سيذكر المصنف - ﵀ - في هذا الباب الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة وأحكام الإمامة.
م/ وهي فرض عين.
بين المصنف - ﵀ - حكم صلاة الجماعة وأنها فرض، وما ذكره المصنف - ﵀ - هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، وهذا وهو مذهب الحنابلة، ورجحه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان.
لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك).
وجه الدلالة: أن الله أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف، ولو كانت الجماعة سنة كما يقول بعضهم لكان أولى الأعذار بسقوطها عند الخوف، وإذا وجبت في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى.
وَلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن دقيق العيد: "فمن قال بأنها واجبة على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث، فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائمًا بفعل رسول الله -ﷺ- ومن معه، وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضًا على الأعيان".
ولحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ") رَوَاهُ مُسْلِم.
قال ابن قدامة: "وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدًا، فغيره من باب أولى".
ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَه.
وعن ابن مسعود قال: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم … ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم
[ ١ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا الصحابي يحكي إجماع الصحابة على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة، وهو مذهب المالكية.
لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه
وجه الدلالة: لأن الحديث فيه المفاضلة بين أجر صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، فدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ويثاب عليها.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العيني، وصرفها من فرض العين إلى فرض الكفاية حديث ابن عمر: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد، فيبقى الوجوب المستفاد منها وجوبًا كفائيًا.
والراجح القول الأول، أنها فرض عين، وأن من صلى في بيته من غير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم.
• ويجب فعلها في المسجد، قال ابن القيم: "والذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب".
وقال الشيخ السعدي: "والصواب وجوب فعلها في المسجد، لأن المسجد شعارها، ولأنه -ﷺ- همّ بتحريق المتخلفين عنها ولم يستفصل، هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا، ولأنه لو جاز في غير المسجد لغير حاجة، لتمكن المتخلف عنها والتارك لها من الترك، وهذا محذور عظيم".
• قوله -ﷺ- في حديث الأعمى (هل تسمع النداء) دليل على أن من سمع النداء فعليه الإجابة إذا كان منزله بعيدًا، وأنه إذا لم يسمع النداء فله رخصة أن يصلي في بيته، المعول عليه في سماع النداء بدون مكبر الصوت، لأمرين:
الأول: أن مكبر الصوت لا ينضبط، فقد يكون قويًا فيرسل لمسافات بعيدة جدًا.
ثانيًا: أنه لو علق الأمر بمكبر الصوت، لحصل للناس مشقة، لأن مكبر الصوت ينادي من مسافة بعيدة.
[ ١ / ٢٨٤ ]
م/ للصلوات الخمس.
أي: أن الجماعة واجبة للصلوات الخمس، حتى ولو كانت مقضية دون غيرها من السنن.
لعموم الأدلة.
ولأن النبي -ﷺ- لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة، أمر بلالًا فأذن ثم صلى سنة الفجر ثم صلى الفجر كما يصليها عادة جماعة، وجهر بالقراءة.
وعلى هذا فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يفعلون كما يفعلون في العادة تمامًا.
• فلا تجب الجماعة للنوافل، لكنها من حيث مسنونية الجماعة لها وعدم مسنونيتها قسمان:
القسم الأول: ما تسن له الجماعة، وهي صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيد.
القسم الثاني: ما يفعل على الانفراد فهذا لا تسن له الجماعة، كالراتبة مع الفرائض، والنوافل المطلقة وهي ما يتطوع به في الليل والنهار.
لكن لا بأس أن يفعلها في جماعة أحيانًا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة.
لأنه ثبت أن النبي -ﷺ- صلى مع ابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وذلك في قيام الليل.
[ ١ / ٢٨٥ ]
م/ على الرجال.
أي: أن وجوب صلاة الجماعة واجب على الرجال، فلا تجب على النساء.
لكن اختلفوا في حكمها للمرأة: فقيل: سنة، وبه قال الشافعية والحنابلة.
لحديث أم ورقة: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول: (انطلقوا إلى الشهيدة فزوروها، وأمر أن يؤذن لها وتقام وتؤم أهل دارها في الفرائض). رواه أبو داود
وقيل: مكروهة، وهو قول الحنفية.
قالوا: لأن المرأة ليست من أهل الاجتماع، ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين، والصحيح أنها مباحة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
م/ حضرًا وسفرًا.
أي: أن صلاة الجماعة واجبة حتى في السفر، وهذا هو المذهب.
لقوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فأمر الله نبيه -ﷺ- إذا كان فيهم في الجهاد أن يقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله -ﷺ- لم يقاتل إلا في سفر.
ولعموم الأدلة الدالة على وجوب الجماعة، فإنها لم تفرق بين الحضر والسفر.
