المراد بأهل الزكاة، أهلها الذين يستحقونها، التي جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيانهم.
م/ لا تدفع الزكاة إلا للأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله بقوله (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
ذكر المصنف - ﵀ - الآية التي فيها أهل الزكاة وهم:
لِلْفُقراء: هم من لم يجدوا شيئًا أو يجدون نصف الكفاية (هم أشد حاجة من المساكين).
وَالْمَسَاكِينِ: وهم الذين يجدون نصف الكفاية أو أكثرها، سموا بذلك لأن الفقر أسكنهم.
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: وهم جباتها وحفاظها، وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الصدقات من الأغنياء.
(لا يشترط أن يكونوا فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعملون لمصلحتها، فهم يعملون للحاجة إليهم، وفي الحديث: لا
تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: للعامل عليها ..).
العامل يشترط فيه شروط:
• أن يكون مسلمًا، لأنها ضرب من الولاية.
• أن يكون مكلفًا (بالغًا عاقلًا).
• أن يكون أمينًا، قال تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين).
• أن يكون أهلًا للعمل.
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: جمع مُؤَّلف، من التأليف، وهو جمع القلوب، والمراد به: السيد المطاع في عشيرته كما ذهب إليه بعض العلماء.
(لا يشترط أن يكون سيدًا مطاعًا في قومه كما ذهب إليه بعض العلماء، لأن الحكمة المتحققة في السيد المطاع متحققة في غيره).
أقسامهم:
o أن يكون كافرًا يرجى إسلامه فيعطى (لا بد من قرائن تدل على رغبته في الإسلام).
o أن يكون كافرًا يخشى شره فهذا يعطى إذا كان له سلطة ونفوذ.
o أن يرجى بعطيته قوة إيمانه، كأن يكون حديث عهد بإسلام.
• هذا الصنف - المؤلفة قلوبهم - منهم من يعطى للحاجة إليه، كمن يعطى لكف شره، ومنهم من يعطى لحاجة نفسه، كمن يعطى لقوة إيمانه ورجاء إسلامه.
• وسهم المؤلفة قلوبهم باقٍ بعد وفاة النبي -ﷺ- على القول الراجح - وهذا مذهب أكثر العلماء، لوجود العلة.
وَفِي الرِّقَابِ: ويشمل صور:
• إعطاء المكاتب: وهو الرقيق الذي اشترى نفسه من سيده، فهذا يعطى من الزكاة ليكون حرًا.
• أن يشترى من أموال الزكاة أرقاء يعتقون.
• فكاك الأسير المسلم، فيعطى الأسير من الزكاة لفكاكه من الأسر، لأن في ذلك فك رقبةٍ من الأسر، فهو كفك رقبة من الرق، ولأن في ذلك إعزازًا للدين.
[ ١ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغارمون: هو من عليه دين.
وهو ينقسم إلى قسمين:
o من تدين لمصلحة نفسه كأن يستدين لزواج أو غيره، فهذا يعطى إذا كان فقيرًا.
o من تدين لإصلاح ذات البين، فهذا يعطى من الزكاة ولو كان غنيًا، مثاله: كانت هناك عداوة وفتنة بين جماعتين، فدخل زيد للإصلاح بينهم، لكن لا يتمكن من الصلح بينهم إلا ببذل مال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحد منكما بمبلغ وقدره كذا من أجل الصلح، فيوافقون على ذلك، فهذا الرجل يعطى من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى هذا المبلغ الذي اشترطه على نفسه.
في سبيل الله:
وهم الغزاة المتطوعة ويشمل أيضًا ما يتعلق بالجهاد كآلات الحرب، وكل ما يتعلق بالجهاد.
• (قول بعض العلماء: إن (في سبيل الله) يشمل أيضًا جميع القرب كعمارة المساجد والطرق وغيرها، هذا القول ضعيف والصحيح أنه
مقصور بالمجاهدين الغزاة، لأن كثيرًا من الناس لو علموا لبنوا المساجد وتركوا كثيرًا من المستحقين).
ابن السبيل:
وهو المسافر الذي انقطع به الطريق (يعطى ما يوصله إلى حاجته ويرده إلى بلده).
