التيمم لغة القصد، يقال تيمم الشيء وتيممه: أي قصده.
وشرعًا: مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب، بدلًا عن طهارة الماء عند تعذر استعماله.
وهو من خصائص هذه الأمة.
لقوله -ﷺ-: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي … وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) متفق عليه
وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).
والسنة أحاديث كثيرة:
منها حديث عمران بن حصين قال: (كنا مع النبي -ﷺ- في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك). متفق عليه
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير). رواه أحمد
• وكانت مشروعيته في السنة السادسة في غزوة بني المصطلق، لما ضاع عقد عائشة.
ففي الصحيحين عن عائشة: (أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله -ﷺ- رجالًا في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا رسول الله -ﷺ- شَكَوْا ذلك إليه، فقال: فأنزل الله آية التيمم). متفق عليه
م/ وَهُوَ اَلنَّوْعُ اَلثَّانِي مِنَ اَلطَّهَارَةِ.
تقدم النوع الأول وهو الطهارة بالماء، والدليل على أن التراب هو النوع الثاني قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فنص أولًا على الماء، وعند تعذره يرجع إلى التيمم.
[ ١ / ١٠٨ ]
م/ وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ اَلْمَاءِ إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ.
المؤلف يريد أن يذكر هنا متى يجوز التيمم، وذكر ﵀ أنه بدل عن الماء، ومن المعلوم أن البدل له حكم المبدل، فهذا يدل على أنه رافع ويقوم مقام الماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ). قالوا: هذا دليل على أن التيمم طهارة، فهو مطهر كما يطهر الماء بنص القرآن.
ولقوله -ﷺ-: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا). قالوا:
هذا دليل على أن التراب طهور للمتيمم كما أن الماء طهور له إلا أن طهرة التراب مؤقتة.
أنه بدل، والقاعدة الشرعية: (أن البدل له حكم المبدل).
وهذا القول هو الصحيح.
وذهب بعض العلماء إلى أنه مبيح لا رافع وهذا مذهب الشافعي ونسبه النووي للجمهور.
لحديث أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته). رواه الترمذي. قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج الماء إذا وجده. والأول أصح.
وعليه:
إذا تيمم لنافلة فإنه يصلي به فريضة وغيرها من الصلوات، ولا يبطل بخروج الوقت، لأنه يقوم مقام الماء.
وإذا تيمم لمس المصحف صلى به نافلة.
• قوله: (إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ) ذكر أن التيمم بدل عن الماء إذا تعذر استعماله لعدم، فهذا شرط التيمم: فقد الماء وتعذره.
وهذا شرط للتيمم بالإجماع.
فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافرًا، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم.
لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ولقوله -ﷺ- في الحديث السابق: (الصعيد طهور المسلم …).
• إذا وجد الماء لكن بثمن زائد كثيرًا:
قال بعض الفقهاء: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته.
وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.
لكن الصواب إن كان قادرًا على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.
لأن الله يقول: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). والماء هنا موجود.
• لكن إن كان غير واجد الثمن، أو ليس معه إلا بعضه؛ فهو عادم للماء، ولا يلزمه الاقتراض، لما في ذلك من المنة.
[ ١ / ١٠٩ ]
م/ أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ.
هذه من الحالات التي يجوز فيها التيمم، وهي إذا خاف باستعمال الماء الضرر، فيخاف إذا استعمل الماء معه يزيد عليه مشقة
• وكما لو حصل برد شديد، وعَدِمَ ما يسخن به الماء، وخاف الضرر من البرد، لأنه داخل في عموم قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) ولقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
ولحديث أبي سعيد الخدري قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله -ﷺ- فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين).
أو خاف باستعماله ضرر رفيقه أو حرمته أو بهائمه.
ضرر رفيقه: أن يكون معه قليل ورفقة، فإن استعمل الماء عطش الرفقة وتضرروا، فهنا يتيمم ويدع الماء للرفقة.
أو حرمته: خاف باستعمال الماء ضرر امرأته.
أو ماله: كما لو كان معه حيوان، وإذا استعمل الماء تضرر أو هلك.
وقول المصنف: (أو بعضها) أي عدم الماء لبعض أعضاء الطهارة.
مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط.
فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولًا ثم يتيمم.
لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).
ولقوله -ﷺ-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه
وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.
وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، وهذا اختيار المصنف.
والأول أرجح.
[ ١ / ١١٠ ]
م/ فَيَقُومُ اَلتُّرَابُ مَقَامَ اَلْمَاءِ بِأَنْ: يَنْوِيَ رَفْعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ اَلْأَحْدَاثِ.
