النجاسة ضد الطهارة، وهي نوعان:
أولًا: نجاسة عينية: وهي كل عين جامدة يابسة أو رطبة أو مائعة، وهذه لا تطهر بحال، وسميت عينية لأنها تدرك بالعين، كالبول ودم الحائض.
ثانيًا: نجاسة حكمية: وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها، كالبول يقع على الثوب أو فراش ونحوهما، وهي المراد هنا.
وَيَكْفِي فِي غَسْلِ جَمِيعِ اَلنَّجَاسَاتِ عَلَى اَلْبَدَنِ، أَوْ اَلثَّوْبِ، أَوْ اَلْبُقْعَةِ، أَوْ غَيْرِهِا: أَنْ تَزُولَ عَيْنُهَا عَنْ اَلْمَحَلِّ.
أي أنه يكفي إذا وقعت نجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة أو غيرها أن تغسل حتى تزول عينها عن المحل، ولا يشترط عدد معين للغسلات.
وما ذكره المؤلف هو القول الراجح، وهو اختيار ابن تيمية ﵀: أنه لا يجب العدد في غسل نجاسة غير الكلب، بل يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها ولو جاوز السبع سواء في الأرض أو الثوب أو الأواني.
لقوله -ﷺ-: (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماءٍ، ثم لتصلي فيه) ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراد لبيّنه كما في حديث الولوغ.
(وأمر النبي -ﷺ- أن يصب على بول الأعرابي سَجْل من ماء) ولم يأمر بالعدد.
ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها.
قال الشيخ السعدي مرجحًا هذا القول: " الصحيح في غسل النجاسات كلِّها غير الكلب: أنه يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، وسواء كانت على الأرض أو الثياب أو البدن أو الأواني أو غير ذلك … إلى أن قال: لأن جميع النصوص الواردة في غسل النجاسات مطلقة لا قيد فيها ولا عدد، وذلك يدل على أن المقصود إزالتها فقط، وأن العدد فيها غير مقصود ".
ولأن غسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، فلا يحتاج إلى عدد.
ولأنه لو لم تزل بسبع غسلات وجب الزيادة على ذلك بالاتفاق، فدل على عدم اعتبار السبع، إلا فيما جعله الشارع شرطًا فيه كنجاسة الكلب.
وذهب بعض العلماء إلى أن النجاسة تغسل سبعًا.
وهذا المشهور من المذهب.
لما روى ابن عمر قال: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا) وهذا الأثر لا يصح ولا يحتج به، وقد ذكره ابن قدامة في المغني بدون إسناد.
[ ١ / ٥٠ ]
م/ لِأَنَّ اَلشَّارِعَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي جَمِيعِ غَسْلِ اَلنَّجَاسَاتِ عَدَدًا إِلَّا فِي نَجَاسَةِ اَلْكَلْبِ، فَاشْتَرَطَ فِيهَا سَبْعَ غَسْلَاتٍ، إِحْدَاهَا بِالتُّرَابِ. [فِي اَلْحَدِيثِ اَلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ]
أي إلا نجاسة الكلب فإنها تغسل سبع مرات، فلو أن الكلب ولغ في إناء فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.
لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات). متفق عليه ولمسلم: (أولاهن بالتراب).
طُهور: بضم الطاء؛ مُطَهِّر.
إذا ولغ: أي إذا شرب أو أدخل طرف لسانه وحركه، فالولوغ: أن يدخل لسانه في المائع فيحركه، فإن كان فارغًا قيل: لحسه.
• قوله المصنف (إحداها بالتراب) هذه جاءت في رواية، وجاء في رواية للترمذي (أخراهن) وعند مسلم (أولاهن بالتراب) وهذه الرواية أرجح الروايات لأسباب
أولًا: لكثرة رواتها.
ثانيًا: ومن حيث المعنى: لأن تتريب الأولى يجعل ما بعدها من الماء مزيلًا لأثر التراب، بخلاف ما لو كان في السابعة مثلًا فإنه يحتاج إلى غسلة أخرى لتنظيفه.
• لا بد من التراب، فلا يقوم غير التراب مقام التراب، لأن الشارع نص عليه، ولأن في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب.
