م/ ولا تحل الزكاة لغني، ولا لقوي مكتسِب.
أي: لا يجوز دفع الزكاة لغني بكسب أو مال، قال ابن قدامة: "ولا خلاف في هذا".
[القوي] سليم الأعضاء [المكتسب] الذي يستطيع أن يتكسب بصنعة أو وظيفة.
لقوله -ﷺ- (إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرةٍ سوي) رواه مسلم.
وعن عبيد بن عدي (أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي -ﷺ- يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر ورآهما جلْدَيْن فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه أحمد.
وأيضًا لآية الصدقة (إنما الصدقات للفقراء ..) فمفهومه أنها لا تحل لغني.
ولأن أخذ الغني منها يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها.
• ضابط الغنى: هو من يكون له كفاية على الدوام، إما بصناعة أو بكسب أو أجرة من عقار.
[ ١ / ٤٣٣ ]
م/ ولا لآل محمد وهم بنو هاشم ومواليهم.
قال ابن قدامة: "لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة".
• المراد ببني هاشم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث.
لحديث عبد المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) رواه مسلم.
وعن أبي هريرةَ -﵁- قال (أَخذ الحسنُ بنُ عليٍّ ﵄ تَمْرةً مِنْ تَمرِ الصَّدقَةِ فَجعلهَا في فِيهِ فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: «كُخْ كُخْ، إِرْمِ بِهَا، أَما علِمْتَ أَنَّا لا نأْكُلُ الصَّدقةَ؟) متفق عليه.
وفي روايةٍ: «إنا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدقةُ» وقوله: «كِخْ كِخْ» يُقالُ بإسكان الخَاءِ، ويُقَالُ بكَسرِهَا مع التَّنْوِينِ وهيَ كلمةُ زَجْر للصَّبِيِّ عن المُسْتَقذَرَاتِ، وكَانَ الحسنُ -﵁- صبِيًا.
قال النووي: "قوله: إنما هي أوساخ الناس: تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم، وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فهي كغسالة الأوساخ".
• قوله (إن الصدقة) الصدقة لفظ يشمل الواجبة وهي الزكاة، ويشمل التطوع، ولكن يحدد المعنى هنا التعليل وهو قوله: إنما هي أوساخ الناس، فهذا يعني أن المراد بها الزكاة.
• لكن ينبغي أن يكون ذلك إذا كان بنو هاشم يأخذون الخُمس من بيت مال المسلمين، أما عند عدمه وكونهم فقراء فإنهم يأخذون منها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [الجمهور لا يجوز لهم أخذ الزكاة حتى ولو منعوا من الخُمُس، قالوا: إنها محرمة عليهم في الأصل فلا تنقلب حلالًا، وقالوا: إن الصدقة حرمت عليهم لشرفهم، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس].
• اختلف العلماء هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟ قولان، والراجح أنه يجوز إعطاؤهم من صدقة التطوع.
[ ١ / ٤٣٤ ]
م/ ولا لمن تجب عليه نفقته حال جريانها.
فمن لزمته نفقته فلا يجوز دفع الزكاة إليه، فإذا لزمته نفقة خاله أو خالته أو عمه أو أخيه، لكونهم محتاجين وهو غني يستطيع الإنفاق عليهم، فإنه لا يعطيهم من الزكاة.
ولأنه بدفع الزكاة إليهم يجلب إلى نفسه نفعًا، ويسقط عن نفسه فرضًا وهو وجوب النفقة عليه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الزكاة تدفع إلى الأقارب مطلقًا - ما عدا الأصول والفروع - واستدلوا:
بحديث (الصدقة على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة) رواه الترمذي، فإنه لم يفرق بين فريضة ونافلة، ولم يفرق بين وارث وغيره.
وآية الزكاة تشمل القريب بعمومها، ولم يرد مخصص صحيح يخرجه، بخلاف الزوج والأصول والفروع، فقد خصصوا منها بالإجماع، قال الشوكاني: "الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل " والله
أعلم.
• أما الأصول والفروع، فهؤلاء لا يجوز دفع الزكاة إليهم (الوالدين والأولاد).
وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز دفع الزكاة إليهم.
لأن الأصل والفرع يجب النفقة لهما بكل حال إذا كانوا فقراء وهو غني، فلا يعطيهم من الزكاة، ولأن دفع الزكاة إليهم تغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه فيعود نفع الزكاة إليه [كما لو قضى ديْن نفسه].
• وقد أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، لأنه يصبح هو الآن كالأجنبي، واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀.
[ ١ / ٤٣٥ ]
م/ ولا لكافر.
أي: لا يجوز دفع الزكاة لكافر.
قال ابن قدامة: "لا نعلم خلافًا في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر".
لكن يستثنى إذا كان مؤلفًا فإنه يعطى.
مسألة: دفع الزكاة للزوجة والعكس.
أولًا: دفع الزوج إلى زوجته:
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الزوج لا يعطي زوجته من زكاته، وذلك لأن نفقتها واجبة عليه فيستغنى بها عن أخذ الزكاة فلم يجز دفعها إليها".
واختلف العلماء هل يجوز للزوجة أن تعطي زوجها الفقير من الزكاة على قولين:
القول الأول: لا يجوز.
لقوة الصلة بينهما، لأن الرجل من امرأته كالمرأة من زوجها فيشبه الأصل مع الفرع.
القول الثاني: يجوز، وهذا مذهب الشافعي واختاره الشوكاني.
لعموم آية (إنما الصدقات للفقراء …).
ولقوله -ﷺ- لزينب امرأة ابن مسعود (زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) رواه البخاري.
قال ابن قدامة مرجحًا هذا القول: ولأنه لا تجب نفقته فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي.
[ ١ / ٤٣٦ ]
م/ فأما صدقة التطوع فيجوز دفعُها إلى هؤلاء وغيرهم.
أي: يجوز دفع صدقة التطوع للأصناف الثمانية وإلى غيرهم كالهاشمي والعبيد وغيرهم لقوله -ﷺ- (كل معروف صدقة) لكن على القريب أفضل فهي صدقة وصلة كما في الحديث السابق (الصدقة على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة).
• أما صدقة الفريضة فلا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله في كتابه وهم الأصناف الثمانية كما سبق.
[ ١ / ٤٣٧ ]
م/ ولكن كلما كانت أنفع نفعًا عامًا أو خاصًا فهي أكمل.
أي: أن صدقة التطوع كلما كانت أعظم نفعًا فهي أفضل، لأن الحكمة منها هو سد حاجة المعوزين والمحتاجين.
• وعليه ينبغي للمتصدق أن يحرص ويجتهد في البحث عن المحتاجين والفقراء.
[ ١ / ٤٣٨ ]
م / وقال النبي -ﷺ- (مَنْ سَأَلَ اَلنَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وقال لعمر (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك).
ذكر المصنف - ﵀ - هذه الأحاديث ليبين تحريم سؤال الناس إلا لضرورة، ومن الأدلة على تحريم سؤال الناس:
قوله -ﷺ- (مَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَسْأَلُ اَلنَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال -ﷺ-: (من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة). رواه أبو داود
[تكثرًا] لتكثير ماله مما يجتمع عنده. [جمرًا] ما يعاقب عليه بالنار. [مزعة] أي قطعة. [المشرف] الذي يستشرف بقلبه، والسائل الذي يسأل بلسانه.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.
ومفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة".
• وقال ﵀: "أعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه. كما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئًا". …
[ ١ / ٤٣٩ ]