل. فقال له: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: تحوّل عنا، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا وخصمه معه " (^١) .
(أو يُعلّمه كيف يدَّعي؟ إلا أن يترك ما يلزم ذكره) في الدعوى؛ (كشرط عقد، و) ذكر (سبب ونحوه فله أن يسأل عنه) في الأصح ليتحرر؛ لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك.
ولأن أكثر الخصوم لا يعلم ذلك فيحتاج إلى السؤال عنه. فلو لم يكلفه السؤال لضاعت حقوق الناس؛ لأن الحاكم لا يمكنه الحكم إلا بعد تحرير الدعوى، فإذا سأل عن ذلك اتضح له وجه الحكم.
(وله) أي: للحاكم (أن يَزِنَ) عن أحد الخصمين (ويشفع) له عند خصمه (ليضع عن خصمه) شيئا من الحق على الأصح (أو يُنظِرَه).
أما جواز الوزن عنه، فإن في ذلك نفعًا لخصمه.
وأما جواز الشفاعة فيه، فلأنها شفاعة حسنة. وقد قال الله ﷾: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
وقد روى كعب بن مالك " أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد فى دينًا كان عليه في المسجد. فارتفعَتْ أصواتُهُما حتى سمعها النبي ﷺ وهو في بيته. فخرج إليهما حتى كشفَ سِجْفَ حُجْرَتِه. فنادى: يا كعب! فقال: لبيك يارسول الله! فقال: ضع من دينك هذا. وأومأ إليه أي: الشطر. قال: قد فعلتُ يا رسول الله لِلَّهِ قال: قُمْ فاقْضِه " (^٢) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٠ ١: ١٣٧ كتاب آداب القاضي، باب لا ينبغي للقاضي أن يضيف الخصم إلا وخصمه معه.
(٢) أخرجه البخاري فى "صحيحه" (٤٥٩) ١: ١٧٩ أبواب المساجد، باب رفع الصوت في المسجد. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٥٥٨) ٣: ١١٩٢ كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٥) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح. =
[ ١١ / ٢١٨ ]
وأدنى هذا الأمر أن يكون شفاعة في الوضع عنه. وإذا جاز في الوضع فالإنظار أولى.
(و) للحاكم أيضًا (أن يُؤدّب خصمًا افتاتَ عليه) بأن قال: حكمت عليَّ بغير الحق، أو ارتشيت عليَّ أو نحو ذلك بضربٍ لا يزاد على عشر وحبس، وأن يعفو عنه (ولو لم يثبُت) افتياته (^١) (ببينة.
و) له أيضًا (أن ينتَهِرَه إذا التَوى) عن الحق.
(وسُن) للقاضي (أن يُحضر مجلسَه فقهاء المذاهب، ومشاورتُهم فيما يُشكل) إن أمكن، حتى إذا حدثت حادثة تفتقر إلى سؤالهم سألهم عنها ليذكروا أدلتهم فيها، وجوابهم عنها، فإنه أسرع لاجتهاده، وأقرب لصوابه.
(فإن اتَّضح) للحاكم الحكم حكم باجتهاده، وليس لأحد منهم خالف الحكم اجتهاده أن يعترض على الحاكم؛ لأن في ذلك افتياتًا عليه. (وإلا) أي: وإن لم يتضح له الحكم: (أخَّره).والأصل في ذلك قوله ﷾: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال الحسن: " إن كان رسول الله لغني عن مشاورتهم. وإنما أراد أن يستن بذلك الحاكم بعده " (^٢) .
وقد " شاور النبي ﷺ أصحابه في أسارى بدر " (^٣) .
و"في مصالحة الكفار يوم الخندق " (^٤) .
_________________
(١) وأخرجه النسائي في " سننه " (٥٤٠٨) ٨: ٢٣٩ كتاب آداب القضاة، حكم الحاكم في داره. وأخرجه ابن ماجه في سننه " (٢٤٢٩) ٢: ٨١١ كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٧٢٢٠) ٦: ٣٩٠. ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في" السنن الكبرى " ٧: ٤٦ كتاب النكاح، باب ما أمره الله تعالى به من المشورة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾.
(٣) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٧١٤) ٤: ٢١٣ كتاب الجهاد، باب ما جاء في المشورة.
(٤) ذكره ابن هشام في " السيرة النبوية " ٣: ٢٢٣.
[ ١١ / ٢١٩ ]
و" شاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة " (^١) .
و"عمر في دية الجنين " (^٢) .
وروي " أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكون عنده الجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عثمان وعلي (^٣) وطلحة والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف إذا نزل به الأمر شاورهم فيه ".
ولا مخالف في استحباب ذلك.
قال أحمد: لما ولي سعيد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم ويشاوهما.
ولأن القاضي يتنبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة.
ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد يتنبه للإصابة ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه.
وقد روي " أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه جاءته الجدتان أم الأم وأم الأب فورّث أم الأم وأسقط أم الأب. فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله أسقطت التي لو ماتت ورثها وورّثت التي لو ماتت لم يرثها. فرجع أبو بكر فشرك بينهما " (^٤) .
والمشاورة هنا؛ لاستخراج الأدلة، وتعرّف الحق بالاجتهاد.
إذا تقرر هذا (فلو حَكم ولم يجتهد: لم يصحَّ) حكمه، (ولو أصاب الحق) حيث كان من أهل الاجتهاد.
_________________
(١) سيأتي ذكره في أدنى الصفحة رقم (٤).
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٤٨١٦) ٨: ٤٧ كتاب القسامة، باب دية جنين المرأة.
(٣) ساقط من أ.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٨٢) ١: ٥٥ كتاب الفرائض، باب الجدات، عن القاسم بن محمد. ورواه الترمذي في "سننه " (٢١٠٠) ٤: ٤١٩ كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، عن قبيصة بن ذؤيب، نحوه.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
(ويحرُم) عليه (تقليد غيره ولو كان) غيره (أعلم) منه؛ كالمجتهدين في القبلة. نقل أبو الحارث: لا تقلد أمرك أحدا وعليك بالأثر.
وقال أحمد للفضل بن زياد: لا تقلّد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا.
(و) يحرم على القاضي أيضًا (القضاء وهو غضبان كثيرًا)؛ لخبر أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: " لا يقضينَّ حاكم بين اثنين وهو غضبان " (^١) . متفق عليه.
ولأنه ربما حمله الغضب على الجور في الحكم.
وفيه [من الوعيد] (^٢) ما روى ابن أبي أوفى مرفوعًا: " إن الله مع القاضي ما لم يجر. فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان ") (^٣) . رواه الترمذي.
وقد جاء في حديث مخاصمة الأنصاري والزبير في شَراج الحرة لما قال الأنصاري للنبي ﷺ: " أن كان ابن عمتك. فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ. وقال للزبير: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " (^٤) . رواه الجماعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٧٣٩) ٦: ٢٦١٦ كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (١٧١٧) ٣: ١٣٤٢ كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان.
(٢) ساقط من أ.
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" (١٣٣٠) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في الإمام.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٢٣٣) ٢: ٨٣٢ كتاب المساقاة الشرب، باب شرب الأعلى إلى الكعبين. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (٢٣٥٧) ٤: ١٨٢٩ كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٣٧) ٣: ٣١٥ كتاب الأقضية، أبواب من القضاء. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٦٣) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء. وأخرجه النسائى في "سننه" (٥٤٠٧) ٨: ٢٣٨ كتاب آداب القضاة، الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان. وأخرجه ابن ماجه " سننه " (١٥) ١: ٧ المقدمة، باب تعظيم حديب رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه. وأخرجه أحمد في" مسنده " (١٦١٦١) ٤:٤.
[ ١١ / ٢٢١ ]
فلم يمنعه ذلك الغضب؛ لأنه ﷺ كان له أن يقضي وهو غضبان.
ومحل ذلك: إذا كان الغضب كثيرًا يمنع فهم الحكم، إذ لو كان كل غضب ولو كان يسيرًا يمنع الحكم وجب أن يمتنع (^١) من الحكم عند غضبه.
(أو) يقضي وهو (حاقِنُ، أو في شدة جوعٍ، أو) في شدة (عطشٍ، أو هَمٍّ أو مَللٍ أو كسلٍ أو نُعاسٍ، أو بَرٍد مؤلمٍ، أو حَرٍ مُزعجٍ)؛ لأن ذلك كله يَشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب ويمنع حضور القلب فهو في معنى الغضب المنصوص عليه فيجري مجراه.
(وإن خالف) وحكم في حالة لا يحل له الحكم فيها؛ كما لو حكم وهو غضبان أو نحو ذلك (فأصاب الحقَّ: نفذ) حكمه في الأصح. ذكره القاضي في " المجرد ". وهو مذهب الشافعي؛ " لأن النبي ﷺ حكم للزبير حال غضبه " (^٢) . والأصح: أن ذلك مما اختص به رسول الله ﷺ، وإلى ذلك أشير بقوله:
(وكان للنبي ﷺ القضاء مع ذلك) أي: مع ما يحرم على غيره القضاء معه مما تقدم ذكره؛ (لأنه) ﷺ (لا يجوز عليه غلطُ يُقَرُّعليه) أي: يقره الله ﷾ عليه، (لا قولًا ولا فعلًا في حُكم). بخلاف غيره من الأمة.
(ويحرُم) على الحاكم (قبولُه رِشوة) بتثليث الراء. وقد اتفق العلماء على تحريمها؛ لما روى عبد الله بن عمر قال: " لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي " (^٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أبو هريرة وزاد " في الحكم " رواه أبو بكر في " زاد المسافر "، وزاد:
" والرائش " وهو: السفير بينهما.
_________________
(١) في ب: يمنع.
(٢) سبق تخريجه قريبًا ص (٢٢١) رقم (٤).
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٨٠) ٣: ٣٠٠ كتاب الأقضية، باب في كراهية الرشوة. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١٣٣٦) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
وقال الحسن وسعيد بن جبير في تفسير قوله ﷾: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] هو: الرشوة.
ولأن الحاكم إنما يرتشى ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عن الحق، وذلك من أعظم الظلم.
(وكذا) يحرم على الحاكم قبوله (هدية)؛ لما روى أبو حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: " هدايا العمال غلول " (^١) . رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد.
ولأن الهدية يُقصد (^٢) بها في الغالب استمالة الحاكم؛ ليعتنى به في الحكم فتشبه الرشوة.
قال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر.
وقد روى أبو حميد أيضًا قال: " بعث رسولط الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة. فقالط: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي إليَّ. ألا جلس في بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم (^٣) لا؟ والذي نفس محمد بيده لا نبعث (^٤) أحدًا منكم فيأخذ شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر. فرفع يده حتى رأيت عفرة إبطيه. فقال: اللهم! هل بلغت ثلاثًا" (^٥) . متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده " (٢٣٢٧١) ٥: ٤٢٤.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ج: أو.
(٤) في أ: يبعث.
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه " (٢٤٥٧) ٢: ٩١٧ كتاب الهبة وفضلها، باب من لم يقبل الهدية لعلة. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٨٣٢) ٣: ١٤٦٣ كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال.
[ ١١ / ٢٢٣ ]
ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها؛ ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه. فلم يجز قبولها.
(إلا) إذا كانت الهدية (ممن كان يُهاديه قبل ولايته: إذا لم تكن له حكومة)، لأن التهمة منتفية في هذه الحالة؛ لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ: (فيباح) له أخذها (كمفتٍ) أي: كما يباح للمفتي أخذ الهدية. (وردُّها) أي: والتنزُّه عن أخذها في هذه الحا لة (أوْلى) للحاكم.
قال في " شرح المقنع ": قال القاضي: ويستحب له التنزه عنها. فإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومه، أو فعلها حال الحكومة: حرُم أخذها في هذه الحال، لأنها كالرشوة. وهذا كله مذهب الشافعي. انتهى.
(فإن خالف). الحاكم فأخذ الرشوة وقبل الهدية: (رُدَّتا لمعطٍ) أي: لأربابهما وجوبًا؛ لأن أخذ الحاكم لذلك بغير حق. فأشبه المأخوذ بعقد فاسد. وقيل: يؤخذان إلى بيت (^١) المال.
(ويُكره بيعُه وشراؤه) أي: أن يبيع الحاكم أو يشتري (إلا بوكيل: لا يُعرَف به) أنه وكيل الحاكم؛ لأنه إن عرف بذلك يحابى. فتكون محاباته؛ كالهدية.
(وليس له) أي: للقاضي (ولا لوالٍ أن يَتَّجِرَ)؛ لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " ما عَدَلَ والٍ اتَّجَرَ في رعيته أبدًا " (^٢) .
وإن احتاج إلى مباشرة عقد البيع ولم يكن له ما يكفيه لم يكره له أن يتجر؛" لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه ".
_________________
(١) في ج: يؤخذان لبيت.
(٢) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (١٤٦٧٦) ٦: ٢٣ الفصل الثانى في الترهيب عن الإمارة.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
ولأن القيام بعياله فرض عين. فلا يتركه لوهم مضرة.
(ويُسنُّ له) أي: للقاضي (عيادة المرضى، وشهادة الجنائز، وتوديعُ غازٍ وحاجٍ: ما لم يَشغله) ذلك عن الحكم؛ لأن ذلك كله من القرب، وقد وعد الشارع على ذلك أجرًا عظيمًا. وله حضور بعض ذلك وترك بعضه؛ لأن هذا يفعله لنفع نفسه بتحصيل الأجر والقربة. بخلاف الولائم؛ لأنه يراعى فيها حق الداعي فينكسر فيها (^١) قلب من لم يجبه إذا أجاب غيره.
(وهو) أي: والقاضي (في دعواتٍ) إلى الولائم (كغيره)، لأن النبي ﷺ كان يحضرها وأمر بحضورها وقال: " من لم يجب فقد عصى الله ورسوله " (^٢) . ومتى كثرت وازدحمت تركها كلها.
(ولا يجيب قومًا ويدَعُ قومًا بلا عذر)؛ لأن في ذلك كسرًا لقلب من لم يجبه. والعذر: أن يكون في إحداها منكرًا وفي مكان بعيد دون الباقي، أو يشتغل بها زمنًا طويلًا، والأخرى بخلاف ذلك.
(ويوصّي) القاضي وجوبًا (الوكلاء والأعوان) الذين (ببابه بالرّفق بالخصوم، وقلَّة الطمع)؛ لأن في ضد ذلك ضررًا بالناس. فيجب أن يوصيهم بما يزول به الضرر عن الناس.
(ويجتهد أن يكونوا شيوخًا أو كُهولًا: من أهل الدين والعفة والصيانة)؛لأن كونهم كذلك أقل شرًا. فإن الشباب شعبة من الجنون.
ولأن الحاكم تأتيه النساء وفي اجتماع الشباب بهن ضررعظيم.
(ويُباح) للقاضي، قال في " المبدع ": والأشهر: أنه يسن له، (أن يتخذ كاتبًا)، " لأن النبي ﷺ استكتب زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان " (^٣) . وغيرهما.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٧٤١) ٣: ٣٤١ كتاب الأطعمة، بابا ما جاء في إجابة الدعوة.
(٣) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"١٠: ١٢٦ كتاب آداب القاضي، باب اتخاذ الكتاب.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره في أمر الناس. فلا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه.
وإن أمكنه الكتابة بنفسه جاز له اتخاذ الكاتب. والاستنابة في الكتابة أولى من توليها بنفسه.
(ويُشترط كونه) أي: كون كاتب القاضي: (مسلمًا)؛ لقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
(عدلًا) والعدل لا يكون إلا (^١) مسلمًا.
وقد روي " أن أبا موسى قدم على عمر رضي الله تعالى عنه ومعه كاتب نصراني. فأحضر أبو موسى شيئًا من مكتوباته عند عمر. فاستحسنه وقال: قل لكاتبك يجيء ويقرأ كتابه. فقال: إنه لا يدخل المسجد. قال: ولم؟ قال: إنه نصراني. فانتهره عمر، وقال: لا تُؤمّنوهم وقد خونهم الله ﷾، ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله تعالى، ولا تعزُّوهم وقد أذلُّهم الله تعالى " (^٢) .
وإنما اشترطت فيه العدالة؛ لأن الكتابة موضع أمانة.
(ويُسنُّ كونه حافظًا، عالمًا)؛ لأن في ذلك إعانة على أمره، وكونه حرًا؛ ليخرج من الخلاف، وكونه جيد الخط؛ ليكون أكمل، وكونه عارفًا. قاله في " الكافي "؛ لأنه إن لم يكن عارفًا أفسد ما يكتبه بجهله.
(ويجلس) أي: ويكون مجلس الكاتب (بحيث يُشاهد) القاضى (ما يكتبه)؛ لأنه أبعد للتهمة، وأمكن، لإملائه عليه.
(ويجعل) القاضي (القِمَطْر) بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"١٠: ١٢٧ كتاب آداب القاضي، باب لا ينبغي للقاضي ولا للوالي أن يتخذ كاتبًا ذميًا
[ ١١ / ٢٢٦ ]
أعجمي معرب (وهو: ما يجمع فيه القضايا مختومة بين يديه)؛ لأنه أحفظ له من أن يُغيّر.
(ويُسنُّ حكمُه) أي: أن يحكم القاضي (بحضرة شهود)؛ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر.
(ويحرُم) على القاضي (تعيينُه قومًا بالقبول) أي: بقبول الشهادة دون قوم؛ لأن من تثبت (^١) عدالته وجب قبول شهادته.
(ولا يصحُّ، ولا ينفُذُ حكمه) أي: حكم القاضي (على عدوّه). وجوَّز الماوردي من الشافعية حكمه على عدوه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافيه. واستشكله الرافعي بالتسوية بينهما في عمودي نسبه، وأن المشهور لا يحكم على عدوه كالشهادة عليه.
(بل يُفتي) على عدوه في الأصح؛ لأنها لا إلزام فيها. بخلاف القضاء.
(ولا) يصح ولا ينفذ حكمه (لنفسه، ولا لمن لا تُقبل شهادتُه لهم)، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه ولا لعمودي نسبه، ولو كانت الخصومة بين والديه أو بين والده وولده في الأصح؛ لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر.
ومتى عرضت له أو لأحد ممن ذكرنا حكومة تحاكما إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، " فإن عمر رضي الله تعالى عنه حاكم أبيُّا إلى زيد بن ثابت " (^٢) .
و"حاكم رب عراقيًا إلى شريح ".
و"حاكم علي رضي الله تعالى عنه رجلًا يهوديًا إلى شريح " (^٣) .
_________________
(١) في ج: تثبت.
(٢) سبق ذكره وتخريجه ص (٢١٠) رقم (٤).
(٣) عن الشعب، قال: " خرج على بن أبي طالب ﵁ إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعًا قال: فعرف علي ﵁ فقال: هذه درعي بيني وبينك قاضي المسلمين. قال: وكان قاضي المسلمين شريح كان علي ﵁ استقضاه قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس عليًا ﵁ في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصرانى. فقال له علي ﵁: أما يا شريح لو كان خصمي مسلمًا لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله =
[ ١١ / ٢٢٧ ]
و"حاكم عثمان رضي الله تعالى عنه طلحة إلى جبير بن مطعم " (^١) .
(وله استخلافُهم) أي: وللقاضي استخلاف والده وولده على القضاء؛ (كحكمه لغيرهم) أي: لغير من لا تقبل شهادته له (بشهادتهم) أي: بشهادة من لا تقبل شهادته له، يعني: كحكم القاضي على أجنبي بشهادة ولديه أو والده وولده، (وعليهم) يعني: وكالحكم على أولاده بشهادة أجنبيين (^٢) .
***
_________________
(١) = ﷺ يقول: لا تصافحوهم، ولا تبدؤهم بالسلام، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، ولجوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله. اقضي بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي ﵁: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان. قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين الدرع هي درعي. قال: فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي رضي الله عمه: صدق شريح. قال: فقال النصرانى: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه هي والله يا أمير المؤمنين درعك ابتعتك من الجيش، وقد زالت عن جملك الأورق فأخذتها، فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال: فقال علي ﵁: أما إذا أسلمت فهى لك وحمله على فرس عتيق. قال: فقال الشعبى.: لقد رأيتة يقاتل المشركين ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠: ١٣٦ كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما. سبق ذكره وتخريجه ص (٢١٠) رقم (٥).
(٢) في ب: الأجنبيين.
[ ١١ / ٢٢٨ ]
[فصل: ويسن أن يبدأ بالمحبوسين]
(فصل. ويُسنُّ) لمن ولي القضاء (أن يَبدأَ بالمحبوسين) أي: بالنظر في أمرهم؛ لأن الحبس عذاب، وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فاستُحب البدائة بهم. (فيُنفِذ ثقة) إلى الحبس (يكتُب أسماءهم، و) أسماء (من حبسهم وفيم ذلك) أي: وفي أيّ أمر حبسهم اسم كل واحد منهم في رقعة منفردة؛ لئلا يتكرر بكتابة الجميع في رقعة النظر في حال الأول فالأول منها، بل يخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كما في القرعة. (ثم يُنادى في البلد: أنه) أي. أن القاضي (ينظُر في أمرهم) أي: أمر (^١) المحبوسين في يوم كذا. فمن له خصم محبوس فليحضر؛ لأن ذلك أقرب لحضورهم من التفتيش عليهم. (فإذا جلس) القاضي (لموعده) نظر قبل كل شيء في رقاع المحبوسين فيخرج رقعة من رقاعهم، ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ (فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان) المحبوس (حُبس لتُعَدَّل البينةُ) أي: بينة خصمه عليه (فإعادته) إلى الحبس (مبنيَّة على حبسه في ذلك). والأصح حبسه في ذلك فيعاد إلى الحبس في الأصح. (ويُقبل قول خصمه) أي: خصم المحبوس: (في أنه) أي: أن القاضي (حبسه بعد تكميل بينته و) بعد (تعديلها)؛ لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحق ترتَّب عليه.
(وإن) ذكر المحبوس أنه (حبس بقيمة كلب أو خمر ذمي، وصدَّقه غريمه) على ما ذكره: (خُلّي) سبيله؛ لأن غرم هذا ليس بواجب، إن كذبه غريمه وقال: بل حُبست بحق واجب غير هذا فالقول قوله؛ لأن الظاهر أن حبسه بحق واجب.
_________________
(١) في ب: في أمر.
[ ١١ / ٢٢٩ ]
(وإن بان حبسُه) أنه (في تُهمَة أو تعزير؛ كافتيات على القاضي قبله، ونحوه)، ككونه غائبًا: (خلاَّه) أي: خلا سبيله، (أو أبقاه) في الحبس (بقدر ما يَرَى) في الأصح.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. ولعله مراد من أطلق وتعليل الشارع يدل عليه. انتهى.
وحيث تقرر: أن إبقاءه في الحبس وإطلاقه راجع إلى رأي الحاكم (فإطلاقُه) المحبوس، (وإذنه ولو في قضاء دين و) إذنه في (نفقة؛ ليرجع، ووضع ميزَاب و) وضع (بناء وغيره)، كوضع خشبة على بناء جاره، (وأمرُه) أي: أمر الحاكم (بإراقة نبيذ). ذكر القاضي مسألة إطلاقه وأمره بإراقة النبيذ في " الأحكام السلطانية " في المحتسب، (وقُرعتُه) أي: قرعة الحاكم (حكم: يَرفعُ الخلاف إن كان).
قال في " الفروع " في هذا الباب: وتقدم أن إذنه في ميزابٍ وبناءٍ وغيره يمنع الضمان؛ لأنه كإذن الجميع. ومن منع، فلأنه ليس له عنده أن يأذن، لا لأن إذنه لا يرفع الخلاف، ولهذا يرجع بإذنه في قضاء دين ونفقه وغير ذلك. ولا يضمن بإذنه في النفقة على لقيط وغيره بلا خلاف، وإن ضمن لعدمها. ولهذا إذن الإمام في أمر مختلف فيه كاف بلا خلاف. وسبق قول شيخنا: الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن أو يحكم به. فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ فعقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته، بلا نزاع. لكن لو عقد هو أو فسخ فهو فعله. وهل فعله حكم، فيه الخلاف المشهور. هذا كلامه وكذا فعله. ذكر الأصحاب في حِمَى الأئمة أن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه، كما لا يجوز نقض حكمه، وذكروا خلا الشيخ- يعني: الموفق-أن الميزاب ونحوه. يجوز بإذن، واحتجوا بـ"نصبه ﷺ ميزاب العباس" (^١) .
وفي " المغنى " وغيره في بيع ما فتح عنوة: إن باعه الإمام لمصلحة رآها صحَّ؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده " (١٧٨٩) ١: ٢١٠.
[ ١١ / ٢٣٠ ]
وفيه أيضا: لا شفعه فيها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الإمام أو نائبه.
وفيه (^١) أيضًا: أن تركها بلا قسمة وَقْفُ لها، وأن ما فعله الأئمة ليس لأحد نقضه انتهى.
(وكذا نوعُ من فعله) أي: فعل الحاكم؛ (كتزويجـ) ـه (يتيمة، وشراء عينٍ غائبة، وعقدِ نكاج بلا ولي) يعني: أن كلًا من ذلك حكم يرفع الخلاف.
قال في " الفروع ": وفعله حكمُ؛ كتزويج يتيمة، وشراء عين غائبة، وعقد نكاح بلا ولي. ذكره الشيخ يعني: به الموفق في عقد النكاح بلا وليّ وغيره، وذكره شيخنا أصح الوجهين. وذكر الأزجي فيمن أقر لزيد فلم يصدقه، وقلنا يأخذه الحاكم ثم ادّعاه المقرّ لم يصح؛ لأن قبض الحاكم (^٢) بمنزلة الحكم بزوال ملكه عنه. وذكر الأصحاب في القسمة والمطلقّة المنسية أن قرعة الحاكم كحكمه لا سبيل إلى نقضه. وفي"التعليق "و"المحرر": فعله حكمُ إن حكم به هو أو غيره وفاقًا كفتياه. فإذا قال: حكمت بصحته نفذ حكمه باتفاق الأئمة. قاله شيخنا. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وحكمُه) أي: حكم القاضي (بشيء حكمُ بلازِمه) أي: بلازم ذلك الشيء المحكوم به.
قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب في المفقود.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه. يعني: أن الحكم بالشيء لا يكون حكمًا بلازمه.
وقال في " الانتصار " في لعان عبدٍ: في إعادة فاسق شهادته لا تقبل؛ لأن رده لها حكم بالرد فقبولها نقض له فلا يجوز. بخلاف رد صبي وعبد لإلغاء قولهما.
_________________
(١) في أ: وفيها.
(٢) في " الفروع " ٦: ٤٥٥: الحاكم له.
[ ١١ / ٢٣١ ]
وقال في " الانتصار " أيضًا في شهادة في نكاح: لو قبلت لم يكن نقضًا للأول، فإن سبب الأول الفسق وزال ظاهرًا كقبول (^١) سائر شهاداته، وإذا تغيرت صفة الواقعة فتغير القضاء بها لم يكن نقضًا للقضاء الأول، بل ردت للتهمة؛ لأنه صار خصمًا فيه فكأنه شهد لنفسه أو لوليه.
وقال في " المغني ": ردّ شهادة الفاسق باجتهاده فقبولها نقض له (^٢) .
وقال الإمام أحمد في رد عبد: لأن الحكنم قد مضى والمخالفة في قضية واحدة نقض مع العلم. وإن حكم ببينة خارج وجهل علمه ببينة داخل لم ينقضر؛ لأن الأصل جريه على العدل والصحة. ذكره المصنف في " المغني " في آخر فصول من ادعى شيئًا في يد غيره. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(وإقرارُه) أي: إقرار القاضي إنسانًا (غيرَه) مكلفًا (على فعل مختلف فيه) أي: في صحته أو (^٣) في حله ليس كحكمه بصحة ذلك أو بحله؛ لأن الإقرار هنا عدم التعرض فقط.
(وثبوت شيء عنده) أي: عند القاضي (ليس حكمًا به) منه.
قال في " الفروع ": على ما ذكروه في صفة السجل، وفي كتاب القاضي وكلام القاضي هناك يخالفه. انتهى.
(وتتفيذ الحكم يتضمَّن الحكم بصحة الحكم المنفَّذ). قاله ابن نصر الله. (وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه) أي: أن التنفيذ (حكم).
قال شارح " المحرر ": نفس الحكم في شيء لا يكون حكمًا بصحة الحكم فيه. لكن لو نفذه حاكم آخر لزمه إنفاذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكومًا به. فلزم تنفيذه كغيره.
قال ابن قندس: قد فُهم من كلام الشارج أن الإنفاذ حكم؛ لأنه قال: لو
_________________
(١) في أوب: لقبول.
(٢) في ج: لها.
(٣) في ج: أي.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
نفذه حاكم آخر لزم تنفيذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكومًا به، وإنما صار محكومًا به بالتنفيذ؛ لأنه لم يحكم به وإنما نفذه فجعل التنفيذ حكمًا. وكذلك فسر التنفيذ بالحكم في " شرح المقنع الكبير " فإنه قال عند قول المصنف: فهل ينفذه: على روايتين:
إحداهما: ينفذه وعلله بأنه حكم حاكم لم يعلمه فلم يجز إنفاذه إلا بيينة.
والرواية الثانية: يحكم به.
ففسر رواية التنفيذ بالحكم. لكن قال في مسألة: ما إذا ادعى أن الحاكم حكم له بحق فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه بما حكم به عليه، وليس هذا حكمًا بالعلم وإنما هو إمضاء لحكمه السابق. فصرح أنه ليس حكمًا مع أن رواية التنفيذ المتقدمة التي فسرها بالحكم إنما هي إمضاء لحكمه الذي وجده في قِمَطْره فهما بمعنى واحد، وقد ذكروا في السجل: أنه لأنفاذ ما ثبت عنده والحكم به وأنه يكتب، وأن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب فى مثله ونفذه وأشهد الماضي فلان على إنفاذه وحكمه وإمضائه من حضره من الشهود، فذكروا الإنفاذ والحكم والإمضاء، وذكروا أنه يكتب على كل نسخة من النسختين أنها حجة فيما أنفذه فيهما فدل على الإنفاذ حكم؛ لأنهم اكتفوا به عن الحكم والإمضاء والمراد الكل. انتهى كلام ابن قندس.
(وفي كلام بعضهم) أي: بعض الأصحاب: (أنه) أي: التنفيذ (عملُ بالحكم) المنفذ، (وإجازة له، وإمضاء كتنفيذ الوصية) أي: كتنفيذ الوارث الوصية وإجازتها فيما إذا أوصى المورث بقدر زائد على الثلث. وقد (^١) تقدم كلام ابن نصر الله: أن تنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ " وقد قدم قوله هذا في " التنقيح " وتبعته عليه.
وقال ابن نصر الله أيضًا في "حواشي الفروع ": لم يتعرض الأصحاب للتنفيذ هل هو حكم أم (^٢) لا؟ والظاهر أنه ليس بحكم بالمحكوم به، إذ [الحكم
_________________
(١) في أوب: قد.
(٢) في ج: أو.
[ ١١ / ٢٣٣ ]
بالمحكوم (^١) به تحصيل للحاصل وهو محال، وإنما هو عمل بالحكم وإمضاء له كتنفيذ الوصية وإجازة له، فكأنه يجيز هذا] (^٢) المحكوم به بعينه لحرمة الحكم وإن كان جنس ذلك المحكوم به غير جائز عنده. انتهى (^٣) .
وقال ابن الفرس الحنفي: وأما التنفيذ فالأصل فيه [أن يكون حكمًا] (^٤) إذ من صيغ القضاء قول القاضي: أنفذت عليك القضاء. وقالوا: وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه بشروطه المذكورة في كتب الفقه وهذا هو التنفيذ الشرعي في الأصل. ومعنى رفع إليه أي: حصلت عنده فيه خصومة شرعية من مدع على خصم لا على الصفة التي يرفع بها الآن، فإذا حصل التنفيذ على هذا الوجه فهو حكم. والأصل في ذلك: أن الحادثة الشخصية الواحدة يجوز شرعًا أن تتوارد عليها الأحكام المتعددة المتفقة في الحكم الشرعي في المسألة الذي هو مذكور في كتب الفقه الذي هو (^٥) مورد الحكم الذي هو القضاء، والظاهر: أن هذا الأصل إجماعًا (^٦) . وأما التنفيذ المتعارف الآن فهو المستعمل غالبًا ومعناه إحاطه القاضي الثاني علمه (^٧) بحكم القاضي الأول على وجه التسليم له، وأنه غير مغير (^٨) عنده. ويسمى اتصالًا ويتجوز بذكر الثبوت والتنفيذ فيه. انتهى.
(والحكم بالصحة) في عقود المعاوضات (يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعًا.
والحكم بالموجب حكم بموجَب الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها)، كبالإقرار. (فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعَى به الحكمُ
_________________
(١) في ج: بالموجب.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: به غيره انتهى.
(٤) ساقط من ب.
(٥) في ب: الفقه وهو.
(٦) في أوب: إجماعي.
(٧) في ب: علما.
(٨) في ب: معترض.
[ ١١ / ٢٣٤ ]
فيها بالموجَب: حكمُ بالصحة. وغيرُ المشتملة على ذلك) أي: على ما يقتضي صحة العقد (الحكمُ فيها بالموجَب ليس حكمًا بها) أي: بالصحة. قال ذلك ابن نصر الله.
(وقال بعضهم) وهو الشيخ الإمام الشيخ تقي الدين السبكي (^١) وتبعه عليه ابن قندس من أصحابنا: (الحكم بالموجَب يستدعي صحة الصيغة، وأهليَّة التصرُّف. ويزيدُ الحكم بالصحة كونَ تصرُّفِه في محله.
وقال) السبكي (أيضًا: الحكم بالموجب هو: الأثرُ الذي يوجبه اللفظ، وبالصحة كون اللفظ بحيث يترتَّب عليه الأثر. وهما مختلفان: فلا يُحكم بالصحة إلا باجتماع الشروط. والحكم بالإقرار ونحوه كالحكم بموجبه) في الأصح. (والحكم بالموجَب لا يشمل الفساد. انتهى).
قال (المنقح: والعمل على ذلك. وقالوا) أي: الأصحاب: (الحكم بالموجَب يرفع الخلاف).
قال ابن نصر الله (^٢): كثيرًا ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة والحكم بالصحة أخرى. وقد اختلف كلام المتأخرين من الفقهاء في الفرق بينهما وعدمه. ولم أجد لأحد من أصحابنا كلامًا منقولًا في ذلك. والذي نقوله بعد الاعتصام بالله ورسوله وسؤاله التوفيق: أن (^٣) الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعًا. فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عينًا واعترف المدعى عليه (^٤) بذلك لم يجز للحاكم الحكم بالصحة، أي: بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعي المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك. فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكفِ في جواز الحكم بالصحة؛ لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه
_________________
(١) في أ: الشيخ الإمام السبكي.
(٢) في ب: قال المحب ابن نصر الله.
(٣) في أ: إلى.
(٤) في ج زيادة: ببينة.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
فلا بد من بينة تشهد بملكه وحيازته حالة البيع حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة.
وأما الحكم بالموجَب بفتح الجيم من الموجِب فمعناه (^١) الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها هذا هو معنى الموجب، ولا معنى للموجب غير ذلك. فإذا قيل في السجل وحكم بموجب ذلك، فإنما يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلانى بدعوى مدعٍ وقيام البينة على دعواه أو (^٢) بدعواه الثابتة (^٣) بطريق من طرق الثبوت؛ كعلم القاضي وغير ذلك.
وحينئذ تكون الإشارة بذلك في قوله: حكم بموجب ذلك إلى الأمر المدعى به (^٤) الثابت، وحينئذ ينظر في الدعوى فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به كان الحكم بموجبها حكمًا بالصحة، وإن لم يشتمل على ما يقتضي صحة العقد المدعى به لم يكن الحكم بموجبها حكمًا بالصحة. ويتبين ذلك بمثالين:
الأول: أن يدعي أنه باعه هذه العين وهي في ملكه وحيازته ولا مانع له من بيعها وتشهد البينة بذلك كله، فإذا حكم الحاكم في ذلك بموجبه كان ذلك حكمًا بصحة البيع؛ لأن موجب الدعوى في هذه الصورة صحة انتقال الملك إليه؛ لاستيفاء شروطه وصحة العقد وقد حكم به فيكون حكمًا بالصحة. وهذا ظاهر جلي، إذ موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته فهي موجبة له وهو موجب لها والذي أوجبته في هذه الصورة صحة العقد كما ذكرناه.
فإن قيل: الصحة لم يقع لها دعوى فكيف يصح الحكم بها؟
قيل: إن لم تقع في الدعوى صريحًا فهي واقعه فيها ضمنًا؛ لأن مقصود المشتري من الحاكم ذلك.
_________________
(١) في ب: فمعناها، وفي ج: معتاه.
(٢) في ب: أي.
(٣) في: الثانية.
(٤) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
المثال الثانى: أن يدعي أنه باعه هذه العين ولا يدعي أنها ملكه فيعترف له البائع بالبيع أو ينكر، فتقوم البينة فيحكم الحاكم بموجب ذلك. فموجب الدعوى في هذه الصورة هو حصول صورة بيع بينهما ولم تشتمل (^١) الدعوى على ما يقتضي صحة ذلك البيع؛ لأنه لم يذكر في دعواه أن العين كانت ملكًا للبائع ولم تقم بذلك بينة وصحة العقد متوقفة على ذلك. فلا يكون الحكم بالموجب هنا حكمًا بالصحة أصلًا. بخلاف التي قبلها.
وقد تبين مما ذكرناه أن الحكم بالموجَب تاره يكون الحكم (^٢) بالصحة وتارة لا يكون كذلك. وهذا إشكال وهو أن يقال: أي فائدة تبقى للحكم بالموجب إذا لم تجعلوه حكمًا بالصحة إن قلتم فائدته ثبوت ذلك؟ قيل: الثبوت قد يستفاد مما يكون قد سبق من الألفاظ، وأيضًا الثبوت لا يقال له (^٣) حكم به. وإن قلتم فائدته الإلزام بتسليم العين. قيل: ذلك لم يقع في الدعوى فكيف يحكم بما لم يدع به؟
وجوابه: أن فائدة الحكنم بالموجَب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد. وفائدته: أنه لو أراد العاقد رفع هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله لم يجز له ذلك ولا للحاكم حتى يتبين موجب لعدم صحة العقد. فلو وقف على نفسه ورفعه إلى حنبلي فحكم بموجبه لم يكن لحاكم شافعى بعد ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونه وقفًا على النفس. وحاصله: أنه حكم على العاقد بمقتضى عقده لا حكم بالعقد ولا يخفى ما بينهما من التفاوت. انتهى.
وقد صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي الشافعي تغمده الله برحمته وُريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب (^٤) فأحببت إيرادها كلها هنا لعموم النفع بها. وهي:
_________________
(١) في أ: أو لم تشتمل.
(٢) في ب: كالحكم.
(٣) في ب: فيه.
(٤) رسالة الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي الشافعي وقفت على نسختين منها، الأولى: نسخة شيستربتى تحب رقم ٤٤٦٣/ ٢ ضمن مجموع، وتاريخ نسخها سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة، وتقع في أربع=
[ ١١ / ٢٣٧ ]
أما بعد. حمدًا لله ولي النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه خير الأمم. فقد عهدنا الحكام على طريقة في الحكم بالصحة والحكم بالموجب وهي: أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به حكم بصحته، وإن لم تقم البينة باستيفاء شروطه حكم بموجبه فالحكم بالموجب عندهم أحط مرتبة من الحكم بالصحة. ويرد على ذلك شيئان:
أحدهما: أن المرجح فيما لو طلب جماعة في أيديهم أرض من القاضي قسمتها بينهم من غير إقامة البينة على أنها ملكهم لا يجيبهم القاضي إلى ذلك.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في " حواشي الروضة ": يخرج من هذا (^١): أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هنا (^٢) يأتي هناك.
قلت: وفي هذا نظر فإن القسمة تتضمن إفراز نصيب كل واحد وصيرورته معينًا بعد أن كان مشاعًا وقد لا يكون الرافعون له مالكين لذلك فيكون متصرفًا في ملك غيره [بغير إذنه.
[وأما الحكم بالصحة أو الموجَب فإنما هو في تصرف صدر من غير الحاكم ورفع إليه فقد يحكم بصحته وقد يحكم بموجبه] (^٣)، والاصطلاح: أن الأول: يكون عند قيام البينة [باستيفاء الشروط، والثانى: يكون عند إهمال البينة بذلك. فأما لو قامت البينة بـ] (^٤) وقوعه على خلاف الشروط المعتبرة فإنه لا يحكم فيه بصحة ولا موجب. وعلى كل تقدير فلم يتصرف الحاكم في ملك
_________________
(١) = ورقات. والأخرى مصورة عن نسخة شيستربتي أيضًا تحت رقم ٧٨ ضمن مجموع وعدد أوراقها ست ورقات. وقد استفدت منهما كثيرًا في تصحيح بعض المواضع. في ج: هنا.
(٢) في ج: قبل هذا.
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من النسخ المخطوطة، والزيادة من نص رسالة العراقي.
[ ١١ / ٢٣٨ ]
غيره] (^١) بل الغير هو المتصرف، والصادر من الحاكم حكم على ذلك التصرف (^٢) فلا يلزم من امتناع الحاكم من القسمة هنا امتناعه من الحكم بالموجب، وإن لم تقم البينة باستيفاء الشروط. ثم إن قول الأصحاب: أنه لا يجيبهم هل أرادوا به لا تجب إجابتهم أو لا تجوز إجابتهم؟ لم أر تصريحًا بذلك. والظاهر الأول وهو انتفاء الوجوب لا الجواز.
الشيء الثانى: أن ما نقلته من عمل الحكام (^٣) يدل على أن الحكم بالموجَب لا يزيد على الثبوت المجرد شيئًا، لكن ما زالوا يرون للحكم بالموجب تمييزًا على مجرد الثبوت. والله ﷾ أعلم.
ووجدت لشيخنا الإمام البلقينى رحمه الله تعالى فروقًا أبدأها في الفرق بين الحكم بالصحة (^٤) والحكم بالموجَب وكنت سمعتها منه أو بعضها، وفي كلها أو بعضها نظر سأذكره.
فالفرق الأول: أن الحكم بالصحة منصب إلى إنفاذ ذلك الصادر من بيع ووقف ونحوهما والحكم بالموجب منصب إلى أثر ذلك الصادر.
قلت: وفيما ذكره نظر، فإنه إذا كان الحكم بالصحة منصبًا إلى إنفاذ ذلك الصادر ترتب عليه إنفاذ آثاره. وكيف ينفذ ذلك الأمر ولا ينفذ أثره المقصود منه؟ ولا سيما قد عّرف غير واحد من أهل الأصول الصحة بأنها استتباع الغاية أي: كون الشيء بحيث تتبعه غايته ويترتب وجودها على وجوده. فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه؛ لأن هذا هو معنى الصحة. وكيف يقال في الحكم بالموجَب أنه منصب إلى الآثار خاصة؟ وكيف تثبت الآثار بدون ثبوت المؤثر لها؟ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك. فلولا صحة ذلك العقد لما حكم القاضي بترتب آثاره عليه. فالصواب تضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة وإلا لما يترتب عليه الآثار، فالصحة هي الحكم
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: الأحكام.
(٤) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٣٩ ]
الجامع (^١) لجميع الآثار. وحينئذ فيظهر استواء الحكم بالصحة والحكم بالموجَب؛ لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح عنده (^٢) دون ما فسد ولا يصح الشيء وتتخلف آثاره عنه. فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه. والتحقيق: أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها للاتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها، فإن موجب الشيء هو مقتضاه وهو مفرد مضاف فيعم كل موجب. بخلاف لفظ الصحة فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمين لا بالتنصيص عليها. ومقتضى ذلك: أن يكون الحكم بالموجب أعلا وهو بخلاف الاصطلاح. وكأن الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما ثبت فيه وجود الشروط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم؛ لعدم ثبوت وجود الشروط (^٣) فيه. لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن ولا يظهر للفرق المذكور معنا من جهة اللغة (^٤) ولا من جهة الشرع. فلا ينبغي أن يصدر من حاكم حكم إلا بحجة معتبرة إما ببينة، وإما بعلم، وإما إقرار الخصم الذي هو صاحب اليد، وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك الحكم بإقرار أو ببينة. وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة لا في أصل الحكم فإنى أوافق عليه. فإذا قامت البينة فحكم بالصحة فقد حكم بترتب غايته عليه من غير تنصيص علمها لا لعموم ولا لخصو ص، وإن حكم بالموجب فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه، فإن صيغة العموم في تناولها لكل فرد فرد كلية فكأنه نص بذلك على جميع آثاره.