• قوله (الكلب) (ال) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه وهو ما عداها.
• ذهب جمهور العلماء إلى أن نجاسة الكلب لا بد فيها من سبع غسلات إحداهن بالتراب، سواء كانت نجاسته بولوغ، أو بول، أو روث، أو غيرها، والنبي -ﷺ- نص على الولوغ لأنه هو الغالب، إذ أن الكلب لا يجعل بوله وروثه في الأواني، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وذهب بعض العلماء: أن الغسل سبعًا خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله وروثه ودمه وعرقه؛ فكسائر النجاسات، وهذا قول الظاهرية، واختاره الشوكاني.
وقول الجمهور أحوط.
• ذهب بعض العلماء إلى أن الخنزير يقاس على الكلب فتغسل نجاسته سبعًا كالكلب.
لأن النص ورد في الكلب، والخنزير شرٌّ منه وأغلظ منه، لأن الشارع نص على تحريمه وحرمة اقتنائه، وإنما لم ينص الشارع عليه لأنهم لم يكونوا يعتادونه.
والصحيح أنه لا يقاس على الكلب لسببين:
الأول: لأن النص ورد في الكلب.
الثاني: أن الخنزير مذكور في القرآن وموجود في عهد الرسول -ﷺ-، ولم يرد إلحاقه بالكلب.
ورجح هذا النووي، وقال: " واعلم أن الراجح من حيث الدليل أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير، وهذا هو المختار، لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد ".
[ ١ / ٥١ ]
م/ وَالْأَشْيَاءُ اَلنَّجِسَةُ: بَوْلُ اَلْآدَمِيِّ، وَعُذْرَتُهُ.
ذكر المؤلف ﵀ الأشياء النجسة، ومنها:
البول والغائط.
وهذه نجسة بالإجماع.
للأمر بالتنزه من البول والاستنجاء من الغائط.
ففي حديث الأعرابي أمر النبي -ﷺ- أن يصب الماء على بول الأعرابي.
قال النووي: " فيه إثبات نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه ".
وقال الشوكاني: " واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه ".
ولحديث ابن عباس قال: (مرّ النبي -ﷺ- على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير … أما إحداهما فكان لا يستنزه من بوله). متفق عليه
وفي حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه). رواه الدار قطني
• ولذلك قال الفقهاء: يجوز للإنسان أن يبول قائمًا بشرط أن يأمن الرشاش والناظر كما في حديث حذيفة (أن النبي -ﷺ- أتى سباطة قوم فبال قائمًا) متفق عليه.
وقالوا أيضًا: يستحب أن يطلب لبوله موضعًا رخوًا لينًا حتى لا يرجع إليه رشاش البول.
[ ١ / ٥٢ ]
م/ وَالدَّمُ، إِلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ اَلدَّمِ اَلْيَسِيرِ.
وَمِثْلُهُ: اَلدَّمُ اَلْمَسْفُوحُ مِنْ اَلْحَيَوَانِ اَلْمَأْكُولَ، دُونَ اَلَّذِي يَبْقَى فِي اَللَّحْمِ وَالْعُرُوقِ. فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.
ومن النجاسات الدم، والدم فيه تفصيل:
أولًا: الدم الخارج من الإنسان؛ إن كان من السبيلين - القبل والدبر - كدم الحيض، فلا خلاف في نجاسته.
لقوله -ﷺ- لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه).
ثانيًا: أما الخارج من غير السبيلين؛ كدم الرعاف والسن والجروح وغيرها؛ ففيه قولان:
القول الأول: أنه نجس فيجب غسله ويعفى عن يسيره.
وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: أنه طاهر عدا دم الحيض.
وهذا قول الشوكاني والألباني والشيخ ابن عثيمين. قالوا:
أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة.
ولقصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة الرقاع.
وقال الحسن: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم).
وصلى عمر وجرحه يثعب دمًا.
وهذا القول هو الراجح.
ثالثًا: الدم الخارج من حيوان نجس، كدم الكلب والخنزير؛ فهذا نجس قليله وكثيره لنجاسة عينه.
