الفدية ما يعطى لفداء شيء، وهي ما افتدى الإنسان نفسه بفعل محظور أو ترك واجب.
م/ وَأَمَّا فِدْيَةُ اَلْأَذَى: إِذَا غَطَّى رَأْسَهُ، أَوْ لَبِسَ اَلْمَخِيطَ، أَوْ غَطَّتْ اَلْمَرْأَةُ وَجْهَهَا، أَوْ لَبِسَتِ اَلْقُفَّازَيْنِ، أَوْ اِسْتَعْمَلَا اَلطِّيبَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ.
فدية محظورات الإحرام تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما لا فدية فيه [وهو عقد النكاح].
القسم الثاني: ما فديته فدية أذى وهي صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
وهي التي ذكرها المؤلف: تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو تغطية المرأة وجهها أو لبست قفازين، أو استعمال الطيب.
كما قال تعالى (فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك).
[صيام] مجمل بينه الرسول -ﷺ- بأنه ثلاثة أيام [صدقة] مجملة، بينها الرسول -ﷺ- بأنها إطعام ستة مساكين [نسك] ذبيحة.
وعن كعب بن عجرة -﵁- قال (حملت إلى رسول الله -ﷺ- والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ ما أرى؟ أتجد شاة؟ فقلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) متفق عليه.
القسم الثالث: ما فديته مغلظة: وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول. [وسبق].
القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو مثله وهو قتل الصيد كما سيذكره المؤلف.
[ ١ / ٥٦٧ ]
م/ وَإِذَا قَتَلَ اَلصَّيْدَ خُيِّرَ بَيْنَ: ذَبْحِ مِثْلِهِ - إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ اَلنَّعَمِ. وَبَيْنَ تَقْوِيمِ اَلْمِثْلِ بِمَحَلِّ اَلْإِتْلَافِ، فَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ،، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ إِطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا.
فدية قتل الصيد يخير بين هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها المؤلف:
مثال: المحرم إذا قتل حمامة فإنه مثلها شاة، فنقول المحرم مخير: إما أن يذبح شاة ويتصدق بها على فقراء الحرم لقوله تعالى (هديًا بالغ الكعبة).
أو يقوّم الشاة بدراهم [يقومها في محل الإتلاف مثلا الشاة قيمتها ٣٠٠] ويشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًا من البر، وإذا كان الطعام من غير البر يعطي الفقير مدين [يعني نصف صاع].
أو يصوم عن كل مسكين يومًا. ال ٣٠٠ يطعم بها ١٠٠ مسكين، يصوم ١٠٠ يوم.
ومثل ذلك النعامة قضى بها الصحابة بعير.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا).
• يشترط أن المثل للصيد يذبح بالحرم ويوزع على فقراء الحرم. وأما الصيام ففي أي مكان.
[ ١ / ٥٦٨ ]
م/ وَأَمَّا دَمُ اَلْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَيَجِبُ فِيهِمَا مَا يُجْزِئُ فِي اَلْأُضْحِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي اَلْحَجِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ اَلتَّشْرِيقِ عَنْهَا وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ.
أي أن الهدي الذي على المتمتع وعلى القارن يجب أن تتوفر فيه شروط الأضحية [وستأتي إن شاء الله] كأن تكون سليمة من العيوب، وبلغت السن المعتبرة، وتكون من بهيمة الأنعام، وفي الوقت المحدد.
وقد سبق شرح من لم يجد الهدي صام عشرة أيام [سبق شرحها].
[ ١ / ٥٦٩ ]
م/ وَكَذَلِكَ حُكْمُ: مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا.
يعني مَن ترك واجبًا مِن واجبات الحج، كمَن تَرَك الإحرامَ من الميقات، أو ترك الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، أو ترك المبيتَ بمزدلفة، أو ترك رمي جمرة العقبة، أو ترك الحلق، أو ترك رمي الجمار أيام التشريق، أو ترك المبيت ليالي التشريق بـ (مِنى)، أو ترك طواف الوداع، ترك واجبًا من واجبات الحج لعذر، لأن - كما قلنا - المؤمن ما يكون ولا يقع منه أن يترك واجبًا هكذا بدون عذر، وإنما ترك الواجب لعذر، فإنّ هذا عليه دم - كما عليه أكثر العلماء -.
يقول المؤلف: إذا عجز عن هذا الدم يصوم عشرةَ أيام، قياسًا على دمِ المتعة والقِران.
