م/ ومن أفطر فعليه القضاء فقط، إذا كان فطره بأكل أو بشرب أو قيء عمدًا، أو حجامة، أو إمناء بماشرة.
ذكر المصنف ﵀ - المفطرات التي تفطر الصائم، وأن من فعلها عالمًا عامدًا فعليه القضاء مع الإثم وليس هناك كفارة.
• قوله (بأكل أو بشرب).
هذا المفطّر الأول.
قال ابن قدامة: "وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء".
لقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل).
ولقوله -ﷺ- (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)
ومن الأدلة قوله -ﷺ- (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب ".
• لا فرق بين أن يدخل هذا الطعام عن طريق الفم أو عن طريق الأنف، لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة كما قال -ﷺ- للقيط بن صبرة (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).
• ويلحق بذلك الإبر المغذية لأنها تقوم مقام الأكل.
• قوله (أو قيء عمدًا).
هذا المفطر الثاني وهو القيء عمدًا. (أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى يخرج من فمه).
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ. [استقاء] طلب إخراج القيء من جوفه باختياره، [ذرعه] أي غلبه وقهره.
وقد حكاه ابن المنذر بالإجماع على أن القيء عمدًا يفطر.
وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: " إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستمرحًا ما لم يرجع فيه القيء باختياره " [نقله الشوكاني عنهم]
واستدلوا:
أن الحديث لا يصح، ولم يثبت دليل أن القيء مفطر، ولو كان مفطرًا لبينه النبي -ﷺ- بيانًا عامًا.
واستدلوا بحديث: (ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام). وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره
• الحكمة من الإفطار بالقيء أنه إخراج ما يضعف بدنه، قاله ابن تيمية.
• والقيء عمدًا يشمل ما إذا كان قيئه بالفعل كجذبه بيده، أو بالشم كأن يشم شيئًا له رائحة كريهة نفّاذة ليقيء بها، أو بالنظر كأن يتعمد النظر لشيء قبيح يقيئ به.
• قوله (أو حجامة).
هذا المفطر الثالث من مفطرات الصوم وهو الحجامة، وما ذكره المصنف - ﵀ - وهو أن الحجامة تفطر، هو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
[ ١ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُوم) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر.
لحديث ابن عباس: (أن النبي -ﷺ- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم). رواه البخاري.
ولما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- قال: (نهى النبي -ﷺ- عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه). قال الحافظ: " إسناده صحيح ".
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: (رخص للصائم بالحجامة والقبلة). وسنده صحيح إلى أبي سعيد وله حكم الرفع
وأجاب هؤلاء عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) بأجوبة:
أنه منسوخ، قال ابن عبد البر وغيره: "فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع"، وسبق ذلك الشافعي.
وقال ابن حزم: " صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي -ﷺ- في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا ".
وهذا القول هو الراجح، ويتفرع على هذا أن سحب الدم للتحليل أو التبرع لا يفطر مطلقًا، سواء كان كثيرًا أم قليلًا.
• أما الرعاف وخروج الدم من الجرح والسن إذا لم يبلعه فهذا لا يفطر مطلقًا، سواء كان كثيرًا أم قليلًا، لأنه خرج بغير اختياره، والأصل صحة الصوم إلا بدليل صحيح يدل على فساده.
• قوله (أو إمناء بماشرة).
[ ١ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا هو المفطر الرابع وهو الاستمناء بمباشرة، والمباشرة: التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مرادًا هنا، وإنما المراد أن يقبل زوجته مثلًا فينزل منيًا.
قال ابن قدامة في المغني: "القبلة لا تخلو من أمور:
• أن لا تنزل فلا يفسد صومه، قال: لا نعلم فيه خلافًا، لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
• أن يمني فيفطر بغير خلاف".
• اختار شيخ الإسلام أن نزول المذي لا يفطر، عملًا بالأصل، ولأن قياسه على المني لا يصح لظهور الفروق بينهما.
