لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال.
وشرعًا: سيلان دم طبيعي يأتي المرأة في أوقات معلومة عند بلوغها.
وهو شيء كتبه الله على بنات آدم، كما قال -ﷺ- (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).
خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته.
م/ وَالْأَصْلُ فِي اَلدَّمِ اَلَّذِي يُصِيبُ اَلْمَرْأَةَ أَنَّهُ حَيْضٌ، بِلَا حَدٍّ لِسِنِّهِ، وَلَا قَدْرِهِ، وَلَا تَكَرُّرِهِ.
الأصل أن الدم الذي يخرج من المرأة في أوقات معلومة هو حيض.
• أنه دم أسود يعرف، بينما دم الاستحاضة دم أحمر.
• أنه دم منتن، أي له رائحة كريهة، وأما دم الاستحاضة فهو دم عادي ليس له رائحة.
• أن دم الحيض ثخين غليظ، ودم الاستحاضة رقيق ليس ثخينًا.
بلا حد لسنه: يريد المؤلف بهذا الرد على من قال إن الحيض له سن محددة كما قاله بعضهم: لا حيض دون تسع ولا بعد خمسين، واستدلوا: أن العادة أن لا تحيض قبل تسع ولا بعد خمسين سنة.
وذهب بعض العلماء وهو اختيار ابن المنذر وابن تيمية وجماعة من أهل العلم أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى رأت المرأة الدم المعروف فهو حيض تثبت له أحكامه، وإن كانت دون تسع سنين أو فوق الخمسين أو الستين.
والدليل أن الله تعالى قال (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). فعلق أحكام الحيض على وجوده، ولم يحدد لذلك سنًا معينًا.
وهذا القول هو الراجح.
وقول المصنف: (ولا قدْرهِ) أراد المؤلف بهذا الرد على من قال: إن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، والراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره، لأن الله قال (ولا تقربوهن حتى يطهرن) فجعل غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم وليلة ولا خمسة عشر يومًا، وقال -ﷺ- لعائشة لما حاضت (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي حتى تطهري) فجعل غاية المنع الطهر، ولم يجعل الغاية زمنًا معينًا، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجودًا وعدمًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لأقله ولا لأكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه ".
[ ١ / ١٢٤ ]
م/ إِلَّا إِنْ أَطْبَقَ اَلدَّمُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ، أَوْ صَارَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا إِلَّا يَسِيرًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُسْتَحَاضَةً.
إذا استمر الدم مع المرأة وأصبح لا ينقطع عنها أو لا ينقطع عنها إلا يسيرًا فإنها تصير مستحاضة.
الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبدًا، أو ينقطع عنها مدة يسيرة.
وهو دم طبيعي كما في الحديث: (إن ذلك عرق) فهو يختلف عن دم الحيض في طبيعته وفي أحكامه.
[ ١ / ١٢٥ ]
م/ فَقَدْ أَمَرَهَا اَلنَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ تَجْلِسَ عَادَتَهَا.
لحديث عائشة ﵂: (أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله -ﷺ- الدم، فقال: امكثي قدر ما كنت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة). رواه مسلم
وفي رواية قال لفاطمة بنت أبي حبيش (… ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) متفق عليه.
مثال: امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة، فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر وما عداها استحاضة.
[ ١ / ١٢٦ ]
م/ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، فَإِلَى تَمْيِيزِهَا.
فإذا كانت المستحاضة ليس لها عادة كأن تكون مبتدئة، فإنها ترجع للتمييز، فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة.
لحديث عائشة. (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله -ﷺ-: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) رواه أبو داود.
[ ١ / ١٢٧ ]
م/ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، فَإِلَى عَادَةِ اَلنِّسَاءِ اَلْغَالِبَةِ: سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ.
إذا كانت المستحاضة ليس لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكون الاستحاضة مستمرة من أول ما رأت الدم، فهذه تعمل بعادة غالب النساء فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة.
لحديث حمنة بنت جحش قالت (يا رسول الله! إني استحاض حيضة كبيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال -ﷺ- (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي). رواه أبو داود
لكن لو افترض أنه وجد عند المرأة صفتان (عادة وتمييز):
أ- فإذا كانت العادة موافقة للتمييز فهذه لا إشكال فيها.
ب- أن يكون عندها تمييز لكنه مختلف عن عادتها [عادتها ستة أيام من أول الشهر، والتمييز مختلف]:
اختلف العلماء أيهما تقدم:
القول الأول: تعمل بالتمييز.
قال في المعني: " وهو ظاهر مذهب الشافعي ".
لحديث عائشة: (… فإنه دم أسود يعرف …).
لأن صفة الدم أمارة قائمة به.
القول الثاني: أنها تعمل بالعادة.
وهذا المذهب.
لحديث أم حبيبة: (… امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك …).