فإن قلت: فهل يترتب عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها؟.
قلت: أما المتفق عليها فلا يحتاج فيها (^٥) إلى حكم (^٦) .
_________________
(١) في ج: فالصحة بالحاكم الجامع.
(٢) زيادة من رسالة الحافظ العراقي.
(٣) في ج: الشرط.
(٤) في ج: اللفظ.
(٥) في أ: فيه.
(٦) في أزيادة: لكن إذا حكم فيها فماذا؟ ولعله يقول بالصحة. ولهذا سكت عنها اكتفاء بما ذكر.=
[ ١١ / ٢٤٠ ]
وأما المختلف فيها فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه نفذ وما لم يجيء وقت الحكم فيه لم ينفذ.
مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير. فمن موجبه منع بيع المدبر فقد حكم الحنفي بذلك في وقته؛ لأنه منع السيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه [لمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه؛ لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن تحكم بصحة بيعه لو صدر فإنه ارتكب ببيعه محرمًا قد منعه منه جائز الحكم، فصار هذا المدبر بهذا الحكم كأم الولد.
ومثال الثانى: أن يعلق شخص طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها فيحكم مالكي أو حنفي بموجَبه. فإذا تزوج بها وبادر شافعي وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق نفذ حكمه ولم يكن ذلك نقضًا لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق؛ لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها فإنه أمر يقع إلى الآن فكيف يحكم على ما لم يقع؟.
والحكم إنما يكون في شخص فما هذا منه إلا فتوى وتسميته حكمًا جهل أوتجوّز يعني: به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه منه وألزم به وكيف يُلزم بما لم يقع؟.
ومما يوضح ذلك: أنه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب بل حكم بهذه الجزئية (^١) خاصة فقال: حكمت بوقوع الطلاق إن تزوجها لم يصادف ذلك محلًا وعد سفهًا وجهلًا. وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه؟ فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه. بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره حكمت بمنع بيعه، فإنه حكم
_________________
(١) = والظاهر: أن الحكم فيها بالصحة والموجَب سيان، وأن الحكم فيها هما في ورفعة على الثابت المجرد. وهي ليست في موجودة في رسالة الشيخ العراقى. في ج: الجزية.
[ ١١ / ٢٤١ ]
صحيح على مذهبه وقع في محله ووقته فنفذ (^١) وما لم يجز نقضه. فافهم ذلك فإنه حسن وقع بسبب عدم تدبيره خبط في الأحكام وقد ظهر أن توجيه الحنفي أو المالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها مُحال وحكمه بمنع التزويج بها أفسدُ منه، فإن النكاح صحيح بلا توقف وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح ولا يدرى هل بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع النكاح، كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق في عصمة لا يدرى هل هذه تقع في الوجود أو لا؟ فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح وإنما وقع تعليقه خاصة والتعليق غير موقع في الحال فكيف يحكم على شيء لم يوجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب الألمعية الخالي عن العصبية. والله تعالى أعلم.
وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة فقد عرفت المدرك الذي أوجب الفرق بينهما.
الفرق الثانى بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: أن الحكم بالصحة لا يختص بأحد والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك.
قلت: وفي هذا الفرق أيضًا (^٢) نظر. فإذا وقف الإنسان شيئًا من أملاكه على نفسه ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد أحد ورثته أن يبيعه فمنعه حنفي وحكم بموجب الوقف المذكور لم يختص ذلك الحكم به في حصته، فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه لم يصح وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟ فلو بادر شافعي وحكم عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور وهو البطلان عنده أيحكم حنفي بعد ذلك بمنع بيع الوارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور؟ هذا بعيد. والله أعلم.
الفرق الثالث: أن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط والحكم
_________________
(١) في ج: فينفذ.
(٢) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٤٢ ]
بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط وإنما مقتضاه ثبوت (^١) صدور ذلك الحكم على المصدر بموجب ما صدر منه.
قلت: وفيه نظر أيضًا فقد قدمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة امتناع القاضى من القسمة فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها أن الحكم لا يقع بصحة ولا بموجب إلا بعد استيفاء الشروط. وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن وفيه ما قدمته. ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظرًا، فكان ينبغي التعبير بأن الحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوى الشروط فيه؛ فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته حتى تثبت شروط البيع من كون المبيع طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه مملوكًا للعاقد أو لمن وقع له العقد معلومًا. بخلاف الحكم بالموجب فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضى بثبوت جميع الآثار ثابتًا فيما إذا لم يثبت عنده أن العاقد استوفى الشروط [وينتفي فيما إذا ثبت أنه استوفى الشروط] (^٢) . هذا مما (^٣) لا يعقل. والله أعلم.
الفرق الرابع: أنه إذا كان الصادر صحيحًا باتفاقٍ ووقع الخلاف في موجبه فالحكم بالصحة لا يمنع من العمل بموجبه عند غير الحاكم بالصحة، ولو حكم فيه بالموجب امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب.
قلت: لا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الحكم بالموجب أنه يمتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب لا بد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه فمتى لم يجيء وقته فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده وإن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول. والله أعلم.
الفرق الخامس: أن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر
_________________
(١) زيادة من رسالة الشيخ العراقي.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) في أوب: ما.
[ ١١ / ٢٤٣ ]
به أو قامت به البينة كان الحكم حينئذ بالإلزام وهو الموجب ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، ومن ذلك: أن ما ليس له وجهان صحة وإبطال لا يدخل فيه الحكم بالصحة إنما يدخل فيه الحكم بالموجب.
قلت: لم يظهر لي هذا الفرق فإن مقتضاه: أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلًا واعترف بذلك بمجلس الحكم أو قامت عليه بينة بالاعتراف لم يسغ (^١) القاضي الحكم بالصحة في الاعتراف (^٢) المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب. ولا يظهر له معنى فليتأمل. وقد رجع الشيخ رحمه الله تعالى إلى ما ذكرته أولًا من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. والله أعلم.
الفرق السادس: أن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ فى المختلف فيه ويكون بالموجب إذا أريد به الإلزام بحكم الحاكم فى الحكم المختلف فيه، فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة فيكون قول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان مساو لقوله: حكمت بموجب حكم فلان إذا أريد به (^٣) هذا المعنى وهو: الإلزام بحكم الحاكم، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم فيه فيجوز ذلك من الموافق ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول وذلك لا يجوز عند المخالف.
قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب، لأنه ذكر أنه إذا أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء من غير توسط حكم المخالف امتنع ذلك بالصحة وبالموجب فإن المخالف لا يراه وليس هذا تنفيذ بل ابتداء حكم بما لا يراه الحاكم به. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: يسمع.
(٢) في ج: بالاعتراف.
(٣) ساقط من أوب.
[ ١١ / ٢٤٤ ]
وذكر شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله تعالى: أنه يستوي الحكم بالصحة والحكم بالموجب في مسائل:
منها: حكم الحنفي بصحة النكاح بلا ولي أو بموجبه ليس للشافعي نقضه.
ومنها: حكمه بشفعه الجوار لا ينقضه الشافعي، سواء حكم بصحه ذلك أو بموجبه.
ومنها: حكمه بالوقف على النفس لا ينقضعه الشافعي، سواء حكم في ذلك بالصحة أو بالموجب.
ومنها: حكم الشافعي في إجازة الجزء الشائع من دار أو عبد أو نحوهما ليس للحنفي إبطاله، سواء حكم فيه بالصحة أو بالموجَب.
وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى افتراقهما في مسائل يكون في بعضها الحكم بالصحة أقوى وفي بعضها (^١) الحكم بالموجب أقوى.
فالقسم الأول: كما لو حكم شافعي (^٢) بموجَب الوكالة بغير رضى الخصم. فللحنفي الحكم بإبطالها ولو حكم بصحتها لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأن موجبها المخاصمة صحت أو فسدت لأجل الإذن. فلم يتعرض الشافعي للحكم بالصحة، وإنما تعرض للأثر، فساغ للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأنه يقول للشافعي: جردت (^٣) حكمك للازم ولم تتعرض لصحة الملزوم ولا عدمه، وأنا أقول بإبطالها فلم توقع الحكم في محل الخلاف؟ هذا كلام شيخنا. وفيه نظر لما تقدم من أن الحكم بالآثار يتوقف على الحكم بالمؤثر فلولا صحة عقد الوكالة لما حكم بترتب آثارها. وقد تقدم من كلامه الأخير: أن بيان الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.
فإن قلت: الوكالة يترتب عليها أثرها وهو صحة التصرف بعموم الإذن ولو كانت فاسدة.
_________________
(١) في ج: ويكون في بعضها.
(٢) في ج: الشافعي.
(٣) في ب: جردتك، وفي ج: جرت.
[ ١١ / ٢٤٥ ]
قلت: من جملة موجبها ومقتضاها صحتها عند الشافعي ولو لم يرض الخصم اللازم فقد تناوله حكمه. ولا نسلم قول الحنفي أن الشافعي جرد حكمه للازم ولم يتعرض لصحة الملزوم ولا بطلانه، بل قد تعرض لها ضمنًا كما اعترف به الشيخ رحمه الله تعالى، أو صريحًا كما اعتقده؛ لأن الصحة من جملة الموجب فقد دخل في حكمه بالموجب. لأنه مفرد مضاف فيعم جميع الواجب. ولو كان التوكيل عند الشافعي فاسدًا كالوكالة المعلقة لم يسغ له الحكم بموجب الوكالة اعتمادًا على صحة التصرف بعموم الإذن؛ لما ذكرناه من أن من جملة المواجب الصحة والوكالة المذكورة باطلة (^١) فلم يثبت جميع موجبها. فإذا حكم فليوجه حكمه إلى ما يترتب من الآثار وهو صحة التصرف، ولا يأتي بصيغة تعم جميع المواجب لفساد ذلك. والله ﷾ أعلم.
والقسم الثانى له أمثلة:
منها: لو حكم الحنفي بصحة التدبير لم يمتنع على الشافعي الحكم بالبيع؛ لأنه عند الشافعي صحيح ولكن يباع. فلو حكم بموجب التدبير لم يكن للشافعي الحكم بالبيع؛ لأن من موجب التدبير عنده عدم البيع.
ومنها: لو حكم شافعي بصحة شراء الدار التي لها جار فإنه يسوغ للحنفي أن يحكم بأخذ الجار (^٢) بالشفعة؛ لأن البيع عنده صحيح مسلط لأخذ الجار كما يقول الشافعي في بيع أحد الشركاء. ولو حكم الشافعي بموجب شراء الدار المذكورة فليس للحنفي أن يحكم بأخذ الجار؛ لأن من موجبه عنده دوامه واستمراره.
ومنها: لو حكم شافعي بصحة إجارةٍ ثم مات المؤجر فإن للحنفي إبطالها بالموت ولو حكم بموجب الإجارة لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها بالموت؛ لأن من موجبها الدوام والاستمرار للورثة.
_________________
(١) زيادة من رسالة الشيخ العراقي.
(٢) في أوب: الدار.
[ ١١ / ٢٤٦ ]
قلت: هذه الصورة الثالثة ممنوعة. والفرق بينها وبين الصورتين التي (^١) قبلها: أنه وقع الحكم فيها بالموجب بعد دخول وقته فنفذ؛ لأنه لما حكم فيها بموجب التدبير فقد منعه من البيع الذي يسوغه الشافعي، ولما حكم بموجب شراء الدار التي لها جار فقد منع الجار من الأخذ بالشفعة. فامتنع ذلك عليه؛ كما لو وجه الحكم إلى ذلك صريحًا فإنه ينفذ ويعمل به. ولا فرق بين الحكم بالشيء بخصوصه وبين الحكم بصيغة عامة تشمله.
وأما الصورة الثالثة: لما حكم الشافعي فيها بموجب الإجارة قبل موت المستأجر لم يكن توجه حكمه إلى عدم الانفساخ؛ لأنه لم يجئ وقته ولم يوجد سببه ولو وجه الحكم إليه فقال: حكمت بعدم انفساخ الإجارة إذا مات المستأجر لم يكن ذلك حكمًا. وكيف يحكم على ما لم يقع ولا يدري هل يقع أو لا؟ فتسميته هذا حكمًا إما جهل وإما تجوز كما قدمناه.
وفي حكم مالكي أو حنفي بموجب تعليق طلاق امرأة معينة على التزويج بها قبل التزويج بها، فإنه لا يدخل في موجبه (^٢) وقوع الطلاق بعد التزويج. فإن التزويج إلى الآن لم يقع وقد لا يوجد فلا يمكن الحكم على معدوم لم يدخل في الوجود. فهذه الصورة وتلك من واد واحد. وإذا ظهر ما ذكرناه من الفرق عرفت المسائل واتضحت ولم يشكل منها شيء.
وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى أن ضابط ذلك: أن المتنازع فيه إن كان صحة ذلك الشيء وكانت لوازمه لا تترتب إلا بعد صحته كان الحكم بالصحة رافعًا للخلاف واستويا حينئذ، وإن كان المتنازع فيه الآثار واللوازم كان الحكم بالصحة غير رافع للخلاف وكان الحكم بالموجب رافعًا وقوى الموجب حينئذ، وإن كانت آثاره تترتب مع فساده قوى الحكم بالصحة على الحكم بالموجب. قلت: قوله: فيما إذا كان النزاع في الآثار واللوازم أن الحكم بالموجب
_________________
(١) زيادة من رسالة الشيخ العراقي.
(٢) في ج: موجبها.
[ ١١ / ٢٤٧ ]
رافع للخلاف محله: أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم؛ لأنه في جملة أفراده وقد جاء وقته. وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه. وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم بالصحة أقوى من الموجب لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة فأغنى بذلك عن إعادته. والله ﷾ أعلم (^١) .
وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه وحكم الشافعي بموجب شراء الدار التي لها جار يمنع الحنفي من الحكم بجواز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المستأجر بانفساخها (^٢)، وحكم الحنفى أو المالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزوج بها. والفرق بين المسائل ما قدمناه: من أن الحكم في الصورتين الأولتين على الشيء بعد وجوده ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه، وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيهما إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه. ولنذكر مثالًا آخر فيه توقف وهو: ما إذا وقف إنسان وقفًا وجعل لنفسه التغيير (^٣) فيه والزيادة فيه والنقص منه وحكم حنفي بموجبه ثم وقع منه التغيير هل للشافعي المبادرة بعد التغير إلى الحكم بإبطاله؟ يحتمل أن يكون كالمسألتين الأولتين فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه منه ولا الحكم بإبطاله لو وقع، ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛ لأن التغيير إلى الآن لم يقع ولا يلزم من إذن الحنفي له في التغيير وقوعه فقد يغير وقد لا يغير فلا يدخل
_________________
(١) في أوب: والله أعلم.
(٢) في أ: بانقسامها.
(٣) فى ج: التعيين.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
ذلك بعد الحكم بالموجَب، فإن الحنفي لو وجه حكمه الآن إليه بعينه وقال: حكمت بموجب التغيير أو صحته لم يصح؛ لأنه حكم على الشيء قبل وقوعه. والله أعلم.
وقد تحرر في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب أن الحكم بالصحة متوجه إلى نفس العقد صريحًا وإلى اثاره تضمنًا، وأن الحكم بالموجب متوجه إلى آثاره صريحا وإلى نفس العقد تضمنًا فليس أحدهما أقوى من الآخر إلا على ما بحثته من توجه الحكم بالموجب إلى صحة العقد وجميع آثاره صريحًا، فإن الصحة من مواجبه (^١) . فيكون الحكم بالموجب حينئذ أقوى مطلقًا لسعته وتناوله الصحة وآثارها. والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام الشيخ ولي الدين العراقي.
ولنرجع الآن إلى ما في المتن من قوله: وإن بان حبسه في تهمة أو تعزير كافتيات على القاضي قبله ونحوه خلاه أو أبقاه بقدر ما يرى.
(ومن لم يُعرف خصمه، وأنكره) أي: أنكر المحبوس أن يكون له خصم بأن قال: حبست ظلمًا ولا حق عليّ ولا خصم لي: (نُودي بذلك) في البلد.
قال في " المقنع " ومن تبعه: ثلاثًا.
وقال في "المحرر" و"الفروع " وغيرهما: نودي بذلك من غير ذكرهم ثلاثًا.
قال في " الإنصاف ": قلت: يحتمل أن مراد من قيد بالثلاث.: أنه يشتهر بذلك، ويظهر غريم إن كان في الغالب.
ومراد من لم يقيد: أنه ينادى عليه حتى يغلب على الظن أنه ليس له غريم ويحصل ذلك في الغالب في ثلاث فيكون المعنى في الحقيقة واحدًا. انتهى.
(فإن لم يُعرف) له خصم بعد ما ذكر (حلَّفَه) أي: حلف الحاكم المحبوس (وخلاَّه) أي: أطلقه؛ لأن الظاهر أنه لو كان له خصم لظهر.
_________________
(١) في ج: موجبه.
[ ١١ / ٢٤٩ ]
(ومع غَيبة خصمه) أي: ومع معرفة خصمه وغيبته (يَبعث إليه، [ومع تأخُّره بلا عذر يُخلَّى، والأولى) أن يكون ذلك (بكفيل)] (^١) .
قال في " الإنصاف ": لو كان خصمه غائبًا: أبقاه حتى يبعث إليه على الصحيح من المذهب. قدمه في " الفروع " و" الرعايتين ".
وقيل: يخلى سبيله؛ كما لو جهل مكانه، أو تأخر بلا عذر.
قلت: وهو ضعيف.
وقال في " الفروع ": والأولى: أن لا يطلقه إلا بكفيل. واختاره في" الرعا ية ".
قلت: وهو عين الصواب إذا قلنا: يطلق. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
***
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٥٠ ]
[فصل: النظر في أمر الأيتام]
(فصل. ثُم) بعد نظره في أمر المحبوسين ينظر (في أمر أيتام ومجانين ووُقوف ووصايا)، حيث كان الأيتام والمجانين (لا وليَّ لهم، و) كانت الوقوف والوصايا (لا ناظر) لها؛ لأن هذه أموال يتعلق به حفظها وصرفها في وجوهها فلا يجوز إهمالها. فينظر فيما ليس له منها ناظر معين؛ لأن المنظور عليه إن كان من الأيتام أو من المجانين لم تمكنهم المطالبة؛ لأنهم لا قول لهم، وإن كان مستحقوا الأوقاف من الفقراء لم يملكوا التكلم على الوقوف؛ لعدم تعيينهم لذلك.
إذا تقرر هذا (فلو نفَّذ) الحاكم (الأول وصية موصَّى إليه: أمضاها الثانى) وجوبًا؛ لأن الأول ما نفذ وصيته إلا بعد معرفة أهليته في الظاهر، ولكن يراعيه. فإن تغيرت حاله بفسقٍ أو ضعف أضاف إليه أمينًا قويًا يعينه، وإن كان الأول ما نفذ وصيته نظر فيه، فإن كان قويًا أمينًا أقره، وإن كان ضعيفًا أمينًا ضم إليه من يعينه، وإن كان فاسقًا عزله وأقام غيره على الأصح، وإن كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهلُ للوصية نفذ تصرفه، وإن كان ليس بأهل وكان الموصى لهم بالغين عاقلين معينين صح دفعه إليهم، لأنهم قبضوا حقوقهم.
(فدلَّ) وجوب إمضاء الحكم الثانى ما نفذه الأول من الوصايا (أن إثبات صفةٍ) من الحاكم (كعدالة، وجَرح، وأهليَّة موصى إليه، ونحوه)؛كأهلية حضانة ونظر على وقف (حكمُ) خلافا لمالك (يقبله حاكم) آخر وان له إثبات خلافه.
(ومن كان من أُمناء الحاكم للأطفال، أو الوصايا التي لا وصيَّ لها ونحوِه بحاله: أقره، ومن فسق: عزَلَه.
[ ١١ / ٢٥١ ]
ويَضُم إلى ضعيف أمينًا. وله إبدالُه) وتقدمت الإشارة إلى ذلك في الشرح، (و) له (النظر في حال قاضٍ قبله، ولا يجب) عليه ذلك في الأصح؛ لأن الظاهر صحة أحكامه، وأنه لا يولى القضاء إلا من هو أهل للولاية.
(و) حيث تتبعها فإنه (يحرُم أن يَنقُضَ من حكم) قاض (صالح للقضاء غيرَ ما) أي: غير حكم (خالف نصَّ كتاب الله تعالى، أو) خالف نص (سنة متواترة، أو) غير حكم خالف نص (آحاد) من السنة. والمخالف لذلك؛ (كـ) الحكم بـ (قتل مسلم بكافر، و) كالحكم بـ (جعل من وُجد عينُ ماله عند (^١) من حُجر عليه) لفلس (أسوةَ الغرماء، أو) غير حكم خالف (إجماعًا قطعيًا)؛ لأنه لو قيل بجواز نقض غير ما ذكر من أحكام القاضي لأدى إلى جواز نقض الحكم بمثله، ولأدى إلى أنه لا يلزم حكم أصلًا وهذا هو الأصح.
وقيل: ينقض ما خالف إجماعًا ظنيًا.
وقيل: وما خالف قياسًا جليًا.
وعن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا: لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع.
ثم ناقضًا قولهما فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه.
وقال أبو حنيفة: إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه.
وقال محمد بن الحسن: إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه.
وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة.
واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف.
فلم ينقض حكمه فيه؛ كما لا نص فيه.
ولنا: على نقضه إذا خالف نصًا؛ لأنه قضاء لم يصادف شرطه. فوجب نقضه؛ كما لو خالف الإجماع.
_________________
(١) في ج: عين مال عينه عند.
[ ١١ / ٢٥٢ ]
وبيان مخالفته للشرط (^١): أن شرط الحاكم بالاجتهاد عدم النص (^٢)، بدليل خبر معاذ بن جبل (^٣) .
ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرّط. فوجب نقض حكمه؛ كما لو خالف الإجماع، أو كما لو حكم بشهادة كافرين.
(أو ما يعتقده) يعني: أنه متى حكم القاضي بحكمٍ لايعتقد صحته: (فـ)، إنه (يلزم نقضه)، لاعتقاده بطلان حكم نفسه.
وأما إذا اعتقد صحته وقت الحكم ثم تغير اجتهاده من غير أن يخالف ما حكم به نصًا ولا إجماعًا، أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقض؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على ذلك؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حكم في مسائل باجتهاده وخالفه عمر فلم ينقض أحكامه (^٤)، وعلي رضي الله تعالى عنه خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه.
و"جاء أهل نجران إلى علي. فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابهك بيدك وشفاعتك بلسانك. فقال: ويحكم إن عمر كان سيد الأمر. لا أرد قضاء قضى به عمر " رواه سعيد.
وروي " أن عمر رضي الله تعالى عنه حكم في مسألة المشركة بإسقاط الأخوة من الأبوين. ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي (^٥) " (^٦) .
وقضى في إرث الجد بقضايا مختلفة ولم يرد القضاء الأول (^٧) .
_________________
(١) في ج: الشرط.
(٢) في ج: النقض.
(٣) سبق ذكره وتخريجه ص (١٨٧) رقم (١).
(٤) في ج: حكمه.
(٥) في أوب: قضينا.
(٦) أخرجه الدارمى فى " سننه " (٦٤٨) ١: ١١٢ في المقدمة، باب الرجل يفتي بالشئ ثم غيره.
(٧) ر. " سنن سعيد بن منصور " ١: ٤٧.
[ ١١ / ٢٥٣ ]
ولأن ذلك يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، وإلى ان لا يثبت حكم أصلًا؛ لأن الحاكم الثانى يخالف الذي قبله، والثالث يخالف الثانى فلا يلزم حكم أصلًا.
وأما إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فلا يحكم إلا بما تغير اجتهاده إليه؛ لأنه إذا حكم باجتهاده الأول فقد حكم بما يعتقد أنه باطل. وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعد ما صلى فإنه لا يعيد، وإن كان قبل أن يصلي صلى إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها. وكذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم بشهادتهم فإنه لا يحكم بها، ولو بان فسقهم بعد الحكم لم ينقض.
(ولا يُنقضُ حكمُ بتزويجها) يعني: تزويج المرأة (نفسَها) مع حضور وليها في الأصح؛ لاختلاف الأئمة في صحتها.
(ولا) ينقض أيضًا (لمخالفة قياسٍ)؛لأن من الأحكام الشرعية ما ورد على خلاف القياس.
(ولا) ينقض حكم أيضًا (لعدم علمه) أي: علم القاضي الحاكم (الخلاف في المسألة) المحكوم بها؛ لأن علمه بالخلاف لا أثر له في صحة الحكم ولا في بطلانه حيث وافق مقتضى الشرع.
(ولا) ينقض حكم القاضي أيضًا (إن حكم ببينةِ خارجٍ) مع جهل علمه ببينة تقابلها، (أو) حكم ببينة (داخل وجُهل علمه ببينة تُقابلُها) حيث وقع حكمه على وقف الشرع.
(وما قلنا) أنه (يُنقض، فالناقضُ له حاكمه إن كان) موجودًا. (فيثبُت) عنده (السبب) الموجب لنقضه، (وينقضه. ولا يُعتبر) لصحة نقضه (طلب ربّ الحق) في الأصح.
(وينقضُه) يعني: وينقض الحاكم حكم نفسه: (إن بان بمن شهد عنده ما) أي: شيء (لا يَرى) الحاكم (معه) أي: مع ما بان من الشاهد (قبولَ الشهادة) مع وجوده؛ كما لو بان الشاهد ابن المشهود له أو أباه.
[ ١١ / ٢٥٤ ]
(وكذا كلُّ ما صادف ما حَكمَ به) أمر (مختلَفٍ فيه) لا يرى الحاكم الحكم معه؛ كما لو حكم ببيع عبد منذور عتقه نذر تبرر (ولم يعلمه) ثم بان له ذلك فإنه ينقض حكم نفسه.
(وتُنقض أحكام مَن) أي حاكم (لا يَصلُح) للقضاء (وإن وافقتْ الصواب) في الأصح. ذكره أبو الخطاب وفاقًا للشافعي؛ لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه بمنزلة عدمه؛ لفقد شرط (^١) القضاء فيه.
***
_________________
(١) في ج: لعقد شروط.
[ ١١ / ٢٥٥ ]
[فصل: في إحضار الخصم]
(فصل. ومن استَعْداه) أي: استعدى القاضيَ أحدُ (على خصم بالبلد) أي: بالبلد الذي به القاضي، (بما) أي: بشيء (تتبعه الهمة: لزمه) على الأصح (إحضارُه). أي: إحضار خصمه، (ولو لم يُحرّر) المستدعي (الدعوى). نص على ذلك في رواية الأثرم؛ لأن في ترك ذلك تضييعًا للحقوق وإقرارًا للظلم. فإنه قد يثبت للشخص الحق على من هو أرفع منه بغصب، أو يشتري شيئًا ولا يوفيه ثمنه، أو يودعه شيئًا أو يعيره شيئًا فلا يرده إليه، فإذا لم يعد عليه ذهب حقه. وهذا أعظم ضررًا من حضور مجلس الحاكم فإنه لا نقص فيه، وقد حضر عمر وأبيّ عند زيد بن ثابت، وحضر عمر وآخر عند شُريح، وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبد الله.
وللمستعدى عليه أن يوكل من يقوم مقامه إن كره الحضور.
(ومن طلبه خصمُه أو حاكم حيث يلزمُه إحضارُه بطلبه منه لمجلس الحكم: لزمه الحضور) ومتى لم يحضر لم يرخص له في تخلفه (^١) . فإن فعل ما لزمه من الحضور لمجلس الحاكم. (وإلا: أعلم) القاضي (الواليَ به) أي: بامتناعه من الحضور. (ومتى حضر) مع أعوان الوالي (فله) أي: فللقاضي (تأديبه) على امتناعه (بما يراه) من انتهار وغيره مما يراه زجرًا له.
(ويُعتبر تحريرها) أي: تحرير الدعوى (في) ما إذا استعداه أحد على (حاكم معزول ومن في معناه) من ذوي المناصب صيانة له عن الامتهان. (ثم) إن قال المستعدي: له عليه دين من معاملة أو رشوة (يُراسله) بذلك. (فإن خرج من العهدة) أي: عهدة ما ذكره خصمه من غير أن يحضر لمجلس الحكم،
_________________
(١) في ج: تحليفه.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
(وإلا: أحضره) كغيره. فإن أقام بينة حكم عليه. وكذا لو قال: حكم عليَّ بشهادة فاسقين أو عدوين (^١) وأقام عليه بينة بذلك حكم بمقتضاها.
(ولا يعتبر لإحضار مَن) أي: امرأة (تَبْرُز لحوائجها) غير مخدرة إذا استعدى عليها أحد (مَحْرَم) لها يحضر معها. نص عليه.
(وغير البَرْزةِ) وهي: المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدى عليها (تُوكّل؛ كمريض ونحوه) من ذوي الأعذار.
(وإن وجبب) عليها (يمين: أرسل) الحاكم إليها (من يحلّفها) فيبعث أمينا معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما.
(ومن ادَّعى على غائب بموضع لا حاكم به) في عمل القاضي، (بعث) القاضي (إلى من) أي: إلى إنسان في ذلك الموضع (يتوسَّط بينهما) أي: بين المستعدي والمستعدى عليه. (فإن تعذَّر) ذلك بًان لم لكن بذلك الموضع من هو أهل للتوسط بين الخصمين، أو لم يقبلا ما قال لهما المتوسط بينهما: (حرَّر) المستعدي (دعواه)؛ لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه المستعدي ليس بحق على المستعدى عليه؛ كشفعة جوار وقيمة كلب. (ثم) إنه إذا حررها بكونها ثمن مبيع يجوز بيعه أو بدل قرض أو نحوهما (أحضره ولو بعُد) مكانه إذا كان (بعمله)؛لأنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين. فماذا لم يمكن إلا بمشقة لم يمهل؛ كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب.
ولأن إلحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما.
(ومن ادَّعى قبل إنسان شهادةً: لم تُسمع دعواه، ولم يُعْدَ عليه، ولم يُحلَّف) على ذلك.
قال في " الفروع ": خلافًا لشيخنا في ذلك، وأنه ظاهر نقل صالح وحنبل. وقال: لو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فظاهر، ولو نكل لزمه ما ادعى به إن قيل كتمانها موجب لضمان ما تلف ولا يبعد كما يضمن من ترك الإطعام
_________________
(١) في ج: عبدين.
[ ١١ / ٢٥٧ ]
الواجب. وكونه لا يحصل المقصود لفسقه بكتمانه (^١) لا يبقى ضمانه في نفس الأمر. واحتج القاضي بالأول على أن الشهادة ليست حقًا على الشاهد. انتهى كلامه في
" الفروع ".
(ومن قال لحاكم: حكمت عليَّ بفاسقين) أي: بشهادة فاسقين (عمدًا، فأنكر) القاضي:
(لم يُحلَّف) أي: لم يجب عليه يمين في الأصح؛ لأنه لو لم يقبل قوله في ذلك، لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور. وفي ذلك ضرر عظيم، واليمين إنما تجب للتهمة والقاضي ليس من أهلها.
(وإن قال) قاض (معزول عدل لا يُتَّهَم: كنت حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بكذا) وبيّنه، (وهو ممن يَسُوغ الحكم له) بأن كان المحكوم له ليس أباه أو ابنه أو نحوهما ممن لا يصح حكمه له: (قُبل) قوله في المنصوص. وفي الأصح: (ولو لم يذكر مستنده) في حكمه، (ولو أن العادة تسجيل أحكامه، وضبطُها بشهود)، لأن عزله لا يمنع قبول قوله؛ كما لو كتب كتابًا إلى قاضٍ آخر ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله، فإنه يلزم المكتوب إليه قبول كتابه بعد عزله كاتبه.
ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم. أشبه إخباره حال ولايته.
(قال بعض المتأخرين) وهو القاضي مجد الدين: قبول قوله مقيد بـ (ما) إذا (لم يشتمل على إبطال حكم حاكم) آخر. فلو حكم حنفي برجوع واقف على نفسه فأخبر حاكم حنبلي أنه حكم بصحة الوقف المذكور قبل حكم الحنفي برجوعه لم يقبل. نقله القاضي محب الدين في " حواشي الفروع ".
(وحسَّنه بعضُهم) أي: بعض المتأخرين فإن القاضي محب الدين لما نقل ذلك قال: هذا تقييد حسن ينبغي اعتماده.
وقال القاضي محب الدين: ومقتضى إطلاق الفقهاء قبوله (^٢) ولو كانت
_________________
(١) في ج: بفسقه وكتمانه.
(٢) في ج: قبول قوله.
[ ١١ / ٢٥٨ ]
العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود ولو قيد ذلك بما إذا لم تكن عادة كان متجهًا لوقوع الريبة لمخالفته للعادة. انتهى كلام القاضي محب الدين.
قال في " الإنصاف ": قلت: ليس الأمر كذلك بل يرجع إلى صفة الحاكم ويدل عليه ما قاله أبو الخطاب وغيره.
(وإن أخبرَ حاكمُ حاكمًا) آخر (بحكمِ أو ثبوتٍ ولو) كان إخباره إياه (في غير عملهما) [أي: عمل الحاكمين: (قُبِل وعُمل به) المخبَر- بفتح الباء- (إذا بلغ عمله) في الأصح.
قال في " الإنصاف ": يقبل خبر الحاكم لحاكم آخر في غير عملهما] (^١)،
وفي عمل أحدهما على الصحيح من المذهب. وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حمدان وصححه في " النظم ".
قال الزركشي: وإليه ميل أبي محمد. وقدمه في " الشرح " و" الفروع " وابن رزين والزركشي.
وعند القاضي لا يقبل في ذلك كله إلا أن يخبر في عمله حاكمًا في غير عمله، فيعمل به إذا بلغ عمله. وجاز حكمه بعلمه. وقدمه في "المحرر"و" الرعايتين " وجزم به في " الوجيز " و" المنور " و" الترغيب ". ثم قال يعني: في " الترغيب ": وإن كان في ولاية المخبر فوجهان. وفيه أيضًا إذا قال: سمعت البينة فاحكم، لا فائدة له مع حياة البينة بل عند العجز عنها.
فعلى قول القاضي ومن تابعه: يفرق بين هذه المسألة، وبين ما إذا قال الحاكم المعزول: كنت حكمت في ولايتي لفلان بكذا أنه يقبل هناك ولا يقبل هنا. فقال الزركشي: وكأن الفرق ما يحصل من الضرر بترك قبول قول المعزول. بخلاف هذا. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(لا مع حضور المخبِر) - بكسر الباء- (وهما بعملهما بالثبوت) يعني: أنه لو أخبر قاضٍ قاضيًا آخر وكل منهما بعمله بثبوت شيء عنده ولم يحكم به فليس
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٥٩ ]
للمخبَر- بفتح الباء- العمل بما أخبره به الحاكم الآخر من الثبوت دون الحكم مع حضور المخبِر- بكسر الباء-؛ لأن ذلك كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة.
(وكذا إخيارُ أميرِ جهادٍ، وأمينِ صدقةٍ، وناظرِ وقفٍ) بعد عزله بأمر صدر منه في حال ولايته يعني: فإنه يقبل منه.
قال في " الإنصاف ": نظير مسألة إخبار الحاكم في حال الولاية والعزل: أمير الجهاد، وأمين الصدقة، وناظر الوقف. قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ".
قال في " الانتصار ": كل من صح منه إنشاء أمر صح إقراره به. انتهى.
والله ﷾ أعلم.
***
[ ١١ / ٢٦٠ ]
[باب: طريق الحكم وصفته]
هذا (باب طريق الحكم وصفته. طريق كل شيء: ما تُوُصّل به إليه) أي: إلى ذلك الشيء. (والحكمُ: الفصل) أي: فصل الخصومات.
(إذا حضر إليه) أي: إلى القاضي (خَصمان: فله أن يسكت حتى يُبْدَأَ) بالبناء للمفعول يعني: حتى تكون البداءة بالكلام من جهتهما، وعلى الأشهر (وأن يقول: أيُّكما المدَّعِي؟)؛ لأن سؤاله عن المدعي منهما لا تخصيص فيه لواحد منهم فجاز لذلك.
(ومن سبق) منهما (بالدعوى: قدم) أي: قدمه الحاكم على خصمه، (ثم) إن ادعيا معًا أقرع بينهما؛ لأن القرعة تعين المستحق فيقدم منهما (من قَرَع) أي: من خرجت له القرعة. (فإذا انتهت حكومته) أي: حكومة الأول: (ادَّعى الآخر)؛ لأن الأول استوفى حقه. وإن بدأ أحدهما فادعى. فقال خصمه: أنا المدعي لم يلتفت الحاكم إليه. وقال له: أجب عن دعواه ثم ادع بعد ما شئت. قاله في " شرح المقنع ".
ويستحب للحاكم أن يُجلس الخصمين بين يديه؛ لم روي " أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم " (^١) . رواه أبو داود.
ولما روى سعيد بإسناده عن الشعبي قال: " كان بين عمر بن الخطاب وأبىّ بن كعب رضي الله تعالى عنهما مداراة في شيء. فجعلا بينهما زيد بن ثابت. فأتياه في منزله. فقال له عمر: أتيناك تحكم بيننا. في بيته يؤتى الحكم. فوسع زيد بن ثابت عن صدر فراشه. فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٥٨٨ ٣) ٣: ٣٠٢ كتاب الأقضية، باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي.
[ ١١ / ٢٦١ ]
فقال له عمر: جُرت في أول القضاء. ولكن أجلس مع خصمي. فجلسا بين يديه. فادعى أبي فأنكر عمر. فقال زيد لأبيّ: اعف أمير المؤمنين من (^١) اليمين. فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء ".
و" قال علي رضي الله تعالى عنه حين خاصم اليهودي درعه إلى شريح: لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ".
ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما.
(ولا تُسمع دعوى مقلوبة) في الأصح؛ لأن الأصحاب عرّفوا المدعي: بأنه الذي يطالب غيره بحق يذكر استحقاقه عليه ولا ينطبق هذا التعريف على من ادعى دعوى مقلوبة.
قال في"الإنصاف": على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقدمه في "الفروع"، وقال: وسمعها بعضهم واستنبطها.
قلت: الذي يظهر: أنه استنبطها من الشفعة فيما إذا ادعى الشفيع على شخص أنه اشترى الشقص، وقال: بل اتهبته أو ورثته فإن القول قوله مع يمينه. فلو نكل عن اليمين أو قامت للشفيع بينة بالشراء: فله أخذه ودفيع ثمنه. فإن قال: لا أستحقه. قيل له: إما أن تقبل، وإما أن تبرئه على أحد الوجوه. وقطع به المصنف هناك.
فلو ادعى الشفيع عليه بذلك: ساغ. وكانت شبيهة بالدعوى المقلوبة. انتهى كلامه في
" الإنصاف ".
ومن ذلك أيضًا: لو ترافع اثنان إلى حاكم فقال أحدهما: أدعي على هذا أنه يدعي علي دينارًا فاستحلفني له أنه لا حق له قبلي فإنه لا يسمع منه ذلك.
وسميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطي المدعى عليه، والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعي عليه فانقلب فيها القصد المعتاد.
_________________
(١) في ب: عن.
[ ١١ / ٢٦٢ ]
(ولا) تسمع دعوى (حِسْبةُ) أيضًا (بحق الله تعالى (^١)؛كعبادة وحد وكفارة ونذر، ونحوه)، كجزاء صيد قتله في الحرم أو محرمًا فيه في الأصح.
وفي "الرعاية": تسمع دعوى حسبة.
(وتُسمع) من غير دعوى (بينةُ بذلك، وبعتق ولو أنكر معتوقُ) العتق المشهود به.
(و) تسمع البينة أيضًا من غير دعوى (بحق غيرِ معيَّن، كوقف ووصية على فقراء أو) على (مسجد على خصم) في جهته ذلك.
(و) تُسمع البينة أيضًا (بوكالةٍ وإسنادِ وصيةٍ من غير حضور خصم.
لا) بينة (بحق) شخص (معيَّن قبل دعواه) بحقه، (و) لا تسمع (يمينه إلا بعدها) أي: بعد الدعوى، (وبعد شهادة الشاهد إن كان) فيما إذا قضى بالشاهد واليمين. وهذا على الأصح.
(وأجاز بعض أصحابنا سماعهما) أي: الدعوى والبينة (لحفظ وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم. و) أجاز ذلك (الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض أصحابنا بخصمٍ مسخَّر.
قال الشيخ تقي الدين: وعلى أصلنا وأصل مالك: إما أن نُثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة- وقاله بعضُ أصحابنا- وإما أن يُسمَعا ويحكم بلا خصم. وذكره بعض المالكية و) بعض (الشافعية. وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابهِ في مواضعَ؛ لأنا نسمعها، على غائب وممتنع ونحوه، فمع عدم خصمٍ أولى. فإن المشتريَ- مثلا- قبض المبيع وسلَّم الثمن، فلا يَدَّعي ولا يُدَّعى عليه. وإنما الغرضُ الحكمُ؛ لخوف خصمٍ، وحاجة الناس- خصوصًا فيما فيه شُبهةُ أو خلافُ- لرفعِه).
قال (المنقح: وعملُ الناس عليه) أي: على ما قاله الشيخ تقي الدين، (وهو قوي) يعني: من جهة النظر.
***
_________________
(١) في ج: بحق الله ﷾.
[ ١١ / ٢٦٣ ]
[فصل: في الدعوى بالقليل]
(فصل. وتصح) الدعوى (بالقليل) وظاهره ولو لم تتبعه الهمة. ولا ينافي ذلك قولهم: أن القاضى لا يستعدي فيما لا تتبعه الهمة؛ لما في الاستعداء من المشقة الحاصلة بسبب ما هو أسهل منها.
(ويشترط) لصحتها شروط:
الأول: (تحريرها)؛ لأن الحكم مرتب عليها؛ ولذلك قال رسول ﷺ: "وإنما (^١) أقضي على نحو ما أسمع " (^٢) .
ومتى لم تحرر الدعوى لم يمكن الحكم عليها فوجب تحريرها لذلك.
إذا تقرر هذا (فلو كانت) الدعوى (بدَين على ميت: ذكر موته، وحرَّر الدَّين). ثم إن كان الدين أثمانًا فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء: الجنس، والنوع، والقدر. (و) حرر (التركة). ذكره القاضي.
وفي " المغني ": أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه.
(و) الشرط الثانى: (كونها معلومة) أي: كون الدعوى بشيء معلوم؛ لأن المدعى عليه إذا اعترف بما ادعي به عليه وطلب المدعي من الحاكم إلزامه به وجب على الحاكم إلزامه والإلزام بالمجهول لا يصح. فلهذا اعتبر كونها بمعلوم (^٣) .
_________________
(١) في ج: إنما.
(٢) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٧٤٨) ٦: ٢٦٢٢ كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم. وأخرجه مسلم في"صحيحه" (١٧١٣) ٣: ١٣٣٧ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.
(٣) في ج: بمعلومة.
[ ١١ / ٢٦٤ ]
(إلا في وصية) بمجهول؛ كما لو أوصى له بأحد دوابه، (و) إلا في (إقرار)، كما لو قال له: في ذمتي مال، (و) إلا في (خُلع على مجهول)؛ كما لو سأله إنسان أن يخلع زوجته على أحد عبيده فإن للموصى له مطالبة الوارث بما يجب له بمقتضى الوصية، وللمقر له مطالبة المقر بما يوجبه (^١) إقراره. ولمن خلع زوجته مطالبة من سأله الخلع بما أوجبه سؤاله.
وحيث علمتَ أنه يشترط العلم بالمدعى به في غير هذه الصور (فلا يكفي قوله) أي: قول المدعي (عن دعوى بورقة: أدَّعي بما فيها) حتى يبينه.
ثم الشرط الثالث: كون المدعي (مصرَّحًا بها، فلا يكفي) قول المدعي: (لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا) الآن (مطالبه به). ذكره في " الترغيب ". قال في " الفروع": وظاهر كلام جماعة: يكفي الظاهر. انتهى.
