فَصْلٌ وَشُرِطَ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ نِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ لَهُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ قَضَائِهِ، أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ يَوْمٌ بِفَسَادِ يَوْمٍ آخَرَ، وَكَالْقَضَاءِ (مِنْ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُ ثِقَاتٌ، وَكَالْقَضَاءِ.
وَأَوَّلُ اللَّيْلِ وَأَوْسَطُهُ وَآخِرُهُ: مَحَلٌّ لِلنِّيَّةِ فَأَيُّ جُزْءٍ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ (وَلَوْ أَتَى بَعْدَهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (لَيْلًا بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ) لَا لِلنِّيَّةِ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَجِمَاعٍ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْلَ لِآخِرِ اللَّيْلِ، فَلَوْ بَطَلَتْ بِهِ
[ ١ / ٤٧٨ ]
فَاتَ مَحِلُّهَا، وَإِنْ نَوَتْ حَائِضٌ صَوْمَ الْغَدِ الْوَاجِبِ، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ لَيْلًا صَحَّ لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ (وَلَا) تُعْتَبَرُ (نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ) بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فَرْضًا لِإِجْزَاءِ التَّعْيِينِ عَنْهُ، وَكَالصَّلَاةِ
(وَلَوْ نَوَى) لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (إنْ كَانَ) الزَّمَانُ (غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَفَرْضٌ وَإِلَّا) يَكُنْ مِنْ رَمَضَانَ (فَنَفْلٌ) لَمْ يُجْزِئْهُ. أَوْ نَوَى إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضٌ (أَوْ) إلَّا فَ (عَنْ وَاجِبٍ) عَيَّنَهُ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ (وَعَيَّنَهُ) أَيْ: الْوَاجِبَ (بِنِيَّةٍ لَمْ تُجْزِئْهُ) إنْ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، لَا عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا (إلَّا إنْ قَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ): إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضِي (وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ) فَيُجْزِئُهُ إنْ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ ; لِأَنَّهُ بَنَى عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ، وَلَا يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ لِأَنَّهُ حُكْمُ صَوْمِهِ مَعَ الْجُزْءِ. (وَإِذَا نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ) صَوْمًا (وَقَضَاءً وَنَفْلًا) فَنَفْلٌ (أَوْ) نَوَى قَضَاءً، و(نَذْرًا، أَوْ) نَوَى قَضَاءً، و(كَفَّارَةَ نَحْوِ ظِهَارٍ فَ) هُوَ (نَفْلٌ) إلْغَاءً لِلْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِنِيَّتِهَا فَتَبْقَى نِيَّةُ الصَّوْمِ، وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ بِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، لَا يَصِحُّ تَطَوُّعُهُ قَبْلَهُ.
(وَمَنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ) بِأَنْ شَكَّ هَلْ يَصُومُ أَوْ لَا؟ (أَوْ) قَصَدَ بِهَا (التَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ) فَلَمْ يَجْزِمْ بِالنِّيَّةِ (أَوْ) التَّرَدُّدِ فِي (الْقَصْدِ) بِأَنْ تَرَدَّدَ هَلْ يَنْوِي الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ جَزْمًا أَوْ لَا؟ قَالَهُ فِي شَرْحِهِ (فَسَدَتْ نِيَّتُهُ) لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا (وَإِلَّا) يَقْصِدُ الشَّكَّ وَلَا التَّرَدُّدَ (فَلَا) تَفْسُدُ نِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّ صَوْمَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ، كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِيمَانُ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَا نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ: لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا اهـ. أَيْ: إذَا لَمْ يَقْصِدْ الشَّكَّ وَلَا التَّرَدُّدَ
(وَمَنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، وَكَذَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ) لِأَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَعَشَاءِ لَيَالِي رَمَضَانَ
(وَلَا يَصِحُّ) صَوْمٌ (مِمَّنْ جُنَّ) جَمِيعَ النَّهَارِ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ) لِأَنَّ الصَّوْمَ: الْإِمْسَاكُ، مَعَ النِّيَّةِ لِحَدِيثِ " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَأَضِفْ التَّرْكَ إلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُضَافُ إلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ
[ ١ / ٤٧٩ ]
فَلَمْ يَجُزْ، وَالنِّيَّةُ وَحْدَهَا لَا تُجْزِئُ.