• (يشترط أن يكون السفر مباحًا، لأننا لو قلنا يجوز في سفر المعصية لكان ذلك من باب التعاون على الإثم).
• (لا يشترط أن يكون فقيرًا، حتى لو كان غنيًا في بلده).
[ ١ / ٤٢٩ ]
م/ ويجوز الاقتصار على واحد منهم لقوله -ﷺ- لمعاذ (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) متفق عليه.
أي: أنه يجوز أن يدفع الزكاة لصنف واحد من هؤلاء الثمانية ولا يجب أن يعممهم، وهذا القول هو الصحيح من أقوال أهل العلم.
للحديث الذي ذكره المصنف (… صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) والفقراء صنف واحد من الأصناف الثمانية.
ولأن النبي -ﷺ- (أمر بني زُرَيْق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) رواه ابن خزيمة.
وقال -ﷺ- لقَبِيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها) رواه مسلم.
وذهب الشافعية إلى أنه يجب التعميم وإعطاء كل صنف من الأصناف الثمانية الثمن من الزكاة المجتمعة، واستدلوا بالآية (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ …). والصحيح القول الأول.
مسائل مهمة:
• يجب أخراج الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها.
لأن الله أمر بإيتاء الزكاة، والأمر يقتضي الفور، وأيضًا فإن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت، فيكون تأخيرها عنهم منعًا لحقهم في وقته.
• هناك حالات يجوز فيها تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، وهذه الحالات:
أولًا: إذا كان في تأخير إخراجها مصلحة للفقير، مثال: أكثر الناس يخرجون زكاتهم في شهر رمضان رغبة في حصول الأجر، لكن في بعض الأيام الأخرى كأيام الشتاء التي لا توافق رمضان قد يكون الفقراء أشد حاجة، فلو أخرها المزكي إلى هذا الوقت جاز ذلك، لأن في ذلك مصلحة لمستحقيها.
ثانيًا: أن لا يتمكن من إخراجها عند حلول الحول، كأن يكون هذا المال في ذمة موسر.
ثالثًا: إذا كان يتضرر بإخراجها في وقتها، كأن يخشى أن يرجع عليه الساعي مرة أخرى، أو يكون المزكي بين قوم لصوص ويخشى على نفسه وماله وعياله إن أخرجها نظروا إليه فيعلمون أن معه مالًا فيسطون عليه، فهنا يجوز له تأخيرها إلى حين زوال الضرر.
• فإن أخر الزكاة عن وقت الوجوب فتلفت فله حالتان:
الحالة الأولى: إن أخرها ثم تلف المال بسبب تفريطه أو بتعدٍ منه على المال فهنا لا تسقط الزكاة.
الحالة الثانية: وإن أخرها ثم تلف المال من غير تعد ولا تفريط منه فإنها تسقط عنه.
• إن تلف المال قبل وقت الوجوب سقطت الزكاة.
• يجوز تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب.
لحديث علي (أن النبي -ﷺ- تعجل من العباس صدقة سنتين). وهذا قول الجمهور.
ولأن في تعجيل الزكاة مصلحة لأهلها، وتأخيرها إلى حلول الحول من باب الرفق بالمالك، فإن أداها قبل تمام الحول عن رضا منه فلا مانع.
واختلف في التعجيل: فقيل: لا يجوز تعجيلها أكثر من عام، وقيل: يجوز لعامين وهذا الصحيح.
• فإن عجل إخراج زكاته فأعطاها لغير مستحقيها لم يجزئه ولو صار عند الوجوب من أهلها.
لأنه وقت الدفع ليس مستحقًا لها.
• وإن تعجل إخراج زكاته فأعطاها لمستحقها [لفقير أو مسكين]، ثم مات بعد أن قبضها أو استغنى بعد أن قبضها فإنها تجزئ، لأنه أداها إليه وهو من أهلها (فالعبرة بحال الإعطاء).
[ ١ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• لا يجوز إبراء المدين من الزكاة:
مثال: إنسان يريد من عمرو ألف ريال، وعليه زكاة ألف ريال، فقال لعمرو: أبرأتك من الدين الذي عليك مقابل الزكاة الذي علي.