(ولا) يكفي قول المدعي أيضًا: (إنه أقرَّ لي بكذا ولو) كان ما أقر به (مجهولًا، حتى يقول) المدعي: (وأطالبه به، أو) وأطالبه (بما يُفسّرُه به).
الشرط الرابع: أن تكون الدعوى (متعلّقةً بالحال). فلا بد في الدعوى بدين أن يكون حالًا حينئذ، (فلا تصح بمؤجَّل لإثباته). قدمه في " الفروع ".
وقال في " الترغيب ": الصحيح تُسمع فيثبت أصل الحق للزوم في المستقبل كدعوى تدبير. انتهى.
وقيل: تسمع لإثباته إذا خاف سفر الشهود.
(وتصح) الدعوى (بتدبير وكتابة واستيلاد)، لصحة الحكم بذلك.
الشرط الخامس: أن تكون الدعوى (منفكَّةً، عما يُكذّبُها. فلا تصح)
على إنسان: (بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسِنُّهُ دونَها، ونحوه)؛ كما لو ادعى بنوة إنسان لا يمكن كونه منه.
_________________
(١) في ج: يوجب.
[ ١١ / ٢٦٥ ]
(لا ذكرُ سبب الاستحقاق) فإن ذلك ليس بشرط لصحة الدعوى.
قال في " الفروع ": ومن ادعى عينًا أو دينًا لم يعتبر ذكر سببه وجهًا واحدًا؛ لكثره سببه وقد يخفى على المدعي. انتهى.
(ويُعتبر تعيين مدعىً به) إذا كان حاضرًا (بالمجلس)؛ لانتفاء اللبس بالتعيين.
(و) يعتبر أيضًا (إحضار عينٍ) مدعى بها إذا كانت (بالبلد، لتُعَيّن) بمجلس الحكم، لانتفاء اللبس بتعيينها.
(ويجب على المدَّعى عليه: إن أقرَّ أن بيده مثلَها) فيوكل به حتى يحضرها؛ فمن ادعي عليه بغصب عبد وأقر أن بيده عبدًا أمره الحاكم بإحضاره لتكون الدعوى على عينه.
(ولو ثبت أنها) أي: المدعى بها (بيده) أي: يد المدعى عليه بها (ببينةٍ أو نكولٍ) وامتنع من إحضارها (حُبس حتى يُحضِرَها، أو) حتى (يدَّعيَ تلفَها: فيُصدَّق للضرورة، وتكفي القيمة) يعنى: ويكفي المدعي أن يقول: قيمتها كذا. (وإن كانت) العين المدعى بها (غائبة عن البلد، أو) كانت (تالفةً، أو) كانت (في الذمةِ ولو غير مِثليَّةٍ)، كالأمة المسلم فيها: (وصَفَها) المدعي (كَسَلَمٍ) وذلك بأن يستقصي في الدعوى ما يشترط ذكره في السلم، (والأولى) مع ذلك (ذكر قيمتها أيضًا).
وفي "الترغيب": يكفي ذكر قيمة غير مثلي، وهذا الذي عليه عمل الناس.
(ويكفي) في الدعوى (ذكر قدر نقدِ البلد) إذا لم يكن بها إلا نقد واحد.
وقيل: ويصفه.
(و) ذكر (قيمةِ جوهرٍ، ونحوه) مما لا يصح السلم فيه؛ لأنها تجب بتلفه.
ومن ادعى عقارًا غائبًا عن البلد فلا بد من بيان موضعه وحدوده، فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها ملكي وأنه غصبنيها، أو بيده ظلمًا، أو أنه يمنعني منها وأنا مطالبه بردها. وإن كان العقار بالبلد عيّنه.
[ ١١ / ٢٦٦ ]
(و) تكفي (شهرةُ عَقارٍ عندهما) أي: عند المتداعيين (وعند حاكم (^١) عن تحديده)؛ لحديث الحضرمي والكندي.
(ولو قال) المدعي: (أطالبه بثوب غصَبَنِيه قيمته عشرة، فيردُّه: إن كان باقيًا. وإلا) أي: وإن لم يكن باقيًا (فقيمته.
أو) قال: أطالبه (بثوبٍ قيمته عشرة، أخذه مني ليبيعه بعشرين) وأبى أن يرده لي أو يعطيني ثمنه، (فيُعطيها) أي: العشرين (إن كان باعه، أو) يعطني (الثوب إن كان باقيًا أو) يعطني (^٢) (قيمته إن) كان (تلف) (^٣) وقيمته كذا (صح) ذلك (اصطلاحًا) يعني: فقد اصطلح القضاة على قبول هذه الدعوة المرددة (^٤) للحاجة. ذكره في " الترغيب ".
وقيل: بل يدعي الثوب المغصوب. فإن حلف المدعى عليه على تلفه طالبه بقيمته.
(ومن ادَّعى عقدًا ولو غير نكاح)؛كبيع وإجارة: (ذكر شروطه) في الأصح؛ لأن الناس مختلفون في الشروط مختلفون في العقود، فقد يكون العقد المدعى به مما لا يصح عنده فلا تسمع الدعوى فيه للاختلاف المذكور.
(لا إن ادَّعى) زوج (استدامة الزوجيَّة) فإنه لا يشترط أن يستوعب شروط النكاح. فإنه (^٥) لم يدع عقدًا وإنما يدعي خروجها عن طاعته. فمن ادعى عقد نكاح فلا بد من تعيين الحاضرة بالإشارة إليها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي رشيد وشاهدي عدل، ورضاها إن كانت ممن (^٦) يعتبر رضاها؛
_________________
(١) في أزيادة: لا وجه لعندية الحاكم إلا إن قيل يشترط معرفته لتحديد المحكوم فيه أو المتخاصم فيه، وفيه نظر، فليتأمل إلا إن قيل أن عندية الحاكم أولوية لا شرطية.
(٢) في ب: يعطيني.
(٣) في ج: تلفه.
(٤) في ب: المردودة.
(٥) في ج: لأنه.
(٦) في ج: مما.
[ ١١ / ٢٦٧ ]
لأن العلماء اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود، ومنهم من لا يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في تزويجها. وقد يدعي نكاحًا يعتقده صحيحًا والحاكم لا يرى صحته. ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلمها ما لم تذكر الشروط وتقوم البينة بها.
ومن ادعى بيعًا فلا بد أن يقول: اشتريت منه هذه العين بكذا، وهو جائز التصرف في ماله وتفرقا عن تراضٍ. وكذا إن ادعى عقد إجارة.
(ويُجزئ عن تعيين المرأة) المدعى نكاحها: (إن غابت ذكر اسمها ونسبها.
وإن ادَّعته) أي: ادعت عقد النكاح (المرأة، وادَّعت معه) أي: مع عقد النكاح (نفقة أو مهرًا ونحوهما)؛ كمسكن: (سُمعت دعواها).
قال في " شرح المقنع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنها تدعي حقًا لها تضيفه إلى سببه. فتسمع دعواها؛ كسائر الدعاوي.
(وإلا) أي: وإن لم تدع سوى النكاح: (فلا) تسمع دعواها في الأصح؛ لأن النكاح حق الزوج عليها فلا تسمع دعواها بحقٍّ لغيرها.
(ومتى جحد) الزوج (الزوجيةََّ، ونوى به) أي: بجحده (الطلاق: لم تطلُق) بمجرد ذلك.
قال في " المبدع ": لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق إلا أن ينويه.
وفال الحجاوي في " الإقناع ": ولا يكون جحوده طلاقًا ولو نواه؛ لأن الجحود هنا لعقد النكاح لا لكونها امرأته. وإن كان يعلم أنها ليست امرأته لعدم عقد أو لبينونتها منه لم تحل له. انتهى.
(ومن ادَّعى قتل مورثه: ذكر) المدعي (القتل)، وكونه (عمدًا أو شِبْهَه) أي: شبه عمد، (أو) كونه (خطأ، ويصفه) أي: يصف القتل؛ لأن الحال تختلف باختلاف ذلك. فلم يكن بد من ذكره؛ ليترتب حكم الحاكم عليه (^١)،
_________________
(١) في أزيادة: لأنه لا يؤمن أن ممن لا يجب القصاص عليه وذلك مما لا يمكن تلافيه فوجب الاحتياط فيه. وسوف تأتى بعد ذلك.
[ ١١ / ٢٦٨ ]
(وأن القاتل انفرد) بقتله (أوْ لا) يعني: أو أنه شاركه في القتل غيره؛ لأنه لا يؤمن أن يقتص ممن لا يجب القصاص عليه وذلك مما لا يمكهن تلافيه. فوجب الاحتياط فيه.
(ولو قال) المدعي: أن المدعى عليه (قَدَّه) أي: قدَّ مورثه (نصفين وكان حيًا) حين قدّه، (أو) أنه (ضربه وهو حيُ) فمات من ذلك (صح) أن يطالب خصمه بالجواب.
(وإن ادَّعى) إنسان على غيره (إرثًا: ذكَر سببَه) وجوبًا؛ لأن أسباب الإرث تختلف. ولا بد في الشهادة من أن تكون على سبب معين فكذلك الدعوى. (وإن ادَّعى) شيئًا (مُحلىً بأحد النقدين: قَوَّمَه بـ) النقد (الآخر) فيقوم المحلى بذهب بالفضة والمحلى بفضة بالذهب؛ لئلا يؤدي تقويمه بجنسه إلى الربا، (و) إن كان المدعى به شيئًا محلىً (بهما) أي: بالذهب والفضه جميعًا (فـ) نقومه (بأيّهما) أي: بأي النقدين بالنقدين (شاء، للحاجة). إذ الثمينة منحصرة في النقدين.
***
[ ١١ / ٢٦٩ ]
[فصل: ثم يسأل الحاكم المدعى عليه]
(فصل. وإذا حرَّرها) أي: حرر المدعي الدعوى: (فللحاكم سؤال خصمه) عنها، (وإن لم يَسأل سؤالَه) في الأصح. يعني: وإن لم يقل المدعي للقاضي: اسأل سؤال المدعى عليه من ذلك؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة؛ لأن إحضاره والدعوى إنما يراد أن يسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله.
(فإن أقرَّ) المدعى عليه بما ادعاه المدعي: (لم يُحكم له) أي: للمدعي على المدعى عليه (إلا بسؤاله) أي: سؤال المدعي الحاكمَ الحكم على المدعى عليه؛ لأن الحكم (^١) حق للمدعي المقَر له فلا يستوفيه الحاكم إلا بمسألة مستحقة. فيقول الحاكم للمدعى عليه: اخرج إليه من حقه، أو قضيت عليك له، أو ألزمتك بحقه، أو حكمت عليك بالخروج منه.
(وإن أنكر) المدعى عليه ما ادعاه المدعي (بأن قال) المدعى عليه (لمدعٍ قرضًا أو) مدع (^٢) (ثمنًا) عن مبيع: (ما أقرضني، أو) قال: (ما باعني، أو) قال: (ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه ولا شيئًا منه، أو) قال: (لا حقَّ له عليَّ صح الجواب) لنفيه عين ما ادعى عليه به بقوله: ما أقرضني أو ما باعني.
ولأن قوله: لا حق له عليّ نكرة في سياق النفي فتعم كل حق.
ومحل صحة الجواب في قوله: ما يستحق عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا منه أو لا (^٣) حق له عليَّ: (ما لم يعترف بسبب الحق). فلو ادعت امرأة على رجل يعترف
_________________
(١) في ج: الحق.
(٢) في ب: لمدع.
(٣) في ج: ولا.
[ ١١ / ٢٧٠ ]
أنها زوجته بمهرها فقال: لا تستحق عليّ شيئًا لم يصح الجواب، ويلزمه المهر إن لم يُقم بينة بإسقاطه، كجوابه في دعوى قرض اعترف به لا يستحق علي شيئًا.
(ولهذا لو أقرَّت) امرأة (بمرضها: أن لا مهر لها) على زوجها: (لم يُقبل) منها ذلك (إلا ببينة أنها أخذته).نقله مهنا عن أحمد، (أو) أنها (أسقطته) عنه (في الصحة) أي: قبل مرضها.
(و) لو قال مدعٍ لمدعى عليه: (لي عليك مائة) أطالبك بها، (فقال) المدعى عليه: (ليس لك) عليَّ (مائة اعتُبر قوله) أي: أن يقول: (ولا شيء منها).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(كيمين. فـ) على المذهب: (إن نكل) عن اليمين (عما دون المائة: حُكم عليه بمائة إلا جزءًا) من أجزاء المائة.
(ومن أجاب مدعي (^١) استحقاقٍ مبيع بقوله: هو مِلْكي اشتريته من زيد وهو مِلْكُه، لم يمنع) ذلك (رجوعه) أي: على بائعه زيد (بثمنٍ) أي: بثمن المبيع المستحق في الأصح.
قال في"تصحيح الفروع "عند إطلاق صاحب"الفروع " الوجهين في ذلك:
أحدهما: له الرجوع عليه إذا بان مستحقًا. وهو الصواب لا سيما إن كان المشتري جاهلًا والإضافة إلى ملكه في الظاهر.
والوجه الثاني: ليس له الرجوع؛ لاعترافه له بالملك وهو بعيد. انتهى.
فصوب الرجوع وبَعّد عدمه؛ (كما لو أجاب) مدعيه (بمجرَّد إنكارٍ، أو انتزاع من يده ببينة مِلك سابق) على شراء المدعى عليه، فإنه يرجع عليه فيهما بلا خلاف في المذهب، (أو) انتزاع من يده ببينة ملك (مطلق).
_________________
(١) في ج: مدع.
[ ١١ / ٢٧١ ]
قال في " الفروع ": في ظاهر كلامهم، وفي " الترغيب ": يحتمل عندي أن لا يرجع؛ لأن المطلقة تقتضي الزوال من وقته؛ لأن ما قبله غير مشهود به. انتهى.
(ولو قال) مدعى عليه (لمدَّع دينارًا: لا يستحقُّ عليَّ حبَّه صح الجواب) خلافًا لابن عقيل [ووفاقًا (^١) للشيخ تقي الدين وصوّبه في "تصحيح الفروع ".
(وَيعُمُّ الحبَّات، و) يعم (ما لم يندرج في لفظ " حبة " من باب الفَحْوَى).
قال في " الفروع "] (^٢): ولو قال لمدعي (^٣) دينارًا لا يستحق عليّ حبة، فعند ابن عقيل ليس بجواب، لأنه لايكتفى في دفع الدعوى إلا بنص (^٤) لا بظاهر. ولهذا لو حلف: والله إنى لصادق فيما ادعيته عليه أو حلف المنكر أنه لكاذب فيما ادعاه عليّ لم يقبل. وعند شيخنا: يعم الحيات وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى، إلا أن يقال: يعم حقيقة عرفية. انتهى.
قال في "تصحيح الفروع"عند ذكر هذه المسألة قلت: الصواب ما قاله الشيخ تقي الدين وهو الظاهر. انتهى.
قال الأزجي: ولو قال: لك عليّ شئ؟ فقال: ليس لي عليك شيء وإنما لي عليك ألف درهم لم يقبل منه دعوى الألف؟ لأنه نفاها بنفي الشيء. ولو قال: لك عليّ درهم؟ فقال: ليس لي عليك درهم ولا دانق وإنما لي عليك ألفُ قبل منه دعوى الألف؛ لأن معنى نفيه ليس حقي هذا القدر. قال: ولو قال: ليس لك علىّ شيء إلا درهم صح ذلك. انتهى.
(ولمدَّعٍ) إذا أنكر خصمه (أن يقول: لي بينة) وهذا موضع البينة، (وللحاكم) إن لم يقل المدعي ذلك (أن يقول: ألك يينة؟) لما روي " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ حضرمي وكندي فقال الحضرمي:
_________________
(١) في ج: وفاقًا.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: لمدع.
(٤) في ج: بالنص.
[ ١١ / ٢٧٢ ]
يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرضٍ لي، فقال الكندى: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك. يمينه " (^١) . وهو حديث حسن صحيح.
(فإن قال) المدعي جوابًا لسؤال الحاكم) نعم) لي بينة، (قال له) الحاكم (إن شئت فأحضرها. فإذا أحضرها لم يسألها) الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأنه حق له فلا يتصرف فيه بغير إذنه، (ولم يُلَقّنها) الحاكم الشهادة. ولكن إذا سأله المدعي أن يسأل البينة قال: من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء ولا يقول لهما: اشهدا؛ لأنه أمر. وكان شريح يقول للشاهدين: ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما (^٢) أن ترجعا، وما يقضي على هذا المسلم غيركما، وإنى بكما أقضى اليوم وبكما أتقي يوم القيامة.
(فإذا شهدت) عنده البينة: (سمعها، وحرُم) عليه (ترديدُها).
وفي " الرعاية ": إن ظن الصلح أخّر الحكم.
وفي "الفصول": أحببنا له أمرهما بالصلح ويؤخره فإن أبيا حكم.
وفي " المغني ": ويقول قد شهدا عليك فإن كان قادح فبيته عندي. يعني: يستحب. ذكره غير صاحب"المغني"وذكره في"المذهب"و"المستوعب" فيما إذا ارتاب فيهما.
قال في " الفروع ": فدل أن له الحكم مع الريبة.
قال في "الإنصاف ": قلت: الحكم مع الريبة فيه نظر بيّن. انتهى.
وفي " المبدع ": وروي عن عمر أنه قال: "ردوا الخصوم حتى يصطلحا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن " (^٣) ٠ انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٩) ١: ١٢٣ كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.
(٢) في ج: إنهما كما.
(٣) أخرجه البيهقي في" السنن الكبرى " ٦: ٦٦ كتاب الصلح، باب ما جاء في التحلل وما يحتج به من أجاز الصلح على الانكار.
[ ١١ / ٢٧٣ ]
(ويكره تَعنُّتُها) أي: طلب (^١) زلتها، (وانتهارُها) أي: زجرها، (لا قوله) أي: قول الحاكم (لمدَّعىً (^٢) عليه: ألك فيها دافِعُ أو مَطْعَن).
إذا علمت ذلك (فإن اتَّضح) للحاكم (الحكم، وكان الحق لمعين وسأله) أي: سأل الحاكم أن يحكم له: (لزمه) الحكم. وليس له الحكم بدون سؤال صاحب الحق؛ لأن الحكم بالبينه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة.
(ويحرُم) الحكم (ولا يصح مع علمه) أي: علم الحاكم (بضدّه، أو معَ لَبْسٍ قبلَ البيان).
قال في " الترغيب " وغيره: لا يجوز الحكم بضد ما يعلمه بل يتوقف.
ومع اللبس بأمر بالصلح. فإن عجّل فحكم قبل البيان حرم ولم يصح.
(ويحرُم الاعتراض عليه) أي: على الحاكم؛ (لتركه تسمية الشهود).
ذكره القاضي وغيره في مسألة المرسل وابن عقيل.
(قال في"الفروع"): وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة؛ ليتمكن من القدح بالاتفاق، (ويتوجه مثله: حكمت بكذا، ولم يَذكر مستنده). انتهى.
(وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره) على الأصح. نص عليه في رواية حرب؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية وهي البينة والإقرار، فيجوز له الحكم بهما إذا قامت البينة عنده أو أقر في مجلسه وإن لم يسمعه أحد؛ لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليّ، ولعل أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " (^٣) . رواه الجماعة.
_________________
(١) في ج: أي ويكره طلب.
(٢) في ج: لمدعٍ.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٧٤٨) ٦: ٢٦٢٢ كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧١٣) ٣: ١٣٣٧ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة. =
[ ١١ / ٢٧٤ ]
فجعل قضاءه مستندًا إلى ما يسمعه لا إلى غيره.
ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه هو أولى.
ولأنه لو لم يعمل بما يقَر به عنده أفضى ذلك إلى ضياع الحقوق؛ لأنه قد يقر عنده ولا يحضره أحد من الشهود، فإذا لم يحكم به ضاع حق المقر له.
وقال القاضي: لا يحكم حتى يسمعه معه شاهدان ولا يكون حكمًا بعلمه.
(لا بعلمه) يعني: وليس له الحكم بعلمه (في غير هذه) الصورة (ولو في غير حد) على الأصح؛ لما روت عائشة " أن النبي ﷺ بعث أبا جهم على الصدقة فَلَاجَّهُ (^١) رجل في فريضة. فوقع بينهما شجاج. فأتوا للنبي ﷺ فأعطاهم الأرش. ثم قال: إنى خاطب (^٢) ومخبرهم أنكم قد رضيتم. أرضيتم؟ قالوا: نعم. فصعد رسول الله ﷺ وذكر القصة. وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا. فهمَّ بهم المهاجرون. فنزل النبي ﷺ فأعطاهم. ثم صعد فخطب الناس. فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم " (^٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
فهذا يبين أن النبي ﷺ لم يأخذ بعلمه.
وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " لو رأيت حدًا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة ".
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٨٣) ٣: ٣٠١ كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٣٩) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في التشديد على ما يقضي له بشيء ليس له أن يأخذه. وأخرجه النسائي في" سننه " (٥٤٢٢) ٨: ٢٤٧ كتاب آداب القضاة، ما يقطع القضاء. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣١٧) ٢: ٧٧٧ كتاب الأحكام، باب قضية الحاكم لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (٢٦٦٦٨) ٦: ٣٠٨. في أ: فلاحاه، وفي ب: فلاجاه. وما أثبتناه من " السنن ".
(٢) في ج: أخاطب.
(٣) أخرجه أبو داود في"سننه" (٤٥٣٤) ٤: ١٨١ كتاب الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ. وأخرجه النسائي في"سننه " (٤٧٧٨) ٨: ٣٥ كتاب القسامة، السلطان يصاب على يده. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٦٣٨) ٢: ٨٨١ كتاب الديات، باب الجارح يفتدي بالقود. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٠٠٠) ٦: ٢٣٢.
[ ١١ / ٢٧٥ ]
ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته، وحكمه بما يشتهي ويحيله على علمه.
إذا تقرر هذا فليس له الحكم بعلمه في غير الصورة التي في المتن، (إلا على) رواية (مرجوحة).
قال (المنقح: وقريب منها) أي: من صورة الحكم بعلمه (العمل) أي: عمل الحكام (بطريق مشروع) أي: بصورة سميت بطريق مشروع وهي: (بأن يُولَّي الشاهدُ الباقي) أي: المتخلف (^١) بعد موت من كان شهد معه (القضاء للعذر) فيقضي بما سمعه من المقر. قال. (وقد عمل به) أي: بالطريق المشروع (كثير من حكامنا وأعظمهم الشارح) يعني: شارح " المقنع ". (انتهى) كلام المنقح.
وظاهره ولو كانت شهادته على حاكم بحكم أو تنفيذ (^٢) .
(ويَعمل) حاكم (بعلمه في عدالة بينةٍ، وجرحِها) بغير خلاف؛ لأنه لو لم يجز له الحكم في ذلك بعلمه لتسلسل، فإن المزكين يحتاج إلى معرفة عدالتهم أو جرحهما، فإذا لم يعمل في ذلك بعلمه لاحتاج كل واحد من المزكين إلى مزكين [ثم كل واحد منهما إلى مزكين] (^٣) فيتسلسل الأمر، وما نحن فيه بخلاف ذلك.
(ومن جاء) من الأخصام (ببينةٍ فاسقةٍ: استشهدها الحاكم)؛ لئلا يفضحها، (وقال لمدع: زِدْنى شهودًا)، ولم يقبلها؛ لقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
***
_________________
(١) في ب: المختلف.
(٢) في ب: وتنفيذ.
(٣) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٧٦ ]
[فصل: في العدالة]
(فصل. ويعتبر في البينة العدالة ظاهرًا، وكذا) تعتبو (باطنًا) على الأصح؛ لقول الله ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله ﷾:
﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله ﷾ ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
والفاسق: لا وازع له فلا يؤمن منه الكذب فلا تقبل شهادته لذلك.
(لا (^١) فى عقد نكاح) يعني: وإنما تعتبر العدالة باطنًا في غير عقد النكاح.
فلو تبين أن شهود عقد النكاح فساق باطنًا لم يبطل النكاح بذلك؛ لما يترتب على ذلك من تحريم الوطء الصادر في ذلك النكاح.
وعنه: تقبل شهادة كل ممسلم لم تظهر منه ريبة. اختارها الخرقي وأبو بكر وصاحب " الروضة "؛لـ " قبول النبي ﷺ شهادة الأعرابي برؤية الهلال " (^٢) . ولقول عمر رضي الله تعالى عنه: " المسلمون عدول " (^٣) .
ولأن ظاهر المسلم العدالة؛ لأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله ﷾، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فلْيُكتف به ما لم يقم دليل على خلافه.
_________________
(١) في ج: إلا.
(٢) أخرجه الترمذي في"جامعه" (٦٩١) ٣: ٧٤ كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم بالشهادة. وأخرجه النسائى في " سننه " (٢١١٢) ٤: ١٣١ كتاب الصيام، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "١٠: ١٩٧ كتاب الشهادات، باب من جرب بشهادة زور لم تقبل شهادته.
[ ١١ / ٢٧٧ ]
فعلى هذه إن جهل إسلامه رجيع إلى قوله.
والعمل على الرواية الأولى.
وقولهم: أن ظاهر المسلم العدالة ممنوع، بل الظاهر عكس ذلك؛ لأن عادة الناس إظهار الطاعات وإسرار المعاصي.
وقول عمر معارَض بما روي عنه " أنه أتي بشاهدين، فقال لهما: لست أعرفكما ولا يضركما أنى لم أعرفكما ".
ولأن الأعرابي الذي قبل النبي ﷺ شهادته بروية الهلال صار صحابيًا وهم عدول.
(و) يعتبر على المذهب (في مُزَكّينَ: معرفة حاكم خِبْرتهما الباطنة، بصحبة أو معاملة، ونحوهما)؛ ككونه جارًا لهما. (و) يعتبر أيضًا (معرفتهم) أي: معرفة المزكين (كذلك) أي: كالمعرفة المتقدمة (لمن يُزكُّونه) من شهود الأصل.
(ويكفي) في تزكية الشاهد عدلان بقول كل واحد منهما: (أشهد أنه عدلٌ)؛ لدخوله بذلك في عموم قوله ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].ولا يحتاج أن يقول: أرضاه لي وعليّ؛ لأنه إذا كان عدلًا لزم ما يشهد به على مزكيه وعلى سائر الناس. ولا يكفي في المزكي أن يقول: لا أعلم إلا خيرًا.
(وبينة بجَرح مقدَّمةٌ) يعني: أنه لو شهدت بينة بتعديله وبينة بجرحه قدمت بينة الجرح؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر.
ولأن الجارح مثبت للجرج والمعدل ناف، والمثبت مقدم على النافي.
قال في " المبدع ": فرع: إذا عصى في بلده فانتقل عنه فجرحه اثنان في بلده وزكاه اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدمت التزكية ويكفي فيه الظن. بخلاف الجرح. انتهى.
[ ١١ / ٢٧٨ ]
(وتعديل الخصم وحده) للشاهد عليه تعديل له في الأصح؛ لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه وقد اعترف بها.
ولأنه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما يوجب الحكم لخصمه عليه. فيؤخذ بإقراره، كسائر أقاريره.
(أو تصديقُه) يعني: أن تصديق الخصم (للشاهد) عليه: (تعديل له) يعني: أنه يؤخذ بتصديقه الشاهد؛ كما لو أقر بدون شهادة الشاهد.
(ولا تصحُّ التزكية في واقعة واحدة) فقط، بأن قال المزكي: أشهد أنه عدل في شهادته في هذه القضية فقط في الأصح.
(ومن ثبتت عدالته مرة) في شهادةٍ في قضية ثم حضر فشهد في قضية أخرى (لزم البحث عنها) أي: عن عدالته (مع طول المدة) بين الشهادتين؛ لأن الأحوال تتغير مع طول الزمان. والذي يظهر أن المدة الطويلة ما تتغير فيها الأحوال غالبًا. والله ﷾ أعلم.
(ومتى ارتاب) الحاكم (من عدلين- لم يختبرْ قوةَ ضبطِهما و) قوة (دينها- لزمه البحث) عما شهدا به: (بسؤال كل واحد) منهما (منفردًا عن كيفيَّة تحمُّله) بأن يقول له: هل رأيت ما شهدت به، أو أخبرك بذلك مخبر، أو سمعته يقر؟ (ومتى) تحملت الشهادة؟ ليذكر تاريخ التحمل، (وأين) تحملت الشهادة؟ أي: في أيّ مكان من سوق أو دار أو سطح أو نحو ذلك، (و) يسأل (هل تحمَّل وحده؟) أي: هل كان وحده حين التحمل، (أو) كان (مع صاحبه.
فإن اتَّفقا) في مقالتهما (وَعَظَهُما وخوُّفهما) روى أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه قال: " كنت عند مُحارب بن دِثار وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل فادعى على رجل حقًا فأنكره. فأحضر المدعي شاهدين شهدا له. فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض لقد كذبا عليّ الشهادة. وكان محارب بن دثار متكئًا فاستوى جالسًا. وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد
[ ١١ / ٢٧٩ ]
الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار. فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا. فغطيا رؤوسهما وانصرفا " (^١) .
(فإن ثبتا) بعد أن وعظهما: (حَكم) بشهادتهما إذا سأله المدعى.
(وإلا) أي: وإن لم يثبتا: (لم يَقْبَلْهما).
قال أحمد رحمه الله تعالى (^٢): ينبغي للقاضى أن يسأل عن شهودٍ كل قليل، لأن الرجل ينتقل من حال إلى حال. انتهى.
(ومن أقام بينة وسألَ حبسَ خصمِه) حتى تزكى بينته: أجيب إلى حبسه ثلاثة أيام. ويقال له: إن جئت بالتزكية إلى ثلاثة أيام وإلا أطلقناه.
(أو) سأل من أقام بينه على خصمه (كفيلًا به في غير حدٍّ) حتى يزكى شهوده: أجيب إلى ثلاثة أيام.
(أو) سأل من أقام بينة على خصمه بعين (جَعْل مدعىً به بيد عدلٍ حتى تُزَكَّى) بينته أجيب إلى ثلاثة أيام.
(أو أقام) مدعٍ على خصمه (شاهدًا بمالٍ، وسأل حبسه حتى يُقيم الآخر: أجيبِ ثلاثةَ أيام) في الأصح فقط؛ لأن في حبسه أكثر من ذلك ضررًا كثيرًا.
ولأنها مدة يمكن البحث فيها فلا حاجة إلى أكثر منها. ولا يتعذر على المدعي إحضار المزكين والشاهد الثانى في الغالب أكثر من ثلاثه أيام.
(لا إن أقامه) أي: أقام شاهدًا (بغير مال) وسأل حبسه حتى يقيم الآخر في الأصح.
(وإن جَرَحَهَا) أي: جرج البينة (الخصمُ، أو أراد جَرْحَها: كُلّف)
الخصم (به) أي: بالجرح (بينة.
ويُنظر لجرحٍ وإرادتِه ثلاثة أيام)؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه
_________________
(١) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى"١٠: ١٢٢ كتاب آداب القاضي، باب وعظ القاضي الشهود وتخويفهم وتعريفهم عند الريبة.
(٢) في أوب: ﵀ ﷾.
[ ١١ / ٢٨٠ ]
قال في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: " واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا أمدًا ينتهي إليه. فإن أحضر بينة أخذتَ له حقه، وإلا استحالت القضية عليه. فإنه أنفى للشك وأجلى للغم ".
(ويلازمه المدَّعِي) في الثلاثة أيام؛ لئلا يهرب فيضيع حقه. (فإن أتى بها) أي: ببينة الجَرح في الثلاثة أيام، (وإلا: حُكم عليه)؛لأن عجزه عن إقامة البينة على الجرح في المدة المذكورة دليل على عدم ما ادعاه من الجرح.
(ولا يُسمع جَرحٌ لم يُبيَّن سببه: بذكرِ قادحٍ فيه) على الأصح (عن رؤية). فيقول جارح: أشهد أنى رأيته يشرب الخمر، أو سمعته يقذف، أو رأيته يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ضربهم، أو يعامل الناس بالربا، (أو استفاضة) أي: يستفيض ذلك عنه. وذلك؛ لأن الناس يختلفون في أسباب الجرح كاختلافهم في شاربِ يسير النبيذ. فوجب أن لا يقبل بمجرد الجرح؛ لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحًا.
ولأن الجرح ينقل عن الأصل. فإن الأصل في المسلمين العدالة، والجرح ينقل عنها. فلا بد أن يعرف الناقل؛ لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلًا.
(ويُعرّضُ جارحٌ بزنا. فإن صرَّح ولم تكمُل بينته) بأن لم يشهد معه ثلاثة: (حُدَّ) للقذف؛ لقوله ﷾: ﴿لَوْلا جَاؤُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
وإن أقام المدعى عليه بينة أن هذين الشاهدين شهدا بهذا المدعى به عند حاكم فردت شهادتهما لفسقهما بطلب شهادتهما؛ لأن الشهادة إذا رُدّت لفسق لم تقبل مرة ثانية.
(وإن جَهلَ) الحاكم (لسانَ خصم: تَرجم له) أي: للحاكم عن الخصم (من يعرفُه) أي: من يعرف لسان الخصم.
قال أبو حمزة: " كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ".
و" أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت فتعلم كتاب اليهود. قال: حتى كنت أكتب
[ ١١ / ٢٨١ ]
للنبي ﷺ كتبه وأقرا له كتبهم إذا كتبوا إليه " (^١) . رواه أحمد والبخاري.
(ولا يقبل في ترجمة، و) في (جرح، و) في (تعديل، و) في (رسالة، و) في (تعريفٍ عند حاكم) إذا كان ذلك كله (في) حد (زنًا، إلا أربعة) أي: أربعة رجال موصوفون بالصفة المذكورة في باب حد الزنا.
(و) لا يقبل (في غير مال)؛ كنكاح وطلاق ونسب وقذف وقصا ص في ترجمة وجرح وتعديل ورسالة وتعريف عند حاكم، (إلا رجلان) على الأصح؛ لأنه نقلُ ما يخفى على الحاكم بما يستند الحاكم إليه. فوجب العدد فيه؛ كالشهادة عليه.
(و) لا يقبل (في مال إلا رجلان أو رجل وامرأتان) على الأصح. (وذلك شهادة يعتبر فيه) أي: فيمن يترجم، أو يجرح، أو يعدل، أو يرسل، أو يعرّف، (وفيمن رتَّبَهُ حاكمٌ. يسأل سِرًا عن الشهود، لتزكيةٍ أو جَرح شروط الشهادة. وتجب المشافهة) وحيث كان الأمر كما ذُكر فيكتب للمرتب للسؤال عن الشهود أسماءهم، وصنائعهم، ومعايشهم، وموضع مساكنهم، وصلاتهم ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم ومسجدهم ومحلتهم. وحلاهم فيكتب أسود أو أبيض، أو أنزع أو أغم، أو أشهل أو أكحل، أقنى الأنف أو أفطس، رقيق الشفتين أو غليظهما، طويل أو قصير أو رَبْعة ونحو هذا التمييز. ولا يقع اسم على اسم، ويكتب المشهود له والمشهود عليه وقدر الحق، ويكتب ذلك كله لأصحاب مسائله لكل واحد رقعة. وإنما ذكرنا المشهود له؛ لئلا يكون بينه وبين الشاهد قرابة تمنع الشهادة أو شركة. وإنما ذكرنا اسم المشهود عليه " لئلا يكون بينه وبين الشاهد عداوة. وذكرنا قدر الحق؛ لأنه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير فتطيب نفس المزكي به إذا كان يسيرًا ولا يطيب به إذا كان كثيرًا. وينبغي للقاضي أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع " لئلا يتواطؤا. وإن شاء الحاكم عين لصاحب مسائله من يسأله
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه" (٣٦٤٥) ٣: ٣١٨ كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب. وأخرجه أحمد في "مسنده " (٢١٦٥٨) ٥: ١٨٦ ولم أره في البخاري.
[ ١١ / ٢٨٢ ]
ممن يعرفه من جيران الشاهد وأهل الخبرة به، وإن شاء أطلق ولم يعين المسؤول. ويكون السؤال سرًا؛ لئلا يكون فيه هتك المسؤول عنه. وربما يخاف المسؤول من الشاهد والمشهود له أو المشهود عليه أن يخبر بما عنده أو يستحيي.
وينبغي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين؛ لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة، وان يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والأنفس ذوي (^١) عقول وافرة، أبرياء من الشحناء والبغضة؛ لئلا يطعنوا في الشهود، أو يسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن فيه فيضيع حق المشهود له، ولا يكونون من أهل الأهواء والعصبية يميلون إلى من وافقهم على من خالفهم، ويكونون أمناء ثقات؛ لأن هذا موضع أمانة.
فإذا رجع أصحاب مسائله فأخبر اثنان بالعدالة قَبل شهادته وإن أُخبر بالجرح رَد شهادته، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل بعث آخرين فإن عاد فأخبر بالتعديل تمت بينة التعديل وسقط الجرح؛ لأن البينة لم تتم وإن أُخبر بالجرح ثبت وردت الشهادة بالتعديل.
(ومن نُصِبَ للحكم بجرح، أو) نصب للحكم بـ (تعديل، أو) نصب بـ (سماع بينة: قَنِعَ الحاكم بقوله وحده: إذا قامت البينة عنده)؛ لأنه حاكم.
فاكتفي بإخباره؛ كغيره من الحكام.
(ومن سأله حاكم عن تزكية من شهد عنده: أخبره) وجوبًا.
(وإلا) أي: وإن لم يسأله الحاكم: (لم يجب) عليه إخباره؛ لأن ذلك لم يتعين عليه.
***
_________________
(١) في ج: ذي.
[ ١١ / ٢٨٣ ]
[فصل: إذا لم يكن للمدعي بينية]
(فصل. وإن قال المدَّعي: ما لي بينة، فقول منكر بيمينه) على صفة جوابه.
(إلا النبي ﷺ إذا ادَّعى) على غيره (أو ادُّعي عليه: فقوله بلا يمين)؛ لعصمته.
(فيُعلمه) أي: يعلم المدعى (حاكمٌ بذلك) أي: بأنه ليس له على خصمه إلا اليمين؛ لما روى وائل بن حجر " أن رجلًا من حضرموت ورجلًا من كندة أتيا رسول الله ﷺ. فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرض ورثتُها من أبي. وقال الكندي: أرضي وفى يدي لا حق له فيها. فقال النبي ﷺ: شاهداك أو يمينه. قال: إنه لا يتورع من شيء. قال: ليس لك إلا ذلك " (^١) . رواه مسلم بمعناه.
(فإن سأل) المدعي (إحلافه) أي: إحلاف خصمه المنكر (ولو عَلِمَ) حالة إحلافه (عدمَ قدرتِه) أي: قدرة المنكر (على حقّه.- ويُكره) له إحلافه في هذه الحالة-: (أُحلف على صفة جوابه). نص عليه.
وعه: بصفة الدعوى.
وعنه: يكفي تحليفه: لا حق لك عليّ.
أما كونه يكره له إحلافه في الحالة المذكورة؛ فلأنه ربما يضطره إلى اليمين لخوفه على نفسه من الحبس إذا أقر لعسرته.
وأما كون حلفه يكون على صفه جوابه على الأصح؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٩) ١: ١٢٣ كتاب الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار.
[ ١١ / ٢٨٤ ]
(و) إذا حلف (خُلّيَ) [سبيله؛ لأنه لم يبق علمه شئ؛ لقول النبي ﷺ لغريم الكندي: " ليس لك إلا ذلك] (^١) " (^٢) .
(وتحرُم دعواه) [أي: دعوى المدعي] (^٣) بما ادعاه أولًا (ثانيًا وتحليفُه) أيضًا (كبريءٍ).
قال في " الإنصاف ": ظاهر قوله: أَحلفه وخلَّى سبيله؛ أنه لا يحلفه ثانيًا بدعوى أخرى. وهو صحيح. وهو المذهب مطلقًا فيحرم تحليفه. أطلقه المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في " الفروع ".
وقال في " المستوعب " و" الترغيب " و"الرعاية": له تحليفه عند من جهل حلفه عند غيره؛ لبقاء الحق. بدليل أخذه ببينة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(ولا يُعتدُّ بيمين) حلفها المنكر (إلا) إن كانت (بأمر حاكمٍ بسؤال مدَّعٍ طَوْعًا). فلو أحلفه الحاكم من غير سؤال المدعي، أو بسؤال المدعي مكرهًا، أوحلف المنكر من تلقاء نفسه لم تسقط عنه اليمين؛ لأن تحليفة حق للمدعي فلا يستوفيه غيره. وإذا لم يسأل تحليفه لم يكن مستوفيًا لحقه. فإذا سأل المدعي الحاكم إعادتها أعادها؛ لأن الأولى لم تكن يمينه الواجبة له.
(ولا يَصِلُها) أي: يصل الحالف اليمين (باستثناء).
قال في " الإنصاف ": يشترط في اليمين أن لا يصلها باستثناء.
وقال في " المغني ": وكذا بما لا يفهم؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين.
وقال في " الترغيب ": هي يمين كاذبة.
وقال في "الرعاية": لا ينفعه الاستثناء إذا لم يسمعه الحاكم المحلف له. انتهى.
(وتحرمُ تَوْرِيَةٌ) وهي: إطلاق لفظٍ له معنيان قريب وبعيد، ويراد بالبعيد اعتمادًا على قرينة خفية.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٣) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٨٥ ]
(و) يحرم أيضًا (تأويل) وهو: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره.
وقال النواوي (^١) في " تهذيب الأسماء واللغات ": التأويل قال العلماء: هو صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله. أوجبه برهان قطعي في القطعيات وظني في الظنيات.
(إلا لـ) حالف (مظلوم).
قال في "الفروع ": وقال في "الترغيب ": كل ما ليس بجار في محل الاجتهاد فالنية على نية الحاكم المحلّف واعتقادِه فالتأويل على خلافه لا ينفع. انتهى.
(و) يحرم أيضًا (حلف معسرٍ خاف حبسًا) إن أقر بما عليه: (أنه لا حقَّ له عليَّ، ولو نوى) أنه لا حق له عليَّ؛ لكونى معسرًا (الساعة) أي: في هذه الساعة.
قال في " الإنصاف ": لا يجوز أن يحلف المعسر: لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة، سواء خاف أن يحبس أو لا. نقله الجماعة عن أحمد، وجوّزه صاحب " الرعاية " بالنية.
قال في " الفروع ": وهو متجه.
قلت: وهو الصواب إن خاف حبسًا. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
[(و) يحرم أيضًا حلف (من عليه) دين (مؤجَّل أراد غريمه منْعَه من سفر)؛ لأنه لا حق عليه الساعة.
قال في " الإنصاف "] (^٢): ولا يجوز أيضًا أن يحلف من عليه دين مؤجل، إذا أراد غريمه منعه من سفر. نص عليه.
قال في " الفروع ": ويتوجه كالتي قبلها. انتهى.
ووجه المذهب والله أعلم: أنه وإن لم يلزمه دفعه الساعة لكونه معسرًا، أو
_________________
(١) في ج: النووي.
(٢) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٨٦ ]
يكون الدين مؤجلًا لم يصح نفيه؛ لبقائه في ذمته. فيبهون كاذبًا في يمينه.
(ولا يحلف) مدعى عليه أنه لاحق له علي (في) شيء (مختلف فيه لا يعتقده) المدعى عليه حقًا، (نصًا) أي: نص على كونه لا يحلف في ذلك الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه. (وحمله الموفَّق) أي: وحمل الشيخ موفق الدين نص الإمام أحمد المتقدم (على الورَع) دون الحرمة.
(ونُقل عنه) أي: عن الإمام أحمد: (لا يعجبني) يعني: أن يحلف على ما لا يعتقده.
ومن أمثلة ذلك: لو باع شافعي حنبليًا لحمًا ترك ذكر اسم الله عليه عند ذبحه عمدًا بدينار مثلًا، فطالبه البائع عند الحاكم بدينار يستحقه في ذمته فأجابه المشتري بأنه (^١) لا حق له عليّ فالتمس يمينه على حسب جوابه. فقال الإمام أحمد: لا يحلف؛ لأنه يقتطع بهذه ما يعتقده المدعي مالًا عنده. وحمل الموفق النص على الورع؛ لأن المدعى عليه لا يعتقد أن في ذمته شيئًا، لعدم صحة بيع ذلك في اعتقاده.
