أي مبطلات الوضوء.
ونواقض الوضوء تنقسم إلى قسمين:
١ - قسم متفق عليه.
٢ - قسم مختلف فيه.
م/ وَهِيَ: اَلْخَارِجُ مِنْ اَلسَّبِيلَيْنِ مُطْلَقًا.
السبيلين: واحدهما سبيل، وهو الطريق، والمراد مخرج البول والغائط [القبل والدبر].
والخارج من السبيلين: كالبول، والغائط، والمني، والمذي، والريح.
البول والغائط:
قال تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
الريح:
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). رواه مسلم
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه
وقال -ﷺ- في المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ).
قال ابن قدامة: " الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا ".
• الودي: عصارة تخرج بعد البول نُقط بيضاء في آخر البول.
• يستثنى من الخارج من السبيلين ممن حدثه دائم فلا يبطل وضوءه بالحدث الدائم للحرج والمشقة.
• الخارج النادر كالدم والدود والحصى، فهذا ينقض، لأنه خارج من مخرج الحدث، ولأنه لا يخلو من بّلةٍ تتعلق به.
[ ١ / ٨٧ ]
م/ وَالدَّمُ اَلْكَثِيرُ وَنَحْوُهُ.
أي أنه إذا خرج من الإنسان دم؛ فإنه ناقض للوضوء، لكن قيده المؤلف بالكثير.
واختلف العلماء في قدر الكثير:
قيل: قدر الكف. وقيل: قدر الدرهم. وقيل: يرجع إلى العرف. وقيل: المعتبر أوساط الناس قلة وكثرة.
وذهب بعض العلماء إلى أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا مذهب الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم النقض.
وقال الحسن: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم). رواه ابن أبي شيبة
(وصلى عمر وجرحه يثعب دمًا). رواه مالك.
(وأصيب عباد بن بشر بسهام وهو يصلي فاستمر في صلاته). رواه أبو داود
وعليه فخروج دم المتوضئ: الرعاف، أو سن، أو للتحليل، أو للتبرع، أو لغسيل الكلى، أو لغير ذلك، لا ينقض الوضوء.
[ ١ / ٨٨ ]
م/ وَزَوَالُ اَلْعَقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ.
زوال العقل على نوعين:
١ - زواله بالكلية، وهذا بالجنون.
٢ - زواله بمعنى تغطيته لوجود عارض لمدة معينة، كنوم أو إغماء، أو سكر ونحو ذلك.
فأما زواله بالجنون، أو الإغماء أو السكر، فهو ناقض للوضوء قليله وكثيره، وهذا بالإجماع، لأن هذا فقد للعقل، ولأنه لو نُبِّه لم ينتبه.
وهذا بالإجماع.
قال النووي: " اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر ينقض الوضوء سواء قل أو كثر ".
وأما النوم: فالمؤلف أطلق وظاهره أن النوم ناقض مطلقًا.
وهذا ذهب إليه بعض العلماء، ونسبه النووي للحسن. قال ابن المنذر: " وبه أقول ".
لحديث صفوان بن عسال وقد سبق: (… إلا من غائط وبول ونوم). فدل على أن النوم ناقض، كما أن الغائط والبول ناقضان.
وذهب بعض العلماء إلى أن النوم لا ينقض مطلقًا، ونسبه النووي إلى موسى وسعيد بن المسيب.
لحديث أنس قال: (كان رسول الله -ﷺ- على عهده - ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون). رواه أبو داود
وعند البيهقي: (لقد رأيت أصحاب رسول الله -ﷺ- يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع غطيطًا، فيصلون ولا يتوضؤون).
والذي يظهر أن الراجح هو الجمع بين الأدلة، وهو أن النوم الكثير المستغرق الذي يزيل الشعور ناقض للوضوء، لحديث صفوان بن عسال.
وأما النوم اليسير الذي لا يشعر بمن حوله؛ فإنه لا يعتبر ناقضًا لفعل أصحاب رسول الله -ﷺ-، ولهذا تجتمع الأدلة.
لأن النوم ليس حدثًا في ذاته، وإنما هو مظنة للحدث بخروج الريح.
[ ١ / ٨٩ ]
م/ وَأَكَلُ لَحْمِ اَلْجُزُورِ.
وهذا الناقض من مفردات مذهب الحنابلة، واختاره ابن المنذر، وذهب إليه أهل الحديث.
لحديث جابر بن سمرة قال: (أن رجلًا سأل النبي -ﷺ-: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم). رواه مسلم
ولحديث البراء قال: (سئل رسول الله -ﷺ- عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل). رواه أبو داود
قال ابن خزيمة: " لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه ".
وذهب جمهور العلماء إلى أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء.
لحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار). رواه أبو داود
ولحديث ابن عباس مرفوعًا: (الوضوء مما يخرج لا مما يدخل).
والراجح القول الأول، والجواب عن حديث جابر فهو عام، وأحاديث نقض الوضوء خاصة، والخاص يقضي على العام.
وأما حديث ابن عباس فالصحيح أنه موقوف.
قوله (وأكل لحم) يدل على أنه لا فرق بين قليله وكثيره، كما أنه يشمل المطبوخ والمشوي والنيء، لأنه لحم.
قوله (لحم جزور) المشهور من المذهب أن الحكم خاص باللحم وهو الهبر، بخلاف الكرش والكبد والشحم والأمعاء ونحوها، فإن هذه الأشياء لا تدخل تحت مسمى اللحم.