والدليل على أن تعمد الاستمناء بمباشرة مفسد للصوم، أن هذا من الشهوة التي تنافي الصوم، وقد قال النبي -ﷺ- فيما يرويه عن ربه (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه ابن خزيمة.
ومثله الاستمناء بيده فإن هذا مفسد للصوم.
• وأما إذا احتلم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح ولا يضره لأنه ليس باختياره).
• وأيضًا لو كرر النظر متعمدًا فأنزل منيًا فإنه يفسد صومه، لأنه إنزال بفعلٍ يتلذذ به يمكن التحرز منه، وأما إذا لم يكرر النظر فإنه لا يفطر ولو أنزل - وهذا المذهب - لعدم إمكان التحرز منه.
[ ١ / ٤٥٨ ]
م/ إلا من أفطر بجماع فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
هذا المفطر الخامس وهو الجماع في الفرج في نهار رمضان.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ؟ " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ -ﷺ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك) متفق عليه.
• الحديث دليل أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامدًا. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا".
• الحديث دليل على أن الوطء للصائم في نهار رمضان من الفواحش الكبار المهلكات، لأن النبي -ﷺ- أقره على أن فعله هذا مهلك.
• الحديث دليل على أن الوطء عمدًا يوجب الكفارة المغلظة، وهي على الترتيب:
عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وهذا مذهب جمهور العلماء على أنها على الترتيب لا على التخيير.
• تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط، فلو أن رجلًا جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان.
قال ابن قدامة: "ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء".
• اختلف العلماء هل (المرأة) عليها كفارة أم لا؟
القول الأول: ليس عليها كفارة.
وهو قول الشافعية، واستدلوا:
قال ابن حجر: "واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و(هل تجد) وغير ذلك …
واستدل الشافعية - أيضًا - بسكوته -ﷺ- عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة".
[ ١ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: عليها الكفارة.
وهو مذهب الجمهور.
لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل.
قال ابن حجر: "ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين".
وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها.
وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة):
قال الحافظ ابن حجر: "وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف".
قوله (فإنه يقضي) - المصنف - ﵀ - يقول أن على المجامع متعمدًا ذاكرًا قضاء هذا اليوم، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يقضي هذا اليوم.
وهذا اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية.
لأنه لم يأمره النبي -ﷺ- بالقضاء.
القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم.
وهذا مذهب جمهور العلماء. واستدلوا.
بحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) وجه الاستدلال: أن من استقاء عامدًا وجب عليه القضاء بنص هذا الحديث، فيكون حكم المجامع في وجوب القضاء مثل حكمه.
واستدلوا أنه جاء عند أبي داود أن النبي -ﷺ- أمر المجامع بالقضاء فقال له (صم يومًا مكانه) وهذه الزيادة مختلف في صحتها وضعفها ابن تيمية، وممن أثبتها الحافظ ابن حجر، وبين أن لها أصلًا كما في الفتح.
واستدلوا: أن الصوم إذا شغلت به الذمة لم تبرأ إلا بالأداء، فإذا فات وقته وجب القضاء.
واستدلوا بحديث ابن عباس عن النبي -ﷺ- أنه قال (فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري.
[ ١ / ٤٦٠ ]
م/ وقال النبي -ﷺ- (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاه) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أبي هريرة ليستدل به على أن الصائم إذا أكل أو شرب أو فعل مفطرًا من المفطرات ناسيًا فلا شيء عليه وجاء في رواية للحاكم (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ).
وهذا مذهب جمهور العلماء، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يفسد الصوم ويجب القضاء، وهو مذهب المالكية، واعتذروا عن العمل بالحديث بأنه لم يرد في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، ويرد هذا، رواية الحاكم: (من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء ولا كفارة).
• أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره، لما أخرجه أحمد عن أم إسحاق: (أنها كانت عند النبي -ﷺ- فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ؟ فقال لها النبي -ﷺ-: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك)، قال الحافظ ابن حجر: "وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره".