(وتوقَّف فيها) أي: في هذه المسألة وهي: ما إذا تخالف فيها اعتقاد المدعي والمدعى عليه (فيمن عامل بحيلةٍ كعينة) أي: كمسألة العينة إذا رأى أحد المتعاملين حرمتها دون الآخر.
قال في " الفروع " في الشفعة: ولو قدم من لا يراها لجار إلى حاكم (^٢) لم يحلف وإن أخرجه خرج. نص عليه.
وقال أيضًا: لا يعجبني الحلف على أمر (^٣) اختلف فيه.
قال القاضي: لأن يمينه هنا على القطع ومسائل الاجتهاد ظنية. وحمله الشيخ على الورع، وأن للمشتري الامتناع به من تسليم المبيع باطنًا.
وقال شيخنا: توقف أحمد فيمن عامل بحيلة ربوية هل يحلف أنه ما عليه إلا
_________________
(١) في ب: أنه.
(٢) في ج: الحاكم.
(٣) في ج: وقال: لا يعجبني الحلف على من.
[ ١١ / ٢٨٧ ]
رأس ماله؟ نقله حرب. انتهى كلامه في " الفروع ".
ومتى أمسك مدع عن إحلاف خصمه المدعى عليه ثم أراد إحلافه بالدعوى المتقدمة كان له ذلك؛ لأنه لم يَسقط حقه منها وإنما أخرها.
(فلو أُبرئ منها) بأن قال المدعي للمدعى عليه: أبرأتك من هذه اليمين: (برئ) المدعى عليه منها (في هذه الدعوى) وسقط حقه من تحليفه في هذه الدعوى المتقدمة. (فلو جدَّدها) أي: استأنف الدعوى عليه فأنكر، (وطلب) المدعي (اليمين: كان له ذلك)؛ لأن حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين، وإن حلف لم يكن للمدعي أن يحلفه مرة أخرى.
(ومن لم يَحلف) يعني: ومتى امتنع المدعى عليه من اليمين، (قال له حاكم: إن حلفت، وإلا قضَيت عليك بالنُّكول). نص عليه أحمد.
قال في " المقنع ": واختاره عامة شيوخنا.
(ويُسن تكرارُه) فيقول: إن حلفت وإلا قضيت عليك (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات. (فإن لم يحلف: قضى عليه) القاضي (بشرطه) وهو أن يسأله المدعي ذلك.
والأصل في ذلك: ما روى أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (^١) " أنه باع زيد بن ثابت عبدًا. فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالمًا بعيبه. فأنكره ابن عمر. فتحاكما إلى عثمان رضي الله تعالى عنه. فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمتَ به عيبًا. فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد " (^٢) .
ولأن النبي ﷺ قال: " اليمين على المدعى عليه " (^٣) . فحصرها في جهته
فلم تشرع لغيره. وهذا مذهب أبي حنيفة.
(وهو) أي: النكول (كإقامة بينة) بموجب الدعوى على ناكلٍ،
_________________
(١) في أ: عنه.
(٢) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" ٥: ٣٢٨ كتاب البيوع، باب بيع البراءة.
(٣) أخرجه الترمذي في"جامعه" (١٣٤١) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
[ ١١ / ٢٨٨ ]
(لا كإقرار) في الأصح؛ لأن الناكل قد صرح بالإنكار، وأن المدعي لا يستحق المدعى به وهو مصرٌّ على ذلك متورع عن اليمين. فكيف يقال إنه مقر مع إصراره على الإنكار ويجعل مكذبًا لنفسه، وأيضًا فإن الإقرار إخبار وشهادة المرء على نفسه فكيف يجعل مقرًا شاهدًا على نفسه بسكوته.
(ولا كبَذْل) في الأصح؛ لأن البذل إباحة وتبرع وهو لم يقصد ذلك ولم يخطر على قلبه، وقد يكون المدعى عليه مريضًا مرض الموت. فلو كان النكول بذلًا أو إباحة اعتبر خروج المدعى به من الثلث. فيتبين أنه لا إقرار ولا إباحة وإنما هو جار مجرى الشاهد أو البينة، فإن البينة اسم لما بيّن الحق. ونكوله مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى به ويخلص بها من خصمه فى دليل ظاهر على صحة دعوى خصمه، وبيان أنها حق فقام مقام شاهد القرائن. ذكر ذلك أو معناه الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه (^١) المسمى بـ " الطرق الحكمية ".
(لكن) يدخل في عموم كلام الشيخ شمس الدين ابن القيم أن الصحيح أن النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار ولا البذل صورة وهي: أنه لما تقرر أن المحجور عليه لفلس يتعلق حق غرمائه الذين أرادوا حجره من الحاكم بماله، فلا يقبل إقراره عليه لغيرهم، ولو قال أن الذي أقر به سابق على حجره بخلاف ما إذا ادعي عليه بمال لزم ذمته في زمن سابق على حجره وأقام المدعي بسبقه على الحجر بينة، فإنه يشاركهم في مال المحجور عليه وقت حجره. فإذا ادعى عليه إنسان بمائة اقترضها قبل حجره فأنكر المحجور عليه ذلك ولم يكن للمدعي بينة فالتمس يمين المحجور عليه أنه ما اقترض ذلك منه: قبل حجره فنكل عن اليمين فقضى عليه القاضى بمقتضى نكوله فإنه يشاركه. والحال: أنه (لا يُشارك من قضي له به) أي: بالنكول (على محجور لفلس، غُرماءَه) أي: غرماء المحجور عليه الذين حجر بطلبهم؛ لاحتمال تواطئ المحجور عليه مع المدعي على الدعوى والإنكار والنكول عن اليمين ليقتطعوا بذلك حق الغرماء من مال المحجور عليه وقت حجره.
_________________
(١) في أ: كتاب.
[ ١١ / ٢٨٩ ]
(وإن قال مدَّعٍ) أنكر خصمه وسُئل عن البينة: (لا أعلم لي بينة، ثم أتى بها) أي: أتى ببينة سُمعت، لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها ثم علمها.
ولأن نفي العلم بها ليس بنفي لها فلا يكون مكذبًا لها.
(أو قال عدلان: نحن نشهد لك، فقال: هذه بينتي سُمعت)، لما ذكرنا.
(لا إن قال) المدعي: (ما لي بينة ثم أتى بها) فإنها لا تسمع. نص على ذلك.
قال في"الإنصاف": وهو المذهب. نص عليه وجزم به في"المغني"و"الكافي"و
"الترغيب"و"الوجيز"و" الهداية"و"المذهب"و"الخلاصة"وغيرهم. وقدمه في"المحرر" و"الشرح "و"الرعايتين"و"الحاوي الصغير"و"الفروع"وغيرهم. وهو من مفردات المذهب. انتهى.
(أو قال) من قامت له بينة: (كذب شهودي، أو قال) مَنِ البينة في جهته: (كلُّ بينةٍ أُقيمُها فهى زُور، أو) هي (باطلة، أو) قال: فـ (لا حق لي فيها): لم تقبل منه بينة؛ لأنه مكذبٌ لها، ولإقراره أنه لا حق له فيها، أو أنها زور، أو أنها باطلة. (ولا تبطُل دعواه بذلك) في الأصح. فله تحليف المدعى عليه.
(ولا تُرَدُ) البينة (بذكرِ السبب) الذي سكت المدعي عنه في دعواه؛ لأنه لا منافاة بين الدعوى التي لم يذكر فيها السبب والبينة التي ذكرت السبب، (بل) ترد (بذكر سببٍ ذكر المدعي) في دعواه سببًا (غيره)، كما لو طالبه المدعي بألف قرضًا فشهدت البينة أن ذلك أجرة أو ثمن مبيع أو غصب؛ لوجود المنافاة بين ما ادعاه وبين ما شهدت به البينة.
(ومتى شهدت) البينة (بغير مدَّعىً به)؛كما لو ادعى بدنانير فشهدت بدراهم، أو ادعى أنه غصبه فرسًا فشهدت أنه غصبه بغلًا ونحو ذلك (فهو) أي: فالدعوى (مكذّبٌ لها) فيما شهدت به فلا تسمع في الأصح.
قال في"الفروع ": ولو ادعى شيئًا فشهدوا له بغيره فهو مكذب لهم. قاله أحمد وأبو بكر. واختار في " المستوعب ": تُقبل فيدعيه ثم يقيمها. وفيه وفي
[ ١١ / ٢٩٠ ]
" الرعاية ": إن قال: أستحقه وما شهدوا به وإنما ادعيت بأحدهما لأدعي الآخر وقتًا آخر ثم ادعاه ثم شهدوا به قبلت. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن ادَّعى شيئًا: أنه له) أي: أنه يملكه (الآن، لم تُسمع بيّنتُه) إذا شهدت: (أنه كان له أمس، أو) كان (في يده) أمس في الأصح، (حتى تُبين) البينة (سبب يد الثانى، نحو: غاصبةٍ.
بخلاف ما لو شهدت) البينة: (أنه كان مِلْكَهُ بالأمس، اشتراه من ربّ البلد فإنه يُقبل). قاله في " الإنصاف ".
وقال الشيخ تقي الدين: إن قال: ولا أعلم له مزيلًا قُبِل، كعلم الحاكم بلبس عليه.
وقال أيضًا: لا يعتبر في أداء الشهادة قوله: وأن الدَّين باق في ذمة الغريم إلى الآن. بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبق (^١) الحق إجماعًا.
وقال أيضًا: فيمن بيده عقار فادعى رجل بثبوته (^٢) عند الحاكم: أنه كان لجده إلى موته ثم لورثته ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه لا ينزع [منه بذلك؛ لأن الأصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة. ولو فتح هذا لانتزع] (^٣) كثير من عقار الناس بهذه الطريق.
وقال: فيمن بيده عقار فادعى آخر أنه كان ملكًا لأبيه فهل تسمع بغير بينة؟
قال: لا تسمع إلا بحجة شرعية، أو إقرار من هو في يده أو تحت حكمه.
وقال في بينة شهدت له بملكه إلى حين وقفه وأقام الوارث بينة: أن موروثه اشتراه من الواقف قَبْل وقفه: قدمت بينة وارث؛ لأن معها مزيد علم؛ كتقديم من شهد بأنه ورثه من أبيه وآخر أنه باعه. انتهى.
_________________
(١) في ج: بسبب.
(٢) في أوب: بمثبوت.
(٣) ساقط من أ
[ ١١ / ٢٩١ ]
(ومن ادُّعي عليه بشيء، فأقرَّ) المدعى عليه (بغيره: لزمه) أي: لزم المدعى عليه ما أقر به للمدعى عليه (إذا صدّقه المقَرُّ له. والدعوى) بما ادعاه المدعي (بحالها). نص عليه فللمدعي تحليفه وله إقامة البينة بدعواه.
(وإن سأل) مدع له بينة بدعواه (إحلافَه) أي: إحلاف المدعى عليه (ولا يُقيمُها) أي: ولا يقيم بينة (فحلف) المدعى عليه: (كان له) أي: للمدعي (إقامتُها) أي: إقامة البينة بعد قوله للمدعى عليه: احلف ولا أقيمها في الأصح من الوجهين؛ لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف؛ كما لو كانت غائبة عن البلد. وإن كان للمدعي شاهد واحد بالمال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق. فإن قال: لا أحلف وأرضى أنا بيمينه استحلف له، فإذا حلف سقط الحق عنه. فإن عاد المدعي بعدها وقال: أنا احلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه.
قال في " شرح المقنع ": ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها. بخلاف البينة. وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه فبذل اليمين لم يكن له ذلك في هذا المجلس. انتهى.
فأما إن وجد المدعي شاهدًا آخر فشهدا عند القاضي بحقه كملت بينته وقضي له بها.
(وإن قال) المدعي: (لي بينة وأُريد يمينه، فإن كانت) البينة (حاضرة بالمجلس فليس له إلا أحدهما) أي: أن يقيم البينة أو تحليف خصمه في الأصح؛ لقول النبي ﷺ: "شاهداك أو يمينه. ليس لك إلا ذلك" (^١) .و"أو"للتخيير بين شيئين. فلا يكون له الجمع بينهما.
ولأنه أمكن فصل الخصومة بالبينة. فلم يشرع غيرها معها مع إرادة المدعي إقامتها وحضورها؛ كما لو لم يطلب يمينه.
ولأن اليمين بدل. فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها؛ كسائر الأبدال مع مبدلاتها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٨٤).
[ ١١ / ٢٩٢ ]
(وإلا) أي: وإن لم تكن البينة حاضرة بالمجلس: (فله ذلك)؛لقول عمر رضي الله تعالى عنه: " البينة الصادقة أحب إليّ من اليمين الفاجرة ".
وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجور اليمين المتقدمة فتكون أولى.
ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره يجب عليه البينة كما قبل اليمين. (وإن سأل) المدعي (ملازمتَه) أي: ملازمة المدعى عليه (حتى يُقيمها) أي: يقيم بينته: (أُجيب) إن كانت بينته بمحل يمكن إحضارها منه (في المجلس) في الأصح؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه بذلك.
ولأن ذلك من ضرورة إقامة البينة فإنه لو (^١) لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم، ولا يمكن إقامتها إلا بحضرته.
ولأنه لما تمكن من إحضاره مجلس الحكم حتى يقيم البينة عليه تمكن من ملازمته فيه حتى يحضر البينة. وتفارق البينة البعيدة ومن لا يمكن حضورها، فإن إلزامه الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه.
(فإن لم يُحضِرْها فيه) أي: يحضر المدعي البينة في المجلسلى: (صرَفَه) ولم يكن له ملازمة خصمه. نص عليه أحمد؛ لأنه لم تثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلًا.
ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصومًا ما لم يتوجه عليه حق. ولو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس ما شاء من الناس من غير حق.
(وإن سألها) أي: سأل المدعى ملازمة خصمه (حتى يَفرُغَ له الحاكم من شغله مع غيبةِ بينته وبُعدِها) بضم الباء. يعني: ومع بعدها: (أُجيب) في الأصح.
قال الميمونى حكاية عن الإمام أحمد: لم أره يذهب في الملازمة إلى أن
_________________
(١) في ج: إن.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
يعطله (^١) من عمله، ولم يمكن أحدًا من عنت خصمه (^٢) .
(وإن سكت مدعىً عليه) بأن لم يقر بالدعوى ولم ينكرها، (أو قال) المدعى عليه: (لا أُقِرُّ ولا أُنكر، أو) قال: (لا أعلم قدر حقّه ولا بينة) للمدعي بما ادعاه (قال الحاكم) للمدعى عليه في الأصح: (إن أجبتَ، وإلا جعلتُك ناكلًا وقضيتُ عليك. ويُسن تكرارُه ثلاثًا) فإن أجاب وإلا جعله ناكلًا وحكم عليه؛ لأنه ناكل عما توجه عليه الجواب فيه. فيحكم عليه بالنكول عنه؛ كالنكول عن اليمين.
(ولو قال) المدعى عليه في جوابه للمدعي: (إن ادعيت ألفًا بِرهنِ كذا لي. بيدك: أجتـ) ـك، (أو) قال: (إن ادعيت هذا) المبلغ (ثمن (^٣) كذا بِعتَنيه ولم أقبضه: فنعم، وإلا) فإن ادعيت من غير ذلك: (فلا حقَّ عليَّ) لك قبلي (فجواب صحيح).
قال في "شرح المحرر": لأنه مقر له على قيدٍ يحترز به عما سواه منكرًا له فيما سواه.
(لا إن قال) المدعى عليه في جوابه: (لي مَخرجٌ مما ادَّعاه) فإنه لا يكون جوابًا صحيحًا؛ لأن الجواب أحد أمرين: إما إقرار أو إنكار. وليس هذا واحد منهما.
ولأن المَخرج من الدعوى. أعم من أن يكون له قبله شيء وقضاه أو أبرأه، ومن أن يكون لا حق له عليه وغير ذلك فلا يكون جوابًا لذلك.
(وإن قال) المدعى عليه في جوابه: (لي حسابٌ أريد أن أنظر فيه) وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام في الأصح وللمدعي ملازمته فيها؛ لأن ما يدعيه ممكن فتكليفه الإقرار في الحال إلزام له بما لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق
_________________
(١) في ج: يعطيه.
(٢) في ج: أحدًا من عنت الحذر به.
(٣) في ج: بثمن.
[ ١١ / ٢٩٤ ]
لا يعلم به، ويخاف إن حلف عليه كاذبًا وأن لا يكون عليه حق فيقر بما ليس عليه. فوجب إنظاره قدرًا من الزمان لا ضرر على المدعي في إنظاره إليه وهو ثلاثة أيام جمعًا بين الحقين.
(أو) قال المدعى عليه (بعد ثبوت الدعوى) عليه (ببينة: قضَيْتُه) أي: قضيت المدعى به ولي بينة بقضائه، (أو) قال: (أبرأني) منه المدعي، (ولي بينة به) أي: بإبرائه (وسأل الإنظار: لزم إنظارُه ثلاثة أيام) فقط؛ لأن ما زاد على ذلك يكون تأخير الحق المستحق بلا ضرورة؛ لأنه يدعي محتملًا. فلو ألزمناه بالحق في الحال لكان ذلك تضييعًا لحقه. فوجب إنظاره قدرًا يمكنه فيه تحصيل شهوده وغالبه ثلاثة أيام؛ لأن ما زاد على ذلك يكون تأخير الحق المستحق بلا ضرورة.
(وللمدَّعي ملازمتُه) زمن الإنظار، لئلا يهرب ولا يؤخر الحق عن المدة التي أُنظرها.
(ولا يُنظَرُ إن قال: لي بينة تدفع دعواه). ذكره الأصحاب ولم يذكروا فيه خلافا. (فإن عجز) المدعى عليه عن بينة بالقضاء أو بالإبراء في المدة المنتظر فيها: (حلف المدَّعِي على نفي ما ادَّعاه) المدعى عليه من القضاء أو الإبراء، (واستحقَّ) ما ادعى به. (فإن نكل) عن اليمين على ذلك: (حُكم عليه) بنكوله (وصُرِف)؛ لأنه منكر وجبت عليه اليمين. فنكل عنها فحكم عليه بالنكول؛ كما لو كان مدعى عليه ابتداء.
(هذا) كله يعني: قبول بينته إن أحضرها والقضاء بنكول المدعي وغير ذلك مما تقدم ذكره: (إن لم يكن) المدعى عليه (أنكر سبب الحق) ابتداء: (فأمَّا إن أنكره (^١) ثم ثبت، فادَّعى قضاء أو) ادعى (إبراءً) صدر من المدعي (سابقًا على) زمن (إنكاره) أي: إنكار المدعى عليه: (لم يُقبل) ما يدعيه من ذلك؛ كما لو ادعى عليه ألفًا من قرض فيقول: ما اقترضت منه شيئًا، أو من ثمن مبيع
_________________
(١) في ج: إن كان أنكره.
[ ١١ / ٢٩٥ ]
فيقول: ما اشتريت منه شيئًا ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى ببينة أو إقرار فيقول: قضيته من قبل هذا الوقت، أو أبرأنى من قبل هذا الوقت فإنه لا يقبل منه ذلك.
(وإن أقام به) أي: القضاء أو الإبراء (بيّنة) على الأصح. نص عليه؛ لأن القضاء أو الإبراء لا يكون إلا عن حق سابق. فإنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء مثه، فيكون مكذبًا لدعواه فلا تسمع لذلك. واحترز بقوله: سابقًا على إنكاره؛ كما لو ادعى قضاءً أو إبراء بعد إنكاره فإنه تسمع دعواه بذلك وتقبل بينته؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به فيكون قاضيًا لما هو مقر به. فتسمع دعواه به؛ كغير المنكر. وإبراء المدعي بعد الإنكار إقرار بعدم استحقاقه بذلك فلا تنافي بين إنكاره وإبراء المدعي فتسميع البينة بذلك.
(وإن قال مدَّعىً عليه بعين) كانت بيده مجيبًا لمدعيها: (كانت بيدِك) أمس، (أو) قال له: كانت (لك أمس، لزمه) أي: لزم المدعى عليه (إثبات سبب زوالء يده) أي: يد المدعي عن العين المدعى بها؛ لأن الأصل بقاء اليد أو بقاء الملك. فإن عجز عن إثبات سبب زوال اليد حلف المدعي أن العين باقية في ملكه لم تخرج عنه بوجه وأخذها.
***
[ ١١ / ٢٩٦ ]
[فصل: إذا أقر بالعين لغير المدعي]
(فصل. ومن ادُّعي عليه عينًا بيده) ولا بينة لمدعيها، (فأقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لحاضرٍ مكلفٍ) غير المدعي: (جُعل) المقَرُّ له بها (الخصم فيها)، لأن من بيده العين اعترف أن يده نائبة عن يد من أقر له بها، وإقرار الإنسان بما في يده لغيره إقرار صحيح، (وحُلّف مدعى عليه) أنها ليست للمدعي إن صدقه المقر له، وإلا فلا، لعدم التفويت في الأصح. (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين: (أُخذ منه) أي: أخذ المدعي منه (بدلُها)؛ كما لو أقر للمدعي بها بعد أن أقر بها لغيره. فإن من قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع لزيد ويغرم قيمتها لعمرو. ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار.
فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه مع النكول بدلها. (ثم إن صدقه المقَر له) أي: صدق المقَر له المقِر أن العين ملكه (فهو) أي: فالمقر له (كأحد مدَّعِيَيْن على ثالث أقرَّ له الثالثُ، على ما يأتي) في باب الدعاوى والبينات.
(وإن قال) مدعى عليه عين في يده: (ليست لي ولا أعلَمُ لمن هي؟) وجُهل لمن هي سُلمت لمدع، (أو قال ذلك المُقَرُّ له) بأن أقر المدعى عليه بالعين لإنسان فقال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ (وجُهل لمن هي سُلمّتْ لمدَّعٍ) في الأصح؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها.
ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل (^١) قضينا له بها. فمع عدم ادعائه لها أولى.
_________________
(١) في ج: ونكل.
[ ١١ / ٢٩٧ ]
(فإن كانا) (^١) أي: كان مدعيها (اثنين: اقترعا عليها) في الأصح. فمن خرجت له القرعة أخذها وحلف لصاحبه (^٢) .
(وإن عاد) المقر (ادَّعَاها) أي: العين (لنفسه، أو) ادعاها (لثالث) [في الأصح] (^٣) غير المدعي وغير المقَر له [أوّلًا لم يقبل] (^٤)، (أو عاد المقَرُّ له أولًا إلى دعواه ولو قبل ذلك) أي: قبل أن يدعيها المقِر لنفسه في الأصح: (لم يُقبل).
مثال ذلك: لو ادعى زيد دارًا بيد عمرو. فقال عمرو: الدار لبكر وبكر حاضر مكلف صار بكر هو الخصم في الدار وصاحب اليد عليها؛ لأن عمرًا اعترف أن يده نائبه عن يد بكر، وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصمًا للمدعي. وحلف عمرو لريد أنها ليست له حيث لا بينة لزيد. فإن نكل عمرو عن اليمين أخذ منه زيد بدلها؛ لأنه لو أقر له بها لزمه؛ كما لو قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع إلى زيد ويغرم قيمتها لعمرو.
ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار.
فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه بدلها، ثم إن صدق بكر عمرو على إقراره له بالدار، فإن بكرًا يكون كأحد مدعيين على ثالث بعين فأقر له الثالث دون رفيقه بالعين على ما يأتى في باب الدعاوى والبينات. وإن كان عمرو قال في جواب دعوى زيد عليه بالدار: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ أو قال ذلك بكر المقَر له وجُهل لمن هي: سُلّمت لزيد في الأصح بلا بينة؛ لأنه لا منازع له فيها.
ولأن عمرًا لو ادعاها لنفسه ثم أقر بها لزيد قضي لزيد بها. فمع عدم ادعاء عمرو أولى.
فلو كان مع زيد في هذه الصورة مدع آخر اقترعا على الدار، فمن خرجت له
_________________
(١) في ج: فإن كان.
(٢) في أزيادة: أوّلًا لم يقبل. وستأتي بعد قليل. ولم يذكر جملة: وحلف لصاحبه.
(٣) ساقط من أ.
(٤) ساقط من أ.
[ ١١ / ٢٩٨ ]
القرعة أخذها [وحلف لصاحبه] (^١) . وإن عاد عمرو بعد ذلك ادعى الدار لنفسه أو ادعاها لثالث وهو غير من أقر له اوّلًا: لم يقبل منه ذلك؛ لأنه مكذب لهذه الدعوى، أو الإقرار بقوله: هي لفلان، أو بقوله: ليست لي ولا أعلم لمن هي؛ لأن ذلك نفي لها عن نفسه وعن غيره فلا يسمع منه خلافه. ولو عاد بكر فادعاها لنفسه بعد أن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي: لم تقبل دعواه ولو كانت قبل أن يدعيها المقر لنفسه في الأصح؛ لأن ذلك فيه تكذيب لنفسه بقوله: ليست لي.
(وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لغائب) عن البلد (أوغيرمكلَّف) يعني: أوأقر بها لصغيرأومجنون (وللمدَّعي بينة) تشهد له بأنها ملكه: (فهى) أي: فالعين المدعى بها (له) ببينته؛ لأن جانبه قد ترجح بالبينة (بلا يمين) في الأصح، لأن البينة وحدها كافية، لخبر: " البينةُ على المدعِي. واليمينُ على من أنكر " (^٢) .
(وإلا) أي: وإن لم يكن للمدعي بينة، (فأقام المدَّعَى عليه بينة: أنها) أي: العين المدعى بها (لمن سّماه) المدعى عليه (لم يحلف)، وتسمع بينة المدعى عليه أنها لمن سماه؛ لزوال التهمة، وسقوط اليمين عنه. ولا يقضى بها؛ لأن البينة للغائب، والغائب لم يدعها هو ولا وكيله.
(وإلا) أي: وإن لم يُقم المدعى عليه بينه أن العين لمن سماه: (استُحْلف) المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليم العين إلى المدعي. وأقرت العين بيده؛ لأن المدعي اندفعت دعواه باليمين. (فإن نكل) المدعى عليه عن هذه اليمين: (غَرِم بَدَلَها) أي: بدل العين المدعى بها. وبدلها مثلها إن كانت مثلية وقيمتها إن كانت متقومة (لمدَّعٍ. فإن كانا) أي: كان مدعيها (اثنين) كل
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه الدارقطني في"سننه" (٩٨) ٣: ١١٠ كتاب الحدود. بلفظ: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ". وأخرجه البيهقي في"السنن الكبرى"١٠: ٢٥٢ كتاب الدعوى والبينات، باب البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه.
[ ١١ / ٢٩٩ ]
واحد منهما يدعي جميعها (فـ) على الناكل (بدلان) لهما، لكل واحد بدل. (وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لمجهول)؛ كما لو قال: هي لإنسان لا أسميه، أو لإنسان لا أعرفه، (قال) له (حاكم: عَرّفْه، وإلا جعلتك ناكلًا) [أي: ممتنعًا] (^١)، (وقضيتُ عليك)؛ لأن الإقرار بها لمجهول عدول عن الجواب؛ لأنه يجعل الخصم غير معين. فيقال له: إما أن تعين المقر له لتنتقل (^٢) الخصومة إليه، أو تدعيها لنفسك لتكون الخصومة معك، أو تقر بها للمدعي لتندفع الخصومة عند. فإن عين المجهول وإلا قضي عليه بها.
(فإن عاد ادَّعاها لنفسه: لم يُقبل منه) ذلك في الأصح؛ لأن ظاهر جوابه أولًا أنها لغيره فلا تقبل منه دعواها لنفسه؛ لمخالفته لدعواه الأولى.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: لتنقل.
[ ١١ / ٣٠٠ ]
[فصل: في الدعوى على الغائب]
(فصل. من ادَّعى على غائب) عن البلد (مسافةَ قصر بغير عمله) أي: عمل القاضي المدعى عنده، (أو) على (مستتر إما بالبلد أو بدون مسافة قصر، أو) على (ميتٍ، أو) على (غير مكلَّف وله بينة: سُمعت، وحُكم بها) إذا كملت الشروط. وبهذا قال مالك والشافعي.
وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب، وعن أحمد مثله، وبهذا قال أبو حنيفة، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: " إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول (^١) حتى تسمع كلام الآخر. فإنك لا تدري بما (^٢) تقضي" (^٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده. فلم يجز؛ كما لو كان الآخر في البلد. ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها. فلم يجز الحكم عليه.
ولنا: " أن هندًا قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (^٤) . متفق عليه.
_________________
(١) في ب: الأول.
(٢) في ج: ما.
(٣) أخرجه الترمذي في"جامعه" (١٣٣١) ٣: ٦١٨ كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضى لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما.
(٤) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٥٠٤٩) ٥: ٤٨ كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧١٤) ٣: ١٣٣٨ كتاب الأقضية، باب قضية هند.
[ ١١ / ٣٠١ ]
فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضرًا.
ولأن هذا المدعي له بينة عادلة. فجاز الحكم بها؛ كما لو كان الخصم حاضرًا. وقد وافق (^١) أبو حنفية في سماع البينة دون الحكم.
ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضرًا يقدم عليه إذا كان غائبًا؛ كسماع البينة.
وأما حديثهم فنقول به: إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين. ويفارق الحاضر الغائب، فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته والغائب بخلافه.
وأما تقييد الغيبة بمسافة القصر، فإنها التي ينبني عليها الأحكام.
وأما اعتبار كونه بغير عمل القاضي، فإنه إذا كان بعمله أحضره؛ ليكون الحكم عليه مع حضوره.
وأما كون البينة تسمع على المستتر في البلد ويحكم عليه بمقتضاها؛ فلأنه متعذر الحضور. أشبه الغائب، بل أولى، فإن الغائب معذور ولا عذر للمستتر. نص عليه أحمد في رواية حرب. وروى حرب بإسناده عن أبي موسى قال: " كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله ﷺ فأنفذ الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى ".
ولأنه لو لم يحكم على المستتر لجعل الاستتار وسيلة إلى تضيييع الحقوق.
وأما كون الميت كالغائب بل أولى؛ فلأن (^٢) الغائب قد يحضر. بخلاف الميت.
قال الشاعر:
وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
_________________
(١) في ب: وبهذا أفتى.
(٢) في أ: لأن.
[ ١١ / ٣٠٢ ]
وكذا الصبي والمجنون المدعى عليهما يجوز سماع البينة عليهما والحكم عليهما بها؛ لأن كل واحد منهما لا يعبر عن نفسه فهو كالغائب.
ولا يصح الحكم على الغائب فيما لا يقبل فيه كتاب القاضي. وإلى ذلك أشير بقوله:
(لا في حقٍّ لله تعالى) سبحانه، (فيُقضَى في سرقةٍ) ثبتت على غائب (بغُرمٍ) أي: بالمال المسروق (فقط) يعني: دون القطع.
(ولا يجب عليه) أي: على المحكوم له (يمين على بقاء حقّه) في ذمة الغائب أو المستتر أو الميت أو غيرهم على الأصح؛ لقوله ﷺ: " البينةُ على المدَّعِي. واليمينُ على المدَّعَى عليه " (^١)؛لأنه حصرها في جانب المدعى عليه.
ولأنها بينة عادلة. فلم تجب اليمين معها؛ كما لو كانت على خصم حاضر.
(إلا على روايةٍ). قال (المنقح: والعمل عليها) أى: على الرواية التي فيها وجوب اليمين (في هذه الأزمنة). انتهى.
لفساد أحوال غالب الناس. وبهذا قال الشافعي؛ لأنه يجوز أن يكون استوفى ما شهدت له البينة به، أو ملّكه العين التي قامت بها البينة. ولو كان خصمه حاضرًا أو حيًا فادعى ذلك لوجبت اليمين، فإذا تعذر ذلك منه لغيبته أو موته أو نحوهما وجب أن يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن دعواه.
ولأن الحاكم مأمور با لاحتياط.
(ثم إذا كُلّف غير مكلَّف ورَشَدَ) بعد الحكم عليه، (أو حضر الغائب) بعد الحكم عليه، (أو ظهر المستتر) بعد الحكم عليه: (فـ) هو (على حجته) إن كانت؛ لأن المانع إذا زال صار كالحاضر المكلف؛ لأن الحكم بثبوت أصل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في"جامعه" (١٣٤١) ٣: ٦٢٦ كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
[ ١١ / ٣٠٣ ]
الحق لا يبطل دعوى القضاء ولا الإبراء ولا دعوى غيرهما مما يسقط الحق. (فإن جرحَ) المحكومُ عليه (البينةَ بأمرٍ، بعد أداء الشهادة أو مطلقًا) يعني: أو بأمرٍ ويطلق بًان لم يقل: قبل الشهاده ولا بعد الشهادة: الم يقبل) جرحه، ولم يبطل الحكم؟ لجواز أن يكون ما صدر منه مما يقتضي جرحه بعد الحكم.
(وإلا) بأن جرحها بأمر قبل الحكم: (قُبِل) جرحه، وبطل الحكم؛ لفوات شرطه.
(والغائب دون ذلك) أي: دون مسافة القصر: (لم تُسمع دعوى ولا بينة عليه، حتى يحضر كحاضر)؛ لأنه أمكن سؤاله. فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله؛ كحاضر المجلس. ويفارق الغائب البعيد فإنه لا يمكن سؤاله.
(إلا أن يمتنع) من الحضور: (فيُسمَعا) أي: تسمع عليه الدعوى والبينة على الأصح.
(ثم إن) كان المدعى به على الغائب عينًا وقضي بها للمدعي سُلمت إليه، وإن كان دينًا فإن (وَجد) الحاكم (له مالًا: وفَّاه) أي: وفى المدعي (منه.
وإلا) أي: وإن لم يجحد للغائب مالًا (قال للمدَّعي: إن عرفتَ له مالًا وثبت عندي) أنه مال الغائب: (وفَّيتُك منه).
قال أحمد في رواية حرب: في رجل أقام بينة أن له سهمًا من ضيعةٍ في أيدي قوم فتواروا عنه: يُقسم عليهم شهدوا أو غابوا يعني: حضروا أو غابوا ويُدفع إلى هذا حقه.
وروى عنه أبو طالب: في رجل وجد غلامه - يعني عبده- عند رجل فأقام البينة] أنه غلامه. فقال الذي عنده الغلام: أودعني هذا رجل. فقال أحمد: أهل المدينة يقضون على الغائب ويقولون أنه لهذا الذي أقام البينة] (^١) وهو مذهبٌ حسن.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٠٤ ]
ولأنه ثبت حقه بالبينة. فيسلم (^١) إليه؛ كما لو كان المدعى عليه حاضرًا.
(والحكم للغائب لا يصحُّ)؛ لأنه لم تتقدم منه دعوى بنفسه ولا بوكيله، (إلا) أن يكون (تبعًا) لمدع حاضر؛ (كمن ادّعى موتَ أبيه عنه وعن أخ له غائب أو غير رشيد، وله) أي: وللميت (عند فلانٍ عينٌ أو دينٌ، فثبت) المدعى به على فلان (بإقرار) أي: إقراره (أو بينةٍ) قامت عليه أو نكولٍ: (أخَذ المدعي نصيبَه) أي: نصيب نفسه، (و) أخذ (الحاكم نصيب الآخر) أي: نصيب الأخ الغائب فجعله في يد أمينٍ للغائب، يكريه له إن كان مما يكرى أو يحفظه له حتى يحضر؛ لأن بقاءه في ذمة الغريم إذا كان دينًا معرض للتلف بفلس الغريم، أو موته، أو عزل الحاكم، أو تعذر البينة عند حضور الغائب، وكالمنقول، وكما لو أجره صغيرًا أو مجنونًا. ثم إذا دفعنا للحاضر نصف العين أو نصف الدين لم يكن للمدعى عليه أن يطالبه (^٢) بضمين؛ لأن في ذلك طعنًا على الشهود.
قال في"الفروع": وقيل يترك نصيبه من الدين في ذمة غريمه حتى يقدم ويرشد وتعاد البينة (^٣) في غير الإرث. ذكره في "الرعاية ".
(و) من أمثلة ما يكون الحكم فيه للغائب على سبيل التبعية: (كالحكم بوقف يدخُلُ فيه) أي: في الحكم بالوقف الحكم لـ (من لم يُخلَقْ) من المستحقين حال الحكم بالوقف، (تبعًا) لمسحتقه الآن.
(وكإثبات أحد الوكيلين الوكالة في غيبة الآخر فتثبت (^٤) له) أي: للوكيل الآخر (تبعًا).
قال في"المغني": إن ادعى أحد الوكيلين الوكالة والآخر غائب وثَم بينةٌ حكم (^٥) لهما. فإن حضر لم تعد البينة.
_________________
(١) في ب: فسلم.
(٢) في ج: يطالب.
(٣) في ج زيادة: به عند حضور الغائب.
(٤) في ج: لتثبت.
(٥) في ج: حاكم.
[ ١١ / ٣٠٥ ]
(وسؤال أحد الغرماء الحجر) على المدين، (كالكل) يعني: كسؤال الكل. (فالقضية الواحدة المشتملة على عدد أو) على (أعيان، كولد الأبوين في) المسألة الملقبة بـ (المشرّكة) والجارية في كتاب الفرائض وهي: زوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأبوين: (الحكم فيها لواحد أو عليه) يعني: أو على واحد فيها، (يعُمُّه و) يعم (غيره).
قال في " الفروع " بعد أن ذكر أن سؤال غريم الحجر كالكل: فيتوجه أن يفيد أن القضية الواحدة المشتملة على عدد أو أعيان؛ كولد الأبوين في المشرّكة أن الحكم على واحد [أوْ لَه] (^١) يعمه وغيره. وذكر شيخنا المسألة، وأخذها من دعوى موت موروثه، وحكمه بأن هذا يستحق هذا، أو الآن من وقف بشرط شامل يعم.
(وحكمُه) أي: حكم الحاكم (لطبقةٍ) أي: لأهل طبقة في وقف (حُكمٌ للثانية) أي: يكون حكمًا للطبقة الثانية: (إن كان الشرط) أي: شرط الواقف (واحدًا) أي: غير مختلف، (حتى من أبدى) من أهل الطبقة الثانية (ما) أي أمرًا (يجوز أن يمنع الأول من الحكم عليه) أي: على المستحق الأول الذي من الطبقة الأولى (لو عَلمه) الأول (^٢) (فلثانٍ) أي: فللذي من الطبقة الثانية (الدَّفع به)؛كما لو كان ذلك الدفع للأول لو علمه.
قال في"الفروع": [وهل هو نقض للأول كحكم مُغَيّى بغاية، أو هل هو نسخ؟ انتهى.
قال في تصحيح " الفروع "] (^٣): هذا من تتمة كلام الشيخ تقي الدين. والمصنف قد قدم حكمًا وهو قوله قبل ذلك: ويصح تبعًا. انتهى.
***
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: الأولى.
(٣) ساقط من ب.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
[فصل: إذا أدعى أن الحاكم حكم له بحق]
(فصل. ومن ادَّعى: أن الحاكم حَكَم له بحق، فصدَّقه) الحاكم على ما ادعاه من الحكم، لكونه ذاكرًا له: (قُبل) قول الحاكم في ذلك (وحدَه) أي: من غير أن يشهد عليه رجلان حين الحكم، ويلزم خصمه بما حكم عليه. وليس هذا حكمًا بالعلم، إنما هو إمضاء لحكمه السابق؛ (كقوله) أي: كقول الحاكم (ابتداء: حكمتُ بكذا) فإنه يقبل منه ذلك.
(وإن لم يذكره) أي: وإن لم يذكر الحاكم أنه حكم بحق، (فشَهد به) أي: بحكمه (عدلان) بأن قالا للحاكم: نشهد عندك أنك حكمت لفلان على فلانًا بكذا: (قَبِلهما وأمضاه، لقدرته على إمضائه، على ما لم يتيقَّن صواب نفسه)؛كوجوب رجوع الإمام إلى اثنين فصاعدًا من المأمومين ما لم يتيقن صواب نفسه.
ولأنهما لو شهدا عنده بحكم حاكم غيره قبلهما فكذلك إذا شهدا عنده بحكم نفسه.
وهذا (بخلاف من نسي شهادته، فشهدا) أي: فشهد عدلان (عنده) أي: عند من نسي شهادته (بها) بأن قالا: نشهد عندك أنك شهدت لفلان على فلان بكذا؛ لأن الحاكم يمضي ما حكم به إذا ثبتت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم.
(وكذا) أي: وكشهادة عدلين عنده أنه حكم بكذا في إمضاء ما شهدا به:
(إن شهدا) عنده (أن فلانًا وفلانًا شهدا عندك بكذا) يعني: أنه يقبلهما ويمضى ما شهد به فلان وفلان عنده، كما يقبل شهادتهما على حق نفسه.
(وإن لم يشهد بحكمه) ولا بأن أحدًا شهد عنده بشيء (أحد، ووجده)
[ ١١ / ٣٠٧ ]
مكتوبًا عنده (ولو في قِمَطْرِه (^١) تحت ختمه) ولم يذكره لم يعمل به على الأصح؛ لأنه حكم حاكم لم يعلمه. فلم يجز إنفاذه إلا ببينة؛ كحكم غيره.
ولأنه يجوز أن يزوّر عليه وعلى خطه وختمه والخط يشبه الخط.
(أو) وجد شاهد (شهادته بخطّه، وتيقَّنه ولم يذكره) أي: يذكر الأمر المشهود به: (لم يَعمل به) أي: بما وجده بخطه ولم يذكره على الأصح. نص عليه؛ لأنه يحتمل أنه زور على خطه وقد وجد ذلك كثيرًا، (كـ) وجدان (خط أبيه بحكمٍ) يعني: أن الحاكم لو وجد حكم أبيه مكتوبًا بخط أبيه لم يجز له إنفاذه، (أو) وجد أنه خط أبيه بـ (شهادة) فإنه لا يجوز أن يشهد بها على شهادة أبيه.
إذا علمت ذلك فلا يجوز لحاكمٍ وجد حكمه في قِمَطْره تحت ختمه أن يعمل به، ولا يجوز لشاهد رأى شهادته بخطه وتيقنه ولم يذكر المشهود به أن يشهد بها، (لا على) قو ل (مرجوح).
قا ل (المنقح: وهو أظهر، وعليه العمل). انتهى.
قال في"شرح المقنع ": قال شيخنا: - يعني الموفق- وهذا الذي رأيته عن أحمد في الشهادة؛ لأنه إذا كان في قِمَطْره تحت ختمه لم يحتمل أن يكون إلا صحيحًا. انتهى.
(ومن تحقَّق الحاكم منه أنه لا يُفرّق بين أن يذكر الشهادة) التي يشهد بها (أو يعتمد على معرفة الخط) وأنه (يتجوَّز بذلك) أي: بعدم الفرق بين الصورتين: (لم يجز) للحاكم الذي يتحقق منه ذلك (قول شهادته.
وإلا) أي: وإن لم يتحقق الحاكم منه ذلك: (حرُم) عليه (أن يسأله عنه).
قال في " الفروع ": (ولا يجب أن يخبره بالصفة) ذكره ابن الزاغونى يعني: أنه لا يجب على الشاهد إذا سأله الحاكم أن يخبره بالصفة التي شهد بها يعني: هل ذكر ما شهد به أو رآه مكتوبًا عنده بخطه ولم يذكره عند أداء الشهادة به.
_________________
(١) في ج: قطعة.
[ ١١ / ٣٠٨ ]
وقال أبو الخطاب: لا يلزم الحاكم سؤالهما عن ذلك ولا يلزمهما جوابه.
وقال أبو الوفاء: إذا علم تجوزهما فهما كمغفل ولم يجز قبولهما.
(وحُكم الحاكم لا يزيل الشيء) أي: لا يحيله (عن صفته باطنًا) أي: في باطن الأمر ولو عقدًا أو فسخًا على الأصح. وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا. وعلى هذا لو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل أنه طلق امرأته فقبلها القاضي لظاهر عدالتهما ففرق بين الزوجين لجاز لأحد الشاهدين نكاحها بعد قضاء عدتها وهوعالم بتعمد الكذب.
ولو أن رجلًا ادعى نكاح امرأة وهو يعلم أنه كاذب وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم: حلت له بذلك وصارت زوجته.
