م/ ويسن له القصر للصلاة الرباعية إلى ركعتين.
سيتكلم المصنف - ﵀ - عن قصر الصلاة في السفر، وهو قصر الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين.
• والقصر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر، ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
وعن ابن عمر قال: (صحبت رسول الله -ﷺ- فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك) متفق عليه.
وفي لفظ مسلم: (صحبت النبي -ﷺ- فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله) وفي رواية: (ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أتم).
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
• وقوله (يسن) دليل على أن القصر حكمه سنة، وهذا قول أكثر العلماء، أن القصر سنة مؤكدة لفعل النبي -ﷺ-، فإنه -ﷺ- كان في أسفاره يقصر الرباعية ولا يتمها.
لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)، قالوا إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ولحديث عمر السابق: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
وقال بعض العلماء: إن القصر واجب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
لقول عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الشوكاني: "وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر ".
ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله: (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: "إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي -ﷺ- الدائم".
قال ابن تيمية: "المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي -ﷺ- لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعًا قط ".
• إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر:
الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعًا.
قال ابن قدامة: "بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها".
الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: "المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل".
لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم -ﷺ-، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀، وذهب بعض العلماء إلى أن المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم ركعتين يجزيان.
الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام، (وهذه مسألة خلافية) فأكثر العلماء إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
لحديث أنس، حيث أن النبي -ﷺ- قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.
قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي -ﷺ- أن يقصر الصلاة، وقالوا: وإقامة النبي -ﷺ- بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.
وعلى هذا القول: لو سافر شخص للرياض وهو ينوي أن يجلس أسبوعًا، فإنه لا يقصر ولا يترخص برخص السفر.
وذهب بعض العلماء: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا عرف".
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، ولا شك أن قول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسألة:
أن المسافر إذا أقام ولا يعرف متى ينقضي عمله، فإنه يقصر ولو طالت المدة، وهذا مذهب جماهير العلماء
فقد (أقام النبي -ﷺ- تسع عشرة يقصر الصلاة) رواه البخاري عن ابن عباس. (وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) رواه أحمد وأبو داود.
وعن نافع قال: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول). رواه البيهقي
وعن علي قال: (إن قلت أخرج اليوم أو غدًا، فأصلي ركعتين). رواه عبد الرزاق
ولأن ذلك لا يعد لبثًا.
وعليه نقول: أنه يصح لمن سافر وهو لا ينوي الإقامة أصلًا، ثم اقتضت أحواله أن يقيم إقامة غير محدودة النهاية، أن له الفطر ما أقام أبدًا، كما هو فعل النبي -ﷺ- في تبوك، وعام الفتح، فإنها تعتبر إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل، بل اقتضتها مصالح الجهاد، ومتطلبات الفتح، فهي إقامة غير معلومة البداية وغير محددة النهاية، ولأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر (فلا تعارض بينها وبين ما ورد في حجة الوداع، فإنها إقامة مقصودة قاطعة للسفر).
• وقوله (يسن له) أي المسافر، وفي هذا دليل ليس للقصر إلا سبب واحد وهو السفر:
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضًا شديدًا لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده".
• ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.
لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضاربًا فيها.
ولأن النبي -ﷺ- إنما كان يقصر إذا ارتحل.
قال أنس: (صليت مع النبي -ﷺ- الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
ولحديث أَنَسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ قال النووي: " وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرًا طويلًا فتباعد ثلاثة أميال قصر ".
فهذا دليل على أنه لا يجوز القصر حتى يفارق بنيان بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
• من شروط القصر أن يقطع المسافر المسافة التي يعتبر بها مسافرًا، واختلف العلماء في المسافة التي يعتبر بها المسافر إذا قطعها مسافرًا على أقوال:
القول الأول: أن أقل مسافة للقصر هي مرحلتان لسير الإبل المحملة. [أربعة برد، تقريبًا ٨٣ كيلو]
وهذا مذهب الأكثر، فهذا مذهب أحمد والشافعي ومالك وإسحاق وأبو ثور.
لحديث ابن عباس حديث الباب: (يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
وعن عطاء بن أبي رباح: (أن ابن عمر وابن عباس كان يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك). رواه البيهقي، قال النووي: " بإسناد صحيح ". وذكره البخاري في صحيحه معلقًا ".
[ ١ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أنه لا حد للسفر بالمسافة، فكل ما عد سفرًا فهو سفر.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن قدامة في المغني.
قال ابن تيمية: "الفرق بين السفر الطويل والقصير، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله -ﷺ-، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة".
• وقوله (الرباعية) دليل على أن التي تقصر الصلوات الرباعية، وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلًا عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وترًا، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ أَحْمَدُ: ﴿إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ﴾.
فائدة: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟
الجواب: نعم يقصر ويجمع، لأن العبرة بفعل الصلاة لا بالوقت.
[ ١ / ٣١١ ]