م/ (وكان -ﷺ- كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث عائشة (كان -ﷺ- كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) ليستدل به على مشروعية الاعتكاف.
• الاعتكاف لغة: الإقامة، يقال: عكف بالمكان إذا أقام فيه، ومنه قوله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون).
وشرعًا: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله.
الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في رمضان، وحكمه سنة للرجل والمرأة سواء.
قال تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).
نقل عن الإمام مالك أنه قال: (تأملت أمر الاعتكاف وما ورد فيه كيف أن المسلمين تركوه مع أن النبي -ﷺ- لم يتركه، فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم).
قال الزهري: "عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف مع أن النبي -ﷺ- ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله".
ويجب بالنذر: قال الحافظ: "وليس واجبًا إجماعًا إلا على من نذره".
لحديث عمر أنه قال: (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه
ولحديث عائشة: (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
• آكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي -ﷺ- اعتكفها حتى توفاه الله ﷿.
• اتفقوا على أنه لا حد لأكثره. [قاله في الفتح]، واختلفوا في أقله:
والأقرب يوم أو ليلة، ولعله يستأنس بما تقدم من إذن النبي -ﷺ- لعمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وفاء بنذره.
[ ١ / ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• مبطلاته:
o الجماع.
قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه".
وقال الحافظ ابن حجر: "واتفقوا على فساده بالجماع".
قال تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).
نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع.
o الخروج بجميع بدنه بلا عذر.
فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة.
لحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له). رواه أبو داود
• يشترط لصحة الاعتكاف المسجد، لقوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).
خروج المعتكف ينقسم إلى أقسام:
أولًا: الخروج بجميع البدن بلا عذر، فهذا يبطل الاعتكاف باتفاق الأئمة.
ثانيًا: خروج بعض المعتكف، فهذا لا يبطل الاعتكاف.
ثالثًا: الخروج لما لا بد منه كالغائط والبول.
قال ابن المنذر: "واجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج عن معتكفه للغائط والبول".
لحديث عائشة (وكان - أي النبي -ﷺ- لا يخرج إلا لحاجة الإنسان) أي البول والغائط.
قال الشوكاني: "وقع الإجماع على استثنائهما".
رابعًا: الخروج للأكل والشرب - ليس له ذلك إلا إذا لم يكن هناك من يأتيه به، وهذا مذهب الجمهور.
خامسًا: الخروج لصلاة الجمعة - إذا تخلل الاعتكاف جمعة وهو معتكف في مسجد غير جامع وجب عليه الخروج لصلاة الجمعة إذا كان من أهلها.
سادسًا: الخروج لقربة من القرب كعيادة مريض وصلاة جنازة - فهذا يجوز إذا اشترط ذلك.
قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد".
وقال في المغني: "لا نعلم فيه خلافًا".
لكن اختلفوا ما هو ضابط المسجد:
فقيل: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.
لحديث حذيفة مرفوعًا: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة). رواه سعيد بن منصور
وقيل: يصح في كل مسجد سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا. وقيل: لا يصح إلا في مسجد جماعة.
[ ١ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال شيخ الإسلام: "وهو قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه، إلا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد جماعة، وهذا القول هو الصحيح".
ولأن اعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين:
إما ترك الجماعة الواجبة - وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيرًا.
وأما الجواب عن حديث حذيفة: أنه حديث لا يصح، وعلى فرض صحته فهو محمول على الاعتكاف الأكمل.
• أن المرأة يشرع لها الاعتكاف كالرجل، ويصح اعتكافها في كل مسجد، ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها، وهذا مذهب الجمهور.
• لعموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).
• ولحديث عائشة وفيه: (استئذان أزواجه -ﷺ- أن يعتكفن في المسجد فأذن لهن). متفق عليه
وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه.
وهذا قول ضعيف، لأن موضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد.
شروط اعتكاف المرأة:
إذن الزوج، وإذا أمنت الفتنة، وأن تكون طاهرة.
• أن اعتكاف العشر الأواخر من رمضان آكد من العمرة في رمضان، والجمع بينهما أكمل، فإن كان لا بد لأحدهما دون الآخر، فالاعتكاف أفضل لوجوه:
أ. أن النبي -ﷺ- كان يعتكف العشر الأواخر ولم يعتمر.
ب. أن الاعتكاف يعتبر في بعض البلاد من السنن المهجورة، فكان إحياؤه أولى من العمرة في رمضان.
ج. ولأن الاعتكاف في العشر يفوت وقته بخلاف العمرة.
