فَصْلٌ وَتُسَنُّ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَةٍ دَائِمَةٍ (بِمُتَّجَرٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ صَنْعَةٍ عَنْهُ) أَيْ: الْمُتَصَدِّقِ (وَعَمَّنْ يَمُونُهُ) لِحَدِيثِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
[ ١ / ٤٦٥ ]
(كُلَّ وَقْتٍ) لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالْأَخْبَارِ. (وَ) كَوْنُهَا (سِرًّا بِطِيبِ نَفْسٍ فِي صِحَّةٍ) أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَلِحَدِيثِ " وَأَنْتَ صَحِيحٌ ".
(وَ) كَوْنُهَا فِي شَهْرِ (رَمَضَانَ) أَفْضَلُ. لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» . (وَ) كَوْنُهَا فِي (وَقْتِ حَاجَةٍ) أَفْضَلُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] (و) فِي (كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ، كَالْعَشْرِ) الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (وَ) كَ (الْحَرَمَيْنِ) أَفْضَلُ، لِكَثْرَةِ التَّضَاعُفِ.
(وَ) كَوْنُهَا عَلَى (جَارٍ) أَفْضُلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وَحَدِيثِ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذِي رَحِمٍ) لَهُ (لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ) بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (وَهِيَ) أَيْ: الصَّدَقَةُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: ذَوِي رَحِمِهِ صَدَقَةٌ وَ(صِلَةٌ) لِلْخَيْرِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] وَلِلْخَبَرِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِالصَّدَقَةِ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] .
(وَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةً تَلْزَمُهُ) كَمُؤْنَةِ زَوْجَةٍ أَوْ قَرِيبٍ أَثِمَ لِحَدِيثِ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» إلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ فَهُوَ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَقَوْلِهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» .
(أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِكَفِيلِهِ) بِسَبَبِ صَدَقَةٍ (أَثِمَ) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
(وَمَنْ أَرَادَهَا) أَيْ: الصَّدَقَةَ (بِمَالِهِ كُلِّهِ وَلَهُ عَائِلَةٌ لَهُمْ كِفَايَةٌ أَوْ) لَهُ عَائِلَةٌ (يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ) فَلَهُ ذَلِكَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ ﵁ (أَوْ) كَانَ (وَحْدَهُ) لَا عِيَالَ لَهُ (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. فَلَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ الضَّرِّ (وَإِلَّا) يَكُنْ لِعِيَالِهِ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ (حَرُمَ) وَحُجِرَ عَلَيْهِ لِإِضَاعَةِ عِيَالِهِ. وَالْحَدِيثُ «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ؟ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَا إنْ كَانَ وَحْدَهُ
[ ١ / ٤٦٦ ]
وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
(وَكُرِهَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ) عَلَى الضِّيقِ (أَوْ لَا عَادَةَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنْ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ نَوْعُ إضْرَارٍ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ لِيَتَصَدَّقَ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ يَسْتَقْرِضُ، وَيُهْدِي لَهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الطَّبَقَاتِ.
(وَمَنْ مَيَّزَ شَيْئًا لِلصَّدَقَةِ) بِهِ (أَوْ وَكَّلَ فِيهِ) أَيْ الصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ (ثُمَّ بَدَا لَهُ) أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِهِ (سُنَّ) لَهُ (إمْضَاؤُهُ) مُخَالَفَةً لِلنَّفْسِ وَالشَّيَاطِينِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ ; لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
و(لَا) يُسَنُّ لَهُ (إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ) فَإِنْ قَبَضَهُ وَسَخِطَهُ لَمْ يُعْطِ لِغَيْرِهِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَظْهَرِ: أَنَّ أَخْذَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا سِرًّا أَوْلَى (وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ) وَغَيْرِهَا (كَبِيرَةٌ) عَلَى نَصِّهِ، الْكَبِيرَةُ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ (وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِهِ) أَيْ: الْمَنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ وَفِي إبْطَالِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ. وَاخْتَارَ شَيْخُنَا الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَر السَّلَفِ.
[ ١ / ٤٦٨ ]