وذهب بعض العلماء إلى عدم وجوبها في السفر، والأول أرجح.
[ ١ / ٢٨٧ ]
م/ وأقلها إمام ومأموم.
أي: أن أقل عدد تحصل به الجماعة اثنان، إمام ومأموم.
لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قال ابن قدامة: "تنعقد الجماعة باثنين فصاعدًا لا نعلم فيه خلافًا".
وأمّ -ﷺ- ابن عباس مرّة. وأمّ حذيفة مرّة. وابن مسعود مرّة.
[ ١ / ٢٨٨ ]
م/ وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
أي: وكلما كثر العدد كان أفضل وأحب إلى الله لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (صَلَاةُ اَلرَّجُلِ مَعَ اَلرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ اَلرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ اَلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ -﷿- رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ … [أزكى] أكثر أجرًا.
[ ١ / ٢٨٩ ]
م/ صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث ابن عمر الدال على فضل صلاة الجماعة، وأنها تفضل على صلاة الفذ (المنفرد) بسبع وعشرين درجة.
[الفذ] المنفرد. [درجة] جزء، بمعنى واحد. [الجماعة] اختلف في المراد بالجماعة: فقيل: المراد مطلق الجماعة في أي مكان، وقيل: بل المراد جماعة المسجد لا جماعة البيوت، وهذا أقرب.
• جاء في رواية (بخمس وعشرين درجة) واختلف العلماء في الجمع بينهما.: فقيل: أن ذكر القليل لا ينافي ذكر الكثير. وقيل: أنه أخبر بالخمس وعشرين، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل بالسبع وعشرين، وهذا أرجحها.
وقيل: السبع وعشرين مختصة بالجهرية، والخمس وعشرين مختصة بالسرية. وقيل: السبع وعشرين مختصة بالفجر والعشاء والخمس وعشرين بغيرها. وقيل: بإدراكها كلها أو بعضها. وقيل: الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم أو أخشع.
[ ١ / ٢٩٠ ]
م/ وقال -ﷺ- (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة) رواه أهل السنن.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث يَزِيدَ بْنِ اَلْأَسْوَدِ -﵁- ﴿أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ اَلصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ " قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمْ، ثُمَّ أَدْرَكْتُمْ اَلْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ"﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ
[ترعد] أي ترتجف وترتعد. [فرائصهما] الفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف. [رحالنا] الرحل هو المنزل الذي ينزله الإنسان [ولم يصلّ] أي لم ينتهي من الصلاة.
الحديث ذكره المصنف - ﵀ - ليبين على أن من صلى في جماعة أو منفردًا، ثم دخل مسجد ووجدهم يصلون، فإنه يسن له أن يدخل معهم ويصلي، ويدل لذلك: ما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال لأبي ذر حين أخبره عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال له: (صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ ولا تقل إني صليت فلا أصلي). رواه مسلم، والأمر في الحديث للاستحباب.
• قوله (… فصليا معه …) هذا يشمل جميع الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لعموم الحديث، لكن استثنى بعض العلماء صلاة المغرب، وقالوا: لا تعاد، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، قالوا: لأن في إعادتها تصير شفعًا، وهي إنما شرعت لتوتر عدد ركعاتها اليوم والليلة، لكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن المغرب تعاد كغيرها من الصلوات، وهذا المذهب عند الشافعية، لعموم حديث الباب، فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة.
وذهب بعض العلماء إلى أن الفجر والعصر لا تعاد، وهذا مذهب الحنفية، قالوا: لأن المعادة نافلة، والتنفل لا يجوز بعد الصبح والعصر، إذ هو وقت نهي لا يتنفل فيه، لذا لا تعادان، وهذا قول ضعيف، والصحيح الأخذ بعموم الحديث أن جميع الصلوات تعاد.
[ ١ / ٢٩١ ]
م/ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (إِنَّمَا جُعِلَ اَلْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ اَلْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُه. وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ.
[ليؤتم به] أي يقتدي به، كما جاء عند البخاري: (فلا تختلفوا عليه) والمراد الاقتداء به بالأفعال الظاهرة لا النيات. [وسيأتي شرح ذلك]
[كبر فكبروا] أي بعد تكبيره، كما قال: (ولا تكبروا حتى يكبر). (لا نكبر قبله - أن نبادر بالتكبير بعده).
• الحديث فيه بيان الحكمة من الإمام، وهي الاقتداء به.
• قوله (ليؤتم به) اختلف في المراد: فقيل: ليقتدى به في الأفعال والنيات، وقيل: ليقتدى به في الأفعال الظاهرة دون النية، وهذا مذهب الشافعي. وهذا هو الصحيح.
