الآنية جمع إناء، كسقاء وأسقية، والإناء هو الوعاء، والمراد هنا: الآنية التي يكون فيها ماء الوضوء.
م/ وَجَمِيعُ اَلْأَوَانِي مُبَاحَةٌ.
أي جميع الأواني من خشب، أو جلود، أو صُفر، أو حديد، أو خزف، يباح اتخاذها واستعمالها.
• الاتخاذ: أن يقتنيه فقط، إما للزينة أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع فيه والشراء.
• الاستعمال: فهو التلبس بالانتفاع فيه، فيستعمله فيما يناسبه.
والدليل على أن جميع الأواني مباحة دليل عام ودليل خاص.
أما الدليل العام فسبق أن الأصل في الأشياء الإباحة.
وأما الدليل الخاص:
فقد ثبت عن النبي (أنه -ﷺ- اغتسل من جفنة). والجفنة: كالقصعة.
وثبت عن النبي -ﷺ- (أنه توضأ من توْر من صفر). رواه البخاري. التوْر: إناء يشرب فيه.
(وتوضأ من قربة). رواه البخاري ومسلم
(وتوضأ من إداوة). متفق عليه والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء.
• وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون الإناء ثمينًا، أي غالي الثمن كالجواهر والياقوت، وهذا مذهب أكثر العلماء، وأنه يجوز اتخاذها واستعمالها وأنها لا تلحق بالذهب والفضة.
قال الصنعاني: " الأظهر عدم إلحاقه وجوازه على أصل الإباحة لعدم الناقل عنهما ".
لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
وتخصيص النبي -ﷺ- الذهب والفضة بالمنع يقتضي إباحة ما عداهما.
ولأن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس.
• يشترط في الإناء أن يكون طاهرًا.
[ ١ / ٢٩ ]
م/ إِلَّا آنِيَةَ اَلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا، إِلَّا اَلْيَسِيرَ مِنْ اَلْفِضَّةِ لِلْحَاجَةِ; لِقَوْلِهِ -ﷺ- (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ اَلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي اَلْآخِرَةِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أي إلا آنية الذهب والفضة فلا يجوز الأكل والشرب فيهما.
لحديث حذيفة الذي ذكره المؤلف.
ولحديث أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). رواه مسلم
صحافهما: جمع صحيفة، وهي إناء من آنية الطعام، يقول أهل اللغة: إنها تشبع الخمسة من الرجال.
يجرجر في بطنه نار جهنم: الجرجرة هي صوت وقوع الماء وانحداره في الجوف؛ والمعنى: أن من شرب بآنية الفضة فكأنما يتجرع في بطنه نار جهنم.
• فلا يجوز الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة بالإجماع، بل هو من كبائر الذنوب.
وهل غير الأكل والشرب [كالاتخاذ والاستعمال] كالأكل والشرب أم لا؟
جمهور العلماء أن الاتخاذ والاستعمال كالأكل والشرب؛ فلا يجوز اتخاذ أو استعمال أواني الذهب والفضة [كأن يجعل عنده آنية ذهب أو فضة للزينة؛ مثل الإبريق أو غير ذلك].
لأن الرسول -ﷺ- ذكر الأكل والشرب لأنه أغلب أنواع الاستعمال، وما غلب به الحكم لكونه أغلب؛ لا يقتضي تخصيصه به.
ولأن العلة التي من أجلها حرّم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة موجودة في الاتخاذ والاستعمال.
وقيل: إن التحريم خاص بالأكل والشرب، وأن استعمال الأواني في غير الأكل والشرب كالتطيب والتكحل والوضوء والغسل ونحوها؛ فهو جائز.
واختار هذا القول الشوكاني والصنعاني.
وهؤلاء أخذوا بظاهر الحديث، قالوا: لأن النبي -ﷺ- نهى عن شيء مخصص وهو الأكل والشرب فيهما، فدل على أن ما عداهما جائز.
[ ١ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اختلف في العلة في النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:
فقيل: كسر قلوب الفقراء. وقيل: للخيلاء والإسراف. وقيل: التشبه بالمشركين، لقوله -ﷺ-: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
وقيل: إن هذا ينافي العبودية، ولهذا علل النبي -ﷺ- بأنها للكافر في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا.
• استثنى المؤلف فقال: " إلا اليسير من الفضة للحاجة ".
أي إذا حدث مثلًا شق في إناء، فيجوز أن يسده ويرقعه بفضة.
للحديث الذي ذكر المؤلف (أن قدح النبي -ﷺ- انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة.
قدح: إناء يشرب فيه. انكسر: أي شق. مكان الشعب: أي مكان الصدع والشق. سلسلة: أي سلكًا من الفضة.
فالحديث يدل على جواز إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من الفضة عند الحاجة إلى ذلك.
إذًا الشروط:
أولًا: أن يكون ذلك من فضة، فلا يجوز من ذهب لأن الذهب أغلى وأشد تحريمًا.
ثانيًا: أن تكون يسيرة.
ثالثًا: أن تكون لحاجة.
[ ١ / ٣١ ]