وهذا القياس فيه نظر، ولذلك ذهب بعض العلماء إلى أنه ليس عليه شيء إنْ قَدِرَ على الدم فبها ونعمت، وإنْ لم يَقْدِر؛ سقط عنه.
[ ١ / ٥٧٠ ]
م/ وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إِحْرَامٍ: فَلِمَسَاكِينِ اَلْحَرَمِ مِنْ مُقِيمٍ وَأُفُقِيٍّ.
[الأفقي] من غير أهل الحرم لكنه فقير.
أي: لو أن محرمًا عليه هدي بسبب ترك واجب، أو فعل محظور، فإنه يكون لفقراء الحرم ولا يأكل منه.
[ ١ / ٥٧١ ]
م/ وَيُجْزِئُ اَلصَّوْمُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
الصومُ هنا في كفارات الإحرام، كشخص عليه فدية أذى - وفدية الأذى كما هو معلوم: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام - واختار صيام ثلاثة أيام، فهذا الصوم يجوز بكل مكان.
وكذلك الصوم على المتمتع والقارِن إذا لم يجد هديًا يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج، فهذا الصوم يجوز في كل مكان.
[ ١ / ٥٧٢ ]
م/ وَدَمُ اَلنُّسُكِ -كَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ- وَالْهَدْيِ، اَلْمُسْتَحَبُّ: أَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ وَيُهْدِي وَيَتَصَدَّقُ.
وهذا دم الشكران: [الهدي، الأضحية، العقيقة] مِن السُّنّة أن يأكل منه كما أكل النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِن هَدْيه، كما تقدم.
[ ١ / ٥٧٣ ]
م/ وَالدَّمُ اَلْوَاجِبُ لِفِعْلِ اَلْمَحْظُورِ، أَوْ تَرْكِ اَلْوَاجِبِ -وَيُسَمَّى دَمَ جُبْرَان- لَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى اَلْكَفَّارَاتِ.
لأنه لِجَبر خللٍ ونقصٍ حَصَلَ منك، فتتركه كلَّه لله، لأنه كالكفارات، والكفارة لا يأكلُ الإنسانُ منها شيئًا، لأنها لله ﷾.
مثال: شخص لم يطف الوداع فعليه دم [لأنه ترك واجبًا] هذا الدم لا يأكل منه.
مثال آخر: شخص لم يبت بمزدلفة فعليه دم [لأنه ترك واجبًا] هذا الدم لا يأكل منه.
مثال آخر: إنسان حلق شعره، فهذا محظور واختار أن يذبح دمًا، فإنه لا يأكل من هذا الدم.
[ ١ / ٥٧٤ ]
م/ وَشُرُوطُ اَلطَّوَافِ مُطْلَقًا: اَلنِّيَّةُ.
النية شرط لجميع العبادات، فلو طاف ولم ينو لم يصح طوافه.
مثال: فلو أن رجلًا جعل يدور حول الكعبة يتابع مدينًا له يطلبه دينًا مثلًا، فإنه لا يصح طوافه لأنه لم ينو.
[ ١ / ٥٧٥ ]
م/ وَالِابْتِدَاءُ بِهِ مِنْ اَلْحَجَرِ.
يبدأ الشوط من الحجر، والمراد به الحجر الأسود، فمن الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط كامل، فلو نقص لم يصح كما سبق.
[ ١ / ٥٧٦ ]
م/ وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَلِمَهُ وَيُقَبِّلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اَللَّهِ اَللَّهُ أَكْبَرُ، اَللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-.
تقدم شرحه بالتفصيل
[ ١ / ٥٧٧ ]
م/ وَأَنْ يَجْعَلَ اَلْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ.
وهذا بالإجماع لحديث جابر (أن رسول الله -ﷺ- لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يساره ..) رواه مسلم.
وقد ذكر بعض العلماء تعليلات لذلك:
قيل: أن القلب باليسار وهو بيت تعظيم الله ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل عن يساره ليقرب محل ذكر الله، وقيل: أن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، فيعلو الأيمن على الأيسر.
[ ١ / ٥٧٨ ]
م/ وَيُكَمِّلُ اَلْأَشْوَاطَ اَلسَّبْعَةَ.
سبق شرحه، وأنه لو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح طوافه.
[ ١ / ٥٧٩ ]
م/ وَأَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ اَلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ.
أي: يشترط لصحة الطواف أن يكون طاهرًا من الحدث الأكبر [وهو ما أوجب غسلًا كالجنابة] ومن
الحدث الأصغر [وهو ما أوجب وضوءًا].