(وَيَصِحُّ) الصَّوْمُ (مِمَّنْ أَفَاقَ) مِنْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ (جُزْءًا مِنْهُ) أَيْ: النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ حَيْثُ بَيَّتَ النِّيَّةَ، لِصِحَّةِ إضَافَةِ التَّرْكِ إلَيْهِ إذَنْ، وَيُفَارِقُ الْجُنُونُ الْحَيْضَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ بَلْ الصِّحَّةَ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ (أَوْ نَامَ جَمِيعَهُ) أَيْ: النَّهَارِ، فَيَصِحُّ صَوْمُهُ ; لِأَنَّ النَّوْمَ عَادَةٌ، وَلَا يَزُولُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ مَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ (وَيَقْضِي مُغْمًى عَلَيْهِ) زَمَنَ إغْمَائِهِ ; لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَجْنُونٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ; لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِغْمَاءِ لَا تَطُولُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ
(وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ) أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ (فَكَمَنْ لَمْ يَنْوِ) الصَّوْمَ، لِقَطْعِهِ النِّيَّةَ، لَا كَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (فَيَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَهُ) أَيْ: صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي نَوَى الْإِفْطَارَ فِيهِ (نَفْلًا بِغَيْرِ رَمَضَانَ) نَصًّا
(وَمَنْ قَطَعَ نِيَّةَ) صَوْمِ (نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ ثُمَّ نَوَى) صَوْمَ (نَفْلًا صَحَّ) نَفْلُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ، وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ فِي الْقَضَاءِ بِمَا تَقَدَّمَ
(وَإِنْ قَلَبَ) صَائِمٌ (نِيَّةَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ إلَى نَفْلٍ صَحَّ) كَقَلْبِ فَرْضِ الصَّلَاةِ نَفْلًا، وَخَالَفَ فِي الْإِقْنَاعِ فِي قَلْبِ الْقَضَاءِ لِمَا سَبَقَ (وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ (لِغَيْرِ غَرَضٍ) صَحِيحٍ كَالصَّلَاةِ.
(وَيَصِحُّ صَوْمُ نَفْلٍ بِنِيَّةٍ) مِنْ (أَثْنَاءِ) النَّهَارِ (وَلَوْ) كَانَتْ (بَعْدَ الزَّوَالِ) نَصًّا، وَهُوَ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ حَكَاهُ عَنْهُمْ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» مُخْتَصَرٌ، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ نِيَّةِ التَّبْيِيتِ لِنَفْلِ الصَّوْمِ يُفَوِّتُ كَثِيرًا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ الصَّوْمُ بِالنَّهَارِ لِنَشَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَسُومِحَ فِيهِ بِذَلِكَ، كَمَا سُومِحَ فِي نَفْلِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ بِلَحْظَةٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ تَعْلِيلُ الْمَنْعِ بَعْدَهُ: بِأَنَّ الْأَكْثَرَ خَلَا عَنْ نِيَّةٍ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ يَزِيدُ عَلَى مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَمَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُمْسِكًا فِيهِ عَنْ الْمُفْسِدَاتِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَحِكْمَةُ الصَّوْمِ فِي الْقَصْدِ وَالْمَنْوِيِّ (فَيَصِحُّ تَطَوُّعُ مَنْ طَهُرَتْ) فِي يَوْمٍ (أَوْ) مَنْ (أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَأْتِيَا) أَيْ: الَّتِي طَهُرَتْ وَمَنْ أَسْلَمَ (فِيهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْيَوْمِ (بِمُفْسِدٍ) مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا كَالْجِمَاعِ،
[ ١ / ٤٨٠ ]