وهذا اختيار الأكثر، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز.
وذهب بعض العلماء إلى أن الحكم عام، فالكل ينقض.
واختاره السعدي، والشيخ ابن عثيمين، واستدلوا:
١ - أن اللحم في اللغة يشمل جميع الأجزاء، بدليل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فلحم الخنزير يشمل كل ما في جلده.
٢ - أن في الإبل أجزاء كثيرة قد تقارب الهبر، ولو كانت غير داخلة؛ لبيَّن ذلك الرسول -ﷺ- لِعِلمهِ أن الناس يأكلون الهبر وغيره.
٣ - أنه ليس في شريعة محمد -ﷺ- حيوان تتبعض أجزاؤه حلًا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وسلبًا وإيجابًا، وإذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإبل كلها واحدة.
وهذا القول هو الراجح.
أما اللبن، فلا ينقض الوضوء، وهذا مذهب أكثر العلماء.
لأن الحديث إنما ورد في اللحم.
أن الأصل عدم النقض حتى يثبت أنه ناقض.
وأما حديث: (توضئوا من ألبان الإبل) فهو حديث ضعيف رواه ابن ماجه وغيره.
• واختلف في الحكمة من الوضوء من لحم الإبل:
فقيل: تعبدية.
قيل: معللة، وهي ما جاء في حديث البراء: (فإنها خلقت من الشياطين). رواه أبو داود
[ ١ / ٩٠ ]
م/ وَمَسُّ اَلْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ.
فمن مس امرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوءه.
وهذا المذهب وهو قول مالك.
وذهب بعض العلماء إلى أن مس المرأة ينقض مطلقًا، وهو قول الشافعية.
لقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) قالوا: وحقيقة اللمس ملاقاة البشرتين، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى (أو لمستم) بغير ألف.
والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، سواء كان بشهوة أم لا، إلا إذا خرج منه شيء.
لحديث عائشة: (أن النبي -ﷺ- قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ). رواه أبو داود وفيه ضعف
وعنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله -ﷺ- ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما …). متفق عليه
فقولها: (غمزني) دليل على أن لمس المرأة لا ينقض.
وعنها قالت: (فقدت رسول الله -ﷺ- يومًا فخرجت ألتمسه … فوجدته في المسجد يصلي وهو ساجد، وقدماه منصوبتان، قالت: فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد …). رواه مسلم
وأما الآية فقد فسرها ترجمان القرآن ابن عباس بالجماع، واختاره ابن جرير.
ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب الوضوء إلا بدليل.
ولأن النساء موجودات في البيوت وتعم البلوى بهن، ولو كان مسهن ناقضًا للوضوء لبينه الله تعالى.
[ ١ / ٩١ ]
م/ وَمَسُّ اَلْفَرْجِ.
هذا الناقض السادس من نواقض الوضوء، وهو مس الفرج، أي بدون حائل، لأن مع الحائل لا يسمى مسًا.
وهذا هو المذهب ومذهب الشافعي.
لحديث بسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (من مس الذكر فليتوضأ). رواه أبو داود
وذهب بعض العلماء إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء.
لحديث طلق بن علي وفيه: (يا رسول الله؛ ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ فقال -ﷺ-: هل هو إلا بضعة منك). رواه أبو داود، مختلف فيه
والراجح أن مس الذكر ينقض الوضوء، لأمور:
أولًا: أن حديث بسرة أقوى وأصح من حديث طلق. قال البخاري: " حديث بسرة أصح شيء في الباب ".
ثانيًا: أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تعضده رواها سبعة عشر صحابيًا.
[عن أبي هريرة، وعن أم حبيبة، وعن زيد بن خالد].
ثالثًا: أن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق، لأن حديثها متأخر، وطلق قدم المدينة على رسول الله -ﷺ- وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.
ومن قال بالنسخ: ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والبيهقي، وابن حزم.
وهذا القول هو الراجح.
• هذا الحكم عام للرجال وللنساء، وجاء في حديث: (أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).
• لا ينقض إذا مسه بذراعه.
[ ١ / ٩٢ ]
م/ وَتَغْسِيلُ اَلْمَيِّتِ.
هذا الناقض السابع من نواقض الوضوء، وهو تغسيل الميت.
واستدلوا بما ورد عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول جمهور العلماء، واختاره ابن تيمية.
قال الموفق: " وهو الصحيح إن شاء الله ".
لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فبقي على الأصل.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فالراجح أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، وهو اختيار الموفق، وشيخ الإسلام، وجماعة من أهل العلم ".
وأمّا ما ورد عن هؤلاء الصحابة فإنه يحمل على الاستحباب.
[ ١ / ٩٣ ]
م/ وَالرِّدَّةُ: وَهِيَ تُحْبِطُ اَلْأَعْمَالَ كُلَّهَا.
هذا الناقض الثامن من نواقض الوضوء، وهو الردة.
والردة: رجوع المسلم من الإسلام إلى الكفر، بفعل ناقض من نواقض الوضوء.
فإذا توضأ المسلم، ثم ارتد، فإنه يبطل وضوءه، لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) فالردة تحبط جميع الأعمال.
والراجح أن الردة لا توجب الوضوء، لأن الطهارة إذا وجدت فهي باقية لا تزول إلا بما دل الشرع على أنه ناقض، ولا دليل هنا.
وأما الآية فلا دليل فيها، لأن المشهور أن الإحباط مشروط بالموت على الردة، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ …).
[ ١ / ٩٤ ]