رابعًا: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة بعد الموت، كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا إن كان مسفوحًا - وهو الذي يسيل - فهو نجس، وإن كان مما يبقى في المذبح أو يكون على اللحم؛ فهو طاهر، لأن الله إنما حرم المسفوح، فما ليس بمسفوح فهو حلال.
خامسًا: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة وبعد الموت، فهذا طاهر، كدم السمك، لأن ميتته طاهرة.
[ ١ / ٥٣ ]
م/ وَمِنَ اَلنَّجَاسَاتِ: بَوْلُ وَرَوَثُ كُلِّ حَيَوَانٍ مُحَرَّمٍ أَكْلُهُ.
أي أن بول وروث الحيوان غير المأكول [كالأسد والنمر وغيرها] نجس، وهذا مذهب جماهير العلماء.
قالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله.
• قوله (كل حيوان محرم أكله) دليل على أن بول الحيوان غير محرم الأكل طاهر، وهذا مذهب الحنابلة [وسيأتي].
[ ١ / ٥٤ ]
م/ وَالسِّبَاعُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ.
السباع - كالأسد والنمر والذئب وغيرها - نجسة، فلو أن ذئبًا شرب من إناء، وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإنه نجس
لحديث ابن عمر قال، سمعتُ رسول الله -ﷺ- وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) رواه أبو داود وهو حديث صحيح. [وما ينوبه: أي يرد عليه نوبة بعد أخرى]
قالوا: لو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين.
قال المجد ابن تيمية في المنتقى: حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها، وإلا يكون التحديد بالقلتين في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثًا.
وقال -ﷺ- في الحمر الأهلية يوم خيبر (إنها رجس).
وذهب بعض العلماء إلى طهارتها تمسكًا بالأصل.
وللحديث الذي رواه ابن ماجه (أن النبي -ﷺ- سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: لها ما شربت في بطونها، ولنا ما غبر طهور) أي ما بقي طهور.
وقالوا: إن معنى قوله (إنها رجس) أي المراد لحمها.
وذهب بعض العلماء إلى طهارة البغل والحمار واختار هذا القول ابن قدامة، ورجحه السعدي والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع.
قال في المغنى: " والصحيح عندي: طهارة البغل والحمار، لأن النبي -ﷺ- كان يركبها وتُركب في زمنه وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا لبيّن النبي -ﷺ- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبها السنور ".
وقال الشيخ السعدي: " والصحيح الذي لا ريب فيه أن البغل والحمار طاهران في الحياة كالهر، فيكون ريقهما وعرقُهُما طاهرًا، وذلك أن النبي -ﷺ- كان يركبهما كثيرًا، ويركبان في زمنه، ولا يُمكن المستعمل لهما التحرز من ذلك، فلم يغسِل ما أصابه منهما، ولا أمر بذلك، وقد قال -ﷺ- في الهرة: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات، فعلّل بكثرة طوفانها ومشقة التحرز منها، ومن المعلوم أن المشقة في الحمار والبغل أشد من ذلك، وقد اعتبر الشارع المشقة في أمور كثيرة من الشرع وعفا عنها، مع قيام المقتضي للمنع لأجل المشقة، وأما قوله -ﷺ-: إنها رجس، فنعم هو كما قال -ﷺ-: لحومها خبيثة وأكلها خبيث، والقدور التي تطبخ فيها أو تُباشر لحومها خبيثة، وأما العرق والريق والشعر، فلم يدل الحديث عليه بوجهٍ، فالنبي -ﷺ- أمر باجتناب لحومها، وأخبر عن خبثها، ورخص في استعمالها وركوبها، ولم يأمر بالتحرز من ذلك، فهذا هو الصواب ".
• فقول المصنف (والسباع نجسة) نخرج الحمار الأهلي والبغل، وكذلك الهرة، لحديث أبي قتادة أن النبي -ﷺ- قال في الهرة (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) رواه أبو داود.
[ ١ / ٥٥ ]
م/ وَكَذَلِكَ الْمَيْتَاتُ.
الميتات: جمع ميتة، وهي ما مات دون ذكاة شرعية.