• هل يجب على من رأى من يأكل ويشرب في نهار رمضان أن يذكره أم لا؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنه يجب تذكيره.
واختار هذا القول الشيخ ابن باز وابن عثيمين.
لقوله -ﷺ-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). رواه مسلم
القول الثاني: أنه لا يجب تذكيره.
لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أو شرب نسيانًا ولم يرتكب حينئذٍ منكرًا، وإنما أطعمه الله وسقاه، والأول أرجح.
[ ١ / ٤٦١ ]
م/ وقال: (لَا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث سهل بن سعد (لا يزال الناس بخير ) ليستدل به على استحباب تعجيل الفطر.
• الحديث يدل على أدب من آداب الإفطار، وهو تعجيله والمبادرة به حين حلول وقته.
ومعنى التعجيل: أنه بمجرد غياب قرص الشمس من الأفق يفطر.
• أن في تعجيل الفطر ثمرات عظيمة:
o في تعجيل الإفطار اتباع هدي النبي -ﷺ-، فقد كان يعجل الإفطار.
عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله -ﷺ- في سفر وهو صائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا [أي اخلط السويق بالماء] فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: إن عليك نهارًا قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح لهم، فشرب النبي -ﷺ- ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا أفطر الصائم) متفق عليه
o تعجيل الفطر من أخلاق الأنبياء.
قال أبو الدرداء: (ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة). رواه الطبراني
o أن في تعجيل الفطور علامة أن الناس بخير.
للحديث الذي ذكره المصنف.
o في تعجيل الفطور مخالفة لليهود والنصارى.
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى
يؤخرون). رواه أبو داود
o في تعجيل الفطور تيسير على الناس، وبعد عن التنطع، وقد امتثل هذا الأدب الصحابة.
قال البخاري: " أفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس ".
وقال عمرو بن ميمون: (كان أصحاب محمد -ﷺ- أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا). رواه عبد الرزاق
• يفطر الصائم أول ما تغرب الشمس، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم).
قوله (فقد أفطر الصائم): قال ابن حجر: "أي دخل في وقت الفطر، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا في الحكم لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول".
قال ابن حجر: "ولا شك أن الأول أرجح".
[ ١ / ٤٦٢ ]
م/ وقال (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَة) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أبي هريرة (تسحروا ) ليستدل به على استحباب السحور.
• الحديث دليل على استحباب السحور، قال في المغني: "ولا نعلم فيه خلافًا " [أي في استحبابه].
وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السحور مندوب إليه".
وقال البخاري: "باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبي -ﷺ- وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور".
ويشير البخاري إلى حديث أبي هريرة -﵁- قال (نهى رسول الله -ﷺ- عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا).
• قوله (بركة) البركة في السحور تحصل بجهات متعددة:
o اتباع السنة.
o مخالفة أهل الكتاب، ففي صحيح مسلم قال رسول الله -ﷺ- (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة
السحر).
o أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام.
o أنه يكون سببًا للانتباه من النوم في وقت السحر الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا.
o مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع.
o الزيادة في النشاط.
o ويسن تأخير السحور، لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). متفق عليه
زاد أحمد (وأخروا السحور).
وعن أنس عن زيد بن ثابت أنه قال: (تسحرنا مع النبي -ﷺ- ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية). متفق عليه
فهذا الحديث يدل على أنه يستحب تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فقد كان بين فراغ النبي -ﷺ- ومعه زيد من سحورهما، ودخولهما في الصلاة، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية من القرآن، قراءة متوسطة لا سريعة ولا بطيئة، وهذا يدل على أن وقت الصلاة قريب من وقت الإمساك.
والمراد بالأذان الإقامة، سميت أذانًا لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة.
[ ١ / ٤٦٣ ]
م/ وقال -ﷺ- (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ) ليستدل به على استحباب الفطر على تمر.
