الجمع: هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى. والصلاتان التي يصح جمعهما (المغرب والعشاء، والظهر والعصر).
• والجمع له أسباب كثيرة منها ما ذكره المصنف وهو المرض إذا كان يشق عليه فعل كل صلاة في وقتها فقال:
م/ وإن شق عليه فعلُ كل صلاةٍ في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين في وقت إحداهما.
أي: يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يفعل كل صلاة في وقتها - إما لشدة مرضه، أو صعوبة الوضوء لكل صلاة، أو يتأثر بالقيام والقعود إذا فرق بين الصلاتين والمشقات متعددة - أن يجمع بين الصلوات.
ودليل ذلك: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (جمع رسول الله -ﷺ- في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر، فقال سعيد: سألت ابن عباس لم فعل ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمته) متفق عليه.
فهذا يدل على أن المكلف متى لحقه حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، ويؤيد ذلك عمومات الشريعة في التيسير ورفع الحرج عن الأمة.
وإذا كان الجمع يجوز للمسافر لتعب السفر ومؤونته تخفيفًا وتيسيرًا عليه، فالمريض أولى بذلك.
• وقوله (بين الظهر والعصر) يدل على أن الجمعة لا تجمع مع العصر، لأن الجمعة صلاة مستقلة منفردة بأحكامها، لم يرد ما يدل على جمعها مع العصر.
• وقوله (بين العشاءين) أي المغرب والعشاء، وهو من باب التغليب كالقمرين والعمرين، وأما الفجر فلا تجمع لما قبلها ولا لما بعدها لانفصال وقتها.
• وقوله (في وقت إحداهما) أي: إما في وقت الظهر - وهو جمع تقديم - أو في وقت العصر - وهو جمع تأخير، والأفضل يفعل الأرفق والأسهل به.
• ثم ذكر المصنف ﵀ السبب الثاني من أسباب الجمع وهو السفر فقال:
[ ١ / ٣٠٥ ]
م/ وكذا المسافر يجوز له الجمع.
أي: ويجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
لحديث ابن عمر قال (كان النبي -ﷺ- يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير) متفق عليه.
[جد به السير] أي اشتد به السير وأسرع للأمر الذي يريده.
وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله -ﷺ- يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء) رواه البخاري.
لحديث أنس -﵁- قال (كان رسول الله -ﷺ- إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرحل صلى ثم ركب) متفق عليه.
وَعَنْ مُعَاذٍ -﵁- قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
• والجمع قسمان:
القسم الأول: قسم متفق عليه بين العلماء، وهو الجمع بعرفة ومزدلفة.
القسم الثاني: مختلف فيه، وهو الجمع للسفر، ومذهب جمهور العلماء على جوازه.
قال في المغني: "وهو قول أكثر أهل العلم".
قال البيهقي: "الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة ما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين ". فهو قول الشافعي وأحمد، واستدلوا، بالأحاديث الماضية.
ولأن النبي -ﷺ- جمع في عرفة ومزدلفة.
وعن ابن عباس: (أن النبي -ﷺ- جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته). رواه مسلم
• ذهب بعض العلماء إلى أن الجمع خاص بمن جدّ به السير.
لحديث ابن عمر، وفيه: (رأيت رسول الله -ﷺ- يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير).
وذهب الأكثر إلى جوازه للجادّ بالسير والمقيم، وهذا هو الصحيح لحديث معاذ السابق (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
لكن بالنسبة للنازل إن صلى كل صلاة في وقتها فهو أفضل إن لم يكن محتاجًا للجمع، فإن احتاج المسافر إلى النوم والاستراحة أو الأكل أو نحو ذلك، فلا بأس بالجمع، لأن المسافر وإن كان نازلًا قد يعرض له أحوال يحتاج معها إلى الجمع بين الصلاتين.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، وفي حق السائر مستحب".
• الأفضل في الجمع فعل الأرفق بالمسافر من تقديم وتأخير، لقوله تعالى:﴾ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴿.
[ ١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجمع إنما شرع رفقًا بالمكلف، فما كان هو أرفق فهو أفضل.
• لم يذكر المصنف - ﵀ - شروط الجمع، فمن شروطه:
أولًا: الترتيب.
بأن يبدأ بالأولى ثم الثانية، لأن النبي -ﷺ- قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأن الشرع جاء بترتيب الأوقات والصلوات، فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه.
• بعض العلماء قال: يشترط له النية، أي لا بد أن ينوي عند افتتاح الأولى.
مثال: دخل في الصلاة الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع.
مثال آخر: إنسان صلى الأولى، وبعدما سلم نوى الجمع.
وقال بعض العلماء لا يشترط للجمع نية، وهذا هو الراجح، ورجحه النووي وابن حجر.
لأن الرسول -ﷺ- لما جمع بأصحابه لم يعلمهم بأنه سيجمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه سيجمع حتى قضى الصلاة الأولى.
قال ابن تيمية: "إن النبي -ﷺ- لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم".
فهذا القول هو الراجح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود سبب الجمع عند الجمع
• وبعض العلماء قال: يشترط الموالاة، بأن لا يفرق بين الصلاة تفريقًا كثيرًا.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط، واختاره ابن تيمية، فيجوز مثلًا أن يصلي الظهر، ثم يتوضأ ويستريح، ثم يصلي العصر، لأن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل، فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا.
وهذا هو الراجح.
فائدة: أن الصلاة الجمع تصلى بأذان واحد وإقامتين. [وسبقت المسألة]
فائدة: رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى.
لا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها.
[ ١ / ٣٠٧ ]