فالميتة نجسة بالإجماع.
لقوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ). والرجس: النجس.
وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك.
[ ١ / ٥٦ ]
م/ إِلَّا: مَيْتَةَ اَلْآدَمِيِّ.
فالآدمي لا ينجس بالموت.
لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) ومقتضى التكريم أنه لا يحكم بنجاسته، فجعله طاهرًا حيًا وميتًا.
وقال -ﷺ-: (إن المسلم لا ينجس) وهذا عام، يتناول الحياة والممات.
ولأنه أمر بغسل الميت، ولو كان نجس العين لم يطهره الغسل.
وهذا القول هو المذهب ومذهب الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
• ذهب بعض العلماء إلى أنه ينجس، لعموم الآية: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ …).
وقال بعض العلماء: الكافر ينجس دون المسلم، لقوله -ﷺ-: (إن المسلم لا ينجس) فمفهومه المخالفة له أن غير المسلم ينجس.
ولقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).
لكن الجواب عن الآية: أن المراد (نجس) أي نجس الاعتقاد، بدليل أن الله أباح لنا أن نتزوج نساء أهل الكتاب، وأن نأكل طعامهم، فلو كان الكفار أنجاسًا حسًا لما جاز ذلك، ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم من عرقهم ورطوبتهم.
[ ١ / ٥٧ ]
م/ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً.
ومن الميتات الطاهرة: ما لا نفس له سائلة، أي لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل، كالنملة، والعنكبوت، والذباب، والخنفساء، والعقرب، فإذا سقطت في مائع فماتت فإنها لا تنجسه.
لقوله -ﷺ-: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاء). رواه البخاري
وجه الدلالة: أن الرسول -ﷺ- أمر بغمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت بذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حارًا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام.
وإذا كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم، وقد ورد النص في الذباب فيقاس عليه ما في معناه ما تقدم.
[ ١ / ٥٨ ]
م/ وَالسَّمَكَ وَالْجَرَادَ.
فميتتة السمك والجراد طاهرة.
قال النووي: " فالسمك والجراد طاهران بالنصوص والإجماع ".
قال -ﷺ- في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وقال -ﷺ-: (أحل لنا ميتتان: السمك والجراد) رواه أحمد وابن ماجه والصحيح أنه موقوف على ابن عمر وله حكم الرفع.
وعن عبد بن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله -ﷺ- سبع غزوات نأكل معه الجراد) متفق عليه
ولو كان نجسًا لم يبح أكله.
[ ١ / ٥٩ ]
م/ وَأَمَّا أَرْوَاثُ اَلْحَيَوَانَاتِ اَلْمَأْكُولَةِ وَأَبْوَالُهَا: فَهِيَ طَاهِرَةٌ.
أي أن أبوال وأرواث الحيوانات مأكولة اللحم طاهرة، وهذا مذهب الحنابلة وهو القول الصحيح.
لحديث أنس قال: (قدم أُناس من عُكْل أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي -ﷺ- بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. متفق عليه
فالنبي -ﷺ- أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها، وهذا نص.
ولحديث جابر بن سمرة: (أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال نعم ) رواه مسلم
فالنبي -ﷺ- أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلوا من البول والروث، فدل على طهارتها.
ولحديث ابن عباس قال: (طاف النبي -ﷺ- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن). رواه مسلم
وجه الدلالة: إدخال البعير المسجد والطواف عليه؛ دليل على طهارة بوله، حيث لا يؤمن من بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجسًا لم يعرّض النبي -ﷺ- المسجد للنجاسة.
وهذا القول هو الصحيح.
• وذهب بعض العلماء إلى نجاستها، لعموم الأدلة الدالة على نجاسة الأبوال.
كحديث: (مرّ النبي -ﷺ- على قبرين فقال: … أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله …).
وحديث: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
والجواب عن هذا: أن هذه أحاديث عامة، وأحاديث بول مأكول اللحم خاصة، والخاص يقضي على العام.
[ ١ / ٦٠ ]
م/ وَمَنِيُ الآدَمِيُّ طَاهِر يَغْسِلُ رَطْبَهُ، وَيَفْرُكُ يَابِسَهُ.