فالتيمم يقوم مقام الماء، فإذا تيمم وكان عليه جنابة، فإن الجنابة ترتفع، وكذلك لو عليه أي حدث من الأحداث، فإن التيمم يرفعه.
فالتيمم بدل عن الماء والبدل له حكم المبدل.
فيجوز إذا تيمم لفريضة أن يصلي به فريضة أخرى، ولو تيمم لنافلة أن يصلي به فريضة، أو تيمم لقراءة قرآن كما سبق.
[ ١ / ١١١ ]
م/ ثُمَّ يَقُولَ: بِسْمِ اَللَّهِ.
أي يسن أن يقول قبل التيمم: بسم الله، وهذا سنة.
لأن التيمم بدل، والبدل له حكم المبدل.
[ ١ / ١١٢ ]
م/ ثُمَّ يَضْرِبَ اَلتُّرَابَ بِيَدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
أي أن التيمم ضربة واحدة.
لحديث عمار قال: (بعثني رسول الله -ﷺ- في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -ﷺ- فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجه). متفق عليه
وذهب بعض العلماء إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.
لحديث: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين). رواه الدارقطني وهو ضعيف
وقول المصنف: (بيديه) المراد باليدين هنا الكفان.
لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).
واليد إذا أطلقت فهي عبارة عن الكف.
ويدل لذلك قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) والمراد باليد هنا الكف، لأن القطع إنما يكون من الكف.
وفي حديث عمار السابق: (إنما يكفيك هكذا) ومسح وجهه وكفيه واحدة.
وقول المصنف: (يضرب التراب) اشترط بعض العلماء للتيمم أن يكون بتراب، وهذا قول الشافعي وأحمد.
لقوله -ﷺ-: (وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء). رواه مسلم
وفي حديث آخر: (وجعل التراب لي طهورًا) فقالوا: هذا مخصص لعموم: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا).
وقال بعض العلماء: لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب أو رمل أو صخر؛ وسواء كان يابسًا أم نديًا، واستدلوا:
بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) والصعيد هو وجه الأرض كان عليه تراب أو لم يكن.
ولقوله -ﷺ-: (حيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره) وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في أرض رملية فهي له طهور، أو في أرض حجرية فكذلك.
ولأن الرسول -ﷺ- لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك؛ قطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه.
[ ١ / ١١٣ ]
م/ يَمْسَحُ بِهِمَا جَمِيعَ وَجْهِهِ وَجَمِيعَ كَفَّيْهِ. فَإِنْ ضَرَبَ مَرَّتَيْنِ فَلَا بَأْسَ.
أي لا بد من مسح جميع الوجه وجميع كفيه، لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأيديكم منه).
ثم يمسح بيديه بعضها على بعض.
• فروض التيمم:
النية. قال ابن قدامة: " لا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصح إلا بنية ".
مسح الوجه واليدين إلى الكوعين.
الترتيب. لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين.
ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها.
لم يذكر المؤلف مبطلات التيمم، وهي:
أولًا: وجود الماء.
فإذا تيمم لعدم وجود الماء بطل بوجوده.
ويبطل التيمم بوجود الماء حتى ولو وجده في أثناء الصلاة.
مثال: إنسان تيمم لعدم الماء، ثم صلى، وفي أثناء الصلاة وجد الماء، إما بنزول مطر أو قدوم شخص معه الماء، فهنا يبطل تيممه ويقطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة.
وهذا القول هو الراجح.
لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وهذا واجد للماء فيبطل حكم التيمم.
ولقوله -ﷺ-: (… فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته). رواه أبو داود
وهذا واجد للماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة ورجحه ابن حزم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يكمل الصلاة ولا يقطعها.
والصحيح الأول.
• وأما التيمم لمرض لم يبطل بوجوده، لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، ولكن يبطل بالبرء وزوال المبيح وهو المرض.
ثانيًا: بمطلات الوضوء.
لأن البدل له حكم المبدل.
فائدة:
• التيمم يكون عن الحدث الأصغر والأكبر.
• التيمم صفة واحدة سواء في الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر.
• ذهب جمهور العلماء إلى أن فاقد الماء يجوز له أن يجامع أهله ولو لم يكن معه ماء.
[ ١ / ١١٤ ]
م/ وَمَنْ عَلَيهِ حَدَثٌ أَصَّغَر لَمْ يحِل لَهُ أَن يُصَلِّي.
أي أن من عليه حدث أصغر - والحدث الأصغر هو ما أوجب وضوءًا - فإنه لا يجوز له أن يصلي.
لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ …)
ولقوله -ﷺ-: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
وتحريم الصلاة على المحدث تعم الفرض والنفل، حتى صلاة الجنازة.
[ ١ / ١١٥ ]
م/ وَلَا أَنْ يَطُوفَ بِالبِيت).
أي لا يحل له أن يطوف بالبيت حتى يتوضأ.
وهذا مذهب جمهور العلماء (كما قاله النووي).
لحديث عائشة: (أن النبي -ﷺ- أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت). رواه مسلم
وذهب بعض العلماء ومنهم ابن تيمية إلى أنه لا يشترط الوضوء للطواف وإنما هو مستحب فقط.
قالوا: لأنه لم ينقل عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالطهارة للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة والناس يعتمرون معه، ولو كان الوضوء فرضًا للطواف لبيّنه النبي -ﷺ- بيانًا عامًا، ولو بيّنه لنقل ذلك المسلمون ولم يهملوه.
قال شيخ الإسلام: " والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا، فإنه لم ينقل أحد عن النبي -ﷺ- لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب ".
وما رجحه ابن تيمية هو قول جماعة من السلف فقد روى ابن أبي شيبة عن شعبة بن الحجاج قال: (سألت حمادًا ومنصورًا وسلمان؛ عن الرجل يطوف بالبيت من غير طهارة؟ فلم يروا به بأسًا).
وأما حديث ابن عباس: (الطواف بالبيت صلاة)، فالجواب عنه:
أنه حديث موقوف عن ابن عباس كما رجحه النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وابن تيمية.
وأيضًا معناه منتقض، لأن معناه أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلا الكلام، ولا قائل بذلك، يجوز فيه الأكل والشرب والضحك، وليس فيه تكبير ولا تسليم ولا قراءة.
[ ١ / ١١٦ ]
م/ وَلَا يَمَسّ المُصَّحَف.
أي لا يحل للمحدث أن يمس المصحف.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
لقوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) قالوا: فالمراد به القرآن الذي بين أيدينا (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) المنزل هو القرآن.
ولحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن النبي -ﷺ- كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه: أن لا يمس أحد القرآن إلا طاهر). رواه مالك
قالوا: والمراد بطاهر؛ أي طاهر من الحدث.
والظاهر أن الاستدلال بالآية لا يتم، لأن المراد بالكتاب في هذه الآية - والله أعلم - الكتاب الذي بأيدي الملائكة.
قال الشوكاني: " وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القرآن، والطاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة ".
فالاستدلال بالحديث أظهر.
وأن معنى: (إلا طاهر) إلا متوضئ، خلافًا لمن قال (إلا طاهر) المراد به المسلم دون المشرك، لكن الصحيح أن يحمل على المتوضئ:
أولًا: لأنه كثير في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ.
ثانيًا: لأن الصحابة فهموا ذلك وأفتوا به، بأنه لا يمس القرآن إلا على طهارة.
ثالثًا: لأنه لم يعهد على لسان الرسول -ﷺ- أن يعبر عن المؤمن بالطاهر، لأن وصفه بالإيمان أبلغ.
• المصحف: هو القرآن المكتوب من الفاتحة إلى سورة الناس، وهذا اللفظ كان معروفًا عند الصحابة.
قال ابن مسعود: " أديموا النظر في المصحف ".
• المس: هو إصابة الشيء وملامسته.
[ ١ / ١١٧ ]
م/ وَيَزِيدُ مَنْ عَلَيهِ جَنَابَة أّنَّهُ لَا يَقرَأُ شَيئًَا مِنَ القُرْآن.
أي أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يقرأ شيئًا من القرآن [غيبًا].
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث علي قال: (كان رسول الله -ﷺ- يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا). رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر
ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن). رواه الترمذي وابن ماجه، وهو ضعيف بالاتفاق
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للجنب أن يقرأ القرآن.
وذهب إليه ابن عباس، فقد ذكر عنه البخاري في صحيحه تعليقًا مجزومًا بصحته، فقال: " لم ير ابن عباس بالقرآن للجنب بأسًا ".
وجاء هذا القول عن سعيد بن المسيب.
وهذا مذهب داود الظاهري والطبري وابن حزم وابن المنذر في الأوسط.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه). رواه مسلم
والراجح الأول.
وأيضًا الجنب يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو التراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة.
[ ١ / ١١٨ ]
م/ وَلَا يَلْبَث فِي المَسْجِد بِلَا وُضُوء.