قال ابن المنذر: وتفرد أبو حنيفة فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها وهما يعلمان كذبها وتزويرها فحكم الحاكم بطلاقها، يحل لها أن تتزوج، وحل لأحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما روي عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رجلًا ادعى على امرأة نكاحًا فرفعها إلى علي. فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية. فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين. اعقد بيننا عقدًا حتى أحل له. فقال: شاهداك زوجاك ".
فدل على أن النكاح ثبت بحكمه.
ولأن اللعان يُفسخ به النكاح. وإن كان أحدهما كاذبًا فالحكم أولى.
ولنا: قول النبي ﷺ " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه: فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما اقطع له قطعةً من النار " (^١) . متفق عليه.
وهذا يدخل فيه: من ادعى أنه اشترى منه شيئًا فحكم له.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٧٤) رقم (٣).
[ ١١ / ٣٠٩ ]
ولأنه حكم بشهادة زور. فلا يحل له ما كان محرمًا عليه؛ كالمال المطلق.
وأما الخبر عن علي رضي الله تعالى عنه إن صح فلا حجة فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه. ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنًا على الشهود. فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة لم ينفسخ النكاح.
إذا ثبت هذا (فمتى علمها حاكم كاذبة) أي: علم الحاكم أن البينه كاذبة:
(لم ينفُذ) حكمه بها، (حتى ولو في عقد وفسخ.
فمن حَكم له) حاكم (ببينةِ زور بزوجيَّة امرأة) لم تحل له باطنًا، (فإن وطئ مع العلم) أي: مع علمه بأنها لم تحل له: (فكزنا) يعني: فإنه يجب عليه الحد بذلك في الأصح. وعليها أن تمتنع منه ما أمكنها فإن أكرهها فالإثم عليه دونها. (ويصح نكاحُها غيره) يعني: ولها أن تتزوج غيره في الأصح؛ لأن ذلك النكاح كلا نكاح.
(وإن حكم) حاكم (بطلاقها ثلاثًا، بشهود زور: فهى زوجته باطنًا، ويُكره له اجتماعه بها ظاهرًا)؛لأن في ذلك طعنًا على الحاكم. (. ولا يصحُّ نكاحها غيره ممن يَعلم بالحال)؛لأنها باقية في عصمة الأول.
(ومن حكم لمجتهدٍ أو عليه) يعني: أو على مجتهد، (بما يُخالف اجتهاده: عَمِل) المجتهد (باطنًا) أي: في باطن أمره (بالحكم) الذي حكم به عليه الحاكم في الأصح. ذكره القاضي وقدمه في "الفروع ".
(وإن باع حنبلي متروك التسمية، فحكم بصحته) أي: بصحة البيع حاكم (شافعي: نفذ) حكمه.
قال في " الفروع ": عند أصحابنا خلافًا لأبي الخطاب.
وكذا إن حكم حنفي لحنبلي بشفعة جوار في الأصح؛ لشمول الرواية لها.
وقال الشيخ تقي الدين: اختلفت الرواية عن أحمد لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح بالحكم؟ على روايتين. فحكى الخلاف روايتين ثم
[ ١١ / ٣١٠ ]
قال: والتحقيق في هذا أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام عليه. فليس له أن يطلب أن يحكم. له بشفعة أو ميراث (^١) وهو في حال طلبه يرى أن ذلك حرام عليه؛ لأنه جمع بين طلب شيء وبين اعتقاد تحريمه. ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه وهذا لا يجوز. لكن لو كان الطالب غيره أو ابتدأ الإمام بحكم أو قسم فهنا (^٢) يتوجه القول بالحل؛ لأنه لم يصدر منه فعل محرم. ثم قال: والأشبه (^٣) أن هذا لا يحرم عليه. انتهى.
(وإن ردَّ حاكم شهادة واحد بـ) روية هلال (رمضان: لم يُؤثر) ذلك في الحكم بعدالته؛ (كـ) ما لو شهد بـ (ملك مطلق) عند من لا يرى رفع اليد بذلك (وأولى) ممن (^٤) شهد بالملك المطلق؛ (لأنه) أي: لأن الحاكم (لا مَدخل لحكمه في عبادةٍ ووقتٍ، وإنما هو) أي: رد شهادته برمضان (فتوى. فلا يقال: حَكَم بكذبه، أو بأنه لم يرَه) أي: لم ير الهلال.
(ولو رُفع إليه) أي: إلى الحاكم (حُكمٌ في مختلَف فيه)؛كحكمه بنكاح امرأة زوجت نفسها ونحوه من كل حكم مختلف فيه: (لم يلزمه نقضُه، ليُنفّذه: لزمه تنفيذُه، وإن لم يره) أي: وإن لم ير ما حكم به ذلك الحاكم صحيحًا عنده؛ لأنه حكم ساغ الخلاف فيه. فإذا حكم به حاكم لم يجز نقضه، فوجب تنفيذه لذلك.
(وكذا إن كان نفس الحكم مختلَفًا فيه؛ كحكمه بعلمه، وتزويجه يتيمة)، وكالحكم على غائب، وكالحكم بصحة الثبوت بطريق الشهادة على الخط ونحو ذلك في الأصح.
وفي "المحرر": لم يلزمه تنفيذه، إلا أن يحكم به حاكم آخر قبله.
قال شارح"المحرر": وأما إذا كان نفس الحكم مختلفًا فيه فإن نفس
_________________
(١) في ب: بشفعة جوار وميراث.
(٢) في ج: فهاهنا.
(٣) في ج: الأشبه.
(٤) في أ: من.
[ ١١ / ٣١١ ]
الحكم في شيء لا يكون حكمًا بصحة الحكم ديه. لكن لو أنفذه حاكم آخر لزمه إنفاذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكومًا به. فلزمه تنفيذه كغيره. انتهى.
وهذا مبني على أن تنفيذ الحكم حكم بصحة الحكم المنفذ. وتقدم الخلاف الذي في التنفيذ.
(وإن رَفع إليه) أي: إلى حاكم (خصمان عقدًا فاسدًا عنده) أي: عند ذلك الحاكم (فقط) أي: مع كون حاكم غيره يرى أن ذلك العقد صحيح، (وأقرَّا) أي: أقر الخصمان (بأن) حاكمًا (نافذَ الحكم حَكم بصحته) أي: بصحة ذلك العقد الذي هو فاسد عند الحاكم الذي ترافعا إليه (فله إلزامُهما ذلك) العقد الذي أقرَّا أن نافذ الحكم حكم بصحته؛ لأنه حق أقرا به. فلزمهما؛ كما لو أقرا بغيره، (وله ردُّه والحكم) عليهما (بمذهبه)؛لأن حكم الحاكم به لا يثبت بإقرارهما، وإنما يثبت بالبينة ولا بينة هاهنا. فلا يلزمه العمل به؛ لعدم ثبوته عنده. ذكره القاضي واقتصر عليه في"المحرر"و"الفروع". (ومن قلَّد) مجتهدًا (في صحة نكاح: لم يُفارق) زوجته (بتغيُّر اجتهاده) أي: اجتهاد المجتهد الذي قلده في صحته؛ (كحكمٍ) أي: كما لو حكم به حاكم مجتهد يرى صحته حال الحكم ثم تغير اجتهاده فرأى أنه باطل. (بخلافِ مجتهدٍ نَكح) امرأة بعقد أداه اجتهاده إلى صحته (ثم رأى بطلانَه) يعني: ثم أداه اجتهاد إلى أن العقد باطل فإنه يلزمه أن يفارق زوجته بتغير (^١) اجتهاده إلى صحته في الأصح؛ لأنه صار يعتقد تحريم وطئها.
(ولا يلزم) مجتهدًا قلده عامي في صحة نكاح ثم تغير اجتهاده (إعلامُ المقلّد) أي: من قلده في صحة النكاح (بتغيُّره) أي: بتغير اجتهاده؛ لما تقدم من أن المقلد في صحة النكاح لم يلزمه فراق زوجته بتغير اجتهاد من قلده في ذلك.
(وإن بان خطؤه). أي: خطأ لحاكم في حكمه (في إتلافٍ بمخالفة) دليل (قاطع) يعني: لا يحتمل التأويل، (أو) بان (خطأُ مفتٍ ليس أهلًا)
_________________
(١) في ج: بتعين.
[ ١١ / ٣١٢ ]
بإتلافٍ؛ كقتل في شيء ظناه ردة، أو قطع في سرقة لم يجب فيها قطع، أوتلف ما يسري إليه جلد غير واجب؛ كشارب مسكر (^١) كرهًا حدّه فمات: (ضمِنَا) أي: الحاكم والمفت ما تلف بالحكم أو الإفتاء؛ لأنه إتلاف حصل بفعلهما. فضمناه؛ كما لو باشرا ذلك بأيديهما.
***
_________________
(١) في ب: سُكر.
[ ١١ / ٣١٣ ]
[فصل: من قدر على عين ماله المغضوب]
(فصل. ومن غصبه إنسان مالًا جهرًا، أو كان عنده) أي: عند إنسان (عينُ ماله) أي: عين مال غيره: (فله) أي: فللمغصوب منه مالًا جهرًا (أخذ) أي: أن يأخذ (قدر) ماله (المغصوب) منه من مال الغاصب (جهرًا).
قال في " الفروع ": ذكره شيخنا وغيره.
(و) لمالك العين التي عند غيره أن يأخذ (عين ماله) ممن هي عنده (ولو قهرًا).
قال في " الفروع ": ومن قدر على عين ماله أخذه قهرًا. زاد في" الترغيب ": ما لم يفض إلى فتنة. انتهى.
(لا أخذ قدر دَينه) أي: لا مَن له في ذمة إنسان دين أن يأخذ قدر دينه (من مال مَدين تعذَّر أخذُ دينِه منه بحاكم؛ لجحد أو غيره)؛ ككونه من سكان البوادي التي يتعذر إحضار الخصوم منها على الأصح.
قال في " المقنع ": نص عليه واختاره عامة شيوخنا. انتهى.
لقوله ﷺ: " أَدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن من خانك " (^١) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
ومتى أخذ قدر حقه من ماله بغير إذنه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر.
وقال ﷺ: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبِ نفسٍ منه " (^٢) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٢٦٤) ٣: ٥٦٤ كتاب البيوع.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده" (٢١١١٩) ٥: ١١٣.
[ ١١ / ٣١٤ ]
ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنسه فليس له تغيير الحق بغير رضى صاحبه. ألا ترى أنه لا يجوز له أن يقول: لا آخذ حقي إلا من هذا الكيس دون هذا.
ولأن كل ما لا يجوز له تملكه إذا لم يكن له دين لا يجوز له أخذه إذا كان له دين، كما لو كان باذلًا.
وعنه.: يجوز له ذلك. والحال ما ذكر. وذهب إليه بعض الأصحاب من المحدثين؛ لحديث هند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (^١) .
والأول المذهب؛ لأن حديث هند قد أشار أحمد إلى الفرق بينه وبين ما تقدم: أن حقها واجب عليه في كل وقت. وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت والمخاصمة كل يوم تجب فيه النفقة. بخلاف الدين.
وفرّق أبو بكر بينهما بفرق آخر وهو: أن قيام الزوجية كقيام البينة. فكأن الحق صار معلومًا بعلم قيام مقتضيه. وبينهما فرقان آخران:
أحدهما: أن للمرأة التبسط في مال الزوج بحكم العادة ما يؤثر في إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف. بخلاف الأجنبي.
الثانى: أن النفقة تراد لإحياء النفس وإبقاء المهجة، وهذا مما لا صبر عنه. فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة. بخلاف الدين. حتى نقول: لو صارت النفقة ماضية لم يكن له أخذها، ولو وجب لها عليه دين آخر لم يكن لها أخذه بغير إذنه.
فعلى المذهب: إن أخذ ربُّ الدين شيئًا بغير إذن المَدين لزمه رده إن كان باقيًا، وإن كان تالفًا وجب عليه مثل المثلي وقيمة المتقوم، وإن كان من جنس دينه تقاصّا وتساقطا.
قال في " شرح المقنع ": في قياس المذهب.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٠١) رقم (٤).
[ ١١ / ٣١٥ ]
ويستثنى من عدم جواز الأخذ ما أشير إليه بقوله:
(إلا إذا تعذَّر على ضيفٍ أخذُ حقّه بحاكم). وتقدم ذلك في كتاب الأطعمة.
وبقوله: (أو منَع زوج ومن في معناه) ممن تجب عليه نفقة غيره؛ كقريبه ومولاه (ما وجب عليه) لمستحقه (من نفقة، ونحوها)؛ كالكسوة. وتقدم ذلك في كتاب النفقات. فيجوز لكلٍّ من هؤلاء الأخذ بغير إذن في هذه الصور.
(ولو كان لكلٍّ) أي: لكل واحد (من اثنين على الآخر دينٌ من غير جنسه) أي: من غير جنس ما على الآخر من الدَّين؛ كما لو كان دين أحدهما ذهبًا ودين الآخر فضة، (فجحد أحدُهما) ما عليه من الدين لصاحبه: (فليس للآخر أن يجحد) ما عليه للذي جحده.
قال في"الترغيب": ولو كان لكل منهما على الآخر دين من غير جنسه فجحد أحدهما فليس للآخر أن يجحد وجهًا واحدًا؛ لأنه كبيع دين بدين لا يجوز ولو رضيا. انتهى. والله ﷾ أعلم.
***
[ ١١ / ٣١٦ ]
(باب: حكم كتاب القاضي إلى القاضي)
والأصل في المكاتبات الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله ﷾: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].
وأما السنه؛ فـ " إن النبي ﷺ كاتب الصلوك فكتب إلى النجاشي، وإلى قيصر، وإلى كسرى يدعوهم إلى الإسلام " (^١) .
و" كاتب ولاته وعمّاله وسعَاته ".
وأجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي إلى القاضي، إذ الحاجة تدعو إلى ذلك: فإن مَن له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به بغير ذلك، إذ يتعذر عليه السفر بالشهود. وقد يكون البلد الذي يسافرون إليه غير معروفين به فيتعذر إثبات الحق لهم عند حاكمه. فوجب أن يقبل المكاتبة فيه.
(و) حيث تقرر هذا فإنه (يقبل) كتاب القاضي إلى القاضي (في كل حق لآدمي)، كالقرض، والغصب، والبيع، والإجارة، والرهن، والصلح، والوصية بالمال، والجناية الموجبة للمال رواية واحدة؛ لأن هذا في معنى الشهادة على الشهادة.
وعلى الأصح (حتى فيما لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ كقوَد وطلاق، ونحوهما)؛كنكاح، ونسب، وتوكيل في غير مال، وإيصاء على أولاده، وحد قذف، لأنه حق آدمي لا يدرأ بالشبهات.
(لا في حدٍ لله تعالى؛ كحد زنًا، و) حد (شربٍ) على الأصح؛ لأن حقوق الله ﷾ مبنية على المساهلة والمسامحة، والستر والدرء
_________________
(١) "الأموال" لأبي عبيد ص: ٢٥ - ٢٨.
[ ١١ / ٣١٧ ]
بالشبهات، والسقوط بالرجوع عن الإقرار بها. ولهذا لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، فكذا كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه لا يقبل إلا فيما تقبل فيه الشهادة على الشهادة؛ لأنه في معناها. ولهذا قلت كغيري:
(وفي هذه المسألة ذكر الأصحاب: أن كتاب القاضي حكمُه كالشهادة على الشهادة؛ لأنه شهادة على شهادة.
وذكروا فيما إذا تغيَّرت حالُه) أي: حال القاضى الكاتب. (أنه أصل، ومن شهد عليه فرع) وجزم به ابن الزاغونى وغيره. (فلا يسوغ نقض حكم مكتوب إليه بإنكار) القاضي (الكاتب، ولا يقدح في عدالة البينة. بل يَمنعُ إنكارُه) أي: إنكار القاضي الكاتب (الحكم) أي: حكم المكتوب إليه إذا كان إنكار الكاتب قبل حكم المكتوب إليه، (كما يمنعه) أي: كما يمنع الحكم بالشهادة على الشهادة (رجوع شهود الأصل.
فدلَّ: أنه) أي: أن القاضي الكاتب (فرعٌ لمن شهد عنده، وأصلٌ لمن شَهدَ عليه. و) دلَّ ذلك أيضًا: (أنه يجوز أن يكون شهودُ فرعٍ أصلًا لفرع) آخر (^١) . يؤيده قول الأصحاب في التعليل: أن الحاجة داعية إلى ذلك وهذا المعنى موجود في فرع الفرع.
(ويُقبل) كتاب القاضي (فيما حُكم به ليُنفّذَه، وإن كانا) أي: الكاتب والمكتوب إليه (ببلد واحد)؛لأن حكم الحاكم يجب إمضاوه على كل حال، (لا فيما ثبت عنده ليحكم به) المكتوب إليه، إلا في مسافة قصر فأكثر؛ لأنه نقل (^٢) شهادة إلى المكتوب إليه. فلم يجز مع القرب؛ كالشهادة على الشهادة.
(و) كذا (لا) يجوز (إذا سمع) القاضي (البينة وجعل تعديلَها إلى) القاضي (الآخر، إلا في مسافة قصر فأكثر) في الصورتين؛ لأن مسافة القصر غيبة. فجاز قبول كتاب القاضي في ذلك؛ كغيبة الشاهد إليها في قبول فرعه في الشهادة على الشهادة.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: نفذ.
[ ١١ / ٣١٨ ]
واختلف الأصحاب في الثبوت هل هو حكم أو ليس بحكم؟ والأشهر: أنه ليس بحكم، بل خبر بالثبوت كشهود الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزامًا.
قال الشيخ تقي الدين: ويجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر، ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن الذي ثبت عنده ذلك الشيء مخبر بثبوت ذلك عنده. أشبه الشاهد فإنه مخبر بوقوع ما شهد به وقد يكون لا يجيز الحكم به، ومع ذلك للمشهود عنده الحكم بشهادته فكذلك ما أثبته (^١) الحاكم الأول وهو لا يجيزه. وللحاكم الذي اتصل به الثبوت الحكم به إذا كان يرى صحته.
قال في " الفروع ": فيتوجه لو أثبت حاكمٌ مالكيٌ وقفًا لا يراه؛ كوقف الإنسان على نفسه بالشهادة على الخط، فإن حكم للخلاف في العمل بالخط كما هو المعتاد فلحاكم حنبلي يرى صحة الحكم أن ينفذه في مسافة قريبة، وإن لم يحكم المالكي بل قال: ثبت كذا (^٢) فكذلك؛ لأن الثبوت عند المالكي حكم. ثم إن رأى الحنبلي الثبوت حكمًا نفذه وإلا فالخلاف (^٣) في قرب المسافة. ولزوم الحنبلي تنفيذه ينبني (^٤) على لزوم (^٥) تنفيذ الحكم المختلف فيه، وحكم المالكي مع علمه باختلاف العلماء في الخط لا يمنع كونه مختلفًا فيه. ولهذا لا تنفذه الحنفية حتى ينفذه حاكم، وللحاكم الحنبلى الحكم بصحة الوقف المذكور مع بعد المسافة، ومع قربها الخلاف. انتهى كلامه في"الفروع":
(وله) أي: وللقاضي الكاتب (أن يكتُب إلى) قاض (معيَّن، و) أن يكتب (إلى من يَصِلُ إليه) كتابي هذا (من قُضاة المسلمين) وحكامهم من غير تعيين. ويلزم من وصله قبوله. وبهذا قال أبو ثور واستحسنه أبو يوسف.
_________________
(١) في ب: أشبه.
(٢) في ج: هذا.
(٣) في ج: فاختلاف.
(٤) فى ب: مبني.
(٥) زيادة من"الفروع"٦: ٤٩٩.
[ ١١ / ٣١٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يكتب إلى غير معين.
ولنا: أنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم. فلزمه قبوله؛ كما لو كان الكتاب إليه بعينه.
(ويُشترط لقبوله) أي: قبول كتاب القاضي إلى القاضي والعمل به: (أن يُقرأ) الكتاب (على عدلَين، ويُعتَبر ضبطُهما لمعناهُ وما يتعلَّق به الحكم) منه (فقط) يعني: دون ما لا يتعلق به الحكم.
قال الأثرم: سمعب أبا عبد الله يُسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر. قال: إذا حفظ فليشهد. قيل: كيف وهو كلام كثير؟ قال: يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع. قلب: يحفظ المعنى (^١)؟ قال: نعم. قيل له: والحدود واليمين وأشباه ذلك. قال: نعم.
(ثم يقول) القاضي الكاتب إلى غيره: (هذا كتابي إلى فلان ابن فلان)،أو إلى من يصل إليه من القضاة، (ويدفعُه إليهما) أي: إلى العدلين اللذين شهدا عليه بما في الكتاب.
(فإذا وصلا) بالكتاب إلى عمل المكتوب إليه (دفَعَاه إلى المكتوب إليه، وقالا: نشهد أنه) أي: هذا الكتاب (كتاب) القاضي (فلان إليك، كتبه بعمله) وأشهدنا (^٢) عليه؛ لأن الكتاب لا يقبل إلا من قاضٍ، وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه.
(والاحتياط: ختمه بعد أن يُقرأ عليهما، ولا يُشترط) الختم؛ لأن الاعتماد على شهادتهما لا على الختم.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي.
ولنا " أن النبي ﷺ كتب كتابًا إلى قيصر ولم يختمه. فقيل له: إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم فاتخذ الخاتم " (^٣) .
_________________
(١) في ب: العين.
(٢) في ج: وشهدنا.
(٣) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٦٧٤٣) ٦: ٢٦١٩ كتاب الأحكام، باب الشهادة على الخط =
[ ١١ / ٣٢٠ ]
واقتصاره أوّلًا على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول. وإنما فعله النبي ﷺ ليقرأ كتابه.
ولأن العدلين شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه. فوجب قبوله؛ كما لو وصله مختومًا وشهدا بالختم.
(ولا) يشترط أيضًا لقبول الكتاب (قولُهما) أي: قول العدلين: (وقُرِئ علينا، وأُشهِدْنا عليه، ولا قول كاتبٍ: اشهدا عليَّ) (^١) بما فيه في الأصح؛ لأن المقول على شهادتهما بما يتعلق به الحكم دون غيره.
(وإن أشهَدَهما) أي: أشهد القاضي الكاتب العدلين (عليه) أي: على كتابه، حال كونه (مدرُوجًا مختومًا: لم يصحَّ)؛لأن أحمد قال: فيمن كتب وصية وختمها ثم أشهد على ما فيها: فلا يشهد (^٢) حتى يعلمه ما فيها. ويتخرج الجواز؛ لقول أحمد: إذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه من غير أن يكون أشهد أو أعلم أحدا بها عند موته وعُرف خطه وكان مشهورًا فإنه يُنفذ ما فيها.
فعلى هذا إذا عَرف المكتوبُ إليه أنه خط الكاتب (^٣) وختمه جاز قبوله.
والعمل على الأول؛ لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر؛ كإثبات العقود.
ولأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم فيمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة. فلم يعول على الخط؛ كالشاهد لا يعول في شهادته على الخط.
(وكتابُه) أي: كتاب القاضي (في غير عمله، أو) كتابه (بعد عزله؛ كخبَره) أي: كما لو أخبر بحكم في غير عمله، أو أخبر بحكم بعد عزله. وتقدم الكلام على ذلك.
_________________
(١) = المختوم وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٢٠٩٢) ٣: ١٦٥٧ كتاب اللباس والزينة، باب في اتخاذ النبي ﷺ خاتمًا في ج: أشهد عليّ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: القاضي الكاتب.
[ ١١ / ٣٢١ ]
(ويُقبل كتابه) أي: كتاب القاضي إلى القاضي (في حيوانٍ) في الأصح (بالصفة اكتفاء بها) أي: بالصفة؛ لأن الحيوان الموصوف ثبت في الذمة بعقد السلم كالدين؛ (كمشهود عليه، لا له) يعني: أنه متى كانت الشهادة على إنسان اكتفي فيها بالصفة؛ لأنه يبعد أن يجيء إنسان بصفته فيقول: أنا المشهود عليه. بخلاف ما إذا كانب الشهادة له بالصفة.
ولأن المشهود له لايشهد له إلا بعد دعواه. بخلاف المشهود عليه والمشهود به.
(فإن لم تثبُت مشاركته له) أي: للحيوان أو العبد المشهود فيه بالصفة (في صفتِه) بأن زال اللبس بعدم من يشاركه في صفته: (أخذَه مدَّعيه) المشهود له به (بكفيلٍ مختومًا عنقُه) أي: عنق الحيوان أو العبد المشهود فيه بالصفة وهو: أن في عنقه خيط أو نحوه ويختم عليه بشمع أو نحوه، (فيأتي به القاضي الكاتب لتشهد البينة على عينه)؛ليزول الإشكال ويرتفع الاختلاف، (ويُقضى له به ويكتُب له كتابًا) آخر إلى القاضي الذي سلمه له بكفيل، (ليبْرأ كفيلُه)، لئلا يُطلب به بعد ذلك.
(وإن لم يثبُت ما ادَّعاه) بأن قال الشهود: ليس هذا المشهود به؛ (فكمغصوب) يعني: فحكمه في يده حكم المغصوب؛ لأنه واضع يده عليه بغيرحق.
(ولا يحكم) القاضي (على مشهود عليه بالصفة) بأن قال الشهود: نشهد على رجل صفته كذا وكذا أنه اقترض من هذا كذا (حتى يُسمَّى) يعني: وينسب.
قال في"الفروع": وظاهر كلامهم: أنه لا يعتبر ذكر الجد في النسب بلا حاجة. قال يعني: المجد في"المنتقى"في صلح الحديبية: فيه أن المشهود عليه إذا عُرف باسمه واسم أبيه أغنى عن ذكر الجد. وكذا ذكره (^١) غيره أي: غير المجد.
_________________
(١) في أ: ذكر.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
(أو) حتى (تشهد) البينة (على عينه)؛ ليزول اللبس.
(وإذا وصل الكتاب) إلى القاضي المكتوب إليه، (فأُحضر الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحِلْيته، فقال: ما أنا بالمذكور) في الكتاب (قُبل قوله بيمينه)، لأنه منكر، (فإن نكَل) عن اليمين: (قُضِي عليه) بالنكول. (وإن أقرَّ بالاسم والنَّسب، أو ثبت) اسمه ونسبه (ببينةٍ، فقال: المحكوم عليه غيري: لم يُقبل) منه ذلك، (إلا ببينة تَشهَدُ أن بالبلدِ) شخص (آخر كذلك) يعني: يساويه في الاسم والنسب والصفة. (ولو) كان المساوي له في الاسم والصفة (ميتًا يقع به إشكال، فيُتوقَّف) الحكم (حتى يُعلم الخصم) منهما. فيحضر الحاكم (^١) المساوي له فيما ذكر ويسأله عن الحق، فإن اعترف به ألزمه وتخلص الأول، وإن أنكره (^٢) وقف الحكم، ويكتب إلى القاضي الكاتب يُعلمه بما وقع من الإشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدا عنده (^٣) على أحدهما بعينه فيلزمه بالحق (^٤) .
(وإن مات القاضي الكاتب أو عُزل: لم يَضُرَّ) أي: لم يمنع ذلك قبول كتابه والعمل به؛ (كبينة أصل) يعني: كشهادة [الشاهد [على الشاهد] (^٥) إذا مات الأصل فإنه يحكم بشهادة الفرع مع رفيقه أو مع المدعي (^٦) .
(وإن فُسّقَ)] (^٧) القاضي الكاتب: (فَيقدَحُ) ذلك (فيما ثبت عنده ليحكُم به) القاضي المكتوب إليه (خاصة) يعني: فلا يصح أن يحكم المكتوبُ إليه بما ثبت عند القاضي الكاتب مع تغير حاله بفسقه؛ لأن بقاء عدالة شاهدي الأصل
_________________
(١) في ج: القاضي.
(٢) في ج: أنكر.
(٣) في ج: عليه عنده.
(٤) في ب: الحق.
(٥) ساقط من ب.
(٦) في ج: يمين.
(٧) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٢٣ ]
شرط في الحكم بشاهدي الفرع، فكذلك بقاء عدالة الحاكم فيما ثبت عنده ولم يحكم به؛ لأنه بمنزلة شاهدي الأصل.
وقوله: خاصة ليخرج ما لو حكم المكتوب إليه بما ثبت عند القاضى (^١) الكاتب ثم فسق فإن (^٢) ذلك لا يؤثر في حكم القاضي المكتوب إليه بما ثبت عند الكاتب؛ كما لو فسق الحاكم وقد حَكم بشيء فإنه لا يُنقض ما مضى من أحكامه.
(ويلزم من وصل إليه) الكتاب من الحكام، (العمل به) أي: بالكتاب، (تغيَّر المكتوب إليه) الكتاب (أوْ لا). يعني: أنه متى عُزل القاضي المكتوب إليه أو فسق أو مات، فلمن قام مقامه قبول الكتابة والعمل به (اكتفاءً بالبينة، بدليل ما لو ضاع) الكتاب (أو انمحَى) وشهد شاهدان بما فيه؛ لكونهما يحفظانه. وقد حكي عن الحسن. أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتابًا فوصل إليه وقد عُزل وولي الحسن فعمل به؛ لأن المعول على شهادة الشاهدين الأول.
قال في " شرح المقنع ": وقياس ما ذكرناه أن الشاهدين إذا حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته وشهدا عنده عَمل به، لما بيناه. فإن كان المكتوب إليه خليفة الكاتب فمات الكاتب أو عزل انعزل المكتوب إليه؛ لأنه نائب عنه. فينعزل بعزله وموته؛ كوكلائه. انتهى.
(ولو شهدا) حاملا كتاب القاضي عند المكتوب إليه (^٣) . (بخلاف ما فيه) أي: ما في الكتاب: (قُبل) ما شهدا به (اعتمادًا على العلم) بما أشهدهما به القاضي الكاتب على نفسه.
(ومتى قَدمَِ الخصم المُثبتُ عليه) الحق عند الكاتب قبل الحكم به (بلدَ الكاتب: فله الحكم عليه) أي: على القادم بلد الكاتب (بلا إعادة شهادة) عليه. قاله في "الانتصا"واقتصرعليه فى"الفروع" إذا سأله في ذلك رب الحق.
***
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: لأن.
(٣) ساقط من ب.
[ ١١ / ٣٢٤ ]
[فصل: إذا سأل المحكوم له أن يُشهد له]
(فصل. وإذا حَكم عليه المكتوبُ إليه) أي: حكم المكتوب إليه على من ثبت [عليه الحق فقط عند الكاتب، (فسأله) أي: سأل المحكومُ عليه من حكم عليه (أن يُشهدَ عليه بما جرى) عنده من] (^١) الحكم عليه؛ (لئلا يحكُم عليه) القاضى (الكاتب) حكمًا ثانيًا أجابه لذلك في الأصح؛ لأنه من الممكن أن يلقاه الخصم في بلد الكاتب فيطالبه بالحق مرة أخرى. فوجب ذلك؛ لدفع الضرر عنه.
(أو) سأل (من ثبتت براءتُه) عند الحاكم؛ (كمن أنكر وحلَّفه) الحاكم.
(أو) سأل (من ثبت حقُّه عنده) أي: عند الحاكم، (أن يُشهِدَ له) عليه (بما جرى: من براءةٍ، أو ثبوت مجرَّدٍ، أو) ثبوت (متصل بحكم، أو) ثبوت حكم متصل بـ (تنفيذ.
أو) سأل (الحكم له بما ثبت عنده: أجابه)،سواء ثبت حقه بإقرار أو بينة على الأصح؛ لأنه من الجائز أن يطول الزمان على الحق. فإذا أراد المطالبه به لم تكن بيده حجة. وربما نسي القاضي أو مات أو يطالبه الغريم في صورة البراءة مرة أخرى عنده إذا نسى، أو عند غيره. فوجب الإشهاد به؛ لئلا يضيع حقه من ذلك.
(وإن سأله) أي: سأل الخصمُ الحاكم (مع الإشهاد) على الحاكم (كتابتَه، أتاهُ بورقةٍ)،أو كان هناك ورقة من بيت المال لذلك: (لزمه) إجابته لذلك في الأصح؛ لأن ذلك وثيقة للخصم، فلزمه وكتابتها؛ (كـ) كتابة (ساعٍ بأخذِ زكاة).
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
ولأن في ترك (^١) ذلك تضييعًا لحقه.
قال في "المستوعب": وكل من قضي له بحق فاستوفاه وله به كتاب ثابت لم يلزمه تسليم الكتاب إلى الذي كان عليه الحق بعد الإشهاد على نفسه باستيفائه؛ لأنه ربما خرج ما قبضه مستحقًا فيحتاج إلى حجة بحقه. وكذلك بائع العقار لا يلزمه تسليم كتاب ابتياعه إلى المشتري منه بعد الإشهاد على نفسه بالبيع؛ لأن ذلك حجة له عند الدرك. انتهى.
(وما تَضمَّنَ الحكم ببينة يُسمَّى: سِجِلًا، وغيرُه) أي: وغير ما تضمن الحكم بالبينة يُسمَّى: (مَحْضَرًا) بفتح الميم والضاد المعجمة وهو: عبارة عن الصك. سمي محضرًا؛ لما فيه من حضور الخصمين والشهود. والمحضر شرح ثبوت الحق عند الحاكم، لا الحكم بثبوته. وهذه التسمية اصطلاحية.
أما السجل فأصله الصحيفة المكتوبة.
قال ابن دريد: السجل: الكتاب.
فعلى هذا كل كتاب يسمى سِجلًا، إلا أنه لما اختص غيره بصفة حضور المتداعيين وما جرى فيه سمي محضرًا. وخصّ ما تضمنه الحكم باسم السجل اصطلاحًا على ذلك.
(والأوْلى: جعل السجلّ نُسختين: نسخة يدفعها إليه)، لتكون وثيقة بيده، (و) يجعل النسخة (الأخرى عنده) أي: عند الحاكم؛ ليرجع إلى النسخة التي عنده عند ضياع ما بيد الخصم أو عند الاختلاف فيها؛ لأن ذلك أحوط.
(وصفة المحضر: بسم الله الرحمن الرحيم حضرَ القاضيَ (بنصب الياء على أنه مفعول مقدم (فلانُ بن فلان) ويذكر ما يميزه (قاضيَ عبد الله الإمام على) مدينة (كذا. وإن كان) القاضي (نائبًا كتب: خليفة القاضي فلان) بن فلان (قاضي عبد الله الإمام في مجلس حكمه وقضائه، بموضع كذا، مدَّعٍ) هذا
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١١ / ٣٢٦ ]
فاعل حضر (ذكَر: أنه فلان بن فلان، وأحضر معه مدَّعىً عليه ذكر: أنه فلان بن فلان. ولا يُعتبر ذكر الجد بلا حاجة) إليه. (والأوْلى ذكر حِليَتِهما) أي: حلية المدعي والمدعى عليه، (إن جهلهما. فادَّعى عليه) أي: فادعى فلان على فلان (كذا فأقرَّ له أو فأنكر، فقال) القاضي (للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم. فأحضرها وسأله سماعَها، ففعل أو فأنكر) المدعى عليه (ولا بينة) للمدعي، (وسأل) من القاضي (تحليفه فحلَّفه. وإن نكل) المدعى عليه عن اليمين: (ذكره، وأنه حكم) عليه (بنُكُوله وسأله) أي: وسأل الخصم الحاكم (كتابةَ مَحضَرٍ) بما جرى بينهما، (فأجابه) إلى ذلك وجرى ذلك (في يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
ويعلّمُ) القاضي (في الأقرار والإنكار والإحلاف) على رأس المحضر: (جرى الأمرُ على ذلك. وفي) شهادة (البينة: شهدا عندي بذلك)؛لأن الشهادة تتضمن كل ما هو من مقدماتها من الدعوى والجواب وغير ذلك.
(وإن ثبت الحق بإقرار، لم يُحتَج) أن يقال: (في مجلس حُكمه)؛لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم. وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان كان آكد.
(وأما السجل، فـ) هو: (لإنفاذ ما ثبت عنده، والحكم به.
وصفتُه): أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم (هذا ما أشهد عليه القاضي فلان) بن فلان- (كما تقدم) في أول المحضر- (مَن حضرَه من الشهود أشهدَهم: أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفَهما بما رأى معه قبول شهادتهما، بمحضرٍ من خصمين ويذكُرُهما إن كانا معروفين. وإلا) أي: وإن لم يكونا معروفين (قال: مدَّعٍ ومدَّعىً عليه جاز حضورُهما وسماعُ الدعوى من أحدهما على الآخر، معرفة فلان بن فلان- ويذكر المشهود عليه- وإقرارُه طَوْعًا في صحةٍ منه وجوازِ أمرٍ، بجميع ما سُمي ووُصف) به (في كتابٍ نسختُه كذا. وينسَخُ الكتاب المثبِتَ أو المحْضَر جميعه حرفًا بحرف. فإذا فرغ) من نسخه (قال: وإن القاضي أمضاه وحَكم به على ما هو الواجب في مثله) يعني: على
[ ١١ / ٣٢٧ ]
صورة الحكم التي تجب في مثله، (بعد أن سأله ذلك، و) سأل (الإشهاد به الخصم المدَّعِي وينْسُبُه. ولم يدفعه خصمه) الحاضر معه (بحجة. وجعل كل ذي حُجة) في ذلك (على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه، وحكمه، وإمضائه مَن حضره من الشهود، في مجلس حُكمه، في اليوم المؤرَّخ أعلاه.
و) أنه (أمَر بكَتْب هذا السجلّ نُسختين متساويتين: نسخة) تكون (بديوان الحُكم، ونسخة يأخُذها من كتبها له)؛لتكون كل واحدة من النسختين وثيقة بما أنفذه، ويكتب ذلك؛ ليعلم أن بها نسخة أخرى.
(ولو لم يُذكر) في السجل: (بمحضر من الخصمين، جاز) ذلك؛ (لجواز القضاء على الغائب).
وأما صفة كتاب القاضي إلى القاضي فقال في " شرح المقنع ":
بسم الله الرحمن الرحيم. سبب هذه المكاتبة أطال الله بقاء من تصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي أتولاه في مكان كذا وإن كان نائبًا قال: الذي أنوب فيه عن القاضي فلان- بمحضر من خصمين مدعٍ ومدعىً عليه جاز استماع الدعوى منهما وقبول البينة من أحدهما على الآخر، بشهادة فلان وفلان. وهما من الشهود المعدلين عندي عرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلانى بعينه واسمه ونسبه. فإن كان في إثبات أسر أسير قال: وإن الفرنج خذلهم الله تعالى أسروه من مكان كذا، في وقت كذا، وحملوه إلى مكان كذا، وهو مقيم تحت حوطتهم، وأنه فقير من فقراء المسلمين ليس له شيء من الدنيا، لا يقدر على فكاك نفسه، ولا على شيء منه، وأنه مستحق الصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل أوله بآخر كتابي المؤرخ بكذا. وإن كان في إثبات دين قال: وأنه يستحق في ذمة فلان بن فلان الفلانى ويرفع في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين كذا وكذا دينًا له عليه، حالًا وحقًا واجبًا لازمًا، وأنه يستحق مطالبته به واستيفاؤه منه. وإن كان في إثبات عين كتب وأنه مالك لما. في يدي فلان من الشيء الفلانى، ويصفه بصفة يتميز بها مستحق، لأخذه وتسليمه على ما يقتضيه
[ ١١ / ٣٢٨ ]
كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي هذا المؤرخ بتاريخ كذا. وقال الشاهدان المذكوران إنهما عالمان بما شهدا به وله محققان (^١) وأنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي، فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جاز مسألته. وسألني من جاز سؤاله وشرعت الشريعة المطهرة إجابته للمكاتبة إلى القضاة والحكام فأجبته إلى ما التمسه لجوازه شرعًا، وتقدمت بهذا فكتبت وبإلصاق المحضر المشار إليه فألصق. فمن وقف عليه منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في إنفاذه والعمل بموجبه ما يوجب الشرع المطهر. أَحْرز من الأجر أجْزله. وكتب من مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا.
ولا يشترط أن يذكر القاضى اسمه في العنوان ولا ذكر المكنوب إليه في باطنه. وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يذكر اسمه فلا يقبله؛ لأن الكتاب ليس إليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه؛ لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة.
ولنا: أن المعول فيه على شهادة الشاهدين على الحاكم الكاتب بالحكم وذلك لا يقدح. ولو ضاع الكتاب أو انمحى سمعت شهادتهما وحكم بها. انتهى.
(ويَضُمُّ) الحاكم والشاهد (ما اجتمع) عنده: (من مَحضر وسجلِ ويَكتُب عليه) أي: على ما ضمه من ذلك: (مَحاضِرُ كذا من وقتِ كذا)؛ ليسهل عليه كشف ما يحتاج إليه من ذلك عند الاحتياج إليه. وألله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) في ج: تحققان.
[ ١١ / ٣٢٩ ]
[باب: القسمة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام القِسْمة. ولما كان منها ما يقع بإجبار الحاكم على القسمة ناسب وضعها هنا (^١) . وهي بكسر القاف، اسم مصدر: من قسمت الشيء إذا جعلته أقسامًا. والقِسم بكسر القاف: النصيب المقسوم، وبفتحها مصدر قسمت الشيء فانقسم، وقاسمه المال وتقاسماه واقتسماه. وإذا أردت (^٢) تعريفها قلت:
(القِسْمَة: تمييزُ بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازُها عنها). والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨].
وقوله ﷾: [وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ] [القمر: ٢٨].
وأما السنة؛ فمنها قوله ﷺ: " إنما الشفعة فيما لا (^٣) يُقسم " (^٤) .
وقد " قسّم النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهمًا " (^٥) .
وأجمعت الأمة على جواز القسمة: فروي (^٦) أنه كان لعلي قاسم يقال له:
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: زدت.
(٣) في ب: لم.
(٤) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٣٦٣) ٢: ٨٨٣ كتاب الشركة، باب الشركة في الأرضين وغيرها.
(٥) أخرجه أبو داود في"سننه" (٣٠١٠) ٣: ١٥٩ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في حكم أرض خيبر.
(٦) في ج: يروى.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
علي بن يحيى، وكان يرزقه من بيت المال. ولم يوجد له مخالف من الصحابة ولا من بعدهم إلى عصرنا هذا.
ولأن بالناس حاجة إلى قِسمة الأملاك المشتركة؛ لأن الناس تختلف أغراضهم وطباعهم. فربما حصل النزاع بين الشريكين في العين المشتركة فيؤدي [عدم القسمة] (^١) إلى تعطيلها وترك الانتفاع بها؛ لما فيها من النزاع بينهما.
فوجب قسمتها بينهما إذا أمكن ذلك، فناسب أن يفصل بينهما بالقسمة؛ لقطع النزاع، كما وجب الحكم بين المتنازعين؛ لقطع النزاع.
(وهي) أي: القسمة (نوعان:
أحدُهما) أي: أحد النوعين: (قسمةُ تَراض) وهي: ما يتفق فيها الشركاء على القسمة.
(وتحرُم) القسمة (في) شيء (مشترَك لا ينقسم إلا بضرر) على الشريكين أو على أحدهما، (أو) بـ (ردّ عوض) منهما أو من أحدهما، إما لأنه يتعطل الانتفاع به مقسومًا؛ (كحمَّام ودورٍ صغارٍ)، أو لأنه لا تتعدل أجزاوه إلا بالتجزئة وهو جعلها أجزاء ولا بالقيمة (^٢) (و) ذلك؛ كـ (شجر مفرد، وأرض ببعضها بئر أو بناء، ونحوه)؛ كمعدن.
(ولا تتعدَّل بأجزاء ولا قيمة) فهذه تحرم قسمتها، (إلا برضا الشركاء كلّهم)؛لما في ذلك من الضرر.
وقد روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا قال: " لا ضرر ولا ضرار " (^٣) . رواه ابن ماجه والدارقطني.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب: لا ينعدل أجزاء ولا بالتجزئة وهو جعلها أجزاء ولا بالقيمة، وفي ج: لا يعدل أجزاء ولا بالتجزئة وهو جعلها أجزاء ولا بالقسمة.
(٣) أخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٣٤١) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. وأخرجه الدارقطني (٨٤) ٤: ٢٢٨ كتاب الأقضية.
[ ١١ / ٣٣١ ]
ولهما أيضًا من حديث عمرو بن يحيي المازنى عن أبيه عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" (^١) . رواه مالك في"الموطأ"عن عمرو عن أبيه مرسلًا (^٢) .
قال الثوري: حديث حسن وله طرق يقوي بعضها بعضًا.
ولأن فيها إما ضرر أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه.