أما الطهارة من الحدث الأكبر فهذا لابد منه.
أما الطهارة من الحدث الأصغر فهذه شرط عند جمهور العلماء لحديث عائشة: (أن النبي -ﷺ- أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت). رواه مسلم.
ولحديث ابن عباس. قال: قال -ﷺ- (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) رواه الترمذي.
وذهب بعض العلماء ومنهم ابن تيمية إلى أنه لا يشترط الوضوء للطواف وإنما هو مستحب فقط.
قالوا: لأنه لم ينقل عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالطهارة للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة والناس يعتمرون معه، ولو كان الوضوء فرضًا للطواف لبيّنه النبي -ﷺ- بيانًا عامًا، ولو بيّنه لنقل ذلك المسلمون ولم يهملوه.
قال شيخ الإسلام: " والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا، فإنه لم ينقل أحد عن النبي -ﷺ- لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب ".
وما رجحه ابن تيمية هو قول جماعة من السلف فقد روى ابن أبي شيبة عن شعبة بن الحجاج قال:
(سألت حمادًا ومنصورًا وسلمان؛ عن الرجل يطوف بالبيت من غير طهارة؟ فلم يروا به بأسًا).
وأما حديث ابن عباس: (الطواف بالبيت صلاة)، فالجواب عنه:
أنه حديث موقوف عن ابن عباس كما رجحه النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وابن تيمية
وأيضًا معناه منتقض، لأن معناه أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلا الكلام، ولا قائل بذلك، يجوز فيه الأكل والشرب والضحك، وليس فيه تكبير ولا تسليم ولا قراءة.
• وكذلك يشترط لصحة الطواف أن يكون طاهرًا من الخبث: مِن النجاسات، في ثوبه وفي بدنه، ليس عليه نجاسة لا في الثوب ولا في البدن.
لأن الله أمر بتطهير بيته للطائفين والقائمين كقوله تعالى (وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ ) فإذا أمر بتطهير المكان (أي مكان الطائف الذي هو منفصل عنه) فتطهير ملابسه المتصلة به من باب أولى.
[ ١ / ٥٨٠ ]
م/ وَالطِّهَارَةُ فِي سَائِرِ اَلْأَنْسَاكِ -غَيْرَ اَلطَّوَافِ- سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
فلا تجب الطهارة للسعي، ولا للوقوف بعرفة، ولا لمزدلفة، ولا لرمي الجمار، فلو وقف بعرفة وهو محدث فلا بأس، ولو رمى الجمار وهو محدث فلا بأس، ولو وقف في مزدلفة وهو محدث فلا بأس.
[ ١ / ٥٨١ ]
م/ وَسُنَّ أَنْ يَضْطَبِعَ فِي طَوَافِ القُدُوْم: بِأَنْ يَجَعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيمَن، وَطَرَفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيسَر.
سبق شرحه
[ ١ / ٥٨٢ ]
م/ وَأَنْ يَرْمُلَ فِي اَلثَّلَاثَةِ الأَشْوَاطِ اَلْأُوَلِ مِنْهُ، وَيَمْشِيَ فِي اَلْبَاقِي. وَكُلُّ طَوَافٍ سِوَى هَذَا لَا يُسَنُّ فِيهِ رَمَلٌ وَلَا اِضْطِبَاعٌ.
سبق شرحه
[ ١ / ٥٨٣ ]
م/ وَشُرُوطُ اَلسَّعْيِ: اَلنِّيَّةُ.
كما سبق في الطواف، لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
[ ١ / ٥٨٤ ]
م/ وَتَكْمِيلُ السَّبَعَة.
كما سبق في الطواف، فلا يصح إذا كان ناقصًا.
[ ١ / ٥٨٥ ]
م/ وَالِابْتِدَاءُ مِنْ اَلصَّفَا.
لقوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله)، فلو ابتدأ من المروة، فإن هذا الشوط يعتبر لاغيًا.
[ ١ / ٥٨٦ ]
م/ وَالْمَشْرُوعُ: أَنْ يُكْثِرَ اَلْإِنْسَانُ فِي طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ وَجَمِيعِ مَنَاسِكِهِ مِنْ ذِكْرِ اَللَّهِ وَدُعَائِهِ; لِقَوْلِهِ -ﷺ-
(إِنَّمَا جُعِلَ اَلطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَاَلْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ اَلْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اَللَّهِ).
