فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِهَا أَيْ: الزَّكَاةِ (نِيَّةٌ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا فَافْتَقَرَتْ إلَى تَعَيُّنِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَصَدَقَةٍ وَتَطَوُّعٍ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمَيُّزِ، وَيَأْتِي صِفَةُ النِّيَّةِ (وَيُشْتَرَطُ) أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا (مِنْ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ أَشْبَهَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ (إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ) مِنْهُ الزَّكَاةُ (قَهْرًا) فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ
[ ١ / ٤٤٧ ]
رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا ثَانِيًا (أَوْ يَغِيبُ مَالُهُ) فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ حَيْثُ وُجِدَ، وَتُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ كَمَأْخُوذَةٍ قَهْرًا (أَوْ يَتَعَذَّرُ وُصُولٌ إلَى مَالِكٍ) لِتُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ (بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسْرٍ (فَيَأْخُذُهَا السَّاعِي) مِنْ مَالِهِ (وَتُجْزِئُ) ظَاهِرًا و(بَاطِنًا فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ فَقَطْ) بِخِلَافِ الْأَوْلَيَيْنِ قَبْلَهَا فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا فَقَطْ،
(وَالْأَوْلَى: قَرْنُهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (بِدَفْعٍ) كَصَلَاةٍ (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: النِّيَّةِ عَلَى الْإِخْرَاجِ (ب) زَمَنٍ (يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) وَلَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ إذَنْ مَعَ طُولِ زَمَنٍ (فَيَنْوِي) بِمَخْرَجِ (الزَّكَاةِ، أَوْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ صَدَقَةِ الْمَالِ، أَوْ) صَدَقَةِ (الْفِطْرِ، وَلَا يُجْزِئُ إنْ نَوَى صَدَقَةَ مُطْلَقٍ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ) كَنِيَّةِ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ. وَمَحَلُّ النِّيَّةِ: الْقَلْبُ. وَتَقَدَّمَ (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ فَرْضٍ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا (وَلَا) يَجِبُ (تَعْيِينُ) مَالٍ (مُزَكًّى عَنْهُ) وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَالُ، كَشَاةٍ عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ، وَأُخْرَى عَنْ أَرْبَعِينَ مِنْ غَنَمٍ، وَدِينَارٍ عَنْ أَرْبَعِينَ تَالِفَةً، وَأُخْرَى عَنْ أَرْبَعِينَ قَائِمَةً وَصَاعٍ عَنْ فِطْرَةٍ، وَآخَرَ عَنْ زَرْعٍ أَوْ تَمْرٍ.
(فَلَوْ نَوَى) زَكَاةً (عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ. أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ: الْحَاضِرِ (إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا.
(فَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ (جَعَلَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ (لِأَيِّهِمَا شَاءَ، كَتَعَيُّنِهِ ابْتِدَاءً) حِينَ إخْرَاجٍ (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) وَاحِدًا مِنْهُمَا (أَجْزَأَ) مُخْرَجٌ (عَنْ أَحَدِهِمَا) فَيُخْرِجُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَلَوْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ) الْمَالِ (الْغَائِبِ فَبَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا لَمْ يُصْرَفْ) أَيْ: الْمُخْرَجُ (إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ.
(وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا أَجْزَأَ عَنْهُ إنْ كَانَ سَالِمًا أَوْ نَوَى) عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَ) هِيَ (نَفْلٌ) فَبَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا (أَجْزَأَ) عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقَيُّدُهُ بِهِ بِخِلَافِ: إنْ كَانَ مُورِثِي مَاتَ فَهَذِهِ زَكَاةُ إرْثِي مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى أَصْلٍ.
(وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ) مَالِهِ (الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَأَرْجَعَ) فِي الْمَدْفُوعِ (فَلَهُ الرُّجُوعُ) فِيهِ (إنْ بَانَ تَالِفًا) وَإِنْ بَانَ سَالِمًا أَجْزَأَ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ، وَمَنْ شَكَّ فِي بَقَاءِ غَائِبٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ
[ ١ / ٤٤٨ ]
إخْرَاجٌ عَنْهُ، وَكَذَا إنْ عَلِمَ بَقَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ مَتَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى.
(وَإِنْ وَكَّلَ) رَبُّ مَالٍ (فِيهِ) أَيْ: إخْرَاجِ الزَّكَاةِ (مُسْلِمًا ثِقَةً) نَصًّا مُكَلَّفًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ صَحَّ، و(أَجْزَأَتْ نِيَّةُ مُوَكِّلٍ) فَقَطْ (مَعَ قُرْبِ) زَمَنِ (إخْرَاجٍ) مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكِّلِ، وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جَائِزٌ (وَإِلَّا) يَقْرُبْ مِنْ إخْرَاجٍ مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ (نَوَى وَكِيلٌ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا يَنْوِي الْمُوَكِّلُ ; لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارَنَةٍ، أَوْ مُقَارِبَةٍ فَيَنْوِيَ مُوَكِّلٌ عِنْدَ التَّوْكِيلِ وَوَكِيلٌ عِنْدَ الدَّفْعِ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ نَوَى وَكِيلٌ فَقَطْ. لَمْ تُجْزِئْ ; لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ وَوَقَعَ الْإِجْزَاءُ عَنْهُ، وَفِي تَوْكِيلِ مُمَيِّزٍ فِي إخْرَاجِهَا خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. وَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ بِالصِّحَّةِ، وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْإِمَامِ وَالسَّاعِي نَاوِيًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامٌ أَوْ سَاعٍ حَالَ دَفْعٍ إلَى الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ.
(مَنْ عَلِمَ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُرَادُ ظَنُّ (أَهْلِيَّةِ آخِذِ) زَكَاةٍ (كُرِهَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ نَصًّا.) قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يُبَكِّتْهُ؟ يُعْطِيهِ، وَيَسْكُتُ، مَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يَقْرَعَهُ؟ (مَعَ عَدَمِ عَادَتِهِ) أَيْ: الْآخِذِ (بِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا لَهُ (إلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا. .