(وحُكم هذه) القسمة (كبيع) يعني: لا (يجوز فيها) إلا (ما يجوز فيه) أي: في البيع (خاصة)؛لما فيها من الرد وبهذا تصير بيعًا، لأن صاحب الرد بذل المال عوضًا عما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع.
(لمالك وولي) هذه عبارة " الفروع ". ومعنى ذلك: أن قسمة التراضي المذكورة تتعقد وتلزم من مالك النصيب ومن وليه إذا لم يكن مكلفًا كشراء ولي اليتيم لليتيم، وبيع ماله للمصلحة.
(ولو قال أحدهما) أي: أحد الشريكين: (أنا آخذ الأدنى) أي: الأسفل، (ويبقي لي في الأعلى تتمَّة حصَّتي فلا إجبار) أي: لم يجبر شريكه على ذلك. قاله في"الترغيب" وغيره. وقدمه في"الفروع". ولعل ذلك؛ لما فيه من إسقاط حق شريكه من الأدنى بغير رضاه.
(ومن دعا شريكه إلى بيعٍ فيها) أي. في قسمة التراضي: (أُجبر) على البيع، (فإن أبى) [أي: امتنعٍ] (^٣) شريكه أن يبيع معه: (بِيع عليهما) يعني: باعه الحاكم عليهما (وقُسّم الثمن) عليهما على قدر حصصهما.
قال في " الفروع ": نقله الميمونى وحنبل. وذكره القاضي وأصحابه، وذكره في
"الإرشاد"و"الفصول"و"الإيضاح"و"الترغيب" وغيرهما. وكلام الشيخ و"المحرر" يقتضي المنع. انتهى.
_________________
(١) أخرجه الدارقطنى (٨٥) ٤: ٢٢٨ كتاب الأقضية. ولم أره في ابن ماجه عن أبي سعيد.
(٢) أخرجه مالك في"المؤطأ" (٣١) ٢: ٥٧١ كتاب الأقضية في المرفق.
(٣) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٣٢ ]
(وكذا لو طلب) أحد الشريكين (الإجارة) أي: أن يؤجر معه ما هو مشترك بينهما، (ولو) كان شريكًا (في وقف) يعني: فإن الممتنع من الاجارة يجبر عليها، فإن أبى أجّره الحاكم عليهما وقسم الأجرة بينهحا على قدر حصصهما.
قال في " الفروع ": وكذا الإجارة ولو في وقف. ذكره شيخنا. وللشافعية وجهان في الإجارة.
قال أبو عمرو بن الصلاح: وددت لو محي من المذهب. قال: وقد عُرف من أصلنا أنه إذا امتنع السيد من الإنفاق على مماليكه باعهيم الحاكم عليه، فإذا صرنا إلى ذلك دفعًا للضرر عن شريك له علمه حق وملك فلمَ لا نصير إلى ذلك دفعًا للضرر (^١) عن شريك لا حق له ولا ملك؟. انتهى.
(والضرر المانع من قسمة الإجبار: تقص القيمة بها) أي: بالقسمة على الأصح.
وعنه: عدم النفع به مقسومًا منفعته التي كانت قبل القسمة. اختاره الخرقي.
والأول المذهب، سواء انتفعوا به مقسومًا أو لم ينتفعوا.
قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال في رواية الميموني: إذا قال بعضهم نقسم وبعضهم لا نقسم: فإن كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطي الثمن.
فاعتبر نقصان الثمن. [وهذا ظاهر] (^٢) كلام الشافعي؛ لأن نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعًا.
وقال مالك: يجبر الممتنع وإن استضر قياسًا على ما لا ضرر (^٣) فيه.
قال في"شرح المقنع": ولا يصح؛ لقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (^٤) . من " المسند ".
_________________
(١) زيادة من " الفروع " ٦: ٥٠٦.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في ج: على الاضرار.
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣١) رقم (٣).
[ ١١ / ٣٣٣ ]
ولأن في قسمته ضررًا. فلم يجبر عليه؛ كقسمة الجوهرة بكسرها.
ولأن في قسمته إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه؛ لما بينهما من الفرق. انتهى.
(وإن انفرد أحدُهما) أي: أحد الشريكين (بالضرر، كرب ثلُث مع رب ثلثين) يعني: كما لو كان لأحدهما الثلث ولشريكه الثلثان: (فـ) أيهما طلب القسمة وأبى شريكه لم يجبر على الأصح " (كما لو تضرَّرَا).
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أنه لا إجبار على الممتنع من القسمة منهما. وعليه أكثر الأصحاب. وحكاه المصنف والشارح عن الأصحاب. وقالوا: هو المذهب. وقدمه في " الفروع ".
قال الزركشي: جزم به القاضي في "الجامع"،والشريف وأبو الخطاب في"خلافيهما "، والشيرازي. وهو ظاهر رواية حنبل. انتهى.
قال في "الفروع"بعد أن قدم المذهب: واختار جماعة إن طلبها المتضرر يعني: صاحب الثلث: أجبر الآخر.
وعنه: عكسه. انتهى.
ووجه المذهب: " نهي النبي ﷺ عن إضاعه المال" (^١) .
ولأن طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب إجابته إلى السفه.
قال الشريف: متى كان أحدهما يستضر لم يجب إلى القسمة.
(وما تَلاصَق من دُورٍ) مشتركة (وعَضائدَ، وأقْرِحَةٍ، وهي: الأراضي التي لا ماء فيها ولا شجر؛ كمتفرّقٍ) يعني: (فـ) إنه (يُعتبر الضرر) وعدمه (في كل عين) منه (على انفرادها)؛لأنها أعيان تختص كل واحدة منها (^٢) باسم وصورة، لأنها لو بيعت إحداها (^٣) لم تجب الشفعة لمالك التي بجانبها. فاعتبرت كل عين منها على حدتها.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٨٢١٦) ٤: ٢٥٠.
(٢) في ج: واحد منهما.
(٣) في ج: إحداهما.
[ ١١ / ٣٣٤ ]
(ومَن بَيْنَهما عبيدٌ، أو) بينهما (بهائم، أو) بينهما (ثياب، ونحوها)؛كالأوانى وهي (من جنس) واحد؛ كالعبيد إذا كانت كلها من النوبة أو من الحبش، والبهائم إذا كانت كلها بقرًا أو جمالًا، والثياب إذا كانت كلها من كتان أو من قطن، والأوانى إذا كانت كلها من زجاج أو نحاس، (فطلب أحدهما) أي: أحد الشريكين فيها (قسْمَها أعيانًا بالقيمة) أي: بأن تعدل بالقيمة وأبى شريكه: (أُجبر الممتنع إن تساوت القِيَم) على الأصح؛ لحديث عمران بن حصين " أن رجلًا أعتق في مرضه ستة أعبد. وأن النبي ﷺ جّزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرَقّ أربعة" (^١) .
وهذه قسمة لهم؛ لأن ذلك عين أمكن قسمتها ولا ضرر ولا رد عوض. فأجبر الممتنع؛ كما لو كانت أرضًا.
(وإلا) أي: وإن لم تكن قيمها متساوية: (فلا) يجبر الممتنع؛ (كما لو اختلف الجنس)، بأن كان بعض العبيد بيضًا وبعضهم سودًا ونحو ذلك.
(وآجرٌّ) وهو اللبن المشوي (ولَبِن) بكسر الباء الموحدة وهو غير المشوي. والحال: أن كلًا منهما (متساوي القوالِب) في الصغر أو الكبر (من قِسمة الأجزاء) لتساويهما في القدر، (ومتفاوتُهما من قسمة التعديل) بالقيمة.
(ومَن بينهما) أي: بين اثنين شركة (حائط، أو) كان بينهما (عَرْصَة حائط وهي: التي) كان بها حائط وصارت (لا بناء فيها فطلب أحدُهما) أي: أحد الشريكين (قَسْمَه) أي: قسم الحائط (ولو) كان طلبه لقسم الحائط (طولًا في كمال العرض) وذلك بأن يكون لأحدهما من الحائط قطعة من أسفلها إلى
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٩٥٨) ٤: ٢٨ كتاب العتق، باب فيمن أعتق عبيدًا له لم يبلغهم الثلث. وأخرجه الترمذي في"جامعه" (١٣٦٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم. وأخرجه النسائى في"سننه" (١٩٥٨) ٤: ٦٤ كتاب الجنائز، الصلاة على من يحيف في وصيته. وأخرجه أحمد في"مسنده" (١٩٨٣٨) ٤: ٤٣٨.
[ ١١ / ٣٣٥ ]
أعلاها في كمال عرض الحائط وللآخر كذلك وأبى شريكه: لم يجبر في الأصح.
(أو) طلب أحدهما قسمة (العَرْصة عَرْضًا ولو وَسعِت حائطين) وامتنع شريكه: (لم يُجبر ممتنع) من القسمة في الأصح.
قال في " الإنصاف ": وإن كان بينهما حائط: لم يجبر الممتنع من قَسْمِه.
فإن استَهْدَم يعني: حتى بقي عرصة: لم يُجبر على قَسْمِ عَرْصَتِه. هذا أحد الوجهين، والمذهب منهما. انتهى.
وقال في " المحرر ": وإن كان بينهما حائط أو عرصة حائط فقيل:
لا إجبار في قسمتها بحال وهو الأصح. انتهى.
قال شارحه: لأنه إن كان الحائط مبنيًا لم تمكن قسمته عرضًا في تمام طوله بدون نقصه لينفصل أحدهما من الآخر وذلك لا يجوز الإجبار عليه. ولا طولًا في تمام العرض؛ لأن كل قطعة من الحائط ينتفع بها على حدتها والنفع فيها مختلف. فلا يجوز إجبار واحد منهما على ترك انتفاعه بمكان منه وأخذ غيره؛ كما لو كانا دارين أو عضادتين (^١) متلاصقتين. وهذا بخلاف الأرض الواسعة فإن الانتفاع بالجميع منها على وجه واحد. وإن كان الحائط غير مبني فهو كالعرصة الضيقة، والعرصة الضيقة لا يجوز الإجبار في قسمتها فكذلك هذه. انتهى.
وذلك ايضًا، (كمن بينهما دارٌ لها عُلوٌ وسُفل: طلب أحدهما) أي: أحد الشريكين في العلو والسفل (جعل السفل لواحد) منهما (والعُلوّ للآخر) وامتنع شريكه: لم يجبر الممتنع؛ لأن السفل والعلو يختلفان في المنفعة والاسم. ولو كان كل واحد منهما لواحد فباع أحدهما لم تجب الشفعة للآخر، فهما كالدارين المتلاصقين المشتركين إذا طلب أحدهما أن يقسما بينهما كل دار لواحد وأبى الآخر: لم يجبر الممتنع؛ لأنه طلب نقل حقه من عين إلى أخرى بغير رضاه فلا يجبر (^٢) كذلك هنا (^٣) .
_________________
(١) في ب: عضاوتين.
(٢) في ج: يجوز.
(٣) في أ: هذا.
[ ١١ / ٣٣٦ ]
(أو) طلب أحدهما (قَسْم سِفل لا) قسم (علو، أو عكسه) بأن طلب أحدهما قسم العلو دون السفل، (أو) طلب أحدهما قسم (كل واحد) من العلو والسفل (على حدة) وامتنع الآخر: لم يجبر الممتنع؛ لما تقدم.
(وإن طلب) أحد الشريكين (قَسْمَهما) أي: قسم السفل والعلو (معًا ولا ضرر) في ذلك: (وجب) على الشريك أن يجيبه، (وعُدّل) القسم في ذلك (بالقيمة)؛لأنه أحوط، (لا) جعل (ذراعِ سُفل بذراعِي عُلُوٍّ) أو عكسه، (ولا ذراعٍ بذراعٍ) إلا أن يتراضيا (^١) على ذلك.
(ولا إجبار في قسمة المنافع) على الأصح؛ لأن المهايأة معاوضة حق بحق. فلا يجبر عليها الممتنع؛ كالبيع.
ولأن قسمة المنافع إنما تكون بقسمة الزمان، والزمان إنما يقسم بأن يأخذ أحدهما قبل الآخر وهذا لا تسوية فيه، فإن الآخر يتأخر حقه فلا يجبر على ذلك.
(وإن اقتسماها) أي: أقتسم الشريكان في المنافع (بزمان أو مكان: صح) ذلك (جائزًا) أي: غير لازم على الأصح، سواء عيَّنَا مدة أو لم يعيناها؛ كالعارية من الجهتين يعني: كما لو استعار كل واحد من الآخر شيئًا فلكل منهما الرجوع متى شاء.
(فلو رجع أحدهما بعد استيفاء نوْبته: غَرِم ما انفرد به) يعني: أنه يعطي شريكه أجرة المثل من حصته زمن انفراده بالانتفاع.
(ونفقة الحيوان) المشترك (مدة كل واحد) من الشريكين المتهايئين في نوبته (عليه)؛ لتراضيهما على المهايأة.
(ومَن بينهما) أرض (مزروعة، فطلب أحدهما قِسمتَها دون زرع) وأبى الآخر: أجبر، و(قُسِمت كخالية) من الزرع؛ لأفها أرض أمكن أن تقسم من غير ضرر. فأجيب من طلب (^٢) قسمها (^٣) .
_________________
(١) في ب: تراضيا.
(٢) في أ: طلبها.
(٣) في ب: قسمها.
[ ١١ / ٣٣٧ ]
ولأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار، وهو لا يمنع قسمة الدار. فكذا هنا.
ولا فرق في ذلك بين كون الزرع بذرًا أو قصيلًا أو مشتد الحب.
(و) إن طلب قسم الأرض (معه) أي: مع الزرع، (أو) طلب قسم (الزرع فى دونها) أي: دون الأرض: (لم يُجبر ممتنع) من ذلك في الصورتين في الأصح.
أما في قسمة الزرع مع الأرض؛ فلأن الزرع مودع في الأرض للنقل عنها فلا يقسم معها؛ كالقماش الذي في الدار.
وأما في قسم الزرع وحده؛ فلأن القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم. وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن؛ لأن الزرع يكون فيه جيد ورديء. فإذا أريدت قسمته فلا بد وأن يجعل الكثير من الرديء في مقابلة القليل من الجيد. فيكون صاحب الرديء منتفعًا من الأرض بأكثر من حقه؛ لأن الزرع يجب بقاؤه في الأرض إلى حين حصاده.
(فإن تراضيا) أي: رضي كل واحد من الشريكين (على أحدهما) أي: على قسم الأرض مع الزرع، أو على قسم الزرع وحده (والزرع قَصيلٌ) لم يشتد له حب، (أو) والزرع (قطن: جاز)؛لأن الحق لا يخرج عنهما ولا محذور عليهما في ذلك؛ لجواز التفاضل فيما ذكر. (وإن كان) الزرع (بَذرًا أو سُنبُلًا مشتدَّ الحب: فلا) يجوز لهما ذلك في الأصح.
أما إذا كان بذرًا؛ فلجهالته.
وأما إذا كان سنبلًا مشتد الحب؛ فلأنه بيع السنبل بعضه ببعض. وذلك لا يصح؛ لعدم العلم بالتساوي، وذلك كالعلم بالتفاضل.
(وإن كان بينهما) أي: بين الشريكين (نهْر أو قناة أو عين ماء: فالنفقة) على ذلك (لحاجة) إلى النفقة (بقدر حقَّيهما) أي: حق كل واحد منهما من الماء؛ كنفقة العبد (^١) المشترك، (والماء) بينهما (على) قدر (ما شرطا) هـ
_________________
(١) في ج: الولد.
[ ١١ / ٣٣٨ ]
(عند الاستخراج) أي: استخراج الماء؛ لقوله: "المسلمون على شروطهم " (^١) .
ولأن ذلك تملك مباح. فكان على ما شرطاه؛ كما لو اشتركا في احتشاشٍ أو اصطياد.
(ولهما) أي: للشريكين (قِسمتُه) أي: قسمة الماء (بمُهايأة بزمن)؛لأن الله ﷾ ذكر المهايأة بالزمان في القرآن وسماه قسمة، فقال ﷾: [وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ] [القمر: ٢٨]. وكان للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم آخر.
(أو) قسمته (بنصْب خشبة، أو) بنصب (حجر مستوٍ في مصطدَم الماء، فيه ثقبان بقدر حقَّيْهما)؛لأن ذلك طريق إلى التسوية بينهما؛ كقسم الأرض بالتعديل.
(ولكلٍ) من الشريكين (سقيُ أرضٍ، لا شِرْبَ) بكسر الشين المعجمة وهو النصيب (لها منه) أي: لا نصيب لها من هذا الماء (بنصيبه) في الأصح؛ لأن له أن يفعل بنصيبه من الماء ما شاء من شرب وسقي أرض وبهائم.
قال في " المقنع ": ويحتمل أن لا يجوز. ويجيء على أصلنا: أن الماء لا يُملك. وينتفع كلٌّ منهما على قدر حاجته. وقاله قبله أبو الخطاب؛ لأنه يكون من المباحات. والمباح ينتفع كل واحد منه بقدر (^٢) حاجته.
***
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٥٩٤) ٣: ٣٠٤ كتاب الأقضية، باب في الصلح.
(٢) في ب: ينتفع به كل واحد بقدر.
[ ١١ / ٣٣٩ ]
[فصل: في قسمة الإجبار]
(فصل) النوع (الثاني) من نوعي القسمة: (قِسمةُ إخْبار. وهي: ما لا ضرر فيها) على أحد من الشركاء، (ولا) فيها (ردّ عوض) من واحد من الشركاء. وسميت قسمة إجبار؛ لأن الحاكم يُجبر الممتنع منها إذا كملت عنده شروط الإجبار. ويأتى تفصيلها.
إذا علمت ذلك فإنه (يُجبر شريكه أو ولُّيه) أي: ولي الشريك إذا كان الشريك غير مكلف ولو كان وليه حاكمًا في الأصح بطلب الشريك الآخر أو وليه؛ (وتَقسم حاكم على غائب منهما) أي: من الشريك أو وليه؛ لأن قسمة الإجبار حق على الغائب. فجاز الحكم به عليه؛ كسائر الحقوق، (بطلب شريك) للغائب، (أو وليه) أي: ولي شريك الغائب إن لم يكن مكلفًا، (قَسْمَ) بنصب الميم على أنه مفعول طلب مضاف إلى قوله: (مشترَك) يعني: أنه متى طلب شريك أو وليه قسم مشترك بينه وبين غيره (من مَكيلِ جنسٍ)؛كالحبوب كلها والمعاينات، وما يكال من الثمار؛ كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق، أو يكال من غير الثمار؛ كالأشنان، (أو موزونه) أي: موزون جنس؛ كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ونحوها من الجامدات. وسواء كان ذلك مما (مسَّته النار؛ كدبسٍ وخلّ تمرٍ، أوْ لا) يعني: أو لم تمسه النار؛ (كدُهنٍ ولبنٍ وخلّ عنب.
و) كذا لو كان المشترك (من قريةٍ ودار كبيرةٍ، ودُكَّان وأرض واسعتين، وبساتين ولو لم تتساوَ أجزاؤها) أي: أجزاء هذه المذكورات: (إذا أمكن قسْمُها بالتعديل، بأن لا يُجعل شيء معها).
[ ١١ / ٣٤٠ ]
ويشترط لحكم الحاكم بالإجبار على (^١) القسمة ثلاثة شروط:
أحدها (^٢): أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء لذلك المقسوم بالبينة؛ لأن في الإجبار عليها حكمٌ على الممتنع من القسمة من الشركاء. فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه. بخلاف حالة الرضى فإنه لايحكم على أحد من الشريكين، إنما يقسم بقولهما ورضاهما.
الشرط الثانى: أن يثبت عنده أن لا ضرر فيها. فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع؛ لقول رسول الله ﷺ: " لا ضرَرَ ولا ضِرَار (^٣) " (^٤) . رواه ابن ماجه.
وفي لفظ."أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرَرَ ولا ضِرَار (^٥) " (^٦) .
الشرط الثالث: أن يثبت عنده إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها. وإلا لم يجبر الممتنع، لأنها تصير بيعًا والبيع لا يجبر فيه أحد المتبايعين.
ومن أمثلة ذلك: أرض قيمتها مائة فيها شجرة (^٧)، أو بئر تساوي مائتين.
فإذا جعلت الأرض سهمًا كانت الثلث فيُحتاج أن يجعل معها خمسين درهمًا يردها على شريكه الذي لم يخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين فهذه فيها بيع. ألا ترى أن الذي أخذ الأرض قد باع نصيبه من البئر أو الشجرة بالخمسين درهمًا الذي أخذها. والبيع لا يجبر عليه؛ لقول الله ﷾: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
_________________
(١) في ج: في.
(٢) في ب: أحدهما.
(٣) في أ: إضرار.
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣١) رقم (٣).
(٥) في أوب، بضرار.
(٦) أخرجه ابن ماجه في"سننه " (٢٣٤٠) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. عن عبادة بن الصامت.
(٧) في ج: شجر.
[ ١١ / ٣٤١ ]
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة (^١) أجبر الممتنع من القسمة على القسمة؛ لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره. ويتمكن من إحداث الغِراس والبناء والساقية ونحو ذلك ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك.
(ومن دعا شريكه في بستانٍ إلى قَسْم شجره فقط) يعني: دون أرضه: (لم يُجبر) شريكه على قسم (^٢) الشجر؛ [لأن الشجر] (^٣) المغروس تابع لأرضه غير مستقل بنفسه. ولهذا لا تثبت الشفعة فيه إذا بيع منه جزء دون أرضه.
(و) إن دعا شريك في بستان شريكه (إلى قَسم أرضه) أي: أرض البستان: (أُجبر، ودخل الشجر) في القسمة (تبعًا) للأرض؛ كالأخذ بالشفعة.
(ومَن بينهما أرض: في بعضها نخل وفي بعضٍ) آخر (شجر غيره) أي: غير النخل، (أو) بعضها [(يشرب سَيْحًا وبعضها) يشرب (بَعْلًا) وطلب أحد الشريكين قسمة كل عين على حدة وطلب الآخر قسمتها (^٤) أعيانًا بالقيمة: (قدم من] (^٥) يطلب قسمة كلّ عين على حدة إن أمكنت تسويتُه في جيّده ورديئه)؛لأن ذلك أقرب إلى التعديل؛ لأن لكل واحد منهما حقًا في الجميع.
ولأن الحامل على القسمة زوال الشركة وهو حاصل بما ذكر.
(وإلا) بأن لم تمكن التسوية في جيده ورديئه [(قُسمت أعيانًا بالقيمة إن أمكن التعديل) فيجبر الممتنع من القسمة.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن التعديل] (^٦) (فأبى أحدهما) أي: أحد
_________________
(١) في ب: الثلاث.
(٢) في ب: قسمة.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ج: قسمها.
(٥) ساقط من ب.
(٦) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٤٢ ]
الشريكين من القسمة: (لم يُجبر)؛لفقد شرط الإجبار وهو إمكان تعديل السهام (^١) .
(وهذا النوع) من القسمة وهو قسمة الإجبار: (إفرازٌ) أي: إفراز (^٢) حق أحد الشريكين من الآخر.
قال في " المقنع ": في ظاهر المذهب يقال: فرزت الشيء وأفرزته (^٣) إذا عزلته. والإفراز: مصدر أفرز. واصل الفرز من الفرزة، وهي: القطعة، فكان الإفراز اقتطاع لحق أحدهما من الآخر وليست بيعًا؛ لأنها تخالف البيع في الأحكام والأسباب. فلم تكن بيعًا؛ كسائر العقود.
ولأنها لو كانت بيعًا لم تنفذ بقدر نصف الشريك. ولما صحت بغير رضى الشريك، ولوجبت فيها الشفعة ولما لزمت بالقرعة.
وحيث تقرر أن قسمة الإجبار لم تكن بيعًا (فيصحُّ قَسْم لحم هَدْي و) لحم (أضاحي) ولا يصح بيع شيء منها.
(لا رَطب) بفتح الراء (من شيء) ربوي (بيابسه) يعني: أنه متى كان بين اثنين قفيز تمر وقفيز رطب، أو كان بينهما رطل لحم طري ورطل لحم قديد: لا يجوز [أن يأخذ أحدهما التمر والآخر الرطب، ولا] (^٤) أن يأخذ أحدهما اللحم الطري والآخر (^٥) القديد؛ لوجود الربا المحرم بالشرع؛ لأن حصة كل واحد من الرطب تقع بدلًا عن حصة شريكه من اليابس، وبيع الرطب من ذلك بيابسه حرام مع التراضي. فهنا أولى.
(و) يصح قسم (ثمر يُخْرَصُ) من رطب وعنب (خَرْصًا) أي: حال كون القسم بالخرص.
_________________
(١) في ج: الشهادة.
(٢) في ج: إفراغ.
(٣) في أ: ففرزته.
(٤) ساقط من أ.
(٥) في ج: والآخر اللحم.
[ ١١ / ٣٤٣ ]
(و) يصح قسم (ما يُكال) من حب ومائع (وزنًا) أي: بالوزن، (وعكسه) أي: ويصح قسم ما يوزن من برادة الحديد ونحوه بالكيل.
ويصح قسم ما يشترط لصحة بيعه قبضه بالمجلس؛ كبيع الذهب بفضة بعضه ببعض والفضة بعضها ببعض. (وإن لم يُقبض) المقسوم من (^١) ذلك (بالمجلس.
و) يصح قسم (مرهون، و) قسم (موقوف ولو) كان موقوفًا (على جهة) واحدة على ما ظهر لصاحب " الفروع " من كلام الأصحاب. فإنه حكى أوّلًا أن الشيخ تقي الدين قال: صرح الأصحاب بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين. فأما الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمه (^٢) اتفاقًا؛ لتعلق حق الطبقة الثانية والثالثة لكن تجوز المهايأة بلا مناقلة. ثم قال: والظاهر أن ما ذكره (^٣) شيخنا عن الأصحاب يعنى: من كون أن (^٤) الوقف إنما تجوز قسمته إذا كان على جهتين وجه. يعني: كغيره من الوجوه المحكية في المذهب. قال: وظاهر كلامهم أي: كلام الأصحاب لا فرق يعني: بين كون الوقف على جهة أو جهتين. قال: وهو أظهر.
وفي " المبهج ": لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم. انتهى.
وإنما تصح قسمة الوقف إذا كان على (^٥) جهة أو أكثر (بلا ردٍ) أي: بلا رد عوض من أحد الجانبين؛ لأن العوض إنما يرده من يكون نصيبه أرجح فيبقى (^٦) العوض في مقابلة الزائد فيكون عوضًا عن بعض عين الوقف. فكأن آخذ العوض باع الزائد عن نصيبه لدافع العوض فيصير ذلك بيعًا لبعض الوقف.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: فلا يقسم عينًا لازمة.
(٣) في أ: ذكر، وفي ب: نقل.
(٤) زيادة من ب.
(٥) ساقط من أ.
(٦) في ب: ليبقى.
[ ١١ / ٣٤٤ ]
(و) يصح قسم (ما) أي: قسم مكان (بعضه وقف) وبعضه غير وقف (بلا رد من رب الطّلْق) بكسر الطاء وهو: لغة الحلال وسمي المملوك طِلقًا؛ لأن جميع التصرفات فيه حلال من البيع والهبة والرهن وغير ذلك. والموقوف ليس كذلك؛ لأن أهل الوقف (^١) إذا أخذوا شيئًا من رب الطّلق كان عوضًا عن بعض الوقف وذلك لا يجوز، لأن بيع الوقف غير جائز.
(وتصح) قسمة ما بعضه وقف (إن تراضيا) أي: تراضيا (^٢) الموقوف عليه ورب الطّلق (بردٍّ من أهل الوقف) يعني: وإن كان الرد من أهل الوقوف جاز؛ لأنهم يشترون بعض الطلّق وهو جائز.
(لا يحنث بها) أي: بالقسمة (من حلف: لا يبيع)، لأن هذه القسمة ليست بيعًا. وحكي عن أبي عبد الله بن بطة ما يدل على أنها كالبيع. فتنعكس هذه الأحكام.
(ومتى ظهر فيها) أي: في قسمة الإجبار (غَبن فاحش: بطلت)، لتبيّن فساد الإفراز. وإن قلنا: هي بيع لم تبطل وثبت خيار الغبن.
قال في " الإنصاف ": ذكره في " المستوعب " و" البُلغة ".
(ولا شُفعة في نوعَيْها) وهما قسمة التراضي وقسمة الإجبار في الأصح من الطريقتين؛ لأنه لو ثبت (^٣) لأحدهما على الآخر لثبت (^٤) للآخر عليه فيتنافيان، (ويُفسخان) بغبن. ويثبت الفسخ في كلٍّ من نوعي القسمة (بعيب) يظهر في نصيب أحد الشريكين في الأصح.
وقيل: تبطل بفوت التعديل.
(ويصحُّ) من الشريكين (أن يتقاسما بأنفُسهما، وأن يَنْصِبا قاسمًا) من عند أنفسهما؛ لأن الحق لهما فكيف ما اتفقا عليه جاز، (وأن يسألا حاكمًا نَصْبَه)
_________________
(١) في ج: الموقف.
(٢) في ب: تراضي.
(٣) في ب: لأنها لو ثبتت.
(٤) في ب: لثبتت.
[ ١١ / ٣٤٥ ]
أي: أن ينصب قاسمًا يقسم بينهما؛ لأن الحاكم أعلم بمن يصلح للقسمة. فإذا سألوه إياه وجبت عليه إجابتهم؛ لقطيع النزاع بين الشريكين.
(ويُشترط: إسلامه) أي: إسلام القاسم الذي ينصبه الحاكم، (وعدالتُه) ليقبل قوله في القسمة، (ومعرفتُه بها) أي: بالقسمة ليحصل منه المقصود؛ لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسهام مقبولًا كحاكم يجهل ما يحكم به. لا حريته فتصح قسمته ولو كان عبدًا.
(ويكفي) قاسم (واحد) حيث لم يكن في القسمة تقويم؛ لأن القاسم كالحاكم، والحاكم يكفي وحده في الحكم، (لا مع تقويمٍ) في الأصح فلا بد من اثنين؛ لأن التقويم شهادة بالقيمة. فلم يقبل فيه أقل من اثنين؛ كباقي الشهادات.
(وتُباح أجرتُه) أي: إعطاوها له وأخذه إياها؛ لأنها عوض عن عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. (وتُسمى) أجرة القاسم: (القُسَامة بضم القاف).
قال الخطابي: القُسامة بضم القاف: اسم لما يأخذه القاسم لنفسه في القسمة.
وقيل: يكره أخذ الأجرة على القسمة؛ لما روى أبو سعيد مرفوعًا: " إياكم والقُسامة. قيل: وما القُسامة؛ قال: الشيء يكون بين الناس فينتقص منه " (^١) . رواه أبو داود.
قال الخطابي: وإنما جاء هذا فيمن ولي أمر قوم وكان عريفًا لهم أو نقيبًا.
فإذا قسم بينهم سهامهم أمسك منها شيئًا (^٢) لنفسه يستأثر (^٣) به عليهم. ثم ذكر ما رواه أبو داود بإسناد جيد عن عطاء بن يسار مرسلًا نحوه، قال فيه: "الرجل يكون على الفَئامِ من الناس فيأخذ من حظ هذا ومن حظ هذا " (^٤) .
الفئام: الجماعات.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في"سننه" (٢٧٨٣) ٣: ٩١ أول كتاب الجهاد، باب في كراء المقاسم.
(٢) في ج: أشياء.
(٣) في ب: ليستأثر.
(٤) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٧٨٤) الموضع السابق.
[ ١١ / ٣٤٦ ]
(وهي) أي: والقُسامة على الشركاء (بقدر الأملاك). نص عليه، (ولو شرط خلافه) على المذهب.
وقال في "الكافي": هي على ما شرطاه.
(ولا ينفرد بعضٌ) أي: بعض الشركاء (باستئجار) أي: استئجار القاسم " لأن أجرته على الشركاء كلهم على قدر أملاكهم.
(وكقاسم) في وجوب أجرة (حافظ ونحوه).
فعلى المذهب: تكون أجرة شاهد يخرج لقَسم البلاد، وأجرة وكيل وأمين للحفظ على مالك، وفلاح، كأملاك. ذكره الشيخ تقي الدين قال: فإذا جاءهم (^١) الفلاح بقدر ما عليه أو ما يستحقه الضيف حل لهم. قال: وإن لم يأخذ الوكيل لنفسه إلا قدر أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها المقطع، فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين. فإذا أعطى الوكيل المقطع من الضريبة ما يزيد على أجرة مثله ولم يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله جاز له ذلك. انتهى.
(ومتى لم يثبُت عند حاكم أنه لهم) أي: أن (^٢) ما (^٣) بيد من يريدون قسمته ملكهم: (قَسَمَهُ) عليهما بإقرارهما وتراضيهما؛ لأن اليد دليل الملك وإن لم يثبت بها المالك. ولا منازع لهم في الظاهر.
قال القاضي: والقضاء عليهما بإقرارهما لا على غيرهما.
(وذكر في كتاب القسمة: أنها) أي: أن القسمة (بمجرَّد دعواهم مِلكَه) أي: ملك المقسوم، لا عن بينة شهدت لهم بملكه؛ لئلا يتوهم الحاكم بعده أن القسمة وقعت بعد ثبوت ملكهم فيؤدي ذلك إلى ضرر من يدعي في العين حقًا. وحينئذ إن لم يتوقفوا على طلب القسمة لم يقسمه حتى يثبب عنده أنه ملكهم.
***
_________________
(١) في أ: جاء.
(٢) ساقط من أ.
(٣) ساقط من ب.
[ ١١ / ٣٤٧ ]
[فصل: تعديل سهام القسمة بالأجزاء]
(فصل. وتُعدَّلُ سهامٌ) أي: يُعدل القاسم سهام القسمة (بالأجزاء) أي: أجزاء المقسوم: (إن تساوت) كالمائعات كلها، والمكيلات من الحبوب إن لم تكن مختلفة، وكالأرض التي ليس بعضها بأجود من بعض.
(و) تعدل السهام (بالقيمة: إن اختلفت) فيجعل السهم من الرديء أكثر منه من الجيد، بحيب إذا قوّما كانت قيمتهما سواء. وذلك مثل: أرضٍ أحد جوانبها يساوي مثل الآخر فهذه تعدل بالقيمة؛ لأنه لما تعذر التعديل بالأجزاء لم يبق إلا التعديل بالقيمة ضرورة؛ لأن قسمة الإجبار لا تخلو من أحدهما. وهذا مع اتفاق السهام واختلافها.
(و) تعدل السهام (بالرد: إن اقتضته) أي: اقتضت الرد. ومعنى ذلك: أنه متى لم يمكن تعديل السهام بالأجزاء ولا بالقيمة فإنها تعدل بالرد. وهو: أن يجعل لمن يأخذ الردئ أو القليل دراهم أو دنانير على من يأخذ الجيد أو الأكثر. (ثم يُقرَعُ) بينهم لإزالة الإبهام الحاصل، قياسًا لبعض موارد الشرع على بعض. فمن خرج له سهم صار له؛ لأن هذا شأن القرعة.
(وكيف ما أُقْرعَ جاز) في ظاهر كلام أحمد. فإنه قال في رواية أبي داود: إن شاء رقاعًا وإن شاء خواتيم: يطرح ذلك في حجر من لم يحضر، ويكون لكل وأحمد خاتم معين، ثم يقال: أخرج خاتمًا على هذا السهم، فمن خرج خاتمه فهو له. وعلى هذا لو أقرع بالحصا أو غيره جاز.
(والأحْوط: كتابة اسم كل شريك بُرقعة، ثم تُدْرج) الرقاع (فى بَنادقَ من طينٍ أو شمعٍ متساوية، قدرًا ووزنًا) أي: في الحجم والوزن، (ويقال لمن لم يحضر ذلك) يعني: ويطرح في حجر من لم يحضر عمل البنادق ويقال لهه:
[ ١١ / ٣٤٨ ]
(أَخرج بُندقة على هذا السهم، فمن خرج اسمه فهو له) أي: فالسهم الذي خرج اسمه عليه له، لأن اسمه خرج عليه وتميز سهمه به. (ثم كذلك) الشريك (الثاني) يعني: أنه يفعل به كما فعل بالأول. (و) السهم (الباقي للثالث: إذا استوت سهامهم وكانوا ثلاثة)؛لأن السهم الثالث تعين لمن تأخر خروج اسمه، لزوال الإبهام بخروج اسم الأولين.
(وإن) اختار القاسم إخراج السهام على الأسماء (كَتب اسم كل سهم برقعة)، فيكتب في رقعه السهم الذي من جهة كذا وفي أخرى السهم الذي من جهة كذا إلى آخر السهام ودرجها كما تقدم، (ثم قال) لمن لم يحضر عمل البنادق: (أَخرج بُندقة لفلان) كان السهم المسمى فيها له. وكذا إذا قال: (وبُندقة لفلان إلى أن ينتهُوا) يعني: إلى أن لا يبقى إلا بندقة، فيكون السهم المكتوب فيها لمن تأخر اسمه من الشركاء: (جاز) للقاسم ذلك.
(وإن اختلفت سهامُهم؛ كنصف وثلث وسدس) يعني: كما لو كان لأحدهم النصف وللآخر الثلث وللآخر السدس من المقسوم: (جُزّئ مقسوم) أي: جزأ القاسم المقسوم (بحسب أقلها) أي: أقل السهام، (وهو هنا) أي: في هذه الصورة؛ (ستة)؛ لأن الستة مخرج السدس، (ولزم إخراج الأسماء) أي: أسماء الشركاء (على السهام) لما يأتي تعليله: (فيكتُب باسم ربّ النصف ثلاثة رقاع، و) باسم رب (الثلث ثنتين، و) باسم رب (السدس رُقعة بحسب التجزئة. ثم يُخرج بندقة على أول سهم، فإن خرج اسم رب النصف أخذه مع ثاني وثالث) يليانه، ويخرج الرقعة (^١) الثانية على السهم الرابع، (وإن خرج اسم رب الثلث أخده مع) سهم (ثان) يليه، وتخرج الرقعة (^٢) الثانية على السهم الثالث. وإن خرج اسم صاحب السدس أخذه فقط، وتخرج الرقعة (^٣) الثانية على السهم الثانى. (ثم يقرع بين الآخرين كذلك، والباقى للثالث).
_________________
(١) في ج: القرعة.
(٢) في ب: القرعة.
(٣) في ب: القرعة.
[ ١١ / ٣٤٩ ]
فإن خرجت القرعة الثانية لصاحب الثلث وكانت الأولى خرجت لصاحب النصف أخذ صاحب الثلث السهم الرابع والخامس، وكان السهم السادس لصاحب السدس. وإن خرجت لصاحب السدس أخذ السهم الرابع، وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث. وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف وكانت الأولى خرجت لصاحب الثلث أخذ السهم الثالث والرابع والخامس، وكان السادس لصاحب السدس. وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب السدس وكانت الأولى خرجت لصاحب الثلث أخذه، وكان الرابع والخامس والسادس لصاحب النصف. وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف وكانت الأولى خرجت لصاحب السدس أخذ السهم الثانى والثالث والرابع، وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث. وإن خرجت لصاحب الثلث أخذ الثانى والثالث، وكان الرابع والخامس والسادس لصاحب النصف. وإنما لزم إخراج الأسماء على السهام في مثل هذه الصورة؛ لأنه إذا أخرج (^١) قرعة فيها السهم الثانى لصاحب السدس ثم أخرج (^٢) أخرى لصاحب النصف أو الثلث فيها السهم (^٣) الأول احتاج إلى أن يأخذ نصيبه متفرقًا فيتضرر بذلك.
ثم اعلم أن قسمة الإجبار تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء متساوية.
الثاني: أن تكون السهام مختلفة وقيمة الأجزاء متساوية. وهذان القسمان مذكوران في المتن.
القسم الثالث: أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء مختلفة، فإن الأرض تعدّل بالقيمة وتجعل (^٤) ستة أسهم متساوية القيمة، ويفعل في إخراج السهام مثل القِسم الأول الذي في المتن.
_________________
(١) في أ: خرج.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ج: والثلث فيها اسم.
(٤) في ب: تعد بالقسمة تجعل.
[ ١١ / ٣٥٠ ]
القسم الرابع: أن تكون السهام مختلفة [والقيمة مختلفة] (^١) فإن القاسم يُعدّل السهام بالقيمة ويجعلها ستة أسهم متساوية القيمة، ثم يخرج الرقاع فيها الأسماء على السهام كالقسم الثالث سواء (^٢)، إلا أن التعديل هاهنا بالقيمة وهناك بالمساحة.
(وتلزم) القسمة (بخروج قُرعة)؛لأن القاسم كالحاكم وقرعته كالحكم.
نص أحمد على ذلك. (ولو) كانت القسمة (فيما فيه رَدٌ أو ضرر) إذا تراضيا عليها وخرجت القرعة؛ بدليل أن القاسم يجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق. فوجب أن تلزم قرعته؛ كقسمة الإجبار.
(وإن خَيّر أحدهما) أي: أحد الشريكين (الآخر) بأن قال لشريكه: اختر أيّ القسمين شئت فيما تقاسماه بأنفسهما من غير قرعة: (فـ) إن القسمة تلزم (برضاهما) بالقسمة (وتفرُّقهما) بأبدانهما كتفرق متبايعين.
قال في"الفروع": وإن خير أحدُهما الآخر فبراضاهما وتفرقهما. ذكره جماعة ولم يذكر ما يخالف ذلك (^٣) .
***
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من ب.
(٣) في ب: ما يخالفه.
[ ١١ / ٣٥١ ]
[فصل: إذا ادعى أحد المتقاسمين غلطًا]
(فصل. ومن ادَّعى) من المتقاسمين (غلطًا)، أو ادعى حيفًا (فيما تقاسماه بأنفُسِهما، وأشهدا على رضاهما به: لم يُلتفت إليه) يعني: لم تسمع دعواه. فلا تقبل بينته، ولا يحلف غريمه في الأصح؛ لأنه رضي بالقسمة على الصورة التي وقعت، ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه (^١) .
(و) إن ادعى غلطًا أو حيفًا في غير هذه الصورة المتقدمة فإن دعواه (تقبل) إن أتى (ببينة) تشهد بصحة دعواه (فيما) أي: فى شيء (قَسمهُ قاسمُ حاكمٍ)؛لأن قاسمَ الحاكمِ حكم عليه بالقسمة. وإنما سكت سكوتًا مستندًا إلى ظاهر حال القاسم. فإذا قامت البينة بغلطه كان له الرجوع فيما غلط به؛ كما لو. كان على إنسان عشرة مكاكيل حنطة فأعطاه ثمانية على وجه الغلط وهو يعتقدها عشرة فرضي بذلك، ثم بان له بعد ذلك أنها ثمانية لم يسقط حقه من الرجوع برضاه لذلك.
(وإلا) أي: وإن لم تقم لمدعي الغلط بينة بصحة دعواه: (حلَف منكِر) أي: من أنكر الغلط. وإنما قدمنا قول المنكر بيمينه؛ لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة فيها.
(وكذا) أي: وكحكم دعوى الغلط فيما قسمه قاسم الحاكم حكم دعواه فيما قسمه (قاسمٌ نصَبَاه) من عند أنفسهما في أن القول فيه قول المنكر، إلا أن يقيم مدعي الغلط بينة بدعواه فيعمل بمقتضاها.
(وإن استُحقَّ بعدها) أي: بعد القسمة شيء (معيَّن من حِصَّتَيْهِما على
_________________
(١) في ج: لزمه.
[ ١١ / ٣٥٢ ]
السَّواء) بأن اقتسما أرضًا فاستحق من حصتيهما على السواء قطعة معينة: (لم تبطل) القسمة (فيما بقي) من الأرض في الأصح؛ كما لو كان المقسوم عينين فاستحقت إحداهما، (إلا أن يكون ضرر) المعين (المستحقّ في نصيب أحدهما) أي: أحد الشريكين (أكثر) من ضرر الشريك الآخر؛ (كسدّ طريقة، أو) سدّ (مجرى مائه، أو) سدّ (ضوئه، ونحوه) أي: ونحو ذلك من كل ما كان فيه الضرر لأحدهما أكثر من الآخر: (فتبطل) لفوات التعديل؛ (كما لو كان) المستحق المعين (فى إحداهما) أي: إحدى حصتيهما، (أو) كما لو كان المستحق (شائعًا ولو) كان شيوعه (فيهما) أى: في حصتي الشريكين في الأصح؛ لأنه إذا استحق ما هو شائع في الحصتين فهو شريك لهما، فإن كانت القسمة بالتراضي فالشريك لم يرض، وإن كان بالإجبار فالثالث لم يحكم عليه بالقسمة فلا تصح.