فالمقصود من الحج وغيرها من العبادات هو إقامة ذكر الله ﵎، وهذا يدل على فضل ذكر الله والإكثار منه، لأن جميع العبادات - من صلاة وصوم وحج وزكاة وغيرها - الهدف منها إقامة ذكر الله.
وقد أمر الله بذكر الله مطلقًا فقال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ).
وقال تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
وقال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ).
فينبغي للحاج أن ينشغل بذكر الله من تسبيح وتهليل وتكبير واستغفار وتحميد وقراءة قرآن، ولا ينبغي أن
يضيع وقته كما هو حال كثير من الحجاج، بالقيل والقال وشراء الأغراض، بل بعضهم بالغيبة والكلام المحرم.
[ ١ / ٥٨٧ ]
م/ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ (لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- فِي اَلنَّاسِ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ " فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ: إِلَّا اَلْإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: " إِلَّا اَلْإِذْخِرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فتح مكة] أي عام ٨ هـ[حبس عن مكة الفيل] أي منعه من الإنبعاث، وفيه إشارة إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة لهدم البيت ومعهم فيلة، ويتقدمهم فيل عظيم، فنسبوا إليه، فحمى الله تعالى بيته منهم وأبطل كيدهم. [وإنها لم تحل لأحد قبلي] أي ما أحل الله لأحد من الأنبياء وأممهم أن يدخل مكة بقتال أبدًا لأن مكة معظمة.
[وإنما أحلت لي ساعة من نهار] المراد بالساعة اللحظة من الزمن، والمراد فتح مكة، وهي ساعة الفتح من طلوع الشمس إلى صلاة العصر.
[فلا ينفر صيدها] قال النووي: "يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى". [ولا يختلى شوكها] وفي رواية: (ولا يختلى خلاها) المراد بالإختلاء القطع. [الإذخر] قال في الفتح: "نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح، قضبانه دقيقة تجتمع في أصل مندفن في الأرض ".
• الحديث دليل على تحريم القتال في مكة، لقوله: (ولن تحل لأحد بعدي).
لكن إذا قوتل الإنسان فله أن يقاتل، لقوله تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم).
• الحديث دليل على تحريم قطع شجر مكة، والمراد جميع الحرم وإن كان مؤذيًا كالشوك، تأكيدًا لحرمة هذا المكان.
قال في المغني: " أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الأذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع ".
واختلفوا في الشجر الذي أنبته الآدمي:
فالجمهور على الجواز، وذهب الشافعية إلى المنع، ورجحه ابن قدامة، والأول أصح.
• الحديث دليل على تحريم تنفير الصيد في مكة وقتله من باب أولى.
فائدة:
لو دخل إنسان بصيد من خارج الحرم فهل يحرم أم لا؟ يعني لو أن إنسانًا صاد غزالًا من الميقات وهو لم يحرم، ثم دخل به إلى مكة.
المذهب يرى أنه يجب أن يطلقه.
ولكن الصحيح أنه لا يجب أن يطلقه ويكون ملكًا له، لأنه ليس من صيد الحرم.
• عرفة ليست من الحرم، لذلك لا بأس بقتل الصيد فيها.
• الحديث دليل على تحريم سفك الدماء في مكة.
[ ١ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واختلفوا في إقامة الحدود في مكة:
فقيل: يحرم ويضيق عليه حتى يخرج.
لقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾.
وقيل: يجوز.
وهذا مذهب مالك والشافعي.
لعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود بالقصاص في كل زمان ومكان.
والنبي -ﷺ- أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.
وهذا القول هو الصحيح.
• الحديث دليل على تحريم التقاط لقطة مكة إلا لمن أراد أن يعرفها دائمًا، ولعل الحكمة من ذلك - والله أعلم - زيادة الأمن على الأموال بمكة، فإن الناس لا يلتقطون اللقطة إذا علموا أنهم لا يملكونها بالتعريف، فإذا تركوها عاد صاحبها فوجدها.
• الحديث دليل على أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن يريد أن ينشدها على الدوام، فمن أخذها للتملك بعد الإنشاد فهذا حرام.
فلقطة الحرم لها ثلاث أحوال:
أولًا: أن يأخذها للتملك من الآن، فهذا حرام.
ثانيًا: أن يأخذها للتملك بعد الإنشاد، فهذا حرام.
ثالثًا: أن يأخذها للإنشاد، فهذا حلال.
أما لقطة غير الحرم فيجوز أن يتملكها بعد الإنشاد الشرعي.
• الحديث دليل على أن من قتل له قتيل عمدًا فهو مخير بين القصاص أو أخذ الدية.
