م/ وأن لا يكون فيها غررٌ وجهالة، لأن النبي -ﷺ- نهى عن بيع الغرر. رواه مسلم.
هذا هو الشرط الثاني من شروط البيع: ألا يكون فيها [أي البيوع] غرر وجهالة، وهي ما يعبر به في بعض كتب الفقه الأخرى: أن يكون مقدورًا على تسليمه.
لأن النبي -ﷺ- نهى عن بيع الغرر، وغير المقدور على تسليمه فيه غرر [فهو شبيه بالمعدوم]. لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا.
ولأن قبض المبيع واستيلاء العاقد عليه هو المقصود من البيع، وعلى هذا لا يجوز بيع غير المقدور على تسليمه لفوات الغرض المقصود، ولأنه غرر.
• الغرر: قال ابن تيمية: هو ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان مترددًا بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد، وقال ابن القيم: الغرر ما تردد بين الحصول والفوات. (الذي لا يدري حصوله، هل يحصل ام لا) كبيع جمل شارد.
• الجهالة: هو ما علم حصوله وجهلت صفته. مثال: قال المشتري: أشتري منك هذا الكتاب بالمال الذي في جيبي (هذا يسمى جهالة لأننا علمنا حصوله لكننا لا ندري مقدار الدراهم).
• والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم في باب البيع يدخل تحته مسائل كثيرة، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه.
قاعدة مهمة: كل معاملة محرمة إنما تحرم لواحد من أمور أربعة: إما لوجود الربا فيها، وإما لما فيها من الميسر [إما غانمًا أو غارمًا]، وإما لما فيها من الظلم والتغرير والخداع، وإما هذا العقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم [مثل البيع بعد نداء الجمعة الثاني، أو باع سلاحًا في فتنة، أو باع عنبًا لمن يتخذه خمرًا].
ثم ذكر المصنف - ﵀ - أمثلة لبيع الغرر فقال:
[ ١ / ٦٢٢ ]
م/ فيدخلُ فيه بيعُ الآبق والشارد.
بدأ المصنف - ﵀ - بذكر أمثله على هذا الشرط، فمن ذلك:
بيعُ الآبق: أي العبد الهارب من سيده، فلا يجوز بيعه، لأنه غرر، لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا.
وأيضًا هو داخل في الميسر أيضًا [لأنه دائر بين المغنم والمغرم]، لان البائع لن يبيعه بسعر مثله، لأنه آبق، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يباع الآبق بمثل سعر غير الآبق، وكذلك المشتري إذا حصل على العبد فهو غانم، وان لم يحصل فهو غارم، وهذا هو الميسر.
والشارد: أي البعير الشارد، فلا يجوز بيع الجمل الشارد لأنه غرر.
• وكذلك طير حمام في الهواء لا يجوز بيعه، لأنه غير مقدور على تسليمه، لكن إذا كان يألف المكان والرجوع إليه فهل يجوز بيعه؟ قولان:
القول الأول: المنع مطلقًا، وهذا المذهب.
والقول الثاني: الجواز، واختاره ابن عقيل، وهو الأظهر، فإن رجع إلى مكانه فذاك، وإلا فللمشتري الفسخ.
[ ١ / ٦٢٣ ]
م/ وأن يقولَ بِعتُكَ إحْدى السلعتين.
أي: لا يجوز أن يقول البائع للمشتري بعتك إحدى السلعتين، مثال: عنده كيس قهوة، وكيس أرز، فقال: بعتك إحدى الكيسين ب ٣٠٠ ريال، هذا لا يجوز، لأن هذا جهالة، لأنهما مختلفان، قيمة القهوة غير قيمة الأرز.
مثال آخر: إذا قال: بعتك إحدى السيارتين، فهذا لا يجوز، لأن هذا فيه جهالة وغرر.
• والمصنف - ﵀ - ينبغي أن يقيد ما قاله بالسلعتين (المختلفتين)، أما إذا كانت السلعتان متفقتين فهذا لا يؤثر، فلو كان عنده - مثلًا - عشر أكياس قهوة من نوع واحد، وقال بعت عليك واحد منها ب ٣٠٠ ريال صح البيع، لأن الأكياس ليست مختلفة ولا متفاوتة.
مثال آخر: إنسان عنده سيارتان من نوع واحد وبصفة واحدة فقال بعتك إحدى السيارتين، فإن هذا يجوز، لأن الإبهام لا يؤثر.
[ ١ / ٦٢٤ ]
م/ أو بمقدارِ ما تبلغُ الحصاةُ من الأرضِ ونحوهِ.
أي لا يجوز بيع تستعمل فيه الحصاة، وهذا من إضافة المصدر إلى نوعه، هذا يسمى بيع الحصاة، وهو حرام.
لحديث أبي هريرة. قال (نهى رسول الله -ﷺ- عن بيع الحصاة) رواه مسلم.
أمثلة:
كأن يقول: أي ثوب وقعت عليه هذه الحصاة فهو لك بكذا، فهذا ممنوع لأنه بيع مجهول، فقد يقع على نفيس فيتضرر البائع أو رخيص فيتضرر المشتري.
أو يقول البائع: خذ هذه الحصاة وارم بها فإلى أي مدى وصلت من الأرض فهي عليك بخمسين.
فهذا لا يجوز لأنه غرر، فقد تقع الحصاة قريبًا فيتضرر المشتري أو بعيدًا فيتضرر البائع وفيها جهالة أيضًا.
• الإسلام حرم بيع الغرر والجهالة لأنه يورث الخصومة والنزاع.
[ ١ / ٦٢٥ ]