أي لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يلبث في المسجد بلا وضوء.
لقوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) أي لا تقربوا مواضع الصلاة جنبًا إلا عابري سبيل.
والمراد بعابر السبيل: المار في المسجد سواء لحاجة أو لغيرها.
فلو توضأ جاز له اللبث، وهذا مذهب أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١ / ١١٩ ]
م/ وَتَزِيدُ الحَائِضُ وَالنُّفُسَاء.
أي يحرم بسبب الحيض والنفاس الأمور السابقة، وهي:
الصلاة، والطواف، ومس المصحف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد.
• لكن قراءة القرآن ذهب بعض العلماء إلى جوازها وأن الحائض لا تمنع منها.
لعدم الدليل.
وأما حديث: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن) ضعيف بالاتفاق.
وقد كان النساء يحضن في عهد رسول الله -ﷺ-، فلو كانت القراءة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي -ﷺ- لأمته.
وهذا القول هو الصحيح، ولأن حدثها يطول بخلاف الجنب.
• وأما اللبث في المسجد فجمهور العلماء على تحريم ذلك.
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). رواه أبو داود
ولأن النبي -ﷺ- أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى.
ولحديث عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال لها: (ناوليني الخمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال -ﷺ-: إن حيضتك ليست في يدك). رواه مسلم
فقولها (إني حائض) هذا دليل على أنه كان معروفًا أن الحائض لا تمكث في المسجد.
وذهب بعض العلماء إلى جواز المكث في المسجد.
لحديثَ عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَىٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِى بِهِ قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّى لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِى اتَّهَمْتُمُونِى بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِى فَتَحَدَّثُ عِنْدِى قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِى مَجْلِسًا إِلاَّ قَالَتْ وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِى قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِى مَقْعَدًا إِلاَّ قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِى بِهَذَا الْحَدِيثِ).
فهذه المرأة ساكنة في المسجد، ومن المعلوم أن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر، فلم يمنعها النبي -ﷺ- ولم ينهها.
والراجح الأول، وأما قصة هذه المرأة فهي قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من الحيض.
[ ١ / ١٢٠ ]
م/ وَتَزِيدُ الحَائِضُ وَالنُّفُسَاءُ أَنَّهَا لَا تَصُوم.
فلا يجوز للحائض أن تصوم فرضًا أو نفلًا.
قال -ﷺ-: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم). متفق عليه
ولحديث عائشة لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). متفق عليه
قال النووي: " هذا الحكم متفق عليه، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وأجمعوا على أنه لا يجب عليها قضاء الصلاة، وأجمعوا على أنه يجب عليها قضاء الصوم ".
[ ١ / ١٢١ ]
م/ ولَا يَحِلُّ وَطُؤُهَا.
أي يحرم على زوجها أن يجامعها في الفرج.
وهذا بالاتفاق.
قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).
والمراد بالمحيض زمان الحيض ومكانه وهو الفرج.
وقال -ﷺ-: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). النكاح: أي الجماع
وقال -ﷺ-: (من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد). رواه الترمذي
قال الشوكاني: " ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهذا معلوم من ضرورة الدين ".
• أما المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة؛ فهذا جائز بالاتفاق.
قال النووي: " وهو حلال باتفاق العلماء ".
• وأما ما بين السرة والركبة:
فقيل: إنه حرام. وقيل: إنه جائز.
والصحيح أنه جائز بشرطين:
أولًا: أن يتقي الفرج.
ثانيًا: أن لا يخش أن يؤدي به ذلك إلى الوقوع في الحرام.
[ ١ / ١٢٢ ]
م/ وَلَا طَلَاقُهَا.
أي ويحرم طلاق الحائض.
لحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ [فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)
الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض وفاعله عاصٍ لله إذا كان عالمًا بالنهي، ويؤخذ هذا الحكم من وجهين:
أولًا: من قوله (فتغيظ رسول الله) ومعلوم أن النبي -ﷺ- لا يتغيظ إلا على أمرٍ محرم.
ثانيًا: أن النبي -ﷺ- أمر ابن عمر بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر - فدل على أن تطليقها في الحيض محرما، إذ لو لم يكن محرما لأقر النبي التطليق في الحيض - ويغني عن الطلقة التي تأتي في الطهر.
نقل جماعة من العلماء: الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم: ابن المنذر - ابن قدامة - النووي.
وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فيجوز تطليقها مطلقًا حائضًا أو طاهرًا، لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة. [وهذا مذهب الأئمة الأربعة].
[ ١ / ١٢٣ ]