هذا لا يجوز:
o لأن الزكاة أخذ وعطاء، وهذا ليس فيه أخذ ولا عطاء.
o وهذا أيضًا من باب إخراج الرديء عن الطيب، لأن الأموال الحاضرة أجود من المؤجلة.
o وأيضًا أن الغالب أن الذي يدفع هذا، لا يفعله إلا وقد يئس منه.
قال الشيخ ابن باز ﵀: "لا يجوز إسقاط الدين عن أحد من الناس بنية الزكاة" (فتاوى مجلة الدعوة: ٣/ ١٣٢)
مسالة: نقل الزكاة:
o لا خلاف في مشروعية تفريق الزكاة في بلد المال الذي وجبت فيه الزكاة.
o أيضًا لا خلاف في جواز نقلها إذا استغنى أهل بلد المال.
واختلفوا في نقلها إذا لم يستغن أهل بلد المال؟
القول الأول: يجب تفرقتها في بلد المال، وإن نقلها إلى بلد آخر أثم وأجزأته.
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية.
واستدلوا بقوله -ﷺ- لمعاذ ( صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) أي فقراء أهل اليمن.
وقالوا: إن زياد بن أبيه لما بعث عمران بن حصين ساعيًا في الزكاة، فلما قدم عليه عمران، قال له: أين المال، قال عمران: أللمال بعثتني؟ ثم قال: أخذناها من حيث كنا نأخذها في عهد رسول الله -ﷺ- ووضعناه فيما كنا نضعه في عهد رسول الله -ﷺ-، أي أنه صرفها في أهلها.
وقالوا: إن عمر لما بعث له معاذ زكاة أهل اليمن عاتبه على ذلك وقال له: لم أبعثك جابيًا، فقال له معاذ: لم أبعث إليك شيئًا وأنا أجد من يأخذه [يعني من أهل اليمن].
القول الثاني: يجوز النقل للمصلحة الشرعية [كقرابة محتاجين، أو من هم أشد حاجة من أهل بلد المال].
وهذا قول الحنفية واختاره ابن تيمية.
واستدلوا بالعمومات (إنما الصدقات للفقراء ) قالوا: إن الله لم يفرق بين فقراء وفقراء.
وبحديث معاذ ( فترد في فقرائهم) قالوا المراد بالفقراء هنا فقراء المسلمين.
وبقوله -ﷺ- لقَبِيصة بن المخارق - وقد تحمل حمالة وقدم على النبي -ﷺ- يريد منه العون على هذه الحمالة - قاله له
(أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) فدل على أن الصدقات تأتي إلى النبي -ﷺ-[هذا من أقوى الأدلة].
وهذا القول وجيه، وإنما قيدوه بالمصلحة جمعًا بين الأدلة.
[ ١ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• والأفضل أن يفرقها في فقراء بلده وفي ذلك فوائد:
أنه أيسر، وأقل خوفًا، وأن أهل بلده أقرب الناس إليه والقريب له حق، وأيضًا أن فقراء بلده تتعلق أطماعهم به وبما عنده من المال، وأيضًا أنه إذا أعطى أهل بلده صار بينه وبينهم مودة ورحمة.
• والأفضل أن يفرقها بنفسه.
لينال أجر القيام بتفريقها، وليبرئ ذمته بيقين، ويدفع عن نفسه المذمة ولا سيما إذا كان غنيًا مشهورًا، وربما ينال دعوة صادقة من فقير، وربما يعطيها للفقير وهو في وقت كربة فيتذكرها الفقير ويدعو له كل ما تذكره، لكن يجوز أن يوكل من يدفعها عنه.
• يجب إخراج الزكاة بنية.
فتجب النية على المخرج، لأن إخراج المال يكون للزكاة ويكون للصدقة، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية.
• إذا دفع الزكاة لمن يظنه أنه من أهلها، ثم بان أنه غنيًا، فإنها تجزئه.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ (قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِىَ فَقِيلِ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِه) متفق عليه.
ولأنه فعل ما استطاع عليه، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
[ ١ / ٤٣٢ ]