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية.
لحديث عائشة قالت: (كنت أفركه - أي المني - من ثوب النبي -ﷺ- فيصلي فيه). رواه مسلم
وجه الدلالة: أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله -ﷺ- فركًا، وهذا دليل على طهارته، إذا لو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.
ولحديث ابن عباس قال: (سئل النبي -ﷺ- عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة). رواه الدار قطني.
قال ابن القيم: " إسناده صحيح ". قال البيهقي: " الصحيح أنه موقوف ".
وجه الدلالة: أن رسول الله -ﷺ- قرنه بالمخاط والبصاق، وهذه الأشياء طاهرة بالإجماع.
وذهب بعض العلماء إلى نجاسته.
لحديث عائشة قالت: (كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي -ﷺ- فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه). رواه البخاري
قالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته، لأن الطاهر لا يُطهر.
والجواب عن هذا:
١ - أن هذا الفعل محمول على الاستحباب جمعًا بين الأدلة.
٢ - أن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافيًا في الدلالة على نجاسته، وقد حث الإسلام على النظافة.
• وعليه فلو صلى الإنسان وعلى ثوبه مني، فصلاته صحيحة.
[ ١ / ٦١ ]
م/ وبَوْلُ اَلْغُلَامِ اَلصَّغِيرِ، اَلَّذِي لَمْ يَأْكُلِ اَلطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ: يَكْفِي فِيهِ اَلنَّضْحُ.
كَمَا قَالَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ-: (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
سبق أن البول نجس سواء كان بول كبير أو صغير، للأدلة الكثيرة على نجاسة الأبوال وأنه يجب غسله.
لكن يستثنى بول الغلام الصغير - فإنه وإن كان نجسًا - لكنه خفف في طهارته، وهو النضح.
بول: يخرج الغائط، فلا بد من غسله.
الغلام: يخرج الجارية فيغسل بولها.
لم يأكل الطعام: اختلف العلماء في المراد بالطعام الذي لم يأكله:
فقيل: ما عدا اللبن. وقيل: لم يأكل شيئًا. وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة. ورجحه الحافظ ابن حجر.
وعليه؛ فإذا طعم وأكل الغلام؛ فإنه يغسل بوله.
• فإذا كان الغلام لم يأكل الطعام، وبال على ثوب؛ فإنه يكتفى فيه بالنضح.
النضح: أن يغمر بالماء، ولا يحتاج إلى مَرْس وعصر.
والدليل على هذا:
حديث أبي السمح قال: قال -ﷺ-: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام.) رواه أبو داود.
ولحديث أم قيس بنت محصن: (أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله -ﷺ- في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله بماء فنضحه عليه ولم يغسله) متفق عليه.
• فإذا تغذى بالطعام صار بوله كبول الكبير، فإنه يجب غسله.
• الحكمة من التفرقة بين بول الصبي والجارية:
قيل: قال الحافظ: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة.
وقيل: إن بول الأنثى أنتن وأثقل من بول الغلام.
وقيل: أن بول الغلام يجتمع فيكتفى برشه، وأما بول الجارية فينتشر فلا بد من غسله.
والله أعلم.
[ ١ / ٦٢ ]
م/ وَإِذَا زَالَتْ عَيْنُ اَلنَّجَاسَةِ طَهُرَ اَلْمَحُلُّ وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ اَللَّوْنِ وَالرِّيحِ; لِقَوْلِهِ -ﷺ- لِخَوْلَةَ فِي دَمِ اَلْحَيْضِ يَكْفِيكِ اَلْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ.
أي إذا زالت النجاسة لكن بقي لونها مثلًا أو ريحها فهذا لا يضر، والمؤلف استدل لهذه المسألة بحديث خولة قالت: (يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: (فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره). رواه أبو داود وهو ضعيف.
فالثوب ونحوه إذا غسل من دم الحيض أو من أي نجاسة ثم بقي أثر لونه في الثوب أو البدن أنه لا يضر في كمال التطهير، أما إذا بقي شيء من جرمه فإنه لا يكفي.
[ ١ / ٦٣ ]