الخوف ضد الأمن، والمراد بهذا الباب: كيفيتها، والأصل في مشروعيتها قوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ …) الآية، وأول غزوة صلاها فيها رسول الله -ﷺ- هي غزوة عُسفان وكانت قبل خيبر.
ومشروعية صلاة الخوف تخفيف من الله تعالى على عباده ورحمة بهم، وتحصيل لمصلحتي الصلاة في وقتها جماعة، وأخذ الحذر من العدو، وهذا يدل على أهمية صلاة الجماعة، وكمال دين الإسلام بأخذ الحذر وتفويت الفرصة على الأعداء.
م/ وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها النبي -ﷺ-.
هذه قاعدة في كل عبادة وردت عن النبي -ﷺ- على صفات متعددة، وهذا قول أصحاب الحديث كأحمد وغيره.
[ ١ / ٣١٢ ]
م/ فمنها.
أي: من صفاتها، وهذه الصفة التي سيذكرها المصنف - ﵀ - خاصة بما إذا كان العدو في غير جهة القبلة
[ ١ / ٣١٣ ]
م/ حديث صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ذكر المصنف - ﵀ - حديث صالح بن خوات، وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد ﵀ لأنه أشبه بكتاب الله وأحوط بجند الله وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته -ﷺ- بذات الرقاع.
صفة هذه الصلاة: يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم.
هذه هي الصفة الموافقة لظاهر القرآن، لقوله تعالى:
(وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) أي: في حال مواجهتهم الكفار في القتال.
(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إمامًا.
(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي: يصلون، وطائفة قائمة بإزاء العدو، كما يدل عليه سياق الآيات.
(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليحملوها في الصلاة.
(فَإِذَا سَجَدُوا) أي: أكملوا صلاتهم، وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة.
(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو.
(وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) أي: تدخل معك في الصلاة أولًا، لكونهم أمام العدو.
(فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى
(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو.
من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي.
خالفت هذه الصفة الصلاة من أوجه:
أ- انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر.
ب- الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
لم يذكر المصنف كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ اَلْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ اَلرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ اِنْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ اَلصَّفُّ اَلْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ اَلْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى اَلسُّجُودَ، قَامَ اَلصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ …) فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ: (ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلِ وَتَقَدَّمَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي …) فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي آخِرِهِ: (ثُمَّ سَلَّمَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فهذه الصفة التي في هذا الحديث إذا كان العدو في جهة القبلة، وصفتها:
أن يصف القائد الجيش صفين فيصلي بهم جميعًا يكبر ويركع ويرفع بهم جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني واقفًا يحرس، فإذا قام الإمام والصف الأول من السجود سجد الصف الثاني، فإذا قاموا من السجود تقدموا في مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول إلى مكانهم فيركع الإمام بهم جميعًا ويرفع بهم ثم يسجد هو والصف الذي يليه، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المتأخر ثم سلم بهم جميعًا.
ولو صلى بكل طائفة صلاة صح.
لحديث جابر (أن النبي -ﷺ- صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلم). رواه النسائي
[ ١ / ٣١٤ ]
م/ وإذا اشتد الخوف.
أي: وإذا اشتد الخوف وتواصل الطعن والضرب والكر والفر ولم يمكن تفريق القوم.
[ ١ / ٣١٥ ]
م/ صلوا رجالًا.
أي: ماشين على أرجلهم.
[ ١ / ٣١٦ ]
م/ وركبانًا.
أي: على الخيل والإبل وسائر المركوبات.
[ ١ / ٣١٧ ]
م/ إلى القبلة وإلى غيرها.
أي: فيسقط الاستقبال في هذه الحالة كما قال تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا).
وهذا على قول من يقول لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وهو قول أكثر العلماء، ونسبه ابن كثير للجمهور للآية السابقة، وقال آخرون: يجوز تأخيرها عن وقتها إذا اشتد الخوف، ولم يمكن المصلي أن يتدبر ما يقول، واستدلوا بتأخير الرسول -ﷺ- الصلاة في غزوة الخندق، والجمهور يستدلون بأن صلاة الخوف لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، لما تقدم أنها شرعت في غزوة عسفان، وهي بعد الخندق.
[ ١ / ٣١٨ ]
م/ يومئون بالركوع والسجود.
أي: يومئون بالركوع والسجود، إيماء على قدر طاقتهم، لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفًا لأسلحة العدو، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، ولا يلزمهم السجود على ظهر المركوب.
[ ١ / ٣١٩ ]