وإن قلنا: تكون حصتهما مشاعة مع من ثبت له الاستحقاق لم يصح؛ لأن عليه ضررًا ببقاء حصته مشاعة مع كل واحد منهما، وذلك تشقيص لحصته والتشقيص ضرر فى الملك الواحد فوجب بطلانه لذلك.
(وإن ادَّعى كلٌّ) من الشريكين (شيئًا) من المقسوم: (أنه من سهمه) وأنكره (^١) الآخر، (تحالَفا) أي: حلف كل منهما للآخر على نفي ما ادعاه، (ونُقِضَت) القسمة؛ لأن ملك المدعى به لم يخرج عنهما ولا سبيل إلى دفعه لمستحقه منهما بدون نقض القسمة.
(ومن كان) من المستقمين (بنى أو غرس) في نصيبه، (فخرج) المقسوم (مستحَقًا فقُلِع) بنائه أو غرسه: (رجع على شريكه بنصف قيمته، في قسمةِ تراضٍ فقط)؛ كما لو اقتسم اثنان (^٢) دارين بينهما بالسوية على أن تكون كل دار منهما لواحد؛ لأن الدارين إنما يقسمان كذلك بالتراضي. فتكون هذه القسمة جارية مجرى البيع. ولو باعه الدار جميعها فبنى فيها أو غرس فخرجت مستحقة
_________________
(١) في ج: وأنكر.
(٢) ساقط من ب.
[ ١١ / ٣٥٣ ]
فقلع غرسه أو بنائه رجع عليه بجميع قيمته. فإذا باعه نصفها رجع عليه بنصف قيمته. وكذا يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع وهي قسمة التراضي كالتي فيها رَدُّ عوض، وما لا يجبر على قَسمه لضرر في قسمه ونحو ذلك. فأما قسمة الإجبار إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقًا بعد البناء أو الغرس فيه وقلع فإنه لا يرجع على شريكه بشيء؛ لأن شريكه لم يغره ولم ينتقل إليه من جهته ببيع، وإنما أفرز حقه من حقه. فلم يضمن له مما غرمه شيئًا.
قال في " شرح المقنع ": هذا الذي يقتضيه قول الأصحاب.
(ولمن خرج في نصيبه) من الشريكين (عيبٌ جَهِلَه) حال القسمة (إمساكٌ) لنصيبه المعيب (مع) أخذ (أرشٍ) من شريكه؛ (كفسخٍ) يعني: كما أن له أن يفسخ القسمة؛ لأن ظهور العيب في نصيبه نقص. فخير بين الأرش والفسخ؛ كالمشتري.
وقيل: تبطل القسمة؛ لاشراط التعديل فيها. بخلاف البيع.
(ولا يَمنع دينٌ على ميت نَقْل) ملك (تركتِه) إلى ملك ورثته على الأصح.
نص عليه الإمام أحمد فيمن أفلس ثم مات فقال على الأصح: قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكًا لهم.
فعلى هذا إذا نمت التركة مثل: إن غلت الدار، وأثمرت النخل، أو نتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به ولا يتعلق به حق الغرماء؛ لأنه نماء ملكه. أشبه كسب الجاني. (بخلاف ما يخرُج من ثلثها) أي: ثلث التركة (من) شيء (معيّن موصىً به)؛كما لو كانت التركة أرضًا وثبت أن المتوفىَّ أوصى بثلث الأرض لمن تصح الو صية له، فإنه لا ينتقل الملك في الموصى به إلى ورثة الموصي.
وحيث تقرر: أن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى ملك الورثة (فظهورُه بعد قسمةٍ) أي: قسمة التركة (لا يُبطلها) أي: لا يبطل القسمة إن قيل هي إفراز، ولا في الأصح إن قيل هي بيع.
(ويصحُّ بيعُها) أي: بيع التركة (قبلَ قضائه) أي: قضاء الدين (إن
[ ١١ / ٣٥٤ ]
قُضي) الدين، وإلا نقض البيع؛ كما لو كان التصرف بهبة أو نحوها.
إذا علمت ذلك (فالنَّماء) الحادث بعد الموت (لوارثٍ، كنماء جان) لا حق لرب الدين فيه؛ كولي الجناية.
(ويصحُّ عتقُه) يعني: أنه لو كان على الميت دين وكانت التركة رقيقًا فأعتقه الوارث صح عتقه وغرم قيمته لرب الدين.
(ومتى اقتسما) أي: اقتسم الشريكان دارًا أو نحوها، (فحصل الطريق في حصة واحد) من الشريكين مثل: أن يقتسماها نصفين فيحصل لأحدهما ما يلي الباب ويحصل للآخر النصف الداخل. (و) الحال: أنه (لا مَنْفَذَ للآخر) الذي حصل له النصف الداخل؛ كما إذا لم يكن للدار طريق من جهة أخرى، ولا لمن حصل له النصف الداخل ملك يجاورها ينفذها (^١) إليه: (بطلت) القسمة؛ لأن الداخل لا يتمكن من الانتفاع بما حصل له بالقسمة؛ لأنه لا يمكنه السلوك في حصة الآخر فلا تكون السهام معدلة؛ لأن التعديل في جميع الحقوق واجبة. (وأي) أي: وأي شريك (وَقعتْ ظُلَّةُ دار في نصيبه) عند المقاسمة: (فله) أي: فالظلة له بمطلق العقد؛ لأن القسمة وقعت على ذلك.
قال في " القاموس ": والظلة، شيء كالصفَّة، يستتر به من الحر والبرد. انتهى.
***
_________________
(١) في ج: ينفذ.
[ ١١ / ٣٥٥ ]
[باب: الدّعاوى والبيّانات]
هذا (باب الدَّعاوى والبيذنات)، واحد الدعاوى: دعوى. وأصلها في اللغة من الدعاء وهي: الطلب. قال الله ﷾: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يتمنون ويطلبون. ومنه في الحديث: "ما بال دعوى الجاهلية " (^١)؛لأنهم كانوا يدعون بها عند الأمر الشديد بعضهم بعضًا. وهي قولهم: يا لَفلان.
والدعوى في الاصطلاح ما ذكر في المتن وهو قوله: (الدَّعوى: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاقَ شيء في يد غيره، أو) في (ذمَّته) أي: ذمة غيره.
(والمدَّعِي: من يُطالب غيرَه بحقٍّ يذكرُ استحقاقَه عليه) أي: على غيره.
(والمدَّعى عليه: المطالَبُ) بفتح اللام أي: من يطالبه غيره بحق يذكر استحقاقه عليه. والبينات. جمع بينة، من بان يبين (^٢) فهو بيّن، والأنثى بينة.
(والبينة) في الاصطلاح: (العلامةُ الواضحةُ؛ كالشاهد فأكثر).
والأصل في هذا الباب ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قاله: " لو يُعطى الناس (^٣) بدعواهم لادَّعى ناسى دماءَ رجالٍ وأموالَهم. ولكن اليمين على المدعى عليه " (^٤) . رواه أحمد ومسلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري فى"صحيحه" (٣٣٣٠) ٣: ١٢٩٦ كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية. وأخرجه أحمد في"مسنده" (١٥١٦٨) ٣: ٣٨٥.
(٢) في ج: الشيء.
(٣) في أ: الإنسان.
(٤) أخرجه مسلم في"صحيحه " (١٧١١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٨٨) ١: ٣٤٣.
[ ١١ / ٣٥٦ ]
(ولا تصحُّ دعوى إلا من) إنسان (جائزٍ تصرُّفُه.
وكذا) أي: وكمثل الدعوى (إنكارٌ) فلا تصح إلا من جائز التصرف، (سوى إنكار سفيه فيما يؤخَذُ به) لو أقر به (إذًا) أي: في حال سفهه، (وبعد فكّ حجرٍ) عنه. (ويحلف إذا أنكر) حشما تجب اليمين.
(وإذا تداعَيا) أي: ادعى كل واحد من اثنين (عينًا) أنها له، (لم تَخْلُ من أربعة أحوال:
أحدها: أن لا تكون) العين (بيد أحدٍ، ولا ثَمَّ) بفتح المثلثة (ظاهر) أي: ولم يوجد أمر ظاهر يُعمل بمقتضاه. (ولا بينة) لواحد منهما وادعى كل واحد أن كلها له: (تحالَفا) أي: حلف كل واحد منهما أنها له ولا حق للآخر فيها، (وتناصفًاها) (^١) أي: قسمت بينهما نصفين في الأصح. قدمه في " المحرر " و٩ الرعايتين " و" الحاوي "؟ لأنهما استويا في الدعوى. وليس أحدهما به أولى من الآخر؛ لعدم اليد. فوجب أن يقتسمانه؛ كما لو كان بأيديهما.
(وإن وُجد ظاهر لأحدهما)؛كما لو كانت من آلة صنعته: (عُمل به) أي: بهذا الظاهر فيأخذها ويحلف للآخر.
إذا علمت ذلك (فلو تنازعا عَرْصَة بها شجر، أو) بها (بناء لهما) أي: للمتنازعين فيها: (فهى) أي: فالعرصة (لهما)؛لأن اسيفاء المنفعة دليل الملك، والبناء أو الشجر استيفاء لمنفعة العرصة واستيلاء عليها بالتصرف. فوجب أن يحكم لهما بالعرصة؛ لوجود اليد. (و) إن كان الشجر أو البناء (لأحدهما: فـ) العرصة (له) أي: لرب الشجر أو البناء وحده؛ لما تقدم.
(وإن تنازعا مُسَنَّاةً) وهي: السد الذي يرد ماء النهر من جانبه، وكانت (بين نهر أحدهما) أي: أحد المتنازعين فيها (وأرض الآخر) حلف كل واحد
_________________
(١) في ج: ويتناصفاها.
[ ١١ / ٣٥٧ ]
منهما أن نصفها له وتناصفاها في الأصح؛ لأنها حاجز بين ملكيهما ينتفع به كل واحد منهما. أشبه الحائط بين الدارين.
(أو) تنازعا (جدارًا بين مِلكَيْهما: حلف كلٌ) أي: كل واحد من المتنازعين: (أن نصفه له، ويُقرَع) بينهما (إن تشاحَّا في المبتدئ) منهما بالحلف.
قال في"الفروع": وفي البخاري عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ عرض على قومٍ اليمين فأسرعوا. فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف " (^١) .
قال ابن هبيرة: هذا فيمن تساووا في سبب الاستحقاق لكون الشيء في يد. مدعيه ويريد يحلف، ويستحقه. انتهى.
(ولا يَقدح) في حكم المسألة (إن حلف) أحدهما أو حلف كل واحد منهما: (أن كلَّه له، وتناصفاه) أي: تناصفا الجدار الذي بين ملكيهما؛ (كمعقود ببنائهما) يعني: كما لو كان الحائط معقودًا ببنائهما؛ لأن كل واحد منهما يده على نصف الحائط، لكون الحائط في أيديهما.
(وإن كان) الحائط (معقودًا ببناء أحدهما وحدَه، أو متصلًا به) أي: ببناء أحدهما (اتصالًا لا يمكن إحداثه عادة) أي: إحداث ذلك الاتصال في العادة في الأصح، (أو له) يعني: أو كان لأحدهما (عليه أَزَجٌ). قال الجوهري: هو ضرب من الأبنية.
وقال ابن المنجى: هو القبو.
(أو) كان لأحدهما عليه (سُتْرة) مبنية أو قبة: (فله) أي: فالجدار لمن له ذلك (بيمينه) دون الآخر. وإنما وجبت اليمين؛ لأن ذلك ظاهر وليس بيقين إذ يحتمل أن يكون أحدهما بنى الحائط لصاحبه متبرعًا مع حائطه، أو كان له فوهبه إياه، أو بناه بأجرة. فشرعت اليمين من أجل الاحتمال، كما شرعت في
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٢٥٢٩) ٢: ٩٥٠ كتاب الشهادات، باب إذا تسارع قوم في اليمين.
[ ١١ / ٣٥٨ ]
حق صاحب اليد. فأما إن كان معقودًا ببناء أحدهما عقدًا يمكن إحداثه؛ كالبناء باللبن والآجر فإنه يمكن أن ينزع من الحائط المبني نصف لبنته أو آجره ويجعل مكانها لبنة صحيحة.
(ولا ترجيح) أي: ولا يرجح أخذ المتنازعين على الآخر (بوضع خشبة) على الجدار المتنازع فيه؛ لأن هذا مما يسمح به الجار. وقد ورد الخبر بالنهي عن المنع منه (^١) . فلا ترجح به الدعوى؛ كإسناد متاعه إليه.
(ولا بوجوه آجُرٍّ) أو حجارة، ولا كون الآجرة الصحيحة مما يلي أحدهما وقطع الآجر مما يلي ملك الآخر، (و) لا بـ (تَزْويقٍ وتَجْصيصٍ ومعَاقدِ قِمْطٍ في خُصٍ)؛لعموم قوله ﷺ: " البينةُ على المدَّعِي. واليمين على من أنكر " (^٢) .
ولأن وجوه الآجر ومعاقد القمط إذا كانا شريكين في الجدار أو في الخص لا بد أن يكون إلى أحدهما، إذ لا يمكن كونه إليهما جميعًا. فبطلت دلالته؛ كالتزويق.
ولأن التزويق والتجصيص مما يمكن إحداثه فلا ترجح به الدعوى.
(وإن تنازع ربُّ عُلوٍ وربُّ سُفل في سقف بينهما): تحالفا، و(تناصفاه)؛لأنه حاجز بين ملكيهما ينتفعان به غير متصل ببناء أحدهما دون الآخر. فكان بينهما؛ كالحائط بين الملكين.
(و) إن تنازع رب علو ورب سفل (في سُلَّمٍ منصوب، أو) تنازعا في (درجة) يصعد منها ولم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل؛ كسلم مسمر أو دكة: (فـ) السلم المنصوب والدرجة التي يصعد منها (لرب العلوّ، إلا أن يكون تحتها مسكنٌ لرب السفل: فـ) يتحالفا، و(يتناصفاها) أي: يتناصفان الدرجة؛ لأن يدهما عليها (^٣) .
_________________
(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه ". أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦٣٤) ٣: ٣١٤ كتاب الأقضية، أبواب من القضاء.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٩٩) رقم (٢).
(٣) في أ: عليهما.
[ ١١ / ٣٥٩ ]
ولأنها سقف للسفلاني وموطئ للفوقانى.
(وإن تنازعا) أي: تنازع رب علو ورب سفل (الصَّحْن) الذي يُتوصل منه إلى الدرجة، (و) تنازعا أيضًا (الدرجة) وكانت (بصدره) أي: صدر الصحن: (فـ) الصحن والدرجة (بينهما)، لأن يدهما عليهما.
(وإن كانت) الدرجة (في الوسط) أي: وسط الصحن: (فما) أي: فالمكان الذي يُتوصل منه (إليها) أي: إلى الدرجة (بينهما)؛لأن يدهما عليه، (وما وراءه) أي: وراء المكان الذي يتوصل منه إلى الدرجة (لربّ السّفل) وحده في الأصح؛ لأنه لا يد لرب العلو عليه.
(وكذا) الحكم: (لو تنازع ربُّ بابٍ بصدرِ دَرْبٍ غيرِ نافذٍ، وربُّ بابٍ بوسطه) أي: وسط الدرب الذي غير نافذ. وكان التنازع (في) عين (الدَّرب) فإن الدرب من أوله إلى وسطه بينهما، وما وراء الباب الذي في وسط الدرب إلى صدره لمن بابه بصدره في الأصح؛ لأنه لا يد لمن بابه في وسط الدرب على ما وراء ذلك.
[ ١١ / ٣٦٠ ]
[فصل: إذا كانت العين بيد أحدهما]
(فصل) الحال (الثاني: أن تكون) العين المتنازع فيها (بيد أحدهما) أي: أحد المتنازعين (فهى له، ويحلف) أنه لا حق للآخر فيها: (إن لم تكن) لمن ليست العين في يده (بينة)؛ لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: " لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " (^١) . متفق عليه.
وقال النبي في قصة الحضرمي والكندي: " شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك " (^٢) .
ولأن الظاهر من اليد الملك.
(وإن سأل المدّعَى عليه الحاكم كتابةَ مَحضرٍ بما جرى: أجابه) وجوبًا، (وذكر فيه) أي: في المحضر: (أنه) أي: أن الحاكم (بقَّى العين بيده؛ لأنه لم يثُبت ما يرفعُها) أي: ما يرفع يده عنها.
(ولا يثبُت مِلكٌ بذلك) أي: بوضع اليد، (كلما يثبت) الملك (ببينة.
فلا شُفعة له) أي: لرب اليد (بمجرَّد اليد)؛لأن الظاهر لا تثبت به الحقوق وإنما ترجح به الدعوى. ثم في كلام القاضي في مسألة النافي للحكم: يمين المدعى عليه دليل.
وفي " الروضة ": إنما لم يحتج إلى دليل؛ لأن اليد دليل الملك.
وفي " التمهيد ": يده بينة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في"صحيحه" (٤٢٧٧) ٤: ١٦٥٦ كتاب التفسير، باب: [إن الذين يشترون يعهد الله ]. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٧١١) ٣: ١٣٣٦ كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٣١٨٨) ١: ٣٤٣.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٨٤).
[ ١١ / ٣٦١ ]
[فصل: إذا كانت العين بيديهما]
(فصل) الحال (الثالث: أن تكون) العين المتنازع فيها (بيدَيْهما) أي: يد المتنازعين؛ (كطفل) مجهول النسب، (كل) منهما (ممسك لبعضه. فيحلف كل) منهما (كما مرَّ) وهو: أن يحلف كل واحد منهما أنها له لا حق للآخر فيها (فيما ينتصَّف) يعني: فيما إذا ادعى كل واحد منهما كل العين (وتناصفَاه) (^١) أي: تناصفا المدعى به؛ وذلك لما روى أبو موسى " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دارٍ ليس لأحدهما بينة فجعلها بينهما نصفين " (^٢) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
ولأن يد كل واحد منهما عليها (^٣) فهما سواء، فلا رجحان لواحد منهما على الآخر. فيقسم بينهما كذلك بالسوية؛ لتساويهما في اليد.
(إلا أن يدَّعي أحدهما) أي: أحد المتنازعين (نصفًا) أي: نصف المتنازع
فيه (فأقلَّ) من النصف، (و) يدعي (الآخر الجميع) أي: جميع المدعى به، (أو) يدعي الآخر (أكثر مما بقي) عما يدعيه الآخر؛ كما إذا ادعى أحدهما الثلث وادعى الآخر ثلاثة أرباع العين أو كلها: (فيحلف مدَّعي الأقلَّ) وحده، (ويأخذُه)؛ لأنه يدعي أقل مما يده (^٤) عليه في الظاهر. فكان القول قوله بيمينه؛ كما لو انفرد باليد.
_________________
(١) في ج: ويتناصفاه.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦١٣) ٣: ٣١٠ كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئا وليست لهما بينة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٥٤٢٤) ٨: ٢٤٨ كتاب آداب القضاة، القضاء فيمن لم تكن له بينة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٣٣٠) ٢: ٧٨٠ كتاب الأحكام، باب الرجلان يدعيان السلعة وليس بينهما بينة. كلهم بلفظ:" اختصما في دابة "،ولم أر لفظ:" الدار ".
(٣) في ج: عليهما.
(٤) في ب: بيده.
[ ١١ / ٣٦٢ ]
(وإن كان) الصغير الذي بيديهما (مميزًا، فقال: إني حرٌّ خُلّيَ) إلى حال سبيله ومنعا منه (حتى تقوم بَيّنةٌ برِقّه)؛ لأن الظاهر الحرية وهي الأصل في بني آدم والرق طارئ عليها. فإن كان لمدعي رقّه بينة قدمت على الأصل الذي هو الحرية؛ لأنها تشهد بزيادة.
وقيل: لا تقبل دعواه الحرية؛ لأنه غير مكلف. أشبه الطفل.
والأول أصح؛ لأن المميز يصح تصرفه بالوصية ويُلزم بالصلاة. أشبه البالغ؛ لأنه يعرب عن نفسه في دعوى الحرية (^١) .
فأما البالغ إذا ادعي رقه فأنكر لم يثبت رقه إلا ببينة. وإن لم تكن بينة فالقول قوله مع يمينه في الحرية؛ لأنها الأصل.
(فإن قَويَت يدُ أحدهما) أي: أحد المتنازعين في عيٍن بأيديهما؛ (كحيوان) يدعيه كل من اثنين، (واحد سائقه أو آخذ بزمامه، وآخَرُ راكبُه أو عليه حِمْلُه) فهو للثانى الذي هو راكبه أو عليه حمله بيمينه؛ لأن تصرفه أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعة الحيوان.
(أو) كان (واحد) منهما (عليه حِمْلُه وآخر راكبه) فهو للثاني الذي هو راكبه بيمينه؛ لأنه أقوى تصرفًا.
وإن اتفقا على أن الدابة للراكب وادعى كل منهما ما عليها من الحمل فهو للراكب بيمينه؛ لأن يده على الدابة والحمل معًا.
(أو) كـ (قميصٍ واحدٌ آخذ بكُمّه، وآخرُ لابِسُه: فـ) هو (للثاني) الذي هو لابسه (بيمينه)؛ لأن تصرفه أقوى وهو المستوفي لمنفعته. فإن كان كمه في يد أحدهما وباقيه بيد الآخر، أو تنازعا عمامة طرفُها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر، فهما سواء فيهما؛ لأن يد الممسك بالطرف (^٢) عليها؛ بدليل أنه لو كان باقيها على الأرض فنازعه (^٣) فيها غيره كانت له. ولو كانت دار فيها أربعة أبيات
_________________
(١) في أوب زيادة: أشبه البالغ.
(٢) في ج: للطرف.
(٣) في ج: فينازعه.
[ ١١ / ٣٦٣ ]
في أحد أبياتها ساكن وفي الثلاثة الباقية ساكن آخر وتنازعا الدار كلها كان لكل واحد ما هو ساكن فيه؛ لأن كل بيت ينفصل عن صاحبه ولا يشارك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه. وإن تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما بالسوية؛ لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها. فأشبهت العمامة فيما ذكرنا.
(ويُعمل بالظاهر) أي: بظاهر الحال (فيما بيديهما) أي: في عين بيدي المتنازعين (مشاهَدة، أو) فيما بيديهما (حُكمًا) أي: في الحكم، (أو) فيما (بيد واحد) منهما (مشاهدة، و) بيد (الآخر حكمًا). وتأتى أمثلة ذلك:
(فلو نُوزع ربُّ دابة في رَحْلٍ عليها) يعني: وكلٌّ منهما آخذ ببعضه فهو لرب الدابة بيمينه؛ لأن ظاهر الحال في العادة أن الرجل يكون لصاحب الدابة.
(أو) نوزع (ربُّ قِدْر، ونحوه) من الأواني؛ كالزنبيل (فى شيء فيه) من لحم أو تمر أو نحوهما. والقدر أو نحوه بأيديهما، إلا أنهما متفقان أن القدر أو نحوه لأحدهما: (فله) أي: فما في القدر أو نحوه لربه بيمينه؛ لأن ظاهر الحال أن ما في الظرف يكون لصاحبه.
(ولو نازع ربُّ دارٍ خيّاطًا فيها) أي: في داره (^١) (في إبرةٍ أو) فى (مِقصٍ) فللثاني وهو الخياط؛ لأن ظاهر الحال أن الإنسان إذا دعى خياطًا يخيط له فالعادة أن يحمل معه إبرته ومقصه. ولهذا لو تنازعا القميص الذي يخيطه حكم لصاحب الدار؛ لأنه ليس في العادة أن يحمل الخياط القميص ليخيطه في دار غيره.
(أو نازع) رب دار (قَرَّابًا في قِرْبةٍ) في الدار: (فللثاني) أي: فالقربة للقَراب (^٢)، والمقص للخياط بيمينه.
(وعكسُه) أي: وعكس ما تقدم: (الثوب والخابِيَة) يعني: لو نازع الخياط رب الدار الثوب الذي يخيطه فى داره، أو نازع القراب رب الدار الخابية
_________________
(١) في ج: دار.
(٢) في ج: للثانى.
[ ١١ / ٣٦٤ ]
التي يصب فيها الماء في داره فهما لرب الدار بيمينه؛ لما تقدم من أن ذلك هو ظاهر الحال في العادة.
(وإن تنازع مُكْرٍ) أي: مكري الدار ومكتريها (في رفٍّ مقلوع) له شكل منصوب في الدار، (أو) في (مِصْراع) مقلوع (له شكل منصوب في الدار: فلربها). يعني: أنه متى تنازع المكري والمكتري في شيء في الدار فإن كان مما ينقل ويحول؛ كالأثاث والأوانى والكتب فهو للمكتري؛ لأن العادة أن الأنسان يكري داره فارغة، وإن كان تنازعهما في شيء مما يتبع الدار في البيع؛ كالأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمّرة، والسلاليم المسمرة، والرحى المنصوبة فهو للمكري، لأنه من توابع الدار. فأشبه الشجرة المغروسة في الدار. وإن كان المتنازع فيه رفًا مقلوعًا وله شكل منصوب في الدار أو مصراعُ بابٍ له شكل منصوب في الدار فهو لصاحب الدار مع يمينه؛ لأن المنصوب تابع للدار. والظاهر: أن أحد الرفين أو أحد المصراعين لمن له الآخر وذلك في الأصح؛ لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه. فكان أحدهما لمن له الاخر، كالحجر الفوقانى مع الرحا والمفتاح مع القفل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن للرف (^١) المقلوع أو المصراع شكل منصوب في الدار: (فبينهما) أي: فهو بين المكري والمكتري بيمين كل واحد أنه لا حق للآخر فيه.
(وما جرت عادة به) أي: بأنه للمكري (ولو لم يدخل في بيع) أي: فى بيع الدار، كمفتاحها: (فلربها.
والا) أي: وإن لم تجر العادة بأنه للمكري، كالحبل الذي يستقى به من البئر: (فـ) هو (لمُكترٍ) بيمينه؛ لأن ظاهر الحال في العادة أنه للمكتري.
(وإن تنازع زوجان، أو) تنازع (ورثتُهما، أو) تنازع (أحدُهما) أى: أحد الزوجين (وورثة الآخر ولو مع رق أحدهما) نصًا.
_________________
(١) في: مع الرف.
[ ١١ / ٣٦٥ ]
قال أحمد في رواية مهنا: وكذلك إن اختلفا وأحدهما مملوك.
(في قُماش البيت ونحوه) مما ليس من قماش البيت أو في بعضٍ من ذلك، فقال كل واحد منها: جميعه لي، أو قال كل واحد منهما: هذه العين لي وكان لأحدهما بينة بما ادعاه: أخذه.
وإن لم يكن لواحدٍ منهما بينة (فما) كان (يصلح لرجل) من العمائم وقمصان الرجال وجبابهم وأقبيتهم والطيالسة والسلاح وأشباه ذلك: (فله) أي: فهو للزوج. (و) ما كان يصلح (لها) أي: للمرأة من الحلي وقمص النساء ومقانعهن ومغازلهن: (فلها) أي: فهو للزوجة. (و) ما كان يصلح (لهما)؛ كالفرش والقماش الذي لم يفصّل والأواني ونحو ذلك: (فلهما) أي: فهو بينهما، سواء (^١) كان في يديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة.
قال أحمد في رواية الجماعة: منهم يعقوب بن بختان في الرجل يطلق زوجته أو يموت فتدعي المرأة المتاع: فما كان يصلح للرجل فهو للرجل، وما كان من متاع النساء فهو للنساء، وما استقام أن يكون للرجال والنساء فهو بينهما.
نقل الأثرم عن أحمد: المصحف لهما. فإن كانت لا تقرأ ولا تعرف بذلك: فله.
فإن كان المتاع على يد غيرهما فمن أقام البينة دفع إليه، وإن لم تكن لهما بينة: أقرع. فمن كانت له القرعة حلف وأعطي المتاع
(وكذا) إن تنازع (صانعان في آلة دكانها) يعني: (فـ) إنه تكون (آلة كلّ صنعةٍ لصانعها)؛ كنجار وحداد يكونان بدكان ويتنازعان في آلتها أو في بعضها فإن آلة النجارين تكون للنجار، وآلة الحداد تكون للحداد، سواء كانت أيديهما على الآلة من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة في الأصح؛
_________________
(١) في ب: وسواء.
[ ١١ / ٣٦٦ ]
لأن هذا هو الظاهر كما قلنا في قماش البيت عند تنازع الزوجين فيه.
وقال القاضي: إن كانت أيديهما على ما في الدكان إنما هو لضرورة أن يدهما على الدكان يد على ما فيه؛ كالمظروف مع الظرف فالحكم على ما تقدم؛ لكون ذلك في يدهما الحكمية. أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة؛ كما لو كان ممسكًا بيده من ذلك شيئًا أو في حجره منه شيء فإنه يكون له بيمينه؛ لأن اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية.
وما في المتن هو المذهب. فأما إذا لم تكن لأحدهما يد حكمية؛ كما لو تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما، أو تنازع صانعان في آلة ليست بدكانهما: فلا نرجح أحدهما بشيء مما ذكرنا. بل إن كانت في أيديهما فهي بينهما، وإن كانت في يد أحدهما فهي له بيمينه، وإن كانت في يد غيرهما ولم ينازع: اقترعا عليها.
(وكل من قلنا) عن شيء (هو له فـ) إنما يكون له (بيمنيه)؛ لاحتمال صدق غريمه.
ومحل ذلك: إن لم يكن لواحد منهما بينة.
(ومتى كان لأحدهما بينة: حُكم له بها) ولم يحلف في الأصح؛ لحديث الحضرمي والكندي (^١) .
ولأن البينة أحد حجتي الدعوى. فيكتفى بها؛ كاليمين. وهذا قول أهل الفتيا من أهل الأمصار.
وقال شريح والنخعي والشعبي ومن وافقهم: يستحلف الرجل مع بينته.
قيل لشريح: ما هذا الذي أحدثت في القضاء؟ فقال: رأيت الناس أحدثوا فأحدثت.
(وإن كان لكلٍّ) من المتنازعين في شيء (بينة) به، (وتساوَتا) أي: بينتاهما (من كل وجه تعارضتا وتساقطتا) يعني: أن البينتين تسقطان
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٨٤).
[ ١١ / ٣٦٧ ]
بالتعارض؛ لأن كل بينة تشهد بعكس ماتشهد به الأخرى فلا يمكن العمل بواحدة منهما فيتساقطان ويصيران كمن لا بينة لهما في الأصح. (فيتحالفان، ويتنَاصفان ما بأيديهما). والأصل في هذا الباب حديث أبي موسى " أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ. فبعث كل واحد منهما بشاهدين. فقسّمه النبي ﷺ بينهما نصفين" (^١) . رواه أبو داود.
(ويُقرع) بين المتنازعين (فيما) أي: في شيء (ليس بيد أحد، أو) في شئ (بيد ثالث ولم يُنازِع) واحدًا من المتداعين. فمن قرع صاحبه حلف وأخذه على الأصح؛ كما لو لم يكن لواحد منهما بينة. روي هذا عن ابن عمر وابن الزبير. وبه قال إسحاق وأبو عبيد. وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي؛ لما روى ابن المسيب " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمرٍ. وجاء كل منهما بشهودٍ عدول على عين واحدة. فأسهم النبي ﷺ بينهما ". رواه الشافعي في "مسنده".
ولأن البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى.
فسقطتا؛ كالخبرين.
(وإن كن) الشيء المتنازع فيه (^٢) (بيد أحدهما) أي: أحد المتنازعين فيه وقد أقام كل واحد منهما بينة أنه له: (حُكم به للمدَّعِي) على الأصح. (وهو: الخارج ببينته، سواء أُقيمت بينة منكر) أي: رب اليد (وهو: الداخل بعد رفع يده أوْ لا) يعني: أو لم تقم، (وسواء شهدت له) أي: لرب اليد: (أنها نُتِجت في ملكه، أو قطيعة من إمام أوْ لا) يعنى: أو لم تشهد بذلك على الأصح؛ لقول النبي ﷺ: " البينة على المدَّعِي. واليمين محلى المدَّعَى عليه " (^٣) . فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦١٣) ٣: ٣١٠ كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئًا وليست لهما بينة.
(٢) في أ: أي أحد المتنازعين فيه.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٠٣).
[ ١١ / ٣٦٨ ]
ولأن بينة المدعي أكثُر فائدة. فوجب تقديمها؛ كتقديم بيّنة الجَرح على التعديل. ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت سببًا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرًا تدل اليد عليه. فلم تكن مفيدة (^١)؛ لأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتُقدم عليها بينة المدعي كما تُقدم على اليد. كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل لم يكن لهما مزية عليهما. ومن قدمنا بينته لم يحلف معها؛ لوجوب الحكم بها منفردة، كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه.
نقل الأثرم: ظاهر الأحاديث (^٢) اليمين على من أنكر، فإذا جاء بالبينة فلا يمين عليه.
(وتُسمعُ بَينتُه) أي: بينة رب اليد (وهو مُنكرٌ) صحة دعوى الخارج؛ (لادّعائه الملك) أي: ملك ما بيده.
(وكذا من ادُّعي عليه تعديًا ببلد ووقت معيَّنين، وقامت به بينة وهو منكر فادَّعى كذبها، وأقام بينة: أنه كان به) أي: بالزمن (بمحلٍّ بعيد عن ذلك البلد).
قال في "الانتصار": لا تسمع إلا بينة مدع باتفاقنا. وفيه: وقد تثبت في جنبة منكر. وهو: ما إذا ادعى عليه عينًا بيده فيقيم بينة بأنها ملكه وإنما لم يصح أن يقيمها في الدين؛ لعدم إحاطتها به. ولهذا لو ادعى بأنه (^٣) قتل وليه ببغداد يوم الجمعة فأقام بينة أنه كان فيه بالكوفة صح.
(ولا تُسمع بينةُ داخلٍ، مع عدم بينة خارجٍ)؛ لعدم حاجته إليها؛ كما لو أقر مدعى عليه فإنه لا تسمع بينة مدع لعدم حاجته إليه.
_________________
(١) في أوب: معتدة.
(٢) في ج: الآثار.
(٣) في ب: أنه.
[ ١١ / ٣٦٩ ]
(ومع حضور البينتين، لا تُسمع بينة داخل قبل بينة خارج وتعديلها).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وفيه احتمال.
(وتسمع بعد التَّعديل: قبل الحكم، وبعده: قبل التسليم) وتُقدم بينة الخارج على الأصح.
(وإن كانت بينة المنكر غائبة حين رفعْنا يده، فجاءت وقد ادَّعى مِلكًا مطلقاَ: فهى بينةُ خارجٍ.
وإن ادَّعاه) أي: ادعى الملك (مستنِدًا لما قبْل يدِه: فبينةُ داخلٍ).
قال في " الترغيب ": ولو لم يكن للمنكر بينة حاضرة فرفعنا يده فجاءت بينته يعني: بينة المنكر: فإن ادعى ملكًا مطلقًا فبينة خارج، وإن ادعاه مستندًا إلى قبل رفع يده فبينة داخل.
قال في " الفروع ": والمراد فمن يقدم بينة الداخل يقدمها وينقض الحكم ببينة الخارج. والمراد: إن كان يرى تقديمها عند التعارض؛ لأنه إنما حكم بناء على عدم بينه داخل فقد تبين إسناد ما يمنع (^١) الحكم إلى حالة الحكم وهذا الأشهر للشافعية. انتهى.
(وإن اقام الخارج بينةً: أنه اشتراها من الداخل، وأقام الداخل بينة: أنه اشتراها من الخارج قُدّمت بينة الداخل) في الأصح؛ (لأنه الخارج معنى)؛ لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد، وأن يد الداخل ثابتة عنده.
(وإن أقام الخارج بينة: أنها ملكه، و) أقام (الآخر) (^٢) الذي العين بيده: (أنه) أي: أن الخارج (باعها منه) أي: من رب اليد، (أو وقفها عليه) أي: على من العين بيده، (أو) كان المدعى به استرقاق أمة أقرت له بالرق قبل الدعوى فأقامت بينة أنه (أعتقها قُدّمت) البينة (الثانية)؛ لأنها تشهد بأمر حادثٍ على الملك خفي، فثبت الملك للأول والبيع أو الوقف أو العتق منه، (ولم
_________________
(١) في ب: إسناده يمنع.
(٢) في "منتهى الإرادات": زيادة: بينة.
[ ١١ / ٣٧٠ ]
تَرفع بينة الخارج يده) أي: يد المدعى عليه؛ (كقوله: أبرأَني من الدَّين) ويقيم بذلك بينة.
(أما لو قال: لي بينة غائبة) يعني: بالبيع أو الوقف أوالعتق، (طُولب بالتسليم) أي: تسليم المدعى به مع قيام البينة به؛ (لأن تأخيره يطول) وقد يكون كاذباَ.
(ومتى أُرّختا) أي: بينة كل واحد من المتنازعين (والعيُن) يعني: والحال أن العين (بيدَيْهما) أي: يد المتنازعين فيها (في شهادةٍ بملك) بأن قالت إحدى البينتين: نشهد أن هذه العين ملك هذا في وقت كذا، وقالت الأخرى: نشهد أن هذه العين ملك هذا في وقت كذا، (أو) في شهادة بـ (يد، أو) أرخت (إحداهما فقط) يعني: ولم تؤرخ الأخرى: (فهما) أي: فالبينتان (سواء) في الأصح؛ لما روى أبو موسى " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين. فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين (^١) " (^٢) . رواه أبو داود.
ولأن كل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها فتقدم (^٣) بينة كل واحد منهما فيما بيده عند من يقدم بينة الداخل، وفيما بيد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج فيستويان على كل واحد من القولين.
وقال القاضي: إن أُرختا قدم أسبقهما تاريخًا؛ لأن من شهدت له بينة بالتاريخ المتقدم أثبتت له الملك في وقتٍ لم تعارضه فيه البينة الأخرى، وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا، وبقي ملك السابق تحت استدامته.
وما في المتن المذهب.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أخرجه أيو داود في "سننه" (٣٦١٣) ٣: ٣١٠ كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئا وليست لهما بينة.
(٣) في ج: فقدم.
[ ١١ / ٣٧١ ]
ووجهه: أن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح؛ لجواز أن يعمل به دون الأول؛ بدليل أنه لو ذكر (^١) أنه اشتراه من الآخر أو أنه وهبه إياها (^٢) لقدمت (^٣) بينته بذلك اتفاقًا. فإذا لم يرجح بها فلا أقل من التساوي.
وفيما إذا أفتت الأخرى ما يقتضي الترجيح من تقدم إحدى البينتين وأطلقت الأخرى قول: أنه يحكم بالعين لمن لم تؤقت بينته.
وما في المتن هو المذهب؛ لأنه ليس في أحدهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره. فوجب استواؤهما؛ كما لو أطلقا.
(إلا أن تشهد المتأخرة) تاريخًا فيما إذا أُرختا (بانتقاله) أى: انتقال الملك (عنه) أي: عمن شهدت بينته بالملك في تاريخ متقدم.
(ولا تقدم إحداهما) أي: إحدى البينتين على الأخرى (بزيادة نَتاج) يعني: في صورة ما إذا شهدت إحدى البينتين أن الدابة المتنازع فيها نتجت في ملكه بأن شهدت أنها بنت (^٤) فرسه أو بنت بقرته ونحوه، (أو سببِ ملك) يعني: أنه لا تقدم البينة الشاهدة بسبب الملك على البينة الشاهدة بالملك فى دون سببه في الأصح في الصورتين؛ لأن البينتين تساوتا فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن. فوجب تساويهما في الحكم.
(أو اشتهارِعدالةٍ) يعني: أنه لا تقدم إحدى البينتين على الأخرى باشتهار عدالتها، (أو كثرةِ عددٍ)؛ كما لو كانت إحدى البينتين أربعة رجال والأخرى رجلين، (ولا) يقدم (رجلان على رجلٍ وامرأتين، أو) على رجل (ويمين) في الأصح؛ لأن الشهادة مقدَّرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة.
ولأن كل واحد من ذلك حجة بمفرده. فأشبه الرجلين مع الرجل والمرأتين.
_________________
(١) في أ: فكر.
(٢) في أوب: إياه.
(٣) في ج: قدمت.
(٤) في ج: شهدت بأنها نتجت.
[ ١١ / ٣٧٢ ]
(ومتى ادَّعى أحدُهما) أي: أحد المتنازعين في عين: (أنه اشتراها من زيد وهي مِلكُه، و) ادَّعى (الآخر: أنه اشتراها من عمرو وهي مِلكُه، وأقاما بذلك بينتين) أي: أقام كل واحد بينة بما ادعاه: (تعارضَتَا) إن لم تكن العين بيد أحدٍ. ثم إن كانت العين بأيديهما تحالفا وتناصفاها، وإن كانت بيد ثالث أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها. وإن كانت بيد أحدهما انبنى على الروايتين في تقديم بينة الخارج أو الداخل. وإن كانت بيد أحد البائعين فأنكرهما وادعاها لنفسه حلف وكانت له؛ لتساقط البينتين. وإن أقر بها لأحدهما صار المقر له كداخل، والآخر كخارج. وفي ذلك تفصيل يأتي في المتن.
(وإن شهدت إحداهما) أي: إحدى البينتين (بالملك) لأحد المتنازعين، (و) شهدت البينة (الأخرى بانتقاله عنه له) أي: بانتقال الملك عنه للآخر؛ (كما لو أقام رجل بينة: أن هذه الدار لأبي خلَّفها ترِكَة، وأقامت امرأته) أي: امراة أبيه (بينة: أن أباه أصْدَقَها إيَّاها) أي: أصدقها الدار (قُدمت الناقلةُ) وحُكم (^١) بالدار للمرأة؛ لأن بينتها شهدت بالسبب المقتضى لنقل الملك، وقول الابن: أن أباه خلّفها تركة لا يعارضها؛ لأن مستندها استصحاب الملك وقد تبين قطعه بقيام البينة على سبب النقل فقدمت؛ (كبينة ملكٍ على بينة يدٍ). فإن بينة الملك تقدم على بينة اليد التي هي دليل الملك بغير خلاف.
***
_________________
(١) في ج: ويحكم.
[ ١١ / ٣٧٣ ]
[فصل: إذا كانت العين بيد ثالث]
(فصل) الحال (الرابع: أن تكون) العين المنتازع فيها (بيد ثالث) أي: غير المتنازعين فيها. (فإن) ادعياها على الثالث (^١) و(ادَّعاها) الثالث (لنفسه: حلف لكل واحدٍ) من المتداعيين (يمينًا) بغير خلاف؛ لأن المدعيين اثنان فوجب أن يحلف لكل واحد يمينًا. (فإن نكل عنهما) أي: عن اليمينين: (أخذاها) أي: أخذا العين المتنازع فيها (منه) أي: من الثالث، (و) أخذا منه أيضًا (بدلها) وهو: قيمتها إن كانت متقومة، ومثلها إن كانت مثلية؛ لأن العين تلفت بتفريطه وهو ترك اليمين للأول. فوجب عليه بدلها؛ كما لو أتلفها، (واقترعا عليهما) أي: على العين وبدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير معين. فوجبت القرعة؛ لتعيينه.
(وإن أقرَّ بها) أي: أقر الثالث بالعين (لهما) أي: بأن قال: هي للاثنين: أخذاها منه و(اقتسماها) نصفين، (و) لكل واحد منهما تحليفه على ذلك. فمتى طلبا يمينه (حلف لكل) منهما (يمينًا بالنسبة إلى النصف الذي أقرَّ به لصاحبه)؛ لأن كل واحد منهما يدعي الزيادة على ما أقر له به من النصف، فهو في النصف الآخر مقر لغيره فيجب عليه اليمين لصاحبه؛ كما لو أقر بجميع العين لأحدهما فإنه يجب عليه يمين للآخر، (وحلف كل) من المدعيين (لصاحبه على النصف المحكوم له به)؛ كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء.
(وإن نكَل المقرُّ) بالعين لهما (عن اليمين لكلٍ منها) أي: من المدعيين للعين: (أُخذ منه بدلُها، واقتسماه أيضًا)؛ كما لو أقر لكل منهما بالعين.