أولًا: لقوله -ﷺ-: (فإذا ركعوا فاركعوا …) فهذا تفسير من النبي -ﷺ- للاقتداء.
ثانيًا: أنه ثبت في وقائع عن النبي -ﷺ- الاختلاف في النية بين الإمام والمأموم، ففي إحدى صيغ صلاة الخوف صلى النبي -ﷺ- بطائفة ركعتين، ثم ذهبت، ثم جاءت الطائفة الأخرى التي لم تصلّ، فصلى بها النبي -ﷺ-، وهذا اختلاف بالنية.
• الحديث دليل على وجوب متابعة الإمام، والمأموم مع الإمام له حالات:
الأولى: المسابقة.
وهي أن يركع قبل إمامه، أو يسجد قبل إمامه، فهذه حرام بالاتفاق.
قال -ﷺ-: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار). متفق عليه
قوله: (رأس حمار): قيل: يقع على الحقيقة. وقيل: يحتمل أمر معنوي كالبلادة، ورجحه ابن دقيق العيد، وقال: " ومما يرجح هذا المجاز بأن التحويل بالصورة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام ".
وقال -ﷺ-: (فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود).
• فإن سبق إمامه إلى ركن من الأركان، كأن يركع قبله، أو يسجد قبله فالصحيح أن صلاته باطلة إن كان عامدًا، وهذا اختيار ابن تيمية، فإن سبق ناسيًا أو جاهلًا: فصلاته صحيحة، وعليه أن يرجع ليأتي به وبما بعده.
• أما المسابقة بالأقوال فلا يضر إلا بشيئين: بتكبيرة الإحرام مطلقًا، سواء كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا [فإن كبر قبل إمامه تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته] وكذلك التسليم (فإن كان عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يكن عمدًا لم تبطل ويلزمه أن يسلم بعد إمامه).
الثانية: الموافقة. كأن يركع معه، أو يسجد معه، فإن وافقه بتكبيرة الإحرام لم تصح صلاته.
لأن الإمام لا يدخل في الصلاة إلا بعد تكبيرة الإحرام، فإن وافقته في التكبير، فإنك تكون دخلت مع إمام لم يكن إمامًا حتى الآن، فتكون صلاته باطلة.
أما في غير تكبيرة الإحرام، كأن يركع معه، فهذه مكروهة عند الفقهاء.
ثالثًا: التخلف. أن يتأخر عن إمامه، كأن يركع الإمام وهو لا يزال واقف، حتى يرفع الإمام من الركوع، ثم يركع المأموم.
إن كان بعذر: كانقطاع مكبر الصوت، فإنه يأتي بما تخلف به ويتابع الإمام، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به، ويبقى مع الإمام، ويصبح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه.
[ ١ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن كان بغير عذر: فالصحيح أنها تبطل صلاته.
رابعًا: المتابعة. وهي أن يأتي بأفعال الصلاة بعد إمامه، وهذا هو السنة.
• قوله: (ليؤتم به …) استدل به من قال: لا يجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل، وقد اختلف العلماء في هذه المسالة، هل يجوز أن يصلي المفترض خلف المتنفل على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وبه قال الحسن البصري والزهري، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
لقوله -ﷺ-: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن الاختلاف على الإمام، وكون المأموم مفترض، والإمام متنفل، اختلاف بينهما فلا يجوز.
القول الثاني: أنه يجوز.
وبه قال طاووس وعطاء والأوزاعي، وهو مذهب الشافعي، واختاره ابن قدامة وابن تيمية.
لحديث جابر قال (كان معاذ يصلي مع النبي -ﷺ- العشاء الآخرة، ثم يرجع فيؤم قومه).
فإن معاذًا كان يصلي مع النبي -ﷺ- العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. وقد جاء في رواية عند الدار قطني: (هي له نافلة، ولهم فريضة).
ولأنه ثبت أن النبي -ﷺ- صلى في بعض أنواع صلاة الخوف، أنه كان يصلي بطائفة صلاة تامة ويسلم بهم، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم). رواه النسائي
وهنا تكون الصلاة الأولى للرسول -ﷺ- فرضًا، والثانية نفلًا.
وهذا القول هو الصحيح.
وعليه: لو أن رجلًا يريد أن يصلي السنة ركعتين، فجاء آخر وقال: أصلي معك الفجر، فصلى الإمام السنة، وصلى المأموم الفجر، فإن هذا يصح.
وأما الجواب عن حديث: (فلا تختلفوا عليه): المقصود لا تختلفوا عليه في الأفعال الظاهرة لا النيات، كما سبق شرحه في حديث سبق.
[ ١ / ٢٩٣ ]