وجه الدلالة: فردها إلى العادة بدون استفصال، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
ولأنه أسهل على المرأة، وأبعد عن الاضطراب، لأن الدم الأسود ربما يضطرب ويتغير وينتقل أخر الشهر أو أوله أو يتقطع فيكون يومًا أسود ويوم أحمر، فجلوسها أيام عادتها أسهل عليها وأضبط لها، لأن العادة لا تبطل دلالتها أبدًا.
• أن المستحاضة حكمها حكم الطاهرات بالاتفاق.
• اختلف العلماء في حكم وطء المستحاضة على قولين:
القول الأول: يكره وطؤها إلا أن يخاف العنت.
وهذا مذهب الحنابلة.
لقول عائشة: (المستحاضة لا يغشاها زوجها).
ولأن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض.
القول الثاني: يجوز وطؤها مطلقًا.
وهذا قول أكثر الفقهاء.
لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش: (أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها). قال النووي: إسناده صالح.
وقال عكرمة: " كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها ".
وقال الشيخ السعدي ﵀: " والصحيح أنه يجوز وطء المستحاضة ولو لم يخف العنت، لأن النبي -ﷺ- لم يمنع عبد الرحمن بن عوف وغيره من وطء زوجاتهم المستحاضات، ولأن الاستحاضة دم عرق فلا يمنع الوطء، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء فكذلك في حل الوطء ".
[ ١ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• كيفية تطهير المستحاضة:
أ- يجب الوضوء عليها لكل صلاة.
لقوله -ﷺ-: (… ثم توضئي لكل صلاة).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " معنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، وأما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها ".
ب- أنها إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم وتعصب على الفرج خرقة ليستمسك الدم.
المؤلف لم يذكر أحكام النفساء:
تعريف النفاس:
هو دم يخرج من المرأة عند الولادة أو معها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق.
• وأحكامه هي أحكام الحيض فيما يجب ويحرم.
• اختلف العلماء في أقل النفاس:
فقيل: ليس لأقله حد.
وهذا المذهب وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وجمهور العلماء.
لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا.
وهذا القول هو الصحيح.
(وقال بعضهم: أقله ساعة، وقيل: خمس وعشرون يومًا).
• اختلف العلماء في أكثر النفاس:
القول الأول: أكثره أربعون يومًا.
وهذا المذهب، وبه قال أكثر أهل العلم.
قال أبو عيسى الترمذي: " أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ".
قال الشوكاني: " والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين ".
لحديث أم سلمة ﵂ قالت (كانت النفساء تقعد على عهد النبي -ﷺ- بعد نفاسها أربعين يومًا). رواه الخمسة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود
وفي لفظ له: (ولم يأمرها النبي -ﷺ- بقضاء صلاة النفاس). وصححه الحاكم
قال الشيخ ابن باز ﵀: " ومتى أكملت - أي النفساء - الأربعين وجب عليها الغسل وإن لم تر الطهر، لأن الأربعين هي نهاية النفاس في أصح قولي العلماء ".
القول الثاني: أكثره ستون يومًا.
وبه قال مالك والشافعي.
[ ١ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثالث: أنه خمسون.
وهو قول الحسن.
واختار ابن تيمية: أنه لا حد لأكثر النفاس.
والراجح الأول.
قال ابن قدامة: " ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم فكان إجماعًا ".
• لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما يتبين فيه خلق إنسان.
فلو وضعت سقطًا صغيرًا لم يتبين فيه خلق إنسان، فليس دمها دم نفاس، بل هو دم عرق، فيكون حكمها حكم المستحاضات.
وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يومًا من ابتداء مدة الحمل.
• إذا طهرت قبل الأربعين وذلك بانقطاع الدم، اغتسلت وصلت وجوبًا.
• أنه إذا انقطع دمها قبل الأربعين وطهرت، فإنه يجوز لزوجها أن يطؤها ولا يكره، وهذا مذهب جماهير العلماء.
لأن الكراهية تحتاج إلى دليل، ولا دليل على الكراهة، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء، فكذا في الوطء.
• قال الشيخ ابن باز ﵀: " إذا طهرت النفساء في الأربعين فصامت أيامًا، ثم عاد إليها الدم في الأربعين فإن صومها صحيح، وعليها أن تدع الصلاة والصيام في الأيام التي عاد فيها الدم ".
والله أعلم
أخوكم/ سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
[ ١ / ١٣٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح
منهج السالكين
وتوضيح الفقه في الدين
للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ).
كتاب الصلاة
دورة علمية (ورثة الأنبياء)
في تاريخ ٦/ ١ - ١٠/ ١
١٤٣٠ هـ
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
[ ١ / ١٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد:
فهذا شرح كتاب منهج السالكين في توضيح الفقه في الدين [كتاب الصلاة] للعلامة عبد الرحمن السعدي ﵀،
قمت بشرحه في مدينة رفحاء ضمن الدورة العلمية الأولى التي أقامها مكتب الدعوة والإرشاد برفحاء.
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعلم الصالح
أخوكم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
[ ١ / ١٣٢ ]