• يستثنى من شجر الحرم ونباته الإذخر، لحاجة الحرم إليه.
[ ١ / ٥٨٩ ]
م/ وقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (اَلْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ) رواه مسلم
[عْير وثوْر] جبلان معروفان عند أهل المدينة.
• الحديث دليل على تحريم المدينة فلا يقطع شجرها في حرمها ولا يقتل الصيد ولا ينفر.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
للحديث الذي ذكره المصنف (المدينة حرم ما بين …).
• ينبغي معرفة حدود حرم المدينة لما يترتب على ذلك من حصول البركة بدعاء النبي -ﷺ-، وتحريم الصيد، ومنع الدجال منها، وكونها لا يدخلها الطاعون إلى ذلك مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، أما مضاعفة الصلاة فهي خاصة بالمسجد النبوي دون غيره من مساجد المدينة.
فائدة:
أنه لا يوجد حرم في الدنيا إلا حرم مكة والمدينة فقط.
وأما المسجد الأقصى فليس بحرم، لهذا يجب تصحيح العبارة المشهورة عند الناس [ثالث الحرمين] يقصدون المسجد الأقصى.
قال ابن تيمية: " ليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان، والحرم المجمع عليه حرم مكة وأما المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي -ﷺ- ".
[ ١ / ٥٩٠ ]
م/ وقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (خَمْسٌ مِنَ اَلدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي [اَلْحِلِّ وَ] اَلْحَرَمِ: اَلْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ اَلْعَقُورُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خمس] ذكر الخمس يفيد نفي الحكم عن غيرها، لكنه ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيمكن أن يكون قاله -ﷺ- أولًا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس تشترك معها في هذا الحكم، فقد ورد زيادة (الحية) وهي سادسة كما في حديث ابن عمر عن الصعب وابن مسعود عند مسلم. [فواسق] قال النووي: " تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، فوصفت بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله أو حل أكله أو خروجها بالإيذاء أو الإفساد ". [الحدأة] طائر معروف يختطف الأموال الثمينة [الغراب] هذا مطلق أيًا كان لونه، وذهب بعض العلماء إلى تقييده بما جاء عند مسلم عن عائشة بلفظ: (الأبقع) وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، فحمل الإمام ابن خزيمة المطلق على المقيد، وقال: " لا يقتل إلا الغراب الأبقع ". لكن قال ابن قدامة: " الروايات المطلقة أصح. وقد اعتذر ابن بطال وابن عبد البر عن قبول هذه الروايات بأنها لم تصح، لأنها من رواية قتادة وهو مدلس، لكن الحافظ تعقب ذلك بان شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذه الزيادة من رواية شعبة، بل صرح النسائي بسماع قتادة ".
[ ١ / ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• جواز قتل الخمسة المذكورة في الحديث في الحل والحرم، وهو موضع اتفاق بين العلماء.
واختلف العلماء هل يتعدى القتل إلى غيرها من المؤذيات أم لا؟
فقيل: لا يتعدى إلى غيرها.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر.
لأنها هي التي ورد بها النص.
وقيل: بل يتعدى إلى غيرها من كل مؤذ.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وأن ما جاء في الحديث على سبيل المثال.
قال ابن القيم: " إنما اختصت هذه بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون ذكر نوع منها منبهًا على جواز قتل ما فيه ذلك النوع … ".
وقال الشيخ ابن عثيمين: " والتنبيه بهذه الأمثلة يدل على أن ما كان مثلها في الحكم وما كان أشد منها فهو أولى منها بالحكم، ولهذا أخذوا قاعدة من ذلك، وقالوا: يسن قتل كل مؤذٍ ".
• مشروعية قتل كل ما فيه أذية من الحيوانات، كالذئب، والأسد، والفهد، والنمر.
• استدل بالحديث على تحريم أكل المذكورات في الحديث، لأن ما أمر بقتله فإنه يحرم أكله.
فائدة: أقسام الحيوانات من حيث القتل وعدمه:
• قسم أمر بقتله.
مثل الخمس في حديث الباب، ومثل الوزغ.
• قسم منهي عن قتله (النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد).
• قسم سكت عنه (كالذباب، والصراصير، والجعلان …).
فهذه إن آذت قتلت، وإن لم تؤذ: فقيل يجوز قتلها، وقيل يكره، وهذا الأقرب.
لأن الله خلقها لحكمة، فلا ينبغي أن تقتل.
انتهى كتاب الحج ولله الحمد والمنة
[ ١ / ٥٩٢ ]