• ففي هذا الحديث استحباب الفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء.
• هذا الأمر بالحديث للاستحباب، ويدل لذلك حديث ابن أبي أوفى قال: (سرنا مع رسول الله -ﷺ- وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، لو أمسيت …).
قوله (فاجدح) بالجيم ثم بالحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح.
قال ابن حجر: "وشذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء".
• الحكمة من الفطر على التمر:
قال ابن القيم ﵀: "وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، … وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان أولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده".
وقال الشوكاني: "وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة".
[ ١ / ٤٦٤ ]
م/ وقال -ﷺ- (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث (من لم يدع قول الزور …) ليستدل به على تحريم قول الزور والكذب في رمضان.
(لم يدع) لم يترك. (قول الزور) الكذب. (الجهل) السفه. (والعمل به) أي بمقتضاه.
• الحديث دليل على تحريم هذه الأشياء في نهار رمضان، وهي حرام في رمضان وغير رمضان لكنها في رمضان أشد تحريمًا
• الحديث دليل على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، ومثلها الغيبة والنميمة وغيرها.
• أن هذه الأفعال لا تبطل الصوم، وذهب ابن حزم إلى أنه يبطله كل معصية، قال ابن حجر: "وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلًا أو قولًا، وجمهور العلماء على أنها لا تفطر الصائم".
• آيات الحكمة من الشرائع، وأن فيها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطبائع.
• المقصود من شرعية الصيام تقوى الله، كما قال تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). فبين الله تعالى أن الحكمة من الصيام تقوى الله، وهي فعل الأوامر وترك النواهي.
ولهذا قال ابن القيم: "ففي الحديث الصحيح (من لم يدع قول الزور …) وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم ".
• قوله (فليس لله حاجة) قال ابن حجر: " فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.
[ ١ / ٤٦٥ ]
م/ وقال -ﷺ- (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث (من مات وعليه صيام …) ليستدل به على مشروعية الصيام عن الميت من قبل وليه.
• وهذا الأمر بالحديث بالصيام ليس للوجوب عند جمهور العلماء، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: " وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بكلامهم على قاعدته ".
الدليل على أنه غير واجب قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
• اختلف العلماء في الصوم الذي يقضى عن الميت:
القول الأول: أنه يقضى عنه النذر فقط.
وهو قول أحمد وإسحاق.
حملًا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس.
القول الثاني: يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع.
وهذا مذهب أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، واختاره الشيخ السعدي.
للحديث الذي ذكره المصنف: (من مات وعليه صيام …).
القول الثالث: لا يصام عن الميت مطلقًا.
وهذا مذهب الجمهور.
لقول ابن عباس: (لا يصلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد). أخرجه النسائي
ولقول عائشة: (لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم). أخرجه عبد الرزاق. قالوا:
فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.
قال ابن حجر: " وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدًا، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه ".
[ ١ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والراجح القول الثاني، وأنه يصام عنه الواجب بأصل الشرع والنذر.
• أجاب الجمهور عن حديث عائشة:
قالوا المراد بقوله (صام عنه وليه) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام.
قال الشوكاني: " وهو عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة".
ومن جملة أعذارهم: أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك.
قال الشوكاني: " وهو عذر أبرد من الأول ".
• متى يكون عليه صيام؟ يكون عليه صيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام.
مثال: إنسان نذر أن يصوم [٣] أيام، ثم مات من يومه، فهذا ليس عليه شيء لأنه لم يتمكن منه.
مثال آخر: إنسان مرض في: ٢٠ رمضان فأفطر، وتواصل به المرض شهر شوال وشهر ذي القعدة، ثم مات، فهذا ليس عليه صوم، فلا يقضى عنه، لأنه لم يمر عليه أيام يتمكن منها القضاء.
• اختلف في المراد بالولي:
فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبه، والأول أرجح.
[ ١ / ٤٦٧ ]