[ ١ / ٤٨٣ ]
م/ وقال -ﷺ- (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ …) ليستدل به على أنه يجوز شد الرحل لأحد هذه المساجد للصلاة بها أو للاعتكاف.
[لا تشد] تشد بضم الدال [الرحال [جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر، لأنه لازمه غالبًا. [الأقصى] سمي بذلك لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي أقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد.
• الحديث دليل على استحباب شد الرحال والسفر لقصد هذه المساجد الثلاثة، المسجد الحرام - والمسجد النبوي - والمسجد الأقصى.
والمصنف - ﵀ - ذكر هذا الحديث في باب الاعتكاف ليستدل به على أنه يجوز أن يرحل الإنسان ويشد رحله ويسافر ليعتكف في أحد هذه المساجد الثلاثة دون غيرها، فلو قال: أنا هذا العام سأعكتف بالمسجد الحرام، فإن هذا جائز ولا بأس، لأنه يجوز شد الرحل لهذه المساجد الثلاثة.
وهذه المساجد الثلاثة تتميز بمزايا:
أولًا: استحباب شد الرحال والسفر إليها للعبادة فيها [كما في الحديث الذي ذكره المصنف] وبالنسبة للمسجد الحرام فالسفر له واجب وغيره مستحب، قال ابن القيم: "وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيه غيرها".
ثانيًا: أن هذه المساجد أفضل البقاع.
ثالثًا: مضاعفة الصلاة فيها، فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقيل: بمائتين وخمسين صلاة.
رابعًا: أن هذه المساجد بناها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناه يعقوب، ومسجد المدينة بناه النبي محمد -ﷺ-.
ولكل مسجد فضائل خاصة نذكرها إن شاء الله في موضعها.
• تحريم شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة.
[ ١ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• تحريم شد الرحال لزيارة القبور، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
وهذا هو الصحيح، واختاره ابن تيمية ﵀.
لحديث الباب وهذا عام يشمل كل شيء من المساجد والمشاهد لمن زارها تعبدًا وتقربًا ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة بالحديث.
ولأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين لم يكن موجودًا في الإسلام وقت القرون الثلاثة - قرن الصحابة والتابعين
وأتباعهم - التي أثنى عليها رسول الله -ﷺ-، ولو كان هذا السفر جائزًا فلا بد أن يقع من أحدهم، ولم يحدث هذا السفر إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة.
• أن شد الرحال إلى مقابر الأنبياء والصالحين يؤدي إلى اتخاذها أعيادًا واجتماعات عظيمة، كما هو مشاهد.
ولا فرق بين شد الرحال إلى قبر الرسول -ﷺ- أو إلى غيره.
زيارة قبر الرسول -ﷺ- لها أحوال:
أولًا: تستحب زيارة قبره -ﷺ- لمن بالمدينة.
ثانيًا: تستحب زيارة قبره لمن زار مسجده.
ثالثًا: السفر وشد الرحل لقصد زيارة القبر فقط دون المسجد، وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء والصحيح أنه لا يجوز وغير مشروع ورجحه ابن تيمية.
لأن النبي -ﷺ- قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد …).
واستدل من قال بالجواز بأحاديث وردت في فضل زيارة قبر النبي -ﷺ-، لكن هذه الأحاديث كلها ضعيفة ولا يصح منها شيء كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀.
ومن هذه الأحاديث:
(من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي).
(من زارني بعد مماتي كنت له شفيعًا يوم القيامة).
أن السفر للتجارة وطلب العلم وزيارة القريب أو الأخ في الله، فهذا جائز، ولا يدخل في النهي باتفاق العلماء، لأمرين:
الأمر الأول: أن المسافر في هذه الحالات وما شابهها لم يقصد المكان لذاته، بل المراد ذلك المطلوب حيثما كان.
الأمر الثاني: أنه ورد أدلة تدل على جواز ذلك، فهي مخصصة لعموم هذا الحديث، كقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وكحديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: (أن رجلًا زار أخًا له في الله في قرية أخرى …). رواه مسلم
؛؛ والله أعلم؛؛
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
[ ١ / ٤٨٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح
منهج السالكين
وتوضيح الفقه في الدين
للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ).
كتاب الحج
دورة علمية في تاريخ ٢٤ - ١١/ ٢٩ - ١١
١٤٢٩ هـ
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
[ ١ / ٤٨٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد:
فهذا شرح كتاب منهج السالكين في توضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن السعدي ﵀،
قمت بشرحه في مدينة رفحاء ضمن الدورة العلمية الأولى التي أقامها مكتب الدعوة والإرشاد برفحاء.
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح.
أخوكم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
[ ١ / ٤٨٧ ]