_________________
(١) في ج: ثالث.
[ ١١ / ٣٧٤ ]
(و) إن أقر (لأحدهما بعينه) أي (^١): بالعين جميعها: (حلف) المُقَر له أنه لا حق لغيره فيها، (وأخذها)؛ لأنه لما أقَر له من هي في يده صارت العين كأنها في يده. فيكون الآخر مدعيًا عليه وهو منكر له، فيحلف له لنفي دعواه، (ويحلفُ المقِرُّ للآخر) أي: للمدعي الآخر في الأصح إن التمس يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقر للآخر. (فإن نكل) عن حلفه للآخر: (أُخذ منه بدلُها) أي: بدل العين بالحكم بنكوله.
(وإذا أخذها) أي: أخذ العين (المقرُّ له) بها بمقتضى إقرار من هي بيده له، (فأقام) المدعي (الآخر بينة) أنها ملكه: (أخذها منه) أي: من المقَر له؛ لثبوت الملك لمن شهدت البينة بملكه.
قال في " الروضة ": (وللمُقَرّ له قيمتُها على المقِرّ) ولم يعرف ذلك لغير صاحب
"الروضة ".
(وإن قال) من العين بيده: (هي لأحدهما) أي: أحد المدعيين (وأجهَلَه فصدَّقاه) على جهله بمستحقها منهما: (لم يحلف)؛ لأنهما مصدقان له في دعواه فلا يمين.
(وإلا) أي: وإن لم يصدقاه: (حلف) لهما (يمينًا واحدة)؛ لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعًا؛ لأن أحدهما لم يتعين مستحقًا لليمين، (ويُقرَعُ بينهما) أي: بين المدعيين للعين، (فمن قرع) صاحبه: (حلف وأخذها) نص عليه؛ لأن أبا هريرة روى " أن رسول الله ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا. فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف " (^٢) . رواه البخاري.
وفي لفظ: " أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة. فأمر (^٣)
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٧٥).
(٣) في ب: فأمرهما.
[ ١١ / ٣٧٥ ]
رسول الله ﷺ أن يستهما (^١) على العين أحبا أو كرها " (^٢) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ولأن صاحب اليد أَقر بها لأحدهما لا بعينه، فصار ذلك المقَر له هو صاحب اليد دون الآخر، فبالقرعة يتعين المقر له فيحلف على دعواه. فيستحق؛ كما لو أقر له عينًا.
(ثم إن بيَّنَهُ) أي. بين من كانت العين بيده المستحق لها بعد قوله: هي لأحدهما وأجهله (^٣) . (قُبِل)؛ كتبيينه ابتداء.
ونقل الميمونى: إن أبى اليمين من قرع أخذها أيضًا أي: بلا يمين.
وقيل لجماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يقال ثبت الحق لأحدهما لا بعينه بإقراره وإلا لصحت الشهادة لأحدهما لا بعينه، فقالوا: الشهادة لا تصح لمجهول ولا به. يعني: بخلاف الإقرار.
(ولهما) أي: للمدعيين اللذين قال من العين بيده: هي لأحدهما وأجهله (القرعةُ بعد تحليفه الواجبِ وقبلَه) أي: قبل تحليفه؛ لأن القرعة لا تتوقف على يمينه ولذلك لو صدقاه لم تسقط القرعة، فهي سواء بالنسبة إلى اليمين قبلها وبعدها. (فإن نكل) من كانت العين بيده عن حلفه أنه لا يعلم عين المستحق للعين: (قُدّمت القرعة)؛لأن القرعة؛ تعين المقر له. فإذا خرج كان كمن أقر له فلا يمين له عليه؛ لأنه قد أخذ حقه فلم يبق له حق آخر.
(ويحلف للمَقْروع إن كذَّبه) في عدم العلم؛ لأنه متى صدقه لم يكن له عليه يمين فيحلفه. (فإن نكل: أُخذ منه بدلُها) كما قلنا فيما إذا أقر لواحد منهما دون الآخر.
_________________
(١) في ج: يسهما.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٦١٦) ٣: ٣١١ كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئًا وليست لهما بينة. وأخرجه ابن ماجه في"سننه" (٢٣٤٦) ٢: ٧٨٦ كتاب الأحكام، باب القضاء بالقرعة. وأخرجه أحمد في "مسنده " (١٠٣٥٢) ٢: ٤٨٩ عن أبي هريرة.
(٣) في ج: وإن جهله.
[ ١١ / ٣٧٦ ]
(وإن أنكرهما) أي: أنكر من العين في يده كونها لهما أو لأحدهما (ولم يُنازع: أُقرع) بين المدعيين.
قال في "الفروع": وإن أنكرهما الثالث ولم ينازع فنقل الجماعة وجزم به الأكثر: يقرع؛ كإقراره لأحدهما لا بعينه.
وفي " الواضح ": وحكي عن أصحابنا: لا يقرع؛ لأنه لم يثبت لهما حق؛ كشهادة البينة بها لغيرهما، وتقر بيده حتى يظهر ربها. وكذا في "التعليق"منعًا. أومأ إليه أحمد ثم تسليمًا.
(فلو عُلم أنها للآخر) الذي خرجت القرعة لصاحبه: (فقد مضى الحكم) لمن خرجت له القرعة.
قال في "الفروع": فعلى الأول إن اخذها من قرع ثم علم أنها للآخر فقد مضى الحكم. نقله المروذي.
(وإن كان لأحدهما) أي: لأحد المدعيين (بينة: حُكم له بها)؛ كما لو أنكرهما رب اليد ونازع.
(وإن كان لكلٍّ) من المدعيين (بينة: تعارضتَا)؛ لتساويهما في عدم اليد. فتسقطان بالتعارض؛ لأن كل واحدة تشهد بعكس ما تشهد به الأخرى فلا يمكن العمل بواحدة منهما، (سواء أقرَّ لهما) رب اليد، (أو) أقرَّ (لأحدهما لا بعينه، أو) كانت العين المدعى بها (ليست بيد أحد) فيصيران كمن لا بينة لهما على الأصح.
(وإن أنكرهما) رب اليد (فأقاما بيّنتين، ثم أقرَّ لأحدهما بعينه: لم ترجح) بينة المقر له (بذلك، وحُكْم التعارضِ بحاله)؛لأنهما بينتان قامتا على ما ليس في يديهما. فلا تترجح واحدة منهما برجوع اليد إلى صاحبها؛ لأنها يد طارئة فلا عبرة بها، (وإقرارُه) [لأحدهما بعينه] (^١) (صحيح) على المذهب.
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ١١ / ٣٧٧ ]
وهو رواية التساقط. فيعمل به؛ كما لو لم يكن لواحد منهما بينة، وأقر من العين بيده لواحد منهما.
(وإن كان إقراره) لأحدهما (قبل إقامتهما) البينتين: (فالمقَرُّ له كداخل)؛ لأن اليد انتقلت إليه بإقرار من هي في يده له، فهو كما لو كانت بيده ابتداء، (والآخر كخارج)؛ لأنها ليست بيده حقيقة ولا حكمًا.
(وإن لم يدَّعِها) أي: وإن لم يدع العين لنفسه من هي بيده، (ولم يُقرّض بها لغيره، ولا بينة) لواحد من المدعيين: (فهى لأحدهما بقُرعة). فمن قرع صاحبه حلف وأخذها؛ لأنهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة تميز عند التساوي؛ كما لو أعتق في مرض موته عبيدًا لا مال له غيرهم.
(فإن كان المدَّعَى به مكلَّفًا، وأقاما بينةً برِقّه) أي: أقام المدعيان بينة برقه، (وأقام) الرقيق (بينة بحريَّتِه: تعارضتا).
قال في " الفروع ": وإن ادعيا رقَّ بالغٍ ولا بينة فصدقهما فهو لهما، وإن صدق أحدهما فهو له كمدَّعٍ واحد. وفيه رواية ذكرها القاضي وجماعة.
وعنه: لا يصح إقراره؛ لأنه متهم. نصره القاضي وأصحابه.
وإن جحد قُبل قوله. وحكي: لا.
وإن أقاما بينتين تعارضتا. ثم إن أقرَّ لأحدهما لم يرجح به على رواية استعمالهما.
وظاهر " المنتخب ": مطلقًا؛ لأنه إن كان حرًا لم يصح إقراره بالعبودية، وإن كان مملوكًا فلا يَدَ له على نفسه. وإن أقاما بينة برقه وأقام بينه بحريته تعارضتا.
وقيل: تقدم بينة الحرية.
وقيل: عكسه. انتهى.
(وإن لم يدَّع حريةً، فأقرَّ لأحدهما: فهو له. و) إن أقر (لهما: فهو لهما.
[ ١١ / ٣٧٨ ]
وإلا) أي: وإن لم يكن مكلفًا حين قال: أنا عبدهما أو أنا عبد أحدهما:
(لم يُلتفت إلى قوله) (^١) أي: إلى إقراره بالرق؛ لعدم إقرار غير المكلف.
(ومن ادَّعى دارًا و) ادعى (آخرُ نصفها، فإن كانت) الدار (بأيديهما) أي: أيدي المدعيين، (وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه: (فهى لمدَّعِي الكل) بناء على المذهب في تقديم بينة الخارج؛ [لأن مدعي النصف [مقر بالنصف] (^٢) الآخر لصاحبه فلا منازع له فيه، والنصف الآخر يدعيه صاحب الكل ويد صاحب النصف عليه لاستوائهما في اليد. فإذا قلنا تقدم بينة الخارج] (^٣) فهو له؛ لأنه هو الخارج.
(وإن كانت) الدار (بيد ثالث، فإن نازع) الثالث: (فلمدع كلها نصفٌ)؛ لأن مدعي صاحب النصف مقر بعدم استحقاقه، (و) النصف (الآخر لرب اليد بيمينه) في الأصح؛ لأنه صاحب اليد وهو مدعى عليه ولا بينة للمدعي (^٤)؛لأن البينتين سقطتا للتعارض.
(وإن لم يُنازع) الثالث: (فقد ثبت أخذ نصفها لمدَّعي الكل)؛لما ذكرنا، (ويقترعان علي) النصف (الباقي)،بناءًا على المذهب في تساقط البينتين، ولكونه في يد غير المدعيين.
(وإن لم تكن بينة) لواحد منهما وهي بيد ثالث ولم ينازع: (فلمدَّعي كلّها نصفها)؛ لأنه لا منازع (^٥) له فيه، (و) يقترعان على النصف الباقي. ثم (من قرع) أي: خرجت له القرعة (في النصف) الباقي: (حلف) أنه لا حق للآخر فيه (وأخذه)؛ لأن النصف الباقي هو المتنازع فيه، والقاعدة في مثل ذلك: القرعة. وتقدم (^٦) دليل ذلك.
_________________
(١) في ج: إقراره.
(٢) ساقط من ب.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: للمدعى عليه.
(٥) في ب: مانع.
(٦) في ب: في تقديم.
[ ١١ / ٣٧٩ ]
(ولو ادَّعى كلٌ) منهما (نصفها) أي: نصف الدار أو نحوها، (وصدَّق من بيده العينُ أحدِهما) أي: أحد المدعيين، (وكذَّب الآخر، ولم يُنازع) في نصف الذي كذبه: أخذ المصدق نصفه، وأما النصف الآخر (فقيل: يُسلَّّم إليه) أي: إلى مدعيه؛ لأنه لا مدعي له غيره.
(وقيل: يَحفظه حاكمٌ)؛ كالمال الضائع.
(وقيل: يُبقَى بحالِه) بيد من هو بيده حتى يظهر مستحقه.،
***
[ ١١ / ٣٨٠ ]
[فصل: مسائل في تعاوض البينتين]
(فصل. ومن بيده عبد ادّعَى: أنه اشتراه من زيد، وادَّعى العبد: أن زيدًا أعتقه)، وأقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة: صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ.
(أو ادَّعى شخص: أن زيدًا باعه) هذا العبد، (أو وهبه له، وادَّعى آخرُ مثلَه، وأقام كلٌ) منهما (بينةً) بصحة دعواه: (صحَّحنا أسبَق التصرُّفين: إن عُلِم التاريخ)؛ لأن التصرف الثانى صادف ملك غيره. فوجب أن يبطل لذلك. (وإلا) بأن جُهل التاريخ أو اتفق البينتان على تاريخ واحد: (تساقطتا) أي: بينتاهما في الأصح؛ لأنه لا مرجح لواحدة منهما.
(وكذا: إن كان العبد بيد نفسه) على الأصح إلغاءً لهذه اليد للعلم بمستندها.
نص على ذلك أحمد. واختاره أبو بكر؛ لأنا نعلم أن هذه اليد مستندها الدعوى، والدعوى لم تثبت فتكون اليد عادِيَة فلا ترجح بذلك؛ كما لو كان في يده عبد فادعى أنه اشتراه من زيد فأنكره زيد، فإنه لا يحكم بهذه اليد كذلك هذا (^١) .
(ولو ادَّعيا) أي: ادعى اثنان (زوجيَّة امرأة) فأنكرتهما، أو أنكرت أحدهما دون الآخر، (وأقام كلٌ) منهما (البينة) بدعواه، (ولو كانت) المرأة (بيد أحدهما) أي: أحد المتداعيين؛ لأن اليد لا تثبت على الحرة: (سقطتَا) يعنى: البينتين، لأن كل واحدة تشهد بضد ما تشهد به الأخرى. فكانا كمن لابينة لهما.
قاله في " شرح المقنع ": إذا ادعى رجل زوجيَّة امرأة فأَقرت بذلك: قُبل إقرارها؛ لأنها أقرت على نفسها وهي غير متهمة؛ لأنها لو أرادت ابتداء النكاح
_________________
(١) في ج: هنا.
[ ١١ / ٣٨١ ]
لم تمنع منه. فإن ادَّعاها اثنان فأَقرت لأحدهما لم يقبل منها؛ لأن الآخر يدعي ملك نصفها وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها فصار إقرارها بحق غيرها.
ولأنها متهمة فإنها لو أرادت ابتداء تزويج أحد المتداعيين لم يكن لها قبل الانفصال من دعوى الآخر.
فإن قيل: فلو تداعيا عينًا في يد ثالث فأقر لأحدهما قُبل؟
قلنا: لا يثبت الملك بإقراره في العين إنما نجعله كصاحب اليد فيحلف، والنكاح لا يُستحق باليمين فلا يقع الإقرار به هاهنا.
فإن كان لأحد المدعيين بينة حُكم له بها؛ لأن البينة حجة في النكاح وغيره. وإن أقاما بينتين تعارضتا وسقطتا، وحيل بينهما وبينها، ولا يرجح أحد المتداعيين بإقرار المرأة لما ذكرنا، ولا بكونها في بيته ويده؛ لأن اليد لا تثبت على حرة، ولا سبيل إلى القسمة هاهنا، ولا إلى القرعة؛ لأنه لا بد مع القرعة من اليمين. ولا مدخل لها هاهنا. انتهى.
(ولو أقام كلٌّ ممن العين بيدَيْهما بينةً بشرائها من زيد، وهي ملكه) يعني: والعين ملك زيد (بكذا، و) قد (اتَّحد تاريخهما: تحالفا، وتناصفاها)؛ لأن بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في النصف الآخر. فكانت العين بينهما نصفين.
(ولكل) منهما (أن يرجع على زيد بنصف الثمن) الذي وقع عقده عليه إن كان قبضه.
(و) لكل منهما أيضًا (أن يفسخ) العقد؛ لأن الصفقة تبعَّضت في حقه، (ويرجع بكلّه) أي: بكل الثمن مع فسخ العقد.
(و) لكل منهما أيضًا (أن يأخذ كلَّها) أي: كل العين بكل الثمن (مع فسخ الآخر) العقد فيما يملكه من العين.
(وإن سبق تاريخ) بينة (أحدهما: فهى له)؛ لأن نقل الملك حاصل لمن سبق. فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح، (وللثاني) على زيد (الثَّمن) إن كان قبضه.
[ ١١ / ٣٨٢ ]
(وإن أَطلَقتا) أي: بينتاهما (أو إحداهما: تعارضتَا في ملكٍ إذًا، لا في شراءٍ)؛ لجواز تعدده، (فيُقبل من زيد دعواها) لنفسه (بيمينٍ) واحدة في الأصح (لهما): أن العين لم تخرج عن ملكه.
(وإن ادَّعى اثنان ثمن عين بيد ثالث، كلٌّ منهما) يذكر في دعواه: (أنه اشتراها) كلها (منه بثمن سمّاه) كل واحد في دعواه. (فمن صدَّقه) منهما من بيده العين (^١): أخذ ما ادعاه من الثمن، (أو) من (أقام) منهما (بينة) بدعواه: (أخذ ما ادَّعاه) من الثمن.
(وإلا) أي: وإن لم يصدق واحدًا منهما ولم تقم بينة لواحد منهما: (حلف) لكل واحد منهما يمينًا؛ لجواز تعدد العقد.
(وإن أقاما بينتين وهو منكِر) دعواهما (^٢)، (فإن اتَّحد تاريخُهما) أي: تاريخ ما شهدت به البينتان: تعارضتا و(تساقطتا)؛ لعدم إمكان الجمع بينهما. ويكون كما لو ادعيا عينًا في يد ثالث وأقاما بينتين.
(وإن اختلف) تاريخهما بأن قالت إحدى البينتين: اشتراها منه في المحرم، وقالت الأخرى: اشتراها منه في رجب، (أو أطلقتَا) بًان قالت كل واحدة من البينتين: نشهد أنه اشتراها منه بكذا ولم تذكر واحدة منهما تاريخًا، (أو) أطلقت (إحداهما) دون الأخرى بأن قالت إحداهما: نشهد أنه اشتراها منه بكذا ولم تذكر تاريخًا، وقالت الأخرى: نشهد أنه اشتراها منه بكذا في شهر رمضان: (عُمِل بهما) أي: بالبينتين؛ لأن ظاهر هذا أنهما عقدان شهد بهما بينتان في عين واحدة على مشترٍ واحد. وعقد الشراء فيه دليل على اعتراف المشتري للبائع بالملك. ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول ثم انتقل عنه ببيع أو هبة إلى الثاني ثم اشتراه مرة ثانية. فيعمل بالبينتين ويجب عليه الثَّمنان (^٣) المدعى بهما.
_________________
(١) في ج: من العين بيده.
(٢) في ج: دعواها.
(٣) في ج: القيمتان.
[ ١١ / ٣٨٣ ]
(وإن) كانت بيد إنسان عين فجاء اثنان يدعيانها (قال أحدهما: غصَبَنِيها، و) قال (الآخر: ملَّكنيِها، أو) قال الآخر: (أقرَّ لي بها، وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بما ادعاه: (فهى للمغصوب منه) يعني: فالعين لمن شهد بالغصب منه؛ لأن عند بينة الغصب زيادة علم وهو سبب ثبوت اليد، والبينة الأخرى إنما تشهد بتصرفه فيها فلا معاوضة بينهما فيأخذ، (ولا يَغرم) المدعى عليه (للآخر) الذي ادعى أنه ملكه العين أو أقر بها (شيئًا)؛ لأنه لا يوجد منه ما يعود به عليه. وإنما بطل التمليك أو الإقرار؛ لثبوت الملك لغيره بغير فعله. بخلاف البيع فإنه يجب عليه رد الثمن؛ لأنه أخذ بغيرحق.
وإن قال كل واحد من المدعيين: غصبنيها وأقاما بذلك بينتين، فالحكم فيها كالحكم فيما إذا ادعى كل واحد منهما أنه اشتراها منه على ما مضى من التفصيل.
(وإن ادَّعى) رب دار على آخر: (أنه آجره البيت) أي: بيتًا معينًا من الدار (بعشرة، فقال المستأجر: بل) آجرتني (كلَّ الدار) بالعشرة، (وأقاما بينتين) تشهد كل واحد لمن أقامها بما ادعاه: (تعارضتا، ولا قِسمةَ هنا). قدمه في"المغني"و"الشرح"و"الرعاية الكبرى ".
وقيل: تقدم بينة المستأجر للزيادة. وأطلقهما في " الفروع ".
فائدة:
قال في " شرح المقنع ": نقل ابن منصور عن أحمد في رجل أخذ من رجلين ثوبين أحدهما بعشرة والآخر بعشرين، ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من ثوب هذا. فادعى أحدهما ثوبًا من هذين الثوبين، وادعاه الآخر: يقرع بينهما. فأيهما أصابته القرعة حلف وأخذ الثوب الجديد والآخر للآخر. وإنما قال ذلك؛ لأنهما تنازعا ثوبًا بيد غيرهما. انتهى.
***
[ ١١ / ٣٨٤ ]
[باب: في تعارض البينتين]
هذا (باب في تَعارُض البينتين. وهو: التَّعادُل من كلّ وجه). يقال: تعارضت البينتان إذا تقابلتا (^١) . وعارض زيد عمرًا: إذا أتاه بمثل ما أتاه به. وتساقط البينتين هو: اختلافهما بأن تُثبت كل واحدة ما تنفيه الأخرى. فلا يمكن العمل بواحدة منهما فيسقطان.
(من قال لقِنّه) من ذكر أو أنثى: (متى قُتلتُ فأنت حر، لم تُقبل دعوى قنّه) بعد موت سيده (قَتْلَه) أي: أنه مات مقتولًا (إلا ببينة)؛ لأن الأصل عدم القتل، (وتُقدَّم) بينة القن أنه مات مقتولًا (على بينة وارثٍ) إن أقام الوارث بينة أنه مات حتف أنفه في الأصح؛ لأن بينة القن تشهد بزيادة وهو القتل.
وإذا ادعى القن أنه مات مقتولًا ولم تكن له بينة كان له تحليف الورثة على نفي القتل (^٢) .
(وإن) قال من له عبدان: (متُّ في المحرم فسالم حر، و) إن متُّ (في صفر فغانم حر). ثم مات (وأقام كلٌ) من العبدين (بينةً بموجب عتقه: تساقَطَتا) أي: بينتاهما (ورُقَّا) في الأصح، لأن بينة كل واحد منهما تنفي ما شهدت به الأخرى.
ولجواز أن يكون مات في غير المحرم وصفر؛ (كما لو لم تقم بينة) لواحد منهما (وجهل وقتُه) أي: وقت موته.
(وإن عُلم موته في أحدهما) أي: أحد الشهرين، وجهل هل هو المحرم أو
_________________
(١) في أوب: تقابلا.
(٢) في ج: العلم.
[ ١١ / ٣٨٥ ]
صفر: (أُقرع) بين العبدين. فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر.
(و) إن قال: (إن متُّ في مرضي هذا فسالم حر، وإن برئتُ) منه (فغانم) حر. ثم مات (وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه: (تساقطَتَا) أي: بينتاهما (ورُقَّا) في الأصح.
وحكاه في "المقنع" عن الأصحاب؛ لأن كل واحدة من البينتين تنفي ما شهدت به الأخرى. ثم قال في "المقنع": والقياس: أن يعتق أحدهما بالقرعة. وزيف في " شرح المقنع " ما نقله عن الأصحاب.
(وإن جُهل: مِم َّ (^١) مات؟ ولا بينة أقرع) بين العبدين. فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر؛ لأنه لا يخلو من أن يكون برئ أو لم يبرأ. فيعتق أحدهما على كل حال ولم يعلم عينه. فيخرج بالقرعة؛ كما لو أعتق أحدهما وأشكل علينا.
(وكذا إن أتَى بـ "مِنْ" بدلَ "في") بأن قال: إن مت من مرضي هذا فسالم حر، وإن برئت منه فغانم حر (في) صورة (التعارض). وهي: ما إذا أقام سالم بينة أن سيده مات من مرضه الذي علق فيه، وأقام غانم بينة أنه لم يمت منه. فإن بينتاهما تتعارضان ويبقيان على الرق في الأصح، لاحتمال أن يكون مات في المرض بحادث. ومتى كان العتق متوقفًا على شرط فلا بد من وجود الشرط يقينًا.
(وأما في صورة الجهل) وعدم البينة: (فيَعتِقُ سالم) في الأصح؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء.
(وإن شَهِدَت على ميت بينة: أنه وصَّى بعتق سالم، و) شهدت بينة (أخرى) عليه: (أنه وصَّى بعتق غانم، وكل واحد) من سالم وغانم (ثلثُ ماله، ولم تُجِز الورثة) عتقهما معًا: (عتَقَ أحدُهما بقُرعة) في الأصح؛ لأنه لم تترجح بينة أحدهما على الأخرى، والقرعة مرجحة بدليل الإمامة في الصلاة.
_________________
(١) في ج: ثم.
[ ١١ / ٣٨٦ ]
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة؛ لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما عبدًا والآخر حرًا ولا كذلك هاهنا. فيجب أن تقسم الوصية بينهما، ويدخل النقص على كل واحد منها بقدر وصيته؛ كما لو أوصى لاثنين بمال.
وجوابهما: أن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت. وقد ثبت في الإعتاق في مرض الموت: أنه يقرع بينهما؛ لحديث عمران بن حصين (^١) . كذلك بعد الموت.
ولأن المعنى المقتضي في أحد العبدين في الحياة موجود بعد الموت فيثبت.
وعلم مما تقدم أن الورثة إذا أجازوا الوصيتين عتقا؛ لأن الحق لهم. فأشبه ما لو أعتقوهما بعد موته.
(ولو كانت بينة غانمٍ وارثةً فاسقةً)، ولم تكذب الأجنبية: (عتَق سالم) بلا قرعة؛ لأن بينة سالم العادلة لا تعارضها بينة غانم الفاسقة، (ويعتِقُ غانم بقُرعة) بأن يكتب في رقعة: يعتق، وفي رقعة أخرى: لا يعتق وتُدرج كل رقعة في بُندقة من شمع أو طين بحيث لا تتميز إحداهما من الأخرى، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أخرج بُندقة. فإن خرجت التي فيها: يعتق عتق، وإن خرجت الأخرى: لم يعتق.
ووجه ذلك: أن البينة الوارثة مقرة بالوصية بعتق غانم أيضًا فاقتضى ذلك القرعة بين العبدين. لكن لما كانت بينة سالم عادلة عتق أولًا؛ لعدم المعارض، وأعتقنا غانمًا بخروج القرعة له.
(وإن كانت) الوارثة (عادلةٍ، وكُذّبتْ) البينة (الأجنبيَّةَ: عُمل بشهادتها، ولَغَا تكذيبُها) الأجنبية. (فينعكسُ الحكم) فيعتق غانم بلا قرعة ويقف عتق سالم على القرعة؛ لأن تصديقها أو تكذيبها للأخرى غير معتبر في
_________________
(١) سبق ذكره وتخريجه ص (٣٣٥).
[ ١١ / ٣٨٧ ]
حق المشهود له. لكن شهادتها إذا كانت عادلة معتبرة فيعتق غانم لشهادتها بعتقه وإقرارها أنه لم يعتق سواه، ويقف عتق سالم على القرعة؛ كما لو شهد بذلك البينتان من غير تكذيب.
(ولو كانت) البينة الوارثة (فاسقةً، وكذَّبت) العادلةُ الأجنبيةَ، (أو شَهِدَت برجوعه عن عتقِ سالمٍ: عَتقا).
أما عتق سالم؛ فلأنه لم يثبت عتق غانم.
وأما عتق غانم؛ فلإقرارها بعتقه دون الآخر.
ولأن شهادتها بالرجوع عن الوصية بعتق سالم يتضمن الإقرار بالوصية بعتق غانم وحده، فهو كما لو كانت مكذبة للأخرى.
(ولو شهدت) الوارثة (برجوعه) عن عتق سالم، (و) الحال: أنه (لا فِسْقَ ولا تكذيب) يعني: أنها ليست فاسقة ولا مكذبة للبينة التي شهدت بأنه أوصى بعتق سالم: (عتق غانم) وحده؛ لأنها بينة عادلة شهدت بالرجوع عن الوصية بعتق سالم وليست متهمة فقبلت؛ (كأجنبية) يعني: كما لو كانت اجنبية؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما [نفعًا بشهادتهما بالرجوع، ولا يدفعان بذلك عن أنفسهما ضررًا.
فإن قيل: إن الشاهدان برجوعهما عن عتق سالم يجران إلى أنفسهما] (^١) ولاء غانم؟
قيل: وهما يسقطان ولاء سالم أيضًا. على أن الولاء إنما هو سبب ثبوت الميراث. ومثل ذلك لا ترد الشهادة فيه كما يثبت النسب بالشهادة. وإن كان الشاهد يجوز أن يرث المشهود له به، وتقبل شهادة الإنسان لأخيه بالمال وإن جاز أن يرثه.
(فلو كان في هذه الصورة) وهي: ما إذا كانت البينة الشاهدة برجوعه عن عتق سالم وارثة (غانمٌ) أي: قيمته (سُدسَ مالِه: عَتقَا) أي: عتق سالم
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ١١ / ٣٨٨ ]
وغانم، (ولم تُقبل شهادتُهما) في حق سالم؛ لأنها متهمة بدفع السدس الآخر عنها، فلا تقبل شهادتها لذلك.
(وخَبَرُ) بينة (وارثةٍ عادلةٍ، كـ) خبر وارثة (فاسقة).
قال في "المحرر": والوراثة العادلة فيما تقوله خبرًا لا شهادة؛ كالفاسقة
في جميع ما ذكرنا. انتهى.
فيكون خبرهما إقرارًا. وهو سواء من العدل والفاسق في الحكم.
(وإن شهدت بينة بعتق سالمٍ في مرضه، و) شهدت بينة (أخرى بعتق غانم فيه: عتَقَ السابق) تاريخ عتقه منهما؛ لأن المريض إذا تبرع تبرعات يعجز ثلثه عن جميعها، قدم الأول فالأول. (فإن جُهل) التاريخ بأن أطلقت بينتاهما أو أطلقت إحداهما وأرخت الأخرى: (فـ) إنه يعتق (أحدُهما بقُرعة)؛كما لو اتحد تاريخهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. فيعتق من خرجت له القرعة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون أعتقهما معًا فيقرع بينهما؛ كما فعل النبي ﷺ في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عند موته ولم يكن له مال غيرهم (^١)، أو يكون أعتق أحدهما قبل الآخر وأشكل علينا فُيخرج بالقرعة؛ كما في مسألة الطائر. وهي: ما لو طار طائر فقال سيد سالم وغانم: إن كان الطائر غرابًا فسالم حر، وإن لم يكن غرابًا فغانم حر، ومضى الطائر ولم يعلم هل هو غراب أو غير غراب؟ فإنه يُقرع بين العبدين. فمن خرجت له القرعة منهما عتق دون الآخر.
(وكذا لو كانت بينة أحدِهما) أي: أحد العبدين (وارثةً) ولم تكذب الأجنبية يعني: فإنه يعتق السابق إن علم، وإن لم يعلم السابق منهما فإنه يعتق أحدهما بقرعة.
(فإن سبقت) البينة (الأجنبية) يعني: بأن ذكرت تاريخًا سابقًا على ما ذكرته البينة الوارثة؛ بأن قالت الأجنبية: أعتق سالمًا في أول المحرم أو أعتق
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٥).
[ ١١ / ٣٨٩ ]
غانم في ثانيه (فكذَّبتها الوارثة)؛بأن قالت: ما أعتق في أول المحرم إلا غانمًا وأعتق سالمًا في ثانيه: عتق العبدان.
أما عتق سالم؛ فلشهادة البينة العادلة أنه السابق.
وأما عتق غانم؛ فلإقرار الورثة أنه المستحق للعتق؛ لاعترافهم بسبق عتقه على عتق سالم.
(أو سبقَت) البينة (الوارثة) البينة الأجنبية، (وهي) أي: والبينة الوارثة (فاسقةٌ) بأن قالت الوارثة الفاسقة: أعتق سالمًا قبل غانم وشهدت البينة (^١) العادلة أنه أعتق غانمًا قبل سالم: (عَتَقا).
أما عتق غانم؛ فلشهادة البينة العادلة أن عتقه سابق (^٢) على عتق سالم.
وأما عتق سالم؛ فلإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق دون غانم.
(وإن جُهل أسبقُهما) أي: الأسبق عتقا منهما، بأن اتفقا على أنه عتق العبدين، وأنهما لا يعلمان أسبقهما عِتقًا: (عتَق واحدٌ) منهما (بقُرعةٍ)؛كما لو شهدا أنه أعتقهما بلفظ واحد؛ لأن جادة المذهب: أن كل متساويين في ثبوتٍ لا يمكن الجمع بين الدعوتين فيهما فإنه يجب إخراج المستحق منهما بالقرعة.
(وإن قالت) البينة (الوارثة: ما أعتق إلا غانمًا) وحده يطعنان بذلك في بينة سالم (عتَقَ) غانمُ (كلُّه)؛ لإقرار الورثة بعتقه، (وحُكْم سالم) في هذه الصورة (^٣) [مع طعن الوارثة في نيته] (^٤) (كحكمه) في الصور المتقدمة (لو لم تَطعن) الوارثة (^٥) (في بينته: في أنه يعتِق إن تقدَّم عتقُه) أي: تاريخ عتقه، (أو خرَجت له القُرعة) حيث قلنا يقرع بينهما؛ لأن طعن الوارثة في الأجنية غير مقبول؛ لأن الأجبية مثبتة والوارثة نافية، والمثبت مقدم على النافي، وإذا لم
_________________
(١) في أوب: الأجنبية.
(٢) في أ: إن أعتقه سابقًا، وفي ب: أن عتقه سابقًا.
(٣) في ب: الصور.
(٤) زيادة من أ.
(٥) في ج: الورثة.
[ ١١ / ٣٩٠ ]
يقبل الطعن صار طعنها (^١) كلا طعن، ولو لم تطعن الوارثة في الأجنبية لكان الحكم كما ذكر فكذا ما هو بمنزلته. فيعتقان جميعًا إن تقدم تاريخ عتق سالم أو خرجت له القرعة، ويرق إذا تأخر تاريخ عتقه أو خرجت القرعة لغيره.
(وإن كانت (البينة) الوارثةُ فاسقةً، ولم تَطعن. في بينة سالم: عَتق) سالم (كُّله)؛ لأن البينة العادلة شهدت بعتقه ولم يوجد ما يعارضها، (ويُنظَرُ في غانم: فمعَ سبْق) تاريخ (عتقِه، أو) مع (خروج القرعة له يَعتق كلُّه)؛لإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق دون غيره، (ومع تأخُّره) أي: تأخر تاريخ عتق غانم (أو خروجِها) أي: خروج القرعة (لسالم، لم يَعتِق منه) أي: من غانم (شيء)؛لأن بينته لو كانت عادلة لم يعتق منه شيء. فإذا كانت فاسقة أولى.
(وإن كذَّبت) الوارثة (بينةَ سالم) الأجنبية: (عتَقَا) أي: سالم وغانم جميعًا؛ لأن سالمًا مشهود بعتقه، وغانمًا مقر له بأنه لا مستحق للعتق سواه.
(وتَدبِيرٌ) للرقيق (مع تَنْجيزٍ) للعتق في مرض الموت المخوف (كآخِرِ تنجيزَيْن مع أسبقهما)؛لأن التدبير تنجيز بالموت. فوجب أن يتأخر عن المنجز في الحياة. فلذلك ساوى (^٢) أحد التنجيزين في الأحكام المذكورة.
***
_________________
(١) في ب: طعنًا.
(٢) في ج: تساوى.
[ ١١ / ٣٩١ ]
[فصل: من مات عن ابنين مسلم وكافر]
(فصل. ومن مات عن ابنين مسلم وكافر. فادَّعى كلٌ) من الابنين: (أنه) أي: أن أباه (مات على دينه، فإن عُرف أصله) من إسلامٍ أو كفرٍ: (قُبل قولُ مدَّعِيه)؛لأن الأصل بقاء ما كان عليه من الدين؛ كسائر المواضع.
(وإلا) أي: وإن لم يُعرف أصل دينه (فميراثه للكافر: إن اعترف المسلم بأُخُوَّتِه، أو ثبتت ببَيّنة) على الأصح؛ لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام.
ولأنه معترف بأن أباه كان كافرًا وهو يدعي إسلامه. فجعل أصل دينه الكفر. والقول قول مدعي الأصل.
(وإلا) أي: وإن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم يثبت ذلك ببينة: (فـ) ميراثه (بينهما)؛ لأنهما سواء في اليد والدعوى. أشبه ما لو تداعيا عينًا في أيديهما.
(وإن جُهل أصل دينه، وأقام كل) منهما (بينة بدعواه: تساقطتَا) وتناصفا التركة؛ كما لو لم تكن لواحد منهما بينة.
(وإن قالت بينة: نعرفُه مسلمًا، و) قالت بينة (أخرى: نعرفُه كافرًا، ولم يُؤَرّخا) أي: يؤرخ كل واحدة من البينتين معرفتها له بالدين الذي ذكرته، (وجُهل أصل دينه: فميراثُه للمسلم)؛لأن العمل بهما ممكن، إذ الإسلام يطرأ على الكفر، وعكسه خلاف الظاهر؛ لعدم إقرار المرتد على ردته.
(وتُقدَّم الناقلة) أي: يقدم العمل بما تشهد به البينة الناقلة: (إذا عُرف أصل دينه فيهنَّ)؛ لأن المبقية له على أصل دينه ثبتت شهادتها (^١) على الأصل الذي تعرفه، والبينة الأخرى معها عِلم لم تعلمه الأولى. فقدمت عليها؛ كما لو
_________________
(١) في ج: شهادتهما.
[ ١١ / ٣٩٢ ]
شهدا أن هذا العبد كان ملكًا لفلان إلى أن مات، وشهد آخران أنه أعتقه أو باعه قبل موته، فإن بينة البيع أو العتق (^١) مقدمة.
(ولو شهدت) بينة: (أنه مات ناطقًا بكلمة الإسلام، و) شهدت بينة (أخرى أنه مات ناطقًا بكلمة الكفر: تساقطتا) على الأصح. سواء (^٢) (عُرف أصل دينه، أوْ لا) يعني: أو لم يعرف؛ لأن البينتين أَرختا وقتًا واحدًا هو ساعة موته. فتعارضتا وتسا قطتا لذلك.
(وكذا) أي: وكالحكم المتقدم فيما إذا خلَّف ابنين مسلمًا وكافرًا يكون الحكم (إن خلَّف أبوين كافرين وابنَيْن مسلمين، أو) خلّف (أخًا وزوجةً مسلمين وابنًا كافرًا)؛لأن هؤلاء مع ثبوت دعواهم ورثة لا فرق بين دعواهم ودعوى الابن.
قال في " المستوعب ": وعلى كلٍّ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. انتهى.
قال في"الفروع": ويصلى عليه تغليبًا له مع الاشتباه.
قال القاضي: ويدفن معنا.
وقال ابن عقيل: وحده. انتهى.
(ومتى نصّفْنا المال) المخلّف عن الميت المختلف في دِينه فأعطينا الابنين المنازعين للأبوين (^٣) نصفه: (فنصفه للأبوين على ثلاثة)، للأب ثلثاه وللأم ثلثه.
ومتى أعطينا الابن المنازع للأخ والزوجة نصفه فإن الباقي (و) هو (نصفه) يكون (للزوجة والأخ على أربعة)، للزوجة ربعه وباقيه للأخ.
(ومن) كان كافرًا و(ادَّعى تقدم إسلامه على موت مورثه، أو) ادّعى تقدم إسلامه (على قَسم تركتِه) أي: تركة مُورّثه المسلم: (قبل) منه ذلك (ببينة) يقيمها، (أو تصديق وارث) معه على دعو اه. وإلا فلا.
_________________
(١) في ب: البيع والعتق.
(٢) في ج: وسواء.
(٣) في ج: المتنازعين لأبوين.
[ ١١ / ٣٩٣ ]
مثال ذلك: لو مات مسلم وله ابنان مسلم وكافر فأسلم الكافر، وقال: أسلمت قبل موت أبي، أو أسلمت قبل قسم تركة أبي، وقال أخوه: بل بعد ذلك: فلا إرث له؛ لأنه مقر بالكفر أولًا مدع للإسلام فيما قبل الموت أو فيما قبل قسم التركة، والأصل بقاؤه على كفره. فيكون القول قول أخيه المسلم بيمينه؛ لأنه منكر. إلا أن يقيم بينة بدعواه أو يصدقه أخوه فيرث؛ لأن الحق لا يعدوهما.
(وإن قال) من كان كافرًا: (أسلمتُ في محرَّمِ ومات) أي: مورثي (في صفر، وقال الوارث) الذي هو أخوه: (مات قبل محرَّم: وَرِثَ)، لأنهما اتفقا على الإسلام في محرم، وإنما اختلفا في أن الموت هل كان قبله أو بعده؟ والأصل حياة الأب. فيكون القول قول المدعي للموت آخرًا. فلذلك يجب أن يكون الإرث بينهما.
(ولو خلَّف حرٌ ابنًا حرًا وابنًا كان قِنًا، فادَّعى) الذي كان قنًا: (أنه عَتَق وأبوه حي) أي: في حال حياته، (ولا بينة) له بما ادعاه: (صُدّق أخوه في عدم ذلك) أي: في أنه لم يعتق قبل موت أبيه؛ لأن الأصل بقاء الرق.
(وإن ثبت عتقُه برمضان، فقال الحر: مات أبي في شعبان، وقال العَتيق: بل بشوال صُدّقَ العتيق)؛لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال.
(و) متى أقام العتيق بينة أنه مات في شوال، وأقام الحر بينة أنه مات في شعبان: (تُقدَّم بينةُ الحرّ، مع التعارُض) أي: تعارض البينتين المذكورتين؛ لأن معها زيادة علم.
(وإن شهد اثنان على اثنين بقتلٍ، فشهدا) المشهود عليهما (على الأوَّلين) اللذين شهدا عليهما أوّلًا (به) أي: بالقتل، (فصدَّق الوليُّ) أي: مستحق القصاص الشاهدين (الأوَّلين فقط) أي: دون المشهود عليهما أوّلًا: (حُكم بهما) أي: بالشاهدين الأولين؛ لرجحانه (^١) بتصديق المشهود له.
_________________
(١) في ب: لرجحانها.
[ ١١ / ٣٩٤ ]
(وإلا) بًان صدق الجميع، أو كذب الجميع، أو صدق المشهود عليهما فقط: (فلا شيء) له؛ لأن شهاده المشهود عليهما غير معتبرة؛ لأنهما متهمان بالدفع عن أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر. وكذا لو صدق الجميع بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كل اثنين من البينتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة فلا يقبل. وكذا لو كذب الجميع؛ لأنه يصير كمن لا بينة له.
(وإن شهدت) بينة (بتلف ثوب، وقالت: قيمتُه عشرون، و) شهدت (أخرى) أن قيمته (ثلاثون: ثبت الأقلُّ) وهو العشرون على الأصح؛ لأن الإتلاف ثابت في شيء واحد. وإنما اختلفا في قيمته، فهو كما لو اختلف المقومان في القيمة، فإنه يثبت ما اتفقا عليه دون ما اختلفا فيه.
(وكذا: لو كان بكلّ قيمةٍ شاهدٌ) واحد؛ لأن بينة الأقل تثبت دون الأكثر.
(و) العين (القائمةُ؛ كعينٍ ليتيم يُريد الوصيُّ بيعَها، أو) يريد (^١) (إجارتَها إن اختلفا في قيمتها) عند إرادة بيعها (أو) اختلفا في (أِجر مثلها) عند إرادة إجارتها (أُخذ) أي: عمل (بـ) مقتضى (من يصدّقُها الحِسُّ) من البينتين. (فإن احتمَل) ما شهدتا (^٢) به: (أُخذ ببينة الأكثر) أي: البينة التي تشهد بالأكثر، (كما لو شهدت بينة أنه آجَرَ حصَّة مَوْليّه) أي: من هو في حجره (بأجرة مثلها، و) شهدت (بينة) أخرى أنه آجرها (بنصفها) أي: بنصف أجرة مثلها.
قال في " التنقيح " قلت: فلو كانت العين قائمة قدمت بينة من يصدقها الحسّ. فإن احتمل فقد قال ابن نصر الله: لو اختلفت (^٣) بينتان في قيمة عين" قائمة ليتيم يريد الوصي بيعها أخذ ببينة الأكثر فيما يظهر. انتهى.
وكذا فال الشيخ تقي الدين: لو شهدت بينة أنه آجر حصة موليه بأجرة مثله وبينة بنصفها. انتهى كلامه في " التنقيح ". والله ﷾ أعلم.
***
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: شهدت.
(٣) في ج: اختلف.
[ ١١ / ٣٩٥ ]